صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : أزهار الرياض في أخبار القاضي عياض
المؤلف : المقري
مصدر الكتاب : الوراق

[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

تبيت له خمس الثريا معيذة ... تقلده زهر النجوم تمائما
فيا جفن لا تنفعك في الحفظ دائما ... وإن كنت في لج من البحر عائما
انتهى ما انتقيت من هذا التأليف الملوكي مع أني تركت أكثره.
قلت: وإنما أطلت في كلام الرئيس أبن زمرك رحمه الله تعالى لوجوه: أولها: أن الذي ألفت الكتاب من أجله راغب في ذلك.
الثاني: ولوع كثير من الناس بكلامه، حتى قال شيخنا سيدي الإمام العلامة المؤلف الكبير أبو العباس الشهير ببابا السوداني رحمه الله، بعد أن ذكر في التعريف به نحو عشرين سطرا: إني لم أقف في أمره على غير هذا، ولم أقف على وفاته. وبالجملة فالذي تكلم خواص الناس فيه من أمره هو ما في الإحاطة والكتيبة: وأما الجم الغفير فهم بمعزل عما في الكتابين فضلا عن غيره.
الوجه الثالث: أن ما نقلته من ذلك كان عندي مقيدا في عدة أوراق، فخفت عليه الدروس، فلذا جمعت بعضه هنا.
الرابع: ما اشتمل عليه من أوصاف الجهاد والخيل وغير ذلك من الغرائب، وليس الخبر كالعيان.
الخامس: ما في بعضه من أمداح المصطفى صلى الله عليه وسلم، وهو المقصود بالذات وغيره تبع، وهو في مسك ختام هذه الأوجه الخمس، وليس يحتاج إلى دليل نول القمر والشمس. وقد عن لي أن أذكر جملة من موشحاته لغرابتها، ولأن جل ما وقفت عليه منها ينخر في سلك المعرب، إذ أكثره من مخلع البسيط.
فمن ذلك قوله تشوقا إلى غرناطة أعادها الله ومادحا الغنى بالله:
بالله يا قامة القضيب ... ومخجل الشمس والقمر
من ملك الحسن في القلوب ... وأيد اللحظ بالحور
من لم يكن طبعه رقيقا ... لم يدر ما لذة الصبا
فرب حر غدا رقيقا ... تملكه نفحة الصبا
نسوان لم يشرب الرحيقا ... لكن إلى الحسن قد صبا
فعذب القلب بالوجيب ... ونعم العين بالنظر
وبات والدمع في صبيب ... يقدح من قلبه الشرر
أواه من قلبي المعنى ... يهفو إذا هبت الرياح
لو كان للصب ما تمنى ... لطار شوقا بلا جناح
وبلبل الدوح إن تغف ... أسهر ليلي إلى الصباح
عساك إن زرت يا طبيبي ... بالطيف في رقدة السحر
أن تجعل النوم من نصبي ... والعين تحمي من السهر
كم شادن قاد لي التحوفا ... بمربع القلب قد سكن
يسل من لحظه سيوفا ... فالقلب بالورع ما سكن
خلقت من عادتي ألوفا ... أحن للإلف والسكن
غرناطة منزل الحبيب ... وقربها السؤل والوطر
تبهر بالمنظر العجيب ... فلا عدا ربعا المطر
عروسة تاجها السبيكة ... وزهرها الحلي والحلل
لم ترض من عزها شريكة ... بحسنها يضرب المثل
أيدها الله من مليكة ... تملكها اشرف الدول
بدولة المرتجى المهيب ... الملك الطاهر الأغر
تخال من بردها القشيب ... في حلة النور والزهر
كرسها جنة العريف ... مرآتها صفحة الغدير
وجوها الطل في شنوف ... تحكيمه صنعته القدير
والأنس فيها على صنوف ... فيمن هديل ومن هدير
كم خرق الزهر من جيوب ... وكلل القضب بالدرر
فالغصن كالكعاب اللعوب ... والطير تشدو بلا وتر
ولائم النصر في احتفال ... وفرح دين الهدى جديد
سلطانها معمل العوالي ... محمد الظافر السعيد
ومخجل البدر في الكمال ... سلطانها المجتبي الفريد
أصفح مولى عن الذنوب ... أكرم عاف إذا قدر
وشمس هدى بلا مغيب ... وبحر جود بلا حسر
مولاي يا عاقد البنود ... تظلل الأوجه الصباح
أوحشت يا نخبة الوجود ... غرناطة هالة السماح
سافرت باليمن والسعود ... وعدت بالفتح والنجاح
يا ملهم القلب للغيوب ... ومطعم النصر والظفر
أسمعك الله عن قريب: ... " على السلاما من الالسفر "
و قال أيضا من الموشحات الفائقة، في مثل أغراض هذه السابقة، وأشار إلى محاسن من وصف " الرشاد " :
نسيم غرناطة عليل ... لكنه يبري العليل
وروضها زاهر بليل ... ورشفه ينقع الغليل
سقى بنجد ربا المصلى ... مباكرا روضها الغمام

(1/169)


فجفنه كلما استهلا ... تبسم الزهر في الكمام
والروض بالحسن قد تجلى ... وجرد النهر عن حسام
ودوحها ظله ظليل ... يحسن في ربعه المقيل
والبرق والجو مستطيل ... يلعب بالصارم الصقيل
عقيلة تاجها السبيكة ... تظل بالمراقب المنيف
كأنها فوقه مليكه ... كراسيها جنة العريف
تطلع من عسجد سبيكة ... شموسها كلما تطيف
أبدعك الخيال الجليل ... يا منظرا كله جميل
قلبي إلى حسنه يميل ... وقبلنا قد صبا جميل
وزاد للحسن فيك حسنا ... محمد الحمد والسماح
جدد للفخر فيك مغنى ... في طالع اليمن والنجاح
تدعى رشادا وفيك معنى ... يخصك الفأل بافتتاح
فالنص والسعد لا يزول ... لأنه ثابت أصيل
سعد وأنصره قبيل ... آباؤه عترة الرسول
أبدى به حكمة القدير ... وتوج الروض بالقباب
ودرع الزهر بالغدير ... وزين النهر بالحباب
فمن هديل ومن هدير ... ما أولع الحسن بالشباب
هبت على روضها القبول ... وطرفها بالسرى كليل
فلم يزل بينها يجول ... حتى تبدت له حجول
للزهر في عطفها رقوم ... تلوح للعين كالنجوم
وللندى بينها رسوم ... عقد الندى فوقه نظيم
وكل واد بها يهيم ... ولم يزل حولها يحوم
شنيلها مد منها نيل ... والشين ألف لمستنيل
وعين واد تسيل ... من فوق خد له أسيل
كم من ظلال به ترف ... تضفو لها فوقه ستور
ومن زجاج به يشف ... ما بين نور وبين نور
ون شموس بها تصف ... تديرها بيننا البدور
مزاجها العذب سلسبيل ... ياهل إلى رشفها سبيل
وكيف والشيب لي عذول ... وصبغة صفرة الأصيل
يا سرحة في الحمى ظليلة ... كم نلت في ظلك المنى
روضك الله من خميلة ... يجنى بها أطيب الجنى
وبرقها صادق المخيلة ... ما زال بالغيث محسنا
أنجز لي وعدك القبول ... فلم أقل مثل من يقول
" يا سرحة الحي يا مطول ... شرح الذي بيننا يطول "
و من ذلك ما كتب به للغني بالله:
أبلغ لغرناطة سلامي ... وصف لها عهدي السليم
فلو رعى طيفها ذمامي ... ما بت في ليلة السليم
كم بت فيها على اقتراح ... أعل من خمرة الرضاب
أدير منها كئوي راح ... قد زانت الثغر بالحباب
أختال كالمهر في الجماح ... نشوان في روضة الشباب
أضحكك الزهر في الكمام ... مباهيا روضة الوسيم
وأفصح الغصن في القوام ... إن هب من جوها نسيم
بينا أنا والشباب ضافي ... وظله فوقنا مديد
ومورد الأنس فيه صافي ... وبرده رائق جديد
إذ لاح في الفود غير خافي ... صبح به نبه الوليد
أيقظ من كان ذا منام ... لما انجلى ليلة البهيم
وأرسل الدمع كالغمام ... في كل واد به أهيم
يا جيرة عهدهم كريم ... وفعلهم كله جميل
لا تعذلوا الصب إذ يهيم ... فقبل قد صبا جميل
القرب من ربعكم نعيم ... وبعدكم خطبه جليل
كم من رياض به وسام ... يزهى بها الرائد المسيم
غديرها أزرق الججمام ... ونبتها كله جميم
أعندكم أنني بفاس ... أكابد الشوق والحنين
أذكر أهلي بها وناسي ... فاليوم في الطول كالسنين
الله حسبي فكم أقاسي ... من وحشة الصحب والبنين
مطارح ساجع الحمام ... شوقا الذي الإلف والحنين
والدمع قد لج في أنسجام ... وقد وهى عقده النظيم
يا ساكني جنة العريف ... أسكنتم جنة الخلود
كم ثم من منظر شريف ... قد حف باليمن والسعود
ورب طود به منيف ... أدواحة الخصر كالبنود
والنهر قد سال كالحسام ... ولراحة الشرب مستديم
والزهر قد راق بابتسام ... مقبلا راحة النديم
بلغ عبيد المقام صحبي ... لا زلتم الدهر في هنا
لقاكم بغية المحب ... وقربكم غاية المنى
فعندكم قد تركت قلبي ... فجدد الله عهدنا
ودارك الشمل بانتظام ... من مرتجى فضله العميم

(1/170)


في ظل سلطاننا الإمام ... الطاهر الظاهر الحليم
مؤمن العبدوتين مما ... يخاف من سطوة العدا
وفارج الكرب إن ألما ... ومذهب الخطب والردى
قد راق حسنا وفاق حلما ... وما عدا غير ما بدا
مولاي يا نخبة الأنام ... وحائز الفخر في القديم
كم أرقب البدر في التمام ... شوقا إلى وجهك الكريم
و من موشحاته في غير المخلع موطئا على موشحة أبن سهل التي أولها: " ليل الهوى يقظان " قوله:
نواسم البستان ... تنثر سلك الزهر
والطل في الأغصان ... ينظمه بالجوهر
وراية الإصباح أضاء منها المشرق
تنشرها الأرواح ... فلا تزال تخفق
والزهر زهر فاح ... لها عيون ترمق
فأيقظ الندمان ... تبصر ما لم يبصر
جواهر الشهبان ... قد عرضت للمشري
قدحت لي زندا ... يأيهذا البارق
أذكرتني عهدا ... إذ الشباب رائق
فالشوق لا يهدا ... ولا الفؤاد الخافق
وكيف بالسلوان ... والقلب رهن الفكر
وسحب الهجران ... تحجب وجه القمر
لولا شموس الكآس ... نديرها بين البدور
وعرج الإناس ... منا على ربع الصدور
لكن لها وسواس ... يغري بربات الخدود
كم واله هيمان ... بصبح وجه مسفر
ضياؤه قد بان ... من تحت ليل مقمر
يا مطلع الأنوار ... كم فيك من مرأى جميل
ونزهة الأبصار ... ما ضر لو تشفي الغليل
يا روضة الأزهار ... وعرفها يبري العليل
قضيبك الفينان ... يسقى بدمع همر
فلا عج الأشجان ... فيض الدموع يجري
هل في الهوى ناصر ... أو هل يجار الهائم
لو كان لي زائر ... طيف الخيال الحائم
ما بت بالساهر ... ودمع عيني ساجم
والحب ذو عدوان ... يجهد في ظلم البري
وصارم الأجفان ... مؤيد بالحور
رحماك في صب ... أذكرته عهد الصبا
بواعث الحب ... قادت إليه الوصبا
لم تهف بالقلب ... ريح الصبا إلا صبا
بليلة الأردان ... قد ضمخت بالعنبر
يشير غصن ألبان ... منها بفضل المئزر
طيبها حمد ... فخر الملوك المجتبى
من يرجح الطود ... من حلمه إذا احتبى
قد جرد السعد ... منه حساما مذهبا
فالبأس والإحسان ... والغوث للمستنصر
تحمله الركبان ... تحية للمنبر
عصابة الكتاب ... حق لها الفوز العظيم
تختال في أثواب ... ألبستها الظول الجسيم
فحسبها الإنطاب ... في الحمد والشكر العميم
خليفة الرحمن ... لازالت زاهية المظهر
يا مورد الظمآن ... ورأس المعسر
خدها بلا دعوى ... تزهي على الروض الوسيم
جاءت كما تهوى ... أرق من لدن النسيم
قد طارحت شكوى ... من قال في الليل البهيم
" ليل الهوى يقظان ... والحب ترب السهر
والصبر لي خوان ... والنوم من عيني بري "
و مخلع البسيط في الصبوحيات قوله سامحه الله تعالى ورحمه ورضى عنه:
ريحانة الفجر قد أطلت ... خضراء بالزهر تزهر
وراية الصبح إذ أظلت ... في مرقب الشرق تنشر
فالشهب من غارة الصباح ... ترعد خسوفا وتخفيق
وأدهم الليل في جماح ... أعنة البرق يطلع
والأفق في ملتقى الرياح ... بأدمع الغيث يشرق
والسحب بالجوهر استهلت ... فالبرق سيف مجوهر
صفاحة المذهبات حلت ... في راحة الجو تشهر
كم للصبا ثم من مقيل ... بطينه الزهر يشهد
والنهر كالصارم الصقيل ... في حلية النور يغمد
ورب قال به وقيل ... للطير في حين تنشد
فألسن الورق قد أملت ... مدائحا عنه تشكر
ونسمة الصبح حين كلت ... في سندس الروض تعثر
والكأس في راحة النديم ... يجلو بها غيهب الهموم
أقبست النار في القديم ... من قبل أن تخلق الكروم
والغصن في ملعب النسيم ... للزهر في عطفه رقوم
فلبة القضب قد تحلت ... والطل في الحلى جوهر

(1/171)


وبهجة الكون قد تجلت ... والروض بالحسن يبهر
يذكرني وجنة الحبيب ... والآس في صفحة العذار
وشارب العجيب ... بين أقاح وجلنار
يدير من ثغره الشنيب ... سلافة دونها العقار
حلت لأهل الهوى وجلت ... بالذكر والوهم تسكير
كم من نفوس بها تسلت ... فما لها الدهر منكر
يا غصن بان يميل زهوا ... ريان في روضة الشباب
لو كنت تصغى لرفع الشكوى ... أطلت من قصة العتاب
ومن لمثلي ببث نجوى ... للبدر في رفرف السحاب
عزائم الصبر فيك حلت ... وعقدة الصبر تذخر
قد أكثرت منك ما استقلت ... وليت لو كنت تشعر
كم ليلة بتها وبتا ... ضدين في سهد والرقاد
أسامر النجم فيك حتى ... علمت أجفانه السهاد
أراقب بدر وأنتا ... قد لحت في هالة الفؤاد
نفسي وليت ما تولت ... دعاها على الشوق تصبر
لو سمتها الهجر ما تولت ... ولم تكن عنك تنفر
علمها الصبر في الحروب ... سلطاننا عاقد البنود
معفر الصيد للجنوب ... أعز من حف بالجنود
نصرت بالرعب في القلوب ... والبيض لم تبرح الغمود
عناية الله فيه حلت ... بسعده الدين ينصر
والخلق في عصره تملت ... غنائما ليس تحصر
مولاي يا نكته الزمان ... دار بما ترضى الفلك
جللت باليمن والأمان ... كل مليك وما ملك
لم بدر وصفي ولا عياني ... أمملك أنت أم ملك
جنودك الغلب حيث حلت ... بالنصر والفتح تخفر
وعادة الله فيك دلت ... أنك بالكفر تظفر
يا آية الله في الكمال ... ومخجل البدر في التمام
قدمت بالعز والجلال ... والدهر في ثغره ابتسام
يختال في حلة الجمال ... والبدء قد عاد في اختتام
ريحانة الفجر قد أطلت ... خضراء بالزهر تزهر
وراية الصبح إذ أظلت ... في مرقب الشرق تنشر
و قال رحمه الله تعالى وسامحه:
قد طلعت راية الصباح ... وآذن الليل بالرحيل
فباكر الروض باصطباح ... واشرب على زهره البليل
فالورق هبت من السنان ... لمنبر الدوح تخطب
تسجع مفتنة اللغات ... كل عن الشوق يعرب
والغصن بعد الذهاب يأتي ... لأكوس الطل يشرب
وأدمع السحب في أنسياح ... في كل روض لها سبيل
والجو مستبشر النواحي ... يلعب بالصارم الصقيل
قم فأغتنم بهجة النفوس ... ما بين نور وبين نور
وشفع الصبح بالشموس ... تديرها بيننا البدور
ونبيه الشرب للكئوس ... تمزج من ريقه الثغور
ما أجمل الراح فوق راح ... صفراء كالشمس في الأصيل
تغادر الصدر ذا انشراح ... للأنس في طيفه مقيل
ولا تذر خمرة الجفون ... فكسرها في الهوى جنون
ولتخش من اسهم العيون ... فإنها رائد المنون
عرضت منها إلى الفتون ... وكل خطب لها يهون
أهيم بالغادة الرادح ... والجسم من حبها عليل
لو بت منها على اقتراح ... نقعت من ريقها الغليل
أواعد الطيف للمنام ... ومن لعيني بالمنام
أسهر في ليله التمام ... وأنت يا بدر في التمام
وألم الزهر في الكمام ... عليه من ثغرك ابتسام
سفرت عن مبسم الأقاح ... وريقك العذب سلسبيل
قل لي يا ربة الوشاح ... هل لي إلى وصل من سبيل
يا كعبة الحسن زدت حسنا ... وللهوى حولك المطاف
وغصن بان إذا تثنى ... لو جان من زهرك القطاف
ألا انعطاف على المعنى ... فالغصن يزهو بالانعطاف
أصبحت تزهو على الملاح ... بذلك المنظر الجميل
ووجهك الشمس في اتضاح ... لو أنها لم تكن تميل
ما الزهر إلا بنظم در ... تحسد في حسنه العقود
للملك الظاهر الأغادر ... أكرم من حف بالسعود
محمد الحمد وأبن نصر ... وباسط العدل في الوجود
مساجل السحب في السماح ... بالغيث من رفده الجليل
ومخجل البدر في اللياح ... بغرة مالها مثيل
يا مشرب الحب في القلوب ... وواهب الصفح للصفاح

(1/172)


نصرت بالرعب في الحروب ... والرعب أجدى من السلاح
قد لحت من عالم الغيوب ... لم تعدم الفوز والنجاح
مراكش نهبة افتتاح ... والصنع في فتحها جليل
بشراك بالفتح والنجاح ... والشكر من ذلك القبيل
ومن غير المخلع قوله في الهناء بالشفاء من مرض:
في كئوس الثفر من خمر اللعس ... راحة الأرواح
وتغشى الروض مسكي النفس ... عاطر الأرواح
قد كسا الأدواح وشيا مذهبا ... يبهر الشمسا
عسجد قد حل من فوق الربا ... يبهج النفسا
فاتخذ للهو فيه مركبا ... تحلق الأنسا
منبر الغصن عليه قد جلس ... ساجع الأدواح
حلل السندس خضرا قد لبس ... عطفه المرتاح
قم ترى هذا الأصيل شاحبا ... حسنه قد راق
ولأذيال الغصون ساحبا ... في حلى الأوراق
ونديمي قال لي مخاطبا ... قول ذي إشفاق
عادة الشمس بغرب تخلس ... هات الشمس الراح
إن أرانا الجو وجها قد عبس ... أوقد المصباح
ووجوه الشرب تغنى عن شموس ... كلما تجلى
بلحاظ أسكرنا عن كئوس ... خمرها أحلى
تطنب لله في الثناء ... تقول: سلمت يا سلام
كم من ثغور لها ثغور ... تبسم إذ جاءها البشير
ومن خدور بها بدور ... يشير منها له المشير
تقول إذ حفها السرور ... تبارك المنعم القدير
قد أنعم الله بالبقاء ... في ظل مولى به اعتصام
قد صادف النجح في الدواء ... فالداء عنا له انفصام
ينهيك مولاي بل يهنا ... ببرئك الدين والهدى
فالغرب والشرب منك يعني ... بمذهب الخطب والردى
والله لولاك ما تهنا ... من فيه من سطوة الردى
يا مورد الأنفس الظماء ... قد كان يشتفها الأوام
وقرة العين بالبهاء ... رددت للأعين المنام
لو أبذل الروح في البشارة ... بذلت بعض الذي ملك
فأنت يا نفس مستعارة ... مولاك بالفضل جملك
لم أرد إذ أسطر العبارة ... أملك هو أم ملك
لا زلت مولاي في هناء ... تبلغ القصد والمرام
ودمت للملك في أعتلاء ... تسحب أيذاله الغمام
و قال أيضا يصف مالقه ويمدح الغنى بالله:
عليك يا رية الإسلام ... ولا عدا ربعك المطر
مذخل في قصرك الإمام ... فقربك السؤل والوطر
كم فيك للغرم المشوق ... من منظر يبهج النفوس
والدوح في روضك الأنيق ... للشكر قد حطت الرءوس
والجو من وجهك الشريق ... تحسده أوجه الشموس
وأعين الزهر لا تنام ... تستعذب السهد والسهر
تنفث من تحتها الغمام ... ترقيك من أعين الزهر
عروسة أنت يا عقيله ... تجلى على مظهر الكمال
مدت لك الكف مستقيله ... تمسح أعطافك الشمال
والبحر مرآتك الصقيله ... تشف عن ذلك الجمال
والحلي زهر له انتظام ... يكال القضب بالدرر
قد راق من ثغره ابتسام ... والورد في خدها خفر
إن قيل من بعلها المفدى ... ومن له وصلها مباح
أقول أسنى الملوك رفدا ... مخلد الفخر بالصفاح
محمد الحمد حين يهدى ... ثناؤه عاطر الرياح
تخبر عن طيبه الكمام ... والخبر يغني عن الخبر
فالسعد والرعب والحسام ... والنصر آياته الكبر
ذو غرة تحسر البدورا ... وطلعته تخجل الصباح
كم راية سامها ظهورا ... تظلل الأوجه الصباح
وكم ظلام جلاه نورا ... أظفر بالفوز والنجاح
الطاهر الظاهر الهمام ... أعز من صال وافتخر
لسيفه في العدا احتكام ... جرى به سابق القدر
يا مرسل الخيل في الغوار ... لو تطلب البرق تلحق
لك الجواري إذا تجاري ... سوابق الشهب تسبق
تستن في لجى البحار ... فالكفر منهن يفرق
فالدين وليقصر الكلام ... بسيفيك اعتز وانتصر
كذلك أسلافك الكرام ... هم نصروا سيد البشر
و قال من غير هذا البحر في المحدث بمالقة:
قد نظم الشمل أتم انتظام ... واغتنم الأحباب قرب الحبيب

(1/173)


واستضحك الروض ثغور الكمام ... عن مبسم الزهر البرود الشنيب
وعمم النور رءوس الربا ... وجلل النور صدور البطاح
وصافح القضب نسيم الصبا ... فالزهر يرنو عن عيون وقاح
وعاد للروض زمان الصبا ... فقلد النهر مكان الوشاح
وأطلع القصر بدور التمام ... في طالع الفتح القريب الغريب
خدورها قامت مقام الغمام ... لا أشتكى من بعدها بالمغيب
أصبحت يا رية مجلى الشموس ... جمالك العين به تبهر
والبشر في جميع النفوس ... وراية الأنس بها تنشر
والدوح للشكر تحط الرءوس ... وأنجم الزهر بها تزهر
وراجع النهر غناء الحمام ... وقد شدت تسجع الخطيب
بمنبر الغصن الرشيق القوام ... لما انثنى يهفو بقد رطيب
يا حبذا مبناك فخر القصور ... بدوحة طالت بروج السما
ما مثله في سالفات العصور ... ولا الذي شاد أبن ما السما
كم فيه من مرأى بهيج ونور ... في مرتقى الجو به قد سما
خليفة الله ونعم الإمام ... أتحفك الدهر بصنع عجيب
يهنيك شمل قد غدا في التئام ... ممهد في ظل عيش خصيب
نواسم الوادي بممسك تفوح ... ونفحة الند به تعبق
وبهجة السكان فيه تلوح ... وجوه من نورهم يشرق
وروضة بالسر منه تبوح ... بلابل عن وجده تنطق
لو أن من يفهم عنا الكلام ... فهي تهنيك هناء الأديب
ونهره قد سل منه الحسام ... يلحظه النرجس لحظ المريب
فأجمل الأيام عصر الشباب ... وأجمل الأجمل يوم اللقا
يا درة القصر وشمس القباب ... وهازم الأحزاب في الملتقى
بشرك الرب بحسن المآب ... متعك الله بطول البقا
ولا يزال القصر قصر السلام ... يختال في برد الشباب القشيب
يتلو عليك الدهر في كل عام ... " نصر من الله وفتح قريب "
و قال رحمه الله من المخلع في الشفاء:
في طالع اليمن والسعود ... قد كملت راحة الإمام
فأشرق نور في الوجود ... وابتسم الزهر في الكمام
قد طلعت راية النجاح ... وانهزم البأس والعنا
وقال حي على الفلاح ... مؤذن الفوز بالمنى
فالدهر يأتي بالاقتراح ... مستقبلا أوجه الهنا
تخفق منشورة البنود ... والسعد يقدم من أمام
والأنس مستجمع الوفود ... واللطف مستعذب الجمام
وأكؤس الطل مترعات ... بأنمل السوسن الندى
والطير مفتنعة اللغات ... تشدو بأصوات معبد
والغصن يذهب ثم يات ... بالسندس الغض مرتدى
والدوح يومي إلى السجود ... شكرا لذي الأنعم الجسام
والريح خافقة البنود ... تبارك الروض بالغمام
مظاهر للجمال تجلى ... قد هز أعطافها السرور
وباهر الحسن قد تجلى ... ما بين نور وبين نور
قد هنأت بالشفاء مولى ... بعصره تفخر العصور
ما بين باس وبين جود ... قد مهد الأمن للأنام
فالدين ذو أعين رقود ... وكان لا يطعم المنام
والكأس في راحة السقاة ... تروح طورا وتغتدي
يهديكها رائق السمات ... ما بين برق وفرقد
والشمس تذهب للبيات ... قد لبست ثوب عسجد
والزهر في اليانع المجرد ... يقابل الشرب بابتسام
والروض من حلبة الغمود ... قد جرد النهر عن الحسام
مولاي يا أشرف الملوك ... وعصمة الخلق أجمعين
أهديك من جوهر السلوك ... يقذفه بحرك المعين
جعلت تنظيمه سلوكي ... وأنت لي المنجد المعين
تحية الواحد المجيد ... ورحمة الله والسلام
عليك من راحم ودود ... يا مخجل البدر في التمام
و قال رحمه الله تعالى من الرمل المجروء:
وجه هذا اليوم باسم ... وشذا الأزهار ناسم
هاتها صاح كئوسا ... جالبات للسرور
وارتقب منها شموسا ... طالعات في بدور
ما نرى الروض عروسا ... في حلى نور ونور
وأتت رسل النواسم ... تجتلي هذي المواسم
قد أهلت بالبشائر ... أضحكت ثغر الأزاهر
سنحت في يمن طائر ... ونظمن كالجواهر

(1/174)


فانشروها في العشائر ... إن هذا الصنع باهر
وأشيعوا في العوالم ... الغنى بالله سالم
أي نور يتوقد ... أي بدر يتلالا
أي فخر يتخلد ... أي غيث يتوالى
إنما المولى محمد ... رحمة الله تعالى
فهذا البحر المقاسم ... وبها حج المباسم
خير أملاك الزمان ... من بني سعد ونصر
ما ترى أن الشواني ... في صعيد البر تجري
قد أطارتها التهاني ... دون بحرى وبحر
مذ رأت بحر النعام ... كلها جار وعام
فهنيئا بالشفاء ... يا أمير المؤمنين
ولنا حتى الهناء ... وجميع المسلمين
إن جهرنا بالدعاء ... ينطق الدهر أمين
دمت محروس المكارم ... بظبي البيض الصوارم
و قال يهنئ السلطان موسى بن السلطان أبن عنان وقد وجه إليه الغنى بالله أمه وعياله عند تملكه المغرب من قبله:
قد نظم الشمل أتم انتظام ... ولاحت الأقمار بعد المغيب
وأضحك الروض ثغور الكرام ... عن مبسم الزهر البرود الشنيب
وعاود الغصن زمان الصبا ... وأشرب الأنس جميع النفوس
وعمم النور رءوس الربا ... وجلل النور وجه الشموس
وأطرب الغصن نسيم الصبا ... فالدوح للشكر يحط الرءوس
واستقبل البدر ليالي التمام ... وصافح الصبح بكف خضيب
وراجع الأطيار سجع الحمام ... بكل ذي لحن بديع غريب
نواسم الوادي بمسك تفوح ... ونفحة الند به تعبق
وبهجة السكان منه تلوح ... وجوه من نورهم يشرق
وعرفهم بالطيب منهم يفوح ... كأنه من عنبر يفتق
والنهر قد سل كمثل الحسام ... حبابه تطفو وطورا تغيب
وقال ثغرها قد راق منه ابتسام ... يهنئ الأحباب قرب الحبيب
كواكب أبراجهن الخدور ... يلوح عنها كل بدر لياح
جواهر أصدافهن القصور ... نطمها السعد كنظم الوشاح
يا حبذا والله ركب السرور ... يبشر المولى بنيل اقتراح
ابتهج الكون بموسى الإمام ... واختال في برد الشباب القشيب
وعاده يخدم مثل الغلام ... شبابه قال عاد بعد المشيب
أكرم به والله وفد الكريم ... مولاتنا الحرة في مقدمه
مرضاتها تحظى بدار النعيم ... وتوجب التوفيق من منعمه
بشر بالنصر وفتح جسيم ... وخيره أجمع في مقدمه
لقاؤها المبرور مسك الختام ... بشرك الله بصنع عجيب
وقصرك الميمون قصر السلام ... خص بحفظ من سميع عليم
مولاي يهنيك وحق الهنا ... قد نظم الشمل كنظم السعود
قد فزت بالفخر ونيل المنى ... وأنجز السعد جميع الوعود
وقرت العين وزال العنا ... وكلما مر صنيع يعود
فلا يزال ملكك حلف الدوام ... يحوز في التخليد أو في نصيب
يتلو عليك الدهر بعد السلام ... " نصر من الله وفتح قريب "
و قال رحمه الله في وصف غرناطة والطرد وغيرها:
لله ما أجل روض الشباب ... من قبل أن يفتح زهر المشيب
في عهده أدرت كأس الرضاب ... حبابها الدر بثغر الحبيب
من كل من يخجل بدر التمام ... مهما تبدى وجهه للعيون
ويفضح الغصن بلين القوام ... وأين منه لين قد الغصون
ولحظه يمضي مضاء الحسام ... ويذهل القلب بسحر الجفون
أبصرت منه إذ يحط النقاب ... شمسا ولكن ما لها من مغيب
إذا تجلت بعد طول أرتقاب ... صرفت عنها اللحوظ خوف الرقيب
من عاذري منه فؤاد صبا ... للامع البرق وخفق الرياح
يطير إن هب نسيم الصبا ... تعيره الريح خفوق الجناح
ما أولع الصب بعهد الصبا ... وهل على من قد صبا جناح
فقلبه من شوقه في ألتهاب ... قد أحرق الأكباد منه الوجيب
والجفن منه سحبه في انسكاب ... قد روض الخد بدمع سكيب
غرناطة ربع الهنا والمنى ... وقربها السؤل ونيل الوطر
وطيبها بالوصل لو أمكنا ... لم أقطع الليل بطول السهر
عما قريب حق فيه الهنا ... بيمين ذي العود بعد السفر
ويحمد الناس نجاح الإياب ... بل صنع مستجد غريب

(1/175)


ويكتب الفأل على كل باب ... " نصر من الله وفتح قريب "
ما لذة الأملاك إلا القنص ... لأنه الفأل بصيد العدا
كم شارد جرع فيه الغصص ... وأورد المحروب ورد الردى
وكم بذا الحص لنا من حصص ... قد جمع البأس بها والندى
و منها أبيات سقطت:
مولاي مولاي وأنت الذي ... جددت للأملاك عهد الجلال
والشمس والبدر من العوذ ... لما رأت منك بديع الجمال
والروض في نعمته يغتدي ... بطيب ما قد حزته من خلال
بشراك بشراك بحسن المآب ... تستضحك الروض بثغر شنيب
ودمت محروس العلا والجناب ... بعصمة الله السميع المجيب
و قد طال الكلام ولنجعل آخر موشحة له رحمه الله تعالى زهرية في مدح المصطفى صلى الله عليه وسلم وتكون مسك الختام وهي:
لو ترجع الأيام بعد الذهاب ... لم تقدح الأشواك ذكرى الحبيب
وكل من نام بليل الشباب ... يوقضه الدهر بصبح المشيب
يا راكب العجز ألا نهضة ... قد ضيق الدهر عليك المجال
لا تحسبن أن الصبا روضة ... تنام فيها تحت فئ الظلال
فالعيش نوم والردى يقظة ... والمرء ما بينهما كالخيال
والعمر قد مر كمر السحاب ... والملتقى بالله عما قريب
وأنت مخدوع بلمع السراب ... تحسبه ماء لا تستريب
والله ما الكون بما قد حوى ... إلا ظلال توهم الغافلا
وعادة الظل إذا ما استوى ... تبصره متنقلا زائلا
أنا إلى الله عبيد الهوى ... لم نعرف الحق ولا الباطلا
فكل من يرجو سوى الله خاب ... وإنما الفوز لعبد منيب
يستقبل الرجعي بصدق المتاب ... ويرقب الله الشهيد القريب
سا حسرتا مر الصبا وانقضى ... وأقبل الشيب يقص الأثر
واخجلتا والرحل قد قوضللا ... وما بق في الخبر غير الخبر
وليته لو كنت فيما مضى ... أدخر الزاد لطول السفر
قد حان من ركب التصابي إياب ... ورائد الرشاد اطال المغيب
يا أكمله القلب بغين الحجاب ... كم ذا أناديك فلا تستجيب
هل يحمل الزاد دار الكريم ... والمصطفى الهادي شفيع مطاع
فجاهه ذخر الفقير العديم ... وحبه رادى ونعم المتاع
والله سماه الرءوف الرحيم ... فجاره المكفول ما إن يضاع
عسى شفيع الناس يوم الحساب ... وملجأ لدفع الكروب
يلحقني منه قبول مجاب ... يشفع لي في موبقات الذنوب
يا مصطفى والخلق لهم العدم ... والكون لم يفتق كمام الوجود
مزية أعطيتها في القدم ... بها على كل نبي تسود
مولدك المرقوب لنا نجم ... أنجز للأمة وع السعود
ناديت لو يسمع لي بالجواب ... شهر ربيع: يا ربيع القلوب
أطلعت للهدى بغير احتجاب ... شمسا ولكن مالها من غروب
و ليكن هذا آخر ما أردناه وقصدناه من شأن أبن زمرك وسردناه.
و سنح لي أن أنتقي بعض كلام أبن خلدون في تاريخه الكبير في ذكر الموشحات والأزجال فنقول: قال رحمه الله: وأما أهل الأندلس فلما كثر الشعر في قطرهم وتهذبت مناحيه وفعوله وبلغ التعميق فيه الغاية استحدث المتأخرون منهم فنا منه وسموه بالموشح ينظمونه أسماطا أسماطا وأغصانا أغصانا يكثرون منها ومن أعاريضها المختلفة ويسمون منا بيتا واحدا ويلتزمون عدد قوافي تلك الأغصان وأوزانها متتالية فيما بعد إلى آخر القطعة وأكثر ما ينتهى عندهم إلى سبعة أبيات ويشتمل كل بيت على أغصان عددها بحسب الأغراض والمذاهب وينسبون فيها ويمدحون كما يفعل في القصائد وتجاوزوا في ذلك إلى الغاية واستضرفه الناس جملة الخاصة والكافة ولسهولة تناوله وقرب طريقه.
و كان المخترع لها بجزيرة الأندلس مقدم بن معافي القبري من شعراء الأمير عبد الله بن محمد المرواني وأخذ عنه ذلك عبد ربة صاحب كاتب العقد ولم يظهر لهما مع المتأخرين ذكر وكسدت موشحاتهما فكان أول من برع في هذا الشأن بعدهما عبادة القزاز شاعر المعتصم بن صمداح صاحب المرية وقد ذكر الأعلم البطليوسي أنه سمع أبا بكر بن زهر يقول: كل الواشاحين عيال على عبادة القزاز فيم اتفق له من قوله:
بردتم شمس الضحى ... غصن نقا مسك شم

(1/176)


ما أتم ما أوضحا ... ما أورقا ما أنم
لا جرم من لمحا ... قد عشقا قد حرم
و زعموا أنه لم يسبق عبادة وشاح من معاصريه الذي كانوا في زمان ملوك الطوائف وجاء مصليا خافه منهم أبن ارفع رأسه شاعر المأمون بن ذي النون صاحب طليطلة. قالوا: وقد أحسن في ابتدائه في الموشحات التي طارت له حيث يقول:
العود قد ترنم ... بأبدع تلحين
وسقت المذانب ... رياض البساتين
و في انتهائه حيث يقول:
تخطر ولا تسلم ... عساك المأمون
مروع الكتائب ... يحيى بن ذي النون
ثم جاءت الحلبة التي كانت في مدة الملثمين فظهرت لهم البدائع وفرسان حلبتهم الأعمى التطيلي ثم يحيى بن بقي وللتطيلي من الموشحات المذهبة قوله:
كيف السبيل إلى ... صبري وفي العالم أشجان
والركب وسط الفلا ... بالخرد النواعم قد بانوا
و ذكر غير واحد من المشايخ أن أهل هذا الشأن بالأندلس يذكرون أن جماعة من الواشين اجتمعوا في مجلس بإشبيلية وكان كل واحد منهم قد صنع موشحة وتأنق فيها فتقدم الأعمى التطيلي للإنشاد فلما افتتح موشحته المشهورة بقوله:
ضاحك عن جمان ... سافر عن بدر
ضاق عنه الزمان ... وحواه صدري
خرق أبن بقي موشحته وتبعه الباقون.
وذكر الأعلم البطليوسي أنه سمع زهر يقول: ما حسدت قط وشاحا على قول إلا أبن بقي حين وقع له:
أما ترى أحمد ... في مجده العالي لا يلحق
أطلعه المغرب ... فأرنا مثله يا مشرق
و كان في عصرهما من الوشاحين للطبوعين أبو بكر بن الأبيض وكان في عصرهم أيضا الحكيم أبو بكر بن باجة صاحب التلاحين المعروفة.
و من الحكايات المشهورة أنه حقر مجلس مخدومة أبن تيفلوت صاحب سرقسطة فألقى على بعض قيناته موشحته التي أولها:
جرر الذيل أيما جر
فطرب الممدوح لذلك وختمها بقوله:
عقد الله راية النصر ... لأمير العلا أبي بكر
فلما طرق ذلك التلحين سمع أبن تيفلويت صاح: واطرباه وشق ثيابه وقال: ما أحسن ما بدأت وما ختمت وحلف بالأيمان المغلظة إلا يمشي أبن باجة إلى داره إلا على الذهب فخاف الحكيم سوء العاقبة فاحتال بأن جعل ذهبا في نعله ومشى عليه.
ثم قال أبن خلدون بعد كلام: واشتهر بعد هؤلاء في صدر دولة الموحدين محمد بن أبي الفضل بن شرف. ثم قال: وأبن هردوس الذي له:
يا ليلة الوصل والسعود ... بالله عودي
و أبن موهل الذي له:
ما العيد في حلة وطاق ... وشم طيب
وإنما العيد في التلاقي ... على الحبيب
و أبو إسحق الدويني: سمعت أبا الحسن سهم بن مالك يقول أنه دخل على أبن زهير وقد أسن وعليه زي البادية، إذ كان يسكن بحصن إستبه، فلم يعرفه؛ فجلس حيث انتهى به المجلس، وجرت المحاضرة أن أنشده لنقصه، موشحة وقع فيها:
كحل الدجى يجرى من مقلة ... الفجر على الصباح
ومعقتم النهر في حلل ... خضر من البطاح
فتحرك ابن زهر، وقال: أنت تقول هذا؟ قال: اختبر؛ قال: ومن تكون عرفه، فقال: ارتفع فوالله ما عرفتك. قال ابن سعيد: وسابق الحلبة التي أدركت هؤلاء أبو بكر ابن زهر موشحاته وغربت. قال: وسمعت أبا الحسن سهل بن مالك يقول: قيل لابن زهر:كان لو قيل لك ما أبدع ما وقع لك في التوشيح؟ فقال: كنت أقول:
ما للموله ... من سكره لا يفيق يا له سكران
من غير خمر ... ما للكئيب المشوق بندب الأوطان
هل تستعاد ... أيامنا بالخليج وليالينا
إذ يستفاد ... من النسيم الأريج مسك دارينا
وإذ يكاد ... الحسن المكان البهيج إن يحيتا
نهر أظله ... دوح عليه أنيق مورق فيتان
والماء يجري ... وعائم وغريق من جنى الريحان
و اشتهر بعده أبن حيون. إلى إن قال أبن خلدون: وبعد هؤلاء أبن حمزون بمرسية. ذكر أبن الرائس إن يحيى الخزرجي دخل عليه في مجلسه: فأنشده موشحه لنفسه، فقال له أبن حزمون: ما الموشح بموشح حتى يكون عاريا عن التكلف؛ فقال: على مثل ماذا؟ قال على مثل قولي:
يا هاجري هل إلى الوصال ... منك سيبل
أو هل ترى عن هواك سالي ... قلب العليل

(1/177)


و أبو الحسن سهل بن مالك بغرناطة. قال أبن سعيد: كان والدي يعجب بقوله:
إن سيل الصباح في الشرق ... عاد بحرا في أجمع الأفق
فتداعت نوادب الورق ... أتراها خافت من الغرق
فبكت سحرة على الورق
و اشتهر باشبيلية لذلك العهد أبو الحسن بن الفضل. قال أبن سعيد عن والده: سمعت سهل بن مالك يقول له: يا بن الفضل، لك على الوشاحين الفضل بقولك:
وأحسرنا لزمان مضى ... عشية بان الهوى وانقضى
وأفرد بالرغم لا بالرضا ... وبت على جمرات الغضى
أعانق بالفكر تلك الطلول ... وألثم بالوهم تلك الرسوم
قل: وسمعت أبا بكر بن الصابوني ينشد الأستاذ أبا الحسن الدباج موشحاته غير ما مرة، فما سمعته يقول: لله درك إلا في قوله:
قسما بالهوى لذي حجر ... ما الليل المشوق من فجر
جمد الصبح ليس يطرد ... ما لليالي فيما أظن غد
صح يا ليل انك الأبد
أو فقضت قوادم النسر ... فنجوم السماء لا تسرى
و من محاسن موشحات أبن الصابوني قوله:
ما حال صب ذي ضني واكتئاب ... أمرضته يا ويلتاه الطبيب
عامله محبوبه باجتناب ثم ... اقتدى فيه الكرى بالحبيب بالحبيب
جفا جفوني النوم لكنني ... لم ابكه إلا لفقد الخيال
وذا الوصال اليوم قد عزني ... منه كما شاء وشاء الوصال
فلست باللأئم من صدني ... بصورة الحق ولا بالمحال
و اشتهر ببر العداوة أبن خلف الجزاري صاحب الموشحة المشهورة:
يد الإصباح ... قد زناد الأنوار من مجامر الزهر
و أبن الخرز البجائي، وله من موشحة:
ثغر الزمان موافق ... حياك منه بابتسام
و من محاسن الموشحات للمتأخرين موشحة أبن سهل شاعر اشبيلية وسبتة من بعدها فمنها قوله:
هل درى ظبي الحمى أن قد حمى ... قلب صب حله عن مكنس
فهو في نار وخفق مثلما ... لعبت ريح الصبا بالقيس
و قد نسج على منواله فيها صاحبنا الوزير أبو عبد الله بن الخطيب شاعر الأندلس والمغرب لعصره فقال:
جادك الغيث إذا الغيث همى ... يا زمان الوصل بالأندلس
لم يكن وصلك إلا حلما ... في الكرى أو خلسة المختلس
إذ يقود الدهر اشتات المنى ... تنقل الخطو على ما يرسم
زمرا بين فرادي وثنى ... مثلما يدعو الوفود الموسم
والحيا قد جلل الروض سنى ... فثغور الزهر فيه تبسم
وروى النعمان عن ماء السما ... كيف يروي مالك عن أنس
فكساه الحسن ثوبا معلما ... يزدهي منه بأبهى ملبس
في ليال كتمتا سر الهوى ... بالدجى لولا شموس الغرر
مال نجم الكأس فيها وهوى ... مستقيم السير سعد الأثر
وطر ما فيه من عيب سوى ... أنه مر كلمح البصر
حين لذلك النوم مع حلو اللمى ... هجم الصبح هجوم الحرس
غارت الشهب بنا أو ربما ... أثرت فينا عيون النرجس
أي شيء لأمري قد خلصا ... فيكون الروض قد مكن فيه
تنهب الأزهار منه الفرصا ... أمنت من مكره ما تتقيه
فإذا الماء تناجى والحصى ... وخلا كل خليل بأخيه
تبصر الورد غيور برما ... يكتسي من غيظه ما يكتسي
وترى الآس لبيبا فهما ... يسرق السمع بأذني فرس
يأهل الحي من وادي الغضى ... وبقلبي مسكن انتم به
ضاق عن وجدي بكم رحب الفضا ... لا أبالي شرقه من غربه
فأعيدوا عهد أنس قد مضى ... تعتقدوا عانيكم من كربه
واتقوا الله وأحيوا مغرما ... يتلاشى نفسا في نفس
حبس القلب عليكم كرما ... أفترضون عفاء الحبس
وبقلبي منكم مقترب ... بأحاديث المنى وهو بعيد
قمر أطلع منه المغرب ... شقوة المغرى به وهو سعيد
قد تساوي محسن أو مذهب ... في هواه بين وعد ووعيد
ساحر المفلة معسول اللمى ... جال في النفس مجال النفس
سدد السهم وسمى ورمى ... ففؤادي نهبة المفترس
إن يكن جار وخاب الأمل ... وفؤاد الصب بالشوق يذوب
فهو للنفس حبيب أول ... ليس في الحب لمحبوب ذنوب
أمره معتمد ممتثل ... في ضلوع قد براها وقلوب

(1/178)


حكم اللحظ بها فاحتكما ... لم يراقب في ضعاف الأنفس
منصف المظلوم ممن ظلما ... ومجازي البر منها والمسى
ما لقلبي هبت صبا ... عاده عيد من الشوق جديد
كان في اللوح له مكتتبا ... قوله: " إن عذابي لشديد "
جلب الهم له والوصبا ... فهو للأشجان في جهد جهيد
لاعج في أضلعي قد أضرمها ... فهي نار في هشيم اليبس
لم يدع في مهجتي إلا ذما ... كبقاء الصبح بعد الغلس
سلمي يا نفس في حكم القضا ... واعمري الوقت برجعي ومتاب
دعك من ذكرى زمان قد مضى ... بين عتبي قد تقضت وعتاب
وأصر في القول إلى المولى الرضا ... ملهم التوفيق في أم الكتاب
الكريم المنتهي والمنتمي ... أسد السرج وبدر المجلس
ينزل النصر عليه مثلما ... ينزل الوحي بروح القدس
قال: وأما المشارقة فالتكلف ظاهر على ما عانوه من الموشحات. ومن أحسن ما وقع لهم في ذلك موشحة أبن سناء الملك المصري التي اشتهرت شرقا وغربا وأولها:
حبيبي أرفع حجاب النور ... عن العذار
ننظر المسك على الكافور ... في جلنار
كللي ... يا سحاب التيجان الربا بالحلى
واجعلي ... سوارها منعطف الجدول
و لما شاع فن التوشيح في أهل الأندلس وأخذ به الجمهور لسلاسته وتنميق كلامه وتصريع أجزائه نسجت العامة من أهل الأمصار على منواله ونظموا على طريقته بلغتهم الحضرية من غير أن يلتزموا فيه إعرابا واستحدثوا فنا سموه بالزجل والتزموا النظم فيه على مناحيهم إلى هذا العهد فجاءوا فيه بالغرائب واتسع فيه للبلاغ مجال بحسب لغتهم المستعجمة.
و أول من أبدع في هذه الطريقة الزجلية أبو بكر بن قزمان وإن كانت قيلت قبله بالأندلس لكن لم تظهر حلاها ولا انسبكت معانيها ولا اشتهرت رشاقتها إلا في زمانه وكان لعهد الملثمين وهو إمام الزجالين على الإطلاق. قال أبن سعيد: ورأيت أزجاله مروية ببغداد أكثر مما رأيتها بحواضر المغرب. قال: أبا الحسن بن حجدر الإشبيلي إمام الزجالين في عصرنا يقول: ما وقع لأحد من أئمة هذا الشأن مثل ما وقع لابن قزمان شيخ الصناعة وقد خرج إلى متنزه مع بعض أصحابه فجلسوا تحت عريش وأمامهم تمثال أسد من رخام يصب الماء من فيه على صفائح من الحجر فقال:
وعريش قد قام على دكان ... بحال رواق
وأسد قد ابتلع الثعبان ... في غلظ ساق
وفتح فمه بحال إنسان ... به الفواق
وانطلق يجري على الصفاح ... وألقي الصياح
و كان أبن قزمان مع أنه قرطبي الدار كثير ما يتردد إلى أشبيلية وينتاب نهرها.
ثم ذكر أبن خلدون عنه وعن جماعة حكاية وكلاما إلى أن قال: وجاءت بعدهم حلبة كان سابقها مدغليس وقعت له العجائب في هذه الطريقة فمن قوله في زجله المشهور:
ورذاذ دق ينزل ... وشعاع الشمس يضرب
فترى الواحد يفضض ... وترى الآخر يذهب
والنبات يشرب ويسكر ... والغصون ترقص وتطرب
وتريد تجئ إلينا ... ثم تستحي وتهرب
و من محاسن أزجاله قوله: لاح الضياء والنجوم حيارى ثم قال أبن خلدون: وظهر بعد هؤلاء في إشبيلية أبن جحدر الذي فضل على الزاجلين في فتح ميروقة بالزجل المشهور الذي أوله:
من عاند التوحيد بالسيف يمحق ... أنا برئ ممن يعاند الحق
قال أبن سعيد: لقيته ولقيت تلميذه البعج صاحب الزجل المشهور الذي أوله:
يا ليتني إن رأيت حبيبي ... أفتل اذنو بالرسيلا
ليش أخذ عنق الغزيل ... وسرق فم الحجيلا
ثم جاء من بعدهم أبو الحسن سهل بن مالك إمام الآداب ثم من بعدهم لهذه العصور صاحبنا الوزير أبو عبد الله بن الخطيب إمام النظم والنثر في الملة الإسلامية غير مدافع فمن محاسنه في هذه الطريقة:
أمزج الأكواس واملالي نجدد ... ما خلق المال إلا أن يبدد
و من قوله على طريقة الصوفية وينحو منحى الششتري منهم:
بين طلوع وبين نزول ... اختلطت الغزول
ومضى من لم يكن ... وبقمن لم يزول
و من محاسنه أيضا قوله في ذلك المعنى:
البعد عنك يا بني ... أعظم مصابي
وحصل لي قمسك ... نسيت أقاربي

(1/179)


و كان لعصر الوزير أبن الخطيب بالأندلس محمد بن عبد العظيم من أهل وادي آش وكان إماما في هذه الطريقة وله من زجل يعارض به مذغليس في قوله: لاح الضياء والنجوم حيارى بقوله:
حل المجون يأهل الشطارا ... مذ حلت الشمس بالحمل
ثم ذكر أبن خلدون جملة من هذا الزجل وقال بعد ذلك: وهذه الطريقة الزجلية لهذا العهد هي فن العامة بالأندلس من الشعر وفيها نظمهم حتى إنهم لينظمون بها في سائر البحور الخمسة عشر لكن بلغتهم العمامية ويسمونه الشعر الزجلي. إلى أن قال: وكان من المجيدين في هذه الطريقة لأول هذه المئة الأديب أبو عبد الله اللوشي وله من قصيدة يمدح فيها السلطان أبن الأحمر:
طل الصباح قم يا نديم نشربو ... ونظحكو من بعد ما نطربو
ثم سردها أبن خلدون وهي طويلة جدا.
ثم قال: ثم استحدث أهل الأمصار بالمغرب فنا آخر من الشعر في أعاريض مزدوجة كالموشح نظموا فيه بلغتهم الحضرية أيضا وسموه عروض البلد وكان أول من استحدثه بينهم رجل من أهل الأندلس نزل بفاس يعرف بابن عمير فنظم قطعة على طريقة الموشح ولم يخرج فيها عن مذهب الإعراب إلا قليلا مطلعها:
أبكاني بشاطي النهر نوح الحمام ... على الغصن في البستان قريب الصباح
وكف السحر تمحو مداد الظلام ... وماء الندى يجري بثغر الأقاح
باكرت الرياض والطل فيه افتراق ... سر الجوهر في نحور الجوار
ودمع النواعر ينهرق انهراق ... يحاكي ثعابين حلقت بالثمار
لووا بالغصون خلخال على كل ساق ... ودار الجميع بالروض دور السوار
وأيدي الندى تخرق جيوب الكمام ... وتحمل نسيم المسك عنها رياح
وعاج الضياء يطلى بمسك الغمام ... وجر النسيم ذيلو عليها وفاح
رأيت الحمام بين الورق في القضيب ... قد ابتلت ارياشو بقطر الندى
ينوح مثل ذاك المستهام الغريب ... قد ألتف من ثوبو الجديد ردا
ولكن بفاح أحمر وساق خصيب ... ينظم سلوك جوهر ويتقلدا
جلس بين الأغصان جلسة مستهام ... جناحا توسد والتوى في جناح
وصار يشتكي ما في الفؤاد من غرام ... منها ضم منقارو لصدرو وصاح
فقلت أحمام أحرمت عيني الهجوع ... أدى ما تزال تبكي بدمع سفوح
قال لي بكيت حتى صفت لي الدموع ... بلا دمع نبقى طول حياتي ننوح
على فرخ طار لي لم يكن لو رجوع ... ألفت البكا والحزن من عهد نوح
كذال هو الوفا كذا هو الذمام ... انظر للجفون صارت بحال الجراح
وانتم من بكى منكم إذا تم عام ... يقول قد عياني ذا البكا والنواح
فقلت أحمام لو خضت بحر الضنى ... كان تبكي وترثي لي بدمع هتون
ولو كان بقلبي ما بقي أنا ... رماد كان يصير تحتك فروع الغصون
اليوم لي نقاسي الهجر كم من سنا ... حتى لا سبيل جملة تراني العيون
ومما كسا جسمي النحول والسقم ... أخافني نحولي عن عيون اللواح
لو جتني المنايا كان نموت في المقام ... ومن مات بعد يا قوم لقد استراح
ثم قال أبن خلدون: فاستحسنه أهل فاس وولعوا به ونظموا على طريقته وتركوا الإعراب الذي ليس من شأنهم وكثر شياعه بينهم واستحفل فيه كثير منهم ونوعوه أصنافا إلى المزدوج والكازي والملعبة والغل واختلفت أسماؤها باختلاف ازدواجها وملاحظاتهم فيها.
فمن المزدوج ما قاله أبن شجاع من فحولهم وهو من أهل تازا:
المال زينة الدنيا وعز النفوس ... يبهى وجوها ليس هي باهيا
فهل كل من هو كثير الفلوس ... ولوه الكلام والرتبة العاليا
يكبروا من كثر ماله ولو كان صغير ... ويصغر عزيز القوم إذا يفتقر
من ذا ينطبق صدري ومن ذا بغير ... وكاد ينفقع لولا الرجوع للقدر
حتى يلتجي من في قومه كبير ... لمن لا أصل عندو ولا لو خطر
لقد ينبغي نحزن على ذي العكوس ... ونصبغ عليه ثوبي من راس خابيا
أدى صارت الأذناب أمام الرءوس ... وصار يستفيد الواد من الساقيا
ضعف الناس عمل ذا أو فساد الزمان ... ما ندريو على من نكثرو ذا العتاب
أدى صار فلان اليوم يصبح بو فلان ... ولو ريت وكيف حتى يرد الجواب

(1/180)


عشنا والسلام حتى رأينا عيان ... أنفاس السلاطين في جلود الكلاب
كبار النفوس جدا ضعاف الأسوس ... هم في ناحيا المجد في ناحيا
يروا أنهم ... و الناس يروهم تيوس وجوه البلد والعمد الراسيا
ثم ذكر أبن خلددون كلاما آخر لابن شجاع. ثم قال: وكان منهم على بن الؤذن بتلمستان. وكان لهذه العصور القريبة من فحولهم بزرهون من نواحي مكانسة رجل يعرف بالكفيف أبدع في مذاهب هذا الفن ومن أحسن ما علق له بمحفوظي قوله رحلة السلطان أبي الحسن بني مرين إلى أفريقية يصف هزيمتهم بالقيروان ويعزيهم عنها ويؤنسهم بما وقع لغيرهم بعد أن عيبهم على غزاتهم إلى أفريقية في ملعبة من فنون هذه الطريقة يقول في مفتتحها وهو من أبدع مذاهب البلاغة في الإشعار بالمقصد في مطلع الكلام وافتتاحه ويسمى براعة الاستهلال:
سبحان مالك خواطر الأمرا ... بنواصيها في كل حين وزمان
إن طعناه أعظم لنا نصره ... وإن عصيناه عاقب بكل هوان
إلى أن يقول في السؤال عن جيوش المغرب بعد التخلص:
كن مرعى قل ولا تكن راعي ... فالراعي عن رعيته مسئول
واستفتح بالصلاة على الداعي ... للإسلام والرضى السنى المكمول
للخلفا الراشدين والأتباع ... واذكر بعدهم إذا تحب وقول
أحجاجا تخللوا الصحرا ... ودروا شرح البلاد مع السكان
عسكر فاس المنيرة الغر ... أين سارت به عزائم السلطان
أحجاج بالنبي زرتم ... وقطعتهم لو كلاكل البيدا
عن جيش الغرب جيت نسألكم ... المتلوف في أفريقيا السودا
وأمير كان بالعطا يزودكم ... ويدع برية الحجاز رغدا
قام كل كلسد صادف الجزرا ... ويعجز شوط بعد ما لحقان
وتركوا دم ولهب في الغبرا ... أدى صار إذ غار له سيحان
لو كان ما بين تونس الغربا ... وبلاد الغرب سد الاسكندر
مبنى من شرقها إلى غربا ... طبقا بحدبد وثانيا بصفر
لا بد للطير كان يجي بنبا ... أو يأتي الريح عنهم بفرد خبر
ما أعوصها من أمور وما شرا ... لو تقرا كل يوم على الويدان
لجرت بالدم وانصدع حجرا ... وهوت الاجراف وجفت الغدران
ادري لي بعقلك الفحاص ... وتفكر لي بخاطرك جمعا
إن كان يعلم حمام ولا رقاص ... عن السلطان شهر وقبله سبعا
بكتاب عبد المهيمن القواص ... وعلامات تنشر على الصمعا
إلا قوم العاربين بلا سترا ... مجهولين لا مكان ولا إمكان
لم يدريوا كيف يصيروا الكسرا ... أو كيف دخلوا مدينة اليروان
أمولاي بو الحسن خطينا الباب ... بقضة سيران إلى تونس
في غنا كنا عن الجريد والزاب ... وايش لك بعرب إفريقية القونس
ما بلغك عن عمر بن الخطاب ... الفارق فاتح القرى المونس
ملك الشام والحجاز وتاج كسرى ... ولم يفتح من أفريقيا دكان
كان إذا تذكر له كره ذكرا ... ويقول اسمها يفرق الإخوان
هذا الفاروق زمرد الأكوان ... صرح في أفريقيا بذا التصريح
وبقت حمى إلى زمن عثمان ... وفتحها أبن الزبير عن تصحيح
لما دخلت غنايمها الديوان ... مات عثمان وانقلب علينا الريح
وافترق الناس على ثلاث أمرا ... وبقى ما هو السكوت عنو إيمان
إذا كان ذا في مدة البررا ... أيش نعمل في أواخر الأزمان
وأصحاب الجفر في كتيباتنا ... وفي تاريخ كتابنا وكيوانا
تذكر في صحفها وأبياتا ... شق وسطيح وأبن مرلنا
أبن مرين إذا انكبت برايانا ... لجدار تونس فقد سقط شانا
قد ذكرنا ما قال سيد الوزرا ... عيسى بن الحسن الرفيع الشان
قال لي رينا وأنا بها أدري ... لكن إذا جاء القضا عمت الاجفان
ويقول لك ما رمى المرينيا ... من حضرة فاس إلى عرب دياب
راد المولى يموت أبو يحيى ... سلطان تونس وصاحب العناب
ولقد كان قبل ذا الأشيا ... جعل أولاد أبو الحسن أنسابا
ثم أخذ في ترحيل السلطان وجيوشه إلى آخر رحلته ومنتهى أمره مع أعراب أفريقية وأتى فيها بكل غريبة من الإبداع.

(1/181)


و أما أهل تونس فاستحدثوا فن الملعبة أيضا على لغتهم الحضرية إلى أن أكثره رديء ولم يعلق بمحفوظي منه شيء لرداءته.
و كان لعامة بغداد أيضا فن من الشعر يسمونه المواليا وتحته فنون كثيرة يسمون منها القوما وكان ومنه مفرد ومنه في بيتين ويسمونه دوبيت على اختلاف الموازين المعتبرة عندهم في كل واحد منها وغالبا مزدوجة من أربعة أغصان وتبعهم في ذلك أهل مصر والقاهرة وأتوا فيها بالغرائب وتجاروا فيها بأساليب البلاغة بمقتضى لغتهم الحضرية فجاءوا بالعجائب.
و رأيت في ديوان الصفي الدين الحلي من كلامه أن المواليا من بحر البسيط وهو ذو أربعة أغصان وأربع قواف يسمى صوتا وبيتين وأنه من مخترعات أهل واسط وأن كان وكان في قافية واحدة وأوزان مختلفة في أشطاره والشطر الأول من البيت أطول من الشطر الثاني ولا تكون قافيته إلا مردفة بحرف العلة وأنه من مخترعات البغداديين وأنشد فيه.
ثم ذكر أبن خلدون عدة مقطعات من المواليا ومنها:
ناديتها ومشيبي قد طاوني طي ... جودي على مقبله في الهوى يا مي
قالت وقد تركت داخل فؤادي كي ... ما ظن القطن يغشى فم من هو حي
و منها:
يا حاديا العيس أزجر بالمطايا زجر ... وقف على منزل أحبابي قبيل الفجر
وصح في حيهم ما من يريد الأجر ... ينهض يصلي على ميت قتيل الهجر
و منها:
عيني التي كنت أرعاكم بها باتت ... ترعى النجوم وبالتسهيد اقتاتت
واسهم البين صابتني ولا فاتت ... وسلوتي عظم الله أجركم ماتت
ثم قال: ومن الذي يسمونه ذو بيت:
قد أقسم من أحبه بالباري ... أن يبعث طيفه مع الأسحار
يا نار أشواقي به فاتقدي ... ليلا عساه يهتدي بالنار
و اعلم أن الذوق من معرفة البلاغة منها كلها إنما يحصل لمن خالط تلك اللغة وكثر استعماله لها ومخاطبته بين أجيالها حتى يحصل ملكتها كما قلناه في اللغة العربية فلا يشعر الأندلسي بالبلاغة التي في شعر أهل المغرب ولا المغربي بالبلاغة التي في شعر أهل الأندلس والمشرق ولا المشرقي بالبلاغة التي في شعر أهل الأندلس والمغرب لأن اللسان الحضري وتركيبته مختلفة فيهم وكل واحد منهم مدرك بلاغة لغته وذائق محاسن الشعر من أهل بلدته وفي خلق السموات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم آيات للعالمين.
انتهى كلام أبن خلدون في ديوان العبر ببعض الاختصار.
قلت: كأن بمنتقد ليس له خبره يسدد سهام الاعتراض ويتولى كبره ويقول: ما لنا وإدخال الهزل في معرض الجد الصراح؟ والذي أحوجنا إلى ذر هذا المنحى والأليق طرحه كل الاطراح؟ فنقول في جوابه على الإنصاف: لم تزل كتب الأعلام مشحونة بمثل هذه الأوصاف وليس مرادهم إيثار الهزل على غيره وإنما ذلك من باب ترويح القلب وهو أعون على خيره وللسلف في مثل ذلك حكايات يطول جلبها ولا يقدح ذلك في سكينتهم ولا يتوهم لسببه سلبها ويرحم الله تعالى عياض إذ قال:
قل للأحبة والحديث شجون ... ما ضر أن شاب الوقار مجون
و الأبيات الآتية في محلها.
و ليس قصدنا نحن بهذا علم الله غرضا فاسدا ننفق منه في سوق الهزل كاسدا وإنما غرضنا صحيح وزندنا غير شحيح. على أن المقصود الأعظم مدح النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الأوزان وكل ما سيق وسيلة إلى ذلك مما راق أوزان.
و أعلو أيها الناظر أذهب الله عن ساحتك الأشجان أن كثيرا من الأئمة مدحوا بذلك المبعوث رحمة إلى الإنس والجان صلى الله عليه وسلم صلاة وسلاما يتوضع نشرهما في المشارق والمغارب ويتألق نورهما فيهتدي به قائلهما لقضاء الأغراض والمآرب. فمن ذلك قول بعض من كرع من منهل حبه العذب المشارب من موشح لم أقف من إلا على قوله:
البلبل في الرياض لما نشدا ... بالقول شدا
والغصن له يميل حتى سجد ... مما وجدا
قد مدينة له الأكف من غير ندا ... يمتاح ندى
والورق شدت بصوتها الملحان ... دون العلق
لما ذكر بأطيب الألحان ... رب الفلق
يا أشرف مرسل به الله هدى ... من رام هدى
بالمدح لديك عبد وهاب غدا ... يرجوك غدا
يا من مديحه جلا كل صدا ... ممن رصدا
يا ملجأ كل خائف أو جاني ... بالذنب شقي
لا زال حماك روضة للجاني ... والمنتشق

(1/182)


يا عرب الشهامة حماكم أربي ... فيه العربي
فالسعي لغير أرضكم لم يجب ... حث النجب
فالفضل لكم مع كمال الحسب ... عند النسب
من مدحكم تصرمت أحزاني ... والفرح بقي
عندي أبدا وفوحت أوزاني ... مسك العبق
و من ذلك قول بعض العدول من أهل العصر القريب من عصرنا رحمهم الله تعالى:
يا عريب الحمى من حي الحمى ... أنتم عيدي وانتم عرسي
لم يحل عنك ودادي بعدما ... حلت لا وحياة الأنفس
من عذيري في الذي أحببته ... ملك القلب شديد البرحا
بدر تم أرسلت مقلته ... سهم لحظ لفؤادي جرحا
إن تبدي أو تثني خلته ... غصن بان فوقه شمس ضحى
تطلع الشمس عشاء عندما ... تتحلى منه أبهى ملبس
وترى الليل أضاء منهزما ... وترى الصبح أضاء في الغلس
يا حياة النفس صل بعد النوى ... وألها مضنى شديد الشغف
قد براه السقم حتى ذا الهوى ... كاد أن يفضي به للتلف
آه من ذكرى حبيب باللوى ... وزمان بالمنى لم يسعف
كنت أرجو الكيف يأتي حلما ... عائدا يا نفس من ذا فا يأسي
هل يعود الطيف الصبا مغرما ... ساهرا أجفانه لم تنعس
همت في أطلال ليلى وأنا ... ليس في الأطلال لي من أرب
ما مرادي رامة والمنحى ... لا ولا ليلى وسعدي مطلبي
إنما سؤلي وقصدي والمنى ... سيد العجم وتاج العرب
أحمد المختار طه من سما ... الشريف أبن الشريف الكيس
خاتم الرسل الكريم المنتمى ... طاهر الأصل زكي النفس
و لم أقف من هذه الموشحة على غير هذا القدر وهو عجيب عارض موشحتي أبن سهل وأبن الخطيب السابقتي الذكر.
و من ذلك جملة موشحات أنتقيتها من كلام الشيخ الإمام الصالح الزكي الصوفي أبي عبد الله محمد بن أحمد بن الصباغ الجذامي وقد ألف ذلك بعض الأئمة في تأليف رفعه للسلطان المرتضى صاحب مراكش وأطال فيه من موشحات هذا الشيخ وسائر نظمه ولم أذكر من موشحاته إلا الغرر على أنها كلها غرر فمن ذلك قوله رحمه الله:
ألف المضنى الشجونا ... وارتضى الأحزان دينا
فوق صفح الوجنتين ... أهمل الدمع الهتونا
يقطع الأيام حزنا ... وبكاء وعويلا
فارحموا صبا معنى ... قلبه يذكى غليلا
ملهب الأحشاء مضنى ... بالنوى أضحى عليلا
ذاب شوقا وحنينا ... وسقاما وأنينا
يا له من حلف بين ... يرتضى فيك المنونا
أترى عهدا تقضى ... منكم هل لي يعود
فمتى عني ترضى ... قد برئ جسمي الصدود
لم أطق والله نهضا ... فبحق الحق جودوا
وارحموا صبا مهينا ... كم شكى البين سنينا
وشئون المقلتين ... تسكب الدمع المعينا
قد ذوى غصن الشباب ... ومضى عمري وولى
آن لي وقت الإياب ... كم أسلى النفس جهلا
هذه عرس المتاب ... في قباب الوصل تجلى
حسنوا فيها الظنونا ... وادخلوها آمنينا
قد وصلنا كل بين ... وعفونا ورضينا
نحو هانيك الربوع ... فاجهدوا كد الحمول
وإلى قبر الشفيع ... أعملوا سير الرحيل
إن تكن خلي مطيعي ... يمن خير رسول
كن لي يا رب معينا ... وصل الصب الجزينا
قبل أن يحين حيني ... وأرى الموت يقينا
نم ريحان التداني ... وسرت ريح الوصال
قد صفا ورد الأماني ... فانتهض نحو المعالي
صاح كم هذا التواني ... فاستمع عذب المقال
وبلينا وابتلينا ... واش يقول الناس فينا
قم بنا يا نور عيني ... نجل الشك يقينا
و قوله في التشوق إلى مكة وطيبة على ساكنها الصلاة والسلام:
زهر شيب المفارق ... تفتحت عنه الكمام
فابك الزمان المفارق ... وحاك في النوح الحمام
عوضت بالصبح الأصيل ... وقد عرا البدر أنكساف
ألم بالغصن الذبول ... وكان لدنا ذا انعطاف
ريح الصبا كان تميل ... كأن سلا صرف السلاف
حتى رمى القلب راشق ... وفوقت نحو السهام
ولسان الحال ناطق ... يخبرني أن لا دوام

(1/183)


يا بدر أيام الشباب ... هل للأفول منك طلوع
أضحى فؤادي ذا المذاب ... حليف أشجان فزوع
ونار حزني في ألتهاب ... تذكى بأحناء الضلوع
فإن هفا البرق خافق ... ذكرت عهدي بالخيام
إن تأوه عاشق ... ساجلت في دمي الغمام
ولى الشباب وانقضى ... فدمع عيني في انهمال
وفي الحشى جمر الغضا ... لفقد هاتيك الليال
يا عهد أيام الرضا ... هل رجعت دني الوصال
تحيا بها نفس وامق ... مضنى الفؤاد مستهام
نحو العذيب وبارق ... يحدو به حادي الغرام
يهيجه لمع البوارق ... من طيبة حين تشام
فإن تعقني العوالق ... ألصقت خدي بالرغام
يا دار هل يدنو المزار ... فيعقب الليل الصباح
لهفي على بعد الديار ... وقال الأصمعي: أرياش الجناح
متى أرى أحدو القطار ... فقد براني الأنتزاح
أشدو المطايا السوابق ... مزمزما عند المقام
ثغر الزمان الموافق ... حياك منه بابتسام
و قوله رحمه الله:
رسوم ظاهر البلى ... بكل رسم طامس العنوان
وربعهم ما أشكلا ... منها لك حازم تبيان
قف بالديار وأعتبر ... إن كنت من أهل العبر
وأنظر لها وأزدجر ... فإن فيها الأجر
كم معلم قد دثر ... فلم يبن منه أثر
تبكيه ورق الفلا ... وفي بكى الحمام أشجان
فلننتدب إلى الطلا ... ففي فؤاد الهائم أحزان
سماعا من الوجود ... عنه تفاهم العقول
فغيبه وشهود ... كلاهما عين الدليل
حتى متى يا مريد ... تختال في ثوب الخمول
تشكو لنا العللا ... وأنت بالمآثم جذلان
فلذ بعز العلا ... فعندنا للنادم إحسان
فناء أهل الطريق ... هو الوجود المطلق
فكل معنى دقيق ... بوصفهم يحقق
أنوارهم في شريق ... بها استضاء الموفق
قد أوضحوا السبيلا ... فهم لنا في العالم برهان
فاجنح إليهم ولا ... تعفل للمواسم إبان
يا ناسيا لوصلنا ... أيقظ من النوم الجفون
سلم إلينا فعلنا ... ما كان منه أو يكون
لا حول إلا حولنا ... فأنف الشكوك والظنون
يا غادرا قد سلا ... أقصر فليس يجمل سلوان
لله ما أجملا ... من بات وهو بالهوى نشوان
يا طلبي للندى ... يبغي السماحة والنوال
يمم ... فديت احمدا بدر العلا شمس الكمال
وعد عمن شدا ... واستغرق المدح وقال:
إن جئت أرض سلا ... تلقاك بالمكارم فتيان
هم سطور العلا ... ويوسف بن القاسم عنوان
و قوله رحمه الله:
بأرض طيبة معهد ... شوقي إليه مجدد
هل لي بتلك الطلول
من زورة ومقيل
يا قبر خير رسول
متى يراك فيسعد ... صب ببعدك مكمد
مذ قد براه انتزاح
وقص منه الجناح
له إليك ارتياح
بالغرب أضحى مقيد ... والضعف والشيب يشهد
ربع التواصل أقوى
فمن على الهجر يقوى
قد صير الجسم نضوا
سهم بعاد مسدد ... لقد رماني فأقصد
متى يتاح التداني
لمكد القلب عاني
يشدو بكل لسان
عسى الذي كنت أعهد ... مما تقضى يجدد
يا بغيتي يا مرادي
أشكوك فرط بعادي
في كل وادي أنادي:
مالي غيرك مقصد ... فكيف بالهجر أقصد
فوضت أمري إليك
فذاك وقف عليك
مالي شفيع لديكا
إلا بكائي سرمد ... فمن على الحسن يسعد
بي فاعل ما تشاء
أضحى لي منك الرجاء
فكل داء دوا
وكل رأيي مسدد ... وكل أمر مرشد
و قوله رحمه الله:
قم وناج الله في داجي الغلس ... تنتشي الأرواح
والتمس للعفو فيه ملتمس ... وانتبه قد فاح
عرف أزهار الرضا ثم اقتبس ... نور رشد لاح
وانتشق يا صاح أرواح السحر ... يا لها مشموم
عرفه إن هب في إثر الزهر ... ينعش المزكوم
مرغ الخد ونادي بالنحيب ... واهمل الأجفان
قف بمغناهم وقوف مستريب ... حالف الأشجان

(1/184)


واشك إن وافقت إصغاء الطبيب ... علة الهجران
فعسى بالوصل تحيي ما دثر ... ويطيب النعيم
فالنوى ما إن عليه مصطبر ... والبعاد أليم
يا رحيم الخلق رحماك فقد ... جئت مغنى رحيب
ليس للعبد على النار جلد ... وهو عبد مريب
عبد سوء لحماك قد قصد ... يشتكي بالذنوب
من له يوم ترامي بالشرر ... زفرات الجحيم
فيهاب الخلق من خير البشر ... عافني يا رحيم
أنا ما بين مقامين مقيم ... أورثاني شجا
في فؤادي من دموعي كلوم ... قلما ترتجي
واعتلاقي بجناب الكريم ... مشعر بالنجا
ها أنا في الحالتين في خطر ... والفؤاد سليم
سلك التوحيد فيه بالنظر ... سبل نهج قويم
أحليف الحزن تشكو بالعباد ... لذ بمجد أثيل
في قباب المجد تحظى بالمراد ... حيث حل الرسول
عنده يشفي صداه الفؤاد ... واسألن من يقول:
ليتني رملة الحرة
و قوله رحمه الله:
نأت بي الأوطان ... عن حضرة الإحسان ولا معين
فمن لذي أحزان ... لطيبة قد كان له حنين
شطت بي الدار ... فيا شوقها ليثرب
أحبابه ساروا ... والبين أقصاه بالمغرب
في قلبه نار ... تذكيه أمراه فلتعجب
لو سابق الإخوان ... في ذلك الميدان أضحى مكين
فحالف الأشجان ... واصحب مع الأحيان قلبا حزين
للمورد العذب ... والمنهل السلسل شدوا الرحيل
فيا ظما قلبي ... لذلك المنهل هل من مقيل
بساحة القرب ... فيبرد السلسل حر الغليل
إن أمكن الإمكان ... أن يكرع الظمآن من المعين
في مشرب الرضوان ... فذاك سعد دان للرائدين
يا حادي الظعن ... وسائق الركب إلى العقيق
أسفت للبين ... فهل إلى القرب يلفي طريق
متى النوى تدنى ... من مطلع الشهب قلبا خفوق
فيثرب بستان للروح والريحان ... فيه فنون
ودوحه المزدان ... تحيا به الأكوان في كل حين
يا خير مرسول ... للحر والعبد بالمعجزات
نداء مخبول ... نادى على بعد خوف الممات
أنتم مني سولي ... وانتم قصمدي ولي صفات
تمجها الآذان ... وتقتضي الهجران فما تكون
من ذي شجون عان ... يحكى بدوح ألبان شادي الغصون
يا صاح والقصد ... أن يظفر الأواه بقصده
إن شفك البعد ... فثق بعفو الله عن عبده
ودع فتى يشدو ... واللهو قد ألهاه عن رشده
جنان يا جنان ... أجن من البستان الياسمين
وخل الريحان ... بحرمة الرحمن للعاشقين
و قوله رحمه الله تعالى:
لأحمد المصطفى مقام
جل علا فلا يرام
بنوره يهتدى الأنام
فأي شمس وأي بدر ... قد أطلعته لنا السعود
بنوره تشرق الشموس
في حبه تخلع النفوس
يا أيها المسمع الرئيس
أدر علينا كئوس فخر ... من ذكره تعط ما تريد
أمدح خير الروى نعيم
نحن أناس بها نهم
يا مادحيه بالله قوموا
خوضوا بنا موج بحر فخر ... من مات فيه فهو شهيد
الشطح في حله مباح
ونحن قوم لنا ارتياح
قلوبنا حشوها جراح
من نأي مغنيات ليت شعري ... متى يرى قبره العميد
إن سمح الدهر بالوصول
لقبر خير الروى الرسول
السيد الأرفع الجليل
فثم نخلع ثياب طهر ... وتوفى روح لمن تريد
و قوله أيضا:
لهفي على عمري مضى ... والشيب في الفود بدا وما قضيت الغرضا
أيام ريعان الشباب ... ولت ولم تنو الإياب
فنار حزني في التهاب ... ودمع عيني في انسكاب
يا عهد أيام الرضا ... ليس رجعة تشفي الصدى وتبقي المرضا
إن كنت من أهل الصفا ... دع عنك أوصاف الجفا
وأذكر كرم الله وجهه لرسم قد عفا ... وهو بمدح المصطفى

(1/185)


الهاشمي المرتضى ... تاج العلا شمس الهدى لا تبغ منه عوضا
وشم ربوعا للحبيب ... وانزل بمغناه الرحيب
ولذ بمرعاه الخصيب ... فهو لما تشكو الطبيب
ناد به معرضا ... هل تقبلون مكمدا قد كان عنكم اعرضا
رمت فؤادي النوى ... وغصن عمري قد ذوى
والشوق قلبي قد كوى ... واها على فقدي القوى
قضى النوى ما قد قضى ... هل يستطيع الجلدا قلب على جمر الغضى
لقد تناءت الديار ... وشط بي عنها المزار
لو كان لي حكم اختيار ... ما قر بي عنها قرار
ما شاءه حكم القضا ... يجري ولو طال المدى فلا تكن معترضا
وقوله رحمه الله:
أطلع الصبح راية الفجر ... فتبدي المكتوم من سري
إن تكن باحثا عن الأسرار ... فانتشق صاح نفحة الأسحار
وأطل في الأصائل الأذكار ... فهي أذكى من عاطر الأزهار
أين طيب المسك وشذا الزهر ... في دجى الليل من شذا الذكر
آو من أدمعي ومن حزني ... فجعة البين كم ترى تضني
جسم مشتاق دمعي الجفن ... يا عذولي عليهم عني
عبراتي تنهل كالقطر ... وفؤادي يذكى على الجمر
شفني الوجد فأجبروني صدعي ... يوم بنتم عن ساحتي سلع
خدد الحد ساكب الدمع ... إن تدعون متيم الجزع
بدل العسر منه باليسر ... وأتته السعود بالبشر
ليس للعبد منكم بدك ... قد براني وشفني البعد
من لصب أذابه الوجد ... بات في دوح حزنه يشدو
في هواكم لقد فنى عمري ... فالطفوا بي وأمنوا ذعري
سيدي أنت ملجأ الصب ... فأجر من ضني النوى قلبي
إن تكن لي أو إن تكن حبسي ... فيك أشدو مقال ذي عجب
جبرر الذليل أيما جر ... وصل الشكر منك بالشكر
وقوله رحمه الله تعالى:
لأحمد بهجة ... كالقمر الزاهر في أبراج السعد
علاؤها يسبي ... بنوره الباهر كل سنى مجد
في عالم القدس ... قدس علياه ففاق في الحمد
بالبدر والشمس ... يزري محياه فجل عن ند
للجن والإنس ... أرسله الله يهدي إلى الرشد
أذل بالحجة ... وأمره الظاهر من خان للعهد
بالشرق والغرب ... ثناؤه العاطر أندى من الند
يا خير مرسول ... من خيرة الخلق أذابي البعد
إليك يا سوبي ... قد شوقي فكم أرى أشدو
بصوت مخبول ... حكى غنا ورق هيجا الوحد
غرقت في لجة ... وليس لي ناصر على جوي البعد
إلا يا حسبي ... وأدمع الناظر تنهل في الخد
إن عاقني ذنبي ... عن ذلك المغنى فليس لي حول
وكيف بالقرب ... للهمام المضى وبيننا سبل
تذيب بالكرب ... جسما ذوى حزنا وشفه الخبل
إليكم وجه ... وجها غدا حائر والدمع في الخد
ينهل كالسحب ... وزفرة الخاطر تلهب بالوقد
يا سامع النجوى ... إليك أوصابي تشكو بأوجالي
تركتني تنضوا ... ألوذ بالباب مقسم البال
إن كان بالبلوى ... لطول أغيابي أسأتم حالي
فقلبكم رجه ... بها أرى حاسر إن لم تكن ندى
أعوذ بالحب ... من أمرك الآمر بالبعد للعبد
بحب من تحدى ... لقبره النجب السيد الطاهر
هم دائما وجدا ... يا أيها الصب وعد عن خاطر
من قال إذ أودى ... بقلبه الحب قولا غد سائر
بدائع البهجة ... ونزهة الناظر وجنة الخلد
وبغية القلب ... وراحة الخاطر في ذلك الخد
و قوله، رحمه الله تعالى:
لأحمد تعنو الأقمار ... فعدد فخاره
وأنظم ثناه أشعار ... ولازم وقاره
لأحمد بدر الأفق ... وشمس المعالي
تأجج نار إنشوق ... وكيف احتيالي
لئن فاز أهل السبق ... بذاك الكمال
وحلوا بهاتيك الدار ... وحازوا جواره

(1/186)


ففي القلب نار الأفكار ... قد أذكت أواره
حادي الركب بلغ عني ... سلاما كثيرا
وقل مغرم ذو حزن ... قد أضحى أسيرا
أصمته سهام البين ... لم يلف نصيرا
وقد أبعدته الأقدار ... والحزن أثاره
في القلب تنائي الأقطار ... يضرم ناره
إذا لاح لمع البرق ... من اكناف نجد
دعاني إليه شوقي ... وافرط وجدي
إلى قبر خير الخلق ... سأجهد جهدي
لعلي أقضى الأوطار ... وأعطى مزاره
فعني تمحى الأوزار ... إذا زرت داره
يا حادي شوقي زمزم ... بذكر حبيب
يا حر وجدي ضرم ... نيران الوجيب
يا دمع عيني ارقم ... بخد الكثيب
رسوم سطور التذكار ... لربع أناره
سنا نور وجه المختار ... قد أعلى مناره
أيا رب بالمختار ... والصحب الكرام
قرب قرب نائي الدار ... من ذلك المقام
وأغفر قول ذي إصرار ... غنى في هيام
من يروني دار العطار ... بذرا المناره
ثيابي وما تحي الدار ... نعطه البشاره
و قوله رحمه الله تعالى:
آه من فرط الوجيب ... أورثت قلبي خبلا
زفرات شوق مدنف ... منكم لم يعط وصلا
قد أذابته الشجون ... والبكاء والأنين
نحوكم له حنين ... أبدا به يدين
دمع خديه الهتون ... دميت منه الجفون
يا ساقمي يا طبيبي ... عفوكم عني أولى
لم تزل باللطف توصف ... فأنل عبدك فضلا
لم تزل بي في أموري ... سيدي مولى لطيفا
أنت مولاي نصيري ... فاجبر العبد الضعيفا
من عذيري أو مجيري ... إن أطلت بي الوقوفا
يا ليومي العصيب ... وسجل الصحف يتلى
وقلوب الخلق ترجف ... ولنار الخوف تصلى
بالنبي بالعلى ... بالرفيع القدر أحمد
وعتيق الرضى ... وأبي حفص الممجد
والشهيد وعلى ... غرر الفجر المؤبد
نحو ساحات الحبيب ... فلتيسر لي سبلا
فمتى بالقرب أسعف ... أو أرى لذلك أهلا
يا حداة العيس عنى ... فاحملوا نحو العقيق
أسفي وطول حزني ... وبكائي وشهيقي
علني بالخيف أجنى ... زهر إبان اللحوق
هل لصب من نصيب ... فيعود الهجر وصلا
يا زمان القرب أعطف ... وأنل مضناك شملا
سيدي قد ذبت حزنا ... لا تخيب فيك قصدي
وأنلني منك حسني ... قد براني طول بعدي
واغتفر قول معنى ... هائما يشكو بوجدي
يا فلان إن زرت حبي ... افتل أذن وبالرسيلا
ليس أخذ عنق الخشيف ... وسرق فم الحجيلا
انتهى ما قصدته من موشحة هذا الشيخ النبوية.
و أما نظمه في غير الموشحات فمنه قوله رحمه الله:
هب النسيم بطيب ذكر الهادي ... فتأرجت نفحات عرف النادي
يا شاديا يشدو بمدح محمد ... كرر فديتك مدحه يا شادي
كرر على الأسماع ذكر محمد ... فلذكره برد على الأكباد
وأعد علينا نظم فخر هلال من ... بهر الورى من حاضر أو بادي
هو ذروة المجد اللأثيل وقطبه ... هو صفوة الأشراف والأمجاد
هو بحر جود فاض عذب نواله ... وصفت موارده لدى الوراد
هو خير خلق الله والمختار من ... أعلى بحار جل عن أنداد
هو منتهى أملي وملجأ مفزعي ... هو شمس إيماني وبدر رشادي
هو عصمتي مما أخاف وحبه ... يوم القيامة للخطوب عمادي
إشراق كل النيرات وحسنها ... من نور حسن شهابه الوقاد
لا تعجبوا فعناية المختار قد ... خرقت قياس العقل في المعتاد
شوقي إلى ذاك المقام أثاره ... حزن تلهب لفحه بفؤادي
يا ويح مكتئب وما قد شفه ... من فرط أحزان وطول بعاد
كم رام قرب الدار من أحبابه ... لو أسعف المقدور بالإسعاد
كم رام أن يشفى بزورته ظلما ... لب إلي تلك المعاهد صادي
أيام أطلع بدر حسن شبابه ... من فوق ناعم غصنه المياد
فالآن قد لعبت به أيامه ... وعدت عليه للمشيب عوادي
شيب وضعف وانتزاح مواطن ... فمتى الدهر نيل مراذي

(1/187)


لهفي على عمر تصرم واقضى ... أفنيت فيه طارفي وتلادي
فلأنزحن مدافعي أسفا على ... ما قدمته يدي ليوم معادي
يا حادي الأضعان يأمل طيبة ... أقصص فديتك قصتي يا حادي
وانزل بهاتيك الربوع وقف على ... نادي الندامي إن عرضت وناد:
هذا أسير بعادكم أجفانه ... تجلى بفيض الدمع سحب عهاد
فمتى على بعد الديار وشحطها ... يحظى بوصلكم حلف سهاد
فعليكم مني لسلام طيب ... ما ناح غريد بسرحة وادي
و قوله رحمه الله:
سأنظم من فخر النبي محمد ... لآلئ لا يبلى جديد نظامها
تضوع طيبا عرفها فكأنه ... تضوع أزهار بدت من كمامها
سجايا أبت إلا السماكين منزلا ... ففاق على العلياء علق مقامها
خلال إذا لاحت قباب لدى علا ... تنيف فتعلوها قباب خيامها
إذا يمموا يوما إمام مكارم ... فأحمد قد أضحى إمام إمامها
فكم ذو علا أو ما لدرك مقامها ... فمر ولم يدرك مرامي مرامها
وكم ظامي رام يروى بريها ... فآب وقد ضحى عليل أوامها
لذلك العلا قلبي مشوق بحبهم ... وقد شوقت نفسي بطول مقامها
فلله عيه لا تمل بكاءها ... وقد حرمت فيه لذيذ منامها
ونفس على بعد الدار قريحة ... تطارح في البلوى حمام حمامها
وعمر مضت أيام شرخ شبابه ... وقد صرف الدهر غصن قوامها
قيا نسمة الأسحار من نحو يثرب ... ألمى بنفس قد ذوت بضرامها
ويا حادي الأظان نحو قبابهم ... إلا فاخصص العليا بطيب سلامها
و من ذلك قوله رحمه الله مخمسا شعرا لغيره:
إلا هل إلى وادي العقيق طريق
فقد هاج شوقا للديار مشوق
يقول وفي الأكباد منه خفوق
دموعي على وادي العقيق عقيق ... ولي زفرة تحدو بها وتسوق
إذا ما حدا في ظلمة الليل دالج
تحركني نحو العقيق لواعج
وعندي من الشوق المبرح هائج
وفي كبدي من لوعة البين لاعج ... يهيج بها بين الضلوع حريق
ولما جرت بي نحو طيبة أسعدي
وبلغت آمالي وأوتيت مقصدي
وأوردني التوفيق أعظم مورد
نظرت فقالوا إن ذا قبر أحمد ... وذاك أبو حفص وذاك عتيق
فما ذاك إلا أنني شممت بارقا
ففت الجوى مني ضلوعا خوافقا
وأبديت وجدا للعوائد خارقا
فما ملكت عيني دموعا سوابقا ... ولا هدأت لي زفرة وشهيق
بذكرك يا خير الأنام تلذذي
وباسمك من خطب البعاد تعوذي
وما زال قلبي بامتداحك يتغذى
ألا يا رسول الله حبك منقذي ... وإني لفي بحر الذنوب غريق
عليك مدى الأحيان تنهل أدمعي
وفيك وإن أبدعت ما زال مطمعي
شفيعي حبي للنبي المرفع
وهل تحرقن النار قلبي وأضلعي ... وحبك في قلبي وأنت رفيق
ثناؤك ريحاني ومسكي ومندلي
عليك رسول الله كل معولي
حنانيك للقلب المتيم فابذل
فكم فيه من مثقال حبة خردل ... وربك بالوعد الكريم حقيق
قلت: ولنجعل آخر ما أوردناه من أمداحه النبوية قوله:
تركت انتداح العالمين ولذت من ... مدائح خير الخلق بالعروة الثقى
سأجعلها كهفي وحصني وملجئي ... لعلي بالأمداح أستوجب العتقا
نسأل الله بجاه هذا النبي الشرف القدر العظيم المزية أن يعتقنا من النار ويجيرنا في الدنيا والآخرة من كل مصيبة ورزية وأن يسهل علينا زيارته العظيمة البركات وأن يلطف بنا في السكنات والحركات.
و قد عن لي لما ذكرت كلام أبن خلدون في الموشحات أن أذكر كلام الإمام أبن خاتمة.
قال رحمه الله تعالى في كتابه " مزية المرية " في باب محمد ما نصه: " محمد بن عبادة يكنى أبا بكر ويعرف بالقزاز وأحسبه من أهل مالقة كان من صدور الأدباء ومشاهير الشعراء والألباء وممن له باع فسح في طريقة التوشيح حتى طار اسمه فيها كل مطار واشتهر بها نظمه أي اشتهار. وهذه الطريقة من مخترعات أهل الأندلس ومبتدعاتهم الآخذة بالأنفس هم الذين نهجوا سبيلها ووضعوا محصولها.

(1/188)


قال أبو الحسن بن بسام: وأول من صنع أوزان هذه الموشحات بأفقنا واخترع طريقتها فيما بلغني محمد بن محمود القبري الضري وكان يصنعها على أعاريض أشطار الأشعار غير أن أكثرها على الأعاريض المهملة غير المستعملة يأخذ اللفظ العامي أو العجمي يسميه المركز ويضع عليه الموشحة من غير تضمين فيها وأغصان. وقيل إن أبا عمر بن عبد ربة صاحب كتاب العقد هو أول من سبق إلى هذا النوع من الموشحات.
و حكى الكاتب أبو الحسن علي بن سعيد العنسي في كتابه " المقتطف من أزهار الطرف " أن الحجاري ذكر في كتابه " المسهب في غرائب المغرب " أن المخترع لها بجزية الأندلس المقدم بن معافي القبري من شعراء الأمير عبد الله المرواني وأخذه عنه أبو عمر بن عبد ربة صاحب العقد ثم غلبهما عليه المتأخرون. وأول من برع فيه منهم عبادة بن القزاز شاعر المعتصم صاحب المرية.
قال الأستاذ أبو الحسن على بي سعد الخيري البلنيس في كتابه: " نزهرة الأنفس وروضة التأنس في توشيح أهل الأندلس " ضمنه عشرين وشاحا على طريقتها في الإجادة والإحسان.
العباديون ثلاثة: أبن ماء السماء وهو عبادة بن عبد الله بن محمد بن عبادة أبن ماء السماء بن أفلح بن الحسين بن سعيد بن قيس بن سعد بن عبادة الخزرجي الأنصاري من أهل مالقة. وعبادة بن محمد بن عبادة بن الأقرع ومحمد بن عبادة القزاز هذا.
قال الأستاذ أبو جعفر: وكان محمد بن عبادة من شعراء المعتصم فوشحه منها بكل در منتظم وعقد بمعنى البلاغة والبراعة ملتم. ومن أظرف ما وقع له في المديح من التوشيح موشحته التي أولها:
كم في القدود الليان ... تحت اللمم من أقمار عواطي
و من أظرف ما وقع له من خلالها من حسن الاتئام وسهولة النظام ما يندر وجود مثله في منثور الكلام وذلك في أحد مراكزها حيث يقول:
لما غدا قادرا ... أضحى قليل المعذلة
يا حاكما جائرا ... قتلت من لا ذنب له
سطوت بالهيمان ... ظلما ولم تستبصر يا ساطي
خفف سطوة الرحمن ... إذا حكم بين البري والخاطي
و يخرج في هذه الموشحة على قوله:
ما أملح المهرجان ... وفل ينم كالعنبر للسواطي
والفلك كالعقبان ... والمعتصم بالعسكر في الشاطي
ثم قال أبن خاتمة: " و من شعره ما أنشد أبو أحمد جعفر بن إبراهيم أبن الحاج المعافري في كتابه محك الشعر ونسبه إليه:
أودع فؤادي حرقا أو دع ... ذاتك تردى أنت في أضلعي
وأرم سهام اللحظ أو كفها ... أنت بما ترمى مصاب معي
موقعها قلبي وأنت الذي ... مسكنه في ذلك الموضع
و له رحمه الله:
أنظر إلى البدر الذي لاح لك ... في وسط اللجة تحت الحلك
قد جعل البحر سماء له ... واتخذ الفلك مكان الفلك
و حضر مجلس المعتصم أبن صمادح وبين أيديهم ورد مصبوب فبرز من داخل وردة منها الحيوان الأخضر الموجود في الورد وتسميه العرب القيقزان فقال له المعتصم: صفه فقال:
وأخضر حمادي في الورد لائح ... على صفح ورد حسنه متناهي
كما أخذت حسناء فص زمرد ... بصفرة مسواك وحمرة شفاه
و كتب يوما إلى المعتصم وقد تأخرت صلات شعرائه:
يا أيها الملك الذي حاز العلا ... معن أبوه وخاله المنصور
بفناء قصرك عصبة أدبية ... لا زال بشملهم معمور
زفوا إليك بنات أفكارهم ... واستبطئوك فهم لهن قصور
انتهى كلام أبن خاتمة رحمه الله تعالى.
رجع
وحيث انتهينا إلى هذا المقدار من الخروج عن أصل الترجمة فلنثن العنان إلى ما ألممنا به أولا مع ذكر سبتة أعادها الله فنقول:

(1/189)


إن بعض الفقهاء يذكر في شأن سبتة حديثا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد اختلف الناس في أمره وقد حدث به الفقيه أبو عبد الله محمد بن محمد أبن يحيى السراج عن جده العلامة أبي زكريا السراج قال أخبرنا أبو البركات محمد بن إبراهيم قال: أخبرنا إبراهيم بن أحمد الغافقي حدثنا محمد بن عبد الله بن أحمد الأزدي حدثنا محمد بن حسن بن عطية هو أبن غازي حدثنا أبو الفضل عياض حدثنا أحمد بن قاسم أبو العباس الصنهاجي شيخ لا بأي به أنبأنا أبو علي بن خالد وأبو عبد الله محمد بن عيسى قالا حدثنا عبد الله محمد بن علي بن الشيخ حدثنا وهب بن ميسرة عن محمد بن وضاح عن محنون عن أبي القاسم عن مالك عن نافع عن أبن عمر قال: " مدينة بالمغرب سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إنها على مجمع بحري المغرب وهذا مدينة بناها سبت بن سام بن نوح عليه السلام واشتق لها اسما من اسمه فهي سبتة ودعا لها بالبركة والنصر فلا يريد أحد بها سوءا إلا رد الله دائرة السوء عليه " .
هكذا ذكره الشيخ الإمام الحافظ سيدي أبو عبد الله محمد أبن الشيخ العالم الرباني سيدي الحسن بن مخلوف التلمساني رحمه الله في شرحه للشفاء ورواه عن شيخه أبي عبد الله السراج المذكور بالسند المذكور وقال إثره: تردد رأي القاضي عياض في هذا الحديث ففي الغنية: " أنا براء من عهدة هذا الحديث " . وفيه: " هذا حديث موضوع. وأبن الشيخ لا يتهم ولا أدري من أين دخل عليه هذا " . وفي المدارك: " هو حديث رواه أبن الشيخ عن وهب بن ميسرة يرفعه إلى مالك عن نافع عن أبن عمر: أن في أقصى المغرب على ساحل من سواحل البحر مدينة تسمى سبتة أسسها رجل صالح اسمه سبت واشتق لها اسما من اسمه ودعا لها بالنصر والظفر فما رامها أحد بسؤ إلا رد الله بأسه عليه " .
و ذكر أشياء على من رامها بسوء ثم قال: وهكذا كله يصدق هذا الحديث. انتهى.
و كانت سبتة مطمح همم ملوك العدوتين وقد كان للناصر المرواني صاحب الأندلس عناية واهتم بدخولها في إيالته حتى حصل له ذلك ومنها ملك المغرب حسبما هو مذكور في أخباره وكان تملكه إياها سنة تسع عشرة وثلاث مائة وبها أشتد سلطته وملك البحر بعدوانيته وصار المجاز في يده وتوطدت طاعته لأرض المغرب وكان أول من سما إلى ذلك من أملاك الأندلس مذ سكنها الإسلام فاستظهر بها على أمره وخلقها ميراثا لمن بعده من ولاة الأندلس وأكرم وجوه أهل سبتة الذين جنحوا إلى طاعته ورفع منازلهم وقضى حوائجهم ووصلهم وخلع عليهم وعلى قاضيهم حسين أبن فتح.
و الناصر أول من تسمى بأمير المؤمنين من بني أمية بالأندلس لأن الدولة عظمت في أيامه حين أختل نظام ملك العباسيين بالمشرق وتغلبت عليه الأعاجم ولم يتسم أحد من سلفه بالأندلس إلا بالأمير وكان ملكه بالأندلس في غاية ما يكون من الضخامة ورفعة الشأن وهادته الروم وأزدلفت إليه تطلب مهادنتها ومتافحته بعظيم الذخائر ولم تبق أمة سمعت به من ملوك الروم والأفرنج والمجوس وسائر الأمم إلا وجرت إليه أو وفدت خاضعة راغبة وانصرفت عنه راضية. وقد سرد الإمام أبن حيان من ذلك في تاريخه الكبير ما هو معلوم وذكر هو وغيره أن صاحب مدينة القسطنطينية العظمى هاداه ورغب في موادعته.

(1/190)


و كان وصول أرسال صاحب القسطنطينية عظيم الروم قسطنطين بن ليون في شهر صفر سنة ثمان وثلاثين وثلاث مائة وتأهب الناصر لورودهم وأمر أن يتلقوا أعظم تلق وأفخمه وأحسن قبول وأكرامه وأخرج إلى لقائهم ببجانة يحيى بن محمد بن الليث وغيره لخدمة أسباب الطريق فلما صاروا بأقرب المحلات من قرطبة خرج إلى لقائهم القواد في العدد والعدة والتبعية فتلقوهم قائدا بعد قائد وكمل اختصاصهم بعد ذلك بأن أخرج إليهم الفتيين الكبيرين الخصيين ياسرا وتماما إبلاغا في الاحتفاء بهم فلقياهم بعد القواد فاستبان لهم بخروج الفتيين إليهم بسط الناصر وإكرامه وأنزلوا بمنية ولي العهد الحكم المنسوبة إلى نصير بعدوة قرطبة في الربض ومنعوا وحموا من لقاء الخاصة والعامة وملابسة الناس جملة ورتب لحاجتهم رجال تخيروا من الموالي ووجه الحشم فصيروا على باب قصر هذه المنية ستة عشر رجلا لأربع دول لكل دولة أربعة منهم ورحل الناصر لدين الله من قصر الزهراء إلى قصر قرطبة لدخول وفود الروم عليه فقعد لهم يوم السبت لإحدى عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول من السنة المذكورة في بهو المجلس الزاهر فقعودا حسنا نبيلا فقعد عن يمينه من بنيه ولي العهد الحكم ثم عبد الله ثم عبد العزيز ثم الأصبغ ثم مروان وقعد عن يساره المنذر ثم عبد الجبار ثم سلمان وتخلف عبد الملك لأنه كان عليلا لم يطق الحضور وحضر الوزراء على مراتبهم يمينا وشمالا ووقف الحجاب من أهل الخدمة من أبناء الوزراء والموالي والوكلاء وغيرهم وقد بسط صحن الدار أجمع بعتاق البسط وكرائم الدرانك وظللت أبواب الدار وحناياها بظلل الديباج ورفيع السور فوصل رسل ملك الروم حائرين مما رأوه من بهجة الملك وفخامة السلطان ودفعوا كتاب ملكهم صاحب القسطنطينية وهو في رق مصبوغ لونا سماويا ومكتوب بالذهب بالخط الإغريقي وداخل الكتاب مدرجة مصبوغة اياضا مكتوب بفضة بخط إغريقي أيضا فيها وصف هديته التي أرسل بها وعددها وعلى الكتاب طابع ذهب وزنه أربعة مثاقيل على الوجه الواحد منه صورة المسيح وعلى الآخر صورة قسطنطين الملك وصورة ولده. وكان الكتاب بداخل درج فضة منقوش عليه غطاء ذهب فيه صورة قسطنطين الملك معمولة من الزجاج الملون البديع وكان الدرج داخل جعبة ملبسو بالديباج وكان في ترجمة عنوان الكتاب في سطر منه: " قسطنطين ورومانس المؤمن بالمسيح الملكان العظيمان ملكا الروم " .
و في سطر آخر: " العظيم الاستحقاق للفخر الشريف النسب عبد الرحمن الخليفة الحاكم على العرب بالأندلس أطال الله تعالى بقاءه " .
و في خمس بقين من نقل هؤلاء الرسل من منلهم بمنيطة نصير بالربض إلى دار إبراهيم الفتى بداخل قرطبة.
و في آخر هذا الشهر أعاد الناصر لين الله القعود الثاني لرسل ملك الروم بقصر الزهراء فاحتفل لذلك أيضا واستكم له الأهبة وبالغ في الزينة وقعد على باب السدة صحب المدينة مع من ضم إليه من العرفاء والشرط والحرس وهم صنوف قيام وقام مع سور القصر سماط من المولى في الملابس الحسان والسلاح وألزم الفصلان كلها جملا من العبيد والحشم والبوادبين وغيرهم في أشكال زينهم.
ثم أعاد العقود لهم بالزهراء وهذا العقود الثالث كان يوم الخميس لثلاث بقين منه على ما تقدم في الأهبة والاحتفال في الزينة.
و في النصف من جمادي الأولى منها أدخل الناصر لدين الله هؤلاء الرسل على نفسه في مجلس خاص قعد بهم فيه بقصر الزهراء في المجلس المشرف على الرياض فلما خرجوا من عنده أدخلوا في ديار الصناعات والعدة بأكناف الزهراء ودار السكة وطيف بهم بأرجائها ثم صرفوا إلى دار نزولهم فاتصل مقامهم بقرطبة في كرامة موصلة وعطايا متوالية إلى أن كملت الهدية التي كوفئ بها الطاغية مرسلهم وأسلمت إليهم مع أجوبتهم وأمروا بالرحيل.

(1/191)


و جلس لهم الناصر لدين الله في النصف من شوال من السنة بعدها فدخلوا للوداع وجددت لهم الخلع وانطلقوا لسبيلهم متعجبين مما رأوه من عز الإسلام وفي سنة سبع وعشرين وثلاث مائة لثمان خلون من شهر جمادي الأولى وردت على ناصر لدين الله هدية وزيره أحمد بن عبد الملك بن شهيد العظيمة الشأن التي اشتهر ذكرها إلى الآن ووقع الإجماع على أنه لم يهاد أحد من ملوك الأندلس بمثلها فأعجب الناصر وأهل مملكته جميعا وأقروا أن نفسا لم تسمح بإخراج مثلها ضربة عن يدها وكتب مع هديته هذه رسالة حسنة بالاعتراف للناصر لدين الله بالنعمة والشكر عليها واستحسنها الناس وكتبوها. وزاد الناصر وزيره هذا حظوة واختصاص وأسمى منزلته على سائر الوزراء جميعا فأضعف له رزق الوزارة وبلغة ثمانين دينارا في الشهر وبلغ مصروفه إلى ألف دينار في السنة وثنى له العظمة لتثنيته له الرزق فسماه ذا الوزارتين لذلك وكان أول من سمى بذلك بالأندلس امتثالا لاسم صاعد بن مخلد الوزير بني العباس ببغداد وأمر بتصدير فراشه في البيت وتقديم اسمه في زمام الارتزاق في أول التسمية فعظم مقداره في الدولة جدا.
و تفسير هديته هذه على ما ثبت في كتابه للناصر: وذلك من المال العين خمس مائة ألف دينار ومن العود المرتفع أربع مائة رطل منها في قطعة واحد مائة وثمانون رطلا ومن المسك الذكي المفضل في جنسه مائتا أوقية واثنتا عشرة أوقية ومن العنبر الأشهب الذي بقي على خلقته ولم تدخله صناعة مائة أوقية منها قطعة عجيبة الشكل أربعون أوقية ومن الكافور المرتفع النقي الذكي ثلاث مائة أوقية ومن أنواع الثياب ثلاثون شقة وبقج خاصية للباسه بيضا وملونة وخمس ظهائر شعيبية خاصية له وعشرة فراء من عالي الفتك منها سبعة بيض خرسانية وثلاثة ملونة وستة مطارف عراقية خاصية له وثمان وأربعون ملحفة لكسوته ومائة ملحفة زهرية لرقاده وعشرة قناطير شد فيها مائة جلد سمور وأربعة آلاف رطل من الحرير المغزول وألف رطل من لون الحرير قبض جميع ذلك صاحب الطراز وثلاثون بساطا من صوف مختلفة الصناعات طول كل بساط منها عشرون ذراعا ومائة مصلى من وجوه الفراش المختلفة الصناعات من جنس البسط وخمس عشر نخا من عمل الخز المقطوع شطرها وسائرها من جنس البسط الوجوه ومن السلاح والعدة مائة تجفاف بأبدع الصناعات وأغربها وأكملها وألف تريس سلطانية ومائة ألف سهم ومن الخيل مائة فرس منها من الخيل العراب المتخيرة لركابة خمس عشر فرساو خمسة من عرض هذه الخيل ملجمة لمراكب الخلافة مجالس سروجها خز عراقي وثمانون فرسا مما يصلح للوصفاء والحشم وخمسة أبغل عالية الركاب وأربعون وصيفا وعشرون جارية من متخير الرقيق بكسوتهم وجميع آلاتهم.
و في الكتاب: كان قد أمرني أيده الله بابتياعهم من المال الأخماس قبل فابتعتهم من نعمته عندي وصيرتهم من بيتي ومع ذلك عشرة قناطير سكر طبرزذ لاسحاق فيه.
و في آخر الكتاب: ولما علمت تطوع مولاي أيده الله تعالى إلى قرية كذا بالعقبانية النطقة الغرس في شرفها وترداده أيده الله تعالى لذكرها لم أهنأ بعيش حتى أعملت الحيلة في أبتياعها وأحوازها وأكتبت وكيلة أبن بقية اللوثيقة فيها باسمه وضمها إلى ضياه وكذلك صنعت في قرية شيرة من نظر الجيان عندما اتصل من وصفه لها وتطلعه إليها فما زلت أتصدى لمسرته بها حتى ابتاعها الآن بأحوازها وجميع منازلها وربوعها واحتاز ذلك كله الوكيلة أبن بقية وصار في يده له أبقاه الله سبحانه وأرجو أنه سيرفع فيها في هذه السنة آلاف أمداد من الأطعمة إن شاء الله تعالى.

(1/192)


و لما علمت نافذ عزمه أبقاه الله تعالى في البنيان به وفكرت في عدد من الأماكن التي تطلع نفسه الكريمة إلى تخليد آثاره في بنينها مدينة الله في عمره وأوفى بها على أقصى أمله علمت أن أسه وقوامه الصخر والاستكثار منه فأثارت لي همتي ونصيحتي حكمة حيلة أحكمها سعدك وجدك اللذان يبعثان ما لا يتوهم علمه حيلة أقيم لك بها في عام واحد عدد ما كان يقوم على يد عبدك أبن عاصم في عشرين عاما وينتهى تحصيل النفقة فيه إلى نحو الثمانين ألفا أعجل شأنه في عام سوى التوفير العظيم الذي يبديه العيان إن شاء الله تعالى وكذلك ما ثاب إلي في أمر الخشب لهذه المنية المكرمة فإن أبن خليل عبدك المجتهد الدءوب انتهى في تحصيل عدد ما تحتاج إليه ثلاث مائة ألف عود ونيف على عشرين ألف عود على أنه لا يدخل منه في السنة إلا نحو الألفي عود ففتح لي سعدك رأيا أقيم له بتمامه جميع الخشب العام على كماله بورود الجلبية لوقتها وقيمته على الرخص ما بين الخمسين ألفا إلى الستين ألفا.
انتهى ما بث به الوزير أبن شهيد ملخصا.
و من الغريب ما يحكى أن أمير المؤمنين أراد الفصد فقعد في البهو بالمجلس الكبير المشرف بأعلى مدينته بالزهراء وأستدعى الطبيب لذلك وأخذ الطبيب المبضع وجس عضد الناسر فبينما هو كذلك إذ أطل زرزور فصعد على إناء ذهب بالمجلس وأنشد:
أيها الفاصد رفقا ... بأمير المؤمنينا
إنما تفصد عرقا ... فيه محيا العالمينا
و جعل يكرر ذلك المرة بعد المرة فاستظرف أمير المؤمنين الناصر ذلك عاية الاستظراف وسر به غاية السرور وسأل عمن أهتدى إلى ذلك وعلم الزرزور فذكر له أن السيدة الكبرى مرجانة أم ولده ولي عهد الحكم المستنصر بالله صنعت ذلك وأعدته لذلك الأمر فوهب لها ما ينيف على ثلاثين ألف دينار.
و الناصر المذكور هو الباني لمدينة الزهراء العظيمة المقدار. وكان يعمل في جامعها حين شرح فيه من حذاق الفعلة كل يوم ألف نسمة منها ثلاث مائة بناء ومائتا نجار وخمس مائة من الأجراء وسار أهل الصنائع فاستتم بنيانه وإتقانه في مدة ثمانية وأربعين يوما وجاء غاية الإتقان من خمسة أبهاء عجيبة الصنعة. وطوله من القبلة إلى الجوف حاشي المقصورة ثلاثون ذراعا وعرض البهو الأوسط من أبهائه من الشرق إلى الغرب ثلاث عشرة ذراعا وعرض كل بهو من الأربعة المكتنفة له أثنتا عشرة ذراعا وطول صحنه المكشوف من القبلة إلى الجوف ثلاث وأربعون ذراعا، وعرضه من الشرق إلى الغرب إحدى وأربعون ذراعا، وجميعه مفروش بالرخام الخمري؛ وفي وسطه فوارة يجري فيها الماء؛ فطول هذا المسجد أجمع من القبلة إلى الجوف سوى المحراب سبع وتسعون ذراعا، وعرضه من الشرق إلى الغرب تسع وخمسون ذراعا، وطول صومعته في الهواء أربعون ذراعا، وعرضها، عشر أذرع في مثلها. وأمر الناصر لدين الله باتخاذ منبر بديع لهذا المسجد؛ فصنه في نهاية من الحسن، ووضع في مكانه منه، وحظرت حوله مقصورة عجيبة الصنعة. وكان وضع هذا المنبر في مكانه من هذا المسجد عند إكماله، وذلك يوم الخميس لسبع بقين من شعبان من سنة تسع وعشرين وثلاث مائة.
و كان في صدر هذه السنة كمل الناصر بنيان القناة الغريبة الصنعة، التي أجرى فيها الماء العذب من جبل قرطبة إلى قصر الناعورة غربي قرطبة، في المناهر المهندسة، وعلى الحنايا المعقودة، ويجري ماؤها بتدبير عجيب، وصنعة غريب محكمة، إلى بركة عظيمة، عليها أسد عظيم الصورة، بديع الصنعة، شديد الروعة، لم يشاهد أوفى منه ولا أبهى منه فيما صور الملوك في غابر الدهر، مطلي بذهب إبريز، وعيناه جوهريتان، لهما وميض شديد. يجوز هذا الماء إلى عجز هذا الأسد، فيمجه في تلك البركة من فيه، فيبهر الناظر بحسنه وروعة منظره، وثجاجة صبه، فتسقى من مجاجة جنان هذا القصر على سعتها، ويستفيض على ساحاته وجنباته، ويمد النهر الأعظم بما فضل منه، فكانت هذه القناة وبركتها، والتمثال الذهب الذي يصب فيها، من أعظم آثار الملوك في غابر الدهر، لبعد مسافتها، واختلاف مسالكها، وفخامة بنيانها، وشموا أبراجها، التي يترقى الماء فيها، ويتصوب من أعاليها.

(1/193)


وكان مدة العمل فيها، من يوم ابتدئت من الجبال إلى أن وصلت أعني القناة إلى هذه البركة، أربعة عشر شهرا. وكان انطلاق الماء في هذه البركة الانطلاق الذي اتصل واستمر، يوم الخميس غرة جمادى الآخرة من السنة المذكورة، وكانت للناصر في هذا اليوم بقصر الناعورة دعوة حسنة، أفضل فيها على عامة أهل مملكته، ووصل المهندسين والقوام بصلات حسنة جزيلة. واستمر العمل في مدينة الزهراء من عام خمسة وعشرين وثلاث مائة إلى آخر دولة الناصر وابنه الحكم، وذلك نحو من أربعين سنة.
و لما فرغ من بناء مسجد الزهراء على ما ذكره آنفا، كانت أول جماعة صليت فهذا صلاة المغرب من ليلة الجمعة لثمان بقين من شعبان، وكان الإمام لها فيه القاضي أبا عبد الله محمد بن عبد الله لن أبي عيسى. ومن الغد صلى الناصر فيه الجمعة، وأول خطيب خطب به القاضي المذكور. ولما بنى الناصر قصر الزهراء. المنتهى في الجلالة والفخامة، وأطبق الناس على أنه لم يبن مثله في الإسلام البتة، وما دخل إليه أحد قط من سائر البلاد النائية، والنحل المختلفة، من ملك وارد، ورسول وافد، وتاجر، وجهبذ، وفي هذه الطبقة من الناس تكون المعرفة والفطنة، إلا وكلهم قطع أنه لم ير له شبيها، بل بم يسمع به، بل لم يتوهم كون مثله، حتى أنه كان أعجب ما يؤمله القاطع إلى الأندلس في تلك العصور النظر إليه، وتحدث عنه؛ والأخبار عن هذا تتسع جدا، والأدلة عليه تكثر، ولو لم يكن فيه إلا السطح الممرد، المشرف على الروضة، المباهي بمجلس الذهب والقبة وعجائب ما تضمنته من إتقان الصنعة، وفخامة الهمة، وحسن المستشرف، وبراعة الملبس والحلة، ما بين مرمر مسنون، وذهب موضون، وعمد كأنما أفرغت في القوالب، ونقوش كالرياض، وبرك عظيمة محكمة الصنعة، وحياض وتماثيل عجيبة الأشخاص، لا تهتدي الأوهام إلى سبيل استقصاء التعبير عنها؛ فسبحان الذي أقدر هذا المخلوق الضعيف على إبداعها واختراعها من أجراء الأرض المنحلة، كيما يرى الغافلين عنه من عباده، مثالا لما أعده لأهل السعادة في دار المقامة، التي لا يسلط عليها الفناء، ولا تحتاج إلى الكرم، لا اله إلا هو المنفرد بالكرم. وذكر المؤرخ أبو مروان بن حيان صاحب الشرطة، أن باني قصر الزهراء اشتملت على أربعة آلاف سارية، ما بين كبيرة وصغيرة، ومحمولة، ونيف على ثلاث مائة سارية زائدة؛ وفسر بعضهم هذا النيف بثلاث عشرة منها ما جلب من دينة رومة، ومنها ما أهداه صاحب القسطنطينية؛ وأن مصاريع أبوابها، وصغارها وكبارها، كانت تنيف على خمسة عشر ألف باب، وكلها ملبسة بالحديد والنحاس المموه، والله أعلم، فإنها كانت من أهول ما بناه الإنس، وأجله خطرا، وأعظمه شأنا.
و قال بعض المؤرخين: وكان عدد الفتيان بالزهراء ثلاثة عشر ألف فتى وسبع مائة وخمسين فتى، ودخالتهم من اللحم كل يوم، حاشى أنواع الطير والحوت، ثلاثة عشر ألف رطل؛ وعدة النساء بقصر الزهراء، الصغار والكبار وخدم الخدمة، ستة آلاف وثلاث مائة امرأة وأربع عشرة. ورأيت في بعض الدواوين وهو صواب إن شاء الله أن عدد الصقالبة ثلاثة آلاف وسبع مائة وخمسون، وجعل بعضهم مكان الخمسين وثمانين، وعدد النساء بقصر الزهراء مثل ما ذكرنا أولا.
ثم قال بإثره: وكان هؤلاء من اللحم ثلاثة عشر ألف رطل، تقسم من عشرة أرطال للشخص إلى ما دون ذلك، سوى الدجاج والحجل وصنوف الطير وضروب الحينان. والله تعالى اعلم.

(1/194)


و قال أبن حيان: ألفيت بخط أبن دحون الفقيه، قال مسلمة بن عبد الله العريف المهندس: بدأ عبد الرحمن الناصر لدين الله بنيان الزهراء أول سنة خمس وعشرين وثلاث مائة، وكان مبلغ ما ينفق فيها كل يوم من الصخر المنحوت المنجور المعدل ستة آلاف صخرة المنصرف في التبليط، فإنه لم يدخل في هذا العدد. وكان يخدم في الزهراء كل يوم ألف وأربع مائة بغل، منها أربع مائة زوامل الناصر لدين الله، ومن الدواب الأكرية الراتبة للخدمة ألف بغل، لكل منها ثلاثة مثاقيل في الشهر، يجب لها في الشهر ثلاثة آلاف مثقال. وكان يرد الزهراء من الجير والجص في كل ثالث من الأيام ألف ومائة حمل، وكان فيها حمامان، واحدة للقصر والثانية للعامة. وذكر بعض أهل الخدمة في الزهراء أنه قدر النفقة فيها في كل عام بثلاث مائة ألف دينار، مدة خمسة وعشرين عاما التي بقيت من دولة الناصر، من حين ابتدأها، لأنه توفي سنة خمسين، وحصل جميع الاتفاق فيها، فكان مبلغه خمسة عشر بيت مال. قال: وجلب إليها الرخام من قرطاجة وأفريقيا وتونس، وكان الذين يجلبونه عبد الله بن يونس عريف البنائين وعلى ابنا جعفر الإسكندراني. وكان الناصر يصلهم على كل رخمة، صغيرة أو كبيرة بعشرة دنانير.
و قال بعض المؤرخين الأثبات: كان يصلهم على كل رخامة صغيرة بثلاثة دنانير، وعلى كل سارية بثمانية دنانير سجلماسية، وكان عدد السواري المجلوبة من أفريقيا ألف سارية، وثلاث عشرة سارية، ومن بلاد الإفرنج تسع عشرة سارية. وأهدى إليه ملك الروم مائة وأربعين سارية، وسائرها من مقاطع الأندلس: طركونة وغيرها؛ فالرخام المجزع من رية، والأبيض من غيرها، والوردي والأخضر من أفريقيا، من كنيسة سفاقس. وأما الحوض المنقوش المذهب الغريب الشكل، الغالي القيمة، فجلبه إليه أحمد اليوناني من القسطنطينية، مع ربيع الأسقف القادم من إيلياء؛ وأما الحوض الصغير الأخضر المنقوش يتماثيل الإنسان، فجلبه أحمد من الشام، وقيل من القسطنطينية مع ربيع الأسقف أيضا وقالوا أنه لا قيمة له، لفرط غرابته وجماله، وحمل من مكان إلى مكان، حنى وصل في البحر، ونصبه الناصر في بيت المنام، في المجلس المستشرف الشرقي، المعروف بالمؤنس، وجعل عليه أثنى عشر تمثالا من الذهب الأحمر مرصعة بالدر النفيس الغالي، مما عمل بدار الصناعة بقرطبة: صورة أسد إلى جانبه صورة غزال، إلى جانبه صورة تمساح، وفيما يقابله ثعبان وعقاب، وفي جانبه صورة غزال، إلى جانبه صورة تمساح، وفيما يقابله ثعبان وعقاب، وفي المجنبتين حمامة، وشاهين، وطاووس، ودجاجة، وديك، والثاني عشر لم يحضرني اسمه الآن، وكل هذا من ذهب مرصع بالجوهر النفيس، ويخرج الماء من أوفها. وكان المتولي لهذا البنيان المذكور أنه الحكم، لم يتكل فيه الناصر على أمين غيرة، وكان يخبز في أيامه كل يوم برسم حيتان البحيرة ثمان مائة خبزة وقيل أكثر، إلى غير ذلك مما يطول تتبعه.
و كان الناصر قد قسم الجباية أثلاثا، ثلث للجند وثلث للبناء، وثلث مدخر. وكانت جباية الأندلس يومئذ من الكور والقرى خمسة آلاف ألف، وأربع مائة ألف، وثمانين ألف دينار، ومن الستوق والمستخلص سبع مائة وألف، وخمسة وستين ألف دينار، وأما أخماس الغنائم فلا يحصيها ديوان. وقيل إن مبلغ تحصيل النفقة في بنيان الزهراء مائة مدى من الدراهم القاسمية، بكيل قرطبة. وقيل إن مبلغ النفقة فيها بالكيل المذكور ثمانون مديا وستة أقفزة، من الدراهم المذكورة. واتصل بناء الزهراء أيام الناصر خمسا وعشرين سنة، شطر خلافته، ثم اتصل بعد وفاته خلافة ابنه الحكم كلها، وكانت خمسة عشر عاما وأشهرا. فسبحان الباقي بعد فناء الخلق، لا اله إلا هو.

(1/195)


و كانت قرطبة إذ ذاك أم المدائن، وقاعدة الأندلس، وقرارة الملك، وكان عدد شرطاتها أربعة آلاف وثلاثة مائة، وكانت عدة الدور التي في القصر الكبير أربع مائة دار ونفيا وثلاثين، وكانت عدة دور الرعايا والسواد بها، والواجب على أهل المبيت في السور، مائة ألف دار، وثلاثة عشر ألف دار، حاشى دور الوزراء وأكابر الناس والبياض، وعدد أرباضها ثمانية وعشرون، وقيل أحد وعشرون؛ ومبلغ المساجد بها ثلاثة آلاف وثمان مائة وسبعة وثلاثون مسجدا؛ وعدد حمامات المبرزة للناس سبع مائة حمام، وقيل ثلاث مائة؛ ووسط الأرباض قصبة قرطبة، التي تختص بالسور دونها. وأما اليتيمة التي كانت في القص في المجلس البديع؛ فإنها كانت من تحف قصر اليونانيين، بعث بها صاحب القسطنطينية إلى الناصر مع تحف كثيرة سنية.و كان القاضي منذر بن سعيد البلوطي ممن يكرمه الناصر ويجله، وولاه قضاء جماعته؛ وكان أول الأسباب في معرفته بالناصر، وزلفاه لديه، إن الناصر لما احتفل بالجلوس لدخول رسل ملك الروم الأعظم صاحب القسطنطينية عليه بقصر قرطبة، الاحتفال الذي اشتهر ذكره في الناس، حسبما تقدم بعض الإلماع به، أحب أن يفوم الخطباء والشعراء بين يديه، لتذكر جلالة مقعده، وعظيم سلطانه، وتصف ما تهيأ له من توطيد الخلافة في دولته. وتقدم إلى الأمير الحكم ابنه وولي عهده، بإعداد من يقوم بذلك من الخطباء، ويقدمه أمام نشيد الشعراء، فأمر الحكم صنيعه الفقيه الكسيباني بالتأهب لذلك وإعداد خطة بين يدي الخليفة وكان يدعى من المقدرة على تأليف الكلام ما ليس في وسع غيره وحضر لمجلس السلطاني فلما قام يحاول التكلم بما رآه بهره هول المقام وأبهة الخلافة فلم يهتد إلى لفظة بل غشى عليه وسقط إلى الأرض فقيل لأبي علي البغدادي إسماعيل بن القاسم القالي صاحب الأمالي والنوادر وهو حينئذ ضيف الخليفة الوافد عليه من العراق وأمير الكلام قم فارقع هذا الوهى فقام فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله وصلى على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ثم انقطع به القول فوقف ساكتا مفكرا في كلام يدخل به إلى ذكر ما أريد منه فلما رأى ذلك منذر بن سعيد وكان ممن حضر في زمرة الفقهاء قام من ذاته بدرجة من مرقاته فوصل افتتاح أبي علي لأول خطبته بكلام عجيب وفصل مصيب يسحه سحا كأنما يحفظه قبل ذلك بمدة وبدأ من المكان الذي انتهى إليه أبو علي البغدادي فقال:

(1/196)


أما بعد حمد الله والثناء عليه والتعداد لآلائه والشر لنعمائه والصلاة على محمد صفيه وخاتم أنبيائه فإن لكل حادثة مقام ولكل مقام مقال وليس بعد الحق إلا الضلال وإني قمت من مقام كريم بين يدي ملك عظيم فأصغوا إلى معشر الملأ بأسماعكم والقنوا عني بأفئدتكم إن من الحق يقال للمحق صدقت وللمبطل كذبت وإن الجليل تعالى في سمائه تقدس بصفاته وأسمائه أمر كليمه موسى صلى الله عليه وسلم وعلى نبينا وعلى جميع أنبيائه يذكر قومه بأيام الله عز وجل عندهم وفيه وفي رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة وأني أذكركم بأيام الله عندكم وتلافيه لكم بخلافة أمير المؤمنين التي لمت شعثكم وأمنت سربكم ورفعت قوتكم بعد أن كنتم قليلا فكثرتم ومستضعفين فقواكم ومستذلين فنصركم ولاه الله رعايتكم وأسند إليه أمانتكم أيام ضربت الفتنة سرادقها على الآفاق وأحاطت بكم شعل النفاق حتى صرتم في مثل حدقة البعير من ضيق الحال ونكد العيش والتقتير فاستبدلتم بخلافته من الشدة الرخاء وانتقلتم بيمن سياسته إلى تمهيد كنف العافية بعد استيلاء البلاء. أنشدكم بالله معاشر المللأ ألم تكن الدماء مسفوكة فحقنها والسبل مخوفة فأمنها والأموال منتهبة فأحرزها وحصنها ألم تكن البلاد خرابا فعمرها وثغور المسلمين مهتضمة فحماها ونصرها فاذكروا آلاء الله عليكم بخلافته وتلافيه جميع كلمتكم بعد افتراقا بإمامتها حتى أذهب الله عنكم غيظكم وشفى صدوركم وصرتم يدا على عدوكم بعد أن كان بأسكم بينكم فأنشدكم الله ألم تكن خلافته قفل الفتنة بعد انطلاقها من عقالها ألم يتلاف صلاح الأمور بنفسه بعد اضطراب أحوالها ولم يكل ذلك إلى القواد والأجناد حتى باشره بالقوة والمهجة والأولاد واعتزل النسوان وهجر الأوطان ورفض الدعة وهي محبوبة وترك الركون إلى الراحة وهي مطلوبة بطوية صحية وعزيمة صريحة. وبصيرة نافذة ثاقبة وريح هابة غالبة ونصرة من الله واقعة واجبة وسلطان قاهر وجد ظاهر وسيف منصور تحت عدل مشهور متحملا للنصب مستقلا لما ناله في جانب الله من التعب حتى لانت الأحوال بعد شدتها وانكسرت شوكة الفتنة عند حدتها ولم يبق لها غارب إلا جبة ولا نجم لأهلها قرن إلا جده فأصبحتم بنعمة الله إخوانا وبلم أمير المؤمنين لشعثكم على أعدائه أعوانا حتى تواترت لديكم الفتوحات وفتح الله عليكم بخلافته أبواب الخيرات والبركات وصارت وفود الروم وافدة عليه وعليكم وآمال الأقصين والأدنين مستخدمة إليه وإليكم يأتون من كل فج عميق وبلد سحيق لأخذ حبل بينه وبينكم جملة وتفصيلا " ليقضي الله أمرا كان مفعولا " لن يخلف الله وعده ولهذا الأمر وما بعده وتلك أسباب ظاهرة بادية تدل على أمور باطنة خافية دليلها قائم وجفنها غير نائم " وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفهم في الأرض كم استخلف الذين من قبلهم " الآية. وليس في تصديق ما وعد الله اتياب ولكل نبأ مستقر ولكل أجل كتاب فاحمدوا الله أيها الناس على آلائه واسألوه المزيد من نعمائه فقد أصبحتم في خلافة أمي أيده الله بالعصمة والسداد وألهمه بخالص التوفيق إلى سبيل الرشاد أحسن الناس حالا وانعمهم بالا وأعزهم قرارا وأمنعهم دارا وأكثفهم جمعا وأجملهم صنعا لا تهاجون ولا تذادون وانتم بحمد الله على أعدائكم ظاهرون فاستعينوا على صلاح أحوالكم بالمناصة لإمامكم والتزام الطاعة لخليفتكم أبن عم نبيكم صلى الله عليه وسلم فإن من نزع يدا من الطاعة وسعى في تفريق الجماعة ومرق من الدين فقد خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين وقد علمتم أن في التعلق بعصمتها والتمسك بعروتها حفظ الأموال وحقن الدماء وصلاح الخاصة والدهماء وأن بقوم تقام الحدود وتوفى العهود وبها وصلت الأرحام ووضحت الأحكام وبها سد الله الخلل وأمن السبل ووطأ الأكناف ورفع الاختلاف وبها طاب لكم القرار واطمأنت بكم الدار فاعتصموا بما أمركم الله بالاعتصام به فإنه تبارك وتعالى يقول: " أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم " الآية. وقد علمتم ما أحاط بكم في جزيرتكم هذه من ضروب المشركين وصنوف الملحدين الساعين في شق عصاكم وتفريق ملئكم والآخذين في مخاذلة دينكم وهتك حريمكم وتوهين دعوة نبيكم صلى الله عليه وسلم وهذا جميع النبيين والمرسلين. أقول قولي هذا وأختتم بالحمد لله رب العالمين وأستغفر الله الغفور الرحيم

(1/197)


فإنه خير الغافرين. ه خير الغافرين.
فخرج الناس يتحدثون عن حسن مقام المنذر وثبات جنانه وبلاغة لسانه. وكان الخليفة الناصر لدين الله أشدهم تعجبا منه فأقبل على ولي عهده ابنه الحكم يسأله عنه ولم يكن يثبت معرفة عينه وقد سمع باسمه فقال له الحكم: هو منذر بن سعد البلوطي. فقال: والله أحسن ما شاء فلئن كان حبر خطبته هذه وأعدها مخافة أن يدور ما دار غفي تلافى الوهى فإنه لبديع من قدرته واحتياطه ولئن كان أتى بها على البديهة لوقته إنه لأعجب وأغرب فكان سبب اتصاله به واستعماله له.
و ذكر أبن أصبغ لهمداني عن منذر القاضي أنه خطب يوما وأراد التواضع فكان من فصول خطبته أن قال: حتى متى وإلى متى أعظ غيري وأتعظ وأزجر ولا أزدجر أدل الطريق على المستدلين وأبقى مقيما مع الحائرين كلا إ هذا لهو البلاء المبين " إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء " الآية. اللهم فرغني لما خلقتني له ولا تشغلني بما تكفلت لي به ولا تحرمني وأنا أسألك ولا تعذبني وأنا أستغفرك يا أرحم الراحمين قال: و كان الخليفة الناصر لدين الله كلفا بعمارة الأرض وإقامة معالمها وتخليد الآثار الدالة على قوة الملك وعزة السلطان فأفضى به الإغراق في ذلك إلى أن ابتنى مدينة الزهراء البناء الذي شاع ذكره واستفرغ وسعه في تنميقها وإتقان قصورها وزخرفة مصانعها فأراد القاضي منذر أن يغض منه بما يتناوله من الموعظة بفضل الخطاب والحكمة والتذكير بالإنابة والرجوع فأدخل في خطبته فص مبتدئا بقوله تعالى: " أتبنون بكل ريع آية تعبثون. وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون. وإذا بطشتم بطشتم جبارين. فاتقوا الله وأطيعون. واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون. أمدكم بأنعم وبنين. وجنات وعيون. إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم " . ولا تقولوا: " سواء علينا أوعظت أم لم تكن من الواعظين " . " قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن أتقى " وهي دار القرار ومكان الجزاء.
و وصل ذلك بكلام جزل وقول فصل ومضى في ذم تشييد البنيان والاستغراق في زغرفته والإسراف في الإنفاق عليه فجرى طلقا وانتزع فيه قوله تعالى: " أفمن أسس بنيانه على التقوى من الله ورضوان خير " الآية وأتى بما يشاكل المعنى من التخويف بالموت والتحذير من فجأته والدعاء إلى الزهد في هذه الدار الفانية والحض على اعتزالها والرفض لها والندب إلى الإعراض عنها والإقصار عن طلب اللذات ونهي النفس عن اتباع هواها فأسهب في ذلك كله وأضاف إليه آي القرآن ما يطابقه وجلب من الحديث والأثر ما يشاكله أدكر من حضر من الناس وخضعوا ورقوا واعترفوا وبكوا ودعوا وأعلنوا التضرع إلى الله والتوبة والابتهال في المغفرة وأخذ خليفتهم من ذلك بأوفر حظ وقد علم أنه المقصود فبكى وندم على مثال سلف له من فرطه واستعاذ بالله من سخطه إلا أنه وجد على المنذر بن سعيد لغلظ تقرعه به فشكا ذلك إلى ولده الحكم بعد انصرافه وقال: والله قد تعمدني منذر بخطبته وما عنى بها غيري فأسرف علي وأفرط في تقريعي ولم يحسن السياسة في وعضي فزعزع قلبي وكاد بعصاه يقرعني واستشاط غيظا عليه فأقسم إلا يصلي خلفه صلاة الجمعة خاصة فجعل يلتزم صلاتها وراء أحمد بن مطرف صاحب الصلاة بقرطبة ويجانب الصلاة بالزهراء وقال له الحكم: وما الذي يمنعك من عزل المنذر من الصلاة بك والاستبدال منه إذ كرهته؟ فزجره وانتهره وقال له: أمثل منذر بن سعيد في خير وفضله وعلمه لا أم لك يعزل لإرضاء نفس ناكبة عن الرشد سالكة غير القصد هذا ما لا يكون وإني لأستحي من الله ألا أجعل بيني وبينه في الصلاة الجمعة شقيعا مثل منذر في ورعه وصدقه ولكنه في أحرجني فأقسمت ولو وددت أني أجد سبيلا إلى كفارة يميني بملكي بل يصلي بالناس حياته وحياتنا إن شاء الله تعالى.

(1/198)


و قحط الناس آخر مدة الناصر فأمر القاضي المذكور منذر بن سعيد بالبروز إلى الاستسقاء بالناس فتأهب لذلك وصام بين يديه أياما ثلاثة تنفلا وإنابة ورهبة فاجتمع له الناس في مصلى الربض بقرطبة بارزين إلى الله تعالى في جمع عظيم وصعد الخليفة مصانعه المرتفعة من القصر ليشارف الناس ويشاركهم في الخروج إلى الله تعالى والضراعة له فأبطأ القاضي حتى اجتمع الناس وغصت بهم ساحة المصلى ثم خرج نحوهم ماشيا متضرعا مخبتا متخشعا وقام ليخط فلما رأى بدار الناس إلى ارتقابه واستكانتهم من خيفة الله وإخباتهم له وإبتهالهم إليه رقت نفسه وغلبته عيناه فاستعبر وبكى حينا ثم افتتح خطبته بأن قال: يا أيها الناس سلام عليكم ثم سكت ووقف شبيه الحصر ولم يك من عادته فنظر الناس بعضهم إلى بعض لا يدرون ما عراه ولا ما أراد بقوله ثم اندفع تاليا لقوله تعالى " كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سواءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فأنه غفور رحيم " استغفروا ربكم أنه كان غفارا واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه وتزلفوا بالأعمال الصالحات لديه.
قال الحاكي: فضج الناس بالبكاء وجأروا بالدعاء ومضى على تمام خطبته فقرع النفوس بوعظه وانبعث الإخلاص بتذكريه فلم ينقص النهار حتى أرسل الله السماء بماء منهمر روى الثرى وطرد المحل وسكن الأزل والله بعباده.
و كان له في خطبة الاستسقاء استفتاح عجيب ومن أن قال وقد سرح طرفه في ملأ الناس عندما شخصوا إلي بأبصارهم فهتف بهم كالمنادي: يا أيها الناس وكررها عليهم مشيرا بيده في نواحيهم: " أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد. إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد. وما ذلك على الله بعزيز " . فاشتد وجه الناس وانطلقت أعينهم بالبكاء ومضى في خطبته.
قال القاضي أبو الحسن: ومن أخبار منذر المحفوظة له مع الخليفة الناصر في إنكاره عليه الإسراف في البناء أن الناصر اتخذ لسطح القبيبة المصغرة الاسم للخصوصية التي كانت مائلة على الصرح الممرد المشهور شأنه بقصر الزهراء قراميد مغشاة ذهبا وفضة أنفق عليها مثال لا جسيما وقرمد سقفها به وجعل سقفها حمراء فاقعة إلى بيضاء ناصعة فتستلب الأبصار بأشعة أنوارها وجلس في إثر تمامها يوما لأهل مملكته فقال لقرابته ومن حضر من الوزراء وأهل الخدمة مفتخرا عليهم بما صنعه من ذلك: هل رأيتم أو سمعتم ملكا كان قبلي فعل مثل هذا أو قدر عليه؟ فقالوا: لا والله يا أمير المؤمنين وإنك لأوحد في شأنك كله وما سيبقك إلى مبتدعاتك هذه ملك رأيناه ولا انتهى إلينا خبره فأبهجه قولهم وسره. فبينما هو كذلك إذ دخل عليه القاضي منذر بن سعيد واجما ناكس الرأس فلما أخذ مجلسه قال له كالذي قال لوزرائه من ذكر السقف المذهب واقتداره على ابتداعه فأقبلت دموع القاضي تتحدر على لحيته وقال له: والله يا أمير المؤمنين ما ظننت أن الشيطان لعنه الله يبلغ منك هذا المبلغ ولا أن تمكنه من قيادك هذا التمكين مع ما آتاك الله من فضله ونعمته وفضلك به على العالمين حتى ينزلك منازل الكافرين. قال: فانفعل عبد الرحمن لقوله وقال له: انظر ماذا تقول وكيف أنزلتني منزلتهم. فقال له: نعم أليس الله تعالى يقول: " و لو لا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج عليها يظهرون " . فوجم الخليفة وأطرق مليا ودموعه تتساقط خشوعا لله سبحانه. ثم أقبل منذر وقال له: جزاك الله يا قاضي عنا وعن نفسك خيرا وعن الدين والمسلمين أجمل الجزاء وكثر في الناس أمثالك فالذي قلت هو الحق. وقام عن مجلسه ذلك وهو يستغفر الله تعالى وأمر بنقض سقف القبيبة وأعاد قرمدها ترابا على الصفة غيرها. انتهى.
و حكى غير واحد أنه وجد بخط الناصر رحمه الله: أيام السرور التي صفت له دون تكدير يوم كذا من شهر كذا من سنة كذا ويوم كذا من كذا. وعدت تلك الأيام فكانت أربعة عشر يوما.
فأعجب أيها العاقل لهذه الدنيا وعدم صفائها وبخلها بمال الأحوال لأوليائها. هذا الخليفة الناصر حلف السعود المضروب به المثل في الارتقاء في الدنيا والصعود ملكها خمسين سنة وستة أو سبعة أشهر وثلاثة أيام ولم تصف له إلا أربعة عشر يوما فسبحان ذي العزة القائمة والمملكة الدائمة تبارك اسمه تعالى لا اله إلا هو.

(1/199)


و حكى أنه اعني الناصر لما أعذر لأولاد ابنه أبي مروان الأكبر عبيد الله أتخذ لذلك صنيعا عظيما بقصر الزهراء لم يتخلف عنه أحد من أهل مملكته وأمر أن ينذر لشهوده الفقهاء المشاورون ومن يليهم من العلماء والعدول ووجوه الناس فتخلف من بينهم الفقيه المشاور أبو إبراهيم المذكور الذكر في كتب النوادر والأحكام وافتقد مكانه لارتفاع منزلته فساء ذلك الخليفة الناصر ووجد على أبي إبراهيم وأمر ابنه ولي العهد الحكم بالكتاب إليه والتفنيد له فكتب إليه الحكم رقعة نسختها: بسم الله الرحمن الرحيم حفظك الله وتولاك وسددك ورعاك لما امتحن أمير المؤمنين مولاي وسيدي أبقاه الله الأولياء الذين يستعد بهم وجدك متقدما في الولاية متأخرا عن الصلة على أن قد أنذرك أبقاه الله خصوصا للمشاركة في السرور الذي كان عنده لا أعدمه الله توالي المسرة ثم انذرك من قبل إبلاغا في التكرمة فكان على ذلك كله من التخلف ما ضاقت عليه فيه المعذرة واستبلغ أمير المؤمنين في إنكاره ومعاتبته عليه فأعيت عليك عنك الحجة. فعرفني أكرمك الله ما العذر الذي أوجب توقفك عن إجابة دعوته ومشاهدة السرور الذي سر به ورغب المشاركة فيه لنعرفه أبقاه الله بذلك فتسكن نفسه العزيزة إليه إن شاء الله تعالى " .
فأجابه أبوه إبراهيم: " سلام على الأمير ورحمة الله وبركاته.
رأت أبقى الله سيدي هذا الكتاب وفهمته ولم يكن توقفي لنفسي إنما كان لأمير المؤمنين سيدنا أبقاه الله ولسلطانه لعلمي بمذهنه ولسكوني إلى تقواه واقتفاره لأثر سلفه الطيب رضوان الله عليهم فإنهم كانوا يستبقون من هذه الطبقة بقية لا يمتهنوها ولا بما يغض منها ويطرق إلى تنقصها فيستعدون بها لدينهم ويتزينون بها عند رعاياهم ومن يفد عليهم من قصادهم فلهذا تخلفت ولعمي بمذهبه توقفت إن شاء الله تعالى.
قال فلما اقرأ أباه الناصر لين الله جواب أبي إبراهيم إسحاق أعجبه واستحسن اعتذاره وزال ما بنفسه عليه. وكان الفقيه أبو إبراهيم المذكور معظما عند الناصر وابنه الحكم وحق لهما أن يعظماه.
و قد حكى الفقيه أبو القاسم مفرج بن محمد بن مفرج قال: كنت أختلف إلى الفقيه أبي إبراهيم رحمه الله فيمن يختلف إليه للتفقه والرواية فإني لعنده في بعض الأيام في مجلسه بالمسجد المنسوب لأبي عثمان الذي كان يصلي فيه قرب داره بجوفي قصر فرطبة ومجلسه حافل بجماعة الطلبة وذلك بين الصلاتين إذ دخل عليه خصي من أصحاب الرسائل جاء من عند الخليفة الحكم فوقف وسلم وقال له: يا فقيه أجب أمير المؤمنين أبقاه الله فإن الأمر خرج فيك وها هو قاعد ينتظرك وقد أمرت بإعجالك فالله الله. فقال له: سمعا وطاعة لأمير المؤمنين ولا عجلة فارجع إليه وفقه الله وعرفه عني أنك وجدتني في بيت من بيوت الله عز وجل مع طلاب العلم أسمعهم حديث أبن عمه رسول الله صلى الله عليه وسلم فهم يقيدونه عني وليس يمكنني ترك ما أنا فيه حتى يتم المجلس المعهود لهم في رضاء الله وطاعته فذلك أوكد من مسيري إليه الساعة فإذا انقضى أمر من اجتماع إلي من هؤلاء المحتسبين في ذات الله الساعين في مرضاته مشيت إليه إن شاء الله تعالى.
ثم أنه أقبل على شأنه ومضى الخصى يهينم متضاجرا من توقفه فلم يك إلا ريثما أدى جوابه وانصرف سريعا ساكن الطيش. فقال له: يا فقيه أنهيت قولك على نصه إلى أمير المؤمنين أبقاه الله فأصغى إليه وهو يقول لك جزاك الله خيرا عن الدين وعن أمير المؤمنين وجماعة المسلمين وامتعهم بك وإذا أنت أعبت فامض إليه راشدا إن شاء الله تعالى فقد أمرب أن أبقى معك حتى ينقضي شغلك وأذكرك تمضي معي. فقال له: حسن جميل ولكني أضعف عن المشي إلى باب السدة ويصعب علي ركوب دابة لشيخوختي وضعف أعضائي وباب الصناعة الذي يقرب إلي من أبواب القصر المكرم أحوط لي وأرفق بي فإن رأى أمير المؤمنين أيده الله تعالى أن يأمر بفتحه لأدخل إليه منه هون علي المشي وودع جسمي وأحب أن تعود فتنهي إليه ذلك عني حتى تعرف رأيه فيه وكذلك تعود إلي فإني أراك فتى شديد فكن على الخير معينا.

(1/200)


و مضى عنه الفتى ثم رجع بعد حين وقال: يا فقيه قد أجابك أمير المؤمنين إلى ما سألت وأمر بفتح باب الصناعة وانتظارك من قبله ومنه خرجت إليك وامرت بملازمتك مذكرا بالنهوض عند فراغك وقال: افعل راشدا وجلس جانبا حتى أكمل أبو إبراهيم مجلسه بأكمل وأفسح ما جرت به عادته غير منزعج ولا قلق فلما انفضضنا عنه قام إلى داره فأصلح من شأنه ثم مشى إلى الخليفة الحكم فوصل إليه من ذلك الباب وقضى حاجته من لقائه ثم صرفه على ذاك الباب فأعيد إغلاقه على إثر خروجه.
قال المفرج: ولقد تعمدنا في تلك العشية إثر قيامنا عن الشيخ أبي إبراهيم المرور بهذا الباب المعهود إغلاقه بدير القصر لنرى الذي تجشم الحليفة له فوجدناه كما وصف الخصي مفتوحا قد حفه الخدم والأعوان منزعجين ما بين كناس وفراس متهيئين لانتظار أبي إبراهيم فاشتد عجبنا لذلك وطال تحدثنا عنه. انتهى.
هكذا هكذا تكون المعالي ... طرق الجد غير طرق المزاح
و كان الخليفة الحكم المستنصر المذكور قام بأعباء الملك أحسن قيام لما توفي والده الناصر في يوم الأربعاء لثالث وقيل لاثنين مضين من شهر رمضان من سنة خمسين وثلاث مائة واستقرت الخلافة به حتى لم يعدم من الناصر إلا شخصه واعتلى سرير الملك ثامن وفاة أبيه يوم الخميس وأنفذ الكتب إلى الأفاق بتمام الأمر له ودعا الناس إلى بيعته واستقبل من يومه النظر في تمهيد سلطانه وتثقيف مملكته وضبط قصوره وترتيب أجناده.
و أول ما أخذ البيعة على صقالبة قصره الفتيان المعروفين بالخلفاء الأكابر كجعفر صاحب الخيل والطرز وغير من عظمائهم وتكفلوا بأخذها على من وراءهم وتحت أيديهم من طبقتهم وغيرهم وأوصل إلى نفسه في الليل دون هؤلاء الأكابر من الكتاب والوصفاء والمقدمين والعرفاء فبايعوه فلما كملت بيعتهم وبيعة أهل القصر تقدم إلى عظيم دولته جعفر بن عثمان بالنهوض في أخيه شقيقه أبي مروان عبيد الله المتخلف لعلته بأن يلزمه الحضور للبيعة دون معذرة وتقدم إلى موسى بن أحمد بن حدير بالنهوض أيضا في أبي الأصبغ عبد العزيز شقيقه الثاني فمضيا اليهما كل واحد منهما في قطيع من الجند وأتيا بهما إلى قصر مدينة الزهراء ونفذ غيرهما من وجوه المال في الخيل للإتيان بغيرهما من الإخوة وكانوا يومئذ ثمانية فوافى جميعهم الزهراء في الليل فنزلوا في مراتبهم بفصلان دار الملك وقعدوا في المجلسين الشرقي والغربي وقعد المستنصر بالله على سرير الملك في البهو الأوسط من الأبهاء المذهبة القبلية التي في السطح الممرد فأول من وصل إليه الإخوة فبايعوه وأنصتوا لصحيفة البيعة والتزموا الأيمان المنصوصة بكل ما أنعقد فيها ثم بايع بعدهم الوزراء وأولادهم وإخوتهم ثم أصحاب الشرطة وطبقات أهل الخدمة وقعد الإخوة والوزراء والوجوه عن يمينه وشماله إلا عيسى بن فطيس فانه كان يأخذ البيعة على الناس وقام الترتيب على الرسم في مجالس الاحتفال المعروفة فاصطاف في المجلس الذي قعد فيه أكابر الفتيان يمينا وشمالا إلى آخر البهو كل منهم على قدره في المنزلة عليهم الظاهر البيض شعار الحزن قد تقلدوا فوقها السيوف ثم تلاهم الفتيان الوصفاء غليهم الدروع السابغة والسيوف الحالية صفين منتظمين في السطح وفي الفصلان المتصلة به ذوو الأسنان من الفتيان الصقالبة الخصيان لابس البياض بأيديهم السيوف يتصل بهم من دونهم من طبقات الخصيان الصقالبة ثم تلاهم الرماة متنكبين قسيهم وجعابهم ثم وصلت صفوف هؤلاء الخصيان الصقالبة صفوف العبيد الفحول شاكين في الأسلحة الرائقة والعدة الكاملة وقامت التعبية في دار الجند والترتيب من رجالة العبيد عليهم الجواشن والأقبية البيض وعلى رءوسهم البيضات الصقلية وبأيديهم التراس الملونة والأسلحة المزينة انتظموا صفين إلى آخر الفصيل. وعلى باب السدة الأعظم البوابون وأعوانهم ومن خارج باب السدة فرسان العبيد إلى باب الأقباء واتصل بهم فرسان الحشم وطبقات الجند والعبيد والرماة مواكبا إثر مواكب إلى باب المدينة الشارع إلى الصحراء فلما تمت البيعة إذن للناس بالنفضاض إلا الإخوة والوزراء وأهل الخدمة فإنهم مكثوا بقصر الزهراء إلى أن احتمل جسد الناصر رحمه الله إلى قصر قرطبة للدفن هنالك في تربة الخلفاء.

(1/201)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية