صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : الطبقات الكبرى
المؤلف : محمد بن سعد بن منيع أبو عبدالله البصري الزهري
المحقق : إحسان عباس
الناشر : دار صادر - بيروت
الطبعة : 1 - 1968 م
عدد الأجزاء : 8
مصدر الكتاب : الوراق

[ ترقيم الكتاب موافق للمطبوع ]

فقلت: أبا عبد الله، قال: ما تشاء؟ قلت: انظر اكلمك، فقام إلي فقلت: عمار بن ياسر ما سمعت فيه؟ فقال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، تقتله الفئة الباغية، فقلت: هو ذا والله مقتول، فقال: هذا باطل، فقلت: بصر به عيني مقتول، قال: فانطلق فأرنيه. فذهبت به فأوقفته عليه فساعة رآه انتقع لونه، ثم أعرض في شق وقال: إنما قتله الذي خرج به.
قال: أخبرنا وكيع بن الجراح ومحمد بن عبد الله الأسدي عن سفيان عن أبي قيس الأودي عن هذيل قال: أتى النبي، صلى الله عليه وسلم، فقيل له إن عمارا وقع عليه حائط فمات، قال: ما مات عمار.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني عبد الله بن نافع عن أبيه عن بن عمر قال: رأيت عمار بن ياسر يوم اليمامة على صخرة وقد أشرف يصيح: يا معشر المسلمين أمن الجنة تفرون؟ أنا عمار بن ياسر هلموا إلي. وأنا أنظر إلى أذنه قد قطعت فهي تذبذب وهو يقاتل أشد القتال.
قال: أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا شعبة عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب قال: قال رجل من بني تميم لعمار: أيها الأجدع. فقال عمار: خير أذني سببت. قال شعبة: إنها أصيبت مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم.
قال: أخبرنا سليمان أبو داود الطيالسي ويحيى بن عباد قالا: أخبرنا شعبة عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب قال: غزا أهل البصرة ماء وعليهم رجل من آل عطارد التميمي فأمده أهل الكوفة وعليهم عمار بن ياسر فقال الذي من آل عطارد لعمار بن ياسر: يا أجدع أتريد أن تشاركنا في غنائمنا؟ فقال عمار: خير أذني سببت. قال شعبة: ويعني أنها أصيبت مع النبي، صلى الله عليه وسلم، قال فكتب في ذلك إلى عمر فكتب

(3/254)


عمر: إنما الغنيمة لمن شهد الوقعة.
قال ابن سعد: قال: شعبة لم ندر أنها أصيبت باليمامة.
قال: أخبرنا وكيع بن الجراح عن سفيان عن أبي إسحاق عن حارثة بن مضرب قال: قرئ علينا كتاب عمر بن الخطاب: أما بعد فإني بعثت إليكم عمار بن ياسر أميرا وابن مسعود معلما ووزيرا، وقد جعلت بن مسعود على بيت مالكم، وإنهما لمن النجباء من أصحاب محمد من أهل بدر، فاسمعوا لهما وأطيعوا واقتدوا بهما، وقد آثرتكم بابن أم عبد على نفسي وبعثت عثمان بن حنيف على السواد ورزقتهم كل يوم شاة فاجعل شطرها وبطنها لعمار والشطر الباقي بين هؤلاء الثلاثة.
قال: أخبرنا قبيصة بن عقبة قال: أخبرنا سفيان عن أبي سنان عن عبد الله بن أبي الهذيل أن عمر رزق عمارا وابن مسعود وعثمان بن حنيف شاة، لعمار شطرها وبطنها ولعبد الله ربعها ولعثمان ربعها كل يوم.
قال: أخبرنا الفضل بن دكين ومحمد بن عبد الله الأسدي قالا: أخبرنا سفيان عن مغيرة عن إبراهيم أن عمارا كان يقرأ كل يوم جمعة على المنبر بياسين.
قال: أخبرنا قبيصة بن عقبة قال: أخبرنا سفيان عن أبي سنان عن عبد الله بن أبي الهذيل قال: وأخبرنا الفضل بن دكين قال: أخبرنا سفيان عن الأجلح عن بن أبي الهذيل قال: رأيت عمار بن ياسر اشترى قتا بدرهم فاستزاد حبلا فأبى فجابذه حتى قاسمه نصفين وحمله على ظهره وهو أمير الكوفة.
قال: أخبرنا مسلم بن إبراهيم قال: أخبرنا غسان بن مضر قال: أخبرنا سعيد بن يزيد عن أبي نضرة عن مطرف قال: دخلت على رجل بالكوفة وإذا رجل قاعد إلى جنبه وخياط يخيط إما قطيفة سمور أو ثعالب، قال قلت: ألم تر ما صنع علي؟ صنع كذا وصنع كذا، قال فقال:

(3/255)


يا فاسق، ألا أراك تذكر أمير المؤمنين! قال فقال صاحبي: مهلا يا أبا اليقظان فإنه ضيفي. قال: فعرفت أنه عمار.
قال: أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا جرير بن حازم عن سعيد بن أبي مسلمة عن أبي نضرة عن مطرف قال: رأيت عمار بن ياسر يقطع على لحاف ثعالب ثوبا.
قال: أخبرنا موسى بن إسماعيل قال: أخبرنا وهيب عن داود عن عامر قال: سئل عمار عن مسألة فقال: هل كان هذا بعد؟ قالوا: لا، قال: فدعونا حتى يكون فإذا كان تجشمناها لكم.
قال: أخبرنا الفضل بن دكين ومحمد بن عبد الله الأسدي قالا: أخبرنا سفيان عن الأعمش عن إبراهيم التيمي عن الحارث بن سويد قال: وشى رجل بعمار إلى عمر فبلغ ذلك عمارا فرفع يديه فقال: اللهم إن كان كذب علي فابسط له في الدنيا واجعله موطأ العقب.
قال: أخبرنا عفان بن مسلم قال: أخبرنا خالد بن عبد الله قال: أخبرنا داود عن عامر قال: قال عمر لعمار: أساءك عزلنا إياك؟ قال: لئن قلت ذاك لقد ساءني حين استعملتني وساءني حين عزلتني.
قال: أخبرنا عفان بن مسلم ومسلم بن إبراهيم قالا: أخبرنا الأسود بن شيبان قال: أخبرنا أبو نوفل بن أبي عقرب قال: كان عمار بن ياسر من أطول الناس سكوتا وأقله كلاما، وكان يقول: عائذ بالله من فتنة، عائذ بالله من فتنة، قال: ثم عرضت له بعد فتنة عظيمة.
قال: أخبرنا أبو داود الطيالسي قال: أخبرنا شعبة قال: أنبأنا عمرو بن مرة قال: سمعت عبد الله بن سلمة يقول: رأيت عمار بن ياسر يوم صفين شيخا آدم في يده الحربة، وإنها لترعد، فنظر إلى عمرو بن العاص ومعه الراية فقال: إن هذه راية قد قاتلت بها مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ثلاث مرات وهذه الرابعة، والله لو ضربونا حتى يبلغونا

(3/256)


سعفات هجر لعرفت أن مصلحتنا على الحق وأنهم على الضلالة.
قال: أخبرنا يحيى بن عباد قال: أخبرنا شعبة قال: حدثني عمرو بن مرة قال: سمعت عبد الله بن سلمة قال: رأيت عمار بن ياسر يوم صفين شيخا آدم طوالا والحربة بيده، وإن يده لترعش وهو يقول: والذي نفسي بيده لو ضربونا حتى يبلغونا سعفات هجر لعرفت أن مصلحتنا على الحق وأنهم على الباطل. قال، وبيده الراية، فقال: إن هذه الراية قد قاتلت بها بين يدي رسول الله، صلى الله عليه وسلم، مرتين وإن هذه للثالثة.
قال: أخبرنا الفضل بن دكين قال: أخبرنا موسى بن قيس الحضرمي عن سلمة بن كهيل قال: قال عمار بن ياسر يوم صفين: الجنة تحت البارقة، الظمآن قد يرد الماء المأمور وذا اليوم ألقى الأحبة محمدا وحزبه، ولله لو ضربونا حتى يبلغونا سعفات هجر لعلمت أنا على حق وأنهم على باطل، والله لقد قاتلت بهذه الراية ثلاث مرات مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وما هذه المرة بأبرهن ولا أنقاهن.
قال: أخبرنا وكيع بن الجراح قال: أخبرنا سفيان عن حبيب بن أبي ثابت عن أبي البختري قال: قال عمار يوم صفين: ائتوني بشربة لبن فإن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال لي إن آخر شربة تشربها من الدنيا شربة لبن. فأتى بلبن فشربه ثم تقدم فقتل.
قال: أخبرنا الفضل بن دكين أخبرنا سفيان عن حبيب بن أبي ثابت عن أبي البختري قال: أتى عمار يومئذ بلبن فضحك وقال: قال لي رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إن آخر شراب تشربه لبن حتى تموت.
قال: أخبرنا محمد بن عمر، حدثني يعقوب بن عبد الله القمي عن جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه عن عمار بن

(3/257)


ياسر أنه قال وهو يسير إلى صفين على شط الفرات: اللهم إنه لو أعلم أنه أرضى لك عني أن أرمي بنفسي من هذا الجبل فأتردى فأسقط فعلت، ولو أعلم أنه أرضى لك عني أن أوقد نارا عظيمة فأقع فيها فعلت، اللهم لو أعلم أنه أرضى لك عني أن ألقي نفسي في الماء فأغرق نفسي فعلت، فإني لا أقاتل إلا أريد وجهك، وأنا أرجو أن لا تخيبني، وأنا أريد وجهك.
قال: أخبرنا محمد بن عمر، حدثني من سمع سلمة بن كهيل يخبر عن أبي صادق عن ربيعة بن ناجد قال: سمعت عمار بن ياسر وهو بصفين يقول: الجنة تحت البارقة، والظمآن يرد الماء، والماء مورود، اليوم ألقى الأحبة محمدا وحزبه.، لقد قاتلت صاحب هذه الراية ثلاثا مع رسول الله وهذه الرابعة كإحداهن.
قال: أخبرنا محمد بن عمر، حدثني هاشم بن عاصم عن المنذر بن جهم قال: حدثني أبو مروان الأسلمي قال: شهدت صفين مع الناس، فبينما نحن وقوف إذ خرج عمار بن ياسر وقد كادت الشمس أن تغرب وهو يقول: من رائح إلى الله، الظمآن يرد الماء، الجنة تحت أطراف العوالي، اليوم ألقى الأحبة؛ اليوم ألقى محمدا وحزبه.
قال: أخبرنا محمد بن عمر، حدثني عبد الله بن أبي عبيدة عن أبيه عن لؤلؤة مولاة أم الحكم بنت عمار بن ياسر قالت: لما كان اليوم الذي قتل فيه عمار، والراية يحملها هاشم بن عتبة، وقد قتل أصحاب علي ذلك اليوم حتى كانت العصر، ثم تقرب عمار من وراء هاشم يقدمه وقد جنحت الشمس للغروب، ومع عمار ضيح من لبن، فكان وجوب الشمس أن يفطر، فقال حين وجبت الشمس وشرب الضيح: سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول: آخر زادك من الدنيا ضي من لبن، قال: ثم اقترب فقاتل حتى قتل، وهو يومئذ بن أربع وتسعين سنة

(3/258)


قال: أخبرنا محمد بن عمر، حدثني عبد الحارث بن الفضيل عن أبيه عن عمارة بن خزيمة بن ثابت قال: شهد خزيمة بن ثابت الجمل وهو لا يسل سيفا، وشهد صفين وقال: أنا لا أصل أبدا حتى يقتل عمار فأنظر من يقتله، فإني سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول تقتله الفئة الباغية. قال فلما قتل عمار بن ياسر قال خزيمة: قد بانت لي الضلالة. واقترب فقاتل حتى قتل. وكان الذي قتل عمار بن ياسر أبو غادية المزني، طعنه برمح فسقط وكان يومئذ يقاتل في محفة، فقتل يومئذ وهو بن أربع وتسعين سنة. فلما وقع أكب عليه رجل آخر فاحتز رأسه، فأقبلا يختصمان فيه، كلاهما يقول أنا قتلته. فقال عمرو بن العاص: والله إن يختصمان إلا في النار. فسمعها منه معاوية، فلما انصرف الرجلان قال معاوية لعمرو بن العاص: ما رأيت مثل ما صنعت، قوم بذلوا أنفسهم دوننا تقول لهما إنكما تختصمان في النار، فقال عمرو: هو والله ذاك، والله إنك لتعلمه ولوددت أني مت قبل هذه بعشرين سنة.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: أخبرنا عبد الله بن جعفر عن بن عون قال: قتل عمار، رحمه الله، وهو بن إحدى وتسعين سنة، وكان أقدم في الميلاد من رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وكان أقبل إليه ثلاثة نفر: عقبة بن عامر الجهني وعمر بن الحارث الخولاني وشريك بن سلمة المرادي، فانتهوا إليه جميعا وهو يقول: والله لو ضربتمونا حتى تبلغوا بنا سعفات هجر لعلمت أنا على حق وأنتم على باطل. فحملوا عليه جميعا فقتلوه.
وزعم بعض الناس أن عقبة بن عامر هو الذي قتل عمارا، وهو الذي كان ضربه حين أمره عثمان بن عفان. ويقال بل الذي قتله عمر بن الحارث الخولاني.

(3/259)


قال: أخبرنا عفان بن مسلم ومسلم بن براهيم وموسى بن إسماعيل قالوا: أخبرنا ربيعة بن كلثوم بن جبر قال: حدثني أبي قال: كنت بواسط القصب عند عبد الأعلى بن عبد الله بن عامر فقلت: الإذن، هذا أبو غادية الجهني. فقال عبد الأعلى: أدخلوه، فدخل عليه مقطعات له فإذا رجل طوال ضرب من الرجال كأنه ليس من هذه الأمة، فلما أن قعد قال: بايعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قلت: بيمينك؟ قال: نعم، وخطبنا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يوم العقبة فقال: يا أيها الناس ألا إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم إلى أن تلقوا ربكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، ألا هل بلغت؟ فقلنا نعم، فقال: اللهم اشهد، ثم قال: ألا لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض، قال ثم أتبع ذا فقال: إنا كنا نعد عمار بن ياسر فينا حنانا، فبينا أنا في مسجد قباء إذ هو يقول: ألا إن نعثلا هذا لعثمان، فألتفت فلو أجد عليه أعوانا لوطئته حتى أقتله، قال قلت اللهم إنك إن تشأ تمكني من عمار، فلما كان يوم صفين أقبل يستن أول الكتيبة رجلا حتى إذا كان بين الصفين فأبصر رجل عورة فطعنه في ركبته بالرمح فعثر فانكشف المغفر عنه، فضربته فإذا رأس عمار. قال: فلم أر رجلا أبين ضلالة عندي منه، إنه سمع من النبي، عليه السلام، ما سمع ثم قتل عمارا. قال واستسقى أبو غادية فأتي بماء في زجاج فأبى أن يشرب فيها، فأتي بماء في قدح فشرب، فقال رجل على رأس الأمير قائم بالنبطية: أوى يد كفتا يتورع عن الشراب في زجاج ولم يتورع عن قتل عمار.
قال: أخبرنا عفان بن مسلم قال: أخبرنا حماد بن سلمة قال: أخبرنا أبو حفص وكلثوم بن جبر عن أبي غادية قال: سمعت عمار بن ياسر يقع في عثمان يشتمه بالمدينة قال: فتوعدته بالقتل قلت: لئن أمكنني

(3/260)


الله منك لأفعلن. فلما كان يوم صفين جعل عمار يحمل على الناس، فقيل هذا عمار، فرأيت فرجة بين الرئتين وبين الساقين، قال فحملت عليه فطعنته في ركبته، قال: فوقع فقتلته، فقيل قتلت عمار بن ياسر. وأخبر عمرو بن العاص فقال: سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول إن قاتله وسالبه في النار، فقيل لعمرو بن العاص: هو ذا أنت تقاتله، فقال إنما قال قاتله وسالبه.
قال: أخبرنا محمد بن عمر وغيره قالوا: لما استلحم القتال بصفين وكادوا يتفانون قال معاوية: هذا يوم تفانى فيه العرب إلا أن تدركهم فيه خفة العبد، يعني عمار بن ياسر، قال وكان القتال الشديد ثلاثة أيام ولياليهن، آخرهن ليلة الهرير، فلما كان اليوم الثالث قال عمار لهاشم بن عتبة بن أبي وقاص ومعه اللواء يومئذ: احمل فداك أبي وأمي! فقال هاشم: يا عمار رحمك الله إنك رجل تستخفك الحرب وإني إنما أزحف باللواء زحفا رجاء أن أبلغ بذلك ما أريد، وإني إن خففت لم آمن الهلكة. فلم يزل به حتى حمل فنهض عمار في كتيبته فنهض إليه ذو الكلاع في كتيبته فاقتتلوا فقتلا جميعا واستوصلت الكتيبتان، وحمل على عمار حوي السكسكي وأبو الغادية المزني وقتلاه، فقيل لأبي الغادية: كيف قتلته؟ قال: لما دلف إلينا في كتيبته ودلفنا إليه، نادى هل من مبارز، فبرز إليه رجل من السكاسك فاضطربا بسيفيهما فقتل عمار السكسكي، ثم نادى من يبارز، فبرز إليه رجل من حمير فاضطربا بسيفيهما فقتل عمار الحميري وأثخنه الحميري، ونادى من يبارز، فبرزت إليه فاختلفنا ضربتين، وقد كانت يده ضعفت فانتحى عليه بضربة أخرى فسقط فضربته بسيفي حتى برد. قال ونادى الناس: قتلت أبا اليقظان قتلك الله! فقلت اذهب إليك فوالله ما أبالي من كنت، وبالله ما أعرفه يومئذ. فقال له محمد بن المنتشر: يا أبا الغادية خصمك

(3/261)


يوم القيامة مازندر، يعني ضخما، قال فضحك، وكان أبو الغادية شيخا كبيرا جسيما أدلم، قال: وقال علي حين قتل عمار: إن امرأ من المسلمين لم يعظم عليه قتل بن ياسر وتدخل به عليه المصيبة الموجعة لغير رشيد، رحم الله عمارا يوم أسلم، ورحم الله عمارا يوم قتل، ورحم الله عمارا يوم يبعث حيا، لقد رأيت عمارا وما يذكر من أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أربعة إلا كان رابعا ولا خمسة إلا كان خامسا، وما كان أحد من قدماء أصحاب رسول الله يشك أن عمارا قد وجبت له الجنة في غير موطن ولا اثنين، فهنيئا لعمار بالجنة، ولقد قيل إن عمارا مع الحق والحق معه، يدور عمار مع الحق أينما دار، وقاتل عمار في النار.
قال: أخبرنا وكيع بن الجراح عن إسماعيل بن أبي خالد عن يحيى بن عابس قال: قال عمار ادفنوني في ثيابي فإني مخاصم.
قال: أخبرنا الفضل بن دكين قال: أخبرنا شريك عن أبي إسحاق الشيباني عن مثنى العبدي عن أشياخ لهم شهدوا عمارا قال: لا تغسلوا عني دما ولا تحثوا علي ترابا فإني مخاصم.
قال: أخبرنا عبد الله بن نمير عن أشعث بن سوار عن أبي إسحاق أن عليا صلى على عمار بن ياسر وهاشم بن عتبة، رضي الله عنهما، فجعل عمار مما يليه وهاشما أمام ذلك، وكبر عليهما تكبيرا واحدا خمسا أو ستا أو سبعا، والشك في ذلك من أشعث.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: أخبرنا الحسن بن عمارة عن أبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة أن عليا صلى على عمار ولم يغسله.
قال: أخبرنا عبيد الله بن موسى قال: أخبرنا عبد العزيز بن سياه عن حبيب بن أبي ثابت قال: قتل عمار يوم قتل وهو مجتمع العقل.
قال: أخبرنا عبيد الله بن موسى والفضل بن دكين قالا: أخبرنا

(3/262)


سعيد بن أوس العبسي عن بلال بن يحيى العبسي قال: لما حضر خذيفة الموت، وإنما عاش بعد قتل عثمان أربعين ليلة، فقيل هل يا أبا عبد الله إن هذا الرجل قد قتل، يعني عثمان، فما ترى؟ قال: أما إذ أبيتم فأجلسوني، فأسندوه إلى صدر رجل ثم قال: سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول أبو اليقظان على الفطرة، أبو اليقظان على الفطرة لن يدعها حتى يموت أو ينسيه الهرم.
قال: أخبرنا الفضل بن دكين قال: أخبرنا عبد الجبار بن عباس عن أبي إسحاق قال: لما قتل عمار دخل خزيمة بن ثابت فسطاطه وطرح عليه سلاحه وشن عليه من الماء فاغتسل ثم قاتل حتى قتل رحمه الله.
قال: أخبرنا معاذ بن معاذ قال: أخبرنا بن عون عن الحسن قال: قال عمرو بن العاص: إني لأرجو ألا يكون رسول الله، صلى الله عليه وسلم، مات يوم مات وهو يحب رجلا فيدخله الله النار، قال: فقالوا قد كنا نراه يحبك وكان يستعملك، قال فقال الله أعلم أحبني أم تألفني، ولكنا كنا نراه يحب رجلا، قالوا: فمن ذلك الرجل؟ قال: عمار بن ياسر، قالوا: فذاك قتيلكم يوم صفين، قال: قد والله قتلناه.
قال: أخبرنا يزيد بن هارون وموسى بن إسماعيل قالا: أخبرنا جرير بن حازم قال: أخبرنا الحسن قال: قيل لعمرو بن العاص قد كان رسول الله يحبك ويستعملك، قال: قد كان والله يفعل فلا أدري أحب أم تألف يتألفني ولكني أشهد على رجلين توفي رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وهو يحبهما: عبد الله بن مسعود وعمار بن ياسر. قالوا: فذاك والله قتيلكم يوم صفين، قال: صدقتم والله لقد قتلناه.
قال: أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا العوام بن حوشب عن عمرو بن مرة عن أبي وائل قال: رأى عمرو بن شرحبيل أبو ميسرة، وكان من أفاضل أصحاب عبد الله، في المنام قال: رأيت كأني أدخلت

(3/263)


الجنة فإذا قباب مضروبة، فقلت: لمن هذه؟ قالوا: لذي الكلاع وحوشب، وكانا ممن قتل مع معاوية، قال قلت: فأين عمار وأصحابه؟ قالوا: أمامك، قال قلت: وقد قتل بعضهم بعضا، قيل إنهم لقوا الله فوجدوه واسع المغفرة، قلت: فما فعل أهل النهر؟ قيل: لقوا برحا.
قال: أخبرنا قبيصة بن عقبة قال: أخبرنا سفيان عن الأعمش عن أبي الضحى قال: رأى أبو ميسرة في المنام روضة خضراء فيها قباب مضروبة فيها عمار وقباب مضروبة فيها ذو الكلاع، قال قلت: كيف هذا وقد اقتتلوا؟ قال: فقيل لي وجدوا ربا واسع المغفرة.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: أخبرنا عبد الله بن أبي عبيدة بن محمد بن عمار عن أبيه عن لؤلؤة مولاة أم الحكم بنت عمار أنها وصفت لهم عمارا فقالت: كان رجلا آدم طوالا، مضطربا، أشهل العينين، بعيد ما بين المنكبين، وكان لا يغير شيبه.
قال محمد بن عمر: والذي أجمع عليه في قتل عمار أنه قتل، رحمه الله، مع علي بن أبي طالب بصفين في صفر سنة سبع وثلاثين، وهو بن ثلاث وتسعين سنة، ودفن هناك بصفين، رحمه الله ورضي عنه.
معتب بن عوف
ابن عامر بن الفضل بن عفيف، وهو الذي يدعى عيهامة بن كليب بن حبشية بن سلول بن كعب بن عمرو بن عامر من خزاعة، هكذا نسبه محمد بن إسحاق في كتابه، وهو الذي يقال له معتب بن الحمراء ويكنى أبا عوف حليف لبني مخزوم، وكان من مهاجرة الحبشة في الهجرة الثانية في رواية محمد بن إسحاق ومحمد بن عمر، ولم يذكره موسى بن عقبة وأبو

(3/264)


معشر في من هاجر إلى أرض الحبشة.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: أخبرنا عمر بن عثمان عن أبيه قال: لما هاجر معتب بن عوف من مكة إلى المدينة نزل على مبشر بن عبد المنذر.
قالوا: آخى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بين معتب بن الحمراء وثعلبة بن حاطب، وشهد معتب بدرا وأحدا والخندق والمشاهد كلها مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ومات سنة سبع وخمسين وهو يومئذ بن ثمان وسبعين سنة. خمسة نفر
ومن بني عدي بن كعب بن لؤي: عمر بن الخطاب
رضي الله عنه وأرضاه، ابن نفيل بن عبد العزى بن رياح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب، ويكنى أبا حفص، وأمه حنتمة بنت هاشم بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، وكان لعمر من الولد عبد الله وعبد الرحمن وحفصة وأمهم زينب بنت مظعون بن حبيب بن وهب بن حذافة بن جمح، وزيد الأكبر لا بقية له، ورقية وأمهما أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم وأمها فاطمة بنت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وزيد الأصغر وعبيد الله قتل يوم صفين مع معاوية وأمهما أم كلثوم بنت جرول بن مالك بن المسيب بن ربيعة بن أصرم بن ضبيس بن حرام بن حبشية بن سلول بن كعب بن عمرو من خزاعة، وكان الإسلام فرق بين عمر وبين أم كلثوم بنت جرول، وعاصم وأمه جميلة بنت ثابت بن أبي الأقلح واسمه قيس بن عصمة بن مالك بن أمة بن ضبيعة بن زيد من الأوس من الأنصار، وعبد الرحمن

(3/265)


الأوسط وهو أبو المجبر وأمه لهية أم ولد، وعبد الرحمن الأصغر وأمه أم ولد، وفاطمة وأمها أم حكيم بنت الحارث بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، وزينب وهي أصغر ولد عمر وأمها فكيهة أم ولد، وعياض بن عمر وأمه عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل.
قال: أخبرنا أبو بكر بن عبد الله بن أبي أويس المدني قال: أخبرنا سليمان بن بلال عن عبيد الله بن عمر عن نافع قال: غير النبي، صلى الله عليه وسلم، اسم أم عاصم بن عمر وكان اسمها عاصية، قال: لا بل أنت جميلة.
قال محمد بن سعد: سألت أبا بكر بن محمد بن أبي مرة المكي، وكان عالما بأمور مكة، عن منزل عمر بن الخطاب الذي كان في الجاهلية بمكة فقال: كان ينزل في أصل الجبل الذي يقال له اليوم جبل عمر، وكان اسم الجبل في الجاهلية العاقر فنسب إلى عمر بعد ذلك، وبه كانت منازل بني عدي بن كعب.
قال: أخبرنا يزيد بن هارون وعفان بن مسلم وعارم بن الفضل قالوا: أخبرنا حماد بن زيد قال: أخبرنا يزيد بن حازم عن سليمان بن يسار قال: مر عمر بن الخطاب بضجنان فقال: لقد رأيتني وإني لأرعى على الخطاب في هذا المكان وكان والله ما علمت فظا غليظا، ثم أصبحت إلى أمر أمة محمد، صلى الله عليه وسلم، ثم قال متمثلا:
لا شيء فيما ترى إلا بشاشته ... يبقى الإله ويودي المال والولد ثم قال لبعيره: حوب.
قال: أخبرنا سعيد بن عامر وعبد الوهاب بن عطاء قالا: أخبرنا محمد بن عمر،و عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عن أبيه قال: أقبلنا مع عمر بن الخطاب قافلين من مكة حتى إذا كنا بشعاب ضجنان وقف

(3/266)


الناس فكان محمد يقول: مكانا كثير الشجر والأشب، قال فقال: لقد رأيتني في هذا المكان وأنا في إبل للخطاب، وكان فظا غليظا، أحتطب عليها مرة وأختبط عليها أخرى، ثم أصبحت اليوم يضرب الناس بجنباتي ليس فوقي أحد. قال ثم مثل بهذا البيت:
لا شيء فيما ترى إلا بشاشته ... يبقى الإله ويودي المال والولد قال: أخبرنا عبد الملك بن عمرو أبو عامر العقدي قال: أخبرنا خارجة بن عبد الله عن نافع عن بن عمر أن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: اللهم أعز الإسلام بأحب الرجلين إليك، بعمر بن الخطاب أو بأبي جهل بن هشام. قال فكان أحبهما إليه عمر بن الخطاب.
قال: أخبرنا عفان بن مسلم قال: أخبرنا خالد بن الحارث قال: أخبرنا عبد الرحمن بن حرملة عن سعيد بن المسيب قال: كان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إذا رأى عمر بن الخطاب أو أبا جهل بن هشام قال: اللهم اشدد دينك بأحبهما إليك. فشدد دينه بعمر بن الخطاب.
قال: أخبرنا محمد بن عبد الله الأنصاري قال: أخبرنا أشعث بن سوار عن الحسن عن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: اللهم أعز الدين بعمر بن الخطاب.
إسلام عمر رحمه الله
قال: أخبرنا إسحاق بن يوسف الأزرق قال: أخبرنا القاسم بن عثمان البصري عن أنس بن مالك قال: خرج عمر متقلد السيف فلقيه رجل من بني زهرة قال: أين تعمد يا عمر؟ فقال: أريد أن أقتل محمدا، قال: وكيف تأمن في بني هاشم وبني زهرة وقد قتلت محمدا؟ قال فقال عمر: ما أراك إلا قد صبوت وتركت دينك الذي أنت عليه، قال: أفلا أدلك

(3/267)


على العجب يا عمر؟ إن ختنك وأختك قد صبوا وتركا دينك الذي أنت عليه. قال فمشى عمر ذامرا حتى أتاهما وعندهما رجل من المهاجرين يقال له خباب. قال فلما سمع خباب حس عمر توارى في البيت، فدخل عليهما فقال: ما هذه الهينمة التي سمعتها عندكم؟ قال كانوا يقرؤون طه فقالا: ما عدا حديثا تحدثناه بيننا، قال: فلعلكما قد صبوتما؟ قال فقال له ختنه: أرأيت يا عمر إن كان الحق في غير دينك؟ قال فوثب عمر على ختنه فوطئه وطأ شديدا فجاءت أخته فدفعته عن زوجها فنفحها بيده نفحة فدمى وجهها فقالت وهي غضبى: يا عمر إن كان الحق في غير دينك اشهد أن لا إله إلا الله واشهد أن محمدا رسول الله. فلما يئس عمر قال: أعطوني هذا الكتاب الذي عندكم فأقرأه. قال وكان عمر يقرأ الكتب، فقالت أخته: إنك رجس ولا يمسه إلا المطهرون فقم فاغتسل أو توضأ. قال فقام عمر فتوضأ ثم أخذ الكتاب فقرأ طه حتى انتهى إلى قوله: إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري. قال فقال عمر: دلوني على محمد. فلما سمع خباب قول عمر خرج من البيت فقال: أبشر يا عمر فإني أرجو أن تكون دعوة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لك ليلة الخميس: اللهم أعز الإسلام بعمر بن الخطاب أو بعمرو بن هشام، قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في الدار التي في أصل الصفا. فانطلق عمر حتى أتى الدار، قال وعلى باب الدار حمزة وطلحة وأناس من أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فلما رأى حمزة: وجل القوم من عمر قال: حمزة نعم فهذا عمر فإن يرد الله بعمر خيرا يسلم ويتبع النبي، صلى الله عليه وسلم، وإن يرد غير ذلك يكن قتله علينا هينا. قال النبي، عليه السلام، داخل يوحى إليه، قال فخرج رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حتى أتى عمر فأخذ بمجامع ثوبه وحمائل السيف فقال: أما أنت منتهيا يا عمر حتى ينزل الله بك من الخزي والنكال

(3/268)


ما أنزل بالوليد بن المغيرة؟ اللهم هذا عمر بن الخطاب، اللهم أعز الدين بعمر بن الخطاب، قال فقال عمر: أشهد أنك رسول الله. فأسلم وقال: اخرج يا رسول الله.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة عن داود بن الحصين قال: وحدثني معمر عن الزهري قالا: أسلم عمر بن الخطاب بعد أن دخل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، دار الأرقم وبعد أربعين أو نيف وأربعين بين رجال ونساء قد أسلموا قبله، وقد كان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: بالأمس: اللهم أيد الإسلام بأحب الرجلين إليك: عمر بن الخطاب أو عمرو بن هشام. فلما أسلم عمر نزل جبريل فقال: يا محمد لقد استبشر أهل السماء بإسلام عمر.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: أخبرنا محمد بن عبد الله عن الزهري عن سعيد بن المسيب قال: أسلم عمر بعد أربعين رجلا وعشرة نسوة، فما هو إلا أن أسلم عمر فظهر الإسلام بمكة.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني علي بن محمد عن عبيد الله بن سلمان الأغر عن أبيه عن صهيب بن سنان قال: لما أسلم عمر ظهر الإسلام ودعي إليه علانية، وجلسنا حول البيت حلقا وطفنا بالبيت وانتصفنا ممن غلظ علينا ورددنا عليه بعض ما يأتي به.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني محمد بن عبد الله عن أبيه قال: ذكرت له حديث عمر فقال: أخبرني عبد الله بن ثعلبة بن صعير قال: أسلم عمر بعد خمسة وأربعين رجلا وإحدى عشرة امرأة.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني أسامة بن زيد بن أسلم عن أبيه عن جده قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: ولدت قبل الفجار الأعظم الآخر بأربع سنين. وأسلم في ذي الحجة السنة السادسة من النبوة

(3/269)


وهو بن ست وعشرين سنة. قال: وكان عبد الله بن عمر يقول: أسلم عمر وأنا بن ست سنين.
قال: أخبرنا عبد الله بن نمير ويعلى ومحمد ابنا عبيد قالوا: أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم قال: سمعت عبد الله بن مسعود يقول: ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر.
قال محمد بن عبيد في حديثه: لقد رأيتنا وما نستطيع أن نصلي بالبيت حتى أسلم عمر، فلما أسلم عمر قاتلهم حتى تركونا نصلي.
قال: أخبرنا يعلى ومحمد ابنا عبيد وعبيد الله بن موسى والفضل بن دكين ومحمد بن عبد الله الأسدي قالوا: أخبرنا مسعر عن القاسم بن عبد الرحمن قال: قال عبد الله بن مسعود: كان إسلام عمر فتحا وكانت هجرته نصرا وكانت إمارته رحمة، لقد رأيتنا وما نستطيع أن نصلي بالبيت حتى أسلم عمر فلما أسلم عمر، قاتلهم حتى تركونا فصلينا.
قال: أخبرنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد عن أبيه عن صالح بن كيسان قال: قال بن شهاب: بلغنا أن أهل الكتاب كانوا أول من قال: لعمر الفاروق، وكان المسلمون يأثرون ذلك من قولهم ولم يبلغنا أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ذكر من ذلك شيئا، ولم يبلغنا أن بن عمر قال: ذلك إلا لعمر كان فيما يذكر من مناقب عمر الصالحة ويثني عليه، قال: وقد بلغنا أن عبد الله بن عمر كان يقول: قال: رسول الله، صلى الله عليه وسلم، اللهم أيد دينك بعمر بن الخطاب.
قال: أخبرنا أحمد بن محمد الأزرقي المكي قال: أخبرنا عبد الرحمن بن حسن عن أيوب بن موسى قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه وهو الفاروق فرق الله به بين الحق والباطل.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: أخبرنا أبو حزرة يعقوب بن مجاهد

(3/270)


عن محمد بن إبراهيم عن أبي عمرو ذكوان قال: قلت لعائشة من سمى عمر الفاروق قالت: النبي، عليه السلام.
ذكر هجرة عمر بن الخطاب وإخائه، رحمه الله
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: أخبرنا محمد بن عبد الله بن مسلم عن الزهري عن سالم عن أبيه وأخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني عمر بن أبي عاتكة وعبد الله بن نافع عن نافع عن بن عمر قال: لما أذن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، للناس في الخروج إلى المدينة جعل المسلمون يخرجون أرسالا يصطحب الرجال فيخرجون، قال عمر وعبد الله قلنا لنافع: مشاة أو ركبانا؟ قال: كل ذاك، أما أهل القوة فركبان ويعتقبون وأما من لم يجد ظهرا فيمشون.
قال عمر بن الخطاب: فكنت قد اتعدت أنا وعياش بن أبي ربيعة وهشام بن العاص بن وائل التناضب من إضاءة بني غفار وكنا إنما نخرج سرا فقلنا: أيكم ما تخلف عن الموعد فلينطلق من أصبح عند الإضاءة. قال عمر: فخرجت أنا وعياش بن أبي ربيعة واحتبس هشام بن العاص ففتن فيمن فتن، وقدمت أنا وعياش فلما كنا بالعقيق عدلنا إلى العصبة حتى أتينا قباء فنزلنا على رفاعة بن عبد المنذر فقدم على عياش بن أبي ربيعة أخواه لأمه: أبو جهل والحارث ابنا هشام بن المغيرة وأمهم أسماء ابنة مخربة من بني تميم، والنبي، صلى الله عليه وسلم، بعد بمكة لم يخرج، فأسرعا السير فنزلا معنا بقباء فقالا لعياش: إن أمك قد نذرت ألا يظلها ظل ولا يمس رأسها دهن حتى تراك. قال عمر فقلت لعياش: والله إن يرداك إلا عن دينك فاحذر على دينك، قال عياش: فإن لي بمكة

(3/271)


مالا لعلي آخذه فيكون لنا قوة وأبر قسم أمي. فخرج معهما فلما كانوا بضجنان نزل عن راحلته فنزلا معه فأوثقاه رباطا حتى دخلا به مكة فقالا: كذا يا أهل مكة فافعلوا بسفهائكم. ثم حبسوه.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني موسى بن محمد بن إبراهيم عن أبيه قال: آخى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بين أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: أخبرنا محمد بن صالح عن عاصم بن عمر بن قتادة قال محمد بن عمرو: أخبرنا عبد الله بن جعفر عن سعد بن إبراهيم قالا: آخى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بين عمر بن الخطاب وعويم بن ساعدة.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني عبد الله بن جعفر عن عبد الواحد بن أبي عون قال: آخى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بين عمر بن الخطاب وعتبان بن مالك، قال محمد بن عمر: ويقال بين عمر ومعاذ بن عفراء.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: أخبرنا محمد بن عبد الله عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال: منزل عمر بن الخطاب بالمدينة خطة من رسول الله، صلى الله عليه وسلم.
قالوا: شهد عمر بن الخطاب بدرا وأحدا والخندق والمشاهد كلها مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وخرج في عدة سرايا وكان أمير بعضها.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: أخبرنا أسامة بن زيد بن أسلم عن أبي بكر بن عبد الرحمن قال: بعث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عمر بن الخطاب سرية في ثلاثين رجلا إلى عجز هوازن بتربة في شعبان سنة سبع من الهجرة.

(3/272)


قال: أخبرنا روح بن عبادة قال: أخبرنا عوف عن ميمون أبي عبد الله عن عبد الله بن بريدة عن أبيه بريدة الأسلمي قال: لما كان حيث نزل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بحضرة أهل خيبر أعطى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، اللواء عمر بن الخطاب.
قال: أخبرنا محمد بن عبد الله الأسدي قال: أخبرنا سفيان عن عاصم بن عبيد الله عن سالم عن بن عمر قال: استأذن عمر النبي، صلى الله عليه وسلم، في العمرة فقال: يا أخي أشركنا في صالح دعائك ولا تنسنا.
قال: أخبرنا هشام أبو الوليد الطيالسي وسليمان بن حرب قالا: أخبرنا شعبة عن عاصم بن عبيد الله قال: سمعت سالم بن عبد الله عن أبيه عن عمر أنه استأذن النبي، صلى الله عليه وسلم، في العمرة فأذن له فقال له النبي: لا تنسنا يا أخي من دعائك. قال سليمان في حديثه قال فقال لي كلمة ما يسرني أن لي بها الدنيا، قال سليمان قال شعبة: ثم لقيت عاصما بعد بالمدينة فحدثته فقال: قال أشركنا يا أخي في دعائك. قال أبو الوليد: هكذا في كتابي عن بن عمر.
قال: أخبرنا سعيد بن محمد الثقفي عن المغيرة بن زياد الموصلي عن الوليد بن أبي هشام قال: استأذن عمر بن الخطاب النبي، صلى الله عليه وسلم، في العمرة وقال إني أريد المشي. فأذن له، قال فلما ولى دعاه فقال: يا أخي شبنا بشيء من دعائك ولا تنسنا.
قال: حدثنا عبد الله بن نمير عن الأعمش عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة قال: قال عبد الله: أفرس الناس ثلاثة، أبو بكر في عمر، وصاحبة موسى حين قالت استأجره، وصاحبة يوسف.

(3/273)


ذكر استخلاف عمر، رحمه الله
قال: أخبرنا سعيد بن عامر قال: أخبرنا صالح بن رستم عن بن أبي مليكة عن عائشة قالت: لما ثقل أبي دخل عليه فلان وفلان فقالوا: يا خليفة رسول الله ماذا تقول لربك إذا قدمت عليه غدا وقد استخلفت علينا بن الخطاب؟ فقال: أجلسوني، أبالله ترهبوني؟ أقول استخلفت عليهم خيرهم.
قال: أخبرنا الضحاك بن مخلد أبو عاصم النبيل قال: أخبرنا عبيد الله بن أبي زياد عن يوسف بن ماهك عن عائشة قالت: لما حضرت أبا بكر الوفاة استخلف عمر فدخل عليه علي وطلحة فقالا: من استخلفت؟ قال: عمر، قالا: فماذا أنت قائل لربك؟ قال: أبالله تفرقاني؟ لأنا أعلم بالله وبعمر منكما، أقول استخلفت عليهم خير أهلك.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني أسامة بن زيد الليثي عن محمد بن حمزة بن عمرو عن أبيه قال: توفي أبو بكر الصديق مساء ليلة الثلاثاء لثمان بقين من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة فاستقبل عمر بخلافته يوم الثلاثاء صبيحة موت أبي بكر، رحمه الله.
قال: أخبرنا أسباط بن محمد عن أشعث عن الحسن قال فيما نظن أن أول خطبة خطبها عمر حمد الله أثنى عليه ثم قال: أما بعد فقد ابتليت بكم وابتليتم بي وخلفت فيكم بعد صاحبي، فمن كان بحضرتنا باشرناه بأنفسنا ومهما غاب عنا ولينا أهل القوة والأمانة، فمن يحسن نزده حسنا ومن يسئ نعاقبه ويغفر الله لنا ولكم.
قال: أخبرنا أبو معاوية الضرير عن الأعمش عن جامع بن شداد عن أبيه قال: كان أول كلام تكلم به عمر حين صعد المنبر أن قال: اللهم إني شديد فليني وإني ضعيف فقوني وإني بخيل فسخني.
قال: أخبرنا وهب بن جرير قال: أخبرنا شعبة عن جامع بن شداد

(3/274)


عن ذي قرابة له قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: ثلاث كلمات إذا قلتها فهيمنوا عليها: اللهم إني ضعيف فقوني، اللهم إني غليظ فليني، اللهم إني بخيل فسخني.
قال: أخبرنا عفان بن مسلم ووهب بن جرير قالا: أخبرنا جرير بن حازم قال: سمعت حميد بن هلال قال: أخبرنا من شهد وفاة أبي بكر الصديق فلما فرغ عمر من دفنه نفض يده عن تراب قبره ثم قام خطيبا مكانه فقال: إن الله ابتلاكم بي وابتلاني بكم وأبقاني فيكم بعد صاحبي، فوالله لا يحضرني شيء من أمركم فيليه أحد دوني ولا يتغيب عني فآلو فيه عن الجزء والأمانة، ولئن أحسنوا لأحسنن إليهم ولئن أساؤوا لأنكلن بهم. قال الرجل: فوالله ما زاد على ذلك حتى فارق الدنيا.
قال: أخبرنا عفان بن مسلم قال: أخبرنا حماد بن سلمة قال: أخبرنا يحيى بن سعيد عن القاسم بن محمد قال: قال عمر بن الخطاب: ليعلم من ولي هذا الأمر من بعدي أن سيريده عنه القريب والبعيد، إني لأقاتل الناس عن نفسي قتالا، ولو علمت أن أحدا من الناس أقوى عليه مني لكنت أقدم فتضرب عنقي أحب إلي من أن أليه.
قال: أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم الأسدي عن أيوب وابن عون وهشام، دخل حديث بعضهم في حديث بعض، عن محمد بن سيرين عن الأحنف قال: كنا جلوسا بباب عمر فمرت جارية فقالوا سرية أمير المؤمنين، فقالت: ما هي لأمير المؤمنين بسرية وما تحل له، إنها من مال الله، فقلنا: فماذا يحل له من مال الله؟ فما هو إلا قدر أن بلغت وجاء الرسول فدعانا فأتيناه فقال: ماذا قلتم؟ قلنا: لم نقل بأسا، مرت جارية فقلنا هذه سرية أمير المؤمنين، فقالت: ما هي لأمير المؤمنين بسرية وما تحل له، إنها من مال الله، فقلنا: فماذا يحل له من مال الله؟ فقال: أنا أخبركم

(3/275)


بما أستحل منه، يحل لي حلتان، حلة في الشتاء وحلة في القيظ، وما أحج عليه وأعتمر من الظهر، وقوتي وقوت أهلي كقوت رجل من قريش ليس بأغناهم ولا بأفقرهم، ثم أنا بعد رجل من المسلمين يصيبني ما أصابهم.
قال: أخبرنا وكيع بن الجراح وقبيصة بن عقبة قالا: أخبرنا سفيان عن أبي إسحاق عن حارثة بن مضرب قال: قال عمر بن الخطاب: إني أنزلت نفسي من مال الله منزلة مال اليتيم، إن استغنيت استعففت وإن افتقرت أكلت بالمعروف. قال وكيع في حديثه: فإن أيسرت قضيت.
قال: أخبرنا إسحاق بن يوسف الأزرق قال: أخبرنا زكريا بن أبي زائدة عن أبي إسحاق عن حارثة بن مضرب عن عمر أنه قال: إني أنزلت مال الله مني بمنزلة مال اليتيم، فإن استغنيت عففت عنه وإن افتقرت أكلت بالمعروف.
قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله بن يونس قال: أخبرنا زائدة بن قدامة عن الأعمش عن أبي وائل قال: قال عمر: إني أنزلت مال الله مني بمنزلة مال اليتيم، من كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف.
قال: أخبرنا عارم بن الفضل قال: أخبرنا حماد بن سلمة عن هشام بن عروة عن عروة أن عمر بن الخطاب قال: لا يحل لي من هذا المال إلا ما كنت آكلا من صلب مالي.
قال: أخبرنا مسلم بن إبراهيم قال: أخبرنا سلام بن مسكين قال: أخبرنا عمران أن عمر بن الخطاب كان إذا احتاج أتى صاحب بيت المال فاستقرضه، فربما عسر فيأتيه صاحب بيت المال يتقاضاه فيلزمه فيحتال له عمر، وربما خرج عطاؤه فقضاه.
قال: أخبرنا عبد الملك بن عمرو أبو عامر قال: أخبرنا عيسى بن حفص قال: حدثني رجل من بني سلمة عن بن للبراء بن معرور أن

(3/276)


عمر خرج يوما حتى أتى المنبر، وقد كان اشتكى شكوى له فنعت له العسل وفي بيت المال عكة فقال: إن أذنتم لي فيها أخذتها وإلا فإنها علي حرام، فأذنوا له فيها.
قال: أخبرنا أنس بن عياض أبو ضمرة الليثي عن هشام بن عروة عن أبيه عن عاصم بن عمر قال: أرسل إلي عمر يرفا فأتيته وهو في مصلاه عند الفجر أو عند الظهر، قال فقال: والله ما كنت أرى هذا المال يحل لي من قبل أن أليه إلا بحقه، وما كان قط أحرم علي منه إذ وليته فعاد أمانتي وقد أنفقت عليك شهرا من مال الله، ولست بزائدك ولكني معينك بثمر مالي بالغابة فاجدده فبعه ثم ائت رجلا من قومك من تجارهم فقم إلى جنبه، فإذا اشترى شيئا فاستشركه فاستنفق وأنفق على أهلك.
قال: أخبرنا عارم بن الفضل، أخبرنا حماد بن سلمة عن حميد عن الحسن أن عمر بن الخطاب رأى جارية تطيش هزالا فقال عمر: من هذه الجارية؟ فقال عبد الله: هذه إحدى بناتك، قال: وأي بناتي هذه؟ قال: ابني، قال: ما بلغ بها ما أرى؟ قال: عملك، لا تنفق عليها، فقال: إني والله ما أغرك من ولدك فأوسع على ولدك أيها الرجل.
قال: أخبرنا يزيد بن هارون وأبو أسامة حماد بن أسامة قالا: أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد عن مصعب بن سعد قال: قالت حفصة بنت عمر لأبيها، قال يزيد يا أمير المؤمنين، وقال أبو أسامة يا أبت، إنه قد أوسع الله الرزق وفتح عليك الأرض وأكثر من الخير فلو طعمت طعاما ألين من طعامك ولبست لباسا ألين من لباسك، فقال: سأخاصمك إلى نفسك، أما تذكرين ما كان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يلقى من شدة العيش؟ قال فما زال يذكرها حتى أبكاها، ثم قال: إني قد قلت لك إني والله لئن استطعت لأشاركنها في عيشهما الشديد لعلي ألقى معهما

(3/277)


عيشهما الرخي. قال يزيد بن هارون: يعني رسول الله وأبا بكر.
أخبرنا مسلم بن إبراهيم قال: أخبرنا أبو عقيل قال الحسن: إن عمر بن الخطاب أبى إلا شدة وحصرا على نفسه فجاء الله بالسعة فجاء المسلمون فدخلوا على حفصة فقالوا: أبى عمر إلا شدة على نفسه وحصرا وقد بسط الله في الرزق، فليبسط في هذا الفيء فيما شاء منه وهو في حل من جماعة المسلمين. فكأنها قاربتهم في هواهم، فلما انصرفوا من عندها دخل عليها عمر فأخبرته بالذي قال القوم فقال لها عمر: يا حفصة بنت عمر نصحت قومك وغششت أباك، إنما حق أهلي في نفسي ومالي فأما في ديني وأمانتي فلا.
قال: أخبرنا عارم بن الفضل قال: أخبرنا حماد بن زيد عن غالب، يعني القطان، عن الحسن قال: كلموا حفصة أن تكلم أباها أن يلين من عيشه شيئا فقالت: يا أبتاه، أو يا أمير المؤمنين، إن قومك كلموني أن تلين من عيشك، فقال: غششت أباك ونصحت لقومك.
قال: أخبرنا يحيى بن حماد والفضل بن عنبسة قالا: أخبرنا أبو عوانة عن الأعمش عن إبراهيم أن عمر بن الخطاب كان يتجر وهو خليفة. قال يحيى في حديثه: وجهز عيرا إلى الشام فبعث إلى عبد الرحمن بن عوف، وقال الفضل: فبعث إلى رجل من أصحاب النبي، عليه السلام، قالا جميعا يستقرضه أربعة آلاف درهم، فقال للرسول: قل له يأخذها من بيت المال ثم ليردها. فلما جاءه الرسول فأخبره بما قال شق ذلك عليه فلقيه عمر فقال: أنت القائل ليأخذها من بيت المال؟ فإن مت قبل أن تجيء قلتم أخذها أمير المؤمنين دعوها له وأوخذ بها يوم القيامة، لا ولكن أردت أن آخذها من رجل حريص شحيح مثلك فإن مت أخذها، قال يحيى من ميراثي، وقال الفضل من مالي.
قال: أخبرنا عبد الله بن نمير قال: إسماعيل بن أبي خالد قال:

(3/278)


أخبرني سعيد بن أبي بردة عن يسار بن نمير قال سألني عمر: كم أنفقنا في حجتنا هذه؟ قلت خمسة عشر دينارا.
قال: أخبرنا وكيع بن الجراح عن سفيان عن يحيى بن سعيد عن شيخ لهم قال: خرج عمر بن الخطاب إلى مكة فما ضرب فسطاطا حتى رجع، كان يستظل بالنطع.
قال: أخبرنا عارم بن الفضل، قال حماد بن زيد عن يحيى بن سعيد عن عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: وأخبرنا الفضل بن دكين وعبد الوهاب بن عطاء قالا: أخبرنا عبد الله العمري عن عبد الرحمن بن القاسم عن عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: صحبت عمر بن الخطاب من المدينة إلى مكة في الحج ثم رجعنا فما ضرب فسطاطا ولا كان له بناء يستظل به إنما كان يلقي نطعا أو كساء على شجرة فيستظل تحته.
قال: أخبرنا أبو أسامة حماد بن أسامة قال: حدثني جرير بن حازم قال: سمعت الحسن يحدث قال: قدم أبو موسى في وفد أهل البصرة على عمر، قال: فقالوا كنا ندخل كل يوم وله خبز ثلاث فربما وافقناها مأدومة بزيت، وربما وافقناها بسمن، وربما وافقناها باللبن، وربما وافقناها بالقدائد اليابسة قد دقت ثم أغلي بها، وربما وافقنا اللحم الغريض وهو قليل. فقال لنا يوما: أيها القوم إني والله لقد أرى تعذيركم وكراهيتكم لطعامي، وإني والله لو شئت لكنت أطيبكم طعاما وأرفعكم عيشا، أما والله ما أجهل عن كراكر وأسنمة وعن صلا وصناب وصلائق، ولكني سمعت الله، جل ثناؤه، عير قوما بأمر فعلوه فقال: أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها، وإن أبا موسى كلمنا فقال: لو كلمتم أمير المؤمنين يفرض لنا من بيت المال أرزاقنا، فوالله ما زال حتى كلمناه فقال: يا معشر الأمراء أما ترضون لأنفسكم ما أرضاه لنفسي؟ قال قلنا: يا أمير المؤمنين إن المدينة أرض العيش بها شديد ولا نرى طعامك يعشي

(3/279)


ولا يؤكل، وإنا بأرض ذات ريف، وإن أميرنا يعشي وإن طعامه يؤكل. فنكت في الأرض ساعة ثم رفع رأسه فقال: فنعم فإني قد فرضت لكم كل يوم من بيت المال شاتين وجريبين فإذا كان بالغداة فضع إحدى الشاتين على أحد الجريبين فكل أنت وأصحابك ثم ادع بشرابك فاشرب، ثم اسق الذي عن يمينك، ثم الذي يليه، ثم قم لحاجتك، فإذا كان بالعشي فضع الشاة الغابرة على الجريب الغابر فكل أنت وأصحابك، ثم ادع بشرابك فاشرب، ألا وأشبعوا الناس في بيوتهم وأطعموا عيالهم فإن تحفينكم للناس لا يحسن أخلاقهم ولا يشبع جائعهم، والله مع ذلك ما أظن رستاقا يؤخذ منه كل يوم شاتان وجريبان إلا يسرعان في خرابه.
قال: أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم الأسدي عن يونس عن حميد بن هلال أن حفص بن أبي العاص كان يحضر طعام عمر فكان لا يأكل، فقال له عمر: ما يمنعك من طعامنا؟ قال: إن طعامك جشب غليظ وإني راجع إلى طعام لين قد صنع لي فأصيب منه، قال: أتراني أعجز أن آمر بشاة فيلقى عنها شعرها وآمر بدقيق فينخل في خرقة ثم آمر به فيخبز خبزا رقاقا وآمر بصاع من زبيب فيقذف في سعن ثم يصب عليه الماء فيصبح كأنه دم غزال؟ فقال: إني لأراك عالما بطيب العيش، فقال: أجل! والذي نفسي بيده لولا أن تنتقض حسناتي لشاركتكم في لين عيشكم.
قال: أخبرنا عارم بن الفضل قال: أخبرنا حماد بن سلمة عن سعيد الجريري عن أبي نضرة عن الربيع بن زياد الحارثي أنه وفد إلى عمر بن الخطاب فأعجبته هيئته ونحوه فشكا عمر طعاما غليظا أكله، فقال الربيع: يا أمير المؤمنين إن أحق الناس بطعام لين ومركب لين وملبس لين لأنت. فرفع عمر جريدة معه فضرب بها رأسه وقال: أما والله ما أراك أردت بها الله وما أردت بها إلا مقاربتي إن كنت لأحسب أن فيك ويحك

(3/280)


هل تدري ما مثلي ومثل هؤلاء؟ قال: وما مثلك ومثلهم؟ قال: مثل قوم سافروا فدفعوا نفقاتهم إلى رجل منهم، فقالوا له: أنفق علينا؛ فهل يحل له أن يستأثر منها بشيء؟ قال: لا يا أمير المؤمنين، قال: فكذلك مثلي ومثلهم. ثم قال عمر: إني لم أستعمل عليكم عمالي ليضربوا أبشاركم وليشتموا أعراضكم ويأخذوا أموالكم ولكني استعملتهم ليعلموكم كتاب ربكم وسنة نبيكم، فمن ظلمه عامله بمظلمة فلا إذن له علي ليرفعها إلي حتى أقصه منه. فقال عمرو بن العاص: يا أمير المؤمنين أرأيت إن أدب أمير رجلا من رعيته أتقصه منه؟ فقال عمر: وما لي لا أقصه منه وقد رأيت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقص من نفسه؟ وكتب عمر إلى أمراء الأجناد: لا تضربوا المسلمين فتذلوهم ولا تحرموهم فتكفروهم ولا تجمروهم فتفتنوهم ولا تنزلوهم الغياض فتضيعوهم.
قالوا: إن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لما توفي واستخلف أبو بكر الصديق كان يقال له خليفة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فلما توفي أبو بكر، رحمه الله، واستخلف عمر بن الخطاب قيل لعمر خليفة خليفة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقال المسلمون: فمن جاء بعد عمر قيل له خليفة خليفة خليفة رسول الله، عليه السلام، فيطول هذا، ولكن أجمعوا على اسم تدعون به الخليفة يدع به من بعده من الخلفاء، فقال بعض أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم: نحن المؤمنون وعمر أميرنا، فدعي عمر أمير المؤمنين فهو أول من سمي بذلك، وهو أول من كتب التأريخ في شهر ربيع الأول سنة ست عشرة فكتبه من هجرة النبي، صلى الله عليه وسلم، من مكة إلى المدينة، وهو أول من جمع القرآن في الصحف، وهو أول من سن قيام شهر رمضان وجمع الناس على ذلك وكتب به إلى البلدان، وذلك في شهر رمضان سنة أربع عشرة، وجعل للناس بالمدينة قارئين، قارئا يصلي بالرجال وقارئا يصلي بالنساء، وهو أول

(3/281)


من ضرب في الخمر ثمانين واشتد على أهل الريب والتهم وأحرق بيت رويشد الثقفي وكان حانوتا وغرب ربيعة بن أمية بن خلف إلى خيبر وكان صاحب شراب، فدخل أرض الروم فارتد، وهو أول من عس في عمله بالمدينة وحمل الدرة وأدب بها، ولقد قيل بعده لدرة عمر أهيب من سيفكم، وهو أول من فتح الفتوح وهي الأرضون والكور التي فيها الخراج والفيء، فتح العراق كله، السواد والجبال، وأذربيجان وكور البصرة وأرضها وكور الأهواز وفارس وكور الشام ما خلا أجنادين فإنها فتحت في خلافة أبي بكر الصديق، رحمه الله. وفتح عمر كور الجزيرة والموصل ومصر والإسكندرية، وقتل، رحمه الله، وخيله على الري وقد فتحوا عامتها، وهو أول من مسح السواد وأرض الجبل ووضع الخراج على الأرضين والجزية على جماجم أهل الذمة فيما فتح من البلدان، فوضع على الغني ثمانية وأربعين درهما وعلى الوسط أربعة وعشرين درهما وعلى الفقير اثني عشر درهما، وقال: لا يعوز رجلا منهم درهم في شهر، فبلغ خراج السواد والجبل على عهد عمر، رحمه الله، مائة ألف ألف وعشرين ألف ألف واف، وألواف درهم ودانقان ونصف، وهو أول من مصر الأمصار: الكوفة والبصرة والجزيرة والشام ومصر والموصل، وأنزلها العرب، وخط الكوفة والبصرة خططا للقبائل، وهو أول من استقضى القضاة في الأمصار، وهو أول من دون الديوان وكتب الناس على قبائلهم وفرض لهم الأعطية من الفيء وقسم القسوم في الناس، وفرض لأهل بدر وفضلهم على غيرهم، وفرض للمسلمين على أقدارهم وتقدمهم في الإسلام، وهو أول من حمل الطعام في السفن من مصر في البحر حتى ورد البحر ثم حمل من الجار إلى المدينة. وكان عمر، رضي الله عنه، إذا بعث عاملا له على مدينة كتب ماله، وقد قاسم غير واحد منهم ماله إذا عزله، منهم سعد بن أبي وقاص وأبو هريرة، وكان يستعمل رجلا من أصحاب رسول الله، عليه السلام، مثل عمرو

(3/282)


ابن العاص ومعاوية بن أبي سفيان والمغيرة بن شعبة، ويدع من هو أفضل منهم مثل عثمان وعلي وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف ونظرائهم لقوة أولئك على العمل والبصر به، ولإشراف عمر عليهم وهيبتهم له، وقيل له: ما لك لا تولي الأكابر من أصحاب رسول الله، عليه السلام، فقال: أكره أن أدنسهم بالعمل.
واتخذ عمر دار الرقيق، وقال بعضهم الدقيق، فجعل فيها الدقيق والسويق والتمر والزبيب وما يحتاج إليه يعين به المنقطع به والضيف ينزل بعمر، ووضع عمر في طريق السبل ما بين مكة والمدينة ما يصلح من ينقطع به ويحمل من ماء إلى ماء، وهدم عمر مسجد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وزاد فيه وأدخل دار العباس بن عبد المطلب فيما زاد، ووسعه وبناه لما كثر الناس بالمدينة، وهو أخرج اليهود من الحجاز وأجلاهم من جزيرة العرب إلى الشام، وأخرج أهل نجران وأنزلهم ناحية الكوفة، وكان عمر خرج إلى الجابية في صفر سنة ست عشرة فأقام بها عشرين ليلة يقصر الصلاة، وحضر فتح بيت المقدس، وقسم الغنائم بالجابية، وخرج بعد ذلك في جمادى الأولى سنة سبع عشرة يريد الشام فبلغ سرغ فبلغه أن الطاعون قد اشتعل بالشام فرجع من سرغ، فكلمه أبو عبيدة بن الجراح وقال: أتفر من قدر الله؟ قال: نعم إلى قدر الله.
وفي خلافته كان طاعون عمواس في سنة ثماني عشرة. وفي هذه السنة كان أول عام الرمادة أصاب الناس محل وجدب ومجاعة تسعة أشهر، واستعمل عمر على الحج بالناس أول سنة استخلف، وهي سنة ثلاث عشرة، عبد الرحمن بن عوف فحج بالناس تلك السنة ثم لم يزل عمر بن الخطاب يحج بالناس في كل سنة خلافته كلها فحج بهم عشر سنين ولاء، وحج بأزواج النبي، عليه السلام، في آخر حجة حجها بالناس سنة ثلاث وعشرين، واعتمر عمر في خلافته ثلاث مرات، عمرة في رجب سنة سبع عشرة

(3/283)


وعمرة في رجب سنة إحدى وعشرين، وعمرة في رجب سنة اثنتين وعشرين، وهو آخر المقام إلى موضعه اليوم، كان ملصقا بالبيت.
قال: أخبرنا محمد بن عبد الله الأنصاري قال: حدثني الأشعث عن الحسن أن عمر بن الخطاب مصر الأمصار: المدينة والبصرة والكوفة والبحرين ومصر والشام والجزيرة.
قال: أخبرنا عفان بن مسلم قال: أخبرنا حماد بن سلمة عن يونس عن الحسن أن عمر بن الخطاب قال: هان شيء أصلح به قوما أن أبدلهم أميرا مكان أمير.
قال: أخبرنا عفان بن مسلم قال: أخبرنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن عبد الله بن إبراهيم قال: أول من ألقى الحصى في مسجد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عمر بن الخطاب، وكان الناس إذا رفعوا رؤوسهم من السجود نفضوا أيديهم فأمر عمر بالحصى فجيء به من العقيق فبسط في مسجد النبي، صلى الله عليه وسلم.
قال: أخبرنا عفان بن مسلم قال: أخبرنا حماد بن زيد قال: أخبرنا أيوب عن محمد بن سيرين قال: قال عمر بن الخطاب: لأعزلن خالد بن الوليد والمثنى مثنى بني شيبان حتى يعلما أن الله إنما كان ينصر عباده وليس إياهما كان ينصر.
قال: أخبرنا عفان بن مسلم قال: أخبرنا حماد بن سلمة قال: أخبرنا كثير أبو محمد عن عبد الرحمن بن عجلان أن عمر بن الخطاب مر بقوم يرتمون فقال أحدهم: أسيت، فقال عمر: سوء اللحن أسوأ من سوء الرمي.
قال: وأخبرنا سليمان بن حرب قال: أخبرنا جرير بن حازم عن يعلى بن حكيم عن نافع قال: قال عمر: لا يسألني الله عن ركوب المسلمين البحر أبدا.

(3/284)


قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني هشام بن سعد عن زيد بن أسلم قال: كتب عمر بن الخطاب إلى عمرو بن العاص يسأله عن ركوب البحر قال فكتب عمرو إليه يقول: دود على عود فإن انكسر العود هلك الدود. قال فكره عمر أن يحملهم في البحر قال هشام وقال سعيد بن أبي هلال: فأمسك عمر عن ركوب البحر.
قال: أخبرنا عمرو بن عاصم الكلابي قال: أخبرنا داود بن أبي الفرات قال: أخبرنا عبد الله بن بريدة الأسلمي قال: بينما عمر بن الخطاب يعس ذات ليلة إذا امرأة تقول:
هل من سبيل إلى خمر فأشربها، أم هل سبيل إلى نصر بن حجاج؟
فلما أصبح سأل عنه، فإذا هو من بني سليم فأرسل إليه فأتاه فإذا هو من أحسن الناس شعرا وأصبحهم وجها، فأمره عمر أن يطم شعره ففعل، فخرجت جبهته فازداد حسنا، فأمره عمر أن يعتم ففعل، فازداد حسنا، فقال عمر: لا والذي نفسي بيده لا تجامعني بأرض أنا بها! فأمر له بما يصلحه وسيره إلى البصرة.
قال: أخبرنا عمرو بن عاصم الكلابي قال: أخبرنا داود بن أبي الفرات قال: أخبرنا عبد الله بن بريدة الأسلمي قال: خرج عمر بن الخطاب يعس ذات ليلة فإذا هو بنسوة يتحدثن، فإذا هن يقلن: أي أهل المدينة أصبح؟ فقالت امرأة منهن: أبو ذئب. فلما أصبح سأل عنه فإذا هو من بني سليم، فلما نظر إليه عمر إذا هو من أجمل الناس، فقال له عمر: أنت والله ذئبهن، مرتين أو ثلاثا، والذي نفسي بيده لا تجامعني بأرض أنا بها! قال: فإن كنت لا بد مسيرني فسيرني حيث سيرت بن عمي، يعني نصر بن حجاج السلمي، فأمر له بما يصلحه وسيره إلى البصرة.
قال: أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم الأسدي عن بن عون عن محمد أن بريدا قدم على عمر فنثر كنانته فبدرت صحيفة فأخذها فقرأها

(3/285)


فإذا فيها :
ألا أبلغ أبا حفص رسولا ... فدى لك من أخي ثقة إزاري
قلائصنا، هداك الله، إنا ... شغلنا عنكم زمن الحصار
فما قلص وجدن معقلات ... قفا سلع بمختلف البحار
قلائص من بني سعد بن بكر ... وأسلم أو جهينة أو غفار
يعقلهن جعدة من سليم ... معيدا يبتغي سقط العذار فقال: ادعوا لي جعدة من سليم. قال فدعوا به فجلده مائة معقولا ونهاه أن يدخل على امرأة مغيبة.
قال: أخبرنا عمرو بن عاصم قال: أخبرنا عاصم بن العباس الأسدي قال: سمعت سعيد بن المسيب يقول: كان عمر بن الخطاب يحب الصلاة في كبد الليل يعني وسط الليل.
قال: أخبرنا عمرو بن عاصم قال: أخبرنا أبو هلال عن محمد بن سيرين قال: كان عمر بن الخطاب قد اعتراه نسيان في الصلاة فجعل رجل خلفه يلقنه، فإذا أومأ إليه أن يسجد أو يقوم فعل.
قال: أخبرنا المعلى بن أسد قال: أخبرنا وهيب بن خالد عن يحيى بن سعد عن سالم بن عبد الله أن عمر بن الخطاب كان يدخل يده في دبرة البعير ويقول: إني لخائف أن أسأل عما بك.
قال: أخبرنا خالد بن مخلد البجلي قال: أخبرنا عبد الله بن عمر عن الزهري قال: قال عمر بن الخطاب في العام الذي طعن فيه: أيها الناس إني أكلمكم بالكلام فمن حفظه فليحدث به حيث انتهت به راحلته، ومن لم يحفظه فأحرج بالله على امرئ أن يقول علي ما لم أقل.
قال: أخبرنا قبيصة بن عقبة قال: أخبرنا سفيان عن معمر عن

(3/286)


الزهري قال: أراد عمر بن الخطاب أن يكتب السنن فاستخار الله شهرا ثم أصبح وقد عزم له فقال: ذكرت قوما كتبوا كتابا فأقبلوا عليه وتركوا كتاب الله.
قال: أخبرنا محمد بن مصعب القرقساني قال: أخبرنا أبو بكر بن عبد الله بن أبي مريم عن راشد بن سعد أن عمر بن الخطاب أتى بمال فجعل يقسمه بين الناس فازدحموا عليه، فأقبل سعد بن أبي وقاص يزاحم الناس حتى خلص إليه فعلاه عمر بالدرة وقال: إنك أقبلت لا تهاب سلطان الله في الأرض فأحببت أن أعلمك أن سلطان الله لن يهابك.
قال: أخبرنا عبد الله بن جعفر الرقي قال: أخبرنا عبيد الله بن عمرو عن عبد الكريم عن عكرمة أن حجاما كان يقص عمر بن الخطاب وكان رجلا مهيبا، فتنحنح عمر فأحدث الحجام، فأمر له عمر بأربعين درهما، والحجام هو سعيد بن الهيلم.
قال: أخبرنا إسماعيل بن عبد الله بن أبي أويس قال: حدثنا أبي عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب عن عمر بن الخطاب أنه قال في ولايته: من ولي هذا الأمر بعدي فليعلم أن سيريده عنه القريب والبعيد، وايم الله ما كنت إلا أقاتل الناس عن نفسي قتالا.
قال: أخبرنا مطرف بن عبد الله قال: أخبرنا عبد العزيز بن أبي حازم عن معمر بن محمد عن أبيه محمد بن زيد قال: اجتمع علي وعثمان وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد، وكان أجرأهم على عمر عبد الرحمن بن عوف، فقالوا: يا عبد الرحمن لو كلمت أمير المؤمنين للناس فإنه يأتي الرجل طالب الحاجة فتمنعه هيبتك أن يكلمك في حاجة حتى يرجع ولم يقض حاجته. فدخل عليه فكلمه فقال: يا أمير المؤمنين لن للناس فإنه يقدم القادم فتمنعه هيبتك أن يكلمك في حاجته حتى يرجع ولم يكلمك. قال: يا عبد الرحمن أنشدك الله أعلي وعثمان

(3/287)


وطلحة والزبير وسعد أمروك بهذا؟ قال: اللهم نعم قال: يا عبد الرحمن والله لقد لنت للناس حتى خشيت الله في اللين ثم اشتددت عليهم حتى خشيت الله في الشدة، فأين المخرج؟ فقام عبد الرحمن يبكي يجر رداءه يقول بيده: أف لهم بعدك، أف لهم بعدك.
قال: أخبرنا سعيد بن منصور قال: أخبرنا سفيان عن عاصم بن كليب عن أبيه عن بن عباس قال: كان عمر بن الخطاب كلما صلى صلاة جلس للناس، فمن كانت له حاجة نظر فيها. فصلى صلوات لا يجلس فيها فأتيت الباب فقلت: يا يرفا، فخرج علينا يرفا، فقلت أبأمير المؤمنين شكوى؟ قال: لا، فبينا أنا كذلك إذ جاء عثمان فدخل يرفا ثم خرج علينا فقال: قم يا بن عفان، قم يا بن عباس، فدخلنا على عمر وبين يديه صبر من مال، على كل صبرة منها كتف، فقال: إني نظرت فلم أجد بالمدينة أكثر عشيرة منكما، خذا هذا المال فاقسماه بين الناس، فإن فضل فضل فردا. فأما عثمان فحثا وأما أنا فجثيت لركبتي فقلت: وإن كان نقصانا رددت علينا؟ فقال: شنشنة من أخشن، قال سفيان: يعني حجرا من جبل، أما كان هذا عند الله إذ محمد، صلى الله عليه وسلم، وأصحابه يأكلون القد؟ قلت: بلى ولو فتح عليه لصنع غير الذي تصنع، قال: وما كان يصنع؟ قلت: إذا لأكل وأطعمنا. قال: فرأيته نشج حتى اختلفت أضلاعه وقال: لوددت أني خرجت منه كفافا لا علي ولا لي.
قال: أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب قال: أصيب بعير من المال زعم يحيى من الفيء فنحره عمر وأرسل إلى أزواج النبي منه وصنع ما بقي فدعا عليه من المسلمين وفيهم يومئذ العباس بن عبد المطلب، فقال العباس: يا أمير المؤمنين لو صنعت لنا كل يوم مثل هذا فأكلنا عندك وتحدثنا، فقال عمر: لا أعود لمثلها، إنه

(3/288)


مضى صاحبان لي، يعني النبي، صلى الله عليه وسلم، وأبا بكر عملا عملا وسلكا طريقا وإني إن عملت بغير عملهما سلك بي طريق غير طريقهما.
قال: أخبرنا عبد الله بن مسلم بن قعنب الحارثي قال: أخبرنا مالك بن أنس عن زيد بن أسلم عن أبيه أن عمر بن الخطاب خرج فقعد على المنبر فثاب الناس إليه حتى سمع به أهل العالية فنزلوا فعلمهم حتى ما بقي وجه إلا علمهم، ثم أتى أهله وقال: قد سمعتم ما نهيت عنه وإني لا أعرف أن أحدا منكم يأتي شيئا مما نهيت عنه إلا ضاعفت له العذاب ضعفين، أو كما قال.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني معمر عن الزهري عن سالم بن عبد الله عن أبيه قال: كان عمر إذا أراد أن ينهى الناس عن شيء تقدم إلى أهله فقال: لا أعلمن أحدا وقع في شيء مما نهيت عنه إلا أضعفت له العقوبة.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: أخبرنا أبو بكر بن عبد الله بن أبي سبرة عن إسماعيل بن أبي حكيم عن عروة قال: كان عمر إذا أتاه الخصمان برك على ركبتيه وقال: اللهم أعني عليهما فإن كل واحد منهما يريدني عن ديني.
قال: أخبرنا إسحاق بن يوسف الأزرق ومحمد بن عبد الله الأنصاري وهوذة بن خليفة قالوا: أخبرنا بن عون عن محمد بن سيرين قال: قال عمر بن الخطاب: ما بقي في شيء من أمر الجاهلية إلا أني لست أبالي إلى أي الناس نكحت وأيهم أنكحت.
قال: أخبرنا عارم بن الفضل قال: أخبرنا القاسم بن الفضل قال: حدثني معاوية بن قرة عن الحكم بن أبي العاص الثقفي قال: كنت قاعدا مع عمر بن الخطاب فأتاه رجل فسلم عليه فقال له عمر: بينك وبين أهل نجران قرابة؟ قال الرجل: لا، قال عمر: بلى، قال الرجل: لا

(3/289)


قال عمر: بلى والله، أنشد الله كل رجل من المسلمين يعلم أن بين هذا وبين أهل نجران قرابة لما تكلم، فقال رجل من القوم: يا أمير المؤمنين بلى بينه وبين أهل نجران قرابة من قبل كذا وكذا، فقال له عمر: مه فإنا نقفو الآثار.
قال: أخبرنا يعلى بن عبيد قال: أخبرنا سفيان عن أبي نهيك عن زياد بن حدير قال: رأيت عمر أكثر الناس صياما وأكثرهم سواكا.
قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله بن يونس قال: أخبرنا زهير بن معاوية قال: أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم قال: قال عمر بن الخطاب: لو كنت أطيق مع الخليفى لأذنت.
قال: أخبرنا يعلى بن عبيد قال: أخبرنا مسعر بن كدام عن حبيب بن أبي ثابت عن يحيى بن أبي جعدة قال: قال عمر بن الخطاب: لولا أن أسير في سبيل الله أو أضع جبيني لله في التراب أو أجالس قوما يلتقطون طيب القول كما يلتقط طيب الثمر لأحببت أن أكون قد لحقت بالله.
قال: أخبرنا محمد بن عمر الأسلمي قال: أخبرنا عمر بن سليمان بن أبي حثمة عن أبيه قال: قالت الشفاء ابنة عبد الله، ورأت فتيانا يقصدون في المشي ويتكلمون رويدا فقالت: ما هذا؟ فقالوا: نساك، فقالت: كان والله عمر إذا تكلم أسمع وإذا مشى أسرع وإذا ضرب أوجع، وهو الناسك حقا.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: أخبرنا عبد الله بن جعفر عن أم بكر بنت المسور عن أبيها المسور بن مخرمة قال: كنا نلزم عمر بن الخطاب نتعلم منه الورع.
قال: أخبرنا عارم بن الفضل قال: أخبرنا حماد بن زيد عن يحيى، يعني بن سعيد، قال: قال عمر بن الخطاب ما أبالي إذا اختصم إلي رجلان لأيهما كان الحق.

(3/290)


قال: أخبرنا عفان بن مسلم قال: أخبرنا وهيب بن خالد قال: أخبرنا خالد الحذاء عن أبي قلابة عن أنس بن مالك عن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: أشد أمتي في أمر الله عمر.
قال: أخبرنا إسحاق بن يوسف الأزرق قال: أخبرنا محمد بن قيس الأسدي عن العلاء بن أبي عائشة أن عمر بن الخطاب دعا بحلاق فحلقه بموسى، يعني جسده، فاستشرف له الناس فقال: أيها الناس، إن هذا ليس من السنة ولكن النورة من النعيم فكرهتها.
قال: أخبرنا حجاج بن محمد قال: أخبرنا أبو هلال الراسبي عن قتادة قال: كان الخلفاء لا يتنورون، أبو بكر وعمر وعثمان.
قال: أخبرنا عبد الوهاب بن عطاء العجلي قال: أخبرنا سعيد بن أبي عروبة بلغه عن عمر بن عبد العزيز أنه قال: رأيت النبي، صلى الله عليه وسلم، في المنام وأبو بكر عن يمينه وعمر عن شماله فقال لي: يا عمر إن وليت من أمر الناس شيئا فخذ بسيرة هذين.
قال: أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا عبد الله بن عبد الله بن أبي أويس المديني عن الزهري عن سالم قال: كان عمر بن الخطاب وعبد الله بن عمر لا يعرف فيهما البر حتى يقولا أو يفعلا، قال: قلت يا أبا بكر ما تعني بذلك؟ قال: لم يكونا مؤنثين ولا متماوتين.
قال: أخبرنا معن بن عيسى وعبد الله بن مسلمة بن قعنب قالا: أخبرنا مالك عن بن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود قال: كان البر لا يعرف في عمر ولا في ابنه حتى يقولا أو يفعلا.
قال: أخبرنا معن بن عيسى وعبد الله بن مسلمة بن قعنب قالا: أخبرنا مالك بن أنس عن قطن بن وهب بن عويمر بن الأجدع قال معن: إن عمر بن الخطاب كان يسير ببعض طريق مكة، وقال عبد الله بن مسلمة عن قطن بن وهب عن عمه إنه كان مع عمر بن الخطاب في سفر فلما

(3/291)


كان قريبا من الروحاء، قال معن وعبد الله بن مسلمة في حديثهما، فسمع صوت راع في جبل فعدل إليه فلما دنا منه صاح: يا راعي الغنم، فأجابه الراعي فقال: يا راعيها، فقال عمر: إني قد مررت بمكان هو أخصب من مكانك وإن كل راع مسؤول عن رعيته، ثم عدل صدور الركاب.
قال: أخبرنا عبد الحميد بن عبد الرحمن الحماني عن النعمان بن ثابت عن موسى بن طلحة عن بن الحوتكية قال: سئل عمر عن شيء فقال: لولا أني أكره أن أزيد في الحديث أو أنتقص منه لحدثتكم به.
قال: أخبرنا معن بن عيسى وروح بن عبادة قالا: أخبرنا مالك بن أنس عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس بن مالك قال: سمعت عمر بن الخطاب يوما وخرجت معه حتى دخل حائطا فسمعته يقول، وبيني وبينه جدار وهو في جوف الحائط: عمر بن الخطاب أمير المؤمنين بخ والله بني الخطاب لتتقين الله أو ليعذبنك.
قال: أخبرنا إسماعيل بن عبد الله بن أبي أويس قال: حدثني أبي عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب عن عمر بن الخطاب أنه كان يقول: إن الناس لم يزالوا مستقيمين ما استقامت لهم أيمتهم وهداتهم.
قال: أخبرنا عبد الله بن إدريس عن هشام بن حسان عن الحسن قال: قال عمر بن الخطاب: الرعية مؤدية إلى الإمام ما أدى الإمام إلى الله، فإذا رتع الإمام رتعوا.
قال: أخبرنا إسماعيل بن عبد الله بن أبي أويس قال: حدثني أبي عن عاصم بن محمد عن زيد بن أسلم قال: أخبرني أسلم أبي أن عبد الله بن عمر قال: يا أسلم أخبرني عن عمر، قال: فأخبرته عن بعض شأنه فقال عبد الله: ما رأيت أحدا قط بعد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، من حين قبض كان أجد ولا أجود حتى انتهى، من عمر.
قال: أخبرنا الفضل بن دكين قال: أخبرنا مندل بن علي عن عاصم

(3/292)


قال: سمعت أبا عثمان النهدي يقول: والذي لو شاء أن تنطق قناني نطقت لو كان عمر بن الخطاب ميزانا ما كان فيه ميط شعرة.
قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن الوليد الأزرقي المكي قال: أخبرنا أبو عمير الحارث بن عمير عن رجل أن عمر بن الخطاب رقي المنبر وجمع الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس لقد رأيتني وما لي من أكال يأكله الناس إلا أن لي خالات من بني مخزوم فكنت أستعذب لهن الماء فيقبضن لي القبضات من الزبيب. قال ثم نزل عن المنبر فقيل له: ما أردت إلى هذا يا أمير المؤمنين؟ قال: إني وجدت في نفسي شيئا فأردت أن أطأطىء منها.
قال: أخبرنا علي بن عبد الله بن جعفر قال: قال سفيان، يعني بن عيينة: قال عمر بن الخطاب: أحب الناس إلي من رفع إلي عيوبي.
قال: أخبرنا عارم بن الفضل قال: أخبرنا حماد بن سلمة قال: أخبرنا حميد عن أنس بن مالك أن الهرمزان رأى عمر بن الخطاب مضطجعا في مسجد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقال: هذا والله الملك الهنيء.
قال: أخبرنا خالد بن مخلد البجلي قال: أخبرنا عبد الله بن عمر قال: أخبرني زيد بن أسلم عن أبيه قال: رأيت عمر بن الخطاب يأخذ بأذن الفرس ويأخذ بيده الأخرى أذنه ثم ينزو على متن الفرس.
قال: أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء قال: كان عمر بن الخطاب يأمر عماله أن يوافوه بالموسم فإذا اجتمعوا قال: أيها الناس، إني لم أبعث عمالي عليكم ليصيبوا من أبشاركم ولا من أموالكم، إنما بعثتهم ليحجزوا بينكم وليقسموا فيئكم بينكم، فمن فعل به غير ذلك فليقم. فما قام أحد إلا رجل واحد قام فقال: يا أمير المؤمنين إن عاملك فلانا ضربني مائة سوط. قال: فيم ضربته؟

(3/293)


قم فاقتص منه، فقام عمرو بن العاص فقال: يا أمير المؤمنين إنك إن فعلت هذا يكثر عليك ويكون سنة يأخذ بها من بعدك، فقال: أنا لا أقيد وقد رأيت رسول الله يقيد من نفسه، قال: فدعنا فلنرضه، قال: دونكم فأرضوه. فافتدى منه بمائتي دينار، كل سوط بدينارين.
قال: أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا الجريري عن أبي نضرة عن أبي سعيد مولى أبي أسيد قال: كان عمر بن الخطاب يعس المسجد بعد العشاء فلا يرى فيه أحدا إلا أخرجه إلا رجلا قائما يصلي، فمر بنفر من أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فيهم أبي بن كعب فقال: من هؤلاء؟ قال أبي: نفر من أهلك يا أمير المؤمنين، قال: ما خلفكم بعد الصلاة؟ قال: جلسنا نذكر الله، قال فجلس معهم ثم قال لأدناهم إليه: خذ قال فدعا فاستقرأهم رجلا رجلا يدعون حتى انتهى إلي وأنا إلى جنبه فقال: هات، فحصرت وأخذني من الرعدة أفكل حتى جعل يجد مس ذلك مني، فقال: ولو أن تقول اللهم اغفر لنا اللهم ارحمنا، قال ثم أخذ عمر فما كان في القوم أكثر دمعة ولا أشد بكاء منه، ثم قال: إيها الآن فتفرقوا.
قال: أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا فرج بن فضالة عن محمد بن الوليد الزبيدي عن الزهري قال: كان عمر بن الخطاب يجلس متربعا ويستلقي على ظهره ويرفع إحدى رجليه على الأخرى.
قال: أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا فرج بن فضالة عن محمد بن الوليد عن الزهري قال: قال عمر بن الخطاب إذا أطال أحدكم الجلوس في المسجد فلا عليه أن يضع جنبه فإنه أجدر أن لا يمل جلوسه.
قال: أخبرنا عارم بن الفضل قال: أخبرنا حماد بن زيد عن أيوب وهشام عن محمد بن سيرين قال: قتل عمر ولم يجمع القرآن.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني عائذ بن يحيى عن أبي

(3/294)


الحويرث عن جبير بن الحويرث بن نقيد أن عمر بن الخطاب استشار المسلمين في تدوين الديوان فقال له علي بن أبي طالب: تقسم كل سنة ما اجتمع إليك من مال ولا تمسك منه شيئا، وقال عثمان بن عفان: أرى مالا كثيرا يسع الناس وإن لم يحصوا حتى تعرف من أخذ ممن لم يأخذ، خشيت أن ينتشر الأمر. فقال له الوليد بن هشام بن المغيرة: يا أمير المؤمنين قد جئت الشام فرأيت ملوكها قد دونوا ديوانا وجندوا جنودا فدون ديوانا وجند جنودا، فأخذ بقوله فدعا عقيل بن أبي طالب ومخرمة بن نوفل وجبير بن مطعم وكانوا من نساب قريش فقال: اكتبوا الناس على منازلهم، فكتبوا فبدؤوا ببني هاشم ثم أتبعوهم أبا بكر وقومه، ثم عمر وقومه على الخلافة، فلما نظر إليه عمر قال: وددت والله أنه هكذا ولكن ابدؤوا بقرابة النبي، صلى الله عليه وسلم، الأقرب فالأقرب حتى تضعوا عمر حيث وضعه الله.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني أسامة بن زيد بن أسلم عن أبيه عن جده قال: رأيت عمر بن الخطاب حين عرض عليه الكتاب، وبنو تيم على أثر بني هاشم، وبنو عدي على أثر بني تيم، فأسمعه يقول: ضعوا عمر موضعه وابدؤوا بالأقرب فالأقرب من رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فجاءت بنو عدي إلى عمر فقالوا: أنت خليفة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أو خليفة أبي بكر وأبو بكر خليفة رسول الله عليه السلام قالوا: وذاك فلو جعلت نفسك حيث جعلك هؤلاء القوم، قال: بخ بخ بني عدي، أردتم الأكل على ظهري لأن أذهب حسناتي لكم، لا والله حتى تأتيكم الدعوة وإن أطبق عليكم الدفتر، يعني ولو أن تكتبوا آخر الناس، إن لي صاحبين سلكا طريقا فإن خالفتهما خولف بي، والله ما أدركنا الفضل في الدنيا ولا ما نرجو من الآخرة من ثواب الله على ما عملنا إلا بمحمد، صلى الله عليه وسلم، فهو شرفنا وقومه أشرف العرب ثم

(3/295)


الأقرب فالأقرب، إن العرب شرفت برسول الله، ولو أن بعضنا يلقاه إلى آباء كثيرة وما بيننا وبين أن نلقاه إلى نسبه ثم لا نفارقه إلى آدم إلا آباء يسيرة مع ذلك، والله لئن جاءت الأعاجم بالأعمال وجئنا بغير عمل فهم أولى بمحمد منا يوم القيامة، فلا ينظر رجل إلى القرابة ويعمل لما عند الله، فإن من قصر به عمله لا يسرع به نسبه.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني أسامة بن زيد بن أسلم عن يحيى بن عبد الله بن مالك عن أبيه عن جده، قال محمد بن عمر وأخبرنا سليمان بن داود بن الحصين عن أبيه عن عكرمة عن بن عباس، قال محمد بن عمر وأخبرنا عبد الله بن جعفر عن عثمان بن محمد الأخنسي، قال محمد بن عمر وأخبرنا موسى بن محمد بن إبراهيم عن أبيه قال: وحدثني محمد بن عبد الله عن الزهري عن سعيد بن المسيب، دخل حديث بعضهم في حديث بعض، قالوا: لما أجمع عمر بن الخطاب على تدوين الديوان وذلك في المحرم سنة عشرين بدأ ببني هاشم في الدعوة، ثم الأقرب فالأقرب برسول الله، صلى الله عليه وسلم، فكان القوم إذا استووا في القرابة برسول الله، صلى الله عليه وسلم، قدم أهل السابقة حتى انتهى إلى الأنصار فقالوا: بمن نبدأ؟ فقال عمر: ابدؤوا برهط سعد بن معاذ الأشهلي ثم الأقرب فالأقرب بسعد بن معاذ. وفرض عمر لأهل الديوان ففضل أهل السوابق والمشاهد في الفرائض، وكان أبو بكر الصديق قد سوى بين الناس في القسم فقيل لعمر في ذلك فقال: لا أجعل من قاتل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، كمن قاتل معه. فبدأ بمن شهد بدرا من المهاجرين والأنصار ففرض لكل رجل منهم خمسة آلاف درهم في كل سنة، حليفهم ومولاهم معهم بالسواء، وفرض لمن كان له إسلام كإسلام أهل بدر من مهاجرة الحبشة ومن شهد أحدا أربعة آلاف درهم لكل رجل منهم، وفرض لأبناء البدريين ألفين ألفين إلا حسنا وحسينا فإنه ألحقهما بفريضة أبيهما

(3/296)


لقرابتهما برسول الله، صلى الله عليه وسلم، ففرض لكل واحد منهما خمسة آلاف درهم، وفرض للعباس بن عبد المطلب خمسة آلاف درهم لقرابته برسول الله، صلى الله عليه وسلم.
قال: وقد روى بعضهم أنه فرض له سبعة آلاف درهم، وقال سائرهم: لم يفضل أحدا على أهل بدر إلا أزواج النبي، صلى الله عليه وسلم، فإنه فرض لكل امرأة منهن اثني عشر ألف درهم، جويرية بنت الحارث وصفية بنت حيي فيهن، هذا المجتمع عليه، وفرض لمن هاجر قبل الفتح لكل رجل ثلاثة آلاف درهم، وفرض لمسلمة الفتح لكل رجل منهم ألفين، وفرض لغلمان أحداث من أبناء المهاجرين والأنصار كفرائض مسلمة الفتح، وفرض لعمر بن أبي سلمة أربعة آلاف درهم، فقال محمد بن عبد الله بن جحش: لم تفضل عمر علينا فقد هاجر آباؤنا وشهدوا؟ فقال عمر: أفضله لمكانه من النبي، صلى الله عليه وسلم، فليأت الذي يستعتب بأم مثل أم سلمة أعتبه، وفرض لأسامة بن زيد أربعة آلاف درهم، فقال عبد الله بن عمر: فرضت لي ثلاثة آلاف وفرضت لأسامة في أربعة آلاف وقد شهدت ما لم يشهد أسامة، فقال عمر: زدته لأنه كان أحب إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، منك وكان أبوه أحب إلى رسول الله، عليه السلام، من أبيك. ثم فرض للناس على منازلهم وقراءتهم للقرآن وجهادهم، ثم جعل من بقي من الناس بابا واحدا فألحق من جاءهم من المسلمين بالمدينة في خمسة وعشرين دينارا لكل رجل، وفرض للمحررين معهم، وفرض لأهل اليمن وقيس بالشام والعراق لكل رجل ألفين إلى ألف إلى تسعمائة إلى خمسمائة إلى ثلاثمائة لم ينقص أحدا من ثلاثمائة، وقال: لئن كثر المال لأفرضن لكل رجل أربعة آلاف درهم، ألف لسفره وألف لسلاحه وألف يخلفها لأهله وألف لفرسه وبغله، وفرض لنساء مهاجرات، فرض لصفية بنت

(3/297)


عبد المطلب ستة آلاف درهم، ولأسماء ابنة عميس ألف درهم، ولأم كلثوم بنت عقبة ألف درهم، ولأم عبد الله بن مسعود ألف درهم. وقد روي أنه فرض للنساء المهاجرات ثلاثة آلاف درهم لكل واحدة، وأمر عمر فكتب له عيال أهل العوالي فكان يجري عليهم القوت، ثم كان عثمان فوسع عليهم في القوت والكسوة، وكان عمر يفرض للمنفوس مائة درهم فإذا ترعرع بلغ به مائتي درهم فإذا بلغ زاده، وكان إذا أتي باللقيط فرض له مائة درهم وفرض له رزقا يأخذه وليه كل شهر ما يصلحه، ثم ينقله من سنة إلى سنة، وكان يوصي بهم خيرا ويجعل رضاعهم ونفقتهم من بيت المال.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني حزام بن هشام الكعبي عن أبيه قال: رأيت عمر بن الخطاب يحمل ديوان خزاعة حتى ينزل قديدا فتأتيه بقديد فلا يغيب عنه امرأة بكر ولا ثيب فيعطيهن في أيديهن ثم يروح فينزل عسفان فيفعل مثل ذلك أيضا حتى توفي.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني أبو بكر بن عبد الله بن أبي سبرة عن محمد بن زيد قال: كان ديوان حمير على عهد عمر على حده.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني عبد الله بن عمر العمري عن جهم بن أبي جهم قال: قدم خالد بن عرفطة العذري على عمر فسأله عما وراءه فقال: يا أمير المؤمنين تركت من ورائي يسألون الله أن يزيد في عمرك من أعمارهم، ما وطئ أحد القادسية إلا عطاؤه ألفان أو خمس عشرة مائة، وما من مولود يولد إلا ألحق على مائة وجريبين كل شهر ذكرا كان أو أنثى، وما يبلغ لنا ذكر إلا ألحق على خمسمائة أو ستمائة، فإذا خرج هذا لأهل بيت منهم من يأكل الطعام ومنهم من لا يأكل الطعام، فما ظنك به؟ فإنه لينفقه فيما ينبغي وفيما لا ينبغي، قال عمر: فالله المستعان إنما

(3/298)


هو حقهم أعطوه وأنا أسعد بأدائه إليهم منهم بأخذه، فلا تحمدني عليه فإنه لو كان من مال الخطاب ما أعطيتموه ولكني قد علمت أن فيه فضلا ولا ينبغي أن أحبسه عنهم، فلو أنه إذا خرج عطاء أحد هؤلاء العريب ابتاع منه غنما فجعلها بسوادهم ثم إذا خرج العطاء الثانية ابتاع الرأس فجعله فيها فإني، ويحك يا خالد بن عرفطة، أخاف عليكم أن يليكم بعدي ولاة لا يعد العطاء في زمانهم مالا، فإن بقي أحد منهم أو أحد من ولده كان لهم شيء قد اعتقدوه فيتكئون عليه، فإن نصيحتي لك أنت عندي جالس كنصيحتي لمن هو بأقصى ثغر من ثغور المسلمين وذلك لما طوقني الله من أمرهم، قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: من مات غاشا لرعيته لم يرح رائحة الجنة.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني محمد بن عمرو السميعي عن الحسن قال: كتب عمر إلى حذيفة أن أعط الناس أعطيتهم وأرزاقهم. فكتب إليه: إنا قد فعلنا وبقي شيء كثير، فكتب إليه عمر إنه فيؤهم الذي أفاء الله، عليهم ليس هو لعمر ولا لآل عمر، اقسمه بينهم.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: أخبرنا عبد الله بن جعفر الزهري وعبد الملك بن سليمان عن إسماعيل بن محمد بن سعد عن السائب بن يزيد قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: والذي لا إله إلا هو، ثلاثا، ما من الناس أحد إلا له في هذا المال حق أعطيته أو منعه،وما أحد بأحق به من أحد عبد مملوك، وما أنا فيه إلا كأحدكم ولكنا على منازلنا من كتاب الله وقسمنا من رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فالرجل وبلاؤه في الإسلام، والرجل وقدمه في الإسلام، والرجل وغناؤه في الإسلام، والرجل وحاجته، والله لئن بقيت ليأتين الراعي بجبل صنعاء حظه من هذا المال وهو مكانه. قال إسماعيل بن محمد: فذكرت ذلك لأبي فعرف الحديث.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني أسامة بن زيد الليثي عن

(3/299)


محمد بن المنكدر عن مالك بن أوس بن الحدثان قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: ما على الأرض مسلم لا يملكون رقبته إلا له في هذا الفيء حق أعطيه أو منعه، ولئن عشت ليأتين الراعي باليمن حقه قبل أن يحمر وجهه يعني في طلبه.
قال: أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا محمد بن عمر،و عن أبي سلمة عن أبي هريرة أنه قدم على عمر من البحرين، قال أبو هريرة: فلقيته في صلاة العشاء الآخرة فسلمت عليه فسألني عن الناس، ثم قال لي: ماذا جئت به؟ قلت: جئت بخمسمائة ألف درهم، قال: هل تدري ما تقول؟ قلت: جئت بخمسمائة ألف درهم، قال: ماذا تقول؟ قال قلت: مائة ألف، مائة ألف، مائة ألف، مائة ألف، مائة ألف، حتى عددت خمسا. قال: إنك ناعس فارجع إلى أهلك فنم فإذا أصبحت فأتني. فقال أبو هريرة: فغدوت إليه، فقال: ماذا جئت به؟ قلت: جئت بخمسمائة ألف درهم، قال عمر: أطيب؟ قلت: نعم لا أعلم إلا ذلك. فقال للناس: إنه قد قدم علينا مال كثير فإن شئتم أن نعد لكم عددا وإن شئتم أن نكيله لكم كيلا، فقال له رجل: يا أمير المؤمنين إني قد رأيت هؤلاء الأعاجم يدونون ديوانا يعطون الناس عليه، قال: فدون الديوان وفرض للمهاجرين الأولين في خمسة آلاف خمسة آلاف، وللأنصار في أربعة آلاف أربعة آلاف، ولأزواج النبي، عليه السلام، في اثني عشر ألفا.
قال يزيد: قال محمد بن عمرو وحدثني يزيد بن خصيفة عن عبد الله بن رافع عن برزة بنت رافع قالت: لما خرج العطاء أرسل عمر إلى زينب بنت جحش بالذي لها، فلما دخل عليها قالت: غفر الله لعمر! غيري من أخواتي كان أقوى على قسم هذا مني، فقالوا: هذا كله لك، قالت: سبحان الله! واستترت منه بثوب، قالت: صبوه واطرحوا عليه ثوبا، ثم قالت لي: أدخلي يدك فاقبضي منه قبضة فاذهبي بها إلى بني فلان وبني فلان، من

(3/300)


أهل رحمها وأيتامها، فقسمته حتى بقيت بقية تحت الثوب فقالت لها برزة بنت رافع: غفر الله لك يا أم المؤمنين! والله لقد كان لنا في هذا حق، فقالت: فلكم ما تحت الثوب. قالت: فكشفنا الثوب فوجدنا خمسة وثمانين درهما، ثم رفعت يديها إلى السماء فقالت: اللهم لا يدركني عطاء لعمر بعد عامي هذا. فماتت.
قال: أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا أبو عقيل يحيى بن المتوكل قال: حدثني عبد الله بن نافع عن أبيه عن بن عمر قال: قدمت رفقة من التجار فنزلوا المصلى فقال عمر لعبد الرحمن بن عوف: هل لك أن نحرسهم الليلة من السرق؟ فباتا يحرسانهم ويصليان ما كتب الله لهما، فسمع عمر بكاء صبي فتوجه نحوه فقال لأمه: اتقي الله واحسني إلى صبيك، ثم عاد إلى مكانه، فسمع بكاءه فعاد إلى أمه فقال لها مثل ذلك ثم عاد إلى مكانه، فلما كان في آخر الليل سمع بكاءه فأتى أمه فقال: ويحك، إني لأراك أم سوء، ما لي أرى ابنك لا يقر منذ الليلة؟ قالت: يا عبد الله قد أبرمتني منذ الليلة، إني أريغه عن الفطام فيأبى، قال: ولم؟ قالت: لأن عمر لا يفرض إلا للفطم، قال: وكم له؟ قالت: كذا وكذا شهرا، قال: ويحك لا تعجليه، فصلى الفجر وما يستبين الناس قراءته من غلبة البكاء، فلما سلم قال: يا بؤسا لعمر كم قتل من أولاد المسلمين! ثم أمر مناديا فنادى: ألا لا تعجلوا صبيانكم عن الفطام فإنا نفرض لكل مولود في الإسلام. وكتب بذلك إلى الآفاق: إنا نفرض لكل مولود في الإسلام.
قال: أخبرنا قبيصة بن عقبة قال: أخبرنا سفيان عن جعفر بن محمد عن أبيه قال: استشارهم عمر في العطاء بمن يبدأ فقالوا: ابدأ بنفسك، قال فبدأ بالأقارب من رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قبل قومه.
قال: أخبرنا عبد الله بن نمير عن هشام بن سعد عن زيد بن أسلم

(3/301)


عن أبيه قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: والله لئن بقيت إلى هذا العام المقبل لألحقن آخر الناس بأولهم ولأجعلنهم رجلا واحدا.
قال: أخبرنا معن بن عيسى قال: أخبرنا مالك بن أنس عن زيد بن أسلم عن أبيه أنه سمع عمر بن الخطاب قال: لئن بقيت إلى الحول لألحقن أسفل الناس بأعلاهم.
قال: أخبرنا عبيد الله بن موسى قال: أخبرنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن حارثة بن مضرب عن عمر قال: لئن عشت حتى يكثر المال لأجعلن عطاء الرجل المسلم ثلاثة آلاف، ألف لكراعه وسلاحه، وألف نفقة له، وألف نفقة لأهله.
قال: أخبرنا عمرو بن عاصم الكلابي قال: أخبرنا أبو الأشهب قال: أخبرنا الحسن قال: قال عمر بن الخطاب: لو قد علمت نصيبي من هذا الأمر لأتى الراعي بسروات حمير نصيبه وهو لا يعرق جبينه فيه.
قال: أخبرنا عارم بن الفضل قال: أخبرنا حماد بن زيد عن عمرو قال: قسم عمر بن الخطاب بين أهل مكة مرة عشرة عشرة فأعطى رجلا، فقيل: يا أمير المؤمنين إنه مملوك، قال: ردوه ردوه، ثم قال: دعوه.
قال: أخبرنا يعلى بن عبيد قال: أخبرنا هارون البربري عن عبد الله بن عبيد بن عمير قال: قال عمر: إني لأرجو أن أكيل لهم المال بالصاع.
قال: أخبرنا معن بن عيسى قال: أخبرنا مالك بن أنس عن يحيى بن سعيد أن عمر بن الخطاب كان يحمل في العام الواحد على أربعين ألف بعير، يحمل الرجل إلى الشام على بعير ويحمل الرجلين إلى العراق على بعير، فجاءه رجل من أهل العراق قال: احملني وسحيما، فقال عمر: أنشدك بالله أسحيم زق؟ قال: نعم.
قال: أخبرنا عبد الله بن نمير قال: أخبرنا هشام بن عروة عن أبيه

(3/302)


عن عائشة قالت: كان عمر بن الخطاب يرسل إلينا بأحظائنا حتى من الرؤوس والأكارع.
قال: أخبرنا يعلى بن عبيد قال: أخبرنا هارون البربري عن عبد الله بن عبيد بن عمير قال: قال عمر بن الخطاب: لأزيدنهم ما زاد المال، لأعدنه لهم عدا، فإن أعياني لأكيلنه لهم كيلا، فإن أعياني حشوته بغير حساب.
قال: أخبرنا سليمان بن حرب قال: أخبرنا أبو هلال قال: أخبرنا الحسن قال: كتب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى: أما بعد فأعلم يوما من السنة لا يبقى في بيت المال درهم حتى يكتسح اكتساحا حتى يعلم الله أني قد أديت إلى كل ذي حق حقه. قال الحسن: فأخذ صفوها وترك كدرها حتى ألحقه الله بصاحبيه.
قال: أخبرنا عمرو بن عاصم الكلابي قال: أخبرنا سليمان بن المغيرة قال: أخبرنا حميد بن هلال قال: أخبرنا زهير بن حيان قال: وكان زهير يلقى بن عباس ويسمع منه، قال: قال بن عباس: دعاني عمر بن الخطاب فأتيته فإذا بين يديه نطع عليه الذهب منثور حثا، قال: يقول بن عباس، أخبرنا زهير، هل تدري ما حثا؟ قال قلت: لا، قال: التبر، قال: هلم فاقسم هذا بين قومك، فالله أعلم حيث زوى هذا عن نبيه، عليه السلام، وعن أبي بكر فأعليته لخير أعطيته أو لشر، قال فأكببت عليه أقسم وأزيل، قال فسمعت البكاء، قال فإذا صوت عمر يبكي ويقول في بكائه: كلا والذي نفسي بيده ما حبسه عن نبيه، عليه السلام، وعن أبي بكر إرادة الشر لهما وأعطاه عمر إرادة الخير له.
قال: أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا حماد بن زيد عن هشام بن حسان عن محمد بن سيرين أن صهرا لعمر بن الخطاب قدم على عمر فعرض له أن يعطيه من بيت المال فانتهره عمر وقال: أردت أن ألقى

(3/303)


الله ملكا خائنا. فلما كان بعد ذلك أعطاه من صلب ماله عشرة آلاف درهم.
قال: أخبرنا خالد بن مخلد قال: أخبرنا عبد الله بن عمر عن سعيد بن زيد عن سالم أبي عبد الله قال: فرض عمر بن الخطاب للناس حتى لم يدع أحدا من الناس إلا فرض له حتى بقيت بقية لا عشائر لهم ولا موالي ففرض لهم ما بين المائتين وخمسين إلى ثلثمائة.
قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله بن يونس قال: أخبرنا عبد الله بن المبارك عن يونس عن الزهري عن سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب فرض لأهل بدر من المهاجرين من قريش والعرب والموالي خمسة آلاف خمسة آلاف، وللأنصار ومواليهم أربعة آلاف أربعة آلاف.
قال: أخبرنا الحسن بن موسى قال: أخبرنا زهير قال: أخبرنا أبو إسحاق عن مصعب بن سعد أن عمر أول من فرض الأعطية، فرض لأهل بدر والمهاجرين والأنصار ستة آلاف ستة آلاف، وفرض لأزواج النبي، عليه السلام، ففضل عليهن عائشة، فرض لها في اثني عشر ألفا ولسائرهن عشرة آلاف عشرة آلاف غير جويرية وصفية فرض لهما في ستة آلاف، ستة آلاف وفرض للمهاجرات الأول: أسماء بنت عميس وأسماء بنت أبي بكر وأم عبد، أم عبد الله بن مسعود، ألفا ألفا.
قال: أخبرنا الحسن بن موسى قال: أخبرنا زهير قال: أخبرنا أبو إسحاق قال: روي عن حارثة بن مضرب قال: قال عمر: لئن عشت لأجعلن عطاء المسلمين ثلاثة آلاف.
قال: أخبرنا قبيصة بن عقبة قال: أخبرنا سفيان عن الأسود بن قيس عن شيخ لهم قال: قال عمر بن الخطاب: لئن عشت لأجعلن عطاء سفلة الناس ألفين.

(3/304)


قال: أخبرنا قبيصة بن عقبة قال: أخبرنا هارون البربري عن عبد الله بن عبيد بن عمير قال: قال عمر بن الخطاب: والله لأزيدن الناس ما زاد المال، لأعدن لهم عدا فإن أعياني كثرته لأحشون لهم حشوا بغير حساب، هو مالهم يأخذونه.
قال: أخبرنا إسحاق بن منصور قال: أخبرنا زهير عن أبي إسحاق عن حارثة بن مضرب أن عمر أمر بجريب من طعام فعجن ثم خبز ثم ثرد، ثم دعا عليه ثلاثين رجلا فأكلوا منه، ثم فعل في العشاء مثل ذلك، ثم قال: يكفي الرجل جريبان كل شهر فرزق الناس جريبين كل شهر، المرأة والرجل والمملوك جريبين جريبين كل شهر.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني عاصم بن عبد الله بن أسعد الجهني عن عمران بن سويد عن بن المسيب عن عمر قال: أيما عامل لي ظلم أحدا فبلغتني مظلمته فلم أغيرها فأنا ظلمته.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني معمر عن الزهري عن عمر بن الخطاب قال: إني لأتحرج أن أستعمل الرجل وأنا أجد أقوى منه.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني عاصم بن عمر عن محمد بن عمرو عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عن أبيه عن عمر قال: لو مات جمل ضياعا على شط الفرات لخشيت أن يسألني الله عنه.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني عكرمة بن عبد الله بن فروخ عن أبي وجزة عن أبيه قال: كان عمر بن الخطاب يحمي النقيع لخيل المسلمين ويحمي الربذة والشرف لإبل الصدقة، يحمل على ثلاثين ألف بعير في سبيل الله كل سنة.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: أخبرنا يزيد بن فراس عن يزيد بن شريك الفزاري قال: عقلت عمر بن الخطاب يحمل على ثلاثين ألف بعير كل حول في سبيل الله، وعلى ثلاثمائة فرس، وكانت الخيل ترعى

(3/305)


في النقيع.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني محمد بن عبد الله الزهري عن الزهري عن السائب بن يزيد قال: رأيت خيلا عند عمر بن الخطاب، رحمه الله، موسومة في أفخاذها: حبيس في سبيل الله.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني عكرمة بن عبد الله بن فروخ عن السائب بن يزيد قال: رأيت عمر بن الخطاب السنة يصلح أداة الإبل التي يحمل عليها في سبيل الله براذعها وأقتابها، فإذا حمل الرجل على البعير جعل معه أداته.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني كثير بن عبد الله المزني عن أبيه عن جده أن عمر بن الخطاب استأذنه أهل الطريق يبنون ما بين مكة والمدينة فأذن لهم وقال: بن السبيل أحق بالماء والظل.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني قيس بن الربيع عن عاصم الأحول عن أبي عثمان النهدي عن عمر بن الخطاب أنه كان يغزي الأعزب عن ذي الحليلة، ويغزي الفارس عن القاعد.
قال: أخبرنا محمد بن عمر، حدثني بن أبي سبرة عن خارجة بن عبد الله بن كعب عن أبيه عن عمر بن الخطاب أنه كان يعقب بين الغزاة وينهى أن تحمل الذرية إلى الثغور.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني قيس بن الربيع عن عطاء بن السائب عن زادان عن سلمان أن عمر قال له: أملك أنا أم خليفة؟ فقال له سلمان: إن أنت جبيت من أرض المسلمين درهما أو أقل أو أكثر ثم وضعته في غير حقه فأنت ملك غير خليفة. فاستعبر عمر.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني عبد الله بن الحارث عن أبيه عن سفيان بن أبي العوجاء قال: قال عمر بن الخطاب: والله ما أدري أخليفة أنا أم ملك، فإن كنت ملكا فهذا أمر عظيم. قال قائل: يا أمير

(3/306)


المؤمنين إن بينهما فرقا، قال: ما هو؟ قال: الخليفة لا يأخذ إلا حقا ولا يضعه إلا في حق، فأنت بحمد الله كذلك، والملك يعسف الناس فيأخذ من هذا ويعطي هذا. فسكت عمر.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة عن محمد بن عقبة عن سالم عن بن عمر أن عمر أمر عماله فكتبوا أموالهم، منهم سعد بن أبي وقاص، فشاطرهم عمر أموالهم فأخذ نصفا وأعطاهم نصفا.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني سفيان بن عيينة عن مطرف عن الشعبي أن عمر كان إذا استعمل عاملا كتب ماله.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني عثمان بن عبد الله بن زياد مولى مصعب بن الزبير عن أيوب بن أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن أبيه قال: مكث عمر زمانا لا يأكل من المال شيئا حتى دخلت عليه في ذلك خصاصة، وأرسل إلى أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فاستشارهم فقال: قد شغلت نفسي في هذا الأمر، فما يصلح لي منه؟ فقال عثمان بن عفان: كل وأطعم، قال وقال ذلك سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل وقال لعلي: ما تقول أنت في ذلك؟ قال: غداء وعشاء، قال فأخذ عمر بذلك.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني عبد الله بن جعفر عن عبد الواحد بن أبي عون عن محمد بن المنكدر عن سعيد بن المسيب أن عمر استشار أصحاب النبي، صلى الله عليه وسلم، فقال: والله لأطوقنكم من ذلك طوق الحمامة، ما يصلح لي من هذا المال؟ فقال علي: غداء وعشاء. قال: صدقت.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني عبد الله بن نافع عن أبيه عن بن عمر قال: كان عمر يقوت نفسه وأهله ويكتسي الحلة في الصيف

(3/307)


ولربما خرق الإزار حتى يرقعه فما يبدل مكانه حتى يأتي الإبان، وما من عام يكثر فيه المال إلا كسوته فيما أرى أدنى من العام الماضي. فكلمته في ذلك حفصة فقال: إنما أكتسي من مال المسلمين وهذا يبلغني.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني موسى بن محمد بن إبراهيم عن أبيه قال: كان عمر بن الخطاب يستنفق كل يوم درهمين له ولعياله، وإنه أنفق في حجته ثمانين ومائة درهم.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني عمر بن صالح عن صالح مولى التومة عن بن الزبير قال: أنفق عمر ثمانين ومائة درهم فقال: قد أسرفنا في هذا المال.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني علي بن محمد عن أبيه عن بن عمر أن عمر أنفق في حجته ستة عشر دينارا فقال: يا عبد الله بن عمر أسرفنا في هذا المال. قال: وهذا مثل الأول على صرف اثني عشر درهما بدينار.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني محمد بن عبد الله عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: لما ولي عمر أكل هو وأهله من المال واحترف في مال نفسه.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني عبد الله بن سليمان عن عبد الله بن واقد عن بن عمر قال: أهدى أبو موسى الأشعري لامرأة عمر عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل طنفسة أراها تكون ذراعا وشبرا فدخل عليها عمر فرآها فقال: أنى لك هذه؟ فقالت: أهداها لي أبو موسى الأشعري، فأخذها عمر فضرب بها رأسها حتى نغض رأسها ثم قال: علي بأبي موسى الأشعري وأتعبوه. قال فأتي به قد أتعب وهو يقول: لا تعجل علي يا أمير المؤمنين، فقال عمر: ما يحملك على أن تهدي لنسائي؟ ثم أخذها عمر فضرب بها فوق رأسه وقال: خذها فلا حاجة لنا فيها.

(3/308)


قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني عبد الله بن عمر وعبد الله بن زيد بن أسلم عن أبيه قال: قال لي عمر: يا أسلم أمسك على الباب ولا تأخذن من أحد شيئا. قال فرأى علي يوما ثوبا جديدا فقال: من أين لك هذا؟ قلت: كسانيه عبيد الله بن عمر، فقال: أما عبيد الله فخذه منه وأما غيره فلا تأخذن منه شيئا. قال أسلم: فجاء الزبير وأنا على الباب فسألني أن يدخل فقلت: أمير المؤمنين مشغول ساعة، فرفع يده فضرب خلف أذني ضربة صيحتني، قال فدخلت على عمر فقال: ما لك؟ فقلت: ضربني الزبير، وأخبرته خبره، قال فجعل عمر يقول: الزبير والله أرى، ثم قال: أدخله.
فأدخلته على عمر فقال عمر: لم ضربت هذا الغلام؟ فقال الزبير: زعم أنه سيمنعنا من الدخول عليك، فقال عمر: هل ردك عن بابي قط؟ قال: لا، قال عمر: فإن قال لك اصبر ساعة فإن أمير المؤمنين مشغول لم تعذرني، إنه والله إنما يدمى السبع للسباع فتأكله.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني عبد الله بن عمر عن زيد بن أسلم عن أبيه قال: جاء بلال يريد أن يستأذن على عمر فقلت: إنه نائم، فقال: يا أسلم كيف تجدون عمر؟ فقلت: خير الناس إلا أنه إذا غضب فهو أمر عظيم. فقال بلال: لو كنت عنده إذا غضب قرأت عليه القرآن حتى يذهب غضبه.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني عبد الله بن عون بن مالك الدار عن أبيه عن جده قال: صاح علي عمر يوما وعلاني بالدرة، فقلت أذكرك بالله، قال فطرحها وقال: لقد ذكرتني عظيما.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني عبد الله بن نافع عن أبيه عن بن عمر قال: ما رأيت عمر غضب قط فذكر الله عنده أو خوف أو قرأ عنده إنسان آية من القرآن إلا وقف عما كان يريد.

(3/309)


قال: أخبرنا محمد بن عمر، حدثني حزام بن هشام عن أبيه قال: لما صدر الناس عن الحج سنة ثماني عشرة أصاب الناس جهد شديد وأجدبت البلاد وهلكت الماشية وجاع الناس وهلكوا حتى كان الناس يرون يستفون الرمة ويحفرون نفق اليرابيع والجرذان يخرجون ما فيها.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني أبو بكر بن عبد الله بن أبي سبرة عن عبد المجيد بن سهيل عن عوف بن الحارث عن أبيه قال: سمي ذلك العام عام الرمادة لأن الأرض كلها صارت سوداء فشبهت بالرماد وكانت تسعة أشهر.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني عبد الله بن عمر عن نافع عن بن عمر أن عمر بن الخطاب كتب إلى عمرو بن العاص عام الرمادة: بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى العاصي بن العاصي، سلام عليك، أما بعد أفتراني هالكا ومن قبلي وتعيش أنت ومن قبلك؟ فيا غوثاه، ثلاثا، قال فكتب إليه عمرو بن العاص: بسم الله الرحمن الرحيم، لعبد الله عمر أمير المؤمنين من عمرو بن العاص، سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد أتاك الغوث فلبث لبث، لأبعثن إليك بعير أولها عندك وآخرها عندي، قال فلما قدم أول الطعام كلم عمر بن الخطاب الزبير بن العوام فقال له: تعترض للعير فتميلها إلى أهل البادية فتقسمها بينهم، فوالله لعلك ألا تكون أصبت بعد صحبتك رسول الله، صلى الله عليه وسلم، شيئا أفضل منه. قال فأبى الزبير واعتل قال وأقبل رجل من أصحاب النبي، صلى الله عليه وسلم، فقال عمر: لكن هذا لا يأبى. فكلمه عمر ففعل وخرج فقال له عمر: أما ما لقيت من الطعام فمل به إلى أهل البادية، فأما الظروف فاجعلها لحفا يلبسونها وأما الإبل فانحرها لهم يأكلون من لحومها ويحملون من ودكها ولا تنتظر أن يقولوا ننتظر بها الحيا، وأما الدقيق فيصطنعون

(3/310)


ويحرزون حتى يأتي أمر الله لهم بالفرج. وكان عمر يصنع الطعام وينادي مناديه: من أحب أن يحضر طعاما فيأكل فليفعل، ومن أحب أن يأخذ ما يكفيه وأهله فليأت فليأخذه.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني إسحاق بن يحيى قال: حدثني موسى بن طلحة قال: كتب عمر إلى عمرو بن العاص أن ابعث إلينا بالطعام على الإبل وابعث في البحر، فبعث عمرو على الإبل فلقيت الإبل بأفواه الشام فعدل بها رسله يمينا وشمالا ينحرون الجزر ويطعمون الدقيق ويكسون العباء. وبعث رجلا إلى الجار إلى الطعام الذي بعث به عمرو من مصر في البحر فحمل إلى أهل تهامة يطعمونه.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني حزام بن هشام عن أبيه قال: رأيت رسل عمر ما بين مكة والمدينة يطعمون الطعام من الجار، وبعث إليه يزيد بن أبي سفيان من الشام بطعام، قال بن سعد: هذا غلط، يزيد بن أبي سفيان كان قد مات يومئذ وإنما كتب إلى معاوية، فبعث إليه من يتلقاه بأفواه الشام يصنع به كالذي صنع رسل عمر ويطعمون الناس الدقيق وينحرون لهم الجزر ويكسونهم العباء. وبعث إليه سعد بن أبي وقاص من العراق بمثل ذلك، فأرسل إليه من لقيه بأفواه العراق فجعلوا ينحرون الجزر ويطعمون الدقيق ويكسونهم العباء حتى رفع الله ذلك عن المسلمين.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني عبد الله بن عون المالكي عن أبيه عن جده قال: كتب عمر إلى عمرو بن العاص يأمره أن يبعث إليه من الطعام، فبعث عمرو في البر والبحر وكتب إلى معاوية: إذا جاءك كتابي هذا فابعث إلينا من الطعام بما يصلح من قبلنا فإنهم قد هلكوا إلا أن يرحمهم الله، قال ثم بعث إلى سعد يبعث إليه فبعث إليه قال فكان عمر يطعم الناس الثريد، الخبز يأدمه بالزيت قد أفير من الفور

(3/311)


في القدور وينحر بين الأيام الجزور فيجعلها على الثريد، وكان عمر يأكل مع القوم كما يأكلون.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني عبد الله بن زيد بن أسلم عن أبيه عن جده قال: كان عمر يصوم الدهر. قال فكان زمان الرمادة إذا أمسى أتي بخبز قد ثرد بالزيت إلى أن نحروا يوما من الأيام جزورا فأطعمها الناس، وغرفوا له طيبها فأتي به فإذا فدر من سنام ومن كبد، فقال: أنى هذا؟ قال: يا أمير المؤمنين من الجزور التي نحرنا اليوم، قال: بخ بخ بئس الوالي أنا إن أكلت طيبها وأطعمت الناس كراديسها، ارفع هذه الجفنة، هات لنا غير هذا الطعام. قال فأتي بخبز وزيت قال: فجعل يكسر بيده ويثرد ذلك الخبز ثم قال: ويحك يا يرفا! احمل هذه الجفنة حتى تأتي بها أهل بيت بثمغ فإني لم آتهم منذ ثلاثة أيام، وأحسبهم مقفرين، فضعها بين أيديهم.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني عبد الله بن نافع عن أبيه عن بن عمر قال: كان عمر بن الخطاب أحدث في زمان الرمادة أمرا ما كان يفعله، لقد كان يصلي بالناس بالعشاء ثم يخرج متى يدخل بيته فلا يزال يصلي حتى يكون آخر الليل، ثم يخرج فيأتي الأنقاب فيطوف عليه وإني لأسمعه ليلة في السحر وهو يقول: اللهم لا تجعل هلاك أمة محمد على يدي.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني عبد الله بن يزيد الهذلي قال: سمعت السائب بن يزيد يقول: ركب عمر بن الخطاب عام الرمادة دابة فراثت شعيرا فرآها عمر فقال: المسلمون يموتون هزلا وهذه الدابة تأكل الشعير؟ لا والله لا أركبها حتى يحيا الناس.
قال: أخبرنا محمد بن عمر وإسماعيل بن أبي أويس قالا: أخبرنا سليمان بن بلال عن يحيى بن سعيد عن محمد بن يحيى بن حبان قال:

(3/312)


وأخبرنا سليمان بن حرب عن حماد بن زيد عن يحيى بن سعيد عن محمد بن يحيى بن حبان قال: أتي عمر بن الخطاب بخبز مفتوت بسمن عام الرمادة فدعا رجلا بدويا فجعل يأكل معه، فجعل البدوي يتبع باللقمة الودك في جانب الصحفة، فقال له عمر: كأنك مقفر من الودك، فقال: أجل ما أكلت سمنا ولا زيتا ولا رأيت آكلا له منذ كذا وكذا إلى اليوم، فحلف عمر لا يذوق لحما ولا سمنا حتى يحيا الناس أول ما أحيوا.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني معمر عن بن طاؤوس عن أبيه قال: لم يأكل عمر بن الخطاب سمنا ولا سمينا حتى أحيا الناس.
قال: أخبرنا عبد الله بن نمير عن عبيد الله عن ثابت البناني عن أنس بن مالك قال: تقرقر بطن عمر بن الخطاب وكان يأكل الزيت عام الرمادة، وكان حرم عليه السمن، فنقر بطنه بإصبعه، قال: تقرقر تقرقرك إنه ليس لك عندنا غيره حتى يحيا الناس.
قال: أخبرنا سعد بن منصور قال: أخبرنا سفيان عن عبد الملك بن عمير عن عبد الرحمن بن أبي بكر عن أبيه قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: لتمرنن أيها البطن على الزيت ما دام السمن يباع بالأواقي.
قال: أخبرنا يزيد بن هارون عن محمد بن مطرف عن زيد بن أسلم عن أبيه قال: أصاب الناس عام سنة فغلا فيها السمن وكان عمر يأكله، فلما قل قال: لا آكله حتى يأكله الناس. فكان يأكل الزيت، فقال: يا أسلم اكسر عني حرة بالنار، فكنت أطبخه له فيأكله فيتقرقر بطنه عنه فيقول: تقرقر لا والله لا تأكله حتى يأكله الناس.
قال: أخبرنا الفضل بن دكين قال: أخبرنا عمر بن عبد الرحمن بن أسيد بن عبد الرحمن بن زيد بن عمر بن الخطاب عن زيد بن أسلم عن أبيه أن عمر بن الخطاب حرم على نفسه اللحم عام الرمادة حتى يأكله الناس، فكان لعبيد الله بن عمر بهمة فجعلت في التنور فخرج على عمر ريحها

(3/313)


فقال: ما أظن أحدا من أهلي اجترأ علي، وهو في نفر من أصحابه، فقال: اذهب فانظر، فوجدتها في التنور فقال عبيد الله: استرني سترك الله! فقال: قد عرف حين أرسلني أن لن أكذبه؛ فاستخرجها ثم جاء بها فوضعها بين يديه واعتذر إليه أن تكون كانت بعلمه، وقال عبيد الله: إنما كانت لابني اشتريتها فقرمت إلى اللحم.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني أسامة بن زيد قال: حدثني نافع مولى الزبير قال: سمعت أبا هريرة يقول: يرحم الله بن حنتمة، لقد رأيته عام الرمادة وإنه ليحمل على ظهره جرابين وعكة زيت في يده، وإنه ليعتقب هو وأسلم، فلما رآني قال: من أين يا أبا هريرة؟ قلت: قريبا، قال فأخذت أعقبه فحملناه حتى انتهينا إلى صرار فإذا صرم نحو من عشرين بيتا من محارب فقال عمر: ما أقدمكم؟ قالوا: الجهد، قال: فأخرجوا لنا جلد الميتة مشويا كانوا يأكلونه ورمة العظام مسحوقة كانوا يسفونها فرأيت عمر طرح رداءه ثم اتزر فما زال يطبخ لهم حتى شبعوا، وأرسل أسلم إلى المدينة فجاء بأبعرة فحملهم عليها حتى أنزلهم الجبانة، ثم كساهم. وكان يختلف إليهم وإلى غيرهم حتى رفع الله ذلك.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني حزام بن هشام عن أبيه قال: رأيت عمر بن الخطاب عام الرمادة مر على امرأة وهي تعصد عصيدة لها فقال: ليس هكذا تعصدين. ثم أخذ المسوط فقال: هكذا، فأراها.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني موسى بن يعقوب عن عمته عن هشام بن خالد قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: لا تذرن إحداكن الدقيق حتى يسخن الماء ثم تذره قليلا قليلا وتسوطه بمسوطها فإنه أريع له وأحرى أن لا يتقرد.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني عبد الله بن يزيد عن عياض بن خليفة قال: رأيت عمر عام الرمادة وهو أسود اللون، ولقد كان أبيض

(3/314)


فنقول: مم ذا؟ فيقول: كان رجلا عربيا وكان يأكل السمن واللبن فلما أمحل الناس حرمها حتى يحيوا فأكل بالزيت فغير لونه وجاع فأكثر.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني أسامة بن زيد بن أسلم عن أبيه عن جده قال: كنا نقول: لو لم يرفع الله المحل عام الرمادة لظننا أن عمر يموت هما بأمر المسلمين.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني عبد الله بن نافع عن أبيه عن صفية بنت أبي عبيد قالت: حدثني بعض نساء عمر قالت: ما قرب عمر امرأة زمن الرمادة حتى أحيا الناس هما.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني يزيد بن فراس الديلي عن أبيه قال: كان عمر بن الخطاب ينحر كل يوم على مائدته عشرين جزورا من جزر بعث بها عمرو بن العاص من مصر.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني الجحاف بن عبد الرحمن عن عيسى بن عبد الله بن مالك الدار عن أبيه عن جده قال: لما كتب عمر إلى عمرو بن العاص يبعث بالطعام في البر والبحر بعث إليه في البحر بعشرين سفينة تحمل الدقيق والودك، وبعث إليه في البر بألف بعير تحمل الدقيق، وبعث إليه معاوية بثلاثة آلاف بعير تحمل الدقيق، وبعث إليه بثلاثة آلاف عباءة، وبعث إليه عمرو بن العاص بخمسة آلاف كساء، وبعث إليه والي الكوفة بألفي بعير تحمل الدقيق.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني الجحاف بن عبد الرحمن عن عيسى بن معمر قال: نظر عمر بن الخطاب عام الرمادة إلى بطيخة في يد بعض ولده فقال: بخ بخ يا بن أمير المؤمنين، تأكل الفاكهة وأمة محمد هزلى؟ فخرج الصبي هاربا وبكى فأسكت عمر بعدما سأل عن ذلك فقالوا اشتراها بكف من نوى.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني محمد بن الحجازي عن

(3/315)


عجوز من جهينة أدركت عمر بن الخطاب وهي جارية، قالت: سمعت أبي وهو يقول: سمعت عمر بن الخطاب وهو يطعم الناس زمن الرمادة يقول: نطعم ما وجدنا أن نطعم فإن أعوزنا جعلنا مع أهل كل بيت ممن يجد عدتهم ممن لا يجد إلى أن يأتي الله بالحيا.
قال: أخبرنا محمد بن عبيد الله قال: أخبرنا عبيد الله بن عمر عن نافع عن بن عمر أن عمر قال: لو لم أجد للناس من المال ما يسعهم إلا أن أدخل على كل أهل بيت عدتهم فيقاسمونهم أنصاف بطونهم حتى يأتي الله بحيا فعلت، فإنهم لن يهلكوا عن أنصاف بطونهم.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني عبد الله بن جعفر عن أم بكر بنت المسور بن مخرمة عن أبيها قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول بعدما رفع الله المحل في الرمادة: لو لم يرفعه الله لجعلت مع كل أهل بيت مثلهم.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن أبيه قال: لما كان عام الرمادة تجلبت العرب من كل ناحية فقدموا المدينة فكان عمر بن الخطاب قد أمر رجالا يقومون عليهم ويقسمون عليهم أطعمتهم وإدامهم فكان يزيد بن أخت النمر، وكان المسور بن مخرمة، وكان عبد الرحمن بن عبد القارئ، وكان عبد الله بن عتبة بن مسعود، فكانوا إذا أمسوا اجتمعوا عند عمر فيخبرونه بكل ما كانوا فيه، وكان كل رجل منهم على ناحية من المدينة، وكان الأعراب حلولا فيما بين رأس الثنية إلى راتج إلى بني حارثة إلى بني عبد الأشهل إلى البقيع إلى بني قريظة، ومنهم طائفة بناحية بني سلمة هم محدقون بالمدينة، فسمعت عمر يقول ليلة وقد تعشى الناس عنده: أحصوا من تعشى عندنا، فأحصوهم من القابلة فوجدوهم سبعة آلاف رجل، وقال: أحصوا العيالات الذين لا يأتون والمرضى والصبيان، فأحصوهم فوجدوهم أربعين ألفا. ثم مكثنا ليالي فزاد الناس

(3/316)


فأمر بهم فأحصوا فوجدوا من تعشى عنده عشرة آلاف والآخرين خمسين ألفا، فما برحوا حتى أرسل الله السماء، فلما مطرت رأيت عمر قد وكل كل قوم من هؤلاء النفر بناحيتهم يخرجونهم إلى البادية ويعطونهم قوتا وحملانا إلى باديتهم، ولقد رأيت عمر يخرجهم هو بنفسه. قال أسلم: وقد كان وقع فيهم الموت فأراه مات ثلثاهم وبقي ثلث، وكانت قدور عمر يقوم إليها العمال في السحر يعملون الكركور حتى يصبحوا ثم يطعمون المرضى منهم ويعملون العصائد، وكان عمر يأمر بالزيت فيفار في القدور الكبار على النار حتى يذهب حمته وحره ثم يثرد الخبز ثم يؤدم بذلك الزيت، فكانت العرب يحمون من الزيت، وما أكل عمر في بيت أحد من ولده ولا بيت أحد من نسائه ذواقا زمان الرمادة إلا ما يتعشى مع الناس حتى أحيا الله الناس أول ما أحيوا.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني عثمان بن عبد الله بن زياد عن عمران بن بشير عن مالك بن أوس بن الحدثان من بني نصر قال: لما كان عام الرمادة قدم على عمر قومي مائة بيت فنزلوا بالجبانة، فكان عمر يطعم الناس من جاءه، ومن لم يأت أرسل إليه بالدقيق والتمر والأدم إلى منزله، فكان يرسل إلى قومي بما يصلحهم شهرا بشهر، وكان يتعاهد مرضاهم وأكفان من مات منهم. لقد رأيت الموت وقع فيهم حين أكلوا الثفل، وكان عمر يأتي بنفسه فيصلي عليهم، لقد رأيته صلى على عشرة جميعا، فلما أحيوا قال: أخرجوا من القرية إلى ما كنتم اعتدتم من البرية. فجعل عمر يحمل الضعيف منهم حتى لحقوا ببلادهم.
قال: أخبرنا إسحاق بن يوسف الأزرق والفضل بن دكين قالا: أخبرنا زكريا بن أبي زائدة عن الشعبي عن عبد الله بن عمر قال: رأيت عمر بن الخطاب يتحلب فوه فقلت له: ما شأنك؟ فقال: أشتهي جرادا مقليا.

(3/317)


قال: أخبرنا محمد بن عبيد الله قال: أخبرنا عبيد الله بن عمر عن نافع عن بن عمر قال: ذكر لعمر جراد بالربذة فقال: لوددت أن عندنا منه قفعة أو قفعتين فنأكل منه.
قال: أخبرنا محمد بن عبد الله الأسدي قال: أخبرنا يونس بن أبي إسحاق عن أبي الشعثاء عن بن عمر قال: سمعت عمر يقول على المنبر: وددت أن عندنا خصفة أو خصفتين من جراد فأصبنا منه.
قال: أخبرنا معن بن عيسى قال: أخبرنا مالك بن أنس عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس بن مالك قال: رأيت عمر بن الخطاب وهو يومئذ أمير المؤمنين يطرح له من صاع من تمر فيأكل حتى يأك حشفها.
قال: أخبرنا عفان بن مسلم وعمرو بن عاصم الكلابي قالا: أخبرنا همام قال: أخبرنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة قال: حدثني أنس أنه رأى عمر أكل صاعا من تمر بحشفه.
قال: أخبرنا معن بن عيسى عن مالك بن أنس عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر مثل ذلك.
قال: أخبرنا الفضل بن دكين، أخبرنا سفيان بن عيينة عن عاصم بن عبيد الله بن عاصم أن عمر كان يمسح بنعليه ويقول: إن مناديل آل عمر نعالهم.
قال: أخبرنا سعيد بن منصور قال: أخبرنا عبد العزيز بن محمد عن محمد بن يوسف عن السائب بن يزيد قال: ربما تعشيت عند عمر بن الخطاب فيأكل الخبز واللحم ثم يمسح يده على قدمه ثم يقول: هذا منديل عمر وآل عمر.
قال: أخبرنا عفان بن مسلم قال: أخبرنا حماد بن سلمة ووهيب بن خالد قالا: أخبرنا حميد عن أنس قال: كان أحب الطعام إلى عمر

(3/318)


الثفل وأحب الشراب إليه النبيذ.
قال: أخبرنا عفان بن مسلم ومسلم بن إبراهيم قالا: أخبرنا جعفر بن سليمان قال: أخبرنا مالك بن دينار عن الحسن قال: ما ادهن عمر بن الخطاب حتى قتل إلا بسمن أو إهالة أو زيت مقتت.
قال: أخبرنا سعيد بن محمد الثقفي عن الأحوص بن حكيم عن أبيه قال: أتي عمر بلحم فيه سمن فأبى أن يأكلهما وقال: كل واحد منهما أدم.
قال: أخبرنا الوليد بن الأغر المكي قال: أخبرنا عبد الحميد بن سليمان عن أبي حازم قال: دخل عمر بن الخطاب على حفصة ابنته فقدمت إليه مرقا باردا وخبزا وصبت في المرق زيتا فقال: أدمان في إناء واحد، لا أذوقه حتى ألقى الله.
قال: أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا هشام عن الحسن أن عمر دخل على رجل فاستسقاه وهو عطشان فأتاه بعسل فقال: ما هذا؟ قال: عسل، قال: والله لا يكون فيما أحاسب به يوم القيامة.
قال: أخبرنا أبو معاوية الضرير وعبد الله بن نمير قالا: أخبرنا الأعمش عن شقيق عن يسار بن نمير قال: والله ما نخلت لعمر الدقيق قط إلا وأنا له عاص.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني معمر بن راشد عن الزهري عن السائب بن يزيد عن أبيه قال: رأيت عمر بن الخطاب يصلي في جوف الليل في مسجد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، زمان الرمادة وهو يقول: اللهم لا تهلكنا بالسنين وارفع عنا البلاء، يردد هذه الكلمة.
قال: أخبرنا الفضل بن دكين قال: أخبرنا زهير عن أبي عاصم الغطفاني عن يسار بن نمير قال: ما نخلت لعمر الدقيق قط إلا وأنا له عاص.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني يزيد بن فراس الديلي عن

(3/319)


السائب بن يزيد قال: رأيت على عمر بن الخطاب إزارا في زمن الرمادة فيه ست عشرة رقعة، ورداؤه خمس وشبر، وهو يقول: اللهم لا تجعل هلكة أمة محمد على رجلي.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: أخبرنا عبد الله بن يزيد عن عبد الله بن ساعدة قال: رأيت عمر إذا صلى المغرب نادى: أيها الناس استغفروا ربكم ثم توبوا إليه وسلوه من فضله واستسقوا سقيا رحمة لا سقيا عذاب. فلم يزل كذلك حتى فرج الله ذلك.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: أخبرنا عبد الله بن يزيد قال: حدثني من حضر عمر بن الخطاب عام الرمادة وهو يقول: أيها الناس ادعوا الله أن يذهب عنكم المحل، وهو يطوف على رقبته درة.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني الثوري عن عن مطرف عن الشعبي أن عمر خرج يستسقي فقام على المنبر فقرأ هذه الآيات: استغفروا ربكم إنه كان غفارا، ويقول: استغفروا ربكم ثم توبوا إليه، ثم نزل فقيل: يا أمير المؤمنين ما منعك أن تستسقي؟ قال: قد طلبت المطر بمجاديح السماء التي ينزل بها القطر.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني عبد الله بن عمر بن حفص عن أبي وجزة السعدي عن أبيه قال: رأيت عمر خرج بنا إلى المصلى يستسقي فكان أكثر دعائه الاستغفار حتى قلت لا يزيد عليه، ثم صلى ودعا الله فقال: اللهم اسقنا.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني عبد الملك بن وهب عن سليمان بن عبد الله بن عويمر الأسلمي عن عبد الله بن نيار الأسلمي عن أبيه قال: لما أجمع عمر على أن يستسقي ويخرج بالناس كتب إلى عماله أن يخرجوا يوم كذا وكذا وأن يتضرعوا إلى ربهم ويطلبوا إليه أن يرفع هذا المحل عنهم، قال: وخرج لذلك اليوم عليه برد رسول الله، صلى الله عليه وسلم

(3/320)


حتى انتهى إلى المصلى فخطب الناس وتضرع، وجعل الناس يلحون فما كان أكثر دعائه إلا الاستغفار حتى إذا قرب أن ينصرف رفع يديه مدا وحول رداءه وجعل اليمين على اليسار ثم اليسار على اليمين، ثم مد يديه وجعل يلح في الدعاء، وبكى عمر بكاء طويلا حتى أخضل لحيته.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني خالد بن إلياس عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عن أبيه أن عمر صلى بالناس عام الرمادة ركعتين قبل الخطبة وكبر فيها خمسا وسبعا.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني عبد الله بن جعفر عن بن أبي عون قال: قال عمر بن الخطاب للعباس بن عبد المطلب: يا أبا الفضل كم بقي علينا من النجوم؟ قال: العواء قال: كم بقي منها؟ قال: ثمانية أيام، قال: عمر عسى الله أن يجعل فيها خيرا. وقال عمر للعباس: اغد غدا إن شاء الله. قال فلما ألح عمر بالدعاء أخذ بيد العباس ثم رفعها وقال: اللهم إنا نتشفع إليك بعم نبيك أن تذهب عنا المحل وأن تسقينا الغيث. فلم يبرحوا حتى سقوا وأطبقت السماء عليهم أياما، فلما مطروا وأحيوا شيئا أخرج العرب من المدينة وقال: الحقوا ببلادكم.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني أسامة بن زيد عن ميمون بن ميسرة عن السائب بن يزيد قال: نظرت إلى عمر بن الخطاب يوما في الرمادة غدا متبذلا متضرعا عليه برد لا يبلغ ركبتيه، يرفع صوته بالاستغفار وعيناه تهراقان على خديه، وعن يمينه العباس بن عبد المطلب. فدعا يومئذ وهو مستقبل القبلة رافعا يديه إلى السماء وعج إلى ربه، فدعا ودعا الناس معه، ثم أخذ بيد العباس فقال: اللهم إنا نستشفع بعم رسولك إليك. فما زال العباس قائما إلى جنبه مليا والعباس يدعو وعيناه تهملان.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني عبد الله بن محمد بن عمر

(3/321)


ابن حاطب عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عن أبيه قال: رأيت عمر أخذ بيد العباس فقام به فقال: اللهم إنا نستشفع بعم رسولك إليك.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني نافع بن ثابت عن أبي الأسود عن سليمان بن يسار قال: خطب عمر بن الخطاب الناس في زمان الرمادة فقال: أيها الناس اتقوا الله في أنفسكم وفيما غاب عن الناس من أمركم، فقد ابتليت بكم وابتليتم بي فما أدري ألسخطة علي دونكم أو عليكم دوني أو قد عمتني وعمتكم، فهلموا فلندع الله يصلح قلوبنا وأن يرحمنا. وأن يرفع عنا المحل قال فرئي عمر يومئذ رافعا يديه يدعو الله، ودعا الناس وبكى وبكى الناس مليا، ثم نزل.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن أبيه قال: سمعت عمر يقول: أيها الناس إني أخشى أن تكون سخطة عمتنا جميعا فأعتبوا ربكم وانزعوا وتوبوا إليه وأحدثوا خيرا.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن أبيه قال: كنا في الرمادة لا نرى سحابا، فلما استسقى عمر بالناس مكثنا أياما ثم جعلنا نرى قزع السحاب، وجعل عمر يظهر التكبير كلما دخل وخرج ويكبر الناس حتى نظرنا إلى سحابة سوداء طلعت من البحر ثم تشاءمت فكانت الحيا بإذن الله.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني عبد الله بن محمد بن عمر عن أبي وجزة السعدي عن أبيه قال: كانت العرب قد علمت اليوم الذي استسقى فيه عمر وقد بقيت غبرات منهم فخرجوا يستسقون كأنهم النسور العجاف تخرج من وكورها يعجون إلى الله.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني سعيد بن عطاء بن أبي مروان عن أبيه عن جده قال: رأيت عمر بن الخطاب حين وقع المطر

(3/322)


عام الرمادة يخرج الأعراب يقول: اخرجوا اخرجوا، الحقوا ببلادكم.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني خالد بن إلياس عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب أن عمر أخر الصدقة عام الرمادة فلم يبعث السعاة، فلما كان قابل، ورفع الله ذلك الجدب، أمرهم أن يخرجوا فأخذوا عقالين فأمرهم أن يقسموا عقالا ويقدموا عليه بعقال.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني طلحة بن محمد عن حوشب بن بشر الفزاري عن أبيه قال: رأيتنا عام الرمادة وحصت السنة أموالنا فيبقى عند العدد الكثير الشيء الذي لا ذكر له، فلم يبعث عمر تلك السنة السعاة، فلما كان قابل بعثهم فأخذوا عقالين فقسموا عقالا وقدموا عليه بعقال، فما وجد في بني فزارة كلها إلا ستين فرضة، فقسم ثلاثون وقدم عليه بثلاثين، وكان عمر يبعث السعاة فيأمرهم أن يأتوا الناس حيث كانوا.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني سفيان بن عيينة عن بن أبي نجيح عن كردم أن عمر بعث مصدقا عام الرمادة فقال: أعط من أبقيت له السنة غنما وراعيا ولا تعط من أبقت له السنة غنمين وراعيين.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني الحكم بن الصلت قال: سمعت يزيد بن شريك الفزاري يقول: أنا في زمن عمر بن الخطاب أرعى البهم، قلت: من كان يبعث عليكم؟ قال: مسلمة بن مخلد، وكان يأخذ الصدقة من أغنيائنا فيردها على فقرائنا.
قال: أخبرنا قبيصة بن عقبة قال: أخبرنا سفيان قال: وأخبرنا عبيد الله بن موسى قال: أخبرنا إسرائيل قال: وأخبرنا يحيى بن عباد وعارم بن الفضل قالا: أخبرنا حماد بن زيد قال: وأخبرنا هشام أبو الوليد الطيالسي قال: أخبرنا أبو عوانة، قالوا جميعا عن عاصم بن أبي النجود عن زر بن جبيش قال: رأيت عمر بن الخطاب خرج مخرجا لأهل

(3/323)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية