صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : الطبقات الكبرى
المؤلف : محمد بن سعد بن منيع أبو عبدالله البصري الزهري
المحقق : إحسان عباس
الناشر : دار صادر - بيروت
الطبعة : 1 - 1968 م
عدد الأجزاء : 8
مصدر الكتاب : الوراق

[ ترقيم الكتاب موافق للمطبوع ]

أبي علي بن حسين يقول: سعيد بن المسيب أعلم الناس بما تقدمه من الآثار وأفقههم في رأيه.
أخبرنا محمد بن عمر، حدثني سعيد بن عبد العزيز التنوخي قال: سألت مكحولا من أعلم من لقيت؟ قال: بن المسيب.
أخبرنا الفضل بن دكين، أخبرنا جعفر بن برقان، أخبرني ميمون بن مهران قال: أتيت المدينة فسألت عن أفقه أهلها فدفعت إلى سعيد بن المسيب فسألته.
أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا عمر بن الوليد الشني عن شهاب بن عباد العصري قال: حججت فأتينا المدينة فسألنا عن أعلم أهلها فقالوا: سعيد بن المسيب.
أخبرنا محمد بن عبد الله الأنصاري، أخبرنا عمر بن الوليد الشني، حدثني شهاب بن عباد أن أباه حدثه قال: أتينا المدينة فسألنا عن أفضل أهلها فقالوا: سعيد بن المسيب! فأتيناه فقلنا: إنا سألنا عن أفضل أهل المدينة فقيل لنا سعيد بن المسيب؛ فقال: أنا أخبركم عمن هو أفضل مني مائة ضعف، عمرو بن عمر.
أخبرنا معن بن عيسى، أخبرنا مالك بن أنس أنه بلغه أن سعيد بن المسيب قال: إن كنت لأسير الليالي والأيام في طلب الحديث الواحد.
أخبرنا مطرف بن عبد الله، أخبرنا مالك بن أنس عن يحيى بن سعيد قال: سئل سعيد بن المسيب عن آية من كتاب الله فقال: سعيد لا أقول في القرآن شيئا؛ قال مالك: وبلغني عن القاسم بن محمد مثل ذلك. قال محمد بن سعد: وأخبرت عن مالك بن أنس عن يحيى بن سعيد قال: كان يقال إن بن المسيب راوية عمر.
أخبرنا محمد بن عمر، أخبرنا أبو مروان عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة عن مكحول قال: لما مات سعيد بن المسيب استوى الناس

(2/381)


ما كان أحد يأنف أن يأتي إلى حلقة سعيد بن المسيب، ولقد رأيت فيها مجاهدا وهو يقول: لا يزال الناس بخير ما بقي بين أظهرهم.
أخبرنا معن بن عيسى عن مالك بن أنس قال: كان عمر بن عبد العزيز يقول: ما كان بالمدينة عالم إلا يأتتيني بعلمه وأوتى بما عند سعيد بن المسيب.
أخبرنا معن بن عيسى عن مالك بن أنس قال: كان عمر بن عبد العزيز لا يقضي بقضاء حتى يسأل سعيد بن المسيب، فأرسل إليه إنسانا يسأله فدعاه فجاء حتى دخل فقال عمر: أخطأ الرسول! إنما أرسلناه يسألك في مجلسك.
وأخبرت عن عبد الرزاق بن همام عن معمر قال: سمعت الزهري يقول: أدركت من قريش أربعة بحور: سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وأبا سلمة بن عبد الرحمن وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة.
أخبرنا محمد بن عمر، أخبرنا هشام بن سعد عن الزهري قال: كنت أجالس عبد الله بن ثعلبة بن صعير العذري أتعلم منه نسب قومي، فأتاه رجل جاهل يسأله عن المطلقة واحدة ثنتين ثم تزوجها رجل ودخل بها ثم طلقها على كم ترجع إلى زوجها الأول؟ قال: لا أدري، اذهب إلى ذلك الرجل، وأشار له إلى سعيد بن المسيب، قال فقلت في نفسي: هذا أقدم من سعيد بدهر أخبرني أنه عقل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، مج على وجهه، فقمت فاتبعت السائل حتى سأل سعيد بن المسيب فلزمت سعيدا، فكان هو الغالب على علم المدينة والمستفتى هو وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام وسليمان بن يسار، وكان من العلماء، وعروة بن الزبير بحر من البحور وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة فمثل ذلك أبو سلمة بن عبد الرحمن وخارجة بن زيد بن ثابت والقاسم وسالم، فصارت الفتوى إلى هؤلاء وصارت من هؤلاء إلى سعيد بن المسيب وأبي بكر بن عبد الرحمن

(2/382)


وسليمان بن يسار والقاسم بن محمد على كف من القاسم عن الفتوى إلا أن لا يجد بدا، وكان رجال من أشباههم وأسن منهم من أبناء الصحابة وغيرهم ممن أدركت ومن المهاجرين والأنصار كثير بالمدينة يسألون ولا ينصبون أنفسهم هيئة ما صنع هؤلاء، وكان لسعيد بن المسيب عند الناس قدر كبير عظيم لخصال ورع يابس ونزاهة وكلام بحق عند السلطان وغيرهم ومجانبة السلطان وعلم لا يشاكله علم أحد ورأي بعد صليب ونعم العون الرأي الجيد، وكان ذلك عند سعيد بن المسيب رحمه الله من رجل فيه عزة لا تكاد تراجع إلا إلى محك، ما استطعت أن أواجهه بمسألة حتى أقول: قال فلان كذا وكذا وقال فلان كذا وكذا، فيجيب حينئذ.
أخبرت عن مالك بن أنس عن الزهري قال: كنت أجالس ثعلبة بن أبي مالك قال: فقال لي يوما تريد هذا؟ قال: قلت نعم؛ قال: عليك بسعيد بن المسيب؛ قال: فجالسته عشر سنين كيوم واحد.
أخبرنا محمد بن عمر، أخبرنا مالك بن أبي الرجال عن سليمان بن عبد الرحمن بن خباب قال: أدركت رجالا من المهاجرين ورجالا من الأنصار من التابعين يفتون بالبلد، فأما المهاجرون فسعيد بن المسيب وسليمان بن يسار وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام وأبان بن عثمان بن عفان وعبد الله بن عامر بن ربيعة وأبو سلمة بن عبد الرحمن وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة وعروة بن الزبير والقاسم وسالم، ومن الأنصار خارجة بن زيد بن ثابت ومحمود بن لبيد وعمر بن خلدة الزرقي وأبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم وأبو أمامة بن سهل بن حنيف.
أخبرنا أبو عبيد عن بن جريج قال: كان الذين يفتون بالمدينة بعد الصحابة السائب بن يزيد والمسور بن مخرمة وعبد الرحمن بن حاطب وعبد الله بن عامر بن ربيعة وكانا جميعا في حجر عمر بن الخطاب وأبواهما

(2/383)


بدريان وعبد الرحمن بن كعب بن مالك.
أخبرنا محمد بن عمر، أخبرنا عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه قال: كان السبعة الذي يسألون بالمدينة وينتهى إلى قولهم: سعيد بن المسيب وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام وعروة بن الزبير وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة والقاسم بن محمد وخارجة بن زيد وسليمان بن يسار.
سليمان بن يسار
أخبرنا محمد بن عمر، أخبرنا عبد الله بن يزيد الهذلي: سمعت سليمان بن يسار يقول: سعيد بن المسيب بقية الناس، وسمعت السائل يأتي سعيد بن المسيب فيقول: اذهب إلى سليمان بن يسار فإنه أعلم من بقي اليوم.
أخبرنا محمد بن عمر، حدثني سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار: سمعت الحسن بن محمد بن علي بن أبي طالب يقول: سليمان بن يسار أفهم عندنا من ابن المسيب.
أخبرنا محمد بن عمر، أخبرنا سعيد بن بشير وخليد بن دعلج عن قتادة قال: قدمت المدينة فسألت من أعلم أهلها بالطلاق؟ فقالوا: سليمان ابن يسار.

(2/384)


أبو بكر بن عبد الرحمن
أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا المسعودي عن جامع بن شداد قال: خرجنا حجاجا فقدمنا مكة فسألت عن أعلم أهل مكة فقيل: عليك بأبي بكر بن عبد الرحمن بن هشام.
عكرمة
أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم الأسدي عن أيوب عن عمرو بن دينار قال: دفع إلي جابر بن زيد مسائل أسأل عنها عكرمة وجعل يقول: هذا عكرمة مولى ابن عباس، هذا البحر فسلوه؟
أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم الأسدي عن أيوب قال: نبئت عن سعيد بن جبير أنه قال: لو كف عنهم عكرمة من حديثه لشدت إليه المطايا.
أخبرنا عفان بن مسلم، أخبرنا حماد بن زيد، أخبرنا أيوب عن إبراهيم بن ميسرة عن طاوس قال: لو أن مولى ابن عباس هذا اتقى الله وكف من حديثه لشدت إليه المطايا.
أخبرنا مسلم بن إبراهيم، أخبرنا سلام بن مسكين قال: كان عكرمة أعلم الناس بالتفسير.
أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم عن أيوب قال: قال: عكرمة إني لأخرج إلى السوق فأسمع الرجل يتكلم بالكلمة فينفتح لي خمسون بابا من العلم.
أخبرنا عبيد الله بن موسى قال: أخبرنا شيبان عن أبي إسحاق قال: جاء عكرمة فحدث وسعيد بن جبير حاضر فعقد ثلاثين وقال أصاب الحديث.

(2/385)


أخبرنا عارم بن الفضل وأحمد بن عبد الله بن يونس قالا: أخبرنا حماد بن زيد عن الزبير بن الخريت عن عكرمة قال: كان ابن عباس يضع في رجلي الكبل ويعلمني القرآن والسنن.
أخبرنا موسى بن إسماعيل، أخبرنا غسان بن مضر أبو مضر عن سعيد بن يزيد قال: كنا عند عكرمة فقال: ما لكم أفلستم، يعني لا أراكم، تسألوني.
عطاء بن أبي رباح
أخبرنا محمد بن الفضيل بن غزوان الضبي، أخبرنا أسلم المنقري وأخبرنا الفضل بن دكين أبو نعيم، أخبرنا بسام الصيرفي جميعا عن أبي جعفر محمد بن علي بن حسين قال: ما بقي أحد أعلم بمناسك الحج من عطاء بن أبي رباح.
أخبرنا علي بن عبد الله بن جعفر، أخبرنا سفيان بن عيينة عن إسماعيل بن أمية قال: كان عطاء يتكلم فإذا سئل عن المسألة فكأنما يؤيد.
أخبرنا قبيصة بن عقبة، أخبرنا سفيان عن بن جريج قال: كان عطاء إذا حدث بشيء قلت علم أو رأي، فإن كان أثرا قال علم، وإن كان رأيا قال رأي.
أخبرنا قبيصة بن عقبة، أخبرنا سفيان عن أسلم المنقري قال: جاء أعرابي فجعل يقول أين أبو محمد؟ يريد عطاء، فأشاروا إلى سعيد فقال: أين أبو محمد؟ فقال سعيد: ما لنا هاهنا مع عطاء شيء.
أخبرنا الفضل بن دكين، أخبرنا سفيان عن سلمة قال: ما رأيت أحدا يريد بهذا العلم وجه الله غير هؤلاء الثلاثة: عطاء وطاووس ومجاهد.

(2/386)


أخبرنا قبيصة بن عقبة، أخبرنا سفيان عن حبيب بن أبي ثابت قال: قال: لي طاوس إذا حدثتك حديثا قد آتيته لك فلا تسأل عنه أحدا.
عمرة بنت عبد الرحمن وعروة بن الزبير
أخبرنا يزيد بن هارون، أخبرنا يحيى بن سعيد عن عبد الله بن دينار قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أن انظر ما كان من حديث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أو سنة ما ضية أو حديث عمرة بنت عبد الرحمن فاكتبه فإني قد خفت دروس العلم وذهاب أهله.
أخبرت عن شعبة عن محمد بن عبد الرحمن قال: قال لي عمر بن عبد العزيز ما بقي أحد أعلم بحديث عائشة منها، يعني عمرة، قال: وكان عمر يسألها.
وأخبرت عن شعبة عن عبد الرحمن بن القاسم قال: سمعت القاسم يسأل عمرة.
أخبرنا عبد العزيز بن عبد الله الأويسي من بني عامر بن لؤي، حدثني يوسف بن الماجشون: أنه سمع بن شهاب يقول: كنت إذا حدثني عروة ثم حدثتني عمرة يصدق عندي حديث عروة، فلما تبحرتهما إذا عروة بحر لا ينزف.
أخبرنا عفان بن مسلم، أخبرنا حماد بن زيد سمعت هشام بن عروة قال: كان أبي يقول أي شيء تعلموا فإنكم اليوم صغار وتوشكون أن تكونوا كبارا، وإنما تعلمنا صغارا وأصبحنا كبارا وصرنا اليوم نساءل.

(2/387)


ابن شهاب الزهري
أخبرنا عبد العزيز بن عبد الله الأويسي، حدثني إبراهيم بن سعد عن أبيه قال: ما أرى أحدا جمع بعد رسول الله، صلى الله عليه وسلم ما جمع ابن شهاب.
أخبرنا سفيان بن عيينة قال: قال لي أبو بكر الهذلي، وكان قد جالس الحسن وابن سيرين: احفظ لي هذا الحديث لحديث حدث به الزهري؛ قال أبو بكر: لم أر مثل هذا قط، يعني الزهري.
أخبرنا مطرف بن عبد الله: سمعت مالك بن أنس يقول: ما أدركت بالمدينة فقيها محدثا غير واحد، فقلت له: من هو؟ فقال: بن شهاب الزهري.
أخبرت عن عبد الرزاق بن همام، أخبرنا معمر قال: قيل للزهري زعموا أنك لا تحدث عن الموالي؟ فقال: إني لأحدث عنهم، ولكن إذا وجدت أبناء المهاجرين والأنصار أتكيء عليهم فما أصنع بغيرهم؟
أخبرت عن عبد الرزاق سمعت عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب قال: لما نشأت فأردت أن أطلب العلم فجعلت آتي أشياخ آل عمر رجلا رجلا فأقول: ما سمعت من سالم؟ فكلما أتيت رجلا منهم قال: عليك بابن شهاب فإن بن شهاب كان يلزمه! قال: وابن شهاب بالشام حينئذ، قال: فلزمت نافعا، فجعل الله في ذلك خيرا كثيرا.
وأخبرت عن عبد الرزاق قال: قال أخبرنا معمر، أخبرني صالح بن كيسان قال: اجتمعت أنا والزهري ونحن نطلب العلم فقلنا نكتب السنن، قال: وكتبنا ما جاء عن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: ثم قال نكتب ما جاء عن الصحابة فإنه سنة، قال: قلت إنه ليس بسنة فلا

(2/388)


نكتبه، قال: فكتب ولم أكتب فأنجح وضيعت، قال: قال يعقوب بن إبراهيم بن سعد عن أبيه قال: إنا ما سبقنا بن شهاب بشيء من العلم إلا أنا كنا نأتي المجلس فيستنتل ويشد ثوبه عند صدره ويسأل عما يريد وكنا تمنعنا الحداثة.
وأخبرت عن عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن الزهري قال: كنا نكره كتاب العلم حتى أكرهنا عليه هؤلاء الأمراء فرأينا أن لا يمنعه أحد من المسلمين.
وأخبرت عن وهيب عن أيوب قال: ما رأيت أحدا أعلم من الزهري.
وأخبرت عن حماد بن زيد عن برد عن مكحول قال: ما أعلم أحدا أعلم بسنة ماضية من الزهري.
وأخبرت عن عبد الرزاق قال: سمعت معمرا قال: كنا نرى أنا قد أكثرنا عن الزهري حتى قتل الوليد فإذا الدفاتر قد حملت على الدواب من خزائنه، يقول: من علم الزهري.

(2/389)


طبقات البدريين من المهاجرين
ذكر الطبقة الأولى
وتسمية من أحصينا من أصحاب رسول الله، صلى الله عليه
وسلم، من المهاجرين والأنصار وغيرهم ومن كان بعدهم
من أبنائهم وأتباعهم من أهل الفقه والعلم والرواية
للحديث وما انتهى إلينا من أسمائهم وأنسابهم
وكناهم وصفاتهم طبقة طبقة
أخبرنا محمد بن سعد قال: وفيما أخبرنا به محمد بن عمر بن واقد الأسلمي عن محمد بن عبد الله عن عمه الزهري عن عروة وعن بن أبي حبيبة عن داود بن الحصين عن عكرمة وعن محمد بن صالح بن دينار عن عاصم بن عمر بن قتادة ويزيد بن رومان وعن موسى بن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي عن أبيه وعن عبد المجيد بن أبي عبس عن أبيه وعن عبد الرحمن بن عبد العزيز عن أبي الحويرث عن محمد بن جبير بن مطعم وعن أفلح بن سعيد القرظي عن سعيد بن عبد الرحمن بن رقيش وعن غير هؤلاء أيضا ممن لقي من رجال أهل المدينة وغيرهم من أهل العلم، وفيما أخبرنا به الحسين بن بهرام عن أبي معشر نجيح المدني، وفيما أخبرنا به رؤيم بن يزيد المقرئ عن هارون بن أبي عيسى عن محمد بن

(3/5)


إسحاق، وفيما أخبرنا به أحمد بن محمد بن أيوب عن إبراهيم بن سعد عن محمد بن إسحاق، وفيما أخبرنا به إسماعيل بن عبد الله بن أبي أويس عن إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة، عن عمه موسى بن عقبة وفيما أخبرنا به عبد الله بن محمد بن عمارة الأنصاري عن زكريا بن زيد بن سعد الأشهلي وزكرياء بن يحيى بن أبي الزوائد السعدي وأبي عبيدة بن عبد الله بن محمد بن عمار بن ياسر وإبراهيم بن نوح بن محمد الظفري وعن غيره ممن لقي من أهل العلم والنسب بتسمية من شهد مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بدرا، والنقباء، وعددهم وتسميتهم وغيرهم ممن صحب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وفيما أخبرنا به الفضل بن دكين أبو نعيم ومعن بن عيسى الأشجعي القزاز وهشام بن محمد بن السائب بن بشير الكلبي عن أبيه، وغيرهم من أهل العلم والنسب، فكل هؤلاء قد أخبرني في تسمية أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ومن كان بعدهم من التابعين من أهل الفقه والرواية للحديث بشيء، فجمعت ذلك كله وبينت من أمكنني تسميته منهم في موضعه.
الطبقة الأولى على السابقة في الإسلام ممن شهد بدرا
من المهاجرين الأولين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم، ومن الأنصار الذين تبوأوا الدار والإيمان، ومن حلفائهم جميعا ومواليهم، ومن ضرب له رسول الله، صلى عليه وسلم، بسهمه وأجره. شهدها من المهاجرين من بني هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر، وإلى فهر اجتماع قريش، ابن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان من بني إسماعيل بن إبراهيم، صلى الله عليه وسلم.

(3/6)


محمد رسول الله، صلى الله عليه وسلم
الطيب المبارك سيد المسلمين وإمام المتقين رسول رب العالمين بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي، وأمه آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر.
وكان لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، من الولد القاسم، وبه كان يكنى، ولد له قبل أن يبعث، صلى الله عليه وسلم، وعبد الله وهو الطيب وهو الطاهر، سمي بذلك لأنه ولد في الإسلام، وزينب وأم كلثوم ورقية وفاطمة، وأمهم كلهم خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي، وهي أول امرأة تزوجها رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وإبراهيم بن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وأمه مارية القبطية، بعث بها إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، المقوقس صاحب الإسكندرية.
قال: أخبرنا هشام بن محمد بن السائب، قال أخبرني أبي عن أبي صالح عن بن عباس قال: كان أكبر ولد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، القاسم، ثم زينب، ثم عبد الله، ثم أم كلثوم، ثم فاطمة، ثم رقية، فمات القاسم، وهو أول ميت من ولده، صلى الله عليه وسلم، بمكة، ثم مات عبد الله فقال العاص بن وائل: لقد انقطع نسله فهو أبتر، فأنزل الله تبارك وتعالى: إن شانئك هو الأبتر، ثم ولدت له مارية بالمدينة إبراهيم في ذي الحجة سنة ثمان من الهجرة فمات وهو بن ثمانية عشر شهرا.
قالوا: وبدأ وجع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في بيت ميمونة

(3/7)


زوج رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يوم الأربعاء لليلتين بقيتا من صفر، وتوفي، صلوات الله عليه، يوم الاثنين لثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول سنة إحدى عشرة من الهجرة، ودفن يوم الثلاثاء حين زاغت الشمس، وكان مقامه بالمدينة بعد الهجرة عشر سنين، وكان مقامه، صلى الله عليه وسلم، بمكة من قبل ذلك، من حين تنبأ إلى أن هاجر، ثلاث عشرة سنة، وبعث وهو بن أربعين سنة، وولد عام الفيل، وتوفي، صلوات الله عليه، وهو بن ثلاث وستين سنة.
حمزة بن عبد المطلب
أسد الله وأسد رسوله وعمه، رضي الله عنه، ابن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي، وأمه هالة بنت أهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة، وكان يكنى أبا عمارة. وكان له من الولد يعلى وكان يكنى به حمزة أبا يعلى، وعامر درج، وأمهما بنت الملة بن مالك بن عبادة بن حجر بن فائد بن الحارث بن زيد بن عبيد بن زيد بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف من الأنصار، من الأوس، وعمارة بن حمزة، وقد كان يكنى به أيضا، وأمه خولة بنت قيس بن قهد الأنصارية من بني ثعلبة بن غنم بن مالك بن النجار، وأمامة بنت حمزة وأمها سلمى بنت عميس أخت أسماء بنت عميس الخثعمية وأمامة التي اختصم فيها علي وجعفر وزيد بن حارثة، وأراد كل واحد منهم أن تكون عنده فقضى بها رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لجعفر من أجل أن خالتها أسماء بنت عميس كانت عنده، وزوجها رسول الله، صلى الله عليه وسلم. سلمة بن أبي سلمة بن عبد الأسد المخزومي، وقال: هل جزيت سلمة

(3/8)


فهلك قبل أن يجمعها إليه. وقد كان ليعلى بن حمزة أولاد، عمارة والفضل والزبير وعقيل ومحمد، درجوا فلم يبق لحمزة بن عبد المطلب ولد ولا عقب.
قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال أخبرنا عبيد الله بن عبد الرحمن بن موهب، قال سمعت محمد بن كعب القرظي، قال: نال أبو جهل وعدي بن الحمراء وابن الأصداء من النبي، صلى الله عليه وسلم، يوما وشتموه وآذوه، فبلغ ذلك حمزة بن عبد المطلب، فدخل المسجد مغضبا فضرب رأس أبي جهل بالقوس ضربة أوضحت في رأسه، وأسلم حمزة فعز به رسول الله، صلى الله عليه وسلم، والمسلمون وذلك بعد دخول رسول الله، صلى الله عليه وسلم، دار أرقم في السنة السادسة من النبوة.
قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال أخبرنا محمد بن صالح عن عمران بن مناح، قال: لما هاجر حمزة بن عبد المطلب إلى المدينة نزل على كلثوم بن الهدم، قال محمد بن صالح، وقال عاصم بن عمر بن قتادة: نزل على سعد بن خيثمة.
قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال أخبرنا عبد الله بن محمد بن عمر قال: آخى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بين حمزة بن عبد المطلب وزيد بن حارثة، وإليه أوصى حمزة بن عبد المطلب يوم أحد حين حضر القتال.
قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال حدثني شعيب بن عبادة عن يزيد بن رومان قال: أول لواء عقده رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حين قدم المدينة لحمزة بن عبد المطلب، بعثه سرية في ثلاثين راكبا حتى بلغوا قريبا من سيف البحر، يعترض لعير قريش وهي منحدرة إلى مكة قد جاءت من الشآم وفيها أبو جهل بن هشام في ثلاثمائة راكب، فانصرف ولم يكن بينهم قتال.

(3/9)


قال محمد بن عمر، وهو الخبر المجمع عليه عندنا، إن أول لواء عقده رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لحمزة بن عبد المطلب.
قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال حدثني موسى بن محمد بن إبراهيم عن أبيه، قال: كان حمزة معلما يوم بدر بريشة نعامة. قال محمد بن عمر: وحمل حمزة لواء رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في غزوة بني قينقاع ولم يكن الرايات يومئذ.
وقتل، رحمه الله، يوم أحد على رأس اثنين وثلاثين شهرا من الهجرة وهو يومئذ بن تسع وخمسين سنة، كان أسن من رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بأربع سنين، وكان رجلا ليس بالطويل ولا بالقصير، قتله وحشي بن حرب وشق بطنه، وأخذ كبده فجاء بها إلى هند بنت عتبة بن ربيعة، فمضغتها، ثم لفضتها، ثم جاءت فمثلت بحمزة، وجعلت من ذلك مسكتين ومعضدين وخدمتين حتى قدمت بذلك وبكبده مكة.
وكفن حمزة في بردة، فجعلوا إذا خمروا بها رأسه بدت قدماه، وإذا خمروا بها رجليه تنكشف عن وجهه، فقال: رسول الله، صلى الله عليه وسلم: غطوا وجهه، وجعل على رجليه الحرمل.
قال: أخبرنا وكيع بن الجراح، قال أخبرنا هشام بن عروة عن أبيه أن حمزة بن عبد المطلب كفن في ثوب.
قال: أخبرنا محمد بن عمر، حدثني عمر بن عثمان الجحشي عن آبائه، قالوا: دفن حمزةبن عبد المطلب وعبد الله بن جحش في قبر واحد، وحمزة خال عبد الله بن جحش.
قال: قال محمد بن عمر: ونزل في قبر حمزة أبو بكر وعمر وعلي والزبير، ورسول الله، صلى الله عليه وسلم، جالس على حفرته؛ وقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: رأيت الملائكة تغسل حمزة لأنه كان

(3/10)


جنبا ذلك اليوم، وكان حمزة أول من صلى رسول الله عليه ذلك اليوم من الشهداء، وكبر عليه أربعا، ثم جمع إليه الشهداء فكلما أتي بشهيد وضع إلى جنب حمزة فصلى عليه وعلى الشهيد، حتى صلى عليه سبعين مرة.
وسمع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، البكاء في بني عبد الأشهل على قتلاهم، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: لكن حمزة لا بواكي له فسمع ذلك سعد بن معاذ فرجع إلى نساء بني عبد الأشهم فساقهن إلى باب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فبكين على حمزة، فسمع ذلك رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فدعا لهن وردهن، فلم تبك امرأة من الأنصار بعد ذلك إلى اليوم على ميت إلا بدأت بالبكاء على حمزة ثم بكت على ميتها.
قال: أخبرنا شهاب بن عباد العبدي، قال أخبرنا عبد الجبار بن ورد عن الزبير عن جابر بن عبد الله، قال: لما أراد معاوية أن يجري عينه التي بأحد كتبوا إليه: إنا لا نستطيع أن نجريها إلا على قبور الشهداء، قال فكتب: انبشوهم. قال فرأيتهم يحمل على أعناق الرجال كأنهم قوم نيام، وأصابت المسحاة طرف رجل حمزة بن عبد المطلب فانبعثت دما.
قال: أخبرنا سفيان بن عيينة وإسماعيل بن إبراهيم الأسدي عن علي بن زيد بن جدعان، عن سعيد بن المسيب قال: قال علي لرسول الله، صلى الله عليه وسلم: ألا تتزوج ابنة عمك ابنة حمزة فإنها، قال سفيان، أجمل، وقال إسماعيل أحسن فتاة في قريش، فقال: يا علي أما علمت أن حمزة أخي من الرضاعة وأن الله حرم من الرضاع ما حرم من النسب؟
قال: أخبرنا عبد الله بن نمير ومحمد بن عبيد، قالا: أخبرنا الأعمش عن سعد بن عبيدة عن أبي عبد الرحمن السلمي عن علي قال: قلت يا رسول الله مالي أراك تتوق في نساء قريش وتدعنا؟ قال: عندك شيء؟ قال قلت: نعم ابنة حمزة، قال: تلك ابنة أخي من الرضاعة.

(3/11)


قال: أخبرنا محمد بن عبد الله الأنصاري، قال أخبرنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، عن جابر بن يزيد، عن ابن عباس قال: أريد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، على ابنة حمزة فقال: إنها ابنة أخي من الرضاعة وإنه يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب.
قال: أخبرنا موسى بن إسماعيل، قال أخبرنا حماد بن سلمة عن عمار بن أبي عمار أن حمزة بن عبد المطلب سأل النبي، صلى الله عليه وسلم، أن يريه جبريل في صورته، قال: إنك لا تستطيع أن تراه، قال: بلى، قال: فاقعد مكانك، قال فنزل جبريل على خشبة في الكعبة كان المشركون يضعون ثيابهم عليها إذا طافوا بالبيت فقال: ارفع طرفك فانظر، فنظر فإذا قدماه مثل الزبرجد الأخضر فخر مغشيا عليه.
قال: أخبرنا عبيد الله بن موسى، قال أخبرنا إسرائيل عن أبي إسحاق، عن حارثة بن مضرب، عن علي قال: قال لي رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يوم بدر: يا علي ناد لي حمزة، وكان أقربهم إلى المشركين.
قال: أخبرنا أبو أسامة حماد بن أسامة وإسحاق بن يوسف الأزرق عن بن عون، عن عمير بن إسحاق، قال: كان حمزة بن عبد المطلب يقاتل بين يدي رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يوم أحد بسيفين، ويقول: أنا أسد الله، وجعل يقبل ويدبر، قال فبينما هو كذلك إذ عثر عثرة فوقع على ظهره، وبصر به الأسود، قال أبو أسامة: فزرقه بحربة فقتله، وقال إسحاق بن يوسف: فطعنه الحبشي بحربة أو رمح فبقره.
قال: أخبرنا هوذة بن خليفة، قال أخبرنا عوف عن محمد، قال: بلغني أن هند بنت عتبة بن بن ربيعة جاءت في الأحزاب يوم أحد وكانت قد نذرت لئن قدرت على حمزة بن عبد المطلب لتأكلن من كبده؛ قال فلما كان حيث أصيب حمزة، ومثلوا بالقتلى وجاؤوا بحزة من كبد حمزة فأخذتها تمضغها لتأكلها فلم تستطع أن تبتلعها، فلفظتها، فبلغ ذلك رسول

(3/12)


الله، صلى الله عليه وسلم، قال: إن الله قد حرم على النار أن تذوق من لحم حمزة شيئا أبدا. ثم قال محمد: وهذه شدائد على هند المسكينة.
قال: أخبرنا عفان بن مسلم، قال: أخبرنا حماد بن سلمة قال: أخبرنا عطاء بن السائب عن الشعبي عن بن مسعود قال قال أبو سفيان يوم أحد: قد كانت في القوم مثلة وإن كانت لعن غير ملإ مني ما أمرت ولا نهيت ولا أحببت ولا كرهت، ساءني ولا سرني، قال ونظروا فإذا حمزة قد بقر بطنه وأخذت هند كبده فلاكتها فلم تستطيع هند أن تأكلها، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: أكلت منها شيئا؟ قالوا: لا، قال: ما كان الله ليدخل شيئا من حمزة النار.
قال: أخبرنا خالد بن مخلد، قال حدثني عبد الرحمن بن عبد العزيز، قال حدثني الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال يوم أحد: من رأى مقتل حمزة؟ فقال رجل: أعزك الله، أنا رأيت مقتله. قال: فانطلق فأرناه. فخرج حتى وقف على حمزة، فرآه قد شق بطنه، وقد مثل به، فقال: يا رسول الله مثل به والله، فكره رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أن ينظر إليه، ووقف بين ظهراني القتلى فقال: أنا شهيد على هؤلاء، لفوهم في دمائهم فإنه ليس من جريح يجرح في الله إلا جاء جرحه يوم القيامة يدمى، لونه لون الدم، وريحه ريح المسك، قدموا أكثرهم قرآنا فاجعلوه في اللحد.
قال: أخبرنا عمرو بن عاصم الكلابي، قال أخبرنا صالح المري، قال أخبرنا سليمان التيمي عن أبي عثمان النهدي، عن أبي هريرة، أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وقف على حمزة بن عبد المطلب حيث استشهد، فنظر إلى منظر لم ينظر إلى شيء قط كان أوجع لقلبه منه، ونظر إليه قد مثل به فقال: رحمة الله عليك، فإنك كنت، ما علمت، وصولا للرحم

(3/13)


فعولا للخيرات، ولو لا حزن من بعدك عليك لسرني أن أتركك حتى يحشرك الله من أرواح شتى، أما والله علي ذلك لأمثلن بسبعين منهم مكانك! فنزل جبريل، عليه السلام، والنبي، صلى الله عليه وسلم، واقف بخواتيم النحل: وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به، إلى آخر الآية، فكفر النبي، صلى الله عليه وسلم، عن يمينه وأمسك عن الذي أراد، وصبر.
قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله بن يونس، قال أخبرنا أبو بكر بن عياش عن يزيد، عن مقسم، عن بن عباس، قال: لما قتل حمزة يوم أحد أقبلت صفية تطلبه لا تدري ما صنع، قال فلقيت عليا والزبير، فقال علي للزبير: أذكر لأمك، قال الزبير: لا بل اذكر أنت لعمتك، قالت:: ما فعل حمزة؟ قال فأرياها أنهما لا يدريان، قال فجاء النبي، صلى الله عليه وسلم، فقال: إني أخاف على عقلها، قال: فوضع يده على صدرها ودعا لها فاسترجعت وبكت، ثم جاء فقام عليه وقد مثل به، فقال: لو لا جزع النساء لتركته حتى يحشر من حواصل الطير وبطون السباع، قال ثم أمر بالقتلى فجعل يصلي عليهم، قال فيضع تسعة وحمزة فيكبر عليهم سبعا ثم يرفعون ويترك حمزة، ثم يجاء بتسعة فيكبر عليهم حتى فرغ منهم.
قال: أخبرنا روح بن عبادة وعثمان بن عمر وزيد بن الحباب عن أسامة بن زيد، عن الزهري، عن أنس بن مالك، أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، مر بعمه حمزة يوم أحد وقد جدع ومثل به، فقال: لو لا أن تجد صفية في نفسها لتركته حتى تأكله العافية، حتى يحشر من بطون الطير والسباع، قال فكفن في نمرة إذا خمر برأسه بدت رجلاه، وإذا مدت على رجليه بدا رأسه، قال وقلت الثياب وكثرت القتلى، فكفن الرجل والرجلان والثلاثة في ثوب واحد، وكان يجمع الثلاثة والاثنين في

(3/14)


قبر ثم يسأل أيهم أكثر قرآنا فيقدمه في اللحد.
قال: أخبرنا وكيع وعبد الله بن نمير عن هاشم بن عروة عن أبيه: أن حمزة بن عبد المطلب كفن في ثوب واحد.
قال: أخبرنا الفضل بن دكين، قال أخبرنا شريك عن إبراهيم بن المهاجر عن إبراهيم، قال: قال خباب: كفن حمزة في بردة، إذا غطي رأسه خرجت رجلاه وإذا غطيت رجلاه خرج رأسه، فغطي رأسه وجعل على رجليه إذخر.
قال: أخبرنا عبد الله بن مسلمة بن قعنب، قال أخبرنا محمد بن صالح عن يزيد بن زيد، عن أبي أسيد الساعدي، قال: أنا مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، على قبر حمزة، فجعلوا يجرون النمرة فتنكشف قدماه ويجرونها على قدميه فينكشف وجهه، فقال: رسول الله، صلى الله عليه وسلم، اجعلوها على وجهه واجعلوا على قدميه من هذا الشجر، قال فرفع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، رأسه فإذا أصحابه يبكون، فقال: ما يبكيكم؟ قيل: يا رسول الله لا نجد لعمك اليوم ثوبا واحدا يسعه، فقال: إنه يأتي على الناس زمان يخرجون إلى الأرياف فيصيبون فيها مطعما وملبسا ومركبا، أو قال: مراكب، فيكتبون إلى أهلهم: هلموا إلينا فإنكم بأرض جردية، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون، لا يصبر على لأوائها وشدتها أحد إلا كانت له شفيعا أو شهيدا يوم القيامة.
قال: أخبرنا عمرو بن عاصم الكلابي، قال أخبرنا سليمان بن المغيرة، قال أخبرنا هشام بن عروة، قال: أقبلت صفية بنت عبد المطلب ومعها ثوبان تريد أن تكفن أخاها حمزة بن عبد المطلب فيهما، قال فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، للزبير بن العوام وهي أمه وهو ابنها: عليك المرأة، قال فاستقبلها ليردها، قالت:: هكذا لا أرض لك ولا أم لك، فانتهت إليه فإذا إلى جنبه رجل من الأنصار صريع فكفن حمزة في أوسع

(3/15)


الثوبين وكفن الأنصاري في الآخر.
قال: أخبرنا محمد بن عبد الله الأنصاري، قال حدثني أشعث قال: سئل الحسن أيغسل الشهداء؟ قال: نعم، قال وقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: لقد رأيت الملائكة تغسل حمزة.
قال: أخبرنا وكيع والفضل بن دكين عن شريك عن حصين عن أبي مالك: أن النبي، صلى الله عليه وسلم، صلى على قتلى أحد عشرة عشرة، يصلي على حمزة مع كل عشرة.
قال: أخبرنا محمد بن الفضيل بن غزوان عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الله بن الحارث، قال: صلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، على حمزة فكبر عليه تسعا، ثم جيء بأخرى فكبر عليها سبعا ثم جيء بأخرى فكبر عليها خمسا، حتى فرغ من جميعهم غير أنه وتر.
قال: أخبرنا عفان بن مسلم، قال أخبرنا حماد بن سلمة، قال أخبرنا عطاء بن السائب عن الشعبي عن بن مسعود قال: وضع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حمزة فصلى عليه وجيء برجل من الأنصار فوضع إلى جنبه فصلى عليه، فرفع الأنصاري وترك حمزة، ثم جيء بآخر فوضع إلى جنب حمزة فصلى عليه، فرفع الأنصاري وترك حمزة، حتى صلى عليه يومئذ سبعين صلاة.
قال: أخبرنا عمرو بن عاصم الكلابي، قال أخبرنا همام عن عطاء بن السائب عن الشعبي: أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، صلى على حمزة بن عبد المطلب ثم جيء برجل فوضع فصلى عليهما جميعا، ثم رفع الرجل وجيء بآخر، فما زال يفعل ذلك حتى صلى يومئذ على حمزة سبعين صلاة.
قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله بن يونس، قال أخبرنا أبو الأحوص، قال أخبرنا سعيد بن مسروق عن أبي الضحى، قال في قول الله جل ثناؤه

(3/16)


ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون، قال: نزلت في قتلى أحد، ونزل فيهم: ويتخذ منكم شهداء. قال: قتل يومئذ سبعون من المسلمين أربعة من المهاجرين حمزة بن عبد المطلب، ومصعب بن عمير أخو بني عبد الدار، والشماس بن عثمان المخزومي، وعبد الله بن جحش الأسدي، وسائرهم من الأنصار.
قال: أخبرنا وكيع بن الجراح عن سفيان عن أبي هاشم عن أبي مجلز عن قيس بن عباد قال: سمعت أبا ذر يقسم أنزلت هذه الآيات: هذان خصمان اختصموا في ربهم فالذين كفروا، إلى قوله: إن الله يفعل ما يريد، في هؤلاء الرهط الستة يوم بدر: حمزة بن عبد المطلب، وعلي بن أبي طالب، وعبيدة بن الحارث، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة.
قال: أخبرنا عثمان بن عمر وعبيد الله بن موسى وروح بن عبادة قالوا: أخبرنا أسامة بن زيد عن نافع عن بن عمر قال: لما رجع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، من أحد سمع نساء بني عبد الأشهل يبكين على هلكاهن، فقال: لكن حمزة لا بواكي له، قال فاجتمع نساء الأنصار عنده فبكين على حمزة ورقد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فاستيقظ وهن يبكين فقال: يا ويحهن إنهن هاهنا حتى الآن، مروهن فليرجعن ولا يبكين على هالك بعد اليوم.
قال: أخبرنا عبد الملك بن عمرو أبو عامر العقدي قال: أخبرنا زهير بن محمد، وأخبرنا عبد الله بن مسلمة بن قعنب الحارثي قال: أخبرنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي جميعا عن شريك بن أبي نمر عن عطاء بن يسار: أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، مر على نساء بني عبد الأشهل لما فرغ من أحد فسمعهن يبكين على من استشهد منهم بأحد، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: لكن حمزة لا بواكي له. فسمعها سعد بن معاذ

(3/17)


فذهب إلى نساء بني عبد الأشهل فأمرهن أن يذهبن إلى باب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فيبكين على حمزة، فذهبن فبكين فسمع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بكاءهن، فقال: من هؤلاء؟ فقيل نساء الأنصار، فخرج إليهن فقال: ارجعن، لا بكاء بعد اليوم.
وقال عبد الملك بن عمرو في حديثه عن زهير بن محمد: وقال بارك الله عليكن وعلى أولادكن وعلى أولاد أولادكن، وقال عبد الله بن مسلمة في حديثه عن عبد العزيز بن محمد: رحمكن الله ورحم أولادكن وأولاد أولادكن.
قال: أخبرنا محمد بن عبد الله الأنصاري قال: أخبرنا محمد بن عمرو قال: أخبرنا محمد بن إبراهيم قال: مر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حين انصرف من أحد، وبنو عبد الأشهل نساؤهم يبكين على قتلاهم، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: لكن حمزة لا بواكي له. فبلغ ذلك سعد بن معاذ، فساق نساءه حتى جاء بهن إلى باب المسجد يبكين على حمزة. قالت: عائشة: فخرجنا إليهن نبكي معهن، فنام رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ونحن نبكي ثم استيقظ فصلى صلاة العشاء الآخرة، ثم نام ونحن نبكي، ثم استيقظ فسمع الصوت فقال: ألا أراهن ها هنا إلى الآن؟ قولوا لهن فليرجعن، ثم دعا لهن ولأزواجهن ولأولادهن، ثم أصبح فنهى عن البكاء كأشد ما نهى عن شيء.
قال: أخبرنا محمد بن إسماعيل بن أبي فديك قال: قال أخبرنا محمد بن أبي حميد عن بن المنكدر قال: أقبل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، من أحد، فمر على بني عبد الأشهل، ونساء الأنصار يبكين على هلكاهن يندبنهم، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: لكن حمزة لا بواكي له، قال فدخل رجال من الأنصار على نسائهم فقالوا: حولن بكاءكن وندبكن على حمزة، فقام رسول الله، صلى الله عليه وسلم

(3/18)


فطال قيامه يستمع، ثم انصرف فقام على المنبر من الغد فنهى عن النياحة كأشد ما نهى عن شيء قط، وقال: كل نادبة كاذبة إلا نادبة حمزة.
قال: حدثنا مسلم بن إبراهيم قال: أخبرنا حكيم بن سلمان قال: سمعت محارب بن دثار يذكر، قال: لما قتل حمزة بن عبد المطلب جعل الناس يبكون على قتلاهم، فقال النبي، صلى الله عليه وسلم: لكن حمزة لا بواكي له، قال فسمعت ذلك الأنصار فأمروا نساؤهم فبكين عليه، فجاءت امرأة واضعة يدها على رأسها ترن، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: فعلت فعل الشيطان حين أهبط إلى الأرض وضع يده على رأسه يرن، وإنه ليس منا من حلق ولا من خرق ولا من سلق.
قال: أخبرنا عبد الله بن نمير قال: أخبرنا زياد بن المنذر عن أبي جعفر قال: كانت فاطمة تأتي قبر حمزة ترمه وتصلحه.
علي بن أبي طالب، رضي الله عنه
واسم أبي طالب عبد مناف بن عبد المطلب، واسمه شيبة بن هاشم، واسمه عمرو بن عبد مناف، واسمه المغيرة بن قصي، واسمه زيد ويكنى علي أبا الحسن، وأمه فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف بن قصي. وكان له من الولد الحسن والحسين وزينب الكبرى وأم كلثوم الكبرى، وأمهم فاطمة بنت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ومحمد بن علي الأكبر وهو بن الحنفية وأمه خولة بنت جعفر بن قيس بن مسلمة بن ثعلبة بن يربوع بن ثعلبة بن الدول بن حنيفة بن لجيم بن صعب بن علي بن بكر بن وائل، وعبيد الله بن علي قتله المختار بن أبي عبيد بالمذار، وأبو بكر بن علي قتل مع الحسين ولا عقب لهما، وأمهما ليلى بنت مسعود بن خالد بن ثابت بن ربعي بن سلمى بن جندل بن نهشل بن دارم بن مالك

(3/19)


ابن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم، والعباس الأكبر بن علي وعثمان وجعفر الأكبر وعبد الله قتلوا مع الحسين بن علي ولا بقية لهم، وأمهم أم البنين بنت حزام بن خالد بن جعفر بن ربيعة بن الوحيد بن عامر بن كعب بن كلاب، ومحمد الأصغر بن علي قتل مع الحسين، وأمه أم ولد، ويحيى وعون ابنا علي وأمهما أسماء بنت عميس الخثعمية، وعمر الأكبر بن علي ورقية بنت علي وأمهما الصهباء، وهي أم حبيب بنت ربيعة بن بجير بن العبد بن علقمة بن الحارث بن عتبة بن سعد بن زهير بن جشم بن بكر بن حبيب بن عمرو بن غنم بن تغلب بن وائل، وكانت سبية أصابها خالد بن الوليد حين أغار على بني تغلب بناحية عين التمر، ومحمد الأوسط بن علي وأمه أمامة بنت أبي العاص بن الربيع بن عبد العزى بن عبد شمس بن عبد مناف، وأمها زينب بنت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وأمها خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي، وأم الحسن بنت علي ورملة الكبرى، وأمهما أم سعيد بنت عروة بن مسعود بن متعب بن مالك الثقفي، وأم هانئ بنت علي، وميمونة، وزينب الصغرى، ورملة الصغرى، وأم كلثوم الصغرى، وفاطمة، وأمامة، وخديجة، وأم الكرام، وأم سلمة، وأم جعفر، وجمانة، ونفيسة، بنات علي وهن لأمهات أولاد شتى، وابنة لعلي لم تسم لنا، هلكت وهي جارية لم تبرز، وأمها محياة بنت امرئ القيس بن عدي بن أوس بن جابر بن كعب بن عليم من كلب، وكانت تخرج إلى المسجد وهي جارية فيقال لها: من أخوالك؟ فتقول وه وه تعني كلبا. فجميع ولد علي بن أبي طالب لصلبه أربعة عشر ذكرا وتسع عشرة امرأة، وكان النسل من ولده لخمسة: الحسن والحسين ومحمد بن الحنفية والعباس بن الكلابية وعمر بن التغلبية. قال محمد بن سعد: لم يصح لنا من ولد علي، رضي الله عنه، غير هؤلاء.

(3/20)


ذكر إسلام علي وصلاته
قال: أخبرنا وكيع بن الجراح ويزيد بن هارون وعفان بن مسلم عن شعبة عن عمرو بن مرة عن أبي حمزة مولى الأنصار عن زيد بن أرقم قال: أول من أسلم مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، علي. قال عفان ابن مسلم: أول من صلى.
قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: أخبرنا إبراهيم بن نافع وإسحاق بن حازم عن أبي نجيح عن مجاهد قال: أول من صلى علي وهو بن عشر سنين.
قال: أخبرنا محمد بن عمر، حدثني عمرو بن عبد الله بن عتبة عن عمارة بن غزية عن محمد بن عبد الرحمن بن زرارة قال: أسلم علي وهو بن تسع سنين.
قال: أخبرنا إسماعيل بن عبد الله بن أبي أويس، حدثني عن الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب أن علي بن أبي طالب حين دعاه النبي، صلى الله عليه وسلم، إلى الإسلام كان بن تسع سنين، قال الحسن بن زيد: ويقال دون تسع سنين، ولم يعبد الأوثان قط لصغره.
قال: أخبرنا يزيد بن هارون وسليمان أبو داود الطيالسي قالا:: قال أخبرنا شعبة عن سلمة بن كهيل عن حبة العرني قال: سمعت عليا يقول: أنا أول من صلى، قال يزيد: أو أسلم.
قال: أخبرنا يحيى بن حماد البصري قال: قال أخبرنا أبو عوانة عن أبي بلج عن عمرو بن ميمون عن بن عباس قال: أول من أسلم من الناس بعد خديجة علي. قال محمد بن عمر وأصحابنا مجمعون أن أول أهل القبلة الذي استجاب لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، خديجة بنت خويلد ثم اختلف عندنا في ثلاثة نفر أيهم أسلم أولا، في أبي بكر

(3/21)


وعلي وزيد بن حارثة، وما نجد إسلام علي صحيحا إلا وهو بن إحدى عشرة سنة.
قال: أخبرنا ابن عمر، حدثني عبد الله بن محمد عن أبيه عن عبيد الله بن أبي رافع عن علي قال: لما خرج رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إلى المدينة في الهجرة أمرني أن أقيم بعده حتى أؤدي ودائع كانت عنده للناس، ولذا كان يسمى الأمين، فأقمت ثلاثا فكنت أظهر، ما تغيبت يوما واحدا، ثم خرجت فجعلت أتبع طريق رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حتى قدمت بني عمرو بن عوف ورسول الله، صلى الله عليه وسلم، مقيم فنزلت على كلثوم بن الهدم وهنالك منزل رسول الله، صلى الله عليه وسلم.
قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثني عاصم بن سويد من بني عمرو بن عوف عن محمد بن عمارة بن خزيمة بن ثابت قال: قدم علي للنصف من شهر ربيع الأول ورسول الله، صلى الله عليه وسلم، بقباء لم يرم بعد.
قال: أخبرنا محمد بن عمر، حدثني عبد الله بن محمد بن عمر بن علي عن أبيه قال: لما قدم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، آخى بين المهاجرين بعضهم فبعض، وآخى بين المهاجرين والأنصار، فلم تكن مؤاخاة إلا قبل بدر، آخى بينهم على الحق والمؤاساة، فآخى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بينه وبين علي بن أبي طالب.
قال: أخبرنا محمد بن إسماعيل بن أبي فديك عن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي عن أبيه أن النبي، صلى الله عليه وسلم، حين آخى بين أصحابه وضع يده على منكب علي ثم قال: أنت أخي ترثني وأرثك؛ فلما نزلت آية الميراث قطعت ذاك.
قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: أخبرنا موسى بن محمد بن إبراهيم

(3/22)


عن أبيه، قال محمد بن عمر: وأخبرنا عبد الله بن جعفر عن أبي عون وسعد بن إبراهيم، قال محمد بن عمر: وأخبرنا محمد بن صالح عن عاصم بن عمر بن قتادة قالوا: آخى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بين علي بن أبي طالب وسهل بن حنيف.
قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: أخبرنا موسى بن محمد بن إبراهيم عن أبيه قال: كان علي بن أبي طالب يوم بدر معلما بصوفة بيضاء.
قال: أخبرنا عبد الوهاب بن عطاء قال: أخبرنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة أن علي بن أبي طالب كان صاحب لواء رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يوم بدر وفي كل مشهد.
ذكر قول رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لعلي بن أبي
طالب: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون
من موسى إلا أنه لا نبي بعدي؟
قال قال: محمد بن عمر وكان علي ممن ثبت مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يوم أحد حين انهزم الناس، وبايعه على الموت، وبعثه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، سرية إلى بني سعد بفدك في مائة رجل، وكان معه إحدى رايات المهاجرين الثلاث يوم فتح مكة، وبعثه سرية إلى الفلس إلى طيء، وبعثه إلى اليمن ولم يتخلف عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في غزوة غزاها إلا غزوة تبوك خلفه في أهله.
قال: أخبرنا الفضل بن دكين قال: أخبرنا فضل بن مرزوق عن عطية، حدثني أبو سعيد قال: غزا رسول الله، صلى الله عليه وسلم

(3/23)


غزوة تبوك وخلف عليا في أهله، فقال بعض الناس: ما منعه أن يخرج به إلا أنه كره صحبته، فبلغ ذلك عليا فذكره للنبي، صلى الله عليه وسلم، فقال: أيا بن أبي طالب أما ترضى أن تنزل مني بمنزلة هارون من موسى؟
قال: أخبرنا الفضل بن دكين قال: أخبرنا فطر بن خليفة عن عبد الله بن شريك قال: سمعت عبد الله بن رقيم الكناني قال: قدمنا المدينة فلقينا سعد بن مالك فقال: خرج رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إلى تبوك وخلف عليا، فقال له: يا رسول الله خرجت وخلفتني؟ فقال: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي؟
قال: أخبرنا عفان بن مسلم عن حماد بن سلمة قال: أخبرنا علي بن زيد عن سعيد بن المسيب قال: قلت لسعد بن مالك إني أريد أن أسألك عن حديث وأنا أهابك أن أسألك عنه، قال: لا تفعل يا بن أخي إذا علمت أن عندي علما فسلني عنه ولا تهبني، فقلت قول رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لعلي حين خلفه بالمدينة في غزوة تبوك، قال قال: أتخلفني في الخالفة في النساء والصبيان؟ فقال: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى؟ فأدبر علي مسرعا كأني أنظر إلى غبار قدميه يسطع، وقد قال حماد: فرجع علي مسرعا.
قال: وأخبرنا روح بن عبادة قال: أخبرنا عون عن ميمون عن البراء بن عازب وزيد بن أرقم قالا:: لما كان عند غزوة جيش العسرة وهي تبوك قال: رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لعلي بن أبي طالب إنه لا بد من أن أقيم أو تقيم، فخلفه، فلما فصل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، غازيا قال ناس: ما خلف عليا إلا لشيء كرهه منه. فبلغ ذلك عليا فاتبع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حتى انتهى إليه، فقال له: ما جاء بك يا علي؟ قال: لا يا رسول الله إلا أني سمعت ناسا يزعمون أنك إنما

(3/24)


خلقتني لشيء كرهته مني، فتضاحك رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وقال: يا علي أما ترضى أن تكون مني كهارون من موسى غير أنك لست بنبي؟ قال: بلى يا رسول الله. قال: فإنه كذلك.
أخبرنا روح بن عبادة قال: أخبرنا بسطام بن مسلم عن مالك بن دينار قال: قلت لسعيد بن جبير: من كان صاحب راية رسول الله، صلى الله عليه وسلم؟ قال: إنك لرخو اللبب. فقال لي معبد الجهني: أنا أخبرك، كان يحملها في المسير بن ميسرة العبسي فإذا كان القتال أخذها علي بن أبي طالب، رضي الله عنه.
ذكر صفة علي بن أبي طالب، عليه السلام
قال: أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي قال: رأيت عليا وكان عريض اللحية وقد أخذت ما بين منكبيه، أصلع على رأسه زغيبات.
أخبرنا الفضل بن دكين قال: أخبرنا يونس بن أبي إسحاق عن أبيه أبي إسحاق قال: رأيت عليا فقال لي أبي قم يا عمرو فانظر إلى أمير المؤمنين، فقمت إليه فلم أره يخضب لحيته، ضخم اللحية.
قال: أخبرنا مؤمل بن إسماعيل وقبيصة بن عقبة قالا: أخبرنا سفيان عن أبي إسحاق قال: رأيت عليا أبيض الرأس واللحية.
قال: أخبرنا الفضل بن دكين قال: أخبرنا شريك عن أبي إسحاق قال: رأيت عليا أصلع أبيض اللحية، رفعني أبي.
قال: أخبرنا الفضل بن دكين قال: أخبرنا شريك عن جابر عن عامر قال: كان علي يطردنا من الرحبة ونحن صبيان، أبيض الرأس واللحية.

(3/25)


قال: أخبرنا الفضل بن دكين قال: أخبرنا زهير عن أبي إسحاق أنه صلى مع علي الجمعة حين مالت الشمس، قال فرأيته أبيض اللحية أجلح.
قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: أخبرنا الثوري وإسرائيل وشيبان وقيس عن أبي إسحاق قال: رأيت عليا أبيض الرأس واللحية.
أخبرنا شهاب بن عباد العبدي قال: أخبرنا إبراهيم بن حميد عن إسماعيل عن عامر قال: ما رأيت رجلا قط أعرض لحية من علي، قد ملأت ما بين منكبيه، بيضاء.
قال: أخبرنا الفضل بن دكين وعفان بن مسلم وسليمان بن حرب قالوا: أخبرنا أبو هلال قال: حدثني سوادة بن حنظلة القشيري قال: رأيت عليا أصفر اللحية.
قال: أخبرنا عبد الله بن نمير وأسباط بن محمد عن إسماعيل بن سلمان الأزرق عن أبي عمر البزاز عن محمد بن الحنفية قال: خضب علي بالحناء مرة ثم تركه.
قال: أخبرنا وهب بن جرير بن حازم قال: أخبرنا أبي قال: سمعت أبا رجاء قال: رأيت عليا أصلع، كثير الشعر، كأنما اجتاب إهاب شاة.
قال: أخبرنا عفان بن مسلم قال: أخبرنا أبو عوانة عن مغيرة عن قدامة بن عتاب قال: كان علي ضخم البطن، ضخم مشاشة المنكب، ضخم عضلة الذراع، دقيق مستدقها، ضخم عضلة الساق، دقيق مستدقها، قال رأيته يخطب في يوم من أيام الشتاء، عليه قميص قهز وإزاران قطريان، معتما بسب كتان مما ينسج في سوادكم.
قال: أخبرنا الفضل بن دكين قال: أخبرنا رزام بن سعد الضبي قال: سمعت أبي ينعت عليا قال: كان رجلا فوق الربعة، ضخم المنكبين، طويل اللحية، وإن شئت قلت إذا نظرت إليه هو آدم، وإن

(3/26)


تبينته من قريب قلت أن يكون أسمر أدنى من أن يكون آدم.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: أخبرنا أبو بكر بن عبد الله بن أبي سبرة عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة قال: سألت أبا جعفر محمد بن علي قلت: ما كانت صفة علي؟ قال: رجل آدم شديد الأدمة، ثقيل العينين، عظيمهما، ذو بطن، أصلع، إلى القصر أقرب.
قال: أخبرنا عمرو بن عاصم قال: أخبرنا همام بن يحيى عن محمد بن جحادة قال: حدثني أبو سعيد بياع الكرابيس: أن عليا كان يأتي السوق في الأيام فيسلم عليهم، فإذا رأوه قالوا بوذا شكنب أمذ، قيل له إنهم يقولون إنك ضخم البطن، فقال: إن أعلاه علم وأسفله طعام.
قال: أخبرنا عبيد الله بن موسى قال: أخبرنا إسرائيل عن جابر عن عامر قال: رأيت عليا ورأسه ولحيته بيضاوان كأنهما قطن.
قال: أخبرنا الفضل بن دكين قال: أخبرنا سلمة بن رجاء التميمي عن مدرك أبي الحجاج قال: رأيت في عيني علي أثر الكحل.
قال: أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا هشام بن حسان قال: أخبرنا أبو الرضى القيسي قال: ربما رأيت عليا يخطبنا وعليه إزار ورداء مرتديا به، غير ملتحف، وعمامة، فينظر إلى شعر صدره وبطنه.
ذكر لباس علي، عليه السلام
قال: أخبرنا وكيع عن أبي مكين عن خالد أبي أمية قال: رأيت عليا وقد لحق إزاره بركبتيه.
قال: أخبرنا يعلى بن عبيد وعبد الله بن نمير عن الأجلح عن عبد الله بن أبي الهذيل قال: رأيت عليا عليه قميص رازي إذا مد كمه بلغ

(3/27)


الظفر فإذا أرخاه، قال يعلى، بلغ نصف ساعده، وقال عبد الله بن نمير: بلغ نصف الذراع.
قال: أخبرنا وكيع بن الجراح عن علي بن صالح عن عطاء أبي محمد قال: رأيت على علي قميصا من هذه الكرابيس غير غسيل.
قال: أخبرنا أنس بن عياض أبو ضمرة الليثي قال: حدثني محمد بن أبي يحيى عن أبي العلاء مولى الأسلميين قال: رأيت عليا يأتزر فوق السرة.
قال: أخبرنا وكيع بن الجراح عن سفيان عن عمرو بن قيس أن عليا رئي عليه إزار مرقوع فقيل له فقال يخشع القلب ويقتدي به المؤمن.
قال: أخبرنا الفضل بن دكين قال: حدثنا الحر بن جرموز عن أبيه قال: رأيت عليا وهو يخرج من القصر وعليه قطريتان إزار إلى نصف الساق ورداء مشمر قريب منه ومعه درة له يمشي بها في الأسواق ويأمرهم بتقوى الله وحسن البيع ويقول أوفوا الكيل والميزان، ويقول لا تنفخوا اللحم.
قال: أخبرنا الفضل بن دكين قال: أخبرنا سعيد بن عبيد عن علي بن ربيعة أنه رأى على علي بردين قطريين.
قال: أخبرنا الفضل بن دكين قال: أخبرنا حميد بن عبد الله الأصم قال: سمعت فروخ مولى لبني الأشتر قال رأيت عليا في بني ديوار وأنا غلام فقال: أتعرفني؟ فقلت: نعم أنت أمير المؤمنين، ثم أتي آخر فقال: أتعرفني؟ فقال: لا، فاشترى منه قميصا زابيا فلبسه فمد كم القميص فإذا هو مع أصابعه فقال له: كفه، فلما كفه قال: الحمد لله الذي كسا علي بن أبي طالب.
قال: أخبرنا الفضل بن دكين قال: أخبرنا أيوب بن دينار أبو سليمان المكتب قال: حدثني والدي أنه رأى عليا يمشي في السوق وعليه إزار إلى نصف ساقيه وبردة على ظهره، قال: ورأيت عليه بردين نجرانيين.
قال: أخبرنا الفضل بن دكين قال: أخبرنا عبد الجبار بن المغيرة

(3/28)


الأزدي حدثتني أم كثيرة: أنها رأت عليا ومعه مخفقة وعليه رداء سنبلاني وقميص كرابيس وإزار كرابيس إلى نصف ساقيه الإزار والقميص.
قال: أخبرنا خالد بن مخلد قال: أخبرنا سليمان بن بلال قال: حدثني جعفر بن محمد عن أبيه قال: كان علي بن أبي طالب يطوف في السوق بيده درة فأتي بقميص له سنبلاني فلبسه فخرج كماه على يديه فأمر بهما فقطعا حتى استويا بيده ثم أخذ درته فذهب يطوف.
قال: أخبرنا أبو بكر بن عبد الله بن أبي أويس عن سليمان بن بلال عن جعفر بن محمد عن أبيه قال: ابتاع علي قميصا سنبلانيا بأربعة دراهم فجاء الخياط فمد كم القميص فأمره أن يقطعه مما خلف أصابعه.
قال: أخبرنا الفضل بن دكين قال: أخبرنا زهير بن معاوية عن جابر عن هرمز قال: رأيت عليا متعصبا بعصابة سوداء ما أدري أي طرفيها أطول الذي قدامه أو الذي خلفه، يعني عمامة.
قال: أخبرنا الفضل بن دكين قال: أخبرنا شريك عن جابر عن مولى لجعفر فقال له هرمز قال: رأيت عليا عليه عمامة سوداء قد أرخاها من بين يديه ومن خلفه.
قال: أخبرنا وكيع بن الجراح عن أبي العنبس عمرو بن مروان عن أبيه قال: رأيت على علي عمامة سوداء قد أرخاها من خلفه.
أخبرنا وكيع بن الجراح عن الأعمش عن ثابت بن عبيد عن أبي جعفر الأنصاري قال: رأيت على علي عمامة سوداء يوم قتل عثمان، قال ورأيته جالسا في ظلة النساء وسمعته يومئذ يوم قتل عثمان يقول تبا لكم سائر الدهر!
قال: أخبرنا عبيد الله بن موسى قال: أخبرنا علي بن صالح عن عطاء أبي محمد قال: رأيت عليا خرج من الباب الصغير فصلى ركعتين حين

(3/29)


ارتفعت الشمس وعليه قميص كرابيس كسكري فوق الكعبين وكماه إلى الأصابع وأصل الأصابع غير مغسول.
ذكر قلنسوة علي بن أبي طالب، عليه السلام،
وخاتمه وتختمه له وما كان نقشه
قال: أخبرنا عبد الله بن محمد بن أبي شيبة قال: حدثنا عبد السلام بن حرب عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة عن إبراهيم بن عبد الله بن حنين عن بن عباس عن علي قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إذا كان إزارك واسعا فتوشح به، وإذا كان ضيقا فأتزر به.
قال: أخبرنا الفضل بن دكين قال: أخبرنا حسن بن صالح عن أبي حيان قال: كانت قلنسوة علي لطيفة.
قال: أخبرنا محمد بن ربيعة الكلابي عن كسيان بن أبي عمر عن يزيد بن الحارث بن بلال الفزاري قال: رأيت على علي قلنسوة بيضاء مصرية.
قال: أخبرنا معن بن عيسى قال: أخبرنا أبان بن قطن عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أبيه عبد الرحمن بن أبي ليلى: أن علي بن أبي طالب تختم في يساره.
قال: أخبرنا أبو بكر بن عبد الله بن أبي أويس عن سليمان بن بلال عن جعفر بن محمد بن علي عن أبيه: أن عليا تختم في اليسار.
قال: أخبرنا عمرو بن عاصم الكلابي قال: أخبرنا معتمر عن أبيه عن أبي إسحاق الشيباني قال: قرأت نقش خاتم علي بن أبي طالب في صلح أهل الشام: محمد رسول الله.

(3/30)


قال: أخبرنا الحسن بن موسى الأشيب وعمرو بن خالد المصري قالا: أخبرنا زهير عن جابر الجعفي عن محمد بن علي قال: كان نقش خاتم علي: الله الملك.
قال: أخبرنا عبيد الله بن موسى قال: أخبرنا إسرائيل عن جابر عن محمد بن علي قال: كان نقش خاتم علي: الله الملك.
أخبرنا مالك بن إسماعيل النهدي قال: أخبرنا جعفر بن زياد عن الأعمش عن أبي ظبيان قال: خرج علينا علي في إزار أصفر وخميصة سوداء، الخميصة شبه البرنكان.
ذكر قتل عثمان بن عفان وبيعة علي بن أبي طالب،
رضي الله عنهما
قال: قالوا لما قتل عثمان، رحمه الله، يوم الجمعة لثماني عشرة ليلة مضت من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين وبويع لعلي بن أبي طالب، رحمه الله، بالمدينة الغد من يوم قتل عثمان، بالخلافة بايعه طلحة، والزبير، وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، وعمار بن ياسر، وأسامة بن زيد، وسهل بن حنيف، وأبو أيوب الأنصاري، ومحمد بن مسلمة، وزيد بن ثابت، وخزيمة بن ثابت، وجميع من كان بالمدينة من أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وغيرهم، ثم ذكر طلحة والزبير أنهما بايعا كارهين غير طائعين وخرجا إلى مكة وبها عائشة، ثم خرجا من مكة ومعهما عائشة إلى البصرة يطلبون بدم عثمان، وبلغ عليا، عليه السلام، ذلك فخرج من المدينة إلى العراق، وخلف على المدينة سهل بن حنيف، ثم كتب إليه أن يقدم عليه، وولى المدينة أبا حسن المازني

(3/31)


فنزل ذا قار وبعث عمار بن ياسر والحسن بن علي إلى أهل الكوفة يستنفرهم للمسير معه، فقدموا عليه فسار بهم إلى البصرة، فلقي طلحة والزبير وعائشة ومن كان معهم من أهل البصرة وغيرهم يوم الحمل في جمادي الآخرة سنة ست وثلاثين، وظفر بهم وقتل يومئذ طلحة والزبير وغيرهما، وبلغت القتلى ثلاثة عشر ألف قتيل، وأقام علي بالبصرة خمس عشرة ليلة ثم انصرف إلى الكوفة.
ذكر علي ومعاوية وقتالهما وتحكيم الحكمين
ثم خرج يريد معاوية بن أبي سفيان ومن معه بالشام، فبلغ ذلك معاوية فخرج فيمن معه من أهل الشام والتقوا بصفين في صفر سنة سبع وثلاثين، فلم يزالوا يقتتلون بها أياما، وقتل بصفين عمار بن ياسر، وخزيمة بن ثابت، وأبو عمرة المازني، وكانوا مع علي، ورفع أهل الشام المصاحف يدعون إلى ما فيها مكيدة من عمرو بن العاص أشار بذلك على معاوية وهو معه، فكره الناس الحرب وتداعوا إلى الصلح، وحكموا الحكمين فحكم علي أبا موسى الأشعري، وحكم معاوية عمرو بن العاص، وكتبوا بينهم كتابا أن يوافوا رأس الحول بأذرح فينظروا في أمر هذه الأمة، فافترق الناس فرجع معاوية بالألفة من أهل الشام وانصرف علي إلى الكوفة بالاختلاف والدغل، فخرجت عليه الخوارج من أصحابه ومن كان معه وقالوا: لا حكم إلا الله، وعسكروا بحروراء، فبذلك سموا الحرورية، فبعث إليهم علي عبد الله بن عباس وغيره فخاصمهم وحاجهم فرجع منهم قوم كثير وثبت قوم على رأيهم وساروا إلى النهروان فعرضوا للسبيل وقتلوا عبد الله بن خباب بن الأرت، فسار إليهم علي فقتلهم بالنهروان

(3/32)


وقتل منهم ذا الثدية، وذلك سنة ثمان وثلاثين، ثم انصرف علي إلى الكوفة فلم يزل بها يخافون عليه الخوارج من يومئذ إلى أن قتل رحمه الله. واجتمع الناس بأذرح في شعبان سنة ثمان وثلاثين، وحضرها سعد بن أبي وقاص وابن عمر وغيرهما من أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقدم عمرو أبا موسى فتكلم فخلع عليا، وتكلم عمرو فأقر معاوية وبايع له، فتفرق الناس على هذا.
ذكر عبد الرحمن بن ملجم المرادي وبيعة علي ورده إياه
وقوله: لتخضبن هذه من هذه، وتمثله بالشعر وقتله
عليا، عليه السلام، وكيف قتله عبد الله بن جعفر
والحسين بن علي ومحمد بن الحنفية
أخبرنا الفضل بن دكين أبو نعيم، أخبرنا فطر بن خليفة قال: حدثني أبو الطفيل قال: دعا علي الناس إلى البيعة، فجاء عبد الرحمن بن ملجم المرادي فرده مرتين، ثم أتاه فقال: ما يحبس أشقاها، لتخضبن أو لتصبغن هذه من هذا، يعني لحيته من رأسه، ثم تمثل بهذين البيتين:
أشدد حيازيمك للموت ... فإن الموت آتيك
ولا تجزع من القتل ... إذا حل بواديك قال محمد بن سعد: وزادني غير أبي نعيم في هذا الحديث بهذا الإسناد

(3/33)


عن علي بن أبي طالب والله إنه لعهد النبي الأمي، صلى الله عليه وسلم، إلي.
أخبرنا أبو أسامة حماد بن أسامة عن يزيد بن إبراهيم عن محمد بن سيرين، قال علي بن أبي طالب للمرادي:
أريد حباءه ويريد قتلي ... عذيرك من خليلك من مراد أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم بن علية عن عمارة بن أبي حفصة عن أبي مجلز قال: جاء رجل من مراد إلى علي وهو يصلي في المسجد فقال: احترس فإن ناسا من مراد يريدون قتلك، فقال: إن مع كل رجل ملكين يحفظانه مما لم يقدر فإذا جاء القدر خليا بينه وبينه، وإن الأجل جنة حصينة.
قال: أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا هشام بن حسان عن محمد عن عبيدة قال: قال علي: ما يحبس أشقاكم أن يجيء فيقتلني؟ اللهم قد سئمتهم وسئموني فأرحهم مني وأرحني منهم.
قال: أخبرنا وكيع بن الجراح، قال: أخبرنا الأعمش عن سالم بن أبي الجعد عن عبد الله بن سبع قال: سمعت عليا يقول: لتخضبن هذه من هذه فما ينتظر بالأشقى، قالوا: يا أمير المؤمنين فأخبرنا به نبير عترته، فقال: إذا والله تقتلوا بي غير قاتلي، قالوا: فاستخلف علينا، فقال: لا ولكن أترككم إلى ما ترككم إليه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قالوا: فما تقول لربك إذا أتيته؟ قال: أقول اللهم تركتك فيهم فإن شئت أصلحتهم وإن شئت أفسدتهم.
قال: أخبرنا عبيد الله بن موسى قال: أخبرنا إسرائيل عن سنان بن حبيب عن نبل بنت بدر عن زوجها قال: سمعت عليا يقول لتخضبن هذه من هذا، يعني لحيته من رأسه.

(3/34)


قال: أخبرنا عبيد الله بن موسى، قال: أخبرنا موسى بن عبيدة عن أبي بكر بن عبيد الله بن أنس أو أيوب بن خالد أو كليهما، أخبرنا عبيد الله أن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال لعلي: يا علي من أشقى الأولين والآخرين؟ قال: الله ورسوله أعلم، قال: أشقى الأولين عاقر الناقة، وأشقى الآخرين الذي يطعنك يا علي، وأشار إلى حيث يطعن.
قال: أخبرنا الفضل بن دكين قال: أخبرنا سليمان بن القاسم الثقفي قال: حدثتني أمي عن أم جعفر سرية علي قالت:: إني لأصب على يديه الماء إذ رفع رأسه فأخذ بلحيته فرفعها إلى أنفه فقال: واها لك لتخضبن بدم! قالت: فأصيب يوم الجمعة.
قال: أخبرنا خالد بن مخلد ومحمد بن الصلت قالا: أخبرنا الربيع بن المنذر عن أبيه عن بن الحنفية قال: دخل علينا بن ملجم الحمام وأنا وحسن وحسين جلوس في الحمام، فلما دخل كأنهما اشمأزا منه وقالا: ما أجرأك تدخل علينا! قال فقلت لهما: دعاه عنكما فلعمري ما يريد بكما أحشم من هذا. فلما كان يوم أتي به أسيرا قال: بن الحنفية: ما أنا اليوم بأعرف به مني يوم دخل علينا الحمام، فقال علي: إنه أسير فأحسنوا نزله وأكرموا مثواه فإن بقيت قتلت أو عفوت وإن مت فاقتلوه قتلي ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين.
قال: أخبرنا جرير عن مغيرة عن قشم مولى لابن عباس قال: كتب علي في وصيته إلى أكبر ولدي غير طاعن عليه في بطن ولا فرج.
قالوا: انتدب ثلاثة نفر من الخوارج: عبد الرحمن بن ملجم المرادي، وهو من حمير، وعداده في مراد، وهو حليف بني جبلة من كندة، والبرك بن عبد الله التميمي، وعمرو بن بكير التميمي، فاجتمعوا بمكة وتعاهدوا وتعاقدوا ليقتلن هؤلاء الثلاثة: علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص ويريحن العباد منهم، فقال عبد الرحمن بن

(3/35)


ملجم: أنا لكم بعلي بن أبي طالب، وقال البرك: وأنا لكم بمعاوية، وقال عمرو بن بكير: أنا أكفيكم عمرو بن العاص. فتعاهدوا على ذلك وتعاقدوا وتواثقوا لا ينكص رجل منهم عن صاحبه الذي سمي ويتوجه إليه حتى يقتله أو يموت دونه، فاتعدوا بينهم ليلة سبع عشرة من شهر رمضان، ثم توجه كل رجل منهم إلى المصر الذي فيه صاحبه، فقدم عبد الرحمن بن ملجم الكوفة فلقي أصحابه من الخوارج فكاتمهم ما يريد، وكان يزورهم ويزورونه، فزار يوما نفرا من تيم الرباب، فرأى امرأة منهم يقال لها قطام بنت شجنة بن عدي بن عامر بن عوف بن ثعلبة بن سعد بن ذهل بن تيم الرباب وكان علي قتل أباها وأخاها يوم نهروان فأعجبته فخطبها، فقالت: لا أتزوجك حتى تسمي لي، فقال: لا تسألينني شيئا إلا أعطيتك، فقالت: ثلاثة آلاف وقتل علي بن أبي طالب، فقال: والله ما جاء بي إلى هذا المصر إلا قتل علي بن أبي طالب وقد آتيتك ما سألت. ولقي عبد الرحمن بن ملجم شبيب بن بجرة الأشجعي فأعلمه ما يريد ودعاه إلى أن يكون معه فأجابه إلى ذلك، وبات عبد الرحمن بن ملجم تلك الليلة التي عزم فيها أن يقتل عليا في صبيحتها يناجي الأشعث بن قيس الكندي في مسجده حتى كاد أن يطلع الفجر، فقال له الأشعث: فضحك الصبح فقم، فقام عبد الرحمن بن ملجم وشبيب بن بجرة فأخذا أسيافهما ثم جاءا حتى جلسا مقابل السدة التي يخرج منها علي. قال الحسن بن علي: وأتيته سحرا فجلست إليه فقال: إني بت الليلة أوقظ أهلي فملكتني عيناي وأنا جالس فسنح لي رسول الله فقلت: يا رسول الله ما لقيت من أمتك من الأولاد واللدد، فقال لي: ادع الله عليهم، فقلت اللهم أبدلني بهم خيرا لي منهم وأبدلهم شرا لهم مني. ودخل ابن النباح المؤذن على ذلك فقال: الصلاة، فأخذت بيده فقام يمشي وابن النباح بين يديه وأنا خلفه، فلما خرج من الباب نادى: أيها الناس الصلاة الصلاة، كذلك

(3/36)


كان يفعل في كل يوم يخرج ومعه درته يوقظ الناس، فاعترضه الرجلان، فقال بعض من حضر ذلك: فرأيت بريق السيف وسمعت قائلا يقول: لله الحكم يا علي لا لك! ثم رأيت سيفا ثانيا فضربا جميعا فأما سيف عبد الرحمن بن ملجم فأصاب جبهته إلى قرنه ووصل إلى دماغه، وأما سيف شبيب فوقع في الطاق، وسمعت عليا يقول: لا يفوتنكم الرجل، وشد الناس عليهما من كل جانب، فأما شبيب فأفلت، وأخذ عبد الرحمن بن ملجم فأدخل على علي، فقال: أطيبوا طعامه وألينوا فراشه فإن أعش فأنا أولى بدمه عفوا وقصاصا وإن أمت فألحقوه بي أخاصمه عند رب العالمين. فقالت أم كلثوم بنت علي: يا عدو الله قتلت أمير المؤمنين! قال: ما قتلت إلا أباك، قالت:: فو الله إني لأرجو أن لا يكون على أمير المؤمنين بأس، قال: فلم تبكين إذا؟ ثم قال: والله لقد سممته شهرا، يعني سيفه، فإن أخلفني فأبعده الله وأسحقه. وبعث الأشعث بن قيس ابنه قيس بن الأشعث صبيحة ضرب علي، عليه السلام، فقال: أي بني انظر كيف أصبح أمير المؤمنين. فذهب فنظر إليه ثم رجع فقال: رأيت عينيه داخلتين في رأسه، فقال الأشعث: عيني دميغ ورب الكعبة، قال ومكث علي يوم الجمعة وليلة السبت وتوفي، رحمة الله عليه وبركاته، ليلة الأحد لإحدى عشرة ليلة بقيت من شهر رمضان سنة أربعين، وغسله الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر، وكفن في ثلاثة أثواب ليس فيها قميص.
قال: أخبرنا وكيع بن الجراح عن يحيى بن مسلم أبي الضحاك عن عاصم بن كليب عن أبيه قال: وأخبرنا عبد الله بن نمير عن عبد السلام رجل من بني مسيلمة عن بيان عن عامر الشعبي قال: وأخبرنا عبد الله بن نمير عن سفيان عن أبي روق عن رجل قال: وأخبرنا الفضل بن دكين قال أخبرنا خالد بن إلياس عن إسماعيل بن عمرو بن سعيد بن العاص قال وأخبرنا شبابة بن سوار الفزاري قال: أخبرنا قيس بن الربيع عن بيان عن الشعبي

(3/37)


أن الحسن بن علي صلى على علي بن أبي طالب فكبر عليه أربع تكبيرات، ودفن علي بالكوفة عند مسجد الجماعة في الرحبة مما يلي أبواب كندة قبل أن ينصرف الناس من صلاة الفجر، ثم انصرف الحسن بن علي من دفنه فدعا الناس إلى بيعته فبايعوه.
وكانت خلافة علي أربع سنين وتسعة أشهر.
قال: أخبرنا الفضل بن دكين عن شريك عن أبي إسحاق قال: توفي علي وهو يومئذ بن ثلاث وستين سنة.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال أخبرنا علي بن عمر وأبو بكر بن أبي سبرة عن عبد الله بن محمد بن عقيل قال: سمعت محمد بن الحنفية يقول سنة الجحاف حين دخلت إحدى وثمانون: هذه لي خمس وستون سنة وقد جاوزت سن أبي، قلت: وكم كانت سنه يوم قتل، يرحمه الله؟ قال: ثلاثا وستين سنة، قال محمد بن عمر: وهو الثبت عندنا.
قال: أخبرنا محمد بن ربيعة الكلابي عن طلق الأعمى عن جدته قالت:: كنت أنوح أنا وأم كلثوم بنت علي على علي، عليه السلام.
قال: أخبرنا عبد الله بن نمير وعبيد الله بن موسى قالا أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد عن أبي إسحاق عن هبيرة بن يريم قال: سمعت الحسن بن علي قام يخطب الناس فقال: يا أيها الناس لقد فارقكم أمس رجل ما سبقه الأولون ولا يدركه الآخرون، لقد كان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يبعثه المبعث فيعطيه الراية فما يرد حتى يفتح الله عليه، إن جبريل عن يمينه وميكائيل عن يساره، ما ترك صفراء ولا بيضاء، إلا سبعمائة درهم فضلت من عطائه أراد أن يشتري بها خادما.
قال: أخبرنا عبد الله بن نمير عن الأجلح عن أبي إسحاق عن هبيرة بن يريم قال: لما توفي علي بن أبي طالب قام الحسن بن علي فصعد المنبر فقال: أيها الناس، قد قبض الليلة رجل لم يسبقه الأولون ولا

(3/38)


يدركه الآخرون، قد كان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يبعثه المبعث فيكتنفه جبريل عن يمينه وميكائيل عن شماله فلا ينثني حتى يفتح الله له، وما ترك إلا سبعمائة درهم أراد أن يشتري بها خادما، ولقد قبض في الليلة التي عرج فيها بروح عيسى بن مريم ليلة سبع وعشرين من رمضان.
قال: أخبرنا أبو معاوية الضرير عن حجاج عن أبي إسحاق عن عمرو بن الأصم قال: قيل للحسن بن علي إن ناسا من شيعة أبي الحسن علي، عليه السلام، يزعمون أنه دابة الأرض وأنه سيبعث قبل يوم القيامة، فقال: كذبوا ليس أولئك شيعته، أولئك أعداؤه، لو علمنا ذلك ما قسمنا ميراثه ولا أنكحنا نساءه. قال بن سعد: هكذا قال عن عمرو ابن الأصم.
قال: أخبرنا أسباط بن محمد عن مطرف عن أبي إسحاق عن عمرو بن الأصم قال: دخلت على الحسن بن علي وهو في دار عمرو بن حريث فقلت له: إن ناسا يزعمون أن عليا يرجع قبل يوم القيامة، فضحك وقال: سبحان الله! لو علمنا ذلك ما زوجنا نساؤه ولا ساهمنا ميراثه. قالوا وكان عبد الرحمن بن ملجم في السجن، فلما مات علي، رضوان الله عليه ورحمته وبركاته، ودفن بعث الحسن بن علي إلى عبد الرحمن بن ملجم فأخرجه من السجن ليقتله، فاجتمع الناس وجاؤوه بالنفط والبواري والنار فقالوا نحرقه، فقال عبد الله بن جعفر وحسين بن علي ومحمد بن الحنفية: دعونا حتى نشفي أنفسنا منه، فقطع عبد الله بن جعفر يديه ورجليه فلم يجزع ولم يتكلم، فكحل عينيه بمسمار محمى فلم يجزع وجعل يقول: إنك لتكحل عيني عمك بملمول مض، وجعل يقول: اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، حتى أتى على آخر السورة كلها وإن عينيه لتسيلان، ثم أمر به فعولج عن لسانه ليقطعه فجزع، فقيل له: قطعنا يديك ورجليك وسملنا عينيك يا عدو الله فلم تجزع

(3/39)


فلما صرنا إلى لسانك جزعت؟ فقال: ما ذاك مني من جزع إلا أني أكره أن أكون في الدنيا فواقا لا أذكر الله، فقطعوا لسانه ثم جعلوه في قوصرة وأحرقوه بالنار، والعباس بن علي يومئذ صغير فلم يستأذن به بلوغه، وكان عبد الرحمن بن ملجم رجلا أسمر حسن الوجه أفلج شعره مع شحمة أذنيه، في جبهته أثر السجود. قالوا وذهب بقتل علي، عليه السلام، إلى الحجاز سفيان بن أمية بن أبي سفيان بن أمية بن عبد شمس فبلغ ذلك عائشة فقالت:
فألقت عصاها واستقرت بها النوى ... كما قر عينا بالإياب المسافر
ذكر زيد الحب
زيد الحب زيد الحب بن حارثة بن شراحيل بن عبد العزى بن امرئ القيس بن عامر بن النعمان بن عامر بن عبد ود، وسماه أبوه بضمة، ابن عوف بن كنانة بن عوف بن عذرة بن زيد اللات بن رفيدة بن ثور بن كلب بن وبرة بن تغلب بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة، واسمه عمرو وإنما سمي قضاعة لأنه انقضع عن قومه، ابن مالك بن عمرو بن مرة بن مالك بن حمير بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، وإلى قحطان جماع اليمن، وأم زيد بن حارثة سعدى بنت ثعلبة بن عبد عامر بن أفلت بن سلسلة من بني معن من طيء، فزارت سعدى أم زيد بن حارثة قومها وزيد معها، فأغارت خيل لبني القين بن جسر في الجاهلية فمروا على أبيات بني معن رهط أم زيد، فاحتملوا زيدا إذ هو يومئذ غلام يفعة قد أوصف، فوافوا به سوق عكاظ فعرضوه للبيع فاشتراه منهم حكيم بن حزام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي لعمته خديجة بنت

(3/40)


خويلد بأربع مائة درهم، فلما تزوجها رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وهبته له فقبضه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وقد كان أبوه حارثة بن شراحيل حين فقده قال:
بكيت على زيد ولم أدر ما فعل ... أحي فيرجى أم أتى دونه الأجل
فو الله ما أدري وإن كنت سائلا ... أغالك سهل الأرض أم غالك الجبل
فيا ليت شعري هل لك الدهر رجعة ... فحسبي من الدنيا رجوعك لي بجل
تذكرنيه الشمس عند طلوعها ... وتعرض ذكراه إذا قارب الطفل
وإن هبت الأرواح هيجن ذكره ... فيا طول ما حزني عليه ويا وجل!
سأعمل نص العيس في الأرض جاهدا ... ولا أسأم التطواف أو تسأم الإبل
حياتي أو تأتي علي منيتي ... وكل امرئ فان وإن غره الأمل
وأوصي به قيسا وعمرا كليهما ... وأوصي يزيدا ثم من بعدهم جبل يعني جبلة بن حارثة أخا زيد وكان أكبر من زيد، ويعني يزيد أخا زيد لأمه، وهو يزيد بن كعب بن شراحيل، قال فحج ناس من كلب فرأوا زيدا فعرفهم وعرفوه فقال: بلغوا أهلي هذه الأبيات فإني أعلم أنهم قد جزعوا علي، وقال:
ألكني إلى قومي وإن كنت نائيا ... بأني قطين البيت عند المشاعر
فكفوا من الوجد الذي قد شجاكم ... ولا تعملوا في الأرض نص الأباعر
فإني بحمد الله في خير أسرة ... كرام معد كابرا بعد كابر قال: فانطلق الكلبيون وأعلموا أباه فقال: ابني ورب الكعبة! ووصفوا له موضعه وعند من هو فخرج حارثة وكعب ابنا شراحيل بفدائه

(3/41)


وقدما مكة فسألا عن النبي، صلى الله عليه وسلم، فقيل هو في المسجد، فدخلا عليه فقالا: يا بن عبد الله، يا بن عبد المطلب، يا بن هاشم، يا بن سيد قومه، أنتم أهل الحرم وجيرانه وعند بيته تفكون العاني وتطعمون الأسير، جئناك في ابننا عندك، فامنن علينا وأحسن إلينا في فدائه فإنا سنرفع لك في الفداء. قال: من هو؟ قالوا: زيد بن حارثة، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: فهل أنتم لغير ذلك؟ قالوا: ما هو؟ قال: دعوه فخيروه فإن اختاركم فهو لكما بغير فداء، وإن اختارني فو الله ما أنا بالذي أختار على من اختارني أحدا، قالا: قد زدتنا على النصف وأحسنت، قال فدعاه فقال: هل تعرف هؤلاء؟ قال: نعم. قال: من هما؟ قال: هذا أبي وهذا عمي، قال: فإنا من قد علمت ورأيت صحبتي لك فاخترني أو اخترهما، فقال زيد: ما أنا بالذي أختار عليك أحدا، أنت مني بمكان الأب والأم، فقالا: ويحك يا زيد أتختار العبودية على الحرية وعلى أبيك وعمك وأهل بيتك؟ قال: نعم، إني قد رأيت من هذا الرجل شيئا ما أنا بالذي أختار عليه أحدا أبدا. فلما رأى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ذلك أخرجه إلى الحجر فقال: يا من حضر اشهدوا أن زيدا ابني أرثه ويرثني، فلما رأى ذلك أبوه وعمه طابت أنفسهما وانصرفا، فدعي زيد بن محمد حتى جاء الله بالإسلام. هذا كله حدثنا به هشام بن محمد بن السائب الكلبي عن أبيه وعن جميل بن مرثد الطائي وغيرهما، وقد ذكر بعض هذا الحديث عن أبيه عن أبي صالح عن بن عباس وقال في إسناده عن ابن عباس: فزوجه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، زينب بنت جحش بن رئاب الأسدية، وأمها أميمة بنت عبد المطلب بن هاشم، فطلقها زيد بعد ذلك فتزوجها رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فتكلم المنافقون في ذلك وطعنوا فيه، وقالوا: محمد يحرم نساء الولد وقد تزوج امرأة ابنه زيد، فأنزل الله جل جلاله: ما كان محمد أبا أحد من رجالكم

(3/42)


ولكن رسول الله وخاتم النبيين، إلى آخر الآية، وقال: أدعوهم لآبائهم، فدعي يومئذ زيد بن حارثة ودعي الأدعياء إلى آبائهم، فدعي المقداد إلى عمرو وكان يقال له قبل ذلك المقداد بن الأسود، وكان الأسود بن عبد يغوث الزهري قد تبناه.
قال: أخبرنا حجاج بن محمد قال: أخبرنا بن جريج قال: أخبرني موسى بن عقبة عن سالم بن عبد الله أنه حدثه عن عبد الله بن عمر أنه قال في زيد بن حارثة: ما كنا ندعوه إلا زيد بن محمد حتى نزلت: أدعوهم لآبائهم.
قال: أخبرنا عفان بن مسلم قال: أخبرنا وهيب بن خالد قال: وأخبرني المعلى بن أسد عن عبد العزيز بن المختار قالا جميعا: أخبرنا موسى بن عقبة قال: حدثني سالم بن عبد الله بن عمر عن عبد الله بن عمر عن زيد بن حارثة الكلبي مولى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أن عبد الله بن عمر قال: ما كنا ندعوه إلا زيد بن محمد حتى نزل القرآن: أدعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله.
قال: أخبرنا أبو داود عن سفيان عن نسير عن علي بن حسين، ما كان محمد أبا أحد من رجالكم، قال: نزلت في زيد.
قال: أخبرنا عارم بن الفضل قال، أخبرنا حماد بن زيد عن ثابت قال: كان يقال زيد بن محمد.
قال: أخبرنا عبيد الله بن موسى عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن هبيرة وهانئ بن هانئ عن علي وعن أبي إسحاق عن البراء بن عازب أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: لزيد بن حارثة في حديث ابنة حمزة: أنت أخونا ومولانا.
قال: أخبرنا إسماعيل بن عبد الله بن خالد السكري الرقي قال: أخبرنا محمد بن سلمة عن محمد بن إسحاق عن يزيد بن عبد الله بن قسيط

(3/43)


عن محمد بن أسامة بن زيد عن أبيه أسامة بن زيد قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لزيد بن حارثة: يا زيد أنت مولاي ومني وإلي وأحب القوم إلي.
قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: أخبرنا محمد بن الحسن بن أسامة بن زيد عن أبيه قال: كان بين رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وبين زيد بن حارثة عشر سنين، رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أكبر منه، وكان زيد رجلا قصيرا آدم شديد الأدمة، في أنفه فطس، وكان يكنى أبا أسامة.
قال: أخبرنا محمد بن عمر، حدثني بن موهب عن نافع بن جبير قال: وحدثني محمد بن الحسن بن أسامة عن الحسن المازني عن يزيد عن عبد الله بن قسيط عن محمد بن أسامة بن زيد قال: وحدثني ربيعة بن عثمان عن عمران بن أبي أنس قال: وحدثنا مصعب بن ثابت عن أبي الأسود عن سليمان بن يسار قال: وحدثنا بن أبي ذئب عن الزهري قالوا: أول من أسلم زيد بن حارثة.
قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثني محمد بن صالح عن عمران بن مناح قال: لما هاجر زيد بن حارثة إلى المدينة نزل على كلثوم بن الهدم، قال محمد بن صالح، وأما عاصم بن عمر بن قتادة فقال: نزل على سعد بن خيثمة.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: أخبرنا موسى بن محمد بن إبراهيم عن أبيه قال: وأخبرنا عبد الله بن جعفر عن بن أبي عون وسعد بن إبراهيم، قال: وحدثنا محمد بن صالح عن عاصم بن عمر قالوا: آخى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بين زيد بن حارثة وحمزة بن عبد المطلب، وآخى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بين زيد بن حارثة وأسيد بن خضير.
قال: أخبرنا هشام بن محمد بن السائب الكلبي عن أبيه وعن شرقي

(3/44)


ابن قطامي وغيرهما قالوا: أقبلت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، وأمها أروى بنت كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس، وأمها أم حكيم وهي البيضاء بنت عبد المطلب بن هاشم، مهاجرة إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، بالمدينة فخطبها الزبير بن العوام وزيد بن حارثة وعبد الرحمن بن عوف وعمرو بن العاص، فاستشارت أخاها لأمها عثمان بن عفان فأشار عليها أن تأتي النبي، صلى الله عليه وسلم، فأتته فأشار عليها بزيد بن حارثة فتزوجته فولدت له زيد بن زيد ورقية، فهلك زيد وهو صغير، وماتت رقية في حجر عثمان، وطلق زيد بن حارثة أم كلثوم وتزوج درة بنت أبي لهب ثم طلقها وتزوج هند بنت العوام أخت الزبير بن العوام، ثم زوجه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أم أيمن حاضنة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ومولاته وجعل له الجنة، فولدت له أسامة فكان يكنى به. وشهد زيد بدرا وأحدا واستخلفه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، على المدينة حين خرج النبي، صلى الله عليه وسلم، إلى المريسيع، وشهد الخندق والحديبية وخيبر، وكان من الرماة المذكورين من أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم.
قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثني محمد بن الحسن بن أسامة عن أبي الحويرث قال: خرج زيد بن حارثة أمير سبع سرايا أولها القردة، فاعترض للعير فأصابوها وأفلت أبو سفيان بن حرب وأعيان القوم، وأسر فرات بن حيان العجلي يومئذ، وقدم بالعير على النبي، صلى الله عليه وسلم، فخمسها.
قال: أخبرنا الضحاك بن مخلد أبو عاصم قال: أخبرنا يزيد بن أبي عبيد عن سلمة بن الأكوع قال: غزوت مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، سبع غزوات ومع زيد بن حارثة تسع غزوات يؤمره رسول الله، صلى الله عليه وسلم، علينا.

(3/45)


قال: أخبرنا محمد بن عبيد قال: حدثني وائل بن داود قال: سمعت البهي يحدث أن عائشة قالت: ما بعث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، زيد بن حارثة في جيش قط إلا أمره عليهم ولو بقي بعده استخلفه.
قال، قال محمد بن عمر: أول سرية خرج فيها زيد سريته إلى القردة، ثم سريته إلى الجموم، ثم سريته إلى العيص، ثم سريته إلى الطرف، ثم سريته إلى حسمى، ثم سريته إلى أم قرفة، ثم عقد له رسول الله، صلى الله عليه وسلم، على الناس في غزوة مؤتة وقدمه على الأمراء، فلما التقى المسلمون والمشركون كان الأمراء يقاتلون على أرجلهم فأخذ زيد بن حارثة اللواء فقاتل وقاتل الناس معه، والمسلمون على صفوفهم، فقتل زيد طعنا بالرماح شهيدا فصلى عليه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وقال: استغفروا له وقد دخل الجنة وهو يسعى. وكانت مؤتة في جمادي الأولى سنة ثمان من الهجرة، وقتل زيد يومئذ وهو بن خمس وخمسين سنة.
قال: أخبرنا أبو معاوية الضرير ويزيد بن هارون ومحمد بن عبيد الطنافسي قالوا: أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد عن أبي إسحاق عن أبي ميسرة قال: لما بلغ رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قتل زيد بن حارثة وجعفر وابن رواحة قام نبي الله صلى الله عليه وسلم فذكر شأنهم فبدأ يزيد فقال: اللهم اغفر لزيد، اللهم اغفر لزيد، اللهم اغفر لزيد، اللهم اغفر لجعفر ولعبد الله بن رواحة.
أخبرنا الفضل بن دكين وعبد الملك بن عمرو وأبو أسامة وسليمان بن حرب قالوا: أخبرنا الأسود بن شيبان عن خالد بن شمير عن عبد الله بن رياح الأنصاري، سمعه يقول أخبرنا أبو قتادة الأنصاري فارس رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: بعث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، جيش الأمراء فقال: عليكم زيد بن حارثة فإن أصيب زيد فجعفر

(3/46)


ابن أبي طالب، فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة، قال فوثب جعفر فقال: يا رسول الله ما كنت أرهب أن تستعمل علي زيدا، فقال: أمضه فإنك لا تدري أي ذلك خير.
قال: أخبرنا سليمان بن حرب قال: أخبرنا حماد بن زيد عن خالد بن شمير قال: لما أصيب زيد بن حارثة أتاهم النبي، صلى الله عليه وسلم، قال فجهشت بنت زيد في وجه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فبكى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حتى انتحب فقال له سعد بن عبادة: يا رسول الله ما هذا؟ قال: هذا شوق الحبيب إلى حبيبه.
ذكر أبي مرثد الغنوي
أبو مرثد الغنوي حليف حمزة بن عبد المطلب، واسم أبي مرثد كناز بن الحصين بن يربوع بن طريف بن خرشة بن عبيد بن سعد بن عوف بن كعب بن جلان بن غنم بن يحيى بن يعصر بن سعد بن قيس بن عيلان بن مضر؛ وكان تربا لحمزة بن عبد المطلب، وكان رجلا طوالا كثير شعر الرأس، وآخى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بين أبي مرثد وعبادة بن الصامت في رواية محمد بن إسحاق ومحمد بن عمر.
قال: أخبرنا محمد بن عمر، حدثني محمد بن صالح عن عمران بن مناح قال: لما هاجر أبو مرثد الغنوي وابنه مرثد بن أبي مرثد إلى المدينة نزلا على كلثوم بن الهدم، قال محمد بن صالح، وأما عاصم بن عمر بن قتادة فقال: نزلا على سعد بن خيثمة. قال محمد بن عمر: فشهد أبو مرثد بدرا وأحدا والخندق والمشاهد كلها مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ومات بالمدينة قديما في خلافة أبي بكر سنة اثنتي عشرة وهو يومئذ بن ست وستين سنة.

(3/47)


ذكر مرثد بن أبي مرثد الغنوي
حليف حمزة بن عبد المطلب، آخى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بينه وبين أوس بن الصامت أخي عبادة بن الصامت.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: أخبرنا سعد بن مالك الغنوي عن آبائه قال: شهد مرثد بن أبي مرثد الغنوي يوم بدر على فرس يقال له السبل. قال محمد بن عمر: وشهد أحدا وقتل يوم الرجيع شهيدا، وكان أميرا في هذه السرية وذلك في صفر، على رأس ستة وثلاثين شهرا من مهاجر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إلى المدينة.
ذكر أنسة مولى رسول الله، صلى الله عليه وسلم
قال: أخبرنا محمد بن عمر، حدثني محمد بن صالح بن دينار التمار عن عمران بن مناح مولى بني عامر بن لؤي قال: لما هاجر أنسة مولى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، نزل على كلثوم بن الهدم، قال محمد بن صالح، وأما عاصم بن عمر فقال نزل على سعد بن خيثمة.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: أخبرنا إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة عن داود بن الحصين عن عكرمة عن بن عباس قال: قتل أنسة مولى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يوم بدر. قال محمد بن عمر: وليس ذلك عندنا بثبت، ورأيت أهل العلم يثبتون أنه لم يقتل ببدر وقد شهد أحدا وبقي بعد ذلك زمانا.
قال: أخبرنا محمد بن عمر، حدثني عبد الرحمن بن أبي الزناد عن محمد بن يوسف قال: مات أنسة بعد النبي، صلى الله عليه وسلم، في

(3/48)


ولاية أبي بكر الصديق وكان من مولدي السراة، وكان يكنى أبا مسرح، قال فحدثني من سمع يونس بن يزيد الأيلي يخبر عن الزهري أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، كان يأذن بعد الظهر وهي السنة ويأذن عليه أنسة مولاه.
أبو كبشة
مولى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، واسمه سليم من مولدي أرض دوس.
قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: أخبرنا محمد بن صالح عن عمران بن مناح قال: لما هاجر أبو كبشة مولى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إلى المدينة نزل على أم كلثوم بن الهدم، قال محمد بن صالح، وأما عاصم بن عمر بن قتادة فقال: نزل على سعد بن خيثمة. قال محمد بن عمر: شهد أبو كبشة مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بدرا وأحدا والمشاهد كلها، وتوفي يوم استخلف عمر بن الخطاب وذلك يوم الثلاثاء لثمان بقين من جمادي الآخرة سنة ثلاث عشرة من الهجرة.
ذكر صالح شقران
غلام رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وكان لعبد الرحمن بن عوف فأعجب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فأخذه منه بالثمن، وكان عبدا حبشيا وهو صالح بن عدي، شهد بدرا وهو مملوك فاستعمله رسول الله

(3/49)


صلى الله عليه وسلم، على الأسرى ولم يسهم له، فجزاه كل رجل له أسير فأصاب أكثر مما أصاب رجل من القوم من المقسم. وحضر بدرا أيضا ثلاثة أعبد مماليك: غلام لعبد الرحمن بن عوف، وغلام لحاطب بن أبي بلتعة، وغلام لسعد بن معاذ، فجزاهم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ولم يسهم لهم.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: أخبرنا أبو بكر بن عبد الله بن أبي سبرة عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي جهم العدوي قال: استعمل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، شقران مولاه على جمع ما وجد في رجال أهل المريسيع من رثة المتاع والسلاح والنعم والشاء وجميع الذرية ناحية، وأوصى له رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عند وفاته، وكان فيمن حضر غسل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، مع أهل بيته، وكانوا ثمانية سوى شقران.
ومن بني المطلب بن عبد مناف بن قصي
عبيدة بن الحارث
ابن عبد المطلب بن عبد مناف بن قصي، وأمه سخيلة بنت خزاعي بن الحويرث بن حبيب بن مالك بن الحارث بن حطيط بن جشم بن قسي، وهو ثقيف، وكان لعبيدة من الولد معاوية وعون ومنقذ والحارث ومحمد وإبراهيم وريطة وخديجة وسخيلة وصفية لأمهات أولاد شتى، وكان عبيدة أسن من رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بعشر سنين، وكان يكنى أبا الحارث، أيضا وكان مربوعا أسمر حسن الوجه.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: أخبرنا محمد بن صالح عن يزيد

(3/50)


ابن رومان قال: أسلم عبيدة بن الحارث قبل دخول رسول الله، صلى الله عليه وسلم، دار الأرقم بن أبي الأرقم وقبل أن يدعو فيها.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: أخبرنا حكيم بن محمد عن أبيه قال: خرج عبيدة والطفيل والحصين بنو الحارث بن المطلب ومسطح بن أثاثة بن المطلب من مكة للهجرة فاتعدوا بطن ناجح، فتخلف مسطح لأنه لدغ، فلما أصبحوا جاءهم الخبر فانطلقوا إليه فوجدوه بالحصاص فحملوه فقدموا المدينة فنزلوا على عبد الرحمن بن سلمة العجلاني.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: أخبرنا محمد بن عبد الله عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال: أقطع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لعبيدة بن الحارث والطفيل وأخويه موضع خطبتهم اليوم بالمدينة فيما بين بقيع الزبير وبني مازن.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني موسى بن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي عن أبيه قال: آخى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بين عبيدة بن الحارث وبلال، وآخى بين عبيدة بن الحارث وعمير بن الحمام الأنصاري، وقتلا جميعا يوم بدر.
قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: أخبرنا معاذ بن محمد الأنصاري عن عبد الله بن عبد الله بن أبي صعصعة قال: كان أول لواء عقده رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بعد أن قدم المدينة لحمزة بن عبد المطلب، ثم عقد بعده لواء عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب وبعثه في ستين راكبا فلقوا أبا سفيان بن حرب بن أمية وهو في مائتين على ماء يقال له أحياء من بطن رابغ، فلم يكن بينهم يومئذ إلا الرمي لم يسلوا سيفا ولم يدن بعضهم من بعض، وكان أول من رمى يومئذ سعد بن أبي وقاص.
قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثني يونس بن محمد الظفري عن أبيه قال: قتل عبيدة بن الحارث شيبة بن ربيعة يوم بدر فدفنه

(3/51)


رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بالصفراء، قال يونس: أراني أبي قبر عبيدة بن الحارث بذات أجذال بالمضيق أسفل من عين الجدول وذلك من الصفراء، وكان عبيدة قتل بن ثلاث وستين سنة.
ذكر الطفيل بن الحارث
الطفيل بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف بن قصي، وأمه سخيلة بنت خزاعي الثقفية وهي أم عبيدة بن الحارث، وكان للطفيل من الولد عامر بن الطفيل. وآخى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بين الطفيل بن الحارث والمنذر بن محمد بن عقبة بن أحيحة بن الجلاح، هذا في رواية محمد بن عمر، وأما في رواية محمد بن إسحاق فإنه آخى بين الطفيل بن الحارث وسفيان بن نسر بن عمرو بن الحارث بن كعب بن زيد بن الحارث الأنصاري. قال محمد بن عمر: وشهد الطفيل بدرا وأحدا والمشاهد كلها مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وتوفي في سنة اثنتين وثلاثين وهو بن سبعين سنة.
ذكر الحصين بن الحارث
الحصين بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف بن قصي، وأمه سخيلة بنت خزاعي الثقفية، وهي أم عبيدة والطفيل ابني الحارث، وكان للحصين من الولد عبد الله الشاعر وأمه أم عبد الله بنت عدي بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي، وآخى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بين الحصين بن الحارث ورافع بن عنجدة، هذا في رواية محمد بن عمر، وأما في

(3/52)


رواية محمد بن إسحاق فإنه آخى بين الحصين وعبد الله بن جبير أخي خوات بن جبير. قال محمد بن عمر: وشهد الحصين بدرا وأحدا والمشاهد كلها مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وتوفي بعد الطفيل بن الحارث بأشهر في سنة اثنتين وثلاثين.
ذكر مسطح بن أثاثة
مسطح بن أثاثة بن عباد بن المطلب بن عبد مناف بن قصي، ويكنى أبا عباد، وأمه أم مسطح بنت أبي رهم بن المطلب بن عبد مناف بن قصي، وكانت من المبايعات وآخى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بين مسطح بن أثاثة وزيد بن المزيد، هذا في رواية محمد بن إسحاق. قال محمد بن عمر: وشهد مسطح بدرا وأحدا والمشاهد كلها مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وأطعمه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وابن إلياس بخيبر خمسين وسقا، وتوفي سنة أربع وثلاثين وهو يومئذ بن ست وخمسين سنة.
ومن بني عبد شمس بن عبد مناف بن قصي
عثمان بن عفان، رحمه الله
ابن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي، وأمه أروى بنت كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي، وأمها أم حكم، وهي البيضاء بنت عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي، وكان عثمان في الجاهلية يكنى أبا عمرو، فلما كان الإسلام

(3/53)


ولد له من رقية بنت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، غلام سماه عبد الله واكتنى به فكناه المسلمون أبا عبد الله، فبلغ عبد الله ست سنين فنقره ديك على عينيه فمرض فمات في جمادي الأولى سنة أربع من الهجرة، فصلى عليه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ونزل في حفرته عثمان بن عفان. وكان لعثمان، رضي الله عنه، من الولد، سوى عبد الله بن رقية، عبد الله الأصغر درج، وأمه فاخته بنت غزوان بن جابر بن نسيب بن وهيب بن زيد بن مالك بن عبد بن عوف بن الحارث بن مازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان، وعمرو، وخالد، وأبان، وعمر، ومريم، وأمهم أم عمرو بنت جندب بن عمرو بن حممة بن الحارث بن رفاعة بن سعد بن ثعلبة بن لؤي بن عامر بن غنم بن دهمان بن منهب بن دوس من الأزد، والوليد بن عثمان، وسعيد، وأم سعيد، وأمهم فاطمة بنت الوليد بن عبد شمس بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، وعبد الملك بن عثمان درج، وأمه أم البنين بنت عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري، وعائشة بنت عثمان، وأم أبان، وأم عمرو وأمهن رملة بنت شيبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي، ومريم بنت عثمان، وأمها نائلة بنت الفرافصة بن الأحوص بن عمرو بن ثعلبة بن الحارث بن حصن بن ضمضم بن عدي بن جناب من كلب، وأم البنين بنت عثمان، وأمها أم ولد وهي التي كانت عند عبد الله بن يزيد بن أبي سفيان.

(3/54)


ذكر إسلام عثمان بن عفان، رضي الله عنه
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني محمد بن صالح عن يزيد بن رومان قال: خرج عثمان بن عفان وطلحة بن عبيد الله على أثر الزبير بن العوام فدخلا على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فعرض عليهما الإسلام وقرأ عليهما القرآن وأنبأهما بحقوق الإسلام ووعدهما الكرامة من الله، فآمنا وصدقا فقال عثمان: يا رسول الله قدمت حديثا من الشام فلما كنا بين معان والزرقاء فنحن كالنيام إذا مناد ينادينا أيها النيام هبوا فإن أحمد قد خرج بمكة، فقدمنا فسمعنا بك. وكان إسلام عثمان قديما قبل دخول رسول الله، صلى الله عليه وسلم، دار الأرقم.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني موسى بن محمد بن إبراهيم بن حارث التيمي عن أبيه قال: لما أسلم عثمان بن عفان أخذه عمه الحكم بن أبي العاص بن أمية فأوثقه رباطا وقال: أترغب عن ملة آبائك إلى دين محدث؟ والله لا أحلك أبدا حتى تدع ما أنت عليه من هذا الدين. فقال عثمان: والله لا أدعه أبدا ولا أفارقه. فلما رأى الحكم صلابته في دينه تركه.
قالوا: فكان عثمان ممن هاجر من مكة إلى أرض الحبشة الهجرة الأولى والهجرة الثانية، ومعه فيهما جميعا امرأته رقية بنت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: إنهما لأول من هاجر إلى الله بعد لوط.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: أخبرنا عبد الجبار بن عمارة قال: سمعت عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، قال محمد بن عمر وأخبرنا موسى بن يعقوب الزمعي عن محمد بن جعفر بن الزبير قالا: لما هاجر عثمان من مكة إلى المدينة نزل على أوس بن ثابت أخي حسان بن

(3/55)


ثابت في بني النجار.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: أخبرنا محمد بن عبد الله عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال: لما أقطع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، الدور بالمدينة خط لعثمان بن عفان داره اليوم، ويقال إن الخوخة التي في دار عثمان اليوم وجاه باب النبي الذي كان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يخرج منه إذا دخل بيت عثمان.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني موسى بن محمد بن إبراهيم عن أبيه قال: آخى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بين عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف، وآخى بين عثمان وأوس بن ثابت أبي شداد بن أوس، ويقال أبي عبادة سعد بن عثمان الزرقي.
قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثني أبو بكر بن عبد الله بن أبي سبرة عن المسور بن رفاعة عن عبد الله بن مكنف بن حارثة الأنصاري قال: لما خرج رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إلى بدر خلف عثمان على ابنته رقية، وكانت مريضة فماتت، رضي الله عنها، يوم قدم زيد بن حارثة المدينة بشيرا بما فتح الله على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ببدر. وضرب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لعثمان بسهمه وأجره في بدر فكان كمن شهدها.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: وقال غير بن أبي سبرة: وزوج رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عثمان بعد رقية أم كلثوم بنت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فماتت عنده، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: لو كان عندي ثالثة زوجتها عثمان.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني عائذ بن يحيى عن أبي الحويرث قال: استخلف رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عن المدينة في غزوته إلى ذات الرقاع عثمان بن عفان، واستخلفه رسول الله، صلى

(3/56)


الله عليه وسلم، أيضا على المدينة في غزوته إلى غطفان بذي أمر بنجد.
قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثني أبو بكر بن عبد الله بن أبي سبرة عن موسى بن سعد مولى أسد بن عبد العزى عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عن أبيه قال سمعته يقول: ما رأيت أحدا من أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، كان إذا حدث أتم حديثا ولا أحسن من عثمان بن عفان، إلا أنه كان رجلا يهاب الحديث.
ذكر لباس عثمان
قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثني عتبة بن جبيرة عن الحصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ عن محمود بن لبيد: أنه رأى عثمان بن عفان على بغلة له ،عليه ثوبان أصفران، له غديرتان.
قال: أخبرنا يزيد بن هارون ومحمد بن إسماعيل بن أبي فديك قالا: أخبرنا بن ذئب عن عبد الرحمن بن سعد مولى الأسود بن سفيان قال: رأيت عثمان بن عفان وهو يبني الزوراء، على بغلة شهباء مضفرا لحيته، لم يقل بن أبي فديك على بغلة شهباء وقاله يزيد.
قال: أخبرنا خالد بن مخلد قال: حدثني الحكم بن الصلت قال حدثني أبي قال: رأيت عثمان بن عفان يخطب وعليه خميصة سوداء وهو مخضوب بحناء.
قال: أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا شريك بن عبد الله قال: حدثني شيخ من الحاطبيين عن أبيه قال: رأيت على عثمان قميصا قوهيا على المنبر.
قال: أخبرنا هشيم بن بشير عن حصين عن عمرو بن جاوان

(3/57)


عن الأحنف بن قيس قال: رأيت على عثمان بن عفان ملاءة صفراء.
قال: أخبرنا خالد بن مخلد قال: أخبرنا إسحاق بن يحيى بن طلحة عن موسى بن طلحة قال: رأيت عثمان بن عفان وعليه ثوبان ممصران.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: أخبرنا عبد الله بن محمد عن ثابت بن عجلان عن سليم أبي عامر قال: رأيت على عثمان بن عفان بردا يمانيا ثمن مائة درهم.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: أخبرنا بن أبي سبرة عن مروان بن أبي سعيد المعلى قال: حدثني الأعرج عن محمد بن ربيعة بن الحارث قال: كان أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يوسعون على نسائهم في اللباس الذي يصان ويتجمل به، ثم يقول: رأيت على عثمان مطرف خز ثمن مائتي درهم، فقال هذا لنائلة كسوتها إياه فأنا ألبسه أسرها به.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: سألت عمرو بن عبد الله بن عنبسة، وعروة بن خالد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان، وعبد الرحمن بن أبي الزناد عن صفة عثمان فلم أر بينهم اختلافا قالوا: كان رجلا ليس بالقصير ولا بالطويل، حسن الوجه، رقيق البشرة، كبير اللحية عظيمها، أسمر اللون، عظيم الكراديس، بعيد ما بين المنكبين، كثير شعر الرأس، يضفر لحيته.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: أخبرنا واقد بن أبي ياسر أن عثمان كان يشد أسنانه بالذهب.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: أخبرنا واقد بن أبي ياسر عن عبيد الله بن دارة: أن عثمان كان قد سلس بوله عليه فداواه ثم أرسله، فكان يتوضأ لكل صلاة.
قال: أخبرنا معن بن عيسى قال: أخبرنا سليمان بن بلال عن جعفر بن محمد عن أبيه أن عثمان تختم في اليسار.

(3/58)


قال: أخبرنا قبيصة بن عقبة قال: أخبرنا سفيان عن عمر بن سعيد قال: كان عثمان بن عفان إذا ولد له ولد دعا به وهو في خرقة فيشمه، فقيل له: لم تفعل هذا؟ فقال: إني أحب إن أصابه شيء أن يكون قد وقع له في قلبي شيء، يعني الحب.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: أخبرنا إسحاق بن يحيى عن عمه موسى بن طلحة قال: رأيت عثمان يخرج يوم الجمعة عليه ثوبان أصفران فيجلس على المنبر فيؤذن المؤذن وهو يتحدث يسأل عن أسعارهم وعن قدامهم وعن مرضاهم، ثم إذا سكت المؤذن قام يتوكأ على عصا عقفاء فيخطب وهي في يده، ثم يجلس جلسة فيبتديء كلام الناس فيسألهم كمسألته الأولى، ثم يقوم فيخطب، ثم ينزل ويقيم المؤذن.
قال: أخبرنا هشام بن عبد الملك أبو الوليد الطيالسي قال: أخبرنا هشيم قال: أخبرني محمد بن قيس عن موسى بن طلحة بن عبيد الله قال: رأيت عثمان بن عفان والمؤذن يؤذن وهو يحدث الناس، يسألهم ويستخبرهم عن الأسعار والأخبار.
قال: أخبرنا محمد بن ربيعة عن أم غراب عن بنانة قالت: كان عثمان يتنشف بعد الوضوء.
قال: أخبرنا محمد بن ربيعة عن أم غراب عن بنانة أن عثمان كان يتمطر.
قال: أخبرنا محمد بن ربيعة عن أم غراب عن بنانة قالت: كان عثمان إذا اغتسل جئته بثيابه فيقول لي: لا تنظري إلي فإنه لا يحل لك قالت: وكنت لامرأته.
قال: أخبرنا محمد بن ربيعة عن أم غراب عن بناته أن عثمان كان أبيض اللحية.
قال: أخبرنا أبو أسامة حماد بن أسامة عن علي بن مسعدة عن

(3/59)


عبد الله الرومي قال: كان عثمان يلي وضوء الليل بنفسه، قال فقيل له: لو أمرت بعض الخدم فكفوك، فقال: لا، الليل لهم يستريحون فيه.
قال: أخبرنا عفان بن مسلم قال: أخبرنا وهيب بن خالد قال: أخبرنا خالد الحذاء عن أبي قلابة عن أنس بن مالك عن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: أصدق أمتي حياء عثمان.
قال: أخبرنا عفان بن مسلم قال: أخبرنا سليم بن أخضر قال: حدثني بن عون عن محمد قال: كان أعلمهم بالمناسك بن عفان، وبعده بن عمر.
قال: أخبرنا روح بن عبادة وعفان بن مسلم قالا: أخبرنا حماد بن سلمة قال: أخبرنا عبد الله بن عثمان بن خثيم عن إبراهيم عن عكرمة عن بن عباس في قوله: هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم، قال: عثمان بن عفان.
قال: أخبرنا عارم بن الفضل قال: أخبرنا وهيب بن خالد عن يونس بن عبيد عن الحسن قال: رأيت عثمان ينام في المسجد متوسدا رداءه.
قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن الوليد الأزرقي قال: أخبرنا مسلم بن خالد الزنجي قال: حدثني عبد الرحيم عن هشام بن عروة عن أبيه أن عثمان بن عفان لم يستشهد في وصيته.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: أخبرنا عمرو بن عثمان بن هانئ عن عبيد الله بن دارة قال: كان عثمان رجلا تاجرا في الجاهلية والإسلام وكان يدفع ماله قراضا.
قال: أخبرنا محمد بن عمر وشبل بن العلاء عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه أن عثمان دفع إليه مالا مضاربة على النصف.

(3/60)


ذكر الشورى وما كان أمرهم
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني شرحبيل بن أبي عون عن أبيه عن المسور بن مخرمة قال: كان عمر بن الخطاب وهو صحيح يسأل أن يستخلف فيأبى، فصعد يوما المنبر بكلمات وقال: إن مت فأمركم إلى هؤلاء الستة الذين فارقوا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وهو عنهم راض: علي بن أبي طالب، ونظيره الزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف، ونظيره عثمان بن عفان، وطلحة بن عبيد الله، ونظيره سعد بن مالك. ألا وإني أوصيكم بتقوى الله في الحكم والعدل في القسم.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: أخبرنا عبد الله بن جعفر الأزهري عن أبي جعفر قال: قال عمر بن الخطاب لأصحاب الشورى: تشاوروا في أمركم فإن كان اثنان وإثنان فارجعوا في الشورى، وإن كان أربعة واثنان فخذوا صنف الأكثر.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: أخبرنا هشام بن سعد وعبد الله بن زيد بن أسلم عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر قال: وإن اجتمع رأي ثلاثة وثلاثة فاتبعوا صنف عبد الرحمن بن عوف واسمعوا وأطيعوا.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني الضحاك بن عثمان بن عبد الملك بن عبيد عن عبد الرحمن بن سعيد بن يربوع أن عمر حين طعن قال: ليصل لكم صهيب ثلاثا وتشاوروا في أمركم والأمر إلى هؤلاء الستة، فمن بعل أمركم فاضربوا عنقه، يعني من خالفكم.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني محمد بن موسى عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس بن مالك قال: أرسل عمر بن الخطاب إلى أبي طلحة قبل أن يموت بساعة فقال: يا أبا طلحة كن في خمسين من

(3/61)


قومك من الأنصار مع هؤلاء النفر أصحاب الشورى فلا تتركهم يمضي اليوم الثالث حتى يؤمروا أحدهم، اللهم أنت خليفتي عليهم.
ذكر بيعة عثمان بن عفان، رحمه الله
قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثني مالك بن أبي الرجال قال: حدثني إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة قال: وافى أبو طلحة في أصحابه ساعة قبر عمر فلزم أصحاب الشورى، فلما جعلوا أمرهم إلى عبد الرحمن بن عوف يختار لهم منهم لزم أبو طلحة باب عبد الرحمن بن عوف بأصحابه حتى بايع عثمان.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني سعيد المكتب عن سلمة بن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبيه قال: أول من بايع لعثمان عبد الرحمن ثم علي بن أبي طالب.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني عمر بن عميرة بن هني مولى عمر بن الخطاب عن أبيه عن جده قال: أنا رأيت عليا بايع عثمان أول الناس ثم تتابع الناس فبايعوا.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني إسماعيل بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي عن أبيه أن عثمان لما بويع خرج إلى الناس فخطبهم فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس إن أول مركب صعب، وإن بعد اليوم أياما، وإن أعش تأتكم الخطبة على وجهها، وما كنا خطباء وسيعلمنا الله.
قال: أخبرنا أبو معاوية قال: أخبرنا الأعمش عن عبد الله بن سنان الأسدي قال: قال عبد الله حين استخلف عثمان: ما ألونا عن أعلى

(3/62)


ذي فوق.
قال: أخبرنا أبو معاوية الضرير وعبيد الله بن موسى وأبو نعيم الفضل بن دكين قالوا: أخبرنا مسعر عن عبد الملك بن ميسرة عن النزال بن سبرة قال: قال عبد الله حين استخلف عثمان: استخلفنا خير من بقي ولم نأله.
قال: أخبرنا حجاج بن محمد عن شعبة عن عبد الملك بن ميسرة عن النزال بن سبرة قال: شهدت عبد الملك بن مسعود في هذا المسجد ما خطب خطبة إلا قال أمرنا خير من بقي ولم نأل.
قال: أخبرنا عفان بن مسلم قال: أخبرنا حماد بن سلمة قال: أخبرنا عاصم بن بهدلة عن أبي وائل أن عبد الله بن مسعود سار من المدينة إلى الكوفة ثمانيا حين استخلف عثمان بن عفان فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فإن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب مات فلم نر يوما أكثر نشيجا من يومئذ، وإنا اجتمعنا أصحاب محمد فلم نأل عن خيرنا ذي فوق، فبايعنا أمير المؤمنين عثمان فبايعوه.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني أبو بكر بن إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص عن عثمان بن محمد الأخنسي قال: وأخبرنا محمد بن عمر قال: أخبرنا أبو بكر بن عبد الله بن أبي سبرة عن يعقوب بن زيد عن أبيه قالا: بويع عثمان بن عفان يوم الاثنين لليلة بقيت من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين، فاستقبل لخلافته المحرم سنة أربع وعشرين.
قال محمد بن عمر: قال أبو بكر بن عبد الله بن أبي سبرة في حديثه: فوجه عثمان على الحج تلك السنة عبد الرحمن بن عوف فحج بالناس سنة أربع وعشرين، ثم حج عثمان في خلافته كلها بالناس عشر سنين ولاء إلا السنة التي حوصر فيها فوجه عبد الله بن عباس على الحج بالناس، وهي سنة خمس وثلاثين.

(3/63)


قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني أسامة بن زيد الليثي عن داود بن الحصين عن عكرمة عن بن عباس أن عثمان بن عفان استعمله على الحج في السنة التي قتل فيها سنة خمس وثلاثين، فخرج فحج بالناس بأمر عثمان.
قال: أخبرنا محمد بن عمر، حدثني محمد بن عبد الله عن الزهري قال: لما ولي عثمان عاش اثنتي عشرة سنة أميرا يعمل ست سنين لا ينقم الناس عليه شيئا، وإنه لأحب إلى قريش من عمر بن الخطاب لأن عمر كان شديدا عليهم، فلما وليهم عثمان لان لهم ووصلهم، ثم توانى في أمرهم واستعمل أقرباءه وأهل بيته في الست الأواخر، وكتب لمروان بخمس مصر، وأعطى أقرباءه المال، وتأول في ذلك الصلة التي أمر الله بها، واتخذ الأموال، واستسلف من بيت المال وقال: إن أبا بكر وعمر تركا من ذلك ما هو لهما وإني أخذته فقسمته في أقربائي، فأنكر الناس عليه ذلك.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني عبد الله بن جعفر عن أم بكر بنت المسور عن أبيها قال: سمعت عثمان يقول: أيها الناس إن أبا بكر وعمر كانا يتأولان في هذا المال ظلف أنفسهما وذوي أرحامهما وإني تأولت فيه صلة رحمي.
ذكر المصريين وحصر عثمان، رضي الله عنه
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني إبراهيم بن جعفر عن أم الربيع بنت عبد الرحمن بن محمد بن مسلمة عن أبيها قال: وأخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني يحيى بن عبد العزيز عن جعفر بن محمود، عن محمد بن مسلمة قال: وأخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني بن جريج

(3/64)


وداود بن عبد الرحمن العطار عن عمرو بن دينار عن جابر بن عبد الله أن المصريين لما أقبلوا من مصر يريدون عثمان ونزلوا بذي خشب دعا عثمان محمد بن مسلمة فقال: اذهب إليهم فارددهم عني وأعطهم الرضى وأخبرهم أني فاعل بالأمور التي طلبوا ونازع عن كذا بالأمور التي تكلموا فيها. فركب محمد بن مسلمة إليهم إلى ذي خشب، قال جابر وأرسل معه عثمان خمسين راكبا من الأنصار أنا فيهم، وكان رؤساؤهم أربعة: عبد الرحمن بن عديس البلوي، وسودان بن حمران المرادي، وابن البياع، وعمرو بن الحمق الخزاعي، لقد كان الاسم غلب حتى يقال جيش عمرو بن الحمق. فأتاهم محمد بن مسلمة فقال: إن أمير المؤمنين يقول كذا، ويقول كذا وأخبرهم بقوله فلم يزل بهم حتى رجعوا، فلما كانوا بالبويب رأوا جملا عليه ميسم الصدقة فأخذوه فإذا غلام لعثمان فأخذوا متاعه ففتشوه فوجدوا فيه قصبة من رصاص فيها كتاب في جوف الإدراة في الماء إلى عبد الله بن سعد أن افعل بفلان كذا وبفلان كذا من القوم الذين شرعوا في عثمان، فرجع القوم ثانية حتى نزلوا بذي خشب فأرسل عثمان إلى محمد بن مسلمة فقال: اخرج فارددهم عني، فقال: لا أفعل، قال فقدموا فحصروا عثمان.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني عبد الله بن الحارث بن الفضيل عن أبيه عن سفيان بن أبي العوجاء قال: أنكر عثمان أن يكون كتب الكتاب أو أرسل ذلك الرسول، وقال: فعل ذلك دوني.
قال: أخبرنا قبيصة بن عقبة عن سفيان عن أبي إسحاق عن عمرو بن الأصم قال: كنت فيمن أرسلوا من جيش ذي خشب، قال فقالوا لنا سلوا أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، واجعلوا آخر من تسألون عليا، أنقدم؟ قال فسألناهم فقالوا: اقدموا إلا عليا، قال: لا آمركم فإن أبيتم فبيض فليفرخ.

(3/65)


ذكر ما قيل لعثمان في الخلع وما قال لهم
قال: أخبرنا عفان بن مسلم قال: أخبرنا جرير بن حازم قال: أخبرني يعلى بن حكيم عن نافع قال: حدثني عبد الله بن عمر قال: قال لي عثمان وهو محصور في الدار: ما ترى فيما أشار به علي المغيرة بن الأخنس؟ قال قلت: ما أشار به عليك؟ قال: إن هؤلاء القوم يريدون خلعي فإن خلعت تركوني وإن لم أخلع قتلوني، قال قلت: أرأيت إن خلعت تترك مخلدا في الدنيا؟ قال: لا، قال: فهل يملكون الجنة والنار؟ قال: لا، قال فقلت: أرأيت إن لم تخلع هل يزيدون على قتلك؟ قال: لا، قلت: فلا أرى أن تسن هذه السنة في الإسلام كلما سخط قوم على أميرهم خلعوه، لا تخلع قميصا قمصكه الله.
قال: أخبرنا موسى بن إسماعيل قال: أخبرنا عمر بن أبي خليفة قال: حدثتني أم يوسف بن ماهك عن أمها قالت: كانوا يدخلون على عثمان وهو محصور فيقولون: انزع لنا، فيقول: لا أنزع سربالا سربلنيه الله ولكن أنزع عما تكرهون.
قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله بن يونس قال: أخبرنا طلحة بن زيد الجزري أو الشآمي عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي مريم عن عبد الرحمن بن جبير قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لعثمان: إن الله كساك يوما سربالا فإن أرادك المنافقون على خلعه فلا تخلعه لظالم.
قال: أخبرنا أبو أسامة حماد بن أسامة عن إسماعيل بن أبي خالد قال: أخبرنا قيس قال: أخبرني أبو سهلة مولى عثمان قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في مرضه: وددت أن عندي بعض أصحابي، فقالت عائشة: فقلت يا رسول الله أدعو لك أبا بكر، فأسكت فعرفت أنه لا يريده، قلت: أدعو لك عمر، فأسكت فعرفت أنه لا يريده، قلت:

(3/66)


أدعو لك عليا، فأسكت فعرفت أنه لا يريده، فقلت: فأدعو لك بن عفان، قال: نعم، فلما جاء أشار إلي رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أن تباعدي، فجاء عثمان فجلس إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، فجعل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول له، ولون عثمان يتغير، قال قيس فأخبرني أبو سهلة قال: لما كان يوم الدار قيل لعثمان ألا تقاتل؟ فقال: إن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عهد إلي عهدا وإني صابر عليه، قال أبو سهلة فيرون أنه ذلك اليوم.
قال: أخبرنا عفان بن مسلم وسليمان بن حرب قالا: أخبرنا حماد بن زيد، أخبرنا يحيى بن سعيد عن أبي أمامة بن سهل قال: كنت مع عثمان في الدار وهو محصور، قال وكنا ندخل مدخلا إذا دخلناه سمعنا كلام من على البلاط، قال فدخل عثمان يوما لحاجة فخرج منتقعا لونه فقال: إنهم ليتوعدونني بالقتل آنفا، قال قلنا: يكفيكهم الله يا أمير المؤمنين، قال: ولم يقتلونني وقد سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول لا يحل دم امرئ مسلم إلا في إحدى ثلاث: رجل كفر بعد إيمانه أو زنى بعد إحصانه أو قتل نفسا بغير نفس، فو الله ما زنيت في جاهلية ولا في إسلام قط، ولا تمنيت أن لي بديني بدلا منذ هداني الله، ولا قتلت نفسا، ففيم يقتلونني؟
قال: أخبرنا عمرو بن عاصم الكلابي قال: أخبرنا حفص بن أبي بكر قال: أخبرنا هياج بن سريع عن مجاهد قال: أشرف عثمان على الذين حاصروه فقال: يا قوم لا تقتلوني فإني وال وأخ مسلم، فو الله إن أردت إلا الإصلاح ما استطعت أصبت أو أخطأت، وإنكم إن تقتلوني لا تصلوا جميعا أبدا ولا تغفروا جميعا أبدا ولا يقسم فيؤكم بينكم، قال فلما أبوا قال: أنشدكم الله هل دعوتم عند وفاة أمير المؤمنين بما دعوتم به، وأمركم جميعا لم يتفرق وأنتم أهل دينه وحقه فتقولون إن الله لم يجب

(3/67)


دعوتكم أم تقولون هان الدين على الله، أم تقولون إني أخذت هذا الأمر بالسيف والغلبة ولم آخذه عن مشورة من المسلمين، أم تقولون إن الله لم يعلم من أول أمري شيئا لم يعلم من آخره؟ فلما أبوا قال: اللهم أحصهم عددا واقتلهم بددا ولا تبق منهم أحدا. قال مجاهد فقتل الله منهم من قتل في الفتنة، وبعث يزيد إلى أهل المدينة عشرين ألفا فأباحوا المدينة ثلاثا يصنعون ما شاؤوا لمداهنتهم.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني عمرو بن عبد الله بن عنبسة بن عمرو بن عثمان قال: حدثني محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان عن بن لبيبة أن عثمان بن عفان لما حصر أشرف عليهم من كوة في الطمار فقال: أفيكم طلحة؟ قالوا: نعم، قال: أنشدك الله هل تعلم أنه لما آخى رسول الله بين المهاجرين والأنصار آخى بيني وبين نفسه؟ فقال طلحة: اللهم نعم، فقيل لطلحة في ذلك فقال: نشدني، وأمر رأيته ألا أشهد به؟
قال: أخبرنا محمد بن يزيد الواسطي ويزيد بن هارون قالا: أخبرنا العوام بن حوشب عن حبيب بن أبي ثابت عن أبي جعفر محمد بن علي قال: بعث عثمان إلى علي يدعوه وهو محصور في الدار فأدار أن يأتيه، فتعلقوا به ومنعوه، قال فحل عمامة سوداء على رأسه وقال هذا أو قال: اللهم لا أرضى قتله ولا آمر به، والله لا أرضى قتله ولا آمر به.
قال: أخبرنا كثير بن هشام عن جعفر بن برقان قال: حدثني راشد بن كسيان أبو فزارة العبسي أن عثمان بعث إلى علي وهو محضور في الدار أن ائتي، فقام علي ليأتيه، فقام بعض أهل علي حتى حبسه وقال: ألا ترى إلى ما بين يديك من الكتائب؟ لا تخلص إليه، وعلى علي عمامة سوداء فنقضها على رأسه ثم رمى بها إلى رسول عثمان وقال: أخبره بالذي قد رأيت. ثم خرج علي من المسجد حتى انتهى إلى أحجار الزيت في

(3/68)


سوق المدينة فأتاه قتله فقال: اللهم إني أبرأ إليك من دمه أن أكون قتلت أو مالأت على قتله.
قال: أخبرنا كثير بن هشام قال: أخبرنا جعفر بن برقان قال: أخبرنا ميمون بن مهران قال: لما حوصر عثمان بن عفان في الدار بعث رجلا فقال: سل وانظر ما يقول الناس، قال: سمعت بعضهم يقول قد حل دمه، فقال عثمان: ما يحل دم امرئ مسلم إلا رجل كفر بعد إيمانه أو زنى بعد إحصانه أو قتل رجلا فقتل به، قال وأحسبه قال هو أو غيره: أو سعى في الأرض فسادا.
قال: أخبرنا روح بن عبادة قال: أخبرنا سعيد بن أبي عروبة عن يعلى بن حكيم عن نافع عن بن عمر قال: لما أرادوا أن يقتلوا عثمان أشرف عليهم فقال: علام تقتلونني؟ فإني سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول لا يحل قتل رجل إلا بإحدى ثلاث: رجل كفر بعد إسلامه فإنه يقتل، ورجل زنى بعد إحصانه فإنه يرجم، ورجل قتل رجلا متعمدا فإنه يقتل.
قال: أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا محمد بن عمر،و عن أبيه عن علقمة بن وقاص قال: قال عمرو بن العاص لعثمان وهو على المنبر: يا عثمان إنك قد ركبت بهذه الأمة نهابير من الأمر فتب وليتوبوا معك، قال فحول وجهه إلى القبلة فرفع يديه فقال: اللهم إني أستغفرك وأتوب إليك؛ ورفع الناس أيديهم.
قال: أخبرنا عبد العزيز بن عبد الله الأويسي من بني عامر بن لؤي قال: أخبرنا إبراهيم بن سعد عن أبيه عن عمرو بن العاص أنه قال لعثمان: إنك ركبت بنا نهابير وركبناها معك، فتب يتب الناس معك، فرفع عثمان يديه فقال: اللهم إني أتوب إليك.
قال: أخبرنا شبابة بن سوار الفزاري قال: وحدثني إبراهيم بن

(3/69)


سعد عن أبيه عن جده قال: سمعت عثمان بن عفان يقول: إن وجدتم في كتاب الله أن تضعوا رجلي في قيود فضعوهما.
قال: أخبرنا عبد الله بن إدريس قال: أخبرنا هشام بن حسان عن محمد بن سيرين قال: جاء زيد بن ثابت إلى عثمان فقال: هذه الأنصار بالباب يقولون إن شئت كنا أنصارا لله مرتين، قال فقال عثمان: أما القتال فلا.
قال: أخبرنا عبد الله بن إدريس قال: أخبرنا يحيى بن سعيد عن عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: قال عثمان يوم الدار: إن أعظمكم عني غناء رجل كف يده وسلاحه.
قال: أخبرنا أبو معاوية الضرير قال: أخبرنا الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: دخلت على عثمان يوم الدار فقلت يا أمير المؤمنين طاب أم ضرب؟ فقال: يا أبا هريرة أيسرك أن تقتل الناس جميعا وإياي؟ قال: قلت لا، قال: فإنك والله إن قتلت رجلا واحدا فكأنما قتل الناس جميعا، قال: فرجعت ولم أقاتل.
قال: أخبرنا أبو أسامة حماد بن أسامة قال: أخبرنا هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن الزبير قال: قلت لعثمان يوم الدار: قاتلهم فو الله لقد أحل الله لك قتالهم. فقال: لا والله لا أقاتلهم أبدا. قال فدخلوا عليه وهو صائم، قال وقد كان عثمان أمر عبد الله بن الزبير على الدار وقال عثمان: من كانت لي عليه طاعة فليطع عبد الله بن الزبير.
قال: أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم الأسدي بن علية عن أيوب عن بن أبي ملكية عن عبد الله بن الزبير قال: قلت لعثمان يا أمير المؤمنين إن معك في الدار عصابة مستنصرة بنصر الله بأقل منهم لعثمان فأذن لي فلأقاتل، فقال: أنشدك الله رجلا، أو قال: أذكر بالله رجلا أهراق في دمه، أو قال: أهراق في دما.

(3/70)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية