صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : الرياض النضرة في مناقب العشرة
المؤلف : المحب الطبري
مصدر الكتاب : الوراق

[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

أي بنو الأعمام والحليف وهو العقيد والجار والناصر ومنه قوله تعالى: " ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم " في قول ابن عرفة والولي ومنه الآية قال بعضهم أي وليهم والقائم بأمرهم وأما الكافر فقد خذله وعاداه. ومنه أيضا قوله صلى الله عليه وسلم أيما امرأة نكحت بغير إذن مولاها فنكاحها باطل أي وليها ثمانية أوجه ولا يصح الحمل على شيء من الأربعة الأول إذ لا معنى له في الحديث وكذلك الخامس إلا على وجه بعيد بأن يراد بالحليف الناصر والمتبادر إلى الذهن خلافه إذ الحليف من وجدت منه صورة المحالفة حقيقة والمجاز خلاف الظاهر. وكذا السادس وهو الجار إلا أن يراد به المجير بمعنى الناصر ومنه وإني جار لكم أي مجير فيرجع إلى معنى الناصر فتعين أحد معنيين إما الناصر أو الوالي بمعنى المتولي وأيا ما كان أفاد المقصود إذ معناه من كنت متوليا أمره والناظر في مصلحته والحاكم عليه فعلي في حقه كذلك وتأيد هذا المعنى بقوله ألستم تعلمون أني أولى بالمؤمنين من أنفسهم وما ذاك إلا فيما ذكرناه من النظر فيما يصلحهم وفي الاحتكام عليهم أو يكون معناه من كنت ناصره ومنصفه من ظالمه والآخذ له بحقه وبثأره فعلي في حقه كذلك وقد تعذر وصفه بذلك في حال حياة المصطفى صلى الله عليه وسلم فتعين أن يكون المراد به بعد وفاته. ومنها وهو أقواها سندا ومتنا حديث عمران بن حصين أن عليا مني وأنا منه وهو ولي كل مؤمن من بعدي خرجه أحمد والترمذي وقال حسن غريب وأبو حاتم وحديث بريدة لا يقع في علي فإنه مني وأنا منه وهو وليكم بعدي خرجه أحمد والحديث الآخر من كنت وليه فعلي وليه خرجه أبو حاتم. وستأتي هذه الأحاديث مستوفاة في خصائصه إن شاء الله تعالى وجه الدلالة أن الولي في اللغة المولى قاله الفراء والمتولي ومنه: " أنت ولي في الدنيا والآخرة " أي متول أمري فيهما وضد العدو بمعنى المحب والمتوالي والناصر ومنه: " إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه " أي يخوفكم أنصاره فحذف المفعول الأول كما تقول كسوت ثوبا أعطيت درهما. وقيل معناه نخوفكم بأوليائه فحذف الجار وأعمل الفعل ولا يتجه حمله على المحب والمتوالي إذ لا يكون للتقييد بالبعدية معنى في الحديثين الأولين فإنه رضي الله عنه كان محبا متواليا للمؤمنين في حياة المصطفى صلى الله عليه وسلم وبعد وفاته والحديث الثالث محمول على الأولين في إرادة البعدية حملا للمطلق على المقيد فتعين أحد المعاني الثلاثة وأيا ما كان أفاد المقصود أما بمعنى الناصر فقد تقدم توجيهه في الحديث قبله وأما بمعنى الولي فإن حمل المولى على معنى يتجه في الحديث كما تقدم تقريره فالكلام فيه ما سبق وإن حمل على ما لا يتجه فلا تصح إرادته وأما بمعنى المتولي فظاهر في المقصود بل صريح والله أعلم. قلنا الجواب من وجهين الأول أن الأحاديث المعتمد عليها في خلافة أبي بكر متفق على صحتها وهذه الأحاديث غايتها أن تكون حسنة وإن صح منها شيء عند بعضهم فلا يصح معارضا لما اتفق عليه.
الثاني تسليم صحتها مع بيان أنه لا دليل لكم فيها

(1/104)


قوله في الحديث الأول أن موسى استخلف هارون عند ذهابه إلى ربه إلى آخر ما قرره قلنا الجواب عنه من وجهين الأول يقول هذا عدول عن ظاهر ما نطق به لسانا الحال والمقال فإنه قال لعلي تلك المقالة حين استخلفه لما توجه إلى غزوة تبوك على ما سيتضح إن شاء الله تعالى في آخر هذا الكلام وذلك استخلاف حال الحياة فلما رأى تألمه بسبب التخلف إما أسفا على الجهاد أو بسبب ما عرض من أذى المنافقين على ما سنبينه إن شاء الله تعالى قال له تلك المقالة إيذانا له بعلو مكانته منه وشرف منزلته التي أقامه فيها مقام نفسه فالتنظير بينه وبين هارون إنما كان في استخلاف موسى له متضمنا الإخوة وشد الأزر والعضد به وكان ذلك كله حال الحياة مع قيام موسى فيما يستخلفه فيه يشهد بذلك صورة الحال فليكن الحكم في علي كذلك متضما إلى ما يثبت له من إخوة النبي صلى الله عليه وسلم وشد أزره وعضده به غير أنه لم يشاركه في أمر النبوة كما شارك هارون موسى فلذلك قال صلى الله عليه وسلم إلا أنه لا نبي بعدي. هذا على سبيل التنظير ولا إشعار في ذلك بما بعد الوفاة لا بنفي ولا بإثبات بل يقول لو حمل على ما بعد الوفاة لم يصح تنزيل علي من النبي صلى الله عليه وسلم منزلة هارون من موسى لانتفاء ذلك في هارون فإنه لم يكن الخليفة بعده من بعد وفاة موسى وإنما كان الخليفة بعده يوشع بن نون فعلم قطعا أن المراد به الاستخلاف حال الحياة لمكان التشبيه ولم يوجد إلا في حال الحياة لا يقال عدم استخلاف موسى هارون بعد وفاته إنما كان لفقد هارون حينئذ ولو كان حيا ما استخلف غيره والله أعلم بخلاف علي مع النبي صلى الله عليه وسلم وإنما يتم دليلكم أن لو كان هارون حيا عند وفاته واستخلف غيره لأنا نقول الكلام معكم في ثنتين أن مراد بهذا القول الاستخلاف في حال الحياة فكان التنزيل منزلة هارون من موسى ومنزلة هارون من موسى في الاستخلاف لم

(1/105)


تحقق إلا في الحال الحياة فثبت أن المراد به ما تحقق لا أمر آخر وراء ذلك وإنما يتم متعلقكم منه أن لو حصل استخلاف هارون بعد وفاه موسى ثم نقول هب أن المراد الاستخلاف عنه الذهاب إلى الرب فلم قلتم إن ذلك بالموت وإنما يكون ذلك أن لو لم يكن إلا به وهو ممنوع والذهاب إلى الرب سبحانه وتعالى في الحياة أيضا وهل كان ذهاب موسى إلى ربه إلا في حال حياته والصلاة مناجاة والدعاء كذلك والحجاج والعمار وقد الله فهل يكون الذهاب إلى شيء من ذلك إلا ذهابا إلى الرب حقيقة ومطابقتها أوقع من مطابقة الذهاب بالموت. فكل ذاهب إلى طاعة ربه ذاهب إلى ربه لأنه متوجه إليه به وإن كان في بعض التوجه أوقع منه في غيره هذا لا نزاع فيه فيكون النبي صلى الله عليه وسلم استخلف عليا وهو ذاهب إلى ربه بالخروج إلى طاعته بالجهاد كما استخلف موسى هارون في حال حياته ذاهبا إلى ربه والله أعلم. الوجه الثاني أن سياق هذا القول خبر ولو كان المراد به ما بعد الوفاة لوقع لا محالة كما وقع كما أخبر عن وقوعه فإن خبره صلى الله عليه وسلم حق وصدق: " وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى " ولما لم يقع علم قطعا أنه لم يرد ذلك. وقوله إنه لا ينبغي أن أذهب إلا وأنت خليفتي المراد به والله أعلم خليفتي في أهلي فإنه صلى الله عليه وسلم لم يستخلف إلا عليهم والقرابة مناسبة لذلك واستخلف صلى الله عليه وسلم على المدينة محمد بن مسلم الأنصاري وقيل سباع بن عرفطة ذكره ابن إسحاق وقال خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك عليا على أهله وأمره بالإمامة فيهم فأرجف المنافقون على علي وقالوا ما خلفه إلا استثقالا قال فأخذ علي سلاحه ثم خرج حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو نازل بالجرف فقال يا نبي الله زعم المنافقون أنك خلفتني لأنك استثقلتني وتخففت مني فقال كذبوا ولكني خلفتك لما تركت ورائي فارجع فاخلفني في أهلي وأهلك أفلا ترضى يا علي أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي أو يكون المعنى إلا وأنت خليفتي في أهلي في هذه القضية على تقدير عموم استخلافه في المدينة إن صح ذلك ويكون ذلك لمعنى اقتضاه في تلك المرة علمه رسول الله صلى الله عليه وسلم وجهله غيره يدل عليه أنه صلى الله عليه وسلم استخلف غيره في قضايا كثيرة ومرات عديدة أو يكون المعنى الذي يقتضيه حالك وأمرك ألا أذهب في جهة إلا وأنت خليفتي لأنك مني بمنزلة هارون من موسى لمكان قربك مني وأخذك عني لكن قد يكون شخوصك معي في وقت أنفع لي من استخلافك أو يكون الحال يقتضي أن المصلحة في استخلاف غيرك فيتخلف حكم الاستخلاف عن مقتضيه لمعارض أقوى منه يقتضي خلافه وليس في شيء من ذلك كله ما يدل على أنه الخليفة من بعد موته صلى الله عليه وسلم.

(1/106)


وأما الحديث الثاني فقوله فيه فتعين أحد معنيين إما الناصر وإما الولي بمعنى المتولي فيقول بموجبه لا بالتقدير الذي قدروه والمعنى الذي نزلوه عليه بل يكون التقدير على معنى الناصر من كنت ناصره فعلي ناصره لأن عليا جلا من الكروب في الحرب ما لم يجلها غيره وفتح الله على يديه في زمنه صلى الله عليه وسلم ما لم يفتح على يد غيره وشهرة ذلك تغني عن الاستدلال عليه والتطويل فيه. وإذا كان بهذه المثابة كان ناصرا من كان النبي صلى الله عليه وسلم ناصره لما أشاد الله تعالى به من دعائم الإسلام المثبتة له منه في عنق الخاص والعام بنصرة المسلمين وإشادته منار الدين أو يكون المعنى من كنت ناصره فعلي نصره وإن كان ذلك واجبا على كل أحد من الصحابة بل من الأمة لكن أثبت بذلك لعلي نوع اختصاص لأنه أقربهم إليه وأولاهم بالانتصار لمن نصره وهذا أولى من حمل الناصر على المعنى الذي ذكروه لما يستلزم ذلك من المفسدة العظيمة والوصمة الفظيعة والثلمة المتفاقمة في جلة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من المهاجرين والأنصار على ما سنقرره في الجواب عن الحديث الثالث مما يدل على أنه لا يجوز حمله على معنى الاستخلاف بعده. وأما على معنى المتولي فيكون التقدير فعلي وليه ومتولي أمره بعدي فلا يصح ذلك إذ الإجماع منعقد على أنه لم يرد ذلك في الحالة الراهنة فيكون كالحديث الثالث وسيأتي الكلام عنه مستوفيا إن شاء الله تعالى. على أن نقول لم لا يجوز أن يكون المراد بالولي المنعم استعارة من مولى العتق التفاتا إلى المعنى المتقدم آنفا في معنى الناصر ويكون التقدير من أنعم الله عليه بالهداية على يد نبيه صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام والإيمان حتى اتصف النبي صلى الله عليه وسلم بأنه مولاه فقد أنعم الله عليه أيضا باستقامة أمر دينه وأمانه من أعداء الدين وخذلانهم وقوة الإسلام وإشادة دعائمه على يد علي بن أبي طالب مما اختص به دون غيره مما تقدم بيانه مما يصحح بيانه له الاتصاف بأنه مولى له أيضا.
وقد حكى الهروي عن أبي العباس أن معنى الحديث من أحبني يتولاني فليحب عليا وليتوله وفيه عندي بعد إذ كان قياسه على هذا التقدير أن يقول من كان مولاي فهو مولى علي ويكون المولي بمعنى الولي ضد العدو فلما كان الإسناد في اللفظ على العكس من ذلك بعد هذا المعنى ولو قال معناه من كنت أتولاه وأحبه فعلي يتولاه ويحبه كان أنسب للفظ الحديث وهو ظاهر لمن تأمله نعم يتجه ما ذكره من وجه آخر بتقدير حذف في الكلام على وجه الاختصار تقديره من كنت مولاه فسبيل المولى وحقه أن يحب ويتولى فعلي أيضا مولاه لقربه مني ومكانته من تأييد الإسلام فليحبه وليتوله كذلك.
أما الحديث الثالث فقوله فيتعين حمل الولي إما على الناصر المتولي إلى آخر ما قرر قلنا الجواب عنه من وجهين الأول القول بالموجب على المعنيين مع البيان بأنه لا دليل فيه لكم أما على معنى الناصر فلما بيناه في الحديث قبله وأما بمعنى المتولي فقد كان ذلك وإن كان بعد من كان بعده إذ يصدق عليه بعده حقيقة ومثل هذا قد ورد. وسيأتي في مناقب عثمان أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى في منامه حورية فقال لها لمن أنت قالت لخليفة من بعدك عثمان ويكون فائدة ذكر ذلك التنبيه على فضيلته والأمر بالتمرن على محبته فإنه سيلي عليكم ويتولى أمركم ومن تتوقع إمرته فالأولى أن يمرن القلب على مودته ومحبته ومجانبة بغضه ليكون أدعى إلى الانقياد وأسرع للطواعية وأبعد من الخلف. ويشهد لذلك أن هذا القول صدر حين وقع فيه من وقع وأظهر بغضه من أظهر على ما تضمنه الحديث وسيأتي في خصائصه أيضا فأراد نفي ذلك عنهم والتمرن على خلافته لحاجتهم إليه وحاجته إليهم ولا يجوز حمله على أنه المتولى عقيب وفاته صلى الله عليه وسلم في الأحاديث كلها لوجوه:

(1/107)


الأول: أن لفظ الحديث لفظ الخبر ممن لا ينطبق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى ولو كان المراد به ذلك لوقع لا محالة كما وقع كل ما أخبر عنه ولما لم يقع ذلك دل على أن المراد به غيره لا يقال لم لا يجوز أن يكون المراد الأمر بلفظ الخبر لأنا نجيب عنه من وجهين: الأول أنه صرف اللفظ عن ظاهره وذلك مرجوح والظاهر راجح فوجب العمل به. الثاني أن ذلك أمر عظيم مهم في الدين وحكم تتوفر عليه داعية المسلمين ومثل ذلك لا يكتفي فيه بالألفاظ المحتملة بل يجب فيه التصريح بنص أو ظاهر الوجه.
الثاني: أنه يشم من الحمل على ذلك مفسدة عظيمة وهو نسبة الأمة إلى الاجتماع على الضلالة واعتقاد خطأ جميع الصحابة على تولية أبي بكر رضي الله عنه وعنهم أجمعين وإن عليا وافقهم على ذلك الخطأ فإن بيعته قد اجتمع عليها ما سنقرره في فصل خلافته وذلك منفي بقوله صلى الله عليه وسلم لا تجتمع أمتي على ضلالة وما ذكرناه في المصير إليه دفع لهذا المحذور ونفي للظلم والخطأ عن الجم الغفير المشهود لهم بأنهم كالنجوم وأن من اقتدى بهم اهتدى خصوصا من أمره صلى الله عليه وسلم بالاقتداء به من بعده وشهد بالرشد لمن أطاعه وأن الدين يتم به على ما سبق مما تضمنه باب أبي بكر وعمر. وما تدعيه الرافضة من أن عليا ومن تابعه من بني هاشم في ترك المبادرة إلى بيعة أبي بكر إنما بايعوه تقية بلا إجماع في نفس الأمر فذلك في غاية الفساد وسنقرره ونجيب عنه على الوجه الأسد في ذكر بيعة علي إن شاء الله من هذا الفصل الوجه الثالث أن الأحاديث المتقدمة في أبي بكر دلت على أنه الخليفة عقيب وفاته صلى الله عليه وسلم وقد مر وجه دلالتها على ما تقدم وأحاديث علي مترددة بين احتمالين فالحمل على أحدهما توفيق بين الأحاديث كلها ونفي للمحذور اللازم في حق الصحابة كما قررناه والحمل على الآخر إلغاء لبعضها وتقرير لذلك المحذور فكان الحمل على ما يحصل به التوفيق ونفي المحذور أولى عملا بالأحاديث كلها وكيف يتطرق خلاف ذلك إلى الوهم. وقد روي عن علي وغيره من الصحابة رضوان الله عليهم ما يشهد بصحته على ما تقدم تقريره وتتبادر الأفهام عند سماعه إلى أنه مانع من تطرق تلك الأوهام أم كيف يحل اعتقاد خلاف ذلك والإجماع على خلافه وهو قطعي والله أعلم.
الوجه الثاني من الوجهين في الجواب أنه لم لا يجوز أن يكون الولي هنا بمعنى المحب المتولي ضد العدو والتقدير وهو متواليكم ومحبكم بعدي ويكون المراد بالبعدية ههنا في الرتبة لا بعد وفاته صلى الله عليه وسلم أي أنا المتقدم في توالي المسلمين ومحبتهم بذلك الاعتبار المتقدم ثم علي بعدي في الدرجة الثانية لمكانته مني وقربه ومناسبته فهو أولى بمحبة من أحبه وتوالي من أتولاه ونصرة من أنصره وإجارة من أجيره والله أعلم.
ذكر أنه صلى الله عليه وسلم لم يعهد في الخلافة بعهد ولم ينص فيها على أحد بعينه

(1/108)


وقد تقدم حديث حذيفة في باب الشيخين وأحاديث علي في ذلك أيضا وعن طلحة بن مصرف قال قلت لعبد الله بن أبي أوفى أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا قلت وكيف أمر المسلمين بالوصية قال أوصى بكتاب الله قال طلحة قال الهزيل بن شرحبيل أبو بكر يتأمر علي وصي رسول الله صلى الله عليه وسلم ود أبو بكر أنه وجد عهدا وخزم أنفه بخزام وقول عمر وإن أترككم فقد ترككم من هو خير مني رسول الله صلى الله عليه وسلم دليل أيضا على عدم العهد في ذلك. وعن فطر عن شيخ من بني هاشم قال قال رجل لعلي لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم اخرج يا علي وأخبر الناس أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل الخلافة فينا فلا تخرج منا أبدا فقال لا والله ما كذبت عليه حيا أفأكذب عليه ميتا. وعن ابن عباس أن العباس أخذ بيد علي وقال له ألا ترى أنك بعد ثلاث عبد العصى والله لأرى رسول الله صلى الله عليه وسلم سيتوفى في وجعه هذا فإني لأعرف الموت في وجوه بني عبد المطلب فاذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاسأله فيمن يكون هذا الأمر فإن كان فينا علمنا وإن كان في غيرنا أمرناه فأوصى بنا فقال علي والله إن سألناها رسول الله صلى الله عليه وسلم فمعناها لا بعطيناها الناس أبدا. وعن علي رضي الله عنه أنه قال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يعهد إلينا عهدا نأخذ به في الإمارة ولكنه شيء رأيناه من قبل أنفسنا فإن يكن صوابا فمن الله وإن يكن خطأ فمن أنفسنا ثم استخلف أبو بكر فأقام واستقام ثم استخلف عمر فأقام واستقام حتى ضرب الدين بجرانه. وقد تقدم هذا في باب الشيخين وسيأتي في مقتل علي إنهم قالوا له استخلف فقال لا ولكن أكلكم إلى من وكلكم رسول الله صلى الله عليه وسلم وإذا ثبت أنه لم يستخلف كان ما ذكرناه في حق أبي بكر من تقديمه للصلاة وما في معناه تنبيها لا عهدا.
ذكر بيعة أبي بكر رضي الله عنه وما يتعلق بها
حكى الواقدي أن أبا بكر بويع بالخلافة يوم قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين لست عشرة ليلة خلت من ربيع الأول سنة إحدى عشرة وقال ابن قتيبة وأبو عمر بويع بالخلافة يوم قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم في سقيفة بني ساعدة وبويع بيعة العامة على المنبر يوم الثلاث من غد ذلك اليوم وقال أبو عمر وتخلف عن بيعته سعد بن عبادة وطائفة من الخزرج وفرقة من قريش ثم بايعوه بعد غير سعد وقيل إنه لم يتخلف عنه أحد من قريش يومئذ وقيل تخلف عنه علي والزبير وطلحة وخالد بن العاص ثم بايعوه بعد ثم لم يزل علي سامعا مطيعا له يثني عليه ويفضله. قال ابن قتيبة وارتدت العرب إلا القليل منهم بمنع الزكاة فجاهدهم حتى استقاموا وبعث عمر على الحج فحج بالناس سنة إحدى عشرة وفتح اليمامة وقتل مسيملة الكذاب والأسود العنسي بصنعاء وقاتل جموع أهل الردة إلى أن رجعوا إلى دين الله تعالى وقد أفردنا لقتال أهل الردة تأليفا مختصرا جامعا وحج بالناس أبو بكر سنة اثنتي عشرة ثم صدر إلى المدينة وبعث الجيوش إلى الشام والعراق. وذكر صاحب الصفوة أنه اعتمر في رجب سنة اثنتي عشرة فدخل مكة ضحوة وأتى منزله وأبو قحافة جالس على باب داره ومعه فتيان يحدثهم فقيل له هذا ابنك فنهض قائما وعجل أبو بكر أن ينيخ راحلته فنزل عنها وهي قائمة فجعل يقول يا أبت لا تقم ثم التزمه وقيل بين عيني أبي قحافة وجعل أبو قحافة يبكي فرحا بقدومه وجاء إلى مكة عتاب بن أسيد وسهيل بن عمرو وعقبة بن عكرمة بن أبي جهل والحارث بن هشام فسلموا عليه سلام عليك يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم وصافحوه جميعا فجعل أبو بكر يبكي حين يذكرون رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم سلموا على أبي قحافة فقال أبو قحافة يا عتيق هؤلاء الملأ فأحسن صحبتهم فقال أبو بكر يا أبت لا حول ولا قوة إلا بالله طوقت عظيما من الأمر لا قوة لي به ولا يدان إلا بالله وقال هل أحد يشتكي ظلامة فما أتاه أحد وأثنى الناس على واليهم.

(1/109)


شرح: الملأ الجماعة ويطلق على أشراف القوم لأنهم يملون القلب والعين وكان حاجبه سديفا مولاه وكاتبه عثمان بن عفان وعبد الله بن الأرقم وكان نقش خاتمه عبد ذليل لرب جليل قاله ابن عباس وأكثر المؤرخين على أن نقش خاتمه نعم القادر الله وعليه عول الزبير بن بكار وغيره من المتقدمين وهذا الخاتم لم يكن أبو بكر يطبع به إنما كان يطبع بخاتم رسول الله صلى الله عليه وسلم. وعن ابن عمر قال اتخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتما من ورق فكان في يده ثم كان في يد أبي بكر ثم كان في يد عمر ثم في يد عثمان حتى وقع في بئر أريس نقشه محمد رسول الله وفي رواية قال لا ينقش أحد على نقش خاتمي أخرجاه وفي بعض الطرق من حديث الأنصاري محمد سطر ورسول سطر والله سطر وعن أنس قال كان خاتم النبي صلى الله عليه وسلم في يده ثم كان في يد أبي بكر ثم كان في يد عمر فلما كان في يد عثمان جلس على بئر أريس وأخرج الخاتم فجعل يعبث به فسقط قال فاختلفنا ثلاثة أيام مع عثمان ننزح البئر فلم نجده أخرجاه.
شرح: الورق الدراهم المضروبة وكذلك الرقة مخففا والهاء بدل من الواو وقد اختلف في هذا الخاتم هل أمر النبي صلى الله عليه وسلم باتخاذه واصطناعه وعليه دل ظاهر الخبر وغيره أو اصطنعه أحد الصحابة لنفسه فرآه النبي صلى الله عليه وسلم وأمر أن لا ينقش عليه واتخذه لنفسه وعليه دل بعض الآثار والله أعلم.
ذكر بيعة السقيفة وما جرى فيها
عن ابن عباس أن عمر قام على المنبر فقال لا يغترن امرؤ أن يقول إن بيعة أبي بكر كانت فلتة ألا وإنها كانت كذلك ألا إن الله وقى شرها وليس فيكم اليوم من تقطع إليه الأعناق مثل أبي بكر وإنه كان من خيرنا حين توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم. إن عليا والزبير ومن كان معهما تخلفوا في بيت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وتخلفت عنا الأنصار بأجمعها في سقيفة بني ساعدة فاجتمع المهاجرون إلى أبي بكر فقلت له يا أبا بكر انطلق بنا إلى إخواننا من الأنصار فانطلقنا نؤمهم حتى لقينا رجلان صالحان فذكرا لنا الذي صنع القوم فقال أين تريدون

(1/110)


يا معشر المهاجرين فقلت نريد إخواننا هؤلاء من الأنصار فقالا لا عليكم ألا تقربوهم واقضوا أمركم يا معاشر المهاجرين فقلت والله لنأتينهم فانطلقنا حتى جئناهم في سقيفة بني ساعدة فإذا هم مجتمعون وإذا بين ظهرانيهم رجل مزمل فقلت من هذا قالوا سعد بن عبادة فقلت ما له قالوا وجيع فلما جلسنا قام خطيبهم فأثنى على الله بما هو أهله وقال أما بعد فنحن أنصار الله وكتيبة الإسلام وأنتم يا معاشر المهاجرون رهط منا وقد دفت دافة منكم تريدون أن تختزلونا من أصلنا وتحضنونا من الأمر فلما سكت أردت أن أتكلم وكنت قد زورت مقالة أعجبتني أريد أن أقولها بين يدي أبي بكر وقد كنت أداري منه بعض الجسد وهو كان أحلم مني وأوقر فقال أبو بكر على رسلك فكرهت أن أغضبه وكان أعلم مني وأوقر والله ما ترك كلمة أعجبتني في تزويري إلا قالها في بديهته وأفضل حتى سكت فقال أما بعد فما ذكرتم من خير فأنتم أهله ولن تعرف العرب هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش هم أوسط العرب نسبا ودارا وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين فبايعوا أيهما شئتم وأخذ بيدي ويد أبي عبيدة بن الجراح فلم أكره مما قال غيرها وكان والله أن أقدم فتضرب عنقي لا يقربني ذلك إلى إثم أحب إلي أن أتأمر على قوم فيهم أبو بكر إلى أن تغير نفسي عند الموت. فقال قائل من الأنصار أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب منا أمير ومنكم أمير قال فكثر اللغط وارتفعت الأصوات حتى خشينا الخلاف فقلت ابسط يدك يا أبا بكر فبسط يده فبايعته وبايعه المهاجرون ثم بايعه الأنصار ونزونا على سعد بن عبادة فقال قائل منهم قتلتم سعد بن عبادة قال فقلت قتل الله سعد بن عبادة قال مالك فأخبرني ابن شهاب عن عروة بن الزبير أن الرجلين اللذين لقياهما عويم بن ساعدة ومعن بن عدي قال ابن شهاب وأخبرني سعيد بن المسيب أن الذي قال أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب الحباب بن المنذر أخرجاه. وفي رواية لما كان يوم الجمعة عجلت بالرواح حين زاغت الشمس حتى أجد سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل جالسا إلى ركن المنبر فجلست حذوه تمس ركبتي ركبته فلم أنشب أن خرج عمر فجلس على المنبر فلما سكت المؤذن قام فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال أما بعد فإني قائل لكم مقالة قد قدر لي أن أقولها لا أدري لعلها بين يدي أجلي فمن عقلها ووعاها فليحدث بها حيث انتهت به راحلته ومن خشي أن لا يعقلها فلا أحل لأحد أن يكذب علي ثم ذكر ما تقدم بتقديم بعض اللفظ وتأخير بعض أخرجاه. وفي رواية لما قالت الأنصار منا أمير ومنكم أمير قال عمر بن الخطاب من له مثل هذه الثلاث " ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا " قال ثم بسط يده فبايعه وبايعه الناس بيعة حسنة جميلة خرجه الترمذي في الشمائل في وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وخرج أبو حاتم معنى المتفق عليه وقال بعد قوله منا أمير ومنكم أمير فقال أبو بكر لا ولكنا الأمراء وأنتم الوزراء هم أوسط العرب دارا وأعزهم احتسابا فبايعوا عمر وأبا عبيدة فقال عمر بل يبايعك أنت فأنت سيدنا وخيرنا وأحبنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ عمر بيده فبايعه وبايعه الناس. وقال ابن إسحاق لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم انحاز هذا الحي من الأنصار إلى سعد بن عبادة في سقيفة بني ساعدة واعتزل علي بن أبي طالب والزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله في بيت فاطمة وانحاز بقية المهاجرون إلى أبي بكر وانحاز معهم أسيد بن حضير في بني عبد الأشهل فأتى آت إلى أبي بكر وعمر فقال إن هذا الحي من الأنصار مع سعد بن عبادة في سقيفة بني ساعدة قد انحازوا إليه فإن كان لكم بأمر الناس حاجة فأدركوا الناس قبل أن يتفاقم أمرهم ورسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته لم يفرغ من أمره قد أغلق دونه الباب أهله. قال عمر فقلت لأبي بكر انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء من الأنصار حتى ننظر ما هم عليه ثم ذكر معنى حديث ابن عباس وقال موسى بن عقبة قال ابن شهاب فبينما هم يحتفرون والله أعلم قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أقبل رجل فقرع الباب ونادى عمر بن الخطاب فقال عمر إنا مشاغيل فما حاجتك قال الرجل إنه لا بد لك من القيام وسترجع إن شاء الله تعالى فقام إليه عمر فقال له إن هذا الحي من الأنصار قد اجتمعوا في سقيفة بني ساعدة ومعهم سعد بن عبادة وناس من أشرافهم يقولون منا

(1/111)


أمير ومن المهاجرين أمير وقد خشيت أن تهيج فتنة فانظر يا عمر واذكر ذلك لإخوانك واحتالوا حيلتكم فإني أنظر إلى باب فتنة إن لم يغلقه الله عز وجل ففزع عمر وراعه ذلك ثم خرج هو وأبو بكر مسرعين إلى بني ساعدة وتركا نفرا من المهاجرين فيهم علي بن أبي طالب والفضل بن العباس وهم أقاربه وهم ولوا شأنه وغسله وتكفينه وانطلق أبو بكر وعمر فلقيا أبا عبيدة فانطلقوا جميعا حتى دخلوا سقيفة بني ساعدة وفيها رجال من أشراف الأنصار وسعد بن عبادة مضطجع بين أظهرهم يوعك ثم ذكر بمعنى حديث ابن عباس. وذكر موسى بن عقبة عن ابن شهاب أن أبا بكر يوم السقيفة تشهد وأنصت القوم فقال بعث الله نبيه بالهدى ودين الحق فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلىأمير ومن المهاجرين أمير وقد خشيت أن تهيج فتنة فانظر يا عمر واذكر ذلك لإخوانك واحتالوا حيلتكم فإني أنظر إلى باب فتنة إن لم يغلقه الله عز وجل ففزع عمر وراعه ذلك ثم خرج هو وأبو بكر مسرعين إلى بني ساعدة وتركا نفرا من المهاجرين فيهم علي بن أبي طالب والفضل بن العباس وهم أقاربه وهم ولوا شأنه وغسله وتكفينه وانطلق أبو بكر وعمر فلقيا أبا عبيدة فانطلقوا جميعا حتى دخلوا سقيفة بني ساعدة وفيها رجال من أشراف الأنصار وسعد بن عبادة مضطجع بين أظهرهم يوعك ثم ذكر بمعنى حديث ابن عباس. وذكر موسى بن عقبة عن ابن شهاب أن أبا بكر يوم السقيفة تشهد وأنصت القوم فقال بعث الله نبيه بالهدى ودين الحق فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى

(1/112)


الإسلام فأخذ الله بقلوبنا وتواصينا إلى ما دعا إليه فكنا معشر المهاجرين أول الناس إسلاما ونحن عشيرته وأقاربه وذوو رحمه ونحن أهل الخلافة وأوسط الناس أنسابا في العرب ولدتنا العرب كلها فليس منهم قبيلة إلا لقريش فيها ولادة ولن تصلح إلا لرجل من قريش هم أصبح الناس وجوها وأسلطهم ألسنة وأفضلهم قولا فالناس لقريش تبع فنحن الأمراء وأنتم الوزراء وأنتم يا معاشر الأنصار إخواننا في كتاب الله وشركاؤنا في دين الله تعالى وأحب الناس إلينا وأنتم الذين آووا ونصروا وأنتم أحق الناس بالرضا بقضاء الله تعالى والتسليم لفضيلة إخوانكم من المهاجرين وأحق الناس ألا تحسدوهم على خير أتاهم الله إياه وأنا أدعوكم إلى أحد رجلين ثم ذكر معنى ما قبله من حديث ابن عباس ثم قال فقالت الأنصار والله ما نحسدكم على خير ساقه الله إليكم وما أحد من خلق الله تعالى أحب إلينا ولا أعز علينا ولا أرضى عندنا منكم ونحن نشفق مما بعد اليوم فلو جعلتم اليوم رجلا منكم فإذا هلك اخترنا رجلا من الأنصار فجعلناه مكانه كذلك أبدا وكان ذلك أجدر أن يشفق القرشي إن زاغ أن ينقض عليه الأنصاري وأن يشفق الأنصاري إن زاغ أن ينقض عليه القرشي فقال عمر لا ينبغي هذا الأمر ولا يصلح إلا لرجل من قريش ولن ترضى العرب إلا به ولن تعرف الإمارة إلا له والله ما يخالفنا إلا قتلناه. فقام حباب بن المنذر السلمي فقال منا أمير ومنكم أمير أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب وقد دفت علينا دافة أرادوا أن يختزلونا من أصلنا ويحضنونا من الأمر وإن شئتم كررناها جذعة قال فكثر القول حتى كاد أن يكون بينهم في السقيفة حرب وتوعد بعضهم بعضا ثم تراد المسلمون وعصم الله لهم دينهم فرجعوا بقول حسن فسلموا الأمر وأغضبوا الشيطان فوثب عمر وأخذ بيد أبي بكر وقام أسيد بن الحضير أخو بني عبد الأشهل وبشير بن سعد يسبقان ليبايعا فسبقهما عمر وبايعاه معا ووثب أهل السقيفة يبتدرون البيعة وسعد بن عبادة مضطجع يوعك فازدحم الناس على بيعة أبي بكر فقال قائل من الأنصار اتقوا سعد بن عبادة ولا تطئوه فقال عمر اقتلوه قتله الله وقال عمر ذلك بغضب. فلما فرغ أبو بكر من البيعة رجع إلى المسجد فقعد على المنبر فبايعه الناس حتى أمسى وشغلوا عن دفن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى كان آخر الليل من ليلة الثلاثاء ثم ذكر حديث دفنه والصلاة عليه صلى الله عليه وسلم شرح الفلتة ما وقع عاجلا من غير ترو ولا تدبير في الأمر ولا احتيال فيه وكذلك كانت بيعة أبي بكر رضي الله عنه كأنهم استعجلوا خوف الفتنة وإنما قال عمر ذلك لأن مثلها من الوقائع العظيمة التي ينبغي للعقلاء التروي في عقدها لعظيم المتعلق بها فلا تبرم فلتة من غير اجتماع أهل العقد والحل من كل قاص ودان لتطيب الأنفس ولا تحمل من لم يدع إليها نفسه على المخالفة والمنازعة وإرادة الفتنة لا سيما أشرف الناس وسادات العرب فلما وقعت بيعة أبي بكر على خلاف ذلك قال عمر ما قال ثم إن الله وقى شرها فإن المعهود في وقوع مثلها في الوجود كثرة الفتن ووقوع العداوة والإحن فلذلك قال عمر وقى الله شرها. متزمل: متلفف بثوب أو كساء ومنه " يا أيها المزمل " والكتيبة: الجيش تقول منه كتب فلان الكتاب تكتيبا أي عبارة كتيبة كتيبة رهط منا: أراد أنكم جماعة منا ورهط الرجل قومه وقبيلته والرهط ما دون العشرة من الرجال لا يكون معهم امرأة وليس مرادا هنا قال تعالى " وكان في المدينة تسعة رهط " وليس لهم واحد من لفظهم مثل ذود والجمع أرهط وأرهاط وأراهط وأراهيط

(1/113)


دفت دافة هو من الدفيف يعني الدبيب تقول دفت علينا من بني فلان دافة أي جماعة ودون الجيش إذا زحف يختزلونا أي يقتطعونا والاختزال الاقتطاع ويحضنونا من الأمر أي يضمونا عنه كأنهم أخذونا إلى حضنهم وهو ما دون الإبط إلى الكشح وزورت في نفسي مقالة أي حسنتها وقومتها وتزوير الشيء تحسينه أداري: أدافع والحد والحدة بمعنى بديهته أي إتيانه بالكلام فجأة من غير فكرة ولا روية والبداهة بمعناه أوسط العرب نسبا أعدلهم وأشرفهم والجذيل: تصغير الجذل وهو عود ينصب للإبل الجرباء لتحتك به فأراد أن يستشفي برأي والعذيق: تصغير عذق وهو النخلة والترجيب أن تدعم النخلة إذا كثر حملها ومبادرة أبي بكر وعمر إلى البيعة على ما تضمنه حديث ابن إسحاق وموسى بن عقبة إنما كان مراعاة لمصلحة المسلمين وخشية اضطراب أمر الأمة وافتراق كلمتهم لا حرصا على الإمامة. وقد صرح بذلك أبو بكر في خطبته على ما سيأتي في الذكر بعده ولذلك دل في البيعة على غيره وخشي أن يخرج الأمر عن قريش فلا تدين العرب لمن يقوم به من غير قريش فيتطرق الفساد إلى أمر الأمة ولم يحضر معه في السقيفة من قريش غير عمر وأبي عبيدة فلذلك دل عليهما ولم يمكنه ذكر غيرهما ممن كان غائبا خشية أن يتفرقوا عن ذلك المجلس من غير إبرام أمر ولا إحكامه فيفوت المقصود ولو وعدوا بالطاعة لمن غاب منهم حينئذ ما أمنهم على تسويل أنفسهم إلى الرجوع عن ذلك فكان من النظر السديد والأمر الرشيد مبادرته وعقد البيعة والتوثق منهم فيها في حالته الراهنة. وذلك مما يرضى رسول الله صلى الله عليه وسلم ويراه من أهم المطالب ويصوب المبادرة إليه ويقدمه على تجهيزه فإنه صلى الله عليه وسلم ما زال شفيقا على أمته رحيما بهم مؤثرا لهم على نفسه حال حياته فناسب أن يكون كذلك بعد وفاته مع أنهم لم يبادروا إلى ذلك حتى علموا أن من قد تركوه عنده صلى الله عليه وسلم من أهله كافيا في ذلك فرأوا الجمع بين الأمرين وباشروا منهما ما كان صلى الله عليه وسلم كلفا مهتما به مراعاة لمحابه وإيثارا لما كان مؤثرة صلى الله عليه وسلم. وعن أبي سعيد الخدري قال لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم قامت خطباء الأنصار فجعل الرجل منهم يقول يا معشر المهاجرين إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا استعمل رجلا منكم قرن معه رجلا منا فنرى أن يلي هذا الأمر رجلان أحدهما منكم والآخر منا فتتابعت خطباء الأنصار على ذلك فقام زيد بن ثابت فقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان من المهاجرين وإن الإمام إنما هو من المهاجرين ونحن أنصاره كما كنا أنصار النبي صلى الله عليه وسلم قال فقام أبو بكر الصديق فقال جزاكم الله من حي خيرا يا معشر الأنصار ثبت الله مقالتكم أما والله لو نعلم غير ذلك لما صالحتكم خرجه في فضائل أبي بكر وقال حديث حسن.
ذكر بيعة العامة

(1/114)


عن أنس بن مالك قال لما كان يوم الاثنين كشف رسول الله صلى الله عليه وسلم ستر الحجرة فرأى أبا بكر يصلي بالناس قال فنظرت إلى وجهه كأنه ورقة مصحف وهو يبتسم فكدنا أن نفتتن في صلاتنا فرحا برؤية رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أرخى الستر وتوفي من يومه ذلك فقام عمر الغد من يوم توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر فتشهد وأبو بكر صامت لا يتكلم ثم قال إن يكن محمد قد مات فإن الله عز وجل قد جعل بين أظهركم نورا تهتدون به فاعتصموا به تهتدوا لما هدى الله محمدا صلى الله عليه وسلم ثم إن أبا بكر صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وثاني اثنين وإنه أولى الناس بأموركم فقوموا فبايعوه وكانت طائفة منهم قد بايعوه قبل ذلك في سقيفة بني ساعدة وكانت بيعة العامة على المنبر خرجه أبو حاتم وخرجه ابن إسحاق عن أنس ولفظه لما بويع أبو بكر في السقيفة وكان من الغد جلس أبو بكر على المنبر فقام عمر فتكلم فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال أيها الناس إني قد كنت قلت لكم بالأمس مقالة ما كانت ولا وجدتها في كتاب الله عز وجل ولا كانت عهدا عهده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكني قد كنت أرى رسول الله صلى الله عليه وسلم سيدبرنا أي يكون آخرنا وإن الله قد أبقى فيكم كتابه الذي به هدى رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن اعتصمتم به هداكم لما كان هداه له وأن الله قد جمع أمركم على خيركم صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وثاني اثنين إذ هما في الغار وأولى الناس بأموركم فبايعوه فبايع الناس أبا بكر بيعة العامة بعد بيعة السقيفة ثم تكلم أبو بكر فحمد الله تعالى وأثنى عليه ثم قال أما بعد أيها الناس فإني وليت عليكم ولست بخيركم فإن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني الصدق أمانة والكذب خيانة والضعيف منكم قوي عندي حتى أزيح عليه حقه إن شاء الله تعالى والقوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه إن شاء الله تعالى لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بالذل ولا تشيع الفاحشة في قوم قط إلا عمهم بالبلاء أطيعوني ما أطعت الله ورسوله فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم قوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله. وهذا الذي أخرجه ابن إسحاق بهذا السياق هو عند البخاري منقطع ومعناه مستوف وهذا مغاير لما تقدم عن موسى بن عقبة أن البيعة في المسجد كانت يوم الوفاة قبل الدفن ولعل البيعة على المنبر في المسجد تكررت أو كان قد بقي من لا يبايع في يوم الوفاة فجلس لهم صبيحة اليوم الثاني فبايعوه من غير أن يكون بينهما تضاد. قال ابن شهاب وغضب رجال من المهاجرين في بيعة أبي بكر منهم علي بن أبي طالب والزبير فدخلا بيت فاطمة معهما السلاح فجاءهما عمر بن الخطاب في عصابة من المسلمين منهم أسيد بن حضير وسلمة بن سلامة بن وقش وهما من بني عبد الأشهل ويقال منهم ثابت بن قيس بن شماس من بني الخزرج فأخذ أحدهم سيف الزبير فضرب به الحجر حتى كسره ويقال إنه كان فيهم عبد الرحمن بن عوف ومحمد بن مسلمة وإن محمد بن مسلمة هو الذي كسر سيف الزبير والله أعلم خرجه موسى بن عقبة وهذا محمول على تقدير صحته على تسكين نار الفتنة وإغماد سيفها لا على قصد إهانة الزبير وتخلف عن بيعة أبي بكر يومئذ سعد بن عبادة في طائفة من الخزرج وعلي بن أبي طالب وابناه والعباس عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وبنوه في بني هاشم والزبير وطلحة وسلمان وعمار وأبو ذر والمقداد وغيرهم من المهاجرين وخالد بن سعيد بن العاص ثم إنهم بايعوا كلهم فمنهم من أسرع بيعته ومنهم من تأخر حينا إلا ما روي عن سعد بن عبادة فإنهم قالوا أدركته المنية قبل البيعة ويقال قتلته الجن وقصته مشهورة عند أهل التاريخ وعلى الجملة لا خلاف بين طوائف المسلمين أن أبا بكر توفي يوم توفي ولا مخالف عليه من أهل الإسلام طوعا أو كرها كما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توفي يوم توفي وقد قامت حجة التبليغ وبلغ ذلك القاصي والداني وقامت كلمة الشهادتين طوعا وكرها. وقال أبو عبيد في كتاب الأحداث بايع أبا بكر جميع الأنصار غير سعد بن عبادة وقد كانت الأنصار أرادت أن تجعل البيعة له فقال عمر لا ندعه حتى يبايع فقال له بشير بن سعد أبو النعمان بن بشير وكان أول من صفق بيد أبي بكر ولعله أراد من الأنصار توفيقا بينه وبين حديث ابن عباس في أن أول من

(1/115)


بايع عمر ثم المهاجرون ثم الأنصار فقال بشير إنه ليس بمبايعكم حتى يقتل وليس بمقتول حتى يقتل معه ولده وأهل بيته وطائفة من عشيرته فإن تركتموه فليس تركه بضائركم إنما هو واحد فقبل أبو بكر نصيحة بشير ومشورته فكف عن سعد قال وكان سعد لا يصلي بصلاتهم ولا يصوم بصيامهم وإذا حج لم يفض بإفاضتهم فلم يزل كذلك حتى توفي أبو بكر وولي عمر فلم يلبث إلا يسيرا حتى خرج مجاهدا إلى الشام فمات بحوران في خلافة عمر ولم يبايع أحدا وهذا لا يقدح فيما تقدم ذكره من دعوى الإجماع بل نقول خلاف الواحد مع ظهور العناد والحمية الجاهلية لا يعد خلافا ينتقض به الإجماع والله أعلم. قال ابن شهاب ولما بويع لأبي بكر قام فخطب الناس واعتذر إليهم وقال والله ما كنت حريصا على الإمارة يوما ولا ليلة قط ولا كنت فيها راغبا ولا سألتها الله في سر ولا علانية ولكني أشفقت من الفتنة ومالي في الإمارة من راحة ولقد قلدت أمرا عظيما ما لي به طاقة ولا يدان إلا بتقوية الله عز وجل ولوددت أن أقوى الناس عليها مكاني اليوم فقبل المهاجرون منه ما قال وما اعتذر به وقال علي والزبير ما غضبنا إلا أن أخرنا عن المشورة وإن أبا بكر أحق الناس بها بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنه صاحب الغار وثاني اثنين وإنا لنعرف شرفه ولقد أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصلاة للناس وهو حي خرجه موسى بن عقبة صاحب المغازي. عمر ثم المهاجرون ثم الأنصار فقال بشير إنه ليس بمبايعكم حتى يقتل وليس بمقتول حتى يقتل معه ولده وأهل بيته وطائفة من عشيرته فإن تركتموه فليس تركه بضائركم إنما هو واحد فقبل أبو بكر نصيحة بشير ومشورته فكف عن سعد قال وكان سعد لا يصلي بصلاتهم ولا يصوم بصيامهم وإذا حج لم يفض بإفاضتهم فلم يزل كذلك حتى توفي أبو بكر وولي عمر فلم يلبث إلا يسيرا حتى خرج مجاهدا إلى الشام فمات بحوران في خلافة عمر ولم يبايع أحدا وهذا لا يقدح فيما تقدم ذكره من دعوى الإجماع بل نقول خلاف الواحد مع ظهور العناد والحمية الجاهلية لا يعد خلافا ينتقض به الإجماع والله أعلم. قال ابن شهاب ولما بويع لأبي بكر قام فخطب الناس واعتذر إليهم وقال والله ما كنت حريصا على الإمارة يوما ولا ليلة قط ولا كنت فيها راغبا ولا سألتها الله في سر ولا علانية ولكني أشفقت من الفتنة ومالي في الإمارة من راحة ولقد قلدت أمرا عظيما ما لي به طاقة ولا يدان إلا بتقوية الله عز وجل ولوددت أن أقوى الناس عليها مكاني اليوم فقبل المهاجرون منه ما قال وما اعتذر به وقال علي والزبير ما غضبنا إلا أن أخرنا عن المشورة وإن أبا بكر أحق الناس بها بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنه صاحب الغار وثاني اثنين وإنا لنعرف شرفه ولقد أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصلاة للناس وهو حي خرجه موسى بن عقبة صاحب المغازي.
ذكر بيعة علي رضي الله عنه

(1/116)


عن محمد بن سيرين قال لما بويع أبو بكر أبطأ علي في بيعته وجلس في بيته قال فبعث إليه أبو بكر ما أبطأ بك عني أكرهت إمارتي قال علي ما كرهت إمارتك ولكني آليت أن لا أرتدي ردائي إلا إلى الصلاة حتى أجمع القرآن قال ابن سيرين فبلغني أنه كتبه علي على تنزيله ولو أصيب ذلك الكتاب لوجد فيه علم كثير. وفي رواية أنه لقيه عمر فقال تخلفت عن بيعة أبي بكر فقال وذكر الحديث وزاد بعد قوله حتى أجمع القرآن فإني خشيت أن يفلت ثم خرج فبايعه أخرجه أبو عمر وغيره. وعن عائشة رضي الله عنها أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه مكث ستة أشهر حتى توفيت فاطمة رضي الله عنها لم يبايع أبا بكر ولم يبايعه أحد من بني هاشم حتى بايعه علي فأرسل علي بعد وفاة فاطمة إلى أبي بكر ائتنا ولا يأتنا معك أحد وكره أن يأتيه عمر لما علم من شدته فقال عمر لا تأتهم وحدك فقال أبو بكر لآتينهم وحدي وما عسى أن يصنعوا بي فانطلق أبو بكر حتى دخل على علي وقد جمع بني هاشم عنده فقام علي فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال أما بعد فإنه لم يمنعنا أن نبايعك يا أبا بكر إنكارا لفضيلتك ولا نفاسة عليك بخير ساقه الله إليك ولكنا كنا نرى أن لنا في هذا الأمر حقا فاستبددتم به علينا ثم ذكر قرابته من رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يزل علي يذكر ذلك حتى بكى أبو بكر فلما صمت علي تشهد أبو بكر فحمد الله تعالى وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال أما بعد فوالله لقرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب إلي أن أصلهم من قرابتي وإني والله ما آلو بكم في هذه الأموال التي كانت بيني وبينكم على الخير ولكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " لا نورث ما تركنا صدقة " إنما يأكل آل محمد في هذا المال وإني والله لا أذكر صنعه فيه إلا صنعته إن شاء الله تعالى ثم قال علي موعدك العشية للبيعة فلما صلى أبو بكر الظهر أقبل على الناس ثم عذر عليا ببعض ما اعتذر به ثم قام علي فعظم من حق أبي بكر فذكر فضيلته وسابقته ثم مضى إلى أبي بكر فبايعه وأقبل الناس إلى علي فقالوا أصبت وأحسنت حديث صحيح متفق عليه وخرج أبو الحسن علي بن محمد القرشي في كتاب الردة والفتوح أن بيعته كانت بعد وفاة فاطمة بخمسة وسبعين يوما شرح: استبددتم علينا أي انفردتم به دوننا ويقال استبد فلان بكذا أي انفرد به آلوا: أقصر وفلان لا يألوك نصحا فهو آل والمرأة آلية والجمع أوالي عذر عليا أقام عذره. وقوله رضي الله عنه كنا نرى أن لنا في هذا الأمر حقا المراد بالأمر الخلافة. ويدل عليه أن عليا بعث إلى أبي بكر ليبايعه فقدم العذر في تخلفه أولا فقال لم نمتنع نفاسة عليك ولا كذا ولا كذا ولكنا كنا نرى أن لنا في هذا الأمر حقا فعلم بالضرورة أن الأمر المشار إليه المعرف بلام العهد هو ما تضمنه الكلام الأول وما ذاك إلا ما وقع التخلف عنه وهو بيعة الإمامة أما الحق فالمراد به حق الخلافة إما بمعنى الأحقية أي كنا نظن أنا أحق منكم بهذا الأمر لقرابتنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم مضافا إلى ما اجتمع فينا من أهلية الإمامة مما ساوينا فيه غيرنا وإما بمعنى إني أستحق استحقاقا مساويا لاستحقاقكم على تقدير انضمام القرابة إليه إذ القرابة به أعظم معنى يحصل به الراجحية فإذا قدرنا التساوي دونها ترجح بها وإما بمعنى استحقاق ما ولو كان مرجوحا عند فرض انعقاد ولاية المرجوح ويكون منه بالقرابة على هذين الاحتمالين الآخرين تنبيها على ما كان ينبغي أن يعامل به ويراعى فيه من قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم والأول هو المختار والاحتمالان بعده باطلان لأنه رضي الله عنه إذا اعتقد أنه ليس بأحق وإن غيره مساو له أو راجح عليه وقد عقد له فلا يسعه التخلف لما فيه من شق العصا وتفريق الكلمة وقد صح تخلفه فكان دليلا على عدم اعتقاد ذلك وإلا لزم أن يكون تخلف عن الحق مع تمكنه منه ومنصبه أجل من ذلك ومرتبته في الدين أعظم ومنهاجه فيه أقوم ولا يقال إن التخلف إنما يكون تخلفا عن الحق إذا انعقدت الإمامة وهي إنما تنعقد بإجماع أهل الحل والعقد ومن ذكر من المتخلفين عن البيعة من أجلة أهل الحل والعقد لأنا نقول جمهور أهل الحل والعقد بايعوا أبا بكر وإذا اجتمع الجمهور على من تكاملت آلته واجتمع خصال الأهلية فيه ولم يكن مفضولا أو كان على رأي انعقدت الولاية ولزم

(1/117)


الباقين المتابعة على المبايعة إذا كانوا معترفين بأهليته لها وإلا جعل ذلك طريقا إلى عدم انعقاد كل بيعة وتطرق الخلل وانتشار المفاسد فلا يقوم للدين نظام أبدا وفي فتح هذا الباب من اعتراض الأهوية والأغراض ما لا خفاء به. وفي فتح هذا الباب من اعتراض الأهوية والأغراض مالا خفاء بهباقين المتابعة على المبايعة إذا كانوا معترفين بأهليته لها وإلا جعل ذلك طريقا إلى عدم انعقاد كل بيعة وتطرق الخلل وانتشار المفاسد فلا يقوم للدين نظام أبدا وفي فتح هذا الباب من اعتراض الأهوية والأغراض ما لا خفاء به. وفي فتح هذا الباب من اعتراض الأهوية والأغراض مالا خفاء به ولما بطل المعنيان تعين الأول وهو رؤيته أحقيته وأن المفضول لا تنعقد ولايته دفعا لذلك المحذور ولا يلزم من تخلفه في تلك المدة عن الإنكار التقرير على الباطل لأنا نقول إن رؤيته الأحقية كانت أول وهلة وغاب عنه إذ ذاك ما كان يعلمه من حق أبي بكر وفيه من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما اجتمع الجم الغفير على ولاية أبي بكر اتهم نظره في حق نفسه ولم ير المبادرة إلى إظهاره ولا المطالبة لمقتضاه حتى يبذل جهده في السير والنظر وإمحاض الفكر بأن ذلك من الوقائع العظيمة في الدين وفيه تفريق كلمة من اجتمع من المسلمين فلم يقنع فيه بمبادئ النظر خشية استمالة الهوى الحيلي وحب الرياسة الطبيعي ولا رأى الموافقة لما ارتسم في ذهنه من رؤية أحقيته فيما يستحق به الإمامة وتعين وجوب القيام بالأمر عليه لكونه أحق وكان ذلك في مبادئ النظر قبل الإمعان فيه فتخلف عن الأمرين سالكا في ذلك سبيل الورع والاحتياط فيهما عنده باذلا جهده في الاجتهاد والنظر تلك المدة فكان في تخلفه فيها مجتهدا ذا أجر فلما تبين له أحقية أبي بكر وأفضليته بتذكر مقتضيات الأفضلية ولتقديمه نقلا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ذكرناه عنه في فضليهما ونتيجة نظر قويم واجتهاد من حبر عليم ووافى ذلك وفاة فاطمة أرسل إلى أبي بكر أن ائتنا واعتذر إليه بأنه كان يرى أحقيته وسياق هذا اللفظ يشعر بأن تلك الرؤية قد زالت ولم يكن ذكره للقرابة إقامة للحجة على أبي بكر فإنه معتذر ولا تليق المحاجة بالمعتذر وإنما كان إظهارا لمستند تخلفه وتبيانا لمعتمد تمكنه لكيلا يظن به أن تخلفه لهوى متبع بغير هدى من الله لا عن اجتهاد ونظر وإن لم يكن صحيحا إذ المجتهد معذور ولو أخطأ ولذلك كان له أجر والله أعلم وهذا التأويل مما يجب اعتقاده ويتعين المصير إليه لأنه رضي الله عنه إما أن يعتقد صحة خلافة أبي بكر مع أحقيته فيكون تخلفه عن البيعة ومفارقة الجماعة ونزع ربقة الطاعة عدولا عن الحق وماذا بعد الحق إلا الضلال وهو مبرأ عن ذلك ومنزه عنه رضي الله عنه مبرا عن ذلك ومنزه عنه أولا يعتقد صحتها فيكون قد أقر على الباطل لأنه رضي الله عنه أقر الطير على وكناتها ولم يظهر منه نكير على فعلهم لا بقول ولا بفعل مع قوة إيمانه وشدة بأسه وكثرة ناصره وكفى بفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم والعباس عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وبني هاشم بأجمعهم ظهيرا ونصيرا مع ما أسس له رسول الله صلى الله عليه وسلم من القواعد في العقائد وأن موالاته مع موالاته ومحبته مع محبته والدعاء لمن والاه وعلى من عاداه ومع ذلك كله لم يظهر عنه ما يقتضيه حال مثله من إنكار الباطل بحسب طاقته فلو كان باطلا للزم تقريره الباطل واللازم باطل إجماعا فالملزوم كذلك والقول بأن سكوته كان تقية كما يزعم الروافض باطل عريق في البطلان فإن مقتضى ذلك ضعف إما في الدين أو في الحال والأول باطل إجماعا والثاني أيضا باطل لما قررناه آنفا. ويتأيد ذلك بما تضمنه حديث الحسن البصري عنه المتضمن نفي العهد إليه بالخلافة وتقدم الذكر الأول من هذا الفصل وفيه لو كان عندي عهد من النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك ما تركت أخا بني تيم بن مرة وعمر بن الخطاب يقومان على منبره ولقاتلتهما بيدي ولو لم أجد إلا بردتي هذه الحديث وهذا أدل دليل على أنه لم يسكت تقية إذ لو علم بطلان ذلك وأنه المستحق لها دونه لتعين عليه القيام وكان كالعهد إليه وقد أخبر رضي الله عنه أنه لو تعين عليه بالعهد إليه لقاتل.

(1/118)


فكذلك إذا تعين عليه بغير العهد إلحاقا به والجامع اشتراكهما في التعين عليه ولقد أحسن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب حيث قال لبعض الرافضة لو كان الأمر كما تقولون أن النبي صلى الله عليه وسلم اختار عليا لهذا الأمر والقيام على الناس بعده فإن عليا أعظم الناس خطية وجرما إذا ترك أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقوم به ويعذر إلى الناس. فقال له الرافضي ألم يقل النبي صلى الله عليه وسلم " من كنت مولاه فعلي مولاه " فقال: أما والله لو يعني بها رسول الله صلى الله عليه وسلم الأمر والسلطان لأفصح به كما أفصح بالصلاة والزكاة والحج والصيام وقال أيها الناس إنه الولي بعدي فاسمعوا له وأطيعوا خرجه ابن السمان في الموافقة.

(1/119)


فإن قيل قوله فاستبددتم به علينا يشعر بأن المراد بالحق المشاورة والمراجعة والاشتراك في الرأي وأنه إنما نقم انفرادهم دونهم وأنهم لو أشركوه معهم في الرأي لتابعهم عليه هذا هو المتبادر إلى الفهم عند سماع هذا السياق وما ذكرتموه فيه صرف للفظ عن ظاهره ولا يبقى لذكر الاستبداد معنى قلنا هذا الصرف واجب متعين لأنا لو حملنا الحق على الاشتراك في الرأي للزم في حقه ما ذكرناه من المحذور لأنه إما أن يعتقد صحة الخلافة مع عدم مشاورته فيلزم التخلف عن الحق وإما أن لا يعتقد ذلك فيلزم التقرير على الباطل على ما تقدم تقريره ثم إن نفس التخلف عن البيعة بعد إجماع الجم الغفير لا يجوز إلا لمقتض وما ذاك إلا رؤية أحقية غيره عند من لا يرى صحتها للمفضول أو أن المتولي لم يستكمل شروط الإمامة وكلاهما باطلان. أما الأول فلما تقدم وأما الثاني فلأن المبطل إما فوات شرط إجماعا وهو منتف هنا إجماعا وإما وجود الأفضل على رأي وهو المطلوب وقد تكلمنا عليه وليس لقائل أن يقول إن سكوت علي لا يعد به مخالفا إذ لم يشق عصا فيعد بتلك ممن أجمع. ويصح حمل الحق على المشاورة ويستأنس بما صرح به موسى بن عقبة عن علي إنما نقم عليهم أمر المشورة كما تقدم في آخر بيعة العامة لأن عليا رضي الله عنه من كبار أهل الحل والعقد ومثله لا يقتنع منه بالسكوت والظاهر من حاله أن يخلفه ابتداء إنما كان لما ذكرناه وأما كونه نقم عدم مشاورته نفي من هنا شيء وأما لفظ الاستبداد فيستعمل في العرف على ما لا يصح فيه الاشتراك فيتجه فيه ما تقدم ذكره من الاعتراض وعلى ما يصح فيه فيكون بمعنى غلب وحاز الشيء قهرا عن الغير والناقم عليه ذلك والناقم أصل الحيازة لتعذر الاشتراك. وقد دللنا على تعين إرادة الإمامة بالأمر وهي مما لا يقبل الاشتراك فيكون الذي نقم عليهم أصل الحيازة فيكون المراد بالحق حقا في الخلافة على ما قررناه فإن قيل لم لا يجوز أن يراد بالأمر الميراث والحق حق الإرث ويكون تقدير الكلام كنا نظن أن لنا مما خلفه رسول الله صلى الله عليه وسلم حقا وأنك منعتنا إياه وأصررت على المنع فلم تصح لذلك خلافتك فلذلك تخلفنا عن البيعة. ويدل على ذلك جواب أبي بكر بنفي الميراث وحب صلتهم وإلا لما صلح جوابا فوجب المصير إلى هذا المعنى صونا لكلام هذا الفصيح عن الزلل وهو من أفصح العرب وأعرفهم بما يقول ومن سئل عن شيء فأجاب عن غيره لم يعد كلامه منتظما إلا أن يكون بينهما ارتباط كما إذا قيل كيف أصبح حال زيد فقال أصبح حال عمرو جميلا وحال عمرو إنما يتحمل حال زيد فقد يسوغ ذلك أما إذا لم يكن كما في هذه الصورة فلا قلنا صورة الحال وسياق المقال يشهدان بخلافه وينبوان عنه فإن اعتذاره إنما كان من تخلفه عن البيعة فقال لم يمنعنا أن نبايعك يا أبا بكر إنكارا لفضيلتك ولا نفاسة لخير ساقه الله إليك ولكنا كنا نرى أن لنا في هذا الأمر الحديث ولم يجر في حديثه ذكر الميراث والمتبادر إلى الفهم عند سماع هذا اللفظ ليس إلا الخلافة وجواب أبي بكر محمول على تقدم كلام آخر تركه الراوي ويكون علي لما فرغ من قوله كنا نظن أن لنا في هذا الأمر حقا تعرض لذكر الميراث ثم اعتذر عن المبايعة فأغنى أبا بكر عن الجواب لأن قوله كنا نرى يقتضي أن تكون تلك الرؤية سابقة ثم انقطعت وإن روايته الآن غير تلك هذا هو المفهوم من سياق لفظه فما عسى أن يقول له أبو بكر وقد دل كلامه على تغير نظره والإجابة إلى مبايعته ورؤية الحق في ذلك فاستغنى أبو بكر عن الجواب في فصل البيعة وعدل إلى جواب فصل الميراث أو يقول لم يجر للميراث في هذا المجلس ذكر إلا أنه قد كان ذكر قبل ذلك على ما دل عليه أحاديث كثيرة أن فاطمة جاءت تطلب ميراثها فلما كان هذا المجلس المعقود لإزالة صورة الوحشة الظاهرة والدخول فيما دخل فيه الجماعة واعتذر علي بما اعتذر به وقبل أبو بكر عذره ثم أنشأ ذكر الميراث معتذرا عما توهم فيه أولا نافيا له حالفا على الإنصاف بخلافه محتجا على قضية الميراث بالحديث المذكور وقصد بذلك إزالة بقايا وحشة إن كانت حتى لا يبقى لها أثر أصلا على أنا نقول على أي معنى حمل الحديث عليه فحاصله يرجع إلى أن عليا رجع عما كان عليه وأنه كان يظن أن له حقا إما في الخلافة وإما بمعنى مطلق الحق أو بمعنى الأحقية وإما في الميراث وإما في

(1/120)


المشاورة ترتب على عدم اتصاله به تخلفه عن البيعة ثم بان له خلاف ذلك وأنه جاء معتذرا مراجعا للحق داخلا فيما دخل فيه الجماعة على ما قررناه وذلك كله يفسد المطلوب وإنما طال البحث في تمهيد ما هو الأولى به واللائق بمنصبه وحمل الحديث على وجه لا يتطرق معه خلل في حقه ولا في حقهم والحمد لله أن وفق لذلك وأن لم يشقنا بالخوض فيهم بما نستوجب به مقته والوحشة من أحد منهم وأن أسعدنا بمحبتهم والذب عنهم ونسأله تمام هذه النعمة بالحشر معهم والكون في زمرتهم فقد قال نبينا صلى الله عليه وسلم " المرء مع من أحب آمين آمين " . فإن قيل لأي معنى أرسل علي إلى أبي بكر إن ائتنا وهلا سعى إليه وقد اتضح له الحق قلنا لم يكن إرساله إليه ترفعا ولا تعاظما لا والله ولا يحل اعتقاد ذلك وكيف يعتقد ذلك وهو يريد مبايعته والانقياد له وإنما كان ذلك لمعنى اقتضاه الحال وهو طلب اختلائه به خشية أن يقع عتاب على الصورة الظاهرة بين العامة فربما وقع اعتراض من محق أو تعرض من ذي غرض فيكثر اللغط وترتفع الأصوات فلا يتوفر على إبداء العذر ولذلك قال ائتنا وحدك دفعا للتشاجر المتوقع بحسب الإمكان وكان على ثقة من الخلوة في بيته دون مكان آخر فلذلك أرسل إليه ليأتيه فيه ثم اعتذر إليه بما اعتذر من اعتقد خلاف ذلك فقد حاد عن الحق وجنح إلى الباطل بل اقتحمه فإن قيل الحديث الأول من هذا الذكر يدل على أن التخلف كان بسبب الألية على أنه لا يرتدي رداء إلا إلى الصلاة حتى يجمع القرآن وظاهر تضاد ما تضمنه هذا الحديث من أن التخلف كان لما رآه من أن له حقا فكيف يجمع بينهما أم كيف يكون الحلف عذرا في التخلف عن الواجب المتعين والحنث لأجله واجب كنظيره من الحلف على الصلاة الواجبة. قلنا هذا الحديث متفق على صحته فلا يعارضه الحديث الأول وإن صح الجميع فالجمع ممكن بأن يكون سبب امتناعه وتخلفه أولا عن البيعة ما ذكرناه ثم خطر له جمع القرآن وهو في مهلة النظر المتقدم ذكره فآلى تلك الألية ثم أرسل إليه أبو بكر ثم لقيه عمر أو يكون الرسول عمر ووافى ذلك ظهور أحقية أبي بكر عنده فأرسل إليه معتذرا في التخلف بتلك الألية مسلما منقادا طائعا يدل عليه اعتذاره ونفيه كراهية إمامته واقتضاء نظره إذ ذاك أن هذا القدر كاف في الطواعية والانقياد والدخول فيما دخل فيه الجماعة فلم ير الحنث مع السعة خشية أن ينفك عزمه وينقسم نظره عند ملابسته الناس ومخالطتهم فأقام إظهار عذره مقام حضوره لا أنه رأى اليمين عذرا ولا أنه بقي على ما كان عليه من رؤية أحقيته ثم لما تفرغ باله وانحل عقد يمينه وأمن ما يحذره من فوات ما تصدى له أرسل إلى أبي بكر أن ائتنا ليجمع بين الانقياد حالا ومقالا ولينفي الظن الناشيء عن الصورة الظاهرة ويقطع مقال أهل الأهوية وإلا فقد كان الأول عنده كافيا فلما جاءه أبو بكر أبدى له العذر في امتناعه أول وهلة لأنه لم يتقدم منه اعتذار عنه وسكت عن العذر في استصحابه ذلك لأنه كان قد اعتذر عنه بالألية فما احتاج إلى إعادته وكان عذره عن الأول ما تقدم تقريره في منطوق بقوله كنا نرى لنا حقا ومفهوم معناه ثم اتضح لنا أحقيتك دوننا وزال ما كان من تلك الرؤية وإذا تقرر هذا فنقول إذا دار الأمر بين أن تكون تلك الرؤيا الأولى دامت إلى حين الإرسال إليه أوانقطعت وكان العذر في التخلف ما تقدم في الحديث المتقدم كان حمله على الثاني أولى جمعا بين الحديثين بحسب الإمكان ومتى أمكن الجمع كان أولى من إسقاط أحدهما. ذكر بيعة الزبير رة ترتب على عدم اتصاله به تخلفه عن البيعة ثم بان له خلاف ذلك وأنه جاء معتذرا مراجعا للحق داخلا فيما دخل فيه الجماعة على ما قررناه وذلك كله يفسد المطلوب وإنما طال البحث في تمهيد ما هو الأولى به واللائق بمنصبه وحمل الحديث على وجه لا يتطرق معه خلل في حقه ولا في حقهم والحمد لله أن وفق لذلك وأن لم يشقنا بالخوض فيهم بما نستوجب به مقته والوحشة من أحد منهم وأن أسعدنا بمحبتهم والذب عنهم ونسأله تمام هذه النعمة بالحشر معهم والكون في زمرتهم فقد قال نبينا صلى الله عليه وسلم " المرء مع من أحب آمين آمين " . فإن قيل لأي معنى أرسل علي إلى أبي بكر إن ائتنا وهلا سعى إليه وقد اتضح له الحق قلنا لم يكن إرساله إليه ترفعا ولا تعاظما لا والله ولا يحل اعتقاد ذلك وكيف يعتقد ذلك وهو يريد مبايعته والانقياد له وإنما كان ذلك لمعنى اقتضاه الحال وهو طلب اختلائه به خشية أن يقع عتاب على الصورة الظاهرة بين العامة فربما وقع اعتراض من محق أو تعرض من ذي غرض فيكثر اللغط وترتفع الأصوات فلا يتوفر على إبداء العذر ولذلك قال ائتنا وحدك دفعا للتشاجر المتوقع بحسب الإمكان وكان على ثقة من الخلوة في بيته دون مكان آخر فلذلك أرسل إليه ليأتيه فيه ثم اعتذر إليه بما اعتذر من اعتقد خلاف ذلك فقد حاد عن الحق وجنح إلى الباطل بل اقتحمه فإن قيل الحديث الأول من هذا الذكر يدل على أن التخلف كان بسبب الألية على أنه لا يرتدي رداء إلا إلى الصلاة حتى يجمع القرآن وظاهر تضاد ما تضمنه هذا الحديث من أن التخلف كان لما رآه من أن له حقا فكيف يجمع بينهما أم كيف يكون الحلف عذرا في التخلف عن الواجب المتعين والحنث لأجله واجب كنظيره من الحلف على الصلاة الواجبة. قلنا هذا الحديث متفق على صحته فلا يعارضه الحديث الأول وإن صح الجميع فالجمع ممكن بأن يكون سبب امتناعه وتخلفه أولا عن البيعة ما ذكرناه ثم خطر له جمع القرآن وهو في مهلة النظر المتقدم ذكره فآلى تلك الألية ثم أرسل إليه أبو بكر ثم لقيه عمر أو يكون الرسول عمر ووافى ذلك ظهور أحقية أبي بكر عنده فأرسل إليه معتذرا في التخلف بتلك الألية مسلما منقادا طائعا يدل عليه اعتذاره ونفيه كراهية إمامته واقتضاء نظره إذ ذاك أن هذا القدر كاف في الطواعية والانقياد والدخول فيما دخل فيه الجماعة فلم ير الحنث مع السعة خشية أن ينفك عزمه وينقسم نظره عند ملابسته الناس ومخالطتهم فأقام إظهار عذره مقام حضوره لا أنه رأى اليمين عذرا ولا أنه بقي على ما كان عليه من رؤية أحقيته ثم لما تفرغ باله وانحل عقد يمينه وأمن ما يحذره من فوات ما تصدى له أرسل إلى أبي بكر أن ائتنا ليجمع بين الانقياد حالا ومقالا ولينفي الظن الناشيء عن الصورة الظاهرة ويقطع مقال أهل الأهوية وإلا فقد كان الأول عنده كافيا فلما جاءه أبو بكر أبدى له العذر في امتناعه أول وهلة لأنه لم يتقدم منه اعتذار عنه وسكت عن العذر في استصحابه ذلك لأنه كان قد اعتذر عنه بالألية فما احتاج إلى إعادته وكان عذره عن الأول ما تقدم تقريره في منطوق بقوله كنا نرى لنا حقا ومفهوم معناه ثم اتضح لنا أحقيتك دوننا وزال ما كان من تلك الرؤية وإذا تقرر هذا فنقول إذا دار الأمر بين أن تكون تلك الرؤيا الأولى دامت إلى حين الإرسال إليه أوانقطعت وكان العذر في التخلف ما تقدم في الحديث المتقدم كان حمله على الثاني أولى جمعا بين الحديثين بحسب الإمكان ومتى أمكن الجمع كان أولى من إسقاط أحدهما. ذكر بيعة الزبير 4

(1/121)


عن أبي سعيد الخدري قال: قال أبو بكر لعلي بن أبي طالب قد علمت أني كنت في هذا الأمر قبلك قال صدقت يا خليفة رسول الله فمد يده فبايعه فلما جاء الزبير قال أما علمت أني كنت في هذا الأمر قبلك قال فمد يده فبايعه خرجه في فضائله وقال حديث حسن.
ذكر استقالة أبي بكر من البيعة
عن زيد بن أسلم قال دخل عمر على أبي بكر وهو آخذ بطرف لسانه وهو يقول إن هذا أوردني الموارد ثم قال يا عمر لا حاجة لي في إمارتكم قال عمر والله لا نقيلك ولا نستقيلك خرجه حمزة بن الحارث. وعن أبي الجحاف قال قام أبو بكر بعدما بويع له وبايع له علي وأصحابه فأقام ثلاثا يقول يا أيها الناس قد أقلتكم بيعتكم هل من كاره قال فيقوم علي في أوائل الناس يقول لا والله لا نقيلك ولا نستقيلك قدمك رسول الله صلى الله عليه وسلم فمن ذا الذي يؤخرك خرجه ابن السمان في الموافقة. وعنه قال احتجب أبو بكر عن الناس ثلاثا يشرف عليهم كل يوم يقول قد أقلتكم بيعتي فبايعوا من شئتم قال فيقوم ابن أبي طالب فيقول لا والله لا نقيلك ولا نستقيلك قدمك رسول الله صلى الله عليه وسلم فمن ذا الذي يؤخرك خرجه الحافظ السلفي في المشيخة البغدادية وابن السمان في الموافقة وأبو الجحاف هذا هو داود بن عوف البرجمي التميمي مولاهم كوفي ثقة روى عن غير واحد من التابعين وهو حديث مرسل من الطريقين. وعن جعفر عن أبيه قال لما استخلف أبو بكر خير الناس سبعة أيام فلما كان يوم السابع أتاه علي بن أبي طالب فقال لا نقيلك ولا نستقيلك ولولا أنا رأيناك أهلا ما بايعناك خرجه ابن السمان في الموافقة. وعن سويد بن غفلة قال لما بايع الناس أبا بكر قام خطيبا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أيها الناس أذكر بالله أيما رجل ندم على بيعتي لما قام على رجليه قال فقام علي بن أبي طالب ومعه سيفه فدنا علي منه حتى وضع رجلا على عتبة المنبر والأخرى على الحصى وقال والله لا نقيلك ولا نستقيلك قدمك رسول الله صلى الله عليه وسلم فمن ذا يؤخرك خرجه في فضائله وقال هو أسند حديث روي في هذا المعنى وسويد بن غفلة أدرك الجاهلية وأسلم في حياة النبي صلى الله عليه وسلم. وعن الحسن قال لما بويع أبو بكر قام دون مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال يا أيها الناس إني شيخ كبير فاستعملوا عليكم من هو أقوى مني على هذا الأمر وأضبط له فضحكوا وقالوا لا نفعل أنت صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم في المواطن وأحق بهذا الأمر فقال أما إذا أبيتم فأحسنوا طاعتي ومؤازرتي واعلموا إنما أنا بشر ومعي شيطان يعتريني فإذا رأيتموني غضبت فقوموا عني لا أؤثر في أشعاركم وأبشاركم واتبعوني ما استقمت فإن زغت فقوموني خرجه حمزة بن الحارث وابن السمان في الموافقة. وعنه قال خطب أبو بكر على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فخنقته العبرة فحمد الله وأثنى عليه فقال يا أيها الناس إني ما جعلت لهذا المكان أن أكون خيركم قال الحسن وهو والله خيرهم غير مدافع ولكن المسلم يهضم نفسه أبدا ولوددت أني كفاني هذا الأمر بعضكم قال الحسن وهو والله صادق وإن أخذتموني بما كان الله عز وجل يقوم به لرسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي فما ذاك عندي ما أنا إلا كأحدكم فإن رأيتموني استقمت فاتبعوني وإذا أنا زغت فقوموني خرجه أبو القاسم بن بشران. وفي رواية إنما أنا بشر ولست بخير من واحد منكم فراعوني فإن رأيتموني استقمت ثم ذكر ما بعده خرجهما في فضائله.
ذكر ما يدل على انه كان كارها للولاية وإنما تحملها رعاية لمصلحة المسلمين

(1/122)


عن رافع الطائي قال صحبت أبا بكر في غزاة قلت يا أبا بكر أوصني ولا تطول علي فأنثنى فقال يرحمك الله يرحمك الله بارك الله عليك بارك الله عليك أقم الصلاة المكتوبة لوقتها وأدر زكاة مالك طيبة بها نفسك وصم رمضان وحج البيت ولا تكونن أميرا قال قلت له إنه ليخيل إلى أن أمراءكم اليوم خياركم فقال إن هذه الإمارة اليوم يسيرة وقد أوشكت أن تفشو وتكثر حتى ينالها من ليس بأهل وأنه من يكن أميرا فإنه من أطول الناس حسابا وأغلظهم عذابا ومن لا يكن أميرا فإنه من أيسر الناس حسابا وأهونهم عذابا لأن الأمراء أقرب من ظلم المؤمنين ومن يظلم المؤمنين فإنه يخفر الله هم جيران الله وهم عواذ الله والله إن أحدكم لتصاب شاة جاره أو بعير جاره فيبيت وارم العضل فيقول شاة جاري وبعير جاري فالله أحق أن يغضب لجيرانه وسألته بعد ذلك لما ولى عن ما قبل من بيعتهم وقال وهو يحدثه عما تكلمت به الأنصار وما كلمهم به وما كلم عمر بن الخطاب الأنصار وما ذكرهم به من إمامته إياهم بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه فبايعوني لذلك وقبلنا منهم وتخوفنا أن تكون فتنة تكون بعدها ردة أخرجه أبو ذر الهروي في مستدركه على الصحيح وعن الحسن أن أبا بكر خطب فقال أما بعد فإني وليت الأمر وأنا كاره له والله لوددت أن بعضكم كفانيه خرجه في فضائله.
ذكر خطبة أبي بكر لما ولي الخلافة
عن عروة عن أبيه قال خطب أبو بكر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد فإني وليت أمركم لست بخيركم ولكنه نزل القرآن وسن الني صلى الله عليه وسلم السنة وعلمنا فعلمنا وأعلموا أيها الناس أن أكيس الكيس التقي أو قال الهدى واعجز العجز الفجور وإن أقواكم عندي الضعيف حتى آخذ له بحقه وإن أضعفكم عندي القوي حتى آخذ منه الحق أيها الناس إنما أنا متبع ولست بمبتدع فإن أنا أحسنت قولي فأعينوني وإن أنا زغت فقوموني أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم خرجه في فضائله. وعن قيس بن أبي حازم قال إني جالس عند أبي بكر خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بشهر فذكر قصته فنودي في الناس إن الصلاة جامعة وهي أول صلاة في المسلمين نودي بها أن الصلاة جامعة فاجتمع الناس فصعد المنبر شيئا صنع له كان يخطب عليه فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أيها الناس لوددت أن هذا الأمر كفانيه غيري ولئن أخذتموني بسنة نبيكم لا أطيقها إن كان لمعصوما من الشيطان وإن كان لينزل عليه الوحي من السماء خرجه أحمد وخرج معناه حمزة بن الحارث وقد تقدم في ذكر الاستقالة.
ذكر ما فرض له من بيت المال..

(1/123)


عن حميد بن هلال قال لما ولي أبو بكر قال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم افرضوا لخليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يغنيه قالوا نعم برداه إذا أخلقهما وضعهما وأخذ مثلهما وظهره إذا سافر ونفقته على أهله كما كان ينفق قبل أن يستخلف خرجه في الصفوة. وعن إبراهيم بن محمد بن سعيد بن عباس قال كان رزق أبي بكر الصديق حين استخلف خمسين ومائتي دينار في السنة وشاة في كل يوم يؤخذ منه بطنها ورأسها وأكارعها فلم يكن يكفيه ذلك ولا عياله قالوا وقد كان ألقى ماله في مال الله حين استخلف قال فخرج إلى البقيع فتصافق قال فجاء عمر فإذا هو بنسوة جلوس فقال ما شأنكن قلن نريد أمير المؤمنين وقال بعضهن نريد خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم يقضي بيننا فانطلق يطلبه فوجده في السوق قال فأخذ بيده فقال هنا تعال فقال لا حاجة لي في إمارتكم رزقتموني مالا يكفيني ولا عيالي قال فإنا نزيدك قال أبو بكر ثلاثمائة دينار والشاة كلها قال أما هذا فلا فجاء علي وهما على حالهما تلك فلما سمع ما سأله قال أكملها له قال ترى ذلك قال نعم قال فقد فعلنا فقال أبو بكر أنتما رجلان من المهاجرين لا أدري أيرضى بها بقية المهاجرين أم لا فانطلق أبو بكر فصعد المنبر واجتمع إليه الناس فقال أيها الناس إن رزقي كان خمسين ومائتي دينار وشاة يؤخذ بطنها ورأسها وأكارعها وإن عمر وعليا كملا لي ثلثمائة دينار والشاة أفرضيتم فقال المهاجرون اللهم نعم قد رضينا فقال أعرابي من جانب المسجد لا والله ما رضينا فأين حق أهل البادية فقال أبو بكر إذا رضي المهاجرون شيئا فإنما أنتم تبع خرجه أبو حذيفة إسحاق بن بشر في فتوح الشام وقد سبق طرف من ذلك في ذكر تواضعه في فصل فضائله وذكر ابن النجار في كتاب أخبار المدينة أنهم فرضوا له في كل سنة ستة آلاف درهم. وقد جاء عن عائشة قالت لما استخلف أبو بكر قال لقد علم قومي أن حرفتي لم تكن تعجز عن مؤنة أهلي وشغلت بأمر المسلمين فسيأكل آل أبي بكر من هذا المال ويحترف للمسلمين فيه خرجه البخاري وظاهره يدل على أنه كان يتجر في ماله عوضا عما يأكل إلا أنه لا يلائم قوله شغلت بأمر المسلمين سواء كان بماله أو بمالهم ولا يقال إنه من أمر المسلمين فيدخل تحت عموم الشغل بأمر المسلمين فإن الشغل الذي أقيم له غيره هذا وأهم منه ولعله والله أعلم يريد بالاحتراف الاشتغال بحفظه وتأدية الحقوق فيه ومنه وتحصيله من وجوهه فأطلق عليه احترافا توسعا وإن كان المتعارف في الاحتراف غير هذا.
ذكر ما روي من قول أبيه أبي قحافة عند بلوغه خبر ولايته
عن سعيد بن المسيب قال لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ارتجت مكة فسمع بذلك أبو قحافة فقال ما هذا قالوا قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أمر جلل من ولي بعده قالوا ابنك قال فهل رضيت بذلك بنو عبد مناف وبنو المغيرة قالوا نعم قال لا مانع لما أعطى الله ولا معطي لما منع الله خرجه أبو عمر شرح: ارتجت: اضطربت والجلل: الأمر العظيم قال الشاعر:
قومي هم قتلو أميم أخي ... فإذا رميت يصيبني سهمي
فلئن عفوه لأعفون جللا ... ولئن سطوت لأوهنن عظمي
والجلل أيضا: الهين الحقير وهو من الأضداد هكذا ذكره الجوهري قال والجلال بالضم العظيم لا غير والجلالة الناقة العظيمة وقال الخليل يقال أمر جلل بالضم للعظيم وبفتحها للحقير.
الفصل الرابع عشر
في ذكر وفاته
رضي الله عنه وما يتعلق بها

(1/124)


قال أهل السير توفي أبو بكر رضي الله عنه ليلة الثلاثاء بين المغرب والعشاء لثمان بقين من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة ذكره في الصفوة. وقال ابن إسحاق توفي يوم الجمعة لتسع بقين من الشهر المذكور ذكره أبو عمر والأول أصح لما روت عائشة قالت لما نقل أبو بكر قال أي يوم هذا قلنا يوم الاثنين قال فأي يوم توفي فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم قلنا يوم الاثنين قال فإني أرجو فيما بيني وبين الليل قال وكان عليه ثوب فيه ردغ من مشق فقال إذا أنا مت فاغسلوا لي ثوبي هذا وضموا إليه ثوبين جديدين وكفنوني في ثلاثة أثواب فقلنا ألا نجعلها جدادا كلها قال لا إنما هو للمهلة قال فمات ليلة الثلاثاء خرجه البخاري وأحمد. وفي رواية أنها قالت قال أبي في كم كفنتم رسول الله صلى الله عليه وسلم قلنا في ثلاثة أثواب سحولية ليس فيها قميص ولا عمامة فنظر إلى ثوب كان تحته يمرض فيه وفيه ردغ من زعفران أو مشق فقال اغسلوا هذا ثم زيدوا عليه ثوبين ثم ذكرت باقي الحديث. وفي رواية في كم كفن رسول الله صلى الله عليه وسلم قلنا في ثلاثة أثواب قال فكفنوني في ثلاثة أثواب ثوبي هذا مع ثوبين آخرين ثم ذكرت باقي الحديث وقالت فيه إنه قال الحي أولى بالجديد وإنما هو للمهلة وعن القاسم بن محمد قال كفن أبو بكر في ريطة بيضاء وريطة ممصرة خرجه ابن الضحاك.
شرح: الردغ اللطخ والمشق بكسر الميم المغرة والمهلة الصديد والقيح وهكذا جاء في هذه الرواية المهلة ورأيتها مضبوطة في بعض نسخ الهروي بالضم وقال بعضهم بكسرها ولم يذكر الجوهري هذه اللفظة وحكى بعض المؤلفين فيه الفتح قال وبعضهم يكسرها وقد جاء في بعض الطرق وإنما هو للمهل وهو بالضم لا غيره والمراد به هنا الصديد والقيح وهو اسم مشترك يطلق على النحاس المذاب ودردى الزيت قاله الجوهري. ولما مات رضي الله عنه غسلته أسماء بنت عميس زوجته بوصية منه وصب عليها الماء ابنه عبد الرحمن ولما كفن حمل على السرير الذي كان ينام عليه النبي صلى الله عليه وسلم وهو سرير عائشة من خشبتي صاج منسوج بالليف وبيع في ميراث عائشة فاشتراه رجل من موالي معاوية بأربعة آلاف درهم فجعله للناس. قال أبو محمد وهو بالمدينة وصلى عليه عمر بن الخطاب في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم تجاه المنبر وكبر أربعا وعن سعيد بن المسيب وقد سئل أين صلى على أبي بكر قال بين القبر والمنبر قيل من صلى عليه قال عمر بن الخطاب قيل كم كبر عليه قال أربعا ودفن إلى جنب قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وألصقوا لحده بلحده ونزل في قبره عمر وعثمان وطلحة وعبد الرحمن بن أبي بكر ودفن ليلا في بيت عائشة مع النبي صلى الله عليه وسلم ذكره أبو عمر وصاحب الصفوة وابن النجار وغيرهم وذكر ابن النجار أن آخر ما تكلم به أبو بكر: " رب توفني مسلما وألحقني بالصالحين " .
ذكر سبب موته
عن ابن عمر قال كان سبب وفاة أبي بكر كمد ما زال يذيل حتى مات ذكره في الصفوة والكمد الحزن المكتوم تقول منه كمد يكمد فهو كمد وكميد وعن الزبير بن بكار أنه كان به طرف من السل ذكره أبو عمر ويشبه أن يكون ذبول الكمد ظن سلا أو تعلق به السل منه. وعن عائشة قالت كان أول مرضه أنه اغتسل في يوم بارد فحم خمسة عشر يوما لا يخرج إلى الصلاة وكان يأمر عمر بن الخطاب يصلي بالناس فدخل الناس عليه يعودونه وهو يثقل كل يوم يقول: " وجاءت سكرة الموت بالحق ما كنت منه تحيد " خرجه الفضائلي وصاحب الفضائل وصاحب الدرة اليتيمة في أخبار المدينة وعن ابن شهاب قال كان أبو بكر والحارث بن كلدة يأكلان حريرة أهديت لأبي بكر فقال الحارث لأبي بكر ارفع يدك يا خليفة رسول الله إن فيها لسم سنة وأنا وأنت نموت في يوم واحد فرفع يده فلم يزالا عليلين حتى ماتا في يوم واحد عند انقضاء السنة خرجه في الصفوة والفضائل وخرج صاحب الدرة الثمينة في أخبار المدينة وزاد فمرض خمسة عشر يوما فقال قد رآني قالوا فما قال لك قال إني أفعل ما أشاء وقيل إن اليهود سمت له في إرزة.
ذكر تركه التطبب تسليما لأمر الله تعالى
عن أبي السفر قال مرض أبو بكر فعاده الناس فقالوا ألا ندعو لك طبيبا ينظر إليك قال قد نظر إلي قالوا وما قال لك قال إني فعال لما أريد خرجه الواقدي وأبو عمر وصاحب الصفوة والرازي.
ذكر عهده إلى عمر ووصيته له

(1/125)


عن عبد الرحمن بن عبد الله بن ساباط قال لما حضر أبا بكر الوفاة دعا عمر فقال اتق الله يا عمر واعلم أن لله عملا بالنهار لا يقبله بالليل وعملا بالليل لا يقبله بالنهار وأنه لا يقبل نافلة حتى تؤدي فريضة وإنما ثقلت موازين من ثقلت موازينه يوم القيامة باتباعهم الحق في دار الدنيا وثقله عليهم وحق لميزان لا يكون فيه إلا الحق أن يكون ثقيلا وإنما خفت موازين من خفت موازينه باتباعهم الباطل وحق لميزان لا يكون فيه إلا الباطل أن يكون خفيفا. وإن الله ذكر أهل الجنة فذكرهم بأحسن أعمالهم وتجاوز عن سيئاتهم فإذا ذكرتهم قلت إني لأخاف ألا ألحق بهم وأن الله ذكر أهل النار وذكرهم بأسوأ أعمالهم ورد عليهم أحسنها فإذا ذكرتهم قلت إني لأرجو أن لا أكون مع هؤلاء ليكون العبد راغبا راهبا لا يتمنى على الله ولا يقنط من رحمته فإن أنت حفظت وصيتي فلا يك غائب أحب إليك من الموت ولست تعجزه خرجه في الصفوة والفضائل وخرجه الرازي عن ابن أبي نجيج وزاد وإن لم تحفظ وصيتي فلا يك غائب أبغض عليك من الموت وقال بعد قوله أن يكون خفيفا وإنما جعلت آية الرجاء مع آية الشدة لكي يكون المؤمن راغبا راهبا وإذا ذكرت أهل الجنة قلت لست منهم وإذا ذكرت أهل النار قلت لست منهم وذلك أن الله عز وجل ذكر أهل الجنة وذكرهم بأحسن أعمالهم وذكر أهل النار وذكرهم بأسوأ أعمالهم وقد كانت لهؤلاء سيآت ولكن الله تجاوز عنها وقد كانت لهؤلاء حسنات ولكن الله تعالى أحبطها. وعن محمد بن سعد بإسناده أن جماعة من الصحابة دخلوا على أبي بكر لما عزم على استخلاف عمر فقال له قائل منهم ما أنت قائل لربك إذا سألك عن استخلافك عمر علينا وقد ترى غلظته فقال أبو بكر أجلسوني أبالله تخوفونني خاب من تزود من أمركم بظلم أقول اللهم إني استخلفت عليهم خير أهلك أبلغ عني ما قلت لك من وراءك ثم اضطجع وجاء عثمان بن عفان وقال اكتب بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما عهد أبو بكر في آخر عهده بالدنيا خارجا منها وعند أول عهده بالآخرة داخلا فيها حيث يؤمن الكافر ويوقن الفاجر ويصدق الكاذب إني استخلفت بعدي عمر بن الخطاب فاسمعوا وأطيعوا فإني لم آل الله ورسوله ودينه ونفسي وإياكم إلا خيرا فإن عدل فذاك الظن به وعلمي فيه وإن بدل فلكل امريء ما اكتسب والخير أردت ولا علم لي بالغيب وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وعن عائشة قالت دخل ناس على أبي بكر فقالوا تولى علينا عمر وأنت ذاهب إلى ربك فماذا تقول له قال أجلسوني أجلسوني أقول وليت عليهم خيرهم خرجه أبو معاوية.
ذكر وصيته من يغسله وأين يدفن وبأن يسرع في دفنه
عن ابن أبي مليكة أن أبا بكر أوصى أن تغسله أسماء بنت عميس فغسلته خرجه أبو عمر وصاحب الصفوة وخرجه في الفضائل وزاد وهي صائمة ولا تصح هذه الزيادة على المشهور لأن الصوم إنما يكون نهارا والأصح أنه مات ليلا ودفن ليلا وإن كان قد قيل إنه مات نهارا ودفن في آخر نهاره لكن الأول أشهر. وعن عائشة أن أبا بكر لما حضرته الوفاة قال أي يوم هذا قالوا يوم الاثنين قال فإن مت من ليلتي فلا تنتظروا بي الغد فإن أحب الأيام والليالي إلي أقربها من رسول الله صلى الله عليه وسلم خرجه أحمد وخرج في الصفوة أنه أوصى أن يدفن إلى جانب رسول الله صلى الله عليه وسلم بين القبر والمنبر. وعن أسماء بنت عميس قالت إن أبا بكر عهد إلي أن فلانا منافق فلا ينزل في قبري خرجه ابن الضحاك.
ذكر قدر سنه يوم مات رضي الله عنه
اختلف في ذلك وأشهر الأقوال وأكثرها أنه توفي وهو ابن ثلاث وستين سنة وأنه استوفى بمدة خلافته بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم سن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد تقدم في ذكر هجرته ما يدل على خلاف ذلك وهذا أصح وكان مولده بعد عام الفيل بسنتين وأربعة أشهر إلا أياما ذكره الطائي في الأربعين وكانت مدة خلافته من ذلك سنتين وثلاثة أشهر إلا خمس ليال وقيل وثلاثة أشهر وسبع ليال. وقال ابن إسحاق توفي أبو بكر على رأس سنتين وثلاثة أشهر واثنتي عشرة ليلة من متوفى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال غيره وعشرة أيام وقيل عشرين يوما ذكره أبو عمر وغيره.
ذكر قول أبيه أبي قحافة لما بلغه خبر وفاته

(1/126)


حكى ابن النجار في أخبار المدينة أن أبا قحافة حين توفي أبو بكر كان حيا بمكة نعي إليه قال رزء جليل وعاش بعده ستة اشهر وأياما وتوفي في المحرم سنة أربع عشرة بمكة وهو بسبع وتسعين سنة.
ذكر ثناء علي رضي الله عنه عليه عند وفاته

(1/127)


عن أسيد بن صفوان وكان قد أدرك النبي صلى الله عليه وسلم قال لما قبض أبو بكر فسجى عليه وارتجت المدينة بالبكاء عليه كيوم قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء علي مسترجعا وهو يقول اليوم انقطعت خلافة النبوة حتى وقف على باب البيت الذي فيه أبو بكر وهو مسجى فقال يرحمك الله يا أبا بكر كنت إلف رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنسه ومستراحه وثقته وموضع سره ومشاورته كنت أول القوم إسلاما وأخلصهم إيمانا وأشدهم يقينا وأخوفهم لله وأعظمهم غناء في دين الله وأحوطهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحدبهم على الإسلام وأيمنهم على أصحابه وأحسنهم صحبة وأكثرهم مناقب وأفضلهم سوابق وأرفعهم درجة وأقربهم وسيلة وأشبههم برسول الله صلى الله عليه وسلم هديا وسمتا ورحمة وفضلا وأشرفهم منزلة وأكرمهم عليه وأوثقهم عنده فجزاك الله عن الإسلام وعن رسوله خيرا كنت عنده بمنزلة السمع والبصر صدقت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين كذبه الناس فسماك الله عز وجل في تنزيله صديقا فقال: " والذي جاء بالصدق وصدق به " الذي جاء بالصدق محمد صلى الله عليه وسلم وصدق به أبو بكر واسيته حين بخلوا وقمت به عند المكاره حين عنه قعدوا وصحبته في الشدة أكرم الصحبة ثاني اثنين وصاحبه في الغار والمنزل عليه السكينة ورفيقه في الهجرة خلفته في دين الله وأمته أحسن الخلافة حين ارتد الناس وقمت بالأمر ما لم يقم به خليفة نبي فنهضت حين وهن أصحابك وبرزت حين استكانوا وقويت حين ضعفوا ولزمت منهاج رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ هموا كنت خليفة حقا لم تنازع ولم تصدع بزعم المنافقين وكبت الكافرين وكره الحاسدين وغيظ الباغين وقمت بالأمر حين فشلوا وثبت حين تتعتعوا ومضيت بنور الله إذ وقفوا فاتبعوك فهدوا وكنت أخفضهم صوتا وأعلاهم فوقا وأمثلهم كلاما وأصوبهم منطقا وأطولهم صمتا وأبلغهم قولا وأشجعهم نفسا وأعرفهم بالأمور وأشرفهم عملا كنت والله للدين يعسوبا ولا حين نفر عنه الناس وآخرا حين أقبلوا كنت للمؤمنين أبا رحيما صاروا عليك عيالا فحملت أثقال ما ضعفوا ورعيت ما أهملوا وحفظت ما أضاعوا وعلمت ما جهلوا شمرت إذ خفضوا وصبرت إذ جزعوا فأدركت أوتار ما طلبوا وراجعوا رشدهم برأيك فظفروا ونالوا بك ما لم يحتسبوا كنت على الكافرين عذابا صبا ولهبا وللمؤمنين رحمة وإنسا وحصنا فطرت والله بغنائها وفزت بحبائها وذهبت بفضائلها وأدركت سوابقها لم تفلل حجتك ولم تضعف بصيرتك ولم تجبن نفسك ولم يرع قبلك ولم يخر كنت كالجبل الذي لا تحركه القواصف ولا تزيله العواصف وكنت كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أمن الناس علينا في صحبتك وذات يدك وكنت كما قال ضعيفا في بدنك قويا في أمر الله متواضعا في نفسك عظيما عند الله جليلا في أعين الناس كبيرا في أنفسهم لم يكن لأحد فيك مغمز ولا لقائل فيك مهمز ولا لأحد فيك مطمع ولا لمخلوق عندك هوادة الضعيف الذليل عندك قوي عزيز حتى تأخذ بحقه والقوي عندك ضعيف ذليل حتى تأخذ منه الحق القريب والبعيد عندك في ذلك سواء أقرب الناس إليك أطوعهم لله وأتقاهم له شأنك الحق والصدق والرفق قولك حكم وحتم وأمرك حلم وحزم ورأيك علم وعزم فأقلعت وقد نهج السبيل وسهل العسير وأطفيت النيران واعتدل بك الدين وقوي بك الإيمان وثبت الإسلام والمسلمون وظهر أمر الله ولو كره الكافرون فسبقت والله سبقا بعيدا وأتعبت من بعدك إتعابا شديدا وفزت بالخير فوزا مبينا فجللت عن البكاء وعظمت رزيتك في السماء وهدت مصيبتك الأنام فإنا لله وإنا إليه راجعون رضينا عن الله قضاءه وسلمنا له أمره فوالله لن يصاب المسلمون بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثلك أبدا كنت للدين عزا وحرزا وكهفا وللمؤمنين فئة وحصنا وغيثا وعلى المنافقين غلظة وغيظا فألحقك الله بنبيك صلى الله عليه وسلم ولا حرمنا أجرك ولا أضلنا بعدك فإنا لله وإنا إليه راجعون قال وسكت الناس حتى انقضى كلامه ثم بكوا حتى علت أصواتهم وقالوا صدقت يا ختن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرجه ابن السمان في الموافقة وخرج الإمام أبو بكر محمد بن عبد الله الجوزقي من أوله إلى: " والذي جاء بالصدق " محمد صلى الله عليه وسلم وصدق به أبو بكر.

(1/128)


شرح: الغناء بالفتح والمد النفع وبالكسر والمد من السماع وبالكسر مقصور اليسار الهدى السيرة تقول هدى فلان أي سار سيرته وما أحسن هديه وهديته أي سيرته والجمع هدى كتمرة وتمر والسمت هيئة أهل الخير تقول ما أحسن سمته أي هديه والسمت الطريق وسمت يسمت بالضم أي قصد. ووهن ضعف استكانوا خضعوا يصدع يفل أمرك من الصدع الشق برغم المنافقين أي غضبهم وإهانتهم وأرغم الله أنفه أي ألصقه بالرغام وهو التراب وكبت الكافرين إذلالهم فشلوا جبنوا فوقا قيد في بعض النسخ بضم الفاء وهو موضع الوتر من السهم وهو القرص الذي يكون في رأسه هذا أصله ثم استعير هنا لعظم الشأن وفي بعضها بالفتح وهو أقرب إلى معنى العلو لأنه ضد التحت ومنه قولهم فلان يفوق قومه في الخير أي يعلوهم اليعسوب ملكة النحل ومنه قيل للسيد يعسوب قومه وقوله للدين أي لأهل الدين خفضوا أي وضعوا أي أنه شمر إذا وضع الناس وفي بعض النسخ خنعوا أي ضرعوا وذلوا صبا مصدر صب صبا وهذا وصف بالمصدر نحو عدل ورضى وقوله فأدركت أوتار ما طلبوا. وقوله ولم تحر أي ترجع تقول حار يحور حورا أي رجع والهوادة المحاباة والرخصة ومنه الحديث الآخر لا تأخذه في الله هوادة أي لا يسكن عند وجوب حد لله تعالى ولا يرخص فيه لا يحابي نهج السبيل هكذا قيد ثلاثيا على إسناد الفعل إلى السبيل وقيده الجوهري رباعيا يقال أنهج الطريق إذا استبان وصار نهجا واضحا ونهجت الطريق بينته ونهجته أيضا سلكته حكاه الجوهري الفئة الطائفة فكأنه كالظهر للمسلمين.
ذكر ثناء عائشة على أبيها وقد مرت على قبره
عن القاسم بن محمد عن عائشة أنها مرت على قبر أبيها فقالت نضر الله وجهك وشكر لك صالح أمرك فلقد كنت للدنيا مذلا بإعراضك عنها وللآخرة معزا بإقبالك عليها ولئن كان أجل بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم رزؤك وأعظمها فقدك إن كتاب الله ليعد بالعزاء عنك حسن العوض منك فأنا انتجز من الله موعده فيك بالصبر عليك وأستعيضه منك الدعاء لك فإنا لله وإنا إليه راجعون وعليك السلام ورحمة الله توديع غير قالية لحياتك ولا زارية على القضاء فيك خرجه ابن المثنى في معجمه.
الفصل الخامس عشر
في ذكر ولده

(1/129)


وهذا الذكر وإن كان ليس من لوازم ذكر المناقب إلا أنه مما يتشوف إليه عند ذكر النسب وقد تقدم التنبيه عليه في الفصل الأول على أنه لا يخلو من إثبات الفضيلة فإن شرف الأبناء منقبة للآباء كعكسه ولم تزل العرب تتمدح بمفاخر آبائهم فلا يبعد في الأبناء مثله والله أعلم. وكان له من الولد ستة ثلاثة بنين وثلاث بنات أما البنون فعبد الله وهو أكبر ولده الذكور أمه قتيلة ويقال قتلة دون التصغير من بني عامر بن لؤي شهد فتح مكة وحنينا والطائف مع النبي صلى الله عليه وسلم مسلما وخرج بالطائف وبقي إلى خلافة أبيه ومات فيها فترك سبعة دنانير فاستكثرها أبو بكر ولا عقب له. وعبد الرحمن يكنى أبا عبد الله أسلم في هدنة الحديبية وهاجر إلى المدينة وكتب للنبي صلى الله عليه وسلم وكان من الشجعان له مواقف في الجاهلية والإسلام مشهورة وأبلى في فتوح الشام بلاء حسنا وقد كان ممن شهد بدرا مع المشركين ثم من الله تعالى عليه بما من به على أمه أم رومان بنت الحارث من بني فراس بن غنم بن كنانة أسلمت وهاجرت مات فجأة سنة ثلاث وخمسين بجبل بقرب مكة فأدخلته أخته عائشة الحزم ودفنته وأعفت عنه وكان شهد الجمل معها وله عقب. وقد تقدم في فصل الخصائص ما ثبت به لبيت أبي بكر من الشرف برؤية ولد عبد الرحمن أبي عتيق محمد بن عبد الرحمن النبي صلى الله عليه وسلم وأنه لم يوجد في بيت من بيوت أحد من الصحابة أربعة كلهم رأوا النبي صلى الله عليه وسلم بعض ولد بعض إلا في بيت أبي بكر وكذلك ثبت هذا في ولد أسماء وزاد بالرواية وسيأتي بيانه والله أعلم. ومحمد بن أبي بكر ويكنى أبا القاسم وكان من نساك قريش أمه أسماء بنت عميس الخثعمية وكانت من المهاجرات الأول وكانت تحت جعفر بن أبي طالب وهاجرت معه إلى الحبشة. ولما استشهد جعفر بمؤتة من أرض الشام تزوجها بعده أبو بكر فولدت له محمدا هذا بذي الحليفة لخمس ليال بقين من ذي القعدة وهي شاخصة إلى الحج مع النبي صلى الله عليه وسلم هي وأبو بكر فأمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تغتسل وترجل ثم تهل بالحج وتصنع ما يصنع الحاج إلا أنها لا تطوف بالبيت فكانت سببا لحكم شرعي إلى قيام الساعة وزكاها النبي صلى الله عليه وسلم وبرأها من الفحشاء على ما تقدم في ذكر غيرة أبي بكر من فصل فضائله ولما توفي أبو بكر عنها تزوجها علي بن أبي طالب فنشأ محمد بن أبي بكر في حجر علي بن أبي طالب وكان على رجالته يوم الجمل وشهد معه صفين وولاه عثمان في أيامه مصر وكتب له العهد ثم اتفق مقتله قبل وصوله إليها على ما سيأتي بيانه في باب عثمان وولاه أيضا على مصر بعد مرجعه من صفين فوقع بينه وبين عمرو بن العاص حرب فهزم محمد بن أبي بكر وقتل وأكثر المؤرخين على أنه أحرق في جوف حمار ميت يقال كان ذلك قتله وقيل بعد القتل. وأما البنات فعائشة أم المؤمنين شقيقة عبد الرحمن تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم فثبت لأبي بكر بذلك أشرف الشرف فكانت إحدى أمهات المؤمنين وحظوتها عنده وشرف منزلتها وعظم مزيتها على سائر نسائه مشهور حتى بلغ ذلك منه أن قيل من أحب الناس إليك يا رسول الله قال عائشة فقيل من الرجال قال أبوها فكانت أحب الناس إليه مطلقا بنت أحب الناس إليه من الرجال وكيفية تزويجها سيأتي في مناقبها إن شاء الله تعالى. وأسماء بنت أبي بكر شقيقة عبد الله وهي أكبر بناته وهي ذات النطاقين وقد تقدم سبب تسميتها بذلك الاسم في فصل هجرة أبي بكر تزوجها الزبير بمكة وولدت له عدة أولاد ثم طلقها فكانت مع ولدها عبد الله بمكة حتى قتل وعاشت بعده وكانت من المعمرين بلغ عمرها مائة سنة وعميت وماتت بمكة وقد تقدم في فصل الخصائص ما ثبت برؤية ولدها رسول الله صلى الله عليه وسلم وروايته عنه لبيت أبي بكر من الشرف بوجود أربعة فيه بعضهم ولد بعض رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ورووا عنه. وأم كلثوم وهي أصغر بناته وهي التي قال أبو بكر فيها ذو بطن بنت خارجة وقد تقدم ذلك في ذكر فراسته من فصل فضائله أمها حبيبة بنت خارجة بن زيد كان أبو بكر قد نزل عليه وتزوج ابنته وتوفى عنها فتركها حبلى فولدت بعده أم كلثوم هذه ولما كبرت خطبها عمر بن الخطاب إلى عائشة فأنعمت له وكرهت أم كلثوم فاحتالت له حتى أمسك عنها وتزوجها طلحة بن عبيد الله ذكره ابن قتيبة وغيره وجميع ما ذكرناه في هذا الفصل

(1/130)


من كتاب المعارف ومن كتاب الصفوة لأبي الفرج ابن الجوزي ومن الاستيعاب لأبي عمر بن عبد البر ومن كتاب فضائل أبي بكر كل منهم خرج طائفة والله أعلم. كتاب المعارف ومن كتاب الصفوة لأبي الفرج ابن الجوزي ومن الاستيعاب لأبي عمر بن عبد البر ومن كتاب فضائل أبي بكر كل منهم خرج طائفة والله أعلم.
الجزء الثاني
الباب الثاني
في مناقب أمير المؤمنين أبي حفص عمر بن الخطاب
رضي الله عنه وفيه اثنا عشر فصلا الأول في نسبه الثاني في اسمه وكنيته. الثالث في صفته. الرابع في إسلامه. الخامس في هجرته. السادس في خصائصه. السابع في أفضليته الثامن في الشهادة له بالجنة. التاسع في ذكرى فضائله. العاشر في خلافته. الحادي عشر في وفاته. الثاني عشر في ولده.
الفصل الأول
في نسبه أصلا وفرعا
وقد تقدم في ذكر الشجرة في أنساب العشرة ذكر آبائه: أمه حنتمة بنت هاشم بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، وقالت طائفة: بنت هشام بن المغيرة ومن قال ذلك فقد أخطأ، ولو كانت كذلك لكانت أخت أبي جهل بن هشام والحرث بن هشام، وليس كذلك، وإنما هي بنت هاشم وهاشم وهشام أخوان، وهاشم جد عمر أبو أمه، وهشام أبو الحرث وأبي جهل ابني هشام بن المغيرة، وكان له من الولد ثلاثة عشر وأسلموا كلهم وتفاصيل أحوالهم وذكر أسمائهم سيأتي في آخر الباب إن شاء الله تعالى.
الفصل الثاني
في اسمه وكنيته
لم يزل اسمه في الجاهلية والإسلام عمر وكناه رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا حفص وكان ذلك يوم بدر وذكره ابن إسحاق وسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم الفاروق.
عن ابن عباس قال: سألت عمر لأي شيء سميت الفاروق؟ فقال أسلم حمزة قبلي بثلاثة أيام ثم شرح الله صدري للإسلام فقلت: الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى، فما في الأرض نسمة هي أحب إلي من نسمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: أين رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت أختي هو في دار الأرقم بن أبي الأرقم عند الصفا، فأتيت الدار وحمزة في أصحابه جلوس في الدار ورسول الله صلى الله عليه وسلم في البيت فضربت الباب فاستجمع القوم، فقال لهم حمزة ما لكم؟ قالوا عمر بن الخطاب، قال: فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ بمجامع ثيابه ثم نتره نترة فما تمالك أن وقع على ركبتيه، فقال: " ما أنت بمنته يا عمر؟ " قال قلت: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أنك محمدا عبده ورسوله، قال فكبر أهل الدار تكبيرة سمعها أهل المسجد، قال فقلت: يا رسول الله ألسنا على الحق إن متنا وإن حيينا؟ قال: " بلى! والذي نفسي بيده إنكم على الحق إن متم وإن حييتم " ، قلت ففيما الاختفاء؟ والذي بعثك بالحق لتخرجن فأخرجناه صلى الله عليه وسلم في صفين حمزة في أحدهما وأنا في الآخر ولي كديد ككديد الطحين حتى دخلنا المسجد، قال فنظرت إلى قريش وإلى حمزة فأصابتهم كآبة لم يصبهم مثلها، فسماني رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ الفاروق، فرق الله بي بين الحق والباطل خرجه صاحب الصفوة والرازي.
وعن الشعبي أن رجلا من المنافقين ويهوديا اختصما فقال اليهودي ننطلق إلى محمد بن عبد الله، وقال المنافق إلى كعب بن الأشرف فأبى اليهودي وأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقضي لليهودي، فلما خرج قال المنافق ننطلق إلى عمر بن الخطاب فأقبلا إليه فقصا عليه القصة فقال رويدا حتى أخرج إليكما، فدخل البيت واشتمل على السيف ثم خرج وضرب عنق المنافق وقال هكذا أقضي بين من لم يرض بقضاء النبي صلى الله عليه وسلم فنزل جبريل فقال: إن عمر فرق بين الحق والباطل فسمي الفاروق خرجه الواحدي وأبو الفرج.
وعن النزال بن سبرة قال وافقنا من علي يوما أطيب نفسا ومزاجا فقلنا يا أمير المؤمنين حدثنا عن عمر بن الخطاب قال: ذاك امرؤ سماه الله الفاروق فرق به بين الحق والباطل، خرجه ابن السمان في الموافقة.
وعن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " بينا أنا جالس في مسجدي أتحدث مع جبريل إذ دخل عمر بن الخطاب فقال أليس هذا أخوك عمر بن الخطاب فقلت: بلا يا أخي، أله اسم في السماء كما له اسم في الأرض؟ فقال والذي بعثك بالحق إن اسمه في السماء أشهر من اسمه في الأرض اسمه في السماء فاروق وفي الأرض عمر " . خرجه في الفضائل.

(1/131)


وعنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ذكر موقفه يوم القيامة وموقف أبي بكر قال: " ثم ينادي مناد أين الفاروق عمر؟ فيؤتي به فيقول الله تعالى مرحبا يا أبا حفص، هذا كتابك فإن شئت فاقرأه وإن شئت فلا فقد غفرت لك " خرجه في الفضائل. وقد روي أن اسمه في السماء فاروق وفي الإنجيل كافي، وفي التوراة منطق الحق، وفي الجنة سراج، وسيأتي في غضون الأحاديث.
وعن عبد الله بن عمرو قال: الفاروق قرن من حديد أصبتم اسمه خرجه الضحاك.
الفصل الثالث
في صفته
قال ابن قتيبة الكوفيون يروون أنه آدم شديد الأدمة، وأهل الحجاز يروون أنه أبيض أمهق وهو الذي يشبه لونه لون الجص لا يكون له دم ظاهر وكان طوالا أصلع أجلح شديد حمرة العينين خفيف العارضين، قاله صاحب الصفوة. وقال أبو عمر كان كث اللحية أعسر يسرا وذكر في لونه رواية الكوفيين قال: وهكذا وصفه ذر بن حبيش وغيره وعليه الأكثر قال: كان عمر طويلا جسيما أصلع شديد الصلع أبيض شديد حمرة العينين في عارضيه خفة: سبالته كثيرة الشعر أطرافها صهبة، قال والأول أصح وأشهر.
وعن سماك بن حرب قال: كان عمر بن الخطاب أروح كأنه راكب والناس يمشون كأنه من رجال سدوس خرجه الحافظ السلفي، قال والأروح هو الذي تداني قدماه إذا مشى، وقال الجوهري: هو الذي تتباعد صدور قدميه وتتدانى عقباه وكل نعامة روحاء، وكان رضي الله عنه يخضب بالحناء والكتم.
وخرج القاضي أبو بكر بن الضحاك عن ابن عمر أن عمر كان لا يغير شيبه فقيل له يا أمير المؤمنين ألا تغير؟ وقد كان أبو بكر يغير فقال عمر سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " من شاب شيبة في الإسلام كانت نورا يوم القيامة " وما أنا بمغير. وعنه وقد عرضت عليه مولدة له أن يصبغ لحيته فقال: ما أريد أن أطفئ نوري كما أطفأ فلان نوره. والأول هو الصحيح.
شرح - الآدم - من الناس الأسمر والجمع أدمان والأدمة بضم الهمزة وإسكان الدال السمرة - والأمهق - ما ذكره في الحديث - والأصلع - هو الذي انحسر شعر مقدم رأسه ويقال لموضع الصلع صلعة بالتحريك وصلعة بضم الصاد وإسكان اللام - والأجلح هو الذي انحسر الشعر عن جانبي رأسه فوق الأنزع، فأوله النزع ثم الصلع، وقد جلح الرجل بالكسر فهو أجلح بين الجلح واسم ذلك الموضع الجلحة بالتحريك - وأعسر يسرا - هو الذي يعتمد بيده جميعا ويقال له الأضبط، وكان رضي الله عنه من رؤساء قريش وأشرافهم وإليه كانت السفارة في الجاهلية، وهي أن قريشا كانت إذا وقع بينهم حرب بعثوه سفيرا وإن نافرهم منافر أو فاخرهم مفاخر بعثوه مفاخرا.
وقد تقدم من صفاته المعنوية في ثناء ابن عباس في باب الأربعة وثناء علي في باب الشيخين طرف، وسيأتي في باب فضائله الكثير منها إن شاء الله تعالى.
الفصل الرابع
في إسلامه

(1/132)


ذكر بدء إسلامه: قال ابن إسحاق كان إسلام عمر بعد خروج من خرج من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحبشة، وعن عمر بن الخطاب قال: خرجت أتعرض رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن أسلم فوجدته قد سبقني إلى المسجد فقمت خلفه فاستفتح سورة الحاقة فجعلت أعجب من تأليف القرآن قال فقلت: هذا والله شاعر كما قالت قريش، قال فقرأ " إنه لقول رسول كريم وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون " قال قلت كاهن قال " ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون تنزيل من رب العالمين ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين فما منكم من أحد عنه حاجزين " قال فوقع الإسلام في قلبي كل موقع. خرجه أحمد وطريق آخر عن أنس بن مالك قال: خرج عمر متقلدا السيف فلقيه رجل من بني زهرة فقال أين تعمد يا عمر؟ فقال: أريد أن أقتل محمدا قال: وكيف تأمن من بني هاشم وبني زهرة وقد قتلت محمدا؟ فقال له عمر ما أراك إلا قد صبأت وتركت دينك الذي أنت عليه قال: أفلا أدلك على العجب يا عمر؟ إن أختك وختنك قد صبوا وتركا دينك الذي أنت عليه، فمشى عمر حتى أتاهما وعندهما رجل من المهاجرين يقال له خباب، فلما سمع خباب حس عمر توارى في البيت فدخل عليهما فقال: ما هذه الهينمة التي سمعتها عندكم قال: وكانوا يقرءون طه، فقالا: ما عدا حديثا تحدثناه بيننا، قال فلعلكما قد صبوتما؟ فقال له ختنه: أرأيت يا عمر إن كان الحق في غير دينك؟ فوثب عمر على ختنه فوطئه وطأ شديدا، فجاءت أخته فدفعته عن زوجها فنفحها نفحة بيده فدمي وجهها، قالت وهي غضبى: يا عمر إن كان الحق في غير دينك أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله، فلما تبين عمر قال: أعطوني هذا الكتاب الذي عندكم فاقرأه وكان عمر يقرأ الكتب فقالت أخته. إنك رجس ولا يمسه إلا المطهرون، فقم فاغتسل أو توضأ فقام فتوضأ ثم أخذ الكتاب فقرأ طه حتى أتى إلى قوله: " إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري " فقال عمر: دلوني على محمد، فلما سمع خباب قول عمر خرج من البيت فقال: أبشر يا عمر فغني أرجو أن تكون دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الخميس " اللهم أعز الإسلام بعمر بن الخطاب أو بعمرو بن هشام " قال ورسول الله صلى الله عليه وسلم في الدار التي في صل الصفا، فانطلق عمر حتى أتى الدار قال وعلى الباب حمزة وطلحة وناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رأى حمزة وجل القوم من عمر قال حمزة: نعم فهذا عمر، وغن يرد الله بعمر خيرا يسلم، وإن يرد غير ذلك يكن قتله علينا هينا قال والنبي صلى الله عليه وسلم داخل يوحي إليه، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى عمر فأخذ بمجامع ثوبه وحمائل سيفه فقال: " أما أنت منته يا عمر حتى ينزل الله بك من الخزي والنكال ما أنزل بالوليد بن المغيرة؟ اللهم أهد عمر بن الخطاب، اللهم أعز الدين بعمر ابن الخطاب " . فقال عمر: أشهد أنك رسول الله فأسلم عمر وقال: أخرج يا رسول الله، خرجه في الصفوة.
شرح: - الهيمنة - الصوت الخفي - والوجل - الخوف - وحمائل السيف - جمع حمالة بالكسر وهي علاقته، هذا قول الأصمعي، وقال الخليل: لا واحد لها من لفظها وإنما واحدها محمل بزنة مرحل، وهو السير الذي يتقلده المتقلد - والخزي - الذل والهوان - والنكال - ما نكل به، يقال نكل الله به تنكيلا إذا نزل به ما يكون نكالا وعبرة لغيره، ومنه " فجلناها نكالا لما بين يديها " الآية.

(1/133)


طريق آخر: عن أسامة بن زيد عن أبيه عن جده قال قال عمر: أتحبون أن أخبركم كيف كان إسلامي؟ قال قلنا نعم! قال: كنت من اشد الناس على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبينا أنا في يوم حار شديد الحر في الهاجرة في بعض طرق مكة إذ لقيني رجل من قريش فقال: أين تريد في هذه الساعة يا بن الخطاب؟ قال قلت: أريد هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي فقال لي عجبا لك يا بن الخطاب إنك تزعم أنك هكذا وقد دخل عليك هذا الأمر في بيتك، قال قلت: وما ذاك؟ فقال أختك قال فرجعت مغضبا وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ضم إلى زوج أختي رجلين من المسلمين يعينانه ويصيبان من فضل طعامه فقرعت الباب فقيل من هذا؟ فقلت: ابن الخطاب قال وكانوا يقرءون كتابا في أيديهم، فقاموا مبادرين واختبئوا مني وتركوا الصحيفة على حالها، فلما فتحت لي أختي قلت لها: يا عدوة نفسها أصبوت؟ وأرفع شيئا في يدي فأضرب به رأسها وسال الدم، فلما رأت الدم بكت وقالت: ما كنت فاعلا فافعله فقد صبوت، قال: فدخلت وأنا مغضب حتى جلست على السرير فنظرت فإذا صحيفة في وسط البيت، قال فقلت لها: ما هذه الصحيفة؟ فأعطنيها، قالت إنك لست من أهلها، إنك لا تغتسل من الجنابة ولا تطهر وهذا لا يمسه إلا المطهرون، قال فقلت لها: ما هذه الصحيفة؟ فأعطنيها، قالت إنك لست من أهلها، إنك لا تغتسل من الجنابة ولا تطهر وهذا لا يمسه إلا المطهرون، قال فلم أزل بها حتى أعطتنيها، قال فأخذتها ففتحتها فإذا فيها: " بسم الله الرحمن الرحيم " فلما قرأت " الرحمن الرحيم " ذعرت وألقيت الصحيفة من يدي ثم رجعت إلى نفسي فأخذتها فإذا فيها: " بسم الله الرحمن الرحيم يسبح لله ما في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم " قال: فكلما مررت باسم من أسماء الله تعالى ذعرت، ثم ترجع إلي نفسي قال حتى بلغت " آمنوا بالله ورسوله وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه " قال فقلت: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله.
قال: فخرج القوم مستبشرين فكبروا وقالوا: أبشر يا بن الخطاب، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا يوم الاثنين فقال " اللهم أعز الإسلام بأحب الرجلين إليك أبي جهل بن هشام، وإما عمر بن الخطاب " . وإنا نرجو أن تكون دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم لك فابشر، قال فقلت: دلوني على مكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال، فأخبروني أنه في بيت في اسفل الصفا، قال فخرجت حتى جئت الباب فقرعته فقالوا من هذا؟ قال قلت: ابن الخطاب قال: فما اجترأ أحد منهم أن يفتح لي، قد علموا شدتي على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " افتحوا له فإن يرد الله به خيرا يهده " ، قال: ففتحوا ثم أخذ رجلان بعضدي حتى أجلساني بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم قال فقال: خلوا عنه ثم أخذ بمجمع قميصي فجذبني إليه وقال: " أسلم يا ابن الخطاب، اللهم اهده " . قال فقلت: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، قال فكبر المسلمون تكبيرة حتى سمعت من مكة، وكانوا قبل ذلك مستخفين، خرجه الحافظ أبو القاسم في الأربعين الطوال.
شرح - صبا يصبو - إذا خرج عن دينه وقد تقدم ذكر ذلك - ذعرت - أي فزعت تقول ذعرته أذعره ذعرا أي فزعته والاسم الذعر بالضم - جبذني - مقلوب جذبني وكلاهما بمعنى واحد.

(1/134)


طريق آخر: قال ابن إسحاق. كان إسلام عمر فيما بلغنا أن أخته فاطمة أسلمت وأسلم زوجها سعيد بن زيد وهم مستخفون بإسلامهم، وكان نعيم بن النحام من قومه أسلم أيضا وكان مستخفيا منه، وكان خباب بن الأرت يختلف إلى فاطمة بنت الخطاب يقرئها القرآن، فخرج عمر بن الخطاب متوشحا بسيفه يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم ورهطا من أصحابه، فذكر أنهم اجتمعوا في بيت عند الصفا وهم قريب من أربعين من بين رجال ونساء، ومع رسول الله صلى الله عليه وسلم عمه حمزة وأبو بكر الصديق وعلي بن أبي طالب ورجال من المسلمين ممن كان أقام مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة: ولم يخرج فيمن خرج إلى الحبشة، فلقيه نعيم بن عبد الله فقال: أين تريد يا عمر، قال: أريد محمدا، وذكر معنى ما بعده من حديث أنس المتقدم وقال فيه: فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بحجرته أو بمجمع ردائه ثم جبذه جبذة شديدة ثم قال: " ما جاء بك يا بن الخطاب؟ " . ثم ذكر معنى ما بعده إلى قوله: فقال عمر: جئت لأومن بالله ورسله وبما جاء من عند الله، قال: فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم تكبيرة عرف أهل البيت من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن عمر قد اسلم، فتفرق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكانهم وقد عزوا في أنفسهم حين أسلم عمر مع إسلام حمزة وعرفوا أنهم سيمنعان رسول الله صلى الله عليه وسلم ويمتنعون وينتصفون من عدوهم.
قال ابن إسحاق: فهذا حديث الرواة من أهل المدينة عن إسلام عمر وحدثني عبد الله بن نجيح المكي عن أصحابه عن إسلام عمر أنه كان يقول كنت للإسلام مباعدا وكنت صاحب خمر في الجاهلية أحبها وأشربها، وكان لنا مجلس يجتمع فيه رجال من قريش بالخرورة عند دور آل عمر بن عمرن المخزومي قال: فخرجت ليلة أريد جلسائي أولئك في مجلسهم ذلك، فجئتهم فلم أجد فيه منهم أحدا، قال: فقلت لو أني جئت فلانا وكان بمكة يبيع الخمر لعلي أجد عنده خمرا فأشرب منها، قال فخرجت فجئته فلم أجده قال فقلت: فلو أني جئت الكعبة فطفت بها سبعا أو سبعين قال: فجئت المسجد أريد أن أطوف بالكعبة فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يصلي، وكان إذا صلى استقبل الشام وجعل الكعبة بينه وبين الشام، فكان مصلاة بين الركنين، الركن الأسود والركن اليماني. قال فقلت حين رأيته: والله لو أني استمعت من محمد الليلة حتى أسمع ما يقول فقلت: لئن دنوت لأسمع منه لأروعنه، فجئت من قبل الحجر فدخلت من تحت ثيابها فجعلت أمشي رويدا ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يصلي يقرأ القرآن، حتى قمت في قبلته مستقبله ما بيني وبينه إلا ثياب الكعبة قال: فلما سمعت القرآن رق له قلبي فبكيت ودخلني الإسلام، فلم أزل قائما في مكاني ذلك حتى قضي رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاته ثم انصرف، وكان إذا انصرف خرج إلى دار ابن أبي حسين وكانت طريقه، حتى تجيز على المسعى ثم يسلك من دار العباس بن عبد المطلب ومن دار ابن أزهر بن عبد عوف الزهري، ثم على دار الأخنس بن شربق حتى يدخل بيته.
وكان مسكنه صلى الله عليه وسلم في الدار الرقطاء التي كانت بيد معاوية بن أبي سفيان قال عمر: فتبعته حتى إذا دخل من دار العباس ودار ابن أزهر أدركته فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم عرفني فظن رسول الله صلى الله عليه وسلم أني إنما اتبعته لأوذيه فنهمني ثم قال: " ما جاء بك يا بن الخطاب هذه الساعة؟ " قلت: جئت لأومن بالله ورسوله وبما جاء من عند الله. فحمد الله رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: " قد هداك الله يا عمر " . ثم مسح صدري ودعا لي بالثبات، ثم انصرفت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بيته.

(1/135)


ومن طريق أسامة بن زيد بعد قوله " وكانوا قبل ذلك مستخفين " قال: ثم خرجت فكنت لا أشاء أن أرى رجلا من المسلمين يضرب إلا رأيته، قال: ذهبت إلى خالي قال فقرعت عليه الباب قال فقال: من هذا؟ فقلت: ابن الخطاب قال: فخرج إلي فقلت له: أعلمت أني صبوت؟ قال: فعلت، قال قلت نعم، قال لا تفعل، قال قلت بلى، قال: لا تفعل، قال ثم دخل وأجاف الباب دوني. قال قلت: ما هذا شيء قال: فذهبت إلى رجل من أشراف قريش فقرعت عليه بابه فقيل من هذا؟ قلت ابن الخطاب فخرج إلي فقلت، أشعرت أني صبوت؟ قال أفعلت؟ قلت نعم قال لا تفعل ثم دخل وأجاف الباب دوني، قلت ما هذا شيء، قال فقال لي رجل أتحب أن يعلم إسلامك؟ قلت نعم قال: فإذا كان الناس في الحجر جئت إلى ذلك الرجل فجلست إلى جنبه وأصغيت إليه، فقلت أعلمت أني صبوت؟ قال أو فعلت؟ قلت نعم، قال: فرفع بأعلى صوته ثم قال: عن ابن الخطاب قد صبا وثار الناس إلي فضربوني وضربتهم قال فقال رجل ما هذه الجماعة؟ قالوا هذا ابن الخطاب قد صبا فقام على الحجر ثم أشار بكمه فقال: ألا إني قد أجرت ابن أختي، قال فانكشف الناس عني، قال: فكنت لا أزال أرى إنسانا يضرب ولا يضربني أحد، قال فقلت: ألا يصيبني ما يصيب المسلمين؟ قال فأمهلت حتى جلس الناس في الحجر فجئت إلى خالي وقلت: اسمع قال ما اسمع؟ قلت جوارك رد عليك، قال لا تفعل يا ابن أختي، قال فقلت: بل هو رد عليك، فقال ما شئت فافعل؛ قال: فما زلت أضرب ويضربوني حتى أعز الله بنا الإسلام، خرجه الحافظ الدمشقي في الأربعين الطوال.
وعن عبد الرحمن بن الحارث عن بعض آل عمر أو بعض أهله قال قال عمر: لما أسلمت تلك الليلة تذكرت أن أهل مكة أشد لرسول الله صلى الله عليه وسلم عداوة حتى آتيه فأخبره أني قد ألمت، قال فقلت: أبو جهل وكان عمر ابنا لحنتمة بنت هاشم بن المغيرة، قال فأقبلت حين أصبحت حتى ضربت عليه بابه قال: فخرج إلي أبو جهل فقال مرحبا وأهلا يا بن أختي ما جاء بك؟ قال قلت جئت أخبرك أني قد آمنت بالله وبرسوله محمد صلى الله عليه وسلم وصدقت بما جاء به، قال فضرب الباب في وجهي وقال قبحك الله وقبح ما جئت به.
وعن ابن عمر قال: لما اسلم عمر لم تعلم قريش بإسلامه، فقال: أي أهل مكة أفشى للحديث؟ قال جميل بن معمر الجمحي، فخرج إليه وأنا معه أتبع أثره أعقل ما أرى وأسمع، فأتاه فقال: يا جميل غني قد أسلمت، قال فوالله ما رد علي كلمة حتى قام عامدا إلى المسجد فنادى أندية قريش فقال يا معشر قريش إن ابن الخطاب قد صبا، فقال عمر كذبت ولكني أسلمت وآمنت بالله وصدقت برسوله، فثاوروه فقاتلهم حتى ركدت الشمس على رءوسهم حتى فتر عمر، وجلس عمر فقاموا على رأسه فقال عمر: افعلوا ما بدا لكم فوالله لو كنا ثلاثمائة رجل لتركتموها لنا أو تركناها لكم.. فبينما هم كذلك قيام إذ جاء رجل عليه حلة حرير وقميص قومسي فقال: ما بالكم إن ابن الخطاب قد صبا، قال فمه امرؤ اختار دينا لنفسه، أتظنون أن بني عدي يسلمون إليكم صاحبهم؟ قال فكأنما كانوا ثوبا انكشف عنه، فقلت له بعد بالمدينة يا أبت من الرجل الذي رد عنك القوم يومئذ؟ قال يا بني ذاك العاص بن وائل، خرجه أبو حاتم وابن إسحاق.
وخرج القلعي طرفا من هذه القصة وقال قال عمر: لا نعبد سرا بعد اليوم، فأنزل الله تعالى " يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين " وكان ذلك أول ما نزل من القرآن من تسمية الصحابة مؤمنين، وكان عمر عند ذلك ينصب رايته للحرب بمكة ويحاربهم على الحق، ويقول لأهل مكة والله لو بلغت عدتنا ثلثمائة رجل لتركتموها لنا أو لتركناها لكم.
شرح: - أندية - جمع ناد وندى وهو مجلس القوم ومتحدثهم، فإن تفرقوا منه فليس بندي - وثاوروه - أي واثبوه، وأثار به الناس أي وثبوا عليه، قاله الجوهري - ركدت الشمس على رءوسهم - أي قام قائم الظهيرة وكأنه سكن، ومنه ركدت السفينة سكنت، وكذا الريح والماء - والحلة - إزار ورداء، لا تسمى حلة حتى تكون ثوبين.
ذكر ظهور الإسلام وعزه بإسلامه وامتناع المسلمين به
تقدم في فصل اسمه حديث ابن عباس وفيه طرف من ذلك، وتقدم في الذكر من حديث ابن إسحاق، وحديث القلعي طرف منه أيضا.

(1/136)


وعن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا لعمر بن الخطاب وأبي جهل بن هشام، فأصبح وكانت الدعوة يوم الأربعاء وأسلم عمر يوم الخميس، فكبر النبي صلى الله عليه وسلم وأهل البيت تكبيرة سمعت من أعلى مكة، فقال عمر: يا رسول الله ما نخفي ديننا ونحن على الحق وهم على الباطل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " إنا قليل " فقال عمر: والذي بعثك بالحق نبيا لا يبقى مجلس جلست فيه بالكفر إلا جلست فيه بالإيمان، ثم خرج فطاف بالبيت ثم مر بقريش وهم ينظرونه فقال أبو جهل بن هشام: زعم فلان أنك صبوت، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، فوثب المشركون فوثب عمر على عتبة بن ربيعة فبرك عليه وجعل يضربه وأدخل إصبعيه في عينيه، فجعل عتبة يصيح فتنحى الناس عنه، فقام عمر فجعل لا يدنو منه أحد إلا أخذ شريف من دنا منه حتى أحجم الناس عنه، واتبع المجالس التي كان يجلس فيها فأظهر الإيمان ثم انصرف إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو ظاهر عليهم فقال: ما يحبسك، بأبي أنت وأمي فوالله ما بقي مجلس كنت أجلس فيه بالكفر إلا ظهرت فيه بالإيمان، غير هائب ولا خائف، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمر أمامه وحمزة بن عبد المطلب حتى طاف بالبيت وصلى الظهر معلنا، ثم انصرف النبي صلى الله عليه وسلم إلى دار الأرقم ومن معه خرجه أبو القاسم الدمشقي في الأربعين الطوال، وقال: حديث غريب.
وقال ابن إسحاق ولما قدم عبد الله بن أبي ربيعة وعمرو بن العاص من الحبشة على قريش ولم يدركوا ما طلبوا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وردهم النجاشي بما يكرهون، وأسلم عمر بن الخطاب وكان رجلا ذا شكيمة لا يرام ما وراء ظهره امتنع به أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وبحمزة.
شرح: - أحجم الناس عنه - كفوا، تقول حجمته عن الشيء فأحجم أي كففته فكف، وهو من النوادر، مثل كببته فأكب - معلنا - العلانية ضد السر تقول علن الأمر يعلن علونا وعلن بالكسر يعلن علنا وأعلنته أظهرته، وفي هذا الحديث أنه دعا له يوم الأربعاء وتقدم في الذكر قبله أنه دعا له يوم الخميس ويوم الاثنين وهو محمول على تكرار الدعاء في تلك الأيام من غير أن يكون بين الأحاديث تضاد ولا تهافت.
وعن ابن مسعود قال: ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر، خرجه البخاري وأبو حاتم. وعنه قال: كان إسلام عمر فتحا وهجرته نصرا وإمارته رحمة، لقد رأيتنا ولم نستطع أن نصلي بالبيت حتى أسلم عمر، فلما أسلم عمر قاتلهم حتى تركونا فصلينا، خرجه الحافظ السلفي. وعنه قال: ما كنا نقدر أن نصلي عند الكعبة حتى أسلم عمر، فلما أسلم قاتل قريشا حتى صلى عند الكعبة وصلينا معه، خرجه ابن إسحاق في سيرته، وعنه ما صلينا ظاهرين حتى أسلم عمر.
وعنه لما أسلم عمر ظهر الإسلام ودعا إلى الله علانية.
وعن علي قال: ما سمينا مؤمنين حتى أسلم عمر، خرجهن في الفضائل وعن صهيب قال: لما أسلم عمر جلسنا حول البيت حلقا وطفنا وانتصفنا ممن غلظ علينا، خرجه في الصفوة.
وعن ابن عباس قال: لما أسلم عمر قال المشركون انتصف القوم منا.
ذكر أن ذلك كله إنما كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم تقدم في ذكر بدء إسلامه وفي الذكر قبله طرف منه.
عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " اللهم أعز الدين بأحب الرجلين إليك بعمر بن الخطاب أو بأبي جهل بن هشام " فكان أحبهما إلى الله عمر، خرجه أحمد والترمذي وصححه أبو حاتم.
وعن علي قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " اللهم أعز الإسلام بعمر بن الخطاب " خرجه ابن السمان في الموافقة.
وعن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " اللهم أعز الإسلام بعمر بن الخطاب خاصة " أخرجه أبو حاتم، ولا تضاد بينهما لجواز أن يكون تكرر الدعاء منه صلى الله عليه وسلم فخص عمر مرة وأشرك معه غيره أخرى، وعن ابن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اللهم أيد الإسلام بعمر " خرجه الفضائلي.
ذكر استبشار أهل السماء بإسلام عمر

(1/137)


عن ابن عباس قال: لما أسلم عمر أتى جبريل عليه السلام النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا محمد لقد استبشر أهل السماء بإسلام عمر. خرجه أبو حاتم والدارقطني والخلعي والبغوي. وفي طريق غريب بعد قوله " بإسلام عمر " ، قلت وكيف لا يكون ذلك كذلك ولم تصعد إلى السماء للمسلمين صلاة ظاهرة ولا نسك ولا معروف إلا بعد إسلامه حيث قال: والله لا يعبد اله سرا بعد هذا اليوم.
ذكر أنه بإسلامه كان مكملا عدة أربعين
عن ابن عباس قال: أسلم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم تسعة وثلاثون رجلا، ثم إن عمر أسلم فصاروا أربعين رجلا فنزل جبريل عليه السلام بقوله تعالى " يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين " . خرجه القلعي والواحدي قال أبو عمر: روي أنه أسلم بعد أربعين رجلا وإحدى عشرة امرأة.
الفصل الخامس
في هجرته
عن ابن عباس قال قال علي: ما علمت أن أحدا من المهاجرين هاجر إلا مختفيا إلا عمر بن الخطاب فإنه لما هاجر تقلد سيفه، وتنكب قوسه، وانتضى في يده أسهما واختصر عنزته ومضى قبل الكعبة والملأ من قريش بفنائها، فطاب بالبيت سبعا متمكنا ثم أتى المقام فصلى متمكنا ثم وقف على الخلق واحدة واحدة فقال لهم: شاهت الوجوه، لا يرغم الله إلا هذه المعاطس، من أراد أن يثكل أمه أو ييتم ولده، أو يرمل زوجته فليلقني وراء هذا الوادي، قال علي: فما أتبعه أحد إلا قوم من المستضعفين علمهم ما أرشدهم ثم مضى لوجهه، خرجه ابن السمان في الموافقة والفضائلي.
شرح: - تنكب قوسه - ألقاه على منكبه - وانتضى في يده أسهما - أستلها من كنانته وتركها معدة في يده، وكذلك انتضى سيفه ونضاه استله - واختصر عنزته - العنزة بالتحريك أطول من العصا وأقصر من الرمح، وفيه زج كزج الرمح واختصارها والله أعلم حملها مضمومة إلى خاصرته، - والمعاطس - جمع بزنة مجلس وهو الأنف وإرغامها إلصاقها بالرغام وهو التراب، كنى بذلك عن الإهانة والإذلال.
قال ابن إسحاق: خرج عمر بن الخطاب مهاجرا وعياش بن أبي ربيعة قال عمر: ابتعدت لما أردنا الهجرة أنا وعياش بن أبي ربيعة وهشام ابن العاص بن وائل السهمي المناصب من أضاة بني غفار فوق سرف وقلنا أينا لم يصبح عندها فقد حبس فليمض صاحبها قال: فأصبحت أنا وعياش بن أبي ربيعة عند المناصب، وحبس عنا هشام وفتن فافتن، فلما قدمنا المدينة نزلنا في بني عمرو بن عوف بقباء.
الفصل السادس
في خصائصه
وقد تقدم منها طرف جيد في أبواب الأعداد خصوصا في باب الشيخين وتقدم من ذلك اختصاصه بسؤال النبي صلى الله عليه وسلم ربه عز وجل أن يعز الإسلام بمعمر خاصة، وأن المسلمين ما زالوا أعزة منذ أسلم عمر وتسمية الفاروق في فصل اسمه وإعلانه هجرته في الفصل قبله.
ذكر اختصاصه بتأهله للنبوة لو كان نبي بعد النبي صلى الله عليه وسلم
عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لو كان نبي بعدي لكان عمر بن الخطاب " . خرجه أحمد والترمذي، وقال حسن غريب: وفي بعض طرق هذا الحديث. " لو لم أبعث لبعثت يا عمر " . وفي بعضها " لو لم أبعث فيكم لبعث عمر " خرجه القلعي.
ذكر اختصاصه بالتحديث
عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " قد كان في الأمم محدثون فإن يكن في أمتي أحد فهو عمر بن الخطاب " ، خرجه أحمد ومسلم وقد قال ابن وهب تفسير - محدثون - ملهمون، وأخرجه الترمذي وصححه وأبو حاتم وخرجه البخاري عن أبي هريرة، وخرج عنه من طريق آخر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لقد كان فيمن قبلكم من بني إسرائيل رجال يكلمون من غير ن يكونوا أنبياء، فإن يكن من أمتي فيهم أحد فعمر " . ومعنى محدثون والله أعلم أي يلهمون الصواب، ويجوز أن يحمل على ظاهره وتحدثهم الملائكة لا بوحي، وإنما بما يطلق عليه اسم حديث، وتلك فضيلة عظيمة.
ذكر اختصاصه بالخيرية
عن جابر قال قال عمر لأبي بكر: يا خير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال أبو بكر: أما إنك إن قلت ذلك فلقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " ما طلعت شمس على رجل خير من عمر " . خرجه الترمذي وقال غريب، وهذا محمول على أنه كذلك بعد أبي بكر جمعا بين هذا وبين الأحاديث المتقدمة في أبي بكر.

(1/138)


وعن ثابت بن الحجاج قال: خطب عمر ابنة أبي سفيان فأبوا أن يزوجوه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما بين لابتي المدينة خير من عمر " . خرجه البغوي في الفضائل، وأراد بعده صلى الله عليه وسلم وبعد أبي بكر، أما الأول فبالإجماع، وأما الثاني فلما تقدم.
ذكر اختصاصه بأنه أزهدهم في الدنيا
عن طلحة بن عبيد الله قال: ما كان عمر بأولنا إسلاما ولا أقدمنا هجرة، ولكنه كان أزهدنا في الدنيا وأرغبنا في الآخرة، خرجه الفضائلي.
ذكر اختصاصه بموافقة التنزيل في قضايا منها اتخاذ مقام إبراهيم مصلى
عن ابن عمر قال قال عمر. وافقت ربي في ثلاث: مقام إبراهيم. وفي الحجاب، وفي أسارى بدر. خرجه مسلم. وعن طلحة ابن مصرف قال قال عمر: يا رسول الله أليس هذا مقام إبراهيم أبينا؟ قال بلى. قال عمر: فلو اتخذته مصلى؟ فأنزل الله تعالى " واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى " . خرجه المخلص الذهبي.
ومنها: مشورته في أسارى بدر عن ابن عباس عن عمر قال: لما كنا يوم بدر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما ترون في هؤلاء الأسارى؟ " فقال أبو بكر يا رسول الله بنو العم وبنو العشيرة والإخوان غير أنا نأخذ منهم الفداء، فيكون لنا قوة على المشركين وعسى الله أن يهديهم إلى الإسلام، ويكونوا لنا عضدا، قال: " فما ترى يا بن الخطاب؟ " قلت يا رسول الله ما أرى الذي رأى أبو بكر، ولكن هؤلاء أئمة الكفر وصناديدهم فنقربهم فنضرب أعناقهم قال: فهوى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال أبو بكر، ولم يهو ما قلت وأخذ منهم الفداء، فلما أصبحت غدوت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا هو وأبو بكر قاعدان يبكيان، قلت يا نبي الله! أخبرني من أي شيء تبكي أنت وصاحبك؟ فإن وجدت بكاء بكيت وإلا تباكيت لبكائكما، فقال: لقد عرض على عذابكم أدنى من الشجرة وشجرة قريبة حينئذ، فأنزل الله تعالى: " ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة " . أخرجه مسلم، وعند البخاري معناه.
وذكر أنه قتل من المشركين سبعون رجلا وأسر سبعون رجلا فاستشار النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر وعمر وعليا فقال أبو بكر: يا رسول الله هؤلاء بنو العم والعشيرة والإخوان وإني أرى أن تأخذ منهم الفدية فيكون ما أخذنا منهم قوة لنا على الكفار وعسى الله أن يهديهم فيكونوا لنا عضدا، فقال صلى الله عليه وسلم: " ما ترى يا بن الخطاب؟ " قال فقلت: والله ما أرى ما رأى أبو بكر ولكني أرى أن تمكنني من فلان قريب لعمر فأضرب عنقه، وتمكن عليا من عقيل فيضرب عنقه، وتمكن حمزة من فلان أخيه فيضرب عنقه، حتى يعلم الله أنه ليس في قلوبنا هوادة للمشركين، هؤلاء صناديدهم وائمتهم وقادتهم فهوى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال أبو بكر ولم يهو ما قلت، ثم ذكر معنى ما بعده وزاد: فلما كان يوم أحد من العام المقبل عوقبوا بما صنعوا يوم بدر من أخذهم الفداء، فقتل منهم سبعون وفر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه وكسرت رباعيته وهشمت البيضة على رأسه وسال الدم على وجهه وأنزل الله تعالى " أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم " بأخذكم الفداء " إن الله على كل شيء قدير " .
وعن أنس بن مالك قال: استشار النبي صلى الله عليه وسلم الناس في الأسارى يوم بدر فقال: " إن الله قد أمكنكم منهم " فقام عمر بن الخطاب فقال يا رسول الله اضرب أعناقهم، فأعرض عنه النبي صلى الله عليه وسلم ثم عاد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " يا أيها الناس إن الله قد أمكنكم منهم وإنما هم إخوانكم بالأمس " . فقام عمر فقال يا رسول الله اضرب أعناقهم، فأعرض عنه النبي صلى الله عليه وسلم ثم عاد النبي صلى الله عليه وسلم فقال للناس مثل ذلك، فقام أبو بكر الصديق فقال يا رسول الله، نرى أن تعفو عنهم وأن تقبل منهم الفداء، قال فذهب عن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان فيه من الغم فعفا عنهم وقبل منهم الفداء، فأنزل الله تعالى " لولا كتاب من الله سبق " الآية، أخرجه أحمد.
وفي طريق أن النبي صلى الله عليه وسلم لقي عمر فقال: " لقد كاد يصيبنا في خلافك بلاء " . خرجه الواحدي في أسباب النزول، وفي بعضها " لقد كان يصيبنا بخلافك شر يا بن الخطاب " . وفي رواية " لو نزل من السماء نار لما نجا منها إلا عمر " .

(1/139)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية