صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : الرياض النضرة في مناقب العشرة
المؤلف : المحب الطبري
مصدر الكتاب : الوراق

[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

يا هذا إنك قد سألتنا فأخبرناك ولم نكتمك شيئا فمن الرجل قال أبو بكر من قريش قال الفتى بخ بخ أهل الشرف والرياسة فمن أي القرشيين أنت قال من ولد تيم بن مرة قال الفتى أمكنت والله من سواء الثغرة أمنكم قصي الذي جمع القبائل من فهر وكان يدعى في قريش مجمعا قال لا قال فمنكم هاشم الذي قال فيه الشاعر:
عمرو العلا هشم الثريد لقومه ... ورجال مكة مسنتون عجاف
قال لا قال فمنكم شيبة الحمد عبد المطلب مطعم طير السماء الذي كان وجهه القمر يضيء في الليلة الداجية الظلماء قال لا قال فمن أهل الإفاضة بالناس أنت قال لا قال فمن أهل الحجاية أنت قال لا قال فمن أهل السقاية أنت قال لا قال فمن أهل الندوة أنت قال لا قال فمن أهل الرفادة أنت قال لا فاجتذب أبو بكر زمام الناقة راجعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال الغلام:
صادف السيل درءا يرفعه ... يهيضه حينا وحينا يصدعه

(1/71)


أما والله لو ثبت لأخبرتك من أي قريش أنت فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال علي فقلت يا أبا بكر لقد وقعت من الأعرابي على باقعة قال أجلس أبا الحسن ما من طامة إلا وفوقها طامة والبلاء موكل بالمنطق قال ثم دفعنا إلى مجلس آخر عليهم السكينة والوقار فتقدم أبو بكر فسلم وقال ممن القوم قالوا من شيبان بن ثعلبة فالتفت أبو بكر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال بأبي وأمي هؤلاء غرر الناس وفيهم مفروق بن عمرو وهانئ بن قبيصة والمثنى بن حارثة والنعمان بن شريك وكان مفروق قد غلبهم جمالا ولسانا وكان له غديرتان يسقطان على تربته وكان أدنى القوم مجلسا فقال أبو بكر العدد فيكم فقال مفروق إنا نزيد على ألف ولن يغلب ألف من قلة فقال أبو بكر وكيف المنعة فيكم فقال مفروق علينا الجهد ولكل قوم حد فقال أبو بكر فكيف الحرب بينكم وبين عدوكم قال مفروق إنا لأشد ما يكون غضبا حين نلقى وأشد ما نكون لقاء حين نغضب وإنا لنؤثر الجياد على الأولاد والسلاح على اللقاح والنصر من عند الله تعالى يديلنا مرة ويديل علينا أخرى لعلك أخو قريش قال أبو بكر قد بلغكم أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا هو ذا فقال مفروق بلغنا أنه يذكر ذلك فإلام تدعو يا أخا قريش فتقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلس وقام أبو بكر يظله بثوبه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أدعوكم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله وإلى أن تؤووني وتنصروني فإن قريشا قد ظاهرت على أمر الله وكذبت رسوله واستغنت بالباطل عن الحق والله هو الغني الحميد فقال مفروق بن عمرو إلام تدعونا يا أخا قريش فوالله ما سمعت كلاما أحسن من هذا فتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم " قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم " إلى " فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون " فقال مفروق إلى ما تدعونا يا أخا قريش قال فتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون " فقال مفروق دعوت والله يا أخا قريش إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال ولقد أفك قوم كذبوك وظاهروا عليك وكأنه أحب أن يشركه في الكلام هانئ بن قبيصة فقال وهذا هانئ بن قبيصة شيخنا وصاحب ديننا فقال هانئ قد سمعت مقالتك يا أخا قريش وإني أرى إن تركنا ديننا واتبعناك على دينك بمجلس جلسناه إليك ليس له أول ولا آخر زللا في الرأي وقلة نظر في العاقبة وإنما تكون الزلة مع العجلة ومن ورائنا قوم نكره أن نعقد عليهم عقدا ولكن ترجع ونرجع وتنظر وننظر وكأنه أحب أن يشركه المثنى بن حارثة فقال وهذا المثنى بن حارثة شيخنا وصاحب حربنا فقال المثنى بن حارثة وقد سمعت مقالتك يا أخا قريش والجواب هانئ بن قبيصة في تركنا ديننا ومتابعتك على دينك وإنما نزلنا بين صريتين اليمانية والشامية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما هاتان الصريتان فقال أنهار كسرى ومياه العرب فأما ما كان من أنهار كسرى فذنب صاحبه غير مغفور وعذره غير مقبول وإنا إنما على عهد أخذه علينا أن لا نحدث حدثا ولا نؤوي محدثا وإني أرى هذا الأمر الذي تدعونا إليه يا أخا قريش مما تكره الملوك فإن أحببت أن نؤويك وننصرك مما يلي مياه العرب فعلنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ما أسأتم في الرد إذ أفصحتم بالصدق وإن دين الله لن ينصره إلا من حاطه من جميع جوانبه أرأيتم إن لم تلبثوا إلا قليلا حتى يورثكم الله أرضهم وديارهم وأموالهم ويفرشكم نساءهم أتسبحون الله وتقدسونه " فقال النعمان بن شريك اللهم فلك ذلك قال فتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم " إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا " ثم نهض رسول الله صلى الله عليه وسلم قابضا على يد أبي بكر وهو يقول " يا أبا بكر أية أخلاق في الجاهلية ما أشرفها بها يدفع الله عز وجل بأس بعضهم عن بعض وبها يتحاجزون فيما بينهم " قال فدفعنا إلى مجلس الأوس والخزرج فما نهضنا حتى بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فلقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد سر بما كان من أبي بكر ومعرفته بأنسابهم.

(1/72)


شرح: هامتها رأسها واللهازم في الأصل جمع لهزمة بالكسر واللهزمتان عظمتان ناتئتان في اللحيين تحت الأذنين وتيم الله بن ثعلبة بن عكابة من بني ربيعة يقال لهم اللهازم قاله الجوهري ذهل حي من بكر وهما ذهلان كلاهما من ربيعة أحدهما ذهل بن شيبان بن ثعلبة بن عكابة والآخر ذهل بن ثعلبة بن عكابة حامي الذمار أي إذا ذمر وغضب حمى وذمر أي حث يقال تذامر القوم أي حث بعضهم بعضا وذلك في الحرب وذمر الأسد إذا زأر والحوفزان بفاء وزاي هو لقب الحارث بن شريك الشيباني لقب بذلك لأن قيس بن عاصم التميمي حفزه بالرمح حين خاف أن يفوته ودغفل هو ابن حنظلة النسابة أحد بني شيبان والدغفل ولد الفيل قاله الجوهري بقل وجهه خرجت لحيته والندوة والندي على فعيل بمعنى وهو مجلس القوم ومتحدثهم وكذلك النادي والمنتدى فإن تفرقوا فليس بندي وسميت دار الندوة بمكة التي بناها قصي لأنهم كانوا ينتدون فيها أي يجتمعون للمشاورة وإليها الإشارة على حذف المضاف والله أعلم العبء بالكسر الحمل وجمعه أعباء سواء الثغرة أي وسطها والثغرة ثغرة النحر التي بين الترقوتين كأنه استعارها لمكان شرف النسب مسنتون مجدبون أسنت القوم أي أجدبوا الدرء كل ما استترت به يهيضه يكسره وهاض العظم كسره الباقعة الداهية وبقع الرجل إذا رمى بكلام قبيح الطامة يقال لما علا وغلب طم غرر الناس ساداتهم وغرة كل شئ أوله وأكرمه ديرتان ضفيرتان تربية واحدة الترائب وهي عظام الصدر ما بين الترقوة الثندوة المنعة الامتناع ويقال جمع مانع نحو كافر وكفرة الجد بالفتح الحظ يديلنا أي يجعل لنا الدولة تارة وعلينا أخرى ظاهرة من المظاهرة المعاونة الصريتان تثنية صرية لعله من الصرا بكسر الصاد وفتحها الماء يطول مكثه واستنقاعه أو من الصراة نهر بالعراق التحاجز التمانع وربما يتوهم جاهل أن أبا بكر لما رجع عن دغفل كان عن انقطاع وعي ولم يكن رجوعه لذلك فإن أبا بكر انتسب إلى أرومة ليس منها أحد ممن ذكره دغفل وإلى بيت ليس فيه شيء من تلك المناصب ولو ثبت أبو بكر لما أمكن دغفل أن يقول له لست من تيم بن مرة ولا لست من قريش ولكان لأبي بكر أن يقول له يا أخا العرب إن جميع ما ذكرته لم يكن إلا من الأرومة التي انتسبت إليها وما ذكرته من المناصب ليس شيء منه في البيت الذي انتسب إليه ولا يقتضي كونهم ليسوا منا ولا شيء من هذه المناصب فينا في إخراجي من قريش فإن قريشا بطون كثيرة ولم أدع أني من أرومة تشملني ومن ذكرته أما أنتم فادعيتم أنكم من الهامة من ذهل الأكبر وذهل الأكبر أرومة من عددته عليكم فيلزم من كان من ذهل الأكبر أن يكون هؤلاء منهم فلما أقررتم بانتفاء اللازم وهو أن هؤلاء ليسوا منكم مع الاعتراف بأنهم من ذهل الأكبر فانتفى الملزوم وهو أن يكون ذهل الأكبر أرومتكم لأنهم متفق عليهم فتعينتم للانتفاء وإنما كان رجوعه رضي الله عنه من باب عظموا أقداركم بالتغافل فإنه رأى إنسانا قصد التنقص به والغض من أرومته بكون هؤلاء العظماء النبلاء المشهورين بالمناقب ليسوا منكم والحط من مرتبته بكون هذه المناصب الشريفة ليس شيء منها فيه وعرف أنه مقتدر على الكلام وترويجه والتعاريض بما ينقصه به بين ذلك الملأ فكان من النظر السديد ما فعله أبو بكر وقول دغفل أما والله لو ثبت لأخبرتك من قريش أي قريش الممتدحة بتلك المناقب والمناصب وكأنه يقول فهم قريش على الحقيقة لا أنه يريد أن تيم بن مرة ليس من قريش فإنه علامة بالنسب مشهور بذلك بين العرب فكيف يعزب عنه هذا وقول علي لقد وقعت من الأعرابي على باقعة صحيح ولا شك في أنه كذلك وقول أبي بكر ما من طامة إلا وفوقها طامة لا يلزم منه أنه أراد أنه أعلم منه بالنسب وإنما لما كان أبو بكر من أفصح العرب وأعرفهم بوجوه الكلام ومحاسنه وحقائقه ومجازاته وأعلمهم بالنسب لكنه لم يكن يستعمل التمويه والمعاريض التي هي شبيه بالباطل وإن كانت حقا لمكان دينه وورعه ودغفل وإن كان في الفصاحة والعلم بالنسب كذلك إلا أنه لا دين له ولا ورع عنده يمنعانه من ذلك كما قد وقع فإنه أوهم أن أبا بكر ليس من قريش بما عرض به من تعداد أقوام ونفي أبي بكر عنهم وهو محق في القول مبطل في الإيهام فبذلك طم على أبي بكر والله أعلم.
ذكر اختصاصه بالفتوى بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وإمضاء النبي صلى الله عليه وسلم

(1/73)


عن أبي قتادة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من قتل قتيلا له عليه بينة فله سلبه " وكنت قتلت رجلا من المشركين فقمت فقلت من يشهد لي ثم جلست فأعادها من يشهد لي ثم جلست فأعادها الثالثة فقال رجل صدق يا رسول الله سلبه عندي فأرضه عني فقال أبو بكر لا ها الله إذن لا أعمد إلى أسد من أسد الله يقاتل عن الله ورسوله يعطيك سلبه فقال صلى الله عليه وسلم صدق فأعطه فبعث الدرع فابتعت به مخرفا في بني سلمة فإنه لأول مال تأثلته في الإسلام أخرجاه شرح لا ها الله إذن هكذا يروونها للتنبيه وفيها لغتان المد والقصر وجاءت في هذا الموضع عوضا عن واو القسم كهمزة الاستفهام في الله ومد ألفها أحسن ويجوز حذفها لالتقاء الساكنين وذكر أبو حاتم السجستاني فيما يلحن فيه العامة أنهم يقولون لا ها الله إذا والصواب لاها الله ذا والمعنى لا والله هذا ما أقسم به فأدخل اسم الله بين ها وذا فعلى هذا يكون هذا من الرواة لأنهم كانوا يروون بالمعنى هذا مذهب الأخفش وذهب الخليل إلى أن الخبر محذوف أبدا وأن التقدير لا والله إلا من ذا ولا والله لا يكون ذا فحذف لكثرة الاستعمال وأعلم أن بدار أبي بكر بالزجر والردع والفتوى واليمين على ذلك في حضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يصدقه الرسول صلى الله عليه وسلم فيما قال ويحكم بقوله خصوصية شرف لم تكن لأحد غيره وقد كان يفتي في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة عشر من الصحابة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وعبد الرحمن بن عوف وابن مسعود وعمار بن ياسر وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل وحذيفة بن اليمان وزيد بن ثابت وأبو الدرداء وسلمان وأبو موسى الأشعري رضي الله عنهم ولهذا لما قال ذلك الرجل فسألت رجالا من أهل العلم فأخبروني أن على ابني جلد مائة جلدة لم ينكر عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فتوى غيره في زمانه لأنها عنه صدرت وعن تعليمه أخذت وأما الفتوى بحضرته على ما ذكرنا فلم تكن لأحد سوى أبي بكر وعن محمد بن كعب القرطبي قال بلغني أنه لما اشتكى أبو طالب شكواه التي قبض فيها قالت له قريش أرسل إلى ابن أخيك يرسل إليك من هذه الجنة التي ذكرها ما يكون لك شفاء فخرج الرسول حتى وجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر جالس معه فقال يا محمد إن عمك يقول لك إني كبير ضعيف سقيم فأرسل إلي من جنتك هذه التي تذكر من طعامها وشرابها شيئا يكون لي فيه شفاء فقال أبو بكر إن الله حرمها على الكافرين فرجع الرسول إليهم وأخبرهم بمقالة أبي بكر فحملوا عليه بأنفسهم حتى أرسل رسولا من عنده فوجده الرسول في مجلسه فقال له مثل ذلك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله حرمها على الكافرين خرجه في فضائل أبي بكر وهو مرسل.
ذكر تعبيره الرؤيا بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم وفي حال انفراده عنه وتقرير النبي صلى الله عليه وسلم تعبيره في الحالي وأنه كان أعلم الناس بالتعبير

(1/74)


عن ابن عباس أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم منصرفه من أحد فقال يا رسول الله إني رأيت في المنام ظلة تنطف عسلا وسمنا والناس يتكففون فمنهم المقل ومنهم المستكثر ثم رأيت سببا واصلا من السماء أخذت به فعلوت ثم أخذ به آخر بعدك فعلا ثم أخذ به بعدك فعلا ثم أخذ به آخر فانقطع ثم وصل له فعلا قال فقال أبو بكر اتركني أعبرها يا رسول الله قال عبرها قال أما الظلة فالإسلام وأما السمن والعسل فهو القرآن حلاوته ولينه والناس يتكففون منه فمنهم المقل ومنهم المستكثر وأما السبب من السماء فهو الحق الذي أنت عليه أخذت به فعلوت ثم أخذ به آخر بعدك فعلا ثم أخذ به آخر فعلا ثم أخذ به آخر فانقطع ثم وصل له فعلا أصبت يا رسول الله قال أصبت بعضا وأخطأت بعضا قال أقسمت يا رسول الله لتخبرني قال لا تقسم أخرجاه شرح يتكففون ويستكفون بمعنى وهو أن يمد كفه يسأل والسبب الحبل في لغة هذيل وعن عمرو بن شرحبيل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم رأيت كأني في غنم سود إذ ردفتها غنم بيض فلم أستبن السود من كثرة البيض قال أبو بكر يا رسول الله أهذه العرب ولدت فيها ثم تدخل العجم فلا تستبين العرب من كثرتهم قال كذلك عبرها الملك سحر خرجه سعيد بن منصور في سننه والحاكم أبو عبد الله بن الربيع واللفظ له وهو مرسل وعن عبد الرحمن بن أبي بكر عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم لقي ابن بديل فقال " ما كنت أرى إلا أنك قد قتلت أتذكر رؤيا رأيتها فقصصتها على أبي بكر " فقال " إن صدقت رؤياك قتلت في أمر ملتبس " فقتل يوم صفين خرجه في الفضائل وعن عطاء قال جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت إني رأيت كأن حائز بيتي انكسر وزوجها غائب فقال يرد عليك غائبك فرجع زوجها ثم غاب فجاءت الثانية فقالت إني رأيت كأن حائز بيتي انكسر فقال لها مثل ذلك فقدم زوجها ثم جاءت الثالثة فلم تجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ووجدت أبا بكر وعمر أو أحدهما فأخبرت بما رأت فقال يموت زوجك ثم أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته فقال لها هل سألت أحدا قبلي قالت نعم قال فهو كما قال لك وعن سعيد بن المسيب قال رأت عائشة كأن وقع في بيتها ثلاثة أقمار فقصتها على أبي بكر وكان من أعبر الناس فقال إن صدقت رؤياك ليدفن في بيتك خير أهل الأرض ثلاثة فلما قبض النبي صلى الله عليه وسلم قال أبو بكر يا عائشة هذا خير أقمارك خرجهما سعيد بن منصور.
ذكر اختصاصه بالشورى بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم وقبوله صلى الله عليه وسلم مشورته
عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم في قصة الحديبية وأنه لما أتى النبي صلى الله عليه وسلم عينه فقال إن قريشا جمعوا لك جموعا وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت ومانعوك فقال أشيروا أيها الناس علي أترون أن أميل إلى عيالهم وذراري هؤلاء الذين يريدون أن يصدونا عن البيت فإن فاتونا كان الله قد قطع عينا من المشركين وإلا تركناهم محرومين فقال أبو بكر يا رسول الله خرجت عامدا لهذا البيت لا تريد قتال أحد و لا حربا فتوجه له فمن صدنا عنه قاتلناه قال امضوا على اسم الله عز وجل أخرجاه.
ذكر اختصاصه بأمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بمشاورته
عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " أتاني جبريل عليه السلام فقال يا محمد إن الله تعالى أمرك أن تستشير أبا بكر " خرجه تمام في فوائده وأبو سعيد النقاش.
ذكر اختصاصه بأنه صلى الله عليه وسلم كان لا يزال عنده يسمر في أمر المسلمين
عن عمر قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يزال يسمر عند أبي بكر الليلة في الأمر من أمر المسلمين وإنه سمر عنده ذات ليلة وأنا معه فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وخرجناه معه فإذا رجل قائم يصلي في المسجد فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يستمع قراءته فما كدنا نعرفه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من سره أن يقرأ القرآن رطبا كما أنزل فليقرأه على قراءة ابن أم عبد "
ذكر ما جاء في أن الله تعالى يكره تخطئة أبي بكر
عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن الله يكره في السماء أن يخطأ أبو بكر في الأرض " وعنه أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بعثه إلى اليمن استشار ناسا من

(1/75)


أصحابه فيهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وأسيد بن حضير فقال أبو بكر لولا أنك استشرتنا ما تكلمنا فقال النبي صلى الله عليه وسلم " إني فيما لم يوح إلي كأحدكم " فتكلم القوم فتكلم كل إنسان برأيه قال ما ترى يا معاذ قال أرى ما قال أبو بكر فقال صلى الله عليه وسلم " إن الله يكره من فوق سمائه أن يخطأ أبا بكر " أو قال " أن يخطئ أبو بكر " خرجه الإسماعيلي في معجمه.
ذكر اختصاصه بأنه أول من جمع القرآن
عن عبد خير قال سمعت عليا يقول رحم الله أبا بكر كان من أعظم الناس أجرا في جمع المصاحف هو أول من جمع بين اللوحين خرجه ابن حرب الطائي وصاحب الصفوة وعن زيد بن ثابت قال أرسل إلي أبو بكر مقتل أهل اليمامة فإذا عمر جالس عنده فقال أبو بكر إن عمر جاءني فقال إن القتل قد استحر يوم اليمامة بقراء القرآن وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء في كل المواطن فيذهب من القرآن كثير وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن قال قلت لعمر وكيف أفعل شيئا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عمر هو والله خير فلم يزل يراجعني في ذلك حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر عمر ورأيت في ذلك الذي رأى عمر قال زيد فقال لي أبو بكر إنك رجل شاب عاقل لا نتهمك قد كنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم فتتبع القرآن فاجمعه قال زيد فوالله لو كلفني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل علي مما أمرني به من جمع القرآن قال قلت كيف تفعلان شيئا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أبو بكر هو والله خير فلم يزل أبو بكر يراجعني وفي أخرى فلم يزل عمر يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر قال فتتبعت القرآن أجمعه من الرقاع والعسب واللخاف وصدور الرجال حتى وجدت آخر سورة التوبة مع خزيمة أو أبي خزيمة الأنصاري فلم أجدها مع أحد غيره " لقد جاءكم رسول من أنفسكم " خاتمة براءة قال فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفاه الله تعالى ثم عند عمر حتى توفاه الله تعالى ثم عند حفصة بنت عمر خرجه البخاري شرح استحر القتل أي كثر واشتد والعسب جمع عسيب وهو سعف النخل وأهل العراق يسمونها الجريد وقد تقدم واللخاف حجارة بيض رقاق واحدتها لخفة.
ذكر اختصاصه بأنه أول من أقام بالمسلمين الحج
عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل أبا بكر وهو أول من جمع للناس الحج ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم حج من قابل أخرجه الحافظ أبو الحسين علي بن نعيم البصري وهو حديث حسن.
ذكر اختصاصه بأنه أول من تنشق عنه الأرض بعد النبي صلى الله عليه وسلم
عن ابن عمر قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم " أنا أول من تنشق عنه الأرض ثم أبو بكر ثم عمر ثم آتي البقيع فيحشرون معي ثم انتظر أهل مكة حتى يحشروا بين الحرمين " أخرجه أبو حاتم في فضائل عمر من قسم الأخبار.
ذكر اختصاصه بأنه أول من يدخل الجنة من أمة محمد صلى الله عليه وسلم
عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم " أتاني جبريل عليه السلام فطاف بي في أبواب الجنة فأراني الباب الذي أدخل أنا وأمتي منه " فقال أبو بكر الصديق بأبي أنت وأمي يا رسول الله ليتني كنت معك قال " أما إنك يا أبا بكر أول من يدخل الجنة من أمتي " خرجه البغوي في المصابيح الحسان والملا في سيرته وصاحب الفضائل وزاد فضرب على منكبه وقال " أما أنك أول من يدخل " .
ذكر اختصاصه بأنه أول من يرد الحوض
عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أول من يرد علي يوم القيامة أبو بكر الصديق " خرجه الملاء في سيرته.
ذكر مصاحبته النبي صلى الله عليه وسلم على الحوض
عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر " أنت صاحبي على الحوض وصاحبي في الغار " خرجه الترمذي وقال حسن صحيح.
ذكر اختصاصه بمرافقته النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة
عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لكل نبي رفيق ورفيقي في الجنة أبو بكر أخرجه ابن الغطريف وعن الزبير أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " اللهم إنك جعلت أبا بكر رفيقي في الغار فاجعله رفيقي في الجنة " خرجه في الفضائل.
ذكر اختصاصه بالكون بين الخليل والحبيب يوم القيامة

(1/76)


عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا كان يوم القيامة نصب لإبراهيم عليه السلام منبر أمام العرش ونصب لي منبر أمام العرش ونصب لأبي بكر كرسي فيجلس عليه وينادي مناد يا لك من صديق بين حبيب وخليل خرجه الخطيب البغدادي وخرج الملاء معناه وقال في الثلاثة كرسي كرسي.
ذكر اختصاصه بأنه لا يحاسب يوم القيامة من بين الأمة
عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " قلت لجبريل حين أسري بي إلى السماء يا جبريل هل على أمتي حساب قال كل أمتك عليها حساب ما خلا أبا بكر فإذا كان يوم القيامة قيل له يا أبا بكر أدخل الجنة فيقول ما أدخل حتى يدخل معي من كان يحبني في الدنيا " خرجه أبو الحسن العتيقي وصاحب الديباج وصاحب الفضائل وقال غريب.
ذكر اختصاصه بتجلي الله تعالى له يوم القيامة خاصة
عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر الصديق " يا أبا بكر إن الله عز وجل يتجلى للخلائق عامة ويتجلى لك خاصة " خرجه الملاء في سيرته وصاحب الفضائل وقال حسن وعن علي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " ينادي مناد أين السابقون الأولون فيقول من فيقول أين أبو بكر الصديق فيتجلى الله لأبي بكر خاصة وللناس عامة " خرجه ابن بشران وصاحب الفضائل وقال غريب وعن جابر قال كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ جاء وفد عبد القيس فتكلم بعض القوم ولغا في كلامه فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم إلى أبي بكر فقال " يا أبا بكر أسمعت ما قالوا " قال نعم قال فأجبهم قال فأجابهم وأجاد فقال النبي صلى الله عليه وسلم " يا أبا بكر أعطاك الله الرضوان الأكبر " فقال له بعض القوم يا رسول الله وما الرضوان الأكبر قال " يتجلى الله عز وجل للعباد عامة ويتجلى لأبي بكر خاصة " خرجه الملاء أيضا وصاحب الفضائل وقال غريب شرح لغا أي قال باطلا وعن أنس قال لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من الغار أخذ أبو بكر بركاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأدبر بزمام الناقة فقال صلى الله عليه وسلم وهب الله لك الرضوان الأكبر فقيل وما الرضوان الأكبر فذكر نحو ما تقدم ذكره الملاء وعن الزبير بن العوام أن النبي صلى الله عليه وسلم لما خرج يريد الغار أتاه أبو بكر بناقة فقال اركبها يا رسول الله فلما ركبها التفت إلى أبي بكر فقال " يا أبا بكر أعطاك الله الرضوان الأكبر " قال يا رسول الله وما الرضوان الأكبر قال " يتجلى الله عز وجل يوم القيامة لعباده عامة ويتجلى لك خاصة " خرجه صاحب الفضائل ولا تضاد بين هذا وبين ما تقدم من أنه صلى الله عليه وسلم مشى حتى حفيت أقدامه وحمله أبو بكر على كاهله إذ يجوز أن يكون هذا في السهل فلما ارتقى الجبل حيث لا تسلك الناقة مشى صلى الله عليه وسلم وحفيت أقدامه وحمله أبو بكر حينئذ.
ذكر اختصاصه بأنه لم يسمع واحد وطء جبريل حين ينزل بالوحي غيره
عن المطلب بن عبد الله بن حنطب قال لم يسمع وطء جبريل حين ينزل بالوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أبو بكر خرجه ابن البختري.
ذكر اختصاصه بكتب اسمه خلف اسم النبي صلى الله عليه وسلم في كل سماء
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " عرج بي إلى السماء فما مررت بسماء إلا وجدت فيها مكتوبا محمد رسول الله أبو بكر الصديق من خلفي " خرجه ابن عرفة العبدي والحافظ الثقفي وخرجه في الفضائل عن ابن عمر.
ذكر اختصاصه بكتابة اسمه مع اسم النبي صلى الله عليه وسلم في فرندة خضراء حول العرش
عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " رأيت ليلة أسري بي مكتوبا حول العرش في فرندة خضراء بقلم من نور لا إله إلا الله محمد رسول الله أبو بكر الصديق "
ذكر اختصاصه بكتابة اسمه مع اسم النبي صلى الله عليه وسلم في علم من نور

(1/77)


عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن لله علما من نور مكتوب عليه لا إله إلا الله محمد رسول الله أبو بكر الصديق " خرجهما في الفضائل وهذا مغاير لما تقدم فإن أسماء الأربعة تقدم أنها مكتوبة في لواء الحمد وهذا علم من نور الله تعالى فحمل على أنه غيره وكذلك ما تقدم في باب الثلاثة فإنه تقدم أن أسماءهم مكتوبة على العرش ولم يذكر أنه في فرندة خضراء حول العرش كما في هذا فيجوز أن يكون في موضع آخر غيره وتقدم أن أسماءهم في كل ورقة في الجنة وهما في كل سماء والله أعلم.
ذكر اختصاصه بتقديم النبي صلى الله عليه وسلم إياه أميرا على الحج في حياته صلى الله عليه وسلم
عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم حين رجع إلى المدينة من عمرة الجعرانة بعث أبا بكر أمينا على الحج خرجه أبو حاتم في حديث طويل سيأتي في خصائص علي رضي الله عنه وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال بعثني أبو بكر في تلك الحجة في مؤذنين بعثهم يوم النحر يؤذنون بمنى أن لا يحج بعد هذا العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان أخرجاه ذكر تخصيصه بالتقديم إماما في الصلاة حين غاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض شؤونه عن سهل بن سعد قال كان قتال في بني عمرو بن عوف فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم فأتاهم بعد الظهر ليصلح بينهم فقال يا بلال إذا حضرت الصلاة ولم آت فمر أبا بكر فليصل بالناس قال فلما أن حضرت العصر أقام بلال الصلاة ثم أمر أبا بكر فتقدم وصلى بهم وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدما دخل أبو بكر في الصلاة فلما رأوه صفحوا وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم يشق الناس حتى قام خلف أبي بكر وكان أبو بكر إذا دخل في الصلاة لم يلتفت فلما رأى التصفيح لا يمسك عنه التفت فرأي النبي صلى الله عليه وسلم خلفه فأومأ إليه النبي صلى الله عليه وسلم بيده أن امضه فقام أبو بكر كهيئته فحمد الله على ذلك ثم مشى القهقري قال فتقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى بالناس فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاته قال " يا أبا بكر ما منعك إذ أومأت إليك ألا تكون مضيت " قال فقال أبو بكر لم يكن لابن أبي قحافة أن يؤم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال للناس " إذا رابكم في صلاتكم شيء فليسبح الرجل ولتصفح النساء " أخرجه أحمد وأبو حاتم في التقاسيم والأنواع وأبو داود والنسائي شرح التصفيح مثل التصفيق.
ذكر اختصاصه صلى الله عليه وسلم أبا بكر بأنه لا ينبغي أن يتقدمه غيره
عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا ينبغي لقوم فيهم أبو بكر أن يؤمهم غيره أخرجه الترمذي وقال غريب وخرجه السمرقندي ولفظه قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصل أبو بكر للناس قالوا يا رسول الله لو أمرت غيره قال " لا ينبغي لأمتي أن يؤمهم إمام وفيهم أبو بكر " وخرجه في الفضائل ولفظه قالت خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الأنصار ليصلح بينهم في أمر فحضرت الصلاة فقال بلال لأبي بكر قد حضرت الصلاة وليس رسول الله صلى الله عليه وسلم شاهدا فهل لك أن أؤذن وأقيم وتصلي بالناس فقال إن شئت فأذن بلال وأقام فتقدم أبو بكر وصلى بالناس فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدما فرغوا فقال أصليتم قالوا نعم قال من صلى بكم قالوا أبو بكر قال أحسنتم " لا ينبغي لقوم فيهم أبو بكر أن يصلي بهم غيره " وفي رواية أن يؤمهم غيره وقال حديث غريب هاتان والله أعلم قضيتان متغيرتان عهد النبي صلى الله عليه وسلم في إحداهما إلى بلال إذا حضرت الصلاة أن يصلي بهم أبو بكر على ما تضمنه حديث الشيخين في الذكر قبل هذا وفي الأخرى لم يعهد وعليه دل سياق لفظ هذا الحديث وطرق كثيرة في الصحيحين رويت كذلك ليس فيها عهد والله أعلم.
ذكر اختصاصه بتقديم النبي صلى الله عليه وسلم إياه إماما في مرض وفاته تنبيها على خلافته

(1/78)


عن ابن عمر لما اشتد برسول الله صلى الله عليه وسلم وجعه قال مروا أبا بكر فليصل بالناس قالت له عائشة يا رسول الله إن أبا بكر رجل رقيق إذا قام مقامك لا يسمع الناس من البكاء قال " مروا أبا بكر فليصل بالناس " فعاودته مثل مقالتها فقال " إنكن صواحبات يوسف مروا أبا بكر فليصل بالناس " أخرجاه وأبو حاتم واللفظ له وعن عائشة قالت لما ثقل رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء بلال يؤذنه بالصلاة فقال " مروا أبا بكر فليصل بالناس " قالت فقلت يا رسول الله إن أبا بكر رجل أسيف وإنه متى يقم مقامك لا يسمع الناس فلو أمرت عمر فقال " مروا أبا بكر فليصل بالناس " قالت فقلت لحفصة قولي له فقالت حفصة يا رسول الله إن أبا بكر رجل أسيف وإنه متى يقم مقامك لا يسمع الناس قال " إنكن صاحبات يوسف مروا أبا بكر فليصل بالناس " أخرجاه وأبو حاتم قال أبو حاتم الصواب صواحب إلا أن السماع صواحبات وخرجه الترمذي وزاد في آخره فقالت حفصة لعائشة ما كنت لأصيب منك خيرا وقال حديث حسن صحيح وفي بعض طرق الصحيحين إنه لما أرسل إلى أبي بكر قال أبو بكر لعمر يا عمر صل بالناس فقال عمر أنت أحق بذلك فصلى أبو بكر تلك الأيام وعن عبد الله بن زمعة قال لما استعز برسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا عنده في نفر من المسلمين دعاه بلال إلى الصلاة فقال مروا من يصلي فخرج عبد الله بن زمعة فإذا عمر في الناس وكان أبو بكر غائبا فقلت يا عمر قم فصل بالناس فتقدم وكبر فلما سمع النبي صلى الله عليه وسلم صوته قال فأين أبو بكر يأبى الله ذلك والمسلمون فبعث إلى أبي بكر بعد أن صلى عمر تلك الصلاة فصلى بالناس وفي رواية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سمع صوت عمر خرج حتى اطلع رأسه من حجرته ثم قال " لا لا لا ليصل للناس ابن أبي قحافة " يقول ذلك مغضبا أخرجهما أبو داود وخرج أحمد معناه وخرجه ابن إسحاق ولفظه عن عبد الله بن زمعة قال لما استعز برسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا عنده في نفر من المسلمين قال دعاه بلال إلى الصلاة فقال مروا من يصلي بالناس قال فخرجت فإذا عمر في الناس وأبو بكر غائب فقلت قم يا عمر فصل بالناس قال فقام فلما كبر سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم صوته وكان عمر رجلا مجهرا قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " فأين أبو بكر يأبى الله ذلك والمسلمون " قال فبعث إلى أبي بكر فجاء بعد أن صلى عمر تلك الصلاة فصلى بالناس قال عبد الله بن زمعة قال لي عمر ويحك ماذا صنعت بي يا ابن زمعة والله ما ظننت حين أمرتني إلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرك بذلك ولولا ذلك ما صليت بالناس قال قلت والله ما أمرني صلى الله عليه وسلم بشيء ولكن حين لم أر أبا بكر رأيتك أحق من حضر بالصلاة بالناس شرح استعز برسول الله صلى الله عليه وسلم أي اشتد به المرض وأشرف على الموت يقال عز يعز إذا اشتد واستعز به المرض وغيره إذا اشتد عليه وغلبه ثم بنى الفعل للمفعول الذي هو الجار والمجرور وفي هذا كله أبين البيان وأوضح الدلالة على أنه الخليفة بعده

(1/79)


وعن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ليصلي بالناس أبو بكر قالت عائشة يا رسول الله إن أبا بكر رجل حضر فقال ابعثوا إلى عمر فقال عمر ما كنت لأتقدم وأبو بكر فصلى بالناس خرجه في الفضائل وقال حسن وعن عبد الله بن عمير الليثي أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أبا بكر أن يصلي بالناس الصبح وأن أبا بكر كبر فوجد النبي صلى الله عليه وسلم بعض الخفة فقام يفرج الصفوف قال وكان أبو بكر لا يلتفت إذا صلى فلما سمع أبو بكر الحس من ورائه عرف أنه لا يتقدم إلى ذلك المقام إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم فخنس وراءه إلى الصف فرده النبي صلى الله عليه وسلم مكانه وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جنبه خرجه الشافعي في مسنده وخرجه ابن إسحاق وقال مكان فرده فدفع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جنبه فصلى قاعدا عن يمين أبي بكر شرح خنس أي انقبض وتأخر وعن أنس قال لم يخرج النبي صلى الله عليه وسلم إلينا ثلاثا فأقيمت الصلاة فذهب أبو بكر يتقدم فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم بالحجاب فرفعه فلما وضح لنا وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ما نظرنا منظرا قط كان أعجب إلينا من وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم حين وضح لنا قال فأومأ نبي الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي بكر أن يتقدم وأرخى الحجاب فلم نقدر عليه حتى مات صلى الله عليه وسلم أخرجاه وعنه أن أبا بكر كان يصلي لهم في وجع النبي صلى الله عليه وسلم الذي توفي فيه حتى إذا كان يوم الاثنين وهم صفوف في الصلاة كشف رسول الله صلى الله عليه وسلم ستر الحجرة فنظرنا إليه وهو قائم كأن وجهه ورقة مصحف ثم تبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ضاحكا الحديث أخرجه مسلم.
ذكر اختصاصه بصلاة النبي صلى الله عليه وسلم خلفه بعد أمره له بالتقدم إماما
عن أنس قال آخر صلاة صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم مع القوم صلى في ثوب واحد متوشحا خلف أبي بكر خرجه النسائي والطبراني في معجمه وعن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى خلف أبي بكر وعن سهل بن سعيد مثله وعن عائشة نحوه وقالت قاعدا أخرجه ابن حبان وعن أسماء قالت رأيت أبي يصلي في ثوب واحد وثيابه إلى جنبه فقلت له يا أبت أتصلي في ثوب واحد وإلى جنبك ثيابك فقال يا بنية آخر صلاة صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم خلفي في ثوب واحد وعن أبي موسى أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى خلف أبي بكر صحيح متفق عليه.
ذكر اختصاصه بالحوالة عليه بعد وفاته تنبيها على خلافته وأنه القائم بعده
عن جبير بن مطعم أن امرأة أتت النبي صلى الله عليه وسلم تسأله شيئا فقال لها ارجعي إلي فقالت له يا رسول الله فإن رجعت ولم أجدك تعرض بالموت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " وإن لم تجديني فأت أبا بكر " أخرجاه والترمذي وأبو حاتم وخرجه صاحب الفضائل عن ابن عباس بزيادة تصريح بها ولفظه قال جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسألته شيئا فقال تعودين قالت يا رسول الله إن عدت فلم أجدك تعرض بالموت قال " إن جئت فلم تجديني فأت أبا بكر فإنه الخليفة من بعدي " وقال غريب وجاء في باب الشيخين حديث اليهودي في هذا المعنى وفي ذكر عمر بعد أبي بكر وقد تقدم في باب الثلاثة حديث الأعرابي وحديث ابن المصطلق في هذا المعنى وفيه ذكر عثمان بعد عمر.
ذكر اختصاصه بإرادة العهد إليه في الخلافة ثم ترك ذلك إحالة على إباء الله تعالى خلاف ذلك والمؤمنين

(1/80)


عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه " ادعي لي أبا بكر أباك وأخاك حتى أكتب كتابا فإني أخاف أن يتمنى متمن ويقول قائل أنا أولى ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر " أخرجاه وعنها أنها قالت وارأساه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ذلك لو كان وأنا حي فأستغفر لك وأدعو لك " فقالت عائشة واثكلاه والله إني لأظنك تحب موتي ولو كان ذلك لظلت آخر يومك معرسا ببعض أزواجك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " بل أنا وارأساه قد عممت أو أردت أن أرسل إلى أبي بكر وابنه وأعهد أن يقول القائلون أو يتمنى المتمنون ثم قلت يأبى الله ويدفع المؤمنون أو يدفع الله ويأبى المؤمنون " انفرد البخاري بإخراجه وعنها قالت لما ثقل رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعبد الرحمن بن أبي بكر ائتني بكتف أو لوح حتى أكتب لأبي بكر كتابا لا يختلف عليه فلما ذهب عبد الرحمن ليقوم قال أبى الله والمؤمنون أن يختلف على أبي بكر أخرجه أحمد وعنها قالت لما كان وجع رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قبض فيه قال ادعوا إلي أبا بكر فلنكتب لئلا يطمع في الأمر طامع أو يتمنى متمن ثم قال " يأبى الله والمؤمنون إلا أن يكون أبي فكان أبي خرجه في الفضائل وقال بإسناد صحيح على شرط الشيخين وعن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في شكايته التي توفي فيها " يا عائشة ادعي إلي عبد الرحمن بن أبي بكر حتى أكتب لأبي بكر كتابا لا يختلف فيه بعدي معاذ الله أن يختلف على أبي بكر أحد من المؤمنين " خرجه في الفضائل وقال غريب.
ذكر اختصاصه بالسبق إلى أنواع من البر في اليوم الواحد

(1/81)


عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من أصبح منكم اليوم صائما قال أبو بكر أنا قال " فمن تبع منكم اليوم جنازة " قال أبو بكر أنا قال " فمن أطعم اليوم منكم مسكينا " قال أبو بكر أنا قال " فمن عاد منكم اليوم مريضا " قال أبو بكر أنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما اجتمعن في امرئ إلا دخل الجنة أخرجه أحمد ومسلم وعن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أيكم أصبح اليوم صائما " قال فسكت القوم فقال أبو بكر أنا يا رسول الله ثم قال " أيكم تصدق اليوم على مسكين " قال فسكت القوم فقال أبو بكر أنا يا رسول الله فقال " أيكم شيع اليوم جنازة " فسكت القوم فقال أبو بكر أنا يا رسول الله وفي أخرى " أيكم عاد اليوم مريضا قال أبو بكر أنا فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال " والذي بعثني بالحق ما جمعهن رجل في اليوم إلا دخل الجنة " خرجه الملاء في سيرته وعن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه " أيكم أصبح صائما قال أبو بكر أنا قال " فأيكم عاد مريضا " قال أبو بكر أنا قال " فأيكم تبع جنازة " قال أبو بكر أنا وخفيت علي الرابعة فقال " من كملت فيه هذه الأربع بني له بيت في الجنة " خرجه في فضائله وعن أبي جراد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه " هل فيكم من عاد مريضا " قال أبو بكر أنا قال " فيكم من مشى في جنازة " قال أبو بكر أنا قال " هل فيكم من تصدق اليوم على مسكين " قال أبو بكر أنا قال " هل فيكم من أصبح صائما " قال أبو بكر أنا قال " سبقت أنت سبقت إلى الجنة أربعين عاما " وعن عبد الرحمن بن أبي بكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الصبح فلما قضى صلاته قال " أيكم أصبح اليوم صائما فقال عمر بن الخطاب أما أنا يا رسول الله بت لا أحدث نفسي بالصوم وأصبحت مفطرا فقال أبو بكر أنا يا رسول بت الليلة وأنا أحدث نفسي بالصوم فأصبحت صائما فقال " فأيكم عاد اليوم مريضا فقال عمر يا رسول الله إنما صلينا الساعة ولم نبرح فكيف نعود المريض فقال أبو بكر أنا يا رسول الله أخبروني بالأمس أن أخي عبد الرحمن بن عوف وجع فجعلت طريقي عليه فسألت به ثم أتيت المسجد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " فأيكم تصدق اليوم بصدقة " فقال عمر يا رسول الله ما برحنا معك منذ صلينا أو قال لم نبرح منذ صلينا فكيف نتصدق فقال أبو بكر أنا يا رسول الله لما جئت من عند عبد الرحمن دخلت المسجد فإذا سائل يسأل وابن لعبد الرحمن بن أبي بكر ومعه كسرة خبز فأخذتها فناولتها السائل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر " فأبشر بالجنة مرتين فلما سمع عمر بذكر الجنة تنفس فقال هاه فنظر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال كلمة رضي بها عمر رحم الله عمر إن عمر يقول ما سابقت أبا بكر إلى خير قط إلا سبقني إليه خرجه بهذا السياق الخلعي وخرج أبو داود منه التصدق بالكسرة في المسجد في باب المسألة في المساجد وقد ورد مثل هذا لعمر وسيأتي في خصائصه وهو محمول على أن ذلك كان في يومين اختص أبو بكر بيوم اجتمع له فيه تلك المبرات وعمر بيوم آخر وعن صلة بن زفر قال كان أبو بكر إذا ذكر عند علي قال السباق والذي نفسي بيده ما استبقنا إلى خير إلا سبقنا إليه أبو بكر خرجه ابن السمان في الموافقة.
ذكر اختصاصاته بالصلاة إماما على فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليها لما ماتت
عن مالك عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده علي بن الحسين قال ماتت فاطمة بين المغرب والعشاء فحضرها أبو بكر وعمر وعثمان والزبير وعبد الرحمن بن عوف فلما وضعت ليصلى عليها قال علي رضي الله عنه تقدم يا أبا بكر قال وأنت شاهد يا أبا الحسن قال نعم تقدم فوالله لا يصلي عليها غيرك فصلى عليها أبو بكر رضي الله عنهم أجمعين ودفنت ليلا خرجه البصري وخرجه ابن السمان في الموافقة وفي بعض طرقه فكبر عليها أربعا وهذا مغاير لما جاء في الصحيح فإنه ورد في الصحيح أن عليا لم يبايع أبا بكر حتى ماتت فاطمة وطريان هذا مع عدم البيعة يبعد في الظاهر والغالب وإن جاز أن يكونوا لما سمعوا بموتها حضروها فاتفق ذلك ثم بايع بعده.
ذكر أن فاطمة لم تمت إلا راضية عن أبي بكر

(1/82)


عن عامر قال جاء أبو بكر إلى فاطمة وقد اشتد مرضها فاستأذن عليها فقال لها علي هذا أبو بكر على الباب يستأذن فإن شئت أن تأذني له قالت أوذاك أحب إليك قال نعم فدخل فاعتذر إليها وكلمها فرضيت عنه وعن الأوزاعي قال بلغني أن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم غضبت على أبي بكر فخرج أبو بكر حتى قام على بابها في يوم حار ثم قال لا أبرح مكاني حتى ترضى عني بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل عليها علي فأقسم عليها لترضى فرضيت خرجه ابن السمان في الموافقة.
ذكر اختصاصه بالدعاء بخليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم
عن ابن أبي مليكة قال قيل لأبي بكر يا خليفة الله قال لست بخليفة الله ولكني خليفة رسول الله وأنا راض بذلك خرجه أحمد وأبو عمر وعن ابن عمر أن أبا بكر بعث يزيد بن أبي سفيان إلى الشام فمشى معهم نحوا من ميلين فقيل له يا خليفة رسول الله لو انصرفت فقال لا إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من اغبرت قدماه في سبيل الله عز وجل حرمهما الله على النار خرجه في فضائله وقد تقدم في ذكر ثبات قلبه وشدة بأسه يوم الردة وقول علي رضي الله عنه لما خرج إلى قتال أهل الردة إلى أين يا خليفة رسول الله ولا خلاف بين فرق المسلمين من الموافقين والمخالفين أن أبا بكر كان يدعى بخليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يدع بذلك أحد غيره.
ذكر اختصاص بيته بوجود أربعة فيه
بعضهم ولد بعض كلهم رأوا النبي صلى الله عليه وسلم وآمنوا به وسمعوا كلامه ورووا عنه وهم أبو بكر وأبوه أبو قحافة وابنته أسماء وابنها عبد الله بن الزبير وأيضا وجد فيه أربعة بعضهم ولد بعض لثلاثة منهم رؤية ورواية وواحد صحت له رؤية دون رواية عن موسى بن عقبة قال لا نعلم أربعة أدركوا النبي صلى الله عليه وسلم هم وأبناؤهم إلا هؤلاء الأربعة أبو قحافة وأبو بكر وعبد الرحمن بن أبي بكر وأبو عتيق بن عبد الرحمن بن أبي بكر واسم أبي عتيق محمد خرجه القاضي أبو بكر بن مخلد وهذا أبو عتيق ولد في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال البخاري وصحت له رضية ولم تصح له رواية وهذه منقبة في بيت أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا على الوصف الأول ولا على الوصف الثاني إلا في بيت أبي بكر على الوصفين كما ذكرناه والله أعلم.
ذكر اختصاصه بآي من القرآن أنزلت فيه أو بسببه
منها قوله تعالى " إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه " الآية لا خلاف أن المراد بأحد الاثنين أبو بكر وأنه المراد بصاحبه وقد تقدم ذلك في قصة الغار من الصحيحين وغيرهما وعن الحسن قال والله لقد عاب الله عز وجل أهل الأرض جميعا بهذه الآية إلا أبا بكر خرجه في فضائله وعن الشعبي مثله خرجه الواحدي وعن عمرو بن الحارث أن أبا بكر قال أيكم يقرأ سورة التوبة قال رجل أنا فقرأ فلما بلغ " إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا " فبكى أبو بكر وقال أنا والله صاحبه وقال ابن عباس في قوله تعالى " فأنزل الله سكينته عليه " يعني على أبي بكر فأما النبي صلى الله عليه وسلم فكانت السكينة عليه قبل ذلك ومنها قوله تعالى " ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولى القربى " الآية عن عائشة في حديث الإفك قصة مسطح بن أثاثة قالت حلف أبو بكر أن لا ينفق على مسطح أبدا فنزل قوله تعالى " ولا يأتل أولوا الفضل منكم " إلى " ألا تحبون أن يغفر الله لكم " قال أبو بكر والله إني لأحب أن يغفر الله لي فرجع إلى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه فقال لا أنزعها أبدا أخرجاه ومنها قوله تعالى " واتبع سبيل من أناب إلي " عن ابن عباس أنها نزلت في أبي بكر والخطاب لسعد بن أبي وقاص ذكره الواحدي وقيل المراد النبي صلى الله عليه وسلم ذكره الماوردي ومنها " والذي جاء بالصدق وصدق به " عن علي قال جاء بالصدق محمد صلى الله عليه وسلم وصدق به أبو بكر خرجه ابن السمان في الموافقة وخرجه في فضائله ومنها " أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما " الآية عن أبي عباس قال نزلت في أبي بكر وقيل غير ذلك ومنها قوله تعالى " إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا " عن ابن عباس قال نزلت في أبي بكر ذكره الواحدي

(1/83)


ومنها قوله تعالى " أفمن يلقى في النار خير أم من يأتي آمنا يوم القيامة " عن ابن عباس قال هو أبو جهل وأبو بكر وقيل غير ذلك حكاه الثعلبي ومنها قوله تعالى " حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة " إلى قوله " من المسلمين " عن ابن عباس قال نزلت في أبي بكر فاستجاب الله له فأسلم له والده وأولاده كلهم رواه عقيل بن خالد وقد تقدم ذكرها في ذكر إسلام أمه ومنها قوله تعالى " لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح " الآية قال الكلبي نزلت في أبي بكر ذكره الواحدي ومنها قوله تعالى " لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله " الآية عن ابن جريج أن أبا قحافة سب النبي صلى الله عليه وسلم فصكه أبو بكر صكة شديدة سقط منها ثم ذكر للنبي صلى الله عليه وسلم قال أفعلته قال نعم قال فلا تعد إليه فقال أبو بكر والله لو كان السيف قريبا مني لقتلته فنزلت خرجه الواحدي وأبو الفرج وقيل نزلت في جماعة وقد تقدم ومنها قوله تعالى " فأما من أعطى واتقى " عن عبد الله بن زبير عن بعض أهله قال: قال أبو قحافة لابنه أبي بكر أراك تعتق رقابا ضعافا فلو أنك إذا فعلت ما فعلت أعتقت رجالا يمنعونك ويقومون دونك فقال أبو بكر يا أبت إنما أريد ما أريد قال فما نزلت هذه الآيات إلا فيه وفيما قاله أبوه " فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى " إلى آخر السورة خرجه ابن إسحاق الواحدي في أسباب النزول وقد روي ما يدل على حكمها عن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ما منكم من أحد إلا كتب مقعده من الجنة ومقعده من النار " قالوا يا رسول الله أفلا نتكل قال " اعملوا فكل ميسر لما خلق له " ثم قرأ " فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى " أخرجاه ولا تضاد بينهما لجواز أن يكون نزلت بسبب فعل أبي بكر ثم عمم الحكم وعن ابن عباس أن أبا بكر لما اشترى بلالا وأعتقه قال المشركون ما فعل ذلك أبو بكر إلا ليد كانت لبلال عنده فنزلت " وما لأحد عنده من نعمة تجزى " إلى آخر السورة خرجه الواحدي وعن ابن مسعود أن السورة كلها نزلت مدحا في أبي بكر الصديق وما فيها من ذم في أمية بن خلف سيد بلال الذي ابتاعه أبو بكر منه فقوله تعالى " إن سعيكم لشتى " سعي أبي بكر وأمية " فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى " لا أله إلا الله يعني أبا بكر " فسنيسره لليسرى " الجنة " وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى " بلا إله إلا الله يعني أمية وأبيا " فسنيسره للعسرى " النار تردى مات وهلك الأشقى الذي كذب وتولى أمية وأبي
الفصل العاشر
فيما جاء متضمنا أفضليته

(1/84)


وجميع أحاديث هذا الفصل دخلت في الفصل قبله لكونها خصائص وفي أبواب قبله ونحن ننبه عليها ليقع الاستدلال بها في بابها وتعلم أماكنها فتستخرج منها عند إرادتها فمن ذلك أحاديث أولية إسلامه وفيه حديث أبي سعيد عنه ألست أحق لهذا الأمر ألست صاحب كذا وهو في فصل أنه أول الناس إسلاما ومنها أحاديث لو كنت متخذا خليلا ووجه دلالتها على الأفضلية أنه لم يعدل عنه بالخلة إلا إلى الله تعالى ولم يؤهل للخلة أحدا من المخلوقين غيره فإن صح حديث أبي في اتخاذه صلى الله عليه وسلم أبا بكر خليلا فأعظم به ومنها حديث جابر في أنه خير الخلق وأفضلهم بعده صلى الله عليه وسلم وحديث أنس في أنه خير أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وحديث أبي الدرداء في أنه خير من طلعت عليه الشمس بعد النبيين وحديث جابر في أنه أفضل الصحابة في الدنيا والآخرة وأحاديث ابن عمر في التخيير وهي مذكورة في باب الثلاثة منها كنا نخير بين الصحابة فنخير أبا بكر ومنها خير الناس أبو بكر وحديث محمد بن الحنفية عن علي أنه خير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وحديث عبد خير وحديث النزال بن سبرة وحديث أبي جحيفة ومحمد بن الحنفية أيضا كلهم عن علي مثله كلها في باب أبي بكر وعمر وحديث أبو بكر سيدنا وخيرنا وحديثه الآخر إن الله قد جمع أمركم على خيركم وحديث علي بن أبي طالب تركتكم فإن يرد الله بكم خيرا يجمعكم على خيركم كما جمعنا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم على خيرنا وحديث ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل إمامنا خيرنا وحديث أبي أمامة في راجحيته بالأمة وحديث ابن عمر مثله كلاهما في باب ما دون العشرة وحديث أبي بكر في راجحيته بعمر ثم بعثمان في باب الثلاثة وحديث أبي سعيد كان أبو بكر أعلمنا وحديثه الآخر في المعنى وحديث أبي المعلي في معناه أيضا وتقدم في باب الأربعة والثلاثة والشيخين ما يدل على طرف من ذلك تصريحا وتلويحا.
الفصل الحادي عشر
فيما جاء متضمنا صلاة النبي صلى الله عليه وسلم له بالجنة
وقد تقدم من أحاديث هذا الفصل ما جاء في العشرة وفيما دون العشرة وفي الأربعة وفي الثلاثة وفي الشيخين في أبوابهم في كل باب ذكر يخص هذا المعنى وتقدم في فصل الخصائص حديث أبي هريرة في أنه أول من يدخل الجنة وحديث ابن عمر والزبير أنه رفيقه في الجنة.
ذكر ما جاء أنه يدعى من أبواب الجنة كلها
عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " من أنفق زوجين في سبيل الله نودي في الجنة يا عبد الله هذا خير فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الريان " فقال أبو بكر يا رسول الله بأبي أنت وأمي هل يدعى أحد من تلك الأبواب كلها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم نعم وأرجو أن تكون منهم أخرجاه أحمد والترمذي وأبو حاتم وعنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من أنفق من ماله زوجين في سبيل الله ابتدرته حجبة الجنة يا عبد الله يا مسلم هذا خير لك " قال فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم فخذ أبي بكر قال أما " إنك منهم " خرجه القلعي شرح قوله زوجين جاء في الحديث قيل وما الزوجان قال فرسان أو عبدان أو بعيران وهكذا فسره بعض العلماء وقال الحسن البصري شيئان متغايران درهم ودينار درهم وقوت خف ولجام قال الباجي يحتمل أن يريد بذلك العمل من صلاتين أو صيام يومين والأصل في الزوج الصنف والنوع من كل شيء وكل شيئين متفرقين مثلين كانا أو غير مثلين فهما زوجان وكل واحد منهما زوج والمراد أنفق نوعين من ماله.
ذكر ما جاء أن الملائكة تزفه إلى الجنان مع النبيين والصديقين
عن جابر بن عبد الله قال " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " تأتي الملائكة بأبي بكر الصديق مع النبيين والصديقين تزفه إلى الجنة زفافا " خرجه في فضائله وقد تقدم مثله في باب أبي بكر وعمر مختصا بأبي بكر من حديث زيد بن ثابت إلا أنه لم يذكر فيه النبيين والصديقين.
ذكر تنعمه في الجنة

(1/85)


عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " إن طير الجنة كأمثال البخت نزعا في شجر الجنة " قال أبو بكر يا رسول الله إن هذه الطير ناعمة فقال " آكلها أنعم منها قالها ثلاثا وإني لأرجو أن تكون ممن يأكل منها " خرجه أحمد وعن ابن عمر قال ذكر عند النبي صلى الله عليه وسلم طوبى فقال " يا أبا بكر هل بلغك ما طوبى قال الله ورسوله أعلم قال طوبى شجرة في الجنة لا يعلم ما طولها إلا الله عز وجل يسير الراكب تحت غصن من أغصانها سبعين خريفا يقع عليها طير أمثال البخت " قال أبو بكر إن هذا الطير لناعم يا رسول الله قال " أنعم منه من يأكله وأنت منهم إن شاء الله يا أبا بكر خرجه الخلعي.
ذكر وصف برج له في الجنة
عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لما دخلت الجنة ليلة أسري بي فنظرت إلى برج أعلاه حرير وأسلفه حرير فقلت يا جبريل لمن هذا البرج فقال هذا لأبي بكر خرجه في فضائله.
ذكر ما له من الحور الورديات
عن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن في الجنة حورا خلقهن الله تعالى من الورد يقال لهن الورديات لا يتزوج بهن إلا نبي أو صديق أو شهيد وان لأبي بكر منهن أربعمائة " .
ذكر تشوق أهل الجنة إليه وتسليمهم عليه إذا دخلها
عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " يدخل رجل الجنة فلا يبقى أهل دار ولا أهل غرفة إلا قالوا مرحبا إلينا إلينا " قال أبو بكر يا رسول الله ماتوا على هذا الرجل في ذلك اليوم قال أجل وأنت هو يا أبا بكر خرجه أبو حاتم هكذا بالتاء باثنتين معدي بعلي ولعله أراد التوى بالقصر الهلاك وخرجه في الفضائل ماثوا هذا الرجل بالمثلثة بإسقاط على وقال الثوي يقال ثوى يثوي ثوا أي أقام والأول أنسب للجواب بأجل.
الفصل الثاني عشر
في ذكر نبذ من فضائله
قال أبو عمر وغيره واللفظ له لا يختلفون أن أبا بكر شهد بدرا والحديبية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنه لم يكن رفيقه من أصحابه غيره وأنه كان مؤنسه في الغار وأنه قام بقتال أهل الردة وظهر من فضل رأيه في ذلك وشدة بأسه مع لينه ما لم يحتسب وأظهر الله به دينه وقتل على يديه كل من ارتد عن دين الله حتى ظهر أمر الله وهم كارهون وقال صاحب الصفوة ذكر أهل العلم بالتواريخ أنه لم يفته مشهد من المشاهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنه ثبت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد حين انهزم الناس ودفع إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم رايته العظمى يوم تبوك وأنه تنزه عن شرب المسكر في الجاهلية والإسلام وأنه أول ممن فاء تحرزا من الشبهات.
ذكر ما جاء في أنه كان خيرا كله
عن طارق قال جاء ناس إلى ابن عباس فقالوا له أي رجل كان أبو بكر قال كان خيرا كله أو قال كالخير كله على حدة كانت فيه خرجه أبو عمر وعن عبد خير عن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " الخير ثلثمائة وستون خصلة إذا أراد الله بعبد خيرا جعل فيه واحدة منهن فدخل بها الجنة " قال فقال أبو بكر يا رسول الله هل في شيء منها قال نعم " جمع من كل " خرجه في فضائله وخرجه ابن البهلول من حديث سليمان بن يسار عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن الربيع بن أنس قال مكتوب في الكتاب الأول مثل أبي بكر مثل القطر حيثما وقع نفع خرجه في فضائله أيضا وقال حسن.
ذكر إثبات أفضليته بالمصاهرة
تقدم في باب ما دون العشرة أن مصاهرته صلى الله عليه وسلم والمصاهرة إليه موجبة للجنة محرمة على النار وعن ابن عمر عن عمر سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " كل نسب وصهر منقطع إلا نسبي وصهري " خرجه تمام في فوائده وسيأتي كيفية تزوجه صلى الله عليه وسلم بعائشة في بابها من كتاب مناقب أمهات المؤمنين إن شاء الله تعالى.
ذكر منزلته عند النبي صلى الله عليه وسلم
عن ابن عباس قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم واقفا مع علي إذ أقبل أبو بكر فصافحه النبي صلى الله عليه وسلم وعانقه وقبل فاه أبي بكر فقال صلى الله عليه وسلم يا أبا الحسن منزلة أبي بكر عندي كمنزلتي عند ربي خرجه الملاء في سيرته.
ذكر أنه كان عنده بمنزلة سمعه وبصره

(1/86)


عن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر يوم بدر وقد أراد أن يتقدم في أول الخيل فمنعه وقال " أما تعلم أنك عندي بمنزلة سمعي وبصري " خرجه الواحدي وأبو الفرج في أسباب النزول في قوله تعالى " لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله " الآية.
ذكر أدبه مع النبي صلى الله عليه وسلم
عن يزيد بن الأصم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر أنا أكبر أو أنت قال لا بل أنت أكبر مني وأكرم وخير مني وأنا أسن منك خرجه ابن الضحاك وعن الحسن قال لما بويع أبو بكر قام دون مقام النبي صلى الله عليه وسلم خرجه حمزة بن الحارث.
ذكر أنه لم يسؤ النبي صلى الله عليه وسلم قط
عن سهل بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " يا أيها الناس إن أبا بكر لم يسوءني فاعرفوا له ذلك " خرجه الخلعي.
ذكر كتمه سر النبي صلى الله عليه وسلم
عن عمر بن الخطاب قال تأيمت حفصة من خنيس بن حذافة وكان ممن شهد بدرا فلقيت عثمان بن عفان فقلت إن شئت أنكحتك حفصة فقال أنظر ثم لقيني فقال قد بدا لي أن لا أتزوج يومي هذا فلقيت أبا بكر فعرضتها عليه فصمت فكنت أوجد مني على عثمان فلبثت ليالي ثم خطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنكحتها إياه ثم لقيني أبو بكر فقال لعلك وجدت علي حين لم أرجع إليك فقلت أجل فقال إنه لم يمنعني أن أرجع إليك إلا أني قد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ذكرها فلم أكن لأفشي سر رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو تركها لنكحتها أخرجه البخاري شرح اختلف في موجدته على أبي بكر لماذا كانت فقيل لمكان الود الذي كان بينهما في الصحبة وقيل لأنه لم يرجع إليه شيئا وعثمان أراحه ولم يعلق خاطره فلذلك اختلف وجده عليهما فكان على أبي بكر أكثر وقد جاء في بعض الطرق فكانت موجدتي على أبي بكر أكثر من موجدتي على عثمان.
ذكر حبه صلة قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر من حبه صلة قرابته
عن عائشة رضي الله عنها قالت قال أبو بكر والله لقرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب إلي أن أصل من قرابتي أخرجه في حديث طويل.
ذكر إيثاره سرور رسول الله صلى الله عليه وسلم وقرة عينه
تقدم في إسلام أبي قحافة من حديث أسماء قول أبي بكر أما والذي بعثك بالحق لأنا كنت أشد فرحا بإسلام أبي طالب مني بإسلام أبي ألتمس بذلك قرة عينك قال صدقت وعن أنس قال بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في المسجد قد أطاف به أصحابه إذ أقبل علي بن أبي طالب فوقف فسلم ثم نظر مجلسا يشبهه فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجوه أصحابه أيهم يوسع له فكان أبو بكر جالسا على يمين النبي صلى الله عليه وسلم فتزحزح له عن مجلس وقال ههنا يا أبا الحسن فجلس بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين أبي بكر قال أنس فرأيت السرور في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال " يا أبا بكر إنما يعرف الفضل لأهل الفضل ذوو الفضل " خرجه أحمد في المناقب والخلعي وابن السمان في الموافقة ومما يقرب من هذا ما روي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه جلس على منبر النبي صلى الله عليه وسلم فصعد إليه الحسن فقال انزل عن مجلس أبي فقال مجلس أبيك لا مجلس أبي وبكى وأجلسه في حجره وبكى وقال علي والله ما هذا عن رأيي فقال والله ما اتهمتك وفي رواية فبلغ ذلك عليا فجاء وقال أعوذ بالله من غضب الله وغضب خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال والله ما أمرناه فقال أبو بكر والله ما اتهمتك خرجه ابن السمان.
ذكر وفائه بعدات رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد وفاته

(1/87)


عن جابر قال أتي أبو بكر بمال من البحرين فقال من كانت له عدة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فليأت فقمت فقلت لي عدة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال وما عدتك فقلت قال لي لأن أتاني الله مالا لأحثين لك هكذا وهكذا قال فحثا لي أبو بكر كما قلت ثلاث حثيات حديث حسن صحيح وعن حبشي بن جنادة قال كنت جالسا عند أبي بكر فقال من كانت له عدة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فليقم فقام رجل فقال يا خليفة رسول الله وعدني ثلاث حثيات من تمر قال فقال أرسلوا إلى علي فقال يا أبا الحسن إن هذا يزعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعده ثلاث حثيات من تمر فأحثها له قال فحثاها قال أبو بكر عدوها فوجدوا في كل حثية ستين تمرة لا تزيد واحدة على الأخرى فقال أبو بكر صدق الله ورسوله قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الهجرة ونحن خارجون من الغار نريد المدينة " يا أبا بكر كفي وكف علي في العدد سواء " خرجه ابن السمان في الموافقة.
ذكر أن الله أعطاه ثواب من آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم
عن علي بن أبي طالب قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لأبي بكر " يا أبا بكر إن الله أعطاني ثواب من آمن به منذ خلق آدم إلى أن بعثني وإن الله أعطاك ثواب من آمن بي منذ بعثني إلى أن تقوم الساعة " خرجه الخلعي والملاء وصاحب فضائله.
ذكر شجاعته وثبات قلبه عند الحوادث
تقدمت أحاديث هذا الذكر في ذكر اختصاصه بأنه أشجع الناس في فضل خصائصه
ذكره علمه
تقدم أيضا في ذكر اختصاصه بالفهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعلميته بالأمور طرف منه وذكرنا فيه ما يتضمن علمه وأعلميته فلينظر ثمة ومما يلتحق بهذا.
ذكر فراسته وكراماته
عن عائشة أن أبا بكر كان نحلها جاد عشرين وسقا من ماله بالغابة فلما حضرته الوفاة قال والله يا بنية ما في الناس أحد أحب إلي غناء بعدي منك ولا أعز علي فقرا بعدي منك وإني كنت نحلتك جاد عشرين وسقا فلو كنت جددته واحترزته كان لك وإنما هو اليوم مال الوارث وإنما هو أخواك وأختاك فاقتسموه على كتاب الله قالت قلت يا أبت لو كان كذا وكذا لتركته إنما هي أسماء فمن الأخرى قال ذو بطن بنت خارجة أراها جارية خرجه في الموطأ وخرجه أبو معاوية الضرير وزاد بعد قوله ذو بطن بنت جارية استوصي بها خيرا وإنه قد ألقي في نفسي أنها جارية فولدت أم كلثوم شرح جاد عشرين وسقا أي ما يجد من ذلك ذكره الهروي وروى أن بني طي لما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وارتدت العرب عزموا على الردة ومنع الزكاة فقام فيهم عدي بن حاتم ووعظهم وخوفهم بالله وأعانه على ذلك زيد الخيل ثم إن عدي بن حاتم قدم على أبي بكر بزكاة طي فسلم عليه فقال له أتعرفني يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال نعم أنت عدي الذي آمنت حين كفروا وأقبلت حين أدبروا وأوفيت حين غدروا قد عرفتك وصاحبك زيد الخيل ولو لم أعرفكما لعرفكما الله خرجه الملاء.
ذكر اقتفائه آثار النبوة واتباعه إياها
تقدم في قتال أهل الردة قوله والله لو منعوني عقالا وفي رواية عناقا كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم عليه وعن عائشة أن فاطمة سألت أبا بكر أن يقسم لها ميراثها

(1/88)


وفي رواية أن فاطمة والعباس أتيا أبا بكر يلتمسان ميراثهما من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهما حينئذ يطلبان أرضه من فدك وسهمه من خيبر قال أبو بكر إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " لا نورث ما تركنا صدقة " إنما كان يأكل آل محمد من هذا المال وإني والله لا أدع أمرا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنعه فيه إلا صنعته زاد في رواية إني أخشى إن تركت شيئا من أمره أن أزيع ثم ذكر قصة طويلة أخرجاه وقد روى حديث نفي الميراث جماعة من الصحابة أبو هريرة ولفظه " لا يقتسم ورثتي دينارا ولا درهما ما تركت بعد نفقة نسائي ومؤونة عاملي فهو صدقة " أخرجه البخاري وابن عمر وعثمان وعبد الرحمن بن عوف وسعدا وعبد الرحمن بن عوف فقال نشدتكم بالذي تقوم السماء والأرض بإذنه ألم تعلموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " لا نورث ما تركنا صدقة " قالوا نعم خرجه الخلعي وفي حديث أبي هريرة تصريح بأن ما تركه صلى الله عليه لا يورث مطلقا وإن ما تركه يصنع به ما أمر به من صرفه في النفقة المذكورة ثم يتصدق بفاضله وهذا يرد رواية من روى ما تركنا صدقة بالنصب فإن صحت فهي غلط وإلا فالغالب أنها من وضع بعض المبتدعة حتى يجعل الميراث ثابتا والصدقة فيما تركه للصدقة وعن عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم عن أبيه قال جاءت فاطمة إلى أبي بكر فقالت أعطني فدك فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهبها لي قال صدقت يا بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسمها فيعطي الفقراء والمساكين وابن السبيل بعد أن يعطيكم منها قوتكم فما تصنعين بها قالت أفعل فيها كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل قال ولك علي أن أفعل فيها ما كان أبوك يفعل قالت والله لتفعلن ذلك قال والله لأفعلن ذلك قالت اللهم اشهد قال فكان أبو بكر يعطيهم منها قوتهم ويقسم الباقي في الفقراء والمساكين وابن السبيل ثم ولى ذلك عمر ففعل مثل ذلك ثم فعل ذلك علي بن أبي طالب فقيل له في ذلك فقال إني لأستحيي من الله أن أنقض شيئا فعله أبو بكر وعمر وعن أبي الطفيل قال جاءت فاطمة إلى أبي بكر فقالت يا خليفة رسول الله أنت ورثت رسول الله أم أهله فقال لا بل أهله قالت فما بال الخمس فقال إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " إن الله إذا أطعم نبيا طعمة ثم قبضه كانت للذي بعده " فلما وليت رأيت أن أرده على المسلمين قالت أنت ورسول الله أعلم ورجعت خرجه ابن السمان في الموافقة وعن مالك بن أوس بن الحدثان قال أتى العباس وعلي أبا بكر لما استخلف فجاء علي يطلب نصيب فاطمة وجاء العباس يطلب نصيبه مما كان في يد رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان في يده نصف خيبر ثمانية عشر سهما وكانت ستة وثلاثين سهما وأرض بني قريظة وفدك فقالا ادفعها إلينا إنها كانت في يد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لهما أبو بكر لا أرى ذلك إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول " إنا معاشر الأنبياء لا نورث ما تركنا فهو صدقة " فقام قوم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فشهدوا بذلك قالا فدعها تكن في أيدينا تجري على ما كانت في يد رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا أرى ذلك أنا الوالي من بعده وأنا أحق بذلك منكما أضعها في موضعها الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يضعها فيه فأبى أن يدفع إليهما شيئا فلما ولي عمر أتياه ثم ذكر قصة طويلة مضمونها أنهما ترددا إليه حتى دفعها إليهما وأخذ عليهما العهد أن يعملا فيها كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعمل خرجه بهذا السياق تمام في فوائده ومعناه في الصحيح وعن معاذ بن رفاعة عن أبيه قال قام أبو بكر الصديق على المنبر فبكى ثم قال قام رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الأول على المنبر فبكى ثم قال " سلوا الله العفو والعافية فإن أحدا لم يعط بعد اليقين خيرا من العافية " خرجه الترمذي والحافظ الدمشقي في الموافقات.
ذكر أنه من الذين استجابوا لله والرسول
عن عروة عن عائشة قالت لي أبواك والله من الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح خرجه مسلم وفي رواية يعني أبا بكر والزبير وقد خرجه البخاري في قصة طويلة ستأتي في فصل فضائل الزبير إن شاء الله.
ذكر تعبده وما جاء من حسن صلاته

(1/89)


عن عبد الرزاق قال أهل مكة يقولون أخذ ابن جريج الصلاة من عطاء وأخذها عطاء من الزبير وأخذها ابن الزبير من أبي بكر وأخذها أبو بكر من رسول الله صلى الله عليه وسلم خرجه في الصفوة وعن أنس قال صلى أبو بكر بالناس الفجر فاقترأ البقرة في ركعتيه فلما انصرف قال له عمر يا خليفة رسول الله ما انصرفت حتى رأينا أن الشمس قد طلعت قال لو طلعت لم تجدنا غافلين خرجه البغوي والمخلص الذهبي وقد تقدم ما جاء في وتره أول الليل في باب الشيخين.
ذكر نبذ من أدعيته وتسبيحه
عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه عن أبي بكر أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم " علمني دعاء أدعو به في صلاتي قال قل اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم " أخرجاه وعن أبي راشد الخيراني قال أتيت ابن عمر فقلت له حدثنا ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم فألقى صحيفة فنظرت فإذا فيها أن أبا بكر الصديق قال يا رسول الله علمني ما أقول إذا أصبحت وإذا أمسيت قال " يا أبا بكر قل اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة لا إله إلا أنت رب كل شيء ومليكه أعوذ بك من شر نفسي ومن شر الشيطان وشركه وأن أقترف على نفسي شرا أو أن أجره إلى مسلم خرجه ابن عرفة العبدي والترمذي عنه وفي طريق عند غيرهما " قله إذا أصبحت وإذا أمسيت وإذا أخذت مضجعك " وعن أبي يزيد المدني قال كان من بين دعاء أبي بكر اللهم هب لي إيمانا ويقينا ومعافاة ونية أخرجه ابن أبي الدنيا وعن أبي معاوية بن قرة قال بلغني أن أبا بكر كان يقول اللهم اجعل خير عمري آخره وخير عملي خواتمه وخير أيامي يوم لقائك خرجه في فضائله وعن جعفر الصادق قال كان أكثر كلام أبي بكر الصديق لا إله إلا الله خرجه الخجندي.
ذكر اشتماله على أنواع من البر
تقدم في خصائصه ذكر اختصاصه بالسبق إلى أنواع من البر في اليوم الواحد وفي فضل الشهادة له بالجنة.
ذكر أنه يدعى من أبواب الجنة كلها وفيها طرف من ذلك
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا كان يوم القيامة دعي الإنسان بأفضل عمل يكون فيه فإن كانت الصلاة أفضل عمله دعي بها وإن كان الصيام أفضل عمله دعي به وإن كان الجهاد أفضل عمله دعي به " قال أبو بكر يا رسول الله وثم أحد يدعي بعملين قال نعم أنت وفي رواية وثم باب من أبواب الجنة يقال له الريان فقال أبو بكر يا رسول الله وثم أحد يدعي منها كلها قال نعم أنت خرجهما في فضائله شرح زوجين وجاء في بعضها زوجا وهما بمعنى واحد وكل شيء قرن بصاحبه فهو زوج وزوجين فالمرأة زوج الرجل وهو زوجها ومنه قولهم زوجت بين الإبل أي قرنت كل واحد بشكله وكذلك كل شيء قال تعالى " ومن كل شيء خلقنا زوجين " أي مثلين وشكلين وقد تقدم زيادة بيان في ذلك في باب الشهادة له بالجنة وعنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ما من رجل ينفق زوجين في سبيل الله إلا والملائكة معهم الرياحين على أبواب الجنة ينادونه يا عبد الله يا مسلم هلم " فقال أبو بكر إن هذا الرجل ما على ماله توى فقال يا أبا بكر " إني لأرجو أن تكون منهم بل وأنت منهم " خرجه في فضائله شرح توى مصدر توى المال يتوي تواء إذا هلك وأتوى فلان ماله إذا أذهبه وقول أبي بكر ما على ماله توى إشارة إلى حسن العاقبة فيه.
ذكر ما أخبرت به زوجته من عمله وأنه كان يوجد منه رائحة كبد مشوي
وروى أن عمر بن الخطاب أتى إلى زوجة أبي بكر بعد موته فسألها عن أعمال أبي بكر في بيته ما كانت فأخبرته بقيامه في الليل وأعمال كان يعلمها ثم قالت إلا أنه كان في كل ليلة جمعة يتوضأ ويصلي العشاء ثم يجلس مستقبل القبلة رأسه على ركبتيه فإذا كان وقت السحر رفع رأسه وتنفس الصعداء فيشم في البيت روائح كبد مشوي فبكى عمر وقال أني لابن الخطاب بكبد مشوي خرجه الملاء في سيرته.
ذكر زهده رضي الله عنه

(1/90)


تقدم من حديث هذا الذكر خروجه عن جميع ماله في كتاب الشيخين وحديث على إن تؤمروا أبا بكر تجدوه زاهدا في الدنيا راغبا في الآخرة في باب أبي بكر وعمر وعلي وحديث تحلله بالعبا في فضل خصائصه في ذكر اختصاصه بمواساة النبي صلى الله عليه وسلم عن ابن عباس قال مات النبي صلى الله عليه وسلم وعليه إحدى عشرة رقعة بعضها من آدم ومات أبو بكر وعليه ثلاث عشرة رقعة بعضها من آدم خرجه في الفضائل وقال غريب وعن زيد بن أرقم قال استسقى أبو بكر فأتى بإناء فيه ماء وعسل فلما أدناه من فمه بكى حتى أبكى من عنده فسكت وسكتوا ثم عاد فبكى حتى ظنوا أنهم لا يقدرون على مسألته ثم مسح وجهه فأفاق فقالوا ما هاجك على هذا البكاء يا أبا بكر قال كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم وجعل يدفع عنه شيئا يقول إليك عني ولا أرى معه أحدا فقلت يا رسول الله أراك تدفع عنك شيئا ولم أر معك أحدا فقال " هذه الدنيا تمثلت لي بما فيها فقلت إليك عني فتنحت " وقال " أما والله لئن أفلت مني لا ينفلت مني من بعدك فخشيت أن تكون قد لحقتني فذلك الذي أبكاني " خرجه الملاء.
ذكر رضاه عن الله تعالى وسلام الله عليه
عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " يا أبا بكر هذا جبريل يقرئك من الله السلام ويقول لك أراض أنت في فقرك هذا أم ساخط " فبكى أبو بكر وقال أسخط على ربي أنا عن ربي راض أنا عن ربي راض خرجه الحافظ بن نعيم البصري.
ذكر خوفه من الله تعالى واعترافه
عن الحسن قال كان أبو بكر يقول يا ليتني كنت شجرة تعضد وتؤكل وعن أبي عمران الجوني عن أبي بكر أنه كان يقول لوددت أني شعرة في جنب عبد مؤمن خرجهما في الصفوة وعن ابن عباس قال لما نزل قوله تعالى " لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي " آلى أبو بكر أن لا يكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا كأخي السرار خرجه الواحدي وخرج في فضائله معناه عن عبد الرحمن بن عوف وعن طاريق بن شهاب قال قال أبو بكر لما نزلت " إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى " آليت على نفسي أن لا أكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا كأخي السرار أخرجه الواحدي وعن أبي بكر رضي الله عنه قال كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية " من يعمل سوءا يجز به " فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " يا أبا بكر ألا أقرئك آية أنزلت على قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم " قال فاقرأنيها قال فلا أعلم إلا أني وجدت انقصاما في ظهري حتى تمطأت لها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ما شأنك يا أبا بكر " فقلت يا رسول الله بأبي وأمي وأينا لم يعمل سوءا وإنا لمجزيون بما عملنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أما أنت يا أبا بكر وأصحابك المؤمنون فتجزون بذلك حتى تلقوا الله وليست لكم ذنوب وأما الآخرون فيجمع ذلك لهم حتى يجزوا به يوم القيامة " خرجه في فضائله وخرج الماوردي عنه أنه قال لما نزلت هذه الآية قال أبو بكر يا رسول الله ما أشد هذه الآية " من يعمل سوءا يجز به " فقال صلى الله عليه وسلم " يا أبا بكر إن المصيبة في الدنيا جزاء " وعن عائشة رضي الله عنها أن أبا بكر لم يحنث قط في يمين حتى أنزل الله كفارة اليمين فقال لا أحلف على يمين فرأيت غيرها خيرا منها إلا أتيت الذي هو خير وكفرت عن يميني أخرجه الحميدي عن أبي بكر البرقاني وعن قيس بن أبي حازم قال رأيت أبا بكر آخذا بطرف لسانه وهو يقول هذا الذي أوردني الموارد خرجه في الصفوة وعن عمر أنه دخل على أبي بكر وهو ينصنص لسانه أو يحرك لسانه ويقول إن ذا أوردني الموارد خرجه صاحب فضائله والملاء بهذا السياق وخرج ابن حرب الطائي أن أبا بكر قال لساني أوردني الموارد شرح النصنصة بالصاد المهملة معناها التحريك واللقلقة بالمعجمة لغة فيها إلا أنها غير مسموعة في هذا الحديث وعنه أيضا أنه دخل عليه وهو آخذ بطرف لسانه ويقول إن هذا أوردني الموارد ثم قال يا عمر لا حاجة لي في إمارتكم فقال عمر والله لا نقيلك ولا نستقيلك خرجه في فضائله وروي أنه كان له حصاة يضعها في فيه خوفا من فلتات اللسان خرجه الملاء
ذكر ورعه رضي الله عنه.

(1/91)


عن عائشة قالت كان لأبي بكر غلام يخرج له الخراج وكان أبو بكر يأكل من خراجه فجاء يوما بشيء فأكل منه أبو بكر فقال له الغلام تدري ما هذا فقال أبو بكر ما هو قال كنت تكهنت لإنسان في الجاهلية وما أحسن الكهانة إلا أني خدعته فلقيني فأعطاني فهذا الذي أكلت منه فأدخل أبو بكر يده فقاء كل شيء في بطنه أخرجه البخاري وعن زيد بن أرقم قال كان لأبي بكر غلام يغل عليه فأتاه ليلة بطعام فتناول منه لقمة فقال له المملوك مالك كنت تسألني كل ليلة ولم تسألني الليلة فقال حملني على ذلك الجوع من أين جئت بهذا قال مررت بقوم في الجاهلية فرقيت لهم فوعدوني فلما أن جاء اليوم مررت بهم فإذا عرس لهم فأعطوني فقال أف لك وكدت تهلكني فأدخل يده في حلقه وجعل يتقيأ وجعلت لا تخرج فقيل له إن هذه لا تخرج إلا بالماء فدعا بعس ماء فجعل يشرب ويتقيأ حتى رمى بها فقيل له يرحمك الله كل هذا من أجل هذه اللقمة فقال لو لم تخرج إلا مع نفسي لأخرجتها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " كل جسد نبت من سحت فالنار أولى به فخشيت أن ينبت شيء من جسدي من هذه اللقمة " خرجه في الصفوة والملاء في سيرته

(1/92)


شرح يغل عليه أي يأتيه بغلته وفلان يغل على فلان وأغل القوم إذا بلغت غلتهم والعس القدح العظيم وقد تقدم ذكره في شرح قوله صلى الله عليه وسلم والسحت الحرام والكهانة الأخبار عن المغيبات في مستقبل الزمان وقد كان العرب كهنة كشن وسطيح وغيرهم فمنهم من كان له تابع من الجن ورئي يلقي إليه الأخبار ومنهم من يعرف الأمور بمقدماتها وأسبابها يستدل بها على مواقعها من كلام يسأله أو فعله أو حاله وهذا يخصونه باسم العراف لأنه يدعي معرفة المسروق واسم السارق ومكان السرقة ومنهم من مستنده في ذلك حساب وخط في رمل وغير ذلك وما أحسن الكهانة فيه إشعار بأنه لو كان يحسن الكهانة لكان ما يأخذه مباحا وهو كذلك لأنها معاملة كانت جائزة بينهم ومعاملة الكفار إذا تعاوضوا فيها قبل الإسلام نفذناها وأمضيناها فلو كان العبد يحسن الكهانة لاستقرت الأجرة في رقبتهم له ولاستحق مؤاخذة منهم ولما لم يحسنها كان ذلك جزعا منه وأكل مالا بالباطل فإنهم لو علموا أنه لا يحسن الكهانة ما عاملوه وكانت المعاملة باطلة في أصلها فلذلك حرمت والله أعلم وعن مجاهد قال لما نزل عذر عائشة جاء أبو بكر فجلس عند رأسها فقالت قد أنزل الله عذري بغير حمد منك ولا صاحبك فهلا عذرتني فقال لها أبو بكر فكيف أعذرك بما لا أعلم خرجه في فضائله وقال حديث حسن وعن ميمون بن مهران قال كان أبو بكر إذا ورد عليه الخصم نظر في كتاب الله تعالى فإن وجد فيه ما يقضي به وإن لم يكن في كتاب الله وعلم من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى به وإن لم يجد خرج فسأل المسلمين فقال هل علمتم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى في ذلك بقضاء فربما اجتمع إليه النفر يذكرون من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه قضاء فيقول أبو بكر الحمد لله الذي جعل فينا من يحفظ علينا ديننا أو قال من يحفظ علينا سنة نبينا خرجه الإسماعيلي في معجمه وصاحب فضائله وعن قبيصة بن ذؤيب قال جاءت الجدة إلى أبي بكر فتسأله ميراثها فقال مالك في كتاب الله شيء وما علمت لك في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا فارجعي حتى أسأل الناس فسأل الناس فقال المغيرة بن شعبة حضرت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاها السدس فقال هل معك غيرك فقام محمد بن مسلمة الأنصاري فقال مثل ما قال المغيرة بن شعبة فأنفذه لها أبو بكر خرجه أحمد وأبو داود والترمذي وصححه ابن ماجة وعن عائشة قالت جمع أبي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان خمسمائة حديث فبات ليلته يتقلب قالت فغمني فقلت لأي شيء تتقلب لشكوى أو لشيء بلغك فلما أصبح قال أي بنية هلمي الأحاديث التي هي عندك قالت فجئته بها فدعا بنار فأحرقها فقلت ما لك يا أبت تحرقها قال ما بت الليلة خشيت أن أموت وهي عندي فيكون فيها أحاديث عن رجل ائتمنته ووثقت له ولم يكن كما حدثني فأكون قد تقلدت ذلك خرجه في فضائله وقال غريب وعنها قالت لما مرض أبو بكر مرضه الذي مات فيه فقال انظروا ما زاد في مالي منذ دخلت في الإمارة فابعثوا به إلى الخليفة فنظرنا فإذا هو عبد نوبي يحمل صبيانه وإذا ناضح كان يسقي بستانه فبعثنا بهما إلى عمر فبكى عمر وقال رحمة الله على أبي بكر لقد أتعب من بعده تعبا شديدا خرجه صاحب الصفوة والفضائلي وخرجه ابن قتيبة في المعارف ولفظه انظري يا بنية فما زاد في مال أبي بكر منذ ولينا هذا الأمر رديه على المسلمين فوالله ما نلنا من أموالهم إلا ما أكلنا في بطوننا من جريش الطعام ولبسنا على ظهورنا من خشن ثيابهم فنظرت فإذا بكر وجرد قطيفة لا تساوي خمسة دراهم فلما جاء بها الرسول إلى عمر قال له عبد الرحمن بن عوف يا أمير المؤمنين أتسلب هذا ولد أبي بكر قال كلا ورب الكعبة لا يتأثم بها أبو بكر في حياته وأتحملها بعد موته رحم الله أبا بكر لقد كلف من بعده تعبا وخرج البغوي معناه في معجمه بزيادة ولفظه يا بنية إني كنت أتجر قريش وأكثرهم مالا فلما شغلتني الإمارة رأيت أن أصيب من المال فأصبت هذه العباءة القطوانية وحلابا وعبدا فإذا مت فأسرعي بي إلى ابن الخطاب يا بنية ثيابي هذه كفنيني فيها قالت فبكيت وقلت يا أبت نحن أيسر من ذلك فقال غفر الله لك وهل ذلك إلا المهل قالت فلما مات بعثت بذلك إلى ابن الخطاب فقال يرحم الله أباك لقد أحب أن لا يترك لقائل مقالا وخرج القلعي معناه وقال بعد قوله فأبلغيه

(1/93)


عمر ولم يكن عنده دينار ولا درهم ما كان إلا خادم ولقحة ومحلب فلما رجعوا من جنازته أمرت به عائشة إلى عمر فقال عمر يرحم الله أبا بكر لقد أتعب من بعده شرح الناضح البعير يستقى عليه والأنثى ناضحة وسانية جريش الطعام غليظه وجرشت الشيء إذا لم ينعم دقه وملح جريش لم يطيب البكر بالفتح الفتى من الإبل والأنثى بكرة وبالكسر المرأة التي ولدت بطنا واحدا وبكرها ولدها الذكر والأنثى فيه سواء وكذلك هي في الإبل القطيفة دثار مخمل والجمع قطائف وجرد القطيفة من إضافة الشيء إلى صفته والمراد أن القطيفة انجرد وبرها لكثرة الاستعمال ولعله بالتحريك من قولهمر ولم يكن عنده دينار ولا درهم ما كان إلا خادم ولقحة ومحلب فلما رجعوا من جنازته أمرت به عائشة إلى عمر فقال عمر يرحم الله أبا بكر لقد أتعب من بعده شرح الناضح البعير يستقى عليه والأنثى ناضحة وسانية جريش الطعام غليظه وجرشت الشيء إذا لم ينعم دقه وملح جريش لم يطيب البكر بالفتح الفتى من الإبل والأنثى بكرة وبالكسر المرأة التي ولدت بطنا واحدا وبكرها ولدها الذكر والأنثى فيه سواء وكذلك هي في الإبل القطيفة دثار مخمل والجمع قطائف وجرد القطيفة من إضافة الشيء إلى صفته والمراد أن القطيفة انجرد وبرها لكثرة الاستعمال ولعله بالتحريك من قولهم رجل أجرد بين الجرد لا شعر عليه والجرد بالتحريك فضاء لا نبات فيه يتأثم أي يتجنب الإثم وكذلك يتحرج ويتحنث العباءة القطوانية منسوبة إلى قطوان موضع بالكوفة والحلاب والمحلب بالكسر الإناء يحلب فيه والمهل هنا القيح والصديد وفي قوله تعالى " يغاثوا بماء كالمهل " قيل هو النحاس المذاب وقيل دردي الزيت.
ذكر تنزيهه عن شرب الخمر في الجاهلية والإسلام وعن قول الشعر في الإسلام
عن أبي العالية الرياحي قال قيل لأبي بكر في مجمع من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم هل شربت الخمر في الجاهلية قال أعوذ بالله فقيل ولم قال كنت أصون عرضي وأحفظ مالي فمن شرب الخمر كان مضيعا في عمره ومروءته فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال صدق أبو بكر مرتين خرجه الرازي وعن عائشة أن أبا بكر لم يقل شعرا في الإسلام حتى مات وأنه كان قد حرم الخمر في الجاهلية.
ذكر تعففه عن المسألة عن ابن أبي مليكة قال ربما كان يسقط الخطام من يد أبي بكر فيضرب بذراع ناقته فينحيها فيأخذه قال أفلا أمرتنا إن حبي صلوات الله عليه وسلامه أمرني أن لا أسأل الناس شيئا خرجه أحمد وصاحب الصفوة.
ذكر تواضعه
عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة " فقال أبو بكر إن أحد شقي ثوبي يسترخي إلا أن أتعاهد ذلك منه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إنك لست تصنع ذلك خيلاء " خرجه البخاري وعن عطاء بن السائب قال لما استخلف أبو بكر أصبح غاديا إلى السوق وعلى رقبته أثواب يتجر فيها فلقيه عمر وأبو عبيدة فقالا إلى أين تريد يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال السوق قالا تصنع ماذا وقد وليت أمر المسلمين قال فمن أين أطعم عيالي قالا له انطلق حتى نفرض لك شيئا فانطلق معهما ففرضوا له لكل يوم شطر شاة وما كسوة في الرأس والبطن خرجه في الصفوة وعن عمر بن إسحاق قال خرج أبو بكر وعلى عاتقه عباءة له فقال له رجل أرني أكفك فقال إليك عني لا تغرني أنت وابن الخطاب عن عيالي خرجه في الصفوة وقال علماء السيرة كان أبو بكر يحلب للحي أغنامهم فلما بويع قالت جارية من الحي الآن لا يحلب لنا منائح دارنا فسمعها فقال لأحلبنها لكم وأرجو أن لا يغرني ما دخلت فيه عن خلق كنت فيه فكان يحلب لهم رحمه الله وعن عمر أنه كان رديف أبي بكر قال وكنا نمر بالناس فنسلم عليهم فيردون قال أبو بكر لقد فضلنا الناس اليوم بزيادة كثيرة خرجه أبو عبد الله الحسين القطان وعن هشام بن عروة عن أبيه قال قعد أبو بكر على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء الحسن بن علي فصعد المنبر وقال انزل عن منبر أبي فقال له أبو بكر منبر أبيك لا منبر أبي منبر أبيك لا منبر أبي فقال علي وهو في

(1/94)


ناحية القوم إن كان لعن غير أمري خرجه أبو بكر ابن الأنباري وعن ابن عمر أن أبا بكر بعث يزيد بن أبي سفيان إلى الشام ومشى معه نحوا من ميلين فقيل له يا خليفة رسول الله لو انصرفت فقال لا إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من اغبرت قدماه في سبيل الله حرمهما الله على النار خرجه ابن حبان.
ذكر سرعة رجوعه عن غضبه وما ظهر من بركته
عن عبد الرحمن بن أبي بكر أن أصحاب الصفة كانوا ناسا فقراء وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال مرة " من كان عنده طعام اثنين فليذهب بثالث ومن كان عنده طعام أربعة فليذهب بخامس " وأن أبا بكر جاء بثلاثة وانطلق نبي الله صلى الله عليه وسلم بعشرة وأبو بكر بثلاثة وأنا وأبي وأمي ولا أدري هل قال وامرأتي وخادم بين بيتنا وبيت أبي بكر وإن أبا بكر تعشى عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء بعد أن مضى من الليل ما شاء الله تعالى فقالت له امرأته ما حبسك عن أضيافك أو قالت ضيفك قال أو ما عشيتهم قالت أبوا حتى تجيء قد عرضوا عليهم فغلبوهم قال فذهبت أنا فاختبأت فقال يا غنثر فجدع وسب وقال كلوا لا هنيئا وقال والله ما أطعمه أبدا وحلف الضيف أن لا يطعمه حتى يطعمه أبو بكر قال أبو بكر هذه من الشيطان قال فدعا بالطعام فأكل قال وايم الله ما كنا نأخذ من لقمة إلا ربا من أسفلها أكثر منها قالت حتى شبعوا وصارت أكثر مما كانت قبل ذلك فنظر إليها أبو بكر فإذا هي كما هي وأكثر قال لامرأته يا أخت بني فراس ما هذا قالت لا وقرة عيني إن هي الآن لأكثر منها قبل ذلك بثلاث مرات فأكل منها أبو بكر وقال إنما كان ذلك من الشيطان يعني يمينه ثم أكل منها لقمة ثم حملها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأصبحت عنده وكان بيننا وبين قوم عهد فمضى الأجل فتفرقنا اثني عشر رجلا مع كل واحد منهم أناس الله أعلم كم مع كل واحد منهم فأكلوا منها أجمعين أخرجاه.
شرح: الغنثر الجاهل جذع أي خاصم والمجاذعة المخاصمة وعن أبي برزة الأسلمي قال كنا عند أبي بكر الصديق في عمل فغضب على رجل من المسلمين فاشتد غضبه عليه جدا فلما رأيت ذلك قلت يا خليفة رسول الله أضرب عنقه فلما ذكر القتل أصرف عن ذلك الحديث أجمع إلى غير ذلك من النحو قال فلما تفرقنا أرسل إلي بعد ذلك أبو بكر وقال يا أبا برزة ما قلت قال ونسيت الذي قلت قلت ذكرنيه قال أما تذكر ما قلت قلت لا والله قال أرأيت حين رأيتني غضبت على الرجل فقلت أضرب عنقه يا خليفة رسول الله أما تذكر ذلك أو كنت فاعلا قال قلت نعم والله والآن إذا أمرتني فعلت فقال ويحك أو ويلك ما هذه لأحد بعد محمد صلى الله عليه وسلم أخرجه أحمد. شرح ويح كلمة ترحم وويل كلمة عذاب وقال اليزيدي هما بمعنى واحد تقول ويح لزيد وويل له ترفعهما على الابتداء ولك نصبهما بإضمار فعل كأنك قلت ألزمه الله ويحا وويلا ولك أن تقول ويلك وويحك على الإضافة وويح زيد وويله كذلك والنصب بإضمار فعل أيضا.
ذكر غيرته وتزكية النبي صلى الله عليه وسلم زوجه
عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن نفرا من بني هاشم دخلوا على أسماء بنت عميس فدخل أبو بكر الصديق وهي تحته يومئذ فرآهم فكره ذلك فذكره ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال إني لم أر إلا خيرا فقال النبي صلى الله عليه وسلم إن الله تعالى قد برأها من ذلك ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر فقال لا يدخل رجل بعد يومي هذا على مغيبة إلا ومعه رجل أو اثنان خرجه مسلم والنسائي والحافظ أبو القاسم في الموافقات.
ذكر تكذيب ملك إنسانا وقع بأبي بكر ولم يزل كذلك حتى انتصر لنفسه

(1/95)


عن سعيد بن المسيب قال بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس ومعه أصحابه إذ وقع رجل بأبي بكر فآذاه فصمت عنه أبو بكر ثم آذاه الثانية فصمت عنه ثم آذاه الثالثة فانتصر منه أبو بكر فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم حين انتصر أبو بكر أنه وجد عليه فقال وجدت علي يا رسول الله حين انتصرت منه وقد أعرضت عنه مرتين فظننت أنك ستردعه عني فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نزل ملك من السماء يكذبه بما قال لك فلما انتصرت وقع الشيطان فلم أكن لأجلس إذ وقع الشيطان خرجه أبو داود وأبو القاسم في الموافقات. وقد قيل إن قوله تعالى: " لا يحب الله الجهر بالسوء من القول " الآية عن مقاتل أن رجلا نال من أبي بكر والنبي صلى الله عليه وسلم حاضر فسكت عنه أبو بكر ثم رد عليه فقام صلى الله عليه وسلم فقال أبو بكر يا رسول الله شتمني فلم تقل شيئا حتى إذا رددت عليه قمت فقال إن ملكا كان يجيب عنك فلما رددت ذهب الملك وجاء الشيطان فنزلت ذكره أبو الفرج في أسباب النزول.
ذكر ما جاء في الترغيب في محبته
عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حب أبي بكر واجب على أمتي خرجه الحافظ السلفي في مشيخته. وعنه قال كنا في بيت عائشة أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وأنا يومئذ ابن خمس عشرة سنة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا أبكر بكر ليت أني لقيت وإخواني فإني أحبهم فقال أبو بكر يا رسول الله من إخوانك قال أنتم أصحابي إخواني الذين لم يروني وصدقوني وأحبوني حتى إني لأحب أحدهم من ولده ووالده قال يا رسول الله إنا نحن إخوانك قال لا أنتم أصحابي ألا تحب يا أبا بكر قوما أحبوك بحبي إياك قال فأحبهم ما أحبوك بحبي إياك خرجه الأنصاري. وعن عبد الله بن أبي أوفى قال خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فقعد فقال يا عمر إني أشتاق إلى إخواني قال عمر يا رسول الله أفلسنا إخوانك قال لا لأنتم أصحابي ولكن إخواني قوم آمنوا بي ولم يروني قال فدخل أبو بكر على بقية ذلك فقال عمر يا أبكر إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إني أشتاق إلى إخواني فقلت يا رسول الله ألسنا إخوانك قال لا ولكن أنتم أصحابي ولكن إخواني قوم آمنوا بي ولم يروني فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا أبا بكر ألا تحب قوما بلغهم أنك تحبني فأحبوك بحبك إياي فأحبهم أحبهم الله خرجه ابن فيروز. وعن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما كان الليلة التي ولد فيها أبو بكر الصديق رضي الله عنه أقبل ربكم على جنة عدن فقال وعزتي وجلالي لا أدخلك إلا من أحب هذا المولود خرجه علي بن نعيم البصري وقال غريب من حديث الزهري عن نافع وخرجه الملاء في سيرته. وعن قيس بن أبي حازم قال التقى أبو بكر الصديق وعلي بن أبي طالب فتبسم أبو بكر في وجه علي فقال له علي ما لك تبسمت فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا يجوز أحد الصراط إلا من كتب له علي بن أبي طالب الجواز فضحك علي وقال ألا أبشرك يا أبا بكر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يكتب الجواز إلا لمن أحب أبا بكر خرجه ابن السمان. وعن أنس أن يهوديا أتى أبا بكر فقال والذي بعث موسى كليما إني لأحبك فلم يرفع له أبو بكر رأسا تهاونا باليهودي قال فهبط جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا محمد العلي الأعلى يقرئك السلام ويقول لك قل لليهودي الذي قال لأبي بكر إني أحبك إن الله عز وجل قد أحاد عنه في النار خلتين لا توضع الأنكال في قدميه ولا الغل في عنقه لحبه أبا بكر فبعث النبي صلى الله عليه وسلم فأحضره فأخبره الخبر قال فرفع رأسه إلى السماء وقال أشهد أن لا إله إلا الله وأنك محمد رسول الله حقا والذي بعثك بالنبوة لا ازددت لأبي بكر إلا حبا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هنيئا هنيئا خرجه الملاء في سيرته. شرح أحاد أصله أمال والمراد والله أعلم هنا أزال وهو داخل في الميل تقول حاد يحيد حيودا وحيدة وحيدودة والأنكال جمع نكل بالكسرة وهو القيد والغل ما يجعل في العنق
ذكر ما جاء عن عمر في تفضيله أبا بكر على نفسه

(1/96)


عن ابن عمر قال قيل لعمر ألا تستخلف فقال إن أترك فقد ترك من هو خير مني رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن أستخلف فقد استخلف من هو خير مني أبو بكر الصديق متفق على صحته وسيأتي في فصل وفاة عمر من كتاب مناقبه. وعن ابن عباس قال قال عمر والله لأن أقدم فتضرب عنقي أحب إلي أن أتقدم على قوم فيهم أبو بكر أخرجاه. وعن أبي عمران الجوني قال قال عمر وددت أني شعرة في صدر أبي بكر خرجهما في فضائله وعن الحسن بن أبي الحسن قال قال عمر وددت أني من الجنة حيث أرى أبا بكر خرجه في فضائله. وعن جابر بن عبد الله قال قال عمر أبو بكر سيدنا وخيرنا وقد تقدم في فصل الخصائص وتقدم فيه أيضا حديث القائل له ما رأيت أحدا خيرا منك فقال هل رأيت أبا بكر الحديث.
ذكر ما يتضمن تعظيم عمر أبا بكر
عن أنس قال دخل النبي صلى الله عليه وسلم دارنا فحلبنا له من شاة داجن وشيب له بماء من بئر في الدار وأبو بكر عن شماله وأعرابي عن يمينه فشرب رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمر ناحية فقال عمر أعط أبا بكر فناول الأعرابي وقال الأيمن فالأيمن خرجه بهذا السياق علي بن حرب الطائي وقد تقدم في الخصائص مختصرا من حديث الموطأ. وعنه قال زارنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في دارنا فحلبنا له داجنا وشبنا لبنها من ماء الدار وعن يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل من أهل البادية ومن وراء الرجل عمر بن الخطاب وعن يسار رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر فشرب حتى إذا نزع القدح من فيه أو هم بنزعه قال عمر يا رسول الله أعطه أبا بكر فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم الأعرابي وقال الأيمن فالأيمن خرجه النسائي.
ذكر ما جاء عن علي أنه كان إذا حدثه أحد استحلفه غير أبي بكر
عن علي قال كنت إذا سمعت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا نفعني الله بما شاء فإذا حدثني عنه غيره استحلفته فإذا حلف لي صدقته وحدثني أبو بكر وصدق أبو بكر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ليس من عبد يذنب ذنبا فيقوم فيحسن الوضوء ثم يصلي ركعتين ثم يستغفر الله إلا غفر الله له خرجه النسائي والحافظ في الأربعين البلدانية. وعنه أنه لما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم واختلف الصحابة أين يدفن قال أبو بكر عهد إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ليس من نبي يموت إلا دفن حيث يقبض وأبو بكر مؤتمن على ما جاء به. وعنه قال سمعت أبا بكر يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ما من عبد يذنب ذنبا فقام فتوضأ فأحسن الوضوء فقام فصلى ثم استغفر الله تعالى إلا كان حقا على الله تعالى أن يغفر له قال فجعل ينادي بها على المنبر صدق أبو بكر صدق أبو بكر وذلك بأن الله تعالى قال: " ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما " خرجهما في فضائله.
فصل في التنبيه على ما رواه علي رضي الله عنه في فضل أبي بكر وما روى عنه

(1/97)


وأحاديث هذا الفصل كلها مذكورة في غيره متقدمة ومتأخرة وإنما لما كانت الدواعي متوفرة عد ما يرويه وما يروى عنه في فضل أبي بكر وكذلك ما يرويه أبو بكر ويروى عنه فلذلك عقدنا هذا الفصل ننبه فيه على ما تقدم وتأخر ليطلب في مواضعه ونعقد أيضا فصلا مثله في مناقب علي إن شاء الله تعالى. وقد ذكرنا ما رواه أو روي عنه مما تضمن فضل أبي بكر وغيره في آخر باب الشيخين ما خلا حديث مع أحدكما جبريل ومع الآخر ميكائيل يعني أبا بكر وعليا فإنه في فصل بعده وأما ما اختص بأبي بكر فنحن نذكره هنا. فمنها حديث النزال بن سبرة عنه في قوله في أبي بكر ذاك امرؤ سماه الله الصديق على لسان جبريل وعلى لسان محمد صلى الله عليه وسلم رضيه صلى الله عليه وسلم لديننا فرضيناه لدنيانا وحديث ابن يحيى في المعنى. وعن علي أن الله تعالى أنزل اسم أبي بكر من السماء الصديق الثلاثة في فضل اسمه وحديث الحسن أن رجلا سأل عليا كيف سبق المهاجرون إلى بيعة أبي بكر فقال إنه سبقني بأربعة الحديث تقدم في ذكر أنه أول من أظهر إسلامه وحديث آخر عنه في معناه فيه وحديث تضمن قوله صلى الله عليه وسلم لجبريل من يهاجر معي قال أبو بكر وحديث ما منكم من أحد إلا وقد كذبني إلا أبو بكر في أول الخصائص وحديث إني أترككم فإن يرد الله بكم خيرا الحديث وفي ذكر اختصاصه بالخيرية وحديث أبي سريحة عنه أن أبا بكر مثبت القلب وحديث إنه أشجع الناس. وقوله يا خليفة رسول الله لا تفجعنا بنفسك تقدم في ذكر اختصاصه بالأشجعية وحديث إن الله تعالى يكره تخطئة أبي بكر في الخصائص في أعلميته وحديث إن قوله تعالى: " والذي جاء بالصدق وصدق به " أبو بكر في الخصائص في آخرها وحديث رضيه صلى الله عليه وسلم لديننا فرضيناه لدنيانا تكرر متقدما ومتأخرا في فصل خلافته وفي هذا الفصل قوله قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر للصلاة وهو يرى مكاني.... الحديث وحديث قيس بن عباد عنه في المعنى وحديث أن الله أعطاه ثواب من آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم في فصل فضائله. وحديث تجلى الله تعالى له خاصة في فصل خصائصه وحديث رحم الله أبا بكر كان من أعظم الناس أجرا في جمع المصاحف في خصائصه وحديث إن الخير ثلثمائة خصلة وفيه منها جمع من كل في فضائله وحديث نازلت ربي فيك يا علي ثلاثا فأبى إلا أبا بكر سيأتي في فصل خلافته وثناؤه عليه يوم مات في فصل وفاته إن شاء الله تعالى.
ذكر اعتذار عبد الله بن عمر في تقديمه إباه في السلام على أبي بكر تنبيها على أفضليته
عن عبد الله بن عمر كان إذا قدم من سفر لم يدخل على أهله حتى يدخل المسجد فيصلي فيه ركعتين ثم يأتي قبر النبي صلى الله عليه وسلم فيسلم عليه وعلى أبي بكر وعمر وكان إذا سلم على عمر قال السلام عليك يا أبي لولا أنك أبي ما بدأت بك قبل أبي بكر خرجه أبو بكر بن أبي داود.
ذكر ما روي عن عائشة في أبي بكر

(1/98)


عنها قالت قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم واشرأب النفاق ونزل بأبي ما لو نزل على الجبال الراسيات لهاضها قلت فما اختلفوا في نقطة إلا طار أبي بحطها وثناها خرجه الطبراني وعن القاسم بن محمد قال سمعت عائشة تقول لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم اشرأب النفاق وارتدت العرب وعاد أصحاب محمد كأنهم معزى بحظيرة في حفش والله ما اختلفوا في أمر إلا طار أبي بكذا وغنائها خرجه الإسماعيلي في معجمه. وعنها وقد بلغها أن قوما تكلموا في أبيها فبعثت إلى أزفلة من الناس وعلت وسادتها وأرخت ستارتها فحمدت الله تعالى وصلت على نبيه صلى الله عليه وسلم ثم قالت أبي وما أبي والله لا تعطوه الأيدي ذاك طود منيف وظل مديد هيهات كذبت الظنون نجح والله إذ كذيتم وسبق إذ ونيتم سبق الجواد إذا استولى على الأمد فتى قريش ناشئا وكهفا كهلا يفك عانيها ويريش مملقها ويرأب شعبها ويلم شعثها حتى حليته قلوبها ثم استشرى في دينه. وفي رواية استشرى في الله تعالى فما برحت شكيمته في ذات الله عز وجل حتى اتخذ بفنائه مسجدا يحيى فيه ما أمات المبطلون وكان رحمه الله غزير الدمعة وقيذ الجوانح شجى النشيج فانقصفت عليه نسوان أهل مكة وولدانهم يسخرون منه ويهزؤون به: " الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون " وأكبرت رجالات ورجالات فحنت قسيها وفوقت سهامها وامتثلوه غرضا. وفي رواية فانتثلوه عرضا فما فلوا له صفاة ولا قصفوا له قناة ومضى على سيسائه حتى إذا ضرب الدين بجرانه ورست أوتاده ودخل الناس في دين الله أفواجا ومن كل فرقة أرسالا وأشتاتا واختار الله لنبيه صلى الله عليه وسلم ما عنده فلما قبض النبي صلى الله عليه وسلم اضطرب حبل الدين ومرج أهله وبغى الغوائل وظنت رجال أن قد اكثبت نهزها. وفي رواية فلما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم نصب الشيطان رواقه ومد طنبه ونصب حبائله وظن رجال أن قد تحققت أطماعهم ولات حين يظنون وأبي الصديق بين أظهرهم فقام حاسرا مشمرا وأقام أوده بثقافته زاد في رواية فجمع حاشيته ورفع قطريه فرد نشر الإسلام على غره ولم شعثه بطيه وأقام أوده بثقافته حتى امذقر النفاق بوطأته فلما انتاش الدين بنعشه. وفي رواية حتى امذقر النفاق بوطئته وانتاش الدين بنعشه فلما أراح الحق على أهله وقرت الرؤوس في كواهلها وحقن الدماء في أهبها حضرت منيته فسد ثلمته بنظره في الشدة والرحمة ذاك ابن الخطاب لله در أم حملته ودرت عليه لقد أوحدت به فديخ الكفر وفنخها وشرك الشرك شذر مذر فأروني ماذا ترون وأي يومي أبي تنقمون أيوم إقامته إذ عدل فيكم أم يوم طعنه إذ نظر لكم أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ثم التفتت إلى الناس فقالت سألتكم بالله هل أنكرتم مما قلت شيئا قالوا اللهم لا خرجه صاحب الصفوة في فضل عائشة في فصاحتها وصاحب فضائله وقال حسن صحيح. وخرجه الحافظ أبو القاسم السمرقندي بالروايات المزيدة. شرح: الأزفلة جماعة وجمعه أزافل تعطوه الأيدي تناوله يقال عطا يعطو وظبى عاط يتناول الشجر طود هو الجبل العظيم فاستعارته له مشرف عال أنجح إذ أكديتم أي انقطعتم وآيستم يقال أكدى يكدي فهو مكد مأخوذ من كدية الركية وهو أن يحفر الحافر فيبلغ إلى الكدية وهي الصلابة من حجر أو غيره فلا يعمل معوله شيئا فييأس ويقطع الحفر ونيتم أي ضعفتم تقول ونى يني ونا وناء وونياء إذا ضعف يريش مملقها أي يقوى فقيرها وأصله من رشت السهم تقول رشت الرجل أي قويته فارتاش أي قوي والمملق الفقير منه أملق إملاقا. يرأب شعبها أي يلائمه ويجمعه والشعب الصدع وهو الشق في الشيء ويلم شعثها والمراد بالشعث هنا انتشار الأمر والتفرق بعد الاجتماع كما يتشعث الرأس واللم الجمع حليته قلوبها أي أسلحته وأعجبها تقول حلا يحلو حلاوة وحلا بالكسر بعيني وفي عيني وبصدري وفي صدري يحلى حلاوة إذا أعجبك وقال الأصمعي حلى في عيني بالكسر وحلا في عيني بالفتح استشرى في دينه أي ألح فيه فما برحت شكيمته في ذات الله يقال فلان شديد الشكيمة إذا كان شديد النفس ثابتا على أمره وفلان ذو شكيمة إذا كان لا ينقاد وقيذ الجوانح فعيل بمعنى مفعول أي أنه كان محزون القلب حتى كأن الحزن صيره لا حراك به من الوقذ وهو الضرب حتى يصير المضروب لا حراك به تقول منه وقذه يقذه وقذا ومنه الموقوذة شجي النشيج أي في صوت بكائه رقة وحنان

(1/99)


تقول نشج ينشج نشيجا إذا غص ببكائه وظهر منه صوت وشجا شجا إذا حزن وأكبرت رجال أي عظمت ورجالات جمع رجل ويجمع على رجال. حنت قسيها أي عوجت وفوقت سهامها أي جعلت لها فوقا وهو موضع الوتر من السهم وذلك إشارة منها إلى إرسال الكلام نحوه لقولها وامتثلوه غرضا أي صيروه مثل الغرض ومن رواه انتثلوه غرضا أي صيروه مثل الغرض ومن رواه انتثلوه عرضا أي تركوه من النثل وهو أن يترك الشيء مرة واحدة يقال نثل ما في كنانته إذا صبه مرة واحدة وكذا نثره فلوا صفاته أي كسروها والصفاة صخرة ملساء يقال في المثل ما تبذأ صفاته وجمعها صفى مقصور وفله فانفل أي كسره فانكسر وكأنها تشير إلى أنهم لم يغيروا من أمره المستجمع المستحكم شيئا ولا قصفوا له قناة تقول قصفت الشيء أي كسرته والإشارة إلى ذلك المعنى أي لم يزل أمره قائما وكعبه عاليا على سيسائه أي على ما ركب من أمره وسيساء الحمار ظهره قال أبو عمرو السيساء من الفرس الحارك ومن الحمار الظهر ضرب الدين بجراته جران البعير عنقه من مذبحه إلى منحره وكذلك هو من الفرس والمعنى أنه ألقى بجرانه على الأرض كما يفعل البعير إذا برك ورست أوتاده ثبتت أفواجا جماعات جمع فوج ويجمع أيضا فووج وجمع الجمع أفاوج وأفاويج.قول نشج ينشج نشيجا إذا غص ببكائه وظهر منه صوت وشجا شجا إذا حزن وأكبرت رجال أي عظمت ورجالات جمع رجل ويجمع على رجال. حنت قسيها أي عوجت وفوقت سهامها أي جعلت لها فوقا وهو موضع الوتر من السهم وذلك إشارة منها إلى إرسال الكلام نحوه لقولها وامتثلوه غرضا أي صيروه مثل الغرض ومن رواه انتثلوه غرضا أي صيروه مثل الغرض ومن رواه انتثلوه عرضا أي تركوه من النثل وهو أن يترك الشيء مرة واحدة يقال نثل ما في كنانته إذا صبه مرة واحدة وكذا نثره فلوا صفاته أي كسروها والصفاة صخرة ملساء يقال في المثل ما تبذأ صفاته وجمعها صفى مقصور وفله فانفل أي كسره فانكسر وكأنها تشير إلى أنهم لم يغيروا من أمره المستجمع المستحكم شيئا ولا قصفوا له قناة تقول قصفت الشيء أي كسرته والإشارة إلى ذلك المعنى أي لم يزل أمره قائما وكعبه عاليا على سيسائه أي على ما ركب من أمره وسيساء الحمار ظهره قال أبو عمرو السيساء من الفرس الحارك ومن الحمار الظهر ضرب الدين بجراته جران البعير عنقه من مذبحه إلى منحره وكذلك هو من الفرس والمعنى أنه ألقى بجرانه على الأرض كما يفعل البعير إذا برك ورست أوتاده ثبتت أفواجا جماعات جمع فوج ويجمع أيضا فووج وجمع الجمع أفاوج وأفاويج.
أرسالا جمع رسل بالتحريك وهو في الأصل القطيع من الإبل والغنم فاستعير للجماعة من الناس أشتاتا أي متفرقين واحدهم شت مرج أهله يقال مرج الأمر مرجا إذا التبس هذا أصله والمراد بمرجهم اضطرابهم من قولهم مرج الدين والأمر اختلط واضطرب اكثبت نهزها يقال كثبت الشيء كثبا جمعته وانكثب الرمل أي اجتمع ومنه سمي الكثيب من الرمل والنهز جمع نهزة وهي الفرصة والكثب بالتحريك القرب يقال رماه من كثب أي من قرب ويقال أكثبك الصيد إذا أمكنك والتقدير اقتربت فرصها. ومنه حديث يوم بدر إن أكثبكم القوم فأنبلوهم أي قاربوكم وأمكنوكم من أنفسهم فارموهم بالنبل ولات حين يظنون وأبي بين أظهرهم أي ليس الحين حين ظنهم ما دام أبي بين أظهرهم ومنه ولات حين مناص أي ليس الحين حين خلاص أوده اعوجاجه بثقافته أي حذاقته وفطنته يقال ثقف ثقافة وقطر الشيء جانباه ونشر الإسلام على عزه أي ما انتشر منه على حاله الذي كان عليه من قولهم اطو الثوب على عزة أي على طيه الأول وكسره امذقر النفاق تقطع يقال امذقر الرائب إذا انقطع فصار اللبن ناحية والماء ناحية قاله الجوهري.

(1/100)


انتاش الدين يقال انتشته أي خلصته من ضراء ومنه التناوش التناول بنعشه أي رفعه يقال نعشه الله فانتعش أي رفعه فارتفع فأرادت والله أعلم بهذا وبما بعده أنه رفع منار الدين وأشاد قواعده وأقر الحق وأزاح الباطل فقرت أمور الدين على ما كانت عليه والكاهل الحارك وهو ما بين الكتفين أوحدت به أي جاءت به وحيدا لا ثاني له ولا مثل له ديخ ودوخ بمعنى والأصل بالواو من قولهم داخ البلاد يدوخها إذا قهرها واستولى عليها وكذلك دوخ البلاد الثلمة الخلل المرحمة الرحمة فنخها قهرها يقال فنخه الأمر قهره شرك الشرك شذر مذر يقال شركت النعل وأشركتها أي رممتها بالشراك فكأنه رم الكفر وشذر مذر أي في كل جهة يقال تفرقوا شذر مذر بكسر الشين والميم وفتحهما وفتح الذال في اللغتين إذا ذهبوا في كل وجهة تنقمون أي تعتبون يقال نقم ينقم بكسر مضارعه فهو ظعنه أي سيره وارتحاله يقال ظعن ظعنا وظعنا.
الفصل الثالث عشر
في ذكر خلافته وما يتعلق بها
ذكر ما جاء دليلا على خلافته تنبيها سابقا منه صلى الله عليه وسلم وتقريرا لاحقا من الصحابة وشهادة منهم بصحتها وأنها لم تكن إلا بحق. وقد تقدم جملة من أحاديث هذا الذكر فشيء منها تقدم في باب الأربعة في ذكر ما جاء في خلافة الأربعة وفي باب الثلاثة كذلك وفي باب أبي بكر وعمر كذلك وبعضها مصرح بخلافتهم على الترتيب الواقع منه صلى الله عليه وسلم تارة ومن فهم الصحابة أخرى خصوصا أحاديث مرائيه صلى الله عليه وسلم فإن أحاديثها متفق على صحتها. وكذلك حديث الأمر بالاقتداء بأبي بكر وعمر وبعده باقيها تقدم في الخصائص ونحن ننبه عليه لنفرع إليه عند الحاجة إلى الاستدلال به. فمنها حديث ابن عباس ليس أحدا من علي إلى قوله سدوا عني كل خوخة وفهم الصحابة رضوان الله عليهم من ذلك التنبيه على الخلافة. وقد تقدم وجه بيان الدلالة منه وهو في الذكر الرابع من فصل الخصائص وأحاديث أفضليته كلها دليل على تعينه على قولنا لا تنعقد ولاية المفضول عند وجود الأفضل وعلى القول الآخر دليل على أولويته لا نزاع في ذلك وقد تقدمت في الذكر الثالث عشر من الخصائص. وتقدم ضرب منها في باب الأربعة وفي باب الثلاثة وفي باب أبي بكر وعمر وحديث استخلافه على الصلاة لما ذهب يصلح بين بني عوف في الثالث والأربعين من الخصائص. وحديث استخلافه عليها في مرض وفاته في الخامس والأربعين وهو من أوضح الأدلة وعليه اعتمد عمر وعلي وغيرهما من الصحابة في الاستدلال على خلافته وعلى أحقيته بها على ما سيأتي في آخر هذا الذكر ووجهه أنه كان وهو صلى الله عليه وسلم قد تأهب للنقلة إلى ربه فعينه للإمامة ثم عورض بعرض غيره عليه لذلك فمنع منه ثم لما أن تقدم غيره كره ذلك وصرح بالمنع منه ثم أكده بتكرار المنع فقال لا لا لا ثم أردف ذلك بما فيه تعريض بالخلافة بل تصريح بقوله يأبى الله والمسلمون إلا أبا بكر ثم أكد ذلك بتكرار كل ذلك مع علمه صلى الله عليه وسلم بأن ذلك مظنة الخلافة فإنه كان صلى الله عليه وسلم إمامهم في الصلاة والحاكم عليهم فلما أقام أبا بكر ذلك المقام مع توفر هذه القرائن الحالية والمقالية علم أنه أراد ذلك وفي قوله يأبى الله والمسلمون إلا أبا بكر أكبر إشارة بل أفصح عبارة ولولا اعتماده صلى الله عليه وسلم على تلك الإشارة المصرحة بإرادة الخلافة لما أهمل أمرها فإنها من الوقائع العظيمة في الدين ويؤيد أنه أراد كتب العهد على ما سنذكره ثم تركه وقال يأبى الله والمسلمون إلا أبا بكر إنما كان والله أعلم اكتفاء بنصبه إماما عند إرادة الانتقال عنهم وإحالة على فهم ذلك عنه ولم يصرح بالتنصيص عليها لأنه مرتبط بما يوحي إليه لا يفعل شيئا إلا بأمر ربه ولم يأمره بالتنصيص لينفذ قضاؤه وقدره في ابتلاء قوم عميت أبصارهم بما ابتلاهم به وليبين فضل من انقاد إلى الحق بزمام الإشارة ودله نور بصيرته عليه فإن من لم يعتقد ذلك بعد بلوغ هذه الأحاديث والعلم بتلك القرائن الحالية والمقالية فالظاهر عناده ورده للحق بعد تبينه.

(1/101)


ومنها حديث عائشة لا ينبغي لقوم فيهم أبو بكر أن يؤمهم غيره وهو صريح في الباب لعموم الإمامة تقدم في الرابع والأربعين وحديث الحوالة عليه في السابع والأربعين وهو من أدل الأدلة وأوضحها وحديثها من أصح الأحاديث وإن صحت الزيادة على ما رواه مسلم وهي قوله صلى الله عليه وسلم فإني أخاف أن يتمنى متمن أو يقول قائل أنا أولى. وفي رواية لكيلا يطمع في الأمر طامع أو يتمنى متمن ثم قال ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر ويأبى الله ويدفع المؤمنون أبى الله والمؤمنون أن يختلف عليه وهذا صريح في الباب ولا يقال إنه نص على إمامته بتوليته من جهته صلى الله عليه وسلم فإنه لم يكتب بل عرف أنه الخليفة بعده فجعل الله سبحانه وتعالى ذلك وأجمع المسلمون عليه.
ذكر سؤال النبي صلى الله عليه وسلم تقدمة علي فأبى الله إلا تقدمة أبي بكر
عن علي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم سألت الله عز وجل أن يقدمك ثلاثا فأبى إلا تقديم أبي بكر خرجه الحافظ السلفي في المشيخة البغدادية وخرجه صاحب الفضائل ولفظه يا علي ما زلت أسأل الله فيك ثلاثا فأبى أن يقدم إلا أبا بكر وقال غريب وهذا الحديث مع غرابته يعتضد بما تقدم من الأحاديث الصحيحة فيستدل بها على صحته لشهادة الصحيح لمعناه.
ذكر ما روي عن عمر في هذا الباب
عن عبد الله بن مسعود قال كان رجوع الأنصار يوم سقيفة بني ساعدة بكلام قاله عمر بن الخطاب نشدتكم بالله هل تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أبا بكر يصلي بالناس قالوا اللهم نعم قال فأيكم تطيب نفسه أن يزيله عن مقام أقامه فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا كلنا لا تطيب نفسه ونستغفر الله خرجه أبو عمر وخرج أحمد معناه وفي آخره فأيكم تطيب نفسه أن يتقدم أبا بكر قالت الأنصار نعوذ بالله أن نتقدم أبا بكر وهذا مما يؤكد الاستدلال بإمامة الصلاة على الخلافة كما قررنا والله أعلم.
ذكر ما روي عن علي رضي الله عنه متضمنا القول بصحة خلافة أبي بكر متعلقا في ذلك بسبب من النبي صلى الله عليه وسلم
عن الحسن قال قال لي علي بن أبي طالب لما قبض النبي صلى الله عليه وسلم نظرنا في أمرنا فوجدنا النبي صلى الله عليه وسلم قد قدم أبا بكر في الصلاة فرضينا لدنيانا من رضيه رسول الله صلى الله عليه وسلم لديننا. وعنه قال قال علي قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر يصلي بالناس وقد رأى مكاني وما كنت غائبا ولا مريضا ولو أراد أن يقدمني لقدمني فرضينا لدنيانا من رضيه رسول الله صلى الله عليه وسلم لديننا. وعن قيس بن عبادة قال قال لي علي بن أبي طالب إن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرض ليالي وأياما ينادي بالصلاة فيقول مروا أبا بكر فليصل بالناس فلما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم نظرت فإذا الصلاة علم الإسلام وقوام الدين فرضينا لدنيانا من رضيه رسول الله صلى الله عليه وسلم لديننا فبايعنا أبا بكر خرجه أبو عمر وخرج معنى الثلاثة ابن السمان في الموافقة وابن خيرون في حديث طويل تقدم في باب الثلاثة عن الحسن البصري. وهذا مما يؤيد ما ذكرناه من الاستدلال بتقديمه إماما في الصلاة على الإشارة إلى الخلافة وإن رضاهم به خليفة إنما كان لكونه صلى الله عليه وسلم رضيه لإمامة الصلاة. وقد تقدم في الخصائص في ذكر أفضليته قوله رضي الله عنه إن أترككم فإن يرد الله بكم خيرا يجمعكم على خيركم كما جمعنا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم على خيرنا وقد تقدم أيضا دعاؤه أبا بكر يا خليفة رسول الله في مواضع شتى وعن سويد قال دخل أبو سفيان على علي والعباس فقال لهما ما بال هذا الأمر في أذل قبيلة من قريش وأقلها والله إن شئت لأملأنها عليه خيلا ورجلا ولأورثنها عليه من أقطارها أي لأصر منها فقال علي ما أريد أن تملأها عليه خيلا ورجلا ولولا أنا رأيناه أهلا ما خليناه وإياها يا أبا سفيان المؤمنون قوم نصحة بعضهم لبعض متوادون وإن بعدت ديارهم والمنافقون غششة بعضهم لبعض وإن قربت ديارهم خرجه ابن السمان في الموافقة بهذا السياق وهو عند غيره إلى قوله أملأها عليه خيلا ورجلا.
ذكر ما روي عن أبي عبيدة بن الجراح في هذا الباب

(1/102)


عن أبي البختري قال قال عمر لأبي عبيدة بن الجراح أبسط يدك حتى أبايعك فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول أنت أمين هذه الأمة فقال أبو عبيدة ما كنت لأتقدم بين يدي رجل أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يؤمنا فأمنا حتى مات خرجه أحمد وخرجه صاحب الصفوة. وعن إبراهيم التيمي قال لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى عمر أبا عبيدة فقال ابسط يدك فلأبايعك فإنك أمين هذه الأمة على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أبو عبيدة لعمر ما رأيت لك فهة قبلها منذ أسلمت تبايعني وفيكم الصديق ثاني اثنين.
شرح: الفهة السقطة والجهلة نحو ذلك قاله أبو عبيدة والفهة والفهاهة العي يقال رجل فه وامرأة فهة.
ذكر ما روي عن عبد الله بن مسعود في ذلك
عن زر بن حبيش عن ابن مسعود قال إن الله تبارك وتعالى نظر في قلوب العباد فوجد قلب محمد صلى الله عليه وسلم خير قلوب العباد فاصطفاه وابتعثه برسالته ثم نظر في قلوب العباد فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد فجعلهم وزراء نبيه صلى الله عليه وسلم يقاتلون عن دينه فلما رأى المسلمون حسنا فهو عند الله حسن وما رأوه سيئا فهو عند الله سيئ وقد رأى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم جميعا أن يستخلفوا أبا بكر رضي الله عنه خرجه ابن السري وهذا من أقوى الأدلة على صحة خلافته رضي الله عنه فإن الإجماع قطعي.
ذكر ما روي عن أبي سعيد في معنى ذلك
عن أبي سعيد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ولكن أخي في الدين وصاحبي في الغار وإن أبا بكر كان ينزل بمنزلة الوالد وإن أحق ما اقتدينا به بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر وروي عن ابن الزبير نحو ذلك خرجهما إبراهيم التيمي.
ذكر ما أخبره به النصارى مما يتضمن خلافة أبي بكر
عن جبير بن مطعم قال لما بعث الله نبيه صلى الله عليه وسلم وظهر أمره بمكة خرجت إلى الشام فلما كنت ببصرى أتتني جماعة من النصارى فقالوا من الحرم أنت قلت نعم قالوا تعرف هذا الذي تنبأ فيكم قلت نعم قال فأخذوا بيدي فأدخلوني ديرا لهم فيه تماثيل وصور فقالوا لي انظر هل ترى صورة هذا الذي بعث فيكم فنظرت فلم أر صورته فقلت لا أرى صورته فأدخلوني ديرا أكبر من ذلك فإذا فيه تماثيل وصور أكثر مما في ذلك الدير فقالوا لي انظر هل ترى صورته فنظرت فإذا أنا بصفة رسول الله صلى الله عليه وسلم وصورته وإذا أنا بصفة أبي بكر وصورته وهو آخذ بعقب النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا هل ترى صفته قلت نعم فقلت لا أخبرهم حتى أعرف ما يقولون فقالوا هو هذا قلت نعم أشهد أنه هو قالوا أتعرف هذا الذي أخذ بعقبه قلت نعم قالوا نشهد أن هذا صاحبكم وأن هذا الخليفة من بعده خرجه ابن الصاعد. فإن قيل ما ذكرتموه مما أوردتموه في حق أبي بكر واستدللتم به على أنه الخليفة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم معارض بما جاء في حق علي بن أبي طالب وقد وردت أحاديث تدل على أنه الخليفة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم. فمنها حديث سعد بن أبي وقاص وابن عباس أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى ألا أنه لا نبي بعدي أخرجاه وغيرهما أنه لا ينبغي أن أذهب إلا وأنت خليفتي قال له ذلك وقد استخلفه لما ذهب صلى الله عليه وسلم إلى غزوة تبوك خرجه أحمد في مسنده والحافظ أبو القاسم الدمشقي في الموافقات. وسيأتي مستوفيا في خصائصه من باب مناقبه ووجه الدلالة أن موسى استخلف هارون عند ذهابه إلى ربه فمقتضى التنظير بينهما أن يكون خليفته عند ذهابه إلى ربه كما كان هارون من موسى وأن يكون المراد بقوله لا ينبغي أن أذهب أي إلى ربي وذلك ظاهر جلي ومنها حديث من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره وفي بعض طرقه ألستم تعلمون أني أولى بالمؤمنين من أنفسهم قالوا بلى يا رسول الله قال من كنت مولاه فإن هذا علي مولاه خرجه أحمد وأبو حاتم والترمذي والبغوي. وسنذكر الحديث بطرق كثيرة في خصائصه من باب مناقبه إن شاء الله تعالى وجه الدلالة أن المولى في اللغة المعتق وابن العم والعصبة ومنه وإني خفت الموالي من ورائي وسموا بذلك لأنهم يلونه في النسب من الولي القرب ومنه قول الشاعر:
هم الموالي وإن جنفوا علينا ... وإنا من لقائهم لزور

(1/103)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية