صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع
المؤلف : محمد بن علي الشوكاني
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]
أدخله إلى الموسوعة و فهرسه أخوكم أسامة بن الزهراء - عفا الله - عضو في ملتقى أهل الحديث

244- على بن محمد العقينى الانصارى التعزى الشافعى ولد سنة 1033 ثلاث وثلاثين وألف وقرأ بتعز على محمد بن عبد العزيز المفتى وقرأ في غيرها على محمد بن على مطير وجماعة آخرين ورحل الى مكة فقرأ على ابن علان وغيره وبرع في فنون وصنف تصانيف منها شرح ألفية ابن مالك وشرح المدخل في المعانى والبيان وشرح زيد بن رسلان وشرح على المنظومة فى شعب الايمان وشرح على النخبة وحاشية على التيسير ومات فى ثالث ربيع الآخر سنة 1101 احدى ومائة وألف بتعز
245- على بن مجد الدين محمد بن مسعود بن محمود بن محمد بن محمد ابن عمر المعروف بالمولى مصنفك لقب بذلك لاشتغاله بالتصنيف في حداثه سنه والكاف للتصغير في لغة العجم وهو من أولاد الامام فخر الدين الرازى وفخر الدين هو عمر المذكور في النسب وكان الامام يصرح في مصنفاته بانه من أولاد عمر ابن الخطاب ولد صاحب الترجمة في سنة 803 ثلاث وثمان مائة بخراسان وسافر مع أخيه الى هراة لطلب العلم في سنة 812 وصنف الارشاد في سنة 823 وشرح المصباح في النحو سنة 825 وشرح ادآب البحث في سنة 826 وشرح اللباب في سنة 828 وحاشية المطول في سنة 832 وحاشية شرح المفتاح للتفتازانى سنة 834 وحاشية التلويح سنة 835 ثم ارتحل في سنة 839 رحلة أخرى الى هراة وصنف هنالك الوقاية وشرح الهداية في سنة 839 وارتحل في سنة 848 الى ممالك الروم وصنف هنالك في سنة 855 شرح المصابيح للبغوى وشرح تلك السنة أيضا شرح المفتاح للشريف وصنف في هذه السنة حاشية شرح المطالع وشرح أيضا بعض أصول فخر الاسلام البزدوى وصنف في سنة 856 حاشية الكشاف وله مصنفات فارسية كانوار الاحداق وحدائق الايمان وتحفة السلاطين وله غير ذلك من المصنفات كحاشية شرح العقائد ومن مشايخه جلال الدين يوسف أحد تلامذة سعد الدين التفتازاني ودرس ببلاد الروم وغيرها ثم وقع له صمم في آخر مدته وعين له السلطان محمد خان كل يوم ثمانين درهما ومات بقسطنطينية سنة 875 خمس وسبعين وثمان مائة

(1/474)


246- على بن المظفر بن ابراهيم ابن عمر ابن يزيد الوادعى الكندى الاسكندرانى ثم الدمشقى ولد سنة 640 أربعين وستمائة تقريبا وسمع من جماعة نحو مائتين واشتغل بالادب فمهر في العربية وقال الشعر فاجاد ثم دخل ديوان الانشاء في آخر عمره وكان كثير الهجاء فنفر الناس عنه وكان يتشيع من غير سب ولا رفض وجمع التذكرة في عدة مجلدات تقرب من الخمسين وفيها فوائد كثيرة ومن شعره ( فتنت بمن محاسنه *** الىعرب النقا تنمى ) ( عذار من بنى لام *** وطرف من بنى سهم ) ( وعذالى بنو ذهل *** وحسادى بنو فهم ) وله فى هذا الجنس ( قسما بمرآك الجميل فانه *** عربى حسن من بنى زهران ) ( احلت عنك ولو رأيتك من بنى *** لحيان لابل من بنى شيبان ) ومن مقطعاته الرائقة ( قال لى عاذلى المفند فيها *** حين وافت وسلمت مختالة ) ( قم بناندعى النبؤة في العش *** ق فقد سلمت علينا الغزالة ) ومنها ) ( اذا رأيت عارضا مسلسلا *** في وجنة كجنة يا عاذلى ) ( فاعلم يقينا أننى من أمة *** تقاد للجنة بالسلاسل ) ومنها ( وفي أسانيد الاراك حافظ *** للعهد يروي صبره عن علقمة )

(1/475)


( فكلما ناحت به حمامة *** روى حديث دمعه عن عكرمة ) وفي هذا من اللطافة مالا يخفى لان عكرمة من أسماء الحمامة وهو شاعر مجيد مبدع وقد ذكر جماعة من متأخرى الادباء أن ابن نباته كان يتطفل على معانيه الرائقة وقد أورد ابن حجة في كشف اللثام عن التورية والاستخدام جملة مما وقع فيه ذلك قال الذهبى كان يخل بالصلاة ويرمى بعظائم وكانت الحماسة من بعض محفوظاته حملنى الشره على السماع من مثله وقال ابن رافع سمع منه الحافظ المزى وغيره وكان قد سمع الكثير وقرأ بنفسه وحصل الاصول ومهر في الادب وكتب الخط المنسوب وكان يكتب للوزير ابن وداعة ويلازمه وانما قيل له الوادعى نسبة اليه وكان يباشر مشيخة دار الحديث النفيسة الى أن مات في شهر رجب سنة 716 ست عشرة وسبعمائة

(1/476)


247- على بن هادى عرهب الصنعانى المولد والدار والمنشأ أحد علماء العصر المشاهير ولد سنة 1164 اربع وستين ومائة وألف وقرأ على جماعة من العلماء كالقاضى العلامة أحمد بن صالح بن أبى الرجال وعلى والده وعلى السيد العلامة شرف الدين بن اسماعيل بن محمد بن اسحاق وعلى جماعة اخرين وبرع في النحو والصرف والمعانى والبيان والاصول والحديث والتفسير وأخذ عنه أهل العلم وقرأ عليه في أوائل أيام الطلب في شرح التلخيص الصغيير للتفتازاني وفي حواشيه فاستمرت القراءة الى بعض المقدمة ثم انقطعت لكثرة عروض الاعذار من جهته فاتممته على شيخنا العلامة القاسم بن يحيى الخلانى رحمه الله ولصاحب الترجمة في قوة الفهم وسرعة الادراك وتحقيق المباحث الدقيقة مالا يوجد لغيره ولكنه كثير العوارض الموجبة لانقطاع التدريس ولولا ذلك لعكف الطلبة عليه وفاق معاصريه وصار متفردا برياسة التدريس ولكن العلم تكثر موانعه وهو غير مقلد بل يجتهد رأيه في جميع ما يحتاج اليه من مسائل العبادة وغيرها وما أحقه بذلك فان العلوم الاجتهادية حاصلة لديه وزيادة عليها وهو الآن حى وأكثر سكونه بالروضة وفي سنة ثلاث عشرة ومائة وألف استمديت له رأيا شريفا من حضرة مولانا الامام المنصور بالله حفظه الله في توليته للقضاء بالروضة وهو أكبر من مثل هذا وأجل فان كثيرا من أكابر قضاة العصر المتولين للقضاء في الحضرة الامامية وغيرها ليس علمهم بالنسبة الى علم هذا شيئا ولم يبق لاحد من قضاة الروضة معه كلام ثم في شهر رمضان سنة 1214 وصلت مكاتبة من أمير كوكبان السيد الاجل شرف الدين بن أحمد بن محمد يتضمن أن كوكبان وجهاته يحتاج الى عالم من أكابر علماء صنعاء للاحياء بالتدريس وللقيام بعهد القضاء هنالك فارسلت بصاحب الترجمة وهو الى الآن هنالك

(1/477)


248- على بن يحيى بن على بن راجح بن سعيد الكينعى الصنعانى المولد والمنشأ والدار ولد سنة 1151 إحدى وخمسين ومائة وألف وقرأ على السيد العلامة الحسن بن زيد الشامى وعلى شيخنا العلامة الحسن بن اسمعيل المغربى وحضر على جماعة من علماء صنعاء وحفظ المسائل المهمة المتعلقة بامر الدين ومال الى العمل والزهد وله يد طولى في علم التاريخ وحفظ غرائب الأخبار وطرائف الأشعار وحسن المحاضرة وجميل المذاكرة مع شهامة نفس وعلو همة وخبرة تامة بابناء عصره لا يخفى عليه منهم خافية مع انجماعه وميله الى الخمول وهو من الاجواد الذين ينفقون أموالهم في وجوه الخير فانه مع قلة ذات يده يجود بموجوده ويؤثر على نفسه وقد رأيت من مكارمه مالا يقدر عليه غيره وهو في هذا الشأن من محاس الزمان ولو اتسع نطاق ماله لطارله من الذكر واشتهر له من الصيت ما يزاحم به البرامكة فضلا عمن هو دونهم ولكنه يؤثر الخمول ويميل الى القنوع من الدنيا بالبلغة ونعمت الخصلة وما أحقه بما قلته من أبيات ( تراه وهو ذو طمرين يمشى *** بهمته على هام السماك ) وهو حال تحرير هذه الأحرف حي ومنزلة نزهة أرباب الألباب وحديثه روح أرواح بنى الآداب

(1/478)


249- على بن يحيى بن أحمد بن مضمون البرطي ثم الصنعاني العالم الكبير المشهور بالتحقيق في أنواع من العلوم ولد سنة 1061 احدى وستين وألف وكان له بالعلم شغف شديد حتى قيل انه يقطع الليل جميعا في المطالعة بمسجد البستان من صنعاء واذا غلبه النوم اغتسل بالماء ومن مشايخه القاضى العلامة أحمد بن على بن أبى الرجال والقاضى محمد بن ابراهيم السحولى والامام المتوكل على الله اسمعيل وغيرهم وأخذ عنه جماعة منهم السيد العلامة زيد بن محمد بن الحسن بن الامام القاسم والقاضى العلامة الحسين بن محمد المغربى وأخوه العلامة الحسن بن
محمد والسيد العلامة عبد الله بن على الوزير ولازمه ملازمة طويلة نحو اثنتى عشرة سنة وغيرهم وكان يكثر منه التخلف عن الدرس ويتضجر لذلك الطلبة وسبب ذلك شدة عنايته بمطالعة ما يدرس فيه الطلبة وكان له بتصحيح النسخ عناية عظيمة بحيث لا يلحق في ذلك ورأيت فتاويه مجموعة في مجلد وجمع تلميذه السيد عبد الله بن على الوزير ترجمته في مصنف سماه نشر العبير ومات في سنة 1119 تسع عشرة ومائة وألف في ثانى وعشرين من شهر صفر منها وقيل سنة 1115 خمس عشرة ومائة وألف
250- السيد على بن يحيى أبو طالب ولد سنة 1159 تسع وخمسين ومائة وألف أو في التى قبلها أو في التى بعدها وقرأ على جماعة من المشايخ المتقدمين كالقاضى العلامة أحمد ابن صالح بن أبى الرجال والسيد العلامة اسمعيل المفتى وغيرهما ممن هم مشايخ مشايخنا واستفاد في العلوم والآلية والحديثية وسائر الفنون ودرس للطلبة في كتب الآلة وغيرها وقرأ على أخيرا في التفسير للزمخشرى وفي تفسيرى وفي الصحيحين وسنن أبى داود وهو الآن من محاسن الزمن ومن بقية شيوخ العترة المطهرة فتح الله له في مدته 251 على بن يعقوب بن جبريل البكرى نور الدين المصرى الشافعى ولد سنة 673 ثلاث وسبعين وستمائة واشتغل بالفقه والاصول وقرأ بنفسه على ست الوزراء وجرت له محنة بسبب القبط وهى أنه لما كان في النصف من محرم سنة 714 بلغه أن النصارى قد استعاروا من قناديل جامع عمرو بن العاص بمصر شيئا وعلقوه بكنيسة فاخذ معه

(1/479)


طائفة كثيرة من الناس وهجم الكنيسة ونكل النصارى وبلغ منهم مبلغا عظيما وعاد الى الجامع وأهان من فعل ذلك وكثر من الوقيعة في خطيبه فبلغ السلطان فامر باحضار القضاة وفيهم ابن الوكيل وأحضر صاحب الترجمة فتكلم ووعظ وذكر آيات من القرآن وأحاديث واتفق أنه أغلظ في عبارة السلطان ثم قال أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جاير فاشتد غضب السلطان وقال له أنا جاير قال نعم أنت سلطت الاقباط على المسلمين وقويت أمرهم فلم يتمالك السلطان أن أخذ السيف وهم بالقيام ليضربه فبادر بعض الأمراء وأمسك يده فالتفت الى قاضى المالكية وقال يا قاضى تجرأ على هذا ما الذى يجب عليه فقال القاضى لم يقل شيئا يوجب عقوبة فصاح السلطان بصاحب الترجمة وقال اخرج عنى فقام وخرج فقال ابن جماعة قد تجرأ وما بقى الا أن يزاحم السلطان فانزعج السلطان وقال اقطعوا لسانه فبادر الأمراء ليفعلوا به ذلك وأحضروا صاحب الترجمة فارتعد وصاح واستغاث بالأمراء فرقوا له وألحو على السلطان في الشفاعة ودخل ابن الوكيل وهو ينتحب ويبكى فظن السلطان أنه أصابه شىء فقال له خير خير فقال هذا رجل عالم صالح لكنه ناشف الدماغ قال صدقت وسكن غضبه فانظر ما فعله ابن جماعة بكلمته الحمقاء وما فعله صدر الدين بن الوكيل رحمه الله من التوصل الى سلامة هذا المسكين وهكذا ينبغى لمن كان له قبول عند السلاطين أن يتحيل عليهم في منافع المسلمين وحقن دمائهم بما امكنه فان صاحب الترجمة لم يكن ناشف الدماغ ولكنه كان في هذه الوسيلة سلامته من تلك البلية ومات في شهر ربيع الآخر سنة 724 أربع وعشرين وسبعمائة

(1/480)


252- على بن يوسف بن شمس الدين الفنارى الرومى ارتحل من الروم الى بلاد العجم فقرأ على مشايخ هراة وسمرقند وبخارى وبرع في جميع العلوم ودرس هنالك ثم عاد الى الروم في سلطنة محمد خان فامره السلطان أن يدرس بمدرسة بروسة وعين له كل يوم خمسين درهما ثم نقل الى مدرسة أخرى وعين له ستين درهما ثم جعله قاضيا بمدينة بروسة ثم جعله قاضيا بالعسكر ومكث فيه عشر سنين وارتفعت بسبب ولايته منزلة العلماء والقضاة ثم عزله السلطان محمد خان وعين له كل يوم خمسين درهما ولاولاده تسعين درهما في كل يوم وعين له في كل سنة عشرة الآف درهما فلما مات السلطان محمد وقام ولده بايزيد مقامه أعاده على قضاء العسكر ومكث فيه مقدار ثمان سنين ثم عزل عنه ثم عين له كل يوم سبعين درهما وعشرة الآف درهم في كل سنة وصار مشتغلا بالعلم في جميع أوقاته لشدة شغفه بالعلم لا ينام على فراش واذا غلب عليه النوم استند الى الجدار والكتب بين يديه فاذا استيقظ نظر فيها وله شرح على الكافية نفيس وكان فيه كرم مفرط وربما ضاقت يده في بعض الاحوال فلا يجد ما يريد فقيل له انك قد توليت قضاء العسكر وهو منصب عظيم فكيف لم تحفظ ما يحصل لك اذ ذاك قال كنت رجلا سكران فلم احفظ شيئا فقيل له اذاعاد اليك المنصب فعليك بحفظ المال فقال اذا عاد المنصب عاد السكر معه وكان يغلب عليه الصمت الا اذا سأله أحد عن خدمته للسلاطين سرد من ذلك حكايات عجيبة ومن ذلك أنه سأله بعض الناس عن أعظم لذة وجدها في أيام اتصاله بالسلطان فقال سافر السلطان محمد خان في أيام الشتاء وكان ينزل ويبسط له بساط صغيرة

(1/481)


يجلس عليه الى أن تضرب الخيمة واذا أراد الجلوس على البساط يخرج واحد من غلمانه الخف عن رجليه وعند ذلك يستند الى شخص معين وكانت تلك عادته فاتفق في بعض الأيام أنه لم يحضر ذلك الرجل فاستند الى وهذا أعظم لذة وجدتها في صحبة السلاطين وحكى عنه بعض تلامذته أنه قرأ عليه في المطول فكانوا يقرأون عليه كل يوم مقدار سطر أو سطرين من ضحوة النهار الى وقت العصر ولما مضت على ذلك ستة أشهر قال ان الذى قرأتموه على الى الآن يقال له قراءة كتاب وبعد هذا اقرأوا قراءة الفن فقرأنا بعد ذلك كل يوم ورقتين واتممنا بقية الكتاب في ستة أشهر واستمر يفيد الطلبة حتى مات في سنة 903 ثلاث وتسعمائة

(1/482)


253- عمر بن اسحاق بن أحمد الغزنوى العلامة الحنفى سراج الدين الهندى صاحب التصانيف قدم القاهرة قبل الاربعين وسبعمائة وسمع من بعض أصحاب النجيب وكان علامة في الاصول والمنطق والفروع تخرج في ذلك بالشمس الاصبهانى وابن التركماني ومن مصنفاته شرح المغنى وأصول الفقه وشرح البديع لابن الساعاتى وشرح الهداية وهو مطول لم يكمل وكان دمث الاخلاق طلق العبارة ولى قضاء العسكر ثم ولى القضاء استقلالا في شعبان سنة 769 ومات رابع شهر رجب سنة 773 ثلاث وسبعين وسبعمائة

(1/482)


254- عمر بن رسلان بن بصير بن صالح بن شهاب بن عبد الخالق ابن عبد الحق السراج البلقينى ثم القاهرى الشافعى ولد في ليلة الجمعة سنة أربع وعشرين وسبعمائة ببلقينة فحفظ بها القران وهو ابن سبع والشاطبية والمحرر والكافية والشافية والمختصر الاصلى ثم أقدمه أبوه القاهرة وهو ابن اثنتى عشرة سنة فعرض محافيظه على جماعة كالتقى السبكى والجلال القزوينى وفاق بذكائه وكثرة محفوظاته وسرعة فهمه ثم رجع به أبوه ثم عاد معه وقد ناهز الاحتلام فاستوطن القاهرة وقرأ على أعيان العلماء في الفنون كالشيخين المتقدمين والعز بن جماعة وابن عدلان وسمع من خلق وأجاز له الاكابر ومما يحكى من حفظه أنه أول ما دخل الكاملية طلب من ناظرها بيتا فامتنع واتفق مجىء شاعر الناصر بقصيدة وأنشده اياها بحضرة صاحب الترجمة فقال للناظر قد حفظتها فقال له الناظر ان كان كذلك أعطيتك بيتا فاملاها له من حفظه جميعها فاعطاه البيت وما زال يطلب العلم على علماء القاهرة حتى برع في جميع العلوم وفاق الاقران وتفرد بكثير من المعارف وقال له ابن كثير أذكرتنا ابن تيمية وكذلك قال له ابن شيخ الجبل ما رأيت بعد ابن تيمية أحفظ منك ودخل حلب في سنة 793 صحبة الظاهر برقوق وأخذ بها عن جماعة وعين لقضاء مصر غير مرة ولم يتم مع كونه في ذلك يترفع عنه ويجلس فوق كبار القضاة بل ولى ابنه في حياته وشاع ذكره في الممالك وعظمته الاكابر فمن دونهم وأثنى عليه أكابر شيوخه قال ابن حجى كان أحفظ الناس لمذهب الشافعى واشتهر بذلك وشيوخه موجودون قدم علينا دمشق قاضيا وهو كهل

(1/483)


فبهر الناس بحفظه وحسن عبارته وجودة معرفته وخضع له الشيوخ في ذلك الوقت واعترفوا بفضله ثم بعد ذلك تصدر للفتيا والتدريس فكثرت طلبته وصاروا شيوخا في حياته وله تصانيف كثيرة لم تتم لأنه يبتدىء كتابا فيصنف منه قطعة ثم يتركه قال البرهان الحلبى رأيته رجلا فريد دهره لم تر عيناى أحفظ منه للفقه وأحاديث الاحكام وقد حضرت دروسه مرارا وهو يقرىء في مختصر مسلم للقرطبى يقرأه عليه شخص مالكى ويحضر عنده فقهاء المذاهب الأربعة فيتكلم على الحديث الواجد من بكرة الى قريب الظهر وربما أذن الظهر ولم يفرغ من الحديث انتهى وهذا تبحر عظيم وتوسع باهر فان استغراق هذا الوقت الطويل في الكلام على حديث واحد يتحصل منه كراريس وقد كان وقع الاتفاق على أنه أحفظ أهل عصره وأوسعهم معارفا وأكثرهم علوما ومع هذا فكان يتعانى نظم الشعر فيأتى يما يستحى منه بل قد لا يقيم وزنه والكمال لله قال ابن حجر وكانت الآت الاجتهاد فيه كاملة قال ولم يكمل من مصنفاته الا القليل لانه كان يشرع في الشىء فلسعة علمه يطول عليه الامر حتى انه كتب من شرح البخارى على نحو عشرين حديثا مجلدين وعلى الروضة عدة مجلدات تعقبات وعلى البدر للزركشى مجلدا ضخما قال البدر البشبكى ان الشيطان وجد طرقه عن البلقينى مسدودة فحسن له نظم الشعر وله مصنفات كثيرة قد سردها ولده الجلال في ترجمته ولم يزل متفردا في جميع الانواع العلمية حفظا وسردا لها كما هى حتى توفاه الله تعالى في يوم الجمعة حادى عشرين القعدة سنة 805 خمس وثمان مائة

(1/484)


255- عمر بن على بن أحمد بن محمد بن عبد الله السراج الانصارى الاندلسى التكرورى الاصل المصرى الشافعى المعروف بابن الملقن ولد في ربيع الاول سنة 723 ثلاث وعشرين وسبعمائة بالقاهرة وكان أصل أبيه من الاندلس فتحول منها الى التكرور ثم قدم القاهرة ثم مات بعد أن ولد له صاحب الترجمة بسنة فاوصى به الى الشيخ عيسى المغربي وكان يلقن القرآن فنسب اليه وكان يغضب من ذلك ولم يكتبه بخطه انما كان يكتب ابن النحوى وبها استهر في بعض البلاد كاليمن ونشأ في كفالة زوج أمه ووصيه وتفقه بالتقى السبكى والعز بن جماعة وغيرهما وأخذ في العرببية عن أبى حيان والجمال ابن هشام وغيرهما وفي القرآت عن البرهان الرشيدى قال البرهان الحلبى انه اشتغل في كل فن حتى قرأ في كل مذهب كتابا وسمع على الحفاظ كابن سيد الناس والقطب الحلبى وغيرهما وأجاز له جماعة كالمزى ورحل الى الشام وبيت المقدس وله مصنفات كثيرة منها تخريج أحاديث الرافعى سبع مجلدات ومختصر الخلاصة في مجلد ومختصره للمنتقى في جزء وتخريج أحاديث الوسيط للغزالى المسمى بتذكرة الاحبار بما في الوسيط من الاخبار في مجلد وتخريج أحاديث المهذب المسمي بالمحرر المذهب في تخريج أحاديث المهذب في مجلدين وتخريج أحاديث المنهاج الاصلى في جزء وتخريج أحاديث مختصر المنتهى لابن الحاجب في جزء وشرح العمدة المسمى بالاعلام في ثلاث مجلدات وأسماء رجالها في مجلد وقطعة من شرح المنتقى في الاحكام للمجد ابن تيمية ولكنه قال صاحب الترجمة في تخريج أحاديث الرافعي انه انما كتب شيئا من ذلك على هوامش نسخته كالتخريج لاحاديث المنتقى ثم

(1/485)


رغب من يأتى بعده في شرح هذا الكتاب حسبما نقلته من كلامه في اوائل شرحي للمنتقى ومن مصنفاته طبقات الفقهاء الشافعية وطبقات المحدثين الفقه شرح المنهاج ست مجلدات وآخر صغير في مجلدين ولغاته في مجلد والتحفة في الحديث على أبوابه كذلك والبلغة على أبوابه في جزء لطيف والاعتراضات عليه في مجلد وشرح التنبيه في أربع مجلدات وآخر لطيف سماه هادى النبيه الى تدريس النتبيه والخلاصة على أبوابه في الحديث في مجلدو أمنيةالنبيه فيما يرد على النووى في التصحيح والتنبيه في مجلد ولخصه في جزء وشرح الحاوى الصغير في مجلدين صخمين وآخر في مجلد وشرح التبريزى في مجلد وشرع في كتاب جمع فيه بين كتب الفقه المعتمدة في عصره للشافعية ونبه على ما أهملوه وسماه جمع الجوامع وله في علم الحديث المقنع في مجلد قال ابن حجران صاحب الترجمة شرح المنهاج عدة شروح أكبرها في ثمانية مجلدات وأصغرها في مجلد والتبينه كذلك والبخارى في عشرين مجلدا وشرح زوائد مسلم على البخارى في أربعة أجزاء وزوائد أبي داود على الصحيحين في مجلدين وزوائد الترمذي على الثلاثة كتب منه قطعة وزوائد النسائى على الأربعة كتب منه جزءا وزوائد ابن ماجه على الخمسة في ثلاث مجلدات واكمال تهذيب الكمال قال ابن حجر انه لم يقف عليه وقال السخاوى انه وقف منه على مجلد وله مصنفات غير هذه كشرح الفية ابن مالك وشرح المنهاج الأصلى وشرح مختصر المنتهى لابن الحاحب وقد رزق الاكثار من التصنيف وانتفع الناس بغالب ذلك ولكنه قال الحافظ بن حجر انه كان يكتب في كل فن سواء أتقنه أولم يتقنه قال ولم يكن في الحديث بالمتقن ولا له ذوق

(1/486)


أهل الفن وقال ان الذين قرأوا عليه قالوا انه لم يكن ماهرا في الفتوى ولا التدريس وانما كانت تقرأ عليه مصنفاته في الغالب فيقررما فيها وقال ابن حجر كان لا يستحضر شيئا ولا يحقق علما وغالب تصانيفه كالسرقة من كتب الناس وفي هذا الكلام من التحامل مالا يخفى على منصف فكتبه شاهدة بخلاف ذلك منادية بانه من الأئمة في جميع العلوم وقد اشتهر صيته وطار ذكره وسارت مؤلفاته في الدنيا وحكى السخاوى أنه طلب الاستقلال بالقضاء وخدعه بعض الناس حتى كتب بخطه بمال على ذلك فغضب برقوق عليه لمزيد اختصاصه به وكونه لم يعلمه بذلك ولو أعلمه لكان يأخذه له بلابذل وأراد الايقاع به فسلمه الله من ذلك ثم استقر في التدريس باماكن وقد ترجمه جماعة من أقرانه الذين ماتوا قبله كالعثمانى قاضى صفد فانه قال في طبقات الفقهاء انه احد مشايخ الاسلام صاحب التصانيف التى مافتح على غيره بمثلها في هذه الأوقات وقال البرهان الحلبى كان فريد وقته في كثرة التصنيف وعبارته فيها جلية جيدة وغرايبه كثيرة وقال ابن حجر في انبائه انه كان موسعا عليه في الدنيا مشهورا بكثرة التصانيف حتى كان يقال انها بلغت ثلثمائة مجلدة ما بين كبير وصغير وعنده من الكتب مالا يدخل تحت الحصر منها ما هو ملكه ومنها ماهو من أوقاف المدارس ثم انها احترقت مع أكثر مسوداته في آخر عمره ففقد أكثرها وتغير حاله بعدها فحجبه ولده الى أن مات قال راويا عن بعض من حكى له أنه دخل على صاحب الترجمة يوما وهو يكتب فدفع اليه الكتاب الذي يكتب منه وقال له أملى على قال فأمليت عليه وهو يكتب الى أن فرغ فقلت له يا سيدى أتنسخ هذا الكتاب فقال بل أختصره
قال ابن حجران العراقى والبلقينى وصاحب الترجمة كانوا أعجوبة ذلك العصر الأول في معرفة الحديث وفنونه والثاني في التوسع في معرفة مذهب الشافعي والثالث في كثرة التصانيف ولك واحد من الثلاثة ولد قبل الآخر بسنة ومات قبله بسنة فأولهم ( ) ابن الملقن ثم البلقينى ثم العراقى ومات في ليلة الجمعة ساس عشر ربيع الأول سنة 804 أربع وثمان مائة

(1/487)


256- عمر بن محمد بن عمر ابن أحمد بن هبة الله بن أحمد بن أبى جرادة العقيلى والحنفى الحلبى نجم الدين بن جمال الدين بن صاحب كمال الدين العديم ولد سنة 689 تسع وثمانين وستمائة سمع الحديث وتفقه وولى عدة تداريس ثم ولى القضاء وكان حافظا للسانه لم يسمع منه سب أحد وله نظم جيد فمنه ( كأن وجه النهر اذحفت به *** أشجاره فصافحته الأغصن ) ( مرآة غيد قد وقفن حولها *** ينظرن فيها أيهن أحسن ) وهذا غاية في بابه وقد كنت نظمت قبل الوقوف عليه باعوام بيتين في المعنى هما ( كأنما الأغصان اذ أحدقت *** بالنهر من بعد بكاء الغمام ) ( غيد على مرآة حسن تنا *** فسن فأذرين دموع الخصام ) فلما وقفت على بيتى صاحب الترجمة هممت بان اضرب على هذين لكنى رأيتهما قد اشتملا على مالم يشتمل عليه بيتا المترجم له وذلك زيادة بكاء الغمام في المشبه ومقابلتهما ببكاء الغوانى في المشبه به مع ذكر التنافس والخصام ورأيت بعد نظم البيتين أن ما يقرب من معناهما في طيب السمر للحيمى ولا احفظه حال تحرير هذه الاحرف ولا أحفظ
قائلة ولكنه لم يشتمل على ما اشتمل عليه البيتان المذكوران ومات صاحب الترجمة في صفر سنة 734 أربع وثلاثين وسبعمائة ورثاه ابن الوردى بقوله ( قد كان نجم الدين شمسا أشرقث *** بحماة للدانى بها والقاصى ) ( عدمت ضياء بن العديم فانشدت *** مات المطيع فيا هلاك العاصى ) وما أحسن من التورية في قوله في هلاك العاصى لأن بحماة نهرا يقال له العاصى

(1/488)


257- عمر بن محمد بن محمد بن أبي الخير محمد بن محمد بن عبد الله بن فهد النجم القرشى الهاشمي المكى الشافعى المعروف كسلفه بابن فهد ولد ليلة الجمعة سلخ جمادى الآخرة سنة 812 إثنتى عشرة وثمان مائة ونشأبها فحفظ القرآن وكتابا في الحديث ألفه له والده وشرع في قراءة فقه الامام احمد فحوله أبوه شافعيا وحفظ النصف الأول من المنهاج وبعض الألفية لابن مالك وبعض ألفية العراقى وسمع في صغره بمكة على مشايخها والقادمين اليها كالمراغي والجمال بن ظهيرة والولى العراقى وابن الجزرى والنجم بن حجي والكازرونى وأجازله جماعة من جهات شتى وأقبل على الطلب بنفسه وتخرج بوالده ورحل الى القاهرة فسمع من أهلها ولازم الحافظ ابن حجر ودخل الشام فسمع على علمائها ولازم الحافظ بن ناصر وسافر الى القدس والخليل وسمع ممن هنالك وطاف البلدان وطول الرحلة وتردد في جميع مداين مصر والشام وغيرهما وكتب الكثير بخطه وسمع العالى والنازل ومهر في الحديث وصنف فيه مصنفات وخرج لنفسه معجما وعمل مسلسلا وذيل على تاريخ مكة للتقى الناس وله كتاب المدلسين ثم
المخضرمين ثم المغير اسمهم ثم المواخا بينهم ثم اللباب في الالقاب ثم بذل الجهد في من سمى بفهد وابن فهد والمشارق المنيرة في ذكر بنى ظهيرة وله في كل بيت من بيوت مكة المشهورة بالعلم مصنف وله غير ذلك من المصنفات ومات يوم الجمعة سابع شهر رمضان سنة 885 خمس وثمانين وثمان مائة

(1/489)


349- عمر بن مجد السراج أبوحفص اليمانى الزبيدى الشافعى ويعرف بالفتى من الفتوة وهو لقب أبيه ولد سنة 801 واحدة وثمان مائو بزبيد ونشأ بها وقرأ على الفقيه محمد بن صالح والشرف بن المقرى ولازمه أتم دهرا ملازمة طويلا ثم انتقل الى بلاد أصاب فمكث ببعض قراها وارتحل اليه الطلبة واشتغل بالتدريس والتصنيف وقصده الطلبة من الاماكن البعيدة كل ذلك في حياة شيخه ولما استولى على بن طاهر على اليمن أكرم صاحب الترجمة ورتب له من الوقف ما يكفيه ثم قلده أمر الاوقاف وصرفها لمستحقها والاذن في النيابة لمن لا يحسن المباشرة وله تصانيف منها مهمات المهمات اختصر فيها مهمات الاسنوى والابريز في تصحيح الوجيز والالهمام لما في الروض من الاوهام مصنف شيخه ابن المقري وأفرد زوائد الانوار على الروضة وسماه أنوار الانوار وكذا فعل في جواهر القمولى وشرح المنهاج لابن الملقن وقد انتفع به في الفقه أهل اليمن طبقة بعد طبقة حتى صار غالبهم من تلامذته ومات في صفر سنة 887 سبع وثمانين وثمان مائة وارتجت النواحي لموته

(1/490)


350- عمر بن مظفر بن عمر بن محمد بن أبى الفوارس زين الدين ابن الوردى الفقيه الشافعى الحلبى نشأ بحلب وتفقه بها ففاق الاقران وأخذ من شرف الدين ابن البارزي وغيره ونظم البهجة الوردية في خمسة الآف بيت وثلاثة وستين بيتا أتى على الحاوى الصغير بغالب ألفاظه قال ابن حجر وأقسم بالله ما نظم أحد بعده الفقه الا وقصر دونه وله ضوء الدرة على ألفية ابن معطي وشرح الالفية لابن مالك وله مقامات ومنطق الطير نظم ونثر وله في الكلام على مائة غلام مائة مقطوع لطيفة والدرارى السارية في مائة جارية مائة مقطوع كذلك وضمن كثيرا من الملحة للحريرى في أرجوزة غزل واختصر الالفية لابن مالك في مائة وخمسين بيتا وشرحها وكان ينوب في الحكم بحلب وولى قضاء منبج ثم اعرض عن ذلك ومات في الطاعون آخر سنة 749 تسع وأربعين وسبعمائة وديوان شعره في مجلد لطيف وذكر الصفدى في أعيان النصر أنه اختلس معاني شعره وأنشده من ذلك شيئا كثيرا ولم يأت بدليل على أن ابن الوردى هو المختلس قال الحافظ ابن حجر بل المتبادر العكس واستشهد الصفدى على صحة دعواه بقول صاحب الترجمة ( وأسرق ما اردت من المعانى *** فان فقت القديم حمدت سيرى ) ( وان ساويته نظما فحسبى *** مساواة القديم وذا لخيرى ) ( وان كان القديم أتم معنى *** فهذا مبلغيى ومطار طيرى ) ( وان الدرهم المضروب عندى *** أحب الى من دينار غيرى ) ومن جملة ما اورده الصفدى لصاحب الترجمة

(1/491)


( سل الله ربك من فضله *** اذا عرضت حاجة مقلقه ) ( ولا تقصد الترك في حاجة *** فاعينهم أعين ضيقه ) قال الصفدى وهما مأخوذان من قولى ( أترك هوى الاتراك ان رمت ان *** لا تبتلى فيهم بهم وضير ) ( ولا ترج الجود من وصلهم *** ما ضاقت الاعين فيهم لخير ) ومن شعر صاحب الترجمة ( قيل لى تبذل الذهب *** بتولى قضا حلب ) ( قلت هم يحرقوننى *** وأنا أشترى الحطب ) ومنه أخذ ابن عشاير ( قيل برطل على القضا *** ترغم الحسد العدى ) ( قلت هم يذبحوننى *** وأنا اشحذ المدى ) ومن شعر صاحب الترجمة ( انى تركت عقودهم وفسوخهم *** وفروضهم والحكم بين اثنين ) ( ولزمت بيتى قانعا ومطالعا *** كتب العلوم وذاك زين الدين ) 351 عيسى بن عثمان بن عيسى الغزى شرف الدين الشافعي ولد قبل الاربعين وسبعمائة وقدم دمشق فاخذ عن علمائها ولازم تاج الدين السبكى ودرس بالجامع الاموى وأفتى وصنف فمن مصنفاته شرح المنهاج الشرح الكبير والمتوسط والصغير واختصر الروضة مع زيادات واختصر مهمات الاسنوى وله كتاب في آداب القضاء ولخص زيادات الكفاية على الرافعى في مجلدين مات في شهر رمضان سنة 799 تسع وتسعين وسبعمائة

(1/492)


352- السيد عيسى بن لطف الله بن المطهر ابن الامام شرف الدين اليمانى الكوكبانى الشاعر المنجم المؤرخ له تاريخ سماه روح الروح صنف واختص بالوزير محمد باشا فصنف هذا التاريخ بعنايته وذكر فيه ما كان بعد المائة التاسعة من الفتوح وصنف له النفحة اليمنية في الدولة المحمدية ومن نظمه ( لا تلمنى في حب أهيف كالغص *** ن بغير الشموس في الاشراق ) ( لدغتنى في حبة الوج *** فما غير وصله من راق ) وكان يهوى غلاما جميلا فقتله الأتراك في بعض الحروب فقال في ذلك قصيدة منها ( قد كنت أهوى بان تأوى الى نظرى *** فالآن من لى بجعل القلب تابوتا ) ( عذبتنى بالجفا وقت الحياة وفى *** مماتك اليوم قد أحرمتنى القوتا ) ( قتلت منك غداة الحالتين معا *** حيا وميتا فيا طول الجو هيتا ) ( يازهرة قطفت من بعدما بسمت *** وزهرة غربت مذ وافت الحوتا ) ( لهفى على المقلة الكحلا الى قصرت *** عن سحر نفثتها اسحار هاروتا ) وله قصيدة كتبها الى الامام القاسم بن محمد ينتصل فيها عما ينسب اليه من تفضيله للدولة التركية على الدولة القاسمية ومطلعها ( ما شاقنى سجع الحمامه *** سحرا ولا برق الغمامه ) وكان موته في دولة الامام المؤيد بالله محمد بن القاسم في سنة 1048 ثمان وأربعين وألف وكان يفد اليه ويكرمه

(1/493)


353- السيد عيسى بن محمد بن الحسين الكوكبانى قد تقدم تمام نسبه ومولده على التقريب بعد سنة 1130 وله يد في علوم الاجتهاد قوية وكان مكبا طول عمره على المعارف العلمية وافادة الطلبة حتى شاخ وعلت سنه فصار عند ذلك أميرا لكوكبان وبلادها من غير سعى منه في ذلك بل قصده أقاربه بالامارة وذلك انه اتفق أن السيد ابراهيم بن محمد أمير كوكبان وهو أخو صاحب الترجمة مات فصارت الامارة بعده الى ولده الاكبر العباس بن ابراهيم فنافسه على ذلك اخوه يحيى بن ابراهيم ومازال يترقب له الفرص حتى صادف منه غرة وهم في دار واحدة فدخل عليه هو وجماعة معه وضربوه ضربا مبرحا ثم كتفوه وأخرجوه من داره على رءوس الاشهاد بعد أن قيدوه فخرج مقيدا مكتوفا والناس ينظرونه وسجنوه في دار هنالك معدة لمثل ذلك ثم ان أخاه يحيى المذكور علم أن أهل كوكبان لا يفوضون الامارة اليه وفيهم صاحب الترجمة لعلو سنه فقصده وعرض عليه الامارة فقبلها وكانت الامور في ايام امارته منوطة بالسيد شرف الدين بن احمد الذى صار بعد صاحب الترجمة أميرا ثم ان السادات وسائر الاعيان أجمع أمرهم على اعتقال السيد يحيى بن ابراهيم في اليوم الثانى من اعتقاله لاخيه فعقدوا مجلسا وأرسلوا للمذكور فجاء وبين يديه الجند وعليه ابهة الامارة فكتفوه وقيدوه وأخرجوه كما أخرجوا أخاه وأدخلوه الدار التى أدخل أخاه فيها وكان ذلك من أعظم العبر وفى أثناء هذه الامور قتل السيد عبد الله بن ابراهيم وكان عند اعتقال أخيه يحيى لاخيه عباس بشبام فلما بلغه ذلك جمع جماعة من أهل شبام وطلع بهم الى كوكبان قاصدا لنصر أخيه عباس فلقى

(1/494)


في الطريق عباس بن محمد بن يحيى وهو ممن أعان السيد يحيى بن ابراهيم على اعتقال أخيه بل لولاه ماتم ذلك فلما رأى السيد عبد الله المذكور السيد عباس بن محمد في عقبة كوكبان سل سيفه وحمل عليه على دهش وطيش فوصل اليه وضربه بالسيف ضربه غير طائلة فاخذ السيد عباس ابن محمد الجنبية وطعنه بها طعنه كان بها موته ولم ينفع السيد عبد الله من معه من الجيش ثم ان السيد عباس بن محمد سجن بقصر صنعاء نحو سبع سنين وصح عندى أنه مدافع فاطلقه مولانا الامام حفظه الله وأما صاحب الترجمة فاستمر على امارته حتى مات يوم الأربعاء الخامس والعشرين من شهر شوال سنة 1207 سبع ومائتين والف ثم صارت الامارة بعده الى السيد شرف الدين المتقدم ذكره وهو من أكابر العلماء المتوسعين في عدة فنون وولده العلامة عبد الله قد سبقت ترجمته
354- عيسى بن مسعود بن منصور بن يحيى بن يونس الزواوى المالكى
ولد سنة 664 أربع وستين وستمائة بزواوة وتفقه على أبى يوسف الزواوى ثم قدم الاسكندرية فتفقه بها ثم رجع الى قابس وولى القضاء بها ثم رجع الى الاسكندرية ثم دخل مصر فقرأ عليه الناس بالجامع الأزهر وسمع من جماعة منهم الدمياطى وكان يذكر أنه حفظ مختصر ابن الحاجب في ستة أشهر وأنه حفظ الموطأ ثم دخل أيضا دمشق وناب عن حاكمهما المالكى ورجع الى مصر وناب أيضا عن حاكمها المالكى ثم أعرض عن ذلك وأقبل على التصنيف فصنف شرحا لمسلم في اثنى عشر مجلدا جمع فيه بين المعلم واكماله وشرح النووى عليه وسماه اكمال الاكمال وزاد فيه فوائد ومسائل من كلام الباجي وابن عبد البر وأبدى فيه سؤالات مفيدة وأجاب عنها وشرح مختصر ابن الحاجب الفرعى فوصل الى الصيد في سبعة أسفار وشرح مختصر ابن يوسف في ستة أسفار وله كتاب في المناسك ورد على ابن تيمية في مسئلة الطلاق وشرع في جمع تاريخ كتب منه عشرة أسفار ومات في مستهل رجب سنة 743 ثلاث وأربعين وسبعمائة تم بحمد الله وفضله

(1/495)


بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين
حرف الغين المعجمة
غازان بن آرغون بن أبغابن هلا كو بن تولى بن جنكز خان
السلطان معز الدين سلطان التتار كان جلوسه على تخت الملك سنة 693 وحسن له نايبه نوروز الإسلام فأسلم فى سنة 694 ونثر الذهب والفضة واللؤلؤ على رؤس الناس وفشا الإسلام في التتار وكان ملك خراسان بأسرها والعراق وفارس والروم وأذربيجان والجزيرة وكان يتكلم بالفارسية ويفهم أكثر اللسان العربى ولما ملك أخذ نفسه بطريق جده الأعلى جنكزخان الطاغية الذى أهلك العباد والبلاد وصرف همته إلى توفير العسكر وسد الثغور وعمارة البلاد والكف عن سفك الدماء ولما أسلم قيل له إن دين الإسلام يحرم نكاح نساء الآباء وقد كان استضاف نساء أبيه إلى نسائه وكان أحبهن إليه خاتون وهى أكبر نساء أبيه فهم أن يرتد عن الإسلام فقال له بعض خواصه إن أباك كان كافرا ولم تكن خاتون معه فى عقد صحيح إنما كان مسافحا بها فاعقد أنت عليها فإنها تحل لك ففعل

(1/496)


ولولا ذلك لارتد عن الإسلام واستحسن ذلك من الذى أفتاه به لهذه المصلحة بل هو حسن ولو كان تحته ألف امرأة على سفاح فإن مثل هذا السلطان المتولى على أكثر بلاد الإسلام فى إسلامه من المصلحة ما يسوغ ما هو أكبر من ذلك حيث يؤدى التحريج عليه والمشى معه على أمر الحق إلى ردته فرحم الله ذلك المفتى وكان والد صاحب الترجمة ومن قبله من الملوك يعدون أنفسهم نوابا لملك السراى فلما استقرت قدم غازان فى الملك تسمى بالخان وقطع ما كان يحمله إليهم من إتاوة وأفرد نفسه بالذكر والخطبة وضرب السكة باسمه وطرد نائبهم من بلاد الروم وقال أنا أخذت البلاد بسيفى لا بغيرى وكان إذا غضب خرج إلى الفضاء ويقول إن الغضب إذا خزنته زاد فإن كان جائعا أكل أو بعيد عهد بالجماع جامع ويقول آفة العقل الغضب ولا يصلح للملك من يتعاطى ما يضر عقله وأول ما وقع له القتال مع نوروز بن أرغون الذى كان حسن له الإسلام فإن نوروز خرج عليه فحاربه ثم لجاء نوروز إلى قلعة خراسان ثم إن غازان قتل الأكراد الذين قاموا مع نوروز وكان جملة من قتل منهم فى المعركة خمسين ألفا وأسر منهم أسرا كثيرا حتى بيع الصبى الجميل المراهق ومن هو أكبر منه باثنى عشر درهما ثم إن غازان طرق البلاد الشامية فى سنة 699 وكانت ملحمة عظيمة ظفر فيها غازان ودخل دمشق وخطب له بها واستمرت له الخطبة أياما وحصل فى تلك الأيام لأهل الشام من القتل وسبي الحريم والذرية والتعذيب مالا يوصف بسبب ماصودروا به من الأموال وهلك خلائق من العذاب والجوع ثم رجع ثم عاد مرة أخرى سنة 700 فأوقع ببلاد حلب ثم أرسل بعض أمرائه بالعساكر
إلى مصر فوقعت على عسكره كسرة عظيمة وقتل منهم من لا يحصى وكان ذلك فى سنة 703 ولما بلغ ذلك غازان حصل له غم شديد كان سبب موته كما قال ابن حجر فمات فى شهر شوال سنة 703 ثلاث وسبعمائة قال الذهبى كان شابا عاقلا شجاعا مهيبا مليح الشكل مات ولم يتكهل واشتهر أنه سم فى منديل يمسح به بعد الجماع فتعلل وهلك انتهى وقد امتحن أهل الشام بهذا على رأس القرن السابع كما امتحنوا هم وغالب بلاد الاسلام بجده الأعلى على رأس القرن السادس وكما امتحنوا بتيمورلنك على رأس القرن الثامن وكلهم من التتار والحكم لله القادر المختار

(1/497)


السيد غالب بن مساعد شريف مكة وأميرها
عند تحرير هذه الأحرف ولى الإمارة بعد أبيه مساعد أخوه سرور ابن مساعد الذى طار صيته فى الآفاق وبلغ من المجد والسعى فى أعمال الخير وتأمين السبل ما لم يبلغ إليه أحد من آبائه ولقد كانت أحاديث الوافدين للحج إلى بيت الله الحرام تخبر عنه بأخبار تسر القلوب وتشنف الأسماع وتروح الطباع وكان عظيم السطوة شديد الصولة قامعا للفساد راعيا لمصالح العباد كثير الغزو لمردة الأعراب الذين يتخفطون الناس فى الطرقات ثم مات فى شهر رجب سنة 1202 اثنتين ومايتين وألف وقام مقامه أخوه عبد المعين ثم رغب عن الأمر لصاحب الترجمة بعد أيام يسيرة من ولايته فقام به هذا أتم قيام وهو الآن في سن الشباب حسبما نسمعه من الحجاج وله شغلة عظيمة بصاحب نجد عبد العزيز بن سعود المستولى الآن على البلاد النجدية وغيرها مما هو مجاور لها وكثيرا ما يجمع صاحب الترجمة

(1/498)


الجيوش ثم يغزو أرض نجد فيصل أطرافها فيبلغنا أنه يقوم لحربه طايفة يسيرة من أطراف البلاد فيهزمونه ويعود إلى مكة وآخر ما وقع منه ذلك سنة 1212 فإنه جمع جيشا كثيرا وغزا نجدا وأوقع ببعض البلاد الراجعة إلى سلطان نجد المذكور فلم يشعر إلا وقد دهمه جيش لا طاقة له به أرسله صاحب نجد فهزمه واستولى على غالب جيشه قتلا وأسرا بل جائت الأخبار بأنه لم يسلم من جيش صاحب الترجمة إلا طائفة يسيرة وقتل جماعة من أشراف مكة فى المعركة وتمت الهزيمة إلى مكة ولو ترك ذلك واشتغل بغيره لكان أولى له فإن من حارب من لا يقوى لحربه جر إليه البلوى فإن صاحب نجد تبلغ عنه قوة عظيمة لا يقوم لمثلها صاحب الترجمة فقد سمعنا أنه قد استولى على بلاد الحسا والقطيف وبلاد الدواسر وغالب بلاد الحجاز ومن دخل تحت حوزته أقام الصلاة والزكاة والصيام وسائر شعائر الإسلام ودخل فى طاعته من عرب الشام الساكنين ما بين الحجاز وصعدة غالبهم إما رغبة وإما رهبة وصاروا مقيمين لفرائض الدين بعد أن كانوا لا يعرفون من الإسلام شيئا ولا يقومون بشىء من واجباته إلا مجرد التكلم بلفظ الشهادتين على مافى لفظهم بها من عوج وبالجملة فكانوا جاهلية جهلاء كما تواترت بذلك الأخبار إلينا ثم صاروا الآن يصلون الصلوات لأوقاتها ويأتون بسائر الأركان الإسلامية على أبلغ صفاتها ولكنهم يرون أن من لم يكن داخلا تحت دولة صاحب نجد وممتثلا لأوامره خارج عن الإسلام ولقد أخبرنى أمير حجاج اليمن السيد محمد بن حسين المراجل الكبسى أن جماعة منهم خاطبوه هو ومن معه من حجاج اليمن بأنهم كفار وأنهم غير معذورين عن الوصول إلى

(1/499)


صاحب نجد لينظر في إسلامهم فما تخلصوا منه إلا بجهد جهيد وقد صارت جيوش صاحب نجد فى بلاد يام وفى بلاد السراة المجاورين لبلاد أبي عريش ومن تبعه من هذه الأجناس اغتبط بمتابعته وقاتل من يجاوره من الخارجين عن طاعته فبهذا السبب صار معظم تلك البلاد راجعا إليه وتبلغنا عنه أخبار الله أعلم بصحتها من ذلك أنه يستحل دم من استغاث بغير الله من نبى أو ولى وغير ذلك ولا ريب أن ذلك إذا كان عن اعتقاد تأثير المستغاث كتأثير الله كفر يصير به صاحبه مرتدا كما يقع فى كثير من هؤلاء المعتقدين للأموات الذين يسألونهم قضاء حوائجهم ويعولون عليه زيادة على تعويلهم على الله سبحانه ولا ينادون الله جل وعلا إلا مقترنا بأسمائهم ويخصونهم بالنداء منفردين عن الرب فهذا أمر الكفر الذى لا شك فيه ولا شبهة وصاحبه إذا لم يتب كان حلال الدم والمال كسائر المرتدين ومن جملة ما يبلغنا عن صاحب نجد أنه يستحل سفك دم من لم يحضر الصلاة فى جماعة وهذا إن صح غير مناسب لقانون الشرع نعم من ترك صلاة فلم يفعلها منفردا ولا فى جماعة فقد دلت أدلة صحيحة على كفره وعورضت بأخرى فلا حرج على من ذهب إلى القول بالكفر إنما الشأن فى استحلال دم من ترك الجماعة ولم يتركها منفردا وتبلغ أمور غير هذه الله أعلم بصحتها وبعض الناس يزعم أنه يعتقد اعتقاد الخوارج وما أظن ذلك صحيحا فإن صاحب نجد وجميع أتباعه يعملون بما تعلموه من محمد بن عبد الوهاب وكان حنبليا ثم طلب الحديث بالمدينة المشرفة فعاد إلى نجد وصار يعمل باجتهادات جماعة من متأخرى الحنابلة كابن تيمية وابن القيم وأضرابهما وهما من أشد الناس على معتقدى الأموات وقد رأيت كتابا من صاحب

(1/500)


نجد الذى هو الآن صاحب تلك الجهات أجاب به على بعض أهل العلم وقد كاتبه وسأله بيان ما يعتقده فرأيت جوابه مشتملا على اعتقاد حسن موافق للكتاب والسنة فالله أعلم بحقيقة الحال وأما أهل مكة فصاروا يكفرونه ويطلقون عليه اسم الكافر وبلغنا أنه وصل إلى مكة بعض علماء نجد لقصد المناظرة فناظر علماء مكة بحضرة الشريف فى مسائل تدل على ثبات قدمه وقدم صاحبه في الدين وفى سنة 1215 وصل من صاحب نجد المذكور مجلدان لطيفان أرسل بهما إلى حضرة مولانا الإمام حفظه الله أحدهما يشتمل على رسائل لمحمد بن عبد الوهاب كلها فى الإرشاد إلى إخلاص التوحيد والتنفير من الشرك الذى يفعله المعتقدون في القبور وهى رسائل جيدة مشحونة بأدلة الكتاب والسنة والمجلد الآخر يتضمن الرد على جماعة من المقصرين من فقهاء صنعاء وصعدة ذاكروه فى مسائل متعلقة بأصول الدين وبجماعة من الصحابة فأجاب عليهم جوابات محررة مقررة محققة تدل على أن المجيب من العلماء المحققين العارفين بالكتاب والسنة وقد هدم عليهم جميع ما بنوه وأبطل جميع ما دونوه لأنهم مقصرون متعصبون فصار ما فعلوه خزيا عليهم وعلى أهل صنعاء وصعدة وهكذا من تصدر ولم يعرف مقدار نفسه وأرسل صاحب نجد مع الكتابين المذكورين بمكاتبة منه إلى سيدى المولى الإمام فدفع حفظه الله جميع ذلك إلى فأجبت عن كتابه الذى كتب إلى مولانا الإمام حفظه الله على لسانه بما معناه أن الجماعة الذين أرسلوا إليه بالمذاكرة لا ندرى من هم وكلامهم يدل على أنهم جهال والأصل والجواب موجود ان فى مجموعى وفي سنة 1217 دخلت بلاد أبى عريش وأشرافها فى طاعة

(2/1)


صاحب نجد ثم تزلزلت الديار اليمنية بذلك واستولى أصحابه على بعض ديار تهامة وجرت أمور يطول شرحها وهي الآن فى سريان وقد أفردت ما بلغنا من ذلك فى مصنف مستقل لأن هذه الحادثة قد عمت وطمت وارتجفت لها أقطار الديار الشامية والمصرية والعراقية والرومية بل وسائر الديار لا سيما بعد دخول أصحاب النجدى مكة المشرفة وطرد أشرافها عنها ولله أمر هو بالغه ثم فى سنة 1222 وصل إلينا جماعة من صاحب نجد سعود بن عبد العزيز لبعضهم معرفة فى العلم ومعهم مكاتيب من سعود إلى الإمام المنصور بالله رحمه الله تعالى وإلى أيضا ثم وصل جماعة آخرون كذلك في سنة 1227 ثم وصل جماعة آخرون كذلك فى سنة 1228 ودار مع هؤلاء الواردين ومع غيرهم من المكاتبة مالا يتسع المقام لبسطه ثم بعد هذا فى سنة 1229 خرج باشة مصر الباشا محمد على بجنود السلطان ووصل إلى مكة وأسر الشريف غالب وجهزه إلى الروم ثم بلغ موته هنالك وهذا عارض من القول فلنرجع إلى ترجمة الشريف غالب فنقول ومما ينبغى ذكره ههنا أنه وصل من الشريف المذكور فى عام تحرير هذا الأحرف وهو سنة 1213 فى شهر رجب منها كتاب إلى مولانا خليفة العصر المنصور بالله على بن العباس حفظه الله يتضمن الإخبار بالرزية العظمى والمصيبة الكبرى والبلية التى تبكى لها عيون الإسلام والمسلمين وهى استيلاء طائفة من الفرنج يقال لهم الفرنسيس على الديار المصرية جميعها ووصولهم إلى القاهرة وحكمهم على من بتلك الديار من المسلمين وهذا خطب لم يصب الإسلام بمثله فان مصر ما زالت بأيدى

(2/2)


المسلمين منذ فتحت في زمن عمر بن الخطاب رضى الله عنه إلى الآن ولم نجد في شىء من الكتب التاريخية ما يدل على أنه قد دخل مدينة مصر دولة كفرية والإفرنج الذين وصلوا إليها فى أيام العاضد ووزيره شاوور وكذلك الذين وصلوا إليها في دولة بنى أيوب لم يدخلوا مدينة مصر بل غاية ما بلغوا إليه دمياط ونحوها وما زالت تلك المدينة وسائر بلادها محروسة عن الدول الكفرية فإن التتار دوخوا جميع بلاد الإسلام ولم يسلطهم الله على مصر بل عادوا عنها خائبين مقهورين مهزومين وكذلك تيمورلنك مع تدويخه لسائر الممالك لم يسلط عليهم والله ينصر الإسلام وأهله وأرسل الشريف فى طى كتابه بكتاب من سلطان الروم ثم بعد ذلك وصل من الشريف كتاب فيه التبشير باستيلاء المسلمين على من بالقاهرة فضلا عن الذين منهم بسائر الأقطار المصرية وبالإسكندرية وسنذكر ههنا كتاب السلطان ثم كتاب الشريف الأول ثم كتابه الثانى ثم الجواب من مولانا الإمام حفظه الله تكميلا للفائدة وتبيينا للقضية فإنها من الحوادث العظيمة التى ينبغى التعريف بها والإعلام بشأنها فلفظ كتاب السلطان ملك الروم إلى شريف مكة غالب بن مساعد هكذا وبعد فهذا مرسومنا المبجل الشريف وخطابنا المعظم المنيف لا زال نافذا بعون الله فى سائر الأرجاء والأقطار ما دام الفلك الدوار أصدرناه مبنيا على نظيم فرائد التحية والتسليم ومنصوبا على قلائد التبجيل والتكريم محتويا على قواعد صيانة الدين مؤكدا لمعاقد حماية سنن سيد المرسلين وآله وصحبه أجمعين أصدرنا إلى عالى جناب الأمير الأمجد المبجل الأجل الأوحد

(2/3)


المقتفى آثار أسلافه الأشراف من آبائه الغر صناديد آل عبد مناف وأجداده السعيدى السير الجميلى الأوصاف فرع الشجرة الزكية النبوية طراز العصابة العلوية المصطفوية قرة عين الزهراء البتول المحفوف بصنوف عواطف الملك الماجد حالا شريف مكة المشرفة الشريف غالب بن مساعد لا زالت العناية الربانية له ملاحظة والكلاية الصمدانية عليه حافظة والى قدوة العلماء وعمدة الفضلاء نائب مكة المشرفة وكافة السادات الأشراف الأجلاء الميامين ومفاتى المذاهب الأربعة والعلماء والأئمة المحترمين ووجوه كافة المسلمين من ساكنى بلد الله الأمين من حاضر وباد وفقهم الله إلى سبيل الرشاد يحيطون علما أن طائفة كفار الفرانسة جعل الله ديارهم دارسة وأعلامهم ناكسة قد نقضوا العهود وخانوا مواثيق المعبود وخرجوا من أطور الحدود وهجموا على بدوان مصر وسكانها على حين غفلة من أهلها فملكوا البلاد وأفشوا الكفر والفساد وخاضوا بحر الضلال والطغيان وتحشدوا تحت راية الشيطان وتمكن البغى فى أحشائهم وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم لا حاكم يردعهم ولا دين واعتقاد يجمعهم يعدون النهب غنيمة والنميمة أكمل شيمة قد اتفقت آراؤهم وارتبطت أشوارهم على الهجوم على سائر بلدان المسلمين وأقطار عباد الله الموحدين بأن أهل الإسلام قويين ولهم مزيد الصلابة فى الدين فإذا وصلنا أقطارهم وحللنا ديارهم فالضعيف منهم نباشره بالحرب والضرب والقتل والنهب والقوى منهم ننصب له شرائك المكر والحيل حتى تطمئن

(2/4)


خواطرهم وتأمن ضمائرهم إلى أن يقعوا في اشراكنا ونعمل فيهم ما شئنا من مقاصدنا ونلقى بين سائر المسلمين المكايد الخفية بالفساد لإيقاع العداوة المباينة للإتحاد في أحوالهم وأديانهم ولم يعلموا لعنهم الله أن الإسلام مغروس في قلوبنا والإيمان ممزوج بلحمنا ودمنا أكفر بعد إيمان أضلال بعد هدى كلا ورب الأرض والسماء ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وخصوصا في طوائف العرب لنبلغ فيهم أقصى مرام وأعز مطلب ونبذل الجهد في تخريج الرعايا من الإسلام عن طاعة من ولى عليهم من الحكام حتى يكون لنا الصولة العظمى ويصيرون الجميع لنا مغنما فينقطع بذلك سلك نظامهم وينفصم عقد انتظامهم فنملك حينئذ رقابهم وأموالهم فإن العرب أسرع ما يستولى على ديارهم لتفرقهم في أوديتهم من أقطارهم وغفلتهم عن حزم أحوالهم فإن أعظم ما يشتت جموع الإسلام ويفل حد سنانهم عن الانتظام هدم قبلتهم وحرق مساجدهم فإذا ظفرنا بأقطارهم وهدمت كعبتهم ومسجد نبيهم وبيت مقدس عزهم انقطع أملهم وتفرق شملهم وملكنا ديارهم فإن الأمور لا يدركها إلا اتفاق الجمهور فنقتل جميع رجالهم ومن يعقل من صبيانهم فحينئذ نقتسم ديارهم وأموالهم وأملاكهم ونحول بقية الناس إلى أصولنا وقواعدنا ولساننا وديننا فبه يمحى الإسلام وقواعده وشرائعه ويندرس رسومه وآثاره من وجه الأرض من شرقها وغربها وجنوبها وشمالها وعربها وعجمها فهذا ما اتفق رأى الفرنسيس اللعين من سوء المقاصد فى المسلمين جعل الله دائرة السوء عليهم فلا يستطيعون صرفا ولا نصرا ونرجو الله

(2/5)


أن يعاملهم بعدله في قوله ولا يحيق المكر السيىء إلا بأهله فهذا حال الفرانسة في إلحادهم وجدالهم وعنادهم وما اقتضاه فاسد اجتهادهم يريدون ليطفؤا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون فكيف لا يكون فرضا على كل أحد من مسلم موحد أن يشمر عن ساعد الجد ويبذل نفسه وماله فى مرضاة الواحد الفرد ويمتثل قول أصدق القائلين سارعوا الى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين ويكون رابحا في بيعه عن الخسران مستبشرا ببذل نفسه فى سبيل الرحمن لقوله إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون فى سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن إلى غير ذلك من الآيات البينات والأحاديث الصحيحة المروية عن الثقات مما يحث على نصرة الدين ويلم شعث الموحدين فالآن يا شريف مكة ويا سادات الأشراف وقادات العرب وحماة الدين وكماة المسلمين وغزاة الموحدين وأبطال الحروب الماحين بصوارم عزمهم عن الدين ظلام الكروب يا رجال الغارات ويا أركان الشريعة والعبادات ويا حفظة الدين والأمانات ويا باذلين النفوس عند انتهاك الحرمات ويا كافة إخواننا فى الدين والذين هم لشريعة ربهم ناصرين البدار البدار إلى طاعة الملك الغفار لمحافظة قبلتكم ومحتد نبيكم منشأ الإسلام ومسجد نبيكم ومواطن مضاعفة عبادتكم من ساحة بيت الله الحرام فالغيرة الغيرة والحمية الحمية من صولة أعداء الدين الذين هم عن كل ملة فارقين ولكتب رسل الله مكذبين فشدوا عزائمكم للقائهم

(2/6)


واحفظوا جهاتكم وسواحلكم ومنافذ بلدانكم وسارعوا إلى الرباط إلى حدود الكفرة اللئام ببندر جدة وينبع وما والا هما مما فيه صيانة المسلمين وحفظ أعراض الموحدين وكونوا عباد الله إخوانا ولا تنازعو فتفشلوا وفي سبيل الله أنفقوا وتجملوا وكونوا كلمتكم واحدة وأيديكم متناصرة ولتكن سيوفكم بارقة وسهامكم راشقة وأسنتكم فى الطعن متلاحقة ومدافعكم صاعقة ونبالكم إلى أفئدتهم متسابقة ولتقصدوا بذلك إعلاء كلمة الدين والذب عن بيت الله ومسجد رسول الله ونرجو الله أنكم مؤيدون بنصر الله محفوظون بروحانية رسول الله ولا يكون لكم تخلف عن ذلك ولا تراخ فى حفظ تلك المسالك ونحن فى طرف السلطنة السنية ننشر رايتنا العلية فبحول الله وقوته وباهر عظمته تملكهم عساكرنا المنصورة وتقطعهم سيوفنا المشهورة وقد سيرنا عليهم شجعانا لا يبالون بالموت لإعلاء كلمة الدين وغزاة يقتحمون على النار محبة في دين الله فنتعقب بقدرة الله أدبارهم لعل الله يرزقنا هلاكهم ودمارهم فنجعلهم إن شاء الله هباء منثورا كأن لم يكونوا شيئا مذكورا فبادروا أيها المسلمون إلى الرباط بجدة وينبع ومن تخلف فقد عصى الله وخالف أمرنا فإن ذلك أمرنا إليكم وحتمنا عليكم يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون واستجلبوا صالح الدعوات من عجازكم وصالحيكم وأفاضلكم عند البيت الحرام وقد قال تعالى انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم وقال المؤمنون كالبنيان يشد بعضهم بعضا وهذا يوم ينفع الصادقين صدقهم يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب

(2/7)


يردوكم بعد إيمانكم كافرين وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم يوم تسود وجوه وتبيض وجوه فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون وأما الذين ابيضت وجوههم ففى رحمة الله هم فيها خالدون تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق وما الله يريد ظلما للعالمين ولله ما فى السموات وما فى الأرض وإلى الله ترجع الأمور كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون لن يضروكم إلا أذى وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس وباءوا بغضب من الله ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون فالبدار البدار إلى ما أمرناكم من الرباط والحذار والحذار من خلاف ذلك هذا ما انتهى أمرنا إليكم لا زلتم موفقين بعون الملك المعين وصلى الله على

(2/8)


سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم انتهي كتاب السلطان لا برح في حماية الملك الديان وهذه صورة كتاب مولانا شريف مكة غالب بن مساعد إلى مولانا الإمام المنصور بالله على بن العباس حفظه الله وفى طيه كتاب السلطان السابق ذكره ولفظ كتاب الشريف الحمد لله الذى كل يوم هو فى شأن والصلاة والسلام على سيد ولد عدنان وعلى آله الطاهرين وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين ثم نهدى مزيد سلام نشأ من خالص الفؤاد وأعرب عن صدق المحبة والاتحاد مع تحيات طاب نشرها من المآثر العظام وبيت الله الحرام وزمزم والمقام إلى الحضرة الباهرة المنصورية والعقوة الزاهرة الهاشمية والسدة العلية العلوية ساحة الخلافة اليمنية واسطة نظام السادة الحسنية الجناب العالى الكريم والماب الغالى الوسيم أخينا الأكرم وعالى الهمم الإمام ابن الإمام حضرة الإمام المنصور وفقه الله لصلاح الجمهور ولا زالت العناية الربانية له ملاحظة والكلاية الصمدانية عليه حافظة آمين بجاه سيد المرسلين وبعد اهداء شريف السلام واسداء واجب التحية والإكرام فالسؤال عن حالكم كثير لموجب مالكم عندنا من جميل الوداد الوافر وإن سألتم عنا فنحمده سبحانه على جزيل فضله وعظيم امتنانه طيبين بخير وعافية ونعمة من المولى وافية والذى نبديه إلى مسامعكم العلية وأفهامكم الزكية من الأمور الحادثة في الوجود وجزيل أحكام الملك المعبود لموجب احتياج أهل الإسلام إلى الترفهات عن نهج المهام وترك حزم الأمور وغفلتهم عن حفظ الثغور حتى صار

(2/9)


ما صار من شرذمة أهل البغى والإنكار من التهجم على بلاد أسكندرية ومصر القاهرة بجنود من البحر على سفاين متواترة وهم طائفة من جمهور الفرانسة والملة الباغية التى بفضل الله أعلامهم ناكسة لمشاهدتهم فى أحوال المسلمين ترك الثغور عن التحصين فهجموا على تلك البلاد فلم يجدوا لجامحهم مدافع ولا راد فأفسدوا كافة من بجوارها من العربان بأنواع السياسة الموهمة بأنهم من طائفة السلطان وأبرزوا للبوادي كتبا مزورة بألفاظ عربية بتعظيم الله ورسوله مصدرة حتى انقادوا له بالطاعة ظنا منهم بأنهم من جنود الدولة المطاعة وليس يخفى عليكم حال البوادى الطغام الذين لا يعقلون إن هم إلا كالأنعام فسلكو بهم الطريق وصاروا للمشركين أعظم مساعد وأعز رفيق فجرى قدر ربنا سبحانه باستدراج جند الشيطان أرباب الخيانة بتملكهم للقاهرة ودخولهم إلى مصر بحكمته الباهرة فلاراد لقضائه ولا محيص عما ارتضاه فهو الملك المختار وله المشية فيما يختار فحينئذ بلغ ذلك الخبر حضرة سلطان الإسلام أدحض الله بصوارم سطوته جنود اللئام فجهز عليهم من أبطال الأجناد ما يعجز عن حصره جموع الأعداد وسير عليهم من جيوش الإسلام ووزرائه العظام وجعل مقدمهم الوزير الشهير الجزار أحمد باشا بلغه الله من الخير ماشا فاجتمعت عليه طوائف العربان وتحشدت تحت رايته كافة أهل الإيمان وهرع إلى جهادهم المسلمون من كل مكان حتى أقطارنا الحرمية ظهرت منا للجهاد سبعة آلاف يردون فى طاعة الله موارد الموت والإتلاف ونرجو العظيم من فضله العميم أن يؤيد بالنصر أجناد الموحدين ويبدد بالقهر شمل الكفرة الملحدين

(2/10)


والحمد الله قد وردت إلينا الأخبار بتضايق حال المشركين من الحصار لتزاحف جنود أهل الإسلام وإحاطتهم بجميع المنافذ المصرية والمسام فانتظم أمر التجهيز وانتدب لنصرة الإسلام كل ذليل وعزيز ولينصرن الله من ينصره ان الله لقوى عزيز وفى هذا الأوان ورد الينا هذا الفرمان الصادر اليكم منه صورتان المعلن بدواعي الفلاح والمحرض لكافة المسلمين على ما يرجى منه النجاح من استعداد القوة للمصادمة والكفاح كما هو متحتم على أهل الإسلام خصوصا فى مثل هذه الأيام ومن أعظم الشيم والمروءة امتثال قول الله تعالى وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة فبذل غاية المجهود لمحافظة الثغور وتحصين الحدود والمرابطة فى بلدان السواحل والذب على الأديان بسهم المرامى وبيض الصواهل أمر محتوم على كافة ملوك الإسلام وسائر القبائل فوصلكم صورة الأمر الشريف والخطاب المنيف وما القصد من أرساله إلا تنبيهكم لحفظ البلاد والتحذير من ارباب الكفر والعناد كما هو مصرح في الفرمان السلطانى من ذكر مكايد الكفرة فى جميع المغانى ولا يعزب عن فهمكم الثاقب أن ملوك الروم أحس بما يبنى الكفرة أمورهم من المعاطب فحثوا على المرابطة جميع المسلمين وقووا ثغور بلدانكم بالتحصن الرصين من البنيان وتشييد بروج المناتق بدوى البأس من الفتيان فان بحر الهند تجرى فيه سفاينهم وقد ظهرت فيه بأحد المواسم ضرايرهم فيجب بن عزيز جنابكم كمال التحرى لدفع مفاسدهم والاستعانة بالله تعالى فى ادحاض مكايدهم ومن اكد اللوازم نشر هذين الفرمانين فى كافة أقطار أوامركم وأقصى ما يحادد بلدانكم ومحاكمكم هذا ما عن

(2/11)


لنا به الأخبار لا زلتم في كلاية الملك الستار وإن شاء الله عن قريب نفيدكم بمسرة نصرة الإسلام فالمرجو من جنابكم عدم اخراجنا من الضمير المنير بأسنى صحة اخباركم لا سيما تفيدوا بما تجدد وحدث وبلغكم من الإعلام والأخبار ودمتم سالمين وبعين عناية الله ملحوظين وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم انتهى كتاب الشريف عافاه الله وهذه صورة كتاب آخر وصل من الشريف غالب بن مساعد حماه الله بعد وصول الكتاب الأول ولفظه نهدى سلاما أعبق الكون شذاه وأخجل البدر بحسن طلعته ورياه وتحيات مكية الأرج مدنية المدد تحمل النصر والفرج إلى جناب معدن الخلافة العلوية ومنبع الكمالات الحسنية وطراز عصابة الهواشم وصفوة القادة الفواطم من دانت له رقاب الفراعنة فى أفطاره وخضعت له رؤس الأكابر فى جميع أمصاره ذى الأخلاق الرضية والشمائل المرضية المنظور بعين عناية الله المبين والمنصور بسلطانه فى كل حين أخينا وعزيزنا الإمام ابن الإمام أمير المؤمنين المنصور بالله رب العالمين أدام الله له الإقبال وبلغه بجاه جده الآمال وبعد فباعث تحريره وموجب تنميقه وتصديره حمد الله سبحانه على نعمه وآلائه ومننه ونعمائه والسؤال عن جنابكم والتفحص عن أخباركم بإعلان الدعاء وتبيان صدق الوفاء وثانيا غير خافي جنابكم أنه قبل هذا صدر منا اليكم كتاب بأخبار حوادث المشركين بمصر وصورة جميع ما ورد الينا من الخطاب المعلن بنصح مضمونه نهج الصواب وله الحمد سبحانه على جزيل فضله وعظيم امتنانه الذى أعان على الحق أعوانه بنصر عباده

(2/12)


المسلمين وتمام احسانه والذى نبديه إلى مسامعكم الزكية أنه ورد الينا يوم تاريخه نجاب من جانب مصر ببشاير النصر وأهنأ الخطاب وذلك أن أمير الجمهور الفرنساوى اللعين جمع كافة أعيان رعايا مصر المسلمين وضبط عليهم جميع البيوت والحارات وحط على كل بيت من المسلمين شيئا من المبالغ والبليصات بحيث لا طاقة لأهل الإسلام على تسليم ما فرض عليهم من الجور العام وقد حدد عليهم جمع تلك الأموال في نهارين وواعد من لم ينجز وعده بالهلاك والشين فخرج من عنده المسلمون في حيرة واجتمعو فى أماكنهم لأجل التشاور والبصيرة فألهم الله قلوبهم الإسلامية ووفق حميد آرائهم الإيمانية بالهجوم من كل جانب على المشركين وبذلوا نفوسهم لمرضاة رب العالمين فخرجت كافة رعايا المسلمين من منازلها وهجمت على المشركين فى أماكنها وصار الجهاد خلال بيوتهم والقتال فى مجامع المشركين ودورهم وابتهجت مصابيح وجوه الإسلام وسطعت صوارم سيوفهم في أعناق الكفرة اللئام وأيد الله جنود الرعايا المسلمين بعظمته الباهرة وأهلك بسيوفهم كافة المشركين بالقاهرة وكان ذلك يوم حادى عشر جمادى الأولى وله الحمد فى الآخرة والأولى فأرسلت الرعايا المنصورين نجاجيب الرعية لأمراء مصر المخدمين وكان أقربهم بمسيرة يوم عن الجلاد محبنا الأمير مراد ففزع بكافة من حوله من العشائر والأجناد ودخل بلاد مصر يوم ثانى عشر شهر جماد ظفر بقتل من بقى من الكفار وانتظم شمل المسلمين بصفاء الدار فلله مزيد الحمد والثناء على تلك المسرة والهناء فلقصد مسرتكم على الفور حررنا هذا الرقيم لحصول الخبر على نصر المسلمين

(2/13)


القويم هذا ما عن لنا به اخباركم لا زلتم فى حفظ مولاكم ودمتم سالمين ومهما تجدد عرفناكم وما حدث تعرفونا به وتكون الأخبار بيننا غير منقطعة هذا محمد وآله وصحبه وسلم قال حرر فى خامس شهرنا جماد سنة 1213 ثم قال عقيب هذا مالفظه ولا يخفاكم من حال داواتنا المتعودة بالوفود إلى مراسى بنادركم لا تزال دائما متأخرة فى شحنتها إلى بندر جدة ونرجو الله بهمتكم يستدرك الآمال وينتظم مراجينا فى كل حال فالمرجو من حميد توجهات هممكم العالية بروز أمركم لكافة من كان بالبنادر البحرية من أمارائكم بأن تكون داواتنا مقدمة فى التشحين قبل كل داو وغراب ويكون جارية تلك القاعدة بهمتكم فى جميع مراسيكم كما هو المأمول من جنابكم والمسئول من مزايا أخلاقكم ونرجو الله أن رجانا غير مردود وفضل الله غير محدود هذا ما عن لنا التماسه دمتم بالخير انتهى هذا الكتاب والذى قبله منقولان من الخط الذى عليه علامة الشريف غالب بن مساعد دامت معاليه وهذا جواب مولانا الإمام خليفة العصر المنصور بالله حفظه الله وهو جواب عن مجموع كتابى الشريف والمنشىء له على لسان مولانا الإمام هو الحقير مؤلف هذه التراجم التى اشتمل عليها هذا الكتاب عن أمر مولانا الإمام حفظه الله وهو على نمط ما قبله من كتابى الشريف في عدم انتخاب أعلى طبقات بلاغات الكتاب إذ المقام مقام مكالمة فى رزية في الدين ومصيبة عمت المسلمين فمعظم المراد وغاية القصد هو الإفهام بلسان الأقلام لا التأنق فى تحرير الكلام على أتم نظام ولفظ جواب مولانا الإمام لا برح في حماية الملك العلام

(2/14)


كتب الله لأغلبن أنا ورسلى ان الله قوى عزيز سلام تتضمخ أردان الأمصار بنوافح نشره وتتعطر أكوان الأعصار بروائح بشره وتتضاحك ثغور الأزهار لشميم شذاه وتتمايل قدود الأبكار لنسيم رياه وتطلع أنوار بدوره فى سماء المعاهد الشريفة المعظمة وتسطع وتسطع أشعة شموسه فى فلك المشاهد المنيفة المفخمة يخص حضرة جناب سليل الهواشم ويحل بساحة نبيل الدوحة المطهرة من أبناء الفواطم مقيم شعار الجهاد هادم أركان الفساد والعناد أخينا الأكرم حبيبنا الطاهر الشيم أمير الشرفاء شريف الأمراء كبير العظماء عظيم الكبراء الشريف الأوحد غالب بن مساعد أدام الله اسعاده وثبت من ملكه اطنابه وأوتاده وكثر اعداده وأجناده وأباد حساده وأضداده وتولى بعون عنايته اصداره وإيراده وبعد حمد واجب الوجود وشكر مفيض الكرم والجود والصلاة والسلام على حامل لواء شرايع الإسلام القايم بإعباء الرسالة أنهض قيام وعلى آله الناشرين لأعلام الدين القامعين بسطواتهم رءوس المعاندين وعلى أصحابه القاصمين حبائل الكفران الفاصمين عقد الشرك والطغيان فإنه وصل من جنابكم العظيم ومقامكم الفخيم كتاب كريم يحكى ما صنعت أيدى الكفر بمصر صانها الله عن كل نكر فياله من حادث يبلبل الألباب ويجلب من الأحزان ما لم يكن فى حساب فلقد أبكى وأنكى وروع وأوجع وأقام وأقعد وشتت شمل كل أنس وبدد وواهاله من خطب يصك مسامع الإسلام ويخدد الخدود بفيض مدامع الأنام لا سيما وتلك ديار مطهرة عن أدناس الكفران مقدسة عن أرجاس الطغيان معمورة بالإيمان وعبادة الملك الديان على مرور الأزمان

(2/15)


منذ افتتحتها سيوف حزب الله ومحت أردان كفرانها صوارم أصحاب رسول الله فلقد أظلم الخطب وادلهم الكرب وضاقت الصدور وغلت من الأحزان قدور ورغب إلى النفير إلى سبيل الله الصغير والكبير وتشوق إلى جهاد أعداء الله كل جليل وخطير وكيف لا وهذه نازلة قد نزلت بالإسلام والمسلمين وفادحة قد عمت المؤمنين أجمعين لأنها فى الدين ومن بعدت عنه ديارها فقد أحرقت قلبه وقالبه نيارها ولقد كنا على عزم شن الغارة وإرسال طائفة من جنودنا المختارة ليكونوا من الفائزين بجهاد الكافرين والظافرين بثواب هذه الطاعة التى هى سنام الدين كما صح ذلك عن سيد المرسلين وأما الثغور فى جهاتنا فهى بحمد الله محفوظة وبعين العناية الربانية ان شاء الله ملحوظة فقد وكلنا بحفظها من الأجناد من يقوم بهم الكفاية في الإصدار والإيراد وعند ذلك العزم المتين وافى كتابكم الآخر المشير بالفتح المبين الحاكى لاستئصال شأفة الكافرين أجمعين فأنشدنا لسان حال السرور وحدى بنا حادى الحبور الذى عم الجمهور ( هناء محى ذاك العزا المتقدما *** فما عبس المحزون حتى تبسما ) فلقد انجابت ظلمات الهموم وتقشعت غيوم الغموم وابتلجت الخواطر وقرت النواظر وعند بلوغ تلك الأخبار اشعرنا هذه المسار الكبار بما شاع فى جميع الأقطار وذاع بين البوادى والحضار فيالها من مسرات شدت من عضد الدين وفتت سواعد الملحدين وقصمت ظهور الكافرين وقلقلت معاهد المعاندين واللهم إنا نحمدك حمدا لا يحيط به الحصر ونشكرك على ما منحت أمة نبيك من هذا الفتح والنصر وما

(2/16)


لمحت إليه أيها الجناب العظيم والأخ الفخيم الكريم من أمر الداوات فما زالت أوامرنا إلى نوابنا فى الجهات برفع الظلامات والأعمال بالنيات وغير خاف على ذهنكم السليم وفكركم الراجح القويم أن من العدل الذى قامت به الأرض والسموات أن يستوى القوى والضعيف والوضيع والشريف فى أنواع المكاسب والتجارات كما حكم بذلك باري البريات ولا زلتم فى حفظ الله محوطين بعين كلايته ورعايته وحمايته وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم حرر يوم تاسع عشر من شهر رجب سنة 1213 انتهى جواب مولانا الإمام حفظه الله وقد وصلت من الشريف فيما يتعلق بهذه القضية كتب كثيرة بعد هذا إلى مولانا الإمام حفظه الله وأنشأ راقم الأحرف جواباتها عن أمر مولانا الإمام والمقام لا يتسع لبسطها وبعد الإرسال بهذا الجواب من حضرة الخلافة إلى حضرة الشريف جاءت الأخبار من أهل بنادر اليمن بأن الأفرنج اقماهم الله باقون بمصر والإسكندرية وسائر تلك الأعمال وقد صارت الدولة دولتهم هنالك فلا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم ولم يبلغ ما فعله المقدمون من جهة السلطنة إلى حال تحرير هذه الأحرف في خواتم شهر شوال سنة 1213 ولعل وراء الغيب أمرا يسرنا اللهم انصر الإسلام والمسلمين يا مجيب الداعين وسيأتى فى ترجمة يوسف باشا ذكر بعض ما جرى وما دار من المكاتبة ويأتى ايضا هنالك أنه كان خروج الفرنج من مصر سنة 1216 فالحمد لله رب العالمين وأما الشريف غالب فلما استولى صاحب نجد على مكة والمدينة تابعه ودخل تحت أمره ونهيه واستمر نايبا له منذ دخول جيوشه مكة وكان

(2/17)


القادم بالجيوش سعود بن عبد العزيز بن محمد بن سعود ثم مات عبد العزيز وصار الأمر بعده إلى ولده سعود وما زال يأتى للحج فى كل عام إلى سنة 1218 فخرج باشة مصر الباشا محمد على بجنود متكاثرة واستولى على مكة والمدينة عن مواطأة بينه وبين الشريف غالب ثم لما استقر بمكة قبض على الشريف غالب واستولى على جميع أملاكه وذخائره وهى كثيرة جدا وأرسله فى سفينة هو وخواص أهله إلى الروم والله أعلم ما كان آخر أمره فإنه لم يبغلنا لى الآن خبر صحيح مما كان من أمره بعد اخراجه من مكة وادخاله إلى تلك الديار والباشا محمد على مستقر فى مكة وجدة إلى الآن وهى سنة 1229 والحرب بينه وبين اهل نجد مستمرة ومات في هذا العام امير العرب صاحب نجد وهو سعود بن عبد العزيز وقام مقامه ولده عبد الله بن سعود وما زال يجهز الجند إلى مكة ومن بها والحرب بينهم سجال

(2/18)


حرف الفاء
الشريفة فاطمة بنت الإمام المهدي أحمد بن يحيى المتقدم ذكره هى مشهورة بالعلم ولها مع والدها مراجعات فى مسائل كمسئلة الخضاب بالعصفر فانه قال ان فاطمة ترجع إلى نفسها فى استنباط الأحكام وهذه المقالة تدل على أنها كانت مبرزة فى العلم فإن الإمام لا يقول مثل هذه المقالة إلا لمن هو حقيق بها وكان زوجها الإمام المطهر يرجع إليها فيما يشكل عليه من مسائل وإذا ضايقه التلامذة في بحث دخل إليها فتفيده الصواب فيخرج بذلك إليهم فيقولون ليس هذا منك هو من خلف الحجاب وماتت قبل والدها رحمه الله وقد تقدم تاريخ موته
فاطمة بنت القاضى كمال الدين محمود بن شيريز الحنفى المدعوة ستيته
ولدت سادس المحرم سنة 855 خمس وخمسين وثمان مائة بالقاهرة ونشأت فتعلمت الكتابة وتزوجت الناصر محمد بن الطنبنا واستولدها أولادا ثم مات عنها فتزوجها على بن محمد بن بيبرس حفيد ابن اخت الظاهر برقوق فاستولدها ولها نظم وحسن فهم وحجت مرارا وجاورت ومن نظمها قصيدة كتبتها إلى السخاوى مطلعها ( قفا واسمعا منى حديث احبتى *** فأوصاف معناهم عن الحسن جلت ) كتبت إلى قاضى مكة بقصيدة مطلعها ( يا بدر تم ازال الشك عن راي *** انعم بقرب حبيب فيك عن راي ) ولها مكاتبات إلى جماعة من الأدباء والأعيان والأكابر ومن ذلك أن الشهاب المنصوري كتب إلى الزين سالم ببيتين هما ( أيا سيدا قد أحسن الخالق اسمه *** وجمله والله بالخلق عالم ) ( أعن بيد فيها أياد لسائل *** ولا تخش حسادا فإنك سالم ) فقالت صاحبة الترجمة فى هذا المعنى ارتجالا ( أيا سيد اعم الخلائق بره *** وإحسانه فرض تضاعف لازم ) ( أعن سائلا يأتيك والدمع سائل *** ولا تخش من سوء فإنك سالم ) وكان ذلك بحضرة جماعة من الأدباء ففضلوا ما قالته على ما قال الشهاب واعترف الشهاب بذلك واستمرت على نظم الأدب ومدح
أرباب الرتب حتى ماتت فى سنة 941 إحدى وأربعين وتسعمائة بالقاهرة ودفنت بالقرافة

(2/19)


فرج بن برقوق الجركسى الملقب الناصر
ولد سنة 791 إحدى وتسعين وسبعمائة فى أيام الفتنة التى وقعت لوالده حسبما تقدم في ترجمته فسماه فرج استقر في السلطنة بعهد من أبيه اليه بعد موته في شهر شوال سنة 801 وسنه دون عشر سنين واختلف مماليك أبيه عليه وجرت له حروب مع المؤيد شيخ فانهزم هذا وفر على الهجن إلى دمشق فدخلها وتحصن بقلعتها فتبعه شيخ ومن معه فحاصروه إلى أن نزل إليهم بالأمان فاعتقل وذلك في صفر سنة 815 واستفتوا العلماء فافتوا بوجوب قتله لما كان يرتكبه من المحرمات والمظالم والفتك العظيم فقتل فى ليلة السبت سابع عشر شهر صفر المذكور وكان سلطانا مهيبا فارسا كريما فتاكا ظالما جبارا منهمكا على الخمر واللذات طامعا فى أموال الناس وقد كان خلع في سنة 808 بأخيه المنصور عبد العزيز نحو شهرين ثم أعيد في جمادى الآخرة منها وأمسك اخاه فحبسه ثم قتله والعجب أن هذا السلطان المشتمل على هذه الأوصاف هو المحدث للمقامات فى بيت الله الحرام التى كانت سببا لتفريق الجماعات واختلاف القلوب والتباين الكلي فى اشرف بقاع الأرض فإنا لله وإنا إليه راجعون وليس العجب من صاحب الترجمة فإنها إحدى مساويه وجهالاته ولكن العجب من تقرير من بعده لذلك وسكوت العلماء إلى الآن وقد ذكر قطب الدين الحنفى فى الأعلام ما يدل على أنه أنكر هذه المقامات علماء ذلك العصر فقال فى ترجمة السلطان سليم خان سلطان الروم
ما لفظه إن تعدد المقامات فى مسجد واحد لاستقلال كل مذهب بإمام ما أجازه كثير من العلماء وأنكروه غاية الإنكار في ذلك العهد ولهم فى ذلك العصر رسالات متعددة بأيدى الناس إلى الآن وأن علماء مصر افتوا بعدم جوازم ذلك وخطأوا من قال بجواز ذلك انتهى

(2/20)


فضل الله بن عبدالله بن عبد الرزاق بن إبراهيم بن مكانس المجد ابن الفخر المصرى القبطى الحنفى المعروف بابن مكانس ولد فى شعبان سنة 769 تسع وستين وسبعمائة ونشأ فى عز ونعمة فى كنف أبيه فتخرج وتأدب ومهر ونظم الشعر وهو صغير جدا فإن أباه كان صحب البدر البشتكى فانتدبه لتأديبه فخرجه فى أسرع مدة فنظم الشعر الفائق وباشر فى حياة ابيه توقيع الدست بدمشق وكان أبوه وزيرا هنالك ثم قدم القاهرة فلما مات أبوه ساءت حاله ثم خدم فى ديوان الإنشاء وتنقلت رتبته فيه إلى أن جاءت الدولة المؤيدية فامتدح المؤيد بقصائد فأحسن القاضي ابن البارزى السفارة له عنده بحيث أثابه ثوابا حسنا وشعره فى الذروة العليا وهو احد المجيدين من المتأخرين مع قلة بضاعته فى العربية ولذلك يقع له اللحن نادرا وقد جمع ديوان أبيه ورتبه ولأبيه فيه موريا باسمه ( أرى ولدي قد زاده الله بهجة *** وكمله في الخلق والخلق مذنشا ) ( سأشكر ربى حين أوتيت مثله *** وذلك فضل الله يؤتيه من يشا ) ومن نظم صاحب الترجمة مهنيا لأبيه بعوده من سفر ( هنيت يا أبتى بعودك سالما *** وبقيت ما طرد الظلام نهار ) ( ملئت بطون الكتب فيك مدايحا *** حقا لقد عظمت بك الأسفار )
ومن مقطعاته العذبة ( بحق الله دع ظلم المعنى *** ومتعه كما يهوى بأنسك ) ( وكف الصديا مولاي عمن *** بيومك رحت تهجره وأمسك ) ومنها ( قالت وقد عشقتهم *** قاماتهم والاعينا ) ( ان رمت تلقانا فلج *** بين السيوف والقنا ) ( ومنها ( رب خذ بالعدل قوما *** أهل ظلم متوالى ) ( كلفونى بيع خيلى *** برخيص وبغالى وشعره كثير وكله غرر ومات بالطاعون في يوم الأحد خامس وعشرين ربيع الآخر سنة 822 اثنتين وعشرين وثمانمائة

(2/21)


فضل الله بن غالى الهمداني
الوزير الملقب رشيد الدولة كان أبوه عطارا يهوديا فأسلم ابنه هذا واتصل بغازان سلطان التتار المتقدم فخدمه وتقدم عنده بالطب إلى أن استوزره وكان يناصح المسلمين ويذب عنهم ويسعى فى حقن دمائهم وله فى تبريز آثار عظيمة من البر وكان شديدا على من يعاديه أو ينتقصه لا يزال يسعى فى هلاكه حتى يهلكه وكان متواضعا سخيا كثير البذل للعلماء والصلحاء وله تفسير للقرآن فسره على طريقة الفلاسفة فنسب إلى الالحاد وقد احترقت تواليفه بعد قتله وأتفقت له محنة كان فيها هلاكه وذلك أنه لما مات خربيدا ملك التتار طلبه السلطان جوابان على البريد فقال له أنت قتلت الخان فقال معاذ الله أنا كنت رجلا عطارا ضعيفا بين الناس فصرت

(2/22)


في أيامه وأيام أخيه متصرفا فى الممالك فكيف أقتله فأحضروا الطبيب ابن الحران إليهودى طبيب خربيدا فسألوه عن سبب موت خربيدا فقال أصابته علة فوقع له أسهال بسببها نحو ثلاث مائة مجلس فطلبنى بحضور رشيد الدولة وطلب الأطباء فاتفقنا على أن نعطيه ادوية قابضة حابسة فقال رشيد الدولة هو الآن يحتاج إلى الاستفراغ فسقيناه مسهلا فوقع له من ذلك نحو سبعين مجلسا فسقطت قوته فمات وصدقه رشيد الدولة على ذلك فقال جوابان لرشيد الدولة فأنت قتلته وأمر بقتله فقتل وفصلوا اعضاه وبعثوا إلى كل بلد بعضو ويقال انه وجد له بعد قتله الف الف مثقال وكان قتله فى سنة 716 ست عشر وسبعمائة وعمره فوق ثمانين سنة قال الذهبي كان له رأي ودهاء ومروءة وكان الشيخ تاج الدين الأفضل يذمه ويرميه بدين الأوائل

(2/23)


حرف القاف
السيد القاسم بن إبراهيم بن الحسن بن يوسف ابن المهدى محمد بن المهدى أحمد بن الحسن ابن الإمام القاسم بن محمد ولد بعد أخيه إسماعيل بن إبراهيم المتقدم تاريخ ولادته فى ترجمته ونشأ بصنعاء وأخذ العلم عن جماعة من علمائها ومنهم شيخنا أحمد بن محمد الحرازي المتقدم ذكره والقاضى على بن أحمد الحكمي وغيرهما وقرأ على فى شرح غاية السول وفى شرحى على المنتقى وفى مؤلفى المسمى بالدرر وشرحه المسمى بالدرارى وفى البخارى وأمالى الإمام أحمد بن عيسى وهو من فضلاء آل الإمام علما وعملا وحسن اخلاق وله نظم حسن فمنه
ما كتبه إلى أيام قرائته على ( إليك وإلا لا يساق ركاب *** وعنك وإلا لايجاز كتاب ) ( عليك وإلا من عليه معول *** ولولاك ما للمشكلات جواب ) ( وفيك وإلا ليس فى الشعر حكمة *** ومنك وإلا فالشراب سراب ) ( وأنت وإلا الشمس فى الأرض مشرق *** يداك وإلا للسخاء سحاب ) ( برزت وإلا فالتشخص للعلا *** محال وأنى للعزيز طلاب ) ( ومن ذا الذى قرت وطابت وطولت *** عيون وأنفاس به ورقاب ) ( سوى العلم البدرالذي صار منصفا *** له في كمال المكرمات مآب ) ( هو ابن على من له الآن شوكة *** يعزبها دين الهدى ويهاب ) ( فلا زال مرفوعا بنصب جوازم *** من الأمر فيها حكمة وصواب ) ( ولا زال شمسا للعلوم باسرها *** وعمدة هذا انتقاه كتاب ) ( لمجموع أحكام الفنون ملخص *** ومنتخب غيثا حواه عباب ) ( سلام عليه يحكى الروض عرفه *** وقد باكرته نسمة وسحاب ) وهو الآن حي يسعى فى تحصيل العلوم ويجهد فى طاعة الحى القيوم مستمرا على القراءة على بلغه الله الأمل
السيد القاسم بن إبراهيم الظفرى ولد في شعبان سنة 1179 تسع وسبعين ومائة وألف ونشأ بصنعاء فأخذ عن جماعة من علمائها كشيخنا العلامة عبد الله بن الحسن بن على والسيد العلامة على بن عبدالله الجلال والسيد العلامة ابراهيم بن عبدالقادر ولعل له قراءة على شيخنا العلامة السيد عبد القادر بن أحمد والقاضى العلامة أحمد بن محمد قاطن واستقاد فى النحو والصرف والمنطق والمعانى والبيان والأصول وله فهم قوي وذهن سوي وحفظ الأدب وحسن المحاضرة وقوة عارضة في المذاكرة وعزم من صنعاء إلى ذى جبلة متوليا على أوقاف تلك الجهة وهو الآن هنالك ولو تفرغ للاشتغال وسلم عن عوارض الأشغال لنال بفهمه السليم وفكره الكريم أعلى مراتب الكمال وولى ولايات وجرت له قصص وحروب ومات فى شهر رجب سنة 1227 سبع وعشرين ومائتين وألف

(2/24)


السيد القاسم بن أحمد بن عبد الله بن القاسم بن أحمد بن لقمان ابن أحمد بن شمس الدين ابن الإمام المهدى أحمد بن يحيى
وتمام نسبه قد تقدم فى ترجمة الإمام المهدى ولد في سنة 1166 ست وستين ومائة وألف بموضع يقال له صنعة بضم الصاد المهملة وسكون الموحدة ثم مهملة وهى قرية بقرب مدينة ذمار فيها جماعة من السادات آل لقمان ثم انتقل صاحب الترجمة إلى مدينة ذمار فقرأ على جماعة من مشايخ الفقه كالسيد العلامة أحمد بن على بن سليمان والفقيه العلامة محسن ابن حسن الشويطر وغيرهما وبرع فى علم الفروع وقرأ هنالك فى علم النحو ثم ارتحل إلى صنعاء لسبب اقتضى ذلك فوصل إليها فى سنة 1193 وقرأ فى العربية والأصول على جماعة وأخذ عنى فى العربية وحضر في دروسى الحديثية وهو مفرط الذكاء سريع الفهم قوى الإدراك استفاد بدرايته أكثر مما استفاد بروايته ونظم الشعر الفائق وطارح بشعره جماعة من الأدباء واستقر بصنعاء وتزوج بها وأضرب عن العود إلى وطنه وله همة علية وشهامة علوية ونفس أبيه وسيادة هاشمية لا يخضع في مطلب من

(2/25)


مطالب الدينا ولا يدنو لأربابها بل يكتفى منها بما يصل إليه من أموال له ورثها عن أبيه وقد ينوب فى الأعمال الشرعية إذا عول عليه من يألف به من القضاة فيفصلها على أحسن اسلوب مع عفة ونزاهة وهو أجل من كثير من قضاة العصر بل يصغر عن عظيم قدره القضاء وتحريراته فى القضايا الشرعية مقبولة عند الخاص والعام مرضية عند الصغير والكبير يقنع بها المحكوم عليه كما يقنع بها المحكوم له وبينى وبينه مودة أكيدة ومحبة قوية وهو لا يمل جليسه ولا يستوحش أنيسه لما جبل عليه من لطف الطبع وكمال الظرف وقد استمر الاتصال بينى وبينه زيادة على خمس عشرة سنة قل أن يمضى يوم من الأيام لا نجتمع فيه ويجرى بيننا مطارحات أدبية في كثير من الأوقات ومراجعات علمية فى عدة مسائل منها ما هو منظوم ومنها ما هو منثور فمن ذلك هذا السؤال الذى اشتمل على نظم ونثر يأخذ بمجامع القلوب كتبه إلى فى أيام سابقة ولفظه حرس الله سماء المفاخر بجماية بدرها الزاهى الزاهر وأتحف روضها الناظر بكلاية غيثها الهامى الهامر وأهدى إليه تحية عطرة وبركة خضرة نضرة ما مسحت أقلام الكتبة مفارق المحابر ورتعت أنظار الطلبة فى حدائق الدفاتر صدرت هذه الأبيات فى غاية القصور أقيلوا عثارها ان كان لكم عليها عثور تستمنح منكم الفرائد وتستمد منكم الفوائد أوجب تحريرها أنه ذكر عند بعض الأماثل جماعة المتصوفة فأثنى عليهم وأطنب وأطرى وأطرب واستشهدنى فقلت بموجب قوله مستثنيا منهم الحلاج وابن عربي ومن يساويهما فأصر واستكبر وأبدا قولا يستنكر فجرى بيننا خلاف مفرط فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط

(2/26)


( أعن العذول يطيق يكتم مابه *** والجفن يغرق في خليج سحابه ) ( جازت ركايبه الحمى فتعلقت *** أحشاؤه بشعابه وهضابه ) ( نفد الزمان وما نفدن مسائلى *** فى الحب والتنفير عن أربابه ) ( فركضت فى ميدانه وكرعت من *** غدرانه وركعت فى محرابه ) ( وسألت عن تحقيقه وبحثت عن *** تدقيقه وكشفت عن أسبابه ) ( فوجدت أخبار الغرام كواذبا *** في أكثر الفتيان من طلابه ) ( فيميت من شهواته لحياته *** ويرد فضل ذهابه لإيابه ) ( ولقل ما يلقى امرءا متصوفا *** ينحو طريق الحب من أبوابه ) ( يجد الخطيئة كالقذاة لعينه *** فرمى بها فى الدمع عن تسكابه ) ( أخذ الطريقة بالحقيقة سالكا *** نهج النبى قد اقتدى بصوابه ) ( تمضى به اللحظات وهو محاسب *** للنفس قبل وقوفه لحسابه ) ( هذي الطريقة للمريد مبلغ *** مخ التصوف وهي لب لبابه ) ( وجماعة رقصوا على أوتارهم *** يتجاذبون الخمر عن أكوابه ) ( يتواجدون لكل أحوى أحور *** يتعللون من الهوى برضابه ) ( ألوحدة جعلوا المثانى مونسا *** واللحن عند الذكر من اعرابه ) ( أصحاب أحوال تعدوا طورهم *** فتنكروا في الحال عن أحزابه ) ( زجروا مطاياهم إليه وإنما *** نكص الغرام بهم على أعقابه ) ( دعواك معرفة العيون سفاهة *** والشرع قاض والنهى بكذابه ) ( فمن المحال ترى المهامه تنطوى *** لمشعبذ من دون وخد ركابه ) ( وخرافة بشر يرى متشكلا *** متمكنا من لبس غير اهابه ) ( رجحت نهاى فلا أصدق ما سوى *** رسل المليك وترجمان كتابه )

(2/27)


( فدع التصوف واثقا بحقيقة *** واحرص ولا يغررك لمع سرابه ) ( للقوم تعبير به يسبى النهى *** طربا ويثنى الصب عن أحبابه ) ( فيرون حق الغير غير محرم *** بل يزعمون بأنهم أولى به ) ( لبسو المدارع واستراحوا جرأة *** عن أمر باريهم وعن إيجابه ) ( خرجوا عن الإسلام ثم تمسكوا *** بتصوف فتستروا بحجابه ) ( فأولئك القوم الذين جهادهم *** فرض فلا يعدوك نيل ثوابه ) ( وإذا أرابك ما أقول فسل به *** من عنده فى الحكم فصل خطابه ) ( علامة المعقول والمنقول من *** حكمت له العليا على أترابه ) ( فذ الزمان وتوأم المجد الذى *** ساد الأكابر في أوان شباب ) ( بدر الهدى النظار سله مقبلا *** كفيه ملتمسا لرد جوابه ) ( فمحمد بن على ابن محمد *** منى ومنك محقق ادرى به ) ( سله زكاة الاجتهاد فإنه *** ان صح فقرك محرز لنصابه ) فأجبت عن هذا السؤال برسالة فى كراريس سميتها الصوارم الحداد القاطعة لعلائق مقالات أرباب الاتحاد وسأذكر ههنا ما أجبت به عن النظم فقط وهو ( هذا العقيق فقف على أبوابه *** متمايلا طربا لوصل غرابه ) ( يا طالما قد جبت كل تنوفة *** مغبرة ترجو لقا أربابه ) ( وقطعت أنساع الرواحل معلنا *** فى كل حى جئته بطلابه ) ( حتى غدت غدران دمعك فيضا *** بالسفح فى ذا السفح من تسكابه ) ( والعمر وهو أجل ما خولته *** أنفقته في الدور فى أدرابه ) ( وعصيت فيه قول كل مفند *** وسددت سمعا عن سماع خطابه )

(2/28)


( بشراى بعد اليأس وهو خطيبه *** بتبدلى سهل الهوى بصعابه ) ( قد أنجح الله الذى أملته *** وكدحت فيه لنيل لب لبابه ) ( وهجرت فيه ملاعبى ولقيت فيه *** متاعبى ومنيت من أوصابه ) ( وشربت كاسات الفراق وقد غدت *** ممزوجة بزعافه وبصابه ) ( وبذلت للهادى إليه نفائسي *** ومنحته منى بملء وطابه ) ( فحططت رحلى بين سكان الحمى *** وأنخته فى مخصبات شعابه ) ( وشفيت نفسى بعد طول عنائها *** فى قطع حزن فلاته وهضابه ) ( ووضعت عن عنقى عصى الترحال لا *** أخشى العذول ولا قبيح عتابه ) ( فأنا ولا فخر الخبير بأرضه *** وأنا العروف بشامخات عقابه ) ( وأنا العليم بكل مافى شرحه *** وأنا المترجم عن خفى جوابه ) ( يا ابن الرسول وعالم المعقول والمنقول *** أنت بمثل ذا أدرى به ) ( لا تسألن عن العقيق فإنها *** قد ذللت لك جامحات ركابه ) ( وكرعت في تلك المناهل برهة *** وشربت صفو الورد من أربابه ) ( وقعدت في عرصاته متمايلا *** متبسما نشوان من اطرابه ) ( واسلم ودم أنت المعد لمعضل *** أعنا الورى يوما بكشف نقابه ) ( وخذ الجواب فما به خطل ولا *** عصبية قدحت بعين صوابه ) ( سكانه صنفان صنف قد غدا *** متجردا للحب بين صحابه ) ( قد طلق الدنيا فليس بضارع *** يوما لنيل طعامه وشرابه ) ( يمشى على سنن الرسول مفوضا *** للأمر لا يلوى للمع سرابه ) ( يرضى بميسور من الدنيا ولا *** يغتم عند نفارها عن بابه 0 متقللا منها تقلل موقن *** بدروس رونقها وقرب ذهابه )

(2/29)


( متزهدا فيما يزول مزايلا *** ادراك ما يبقى عظيم ثوابه ) ( جعل الشعار له محبة ربه *** وثنى عنان الحب عن أحبابه ) ( أكرم بهذا الصنف من سكانه *** أحبب بهذا الجنس من أحزابه ) ( فهم الذين أصابوا الغرض الذى *** هو لامرا في الدين لب لبابه ) ( ولكم مشى هذي الطريقة صاحب *** لمحمد فمشوا على أعقابه ) ( فيها الغفارى قد أناخ مطية *** ومشى بها القرنى بسبق ركابه ) ( وبها فضيل والجنيد تجاذبا *** كأس الهوى وتعللا برضابه ) ( وكذاك بشر وابن أدهم أسرعا *** مشيا به والكينعى مشى به ) ( أما الذين غدوا على أوتارهم *** يتجاذبون الخمر فى أكوابه ) ( ولوحدة جعلوا المثاني مونسا *** واللحن عند الذكر من اعرابه ) ( ويرون حق الغير غير محرم *** بل يزعمون بأنهم اولى به ) ( فهم الذين تلاعبوا بين الورى *** بالدين وانتدبوا لقصد خرابه ) ( قد نهج الحلاج طرق ضلالهم *** وكذاك محيى الدين لاحيا به ) ( وكذاك فارضهم بتائياته *** فرض الضلال عليهم ودعا به ) ( وكذا ابن سبعين المهين فقد عدا *** متطورا فى جهله ولعابه ) ( رام النبؤة لالعا لعثوره *** روم الذباب مصيره كعقابه ) ( وكذلك الجيلى أجال جواده *** في ذلك الميدان ثم سعى به ) ( انسانه إنسان عين الكفر لا *** يرتاب فيه سابح بعبابه ) ( والتلمسانى قال قد حلت له *** كل الفروج فخذ بذا وكفى به ) ( نهقوا بوحدتهم على روس الملا *** ومن المقال أتوا بعين كذا به ) ( ان صح ما نقل الأئمة عنهم *** فالكفر ضربة لازب لصحابه )

(2/30)


( لاكفر فى الدنيا على كل الورى *** ان كان هذا القول دون نصابه ) ( قد ألزمونا ان ندين بكفرهم *** والكفر شر الخلق من يرضى به ) ( فدع التعسف فى التأول لا تكن *** كفتى يغطي جيفة بثيابه ) ( قد صرحوا أن الذى يبغونه *** هو ظاهر الأمر الذي قلنا به ) ( هذي فتوحات الشؤم شواهد *** أن المراد له نصوص كتابه ) ( وقد أوضحت فى تلك الرسالة حال كل واحد من هؤلاء وأوردت نصوص كتبهم وبينت أقوال العلماء فى شأنهم وكان تحرير هذا الجواب في عنفوان الشباب وأنا الآن اتوقف فى حال هؤلاء وأتبرأ من كل ما كان من أقوالهم وأفعالهم مخالفا لهذه الشريعة البيضاء الواضحة التى ليلها كنهارها ولم يتعبدني الله بتكفير من صار فى ظاهر أمره من أهل الإسلام وهب أن المراد بما فى كتبهم وما نقل عنهم من الكلمات المستنكرة المعنى الظاهر والمدلول العربى وأنه قاض على قائله بالكفر البواح والضلال الصراح فمن أين لنا أن قائله لم يتب عنه ونحن لو كنا في عصره بل في مصره بل فى منزله الذى يعالج فيه سكرات الموت لم يكن لنا إلى القطع بعدم التوبة سبيل لأنها تقع من العبد بمجرد عقد القلب مالم يغرغر بالموت فكيف وبيننا وبينهم من السنين عدة مئين ولا يصح الاعتراض على هذا بالكفار فيقال هذا التجويز ممكن فى الكفار على اختلاف أنواعهم لأنا نقول فرق بين من أصله الإسلام ومن أصله الكفر فإن الحمل على الأصل مع اللبس هو الواجب لاسيما والخروج من الكفر إلى الإسلام لا يكون إلا بأقوال وأفعال لا بمجرد عقد القلب والتوجه بالنية المشتملين على الندم والعزم على عدم المعاودة فإن ذلك يكفى فى التوبة ولا يكفى فى مصير

(2/31)


الكافر مسلما وأيضا فرق بين كفر التأويل وكفر التصريح على أنى لا أثبت كفر التأويل كما حققته فى غير هذا الموطن وفي هذه الإشارة كفاية لمن له هداية وفى ذنوبنا التى قد اثقلت ظهورنا لقلوبنا أعظم شغلة وطوبى لمن شغلته عيوبه ومن حسن إسلام المرء تركه مالا يعنيه فالراحلة التى قد حملت مالا تكاد تنوء به إذا وضع عليها زيادة عليه انقطع ظهرها وقعدت على الطريق قبل وصول المنزل وبلا شك أن التوئب على ثلب أعراض المشكوك في اسلامهم فضلا عن المقطوع بإسلامهم جراءة غير محمودة فربما كذب الظن وبطل الحديث وتقشعت سحائب الشكوك وتجلت ظلمات الظنون وطاحت الدقائق وحقت الحقائق وأن يوما يفر المرء من أبيه ويشح بما معه من الحسنات على أحبابه وذويه لحقيق بأن يحافظ فيه على الحسنات ولا يدعها يوم القيامة نهبا بين قوم قد صاروا تحت اطباق الثرى قبل أن يخرج إلى هذا العالم بدهور وهو غير محمود على ذلك ولا مأجور فهذا مالا يفعله بنفسه العاقل وأشد من ذلك أن ينثر جراب طاعاته وينثل كنانة حسناته على أعدائه غير مشكور بل مقهور وهكذا يفعل عند الحضور للحساب بين يدى الجبار بالمغتابين والنمامين والهمازين واللمازين فإنه قد علم بالضرورة الدينية أن مظلمة العرض كمظلمة المال والدم ومجرد التفاوت في مقدار المظلمة لا يوجب عدم انصاف ذلك الشىء المتفاوت أو بعضه بكونه مظلمة فكل واحدة من هذه الثلاث مظلمة لآدمى وكل مظلمة لآدمى لا تسقط الا بعفوه ومالم يعف عنه باق على فاعله يوافى عرصات القيامة فقل لى كيف يرجو من ظلم ميتا بثلب عرضه أن يعفو عنه ومن ذاك الذى يعفو في هذا الموقف وهو أحوج

(2/32)


ما كان إلى ما يقيه عن النار وإذا التبس عليك هذا فانظر ما تجده من الطباع البشرية فى هذه الدار فإنه لو ألقى الواحد من هذا النوع الإنسانى إلى نار من نيار هذه الدنيا وأمكنه أن يتقيها بأبيه أو بأمة أو بابنه أو بحبيبه لفعل فكيف بنار الآخرة التى ليست نار هذه الدنيا بالنسبة إليها شيئا ومن هذه الحيثية قال بعض من نظر بعين الحقيقة لو كنت مغتابا أحدا لاغتبت أبى وأمى لأنهما أحق بحسناتي التى تؤخذ منى قسرا وما أحسن هذا الكلام ولا ريب أن أشد أنواع الغيبة وأضرها وأشرها وأكثرها بلاء وعقابا ما بلغ منها إلى حد التكفير واللعن فإنه قد صح أن تكفير المؤمن كفر ولعنه راجع على فاعله وسبابه فسق وهذه عقوبة من جهة الله سبحانه وأما من وقع له التكفير واللعن والسب فمظلمة باقية على ظهر المكفر واللاعن والسباب فانظر كيف صار المكفر كافرا واللاعن ملعونا والسباب فاسقا ولم يكن ذلك حد عقوبته بل غريمه ينتظر بعرصات المحشر ليأخذ من حسناته أو يضع عليه من سيئاته بمقدار تلك المظلمة ومع ذلك فلا بد من شىء غير ذلك وهو العقوبة على مخالفة النهى لأن الله قد نهى في كتابه وعلى لسان ورسوله عن الغيبة بجميع أقسامها ومخالف النهي فاعل محرم وفاعل المحرم معاقب عليه وهذا عارض من القول جرى به القلم ثم أحجم عن الكلام سائلا من الله حسن الختام راجعا إلى كمال ترجمة ذلك السيد الهمام فنقول صاحب الترجمة حال تحرير هذه الأحرف مستمر على تلك الخصال الجميلة والمناقب الجليلة قانع بميسور من العيش مؤثر للخمول الذى هو الراحة والنعمة المجهولة زاده الله من أفضاله وأنجح له ما يرجوه من آماله وتوفى رحمه الله
فى سنة . . .

(2/33)


القاسم ابن أمير المؤمنين المتوكل على الله أحمد
ابن أمير المؤمنين المنصور بالله على ابن أمير المؤمنين المهدى العباس ابن أمير المؤمنين المنصور حسين ابن أمير المؤمنين المتوكل القاسم ابن حسين بن أحمد بن أحسن ابن الإمام القاسم بن محمد ولد سنة 1211 احدى عشر ومائتين وألف ونشأ في حجر الخلافة نشوا طاهرا فلما قارب سن البلوغ قرأ بلوغ المرام على الشيخ العلامة محمد عابد السندى عند وفوده إلى حضرة أبيه ثم حفظه من أوله إلى آخره عن ظهر قلب ووصل إلى وأسمعه على من حفظه من أوله إلى آخره والكتاب بيدى فسبحان الفاتح المانح وهو الآن يسمع على صحيح البخارى ومسلم يفد إلى فى بعض أيام الأسبوع ويواظب على ذلك مواظبة عظيمة ويفهم فهما جيدا ويحفظ حفظا صالحا مع اشتغاله بقراءة علم الآلة واكبابه على مطالعة الكتب الحديثية وله بالسنة المطهرة شغف عظيم ومحبة زائدة ويعمل بكل ما صح منها ولا يبالى أطار لوم من يلومه أم وقع ولا يلتفت إلى من يريد صده عن ذلك لأنه قد عرف أن هذا هو الحق الذى بعث الله به رسوله وأنزل به كتابه ووالده مولانا الإمام حفظه الله يرغبه فى ذلك ويقوى عزمه عليه ويعجبه ما يرى منه والحمد لله الذى أخرج من هذا البيت الشريف مثل هذا الفاضل زاده الله علما وكمالا وعملا بالحق وانقيادا له
وجعله من أنصار السنة المطهرة وعمره عند تحرير هذه الترجمة نحو سبع عشرة سنة

(2/34)


السيد القاسم بن الحسن بن مطهر بن محمد بن الحسين الجرموزى
الصنعانى منشأ ووفاة ولد ببندر المخافي أيام ولاية والده لها ثم انتقل إلى صنعاء وطلب العلم على جماعة من العلماء وقد ذكر جميع مسموعاته ومشايخه فى ترجمته لنفسه في مصنفه الذي سماه صفوة العاصر فى آداب المعاصر وهو كتاب حسن ذكره فيه جماعة من أهل عصره ومن قرابته وخصص الشعراء وذكر من أشعارهم وما دار بينه وبينهم وما يتعلق بذلك وولاه المهدى صاحب المواهب أعمالا ثم ولاه آخرا القضاء بصنعاء فباشره مباشرة حسنة بعفة ونزاهة وديانة وله مؤلف سماه نزهة الفطن فى من ملك اليمن وله شعر حسن فمنه في تشبيه البرق ( كأنما البرق إذا ما اختفى *** فلاح فى العارض غب القصار ) ( وجنة عذرى رابها مبصر *** فاستترت من خوفه بالخمار ) وله قصائد منسجمة وأبيات قليلة التكلف كقوله ( أغار عليك من نظري *** وإن بلغتنى وطري ) ( وأحسد خاطري من أن *** تمر عليه في فكرى ) ( بنفسى أنت من قمر *** علا عن بهجة القمر ) ( وما قد حزت من هيف *** وقد كلقنا النضر ) ( وطرف من لطافته *** استعارت نسمة السحر )
ومن ذلك قوله ( لم لا ترقوا سادتي *** وترحموا صبابتى ) ( وتذكروا هجرى الذى *** ذابت له حشاشتى ) ( وترحموا لى حالة *** قد رق منها شامتى ) ( ويلاه من بدر دجى *** ضلت به هدايتى ) وشعره غالبه على هذا الأسلوب ومات فى سنة 1146 ست وأربعين ومائة وألف

(2/35)


الإمام المتوكل على الله القاسم بن الحسين بن أحمد ابن الحسن ابن الإمام القاسم بن محمد
ولد سنة .... ونشأ منشأ آبائه الأمثال ومارس كثيرا من معارك القتال وصار مع عمه الإمام المهدى صاحب المواهب من أعظم الرؤساء وكان يبعثه فى المهمات فيدفعها ويقوم بحلها وتارة كان يعتقله لما يرى من ميل الناس إليه وعلو همته وترشيحه للخلافة واتفق في أيام اعتقاله أنه عرض للمهدي مهم عظيم لا يقوم به الا صاحب الترجمة فأخرجه من الحبس وأرسله فى طائفة من الجيوش ثم ندم على ذلك وعرف أنه قد أخطأ فبعث إليه ليعود فما أسعد ومضى لذلك المهم فقضاه ثم بعد ذلك رغب الناس إليه وأرادوا أن يبايعوه فامتنع معتذرا بأنه لم يكن فى العلم مستوفيا للاجتهاد محيطا بما يحتاج إليه فى الإصدار والإيراد بل أمرهم بأن يبايعوا الحسين بن القاسم ابن المؤيد صاحب شهارة وكان من مشاهير العلماء وبايعه صاحب الترجمة وتلقب بالمنصور بالله والحل والعقد بيد صاحب الترجمة وليس للحسين الا الإسم ثم شرع فى مناجزة المهدى فقاد إليه الجيوش وحاصره فى المواهب

(2/36)


وكان ابتداء ذلك فى سنة 1126 ثم ان المهدى خلع نفسه وبايع الحسين بن القاسم ابن المؤيد وكان ذلك بعد محاصرة عظيمة وحروب شديدة ثم كثر الاضطراب من الحسين بن القاسم فخلعه صاحب الترجمة ومال الناس إليه فبايعوه فى سنة 1128 فامتنع المهدى عن ذلك متعللا بأنه انما خلع نفسه بشرط أن يكون الخليفة الحسين بن القاسم لاصاحب الترجمة فأعاد صاحب الترجمة الحصار له وقاد إليه الجيوش فأذعن وبايع في سنة 1129 ولم يختلف بعد ذلك على المترجم له أحد من الناس وصفت له اليمن وثبتت قدمه وكان يستقر غالب الأيام بصنعاء ويخرج في بعض الأوقات إلى حدة فيستقر فيها وله بها دار عظيمة عمرها ومسجدا بجنبها وقد صار الجميع حال تحرير هذه الأحرف خرابا وكان له من الشجاعة مالم يكن لغيره فإنها اتفقت منه قضايا تدل على أنه في قوة القلب وثبات الجنان بمحل يقصر عنه غالب نوع الإنسان ولو لم يكن من ذلك الا ماوقع منه من القتل لرئيس حاشد وبكيل المعروف بابن حبيش فإنه قتله في بيته وبين قبيلته وليس معه من يقوم بحرب بعض البعض من اتباع ابن حبيش ثم تم ذلك الأمر وسلمه الله وصارت هذه القضية تضرب بها الأمثال ولا سيما في عصره وما يقرب من عصره لاستعظامهم لمقدار ابن حبيش ولكثرة اتباعه ولصاحب الترجمة من المحبة للفقراء والاحسان إليهم وانفاق بيوت الأموال عليهم مالا يمكن القيام بوصفه ومع هذا فله إلى آل الإمام من البر والبذل أمر عظيم ولم يرعوا له ذلك بل خرجوا عليه وفروا إلى بلاد القبلة واجتمع منهم جمع كثير ومن اعيانهم السيد العلامة محمد بن عبد الله بن الحسين ابن الإمام القاسم بن محمد والسيد محسن بن
المؤيد وجماعة كثيرة وكان سبب ذلك أن رجلا يقال له الشجنى كان يلى بعض أعمال صاحب الترجمة فوقع منه إلى جناب جماعة من أعيان السادة مالم تجر لهم به عادة من التسوية بين أموالهم وأموال سائر الرعايا ومع ذلك فما فازوا بشىء ولا نالوا خيرا ومات السيد محمد بن عبد الله في قرية يقال لها هاوم وهو كان كبيرهم الذى يرشحونه للخلافة فتفرقوا بعد ذلك وكان جميع ذلك في سنة 1136 ولصاحب الترجمة من المحاسن والحروب والفتكات مالا يتسع له الا سيرة مستقلة وقد جمع له سيرة السيد محسن بن حسن بن أحمد بن القاسم بن محمد وكان موت صاحب الترجمة في ثانى شهر رمضان سنة 1139 تسع وثلاثين ومائة وألف وولى بعده ولده الإمام المنصور بالله الحسين بن القاسم حسبما تقدم في ترجمته

(2/37)


الفقيه قاسم بن سعد بن لطف الله الجبلى
ولد تقريبا في سنة الثمانين من المائة الثانية عشر أو قبلها بقليل أو بعدها بقليل وقرأ فى الآلات وفقه الشافعية ورحل إلى زبيد فقرأ على مشايخها وقرأ فى علم الطب فصار طبيبا ماهرا وقرأ على فى أوائل الأمهات الست وأوائل المسندات وما يلتحق بها وقرأ على فى شرح العمدة لابن دقيق العيد وكانت قراءته على في مدينة ذى جبلة عند قدومى إليها مع مولانا الإمام المتوكل على الله ولازمنى ملازمة تامة وهو فايق الذكاء جيد الفهم حسن الإدراك حسن المحاضرة له فى الأدب يد حسنة وكان سماعه منى في سنة 1226 فى ذى جبلة وفى ذي السفال وأجزت له جميع مروياتى ثم سمع منى فى صنعاء في الصحيحين وغيرهما وصار الآن فى صنعاء فى الحضرة الإمامية وهو طبيب الخلافة وله معرفة
تامة بالفقه والعلم والحديث وعلم الآلة

(2/38)


السيد القاسم بن عبد الرب بن محمد بن الحسين الكوكبانى
ولد في ذى الحجة سنة 1173 ثلاث وسبعين ومائة ألف بكوكبان ونشأ بها فقرأ على السيد العلامة عيسى بن محمد المتقدم ذكره وعلى غيره من أهل تلك الجهة وتعانى النظم فجاء منه بما هو في الغاية القصوى بحيث سارت قصائده واشتهر نظمه وطارحه الأدباء من كثير من الجهات وفاق في هذا الشأن وقد ترجم له ابن عمه السيد العلامة عبد الله بن عيسى بن محمد المتقدم ذكره فى الحدائق ترجمة حافلة ومما أورده له قوله فى القول بالموجب مع التورية وأجاد ( أفدى الذى قد قال لى مرة *** وعاذلى يسمع من قرب ) ( ما القول بالموجب يا سيدى *** قلت مناجاتك بالقلب ) وهو الآن بدر طالع بكوكبان قد حمل خافقة لواء الأدب وسلم له السبق أبناء هذا الشأن فلم يختلف فى تقديمه على أهل بلده اثنان وله فى العلم باع وساع واطلاع أى اطلاع ثم مات رحمه الله فجأة فى شهر محرم سنة 1216 ست عشرة ومائتين وألف

(2/39)


قاسم بن قطلوبغا زين الدين السودنى المعروف بقاسم الحنفى ولد فى المحرم سنة 802 اثنتين وثمان مائة بالقاهرة ومات أبوه وهو صغير فنشأ يتيما وحفظ القرآن وكتبا عرض بعضها على العز بن جماعة ثم أقبل على الاشتعال على جماعة من علماء عصره كالعلاء البخارى والشرف السبكى وابن الهمام وقرأ في غالب الفنون وتصدر للتدريس والافتاء قديما وأخذ عنه الفضلاء في فنون كثيرة وصار المشار إليه فى الحنفية ولم يخلف بعده مثله وله مؤلفات منها شرح منظومة ابن الجزري فى مجلدين وحاشية شرح الألفية للعراقى وشرح النخبة لابن حجر وخرج أحاديث عوارف المعارف للسهروردى وأحاديث الاختيارشرح المختار في مجلدين وكذلك خرج أحاديث البزدوى فى أصول الفقه وتفسير أبى الليث ومنهاج العابدين والأربعين في أصول الدين وجواهر القرآن وبداية الهداية والشفاء واتحاف الأحياء بما فات من تخريج احاديث الأحياء ومنية الألمعى بما فات الزيلعي وبغية الرائد فى تخريج أحاديث شرح العقائد ونزهة الرايض فى أدلة الفرائض ورتب مسند أبى حنيفة لابن المقرى وبوب مسند أبى حنيفة أيضا للحارثى والأمالى على مسند أبي حنيفة في مجلدين والموطأ برواية محمد بن الحسن ومسند عقبة بن عامر الصحابى وعوالى كل من أبى الليث والطحاوى وتعليق مسند الفردوس وأسئلة الحاكم للدارقطنى ومن روى عن أبيه عن جده فى مجلد والاهتمام الكلى باصلاح ثقات العجلى فى مجلد وزوائد رجال كل من الموطأ ومسند الشافعى وسنن الدارقطنى على الستة والثقات ممن لم يقع في الكتب الستة فى أربع مجلدات وتقويم اللسان في الضعفاء في مجلدين وفضول اللسان وحاشية على كل من المشتبه والتقريب لابن حجر والأجوبة على اعتراض ابن أبى شيبة علي أبى حنيفة فى الحديث وتبصرة الناقد فى كبت الحاسد فى الدفع عن أبى حنيفة وترصيع الجوهر النقى كتب منه إلى أثناء التيمم وتلخيص سيرة مغلطاى وتلخيص دولة الترك وكتاب ترجم فيه لمن صنف من الحنفية وسماه تاج التراجم وكتاب ترجم فيه مشايخ مشايخه ومشايخ

(2/40)


شيوخ العصر ومعجم شيوخه وشرح كتبا من كتب فقه الحنفية كالقدورى والنقاية ومختصر المنار ودرر البحار فى المذاهب الأربعة وأجوبة على اعتراضات العز بن جماعة على أصول الحنفية وتعليقة على الأندلسية فى العروض ومختصر تلخيص المفتاح وشرح منار النظر فى المنطق لابن سيناء وله مصنفات غير هذه وقد برع فى عدة فنون ولم ينل ما يليق بجلاله من المناصب حتى التدريس فى الأمكنة التى صار يدرس بها من هو دونه فى جميع الأوصاف وله نظم كنظم العلماء فمنه رادا على من قال ( ان كنت كاذبة الذى حدثتنى *** فعليك اثم أبى حنيفة أو زفر ) ( الواثبين على القياس تمردا *** والراغبين عن التمسك بالأثر ) فقال ( كذب الذى نسب المآثم للذى *** قاس المسائل بالكتاب وبالأثر ) ( ان الكتاب وسنة المختار قد *** دلا عليه فدع مقالة من فشر ) وتوفى فى ليلة الخميس رابع ربيع الآخر سنة 879 تسع وسبعين وثمان مائة

(2/41)


الإمام الأعظم المنصور بالله القاسم بن محمد بن على ابن محمد بن الرشيد
قد تقدم تمام نسبه في ترجمة ولده الحسن ولد ليلة الاثنين ثانى عشر شهر صفر سنة 967 سبع وستين وتسعمائة ثم اشتغل بطلب العلم على شيوخ ذلك العصر فبرع في الفنون الشرعية ومشايخه مشهورون مذكورون وأعيانهم قد اشتمل على تراجمهم هذا الكتاب وله مصنفات
جليلة نبيلة منها فى الحديث كتاب الاعتصام جمع فيه بين كتب أئمة الآل وكتب المحدثين من الأمهات وغيرها ورجح فى كل مسئلة ما يقتضيه ولكنها اخترمته المنية قبل تمامه فإنه لم يبلغ إلا إلى كتاب الصيام وكان ذلك المقدار فى مجلد ضخم ومنها في أصول الدين الأساس فى مجلد وقد شرحه جماعةواعترضه الكردى صاحب الحرمين بكتاب سماه النبراس وأجاب عليه العبدى بكتاب سماه الإحتراس كما تقدم فى ترجمته وكذلك أجاب عليه السيد زيد بن محمد بكتاب ولم يكمل حسبما تقدم فى ترجمته وله كتاب الارشاد فى كراريس ذكر فيه فصولا مفيدة نفيسة جيدة وله رسائل ومسائل مشهورة معروفة ولما فاق فى العلوم وحقق منطوقها والمفهوم وكانت اليمن إذ ذاك تشتعل من الدولة التركية اشتعالا لما جبلوا عليه من الجور والفساد الذى لا تحتمله طباع أهل هذه البلاد دعا هذا الإمام الناس إلى مبايعته وكان ذلك فى شهر محرم سنة 1006 ست وألف فى جبل قارة بالقاف والراء المهملة فلما ظهرت دعوته اشتد طلب الأتراك له فى كل مكان فصار يتنقل من مكان إلى مكان والحاصل أنها جرت له خطوب وحروب وكروب قد اشتمل عليها كتاب سيرته وكان تارة ينتصر فيفتح بعض البلاد اليمنية وتارة تتكاثر عليه جيوش الأتراك

(2/42)


فيخرجونه عنها فيذهب هو وجماعة من خلص أصحابه الذين يأخذون عنه العلم إلى فلاة من الارض بحيث تنقطع أخبارهم عن الناس ولا يدرون أين هم فتمضى أيام على ذلك فلا يشعر الأتراك الا وهو في البلاد اليمنية قد استولى على مواضع وما زال هكذا مع اقدام وشجاعة وصبر لا يقدر عليه غيره حتى انه كان فى بعض الأوقات قد لا يجد هو ومن معه ما يأكلون عند اختفائهم فيأكلون من نبات الأرض وقد يكابد من الشدائد ما يظن كل احد أنه لا يعود بعد ذلك إلى مناجزرة الأتراك فبينماهم على يأس من رجوعه اذ هو قد وثب على بعض الأقطار وكان آخر الأمر أنه وقع الصلح بينه وبين الأتراك على أن تثبت يده على ما قد استولى عليه من البلاد وهو غالب الجبال وكان الأمر كذلك حتى مات رحمه الله فأخرج الأتراك من جميع الأقطار اليمنية أولاده وصفت لهم الديار اليمنية ولم يبق لهم فيها منازع وصارت الدولة القاسمية فى الديار اليمنية ثابتة الأساس إلى عصرنا هذا والحمد لله رب العالمين ولهذا الإمام كرامات قد اشتملت عليها المطولات وجهادات لا يتسع لها الا مجلدات وإقدامات يحجم عنها الأبطال وله فى انكار المنكرات قبل دعوته يد طولى فمن ذلك ما حكاه صاحب نسمة السحر قال أخبرنى شيخي الزاهد الصوفي الحسن بن الحسين حفيد صاحب الترجمة ان صوفيا بصنعاء كان شديد الخلاعة وكان يأكل الحشيش أكل الحمار ويستبيح المحرمات عامة فكمن له الإمام القاسم في بعض الأزقة كمون الأفعوان حتى إذا مر ضربه بعمود فأخرج دماغه من بين الآذان ثم خرج من المدينة خايفا يترقب انتهى وكان له قوة عظيمة وهو ربعة معتدل القامة إلى السمن أقرب واسع الجبهة عظيم

(2/43)


العنين اشم الأنف طويل اللحية عظيمها عبل الذراعين اشعرهما فصيح العبارة سريع الإستحضار للادلة كثير الحلم يصبر على المكاره ويتحمل العظائم ولا تفزعه القعاقع ولا تحركه الا هول العظايم كان يقدم على الجيوش التى هى ألوف مؤلفة وهو فى نفر يسير ولهذا كانت له العاقبة وقهر الأعداء وأزال ملك الدولة العظيمة ومهد لعقبه هذه الدولة الجليلة التى صارت من غرر الدهور ومحاسن العصور وفيهم من هو من أئمة العلم المصنفين ومن أئمة الجهاد المثاغرين ومن الشعراء المجيدين ومن الخلفاء الراشدين ومن الفرسان المعتبرين ومن الشجعان الفائقين وقد اشتمل هذا الكتاب على تراجم جماعة من اعيانهم هم طراز هذه التراجم وتاجها وله نظم فى المواعظ والعلوم والزجر والتهديد فمن ذلك ( ياذا المريد لنفسه تثبيتا *** ولدينه عند الإله ثبوتا ) ( أسلك طريقة آل أحمد واسألن *** سفن النجا ان يسألوا ياقوتا ) ( لا تعدلن بآل أحمد غيرهم *** وهل الحصى يشاكل الياقوتا ) وله قصيدة يرد بها على السيد محمد بن عبد الله ابن الإمام شرف الدين مشهورة وله إلى السيد عبد الله بن على المؤيدى وقت ان دعا إلى نفسه ورام معارضته ( ان كنت تبغي هدم دين محمد *** فأنا المريد اقيمه بداعايم ) ( أو كنت تخبط فى غيابة باطل *** فأنا المزيل ظلامها بعزائم ) ( لولا اشتغالي بالحروب وأهلها *** لوجدت نفسك لقمة للاقم ) وكان وفاته ليلة الثلاثاء الثانى عشر من ربيع الأول سنة 1029 تسع وعشرين وألف بشهارة بعلة البرسام وتولى بعده الخلافة ولده الإمام
المؤيد بالله محمد بن القاسم وسيأتى ذكره ان شاء الله تعالى

(2/44)


القاسم بن محمد بن يوسف بن محمد بن يوسف البرزالى علم الدين بن بهاء الدين الدمشقى الحافظ ولد فى جمادى الاولى سنة 665 خمس وستين وست مائة وأجاز له ابن عبد الدائم وابن علان وغيرهما ثم امعن في الطلب ودار على الشيوخ ورحل إلى حلب وبعلبك ومصر والحرمين وغيرهما وأخذ عن حفاظ هذه الجهات وخرج لنفسه أربعين بلديه وكان ابن تيمية يقول نقد البرزالي نقرفى حجر وولى تدريس الحديث بمواضع وألف تاريخا بدأ فيه من عام مولده وهى السنة التى مات فيها أبوشامة فجعله ذيلا على تاريخ أبى شامة وجمع لنفسه ثبتا فى بضع وعشرين مجلدا قال الذهبى انه كان رأسا فى صدق اللهجة والأمانة صاحب سنة واتباع ولزوم للفرائض وأثنى عليه كثيرا حتى قال وهو الذى حبب إلى طلب الحديث فإنه رأى خطى فقال خطك يشبه خط المحدثين فأثر قوله فى وسمعت منه وتخرجت به قال الصفدى كان يصحب الخصمين وكل منهما راض لصحبته واثق به حتى كان كل واحد من ابن تيمية وابن الزملكانى يذيع سره فى الآخر إليه وثوقا به وسعى فى صلاح ذات بينهما ومدحه الذهبى فقال ( ان رمت تفتيش الخزائن كلها *** وظهور أجزاء بدت وعوالي ) ( وتفوق أشياخ الوجود ومارووا *** طالع أو اسمع معجم البرزالي ) وتوفى ذاهبا إلى مكة غريبا فى رابع ذى الحجة سنة 739 تسع وثلاثين وسبعمائة

(2/45)


السيد القاسم بن محمد بن عبد الله الكبسنى
ولد سنة 1121 إحدى وعشرين ومائة وألف ثم طلب العلم فقرأ على مشايخ مدينة صنعاء وبرع فى العلوم ولاسيما علم الحديث فإنه صار فيه اماما كبيرا وأخذ عنه الناس فى صنعاء طبقة بعد طبقة وانتفعوا به وكان يتولى فى بعض الأوقات فتولى وقف ثلا وبقى هنالك أياما وعاد إلى صنعاء واستمر على نشر العلم وطال عمره وضعف عن الحركة فى آخر عمره وهو شيخ شيوخنا ولو سمعت منه لكان ذلك ممكنا وله رسائل وأجوبة مفيدة موجودة ومات سنة 1201 احدى ومائتين وألف
السيد القاسم بن محمد بن إسماعيل بن صلاح المعروف بالأمير
ابن العلامة الكبير البدر الآتى ذكره ان شاء الله تعالى مولده سنة ست وستين بعد المائة والألف فى سادس وعشرين شهر ربيع الأول منها بصنعاء ونشأ بها فأخذ العلم عن جماعة من العلماء كأخيه السيد العلامة عبد الله بن محمد والعلامة لطف البارى بن أحمد الورد والعلامة على بن هادى عرهب ولازم الثالث وأخذ عنه فى فنون عدة وانتفع به انتفاعا تاما وهو الآن مكب على الأخذ عنه وقد استقر هو وشيخه المذكور في الروضة وله ذهن دقيق وفكر عميق وفهم صحيح وفطنة زائدة وقد برع فى علوم الاجتهاد وعمل بالأدلة وله صلاح تام وهدي حسن وعبادة وزهادة واشتغال بخاصة النفس ومحبة للخمول واستكثار من الطاعة والحاصل أنه من حسنات الزمن فى جميع خصاله وهو الآن حى مكب على الاشتغال لا برح فى حماية ذى الجلال

(2/46)


القاسم بن يحيى الخولانى
ثم الصنعانى شيخنا العلامة الأكبر ولد فى شهر رمضان سنة 1162 اثنتين وستين ومائة وألف ونشأ بصنعاء فأخذ عن جماعة من أكابر علمائها منهم العلامة أحمد بن صالح بن أبى الرجال وشيخنا العلامة السيد عبد القادر بن أحمد وشيخنا العلامة الحسن بن إسماعيل المغربى والخطيب العلامة لطف البارى بن أحمد الورد وغير هؤلاء وبرع فى جميع العلوم وفاق الأقران وانتفع به الطلبة فى جميع الفنون وأخذت عنه فى أوائل الطلب ولازمته وانتفعت به فقرأت عليه الكافية في النحو وشرحها للسيد المفتى جميعا وشرحها للخبيصى جميعا وحواشيها وشرح الرضى إلا شيأ يسيرا من أواخره والشافية فى الصرف وشرحها للشيخ لطف الله جميعا والتهذيب للسعد في المنطق وشرحه للشيرازى جميعا وشرحه للبزدى جميعا وتلخيص المفتاح وحاشيته للطف الله جميعا وفى الأصول غاية السؤل وشرحها وحاشيتها إلا فوتا يسيرا والرسالة العضدية فى آداب البحث وشرحها لملا حنفى وما عليها من الحواشى وفى علم الاصطلاح النخبة لابن حجر وشرحها له جميعا وفى شروح الحديث بعض شرح العمدة لابن دقيق العيد ولعلى سمعت منه غير ما تقدم وكان رحمه الله يطارحنى في البحث مطارحة المستفيد تواضعا منه ثم ترافقنا فى الطلب على شيخنا السيد العلامة عبد القادر بن أحمد وعلى شيخنا العلامة الحسن بن إسماعيل المغربى وجرت بينى وبينه مباحثات فى مسائل

(2/47)


يشتمل عليها رسائل ولم تر عيناي مثله في التواضع وعدم التلفت إلى مناصب الدنيا مع قلة ذات يده وكثرة مكارمه وله في الزهد طريقة لا يلحقه فيها غيره بحيث كان يكتفى بما يحصل له من أجرة تلاوة القرآن وما يحصل له من أجرة ما ينسخه بخطه الحسن وله من قوة الفهم وسرعة الإدراك وحل الدقائق ما يبهر من عرفه ولو طال عمره وأقبل على التصنيف لجاء بالعجاب ومات رحمه الله في اليوم الثانى من شهر شوال سنة 1209 تسع ومائتين وألف

(2/48)


السلطان قانصوه سلطان مصر
كان فى أوائل الأمر أحد مماليك السلطان قايتباى وكان أميالا يعرف شيأ لأنه جلب من بلاده وهو كبير قد شرع فيه الشيب وصار السلطان قايتباى يرقيه لكونه أخا لزوجته وهى التى بذلت الأموال للجند ومكنته من الخزائن حتى ملكوه بعد السلطان قايتباى فاستمر سلطانا سنة وسبعة أشهر ثم خلعوه وكان قد تلقب بالأشرف وأخرجوه من المملكة سنة 905 وولى بعده أميران ولم يثبت قدمهما فى السلطنة ثم أجمع الأجناد على تولية السلطان قانصوه الغوري وهو غير المتقدم ذكره وكان من أصغر الأمراء وأحقرهم ولكن الأمراء الكبار تحاموا الأقدام على السلطنة خوفا من بعضهم البعض فولوا هذا فقبل بعد أن شرط عليهم أنهم لا يقتلونه إذا أرادوا خلعه فقبلوا منه ذلك فولى السلطنة فى سنة 906 وكان عظيم الدهاء قوي التدبير فثبت قدمه فى السلطنة ثباتا عظيما وما زال يقتل أكابر الأمراء حتى أفناهم وصفت له المملكة ولم يبق له فيها منازع ولكنه مال إلى الظلم والعسف وانتهب أموال الناس وانقطعت بسببه المواريث فضج أهل مصر ومن تحت طاعته من أخذه لأموالهم فسلط الله عليه السلطان سليم سلطان الروم فإنه غزاه إلى دياره ووقع بينهما مصاف فقتل صاحب الترجمة تحت سنابك الخيل واستولى السلطان سليم على مملكة مصر والشام وصارت إلى أولاده من بعده إلى الآن وكان ذلك فى سنة 923 ثلاث وعشرين وتسعمائة

(2/49)


السلطان قايتباي الجركسى المحمودى الأشرفي ثم الظاهري ملك الديار المصرية ولد تقريبا فى بضع وعشرين وثمان مائة وقدم به تاجر يقال له محمود إلى ديار مصر فى سنة تسع وثلاثين وثمان مائة فاشتراه الأشرف برسباى ثم ملكه الظاهر جقمق ثم ترقى فى الخدم حتى صار أمير عشرة
ثم أمير طبلخانة ثم صار اتابكا ثم صار سلطانا فى يوم الإثنين ثالث رجب سنة 872 وثبت قدمه في السلطنة وتمكنت هيبته وصار مقبلا على أفعال الخير مقربا للعلماء والصلحاء محبا للفقراء كثير العدل كثير العبادة مائلا إلى العلم كلية الميل عفيفا عن شهوات الملوك حسنة من حسنات الدهر لم يكن له نظير فى ملوك الجراكسة ولا فيمن قبلهم من ملوك الأتراك وحج فى أيام سلطنته وفعل من المحاسن ما لم يفعله غيره وأحسن إلى الخاص والعام وله عمارات فى كثير من أنواع القربات وقد طول السخاوى ترجمته فى الضوء اللامع وذكر كثيرا من محاسنه التى لا يهتدى إليها غيره من الملوك ولكنه كدر صفوها فجعل الترجمة من أولها إلى آخرها سجعا باردا جدا ولم يفعل ذلك فى ترجمة غيره والسبب أنه كان معاصرا له وقد ترجمه قطب الدين الحنفى في الأعلام ترجمة جيدة وفى سنة 901 أراد أن يعزل جماعة من الأمراء ويولى آخرين وكان مريضا إذ ذاك وأنفق بهذا السبب نحو ستمائة ألف دينار واستمر تارة يزيد وعكه وتارة ينقص ولكنه يظهر الجلد إلى أن عجز وزاد توعكه بحيث حجب الناس عنه والخلاف بين سائر عساكره متزايد وأعظم أمرائه قانصوه أخوه زوجته وهو الذى صار سلطانا بعده كما تقدم ومات صاحب الترجمة يوم الأحد سابع عشر ذى القعدة سنة 901 واحدة وتسعمائة

(2/50)


قرا يوسف بن محمد التركمانى كان فى أول أمره من التركمان الرحالة فتنقلت به الأحوال إلى ان استولى بعد تيمورلنك على عراق العرب والعجم ثم ملك تبريز وبغداد وماردين وأذربيجان ودياربكر وما والاها واتسعت مملكته حتى كان يركب فى أربعين ألف نفس ثم ملك الموصل سنة 791 ثم وقع بينه وبين مرز بن بكر بن مرز بن تيمور حرب فقتله صاحب الترجمة فىسنة 813 واستمد بملك العراق وسلطن ابنه محمد شاه ببغداد وله وقايع مع جماعة من الملوك منهم شاه رخ بن تيمور وكان شديد الظلم قاسى القلب لا يتمسك بدين واشتهر عنه أنه كان تحته أربعون امرأة وكان شجاعا سفاكا للدماء حتى انه غزا إلى بعض البلدان فدمر أهلها قتلا وسبيا وبيع الصبى بدرهمين ومات في ذى القعدة سنة 823 ثلاث وعشرين وثمان مائة

(2/51)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية