صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان
المؤلف : أبو العباس شمس الدين أحمد بن محمد بن أبي بكر بن خلكان
المحقق : إحسان عباس
الناشر : دار صادر - بيروت
الطبعة :
الجزء : 1 - الطبعة : 0 ، 1900
الجزء : 2 - الطبعة : 0 ، 1900
الجزء : 3 - الطبعة : 0 ، 1900
الجزء : 4 - الطبعة : 1 ، 1971
الجزء : 5 - الطبعة : 1 ، 1994
الجزء : 6 - الطبعة : 0 ، 1900
الجزء : 7 - الطبعة : 1 ، 1994
عدد الأجزاء : 7
مصدر الكتاب : الوراق

[ ترقيم الكتاب موافق للمطبوع ]

فتذاكرنا وجرى ذكر البيتين وقال: إنهما لعماد الدين أبي المناقب حسام بن عوى بن يونس المحلي نزيل دمشق. وذكر أنه سمعهما منه نزار المنبجي ويكون العماد المحلي قد نظم البيت الأول وجعله توطئة للثاني، واستعمله على وجه التضمين كما جرت العادة في مثله، لكنه كان ينبغي أن ينبه على أنه تضمين كي لا يعتقد من يقف عليهما أنهما له، فأن البيت الأول ليس في جملة أبيات يحيى المنبجي التي مدح بها نور الدين رحمه الله تعالى. ثم من بعد ذلك خطرت لي مؤاخذة على العماد المحلي فإنه قال في بيته الذي جعله توطئة للثاني:
ما البلد المخصب كالماحل ... والخصب والمحل إنما يكون بسبب النبات وعدمه، والبيت الثاني الذي هو التضمين شبه العذار بالعنبر، وأين النبات من العنبر فالتوطئة بين البيتين ليست بملائمة، وهذه المؤاخذة مثل المؤاخذة المتقدمة على الأبيات الثلاثة.
وكنت وقفت على بيتين للعماد المحلي المذكور أيضا أنشدنيهما عنه جماعة وهما:
قيل لي من هويت قد عبث الشع ... ر بخديه قلت ما ذاك عاره
جمرة الخد أحرقت عنبر الخ ... ل فمن ذلك الدخان عذاره وسنح لي عليهما مؤاخذة مثل المؤاخذة المذكورة، وهي أنه لما قيل له إن الشعر عبث بخديه ما أنكر ذلك بل قال " ما ذاك عذاره " فقد وافق على أنه شعر، غاية ما في الباب أنه قال هذا الشعر ما هو عاره، فكيف يقول بعد هذا " جمرة الخد أحرقت عنبر الخال " إلى آخره، فجعل العذار دخان العنبر، وأين دخان العنبر من الشعر بل كان ينبغي أن يقول لهم: هذا ما هو شعر، بل هو دخان العنبر حتى يتم له المعنى.
وقد نظم صاحبنا ورفيقنا في الاشتغال بحلب عون الدين أبو الربيع سليمان بن بهاء الدين عبد المجيد بن العجمي الحلبي (1) بيتين ألم فيهما بهذا المعنى وهما:
__________
(1) ترجمته في الفوات 1: 358 وفيه البيتان؛ ولد سنة ست وستمائة وتوفي سنة ست وخمسين وستمائة بدمشق، وكان متأهلا للوزارة كامل الرياسة لطيف الشمائل؛ وانظر عقود الجمان لابن الشعار ج 3، الورقة: 111 والزركشي: 2، الورقة: 127.

(6/251)


لهيب الخد حين بدا لعيني ... هوى قلبي عليه كالفراش
فأحرقه فصار عليه خالا ... وها أثر الدخان على الحواشي وقد أحسن في هذا المعنى وخلص من تلك المؤاخذة، لكن وقع في مؤاخذة أخرى، وهي أنه جعل العذار احتراق قلبه، والعماد جعله دخان عنبر الخال، وبين الدخانين بون كبير، فهذا طيب الرائحة وذاك كريه الرائحة.
وقد سبق ترجمة عبد الله بن صارة الشنتريني (1) بيتان أبدع فيهما، وهما:
ومهفهف رقت حواشي حسنه ... فقلوبنا وجدا عليه رقاق
لم يكس سالفه العذار وإنما ... نفضت عليه صباغها الأحداق والأصل في هذا الباب (2) كله قوله أبي إسحاق إبراهيم الصابي الكاتب في غلامه الأسود واسمه يمن - وقد سبق ذكر الأبيات في ترجمته من هذا الكتاب (3) ، والمقصود منها هاهنا قوله في أولها:
لك وجه كأن يمناي خطت ... ه بلفظ تمله آمالي
فيه معنى من البدور ولكن ... نفضت صبغها عليه الليالي وبيتا عون الدين فيهما إلمام بقول أبي الحسين أحمد بن منير الطرابلسي - المقدم ذكره:
لا تخالوا الخال يعلو خده ... قطرة من دم جفني نطفت
ذاك من نار فؤادي جذوة ... فيه ساخت وانطفت ثم طفت قلت: وقد خرجنا عن المقصود وانتشر الكلام، لكن ما خلا ما خلا من فائدة.
__________
(1) انظر ج 3: 94.
(2) المختار: المعنى.
(3) ج 1: 53.

(6/252)


وقال أبو سعد السمعاني أيضا: أنشدني يحيى بن نزار المنبجي لنفسه:
لو صد عني دلالا أو معاتبة ... لكنت أرجو تلافيه وأعتذر
لكن ملالا فلا أرجو تعطفه ... جبر الزجاج عسير حين ينكسر وله غير هذا نظم مليح ومعان لطيفة.
وقال أبو الفرج صدقة بن الحسين بن الحداد (1) في تاريخه المرتب على السنين ما مثاله: سنة أربع وخمسين وخمسمائة، في ليلة الجمعة سادس ذي الحجة مات يحيى بن نزار المنبجي ببغداد، ودفن بالوردية، قيل إنه وجد في أذنه ثقلا فاستدعى إنسانا من الطرقية، فامتص أذنه فخرج شيء من مخه، فكان سبب موته، رحمه الله تعالى.
وقال السمعاني: هو أخو أبي الغنائم التاجر المعروف، وذكر أبا الغنائم ووصفه وأثنى عليه في ترجمة مستقلة في كتاب " الذيل " أيضا، رحمه الله تعالى.
(329) وأما العماد المحلي (2) فإنه كان أديبا لطيفا على ما يحكى عنه من النوادر وله نظم مليح في المقطعات دون القصائد، وكان يحفظ المقامات وشرحها، وتوفي ليلة الأربعاء عاشر شهر ربيع الأول سنة تسع وستمائة بدمشق، ودفن بمقابر الصوفية، وعرف بابن الجمال (3) ، وولد في سنة ستين وخمسمائة تقديرا بقوص، ونشأ بالمحلة، فنسب إليها.
ثم وجدت في مسوداتي بخطي بيتا منسوبا إلى الوجيه أبي الحسن علي بن يحيى بن الحسين بن أحمد المعروف بابن الذروي الأديب الشاعر وهو.
عذاره دخان ند خاله ... وريقه من ماء ورد خده ثم وجدت منسوبا إلى ابن سناء الملك - المقدم ذكره - والصحيح أنها لأسعد
__________
(1) بغدادي مؤرخ أديب توفي سنة 573ه ، وقد ابتدأ تاريخه بعام 527؛ انظر ترجمته في المنتظم 10: 276 وشذرات الذهب 4: 245 ولسان الميزان 3: 184 وتاريخ ابن الأثير 11: 449.
(2) انظر ذيل الروضتين: 160 قال: وله ترجمة حسنة في معجم القوصي.
(3) س: بابن الحمال.

(6/253)


ابن مماتي - المقدم ذكره أيضا:
سمراء قد أزرت بكل أسمر ... بلونها ولينها وقدها (1)
أنفاسها دخان ند خالها ... وريقها من ماء ورد خدها
لو كتب البدر إلى خدمتها ... ملطفا ترجمه بعبدها ورأيت للمهذب أبي نصر محمد بن إبراهيم بن الخضر الحلبي المعروف بابن البرهان الحاسب المنجم الطبري (2) :
ومهفهف راقت نضارة وجهه ... فالعين تنظر منه أحسن منظر
أصلى بنار الخد عنبر خاله ... فبدا العذار دخان ذاك العنبر فعلمت أن العماد المحلى إنما أخذ ذلك المعنى من أحد هؤلاء، والله سبحانه وتعالى أعلم.
810 - (3)
تاج الدين ابن الجراح
أبو الحسين يحيى بن أبي علي منصور بن الجراح بن الحسين بن محمد بن داود بن الجراح المصري، وهذه الزيادة في نسبه وجدتها بخط بعض الأدباء ولا أتحققها، والأول أصح (4) ، الكاتب المنعوت (5) تاج الدين؛ كتب في ديوان
__________
(1) سقط البيت من س.
(2) أبو نصر الحلبي الحاسب يعرف بالسطيل، وكان والده يعرف بالبرهان المنجم الطبري، ولد المهذب بحلب سنة 580 وكان فاضلا ديبا له تواليف مفيدة، وصنف زيجا ومقدمة في الحساب، وشعره في مجلدين، استوطن صرخد وتوفي بها سنة 655 (الوافي 1: 178).
(3) ترجم له ابن الشعار في عقود الجمان: 10 الورقة: 98 ونسبه كما ورد هنا: ولا أدري الزيادة التي يعينها المؤلف.
(4) س بر من: صحيح.
(5) بر من: الملقب.

(6/254)


الإنشاء بالديار المصرية مدة طويلة. وكتب الكثير، وكان خطه في غاية الجودة، وكان فاضلا أديبا متقنا، له فطرة حسنة وشعر فائق ورسائل أنيقة، وسنع الحديث بثغر الإسكندرية المحروسة على الحافظ أبي طاهر السلفي وأبي الثناء حماد بن هبة الله الحراني، وحدث وسمع الناس عليه.
وله لغز في الدملج الذي تلبسه النساء، وهو بديع في بابه فأحببت ذكره، وهو نثر:
ما شيء قلبه حجر، ووجهه قمر، إن نبذته صبر، واعتزل البشر وإن أجعته رضي بالنوى، وانطوى على الخوى، وإن أشبعته قبل قدمك، وصحب خدمك، وإن غلفته ضاع، وإن أدخلته السوق أبى أن يباع، وإن أظهرته جمل المتاع، وأحسن الإمتاع، وإن شددت ثانيه، وحذفت منه القافية، كدر الحياة وأوجب التخفيف في الصلاة، وأحدث في (1) وقت العصر الضجر، ووقت الفجر الخدر، وجمع بين حسن العقبى وقبح الأثر، هذا وإن فصلته دعا لك، وأبقى ما إن ركبته هالك، وربما بلغك آمالك، وكثر مالك، وأحسن بعون المساكين مآلك، والسلام.
قلت: وهذا اللغز قد يقف عليه من لا يعرف طريق حله، فيعسر عليه تفسيره، فيحتاج إلى الإيضاح، فأقول:
أما قوله " ما شيء قلبه حجر " فمراده قلب حروف دملج، فإنا إذا قلبنا هذه الحروف يخرج منها " جلمد " وهو الحجر، وقوله " ووجهه قمر " يريد أنه مستدير كالقمر، وقوله " إن نبذته صبر واعتزل البشر " فالبشر جمع بشرة، فالإنسان إذا ألقى الدملج عنه صبر واعتزل بشرته إذ ليس فيه أهلية المنع فهو يصبر ويعتزل المكان الذي كان فيه. وقوله " وإن أجعته رضي بالنوى " فالنوى لفظ مشترك يقع على البعد وعلى نوى التمر، وعادتهم في بلاد العراق أن يطحنوا نوى التمر والرطب والبسر ويعلفوا به البقر، وقصد هاهنا هذه التورية، فإن الدملج إذ أخرج من العضد أو من الساق فقد جاع، لأنه يكون فارغ الجوف، ويرضى بالنوى الذي هو البعد عن عضو صاحبه، ويقولون: فلان يرضى بالنوى، إذا كان فقيرا لا يجد ما يتبلغ به، فهو يجتزئ بمص النوى، وهذا يفعله أهل
__________
(1) في: زيادة من س والمختار.

(6/255)


الحجاز والبلاد المجدية، لقلة الأقوات عندهم، فقد استعمل صاحب هذا اللغز لفظة النوى في هذين المعنيين، وهذه هي التورية، وقوله " وانطوى على الخوى " فالخوى هو الخلو، وإذا كان فارغ الجوف فهو خاو، وقوله " وإن أشبعته قبل قدمك " مراده بالإشباع هنا لبس الدملج، فإن صاحبه إذا لبسه فقد ملأ جوفه، ويكون فوق القدم فكأنه يقبله. وقوله " وصحب خدمك " فيه تورية أيضا فإن الخدم جمع خادم، وهذا الجمع قليل الاستعمال لهذا الواحد فإنه لا يقال فاعل وجمعه فعل إلا في ألفاظ مسموعة مثل خادم وخدم وغائب وغيب، وحارس وحرس، وجامد وجمد، وغير ذلك، فهو موقوف على السماع، وخدم جمع خدمة أيضا، وهو سير يشد في رسغ البعير تشد إليه سريحة النعل وبه سمي الخلخال خدمة لأنه ربما كان من سيور يركب فيه الذهب والفضة ويجمع على خدام أيضا. وقوله " وإن غلفته ضاع " هذا فيه تورية أيضا، فإن التغليف أن يجعل للشيء غلافا، والتغليف استعمال الطيب أيضا. وقوله " ضاع " فيه تورية أيضا، فإنه يقال ضاع الشيء من الضياع، وضاع الطيب إذا عبقت رائحته. وقوله " وإن أدخلته السوق أبى أن يباع " فالسوق جمع ساق، وفيه التورية أيضا لأن السوق موضع البيع والشراء، والسوق كما ذكرناه. وقوله " أبى أن يباع " لأن العادة أنه لا يباع إلا إذا أخرج من العضو الذي هو فيه، ولا يباع قبل إخراجه، فكأنه قبل الإخراج أبى البيع، وقوله " وإن أظهرته جمل المتاع، وأحسن الإمتاع " فهذا ظاهر لا حاجة له إلى تفسير. وقوله " وإن شددت ثانيه " وهو الميم، و " حذفت منه القافية " وهي الجيم، فيبقى الدمل، وهو يكدر الحياة بألمه، ويوجب التخفيف في الصلاة للألم أيضا. وقوله " وأحدث في وقت العصر الضجر " فالعصر فيه التورية أيضا، لأنه اسم الصلاة، وهو مصدر لفعل عصر، وكذلك الفجر، لأنه اسم للصبح وهو مصدر لفعل فجر، فالإنسان في وقت عصر الدمل يحصل له الضجر والقلق وإذا فجره وخلص منه حصل له الخدر والراحة. وقوله " وجمع بين حسن العقبى وقبح الأثر " فقصد المقابلة بين الحسن والقبح، ولا شك أن عقبى انفجار الدمل حسنة، وإن كان الأثر الذي يبقى في المكان قبيحا. وقوله

(6/256)


" وإن فصلته دعا لك " معناه أنك إذا فصلت أحد النصفين من لفظ الدملج من النصف الآخر، فالنصف منه " دم " وهو الدعاء للإنسان بالدوام، وقوله " وأبقى ما إن ركبته هالك " فالباقي منه " لج " واللج هو لج البحر، وإن كان النصف من الدملج مخففا، ولج البحر مشددا، لكنهم يغتفرون مثل هذا في الألغاز والتصاحيف والأحاجي، ولا يبالون به، ولا شك أن ركوب البحر أمر هائل، فلهذا قال " هالك وربما بلغك آمالك " لأنه يوصل الإنسان إلى الموضع الذي يقصده. وقوله " وكثر مالك " معناه إذا ركبه الإنسان للتجارة، وقوله " وأحسن بعون المساكين مآلك " ، فعون المساكين هو السفينة، كما قال الله تعالى " أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر " " الكهف " : فهي عون لهم على حاجتهم وسد خلتهم، ومآل الشيء عاقبة أمره، والله تعالى أعلم.
قلت: وفي اللغز ثماني لغات، لغز بضم اللام وسكون الغين، ولغز بضمهما، ولغز بضم اللام وفتح الغين، ولغز بفتح اللام وسكون الغين، ولغز بفتحهما، وألغوزة الهمزة وسكون اللام وضم الغين، ولغيزي بضم اللام وتشديد الغين مع القصر، ولغيزاء مثل الأول إلا أن الغين مخففة ومفتوحة والألف ممدودة، والله أعلم.
وقد طال الكلام لكن الحاجة دعت إليه كي لا يبقى فيه التباس على سامعه، ورأيت في مجموع بخط بعض الفضلاء بيتين منسوبين إليه، وهما هذان:
أمد كفي إلى البيضاء أقلعها ... من لحيتي فتفديها بسوداء
هذي يدي وهي مني لا تطاوعني ... على مرادي فما ظني بأعدائي وكانت ولادة المذكور في ليلة السبت خامس عشر شعبان سنة إحدى وأربعين وخمسمائة. وتوفي في خامس شعبان سنة ست عشرة وستمائة بدمياط، والعدو المخذول محاصرها، رحمه الله تعالى.
وجراح: بفتح الجيم وتشديد الراء وبعد الألف حاء مهملة.
ثم إن العدو ملك دمياط يوم الثلاثاء السابع والعشرين من الشهر المذكور، والله أعلم.

(6/257)


ونقلت من خط الشيخ مهذب الدين أبي طالب محمد بن علي اللغوي (1) المعروف بابن الخيمي الحلي نزيل مصر أن العدو نزل قبالة دمياط يوم الثلاثاء ثاني عشر ربيع الأول سنة خمس عشرة وستمائة، ونزل البر الشرقي يوم الثلاثاء سادس عشر ذي القعدة من السنة، وأخذ الثغر يوم الثلاثاء السادس والعشرين (2) من شعبان سنة ست عشرة وستمائة، واستعيدت منهم يوم الأربعاء تاسع عشر رجب سنة ثماني عشرة وستمائة، ومدة نزولهم عليها إلى أن انفصلوا عنها ثلاث سنين وثلاثة أشهر وسبعة عشر يوما، ومن الاتفاق العجيب نزولهم عليها يوم الثلاثاء وإحاطتهم بها يوم الثلاثاء وملكهم لها يوم الثلاثاء، وقد جاء في الخبر أن الله تعالى خلق المكروه يوم الثلاثاء.
ولفظة دمياط سريانية، وأصلها بالذال المعجمة، ويقولونه (3) ذمط، وتفسيره القدرة الربانية، وكأنه إشارة إلى مجمع البحرين العذب والملح، والله تعالى أعلم.
811 - (4)
جمال الدين ابن مطروح
أبو الحسن يحيى بن عيسى بن إبراهيم بن الحسين بن علي بن حمزة بن إبراهيم بن الحسين بن مطروح، الملقب جمال الدين، من أهل الصعيد مصر، ونشأ هناك وأقام بقوص مدة، وتنقلت به الأحوال في الخدم والولايات، ثم اتصل بخدمة السلطان الملك الصالح أبي الفتح أيوب الملقب نجم الدين ابن السلطان
__________
(1) اللغوي: سقطت من ق.
(2) ابن الشعار: الخامس والعشرين.
(3) س: ويقولون.
(4) ترجمته في البدر السافر، الورقة 232 وابن الشعار: 10 الورقة: 8 وذيل الروضتين 187 ومرآة الزمان: 788 ومرآة الجنان 4: 119 والنجوم الزاهرة 7: 27 وحسن المحاضرة 1: 143 والشذرات 5: 247.

(6/258)


الملك الكامل ابن السلطان الملك العادل بن أيوب وكان إذ ذاك نائبا عن أبيه الملك الكامل بالديار المصرية، ولما اتسعت مملكة الكامل بالبلاد المصرية بل بالبلاد الشرقية، فصار له آمد وحصن كيفا وحران والرها والرقة ورأس عين وسروج وما انضم إلى ذلك، سير إليها ولده الملك الصالح المذكور نائبا عنه، وذلك في سنة تسع وعشرين وستمائة، فكان ابن مطروح المذكور في خدمته، ولم يزل يتنقل في تلك البلاد إلى أن وصل الملك الصالح إلى مصر مالكا لها، وكان دخوله القاهرة يوم الأحد السابع والعشرين من ذي القعدة سنة سبع وثلاثين وستمائة، ثم وصل ابن مطروح بعد ذلك إلى الديار المصرية في أوائل سنة تسع وثلاثين وستمائة، فرتبه ناظرا في الخزانة، ولم يزل يقرب منه ويحظى عنده إلى أن ملك الملك الصالح دمشق في الدفعة الثانية، وكان ذلك في جمادى الأولى من سنة ثلاث وأربعين وستمائة.
ثم إن السلطان بعد ذلك رتب لدمشق نوابا (1) ، فكان ابن مطروح في صورة وزير لها، ومضى إليها وحسنت حالته وارتفعت منزلته.
ثم إن الملك الصالح توجه إلى دمشق فوصلها في شعبان سنة ست وأربعين، وجهز عسكرا إلى حمص لاستنقاذها من يدي نواب الملك الناصر أبي المظفر يوسف الملقب صلاح الدين بن الملك العزيز بن الملك الظاهر ابن السلطان صلاح الدين صاحب حلب، فإنه قد انتزعها من صاحبها الملك الأشرف مظفر الدين أبي الفتح موسى ابن الملك المنصور إبراهيم ابن الملك المجاهد أسد الدين شيركوه عنوة، وكان منتميا إلى الملك الصالح، فخرج من مصر لاسترداد حمص له، فعزل ابن مطروح عن ولايته بدمشق (2) ، وسيره مع العسكر المتوجه إلى حمص، وأقام الملك الصالح بدمشق إلى أن ينكشف له ما يكون من أمر حمص، فبلغه أن الفرنج قد اجتمعوا بجزيرة قبرص على عزم قصد الديار المصرية، فسير إلى عسكره المحاصرين بحمص وأمرهم أن يتركوا ذلك المقصد ويعودوا إلى لحفظ الديار المصرية، فعاد بالعسكر وابن مطروح في الخدمة، والملك
__________
(1) ق: نائبا.
(2) ر: ولاية دمشق.

(6/259)


الصالح متغير عليه متنكر له لأمور نقمها عليه، وطرق الفرنج البلاد في أوائل سنة سبع وأربعين، وملكوا دمياط يوم الأحد الثاني والعشرين من صفر من السنة، وخيم الملك الصالح بعسكره على المنصورة، وابن مطروح مواظب على الخدمة مع الإعراض عنه، ولما مات الملك الصالح ليلة النصف من شعبان سنة سبع وأربعين بالمنصورة وصل ابن مطروح إلى مصر وأقام في داره إلى أن مات.
هذه جملة حاله على الإجمال.
وكانت أدواته جميلة وخلاله حميدة، جمع بين الفضل والمروءة والأخلاق الرضية، وكان بيني وبينه مودة أكيدة ومكاتبات في الغيبة، ومجالس في الحضرة تجري فيها مذاكرات أدبية لطيفة، وله ديوان شعر أنشدني أكثره، فمن ذلك قوله في أول قصيدة طويلة (1) :
هي رامة فخذوا يمين الوادي ... وذروا السيوف تقر في الأغماد
وحذار من لحظات أعين عينها ... فلكم صرعن بها من الآساد
من كان منكم واثقا بفؤاده ... فهناك ما أنا واثق بفؤادي
يا صاحبي ولي بجرعاء الحمى ... قل أسير ما له من فادي
سلبته مني يوم بانوا مقلة ... مكحولة أجفانها بسواد
وبحي من أنا في هواه ميت ... عين على العشاق بالمرصاد
وأغن مسكي اللمى معسوله ... لولا الرقيب بلغت منه مرادي
كيف السبيل إلى وصال محجب ... ما بين بيض ظبا وسمر صعاد
في بيت شعر نازل من شعره ... فالحسن منه عاكف في بادي
حرسوا مهفهف قده بمثقف ... فتشابه المياس بالمياد
قالت لنا ألف العار بخده ... في ميم مبسمه شفاء الصادي وهي طويلة اقتصرت منها على هذا القدر للاختصار.
__________
(1) ر: لطيفة طويلة، وانظر ابن الشعار 10: 32.

(6/260)


ومن ذلك قوله:
علقته من آل يعرب لحظه ... أمضى وأفتك من سيوف عريبه
أسكنته في المنحنى من أضلعي ... شوقا لبارق ثغره وعذيبه
يا عائبي ذاك الفتور بطرفه ... خلوه لي أنا قد رضيت بعيبه
لدن وما مر النسيم بعطفه ... أرج وما نفح العبير بجيبه وكان في بعض أسفاره قد نزل في طريقه بمسجد وهو مريض فقال:
يا رب إن عجز الطبيب فداوني ... بلطيف صنعك واشفني يا شافي
أنا من ضيوفك قد حسبت وإن من ... شيم الكرام البر بالأضياف ووجدت بعد موته رقعة فيها مكتوب هذان البيتان (1) .
وأخبرني أنه جرى بينه وبين أبي الفضل جعفر بن شمس الخلافة الشاعر - المقدم ذكره (2) - منازعة في بيت هو من جملة قصيدته التي أولها:
من لي بغصن باللحاظ ممنطق ... حلو الشمائل واللمى والمنطق
مثري الروادف مملق من خصره ... أسمعت في الدنيا بمثر مملق والبيت الذي قد وقع فيه النزاع قوله:
وأقول يا أخت الغزال ملاحة ... فتقول لا عاش الغزال ولا بقي فزعم ابن شمس الخلافة أن هذا البيت له من جملة قصيدة هي في ديوانه، وعمل كل واحد منهما محضرا شهد فيه جماعة بأن البيت له، وحلف لي ابن مطروح أن البيت له، وكان محترزا في أقواله، ولم تعرف منه الدعوى بما ليس له، والله المطلع على السرائر.
وأنشدني له بعض أصحابنا قال: أنشدني لنفسه:
__________
(1) ووجدت... البيتان: سقط من ق ع؛ وسقط من س مع البيتين قبله.
(2) انظر ج 1: 362.

(6/261)


يا من لبست عليه أثواب الضنى ... صفرا موشعة بحمر الأدمع
أدرك بقية مهجة لو لم تذب ... أسفا عليك نفيتها عن أضلعي (1) وكان في مدة انقطاعه في داره وضيق صدره بسبب عطلته وكثرة كلفه قد حدث في عينيه ألم انتهى به إلى مقاربة العمى، وكنت أجتمع به في كل وقت، فتأخرت عنه مديدة لعذر أوجب ذلك، وكنت في ذلك الوقت أنوب في الحكم بالقاهرة المحروسة عن قاضي القضاة بدر الدين أبي المحاسن يوسف بن الحسن بن علي الحاكم بالديار المصرية المعروف بقاضي سنجار، فكتب إلي ابن مطروح يقول:
يا من إذا استوحش طرفي له ... لم يخل قلبي منه من أنس
والطرف والقلب، على ما هما ... عليه، مأوى البدر والشمس وله من جملة قصيدة طويلة (2) :
ملك الملاح ترى العيو ... ن عليه دائره يطق
ومخيم بين الضلو ... ع وفي الفؤاد له سبق والبيت الأول مأخوذ من قول المتنبي:
وخصر تثبت الأبصار فيه ... كأن عليه من حدق نطاقا واليطق: بفتح الياء المثناة من تحتها والطاء المهملة وبعدها قاف، وهو عبارة عن جماعة من الجند يبيتون كل ليلة حول خيمة الملك محيطين به يحرسونه إذا كان مسافرا، وهو لفظ تركي.
والسبق: بفتح السين المهملة والباء الموحدة وبعدها قاف، وهي خيمة الملك إذا كان مسافرا، فإنه تقدم له خيمة إلى المنزلة التي يتوجه إليها، حتى إذا جاءها له ينزل فيها، ولا يتوقف على انتظار وصول الخيمة التي
__________
(1) وأنشدني له... أضلعي: لم يرد في س.
(2) هذا وما بعده سقط من س أيضا حتى قوله " ومجرى السوابق " ؛ وانظر ابن الشعار: 11.

(6/262)


كان بها [في تلك المنزلة التي رحل منها] (1) .
وله بيتان ضمنهما بيت المتنبي وأحسن فيهما، وهما:
إذا ما سقاني ريقه وهو باسم ... " تذكرت ما بين العذيب وبارق "
ويذكرني من قده ومدامعي ... " مجر عوالينا ومجرى السوابق " وهذا المعنى للمتنبي في أول قصيدة بديعة طويلة، وهي:
تذكرت ما بين العذيب وبارق ... مجر عوالينا ومجرى السوابق وكانت بينه وبين بهاء الدين زهير - المقدم ذكره في حرف الزاي - صحبة قديمة من زمن الصبا، وإقامتهما ببلاد الصعيد، حتى كانا كالأخوين، وليس بينهما فرق في أمور الدنيا، ثم اتصلا بخدمة الملك الصالح وهما على تلك المودة، وبينهما مكاتبات بالأشعار فيما يجري لهما، فأخبرني بهاء الدين زهير أن جمال الدين ابن مطروح كتب إليه بعض الأيام يطلب منه درج ورق، وكان قد ضاق به الوقت، وأظنهما كانا ببلاد الشرق معا (2) :
أفلست يا سيدي من الورق ... فجد بدرج كعرضك اليقق
وإن أتى بالمداد مقترنا ... فمرحبا بالخدود والحدق قال بهاء الدين زهير، وقد فتح الراء من " الورق " وكسرها تنبيها على حاله، فكتبت إليه:
مولاي سيرت ما رسمت به ... وهو يسير المداد والورق
وعز عندي تسيير ذاك وقد ... شبهته بالخدود والحدق (3)
__________
(1) سقط من ر ع ق.
(2) قد مر هذا في ترجمة البهازهير 1: 336 - 337 وهو مما انفردت به ر د ولم يرد في المسودة وهاهو المؤلف يورده هنا.
(3) علق صاحب المختار بعد هذا بقوله: " قلت، أعني كاتبها موسى بن أحمد، لطف الله به: لو اقتصر ابن مطروح في بيته الثاني منهما على التشبيه بالحدق فقط لكان كافيا محصلا للمقصود؛ وقد ألم بهذا المعنى الجمال ابن عبد الشاعر - المقدم ذكره - في بيتين كتبهما إلى والدي، قدس الله روحه، وهما بالديار المصرية، وهما:
إذا ما اشتقت يوما أن اراكم ... وحال البعد بينكم وبيني
بعثت لكم سوادا في بياض ... لأنظركم بشيء مثل عيني والله أعلم " .

(6/263)


وقد سبق في ترجمة بهاء الدين ذكر بيتين كتبهما ابن مطروح إلى بهاء الدين وذكرت السبب في نظم ذينك البيتين على ما حكاه لي بهاء الدين، ثم بعد ذلك وصل إلى الديار المصرية من الموصل بعض الأدباء وجرى حديث ما ذكره لي بهاء الدين زهير وأنه أنشدني بيت ابن الحلاوي وهو قوله:
تجيزها وتجيز المادحين (1) بها ... فقل لنا أزهير أنت أم هرم فقال ذلك الأديب: هذه القصيدة أنشدنيها ناظمها ابن الحلاوي ونحن بالموصل، وأروي عنه هذا البيت على خلاف هذه الرواية فإنه أنشدني:
تجيدها ثم تجدو من أتاك بها ... فقل لنا أزهير أنت أم هرم فما أدري: هل ابن الحلاوي أنشدها أولا كما رواه بهاء الدين زهير ثم غير البيت كما رواه هذا الأديب أم حصل الغلط لأحدهما والله تعالى أعلم، مع أن كل واحد من الطريقين حسن.
وقصة زهير بن أبي سلمى المزني الشاعر الجاهلي المشهور معلومة فلا حاجة إلى شرحها والخروج عما نحن بصدده، فإنه كان يمدح هرم بن سنان المري أحد أمراء العرب في الجاهلية، وكان هرم كثير العطاء له، حتى آلى على نفسه أنه لا يسلم عليه زهير إلا أعطاه غرة من ماله فرسا أو بعيرا أو عبدا أو أمة، فأجحف ذلك بهرم، فجعل زهير يمر بالجماعة فيهم هرم فيقول: عموا صباحا خلا هرما، وخيركم تركت.
__________
(1) ق بر من: المادحيك.

(6/264)


ونعود إلى ما كنا فيه من حديث ابن مطروح:
بلغني أنه كتب قبل ارتفاع درجته رقعة تتضمن شفاعة في قضاء شغل بعض أصحابه، أرسلها إلى بعض الرؤساء، فكتب ذلك الرئيس في جوابه " هذا الأمر فيه علي مشقة " فكتب جوابه ثانية " لولا المشقة " فلما وقف عليها ذلك الرئيس قضى شغله وفهم قصده، وهو قول المتنبي:
لولا المشقة ساد الناس كلهم ... الجود يفقر والإقدام قتال وهذا من لطيف الإشارات.
وأنشدني الأديب الفاضل جمال الدين أبو الحسين يحيى بن عبد العظيم بن يحيى بن محمد بن علي المعروف بالجزار المصري (1) قصيدة بديعة مدح بها جمال الدين ابن مطروح المذكور، وهي بديعة فاقتصرت منها على ذكر غزلها، وهو هذا:
هو ذا الربيع ولي نفس مشوقه ... فاحبس الركب عسى أقضي حقوقه
فقبيح بي في شرع الهوى ... بعد ذلك البر أن أرضى عقوقه
لست أنسى فيه ليلات مضت ... مع من أهوى وساعات أنيقه
ولئن أضحى مجازا بعدهم ... فغرامي فيه ما زال حقيقه
يا صديقي والكريم الحر في ... مثل هذا الوقت لا ينسى صديقه
ضع يدا منك على قلبي عسى ... أن تهدي بين جنبي خفوقه
فاض دمعي مذ رأى ربع الهوى ... ولكم فاض وقد شام بروقه
نفد اللؤلؤ من أدمعه ... فغدا ينثر في الترب عقيقه
قف معي واستوقف الركب فإن ... لم يقف فاتركه يمضي وطريقه
__________
(1) راجع ترجمة الجزار في المغرب (قسم مصر) 1: 296 وحسن المحاضرة 1: 327 والشذرات 5: 364 والنجوم الزاهرة 7: 345 والفوات 2: 630 والبدر السافر، الورقة: 225 والزركشي 3 الورقة: 365؛ وفي المسالك قطعة كبيرة من شعره، وكانت وفاته سنة 679.

(6/265)


فهي أرض قلما يلحقها ... آمل والركب لم أعدم لحوقه
طالما استجليت في أرجائها ... من يتيه البدر إذ يدعى شقيقه
يفضح الورد احمرارا خده ... وتود الخمر لو تشبه ريقه
فبه الحسن خليق لم يزل ... والمعالي بابن مطروح خليقه وكانت ولادته يوم الاثنين ثامن رجب سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة بأسيوط، وتوفي ليلة الأربعاء مستهل شعبان سنة تسع وأربعين وستمائة بمصر، ودفن بسفح الجبل المقطم، وحضرت الصلاة عليه ودفنه، وأوصى أن يكتب عند رأسه دوبيت نظمه في مرضه، وهو:
أصبحت بقعر حفرة مرتهنا ... لا أملك من دنياي إلا كفنا
يا من وسعت عبادة رحمته ... من بعض عبادك المسيئين أنا ومما ذكر أنه وجد في رقعة مكتوبة تحت رأسه بعد موته:
أتجزع م الموت (1) هذا الجزع ... ورحمة ربك فيها الطمع
ولو بذنوب الورى جئته ... فرحمته كل شيء تسع رحمه الله تعالى.
(330) وتوفي قاضي القضاة بدر الدين يوسف (2) المذكور يوم السبت رابع عشر رجب سنة ثلاث وستين وستمائة بالقاهرة، ودفن في تربته المجاورة لمدرسته بالقرافة الصغرى. وأخبرني مرارا عديدة أنه ولد في شهر ربيع الأول سنة ثمان وخمسمائة في جبال إربل، وهو زرزاري النسب، رحمه الله تعالى (3) .
وأسيوط: بضم الهمزة وسكون السين المهملة وضم الياء المثناة من تحتها وبعدها واو ساكنة ثم طاء مهملة، وهي بليدة بالصعيد الأعلى من ديار مصر ومنهم من يسقط الهمزة ويضم السين فيقول: سيوط، والله تعالى أعلم.
__________
(1) س من بر: للموت.
(2) انظر شذرات الذهب 5: 313 وعبر الذهبي 5: 274، وفي كليهما (زراري).
(3) هنا تنتهي الترجمة في ع.

(6/266)


812 - (1)
ابن جزلة صاحب المنهاج
أبو علي يحيى بن جزلة الطبيب، صاحب كتاب " المنهاج " الذي رتبه على الحروف، وجمع فيه أسماء الحشائش والعقاقير والأدوية وغير ذلك شيئا كثيرا، كان نصرانيا ثم أسلم وصنف رسالة في الرد على النصارى وبيان عوار مذاهبهم، ومدح فيها الإسلام وأقام الحجة على أنه الدين الحق، وذكر فيها ما قرأه في التوراة والإنجيل من ظهور النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه نبي مبعوث وأن اليهود والنصارى أخفوا ذلك ولم يظهروه، ثم ذكروا فيها معايب اليهود والنصارى. وهي رسالة حسنة أجاد فيها وقرئت عليه في ذي الحجة سنة خمس وثمانين وأربعمائة. وكان سبب إسلامه أنه كان يقرأ على أبي علي ابن الوليد المعتزلي ويلازمه، فلم يزل يدعوه إلى الإسلام ويذكر له الدلائل الواضحة حتى هداه الله تعالى، وحسن إسلامه، وهو تلميذ أبي الحسن سعيد بن هبة الله بن الحسن، وبه انتفع في الطب، وكان له نظر في علم الأدب، وكتب الخط الجيد.
وصنف للإمام المقتدي بأمر الله كثيرا من الكتب، فمن ذلك كتاب " تقويم الأبدان " وكتاب " منهاج البيان فيما يستعمله الإنسان " ، وكتاب " الإشارة في تلخيص العبارة " ورسالة في مدح الطب وموافقته للشرع والرد على من طعن عليه، ورسالة كتبها إلى إليا القس لما أسلم، وغير ذلك من التصانيف. وهو من المشاهير في علم الطب وعمله، وذكره أبو المظفر يوسف سبط أبي الفرج ابن الجوزي في تاريخه الذي سماه " مرآة الزمان " فقال: إنه لما أسلم استخلفه أبو الحسن القاضي ببغداد (2) في كتب السجلات، وكان يطبب
__________
(1) ترجمته في المنتظم 9: 119 وابن الأثير 10: 302 وتاريخ الحكماء: 365 وابن أبي أصيبعة 1: 255 وابن العبري 339.
(2) في تاريخ الحكماء أن الذي استخدمه في كتابة السجلات هو القاضي أبو عبد الله الدامغاني.

(6/267)


أهل محلته ومعارفه بغير أجرة، ويحمل إليهم الأشربة والأدوية بغير عوض، ويتفقد الفقراء ويحسن إليهم. ووقف كتبه قبل وفاته، وجعلها في مشهد أبي حنيفة رضي الله عنه، ذكر هذا كله في سنة ثلاث وتسعين وأربعمائة، وعادته أن يذكر الإنسان ويشرح أحواله في سنة وفاته، فإن كتابه مرتب على السنين.
وذكر صاحب كتاب " البستان الجامع لتواريخ الزمان " أن ابن جزلة مات سنة ثلاث وتسعين وأربعمائة، وزاد أبو الحسن الهمذاني: في أواخر شعبان، نقله عنه ابن النجار في " تاريخ بغداد " ، وذكره غيره أن إسلامه كان في سنة ست وستين وأربعمائة، زاد ابن النجار في تاريخ: يوم الثلاثاء حادي عشر جمادى الآخر، رحمه الله تعالى.
وجزلة: بفتح الجيم وسكون الزاي وفتح اللام وبعدها هاء ساكنة، والله تعالى أعلم.
813 - (1)
السهروردي المقتول
أبو الفتوح يحيى بن حبش بن أميرك، الملقب شهاب الدين، السهروردي الحكيم المقتول بحلب، وقيل اسمه أحمد، وقيل كنيته اسمه وهو أبو الفتوح، وذكر أبو العباس أحمد بن أبي أصيبعة الحزرجي الحكيم في كتاب " طبقات الأطباء " أن اسم السهروردي المذكور عمر، ولم يذكر اسم أبيه (2) ، والصحيح الذي ذكرته أولا، فلهذا بنيت الترجمة عليه، فإني وجدته بخط جماعة من أهل المعرفة بهذا الفن وأخبرني به جماعة أخرى لا أشك في معرفتهم،
__________
(1) ترجمته في مرآة الجنان 3: 434 ولسان الميزان 3: 156 ومعجم الأدباء 19: 314 وابن أبي اصيبعة 2: 167 والنجوم الزاهرة 6: 114 وعبر الذهبي 4: 263.
(2) هناك بياض في موضع اسم الأب في المطبوعة.

(6/268)


فقوي عندي ذلك، فترجمت عليه، والله أعلم.
كان المذكور من علماء عصره، قرأ الحكمة وأصول الفقه على الشيخ مجد الدين الجيلي بمدينة المراغة من أعمال أذربيجان، إلى أن برع فيهما وهذا مجد الدين الجيلي هو شيخ فخر الدين الرازي (1) ، وعليه تخرج وبصحبته انتفع، وكان إماما في فنونه.
وقال في " طبقات الأطباء " : كان السهروردي المذكور أوحد أهل زمانه في (2) العلوم الحكمية، جامعا للفنون الفلسفية بارعا في الأصول الفقهية، مفرط الذكاء فصيح العبارة، وكان علمه أكثر من عقله، ثم ذكر أنه قتل في أواخر سنة ست وثمانين وخمسمائة، والصحيح ما سنذكره في أواخر هذه الترجمة إن شاء الله تعالى، وعمره نحو ست وثلاثين سنة، ثم قال: ويقال إنه كان يعرف علم السيمياء.
وحكى بعض فقهاء العجم: أنه كان في صحبته، وقد خرجوا من دمشق، قال: فلما وصلنا إلى القابون، القرية التي على باب دمشق في طريق من يتوجه إلى حلب، لقينا قطيع غنم مع تركماني، فقلنا للشيخ: يا مولانا نريد من هذه الغنم رأسا نأكله، فقال: معي عشرة دراهم، خذوها واشتروا بها رأس غنم، وكان هناك تركماني فاشترينا منه رأسا بها، ومشينا قليلا فلحقنا رفيق له وقال: ردوا هذا الرأس، خذوا أصغر منه، فإن هذا ما عرف يبيعكم، يساوي هذا الرأس أكثر من ذلك، وتقاولنا نحن وإياه، فلما عرف الشيخ ذلك قال لنا: خذوا الرأس وامشوا وأنا أقف معه وأرضيه، فتقدمنا نحن، وبقي الشيخ يتحدث معه ويطيب قلبه، فلما أبعدنا قليلا تركه وتبعنا، وبقي التركماني يمشي خلفه ويصيح به، وهو لا يلتفت إليه، فلما لم يكلمه لحقه بغيظ وجذب يده اليسرى، وقال: أين تروح وتخليني وإذا بيد الشيخ قد انخلعت من عند كتفه وبقيت في يد التركماني ودمها يجري، فبهت التركماني وتحير في أمره، فرمى اليد وخاف، فرجع الشيخ وأخذ تلك اليد بيده اليمنى ولحقنا، وبقي التركماني راجعا وهو يتلفت
__________
(1) المختار: فخر الدين ابن الخطيب الرازي.
(2) طبقات الأطباء: أوحدا في.

(6/269)


إليه حتى غاب عنه، ولما وصل الشيخ إلينا رأينا في يده اليمنى منديلا لا غير.
قلت: ويحكى عنه مثل هذا أشياء كثيرة، والله أعلم بصحتها.
وله تصانيف، فمن ذلك كتاب " التنقيحات " (1) في أصول الفقه، وكتاب " التلويحات " ، وكتاب " الهياكل " ، وكتاب " حكمة الإشراق " ، وله الرسالة المعروفة " بالغربة الغريبة " على مثال " رسالة الطير " لأبي علي ابن سينا، ورسالة " حي بن يقظان " لابن سينا أيضا، وفيها بلاغة تامة أشار فيها إلى حديث النفس وما يتعلق بها اصطلاح الحكماء.
ومن كلامه: الفكر في صورة قدسية، يتلطف بها طالب الأريحية، ونواحي القدس دار لا يطؤها القوم الجاهلون، وحرام على الأجساد المظلمة أن تلج ملكوت السموات، فوجد الله وأنت بتعظيمه (2) ملآن، واذكره وأنت من ملابس الأكوان عريان، ولو كان في الوجود شمسان لانطمست الأركان، فأبى النظام أن يكون غير ما كان:
فخفيت حتى قلت لست بظاهر ... وظهرت من سعتي على الأكوان [آخر] (3) :
لو علمنا أننا ما نلتقي ... لقضينا من سليمى وطرا اللهم خلص لطيفي من هذا العالم الكثيف.
وتنسب إليه أشعار: فمن ذلك ما قاله في النفس على مثال أبيات ابن سينا العينية، وهي مذكورة في ترجمته في حرف الحاء، واسمه الحسين (4) ، فقال هذا الحكيم:
خلعت هياكلها بجرعاء الحمى ... وصبت لمغناها القديم تشوقا
__________
(1) بر: التحقيقات.
(2) بر: بتوحيده.
(3) زيادة من: س ر بر من.
(4) انظر ج 2: 160.

(6/270)


وتلفتت نحو الديار فشاقها ... ربع عفت أطلاله فتمزقا
وقفت تسائله فرد جوابها ... رجع الصدى أن لا سبيل إلى اللقا
فكأنما (1) برق تألق بالحمى ... ثم انطوى فكأنه ما أبرقا ومن شعره المشهور:
أبدا تحن إليكم الأرواح ... ووصالكم ريحانها والراح
وقلوب أهل ودادكم تشتاقكم ... وإلى لذيذ لقائكم ترتاح (2)
وارحمة (3) للعاشقين تكلفوا ... ستر المحبة والهوى فضاح
بالسر إن باحوا تباح دماؤهم ... وكذا دماء البائحين تباح
وإذا هم كتموا تحدث عنهم ... عند الوشاة المدمع السفاح (4)
وبدت شواهد للسقام عليهم ... فيها لمشكل أمرهم إيضاح
خفض الجناح لكم وليس عليكم ... للصب في خفض الجناح جناح
فإلى لقاكم نفسه مرتاحة ... وإلى رضاكم طرفه طماح
عودوا بنور الوصل من غسق الجفا ... فالهجر ليل والوصال صباح
صافاهم فصفوا له فقلوبهم ... في نورها المشكاة والمصباح
وتمتعوا فالوقت طاب بقربكم ... راق الشراب ورقت الأقداح (5)
يا صاح ليس على المحب ملامة ... إن لاح في أفق الوصال صباح
لا ذنب للعشاق إن غلب الهوى ... كتمانهم فنما الغرام وباحوا
سمحوا بأنفسهم وما بخلوا بها ... لما دروا أن السماح رباح
__________
(1) ر: فكأنها.
(2) هامش س: خ: وإلى جلال جمالكم ترتاح.
(3) بر: وارحمتا.
(4) ر س: السحاح.
(5) هذا البيت أول ما بقي من خط المؤلف في نسخة المسودة، وقد كتب فيه " راق الشباب " وفوقها " لعله الشراب " ، وكذلك فعل في س.

(6/271)


ودعاهم داعي الحقائق دعوة ... فغدوا بها مستأنسين وراحوا
ركبوا على سنن الوفا فدموعهم ... بحر وشدة شوقهم ملاح
والله ما طلبوا الوقوف ببابه ... حتى دعوا وأتاهم المفتاح
لا يطربون بغير ذكر حبيبهم ... أبدا فكل زمانهم أفراح
حضروا وقد غابت شواهد ذاتهم ... فتهتكوا لما رأوه وصاحوا
أفناهم عنهم وقد كشفت لهم ... حجب البقا فتلاشت الأرواح
فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم ... إن التشبه بالكرام فلاح
قم يا نديم إلى المدام فهاتها ... في كاسها قد دارت الأقداح
من كرم إكرام بدن ديانة ... لا خمرة قد داسها الفلاح وله في النظم والنثر أشياء لطيفة لا حاجة إلى الإطالة بذكرها. وكان شافعي المذهب، ويلقب بالمؤيد بالملكوت، وكان يتهم بانحلال العقيدة والتعطيل ويعتقد مذهب الحكماء المتقدمين، واشتهر ذلك عنه، فلما وصل إلى حلب أفتى علماؤها بإباحة قتله بسبب اعتقاده وما ظهر لهم من سوء مذهبه، وكان أشد الجماعة عليه الشيخين: زين الدين ومجد الدين ابني جهبل.
وقال الشيخ سيف الدين الآمدي - المقدم ذكره في حرف العين (1) - : اجتمعت بالسهروردي في حلب، فقال لي: لا بد أن أملك الأرض، فقلت له: من أين لك هذا قال: رأيت في المنام كأني شربت ماء البحر، فقلت: لعل هذا يكون اشتهار العلم وما يناسب هذا، فرأيته لا يرجع عنا وقع في نفسه، ورأيته كثير العلم قليل العقل، ويقال: إنه لما تحقق القتل كان كثيرا ما ينشد:
أرى قدمي أراق دمي ... وهان دمي فها ندمي والأول مأخوذ من قول أبي الفتح علي بن محمد السبتي - المقدم ذكره (2) - :
إلى حتفي مشى قدمي ... أرى قدمي أراق دمي
__________
(1) ج 3: 293.
(2) ج 3: 376.

(6/272)


فلم أنفك من ندم ... وليس بنافعي ندمي وكان ذلك في دولة الملك الظاهر ابن السلطان صلاح الدين رحمه الله، فحبسه ثم خنقه بإشارة والده السلطان صلاح الدين، وكان ذلك في خامس رجب سنة سبع وثمانين وخمسمائة بقلعة حلب، وعمره ثمان وثلاثون سنة.
وذكره القاضي بهاء الدين المعروف بابن شداد قاضي حلب في أوائل سيرة صلاح الدين (1) ، وقد ذكر حسن عقيدته (2) فقال: كان كثير التعظيم لشعائر الدين، وأطال الكلام في ذلك، ثم قال: ولقد أمر ولده صاحب حلب بقتل شاب نشأ يقال له " السهروردي " قيل عنه: إنه معاند (3) للشرائع، وكان قد قبض عليه ولده المذكور لما بلغه خبره، وعرف السلطان به فأمر بقتله، فقتله وصلبه أياما.
ونقل سبط ابن الجوزي في تاريخه عن ابن شداد المذكور أنه قال: لما كان يوم الجمعة بعد الصلاة سلخ ذي الحجة سنة سبع وثمانين وخمسمائة أخرج الشهاب السهروردي ميتا من الحبس بحلب فتفرق عنه أصحابه.
قلت: وأقمت بحلب سنين للاشتغال بالعلم الشريف، ورأيت أهلها مختلفين في أمره، وكل واحد يتكلم على قدر هواه: فمنهم من ينسبه إلى الزندقة والإلحاد، ومنهم من يعتقد فيه الصلاح وأنه من أهل الكرامات، ويقولون: ظهر لهم بعد قتله ما يشهد له بذلك، وأكثر الناس على أنه كان ملحدا لا يعتقد شيئا، نسأل الله تعالى العفو والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة، وأن يتوفانا على مذهب أهل الحق والرشاد، وهذا الذي ذكرته في تاريخ قتله هو الصحيح، وهو خلاف ما نقلته في أول هذه الترجمة، وقد قيل إن ذلك كان في سنة ثمان وثمانين، وليس بشيء أيضا.
وحبش: بفتح الحاء المهملة والباء الموحدة وبالشين المعجمة.
وأميرك: بفتح الهمزة وبعدها ميم مكسورة ثم ياء مثناة من تحتها ساكنة
__________
(1) سيرة صلاح الدين: 10.
(2) أي حسن عقيدة السلطان.
(3) ق: كان معاندا، وكذلك في سيرة ابن شداد.

(6/273)


وبعدها راء مفتوحة ثم كاف، وهو اسم أعجمي معناه أمير تصغير أمير، وهم يلحقون الكاف في آخر الاسم للتصغير.
وقد تقدم الكلام على سهرورد في ترجمة الشيخ أبي النجيب عبد القاهر السهروردي فليطلب منه، إن شاء الله تعالى.
814 - (1)
يزيد بن القعقاع القارئ
أبو جعفر يزيد بن القعقاع القارئ، مولى عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة المخزومي عتاقة، ويعرف أبو جعفر المذكور بالمدني؛ أخذ القراءة عرضا عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، وعن مولاه عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة، وعن أبي هريرة رضي الله عنه؛ وسمع عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما، ومروان بن الحكم، ويقال قرأ على زيد بن ثابت رضي الله عنه، وروى القراءة عنه عرضا نافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم وسليمان بن مسلم بن جماز وعيسى بن وردان الحذاء وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وله قراءة.
قال أبو عبد الرحمن النائي: يزيد بن القعقاع ثقة، وكان يقرئ الناس بالمدينة قبل وقعة الحرة، وقال محمد بن القاسم المالكي: أبو جعفر يزيد بن القعقاع مولى أم سلمة رضي الله عنها، زوج النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: ويقال إنه جندب بن فيروز مولى عبد الله بن عياش المخزومي، وكان من أفضل الناس، وقال سليمان بن مسلم: أخبرني أبو جعفر يزيد بن القعقاع أنه كان يقرئ في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الحرة، وكانت الحرة على
__________
(1) ترجمته في المعارف: 582 ورجال ابن حبان: 76 وابن الأثير 5: 394 وتهذيب التهذيب 12: 58 وميزان الاعتدال 4: 511 وغاية النهاية 2: 382 والشذرات 1: 176.

(6/274)


رأس ثلاث وستين سنة من مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، وأخبرني أنه كان يمسك المصحف على مولاه عبد الله بن عياش، وكان من أقرأ الناس وكنت أرى كل يوم ما يقرأ وأخذت عنه قراءته، وأخبرني أنه أتى به إلى أم سلمة رضي الله عنها وهو صغير، فمسحت على رأسه ودعت له بالبركة، قال سليمان المذكور: وسألته متى أقرأت القرآن فقال: أقرأت أو أقرأت فقلت: لا بل أقرأت، فقال: هيهات قبل الحرة في زمان يزيد بن معاوية، وكانت الحرة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بثلاث وخمسين سنة.
وقال نافع بن أبي نعيم: لما غسل أبو جعفر يزيد بن القعقاع القارئ بعد وفاته نظروا ما بين نحره إلى فؤاده مثل ورقة المصحف، فما شك أحد ممن حضره أنه نور القرآن.
وقال سليمان بن مسلم: أخبرني أبو جعفر يزيد بن القعقاع حين كان نافع يمر به فيقول: أترى هذا كان يأتيني وهو غلام له ذؤابة فيقرأ علي ثم كفرني، وهو يضحك. قال سليمان، وقالت أم ولد أبي جعفر: إن ذلك البياض الذي كان بين نحره وفؤاده صار غرة بين عينيه. وقال سليمان: رأيت أبا جعفر بعد موته في المنام وهو على الكعبة فقلت له: أبا جعفر قال: نعم اقرئ إخواني عني السلام، وأخبرهم أن الله تعالى جعلني من الشهداء الأحياء المرزوقين، واقرئ أبا حازم السلام وقل له: يقول لك أبو جعفر: الكيس الكيس، فإن الله عز وجل وملائكته يتراءون مجلسك بالعشيات.
وقال مالك بن أنس رحمه الله تعالى: كان أبو جعفر القارئ رجلا صالحا يفتي (1) الناس بالمدينة.
وقال خليفة بن خياط (2) : مات أبو جعفر يزيد بن القعقاع سنة اثنتين وثلاثين ومائة بالمدينة، وقال غيره: مات سنة ثمان وعشرين ومائة، وقال أبو علي الأهوازي في أول كتاب " الإقناع " في القراءات، قال ابن جماز: ولم يزل أبو جعفر إمام الناس في القراءة إلى أن توفي سنة ثلاث وثلاثين ومائة بالمدينة،
__________
(1) الجزري: يقرئ.
(2) تاريخ خليفة: 614.

(6/275)


وقيل إنه توفي في سنة ثلاثين ومائة، والله أعلم.
قلت: وقد تكرر ذكر الحرة في هذه الترجمة في مواضع، وقد يتشوف إلى الوقوف على معرفة ذلك من لا علم له به.
والحرة في الأصل اسم لكل أرض ذات حجارة سود، فمتى كانت بهذه الصفة قيل لها حرة، والحرار كثيرة، والمراد بهذه الحرة حرة واقم، بالقاف المكسورة، وهي بالقرب من المدينة في جهتها - كان يزيد بن معاوية بن أبي سفيان في مدة ولايته قد سير إلى المدينة جيشا مقدمه مسلم بن عقبة المري فنهبها، وخرج أهلها إلى هذه الحرة، فكانت الواقعة بها، وجرى فيها ما يطول شرحه وهو مسطور في التواريخ، حتى قيل إنه بعد وقعة الحرة ولدت أكثر من ألف بكر من أهل المدينة، ممن ليس لهن أزواج، بسبب ما جرى فيها من الفجور.
ثم إن مسلم بن عقبة المري لما قتل أهل المدينة وتوجه إلى مكة، نزل به الموت بموضع يقال له: ثنية هرشى، فدعا حصين بن نمير السكوني وقال له: يا برذعة الحمار، إن أمير المؤمنين عهد إلي إن نزل بي الموت أن أوليك، وأكره خلافه عند الموت. ثم إنه أوصى إليه بأمور يعتمدها ثم قال: لئن دخلت النار بعد قتلي أهل الحرة إني إذا لشقي.
وأما واقم فإنه اسم أطم من آطام المدينة، والأطم: بضم الهمزة والطاء المهملة، شبيه بالقصر، وكان مبنيا عند هذه الحرة فأضيفت الحرة إليه، فقيل حرة واقم، والله أعلم.

(6/276)


815 - (1)
يزيد بن رومان
أبو روح يزيد بن رومان القارئ مولى آل الزبير بن العوام المدني، أخذ القراءة عوضا عن عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة المخزومي، وسمع ابن عباس وعروة بن الزبير رضي الله عنهم، وروى القراءة عنه نافع ابن أبي نعيم، قال يحيى بن معين: يزيد بن رومان ثقة، وقال وهب بن جرير: حدثنا أبي قال: رأيت محمد بن سيرين ويزيد بن رومان يعقدان الآي في الصلاة.
وقال يزيد بن رومان: كنت أصلي إلى جانب نافع بن جبير بن مطعم، فيغمزني فأفتح عليه ونحن نصلي.
وروى يزيد أنه كان الناس يقومون في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه بثلاث وعشرين ركعة في شهر رمضان. وتوفي يزيد في سنة ثلاثين ومائة، رحمه الله تعالى (2) .
ورومان: بضم الراء وسكون الواو وبعدها ميم ثم ألف ونون.
__________
(1) ترجمته في غاية النهاية 2: 381 وتهذيب التهذيب 11: 325.
(2) هنا تنتهي الترجمة في ق.

(6/277)


816 - (1)
يزيد بن المهلب
أبو خالد يزيد بن المهلب بن أبي صفرة الأزدي - قد تقدم ذكر أبيه في حرف الميم (2) ورفعت نسبه وتكلمت عليه فأغنى عن الإعادة هاهنا؛ ذكر ابن قتيبة في كتاب " المعارف " (3) وجماعة من المؤرخين: أنه لما مات أبوه - في التاريخ المذكور في ترجمته - كان قد استخلف ولده يزيد مكانه، ويزيد ابن ثلاثين سنة يومئذ (4) ، فعزله عبد الملك بن مروان برأي الحجاج بن يوسف الثقفي، وولى مكانه في خراسان قتيبة بن مسلم الباهلي - قلت: وقد تقدم ذكره في حرف القاف (5) - وصار يزيد في يد الحجاج - قلت: وكان الحجاج زوج أخته هند بنت المهلب - وكان الحجاج يكره يزيد لما يرى فيه من النجابة فيخشى منه لا يترتب مكانه، فكان يقصده بالمكروه في كل وقت كي لا يثب عليه، وكان الحجاج في كل وقت يسأل المنجمين ومن يعاني هذه الصناعة عمن يكون مكانه، فيقولون: رجل اسمه يزيد، فلا يرى من هو أهل لذلك سوى يزيد المذكور، والحجاج يومئذ أمير العراقين، وكذا وقع، فإنه لما مات الحجاج ولي يزيد مكانه، هذا قول المؤرخين.
نعود إلى تتمة ما ذكره في " المعارف " - قال: فعذبه الحجاج، وهرب يزيد من حبسه إلى الشام يريد سليمان بن عبد الملك، فأتاه فشفع له إلى أخيه
__________
(1) ترجمته وأخباره في المصادر التاريخية التي تتحدث عن العصر الأموي كالطبري وابن الأثير والمسعودي واليعقوبي وابن خلدون والعيون والحدائق، وفي الكتب الأدبية العامة كالكامل والعقد... الخ. وسنشير إلى المصادر التي اعتمد عليها المؤلف في مواضعها، حيث يتيسر ذلك.
(2) انظر ج 5: 350.
(3) المعارف: 400.
(4) زاد في المطبوعة المصرية: فمكث نحوا من ست سنين من يومئذ؛ ولم يرد في المسودة والنسخ الأخرى.
(5) انظر ج 4: 86.

(6/278)


الوليد بن عبد الملك، فأمنه وكف عنه، ثم ولاه سليمان خراسان حين أفضت إليه الخلافة، فافتتح جرجان ودهستان وأقبل يريد العراق، فتلقاه موت سليمان بن عبد الملك، فصار إلى البصرة، فأخذ عدي بن أرطأة، فأوثقه وبعث به إلى عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه، فحبسه عمر، فهرب من حبسه وأتى البصرة، ومات عمر، فخالف يزيد [وخلع يزيد] (1) بن عبد الملك، فوجه إليه أخاه مسلمة فقتله.
وقال الحافظ أبو القاسم المعروف بابن عساكر في تاريخه الكبير: يزيد بن المهلب ولي إمرة البصرة لسليمان بن عبد الملك، ثم نزعه عمر بن عبد العزيز وولى عدي بن أرطأة، وقدم به إلى عمر مسخوطا عليه، حكى عن أنس بن مالك وعمر بن عبد العزيز وأبيه المهلب، وروى عنه ابنه عبد الرحمن وأبو عيينة ابن المهلب وأبو إسحاق السبيعي وغيرهم، وقال الأصمعي: إن الحجاج قبض على يزيد وأخذه بسوء العذاب، فسأله أن يخفف العذاب عنه على أن يعطيه كل يوم مائة ألف درهم ليشتري بها عذابه، فإن أداها وإلا عذبه إلى الليل، قال: فجمع يوما مائة ألف درهم ليشتري بها عذابه، فدخل عليه الأخطل الشاعر فقال (2) :
أبا خالد بادت خراسان بعدكم ... وصاح ذوو الحاجات أين يزيد
فلا مطر المروان بعدك مطرة ... ولا اخضر بالمروين بعدك عود
فما لسرير الملك بعدك بهجة ... ولا لجواد بعد جودك جود - قوله في البيت الثاني " فلا مطر لمروان، ولا اخضر بالمروين " هما تثنية مرو، إحداهما مرو الشاهجان، وهي العظمى، والأخرى مرو الروذ، وهي الصغرى، وكلتاهما مدينتان مشهورتان بخراسان، وقد تكرر ذكرهما في هذا الكتاب - قال: فأعطاه مائة الألف، فبلغ ذلك الحجاج، فدعا به وقال: يا مروزي، أكل هذا الكرم وأنت بهذه الحالة قد وهبت لك عذاب اليوم وما بعده.
__________
(1) زيادة من ر بر.
(2) وردت في ديوان الفرزدق 1: 137.

(6/279)


قلت: هكذا ذكر ابن عساكر، والمشهور أن صاحب هذه الواقعة والأبيات هو الفرزدق، ثم إني رأيت هذه الأبيات في ديوان زياد الأعجم، والله أعلم بالصواب.
وذكر الحافظ أيضا أن يزيد لما هرب من الحجاج قاصدا سليمان بن عبد الملك، وهو يومئذ بالرملة، فاجتاز في طريقه بالشام على أبيات عرب، فقال لغلامه: استقنا (1) هؤلاء لبنا، فأتاه بلبن فشربه، فقال: أعطهم ألف درهم، فأعطاهم.
وقال الحافظ أيضا: حج يزيد بن المهلب فطلب حلاقا، فجاء فحلق رأسه، فأمر له بألف درهم، فتحير ودهش، وقال: هذا الألف أمضي إلى أمي فلانة وأشتريها، فقال: أعطوه ألفا آخر، فقال: امرأتي طالق إن حلقت رأس أحد بعدك، فقال: أعطوه ألفين آخرين.
وقال المدائني: وكان سعيد بن عمر بن العاص مؤاخيا ليزيد بن المهلب، فلما حبس عمر بن عبد العزيز يزيد منع الناس من الدخول إليه، فأتاه سعيد فقال: يا أمير المؤمنين، لي على يزيد خمسون ألف درهم، وقد حلت بيني وبينه، فإن رأيت أن تأذن لي فأقتضيه، فأذن له، فدخل عليه، فسر به يزيد وقال: كيف دخلت إلي فأخبره سعيد، فقال: والله لا تخرج إلا وهي معك، فامتنع سعيد، فحلف يزيد ليقبضها، فوجه إلى منزله، حتى حمل إلى سعيد خمسون ألف درهم.
وزاد ابن عساكر فقال: وفي ذلك قال بعضهم:
فلم أر محبوسا من الناس ماجدا ... حبا زائرا في السجن غير يزيد
سعيد بن عمرو إذ أتاه أجازه ... بخمسين ألفا عجلت لسعيد [وذكر أبو الفرج المعافى بن زكريا النهرواني في كتاب " الجليس والأنيس " عن عبد الله الكوفي قال: أغرم سليمان بن عبد الملك عمر بن هبيرة عن غزاة
__________
(1) كذا في المسودة؛ وفي أكثر النسخ: استسقنا.

(6/280)


في البحر ألف ألف درهم، فمشى إلى يزيد بن المهلب، وقد ولي العراق، عثمان بن حيان المري والقعقاع بن خالد العبسي والهذيل بن زفر بن الحارث الكلابي وغيرهم من قيس، فلما انتهوا إلى باب سرادق يزيد أذن لهم الحاجب في دخولهم وأعلمهم أنه يغسل رأسه، فلما فرغ خرج في مستقة (1) فألقى نفسه على فراشه ثم قال: ما ألف بينكم فقال عثمان: هذا ابن هبيرة شيخنا وسيدنا، كان الوليد حمل معه مالا حيث وجهه إلى البحر فأعطاه جنده فخرج عليه من غرمه ألف ألف درهم، فقلنا يزيد سيد أهل اليمن ووزير لسليمان وصاحب العراق ومن قد يحمل أمثالها عمن ليس بأمثالنا، ووالله لو وسعتها أموال قيس لاحتملناها. ثم تكلم القعقاع فقال: [يا] ابن المهلب، هذا خير ساقه إليك وليس أحد أولى به منك، فافعل به كبعض فعلاتك الأولى، فلن يصدك عن قضاء هذا الحق ضيق، ولا تبخل وقد أتيناك مع ابن هبيرة فيما حمل، فهب لنا أموالنا واستر في العرب عورتنا، ثم تكلم الهذيل بن زفر فقال: يا ابن المهلب، إني لو وجدت من الممشى إليك بدا لما مشيت إليك، لأن أموالك بالعراق، وإنما اتيتنا خائفا ثم أقمت فينا ضعيفا، ثم تخرج من عندنا محروسا، وايم الله لئن تركناك بالشام لنأتينك بالعراق، وما هاهنا أقرب في الحظوة واوجب للذمام؛ ثم تكلم ابن خيثمة فقال: إني لأقول (2) لك يا ابن المهلب ما قال هؤلاء، أخبرني إن أنت عجزت عن احتمال ما على ابن هبيرة فعلى من المعول لا والله ما عند قيس له مكيال، ولا في أموالهم متسع، ولا عند الخليفة له فرج، ثم تكلم ابن الهبيرة فقال: أما أنا فقد قضيت حاجتي، رددت أم نجحت، لأنه ليس لي أمامك متقدم ولا خلفك متأخر، وهذه حاجة كانت في نفسي فقضيتها،. فضحك يزيد بن المهلب وقال: إن التعذر أخو البخل، ولا اعتذار فاحتكموا، فقال القعقاع: نصف المال، فقال يزيد: قد فعلت، يا غلام: يا غلام غداءك (3) ، قال: فجيء بالطعام
__________
(1) المستقة: فروة طويلة الكم؛ وهذه القراءة تقديرية فإن اللفظة غير واضحة في النسخ الثلاث والأقرب إليها في بر: سبيبة، وفي من: مسنية.
(2) بر: لا أقول.
(3) بر: أرنا يا غلام غداءك.

(6/281)


فأبقينا أكثر مما أفرغنا (1) ، فلما فرغنا أمر بتطييبنا وأجاد الكسوة لنا، وقال: ثم خرجنا حتى إذا مررنا، قال ابن هبيرة، فأخبروني عما بقي، من يحمله بعد ابن المهلب، لقد صغر الله قدركم وأخطاركم، والله ما يدري يزيد ما بين النصف والتمام، وما هما عنده سواء، ارجعوا إليه فكلموه في الباقي، قال: وقد كان يزيد ظن بهم أن سيرجعون (2) إليه في التمام، فقال للحاجب: إذا عادوا أدخلهم، فقال لهم يزيد، إن ندمتم أقلناكم وإن استقللتم زدناكم، فقال له ابن هبيرة: يا ابن المهلب، إن البعير إذا أوقر أثقلته أذناه، وأنا بما بقي مثقل، فقال: قد حملتها عنك، ثم ركب إلى سليمان فقال: يا أمير المؤمنين، إنك إنما رشحتني لتبلغ بي، وإني لا أضيق عن شيء اتسع له مالك، وما في أيدينا فواضلك يصطنع بها الناس وتبنى بها المكارم، ولولا مكانك قلقنا بالصغير، ثم قال له إنه أتاني ابن هبيرة بوجوه أصحابه، فقال له سليمان: أمسك اياك في مال الله عنده، خب ضب، جموع منوع، جزوع هلوع، هيه، فصنعت ماذا قال: حملتها عنه، قال: احملها إذن إلى بيت مال المسلمين، قال: والله ما حملتها خدعة وأنا حاملها بالغداة، ثم حملها، فلما خبر سليمان بذلك دعا يزيد فلما رآه ضحك وقال: ذكت بك ناري، ووريت بك زنادي، غرمها علي وحمدها لك، قد وفت لي يميني، فأرجع المال إليك، ففعل] (3) .
وقال يزيد يوما: والله للحياة أحب من الموت، ولثناء حسن أحب إلي من الحياة، ولو أنني أعطيت ما لم يعطه أحد لأحببت أن يكون لي أذن أسمع غدا ما يقال في إذا أنا مت كريما، وقد سبق ذكر هذا الكلام في ترجمة أبيه المهلب وأنه من كلامه، لا من كلام ابنه يزيد، والله أعلم.
وقال أبو الحسن المدائني: باع وكيل ليزيد بن المهلب بطيخا جاءه من مغل بعض أملاكه بأربعين ألف درهم، فبلغ ذلك يزيد فقال له: تركتنا بقالين،
__________
(1) بر: وأنكرنا منه أكثر مما عرفنا.
(2) بر: ظن أنهم سيرجعون.
(3) زيادة من: ر بر دون سائر النسخ.

(6/282)


أما كان في عجائز الأزد من تقسمه فيهن (1)
ومدحه عمر بن لجأ بشعر يقول فيه:
آل المهلب قوم إن نسبتهم ... كانوا الأكارم آباء وأجدادا
كم حاسد لهم يعيا بفضلهم ... وما دنا من مساعيهم ولا كادا
إن العرانين تلقاها محسدة ... ولا ترى للئام الناس حسادا
لو قيل للمجد حد عنهم وخلهم ... بما احتكمت من الدنيا لما حادا
إن المكارم أرواح يكون لها ... آل المهلب دون الناس أجسادا وقال الأصمعي: قدم على يزيد بن المهلب قوم من قضاعة، فقال رجل منهم:
والله ما ندري إذا ما فاتنا ... طلب لديك من الذي نتطلب
ولقد ضربنا في البلاد فلم نجد ... أحدا سواك إلى المكارم ينسب
فاصبر لعادتك التي عودتنا ... أو لا فأرشدنا إلى من نذهب فأمر له بألف دينار، فلما كان في العام المقبل وفد عليه فأنشده:
ما لي أرى أبوابهم مهجورة ... وكأن بابك مجمع الأسواق
حابوك أم هابوك أم شاموا الندى ... بيديك فانتجعوا من الآفاق
إني رأيتك للمكارم عاشقا ... والمكرمات قليلة العشاق فأمر له بعشرة آلاف درهم.
وأجمع علماء التاريخ على أنه لم يكن في دولة بني أمية أكرم من بني المهلب، كما لم يكن في دولة بني العباس أكرم من البرامكة، والله أعلم، وكان لهم في الشجاعة أيضا مواقف مشهورة.
وحكى ابن الجوزي في كتاب " الأذكياء " أن يزيد بن المهلب وقعت
__________
(1) زاد بعده في المطبوعة المصرية: وغضب غضبا شديدا، ولم يرد في المسودة والنسخ ق ع بر من، أما س فإن رواية المدائني كلها سقطت منها.

(6/283)


عليه حية فلم يدفعها عن نفسه، فقال له أبوه: ضيعت العقل من حيث حفظت الشجاعة.
ولما خرج عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث بن قيس الكندي على الحجاج، وقصته المشهورة، أتى تستر فاجتمع إليه جماعة، فذكروا يوما آل المهلب ووقعوا فيهم، فقال عبد الرحمن لحريش بن هلال القريعي، وكان في القوم: ما لك يا أبا قدامة لا تتكلم فقال: والله ما أعلم أحدا أصون لنفسه في الرخاء ولا أبذل لها في الشدة منهم.
وقدم عبد الرحمن بن سليم الكلبي على المهلب، فرأى بنيه قد ركبوا عن آخرهم، فقال: أنس الله الإسلام بتلاحقكم، أما والله لئن لم تكونوا أسباط نبوة إنكم أسباط ملحمة.
ومات ابن لحبيب بن المهلب بن أبي صفرة، فقدم أخاه يزيد ليصلي عليه، فقيل له: أتقدمه وأنت أسن منه والميت ابنك فقال: إن أخي قد شرفه الناس وشاع فيهم له الصيت، ورمته العرب بأبصارها، فكرهت أن أضع منه ما رفعه الله تعالى.
ونظر مطرف بن عبد الله بن الشخير إلى يزيد بن المهلب وهو يمشي وعليه حلة يسحبها، فقال له: ما هذه المشية التي يبغضها الله ورسوله فقال يزيد: أما تعرفني فقال: بلى، أولك نطفة مذرة، وآخرك جيفة قذرة، وأنت بين ذلك حامل عذرة، قلت: وقد نظم هذا المعنى أبو محمد عبد الله بن محمد البسامي الخوارزمي فقال:
عجبت من معجب بصورته ... وكان من قبل نطفة مذره
وفي غد بعد حسن صورته ... يصير في الأرض جيفة قذره
وهو على عجبه ونخوته ... ما بين ثوبيه (1) يحمل العذره (331) وذكر الحافظ المعروف بابن عساكر في تاريخه الكبير في ترجمة أبي خداش مخلد بن يزيد بن المهلب أن مخلدا أحد الأسخياء الممدوحين، وفد على
__________
(1) ر بر من: جنبيه.

(6/284)


عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه يكلمه في أمر أبيه يزيد، وقد حبسه عمر، وكان أبوه قد ولاه جرجان، فاجتاز في طريقه بالكوفة، فأتاه حمزة بن بيض الحنفي الشاعر المشهور في جماعة من أهل الكوفة فقام بين يديه وأنشده:
أتيناك في حاجة فاقضها ... وقل مرحبا يجب المرحب
ولا لا تكلنا (1) إلى معشر ... متى يعدوا عدة يكذبوا
فإنك في الفرع من أسرة ... لهم خضع الشرق والغرب
وفي أدب فيهم ما (2) نشأت ... فنعم لعمرك ما أدبوا
بلغت لعشر مضت من سنيك ... ما بلغ السيد الأشيب
فهمك فيها جسا الأمور ... وهم لداتك أن يلعبوا
وجدت فقلت ألا سائل ... فيسأل أو راغب يرغب
فمنك العطية للسائلين ... وممن ببابك أن يطلبوا فقال له: هات حاجتك، فقضاها، وقيل أمر له بمائة ألف درهم.
وقدم على مخلد رجل كان قد زاره قبل ذلك فأجازه وقضى حقه، فلما عاد إليه قال له مخلد: ألم تكن أتيتنا فأجزناك قال: بلى، قال: فماذا ردك قال: قول الكميت فيك:
[سألناه الجزيل فما تلكا ... وأعطى فوق منيتنا وزادا] (3)
فأعطى ثم أعطى ثم عدنا ... فأعطى ثم عدت له فعادا
مرارا ما أعود إليه إلا ... تبسم ضاحكا وثنى الوسادا فأضعف له ما كان أعطاه.
وقال قبيصة بن عمر المهلبي: كان يزيد بن المهلب قد فتح جرجان وطبرستان وأخذ صول، وهو رئيس من رؤسائهم - قلت: كان صاحب جرجان،
__________
(1) ق بر من والمختار: ولا تكلنا - بتشديد النون - .
(2) بر: قد.
(3) زيادة من س.

(6/285)


وهو جد إبراهيم بن العباس الصولي وأبي بكر محمد بن يحيى الصولي الأديبين الشاعرين المشهورين - قال: فأصاب يزيد أموالا كثيرة وعروضا كثيرة، فكتب إلى سليمان بن عبد الملك: إني قد فتحت طبرستان وجرجان، ولم يفتحهما أحد من الأكاسرة ولا أحد ممن كان بعدهم غيري، وإني باعث إليك بقطران عليها الأموال والهدايا يكون أولها عنك وآخرها عني. فلما مات سليمان وأفضت الخلافة إلى عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه بعده، أخذه عمر بهذه العدة لسليمان فحبسه، فقدم ابنه مخلد على عمر - قال قبيضة المهلبي: وهب مخلد من لدن خروجه من مرو الشاهجان إلى أن ورد دمشق ألف ألف درهم - فلما أراد مخلد الدخول على عمر لبس ثيابا مستنكرة وقلنسوة لاطية، فقال له عمر: لقد شمرت، فقال له: إذا شمرتم شمرنا وإذا أسبلتم أسبلنا، ثم قال له: ما بالك قد وسع الناس عفوك حبست هذا الشيخ، فإن تكن عليه بينة عادلة فاحكم عليه وإلا فيمينه، أو فصالحه على ضياعه، فقال يزيد: أما اليمين فلا تتحدث العرب أن يزيد صبر عليها، ولكن ضياعي فيها وفاء لما يطلب.
ومات مخلد وهو ابن سبع وعشرين سنة، فقال عمر: لو أراد الله بهذا الشيخ خيرا لأبقى هذا الفتى. ويقال إن مخلد بن يزيد أصابه الطاعون فمات، وصلى عليه عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه، ثم قال: اليوم مات فتى العرب، وأنشد متمثلا:
على مثل عمرو تذهب النفس حسرة ... وتضحي وجوه القوم مغبرة سودا ورثاه حمزة بن بيض الحنفي - المقدم ذكره - بأبيات منها:
وعطلت الأسرة منك إلا ... سريرك يوم تحجب بالثياب
وآخر عهدنا بك يوم يحثى ... عليك بدابق سهل التراب وقال الفرزدق يرثيه (1) :
وما حملت أيديهم من جنازة ... ولا ألبست أثوابها مثل مخلد
__________
(1) المختار: وقال الفرزدق الشاعر يرثيه أيضا؛ وانظر ديوانه 1: 163.

(6/286)


أبوك الذي تستهزم الخيل باسمه ... وإن كان فيها قيد شهر مطرد
وقد علموا إذ شهد حقويه أنه ... هو الليث ليث الغاب لا بالمعرد قلت: وهذا يدل على أن مخلد بن يزيد مات في حدود سنة مائة للهجرة لأن عمر بن عبد العزيز ولي الخلافة في صفر سنة تسع وتسعين وتوفي في رجب سنة إحدى ومائة، وقد مات عنده وصلى عليه، ويدل على أن موت مخلد كان بدابق ما تقدم من مرثية حمزة بن بيض، ودابق: قرية من أعمال حلب من جانبها الشمالي، وإليها ينسب المرج الذي يقال له " مرج دابق " وبه كانت وفاة سليمان بن عبد الملك، وقبره هناك مشهور.
ونعود إلى ذكر يزيد:
قال أبو جعفر الطبري في تاريخ الكبير (1) : إن المغيرة بن المهلب كان نائبا عن أبيه وعمله كله، ومات في رجب سنة اثنتين وثمانين - كما ذكرناه في ترجمة المهلب - فأتى الخبر يزيد، وعلم (2) أهل المعسكر ولم يعلموا المهلب، وأحب يزيد أن يعلمه من (3) النساء فصرخن، فقال المهلب: ما هذا فقيل: مات المغيرة، فاسترجع وجزع حتى ظهر عليه، فلامه بعض خاصته، فدعا يزيد فوجهه إلى مرو وجعل يوصيه بما يعمل ودموعه تنحدر على لحيته، وكتب الحجاج إلى المهلب يعزيه عن المغيرة، وكان سيدا.
(332) قلت: وكان للمغيرة ابن اسمه بشر ذكره أبو تمام الطائي في كتاب " الحماسة " (4) في الباب الأول، وأورد من شعره قوله في يزيد:
جفاني يزيد والمغيرة قد جفا ... وأمسى يزيد لي قد أزور جانبه
__________
(1) تاريخ الطبري (حوادث سنة: 82) 2: 1077 (الطبعة الأوروبية).
(2) الطبري: وعلمه.
(3) الطبري: فأمر؛ وفي بر من: أن يبلغه من.
(4) انظر شرح المرزوقي، الحماسية: 73.

(6/287)


وكلهم قد نال شبعا لبطنه ... وشبع الفتى لؤم إذا جاع صاحبه
فيا عم مهلا واتخذني لنوبة ... تنوب فإن الدهر جم نوائبه
أنا السيف إلا أن للسيف نبوة ... ومثلي لا تنبو عليك مضاربه
على أي باب الإذن بعد ما ... حجبت عن الباب الذي أنا حاجبه رجعنا إلى تتمة كلام الطبري:
وكان المهلب يوم مات المغيرة مقيما بكش وراء النهر لحرب أهلها، فسار يزيد في ستين فارسا، فلقيهم خمسمائة من الترك في المفازة، وحاصل الأمر أنه بينهم قتال شديد، ورمي يزيد في ساقه، ثم إن المهلب صالح أهل كش على فدية وانصرف عنهم متوجها إلى مرو، فلما وصل إلى زاغول، قرية من أعمال مرو الروذ، أصابته الشوصة، فدعا ولده حبيبا ومن حضر من ولده، ودعا بسهام فحزمت، وقال: أفترونكم كاسريها مجتمعة فقالوا: لا، قال: أفترونكم كاسريها مفترقة (1) قالوا: نعم، قال: هكذا الجماعة، ثم أوصاهم وصية طويلة لا حاجة إلى ذكرها (2) ، ثم قال في آخرها: وقد استخلفت يزيد، وجعلت حبيبا على الجند حتى يقدم بهم على يزيد، فلا تخالفوا يزيد، فقال له ولده المفضل: لو لم تقدمه لقدمناه، ومات المهلب - حسبما شرحناه في ترجمته - وأوصى إلى حبيب، فصلى عليه حبيب ثم ساروا إلى مرو، فكتب يزيد إلى عبد الملك بوفاة المهلب واستخلافه إياه، فأقره الحجاج، ثم إنه عزله في سنة خمس وثمانين واستعمل أخاه المفضل.
وكان سبب (3) ذلك أن الحجاج وفد على عبد الملك فمر في منصرفه بدير فنزله، فقيل له: إن بهذا الدير شيخا من أهل الكتب عالما فدعا به وقال: يا شيخ، هل تجدون في كتبكم ما أنتم فيه ونحن فقال: نعم، نجد ما مضى
__________
(1) ق ر س: متفرقة.
(2) الوصية في الطبري 2: 1082.
(3) انظر الطبري 2: 1138.

(6/288)


من أمركم وما أنتم فيه وما هو كائن، قال: أفمسمى أم موصوفا قال: كل ذلك موصوف بغير اسم واسم بغير صفة، قال: فما تجدون صفة أمير المؤمنين قال: نجده في زماننا الذي نحن فيه أنه ملك أقرع، من يقم لسبيله يصرع، قال: ثم من قال: رجل يقال له الوليد (1) ، قال: ثم ماذا قال: رجل اسمه نبي يفتح به على الناس - قلت: وهو سليمان بن عبد الملك - قال: أفتعلم ما ألي قال: نعم، قال: فمن يليه بعدي قال: رجل يقال له يزيد، قال: في حياتي أم بعد موتي قال: لا أدري، قال: أفتعرف صفته قال: يغدر غدرة، لا أعرف غير هذا.
قال: فوقع في نفسه أنه يزيد بن المهلب، وارتحل فسار سبعا وهو وجل من قول الشيخ، وقدم فكتب إلى عبد الملك يستعفيه من العراق، فكتب إليه: قد علمت الذي تغزو، وأنك تريد أن تعلم رأيي فيك. ثم إن الحجاج أجمع على عزل يزيد فلم يجد لذلك سببا، حتى قدم الخيار ابن سبرة، وكان من فرسان المهلب، وكان مع يزيد، فقال له الحجاج: أخبرني عن يزيد، فقال: حسن الطاعة لين السيرة، قال: كذبت، اصدقني عنه، فقال: الله أجل وأعظم، قد أسرج ولم يلجم، قال: صدقت، واستعمل الخيار على عمان بعد ذلك.
ثم كتب إلى عبد الملك يذم يزيد وآل المهلب، وخلاصة الأمر أنه كرر القول مع عبد الملك في ذلك إلى أن كتب إليه عبد الملك: قد أكثرت في يزيد وآل المهلب، فسم لي رجلا يصلح خراسان، فسمى له مجاعة بن سعد السعدي، فكتب إليه عبد الملك: إن رأيك الذي دعاك إلى استفساد آل المهلب هو الذي دعاك إلى مجاعة بن سعد (2) السعدي، فانظر لي رجلا حازما ماضيا لأمرك، فسمى قتيبة بن مسلم الباهلي، فكتب إليه وله، فبلغ يزيد أن الحجاج عزله فقال لأهل بيته: من ترون الحجاج يولي خراسان قالوا: رجلا من ثقيف، قال:
__________
(1) بر: رجل اسمه الوليد.
(2) في متن الطبري: مجاعة بن سعر، وفي سرح العيون: ابن مسعر.

(6/289)


كلا والله، ولكنه يكتب إلى رجل منكم بعهده، فإذا قدمت عليه ولى غيره، وأخلق بقتيبة بن مسلم.
قال: فلما أذن عبد الملك للحجاج في عزل يزيد كره أن يكتب بعزله فكتب إليه أن استخلف أخاك المفضل وأقبل، فاستشار يزيد حصين (1) بن المنذر، فقال له: أقم واعتل فإن أمير المؤمنين حسن الرأي فيك، وإنما أتيت من الحجاج، فإن أقمت ولم تعجل رجوت إليه أن يقر يزيد، فقال: إنا أهل بيت بورك لنا في الطاعة، وأنا أكره المعصية والخلاف، وأخذ في الجهاز فأبطأ ذلك على الحجاج، فكتب إلى أخيه المفضل: إني قد وليتك خراسان، فجعل المفضل يستحث يزيد، فقال له يزيد: إن الحجاج لا يقرك بعدي، وإنما دعاه إلى ما صنع مخافة أن أمتنع عليه، قال: بل حسدتني، قال يزيد: أنا لا أحسدك ولكن ستعلم. وخرج يزيد في شهر ربيع الآخر سنة خمس وثمانين، فعزل الحجاج المفضل وولى قتيبة بن مسلم الباهلي، وقيل فيروز بن حصين، وقال حصين بن المنذر ليزيد المذكور:
أمرتك أمرا حازما فعصيتني ... فأصبحت مسلوب الإمارة نادما
فما أنا بالباكي عليك صبابة ... وما أنا بالداعي لترجع سالما فلما قدم قتيبة خراسان قال لحصين: كيف قلت ليزيد قال قلت:
أمرتك أمرا حازما فعصيتني ... فنفسك ول اللوم إن كنت لائما
فإن يبلغ الحجاج أن قد عصيته ... فإنك تلقى أمره متفاقما قال: فماذا أمرته به فعصاك قال: أمرته أن لا يدع صفراء ولا بيضاء إلا حملها إلى الأمير.
وفي تولية قتيبة وعزل يزيد قال عبد الله بن همام السلولي:
أقتيب قد قلنا غداة أتيتنا ... بدل لعمرك من يزيد أعور
إن المهلب لم يكن كأبيكم ... هيهات شأنكم أدق وأحقر
__________
(1) في متن الطبري: حضين.

(6/290)


شتان من بالصنج أدرك والذي ... بالسيف شمر والحروب تسعر
حولان باهلة الألى في ملكهم ... مات الندى فيهم وعاش المنكر قوله " بدل أعور " هذا مثل يضرب للمذموم يتولى بعد الرجل المحمود، يقال بدل أعور، وخلف أعور، وقوله " من بالصنج أدرك " يقال: إن قتيبة كان يضرب بالصنج في بدء أمره؛ وقوله " حولان باهلة " جمع أحول، وكان قتيبة أحول، وهذا بالجمع مثل قولهم: أسود وسودان، وأحمر وحمران، وغير ذلك.
وقد قيل: إن هذه الأبيات ليست لعبد الله بن همام، وإنها لنهار بن توسعة اليشكري، والله أعلم.
ثم ذكر الطبري في سنة تسعين (1) أن الحجاج خرج إلى الأكراد الذين غلبوا على عامة أرض فارس، فخرج بيزيد معه وأخويه المفضل وعبد الملك، وجعل عليهم في العسكر كهيئة الخندق وجعلهم في فسطاط قريبا منه (2) ، وجعل عليهم حرسا من أهل الشام، وأغرمهم ستة آلاف ألف، وأخذ يعذبهم، وكان يزيد يصبر صبرا حسنا، وكان الحجاج يغيظه ذلك، فقيل له أنه رمي بنشابة فثبت أصلها في ساقه، فهو لا يمسها شيء إلا صاح، فإن حركت أدنى شيء سمعت صوته، فأمر أن يعذب به ويرهق ساقه، فلما فعل به ذلك صاح، وأخته هند عند الحجاج، فلما سمعت صياح يزيد صاحت وناحت فطلقها.
ثم إنه كف عنهم وأقبل يستأديهم، فأخذوا يؤدون وهم يعملون في المخلص من مكانهم، فبعثوا إلى مروان بن المهلب وهو بالبصرة يأمرونه أن يضمر لهم الخيل ويري الناس أنه إنما يريد بيعها ويعرضها على البيع ويغلي بها كي لا تشترى، فتكون لنا عدة إن نحن قدرنا أن ننجو من هاهنا، ففعل ذلك مروان بن المهلب، وحبيب بالبصرة يعذب أيضا، فأمر يزيد بالحرس فصنع لهم طعام كثير فأكلوا، وأمر لهم بشراب فسقوا، وكانوا متشاغلين به، ولبس
__________
(1) تاريخ الطبري 2: 1208.
(2) بر: قريباص من حجرته.

(6/291)


يزيد ثياب طباخه، ووضع (1) على لحيته لحية بيضاء وخرج، فرآه بعض الحرس فقال: كأن هذه مشية يزيد، فجاء حتى استعرض وجهه ليلا فرأى بياض اللحية فانصرف عنه، وقال: هذا شيخ. وخرج المفضل على أثره ولم يفطن له، فجاؤوا إلى سفينة (2) وقد هيؤوها في البطائح وبينهم وبين البصرة ثمانية عشر فرسخا، فلم انتهوا إلى السفينة أبطأ عليهم عبد الملك وشغل عنهم، فقال يزيد للمفضل: اركب، فإنه لاحق، فقال المفضل، وكان عبد الملك أخاه لأمه: لا والله لا أبرح حتى يجيء عبد الملك ولو رجعت إلى السجن، فأقام يزيد حتى جاءهم عبد الملك، وركبوا في السفينة، وساروا ليلتهم حتى أصبحوا.
ولما أصبح الحرس علموا بذهابهم، فرفع ذلك إلى الحجاج، ففزع لذلك الحجاج وذهب وهمه أنهم ذهبوا قبل خراسان، وبعث البريد إلى قتيبة بن مسلم يحذره قدومهم ويأمره أن يستعد لهم، وبعث إلى أمراء الثغور والكور أن يرصدهم ويستعدوا، وبعث إلى الوليد بن عبد الملك يخبره بهم، وأنه لا يراهم أرادوا إلا خراسان. ولم يزل الحجاج يظن بيزيد ما صنع، كان يقول: إني لأظنه يحدث نفسه بمثل الذي صنع ابن الأشعث - قلت: ابن الأشعث هو عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث بن قيس الكندي، وكان قد خرج على عبد الملك بن مروان، وقصته مشهورة مذكورة في التواريخ - قال الطبري (3) : ولما دنا يزيد من البطائح استقبلته الخيل، وقد هيئت لهم، فخرجوا عليهم ومعهم دليل، فأخذ بهم على السماوة، وأتي الحجاج بعد يومين فقيل له: إنما أخذ الرجل طريق الشام، وهذه الخيل حسرى في الطريق، وقد أتى من رآهم متوجهين في البر، فبعث إلى الوليد يعلمه بذلك، ومضى يزيد حتى قدم فلسطين، فنزل على وهيب بن عبد الرحمن الأزدي، وكان كريما على سليمان بن عبد الملك، وجاء وهيب حتى دخل على سليمان فقال: إن يزيد واخوته عندي، وقد أتوا هرابا من الحجاج متعوذين بك، فقال: آتني بهم فهم آمنون لا يوصل
__________
(1) بر: وجعل.
(2) الطبري: سفنهم؛ وهي بصيغة الجمع في بقية النص.
(3) متابع لنص الطبري: 1211.

(6/292)


إليهم أبدا وأنا حي، فجاء بهم حتى دخلوا عليه، فكانوا في مكان أمن.
وكتب الحجاج إلى الوليد بن عبد الملك: إن آل المهلب خانوا مال الله، وهربوا مني ولحقوا بسليمان، فلما بلغ الوليد مكانه عند سليمان أخيه هون عليه بعض ما كان في نفسه، وطار غضبا للمال الذي ذهبوا به، وكتب سليمان إلى أخيه الوليد: إن يزيد بن المهلب عندي وقد آمنته، وإنما عليه ثلاثة آلاف ألف، كان الحجاج أغرمهم ستة آلاف ألف، فأدى ثلاثة آلاف ألف، وبقيت ثلاثة آلاف ألف، فهن علي، فكتب إليه: لا والله لا أؤمنه حتى تبعث به إلي، فكتب إليه: لئن أنا بعثت به لأجيئن معه، فانشدك الله أن لا تفضحني ولا أن تخفرني، فكتب إليه الوليد: والله لئن جئتني به لا أؤمنه، فقال يزيد: ابعثني إليه، فوالله ما أحب أن أوقع بينك وبينه عداوة وحربا، ولا أن يتشاءم بي لكما الناس، ابعث إليه بي وأرسل معي ابنك، واكتب إليه بألطف ما قدرت عليه، فأرسل ابنه أيوب معه، وكان الوليد أمره أن يبعث به إليه في وثاق، فبعثه إليه وقال لابنه: إذا أردت أن تدخل عليه فادخل أنت ويزيد في سلسلة على الوليد، ففعل ذلك حتى انتهيا إلى الوليد فدخلا عليه، فلما رأى الوليد ابن أخيه مع يزيد في سلسلة قال: والله لقد بلغنا من سليمان. ثم إن الغلام دفع كتاب أبيه إلى عمه وقال: يا أمير المؤمنين، نفسي فداؤك، لا تخفر ذمة أبي وأنت أحق من منعها، ولا تقطع منا رجاء من رجا السلامة في جوارنا لمكاننا منك، ولا تذل من رجا العز في الانقطاع إلينا لعزنا بك، وقرأ الكتاب: " لعبد الله الوليد أمير المؤمنين من سليمان بن عبد الملك، أما بعد يا أمير المؤمنين فوالله إني لأظن لو استجار بي عدو قد نابذك وجاهدك فأنزلته وأجرته، فإنك لا تذل جاري ولا تخفر جواري، بل إني لم أجر إلا سامعا مطيعا حسن البلاء والأثر في الإسلام هو وأبوه وأهل بيته، وبعد فقد بعثت به إليك، فإن كنت إنما تعزو قطيعتي والإخفار لذمتي والإبلاغ في مساءتي، فقد قدرت إن أنت فعلت ذلك، وأنا أعيذك بالله من اجترار (1) قطيعتي وانتهاك حرمتي وترك يدي وصلتي، فوالله يا أمير المؤمنين ما تدري مل بقائي وبقاؤك، ولا متى يفرق
__________
(1) ر: احتراز، واثبتنا ما في المسودة.

(6/293)


الموت بيني وبينك، فإن استطاع أمير المؤمنين، أدام الله سروره أن لا يأتي علينا أجل الوفاة إلا وهو لي واصل ولحقي مؤد وعن مساءتي نازع، فليفعل؛ والله يا أمير المؤمنين ما أصبحت لشيء من أمور الدنيا بعد تقوى الله تعالى فيها بأسر مني برضاك وسرورك، ولرضاك مما ألتمس به رضوان الله، فإن كنت يا أمير المؤمنين تريد يوما من الدهر مسرتي وصلتي وكرامتي وإعظام حقي فتجاوز لي عن يزيد، وكل ما طلبته به فهو علي " ، فلما قرأ كتابه قال: لقد شققنا على سليمان، ثم دعا ابن أخيه فأدناه منه، ثم تكلم يزيد فحمد الله تعالى وأثنى عليه وصلى على نبيه صلى الله عليه وسلم، ثم قال: يا أمير المؤمنين، إن بلاءكم عندنا أحسن البلاء، فمن ذلك فلسنا ناسيه، ومن يكفر فلسنا كافريه، وقد كان من بلائنا، أهل البيت، في طاعتكم والطعن في أعين أعدائكم في المواطن العظام في المشارق والمغارب ما إن المنة فيه عظيمة، فقال له: اجلس، فجلس فآمنه وكف عنه، ورجع إلى سليمان، وسعى إخوته في المال الذي عليه، وكتب إلى الحجاج: إني لم أصل إلى يزيد وأهل بيته مع سليمان، فاكفف عنهم، واله عن الكتاب إلي فيهم، فلما رأى ذلك الحجاج كف عنهم،. وكان أبو عيينة عند الحجاج عليه ألف ألف درهم فتركها له، وكف عن حبيب بن المهلب، وأقام يزيد عند سليمان تسعة أشهر في أرغد عيش وأنعم بال لا تأتي سليمان هدية إلا أرسل نصفها إليه (1) .
وقال بعض جلساء يزيد له: لم لا تتخذ لك دارا فقال: وما أصنع بها ولي دار حاصلة مجهزة على الدوام فقال له: وأين هي قال: إن كنت متوليا فدار الإمارة، وإن كنت معزولا فالسجن.
ومن كلام يزيد: ما يسرني أن أكفى أمور دنياي كلها ولي الدنيا بحذافيرها، فقيل له: ولم ذاك فقال: لأني أكره عادة العجز.
ثم إن الحجاج مات في شوال سنة خمس وتسعين للهجرة (2) ، وقيل كانت وفاته لخمس ليال بقين من شهر رمضان من السنة، وعمره ثلاث وخمسون سنة،
__________
(1) هنا يتوقف النقل مؤقتا عن الطبري.
(2) انظر الطبري 2: 1268.

(6/294)


وقيل أربع وخمسون. ولما حضرته الوفاة استخلف يزيد بن أبي كبشة على الحرب والصلاة بالمصرين: البصرة والكوفة، وولى خراجهما يزيد بن أبي مسلم، فأقرهما الوليد، وكذلك فعل بكل من استخلف الحجاج، وقيل بل الوليد هو الذي ولاهما، وكانت ولاية الحجاج بالعراقين عشرين سنة.
ثم توفي الوليد بن عبد الملك يوم السبت النصف من جمادى الآخرة سنة ست وتسعين للهجرة، بدير مران - قلت: وهو بسفح جبل قاسيون ظاهر دمشق - ودفن في مقابر باب الصغير ظاهر دمشق، وبويع سليمان بن عبد الملك في اليوم الذي مات فيه أخوه الوليد.
وفي هذه السنة (1) أعني سنة ست وتسعين، عزل سليمان بن عبد الملك يزيد بن أبي مسلم عن العراق، وأمر عليه يزيد بن المهلب، وقال خليفة بن خياط (2) : جمع ليزيد المصران، يعني الكوفة والبصرة، سنة سبع وتسعين، والله أعلم.
وجعل صالح بن عبد الرحمن على الخراج، وأمره أن يعذب (3) آل أبي عقيل - قلت: هم رهط الحجاج - قال: ويبسط عليهم العذاب، فأخذ صالح آل أبي عقيل فكان يعذبهم، وكان يلي عذابهم عبد الملك بن المهلب.
وكان الوليد قد عزم على خلع أخيه سليمان عن ولاية العهد، ويجعل ولي عهده ولده عبد العزيز [بن الوليد] وتابعه على ذلك الحجاج وقتيبة بن مسلم الباهلي والي خراسان الذي تولى بعد يزيد بن المهلب - كما سبق ذكره قبل هذا - فلما ولي سليمان الخلافة خافه قتيبة بن مسلم، وتوهم أن يعزله ويولي خراسان يزيد بن المهلب، فكتب إلى سليمان كتابا يهنئه بالخلافة ويعزيه عن الوليد، ويعلمه بلاءه وطاعته لعبد الملك والوليد، وأنه على مثل ما كان لهما عليه من الطاعة والنصيحة إن لم يعزله عن خراسان، وكتب إليه كتابا آخر يعلمه فيه فتوحه ومكانه وعظم قدره عند ملوك العجم وهيبته في صدورهم، ويذم المهلب وآل المهلب، ويحلف بالله لئن استعمل يزيد على خراسان ليخلعنه، وكتب كتابا ثالثا فيه
__________
(1) المصدر السابق: 1282.
(2) تاريخ خليفة: 427 وفيه سنة ست وتسعين.
(3) صورة الكلمة في المسودة " يقذل " وفي بعض النسخ " يقتل " .

(6/295)


خلعه، وبعث بالكتب الثلاثة مع رجل من باهلة وقال له: ادفع إليه هذا الكتاب، فإن كان يزيد بن المهلب حاضرا فقرأه ثم ألقاه إليه فادفع إليه هذا الكتاب، وإن قرأ الأول فاحتبسه ولم يدفعه إلى يزيد فاحتبس الكتابين الآخرين، قال: فقدم رسول قتيبة بن مسلم على سليمان وعنده يزيد بن المهلب، فدفع إليه الكتاب فقرأه ثم ألقاه إلى يزيد، فدفع إليه الكتاب الآخر، فقرأه ثم رماه إلى يزيد، فأعطاه الكتاب الثالث، فقرأه، فتعمر (1) لونه، ثم دعا بطين فختمه ثم أمسكه بيده.
وقال أبو عبيدة معمر بن المثنى: كان في الكتاب الأول وقيعة في يزيد بن المهلب وذكر غدره وكفره وقلة شكره، وفي الكتاب الثاني ثناء على يزيد، وفي الكتاب الثالث: لئن لم تقرني على ما كنت عليه وتؤمنني لأخلعنك خلع النعل، ولأملأنها عليك خيلا ورجلا.
ثم إن سليمان (2) أمر برسول قتيبة أن ينزل بدار الضيافة، فلما أمسى دعا به سليمان وأعطاه صرة فيها دنانير وقال: هذه جائزتك وهذا عهد صاحبك على خراسان فسر وهذا رسول معك بعهده. فخرج الباهلي ومعه رسول سليمان، فلما كان بحلوان تلقاهم الناس بخلع قتيبة، فرجع رسول سليمان ودفع العهد إلى رسول قتيبة، فوصل به إليه، فاستشار اخوته فقالوا: لا يثق بك سليمان بعد هذا.
ثم إن قتيبة قتل - كما ذكرته في ترجمته في حرف القاف مع الاختصار لأن الشرح في ذلك يطول.
ثم إن يزيد بن المهلب نظر في نفسه لما تولى العراق فقال (3) : إن العراق قد أخربها الحجاج، وأنا اليوم رحا (4) أهل العراق، ومتى قدمتها وأخذت الناس
__________
(1) ر س من بر: فتغير؛ وأثبتنا ما في المسودة.
(2) متابع للنقل عن الطبري: 1285.
(3) المصدر السابق: 1306.
(4) كذا في المسودة: بالحاء المهملة، وتحتها رسم المؤلف صورة الحاء، وفي ر س بر من والطبري: رجاء، وفي ق ع: رجل.

(6/296)


بالخراج وعذبتهم عليه صرت مثل الحجاج أدخل على الناس الحرب وأعيد عليهم تلك الشجون (1) التي قد عافاهم الله منها، ومتى لم آت سليمان بمثل ما جاء به الحجاج لم يقبل مني. فأتى يزيد سليمان فقال: أدلك على رجل بصير بالخراج توليه إياه وهو صالح بن عبد الرحمن مولى بني تميم. فقال: قد قبلنا رأيك، فأقبل يزيد إلى العراق، وكان صالح قدم العراق قبل قدوم يزيد ونزل واسطا، ولما قدم يزيد خرج الناس يتلقونه، فلم يخرج صالح حتى قرب يزيد من المدينة، ثم خرج إليه وبين يديه أربعمائة من أهل الشام، فلقي يزيد وسايره، فلما دخل المدينة قال له صالح: قد فرغت لك هذه الدار، فنزل يزيد، ومضى صالح حتى أتى منزله، وضيق صالح على يزيد فلم يملكه شيئا، واتخذ يزيد ألف خوان يطعم الناس عليها فأخذها صالح، فقال له يزيد: اكتب ثمنها علي؛ واشترى متاعا كثيرة وصك صكاكا إلى صالح لباعتها منه، فلم ينفذه (2) ، فرجعوا إلى يزيد فغضب وقال: هذا عملي بنفسي، فلم يلبث أن جاء صالح فأوسع له يزيد فجلس وقال ليزيد: ما هذه الصكاك إن الخراج لا يقوم لها، ولقد أنفذت لك منذ أيام صكاكا بمائة ألف وعجلت لك أرزاقك وسألت مالا فأعطيتك، فهذا لا يقوم له شيء، ولا يرضي أمير المؤمنين، وتؤخذ به، فقال له يزيد: يا أبا الوليد أجز هذه الصكاك هذه المرة، وضاحكه فقال: إني أجيزه فلا تكثرن علي، قال: لا.
ولما ولى سليمان يزيد العراق لم يوله خراسان، فقال سليمان لعبد الملك بن المهلب: كيف أنت يا عبد الملك إن وليتك خراسان قال: يجدني أمير المؤمنين حيث يحب، ثم أعرض سليمان عن ذلك، وكتب عبد الملك إلى رجال من خاصته بخراسان: إن أمير المؤمنين عرض علي ولاية خراسان، فبلغ الخبر إلى أخيه يزيد وقد ضجر بالعراق، وقد ضيق عليه صالح بن عبد الرحمن، فليس يصل معه إلى شيء، فدعا يزيد عبد الله بن الأهتم فقال: غني أريدك لأمر قد أهمني، وقد أحببت أن تكفينيه، قال: مرني بما أحببت، قال: أنا فيما
__________
(1) كذا في المسودة؛ وفي ر ع س بر من والطبري: السجون.
(2) ر: فلم ينفذها.

(6/297)


ترى من الضيق وقد أضجرني ذلك، وخراسان شاغرة، وقد بلغني أن أمير المؤمنين ذكرها لعبد الملك بن المهلب، فهل من حيلة قال: نعم سرحني إلى أمير المؤمنين فإني أرجو أن آتيك بعهده عليها، قال: فاكتم ما أخبرتك به، وكتب إلى سليمان كتابين: أحدهما يذكر له فيه أمر العراق، وأثنى فيه على ابن الأهتم، وذكر له علمه بها، ووجه ابن الأهتم وحمله على البريد، وأعطاه ثلاثين ألفا وسار سبعا فقدم بكتاب يزيد على سليمان، فدخل عليه وهو يتغدى، فجلس ناحية فأتي له بدجاجتين فاكلهما، ثم قال له سليمان: لك مجلس بعد هذا تعود إليه، ثم دعا به بعد ثالثة، فقال له سليمان: إن يزيد بن المهلب كتب إلي يذكر علمك بالعراق وبخراسان ويثني عليك، فكيف علمك بها قال: أنا أعلم الناس بها، بها ولدت، وبها نشأت، قال: ما أحوج أمير المؤمنين إلى مثلك يشاوره في أمرها، فأشر علي برجل أوليه خراسان، قال: أمير المؤمنين أعلم بمن يريد يولي، فإن ذكر منهم أحدا أخبرته برأيي فيه هل يصلح أم لا فسمى سليمان رجلا من قريش، فقال: ليس من رجال خراسان، فسمى عبد الملك بن المهلب، فقال: لا، حتى عدد رجالا، فكان آخر من ذكر وكيع بن أبي سود، فقال: يا أمير المؤمنين وكيع رجل شجاع صارم مقدان وليس بصاحبها، ومع هذا إنه لم يقد ثلثمائة قط فرأى لأحد عليه طاعة، قال: صدقت ويحك! فمن لها قال: رجل أعلمه لم تسمه، قال: فمن هو قال: لا أبوح باسمه إلا أن يضمن لي أمير المؤمنين ستر ذلك وأن يجيرني منه إن علم، قال: نعم، سمه لي، قال: يزيد بن المهلب، قال: ذلك بالعراق والمقام بها أحب إليه من المقام بخراسان، قال: قد علمت يا أمير المؤمنين، ولكن تكرهه فيستخلف على العراق رجلا ويسير، قال: أصبت الرأي، فكتب عهد يزيد بن المهلب على خراسان، وكتب إليه إن ابن الأهتم كما ذكرت من عقله ودينه وفضله ورايه، ودفع الكتاب وعهد يزيد إليه، فسار سبعا فقدم على يزيد فقال له: ما وراءك فأعطاه الكتاب فقال: ويحك! خبر، فأعطاه العهد، فأمر يزيد بالجهاز للمسير من ساعته ودعا ابنه مخلدا فقدمه إلى خراسان فسار من يومه.
ثم سار يزيد إلى خراسان فأقام بها ثلاثة أشهر أو أربعة، ثم غزا جرجان

(6/298)


وطبرستان ودهستان وفتحها، وذلك في سنة ثمان وتسعين. وقتل من أصحاب يزيد على حصار بعض قلاع جرجان خمسة آلاف رجل، فحلف يزيد يمينا مغلظة أنه ليقتلهم حتى تطحن الرحى بدمائهم، فأكثر من قتلهم، وكانت الدماء لا تجري حتى صب عليها الماء فجرت فطحنت، وأكل مما طحنت بدمائهم.
ثم مات سليمان بن عبد الملك يوم الجمعة لشعر ليال بقين من صفر سنة تسع وتسعين للهجرة، وقيل لعشر ليال مضين من صفر، والله أعلم بالصواب، بدابق، قرية شمالي حلب، وعهد إلى عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه، فعزل عمر في هذه السنة يزيد بن المهلب عن العراق (1) ، وجعل مكانه عدي بن أرطاة الفزاري، فأخذ يزيد وأوثقه، وبعث به إلى عمر بن عبد العزيز، وقد كان عمر يبغض يزيد وأهل بيته، ويقول: هؤلاء جبابرة ولا أحب أمثالهم، وكان يزيد يبغض عمر ويقول: إني لأظنه مرائيا. ولما وصل يزيد سأله عمر عن الموال التي كتب بها إلى سليمان فقال: كنت من سليمان بالمكان الذي قد رأيت، وإنما كتبت إلى سليمان لأسمع الناس به، وقد علمت أن سليمان لم يكن ليأخذني بشيء مما سمعت، ولا بأمر أكرهه، فقال عمر: ما أجد في أمرك إلا حبسك، فاتق الله وأد ما قبلك فإنها حقوق المسلمين ولا يسعني تركها، فرده إلى محبسه.
وذكر البلاذري في كتاب " فتوح البلدان " (2) في الفصل المتضمن حديث جرجان وطبرستان، أن يزيد بن المهلب لما فرغ من أمر جرجان سار إلى خراسان فتلقته الهدايا، ثم ولى ابنه مخلدا خراسان، وانصرف إلى سليمان، فكتب إليه إن معه خمسة وعشرين ألف ألف درهم، فوقع الكتاب في يد عمر بن عبد العزيز، فأخذ يزيد به وحبسه، والله أعلم.
وبعث (3) عمر إلى الجراح بن عبد الملك الحكمي فسرحه إلى خراسان، ثم قدم
__________
(1) انظر الطبري 2: 1350.
(2) فتوح البلدان: 414.
(3) عاد إلى النقل عن الطبري: 1350.

(6/299)


مخلد بن يزيد على عمر، وجرى بينهما ما سبق ذكره، فلما خرج مخلد بن يزيد على قال عمر: هذا عندي خير من أبيه، فلم يلبث مخلد إلا قليلا حتى مات. ولما أبى يزيد أن يؤدي المال إلى عمر ألبسه جبة صوف وحمله على جمل، ثم قال: سيروا به إلى دهلك - قلت: وهي جزيرة في بحر عيذاب بالقرب من سواكن كان الخلفاء يحبسون بها من نقموا عليه - قال: فلما أخرج يزيد مروا به على الناس، فجعل يزيد يقول: ما لي عشيرة يذهب بي إلى دهلك إنما يذهب إلى دهلك بالفاسق المريب، سبحان الله، أما لي عشيرة فدخل على عمر سلامة بن نعيم الخولاني، وقال يا أمير المؤمنين، أردد يزيد إلى محبسه، فإني أخاف إن أمضيته أن ينتزعه قومه، فإني رأيت قومه قد غضبوا له، فرده إلى محبسه ولم يزل في محبسه حتى بلغه مرض عمر.
وقيل (1) إن عدي بن أرطأة سلمه إلى وكيع بن حسان بن أبي حسان بن أبي سود التميمي مغلولا مقيدا في سفينة ليوصله إلى عين التمر حتى يحمل إلى عمر، فعرض لوكيع ناس من الأزد لينتزعوه منه، فوثب وكيع وانتضى سيفه وقطع قلس السفينة، وأخذ سيف يزيد بن المهلب، وحلف بطلاق امرأته ليضربن عنقه إن لم يتفرقوا عنه، فناداهم يزيد وأعلمهم بيمين وكيع، فتفرقوا، ومضى به حتى سلمه إلى الجند بعي التمر، وحمله الجند إلى عمر فحبسه.
ولما كان يزيد في حبس عمر دخل عليه الفرزدق، فرآه مقيدا فأنشده:
أصبح في قيدك السماحة وال ... جود وحمل الدايات والحسب
لا بطر إن ترادفت نعم ... وصابر في البلاء محتسب فقال له يزيد: ويحك ماذا صنعت أسأت إلي، قال: ولم ذاك قال: تمدحني وأنا على هذه الحالة فقال له الفرزدق: رأيتك رخيصا فأحببت أن أسلف فيك بضاعتي، فرمى يزيد إليه بخاتمه وقال: شراؤه ألف دينار، وهو ربحك إلى أن يأتيك رأس المال.
واستمر في حبسه (2) إلى أن مرض عمر في سنة إحدى ومائة، فخاف
__________
(1) الطبري 2: 1352.
(2) الطبري: محبسه.

(6/300)


يزيد بن المهلب من يزيد بن عبد الملك بن مروان أن يلي الخلافة بعد عمر بن عبد العزيز، وكان يزيد بن المهلب لما ولي العراق قد عذب آل أبي عقيل، - وهم رهط الحجاج كما سبق ذكره - وكانت أم الحجاج بنت محمد بن يوسف بن الحكم بن أبي عقيل عند يزيد بن عبد الملك، وهي أم الوليد بن يزيد فاسق بني أمية، وهي بنت أخي الحجاج، وكان يزيد بن عبد الملك قد عاهدها لئن أمكنه الله من يزيد بن المهلب ليقطعن منه طابقا (1) ، فكان يخشى ذلك، فأخذ يعمل في المهرب (2) ، فبعث إلى مواليه فأعدوا له إبلا، وكان مرض عمر في دير سمعان، فلما اشتد مرض عمر نزل يزيد من محبسه وخرج حتى أتى المكان الذي فيه إبله، وقد واعدهم إليه، فاحتمل وخرج، فلما جاز كتب إلى عمر: إني والله لو علمت أنك تبقى ما خرجت من محبسي، ولكني لم آمن يزيد بن عبد الملك، فقال عمر: اللهم إن كان يريد بهذه الأمة شرا فاكفهم شره واردد كيده في نحره.
ومضى يزيد بن المهلب، وزعم الواقدي أن يزيد بن المهلب: إنما هرب من سجن عمر بعد موت عمر - قلت: وجدت في مسودة تاريخ القاضي كمال الدين بن العديم الحلبي، أن عمر حبس يزيد بن المهلب وابنه معاوية بحلب وهربا منها، والله أعلم.
(333) ثم توفي عمر بن عبد العزيز (3) يوم الجمعة، وقيل الأربعاء، لخمس بقين من رجب سنة إحدى ومائة، رحمه الله تعالى، بدير سمعان، وقل أنه مات لعشر بقين من رجب من السنة، وهو ابن تسع وثلاثين سنة وأشهر، وقيل أنه مات بخناصرة (4) . وأمه أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، وكان يقال له " أشج بني أمية " ، وذلك أن دابة
__________
(1) ر: طائفا.
(2) فأخذ... المهرب: لم ترد في الطبري.
(3) متابع للطبري: 1362.
(4) ورد في ر بر من هنا تعريق بخناصرة، وذلك سيرد في الترجمة التالية، ولم يرد في هذا الموضع في المسودة وسائر النسخ، وكان المؤلف قد كتب التعريف في مسودته هنا ثم أضرب عن ذلك.

(6/301)


من دواب أبيه كانت شجته. قال نافع مولى ابن عمر: كنت أسمع ابن عمر كثيرا يقول: ليت شعري من هذا الذي من ولد عمر في وجهه علامة يملأ الأرض عدلا، قال سال الأفطس: إن عمر بن عبد العزيز رمحته دابة وهو غلام بدمشق، فأتى أمه أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، فضمته إليها وجعلت تمسح الدم عن وجهه، ودخل أبوه عليها على تلك الحال، فأقبلت عليه تعذله وتلومه وتقول: ضيعت ابني، ولم تضم إليه خادما ولا حاضنا يحفظه من مثل هذا، فقال لها: اسكتي يا أم عاصم، فطوبى لك إن كان أشج بني أمية.
وقال حماد بن زيد: إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه مر بعجوز تبيع لبنا معها في سوق اللبن، فقال لها: يا عجوز لا تغشي المسلمين وزوار بيت الله تعالى ولا تشوبي اللبن بالماء، فقالت: نعم يا أمير المؤمنين، ثم مر بها بعد ذلك، فقال لها: يا عجوز، ألم أتقدم إليك أن لا تشوبي اللبن بالماء فقالت: والله ما فعلت، فقالت ابنة لها من داخل الخباء: أغشا وكذبا جمعت على نفسك فسمعها عمر رضي الله عنه فهم بمعاقبة العجوز، فتركها لكلام ابنتها، ثم التفت إلى بنيه فقال: أيكم يتزوج هذه، فلعل الله عز وجل يخرج منها نسمة طيبة مثلها فقال عاصم بن عمر: أنا أتزوجها، فزوجها إياه، فولدت له أم عاصم، فتزوج أم عاصم عبد العزيز بن مروان، فولدت، فولدت له عمر بن عبد العزيز. ثم تزوج بعدها حفصة وفيها قيل: ليست حفصة من نساء أم عاصم.
[وذكر الشيخ شمس الدين أبو المظفر بن قزغلي بن عبد الله، سبط الشيخ جمال الدين أبي الفرج ابن الجوزي في كتاب " جوهرة الزمان في تذكرة السلطان " عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: بينما أبي يعس بالمدينة إذ سمع امرأة وهي تقول لابنتها: يا بنية، قومي فشوبي اللبن بالماء، فقالت: يا أماه أما سمعت منادي أمير المؤمنين أنه نادى: أن لا يشاب اللبن بالماء فقالت: وأين أنت من مناديه الساعة فقالت: إذا لم يرني مناديه ألم يرني رب مناديه - وفي رواية أخرى، قالت: والله ما كنت لأطيعه في الملا وأعصيه في الخلا، قال: فبكى عمر رضي الله عنه. فلما أصبح دعا بالمرأة وبابنتها وسأل: هل لها زوج فقالت: ليس لها زوج، فقال: يا عبد الله، تزوج هذه، فلو كانت

(6/302)


بي حاجة إلى النساء لتزوجتها، فقلت: أنا في غنى عنها، فقال: يا عاصم تزوجها فتزوجها، فجاءت بابنة فحملت بعمر بن عبد العزيز] (1) .
ولما مات عمر بن عبد العزيز، رضي الله عنه، ولي مكانه يزيد بن عبد الملك بن مروان. ثم إن يزيد بن المهلب لحق بالبصرة فغلب عليها، وأخذ عامل يزيد بن عبد الملك وهو عدي بن أرطأة الفزاري فحبسه، وخلع يزيد بن عبد الملك ورام الخلافة لنفسه، فجاءته إحدى حظاياه وقبلت الأرض بين يديه وقالت: السلام عليك يا أمير المؤمنين، فأنشدها:
رويدك حتى تنظري عم تنجلي ... عماية هذا العارض المتألق قلت: وهذا البيت من جملة أبيات لبشر بن قطية الأسدي.
قلت: ولا حاجة إلى تفصيل الحال فيه فإن شرحه يطول، وهذه خلاصته، ثم إن يزيد بن عبد الملك جهز لقتاله أخاه مسلمة بن عبد الملك، وابن أخيه العباس بن الوليد بن عبد الملك، ومعهما الجيش، وخرج يزيد بن المهلب للقائهم، واستخلف على البصرة ولده معاوية بن يزيد وعنده الرجال والأموال والأسرى، وقدم بين يديه أخاه عبد الملك بن المهلب وسار حتى نزل العقر - قلت: هي عقر بابل، وهي عند الكوفة بالقرب من كربلاء، الموضع الذي قتل فيه الحسين، رضي الله عنه، والعقر: بفتح العين المهملة وسكون القاف وبعدها راء، وهو في الأصل اسم القصر، والمواضع المسماة بالعقر أربعة: أحدها هذا ولا حاجة إلى ذكر الباقي، وقد ذكرها ياقوت الحموي في كتابه الذي سماه " المشترك وضعا " - .
قال الطبري (2) : ثم أقبل مسلمة بن عبد الملك حتى نزل على يزيد بن المهلب فاصطفوا، ثم اقتتل القوم، فشد أهل البصرة على أهل الشام فكشفوهم، ثم إن أهل الشام كروا عليهم فكشفوهم، وكان على مقدمة جيش بن يزيد أخوه
__________
(1) انفردت به ر بر من، ولم يرد في المسودة.
(2) الطبري 2: 1395.

(6/303)


عبد الملك، فلما انكشف حاء إلى أخيه يزيد، وكان الناس يبايعون يزيد بن المهلب، وكانت مبايعته على كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وأن لا تطأ الجنود بلادهم ولا بيضتهم، ولا تعاد عليهم سيرة الفاسق الحجاج، وكان مروان بن الملهب بالبصرة يحرض الناس على حرب أهل الشام ويسرح الناس إلى أخيه يزيد.
وكان الحسن البصري (1) ، رضي الله عنه يثبط الناس عن يزيد بن المهلب، فقال يوما في مجلسه: يا عجبا لفاسق من الفاسقين ومارق من المارقين غير برهة من دهره، يهتك الله في هؤلاء القوم كل حرمة، ويركب له فيهم كل معصية ويأكل ما أكلوا ويقتل ما قتلوا، حتى إذا منعوه لماظة كان يتلمظها قال: أنا لله غضبان فاغضبوا، ونصب قصبا عليها خرق، وتبعه رجراجة رعاع هباء ما لهم أفئدة وقال: أدعوكم إلى سنة عمر بن عبد العزيز، ألا وإن من سنة عمر أن توضع رجلاه في قيد ثم يوضع حيث وضعه عمر، فقال له رجل: أتعذر أهل الشام يا أبا سعيد يعني بني أمية، فقال: أنا أعذرهم لا عذرهم الله! والله لقد حدث ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " اللهم إني حرمت المدينة بما حرمت به بلدك مكة " فدخلها أهل الشام ثلاثا لا يغلق لها باب إلا أحرق بما فيه، حتى إن الأقباط والأنباط ليدخلون على نساء قريش فينتزعون خمرهن من رؤوسهن وخلاخلهن من أرجلهن، سيوفهم على عواتقهم، وكتاب الله تحت أرجلهم، أنا أقتل نفسي لفاسقين تنازعا هذا الأمر والله لوددت أن الأرض أخذتهما خسفا جميعا.
فبلغ ذلك يزيد بن المهلب فأتى الحسن، هو وبعض بني عمه إلى حلقته في المسجد متنكرين، فسلما عليه ثم خلوا به، فاشرأب الناس ينظرون إليهم، فلاحاه يزيد، فدخل في ملاحاتهما ابن عم يزيد، فقال له الحسن: وما أنت وذاك يا ابن اللخناء فاخترط سيفه ليضربه به، فقال يزيد: ما تصنع قال: أقتله، فقال له يزيد: اغمد سيفك فوالله لو فعلت لانقلب من معنا علينا.
قلت: ويزيد بن المهلب المذكور، هو الذي عناه بن دريد في مقصورته
__________
(1) المصدر السابق: 1392 مع بعض اختلاف.

(6/304)


المعروفة بالدريدية بقوله:
وقد سما قبلي يزيد طالبا ... شأو العلا فما وهى ولا ونى وكل من شرح الدريدية تكلم على هذا البيت وشرح قصته.
وكانت إقامة يزيد بن المهلب منذ اجتمع هو ومسلمة بن عبد الملك ثمانية أيام، حتى إذا كان يوم الجمعة لأربع عشرة مضت من صفر سنة اثنتين ومائة (1) أمر مسلمة أن تحرق السف فأحرقت، والتقى الجمعان وشبت الحرب، فلما رأى الناس الدخان قيل لهم: أحرق الجسر، انهزموا، فقيل ليزيد: قد انهزم الناس، فقال: مم انهزموا فقيل له: أحرق الجسر فلم يلبث أحد، فقال: قبحهم الله بق دخن عليه فطار. وكان يزيد لا يحدث نفسه بالفرار، وجاءه من أخبره أن أخيه حبيبا قد قتل فقال: لا خير في العيش بعد حبيب، قد كنت والله أبغض الحياة بعد الهزيمة فوالله ما ازددت لها إلا بغضا، امضوا قدما، قال: أصحابه: فعلمنا أن الرجل قد استقتل. وأخذ من يكره القتال ينكص، وأخذوا يتسالون (2) ، وبقيت معه جماعة حسنة، وهو يزدلف، فكلما مر بخيل كشفها أو جماعة من أهل الشام عدلوا عنه وعن سنن أصحابه، فجاء أبو رؤبة المرجئ وقال: ذهب الناس، فهل لك أن تنصرف إلى واسط فإنها حصن تنزلها ويأتيك أهل البصرة ويأتيك أهل عمان والبحرين في السفن وتضرب خندقا فقال له: قبح الله رأيك، ألي تقول ذا الموت أيسر علي من ذلك، فقال له: فغني أتخوف عليك، أما ترى ما حولك من جبال الحديد فقال له: فأنا أباليها أجبال حديد كانت أم جبال نار اذهب عنا إن كنت لا تريد قتالا معنا.
وأقبل على مسلمة لا يريد غيره، حتى إذا دنا منه دعا مسلمة بفرسه ليركبه، فعطفت عليه خيول أهل الشام وعلى أصحابه، فقتل يزيد بن المهلب، وقتل معه أخوه محمد وجماعة من أصحابه، وقال القحل - بفتح القاف وسكون الحاء
__________
(1) متابع للطبري 2: 1402 وما بعدها.
(2) كذا في المسودة؛ وفي النسخ: يتسللون.

(6/305)


المهملة وآخره لام - ابن عياش الكلبي، لما نظر إلى يزيد: يا أهل الشام هذا والله يزيد، لأقتلنه أو ليقتلني، إن دونه ناسا، فمن يحمل معي يكفيني أصحابه حتى أصل إليه فقال له ناس من أصحابه: نحن نكمل معط، فحملوا بأجمعهم، فاضطربوا ساعة وسطع الغبار وانفرج الفريقان عن يزيد قتيلا، وعن القحل بن عياش بآخر رمق، فأومأ إلى أصحابه يريهم مكان يزيد، وجاء برأس يزيد مولى لبني مرة، فقيل له: أنت قتلته فقال: لا. وفي أثناء الوقعة نظر الحواري بن زياد إلى برذون عائر فقال: الله أكبر، هذا برذون الفاسق ابن المهلب، قد قتله الله إن شاء الله، فطلبوه، فأتي مسلمة برأسه، فلم يعرف الرأس، فقال حسان النبطي: مهما ظننتم فلا تظنوا أن الرجل هرب، ولقد قتل، فقال مسلمة وما علامة ذلك فقال: إني سمعته أيام ابن الأشعث يقول: قبح الله ابن الأشعث، هبوه غلب على أمره أكان يغلب على الموت ألا مات كريما
(334) قلت: ذكر الأمير أبو نصر ابن ماكولا في باب " الفحل والقحل والعجل " ما مثاله: وأما القحل فمثل الفحل إلا أن أوله قاف فهو القحل بن عياش بن حسان بن عثمير بن شراحيل بن عزيز (1) ، قتل يزيد بن المهلب وقتله يزيد، ضرب كل واحد منهما صاحبه فقتله. فلما أتي به إلى مسلمة لم يعرف ولم ينكر، فقيل له: مر برأسه فليغسل ثم ليعمم، ففعل ذلك به فعرفه، فبعث به إلى أخيه يزيد بن عبد الملك مع خالد بن الوليد بن عقبة بن أبي معيط.
وقال خليفة بن خياط (2) : ولد يزيد بن المهلب سنة ثلاث وخمسين وتوفي مقتولا يوم الجمعة لاثنتي عشرة ليلة خلت من صفر سنة اثنتين ومائة، والله أعلم بالصواب.
ولما جاءت هزيمة يزيد واسط (3) أخرج معاوية بن يزيد بن المهلب اثنين وثلاثين أسيرا كانوا في يديه فضربوا أعناقهم، منهم عدي بن أرطأة، ثم خرج
__________
(1) س: عزين.
(2) تاريخ خليفة: 471.
(3) ر: واسطا؛ ولم ينونها المؤلف في المسودة.

(6/306)


وقد قال له القوم (1) : ويحك، إنا لا نراك تقتلنا إلا أن أباك قد قتل، ثم أقبل حتى أتى البصرة معه المال والخزائن، وجاء المفضل بن المهلب، واجتمع جميع أهل المهلب بالبصرة وقد كانوا يتخوفون الذي كان، فأعدوا السفن البحرية وتجهزوا بكل الجهاز. وأراد معاوية بن يزيد أن يتأمر على آل المهلب، فاجتمعوا وأمروا عليهم المفضل بن المهلب. وقالوا: المفضل أكبرنا سنا، وإنما أنت غلام حدث (2) السن كبعض فتيان أهلك، فلم يزل المفضل عليهم حتى خرجوا إلى كرمان، وبكرمان فلول كثيرة، فاجتمعوا إلى المفضل، وبعث مسلمة بن عبد الملك في طلب آل المهلب وطلب الفلول، فأدركوهم في عقبة بفارس، فاشتد قتالهم، فقتل المفضل وجماعة من خواصه، ثم قتل آل المهلب من عند (3) آخرهم، إلا أبا عيينة وعثمان بن المفضل فإنهما نجوا ولحقا بخاقان ورتبيل، وبعث مسلمة برؤوسهم إلى أخيه يزيد وهو على حلب، فلما نصبوا خرج لينظر إليهم، فقال لأصحابه: هذا رأس عبد الملك، هذا رأس المفضل، والله لكأنه جالس معي يحدثني.
وقال غير الطبري: لما حمل رأس يزيد بن المهلب إلى يزيد بن عبد الملك نال منه بعض جلسائه، فقال له: مه إن يزيد طلب جسيما، وركب عظيما، ومات كريما.
ولما فرغ مسلمة من حرب آل المهلب جمع له أخوه يزيد ولاية الكوفة والبصرة وخراسان في هذه السنة.
ولما قتل يزيد بن المهلب رثاه شاعره ثابت قطنة بمراث كثيرة حسنة، منها قوله:
كل القبائل بايعوك على الذي ... تدعو إليه وتابعوك وساروا
حتى إذا اشتجر القنا وتركتهم ... وهن الأسنة أسلموك وطاروا
__________
(1) الطبري 2: 1409.
(2) ر والطبري: حديث.
(3) كذا في المسودة؛ وفي النسخ: عن آخرهم.

(6/307)


إن يقتلوك فإن قتلك لم يكن ... عارا عليك، ورب قتل عار (335) قلت: وهذا ثابت قطنة من شعراء خراسان وفرسانهم، وذهبت عينه فكان يحشوها قطنة، وقد كان يزيد بن المهلب استعمله على بعض كور خراسان فلما علا المنبر أرتج عليه، فلم ينطق حتى نزل فدخل عليه الناس فقال:
فإن لا أقم فيكم خطيبا فإنني ... بسيفي إذا جد الوغى لخطيب فقالوا: لو كنت قلت هذا على المنبر لكنت أخطب الناس، ذكره ابن قتيبة في كتاب " طبقات الشعراء " (1) وقال ابن الكلبي في " جمهرة النسب " : هو ثابت بن كعب بن جابر بن كعب بن كزمان بن طرفة بن وهب بن مازن بن يم بن الأسد بن الحارث بن العتيك بن الأسد بن عمران بن عمرو مزيقياء بن عامر ماء السماء [وفيه يقول صاحب الفيل الحنفي، وكانا يتهاجيان:
أبا العلاء لقد لاقيت معضلة ... يوم العروبة من كرب وتخنيق
تلوي اللسان إذا رمت الكلام به ... كما هوى زلق من شاهق النيق
لما رمتك عيون الناس ضاحية ... أنشأت تجرض لما قمت بالريق] (2) وقال غير الطبري: إن الذي قتل يزيد بن المهلب هو الهذيل بن زفر بن الحارث الكلابي.
وقال الكلبي: نشأت والناس يقولون: ضحى بنو أمية بالدين يوم كربلاء وبالكرم يوم العقر (3) ، وقال محمد بن واسع لما جاء نعي يزيد: أشتهي باكية عمانية تندب لي قتلى آل المهلب، وقال عباد بن عباد: مكثنا نيفا وعشرين سنة بعد قتلى آل المهلب لا تولد فينا جارية ولا يموت منا غلام.
وقال خليفة بن خياط، سنة اثنتين ومائة: فيها قتل يزيد بن المهلب يوم
__________
(1) الشعر والشعراء: 526 وانظر في ترجمته أيضا كتاب الأغاني 14: 247 والخزانة 4: 184.
(2) انفردت به: ر بر من.
(3) مر مثل هذا في ترجمة كثير عزة 4: 109.

(6/308)


الجمعة لاثنتي عشرة ليلة خلت من صفر، وهو ابن تسع وأربعين سنة، رحمه الله تعالى، فلقد كان من النجباء الكرماء العظماء الفرسان.
وروي أن مسلمة بن عبد الملك دخل على أخيه يزيد بن عبد الملك حين خلعه يزيد، فرآه في ثوب مصبوغ فقال له: أتلبس مثل هذا وأنت ممن قال فيه:
قوم إذا حاربوا شدوا مآزرهم ... دون النساء ولو باتت بأطهار فقال مسلمة: ذاك ونحن نحارب أكفاءنا من قريش، فأما إن نعق ناعق فلا ولا كرامة.
قلت: وهذا البيت للأخطل التغلبي النصراني الشاعر المشهور (1) .
817 - (2)
يزيد بن أبي مسلم الثقفي مولاهم
أبو العلاء يزيد بن مسلم دينار الثقفي، مولاهم، كان مولى الحجاج بن يوسف الثقفي وكاتبه، وكان فيه كفاية ونهضة، قدمه الحجاج بسببهما - وقد تقدم في ترجمة يزيد بن المهلب أن الحجاج لما حضرته الوفاة استخلفه على الخراج بالعراق - فلما مات الحجاج أقره الوليد بن عبد الملك على حاله ولم يغير عليه شيئا. وقيل إن الوليد هو الذي ولاه بعد موت الحجاج، وقال الوليد يوما: مثلي ومثل الحجاج وابن أبي مسلم كرجل ضاع منه درهم فوجد دينارا.
ولما مات الوليد وتولى أخوه سليمان عزل يزيد بن أبي مسلم وبعث مكانه
__________
(1) ديوان الأخطل: 120.
(2) أخباره في تاريخ الطبري وابن الأثير وابن خلدون، وانظر البيان الغرب 1: 48 وتاريخ الرقيق: 99 وابن أبي دينار: 39.

(6/309)


يزيد بن المهلب بن أبي صفرة الأزدي المذكور قبله، وأحضر إليه يزيد بن أبي مسلم في جامعة، وكان رجلا قصيرا دميما قبيح الوجه عظيم البطن تحتقره العين، فلما نظر إليه سليمان قال: أنت يزيد بن أبي مسلم قال: نعم أصلح الله أمير المؤمنين قال: لهن الله من أشركك في أمانته وحكمك في دينه، قال: لا تفعل يا أمير المؤمنين، فإنك رأيتني والأمور مدبرة عني، ولو رأيتني والأمور مقبلة علي لاستعظمت ما استصغرت ولاستجللت ما احتقرت، فقال سليمان: قاتله الله، فما أسد عقله وأعضب لسانه! ثم قال سليمان: يا يزيد، أترى صاحبك الحجاج يهوي بعد في نار جهنم أم قد استقر في قعرها فقال يزيد: لا تقل ذلك يا أمير المؤمنين، فإن الحجاج عادى عدوكم ووالى وليكم، وبذل مهجته لكم، فهو يوم القيامة عن يمين عبد الملك وعن يسار الوليد، فاجعله حيث أحببت. وفي رواية أخرى: إنه يحشر غدا بين أبيك وأخيك، فضعهما حيث شئت، قال سليمان: قاتله الله، فما أوفاه لصاحبه! إذا اصطنعت الرجال فلتصطنع مثل هذا، فقال رجل من جلساء سليمان: يا أمير المؤمنين، اقتل يزيد ولا تستبقه، فقال يزيد: من هذا فقالوا: فلان بن فلان، قال يزيد: والله لقد بلغني أن أمه ما كان شعرها يوازي (1) أذنيها، فما تمالك سليمان أن ضحك وأمر بتخليته. ثم كشف عنه سليمان فلم يجد عليه خيانة دينارا ولا درهما، فهم باستكتابه، فقال له عمر بن عبد العزيز: أنشدك الله يا أمير المؤمنين أن تحيي (2) ذكر الحجاج باستكتابك كاتبه، فقال: يا أبا حفص، إني كشفت عنه فلم أجد عليه خيانة، فقال عمر: أنا أوجدك من هو أعف عن الدينار والدرهم منه، فقال سليمان: من هذا فقال: إبليس، ما مس دينارا ولا درهما بيده وقد أهلك هذا الخلق. فتركه سليمان.
وحدث جورية بن أسماء أن عمر بن عبد العزيز بلغه أن يزيد بن أبي مسلم في جيش (3) من جيوش المسلمين، فكتب إلى عامل الجيش أن يرده وقال: إني
__________
(1) في ق ر ع س: يواري، وما أثبتناه موافق للمسودة وبر؛ وفي بر: ما كان لها شعر يوازي.. الخ.
(2) س: لا تحيي؛ ع: لأن.
(3) ع: خرج في جيش.

(6/310)


لأكره أن أستنصر بجيش هو فيهم.
ونقل الحافظ أبو القاسم المعروف بابن عساكر في " تاريخ دمشق " في ترجمة يزيد المذكور عن يعقوب أنه قال: في سنة إحدى ومائة أمر يزيد بن أبي مسلم على إفريقية، ونزع إسماعيل بن عبيد بن أبي المهاجر مولى بني مخزوم، فسار أحسن سيرة، وفي سنة اثنتين ومائة قتل يزيد.
وقال الطبري في تاريخه الكبير: وكان سبب ذلك أنه كان فيما ذكر عزم أن يسير فيهم بسيرة الحجاج بن يوسف في أهل الإسلام الذين سكنوا الأمصار ممن كان أصله من السواد من أهل الذمة فأسلم بالعراق، ممن ردهم إلى قرارهم ورساتيقهم، ووضع على رقابهم على نحو ما كانت تؤخذ منهم وهم على كفرهم، فلما عزم على ذلك توامروا، فأجمع رأيهم على قتله (1) فقتلوه، وولوا على أنفسهم الوالي الذي كان قبل يزيد بن أبي مسلم، وكتبوا إلى يزيد بن عبد الملك: إنا لم نخلع أيدينا عن الطاعة، ولكن يزيد بن أبي مسلم سامنا ما لا يرضى به الله والمسلمون فقتلناه وأعدنا عاملك، فكتب إليهم يزيد بن عبد الملك: إنني لم أرض ما صنع يزيد بن أبي مسلم. وأقر محمد بن يزيد على إفريقية، وكان ذلك في سنة اثنتين ومائة.
قال الوضاح بن خيثمة: أمرني عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى بإخراج قوم من السجن، وفيهم يزيد بن أبي مسلم، فأخرجتهم وتركته فحقد علي، وإني بإفريقية إذ قيل قدم يزيد واليا، فهربت منه، وعلم بمكاني وأمر بطلبي، فظفر بي وحملت إليه، فلما رآني قال: طالما سألت الله تعالى أن يمكنني منك، فقلت: وأنا والله لطالما سألت الله أن يعيذني منك، فقال: ما أعاذك الله، والله لأقتلنك والله لأقتلنك ولو سابقني فيك ملك الموت لسبقته. ثم دعا بالسيف والنطع فأتي بهما، وأمر بالوضاح فأقيم على النطع وكتف، وقام وراءه رجل بالسيف؛ وأقيمت الصلاة فخرج يزيد إليها، فلما سجد أخذته السيوف. ودخل إلى الوضاح من قطع كتافه وأطلقه، وأعيد إلى الولاية محمد بن يزيد مولى الأنصار، والله أعلم.
__________
(1) فاجمع... قتله: سقط من ع.

(6/311)


قلت: كان الوضاح حاجب عمر بن عبد العزيز، فلما مرض أمر الوضاح بإخراج المحابيس، فأخرجهم سوى يزيد المذكور، فلما مات عمر هرب الوضاح إلى إفريقية خوفا من يزيد، وجرى ما جرى، وكان مرض عمر بخناصرة (1) .
هكذا قاله الطبري: محمد بن يزيد، وابن عساكر قال: إسماعيل بن عبيد الله، والله أعلم بالصواب؛ وقوله " وأحضر إليه يزيد بن أبي مسلم في جامعة " فالجامعة: الغل، لأنها تجمع اليدين إلى العنق، وقوله " وكان رجلا قصيرا دميما " الدميم: بالدال المهملة، القبيح المنظر، ومنه قول عمر رضي الله عنه " لا تزوجوا بناتكم من الرجل الدميم فإنه يعجبهن منهم ما يعجبهم منهن " وأما الذميم بالذال المعجمة فإنه المذموم، وكذا قول ابن الرومي الشاعر المشهور:
كضرائر الحسناء قلن لوجهها ... حسدا وبغيا إنه لدميم - بالدال المهملة أيضا - وإنما قيدته بالضبط لأنه يتصحف على الناس كثيرا (2) .
وخناصرة: بضم الخاء المعجمة ثم نون وبعد الألف صاد مهملة مكسورة ثم راء بعدها هاء، وهي بلدة قديمة من أعمال الأحص من ولاية حلب من جهتها القبلية بشرق، بالقرب من قنسرين، كان عمر بن عبد العزيز أميرا بها من جهة عبد الملك بن مروان ثم من جهة سليمان بن عبد الملك، وهي التي عناها المتنبي بقوله:
أحب حمصا إلى خناصرة ... وكل نفس تحب محياها وذكرها عدي بن الرقاع العاملي الشاعر المشهور في قصيدته الدالية المشهورة فقال:
وإذا الربيع تتابعت أنواؤه ... فسقى خناصرة الأحص وجادها
__________
(1) قلت... بخناصرة: لم يرد في س ر، وهو ثابت في المسودة؛ وقد أورد في ع ضبط خناصرة في هذا الموضع.
(2) نهاية الترجمة في ر س.

(6/312)


818 - (1)
يزيد بن عمر بن هبيرة
أبو خالد يزيد بن أبي المثنى عمر بن هبيرة بن معية بن سكين بن خديج بن بغيض بن مالك بن سعد بن عدي بن فزارة؛ ونسب فزارة معروف فلا حاجة إلى الإطالة بذكره.
قال ابن دريد: معية تصغير معى، وهو الواحد من أمعاء البطن، وقد ردوا على ابن دريد هذا القول فقالوا: بل صوابه أنه تصغير معاوية.
وسكين: بضم السين المهملة وفتح الكاف؛ وخديج: بفتح الخاء المعجمة؛ وبغيض: بفتح الباء الموحدة؛ والباقي معلوم لا حاجة إلى ضبطه.
ذكر الحافظ أبو القاسم ابن عساكر في تاريخ الكبير أن أصله من الشام، وأنه ولي قنسرين للوليد بن يزيد بن عبد الملك، وكان مع مروان بن محمد آخر ملوك بني أمية يوم غلب على دمشق وجمع له ولاية العراق.
مولده سنة سبع وثمانين. وذكره ابن عياش في تسمية من ولي العراق وجمع له المصران، وهما البصرة والكوفة، وكذلك ذكره ابن قتيبة في كتاب " المعارف " (2) في تسمية من ولي العراقين، وعد الولاة الذين جمع لهم العراقان فكان أولهم زياد بن أبيه الذي استلحقه معاوية بن أبي سفيان، وآخرهم يزيد بن عمر بن هبيرة صاحب هذه الترجمة؛ ثم قال: ولم يجمع العراقان لأحد بعد هؤلاء، وذكره أيضا قبل هذا في ترجمة أبيه عمر، فقال (3) : وكان أبو جعفر المنصور حصر يزيد بواسط شهورا ثم آمنه، وافتتح البلد صلحا، وركب إليه يزيد في أهل بيته، وكان جعفر يقول: لا يعز ملك هذا فيه، ثم قتله.
__________
(1) أخباره في تاريخ الطبري وابن الأثير وابن خلدون وخليفة بن خياط والمسعودي واليعقوبي وينقل المؤلف من ترجمته في تاريخ دمشق لابن عساكر، وانظر العيون والحدائق: 208 وما بعدها.
(2) المعارف: 571.
(3) المعارف: 409.

(6/313)


وقال خليفة بن خياط (1) : وفي سنة ثمان وعشرين ومائة وجه مروان بن محمد يزيد بن عمر بن هبيرة واليا على العراق، وذلك قبل قتل الضحاك - يعني ابن قيس الشيباني الخارجي - فسار حتى نزل هيت.
وكان سخيا جسيما طويلا خطيبا أكولا شجاعا وكان فيه حسد؛ وذكره أبو جعفر الطبري في تاريخه في سنة ثمان وعشرين ومائة، فقال (2) : وفي هذه السنة وجه مروان بن محمد يزيد بن عمر بن هبيرة إلى العراق لحرب من بها من الخوارج، ثم ذكر في سنة اثنتين وثلاثين ومائة (3) خروج قحطبة بن شبيب أحد دعاة بني العباس لما ظهروا أمرهم بخراسان وتلك النواحي، وكان أبو مسلم الخراساني - المقدم ذكره في حرف العين (4) - أعظم الأعوان وأصل تلك القضية حتى انتظمت أمورها كما هو مشهور، وقد سبق في ترجمة أبي مسلم طرف من هذا الحديث، ولا حاجة إلى التطويل فيه. وكان خروج قحطبة بأرض العراق وقصد محاربة يزيد بن عمر بن هبيرة، وجرت وقائع يطول شرحها، وحاصل الأمر أن قحطبة خاض الفرات عند الفلوجة القرية المشهورة بالعراق، ليقاتل ابن هبيرة، وكان في قبالته، فغرق قحطبة في عشية الأربعاء عند غروب الشمس لثمان خلون من المحرم من هذه السنة، وقام ولده الحسن بن قحطبة مقامه في تقدمة الجيش، وهي واقعة مشهورة طويلة وليس هذا موضع ذكرها. وكان معن بن زائدة الشيباني - المقدم ذكره (5) - من أتباع يزيد بن هبيرة المذكور ومن أكبر أعوانه في الحروب وغيرها، فيقال إنه في تلك الليلة ضرب قحطبة بن شبيب بالسيف على رأسه، وقيل على عاتقه، فوقع في الماء، فأخرجوه حيا فقال: إن مت فادفنوني في الماء لئلا يقف أحد على خبري وقيل في غرقه غير ذلك، والله أعلم.
__________
(1) تاريخ خليفة: 578.
(2) تاريخ الطبري 2: 1941.
(3) الأصح في السنة التي قبلها، وانظر في مهلك قحطبة ص 13 من القسم الثالث من تاريخ الطبري.
(4) انظر ج 3: 145.
(5) انظر ج 5: 244.

(6/314)


عدنا إلى حديث ابن هبيرة:
وكان من خبره أن جيوش خراسان التي كان مقدمها قحطبة ثم ولده الحسن من بعد استظهرت عليه فهزمت عسكره، ولحق ابن هبيرة بمدينة واسط فتحصن فيها ثم وصل أبو العباس عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه الملقب بالسفاح وأخوه أبو جعفر عبد الله بن محمد الملقب بالمنصور من الحميمة، بضم الحاء المهملة، القرية التي كانت مسكن بني العباس في أطراف الشام من أرض البلقاء إلى الكوفة، وبها جماعة من أشياعهم ونوابهم ومن قام معهم بإقامة دولتهم وإزالة دولة بني أمية التي أميرها إذ ذاك مروان بن محمد بن الحكم الأموي المعروف بالجعدي والمنبوز بالحمار آخر ملوكهم، فلما وصلوا إلى الكوفة بويع أبو العباس السفاح بها يوم الجمعة لثلاث عشرة ليلة مضت من شهر ربيع الآخر سنة اثنتين وثلاثين ومائة، وقيل إن المبايعة كانت في شهر ربيع الأول، والأول أصح.
وظهر أمر بني العباس وقويت شوكتهم، وأدبرت دولة بني مروان، فعند ذلك وجه السفاح أخاه أبا جعفر إلى واسط لحرب يزيد بن عمر بن هبيرة، فجاء المنصور إلى المعسكر الذي مقدمه الحسن بن قحطبة، وهو مقابل يزيد بن هبيرة (1) بواسط، فنزل فيه.
قال أبو جعفر الطبري في تاريخ الكبير (2) : وجرت السفراء بين أبي جعفر المنصور وبين ابن هبيرة، حتى جعل له أمانا وكتب به كتابا، فمكث يشاور فيه العلماء أربعين ليلة حتى رضيه ابن هبيرة، ثم أخذه إلى أبي جعفر، فأنفذه أبو جعفر إلى أبي العباس السفاح فأمر بإمضائه له، وكان رأى أبي جعفر الوفاء له بما أعطاه. وكان أبو العباس السفاح لا يقطع أمرا دون أبي مسلم الخراساني صاحب الدعوة، وكان لأبي مسلم عين على السفاح يكتب إليه بأخباره كلها،
__________
(1) س: يزيد بن عمر بن هبيرة.
(2) تاريخ الطبري 3: 66.

(6/315)


فكتب أبو مسلم إلى السفاح: إن الطريق السهل إذا ألقيت فيه الحجارة فسد، لا والله لا صلح (1) طريق فيه ابن هبيرة. ولما تم الكتاب خرج ابن هبيرة إلى أبي جعفر في ألف وثلثمائة من البخارية، فأرارد أن يدخل الحجرة على دابته، فقام إليه الحاجب فقال: مرحبا با أبا خالد، انزل راشدا، وقد أطاف بالحجرة عشرة آلاف من أهل خراسان، فنزل ودعا له بوسادة ليجلس عليها، ثم دعا له بالقواد فدخلوا، ثم قال له الحاجب: ادخل أبا خالد، فقال: أنا ومن معي فقال: إنما استأذنت لك وحدك، فقام فدخل، ووضعت له وسادة وحادثه ساعة، ثم قام وأتبعه أبو جعفر بصره حتى غاب عنه، ثم مكث يقيم عنه (2) يوما ويأتيه يوما في خمسمائة فارس وثلثمائة راجل، فقال يزيد بن حاتم لأبي جعفر: أيها المير، إن ابن هبيرة ليأتي فيتضعضع له العسكر وما نقص من سلطانه شيء، فقال أبو جعفر للحاجب: قل لابن هبيرة يدع الجماعة ويأتينا في حاشيته، فقال له الحاجب ذلك، فتغير وجهه، وجاء في حاشيته نحوا من ثلاثين، فقال له الحاجب: كأنك تأتي متأهبا (3) فقال: إن أمرتم أن نمشي إليكم مشينا، فقال: ما أردنا بك استخفافا ولا أمر الأمير بما أمر به إلا نظرا لك، فكان بعد ذلك يأتي في ثلاثة.
وقال محمد بن كثير: كلم ابن هبيرة يوما أبا جعفر فقال: يا هياه (4) ، أو يا أيها المرء، ثم رجع فقال: أيها الأمير إن عهدي بكلام الناس بمثل ما خاطبتك به حديث فسبقني لساني بما لم أرده. وألح أبو العباس السفاح على أبي جعفر يأمره بقتله، وهو يراجعه، فكتب إليه: والله لتقتلنه أو لأرسلن إليه من يخرجنه من حجرتك ثم يقتله، فأزمع على قتله، فبعث أبو جعفر من ختم بيوت المال، ثم بعث إلى وجوه من مع ابن هبيرة فحضروا، وخرج الحاجب من عند أبي جعفر وطلب ابن الحوثرة ومحمد بن نباتة وهما من العيان، فقاما فدخلا، وقد أجلس أبو جعفر ثلاثة من خواصه في مائة من خواصه من جماعته في حجرة، فنزعت
__________
(1) الطبري: يصلح.
(2) س: يقيم عنده.
(3) الطبري: مباهيا.
(4) كذا في المسودة؛ وصوابه: يا هناه كما في س ع ق والطبري.

(6/316)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية