صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان
المؤلف : أبو العباس شمس الدين أحمد بن محمد بن أبي بكر بن خلكان
المحقق : إحسان عباس
الناشر : دار صادر - بيروت
الطبعة :
الجزء : 1 - الطبعة : 0 ، 1900
الجزء : 2 - الطبعة : 0 ، 1900
الجزء : 3 - الطبعة : 0 ، 1900
الجزء : 4 - الطبعة : 1 ، 1971
الجزء : 5 - الطبعة : 1 ، 1994
الجزء : 6 - الطبعة : 0 ، 1900
الجزء : 7 - الطبعة : 1 ، 1994
عدد الأجزاء : 7
مصدر الكتاب : الوراق

[ ترقيم الكتاب موافق للمطبوع ]

وأخبار الهيثم كثيرة وقد أطلنا الشرح.
وكانت ولادته قبل سنة ثلاثين ومائة. وتوفي غرة المحرم سنة ست، وقيل سبع ومائتين، وقال ابن قتيبة في كتاب " المعارف " (1) : سنة تسع ومائتين، والله تعالى أعلم بالصواب، رحمه الله تعالى. وله عقب ببغداد. وقال السمعاني في كتاب " الأنساب " (2) في ترجمة البحتري: إنه توفي سنة تسع (3) ومائتين بفم الصلح، وله ثلاث وتسعون سنة، وزاد غيره أن وفاته كانت عند الحسن بن سهل، وقد تقدم في ترجمة بوران أن زواجها بالمأمون كان في هذا التاريخ بهذا الموضع، والظاهر أنه كان في جملة من حضر فتوفي هناك.
وقد تقدم الكلام على الطائي والبحتري.
والثعلي: بضم الثاء المثلثة وفتح العين المهملة وبعدها لام، هذه النسبة إلى ثعل بن عمرو بن الغوث بن طيء - وقد تقدم تتمة هذه النسبة في ترجمة البحتري في حرف الواو فلتنظر هناك - وتنسب إلى ثعل المذكور عدة بطون: منها بحتر وسلامان وغيرهما.
(313) ومن هذه القبيلة عمرو بن المسبح الثعلي (4) الذي قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم في وفود العرب، فأسلم بالمدينة وهو ابن مائة وخمسين سنة، وكان أرمى العرب وفيه يقول امرؤ القيس حندج (5) بن حجر الكندي الشاعر المشهور (6) :
رب رام من بني ثعل ... مخرج كفيه من ستره
__________
(1) المعارف: 539.
(2) الأنساب 2: 103.
(3) الأنساب: سبع.
(4) عمرو بن المسبح: ذكره أبو حاتم في المعمرين: 86 وابن حجر في الإصابة 5: 16 وابن عبد البر في الاستيعاب: 1201 وابن دريد في الاشتقاق: 388، وفي ق ع والمختار: المسيح.
(5) ص ع ر: جندح.
(6) ديوان امرئ القيس.

(6/113)


وهذا من جملة ما استشهد به ابن قتيبة في كتاب " طبقات الشعراء " (1) على قرب زمن امرئ القيس من زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه كان قبله بمقدار أربعين سنة. هذا خلاصة ما قاله، والله أعلم (2) .
__________
(1) طبقات الشعراء: 66 - 67.
(2) جاء في نسخة ق: تم حرف الهاء وبتمامه تم الجزء الثالث من كتاب وفيات الأعيان.

(6/114)


حرف الياء

(6/115)


فراغ

(6/116)


787 - (1)
ياروق التركماني
ياروق بن أرسلان التركماني، كان مقدما جليل القدر في قومه، وإليه تنسب الطائفية الياروقية من التركمان، وكان عظيم الخلقة هائل المنظر، سكن بظاهر حلب في جهتها القبلية، وبنى على شاطئ قويق فوق تل مرتفع هو وأهله وأتباعه أبنية كثيرة مرتفعة وعمائر متسعة وتعرف الآن بالياروقية، وهي شبه القرية، وسكنها هو ومن معه، وهي إلى اليوم معمورة مسكونة آهلة يتردد (2) إليها أهل حلب في أيام الربيع ويتنزهون هناك في الخضرة وعلى قويق وهو موضع كثير الانشراح والأنس.
وتوفي ياروق المذكور في المحرم سنة أربع وستين وخمسمائة، رحمه الله تعالى - هكذا ذكره بهاء الدين المعروف بابن شداد في " سيرة السلطان (3) صلاح الدين " رحمهما الله تعالى.
وياروق: بفتح الياء المثناة من تحتها وبعد الألف راء مضمومة ثم واو ساكنة وفي الآخر قاف.
وقويق: بضم القاف وفتح الواو وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها قاف، وهو نهر صغير بظاهر حلب يجري في الشتاء والربيع وينقطع في الصيف، وقد ذكرته الشعراء في أشعارهم كثيرا، خصوصا أبا عبادة البحتري (4) فإنه كرر
__________
(1) سقطت " بن " في نسبه من المختار ونسخة ق.
(2) ر: يترددون.
(3) ن: السلطان الملك الناصر؛ وانظر السيرة: 39.
(4) أكثر الصنوبري أيضا من ذكر قويق في شعره، انظر ديوانه (دار الثقافة 1970).

(6/117)


ذكره في عدة قصائد، فمن ذلك قوله في جملة قصيدة (1) :
يا برق عن قويق فطرتى ... حلب فأعلى القصر بطياس
عن منبت الورد المعصفر صبغه ... في كل ناحية ومجرى (2) الآس
أرض إذا استوحشت ثم أتيتها ... حشدت علي فأكثرت إيناسي (3) وبطياس: بفتح الباء الموحدة وسكون الطاء المهملة وفتح الياء المثناة من تحتها وبعد الألف سين مهملة، وهي قرية بظاهر حلب ودثرت، ولم يبق لها اليوم أثر. وكان صالح بن علي بن عبد الله بن عباس (4) بن عبد المطلب، رضي الله عنهم، قد بنى بها قصر وسكنه هو وبنوه، وهو بين النيرب والصالحية، وهماقريتان في شرقي حلب، وكان القصر على الرابية المشرفة على النيرب، ولم يبق منه في هذا الزمان سوى آثار دارسة، هكذا وجدته مضبوطا بخط بعض الفضلاء من أهل حلب، والله أعلم (5) .
__________
(1) ديوان البحتري: 1134 من قصيدة في مدح عبد الملك بن صالح الهاشمي.
(2) الديوان: ومجنى.
(3) ص ق ر: حشدت على ما كثرت.
(4) ق ر: العباس.
(5) انفردت النسخة (بر) بإيراد التالية، وأخلت بها سائر النسخ، ومن الواضح أنها إضافة متأخرة لأنها منقولة عن تاريخ الإسلام للذهبي ووفاة المترجم بعد وفاة المؤلف ابن خلكان، ولهذا لم نضعها في المتن ولم نفردها برقم، وهذه هي:
ياقوت المستعصمي الخطاط المشهور: يكاد يوجد خطه الآن بأيدي الناس مع العزة، وهو ممن يضرب به المثل في حسن الخط، ويقال كان إذا وقف عليه الفقير وسأله، كتب له حرفا واحدا ودفعه إليه فيبيعه بما يريد، وهو غير ياقوت الملكي المذكور هنا، وغير ياقوت الحموي، ترجمه في تاريخ الإسلام وقال: كان رومي الجنس نشأ بدار الخلافة وأحب الكتابة والأدب، فلما أخذت بغداد سلم وحصل خطوطا لابن البواب وغيره، وكان يعرفها بخزانة الخلفاء، فجود عليها وقويت يده، وكتب أسلوبا غريبا في غاية الوة، وصار إماما يقتدى به، وكان رئيسا وافر الحرمة كثير التجمل والحشمة، كتب عليه أولاد الأكابر، وله شعر جيد فمنه:
صدقتم في الوشاة وقد مضى ... في حبكم عمري وفي تكذيبها
وزعمتم أني مللت حديثكم ... من ذا يمل من الحياة وطيبها وله أيضا:
تجدد الشمس شوقي كلما طلعت ... إلى محياك يا سمعي ويا بصري
وأسهر الليل ذا أنس بوحشته ... إذ طيب ذكرك في ظلمائه سمري
وكل يوم مضى لي لا أراك به ... فلست محتسبا باقيه من عمري
ليلي نهار إذا ما درت في خلدي ... لأن ذكرك نور القلب والبصر ذكره الذهبي في حوادث سنة ثمان وتسعين وستمائة، وترجمه في الوفيات من تلك السنة، وقال: توفي الشيخ أبو الدر جمال الدين ياقوت ببغداد، هذه السنة (انظر الحوادث الجامعة: 500 والنجوم الزاهرة 8: 187 والشذرات 5: 443 وابن كثير 14: 6 والسلامي: 233).

(6/118)


788 - (1)
ياقوت الموصلي
أبو الدر ياقوت بن عبد الله الموصلي الكاتب، الملقب أمين الدين، المعروف بالملكي، نسبة إلى السلطان أبي الفتح ملكشاه بن سلجوق بن محمد بن ملكشاه الأكبر، نزل بالموصل، وأخذ النحو عن أبي محمد سعيد بن المبارك المعروف بابن الدهان النحوي، وقرأ عليه ديوان المتنبي والمقامات الحريرية وغير ذلك.
وكتب الكثير وانتشر خطه في الآفاق وكان في نهاية الحسن، ولم يكن في آخر زمانه من يقاربه في حسن الخط ولا يؤدي طريقة ابن البواب في النسخ مثله، مع فضل غزير ونباهة تامة، وكان مغرى بنقل " الصحاح " للجوهري، فكتب منها نسخا كثيرة، كل نسخة في مجلد واحد، رأيت (2) منها عدة نسخ، وكل نسخة تباع بمائة دينار، وكتب عليه خلق كثير وانتفعوا به، وكانت له سمعة كبيرة
__________
(1) ترجمته في معجم الأدباء 19: 313 والنجوم الزاهرة 5: 283.
(2) ع: ورأيت.

(6/119)


في زمانه، وقصده الناس من البلاد، وسير إليه من بغداد النجيب أبو عبد الله الحسين بن علي بن أبي بكر الواسطي قصيدة مدحه بها ولم يكن رآه، بل على السماع به، وهي قصيدة جيدة في بابها، ووصف حسن خطه فأبلغ (1) ، وهي:
أين الغزلان عالج والمصلى ... من ظباء سكن نهر المعلى
أبتلك الكثبان أغصان بان ... وبدور من أفقها (2) تتجلى
أم لتلك الغزلان حسن وجوه ... لو تراءت للحزن أصبح سهلا
أين حوذانها من النرجس الغ ... ض إذا ناجز (3) النسيم استقلا
أين ذلك العرار من صبغة الور ... د إذا جاده الغمام وطلا (4)
أبجرعائها كواكب نارن ... ج دنا في غصونه فتدلى
أنقيب (5) لماء دجلة كفؤ ... كذب القاسطون حاشا وكلا
ألدار السلام في الأرض شبه ... معجز أن ترى لبغداد مثلا
كل يوم تبدي وجوها خلاف ال ... أمس حسنا كأنما هي حبلى
وصبايا يصبو الحليم إليه ... ن إذا ما خطرن (6) شكلا ودلا
يعتصبن العصائب الناصريا ... ت فيحللن منك عقدا وحلا
ليس يرقبن فيك إلا ولا يع ... رفن شيئا غير " الصحاح " وإلا
مربع للقلوب فيه (7) ربيع ... متوال إذا الربيع تولى
بلدة يستفاد فيها المعالي ... والمعاني علما وجدا وهزلا
لم يفتها من الكمال سوى يا ... قوت لو أنها به تتحلى
__________
(1) ن: فأبدع؛ ر: فقال.
(2) ن: أهلها.
(3) ع ص ق: ناحر؛ ن: فاخر.
(4) ق ن ص: وهلا.
(5) النقيب: اسم ماء.
(6) ق ن: خطون.
(7) ر: فيه للقلوب.

(6/120)


من لها أن يضوع النشر أمين الد ... ين فيها وحسبها ذاك فضلا
لو رجت أن يزورها لانبرى الصا ... مت فيها يقول: أهلا وسهلا
ولئن وافت الرواة بريا ... ه إليها فإن رؤياه (1) أحلى
بحر جود له الأكارم تتلو ... وجواد عنه المكارم تتلى
جامع شارد العلوم ولولا ... ه لكانت أم الفضائل ثكلى
ذو يراع تخاف صولته (2) الأس ... د وتعنو له الكتائب ذلا
وإذا افتر ثغره عن سواد ... في بياض فالبيض والسمر خجلى (3)
يقظ في حراسة الملك لا يع ... مل سهما ولا يجرد نصلا
إنما يبعث البلاغة أرسا ... لا إذا كانت الصحائف رسلا
فيعيد الجبار ممتلئا خو ... فا لما قد أمل فيها وأملى
وتراه طورا يجيل يديه ... بقداح العلوم فصلا ففصلا
مثل وشي الرياض أو كنظيم ال ... در (4) يزهى خطا ولفظا ونقلا
فاتئد يا مريد مثل أمين ... الدين مهلا أتعبت نفسك مهلا
سيدي يا أخا السماح وظئر ال ... مجد وابن العلى ورب المعلى
أنت بدر والكاتب ابن هلال ... كأبيه لا خير فيمن تولى
إن يكن أولا فإنكط بالتف ... ضيل أولى، لقد سبقت وصلى
يا أمين الدين الذي جمع الل ... ه به السماح والفضل شملا
أنا من قادة الثناء إلى حب ... ك حتى يظل لا يتسلى
وإذا أسجل الثناء بقاض ... صار فيه أخو الشهادة عدلا
فارض بكرا ما راض قط أبوها ... فكره بابنة ليخطب بعلا
__________
(1) ص: رياه.
(2) ص: يخاف ريقته.
(3) ص ق: تجلى.
(4) بر من ن: أو مثل نظم الدر.

(6/121)


لا جزاء يريد عنها ولا أج ... را ولكن رآك للمدح أهلا
ودعاه إليك داعي وداد ... جاء يبغي من حسن رأيك وصلا
وإذا ما تعذر القرب فالقل ... ب كفيل به ورأيك أعلى
فابق واسلم ما جرد الأفق جيشا (1) ... من ظلام وجرد الصبح نصلا وتوفي أمين الدولة المذكور بالموصل سنة ثماني عشرة وستمائة، وقد أسن وتغير خطه من الكبر، رحمه الله تعالى.
789 - (2)
ياقوت الرومي أبو الدر
أبو الدر ياقوت بن عبد الله الرومي، الملقب مهذب الدين، الشاعر المشهور، مولى أبي منصور الجيلي (3) التاجر، اشتغل بالعلم وأكثر من الأدب، واستعمل قريحته في النظم فأجاد فيه، ولما تميز ومهر سمى نفسه عبد الرحمن، وكان مقيما بالمدرسة النظامية ببغداد، وعده ابن الدبيثي في كتاب " الذيل " (4) في جملة من اسمه عبد الرحمن، وذكر أنه نشأ ببغداد، وحفظ القرآن العزيز وقرأ شيئا من الأدب وكتب خطا حسنا وقال الشعر وأكثر النظم منه في الغزل والتصابي وذكر المحبة، وراق شعره وتحفظه الناس، وأورد له مقطوعا من الشعر وذكر أنه أنشده إياه، وهو:
__________
(1) ن ر: جر في الأفق جيش.
(2) ترجمته في معجم الأدباء 19: 311 والنجوم الزاهرة 5: 283 ومرآة الجنان 4: 49 وعقود الجمان ج 9، الورقة: 347 والبدر السافر 2، الورقة 221.
(3) ص: الجبلي؛ ع: الجلبي، وفي الهامش: الجبلي.
(4) تاريخ ابن الدبيثي ج 2، الورقة: 36 (مخطوطة جامعة كيمبردج).

(6/122)


خليلي لا والله ما جن غاسق ... وأظلم إلا حن أو جن عاشق [وبقيته في المجموع الصغير] (1) وأشعاره سائرة يتغنى بها، وهي رقيقة لطيفة فمن ذلك قوله:
إن غاض دمعك والأحباب قد بانوا ... فكل ما تدعي زور وبهتان
وكيف تأنس أو تنسى خيالهم ... وقد خلا منهم ربع وأوطان
لا أوحش الله من قوم نأوا فنأى ... عن النواظر أقمار وأغصان
ساروا فسار فؤادي إثر ظعنهم ... وبان جيش اصطباري ساعة بانوا
لا افتر ثغر الثرى من بعد بعدهم ... ولا ترنح أيك لا ولا بان
أجرى دموعي وأذكى النار في كبدي ... غداة بينهم هم وأحزان
طوفان (2) نوح ثوى في مقلتي وفي ... طي الحشا لخليل الله نيران
لو كابد الصخر ما كابدت من كمد ... فيكم لجاد له أحد ولبنان
وذاب يذبل من وجدي ورض على ... رضوى ولان لما ألقاه ثهلان
يا من تملك رقي حسن بهجته ... سلطان حسنك مالي منه إحسان
كن كيف شئت فمالي بدلا عنك من بدل ... أنت الزلال لقلبي وهو ظمآن ومن شعره أيضا:
ألا مبلغ وجدي بها وغرامي ... ومهد إلى دار السلام سلامي
نسيم الصبا بلغ تحية مشئم ... إلى معرق لم يرع عهد ذمامي
وصف بعض أشواقي إليه لعله ... يرق لذلي في الهوى وهيامي
أيا رحبة الزوراء لي فيك شادن ... نفى بعده من مقلتي منامي
بديع جمال بان صبري لبينه ... وعرضني إعراضه لحمامي
__________
(1) سقط من: ق ص ن ع بر من؛ ولعله من بعض التحويلات في المسودة.
(2) ن ص ر بر من: فماء.

(6/123)


يصد إذا ما صد عن عيني الكرى ... ويمزج دمعي هجره بمدامي
حياتي وموتي في يديه وجنتي ... وناري وريي في الهوى وأوامي
ففي بعده عني وفاتي، وقربه ... حياتي وإسعادي ونيل مرامي
ومن وجنتيه نار وجدي، وخصره ... نحولي، ومن سقم الجفون سقامي
فكن عاذلي فدلاله ... دليل على وجدي به وغرامي (1) ورأيت كثيرا من الفقهاء بالشام وبلاد الشرق يحفظون له قصيدة أولها:
جسدي لبعدك يا مثير بلابلي ... دنف بحبك ما أبل، بلى بلي
يا من إذا ما لام فيه لوائمي ... أوضحت عذري بالعذار السائل
أأجيز قتلي في " الوجيز " لقاتلي ... أم حل في " التهذيب " أم في " الشامل "
أم في " المهذب " أن يعذب عاشق ... ذو مقلة عبرى ودمع هاطل
أم طرفك الفتاك قد أفتاك في ... تلف النفوس بسحر طرف بابلي وهي أكثر من هذا، لكن هذا هو الذي أستحضره في هذا الوقت منها.
وأنشدني له بعض الأدباء بمدينة حلب أبياتا، منها قوله:
ألست من الولدان أحلى شمائلا ... فكيف سكنت القلب وهو جهنم ثم قال: وقد انتقدوا عليه في (2) بغداد في هذا البيت، فأفكر فيه ثم قلت له: لعل الانتقاد من جهة أنه يلزم من كونه أحلى شمائل من الولدان أنه لا يكون في جهنم، فإنه قد يكون أحلى شمائل منهم، وليس الممتنع إلا لأن يكون الولدان في جهنم، فقال: نعم هذا هو الذي أخذ عليه.
وأخبرني بعض الأفاضل بمدينة أربل في سنة خمس وعشرين وستمائة، قال: كنت ببغداد ف سنة عشرين وستمائة بالمدرسة النظامية، فقعدت يوما
__________
(1) ر: وهيامي.
(2) ص: أهل.

(6/124)


على بابها إلى جانب أبي الدر المذكور ونحن نتذاكر الأدب، إذ جاء شيخ ضعيف القوى والحال يتوكأ على عصا، فجلس قريبا منا، فقال لي أبو الدر: أتعرف هذا فقلت: لا، فقال: هذا مملوك الحيص بيص، الذي يقول (1) فيه:
تشرب أو تقمص أو تقبى ... فلن تزداد عندي قط حبا
تملك بعض حبك كل قلبي ... فإن ترد الزيادة هات قلبا قال: فجعلت أنظر إليه، وأفكر فيما كان عليه، وما آل حاله إليه، ولقد طلبت أنا هذين البيتين في ديوان الحيص بيص فلم أجدهما فيه، والله أعلم.
ولأبي الدر المذكور ديوان شعر سمعت أنه صغير ولم أقف عليه، بل على مقاطيع كثيرة منه، وشعره متداول بالعراق وبلاد الشرق والشام، ويكفي منه هذا القدر - وقد تقدم في حرف الخاء في ترجمة الشيخ الخضر بن عقيل الإربلي له ثلاثة أبيات دالية (2) - ثم إني ملكت من ديوانه (3) نسختين في سنة سبع وستين بدمشق المحروسة، وهو صغير الحجم يدخل في عشر كراريس (4) .
ورأيت في بعض التواريخ المتأخرة أن أبا الدر المذكور وجد ميتا بمنزله ببغداد في الثاني عشر من جمادى الأولى سنة اثنتين وعشرين وستمائة، وقال الناس: إنه توفي قبل ذلك بأيام، رحمه الله تعالى.
وقال ابن النجار في " تاريخ بغداد " وجد أبو الدر في داره ميتا، يوم الأربعاء خامس عشر جمادى الأولى من السنة، وكان قد أخرج من النظامية فسكن في دار بدرب دينار الصغير، ولم يعلم متى مات، وأظنه ناطح (5) الستين، والله أعلم.
__________
(1) ر: قال.
(2) انظر ج 2: 238.
(3) ق ع: بديوانه.
(4) ر: عشرين كراسا.
(5) ن: قارب.

(6/125)


والرومي: بضم الراء وسكون الواو وبعدها ميم، هذه النسبة إلى بلاد الروم، وهو إقليم مشهور متسع كثير البلاد.
وها هنا نكتة غريبة يحتاج إليها ويكثر السؤال عنها، وهي: أن أهل الروم يقال لهم " بنو الأصفر " ، واستعملته الشعراء في أشعارهم، فمن ذلك قول عدي بن زيد العبادي من جملة قصيدته المشهورة:
وبنو الأصفر الكرام ملوك الرو ... م لم يبق منهم مذكور ولقد تتبعت ذلك كثيرا فلم أجد ما يشفي الغليل (1) ، حتى ظفرت بكتاب قديم اسمه " اللفيف " ولم يكتب عليه اسم مؤلفه، فنقلت من ما صورته: عن العباس عن أبيه قال: انخرم ملك الروم في الزمان الأول (2) ، فبقيت منه امرأة، فتنافسوا في الملك حتى وقع بينهم شر، فاصطلحوا على أن يملكوا أول من يشرف عليهم، فجلسوا مجلسا لذلك، وأقبل رجل من اليمن معه عبد له حبشي يريد الروم، فأبق العبد منه، فأشرف عليهم فقالوا: انظروا في أي شيء وقعتم فزوجوه تلك المرأة، فولدت غلاما فسموه " الأصفر " ، فخاصمهم المولى، فقال الغلام: صدق أنا عبده فارضوه، فأعطوه حتى رضي، فبسبب ذلك قيل للروم بنو الأصفر، لصفرة لون الولد، لكونه مولدا بين الحبشي والمرأة البيضاء، والله أعلم.
__________
(1) ن بر من والمختار: أحدا فيه الغليل؛ ص ر ع ق: من أشفى فيه الغليل.
(2) المختار: الزمن الأول؛ ر: الزمان المتقدم.

(6/126)


790 - (1)
ياقوت الحموي
أو عبد الله ياقوت بن عبد الله، الرومي الجنس والمولد الحموي المولى البغدادي الدار، الملقب شهاب الدين، أسر من بلاده صغيرا، وابتاعه ببغداد رجل تاجر يعرف بعسكر بن أبي نصر إبراهيم (2) الحموي، وجعله في الكتاب، لينتفع به في ضبط تجائره، وكان مولاه عسكر لا يحسن الخط ولا يعلم شيئا سوى التجارة، وكان ساكنا ببغداد، وتزوج بها وأولد (3) عدة أولاد، ولما كبر ياقوت المذكور قرأ شيئا من النحو واللغة (4) ، وشغله مولاه بالأسفار في متاجره فكان يتردد إلى كيش (3) وعمان وتلك النواحي ويعود إلى الشام. ثم جرت بينه وبين مولاه نبوة أوجبت عتقه فأبعده عنه، وذلك في سنة ست وتسعين وخمسمائة، فاشتغل بالنسخ بالأجرة، وحصلت له بالمطالعة فوائد، ثم إن مولاه بعد مديدة (6) ألوى وأعطاه شيئا وسفره إلى كيش، ولما عاد كان مولاه قد مات، فحصل شيئا مما كان في يده وأعطى أولاد مولاه وزوجته ما أرضاهم به، وبقيت بيده بقية جعلها رأس ماله، وسافر بها وجعل بعض تجارته كتبا.
وكان متعصبا على علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، وكان قد طالع
__________
(1) ترجمته في مرآة الجنان 4: 59 وعبر الذهبي 5: 106 وتاريخ ربل، الورقة: 312 وقد ترجم له الذهبي أيضا في تاريخ الإسلام والمنذري في وفيات النقلة والصفدي في الوافي؛ وللمستشرقين بحوث كثيرة عنه، انظر مقدمة الجزء الخامس من معجم البلدان (طبعة وستنفيلد) وتاريخ الأدب الجغرافي في لكراتشكوفسكي 1: 335 وقد تحدث عنه الدكتور صلاح المنجد في أعلام التاريخ والجغرافيا عند العرب 1: 61 وما بعدها، وانظر تكلمة بروكلمان 1: 880.
(2) ق: ابن إبراهيم؛ وسقطت " إبراهيم " من المختار؛ بر من: يعرف بعسكر الحموي.
(3) ر: وولد له.
(4) ر: ومن اللغة.
(3) ر: وولد له.
(6) ق ع بر من: مدة مديدة.

(6/127)


شيئا من كتب الخوارج، فاشتبك (1) في ذهنه منه طرف قوي، وتوجه إلى دمشق في سنة ثلاث عشرة وستمائة وقعد في بعض أسواقها، وناظر بعض من يتعصب لعلي رضي الله عنه، وجرى بينهما كلام أدى إلى ذكره عليا، رضي الله عنه، بما لا يسوغ، فثار الناس عليه ثورة كادوا يقتلونه، فسلم منهم، وخرج من دمشق منهزما بعد أن بلغت القضية إلى والي البلد، فطلبه فلم يقدر عليه، ووصل إلى حلب خائفا يترقب، وخرج عنها في العشر الأول أو الثاني من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة وستمائة، وتوصل إلى الموصل. ثم انتقل إلى إربل وسلك منها إلى خراسان وتحامى دخول بغداد، لأن المناظر له بدمش كان بغداديا، وخشي أن ينقل قوله فيقتل فلما انتهى أمره إلى خراسان أقام بها يتجر في بلادها، واستوطن مدينة مرو مدة، وخرج عنها إلى أن نسا ومضى إلى خوارزم، وصادفه وهو بخوارزم خروج التتر، وذلك في سنة ست عشرة وستمائة، فانهزم بنفسه كبعثه يوم الحشر من رمسه، وقاسى في طريقه من المضايقة (2) والتعب ما كان يكل عن شرحه إذا ذكره، ووصل إلى الموصل وقد تقطعت به الأسباب، وأعوزه دنيء المأكل وخشن الثياب، أقام بالموصل مدة مديدة (3) ، ثم انتقل إلى سنجار وارتحل منها إلى حلب، وأقام بظاهرها في الخان، إلى أن مات في التاريخ الآتي ذكره إن شاء الله تعالى.
ونقلت من " تاريخ إربل " الذي عني بجمعه أبو البركات ابن المستوفي - المقدم ذكره - أن ياقوتا المذكور قدم إربل في رجب سنة سبع عشرة وستمائة، وكان مقيما بخوارزم، وفارقها للواقعة التي جري فيها بين التتر والسلطان محمد بن تكش خوارزم شاه.
وكان قد تتبع التواريخ، وصنف كتابا سماه " إرشاد الألباء إلى معرفة الأدباء " يدخل في أربعة جلود (4) كبار، ذكر في أوله قال (5) : " وجمعت في هذا
__________
(1) ق: فتشكل؛ ع: فاستبد.
(2) ع بر من: الضائقة.
(3) بر: بالموصل مديدة.
(4) ق ن ر بر من: أربع مجلدات.
(5) انظر معجم الأدباء 1: 48.

(6/128)


الكتاب ما وقع إلي من أخبار النحويين واللغويين والنسابين والقراء المشهورين، والأخباريين والمؤرخين والوراقين العروفين والكتاب المشهورين وأصحاب الرسائل المدونة، وأرباب الخطوط المنسوبة المعينة، وكل من صنف في الأدب تصنيفا أو جمع فيه تأليفا، مع إيثار الاختصار والإعجاز في نهاية الإيجاز، ولم آل جهدا في إثبات الوفيات، وتبيين المواليد والأوقات، وذكر تصانيفهم ومستحسن أخبارهم، والإخبار بأنسابهم وشيء من أشعارهم (1) ، في تردادي إلى البلاد ومخالطتي للعباد، وحفت الأسانيد إلا ما قل رجاله وقرب مناله، مع الاستطاعة إثباتها سماعا وإجازة، إلا أنني قصدت صغر الحجم وكبر النفع، وأثبت مواضع نقلي ومواطن أخذي من كتب العلماء المعول في هذا الشأن عليهم، والرجوع في صحة النقل إليهم " .
ثم ذكر أنه جمع كتابا في أخبار الشعراء المتأخرين والقدماء. ومن تصانيفه أيضا كتاب " معجم البلدان " ، وكتاب " معجم الشعراء " ، وكتاب " معجم الأدباء " (2) ، وكتاب " المشترك وضعا المختلف صقعا " وهو من الكتب النافعة، وكتاب " المبدأ والمآل " في التاريخ، وكتاب " الدول " و " مجموع كلام أبي علي الفارسي " و " عنوان كتاب الأغاني " ، و " المقتضب في النسب " يذكر فيه أنساب العرب، وكتاب " أخبار المتنبي " .
وكانت له همة عالية في تحصيل المعارف.
وذكر القاضي الأكرم جمال الدين أبو الحسن علي بن يوسف بن إبراهيم بن عبد الواحد الشيباني القفطي، وزير صاحب حلب كان رحمه الله تعالى، في كتابه (3) الذي سماه " إنباه الرواة على أنباه النحاة " أن ياقوتا المذكور كتب إليه رسالة من الموصل إليها هاربا من التتر، يصف فيها حاله وما جرى له معهم، وهي بعد البسملة والحمدلة: " كان المملوك ياقوت بن عبد الله الحموي قد كتب هذه الرسالة من الموصل في سنة سبع عشرة وستمائة، حين
__________
(1) أسقط المؤلف هنا بعض العبارات.
(2) هذا يوهم أنه كتاب آخر غير " إرشاد الألباء " الذي نقل المؤلف جانبا من مقدمته، أعلاه.
(3) ر: الكتاب.

(6/129)


وصوله من خوارزم طريد التتر، أبادهم الله تعالى، إلى حضرة مالك رقه الوزير جمال الدين القاضي الأكرم أبي الحسن علي بن يوسف بن إبراهيم بن عبد الواحد الشيباني، ثم التيمي تيم بني شيبان بن ثعلبة بن عكابة، أسبغ الله عليه ظله، وأعلى في درج السيادة محله، وهو يومئذ وزير صاحب (1) حلب والعواصم، شرحا لأحوال خراسان وأحواله، وإيماء إلى بدء أمره بعد ما فارقه ومآله، وأحجم عن عرضها على رأيه الشريف إعظاما وتهيبا، وفرارا من قصورها عن طوله وتجنبا، إلى أن وقف عليها جماعة من منتحلي النظم (2) والنثر، فوجدهم مسارعين إلى كتبها، متهافتين على نقلها، وما يشك أن محاسن مالك الرق حلتها، وفي أعلى درج الإحسان أحلتها، فشجعه ذلك على عرضها على مولاه، وللآراء علوها في تصفحها، والصفح عن زللها، فليس كل من لمس درهما صيرفيا، ولا كل من اقتنى دارا جوهريا. وها هي ذه:
" بسم الله الرحمن الرحيم، أدام الله على العلم وأهليه، والإسلام وبني، ما سوغهم وحباهم، ومنحهم وأعطاهم، من سبوغ ظل المولى الوزير، أعز الله أنصاره، وضاعف مجده واقتداره، ونصر ألويته وأعلامه، وأجرى بإجراء الأرزاق في الآفاق أقلامه، وأطال بقاه، ورفع إلى عليين علاه، في نعمة لا يبلى جديدها، ولا يحصى عددها ولا عديدها، ولا ينتهي إلى غاية مديدها، ولا يفل حدها ولا حديدها، ولا يقل وادها ولا وديدها، وأدام دولته للدنيا والدين يلم (3) شعثه، ويهزم كرثه، ويرفع مناره، ويحسن بحسن أثره آثاره، ويفتق نوره وأزهاره، وينير نواره، ويضاعف أنواره، وأسبغ (4) ظله للعلوم وأهليها، والآداب ومنتحليها، والفضائل وحامليها، يشيد بمشيد فضله بنيانها، ويرصع بناصع مجده تيجانها، ويروض بيانع علأئه زمانها، ويعظم بعلو همته الشريفة بين البرية (5) شأنها، ويمكن في أعلى درج الاستحقاق إمكانها ومكانها،
__________
(1) صاحب: سقطت من ص؛ بر: لصاحب.
(2) بر من: صناعة النظم.
(3) ع ق بر من: يرم.
(4) ر: ويسبغ.
(5) بين البرية: سقطت من ر.

(6/130)


ويرفع (1) بنفاذ الأمر قدره للدول الإسلامية والقواعد الدينية، يسوس قواعدها، ويعز مساعدها، ويهين معاندها، ويعضد بحسن الإيالة معاضدها، وينهج (2) بجميل المقاصد مقاصدها، حتى تعود بحسن تدبيره غرة في جبهة الزمان، وسنة يقتدي بها من طبع على العدل والإحسان، يكون له أجرها ما دام الملوان وكر الجديدان، وما أشرقت من الشرق شمس، وارتاحت إلى مناجاة حضرته الباهرة نفس " .
" وبعد، فالمملوك ينهي إلى المقر العالي المولوي، والمحل الأكرم العلي - أدام الله سعادته مشرقة النور مبلغة السول، واضحة الغرر بادية الحجول - ما هو مكتف بالأريحية المولوية عن تبيانه، مستغن بما منحتها من صفاء الآراء عن إمضاء (3) قلمه لإيضاحه وبيانه، قد أحسبه ما وصف به عليه الصلاة والسلام المؤمنين، وإن من أمتي لمكلمين، وهو شرح ما يعتقده من الولاء، ويفتخر به من التعبد للحضرة الشريفة والاعتزاء، قد كفته الألمعية، عن إظهار المشتبه بالملق مما تجنه الطوية، لأن دلائل غلو المملوك في دين ولائه في الآفاق واضحة، وطبعة سكة (4) إخلاص الوداد باسمه الكريم على صفحات الدهر لائحة، وإيمانه بشرائع الفضل الذي طبق الآفاق حتى أصبح بها بناء المكارم متين، وتلاوته لأحاديث المجد القريبة الأسانيد بالمشاهدة لديه مبين، ودعاء أهل الآفاق إلى المغالاة في الإيمان بإمامة فضله الذي تلقاه باليمين، وتصديقه بملة سؤدده الذي تفرد بالتوخي لنظم شارده وضم متبدده بعرق الجبين، حتى لقد أصبح للفضل كعبة لم يفترض حجها على من استطاع إليها السبيل، ويقتصر بقصدها على ذوي القدرة دون المعتر وابن السبيل، فإن لكل منهم حظا يستمده، ونصيبا يستعد به ويعتده، فللعظماء الشرف الضخم من معينه، وللعلماء اقتناء الفضائل من قطينه، وللفقراء توقيع الأمان من نوائب الدهر وغض جفونه،
__________
(1) ع ق بر من: ورفع.
(2) ن بر من: ويبهج.
(3) ع ق: إنضاء.
(4) ص ن ر ع ق: وطبعه في سكة.

(6/131)


وفرضوا من مناسكه للجبهة (1) الشريفة السلام والتبجيل، وللكف البسيطة الاستلام والتقبيل، وقد شهد الله تعالى للمملوك أنه في سفره وحضره، وسره وعلنه (2) وخبره ومخبره، شعاره تعطير مجالس الفضلاء، ومحافل العلماء بفوائد حضرته، والفضائل المستفادة من فضلته، افتخارا بذلك بين الأنام، وتطريزا لما يأتي به في أثناء الكلام:
إذا أنا شرفت الورى بقصائدي ... على طمع شرفت شعري بذكره (يمنون عليك أن أسلموا، قل لا تمنوا علي إسلامكم، بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين) (الحجرات: 17) لا حرمنا الله معاشر أوليائه مواد فضائله المتتالية، ولا أخلانا كافة عبيده من أياديه المتوالية، اللهم رب الأرض المدحية، والسموات العلية، والبحار المسجرة، والرياح المسخرة (3) ، اسمع ندائي، واستجب دعائي، وبلغنا في معاليه، ما نؤمله ونرتجيه، بمحمد النبي وصحبه وذويه.
وقد كان المملوك لما فارق الجناب الشريف، وانفصل عن مقر العز اللباب والفضل المنيف، أراد استعتاب الدهر الكالح، واستدرار خلف الزمن الغشوم الجامح، اغترارا بأن الحركة بركة، والاغتراب داعية الاكتساب، والمقام على الإقتار ذل وإسقام (4) ، وجلس البيت، في المحافل سكيت:
وقفت وقوف الشك ثم استمر بي ... يقيني بأن الموت خير من الفقر
فودعت من أهلي وبالقلب (5) ما به ... وسرت عن الأوطان في طلب اليسر
وباكية للبين قلت لها اصبري ... فللموت خير من حياة على عسر (6)
__________
(1) للجبهة: سقطت من ص.
(2) ص ر: وعلنه وسره.
(3) بر: والبحار المسخرة والرياح المبشرة.
(4) في أكثر النسخ: وانتقام.
(5) ق ن: وفي القلب.
(6) ر: العسر.

(6/132)


سأكسب مالا أو أموت ببلدة ... يقل بها فيض الدموع على قبري فامتطى غارب الأمل إلى الغربة، وركب مركب التطواف مع كل صحبة، قاطعا الأغوار والأنجاد، حتى بلغ السد أو كاد، فلم يصحب له دهره الحرون، ولا رق له زمانه المفتون:
إن الليالي والأيام لو سئلت ... عن عيب أنفسها لم تكتم الخبرا فكأنه في جفن الدهر قذى، أو في حلقه شجا، يدافعه نيل الأمنية، حتى أسلمه إلى ربقة المنية:
لا يستقر بأرض أو يسير إلى ... أخرى بشخص (1) قريب عزمه نائي
يوما بحزوى ويوما بالعقيق ويو ... ما بالعذيب ويوما بالخليصاء
وتارة ينتحي نجدا وآونة ... شعب الحزون قصر تيماء وهيهات مع حرفة الأدب، بلوغ وطر أو إدراك أرب، ومع عبوس الحظ، ابتسام الدهر الفظ ولم أزل مع الزمان في تفنيد وعتاب، حتى رضيت من الغنيمة بالإياب، والمملوك مع ذلك يدافع الأيام ويزجيها، ويعلل المعيشة ويرجيها، متقنعا (2) بالقناعة والعفاف، مشتملا بالنزاهة والكفاف، غير راض بذلك السمل، ولكن مكره أخاك (3) لا بطل، متسليا بإخوان قد ارتضى خلائقهم، وأمن بوائقهم، عاشرهم بالألطاف، ورضي منهم بالكفاف، لا خيرهم يرتجى، ولا شرهم يتقى:
إن كان لابد من أهل ومن وطن ... فحيث آمن من ألقى ويأمنني قد زم نفسه أن يستعمل طرفا طماحا، وأن يركب طرفا جماحا (4) ، وأن
__________
(1) ر ص: لشخص.
(2) ع: متلفعا؛ ق: ملففا.
(3) ن: أخوك.
(4) ق ع ص: سحاحا.

(6/133)


يلحف بيض طمع جناحا، وأن يستقدح زندا واريا أو شحاحا:
وأدبني الزمان فلا أبالي ... هجرت فلا أزار ولا أزور
ولست بقائل ما عشت يوما ... أسار الجند أم رحل الأمير وكان المقام بمرو الشاهجان، المفسر عندهم بنفس السلطان، فوجد بها من كتب العلوم والآداب، وصحائف أولى الأفهام والألباب، ما شغله عن الأهل والوطن، وأذهله عن كل خل صفي وسكن، فظفر منها بضالته المنشودة، وبغية نفسه المفقودة، فأقبل عليها إقبال النهم الحريص، وقابلها بمقام لا مزمع عنها ولا محيص (1) ، فجعل يرتع في حدائقها، ويستمتع بحسن خلقها وخلائقها، ويسرح طرفه في طرفها، ويتلذذ بمبسوطها ونتفها، واعتقد المقام بذاك الجناب، إلى أن يجاور التراب:
إذا ما الدهر بيتني بجيش ... طليعته اغتمام واغتراب
شننت عليه من جهتي كمينا ... أميراه الذبالة والكتاب
وبت أنص من شيم الليالي ... عجائب من حقائقها ارتياب
بها أجلو همومي مستريحا ... كما جلى همومهم الشراب إلى أن حدث بخراسان ما حدث من الخراب، والويل المبير والتباب، وكانت لعمر الله بلادا مونقة الرجاء، رائقة الأنحاء، ذات رياض أريضة، وأهوية صحيحة مريضة، قد تغنت أطيارها، فتمايلت طربا أشجارها، وبكت أنهارها، فتضاحكت أزهارها، وطاب روح نسيمها، فصح مزاج إقليمها، ولعهدي بتلك الرياض الأنيقة، والأشجار المتهدلة الوريقة، وقد ساقت إليها أرواح الجنائب، زقاق خمر السحائب، فسقت مروجها مدام الطل، فنشأ على أزهارها حباب كاللؤلؤ المنحل، فلما رويت من تلك (2) الصهباء أشجاره، رنحها من النسيم خماره، فتدانت ولا تداني المحبين، وتعانقت ولا عناق
__________
(1) ن ق ع ص بر من: لا يزمع عنها معه محيص.
(2) تلك: سقطت من ص ن.

(6/134)


العاشقين، يلوح من خلالها شقائق قد شابه اشتقاق الهوى بالعليل (1) ، فشابه شفتى غادتين دنتا للتقبيل، وربما اشتبه على التحرير بائتلاف الخمر (2) ، وقد انتابه رشاش القطر، ويريه (3) بهارا يبهر ناضره، فيرتاح إليه ناظره، كأنه صنوج من العسجد، أو دنانير من الإبريز تنقد (4) ، ويتخلل ذلك أقحوان تخاله ثغر المعشوق إذا عض خد عاشق، فلله درها من نزهة رامق ولون وامق، وجملة أمرها أنها كانت أنوذج الجنة بلا مين، فيها ما تشتهي النفس وتلذ العين قد اشتملت عليها المكارم، وارجحنت في أرجائها الخيرات الفائضة للعالم، فكم فيها من حبر راقت حبره، ومن إمام توجت حياة الإسلام سيره، آثار علومهم على صفحات الدهر مكتوبة، وفضائلهم في محاسن الدنيا والدين محسوبة، وإلى كل قطرة مجلوبة، فما من متين (5) علم وقويم رأي إلا ومن شرقهم مطلعه، ولا من مغربة فضل إلا وعندهم مغربه وإليهم منزعه، وما نشأ من كرم أخلاق بلا اختلاق إلا وجدته فيهم، ولا أعراق (6) في طيب أعراق إلا اجتليته من معانيهم، أطفالهم رجال، وشبابهم أبطال، مشايخهم أبدال، شواهد مناقبهم باهرة، ودلائل مجدهم ظاهرة، ومن العجب العجاب (7) أن سلطانهم المالك، هان عليه ترك تلك الممالك، وقال لتفسه الهوى لك، وإلا فأنت في الهوالك، وأجفل إجفال الرال، وطفق إذا رأى غير شيء ظنه رجلا بل رجال (كم تركوا من جنات وعيون وزروع ومقام كريم ونعمة كانوا فيها فاكهين) لكنه عز وجل لم يورثها قوما آخرين، تنزيها لأولئك الأبرار عن مقام المجرمين، بل ابتلاهم فوجدهم شاكرين، وبلاهم فألفاهم صابرين، فألحقهم بالشهداء الأبرار، ورفعهم إلى درجات
__________
(1) ر: العليل.
(2) ع ق: بائتلاق الجمر.
(3) ق ع ن: ويريك.
(4) ع ن ق ص: تبرق.
(5) ن بر من: مبين.
(6) ن ر: إغراق.
(7) ن: ومن العجائب.

(6/135)


المصطفين الأخبار (وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم، وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم، والله يعلم وأنتم لا تعلمون) البقرة: فجاس خلال تلك الديار أهل الكفر والإلحاد، وتحكم في تلك الأبشار أولو الزيغ والعناد (1) ، فأصبحت تلك القصور، كالممحو من السطور، وأمست (2) تلك الأوطان مأوى الأصداء والغربان، تتجاوب في نواحيها البوم، وتتناوح في أراجيها (3) الريح السموم، ويستوحش فيها الأنيس، ويرثي لمصابها إبليس:
كأن لم يكن فيها أوانس كالدمى ... وأقيال ملك في بسالتهم أسد
فمن حاتم في وجوده وابن مامة ... ومن أحنف إن عد حلم ومن سعد
تداعى بهم صرف الزمان فأصبحوا ... لنا عبرة تدم الحشا ولمن بعد فإنا لله وإنا إليه راجعون من حادثة تقصم الظهر، وتهدم العمر، وتفت في العضد، وتوهي الجلد، وتضاعف الكمد، وتشيب الوليد، وتنخب لب الجليد، وتسود القلب، وتذهل اللب، فحينئذ تقهقر المملوك على عقبه (4) ، ناكسا، ومن الأوبة إلى حيث تستقر في النفس بالأمن آيسا، بقلب واجب، ودمع ساكب، ولب عازب، وحلم غائب، وتوصل وما كاد حتى استقر بالموصل بعد مقاساة أخطار، وابتلاء واصطبار، وتمحيص الأوزار، وإشراف غير مرة على البوار والتبار، لأنه مر بين سيوف مسلولة، وعساكر مفلولة، ونظام عقود محلولة، ودماء مسكوبة مطلولة، وكان شعاره كلما علا قتبا، أو قطع سبسبا (لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا) الكهف: فالحمد لله الذي أقدرنا على الحمد، وأولانا نعما تفوت الحصر والعد، وجملة الأمر أنه لولا فسحة في الأجل، لعز أن يقال سلم البائس أو وصل، ولصفق عليه أهل الوداد صفقة المغبون، وألحق بألف ألف ألف ألف ألف هالك بأيدي الكفار
__________
(1) ن: والأفك والعناد.
(2) ق ع ن بر من: وآضت.
(3) ع بر من: أرجائها.
(4) ن ق: عقبيه.

(6/136)


أو يزيدون، وخلف خلفه جل ذخيرته، ومستمد معيشته:
تنكر لي دهري ولم يدر أنني ... أعز وأحداث الزمان تهون
وبات يريني الخطب كيف اعتداؤه ... وبت أريه الصبر كيف يكون وبعد، فليس للملوك ما يسلي به خاطره، ويعزي به قلبه وناظره، إلا التعلل بإزاحة العلل، إذا هو بالحضرة الشريفة مثل (1) :
فاسلم ودم وتمل العيش في دعة ... ففي بقائك ما يسلي عن السلف
فأنت للمجد روح والورى جسد ... وأنت در فلا تأسى على الصدف والمملوك الآن بالموصل مقيم، يعالج لما حزبه من هذا الأمر المقعد المقيم، يزجي وقته، ويمارس حرفته، وبخته يكاد يقول له باللسان القويم (تالله إنك لفي ضلالك القديم) (يوسف:95) يذيب نفسه في تحصيل أغراض، هي لعمر الله أعراض، من صحف يكتبها، وأوراق يستصحبها، نصبه فيها طويل، واستمتاعه بها قليل، ثم الرحيل، وقد عزم بعد قضاء نهمته، وبلوغ بعض وطر قرونته، أن يستمد التوفيق، ويركب سنن الطريق، عساه أن يبلغ أمنيته، من المثول بالحضرة، وإتحاف بصره من خلالها ولو بنظرة، ويلقى عصا الترحال بفنائها الفسيح، ويقيم تحت ظل كنفها إلى أن يصادفه (2) الأجل المريح، وينظم نفسه في سلك مماليكها بحضرتها، كما ينتمي إليها في غيبتها، إن مدت السعادة بضبعه، وسمح له (3) الدهر بعد الخفض برفعه، فقد ضعفت قواه عن درك الآمال، وعجز عن معاركة الزمان والنزال، إذ ضمت البسيطة إخوانه، وحجب الجديدان أقرانه، ونزل المشيب بعذاره، وضعفت منة أوطاره، وانقض باز على غراب شبابه فقنصه، وأكب نهار الحلم على ليل الجهل فوقصه، وتبدلت محاسنه عند أحبابه مساوي وخصصه، واستعاض
__________
(1) ر: مثل وقال.
(2) ر: يصادف.
(3) ع: لين.

(6/137)


من حلة الشباب القشيب، خلق الكبر والمشيب:
وشباب بان مني وانقضى ... قبل أن أقضي منه أربي
ما أرجى بعده إلا الفن ... ضيق الشيب علي مطلبي ولقد ندب المملوك أيام الشباب بهذه الأبيات، وما أقل غناء الباكي على من عد في الرفات:
تنكر لي مذ شبت دهري وأصبحت ... معارفه عندي من النكرات
إذا ذكرتها النفس حنت صبابة ... وجادت شؤون العين بالعبرات
إلى أن أتى دهر يحسن ما مضى ... ويوسعني تذكاره حسرات
فكيف ولم يبق من كاس مشربي ... سوى جرع في قعره كدرات
وكل إناء صفوه في ابتدائه ... وفي القعر مزجا حمأة وقذاة والمملوك يتيقن أنه لا ينفق هذا الهذر الذي مضى، إلا النظر إليه بعين الرضا، ولرأي المولى الوزير الصاحب، كهف الورى في المشارق (1) والمغارب، فيما يلاحظه منه بعادة مجده، مزيد مناقب ومراتب، والسلام.
ولقد طالت هذه الترجمة بسبب طول الرسالة، ولم يمكن قطعها.
وقال صاحبنا الكمال بن الشعار الموصلي في كتاب " عقود الجمان " (2) : أنشدني أبو عبد الله محمد بن محمود المعروف بابن النجار البغدادي صاحب " تاريخ بغداد " قال: أنشدني ياقوت المذكور لنفسه في غلام تركي قد رمدت عينه وعليها وقاية سوداء:
ومولد للترك تحسب وجهه ... بدرا يضيء سناه بالإشراق
أرخى على عينيه فضل وقاية ... ليرد فتنتها عن العشاق
__________
(1) ع ق بر من: بالمشارق.
(2) ترجمته ياقوت في الجزء التاسع من عقود الجمان، الورقة: 337؛ وقد سقط النقل عن ابن الشعار من: بر من.

(6/138)


تالله لو أن السوابغ دونها ... نفذت فهل لوقاية من واق وكانت ولادة ياقوت المذكور في سنة أربع أو خمس وسبعين وخمسمائة، ببلاد الروم، هكذا قاله. وتوفي يوم الأحد العشرين من شهر رمضان سنة ست وعشرين وستمائة، في الخان بظاهر مدينة حلب، حسبما قدمنا ذكره في أول الترجمة، رحمه الله تعالى.
وكان قد وقف كتبه على مسجد الزيدي الذي بدرب دينار ببغداد، وسلمها إلى الشيخ عز الدين أبي الحسن علي بن الأثير صاحب التاريخ الكبير، فحملها إلى هناك. ولما تميز ياقوت المذكور واشتهر سمى نفسه " يعقوب " .
وقدمت حلب للاشتغال بها في مستهل ذي القعدة سنة وفاته، ذلك عقيب موته والناس يثنون عليه ويذكرون فضله وأدبه. ولم يقد لي الاجتماع به.
791 - (1)
الحافظ بن معين
أبو زكريا يحيى بن معين بن عون بن زياد بن بسطام بن عبد الرحمن المري البغدادي، الحافظ المشهور، كان إماما عالما حافظا متقنا، قيل إنه من قرية نحو النبار تسمى نقياي (2) . وكان أبوه كاتبا لعبد الله بن مالك، وقيل إنه كان على خراج الري فمات، فخلف لابنه يحيى المذكور ألف ألف درهم وخمسين ألف درهم، فأنفق جميع المال على الحديث حتى لم يبق له نعل يلبسه.
وسئل يحيى المذكور: كم كتبت من الحديث فقال: كتبت بيدي
__________
(1) ترجمته في تاريخ بغداد 14: 177 وتذكرة الحفاظ: 429 وتهذيب التهذيب 11: 280 وطبقات الحنابلة: 268 وعبر الذهبي 1: 415 وميزان الاعتدال 4: 410 ومرآة الجنان 2: 108 والشذرات 2: 79 وقد وردت هذه الترجمة في ع متأخرة عن موضعها.
(2) في الأصول: نقيا، ولكن الضبط يثبت فيها الياء في آخر الترجمة.

(6/139)


هذه ستمائة ألف حديث، وقال راوي هذا الخبر، وهو أحمد بن عقبة: وإني أظن أن المحدثين قد كتبوا بأيديهم ستمائة ألف وستمائة ألف. وخلف م الكتب مائة قمطر وثلاثين قمطرا وأربعة حباب شرابية مملوءة كتبا، وهو صاحب الجرح والتعديل. وروى عنه الحديث كبار الأئمة منهم: أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري وأبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيري وأبو داود السجستاني، وغيرهم من الحفاظ، وكان بينه وبين الإمام أحمد بن حنبل، رضي الله عنه، من الصحبة والألفة والاشتراك في الاشتغال بعلوم الحديث ما هو مشهور (1) ، ولا حاجة إلى الإطالة فيه، وروى عنه هو وأبو خيثمة وكانا من أقرانه.
وقال علي بن المديني: انتهى العلم بالبصرة إلى يحيى بن أبي كثير وقتادة، وعلم الكوفة إلى أبي إسحاق والأعمش، وانتهى علم الحجاز إلى ابن شهاب وعمرو بن دينار، وصار علم هؤلاء الستة بالبصرة إلى سعيد بن أبي عروبة وشعبة ومعمر وحماد بن سلمة وأبي عوانة، ومن أهل الكوفة إلى سفيان الثوري وسفيان بن عيينة، ومن أهل الحجاز إلى مالك بن أنس، ومن أهل الشام إلى الوزاعي، وانتهى علو هؤلاء إلى محمد بن إسحاق وهشيم ويحيى بن سعيد وابن أبي زائدة ووكيع وابن المبارك وهو أوسع هؤلاء علما، وابن مهدي ويحيى ابن آدم، وصار علم هؤلاء جميعا إلى يحيى بن معين (2) .
وقال أحمد بن حنبل: كل حديث لا يعرفه يحيى بن معين فليس هو بحديث. وكان يقول: صاحبنا رجل (3) خلقه الله لها الشأن، ويظهر كذب الكذابين، يعني يحيى بن معين.
وقال ابن الرومي: ما سمعت أحدا قط يقول الحق في المشايخ، غير يحيى بن معين، وغيره كان يتحامل بالقول.
__________
(1) علق بهامش المختار عند هذا الموضع: " ثم هجره لما ظهر له أنه أرضى القائلين بخلق القرآن، ثم اعتذر إليه... الخ " وهو بخط غير خط المؤلف.
(2) ترجم المؤلف لأكثر هؤلاء، وهم من مشاهير أهل الحديث، فتطلب تراجمهم في مظانها.
(3) رجل: سقطت من ص ن.

(6/140)


وقال يحيى: ما رأيت على رجل قط خطأ إلا سترته عليه وأحببت أن أبين أمره، وما استقبلت رحلا في وجهه بأمر يكرهه، ولكن أبين له خطأه (1) فيما بيني وبينه، فإن قبل ذلك وإلا تركته.
وكان يقول: كتبنا عن الكذابين، وسجرنا به التنور، وأخرجنا به خبزا نضيجا، وكان ينشد:
المال يذهب حله وحرامه ... طرا وتبقى في غد آثامه
ليس التقي بمتق لأهله ... حتى يطيب شرابه وطعامه
ويطيب ما يحوي وتكسب كفه ... ويكون في حسن الحديث كلامه
نطق النبي لنا به عن ربه ... فعلى النبي صلاته وسلامه وقد ذكره الدارقطني فيمن روى عن الإمام الشافعي، رضي الله عنه، وقد سبق في ترجمة الشافعي خبره معه، وما جرى بينه وبين الإمام أحمد بن حنبل في ذلك، وسمع أيضا من عبد الله بن المبارك وسفيان بن عيينة.
وكان يحج فيذهب إلى مكة على المدينة ويرجع إلى المدينة، فلما كان آخر حجة حجها خرج على المدينة، ورجع على المدينة فأقام بها ثلاثة أيام، ثم خرج حتى نزل المنزل مع رفقائه، فباتوا فرأى في النوم هاتفا يهتف به: يا أبا زكريا، أترغب في جواري فلما أصبح قال لرفقائه: امضوا فإني راجع إلى المدينة، فمضوا ورجع، فأقام بها ثلاثا، ثم مات فحمل على أعواد النبي صلى الله عليه وسلم.
وكانت وفاته لسبع ليال بقين من ذي القعدة سنة ثلاث وثلاثين ومائتين، هكذا قاله الخطيب في " تاريخ بغداد " وهو غلط قطعا، لما تقدم ذكره، وهو أنه خرج إلى مكة للحج (2) ، ثم رجع إلى المدينة ومات بها، ومن يكون قد حجج كيف يتصور أن يموت بذي القعدة من تلك السنة فلو ذكر أنه توفي في ذي الحجة لأمكن، وكان يحتمل أن يكون هذا غلطا من الناسخ، لكني وجدته في
__________
(1) وما استقبلت... خطأه: سقط من المختار وع ق.
(2) للحج: سقطت من ق ع.

(6/141)


نسختين على هذا الصورة، فيبعد أن يكون من الناسخ، والله أعلم. ثم ذكر بعد ذلك أن الصحيح أنه مات قبل أن يحج، وعلى هذا يستقيم ما قاله من تاريخ الوفاة.
ثم نظرت في كتاب " الإرشاد (1) في معرفة علماء الحديث " - تأليف أبي يعلى الخليل بن عبد الله ابن أحمد بن إبراهيم بن الخليل الخليلي الحافظ - أن يحيى بن معين المذكور توفي لسبع ليال بقين من ذي الحجة من السنة المذكورة فعلى هذا يكون قد حج، وذكر الخطيب أيضا أن مولده كان آخر سنة ثمان وخمسين ومائة، ثم قال بعد ذكر وفاته: إنه بلغ سبعا وسبعين سنة إلا عشرة أيام، وهذا أيضا لا يصح من جهة الحساب فتأمله. ورأيت في بعض التواريخ أنه عاش خمسا وسبعين سنة، والله أعلم بالصواب، وصلى عليه والي المدينة. ثم صلي عليه مرارا ودفن بالبقيع، وكان بين يدي جنازته رجلا ينادي: هذا الذي كان ينفي الكذب عن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ورثاه بعض المحدثين فقال:
ذهب العليم بعيب كل محدث ... وبكل مختلف من الإسناد
وبكل وهم في الحديث ومشكل ... يعيا به علماء كل بلاد رضي الله عنه.
ومعين: بفتح الميم وكسر العين المهملة وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها نون.
وبسطام: بكسر الباء الموحدة وسكون السين المهملة وفتح الطاء المهملة وبعد الألف ميم، والباقي معروف فلا حاجة إلى ضبطه.
ورأيت في بعض التواريخ أنه يحيى بن معين بن غياث بن زياد بن عون بن بسطام مولى الجنيد بن عبد الرحمن الغطفامي المري أمير خراسان من قبل هشام بن عبد الملك الأموي، والأول أشهر وأصح، أعني النسب.
والمري: بضم الميم وتشديد الراء، هذه النسبة إلى مرة غطفان، وهو مرة
__________
(1) ص ر ن ق ع: الإشارة.

(6/142)


ابن عوف بن سعد بن بغيض بن ريث بن غطفان، وهي قبيلة كبيرة مشهورة، وفي العرب عدة قبائل تنسب إليها يقال لكل واحدة منها مرة.
وأما نقياي (1) : فقال ابن السمعاني في كتاب " الأنساب " إنها بفتح النون وكسر القاف أو فتحها وبعدها ياء مفتوحة تحتها نقطتان وبعد الألف ياء ثانية، وهي من قرى الأنبار منها يحيى بن معين النقيايي، قال الخطيب: ويقال إن فرعون كان من أهل هذه القرية. والله أعلم.
792 - (2)
يحيى بن يحيى الليثي
أبو محمد يحيى بن يحيى بن كثير بن وسلاس - وقيل وسلاسن - ابن شمال بن منغايا الليثي، أصله من البربر من قبيلة يقال لها مصمودة، تولى بني ليث فنسب إليهم، وجده كثير يكنى أبا عيسى، وهو الداخل إلى الأندلس، وسكن قرطبة، وسمع بها من زياد بن عبد الرحمن بن زياد اللخمي المعروف بشبطون (3) القرطبي " موطأ " مالك بن أنس رضي الله عنه، وسمع من يحيى بن مضر القيسي الأندلسي. ثم رحل إلى المشرق وهو ابن ثمان وعشرين سنة، فسمع من مالك بن أنس " الموطأ " غير أبواب في كتاب الاعتكاف، شك في
__________
(1) ع ق: نقيا.
(2) ترجمته في تاريخ ابن الفرضي: 44 والجذوة: 359 والمغرب 1: 163 والديباج المذهب: 350 ونفح الطيب 2: 9 (وانظر 1: 339 والحاشية) وعبر الذهبي 1: 419 وتهذيب التهذيب 11: 300 ومرآة الجنان 2: 113 والانتقاء: 58 وترتيب المدارك 1: 534 وطبقات الشيرازي: 152.
(3) هو بالشين في أكثر المصادر مثل النفح 2: 45 وقضاة الخشني: 14 والمرقبة العليا: 12 وابن الفرضي 1: 182 والجذوة: 203 لكنه ورد بالسين في معظم الأصول الخطية من كتاب ابن خلكان.

(6/143)


سماعه فيها فأثبت فيها عن زياد، وسمع بمكة من سفيان بن عيينة، وبمصر من الليث بن سعد وعبد الله بن وهب وعبد الرحمن بن القاسم، وتفقه بالمدنيين والمصريين من أكابر أصحاب مالك بعد انتفاعه بمالك وملازمته له، وكان مال يسميه عاقل الأندلس، وسبب ذلك فيما يروى (1) أنه كان في مجلس مالك مع جماعة من أصحابه، فقال قائل قد حضر الفيل، فخرج أصحاب مالك كلهم لينظروا إليه، ولم يخرج يحيى، فقال له مالك: مالك لا تخرج فتراه لأنه لا يكون بالأندلس فقال: إنما جئت من بلدي لنظر إليك وأتعلم من هديك وعلمك، ولم أجئ لأنظر إلى الفيل، فأعجب به مالك وسماه عاقل أهل (2) الأندلس.
ثم إن يحيى عاد إلى الأندلس وانتهت إليه الرياسة بها، وبه انتشر مذهب مالك في تلك البلاد، وتفقه به جماعة لا يحصون عددا وروى عنه خلق كثير، وأشهر روايات " الموطأ " وأحسنها رواية يحيى المذكور، وكان مع إمامته ودينه معظما عند المراء مكينا، عفيفا عن الولايات متنزها، جلت رتبته عن القضاء، فكان أعلى قدرا من القضاة عند ولاة الأمر هناك لزهده في القضاء وامتناعه منه.
قال أبو محمد علي بن أحمد المعروف بابن حزم الأندلسي - المقدم ذكره (3) - : مذهبان انتشرا في مبدأ أمرهما بالرياسة والسلطان: مذهب أبي حنيفة، فإنه لما ولي قضاء القضاة أبو يوسف يعقوب صاحب أبي حنتفة - وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى - كانت القضاة من قبله، فكان لا يولي قضاء البلدان من أقصى المشرق إلى أقصى إفريقية إلا أصحابه والمنتمين إليه وإلى مذهبه، ومذهب مالك بن أنس عندنا في بلاد الأندلس، فإن يحيى بن يحيى كان مكينا عند السلطان مقبول القول في القضاة، فكان لا يلي قاض في أقطار بلاد الأندلس إلا بمشورته واختياره، ولا يشير إلا بأصحابه ومن كان على مذهبه، والناس سراع إلى
__________
(1) ع ق بر من: روي.
(2) هل: سقطت من ر.
(3) انظر ج 2: 325 وقد نقل صاحب النفح هذا النص، كما نقل كثيرا من هذه الترجمة عن ابن خلكان.

(6/144)


الدنيا فأقبلوا على ما يرجون بلوغ أغراضهم به، على أن يحيى بن يحيى لم يل قضاء قط ولا أجاب إليه، وكان ذلك زائدا في جلالته عندهم وداعيا إلى قبول رأيه لديهم.
وحكى أحمد بن أبي الفياض في كتابه قال: كتب الأمير عبد الرحمن بن الحكم الأموي المعروف بالربضي صاحب الأندلس إلى الفقهاء يستدعيهم إليه، فاتوا (1) إلى القصر، وكان عبد الرحمن المذكور قد نظر في شهر رمضان إلى جارية له كان يحبها حبا شديدا، فعبث بها، ولم يملك نفسه أن وقع عليها، ثم ندم ندما شديدا، فسأل الفقهاء عن توبته من ذلك وكفارته، فقال يحيى بن يحيى: يكفر (2) ذلك بصوم شهرين متتابعين، فلما بدر يحيى بهذه الفتيا سكت بقية الفقهاء حتى خرجوا من عنده، فقال بعضهم لبعض وقالوا ليحيى: ما لك لم تفته بمذهب مالك، فعنده أنه مخير بين العتق والطعام والصيام فقال: لو فتحنا له (3) هذا الباب سهل عليه أن يطأ كل ويعتق رقبة، ولكن حملته على أصعب الأمور (4) لئلا يعود.
ولما انفصل يحيى عن مالك ليعود إلى بلاده ووصل إلى مصر، رأى عبد الرحمن بن القاسم يدون سماعه عن مالك، فنشط للرجوع (5) إلى مالك ليسمع منه المسائل التي كان ابن القاسم دونها عنه، فرحل رحلة ثانية، فألفى مالكا عليلا، فأقام عنده إلى أن مات وحضر جنازته، فعاد إلى ابن القاسم، وسمع منه سماعه من مالك، ذكر ذلك أبو الوليد ابن الفرضي في تاريخه، وذكر أيضا فيه ما مثاله: وانصرف يحيى بن يحيى إلى الأندلس، فكان إمام وقته، وواحد بلاده، وكان رجلا عاقلا. قال محمد بن عمر بن لبابة (6) : فقيه الأندلس عيسى بن دينار، وعالمها عبد الملك بن حبيب، وعاقلها يحيى بن يحيى؛
__________
(1) ن بر من: فأتوه.
(2) ن: تكفر.
(3) ر: فتحت.
(4) ن: على الأصعب.
(5) ن: على الرجوع.
(6) بر من ر والمختار: لبانة.

(6/145)


وكان يحيى ممن اتهم ببعض الأمر في الهيج (1) ، فخرج إلى طليطلة، ثم استأمن، فكتب الأمير الحكم أمانا، وانصرف إلى قرطبة. وكان أحمد بن خالد يقول: لم يعط أحد من أهل العلم بالأندلس، منذ دخلها الإسلام، من الحظوة وعظم القدر وجلالة الذكر ما أعطيه يحيى بن يحيى.
وقال ابن بشكوال في تاريخه: كان يحيى بن يحيى مجاب الدعوة، وكان قد أخذ في نفسه وهيئته ومقعده هيئة مالك.
وحكي عنه أنه قال: أخذت ركاب الليث بن سعد، فأراد غلامه أن يمنعني فقال: دعه، ثم قال لي الليث: خدمك أهل العلم، فلم تزل بي الأيام حتى رأيت ذلك. ثم قال: وتوفي يحيى بن يحيى في رجب سنة أربع وثلاثين ومائتين، وقبره بمقبرة ابن عياش (2) يستسقى به، وهذه المقبرة بظاهر قرطبة، وزاد أبو عبد الله الحميدي في كتاب " جذوة المقتبس " أن وفاته كانت لثمان بقين من الشهر المذكور، وقال أبو الوليد ابن الفرضي في تاريخه: إنه سنة ثلاث وثلاثين، وقيل سنة أربع وثلاثين في رجب، والله أعلم بالصواب.
وأما وسلاس: فه بكسر الواو وسينين مهملتين الأولى منهما ساكنة وبينهما لام ألف، ويزاد فيه نون فيقال وسلاسن، ومعناه بالبربرية: يسمعهم.
وشمال: بفتح الشين المعجمة وتشديد الميم وبعد الألف لام.
ومنغايا: بفتح الميم وسكون النون وفتح الغين المعجمة وبعد الألف ياء معجمة باثنتين من تحتها وبعدها ألف مقصورة ومعناه عندهم: قاتل (3) هذا، والله أعلم.
وقد تقدم الكلام على الليثي والبربري ومصمودة، والله أعلم.
__________
(1) يعني حادثة الربض التي ثار فيها أهل قرطبة على الحكم بن هشام سنة 198.
(2) كذا في ع ق ن، ولم تعجم في المختار، وفي بر: ابن عباس.
(3) ن: قابل؛ بر: قابل.

(6/146)


793 - (1)
يحيى بن أكثم
أبو محمد يحيى بن أكثم بن محمد بن قطن بن سمعان بن مشنج، التميمي الأسيدي المروزي، من ولد أكثم بن صيفي التميمي حكيم العرب، وكان عالما بالفقه بصيرا بالأحكام، ذكره الدارقطني في أصحاب الشافعي، رضي الله عنه.
وقال الخطيب في " تاريخ بغداد " (2) : كان يحيى بن أكثم سليما من البدعة، ينتحل مذهب أهل السنة، سمع عبد الله بن المبارك وسفيان بن عيينة وغيرهما - وقد مر ذكره في ترجمة سفيان وما دار بينهما (3) - وروى عنه أبو عيسى الترمذي وغيره.
وقال طلحة بن محمد بن جعفر في حقه (4) : يحي بن أكثم أحد أعلام الدنيا ومن قد اشتهر أمره وعرف خبره، ولم يستتر عن الكبير والصغير (5) من الناس فضله وعلمه ورياسته لأمره وأمر أهل زمانه من الخلفاء والملوك، واسع العلم بالفقه كثير الأدب حسن العارضة قائم بكل معضلة، وغلب على المأمون حتى لم يتقدمه أحد عنده من الناس جميعا. وكان المأمون ممن برع في العلوم، فعرف من حال يحيى بن أكثم وما هو عليه من العلم والعقل ما أخذ بمجامع قلبه،
__________
(1) ترجمته في أخبار القضاة لوكيع 2: 161 وطبقات الحنابلة 1: 140 والجواهر المضية 2: 210 والنجوم الزاهرة 2: 217، 308 وعبر الذهبي 1: 439 ومرآة الجنان 2: 135 وميزان الاعتدال 4: 361 وصفحات متفرقة من تاريخ الطبري وابن الأثير (ج 6، 7) والعيون والحدائق وثمار القلوب، والشذرات 2: 101.
(2) تاريخ بغداد 14: 191.
(3) انظر ج 2: 392.
(4) تاريخ بغداد 14: 197.
(5) ق ع ن: الصغير والكبير.

(6/147)


حتى قلده قضاء القضاة وتدبير أهل مملكته فكانت الوزراء لا تعمل في تدبير الملك شيئا إلا بعد مطالعة يحيى بن أكثم، ولا نعلم أحدا (1) غلب على سلطانه في زمانه، إلا يحيى بن أكثم، وأحمد بن أبي داود.
وسئل رجل من البلغاء عن يحيى بن أكثم وابن أبي داود (2) : أيهما أنبل فقال: كان أحمد يجد مع جاريته وابنته، ويحيى يهزل مع خصمه وعدوه.
[وكان يحيى سليما من البدعة ينتحل مذهب أهل السنة، بخلاف أحمد بن أبي داود، وقد تقدم في ترجمته طرف من اعتقاده وتعصبه للمعتزلة، وكان يحيى يقول: القرآن كلام الله، فمن قال إنه مخلوق يستتاب فإن تاب ولإلا ضربت عنقه] (3) .
وذكر الفقيه أبو الفضل عبد العزيز بن علي بن عبد الرحمن الأشنهي (4) ، الملقب زين الدين، في كتاب " الفرائض " في آخر المسائل الملقبات وهي الرابعة عشرة المعروفة بالمأمونية، وهي: أبوان وابنتان لم تقسم التركة حتى ماتت إحدى البنتين وخلفت من في المسألة، سميت (5) مأمونية لأن المأمون أراد أن يولي رجلا على القضاء فوصف له يحيى بن أكثم فاستحضره، فلما حضر دخل عليه، وكان دميم الخلق، فاستحقره المأمون لذلك، فعلم ذلك يحيى فقال: يا أمير المؤمنين، سلني إن كان القصد علمي لا خلقي، فسأله عن هذه المسألة فقال: يا أمير المؤمنين الميت الأول رجل أم امرأة، فعرف المأمون أنه قد عرف المسألة، فقلده القضاء.
وهذه المسألة إن كان الميت الأول رجلا تصح المسألتان من أربعة وخمسين، وإن كانت امرأة لم يرث الجد في المسألة الثانية شيئا لأنه أبو أم، فتصح المسألتان من ثمانية عشر سهما.
__________
(1) المختار: ولم يعلم أحد.
(2) يتابع النقل عن تاريخ بغداد: 198.
(3) انفردت به ر بر، وهو متابع لما في تاريخ الخطيب، وقد تكرر بعضه.
(4) ترجمة الأشنهي في طبقات الشافعية 4: 255.
(5) المختار: وقال سميث.

(6/148)


وذكر الخطيب في " تاريخ بغداد " (1) أن يحيى بن أكثم ولي قضاء البصرة وسنه عشرون سنة ونحوها، فاستصغره أهل البصرة، فقالوا: كم سن القاضي فعلم أنه استصغر، فقال: أنا أكبر من عتاب بن أسيد الذي وجه به النبي صلى الله عليه وسلم قاضيا على مكة يوم الفتح، وأنا أكبر من معاذ بن جبل الذي وجه به النبي صلى الله عليه وسلم قاضيا على أهل اليمن، وأنا أكبر من كعب بن سور الذي وجه به عمر بن الخطاب رضي الله عنه قاضيا على أهل البصرة، فجعل جوابه احتجاجا.
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ولى عتاب بن أسيد مكة بعد فتحها وله إحدى وعشرون سنة، وقيل ثلاث وعشرون، وكان إسلامه يوم فتح مكة، وقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أصحبك وأكون معك، فقال: أو ما ترضى أن أستعملك على آل الله تعالى فلم يزل عليهم حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال (2) : وبقي يحيى سنة لا يقبل شاهدا، فتقدم إليه أحد الأمناء فقال: أيها القاضي، قد وقفت الأمور وتريثت الأحوال، فقال: وما السبب قال: في ترك القاضي قبول الشهود، فأجاز في ذلك اليوم منها سبعين شاهدا.
وقال غير الخطيب: كانت ولاية القاضي يحيى بن أكثم القضاء بالبصرة سنة اثنتين ومائتين. وقد سبق في ترجمة حماد بن أبي حنيفة أن يحيى المذكور ولي البصرة بعد إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة (3) ، وذكر عمر بن شبة في كتاب " أخبار البصرة " أن يحيى عزل عن قضاء البصرة في سنة عشرين ومائتين، وتولى إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة. وحدث محمد بن منصور قال (4) : كنا مع المأمون في طريق الشام فأمر فنودي بتحليل المتعة، فقال يحي بن أكثم لي ولأبي العيناء: بكرا غدا إليه، فإن رأيتما للقول وجها فقولا، وإلا فاسكتا
__________
(1) انظر ص: 199.
(2) يريد الخطيب، انظر المصدر السابق.
(3) انظر ج : 205.
(4) تاريخ بغداد: 199.

(6/149)


إلى أن أدخل، قال: فدخلنا عليه (1) وهو يستاك ويقول وهو مغتاظ: متعتان كانتا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى عهد أبي بكر رضي الله عنه وأنا أنهي عنهما، ومن أنت يا جعل (2) حتى تنهي عما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رضي الله عنه فأومأ أبو العيناء إلى محمد بن منصور وقال: رجل يقول في عمر بن الخطاب (3) ما يقول نكلمه نحن فأمسكنا، فجاء يحيى بن أكثم فجلس وجلسنا، فقال المأمون ليحيى: ما لي أراك متغيرا فقال: هو غم يا أمير المؤمنين لما حدث في الإسلام، قال: وما حدث فيه قال: النداء بتحليل الزنا، قال: الزنا قال: نعم، المتعة زنا، قال: ومن أين قلت هذا قال: من كتاب الله عز وجل، وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال الله تعالى: (قد أفلح المؤمنون) إلى قوله (والذين هم لفروجهم حافظون، إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين، فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون) المؤمنون: يا أمير المؤمنين زوجة المتعة ملك يمين قال: لا، قال: فهي الزوجة التي عند الله ترث (4) وتورث وتلحق الولد ولها شرائطها قال: لا، قال: فقد صار متجاوز هذين من العادين، وهذا الزهري يا أمير المؤمنين روى عن عبد الله والحسن ابني محمد بن الحنيفة عن أبيهما عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أنادي بالنهي عن المتعة وتحريمها بعد أن كان أمر بها، فالتفت إلينا المأمون فقال: أمحفوظ هذا من حديث الزهري، فقلنا: نعم يا أمير المؤمنين، رواه جماعة منهم مالك رضي الله عنه، فقال: أستغفر الله، نادوا بتحريم المتعة، فنادوا بها (5) . قال أبو إسحاق إسماعيل بن إسحاق بن إسماعيل بن حماد بن زيد بن درهم الزدي القاضي الفقيه المالكي
__________
(1) المختار، ن: إليه، وكذلك عند الخطيب.
(2) تاريخ بغداد: أحول.
(3) زاد في المختار: رضي الله عنه، ولم ترد عند الخطيب.
(4) تاريخ بغداد: عنى الله، وسقط من ر.
(5) ن: بادروا... فبادروا؛ ق ع: فبادروا... فبادروا.

(6/150)


البصري، وقد ذكر يحيى بن أكثم فعظم أمره وقال: كان له يوم في الإسلام لم يكن لأحد مثله، وذكر هذا اليوم.
وكانت كتب يحيى في الفقه أجل كتب، فتركها الناس لطولها، وله كتب في الأصول، وله كتاب أورده على العراقيين سماه " التنبيه " وبينه، وبين داود بن علي مناظرات كثيرة.
ولقيه رجل وهو يومئذ على القضاء فقال (1) : أصلح الله القاضي كم آكل قال فوق الجوع ودون الشبع، فقال: فكم أضحك قال: حتى يسفر وجهك ولا يعلو صوتك، قال: فكم أبكي قال: لا تمل من البكاء من خشية الله تعالى، قال فكم أخفي عملي قال: ما استطعت، قال: فكم أظهر منه قال: مقدار ما يقتدي بك البر الخير ويؤمن عليك قول الناس، قال الرجل: سبحان الله قول قاطن وعمل ظاعن.
وكان يحيى من أدهى الناس وأخبرهم بالأمور، رأيت في بعض المجاميع أن أحمد بن أبي خالد الأحول وزير المأمون وقف بين يدي المأمون وخرج يحيى بن أكثم من بعض المستراحات، فوقف، فقال له المأمون اصعد، فصعد وجلس على طرف السرير معه، فقال أحمد: يا أمير المؤمنين إن القاضي يحيى صديقي، وممن أثق به في جميع أموري، وقد تغير عما عهدته منه، فقال المأمون: يا يحيى إن فساد أمر الملوك بفساد خاصتهم، وما يعدلكما عندي أحد، فما هذه الوحشة بينكما فقال له يحيى: يا أمير المؤمنين والله إنه ليعلم أني له على أكثر مما وصف (2) ، ولكنه لما رأى منزلتي منك هذه المنزلة خشي أن أتغير له (3) يوما فأقدح فيه عندك، فأحب أن يقول لك هذا ليأمن مني، وإنه والله لو بلغ نهاية ماءتي ما ذكرته بسوء عندك أبدا، فقال المأمون: أكذلك هو يا أحمد قال: نعم يا أمير المؤمنين، قال: أستعين بالله عليكما، فما رأيت أتم دهاء ولا أعظم فطنة منكما.
__________
(1) تاريخ بغداد: 200.
(2) ع ص ق: يصف.
(3) ر: أعتزله.

(6/151)


ولم يكن فيه ما يعاب به سوى ما كان يتهم به من الهنات المنسوبة إليه الشائعة عنه، والله أعلم بحاله فيها، وذكر الخطيب في تاريخه (1) أنه ذكر لأحمد بن حنبل رضي الله عنه ما يرميه الناس به، فقال: سبحان الله، من يقول هذا وأنكر ذلك إنكارا شديدا. وذكر عنه (2) أيضا أنه كان يحسد حسدا شديدا، وكان مفننا (3) . فكان إذا نظر إلى رجل يحفظ الفقه سأله عن الحديث، وإذا رآه يحفظ الحديث سأله عن النحو، وإذا رآه يعلم النحو سأله عن الكلام، ليقطعه ويخجله، فدخل إليه رجل من خراسان ذكي حافظ، فناظره، فرآه مفننا (4) ، فقال له: نظرت في الحديث قال: نعم، قال: ما تحفظ من الأصول قال: أحفظ عن شريك عن أبي إسحاق عن الحارث أن عليا رضي الله عنه رجم لوطيا، فأمسك ولم يكلمه.
ثم قال الخطيب أيضا: ودخل على يحيى بن أكثم ابنا مسعدة، وكانا على نهاية الجمال، فلما رآهما يمشيان في الصحن أنشأ يقول:
يا زائرينا من الخيام ... حياكم الله بالسلام
لم تأتياني وبي نهوض ... إلى حلال ولا حرام
يحزنني أن وقفتما بي ... وليس عندي سوى الكلام ثم أجلسهما بين يديه وجعل يمازحهما حتى انصرفا. ويقال إنه عزل عن الحكم بسبب هذه الأبيات.
ورأيت في بعض المجاميع أن يحيى بن أكثم مازح الحسن بن وهب المذكور في ترجمة أخيه سليمان بن وهب، وهو يومئذ صبي، فلاعبه ثم جمشه، فغضب الحسن، فأنشد يحيى:
أيا قمرا جمشته فتغضبا ... وأصبح لي من تيهه متجنبا
__________
(1) تاريخ بغداد: 198.
(2) تاريخ بغداد: 195.
(3) تاريخ بغداد: مفتنا.
(4) المصدر نفسه.

(6/152)


إذا كنت للتجميش والعض كارها ... فكن أبدا يا سيدي متنقبا
ولا تظهر (1) الأصداغ للناس فتنة ... وتجعل منها فوق خديك عقربا
فتقتل مسكينا وتفتن ناسكا ... وتترك قاضي المسلمين معذبا وقال أحمد بن يونس الضبي: كان زيدان الكاتب يكتب بين يدي يحيى بن أكثم القاضي، وكان غلاما جميلا متناهي الجمال، فقرص القاضي خده، فخجل الغلام واستحيا وطرح القلم من يده، فقال له يحيى: خذ القلم واكتب ما أملي عليك، ثم أملى الأبيات المذكورة، والله أعلم.
وقال إسماعيل بن محمد بن إسماعيل الصفار (2) : سمعت أبا العيناء في مجلس أبي العباس المبرد يقول: كنت في مجلس أبي عاصم النبيل، وكان أبو بكر بن يحيى بن أكثم حاضرا، فنازع غلاما فارتفع الصوت، فقال أبو عاصم: مهيم فقالوا: هذا أبو بكر بن يحيى بن أكثم ينازع غلاما، فقال: إن يسرق فقد سرق أب له من قبل، هكذا ذكره الخطيب في تاريخه.
وذكر الخطيب أيضا (3) في تاريخه أن المأمون قال ليحيى المذكور من الذي يقول :
قاض يرى الحد في الزناء ولا ... يرى على من يلوط من باس قال: أو ما يعرف أمير المؤمنين من القائل قال: لا، قال: يقوله الفاجر أحمد بن أبي نعيم الذي يقول:
لا أحسب الجور ينقضي وعلى ال ... أمة وال من آل عباس قال: فأفحم المأمون خجلا، وقال ينبغي أن ينفى أحمد بن أبي نعيم إلى السند، وهذان البيتان من جملة أبيات أولها:
__________
(1) ر: ولا ترسل.
(2) تاريخ بغداد: 197.
(3) المصدر السابق: 196.

(6/153)


أنطقني الدهر بعد إخراس ... لنائبات أطلن وسواسي
يا بؤس للدهر لا يزال كما ... يرفع ناسا يحط من ناس
لا أفلحت أمة وحق لها ... بطول نكس وطول إتعاس
ترضى بيحيى يكون سائسها ... وليس يحيى لها بسواس
قاض يرى الحد في الزناء ولا ... يرى على من يلوط من باس
يحكم للأمرد الغرير على ... مثل جرير (1) ومثل عباس
فالحمد لله كيف قد ذهب ال ... عدل وقل الوفاء في الناس
أميرنا يرتشي وحاكمنا ... يلوط والرأس شر ما راس
لو صلح الدين فاستقام لقد ... قام على الناس كل مقياس
لا أحسب الجور ينقضي وعلى ال ... أمة وال من آل عباس وظني أنها أكثر من هذا، ولكن الخطيب لم يذكر إلا هذا القدر.
ونقلت من أمالي أبي بكر محمد بن القاسم الأنباري - المقدم ذكره - أن القاضي يحيى بن أكثم قال لرجل يأنس به ويمازحه: ما تسمع الناس يقولون في قال: ما أسمع إلا خيرا، قال: ما أسألك (2) لتزكيني، قال: أسمعهم يرمون القاضي بالأبنة، قال: فضحك وقال: اللهم غفرا! المشهور عنا (3) غير هذا (4) .
وحكى أبو الفرج الأصبهاني في كتاب " الأغاني " (5) ليحيى المذكور وقائع في هذا الباب، وأن المأمون لما تواتر النقل عن يحيى بهذا أراد امتحانه، فأخلى له مجلسا واستدعاه، وأوصى مملوكا خزريا يقف عندهما وحده، فإذا خرج المأمون يقف المملوك ولا ينصرف، وكان المملوك في غاية الحسن، فلما اجتمعنا بالمجلس وتحادثا قام المأمون كأنه يقضي حاجة فوقف المملوك، فتجسس المأمون عليهما،
__________
(1) بهامش المختار بخط مختلف: صوابه مثل علي.
(2) ن والمختار: لم أسألك.
(3) ص: ع ق: هنا.
(4) هذه الحكاية امنقولة عن ابن الأنباري لم ترد في: بر من.
(5) الأغاني 20: 224.

(6/154)


وكان قرر معه أن يعبث بيحيى علما منه أن يحيى لا يتجاسر عليه خوفا من المأمون، فلما عبث به المملوك سمعه المأمون وهو يقول: لولا أنتم لكنا مؤمنين، فدخل المأمون وهو ينشد:
وكنا نرجي أن نرى العدل ظاهرا ... فأعقبنا بعد الرجاء قنوط
متى تصلح الدنيا ويصلح أهلها ... وقاضي قضاة المسلمين يلوط وهذان البيتان لأبي حكيمة راشد بن إسحاق الكاتب (1) ، وراشد له فيه مقاطيع كثيرة.
وذكر المسعودي في " مروج الذهب " (2) في ترجمة المأمون جملة من أخبار يحيى في هذا الباب أضربنا عن ذكرها.
ومما يناسب حكاية المأمون مع يحيى بسؤاله عن البيت لمن هو وإجابة يحيى ببيت آخر من القصيدة ما يروى أن معاوية بن أبي سفيان الأموي (3) لما مرض مرض موته واشتدت علته وحصل اليأس منه، دخل عليه بعض أولاد علي بن أبي طالب رضي الله عنه يعوده، ولا أستحضر الآن من هو، فوجده قد استند يتجلد له لئلا يشتفي به، فضعف عن القعود فاضطجع وأنشد:
وتجلدي للشامتين أريهم ... أني لريب الدهر لا أتضعضع فقام العلوي من عنده وهو ينشد:
وإذا المنية أنشبت أظفارها ... ألفيت كل تميمة لا تنفع فعجب الحاضرون من جوابه.
وهذا البيتان من جملة قصيدة طويلة لأبي ذؤيب خويلد بن خالد الهذلي يرثي بها بنيه (4) ، وكان قد هلك له خمس بنين في عام واحد، أصابهم الطاعون.
__________
(1) نسبهما في الأغاني لإبراهيم بن أبي محمد اليزيدي، وهما عند المسعودي لراشد بن إسحاق.
(2) مروج الذهب 4: 21 وما بعدها.
(3) زاد في المختار: رضي الله عنه، وهذا لم يجر من المؤلف عند ذكر معاوية.
(4) ديوان الهذليين 1: 4.

(6/155)


وكانوا هاجروا معه إلى مصر، وهلك أبو ذؤيب المذكور في طريق مصر، وقيل في طريق إفريقية مع عبد الله بن الزبير.
ثم وجدت في كتاب " فلك المعاني " لابن الهبارية في الباب التاسع من الكتاب المذكور أن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما دخل على معاوية في علته فقال: اسندوني، ثم تمثل ببيت أبي ذؤيب، وأنشد البيت المذكور، فسلم الحسين ثم أنشد البيت الثاني، والله أعلم. وذكرها أبو بكر ابن داود الظاهري في كتاب " الزهرة " منسوبة إلى الحسين بن علي ابن أبي طالب رضي الله عنهما، والله أعلم.
قلت: ولم يذكر ابن الهبارية ولا الظاهري أنه كان في علة الموت، ولا يمكن ذلك، لأن الحسن توفي قبل معاوية، والحسين لم يحضر وفاة معاوية، لأنه كان بالحجاز ومعاوية توفي بدمشق.
ثم وجدت في أول كتاب " التعازي " (1) تأليف أبي العباس المبرد هذه القصة جرت للحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ومعاوية بن أبي سفيان، والظاهر أن ابن الهبارية منه نقلها.
ومثل ذلك أيضا ما يحكى أن عقيل بن أبي طالب هاجر أخاه عليا رضي الله عنه والتحق بمعاوية، فبالغ معاوية في بره؛ وزاد في إكرامه (2) إرغاما لعلي رضي الله عنه، فلما قتل علي واستقل (3) معاوية بالأمر ثقل عليه أمر عقيل، فكان يسمعه ما يكره لينصرف عنه فبينما هو يوما في مجلس حفل بأهل الشام إذ قال معاوية: أتعرفون أبا لهب الذي نزل في حقه قوله تعالى (تبت يدا أبي لهب) المسد: من هو فقال أهل الشام: لا، فقال معاوية: هو عم هذا، وأشار إلى عقيل، فقال عقيل في الحال: أتعرفون امرأته التي قال الله في حقها (وامرأته حمالة الحطب في جيدها حبل من مسد) المسد: من هي فقالوا: لا،
__________
(1) التعازي، الورقة: 2.
(2) ر والمختار: في إكرامه وزاد في بره.
(3) ع ق والمختار: واستقر، وعلق أحدهم بخط مخالف على هامش المختار: " إنما هي استقل باللام والمؤلف تغلب عليه عاميته رحمة الله وعفا عنه " .

(6/156)


قال: هي عمة هذا، وأشار إلى معاوية، وكانت عمته أم جميل بنت حرب بن أمية بن عبد مناف زوجة أبي لهب بن عبد العزى، وهي المشار إليها في هذه السورة، فكان ذلك من الأجوبة المسكتة (1) .
ويقرب من هذا أيضا أن بعض الملوك حاصر بعض البلاد، وكان معه عساكر عظيمة بكثرة الرجال والخيل والعدد، فكتب الملك المحاصر إلى صاحب البلد كتابا يشير إليه بأنه يسلم البلد إليه ولا يقاتله، وذكر ما جاء به من الرجال والأموال والآلات، ومن جملة الكتاب قوله تعالى: (حتى إذا أتوا على وادي النمل قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون) (النمل:18) فلما وصل الكياب إلى صاحب البلد وتأمله وقرأه على خواصه قال: من يجاوب عن هذا فقال بعض الكتاب: تكتب إليه (فتبسم ضاحكا من قولها) (النمل:19) فاستحسن الحاضرون جوابه.
ومثل هذا أيضا ما حكاه ابن رشيق القيرواني في كتاب " الأنموذج " (2) وهو أن عبد الله بن إبراهيم ابن المثنى الطوسي المعروف بابن المؤدب المهدوي الأصل القيرواني البلد الشاعر المشهور، كان مغرى بالسياحة وطلب الكيمياء والأحجار، وكان محروما مقترا عليه متلافا إذا أفاد شيئا، فخرج مرة يريد جزيرة صقلية، فأسره الروم في البحر، وأقام مدة طويلة إلى أن هادن ثقة الدولة يوسف بن عبد الله بن محمد بن أبي الحسين القضاعي صاحب صقلية الروم وبعث إليه بالأسرى، فكان عبد الله فيمن بعث، فامتدح عبد الله المذكور ثقة
__________
(1) علق صاحب المختار في هذا الموضع بقوله: " قلت، أعني كاتبها موسى بن أحمد لطف الله به: ومثل هذا ما روي أن الوليد بن عبد الملك استعمل أخاه مسلمة بن عبد الملك على مصر فتوجه إليهما ثم عزله عنها بعد حول، فلما رجع إلى دمشق خرج الوليد في موكبه لتلقيه فرأى رحل مسلمة وقد تقدمه على ألف بعير، ولم يكن كذلك عند توجهه إلى مصر، فقال الوليد لبعض خواصه وأشار إلى الجمال (أيتها العير إنكم لسارقون) فلما التقى بمسلمة بلغ مسلمة ما قاله الوليد فالتفت إليه وقال (إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل) والله أعلم " .
(2) ق ع: النموذج؛ وانظر مسالك ابصار 11 الورقة 347 وما بعدها.

(6/157)


الدولة بقصيدة شكره فيها على صنعه، ورجا صلته، فلم يصله بشيء أرضاه، وكانت فيه رغبة، فتكلم وطلب طلبا شديدا، وهو مستخف عند بعض م يعرف من أهل صناعته، وطالت المدة، فخرج سكران يشتري نقلا (1) ، فما شعر إلا وقد أخذ (2) ، وحمله صاحب الشرطة حتى أدخله على ثقة الدولة، فقال له: ما الذي بلغني يا بائس قال: المحال أيد الله سيدنا الأمير، قال: ومن هو الذي يقول في شعره:
فالحر ممتحن بأولاد الزنا ... قال: هو الذي يقول:
وعداوة الشعراء بئس المقتنى ... فتنمر ساعة ثم أمر له بمائة رباعي (3) وأخرجه من المدينة كراهية أن تقوم عليه نفسه فيعاقبه بعد أن عفا عنه، فخرج منها.
وهذا المستشهد به عجزا بيتين من شعر المتنبي في قصيدته النونية التي يمدح بها بدر بن عمار، وأولها (4) :
الحب ما منع الكلام الألسنا ... وألذ شكوى عاشق ما أعلنا وهي من مشاهير قصائده، وأول العجز الأول:
وأنه المشير عليك في بضلة ... فالحر ممتحن بأولاد الزنا وأول العجز الثاني:
ومكايد السفهاء واقعة بهم ... وعداوة الشعراء بئس المقتنى
__________
(1) ع ن بر من: بقلا.
(2) ن ر ص: كتف.
(3) الرباعي: وحدة تساوي ربع دينار، وأحيانا كانت تزيد على ذلك، وفي بر: بمائة دينار.
(4) ديوان المتنبي: 138.

(6/158)


وإذا قد ذكرنا ثقة الدولة (1) المذكور فنذكر قصيدة أبي محمد عبد الله بن محمد (2) التنوخي المعروف بابن قاضي ميلة (3) التي مدحه بها في عيد النحر، وهي قصيدة بديعة لا توجد بكمالها في أيدي الناس، ولقد ظفرت بها في ظهر كتاب، ولم يكن عندي منها سوى البعض، ولا سمعت أحدا يروي منها إلا ذلك القدر، فأحببت إثباتها لحسنها وغرابتها وهي هذه:
يذيل الهوى دمعي وقلبي المعنف ... وتجني جفوني الوجد وهو المكلف
وإني ليدعوني إلى ما شنفته ... وفارقت مغناه الأغن المشنف
وأحور ساجي الطرف أما وشاحه ... فصفر وأما وقفه فموقف
يطيب أجاج الماء من نحو أرضه ... يحيي ويندى ريحه وهو حرجف
وأيأسني من وصله أن دونه ... متالف تسري الريح فيها فتتلف
وغير أن يجفو النوم كي لا يرى لنا ... إذا نام شملا في الكرى يتألف
يظل على ما كان من قرب دارنا ... وغفلته عما مضى يتأسف
وجون بمزن الرعد يستن ودقه ... يرى برقه كالحية الصل تطرف
كأني إذا ما لاح والرعد معول ... وجفن السحاب الجون بالماء يذرف
سليم وصوت الرعد راق وودقه ... كنفث الرقى من سوء ما أتكلف
ذكرت به ريا وما كنت ناسيا ... فأذكر لكن لوعة تتضعف
ولما التقينا محرمين وسيرنا ... بلبيك ربا والركائب تعسف
نظرت إليها والمطي كأنما ... غواربها منها معاطس رعف (4)
فقالت أما منكن من يعرف الفتى ... فقد رابني من طول منا يتشوف
أراه إذا سرنا يسير حذاءنا ... ونوقف أخفاف المطي فيوقف
__________
(1) انظر نبذة عنه في كتابنا " العرب في صقلية " : 46 وفيه تحويل إلى المصادر.
(2) بر: أبي عبد الله محمد بن محمد.
(3) ميلة: مدينة بالجزائر إلى الشمال الغربي من قسطنطينية (البكري: 64 والاستبصار: 166).
(4) ر: ترعف.

(6/159)


فقلت لتربيها أبلغاها بأنني ... بها مستهام قالتا نتلطف
وقولا لها يا أم عمرو أليس ذا ... منى والمنى في خيفه ليس يخلف
تفاءلت في أن تبذلي طارف الوفا ... بأن عن لي منك البنان المطرف
وفي عرفات ما يخبر أنني ... بعارفة من عطف قلبك أسعف
وأما دماء الهدي فهي هدى لنا ... يدوم ورأي في الهوى يتألف
وتقبيل أركان البيت إقبال دولة ... لنا وزمان بالمودة يعطف
فأوصلتا ما قلته فتبسمت ... وقالت أحاديث العيافة زخرف
بعيشي ألم أخبركما أنه فتى ... على لفظه برد الكلام المفوف
فلا تأمنا ما استطعتما كيد نطقه ... وقولا ستدري أينا اليوم أعيف
إذا كنت ترجو في منى الفوز بالمنى ... ففي الخيف من إعراضنا نتخوف
وقد أنذر الإحرام أن وصالنا ... حرام وأنا عن مزارك نصدف
وهذا وقذفي بالحصى لك مخبر ... بأن النوى بي عن ديارك تقذف
وحاذر نفارى ليلة النفر إنه ... سريع فقلل من بالعيافة أعرف
فلم أر مثيلنا خليلي مودة ... لكل لسان ذو غرارين مرهف
أما إنه لولا أغن مهفهف (1) ... وأشنف براق وأحور أوطف
لراجع مشتاق ونام مسهد ... وأيقن مرتاب وأقصر مدنف
وعاذلة في بذل ما ملكت يدي ... لراج رجاني دون صحبي تعنف
تقول إذا أفنيت مالك كله ... وأحوجت (2) من يعطيكه قلت: يوسف
أغر قضاعي يكاد نواله ... لكثرة ما يدعو إلى الشكر يجحف
إذا نحن أخلفنا مخايل ديمة ... وجدنا حيا معروفه ليس يخلف
سعى وسعى الملاك في طلب العلا ... ففاز وأكدوا إذ أخف وأقطفوا
__________
(1) ق ع: الأغن المهفهف.
(2) ق ن ع: وحوجت.

(6/160)


ويقظان شاب البطش باللين والتقى ... بكفيه ما يرجى وما يتخوف
حسام على من ناصب الدين مصلت ... وستر على من راقب الله مغدف
يسايره جيشان: رأي وفيلق ... ويصحبه سيفان: عزم ومرهف
مطل على من شاءه فكأنما ... على حكمه صرف الردى يتصرف
يرى رأيه ما لا ترى عين غيره ... ويفري به ما ليس يفري المثقف
رعى الله من ترعى حمى الدين عينه ... ويحمي حمى الإسلام والليل أغضف
ومن وعده في مسرح الحمد مطلق ... وإيعاده في ذمة الحلم موقف
ومن يضرب الأعداء هبرا فينثني ... صناديدهم والبيض بالهام تقذف
رماهم بمجر ضعضع الأرض رزة ... كأن الروابي منه بالنبل تدلف
كأن الردينيات في رونق الضحى ... أراقم في طام من الآل تزحف (1)
يعود الدجى من بيضه وهو أبيض ... ويبدو الضحى من نفعه وهو أكلف
ويحجب نور الشمس بالنقع عنهم ... ففعل الظبا في هامهم لا يكيف
لهم كل عام منك جاءوك فيلق ... يسائل عنهم بالعوالي فيلحف
إذا ما طووا كشحا على قرح عامهم ... وبلوا من الآلام أنشأت تقرف
فكم من أغم الوجه غاو تركته ... وهاديه من عثنون لحييه أكثف
هوى المقضب الماضي بمهواه فانثنى ... صريعا تراه حبترا وهو أسقف
لعمري لقد عاديت في الله طالبا ... رضاه وقد أبليت ما الله يعرف
أطالبتهم في الأهل حتى تركتهم ... فرادى وفي الأديان حتى تحنفوا
فيا ثقة الملك الذي الملك سهمه ... يراش لأكباد العادي ويرصف
هنيئا لك العيد الذي منك حسنه ... يروق ومن أوصافك الغر يوصف
بدا معلم الرجاء يزهى كأنما ... على عطفه وشي العراق المشفف
أتى بعد حول زائرا عن تشوق (2) ... وقد كان ذا طرف للقياك يطرف
__________
(1) ع ص والمختار: ترجف.
(2) ع ق: تشوف.

(6/161)


فطوقته عزا وشنفته به ... فلاح لنا وهو المحلى المشنف
وقابله بالسعد نجلك جعفر ... فيا لك من عيد بملكين تتحف
فلا زلت تستجدى فتولي، وترتجى ... فتكفي، وتستدعى لخطب فتكشف نجزت القصيدة.
(314) وكان لثقة الدولة المذكور ولد يدعى تاج الدولة جعفر بن ثقة الدولة (1) ، وكان أديبا شاعرا، وله من الأبيات السائرة في غلامين، على أحدهما ثوب ديباج أحمر، وعلى الآخر ثوب ديباج أسود، وهي:
أرى بدرين قد طلعا ... على غصنين في نسق
وفي ثوبين قد صبغا ... صباغ الخد والحدق
فهذا الشمس في شفق ... وهذا البدر في غسق وكان عمله لهذه الأبيات في سنة سبع وعشرين وخمسمائة.
ولما توجه المأمون إلى مصر، وذلك في سنة سبع عشرة ومائتين، دخلها لعشر خلون من المحرم، وخرج منها سلخ صفر من السنة (2) ، كان معه القاضي يحيى بن أكثم، فولاه قضاء مصر، وحكم بها ثلاثة أيام، ثم خرج مع المأمون، وعده ابن زولاق في جملة قضاة مصر لذلك.
وروي عن يحيى بن أكثم أنه قال: اختصم إلي في الرصافة الجد الخامس يطلب ميراث ابن ابن ابن ابنه.
وكان عبد الصمد بن أبي مروة (3) بن المعذل بن غيلان بن المحارب (4) بن البحتري
__________
(1) انظر العرب في صقلية: 47، وهو من شعراء الدرة الخطيرة، وقد تعرض لذكره العماد في الخريدة وصاحب المغرب وصاحب المنتخل، وكلهم يعتمد على الدرة الخطيرة.
(2) علق صاحب المختار: " قلت أعني كاتبها موسى بن أحمد: وفي هذا التاريخ فتح بابا في الهرم الواحد من الثلاثة الذين بأرض الجيزية من مصر " .
(3) بر: ابن أبي عمر.
(4) ع ق: النجار؛ الأغاني والقواعد: المختار.

(6/162)


العبدي البصري الشاعر المشهور (1) ، يلازم الترداد إلى القاضي يحيى المذكور ويغشى مجلسه، وكان بعض الأحيان لا يقدر على الوصول إليه إلا بعد مشقة ومذلة يقاسيها، فانقطع عنه، فلامته زوجته في ذلك مرارا، فأنشدها:
تكلفني إذلال نفسي لعزها ... وهان عليها أن أهان لتكرما
تقول سل المعروف يحيى بن أكثم ... فقلت سليه رب يحيى بن أكثما ولم تزل الأحوال تختلف عليه وتتقلب به إلى أيام المتوكل على الله (2) ، فلما عزل القاضي محمد بن القاضي أحمد بن أبي داود عن القضاء، فوض إليه الولاية إلى القاضي يحيى وخلع عليه خمس خلع، ثم عزله في سنة أربعين ومائتين وأخذ أمواله، وولى في رتبته جعفر بن عبد الواحد بن جعفر بن سليمان بن علي بن عبد الله بن العباس الهاشمي. فجاء كاتبه إلى القاضي يحيى فقال له: سلم الديوان، فأبى، فقال: شاهدان عدلان على أمير المؤمنين أنه أمرني بذلك، فأخذ منه الديوان قهرا، وغضب عليه المتوكل فأمر بقبض أملاكه وألزم منزله، ثم حج وحمل أخته معه وعزم على أن يجاور، فلما اتصل به رجوع المتوكل له بدا له في المجاورة، ورجع يريد العراق، فلما وصل إلى الربذة توفي بها يوم الجمعة منتصف ذي الحجة سنة اثنتين وأربعين ومائتين، وقيل غرة سنة ثلاث وأربعين، ودفن هناك، رحمه الله تعالى، وعمره ثلاث وثمانون سنة.
وأكثم: بفتح الهمزة وسكون الكاف وفتح الثاء المثلثة وبعدها ميم، وهو العظيم البطن، والشبعان أيضا، يقال بالثاء المثلثة والتاء المثناة من فوقها، ومعناهما واد، ذكره في كتاب " المحكم " (3) .
وحكى أبو عبد الله الحسين بن عبد الله بن سعيد قال: كان يحيى بن أكثم القاضي صديقا لي، وكان يودني وأوده، فمات يحيى، فكنت أشتهي أن أراه في المنام فأقول: ما فعل الله بك، فرأيته ليلة المنام فقلت: ما فعل الله بك
__________
(1) ترجمة عبد الصمد في الأغاني 13: 228 والفوات 1: 575 وفي نسبه اختلاف عما ورد هنا.
(2) انظر تاريخ بغداد: 200 - 201، 202.
(3) ق ص ع: المحتكم.

(6/163)


قال: غفر لي إلا أنه وبخني ثم قال لي: يا يحيى خلطت علي في الدنيا، فقلت: يا رب اتكلت على حديث حدثني به أبو معاوية الضرير عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إنك قلت
" إني لأستحيي أن أعذب ذا شيبة بالنار " فقال: قد عفوت عنك يا يحيى، وصدق نبيي، إلا أنك خلطت علي في الدنيا، هكذا ذكره أبو القاسم القشيري في " الرسالة " (1) .
وقطن: بفتح القاف والطاء المهملة وبعدها نون.
وسمعان: بفتح السين المهملة.
ومشنج: كشفت عنه كثيرا من الكتب وأرباب (2) هذه الصناعة فلم أقف منه على حقيقة، ثم وجدت في نسخة من " تاريخ بغداد " للخطيب وهي صحيحة مسموعة، وقد قيد هذا الاسم بضم الميم وفتح الشين المعجمة (3) وفتح النون المشددة وفي آخره جيم، هذا أقصى ما قدرت عليه، والله أعلم بالصواب.
ثم وجدته في " المختلف والمؤتلف " لعبد الغني بن سعيد كما قيل هاهنا.
الأسيدي: بضم الهمزة وفتح السين المهملة وكسر الياء المثناة من تحتها وتشديدها وبعدها دال مهملة، هذه النسبة إلى أسيد، وهو بطن من تميم يقال له أسيد بن عمرو بن تميم.
وقد تقدم الكلام على التميمي والمروزي.
والربذة: بفتح الراء والباء الموحدة والذال المعجمة وبعدها هاء ساكنة، وهي قرية من قرى المدينة على طريق الحاج ينزلونها عند عبورهم عليها، وهي التي نفى عثمان بن عفان أبا ذر الغفاري رضي الله عنهما إليها، وأقام بها حتى
__________
(1) الرسالة القشيرية: 327؛ وفي المختار في هذا الموضع: " قلت: ولوالدي قدس اله روحه بيتان نظمهما في معنى الحديث المذكور في هذا المقام وأوصى أن يكتبا على قبره، وهما:
يا رب إن العبد يخفي ذنبه ... فاستر بحلمك ما بدا من عيبه
ولقد أتاك وما له من شافع ... لذنوبه فاقبل شفاعة شيبه " (2) ر: كتب أرباب.
(3) وفتح الشين المعجمة: لم يرد في: ق ن ع.

(6/164)


مات، وقبره ظاهر هناك يزار.
وميلة: بكسر الميم وسكون الياء المثناة من تحتها وفتح اللام وبعدها هاء ساكنة، وهي بليدة من أعمال إفريقية.
(315) وتوفي جعفر بن عبد الواحد القاضي المذكور، ويكنى أبا عبد الله، سنة ثمان وخمسين ومائتين، وقيل سنة ثمان وستين، وقيل سنة تسع وستين، بطرسوس رحمه الله تعالى.
794 - (1)
يحيى بن معاذ الواعظ
أبو زكريا يحيى بن معاذ الواعظ، أحد رجال الطريقة، ذكره أبو القاسم القشيري في " الرسالة " (2) وعده من جملة المشايخ وقال في حقه: " نسيج وحده في وقته، له لسان في الرجاء خصوصا وكلام في المعرفة، خرج إلى بلخ وأقام بها مدة، ورجع إلى نيسابور ومات بها " .
ومن كلامه: كيف يكون زاهدا من لا ورع له تورع عما ليس لك ثم ازهد فيما لك.
وكان يقول: الجوع للمريدين رياضة، وللتائبين تجربة، وللزهاد سياسة، وللعارفين مكرمة، والوحدة جليس الصديقين، والفوت أشد من الموت، لأن الفوت انقطاع عن الحق، والموت انقطاع عن الخلق. والزهد ثلاثة أشياء: القلة، والخلوة، والجوع. ومن خان الله في السر هتك ستره (3) في العلانية.
__________
(1) ترجمته في طبقات السلمي: 107 وطبقات الشعراني 1: 94 وحلية الأولياء 1: 51 وصفة الصفوة 4: 71 وعبر الذهبي 2: 17 وشذرات الذهب 2: 138.
(2) الرسالة القشيرية: 91 حيث ترجم له، وله ذكر كثير في صفحات متفرقة من الرسالة.
(3) ع ن ق: سره.

(6/165)


وسمع إسحاق بن سليمان الرازي ومكي بن إبراهيم البلخي وعلي بن محمد الطنافسي، وروى عنه الغرباء من أهل الري وهمذان وخراسان أحاديث مسندة قليلة.
وذكره الخطيب في " تاريخ بغداد " (1) فقال " قدم بغداد واجتمع إليه بها مشايخ الصوفية والنساك، ونصبوا له منصة وأقعدوه عليها وقعدوا بين يديه يتحاورون، فتكلم الجنيد فقال له يحيى: اسكت يا خروف، ما لك والكلام إذا تكلم الناس " .
وكان له إشارات وعبارات حسنة، فمن كلامه (2) : الكلام الحسن حسن، وأحسن من الكلام معناه، وأحسن من معناه استعماله، وأحسن من استعماله ثوابه، وأحسن من ثوابه رضا من يعمل له.
ومن كلامه: حقيقة المحبة أن لا تزيد بالبر ولا تنقص بالجفاء. وكان يقول: من لم يكن ظاهره مع العوام فضة، ومع المريدين ذهبا، ومع العارفين المقربين درا وياقوتا، فليس من حكماء الله المريدين (3) . وكان يقول: أحسن شيء كلام صحيح، من لسان فصيح، في وجه صبيح، كلام دقق، يستخرج من بحر عميق، على لسان رجل رفيق. وكان يقول: إلهي كيف أنساك وليس لي رب سواك إلهي لا أقول لا أعود، لأنني أعرف من نفسي نقض العهود، ولكني أقول لا أعود لا أعود (4) ، لعلي أموت قبل أن أعود.
ومن دعائه: اللهم إن كان ذنبي قد أخافني، فإن حسن ظني بك قد أجارني، اللهم سترت علي في الدنيا ذنوبا إلى سترها في القيامة (5) أحوج، وقد أحسنت بي إذا لم تظهرها لعصابة من المسلمين، فلا تفضحني في ذلك اليوم على رؤوس العالمين، يا أرحم الراحمين.
__________
(1) تاريخ بغداد 14: 208 - 209.
(2) تاريخ بغداد: 209.
(3) ص والمختار: المؤيدين.
(4) لا أعود: مكررة في ق فقط، وكذلك هي في تاريخ الخطيب.
(5) ر: الآخرة.

(6/166)


ودخل على علوي ببلخ زائرا له ومسلما عليه فقال له العلوي (1) : أيد الله الأستاذ، ما تقول فينا أهل البيت قال: ما أقول في طين عجن بماء الوحي، وغرس (2) بماء الرسالة، فهل يفوح منهما إلا مسك الهدى وعنبر التقى فحشى العلوي فاه بالدر، ثم زاره من الغد، فقال يحيى بن معاذ: إن زرتنا فبفضلك وإن زرناك فلفضلك، فلك الفضل زائرا ومزورا (3) .
ومن كلامه: ما بعد طريق إلى صديق، ولا استوحش في طريق من سلك فيه إلى حبيب. ومن كلامه: مسكين ابن آدم، لو خاف النار كما يخاف الفقر دخل الجنة.
وقال: ما صحت إرادة أحد قط فمات حتى حن إلى الموت واشتهاه اشتهاء الجائع إلى الطعام، لارتداف الآفات واستيحاشه من الأهل والإخوان، ووقوعه فيما يتحير فيه صريح عقله. وقال: من لم ينظر في الدقيق من الورع لم يتصل إلى الجليل من العطاء. وقال: ليكن حظ المؤمن منك ثلاث خصال: إن لم تنفعه فلا تضره، وإن لم تسره فلا تغمه، وإن لم تمدحه فلا تذمه.
وقال: عمل كالسراب، وقلب من التقوى خراب، وذنوب بعدد الرمل والتراب، ثم تطمع في الكواعب الأتراب، هيهات! أنت سكران بغير شراب ما أكملك لو بادرت أملك، ما أجلك لو بادرت أجلك، ما أقواك لو خالفت هواك (4) .
وله في هذا الباب كل كلام مليح.
وتوفي سنة ثمان وخمسين ومائتين بنيسابور، رحمه الله تعالى؛ وقال
__________
(1) تاريخ بغداد: 211.
(2) ق ص والمختار: وغرس غرس.
(3) علق المختار هنا: قلت أعني كاتبها موسى بن أحمد لطف الله به: وقد نظم هذا المعنى:
إن زارني فبضله أو زرته ... فلفضله، فالفضل في الحالين له وبخط مخالف قبل البيت: وقيل إنهما للشافعي في أحمد:
قالوا يزورك أحمد وتزوره ... قلت: الفضائل ما تعدت منزله (4) زاد هنا في ر ق ن ع: وسئل عن حقيقة المحبة... الخ، وقد تقدم.

(6/167)


محمد بن عبد الله: قرأت على اللوح في قبر يحيى بن معاذ الرازي: مات حكيم الزمان يحيى (1) بن معاذ الرازي، رحمه الله تعالى وبيض وجهه وألحقه بنبيه محمد صلى الله عليه وسلم، يوم الاثنين لست عشرة ليلة (2) خلت من جمادى الأولى سنة ثمان وخمسين ومائتين.
795 - (3)
يحيى بن منده
أبو زكريا يحيى بن عبد الوهاب ابن الإمام أبي عبد الله محمد بن إسحاق بن محمد بن يحيى ابن منده بن الوليد بن منده بن بطه بن استندار بن جهار بخت بن فيرزان (4) - واسم منده ابراهيم، ومنده لقب، وقيل إن اسم الفيرزان استندار (5) ، والله أعلم، العبدي (6) ؛ كان من من الحفاظ المشهورين وأحد أصحاب الحديث المبرزين - وقد سبق ذكر جده أبي عبد الله محمد في حرف الميم (7) .
وهو أبو زكريا بن أبي عمرو بن أبي عبد الله بن أبي محمد بن أبي يعقوب من أهل أصبهان، وهو محدث ابن محدث ابن محدث ابن محدث. وكان جليل القدر وافر الفضل واسع الرواية، ثقة حافظا فاضلا مكثرا صدوقا،
__________
(1) ن: يعني يحيى.
(2) ليلة: سقطت من ق ع، وهي كذلك ساقطة في تاريخ الخطيب.
(3) ترجمته في تذكرة الحفاظ: 1250 وذيل ابن رجب 1: 127 ومرآة الجنان 3: 202 وعبر الذهبي 4: 25 والشذرات 4: 32 Histories (المختصر الثاني): 143 والبدر السافر، الورقة: 229.
(4) اضطربت أسماء الأعلام الأعجمية في النسخ؛ ن: استيدار؛ ص ق ع: استبدار.
(5) ع ص: اسفندار؛ ن ق: استيدار.
(6) ق ص ع: العبيدي؛ ن: العبدوي.
(7) انظر ج 4: 289.

(6/168)


كثير التصانيف، حسن السيرة بعيد التكلف، أوحد بيته في عصره. خرج التخاريج لنفسه ولجماعة من الشيوخ الأصبهانيين.
وسمع أبا بكر محمد بن عبد الله بن زيد (1) الضبي وأبا طاهر محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الرحيم (2) الكاتب وأبا منصور محمد بن عبد الله بن فضلويه الأصبهاني وأباه أبا عمرو وعميه أبا الحسن عبيد الله وأبا القاسم عبد الرحمن وأبا العباس أحمد بن محمد بن أحمد بن النعمان القضاعي (3) وأبا عبد الله محمد بن علي بن محمد الجصاص وأبا بكر محمد بن علي بن الحسين الجوزداني (4) وأبا طاهر أحمد بن محمود الثقفي، ورحل إلى نيسابور وسمع بها أبا بكر أحمد بن منصور بن خلف المقرئ وأبا بكر بن الحسين البيهقي، وبهمذان أبا بكر محمد بن عبد الرحمن بن محمد النهاوندي، وبالبصرة أبا القاسم إبراهيم بن محمد بن أحمد الشاهد وعبد الله بن الحسين السعداني وجماعة كثيرة سواهم، وصنف " تاريخ أصبهان " وغيره من الجموع. ودخل بغداد حاجا وحدث بها، وأملى بجامع المنصور، وكتب عنه الشيوخ منهم أبو الفضل محمد بن ناصر وعبد القادر بن أبي الجيلي وأبو محمد عبد الله بن أحمد بن أحمد بن أحمد بن الخشاب النحوي، في خلق كثير لشهرته وبيته، وروى عنه أبو البركات عبد الوهاب بن المبارك النماطي الحافظ وأبو الحسن علي بن آبي تراب الزيكوني (5) الخياط البغدادي وأبو طاهر يحيى بن عبد الغفار بن الصباغ وأبو الفضل محمد بن هبة بن العلاء الحافظ وجماعة كثيرة.
وذكره الحافظ ابن السمعاني في كتاب " الذيل " وقال: كتب الإجازة بجميع مسموعاته، ثم قال: سألت عنه أبا القاسم إسماعيل بن محمد الحافظ، فأثنى عليه ووصفه بالحفظ والمعرفة والدراية، ثم قال: سمعت أبا بكر محمد
__________
(1) ص ن ق: ريده.
(2) ق ع: عبد الرحمن.
(3) ق ن ص ع: القصاص؛ بر: القصاصي.
(4) لا تتفق النسخ على صورة لهذه اللفظة، وقد أثبتنا ما في اللباب.
(5) ر: الزنكوي؛ ق ص ن ع: الزنكوني: وأثبت أقرب الصور إليها في اللباب.

(6/169)


بن أبي النصر بن محمد اللفتواني (1) الحافظ يقول: بيت ابن منده بدئ بيحيى وختم بيحيى، يريد في معرفة الحديث والعلم (2) والفضل.
وذكره الحافظ عبد الغافر بن إسماعيل بن عبد الغافر الفارسي - المقدم ذكره - في " مساق (3) تاريخ نيسابور " فقال: أبو زكريا يحيى بن عبد الوهاب بن منده رجل فاضل من بيت العلم والحديث المشهور في الدنيا، سافر وأدرك المشايخ وسمع منهم، وصنف على الصحيحين، وكان يروي بإسناده المتصل إلى بعض العلماء أنه قال: كثرة الضحك أمارة الحمق، والعجلة من ضعف العقل، وضعف العقل من قلة الرأي وقلة الرأي من سوء الأدب، وسوء الأدب يورث المهانة، والمجون طرف من الجنون، والحسد داء لا دواء له، والنمائم تورث الضغائن. وكان يروي بالإسناد المتصل إلى الأصمعي أنه قال: دخلت في البادية إلى مسجد، فقام الإمام يصلي فقرأ: (إنا أرسلنا نوحا إلى قومه) نوح: وأرتج عليه، فجعل يرددها ويقول: (إنا أرسلنا نوحا إلى قومه) فقال إعرابي من ورائه، وهو قائم يصلي: يا هذا، إن لم يذهب نوح فأرسل غيره.
وكان يحيى المذكور كثيرا ما ينشد لبعضهم:
عجبت لمبتاع الضلالة بالهدى ... وللمشتري دنياه بالدين أعجب
وأعجب من هذين من باع دينه ... بدنيا سواه فهو من ذين أخيب (4) وكانت ولادته في غداة يوم الثلاثاء تاسع عشر شوال سنة أربع وثلاثين وأربعمائة وتوفي يوم عيد النحر سنة اثنتي عشرة وخمسمائة بأصبهان، ومولده بها أيضا، رحمه الله تعالى؛ ولم يخلف في بيت ابن منده بعده مثله.
وقال ابن نقطة في كتابه " إكمال الأكمال " توفي يوم السبت ثاني عشر ذي الحجة من سنة إحدى عشرة وخمسمائة، وذكر أن مولد أبيه عبد الوهاب
__________
(1) في أكثر النسخ: الكفتواني، وأثبت ما في ن.
(2) ن: والحفظ والعلم.
(3) ن: سياق، وكذلك ورد من قبل في عدة مواضع.
(4) في النسخ جميعا: أعجب، وهو تكرار دون فرق في المعنى، فأبقينا ما في المطبوعة المصرية.

(6/170)


سنة ست وثمانين وثلثمائة، وتوفي في جمادى الآخرة من سنة خمس وسبعين وأربعمائة رحمه الله تعالى.
وقد سبق الكلام على ضبط أسماء أجداده في ترجمة جده أبي عبد الله محمد (1) ، رحمه الله تعالى.
796 - (2)
ابن سعدون القرطبي
أبو بكر يحيى بن سعدون بن تمام بن محمد الأزدي القرطبي، الملقب سابق الدين (3) ؛ أحد الأئمة المتأخرين في القراءات وعلوم القرآن الكريم والحديث والنحو واللغة وغير ذلك.
خرج من الأندلس في عنفوان شبابه وقدم ديار مصر، فسمع بالإسكندرية أبا عبد الله محمد بن أحمد بن إبراهيم الرازي، وبمصر أبا صادق مرشد بن يحيى بن القاسم المدني المصري وأبا طاهر أحمد بن محمد الأصبهاني المعروف بالسلفي وغيرهم. ودخل بغداد سنة سبع عشرة وخمسمائة، وقرأ به القرآن الكريم على الشيخ أبي محمد عبد الله بن علي المقرئ المعروف بابن بنت الشيخ أبي منصور الخياط، وسمع عليه كتبا كثيرة منها كتاب سيبويه، وقرأ الحديث على أبي بكر (4) محمد بن عبد الباقي البزار المعروف بقاضي المارستان وأبي القاسم ابن الحصين وأبي العز ابن كادش وغيرهم.
وكان دينا ورعا عليه وقار وهيبة وسكينة، وكان ثقة صدوقا ثبتا نبيلا
__________
(1) قلت: لم يرد شيء من ذلك، ولهذا لم نستطع أن نضبطها لاضطراب النسخ في إيرادها.
(2) ترجمته في معجم الأدباء 20: 14 وغاية النهاية 2: 372 والمغرب 1: 135 وعبر الذهبي 4: 200 ومرآة الجنان 3: 380، 383 وبغية الوعاة: 412 ونفح الطيب 2: 116 وهو ينقل عن ابن خلكان.
(3) النفح: بضياء الدين؛ ن: ضياء الدين؛ بر من: صائن الدين.
(4) ق ع: ابن أبي بكر.

(6/171)


قليل الكلام كثير الخير مفيدا، أقام بدمشق مدة، واستوطن الموصل ورحل عنها إلى أصبهان، ثم عاد إلى الموصل، وأخذ عنه شيوخ ذلك العصر؛ وذكره الحافظ ابن السمعاني في كتاب " الذيل " وقال: إنه اجتمع به بدمشق (1) ، وسمع منه مشيخة أبي عبد الله الرازي، وانتخب عليه أجزاء، وسأله عن مولده، فقال: ولدت في سنة ست وثمانين وأربعمائة بمدينة قرطبة من ديار الأندلس، ورأيت في بعض الكتب أن مولده سنة سبع وثمانين، والأول أصح.
وكان شيخنا القاضي بهاء الدين أبو المحاسن يوسف بن رافع بن تميم المعروف بابن شداد قاضي حلب رحمه الله تعالى يفتخر برؤيته (2) وقراءته عليه - وسيأتي ذلك في ترجمته إن شاء الله تعالى - وقال: كنا نقرأ عليه بالموصل ونأخذ عنه. وكنا نرى رجلا يأتي إليه كل يوم فيسلم عليه وهو قائم، ثم يمد يده إلى الشيخ بشيء ملفوف، فيأخذه الشيخ من يده، ولا نعلم ما هو، ويتركه ذلك الرجل ويذهب، ثم تقفينا ذلك فعلمنا أنها دجاجة مسموطة، كانت برسم الشيخ في كل يوم يبتاعها له ذلك الرجل ويسمطها ويحضرها، وإذا دخل الشيخ إلى منزله تولى طبخها بيده. وذكر في كتابه الذي سماه " دلائل الأحكام " أنه لازم القراءة عليه إحدى عشرة سنة آخرها سنة سبع وستين وخمسمائة. وكان الشيخ أبو بكر القرطبي المذكور كثيرا ما ينشد مسندا إلى أبي الخير الكاتب الواسطي رواهما بالإسناد المتصل إليه أنهما له (3) :
جرى قلم القضاء بما يكون ... فسيان التحرك والسكون
جنون منك أن تسعى لرزق ... ويرزق في غشاوته الجنين وقال: أنشدنا أبو الوفاء عبد الباقي بن وهب بن حسان قال: أنشدنا أبو عبد الله محمد بن منيع بمصر لنفسه:
لي حيلة فيمن ينم ... وليس في الكذاب حيله
__________
(1) ص ر بر من: في دمشق.
(2) ر: بروايته.
(3) أنهما له: سقط من: ن ر بر من.

(6/172)


من كان يخلق ما يقو ... ل فحيلتي فيه قليله وتوفي الشيخ أبو بكر المذكور بالموصل (1) في يوم عيد الفطر من سنة سبع وستين وخمسمائة، رحمه الله تعالى.
797 - (2)
يحيى بن يعمر النحوي
أبو سليمان، وقيل أبو سعيد، يحيى بن يعمر العدواني الوشقي النحوي البصري؛ كان تابعيا، لقي عبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس، رضي الله عنهم، ولقي غيرهما، وروى عنه قتادة بن دعامة السدوسي وإسحاق بن سويد العدوي. وهو أحد قراء البصرة، وعنه أخذ عبد الله بن أبي إسحاق القراءة، وانتقل إلى خراسان، وتولى القضاء بمرو، وكان عالما بالقرآن الكريم والنحو ولغات العرب وأخذ النحو عن أبي الأسود الدؤلي - المقدم ذكره (3) - يقال إن أبا الأسود لما وضع باب الفاعل والمفعول به زاد فيه رجل من بني ليث أبوابا ثم نظر فإذا كلام العرب ما لا يدخل فيه فأقصر عنه، فيمكن أن يكون هو يحيى بن يعمر المذكور إذ كان عداده في بني ليث لأنه حليف لهم. وكان شيعيا من الشيعة الأولى القائلين بتفضيل أهل البيت من غير تنقيص (4) لذي فضل من غيرهم.
__________
(1) بالموصل: سقطت من ر.
(2) ترجمته في معجم الأدباء 20: 42 وغاية النهاية 2: 318 ومرآة الجنان 1: 271 وتهذيب التهذيب 11: 305 وأخبار النحويين البصريين: 22 وطبقات الزبيدي: 22 ونور القبس: 21 وبغية الوعاة: 17؛ والنجوم الزاهرة 1: 217 والجهشياري: 41 - 42.
(3) ج 2: 535.
(4) ن ص ق: تنقص.

(6/173)


حكى عاصم بن أبي النجود المقرئ - المقدم ذكره (1) - أن الحجاج بن يوسف الثقفي بلغه أن يحيى بن يعمر يقول: إن الحسن والحسين رضي الله عنهما من ذرية رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان يحيى يومئذ بخراسان، فكتب الحجاج إلى قتيبة بن مسلم والي خراسان - وقد تقدم ذكره أيضا (2) - أن ابعث إلي بيحيى بن يعمر، فبعث إليه، فقام بين يديه، فقال: أنت الذي تزعم أن الحسن والحسين من ذرية رسول الله صلى الله عليه وسلم والله لألقين الأكثر منك شعرا أو لتخرجن من ذلك، قال: فهو أماني إن خرجت قال: نعم، فإن الله جل ثناؤه يقول: (ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلا هدينا، ونوحا هدينا من قبل، ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون، وكذلك نجزي المحسنين، وزكريا ويحيى وعيسى) الآية (الأنعام: قال: وما بين عيسى وإبراهيم أكثر مما بين الحسن والحسين ومحمد صلوات الله عليه وسلامه، فقال له الحجاج: ما أراك إلا قد خرجت، والله لقد قرأتها وما علمت بها قط، وهذا من الاستنباطات البديعة الغريبة العجيبة، فلله دره، ما أحسن ما استخرج وأدق ما استنبط! قال عاصم: ثم إن الحجاج قال له: أين ولدت فقال: بالبصرة، قال: أين نشأت قال: بخراسان، قال: فهذه العربية أنى هي لك قال: رزق، قال: خبرني عني هل ألحن فسكت، فقال: أقسمت عليك، فقال: أما إذ سألتني أيها الأمير فإنك ترفع ما يوضع وتضع ما يرفع، فقال: ذلك والله اللحن السيئ؛ قال: ثم كتب إلى قتيبة: إذا جاءك كتابي هذا فاجعل يحيى بن يعمر على قضائك والسلام.
وروى ابن سلام عن يونس بن حبيب قال: قال الحجاج ليحيى بن يعمر أتسمعني ألحن قال: في حرف واحد، قال: في أي قال: في القرآن، قال: ذلك أشنع، ثم قال: ما هو قال تقول (قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم - إلى قوله إليكم) (التوبة:24) فتقرؤها بالرفع،
__________
(1) ج 3: 9.
(2) ج 4: 86.

(6/174)


قال ابن سلام: كأنه لما طال الكلام نسي ما ابتدأ به، فقال الحجاج: لا جرم لا تسمع لي لحنا، قال يونس: فألحقه بخراسان وعليها يزيد بن المهلب بن أبي صفرة، والله أعلم أي ذلك كان.
قال ابن الجوزي في كتاب " شذور العقود " : في سنة أربع وثمانين للهجرة نفى الحجاج يحيى ابن يعمر لأنه قال له: هل ألحن فقال: تلحن لحنا خفيا، فقال: أجلتك ثلاثا، فإن وجدتك بعد بأرض العراق قتلتك، فخرج.
وحكى أبو عمرو نصر بن علي بن نوح بن قيس قال: حدثنا عثمان بن محصن قال: خطب أمير البصرة (1) فقال: اتقوا الله فإنه من يتق الله فلا هورات عليه، فلم يدروا ما قال الأمير، فسألوا يحيى بن يعمر فقال: الهورات الضياع، يقول: من اتقى الله فليس عليه ضياع، قال القزاز في كتاب " الجامع " الهورات المهالك، واحدها هورة، قال الراوي: فحدثت بهذا الحديث الأصمعي فقال: هذا شيء لم أسمع به قط حتى كان الساعة منك، ثم قال: إن كلام العرب (2) لواسع، لم أسمع بذا قط.
وحكى الأصمعي قال: حدثنا أبي قال: كتب يزيد بن المهلب بن أبي صفرة وهو بخراسان إلى الحجاج بن يوسف كتابا يقول فيه: إنا لقينا العدو فاضطررناهم إلى عرعرة الجبل، ونحن بالحضيض، فقال الحجاج: ما لابن المهلب ولهذا الكلام فقيل له: إن ابن يعمر عنده، فقال: فذاك إذا.
وكان يحيى بن يعمر يعمل الشعر وهو القائل:
أبى الأقوام إلا بغض قومي ... قديما أبغض الناس السمينا وقال خالد الحذاء: كان لابن سيرين منقوط نقطه يحيى بن يعمر، وكان ينطق بالعربية المحضة واللغة الفصحى طبيعة فيه غير متكلف؛ وأخباره ونوادره كثيرة؛ وتوفي سنة تسع وعشرين ومائة، رحمه الله تعالى.
ويعمر: بفتح الياء المثناة من تحتها والميم وبينهما عين مهملة وفي الأخير
__________
(1) ص ع: أمير البصرة.
(2) ق ن ص ع بر من: إن الغريب.

(6/175)


راء، وقيل بضم الميم، والأول أصح وأشهر، ويعمر - بفتح الميم - مضارع قولهم عمر الرجل، بفتح العين وكسر الميم، إذا عاش زمنا طويلا، وإنما سمي بذلك تفاؤلا بطول العمر، كما سمي يحيى بذلك أيضا.
والعدواني: بفتح العين المهملة والواو وبينهما دال مهملة ساكنة وبعد الألف نون، هذه النسبة إلى عدوان، واسمه الحارث بن عمرو بن قيس عيلان وإنما قيل له " عدوان " لأنه عدا على أخيه فهم فقتله.
والوشقي: بفتح الواو وسكون الشين المعجمة وبعدها قاف، هذه النسبة إلى وشقة بن عوف بن بكر بن يشكر بن عدوان المذكور.
798 - (1)
أبو زكريا الفراء
أبو زكريا يحيى بن زياد بن عبد الله بن منظور الأسلمي، المعروف بالفراء، الديلمي الكوفي مولى بن أسد، وقيل مولى بني منقر، كان أبرع الكوفيين وأعلمهم بالنحو واللغة وفنون الأدب؛ حكي عن أبي العباس ثعلب أنه قال: لولا الفراء لما كانت عربية، لأنه خلصها وضبطها، ولولا الفراء لسقطت العربية لأنها كانت تتنازع ويدعيها كل من أراد ويتكلم الناس فيها على مقادير عقولهم وقرائحهم فتذهب.
وأخذ النحو عن أبي الحسن الكسائي، وهو الأحمر - المقدم ذكره - من
__________
(1) ترجمته في نور القبس: 301 ومراتب النحويين: 86 وطبقات الزبيدي: 143 وتاريخ بغداد 14: 149 ومعجم الأدباء 20: 9 ونزهة الألباء: 65 وعبر الذهبي 1: 354 والشذرات 2: 19 وبغية الوعاة: 411 ومرآة الجنان 2: 38 وغاية النهاية 2: 371 وتهذيب التهذيب 11: 212 وللدكتور أحمد مكي الأنصاري كتاب بعنوان " أبو زكريا الفراء ومذهبه في النحو واللغة " (القاهرة: 1964)، ومن هذه الترجمة تعود النسخة " س " إلى الاشتراك مع النسخ الأخرى.

(6/176)


أشهر أصحابه وأخصهم به.
ولما عزم الفراء على الاتصال بالمأمون، كان يتردد إلى الباب (1) ، فبينما هو ذات يوم على الباب إذ جاء أبو بشر ثمامة بن الأشرس النميري المعتزلي، وكان خصيصا بالمأمون، قال ثمامة: فرأيت أبهة أديب، فجلست إليه، ففاتشته عن اللغة فوجدته بحرا وفاتشته عن (2) النحو فشاهدته (3) نسيج وحده وعن الفقه فوجدته رجلا فقيها عارفا باختلاف القوم، وبالنجوم ماهرا، وبالطب (4) خبيرا، وبأيام العرب أشعارها حاذقا، فقلت له: من تكون وما أظنك إلا الفراء، فقال أنا هو، فدخلت فأعلمت أمير المؤمنين المأمون، فأمر بإحضاره لوقته، وكان سبب اتصاله به.
وقال قطرب: دخل الفراء على الرشيد فتكلم بكلام لحن فيه مرات، فقال جعفر بن يحيى البرمكي: إنه قد لحن يا أمير المؤمنين، فقال الرشيد للفراء: أتلحن فقال الفراء: يا أمير المؤمنين إن طباع أهل البدو الإعراب (5) ، وطباع أهل الحضر اللحن، فإذا تحفظت لم ألحن، وإذا رجعت إلى الطبع لحنت، فاستحسن الرشيد قوله.
وقال الخطيب في " تاريخ بغداد " : إن الفراء لما اتصل بالمأمون أمره أن يؤلف ما يجمع به أصول النحو (6) وما سمع من العربية، وأمر أن يفرد في حجرة من حجر الدار، ووكل به جواري وخدما يقمن بما يحتاج إليه، حتى لا يتعلق قلبه ولا تتشوف نفسه إلى شيء، حتى إنهم كانوا يؤذنونه بأوقات الصلوات، وصير له الوراقين، وألزمه الأمناء والمنفقين، فكان يملي والوراقون يكتبون، حتى صنف " الحدود " في سنتين (7) وأمر المأمون بكتبه (8) في الخزائن، فبعد أن
__________
(1) بر من: وكان قد ورد بغداد في أيام المأمون فبقي يتردد على بابه مدة ى يصل إليه فبينما هو... الخ.
(2) ر: فناقشته في... وناقشته في.
(3) س بر: فشاهدت.
(4) س: وبالنحو... وبالطب.
(5) إن.. الأعراب: سقطت من ق ص ع.
(6) ر: أمور النحو وأصوله.
(7) ق ن ص س: في سنين، وكذلك هو في تاريخ بغداد.
(8) ر: أن يكتبه.

(6/177)


فرغ من ذلك إلى الناس، وابتدأ بكتاب " المعاني " قال الراوي: وأردنا أن نعد الناس الذين اجتمعوا لإملاء كتاب " المعاني " ، فلم نضبطهم، فعددنا القضاة فكانوا ثمانين قاضيا، فلم يزل يمليه حتى أتمه. ولما فرغ من كتاب " المعاني " خزنه الوراقون عن الناس ليكسبوا به وقالوا: لا نخرجه إلا لمن أراد أن ننسخه له على خمس أوراق بدرهم، فشكا الناس إلى الفراء، فدعا الوراقين فقال لهم في ذلك، فقالوا: إنما صحبناك لننتفع بك، وكل ما صنفته فليس بالناس إليه من الحاجة ما بهم إلى هذا الكتاب، فدعنا نعيش به فقال: قاربوهم تنتفعوا وتنفعوا (1) ، فأبوا عليه فقال: سأريكم، وقال للناس: إنني ممل كتاب معان أتم شرحا وأبسط قولا من الذي أمليت، فجلس يملي، فأملى (2) الحمد في مائة ورقة، فجاء الوراقون إليه وقالوا: نحن نبلغ الناس ما يحبون، فنسخوا كل عشرة أوراق بدرهم.
وكان سبب إملائه كتاب " المعاني " أن أحد أصحابه، وهو عمر (3) بن بكير، كان يصحب الحسن بن سهل - المقدم ذكره - فكتب إلى الفراء إن الأمير الحسن لا يزال يسألني عن أشياء من القرآن لا يحضرني عنها جواب، فإن رأيت أن تجمع لي أصولا وتجعل ذلك كتابا يرجع إليه فعلت، فلما قرأ الكتاب قال لأصحابه: اجتمعوا حتى أملي عليكم كتابا في القرآن، وجعل لهم يوما، فلما حضروا خرج إليهم، وكان في المسجد رجل يؤذن فيه وكان من القراء، فقال له: فقرأ فاتحة الكتاب، ففسرها، حتى مر في القرآن كله على ذلك، يقرأ الرجل والفراء يفسره. وكتابه هذا نحو ألف ورقة، وهو كتاب لم يعمل مثله، ولا يمكن أحدا (4) أن يزيد عليه.
وكان المأمون قد وكل الفراء يلقن (5) ابنيه النحو، فلما كان يوما أراد الفراء
__________
(1) ن ر س: وينتفعوا، وكذلك في تاريخ بغداد.
(2) ق ن ع س: يمل فأمل، وهي رواية الخطيب.
(3) ع بر من: عمرو.
(4) ن ع: أحد.
(5) بر: بتلقين.

(6/178)


أن ينهض إلى بعض حوائجه، فابتدرا إلى نعل الفراء يقدمانه له، فتنازعا أيهما يقدمه، فاصطلحا على أن يقدم كل واحد منهما فردا فقدماها، وكان المأمون له على كل شيء صاحب خبر، فرفع ذلك الخبر إليه، فوجه إلى الفراء فاستدعاه، فلما دخل عليه قال: من أعز الناس قال: ما أعرف أعز من أمير المؤمنين، قال: بلى من إذا نهض تقاتل على تقديم نعليه وليا عهد المسلمين حتى رضي كل واحد أن يقدم له فردا، قال: يا أمير المؤمنين، لقد أردت منعهما عن ذلك، ولكن خشيت أن أدفعهما عن مكرمة سبقا إليها أو أكسر نفوسهما عن شريعة حرصا عليها، وقد روي عن ابن عباس أنه أمسك للحسن والحسين رضي الله عنهم أجمعين ركابيهما، حين خرجا من عنده، فقال له بعض من حضر: أتمسك لهذين الحدثين ركابيهما وأنت أسن منهما فقال له: اسكت يا جاهل، لا يعرف الفضل لأهل الفضل إلا ذوو الفضل، فقال له المأمون: لو منعتهما عن ذلك لأوجعتك لوما وعتبا وألزمتك ذنبا، وما وضع ما فعلاه من شرفهما، بل رفع من قدرهما وبين عن جوهرهما، ولقد ظهرت لي مخيلة الفراسة بفعلهما، فليس يكبر الرجل وإن كان كبيرا عن ثلاث: عن تواضعه لسلطانه ووالده ومعلمه العلم، وقد عوضتهما بما (1) فعلاه عشرين ألف دينار، ولك عشرة آلاف درهم على حسن أدبك لهما.
وقال الخطيب أيضا (2) : كان محمد بن الحسن الفقيه ابن خالة الفراء، وكان الفراء يوما جالسا عنده، فقال الفراء: قل رجل أنعم النظر في باب من العلم فأراد غيره إلا سهل عليه، فقال له محمد: يا أبا زكريا قد أنعمت النظر في العربية، فنسألك عن باب من الفقه فقال: هات على بركة الله تعالى، قال: ما تقول في رجل صلى فسها فسجد سجدتين فسها فيهما ففكر الفراء ساعة ثم قال: لا شيء عليه، فقال له محمد: ولم قال: لأن التصغير عندنا لا تصغير له، وإنما السجدتان تمام الصلاة، فليس للتمام تمام، فقال محمد: ما ظننت آدميا يلد مثلك.
__________
(1) ع ق س بر من: مما.
(2) تاريخ بغداد 14: 152.

(6/179)


وقد سبقت هذه الحكاية في ترجمة الكسائي ونبهت عليها ثم بما ذكرته هاهنا.
وكان الفراء لا (1) يميل إلى الاعتزال؛ وحكى سلمة بن عاصم عن الفراء قال: كنت أنا وبشر المريسي - المقدم ذكره - في بيت واحد عشرين سنة، ما تعلم مني شيئا ولا تعلمت منه شيئا؛ وقال الجاحظ: دخلت بغداد حين قدمها المأمون في سنة أربع ومائتين، وكان الفراء يحبني، وأشتهي أن يتعلم شيئا من علم الكلام، فلم يكن له فيه طبع.
وقال أبو العباس ثعلب: كان الفراء يجلس الناس في مسجده إلى جانب منزله، وكان يتفلسف في تصانيفه حتى يسلك في ألفاظه كلام الفلاسفة.
وقال سلمة بن عاصم: إني لأعجب من الفراء كيف كان يعظم الكسائي وهو أعلم بالنحو منه.
وقال الفراء: أموت وفي نفسي شيء (2) من " حتى " ، لأنها تخفض وترفع وتنصب.
ولم ينقل من شعره غير هذه الأبيات وقد رواها أبو حنيفة الدينوري عن أبي بكر الطوال وهي:
يا أميرا على جريب من الأر ... ض له تسعة من الحجاب
جالسا في الخراب يحجب فيه ... ما سمعنا بحاجب في خراب
لن تراني لك العيون بباب ... ليس مثلي يطيق رد الحجاب (3) ثم وجدت هذه الأبيات لابن (4) موسى المكفوف، والله أعلم بالصواب.
ومولد الفراء بالكوفة، وانتقل إلى بغداد وجعل أكثر مقامه بها، وكان شديد طلب المعاش لا يستريح في بيته، وكان يجمع طوال السنة، فإذا كان في
__________
(1) سقطت " لا " من بعض النسخ.
(2) شيء: سقطت من أكثر النسخ.
(3) ص ق ر: الجواب.
(4) ن: لأبي، وسقط التعليق كله من س.

(6/180)


آخرها خرج إلى الكوفة فأقام بها أربعين يوما في أهله يفرق (1) عليهم ما جمعه ويبرهم.
وله من التصانيف الكتابان المقدم ذكرهما، وهما " الحدود " و " المعاني " وكتابان في المشكل أحدهما أكبر من الآخر، وكتاب " البهي " وهو صغير الحجم ووقفت عليه بعد أن كتبت هذه الترجمة، ورأيت فيه أكثر الألفاظ التي استعملها أبو العباس في كتاب " الفصيح " وهو في حجم " الفصيح " غير أنه غيره ورتبه على صورة أخرى، وعلى الحقيقة ليس لثعلب في " الفصيح " سوى الترتيب وزيادة يسيرة، وفي كتاب " البهي " أيضا ألفاظ ليست في الفصيح قليلة، وليس في الكتابين اختلاف إلا في شيء قليل لا غير (2) . وله كتاب " اللغات " ، وكتاب " المصادر في القرآن " ، وكتاب " الجمع والتثنية في القرآن " ، وكتاب " الوقف والابتداء " ، وكتاب " المفاخر " (3) وكتاب " آلة الكاتب " ، وكتاب " النوادر " ، وكتاب " الواو " وغير ذلك من الكتب.
وقال سلمة بن عاصم: أملى الفراء كتبه كلها حفظا، لم يأخذ بيده نسخة إلا في كتابين: كتاب " ملازم " ، وكتاب " يافع ويفعة " ، قال أبو بكر الأنباري: ومقدار الكتابين خمسون ورقة، ومقدار كتب الفراء ثلاثة آلاف ورقة.
وقد مدحه محمد بن الجهم على روي الواو الموصولة بالهاء المكسورة أضربت عن ذكرها خوف الإطالة.
وتوفي الفراء سنة سبع ومائتين في طريق مكة، وعمره ثلاث وستون سنة، رحمه الله تعالى.
والفراء: بفتح الفاء وتشديد الراء وبعدها ألف ممدودة، وإنما قيل له فراء ولم يكن يعمل الفراء ولا يبيعها، لأنه كان يفري الكلام، ذكر ذلك الحافظ السمعاني في كتاب " الأنساب " (4) ، وعزاه إلى كتاب " الألقاب " (5) .
__________
(1) ع: وفرق؛ ص: ففرق.
(2) وهو صغير... لا غير: سقط من: س بر من.
(3) س ق ع: الفاخر.
(4) س: الذيل.
(5) ق ع: الألباب.

(6/181)


وذكر أبو عبيد الله المرزباني في كتابه أن زيادا والد الفراء كان أقطع، لأنه حضر وقعة الحسين بن علي رضي الله عنهما فقطعت يده في تلك الحرب، وهذا عندي فيه نظر لأن الفراء عاش ثلاثا وستين سنة فتكون ولادته سنة أربع وأربعين ومائة، وحرب الحسين كانت سنة إحدى وستين للهجرة، فبين حرب الحسين وولادة الفراء أربع وثمانون سنة، فكم قد عاش أبوه فإن كان الأقطع جده فيمكن، والله أعلم.
ومنظور: بفتح الميم وسكون النون وضم الظاء المعجمة وسكون الواو وبعدها راء.
وقد تقدم الكلام عن الديلمي وبني أسد.
وأما بنو منقر: فهو بكسر الميم وسكون النون وفتح القاف وبعدها راء، وهو منقر بن عبيد بن مقاعس، واسمه الحارث بن عمرو بن كعب بن سعد بن زيد بن مناة بن تميم بن مر، وهي قبيلة كبيرة ينسب إليها خلق كثير من الصحابة رضوان الله عليهم وغيرهم، ومنها خالد بن صفوان وشبيب بن شيبة، وصفوان وشيبة ابنا عبد الله بن عمرو بن الأهتم المنقري، وهما - أعني خالدا وشبيبا - المشهوران بالفصاحة والبلاغة والخطابة، ولخالد مجالس مشهورة مع أمير المؤمنين السفاح، ولشبيب مع المنصور والمهدي وغيرهما - وقد تقدم ذكر خالد وشبيب (1) في ترجمة البحتري في حرف الواو.
__________
(1) لم يشر المؤلف هنا إلى أنه ترجم لشبيب، وهذا يرجح أن ترجمة شبيب (ج 3: 458) التي انفردت بها النسخة ص ليست من عمل المؤلف.

(6/182)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية