صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان
المؤلف : أبو العباس شمس الدين أحمد بن محمد بن أبي بكر بن خلكان
المحقق : إحسان عباس
الناشر : دار صادر - بيروت
الطبعة :
الجزء : 1 - الطبعة : 0 ، 1900
الجزء : 2 - الطبعة : 0 ، 1900
الجزء : 3 - الطبعة : 0 ، 1900
الجزء : 4 - الطبعة : 1 ، 1971
الجزء : 5 - الطبعة : 1 ، 1994
الجزء : 6 - الطبعة : 0 ، 1900
الجزء : 7 - الطبعة : 1 ، 1994
عدد الأجزاء : 7
مصدر الكتاب : الوراق

[ ترقيم الكتاب موافق للمطبوع ]

ابن حنبل: قلت لأبي: أي رجل كان الشافعي فإني سمعتك تكثر من الدعاء له، فقال: يا بني، كان الشافعي كالشمس للدنيا وكالعافية للبدن، هل لهذين من خلف أو عنهما من عوض وقال أحمد: ما بت منذ ثلاثين سنة إلا وأنا أدعو للشافعي وأستغفر له، وقال يحيى بن معين: كان أحمد بن حنبل ينهانا عن الشافعي، ثم استقبلته يوما والشافعي راكب بغلة وهو يمشي خلفه، فقلت: يا أبا عبد الله، تنهانا عنه وتمشي خلفه فقال: اسكت، لو لزمت البغلة انتفعت.
وحكى الخطيب في تاريخ بغداد عن ابن عبد الحكم قال: لما حملت أم الشافعي به رأت كأن المشتري خرج من فرجها حتى انقض بمصر، ثم وقع (1) في كل بلد منه شظية، فتأول أصحاب الرؤيا أنه يخرج منها (2) عالم يخص علمه أهل مصر ثم يتفرق في سائر البلدان.
وقال الشافعي: قدمت على مالك بن أنس وقد حفظت الموطأ فقال لي: أحضر من يقرأ لك، فقلت: أنا قارئ، فقرأت عليه الموطأ حفظا، فقال: إن يك أحد يفلح فهذا الغلام. وكان سفيان بن عيينة إذا جاءه شيء من التفسير أو الفتيا التفت إلى الشافعي فقال: سلوا هذا الغلام. وقال الحميدي: سمعت زنجي (3) بن خالد - يعني مسلما - يقول للشافعي: أفت يا أبا عبد الله فقد والله آن (4) لك أن تفتي، وهو ابن خمس عشرة سنة (5) . وقال محفوظ بن أبي توبة البغدادي: رأيت أحمد بن حنبل عند الشافعي في المسجد الحرام، فقلت: يا أبا عبد الله، هذا سفيان بن عيينة في ناحية المسجد يحدث، فقال: إن هذا يفوت وذاك لا يفوت. وقال أبو حسان الزيادي: ما رأيت محمد بن الحسن يعظم أحدا من أهل العلم تعظيمه للشافعي، ولقد جاءه يوما فلقيه وقد ركب
__________
(1) ن: فوقع.
(2) منها: ثبتت في ن وحدها.
(3) ن ر والمختار: الزنجي.
(4) ن: آن والله.
(5) علق الخطيب (2: 64) على ذلك بقوله: وليس ذلك بمستقيم لأن الحميدي كان يصغر عن إدراك الشافعي وله تلك السن؛ والحميدي المذكور هو عبد الله بن الزبير الحميدي.

(4/164)


محمد بن الحسن (1) ، فرجع محمد إلى منزله وخلا به يومه إلى الليل، ولم يأذن لأحد عليه.
والشافعي أول من تكلم في أصول الفقه وهو الذي استنبطه، وقال أبو ثور: من زعم انه رأى مثل محمد بن إدريس في علمه وفصاحته ومعرفته وثباته وتمكنه فقد كذب، كان منقطع القرين في حياته، فلما مضى لسبيله لم يعتض منه. وقال أحمد بن حنبل: ما أحد ممن بيده محبرة أو ورق إلا وللشافعي في رقبته منة. وكان الزعفراني يقول: كان أصحاب الحديث رقودا حتى جاء الشافعي فأيقظهم فتيقظوا. ومن دعائه: اللهم يا لطيف أسألك اللطف فيما جرت به المقادير، وهو مشهور بين العلماء بالإجابة، وأنه مجرب (2) . وفضائله أكثر من أن تعدد.
وموله سنة خمسين ومائة، وقد قيل إنه ولد في اليوم الذي توفي فيه الإمام أبو حنيفة (3) ، وكانت ولادته بمدينة غزة، وقيل بعسقلان، وقيل باليمن، والأول أصح، وحمل من غزة إلى مكة وهو ابن سنتين فنشأ بها وقرأ القرآن الكريم، وحديث رحلته إلى مالك بن أنس مشهور فلا حاجة إلى التطويل فيه، وقدم بغداد سنة خمس وتسعين ومائة فأقام بها سنتين، ثم خرج إلى مكة، ثم عاد إلى بغداد سنة ثمان وتسعين ومائة فأقام بها شهرا، ثم خرج إلى مصر، وكان وصوله إليها في سنة تسع وتسعين ومائة، وقيل سنة إحدى ومائتين. ولم يزل بها إلى أن توفي يوم الجمعة آخر يوم من رجب سنة أربع ومائتين، ودفن بعد العصر من يومه بالقرافة الصغرى، وقبره يزار بها بالقرب من المقطم، رضي الله عنه.
قال الربيع بن سليمان المرادي: رأيت هلال شعبان وأنا راجع من جنازته، وقال: رأيته في المنام بعد وفاته فقلت: يا أبا عبد الله، ما صنع الله بك فقال: أجلسني على كرسي من ذهب، ونثر علي اللؤلؤ الرطب. وذكر الشيخ
__________
(1) ن: ولقد جاءه يوما الشافعي فلقي محمد بن الحسن وقد ركب.
(2) ومن دعائه... مجرب: سقط من ن لي س بر.
(3) بهامش المختار: ولا يصح، بل ولد في السنة التي توفي بها.

(4/165)


أبو إسحاق الشيرازي في كتاب طبقات الفقهاء ما مثاله: وحكى الزعفراني عن أبي عثمان ابن الشافعي قال: مات أبي وهو ابن ثمان وخمسين سنة (1) .
وقد اتفق العلماء قاطبة من أهل الحديث والفقه والأصول (2) واللغة والنحو وغير ذلك على ثقته وأمانته وعدالته وزهده وورعه ونزاهة عرضه وعفة نفسه وحسن سيرته وعلو قدره وسخائه.
وللإمام الشافعي أشعار كثيرة فمن ذلك ما نقلته من خط الحافظ أبي طاهر السلفي رحمه الله تعالى:
إن الذي رزق اليسار ولم يصب ... حمدا ولا أجرا لغير موفق
الجد يدني كل أمر شاسع ... والجد يفتح كل باب مغلق
وإذا سمعت بأن مجدودا حوى ... عودا فأثمر في يديه فصدق
وإذا سمعت بأن محروما اتى ... ماء ليشربه فغاض فحقق (3)
لو كان بالحيل الغنى لوجدتني ... بنجوم (4) أقطار السماء تعلقي
لكن من رزق الحجا حرم الغنى ... ضدان مفترقان أي تفرق
ومن الدليل على القضاء وكونه ... بؤس اللبيب وطيب عيش الأحمد ومن المنسوب إليه أيضا (5) :
ماذا يخبر ضيف بيتك أهله ... إن سيل كيف معاده ومعاجه
__________
(1) وذكر الشيخ... سنة: سقط من ن لي س ت بر والمختار، وانظر طبقات الشيرازي: 72.
(2) ر: العلم والفقه والحديث.
(3) هذا البيت مقدم على الذي قبله في ر مع تبادل في القافيتين.
(4) ل: بتخوم.
(5) لم ترد الأبيات في ر والمختار؛ وعلق عليها بهامش س بقوله: حاش لله أن ينسب مثل هذا الشعر للإمام الشافعي أو إلى غيره من أئمة المسلمين، وقد أنشده ابن السمعاني في المذيل لشخص يعرف بكنية غريبة لا استحضرها الآن، ورد على حضرة الصاحب ابن عباد فلم ير منه برا فكتبه إليه فجاءه واعتذر إليه وبره.

(4/166)


أيقول جاوزت الفرات ولم أنل ... ريا لديه وقد طغت أمواجه
ورقيت في درج العلا فتضايقت ... عما أريد شعابه وفجاجه
ولتخبرن خصاصتي بتملقي ... والماء يخبر عن قذاه زجاجه
عندي يواقيت القريض ودره ... وعلي إكليل الكلام وتاجه
تربي على روض الربا أزهاره ... ويرف في نادي الندى ديباجه
والشاعر المنطيق أسود سالخ ... والشعر منه لعابه ومجاجه
وعداوة الشعراء داء معضل ... ولقد يهون على الكريم علاجه ومن المنسوب إليه أيضا:
رام نفعا فضر من غير قصد ... ومن البر ما يكون عقوقا ومن المنسوب إلى الشافعي:
كلما أدبني الده ... ر أراني نقص عقلي
وإذا ما ازددت علما ... زادني علما بجهلي وهو القائل:
ولولا الشعر بالعلماء يزري ... لكنت اليوم أشعر من لبيد وقال الشافعي رضي الله عنه: تزوجت امرأة من قريش بمكة، وكنت أمازحها فأقول:
ومن البلية أن تح ... ب فلا يحبك من تحبه فتقول هي:
ويصد عنك بوجهه ... وتلج أنت فلا تغبه (1) وأخبرني أحد المشايخ الأفاضل أنه عمل في مناقب الشافعي ثلاثة عشر تصنيفا.
__________
(1) وقال الشافعي... تغبه: سقط من س ت.

(4/167)


ولما مات رثاه خلق كثير، وهذه المرثية منسوبة إلى أبي بكر محمد بن دريد صاحب المقصورة، وقد ذكرها الخطيب في " تاريخ بغداد " وأولها:
[بملتفتيه للمشيب طوالع ... زواجر عن ورد التصابي روادع
تصرفه طوع العنان وربما ... دعاه الصبا فاقتاده وهو طائع
ومن لم يزعه لبه وحياؤه ... فليس له من شيب فوديه وازع
هل النافر المدعو للحظ راجع ... أم النصح مقبول أم الوعظ نافع
أم الهمك المغموم بالجمع عالم ... بأن الذي يوعي من المال ضائع
وأن قصاراه على فرط ضنه ... فراق الذي أضحى له وهو جامع
ويخمل ذكر المرء ذي المال بعده ... ولكن جمع العلم للمرء رافع (1)
ألم تر آثار ابن إدريس بعده ... دلائلها في المشكلات لوامع
معالم يفنى الدهر وهي خوالد ... وتنخفض الأعلام وهي فوارع
مناهج فيها للهدى متصرف ... موارد فيها للرشاد شرائع
ظواهرها حكم ومستبطناتها (2) ... لما حكم التفريق فيه جوامع
لرأي ابن إدريس ابن عم محمد ... ضياء إذا ما أظلم الخطب ساطع
إذا المفظعات المشكلات تشابهت ... سما منه نور في دجاهن لامع
أبى الله إلا رفعه وعلوه ... وليس لما يعليه ذو العرش واضع
توخى الهدى واستنقذته يد التقى ... من الزيغ إن الزيغ للمرء صارع
ولاذ بآثار الرسول فحكمه ... لحكم رسول الله في الناس تابع
وعول في أحكامه وقضائه ... على ما قضى في الوحي والحق ناصع
بطيء عن الرأي المخوف التباسه ... إليه إذا لم يخش لبسا مسارع
وأنشا له منشيه من خير معدن ... خلائق هن الباهرات البوارع] (3)
__________
(1) ما بين معقفين زيادة من ر؛ وفي النسخ " فمنها قوله " بدل " أولها " - كما في المختار - .
(2) بر لي ن ت، والمختار: ومستنبطها.
(3) البيتان زيادة من ر؛ وموضعها في النسخ الأخرى " ومنها " .

(4/168)


تسربل بالتقوى وليدا وناشئا ... وخص بلب الكهل مذ هو يافع
وهذب حتى لم تشر بفضيلة ... إذا التمست إلا إليه الأصابع
فمن يك علم الشافعي إمامه ... فمرتعه في ساحة العلم واسع
سلام على قبر تضمن جسمه ... وجادت عليه المدجنات الهوامع
لقد غيبت أثراؤه جسم ماجد ... جليل إذا التفت عليه المجامع
لئن فجعتنا الحادثات بشخصه ... لهن لما حكمن فيه فواجع
فأحكامه فينا بدور زواهر ... وآثاره فينا نجوم طوالع وقد يقول القائل: إن ابن دريد لم يدرك الشافعي، فكيف رثاه لكنه يجوز أن يكون رثاه بعد ذلك، فما فيه بعد، فقد رأينا مثل هذا في حق غيره، مثل الحسين، رضي الله تعالى عنه، وغيره.
559 - (1)
محمد بن الحنفية
أبو القاسم محمد بن علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، المعروف بابن الحنفية، أمه الحنفية خولة بنت جعفر بن قيس بن سلمة بن ثعلبة بن يربوع بن ثعلبة ابن الدول بن حنيفة بن لجيم، ويقال بل كانت من سبي اليمامة، وصارت إلى علي رضي الله عنه، وقيل بل كانت سندية سوداء، وكانت أمة لبني حنيفة ولم تكن منهم، وإنما صالحهم خالد بن الوليد على الرقيق، ولم يصالحهم على أنفسهم. وذكر البغوي في كتاب " شرح السنة " في باب قتال مانعي الزكاة أن طائفة
__________
(1) ترجمته في طبقات ابن سعد 5: 91 وأنساب الأشراف 5: 214 - 223، 260 - 273 وحلية الأولياء 3: 174 وطبقات الشيرازي: 62 والبدء والتاريخ 5: 75 والمعارف: 216 وصفة الصفوة 2: 42.

(4/169)


ارتدوا عن الدين وأنكروا الشرائع وعادوا إلى ما كانوا عليه من الجاهلية، واتفقت الصحابة على قتالهم وقتلهم، ورأى أبو بكر رضي الله عنه سبي ذراريهم ونسائهم، وساعده على ذلك أكثر الصحابة، واستولد علي رضي الله عنه جارية من سبي بني حنيفة فولدت له محمد بن علي الذي يدعى محمد بن الحنفية، ثم لم ينقرض عصر الصحابة حتى أجمعوا (1) على أن المرتد لا يسبى (2) .
وأما كنيته بأبي القاسم فيقال إنها رخصة من رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وإنه قال لعلي رضي الله عنه: سيولد لك بعدي غلام وقد نحلته اسمي وكنيتي ولا تحل لأحد من أمتي بعده. وممن يسمى محمدا ويكنى أبا القاسم: محمد بن أبي بكر الصديق، ومحمد بن طلحة بن عبيد الله، ومحمد بن سعد بن أبي وقاص، ومحمد بن عبد الرحمن بن عوف، ومحمد بن جعفر بن أبي طالب، ومحمد بن حاطب بن أبي بلتعة، ومحمد بن الأشعث بن قيس.
وكان محمد المذكور كثير العلم والورع، وقد ذكره الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في " طبقات الفقهاء " (3) . وكان شديد القوة، وله في ذلك أخبار عجيبة، منها ما حكاه المبرد في كتاب الكامل (4) أن أباه عليا، رضي الله عنه، استطال درعا كانت له، فقال: لينقص منها كذا وكذا حلقة، فقبض محمد إحدى يديه على ذيلها والأخرى (5) على ضلها، ثم جذبها فقطع من الموضع الذي حدده أبوه. وكان عبد الله بن الزبير إذا حدث بهذا الحديث غضب واعتراه إفكل، وهو الرعدة، لأنه كان يحسده على قوته، وكان ابن الزبير أيضا شديد القوى.
ومن قوته أيضا ما حكاه المبرد (6) في كتابه أن ملك الروم في أيام معاوية وجه إليه: إن الملوك قبلك كانت تراسل الملوك منا، ويجهد بعضهم أن
__________
(1) المختار: اجتمعوا.
(2) وذكر البغوي... لا يسبي: سقط من س ن لي ت بر.
(3) انظر طبقات الشيرازي: 62.
(4) الكامل 3: 266.
(5) الكامل: بإحدى... بالأخرى، وهو موافق لما في ن.
(6) الكامل 2: 114.

(4/170)


يغرب على بعض، أفتأذن في ذلك فأذن له، فوجه إليه برجلين أحدها طويل جسيم، والآخر أيد، فقال معاوية لعمرو بن العاص: أما الطويل فقد أصبنا كفؤه، وهو قيس بن سعد بن عبادة رصي الله عنه، وأما الآخر الأيد فقد احتجنا إلى رأيك فيه، فقال عمرو: ها هنا رجلان كلاهما إليك بغيض: محمد بن الحنفية وعبد الله بن الزبير، فقال معاوية: من (1) هو أقرب إلينا على كل حال، فلما دخل الرجلان وجه إلى قيس بن سعد بن عبادة يعلمه، فدخل قيس، فلما مثل بين يدي معاوية نزع سراويله، فرمى بها إلى العلج فلبسها فبلغت ثندوته (2) ، فأطرق مغلوبا، فقيل إن قيسا لاموه في ذلك، وقيل له: لم تبذلت هذا التبذل بحضرة معاوية هلا وجهت إليه غيرها فقال:
أردت لكيما يعلم الناس أنها ... سراويل قيس والوفود شهود
وأن لا يقولوا غاب قيس وهذه ... سراويل عادي نمته ثمود
وإني من القوم اليمانين سيد ... وما الناس إلا سيد ومسود
وبذ جميع الخلق أصلي ومنصبي ... وجسم به أعلو الرجال مديد ثم وجه معاوية إلى محمد بن الحنفية فحضر، فخبر بما دعي له، فقال: قولوا له إن شاء فليجلس وليعطني يده حتى أقيمه أو يقعدني، وإن شاء فليكن القائم وأنا القاعد، فاختار الرومي الجلوس فأقامه محمد، وعجز الرومي عن إقعاده، ثم اختار أن يكون محمد هو القاعد، فجذبه محمد فأقعده، وعجز الرومي عن إقامته، فانصرفا مغلوبين.
وكانت راية أبيه يوم صفين (3) بيده، ويحكى أنه توقف أول يوم في حملها لكونه قتال المسلمين، ولم يكن قبل ذلك شهد مثاله (4) ، فقال له علي رضي الله عنه: هل عندك شك في جيش مقدمه أبوك فحملها. وقيل لمحمد: كيف كان
__________
(1) س: مر من.
(2) الثندوة: ما اسود حول الحلمة.
(3) ر والمختار: يوم الجمل.
(4) ر ن ت بر: مثله.

(4/171)


أبوك يقحمك المهالك ويولجك المضايق دون أخويك الحسن والحسين فقال: لأنهما كانا عينيه، وكنت يديه، فكان يقي عينيه بيديه.
ومن كلامه: ليس بحكيم من لم يعاشر بالمعروف من لا يجد من معاشرته بدا حتى يجعل الله له فرجا.
ولما دعا ابن الزبير إلى نفسه وبايعه أهل الحجاز بالخلافة دعا عبد الله بن العباس ومحمد بن الحنفية رضي الله عنهما إلى البيعة، فأبيا ذلك وقالا: لا نبايعك حتى تجتمع لك البلاد، ويتفق الناس، فأساء جوارهم وحصرهم وآذاهم، وقال لهم (1) : لئن لم (2) تبايعا أحرقتكما بالنار، والشرح في ذلك يطول.
وكانت ولادته لسنتين بقيتا من خلافة عمر، وتوفي رحمه الله في أول المحرم سنة إحدى وثمانين للهجرة، وقيل سنة ثلاث وثمانين، وقيل سنة اثنتين أو ثلاث وسبعين بالمدينة، وصلى عليه أبان بن عثمان بن عفان، وكان والي المدينة يومئذ، ودفن بالبقيع، وقيل إنه خرج إلى الطائف هاربا من ابن الزبير فمات هناك، وقيل إنه مات ببلاد أيلة.
والفرقة الكيسانية تعتقد إمامته وأنه مقيم بجبل رضوى، وإلى هذا أشار كثير عزة بقوله من جملة أبيات، وكان كيساني الاعتقاد (3) :
وسبط لا يذوق الموت حتى ... يقود الخيل يقدمها اللواء
تغيب لا يرى فيهم زمانا ... برضوى عنده عسل وماء وكان المختار بن أبي عبيد الثقفي يدعو الناس إلى إمامة محمد بن الحنفية، ويزعم أنه المهدي، وقال الجوهري في كتاب " الصحاح " (4) : كيسان لقب
__________
(1) كذا في جميع النسخ ما عدا بر، بصيغة الجمع.
(2) س لي ل: والله إن لم.
(3) نسب البيتان لكثير في أكثر المصادر (عيون الأخبار 2: 144 والشعر والشعراء: 423 والأغاني 9: 14 ومروج الذهب 3: 87 وغيرهما) وقال أبو الفرج في الأغاني 7: 238 الأبيات للسيد الحميري وأضاف: وهذه الأبيات يعينها تروى لكثير.
(4) الصحاح 2: 970 (كيس).

(4/172)


المختار المذكور، وقال غيره: كيسان مولى علي رضي الله عنه. والكيسانية يزعمون أنه مقيم برضوى في شعب منه ولم يمت، دخل إليه ومعه أربعون من أصحابه، ولم يوقف لهم على خبر وهم أحياء يرزقون، ويقولون إنه مقيم في هذا الجبل بين أسد ونمر، وعنده عينان نضاختان تجريان عسلا وماء، وإنه يرجعه إلى الدنيا فيملؤها عدلا (1) .
وكان محمد يخضب بالحناء والكتم وكان يختم في اليسار، وله أخبار مشهورة، رضي الله عنه، وانتقلت إمامته إلى ولده أبي هاشم عبد الله ومنه إلى محمد بن علي والد السفاح والمنصور، كما سيأتي في ترجمته إن شاء الله تعالى (2) .
ورضوى: بفتح الراء وبعدها ضاد معجمة وبعد الواو ألف، قال ابن جرير الطبري في تاريخه الكبير في سنة أربع وأربعين ومائة: رضوى جبل جهينة، وهو في عمل ينبع، وقال غيره: بينهما مسيرة يوم واحد، وهو من المدينة على سبع مراحل ميامنة طريق المدينة ومياسرة طريق البر لمن كان مصعدا إلى مكة وهو على ليلتين من البحر، والله أعلم. ومن رضوى تحمل حجارة المسن إلى سائر الأمصار، قاله ابن حوقل في كتابه " المسالك والممالك " (3) .
وذكر أبو اليقظان (4) في كتاب " النسب " أن ابن الحنفية له ابن اسمه الهيثم (5) وكان مؤخذا عن مسجد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لا يقدر أن يدخله، والأخيذ في اللغة: الأسير، والأخذه - بضم الهمرة - رقية كالسحر، فكانه كان مسحورا.
__________
(1) وكان المختار... عدلا: سقط من ن س لي ت بر.
(2) إلى هنا تنتهي الترجمة في ن س لي ت بر.
(3) صورة الأرض: 40؛ وقد وقعت هذه العبارة " من رضوى... والممالك " في آخر الترجمة في ر.
(4) قيل إن اسمه عامر بن حفص ولقبه سحيم ولذلك يقال في الرواية عنه: حدثنا أبو اليقظان وإذا قيل سحيم بن حفص وعامر بن أبي محمد وعامر بن الأسود وسحيم بن الأسود وعبيد الله بن حفص وأبو إسحاق فكل ذلك يشير إليه (انظر الفهرست: 94).
(5) المختار: اسمه القاسم.

(4/173)


(1) 560
محمد الباقر
أبو جعفر محمد بن زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين، الملقب الباقر، أحد الأئمة الاثني عشر في اعتقاد الإمامية، وهو والد جعفر الصادق - وقد تقدم ذكره (2) .
كان الباقر عالما سيدا كبيرا، وإنما قيل له الباقر لأنه تبقر في العلم، أي توسع، والتبقر: التوسع، وفيه يقول الشاعر:
يا باقر العلم لأهل التقى ... وخير من لبى على الأجبل ومولده يوم الثلاثاء ثالت صفر سنة سبع وخمسين للهجرة، وكان عمره يوم قتل جده الحسين، رضي الله عنه، ثلاث سنين، وأمه أم عبد الله بنت الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، رضي الله عنه. وتوفي في شهر ربيع الآخر سنة ثلاث عشرة ومائة، وقيل في الثالث والعشرين من صفر سنة أربع عشرة، وقيل سبع عشرة، وقيل ثمان عشرة بالحميمة. ونقل إلى المدينة ودفن بالبقيع في القبر الذي فيه أبوه وعم أبيه الحسن بن علي رضي الله عنهم، في القبة التي فيها قبر العباس رضي الله عنه.
وقد تقدم الكلام على الحميمة في ترجمة علي بن عبد الله بن العباس.
__________
(1) انظر الأئمة الإثنا عشر: 81 ومصادر ترجمته في الصفحة المقابلة.
(2) انظر ج 1: 327.

(4/174)


(1) 561
محمد الجواد
أبو جعفر محمد بن علي الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر المذكور قبله، المعروف بالجواد، أحد الأئمة الاثني عشر أيضا. قدم إلى بغداد وافدا على المعتصر، ومعه امرأته أن الفضل ابنة المأمون، فتوفي بها، وحملت امرأته إلى قصر عمها المعتصم فجعلت مع الحرم.
وكان يروي مسندا عن آبائه إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن، فقال لي وهو يوصيني: يا علي، ما خاب من استخار ولا ندم من استشار، يا علي، عليك بالدلجة فإن الأرض تطوى بالليل ما لا تطى بالنهار، يا علي اغد بسم الله فإن الله بارك لأمتي في بكورها. وكان يقول: من استفاد أخا في الله فقد استفاد بيتا في الجنة.
وقال جعفر بن محمد بن مزيد (2) : كنت ببغداد فقال لي محمد بن منده بن مهريزد: هل لك أن ادخلك على محمد بن علي الرضا فقلت: نعم، قال: فأدخلني عليه، فسلمنا وجلسنا، فقال له: حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أن فاطمة رضي الله عنها أحصنت فرجها فحرم الله ذريتها على النار، قال: ذلك خاص بالحسن والحسين رضي الله عنهما. وله حكايات وأخبار كثيرة.
وكانت ولادته يوم الثلاثاء خامس شهر رمضان، وقيل منتصفه، سنة خمس وتسعين مائة. وتوفي يوم الثلاثاء لخمس خلون من ذي الحجة سنة عشرين مائتين، وقيل تسع عشرة ومائتين ببغداد، ودفن عند جده موسى بن جعفر، رضي الله عنهم أجمعين، في مقابر قريش، وصلى عليه الواثق بن المعتصم.
__________
(1) ترجمته في الأئمة الأثنا عشر: 103 ومصادر ترجمته مثبتة على الصفحة المقابلة.
(2) بر: مرثد؛ ن: يزيد.

(4/175)


(1) 562
أبو القاسم المنتظر
أبو القاسم محمد بن الحسن العسكري بن علي الهادي بن محمد الجواد المذكور قبله، ثاني عشر الأئمة الاثني عشر على اعتقاد الامامية، المعروف بالحجة، وهو الذي تزعم الشيعة أنه المنتظر والقائم والمهدي، وهو صاحب السرداب عندهم، وأقاويلهم فيه كثيرة، وهم ينتظرون ظهوره في آخر الزمان من السرداب بسر من رأى. كانت ولادته يوم الجمعة منتصف شعبان سنة خمس وخمسين ومائتين، ولما توفي أبوه - وقد سبق ذكره (2) - كان عمره خمس سنين، واسم أمه خمط، وقيل نرجس، والشيعة يقولون: إنه دخل السرداب في دار أبيه وأمه تنظر إليه، فلم يعد يخرج إليها، وذلك في سنة خمس وستين ومائتين، وعمره يومئذ تسع سنين.
وذكر ابن الأزرق في " تاريخ ميافارقين " أن الحجة المذكور ولد تاسع شهر ربيع الأول سنة ثمان وخمسين ومائتين، وقيل في ثامن شعبان سنة ست وخمسين، وهو الأصح، وأنه لما دخل السرداب كان عمره أربع سنين، وقيل خمس سنين، وقيل إنه دخل السرداب سنة خمس وسبعين ومائتين وعمره سبع عشرة سنة، والله أعلم أي ذلك كان، رحمه الله تعالى.
__________
(1) انظر الأئمة الأثنا عشر: 117 والصفحة المقابلة.
(2) انظر ج 1: 94.

(4/176)


(1) 563
الزهري
أبو بكر محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة الزهري أحد الفقهاء والمحدثين، والأعلام التابعين بالمدينة، رأى عشرة من الصحابة رضوان الله عليهم، وروى عنه جماعة من الأئمة: منهم مالك بن أنس وسفيان بن عيينة وسفيان الثوري. وروي عن عمرو بن دينار أنه قال: أي شيء عند الزهري أنا لقيت ابن عمر ولم يلقه، وأنا لقيت ابن عباس ولم يلقه، فقدم الزهري مكة فقال عمرو: احملوني إليه، وكان قد أقعد، فحمل إليه، فلم يأت إلى أصحابه إلا بعد ليل، فقالوا له: كيف رأيت فقال: والله ما رأيت مثل هذا الفتى القرشي قط. وقيل لمكحول: من أعلم من رأيت قال: ابن شهاب، قيل له: ثم من قال: ابن شهاب، قيل له: ثم من قال: ابن شهاب. وكان قد حفظ علم الفقهاء السبعة. وكتب عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه إلى الآفاق: عليكم بابن شهاب، فإنكم لا تجدون احدا أعلم بالسنة الماضية منه.
وحضر الزهري يوما مجلس هشام بن عبد الملك وعنده أبو والزناد عبد الله بن ذكوان فقال له هشام: أي شهر كان يخرج الطاء فيه لأهل المدينة فقال الزهري: لا أدري، فسأل أبا الزناد عنه فقال: في المحرم، فقال هشام للزهري: يا أبا بكر، هذا علم استفدته اليوم، فقال: مجلس أمير المؤمنين أهل أن يستفاد منه العلم. وكان إذا جلس في بيته وضع كتبه حوله، فيشتغل بها عن
__________
(1) ترجمته في المعارف: 472 وحلية الأولياء 3: 360 وطبقات الشيرازي: 63 ومعجم المرزباني: 345 وصفة الصفوة 2: 77 وميزان الاعتدال 4: 40 وتهذيب التهذيب 9: 445 وغاية النهاية 2: 262 والشذرات 1: 162.

(4/177)


كل شيء من أمور الدنيا، فقالت له امرأته يوما: والله لهذه الكتب أشد علي من ثلاث ضرائر.
وكان أبو جده عبد الله بن شهاب شهد مع المشركين بدرا، وكان أحد النفر الذين تعاقدوا يوم أحد لئن رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليقتلنه أو ليقتلن دونه، وروي أنه قيل للزهري: هل شهد جدك بدرا قال: نعم، ولكن من ذلك الجانب، يعني أنه كان في صف المشركين. وكان أبوه أسلم مع مصعب بن الزبير، ولم يزل الزهري مع عبد الملك ثم مع هشام بن عبد الملك، وكان يزيد بن عبد الملك قد استقضاه.
وتوفي ليلة الثلاثاء لسبع عشرة ليلة خلت من شهر رمضان سنة أربع وعشرين ومائة، وقيل ثلاث وعشرين، وقيل خمس وعشرين ومائة (1) ، وهو ابن اثنتين - وقيل ثلاث - وسبعين سنة، وقيل مولده سنة إحدى وخمسين للهجرة، والله أعلم، ودفن في ضيعته أدامي بفتح الهمزة والدال المهملة وبعد الألف ميم مفتوحة وياء مفتوحة أيضا وقيل: أدمي، مثل الأول لكنها بغير ألف، وهي خلف شغب وبدا، وهما واديان وقيل قريتان بين الحجاز والشام في موضع هو آخر عمل الحجاز وأول عمل فلسطين. وذكر في كتاب التمهيد أنه مات في بيته بنعف، وهي قرية عند القرى المذكورة،وماتت بها أيضا أم حزرة زوجة جرير، فقال من أبيات:
نعم القرين وكنت علق مضنة ... وارى بنعف بلية الأحجار وقبره على الطريق ليدعو له كل من يمر عليه، رضي الله عنه.
والزهري: بضم الزاي وسكون الهاء وبعدها راء، هذه النسبة إلى زهرة ابن كلاب بن مرة، وهي قبيلة كبيرة من قريش، ومنها آمنة أم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخلق كثير من الصحابة وغيرهم، رضي الله عنهم (2) .
وشغب: بفتح الشين المعجمة وسكون الغين المعجمة وبعدها ياء موحدة.
__________
(1) س ن ت لي بر: وقيل خمس ومائة.
(2) هنا تنتهي الترجمة في ت.

(4/178)


وبدا: بفتح الباء الموحدة والدال المهملة وبعدها ألف، وفيهما يقول كثير عزة (1) :
وأنت التي حببت شغبا إلى بدا ... إلي وأوطاني بلاد سواهما
إذا ذرفت عيناي أعتل بالقذى ... وعزة لو يدري الطبيب قذاهما
وحلت بهذا حلة ثم أصبحت ... بهذا، فطاب الواديان كلاهما وهذا الشعر يدل على أنهما واديان، لا قريتان والله أعلم.
564 - (2)
محمد بن أبي ليلى
محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى يسار - ويقال داود بن بلال بن أحيحة ابن الجلاح الانصاري الكوفي - وقد سبق ذكر أبيه في حرف العين (3) ، كان محمد المذكور من أصحاب الرأي، وتولى القضاء بالكوفة وأقام حاكما ثلاثا وثلاثين سنة، ولي لبني أمية ثم لبني العباس وكان فقيها مفننا، وقال: لا أعقل من شأن أبي شيئا غير أني أعرف أنه كانت له امرأتان، وكان له حبان أخضران، فينبذ (4) عند هذه يوما وعند هذه يوما. وتفقه محمد بالشعبي، وأخذ عنه سفيان الثوري، وقال الثوري: فقهاؤنا ابن أبي ليلى وابن شبرمة. وقال محمد المذكور:
__________
(1) وردت الأبيات في ياقوت 3: 302 والمغانم المطابة: 205 وحماسة التبريزي 3: 141 وشواهد المغني: 158.
(2) ترجمته في طبقات ابن سعد 6: 358 والمعارف: 494 وطبقات الشيرازي: 84 والفهرست: 202 والوافي 3: 221 وتذكرة الحفاظ: 171 وميزان الاعتدال 3: 613 وغاية النهاية 2: 165 وتهذيب التهذيب 9: 103 والشذرات 1: 224.
(3) انظر ج 3: 126.
(4) ل س ن: فيبيت.

(4/179)


دخلت على عطاء فجعل يسألني، فأنكر بعض من عنده وكلمه في ذلك فقال: هو أعلم مني.
وكانت بينه وبين أبي حنيفة رضي الله عنه وحشة يسيرة، وكان يجلس للحكم في مسجد الكوفة، فيحكى انه انصرف يوما من مجلسه، فسمع امرأة تقول لرجل: يا ابن الزانيين، فأمر بها فأخذت ورجع إلى مجلسه، وأمر بها فضربت حدين وهي قائمة. فبلغ ذلك أبا حنيفة فقال: أخطأ القاضي في هذه الواقعة في ستة أشياء: في رجوعه إلى مجلسه بعد قيامه منه، ولا ينبغي له أن يرجع بعد أن قام منه، وفي ضربه الحد في المسجد، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن إقامة الحدود في المساجد، وفي ضربه المرأة قائمة، وإنما تضرب النساء قاعدات كاسيات (1) ، وفي ضربه إياها حدين، وإنما يجب على القاذف إذا قذف جماعة بكلمة واحدة حد واحد، ولو وجب أيضا حدان لا يوالي بينهما، بل يضرب أولا ثم يترك حتى يبرأ من ألم الأمل (2) ، وفي إقامة الحد عليها بغير طالب (3) . فبلغ ذلك محمد بن أبي ليلى، فسير إلى والي الكوفة وقال: ها هنا شاب يقال له أبو حنيفة يعارضني في أحكامي ويفتي بخلاف حكمي ويشنع (4) علي بالخطأ، فأريد أن تزجره عن ذلك، فبعث إليه الوالي ومنعه عن الفتيا، فيقال إنه كان يوما في بيته وعنده زوجته وابنه حماد وابنته، فقالت له ابنته: إني صائمة وقد خرج من بين أسناني دم وبصقته حتى عاد الريق أبيض لا يظهر عليه أثر الدم، فهل أفطر إذا بلعت الآن الريق فقال لها: سلي أخاك حمادا فإن الأمير منعني من الفتيا. وهذه الحكاية معدودة في مناقب أبي حنيفة وحسن تمسكه بامتثال إشارة رب الأمر، فإن إجابته طاعة، حتى إنه أطاعه في السر، ولم يرد على ابنته جوابا، وهذا غاية ما يكون من امتثال الأمر.
__________
(1) س ن ل لي ت بر: قعودا كاسين.
(2) لي: من الألم الأول.
(3) في هامش ن تعليق يستفاد منه أن المعترض على حكم ابن أبي ليلى هو امرأة مجنونة يقال لها أم عمران.
(4) ت بر: ويشيع.

(4/180)


وكانت ولادة محمد المذكور سنة أربع وسبعين للهجرة، وتوفي سنة ثمان وأربعين ومائة بالكوفة، وهو باق على القضاء، فجعل أبو جعفر المنصور ابن أخيه مكانه، رضي الله عنه.
565 - (1)
محمد بن سيرين
أبو بكر محمد بن سيرين البصري، كان أبوه عبدا لأنس بن مالك، رضي الله عنه، كاتبه على أربعين ألف درهم، وقيل عشرين ألفا، وأدى المكاتبة.
وكان من سبي ميسان، ويقال من سبي عين التمر. وكان أبوه سيرين من أهل جرجرايا، وكنيته أبو عمرة (2) ، وكان يعمل قدور النحاس، فجاء إلى عين التمر يعمل بها، فسباه خالد بن الوليد رضي الله عنه في أربعين غلاما مختتنين (3) ، فأنكرهم، فقالوا: إنا كنا أهل مملكة، ففرقهم في الناس. وكانت أمه صفية مولاة أبي بكر الصدين، رضي الله عنه، طيبها ثلاث من أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعون لها، وحضر إملاكها ثمانية عشر بدريا فيهم أبي ابن كعب يدعو وهم يؤمنون. وروى محمد المذكور عن أبي هريرة وعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير وعمران بن حصين وأنس بن مالك، رضي الله عنهم، وروى عنه قتادة بن دعامة وخالد الحذاء وأيوب السختياني وغيرهم من الأئمة،
__________
(1) ترجمته في طبقات ابن سعد 7: 193 وحلية الأولياء 2: 263 والمعارف: 442 وطبقات الشيرازي: 88 وتاريخ بغداد 5: 331 وصفة الصفوة 3: 164 والوافي 3: 146 وتهذيب التهذيب 9: 214 والشذرات 1: 138.
(2) لي س ن بر: أبو عمرو.
(3) كذا في ن؛ ل س: مخثين؛ لي بر: مخنثين؛ تاريخ بغداد: مختفين؛ المطبوعة المصرية: مجنبين؛ وسقطت اللفظة من المختار.

(4/181)


وهو أحد الفقهاء من أهل البصرة، والمذكور بالورع في وقته.
وقدم المدائن على عبيدة السلماني وقال: صليت معه، فلما قضى صلاته دعا بغداء، فأتي بخبز ولبن وسمن فأكل وأكلنا معه، ثم جلسنا حتى حضرت العصر، ثم قام عبيدة فأذن وأقام، ثم صلى بنا العصر ولم يتوضأ لا هو ولا احد ممن أكل معنا فيما بين الصلاتين.
وكان محمد المذكور صاحب الحسن البصري ثم تهاجرا في آخر الأمر، فلما مات الحسن لم يشهد ابن سيرين جنازته. وكان الشعبي يقول: عليكم بذلك الرجل الأصم، يعني ابن سيرين، لأنه كان في أذنيه صمم. وكانت له اليد الطولى في تعبير الرؤيا. وكانت ولادته لسنتين بقيتا من خلافة عثمان، وتوفي تاسع شوال يوم الجمعة سنة عشر ومائة بالبصرة، بعد الحسن البصري بمائة يوم، رضي الله عنهما،
وكان بزازا، وحبس بدين كان عليه، وولد له ثلاثون ولدا من امرأة واحدة عربية (1) ولم يبق منهم غير عبد الله، ولما مات كان عليه ثلاثون ألف درهم دينا فقضاه ولده عبد الله، فما مات عبد الله حتى قوم ماله بثلثمائة ألف درهم.
وكان محمد المذكور كاتب أنس بن مالك بفارس. وكان الأصمعي يقول: الحسن البصري سيد سمح وإذا حدث الأصم بشيء - يعني ابن سيرين - فاشدد يديك، وقتادة حاطب ليل. قال ابن عوف: لما مات أنس بن مالك أوصى أن يصلي عليه ابن سيرين ويغسله، قال: وكان ابن سيرين محبوسا، فأتوا الأمير - وهو رجل من بني أسد - فأذن له، فخرج فغسله وكفنه وصلى عليه في قصر أنس بالطف، ثم رجع فدخل كما هو إلى السجن، ولم يذهب إلى أهله.
قلت: وذكر عمر بن شبة في كتاب أخبار البصرة أن الذي غسل أنس بن مالك هو قطن بن مدرك الكلابي والي البصرة، وكذلك قال أبو اليقظان (2) .
__________
(1) زاد في المطبوعة المصرية: وإحدى عشرة بنتا؛ ولم ير ذلك في النسخ الخطية.
(2) قال ابن عوف... اليقظان: ورد في ر، وبشيء يسير من الإيجاز في المختار.

(4/182)


وميسان: بفتح الميم وسكون الياء المثناة من تحتها وفتح السين المهملة وبعد الألف نون، وهي بليدة بأيفل أرض البصرة.
وعين التمر: قد سبق الكلام عليها.
(1) 566
ابن أبي ذئب
أبو الحارث محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب، واسمه هشام، بن شعبة بن عبد الله بن أبي قيس بن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل ابن عامر بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان (2) ، القرشي العامري المدني، أحد الأئمة المشاهير، وهو صاحب الإمام مالك رضي الله عنه وكانت بينهما ألف أكيدة ومودة صحيحة. ولما قدم مالك على أبي جعفر المنصور سأله: من بقي بالمدينة من المشيخة فقال: يا أمير المؤمنين، ابن أبي ذئب وابن أبي سلمة وابن أبي سبرة. وكان أبوه قد أتى قيصر فسعي به، فحبسه حتى مات في حبسه.
وتوفي أبو الحارث المذكور في سنة تسع وخمسين، وقيل ثمان وخمسين ومائة بالكوفة، رضي الله عنه، ومولده في المحرم سنة إحدى وثمانين للهجرة، وقيل سنة ثمانين، وهي سنة سيل الجحاف.
والحسل: ولد الضب، وجعه حسول.
ولؤي: من همزه قال هو تصغير لأي، وهو الثور، ومن لم يهمزه قال هو تصغير لوى الرمل، والفهر: الحجر، والله أعلم.
__________
(1) ترجمته في المعارف: 485 وطبقات الشيرازي: 76 والوافي 3: 223 وميزان الاعتدال 3: 620 وتذكرة الحفاظ: 191 وتهذيب التهذيب 9: 303 والشذرات 1: 245.
(2) بن نصر... عدنان: سقط من كل النسخ ما عدا ر.

(4/183)


(1) 567
محمد بن الحسن الحنفي
أبو عبد الله محمد بن فرقد، الشيباني بالولاء الفقيه الحنفي، أصله من قرية على باب دمشق في وسط الغوطة اسمها حرستا، وقدم أبوه من الشام إلى العراق، وأقام بواسط فولد له بها محمد المذكور، ونشأ بالكوفة، وطلب الحديث، ولقي جماعة من أعلام الأئمة، وحضر مجلس أبي حنيفة سنتين، ثم تفقه على أبي يوسف صاحب أبي حنيفة.
وصنف الكتب الكثيرة النادرة، منها الجامع الكبير والجمع الصغير وغيرهما. وله في مصنفاته المسائل المشكلة خصوصا المتعلقة بالعربية. ونشر علم أبي حنيفة، وكان من أفصح الناس، وكان إذا تكلم خيل لسامعه أن القرآن نزل بلغته. ولما دخل الإمام الشافعي رضي الله عنه بغداد كان بها، وجرى بينهما مجالس ومسائل بحضرة هارون الرشيد. وقال الشافعي: ما رأيت أحدا يسأل عن مسألة فيها نظر إلا تبينت الكراهة في وجهه، إلا محمد بن الحسن، وقال أيضا: حملت من علم محمد بن الحسن وقر بعير. وقال الربيع بن سليمان المرادي: كتب الشافعي إلى محمد بن الحسن وقد طلب منه كتبا له لينسخها، فتأخرت عنه:
قل لمن (2) لم تر ع ... ين من رآه مثله
ومن كأن من رآ ... ه قد رأى من قبله
العلم ينهى أهله ... أن يمنعوه أهله
لعله يبذله ... لأهله لعله
__________
(1) ترجمته في الفهرست: 203 وتاريخ بغداد 2: 172 وطبقات الشيرازي: 135 والمعارف: 500 والجواهر المضية 2: 42 ولسان الميزان 5: 121 والشذرات 1: 321.
(2) كذا في أكثر المصادر؛ وفي هامش نسخة شهيد علي من طبقات الشيرازي: صوابه " قل للذي " .

(4/184)


فأنفذ إليه الكتب من وقته. ورأيت هذه الأبيات في ديوان منصور بن إسماعيل الفقيه المصري - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى - وقد كتبها إلى أبي بكر بن قاسم. والذي ذكرناه أولا حكاه الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في طبقات الفقهاء (1) . وروي عن الشافعي أنه قال: ما رأيت سمينا ذكيا إلا محمد ابن الحسن. وكان الرشيد قد ولاه قضاء الرقة ثم عزله عنها، وقدم بغداد.
وحكى محمد بن الحسن قال: أتوا (2) أبا حنيفة في امرأة ماتت وفي جوفها وله يتحرك، فأمرهم فشقوا جوفها واستخرجوا الولد (3) وكان غلاما، فعاش حتى طلب العلم وكان يتردد إلى مجلس محمد بن الحسن، وسمي ابن أبي حنيفة.
ولم يزل محمد بن الحسن ملازما للرشيد حتى خرج إلى الري خرجته الأولى، فخرج معه، ومات برنبويه قرية من قرى الري في سنة تسع (4) وثمانين ومائة. ومولده سنة خمس وثلاثين، وقيل إحدى وثلاثين، وقيل اثنتين وثلاثين ومائة. وقال السمعاني: مات محمد بن الحسن والكسائي في يوم واحد بالري، رحمها الله تعالى، وقيل إن الرشيد كان يقول: دفنت الفقه والعربية بالري.
ومحمد بن الحسن المذكور ابن خالة الفراء صاحب النحو واللغة.
وقد تقدم الكلام على الشيباني.
وحرستا: بفتح الحاء المهملة والراء وسكون السين المهملة وفتح التاء المثناة من فوقها وبعدها ألف مقصورة.
ورنبويه (5) : بفتح الراء وسكون النون وفتح الباء الموحدة والواو وبعدها ياء مثناة من تحتها ساكنة وبعدها هاء ساكنة.
__________
(1) انظر ص: 136 والأبيات في ترتيب المدارك 1: 394 والجواهر المضية.
(2) ت ل لي س ن بر: أتي.
(3) ن: وأخرجوه؛ لي: وأخرجوا الولد.
(4) س ن بر: سبع.
(5) هذا الضبط لم يرد إلا في ر.

(4/185)


(1) 568
محمد بن علي العباسي
أبو عبد الله محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب الهاشمي، وهو والد السفاح والمنصور الخليفتين - وقد تقدم ذكر والده في حرف العين (2) - ، قال ابن قتيبة (3) : كان محمد المذكور من أجمل الناس وأعظمهم قدرا، وكان بينه وبين أبيه في العمر أربع عشرة سنة، وكان علي يخضب بالسواد ومحمد يخضب بالحمرة، فيظن من لا يعرفهما أن محمدا هو علي.
[قال يزيد بن أبي مسلم كاتب الحجاج بن يوسف الثقفي، سمعت الحجاج يقول: بينا نحن عند عبد الملك بن مروان بدومة الجندل في منتزه له ومعه قائف يحادثه ويسائله، إذ أقبل علي بن عبد الله بن العباس ومحمد ابنه، فلما رآه عبد الملك مقبلا حرك شفتيه وهمس بهما وانتقع لونه وقطع حديثه، قال الحجاج: فوثبت نحو علي لأرده، فأشار إلي عبد الملك أن كف عنه، وجاء علي فسلم فأقعده إلى جانبه، وجعل يمس ثوبه، وأشار إلى محمد أن اقعد، وكلمه وساءله، وكان علي حلو المحادثة، وحضر الطعام فأتي بالطست، فغسل يده وقال: أدن الطست من أبي محمد، فقال: أنا صائم، ثم وثب، فأتبعه عبد الملك بصره حتى كاد يخفي عن عينبه، ثم التفت إلى القائف فقال: أتعرف هذا فقال: لا، ولكن أعرف من أمره واحدة، قال: وما هي قال: إن كان الفتى الذي معه ابنه فإنه يخرج من عقبه فراعنه يملكون الأرض ولا يناويهم مناو إلا قتلوه، قال: فاربد لون عبد الملك، ثم قال: زعم راهب
__________
(1) ترجمته في الوافي 4: 103 والشذرات 1: 166 وله ذكر في تاريخ الطبري (حوادث 100، 120، 126) وابن خلدون 3: 172، وقد وضعنا ما انفردت به ر بين معقفين.
(2) انظر ج 3: 274.
(3) المعارف: 124.

(4/186)


إيليا - ورأى عندي - انه يخرج من صلبه ثلاثة عشر ملكا، وصفهم بصفاتهم].
وكان سبب انتقال الأمر إليه أن محمد بن الحنيفية - وقد سبق ذكره - كانت الشيعة تعتقد إمامته بعد أخيه الحسين، رضي الله عنه، فلما توفي محمد بن الحنيفية انتقل الأمر إلى ولده أبي هاشم - وقد سبق ذكره أيضا في ترجمة أبيه (1) - وكان عظيم القدر، وكانت الشيعة تتوالاه، فحضرته الوفاة بالشام في سنة ثمان وتسعين للهجرة ولا عقب له، فأوصى إلى محمد بن علي المذكور وقاله له: انت صاحب هذا الأمر، وهو في ولدك، ودفع إليه كتبه وصرف الشيعة نحوه. ولما حرض محمدا المذكور الوفاة بالشام أوصى إلى ولده إبراهيم المعروف بالإمام، فلما ظهر أبو مسلم الخراساني بخراسان دعا الناس إلى مبايعة إبراهيم بن محمد المذكور، فلذلك قيل له الإمام. وكان نصر بن سيار نائب مروان بن محمد آخر ملوك بني أمية يومئذ بخراسان، فكتب إلى مروان يعلمه بظهور أبي مسلم يدعو لبني العباس. فكتب مروان إلى نائبه بدمشق بأن يحضر إبراهيم من الحميمة موثقا، فأحضره وحمله إليه وحبسه مروان بن محمد آخر ملوك بني امية بمدينةة حران، فتحقق أن مروان يقتله، فأوصى (2) إلى أخيه السفاح، وهو أول من ولي الخلافة من اولاد العباس، هذه خلاصة الأمر، والشرح فيه تطويل (3) وبقي إبراهيم في الحبس شهرين، ومات وقيل قتل.
وكانت ولادة محمد المذكور سنة ستين للهجرة، هكذا وجدته منقولا، وهو يخالف ما تقدم من أن بينه وبين أبيه في العمر أربع عشرة سنة، فقد تقدم في تاريخ أبيه أنه ولد في حياة علي بن أبي طالب رضي الله عنه، أو في ليلة قتل علي، على الاختلاف فيه، وكان قتل علي في رمضان سنة أربعين، فكيف يمكن أن يكون بينهما أربع عشرة سنة بل أقل ما يمكن أن يكون بينهما عشرون سنة. [وذكر ابن حمدون في كتاب التذكرة أن محمدا المذكور مولده في سنة اثنتين وستين للهجرة]، وتوفي محمد المذكور في سنة ست وعشرين،
__________
(1) المختار: كما سبق في ترجمته.
(2) ل س ن ت لي: فلما حبسه مروان... وتحقيق... أوصى.
(3) ل: يطول.

(4/187)


وقيل اثنتين وعشرين ومائة، وفيها ولد المهدي بن أبي جعفر المنصور، وهو والد هارون الرشيد، وقيل سنة خمس وعشرين ومائة بالشراة، [وقال الطبري في تاريخه: توفي محمد بن علي مستهل ذي القعدة سنة ست وعشرين ومائة، وهو ابن ثلاث وستين سنة] رحمه الله تعالى.
وقد تقدم الكلام على الشراة في ترجمة أبيه (1) علي بن عبد الله.
وقال الطبري في تاريخه (2) : في سنة ثمان وتسعين للهجرة قدم أبو هاشم عبد الله ابن محمد بن الحنفية على سليمان بن عبد الملك بن مروان فأكرمه، وسار أبو هاشم يريد فلسطين، فأنقذ سليمان من قعد له على الطريق بلبن مسموم، فشرب منه أبو هاشم فأحس بالموت، فعدل إلى الحميمة واجتمع بمحمد بن علي بن عبد الله بن العباس وأعلمه ان الخلافة في ولده عبد الله بن الحارثية - قلت: وهو السفاح - وسلم إليه كتب الدعاة وأوقفه على ما يعمل بالحميمة، هكذا قال الطبري، ولم يذكر إبراهيم الإمام، وجميع المؤرخين اتفقوا على إبراهيم، إلا أنه ما تم له الأمر، والله أعلم.
569 - (3)
البخاري
أبو عبد الله محمد بن أبي الحسن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن الأحنف يزذبه [وقال ابن ماكولا: هو يزدزبه] الجعفي بالولاء، البخاري الحافظ
__________
(1) إلى هنا تنتهي الترجمة في جميع النسخ ما عدا ر.
(2) هذا النص نقل في المختار عند الحديث السابق عن أبي هاشم.
(3) ترجمته في تاريخ بغداد 2: 4 - 36 وطبقات السبكي 2: 2 وطبقات الحنابلة 1: 271 والوافي 3: 232 وتذكرة الحفاظ: 555 وتهذيب التهذيب 9: 47 والشذرات 2: 134.

(4/188)


الإمام في علم الحديث، صاحب الجامع الصحيح والتاريخ، رحل في طلب الحديث إلى أكثر محدثي الأمصار، وكتب بخراسان والجبال ومدن العراق والحجاز والشام ومصر، وقدم بغداد، واجتمع إليه أهلها واعترفوا بفضله وشهدوا بتفرده في علم الرواية والدراية، وحكى أبو عبد الله الحميدي في كتاب جذوة المقتبس والخطيب في تاريخ بغداد (1) أن البخاري لما قدم بغداد سمع به أصحاب الحديث، فاجتمعوا وعمدوا إلى مائة حديث فقبلوا متونها وأسانيدها وجعلوا متن هذا الإسناد إسناد آخر، ودفعوا إلى عشرة أنفس إلى كل رجل عشرة أحاديث، وأمروهم إذا حضروا المجلس يلقون ذلك على البخاري، وأخذوا الموعد للمجلس، فحضر المجلس جماعة من أصحاب الحديث من الغرباء من أهل خراسان وغيرها ومن البغداديين، فلما اطمأن المجلس بأهله انتدب إليه واحد من العشرة، فسأله عن حديث من تلك الأحاديث، فقال للبخاري: لا أعرفه، فسأله عن آخر فقال: لا أعرفه، فما زال يلقي عليه واحدا بعد واحد حتى فرغ من عشرته، والبخاري يقول: لا أعرفه، فكان الفقهاء (2) ممن حضر المجلس يلتفت بعضهم إلى بعض ويقولون: الرجل فهم، ومن كان منهم ضد ذلك يقضي على البخاري بالعجز والتقصير وقلة الفهم. ثم انتدب رجل آخر من العشرة فسأله عن حديث من تلك الأحاديث المقلوبة، فقال البخاري: لا أعرفه، فسأله عن آخر فقال: لا أعرفه، فلم يزل يلقي عليه واحدا بعد واحد حتى فرغ من عشرته، والبخاري يقول: لا أعرفه، ثم انتدب الثالث والرابع إلى تمام العشرة حتى فرغوا كلهم من الأحاديث المقلوبة، والبخاري لا يزيدهم على قوله: لا أعرفه، فلما علم البخاري أنهم فرغوا التفت إلى الأول منهم فقال: أما حديثك الأول فهو كذا، وحديثك الثاني فهو كذا، والثالث والرابع على الولاء، حتى أتى تمام العشرة، فرد كل متن إلى إسناده وكل إسناد إلى متنه، وفعل بالآخرين كذلك، ورد متون الأحاديث كلها إلى أسانيدها وأسانيدها إلى متونها، فأقر له الناس بالحفظ وأذعنوا له بالفضل.
__________
(1) الجذوة: 128 وتاريخ بغداد 2: 20.
(2) الجذوة: العلماء؛ المختار: الفهماء.

(4/189)


وكان ابن صاعد إذا ذكره يقول: الكبش النطاح، ونقل عنه محمد بن يوسف الفربري أنه قال: ما وضعت في كتابي الصحيح حديثا إلا اغتسلت قبل ذلك وصليت ركعتين. وعنه أنه قال: صنفت كتابي الصحيح لست عشرة سنة، خرجته من ستمائة ألف حديث، وجعلته حجة فيما بيني وبين الله عز وجل.
وقال القربري: سمع صحيح البخاري تسعون ألف رجل، فما بقي أحد يروي عنه غيري. وروى عنه أبو عيسى الترمذي.
وكانت ولادته يوم الجمعة بعد الصلاة، لثلاث عشرة، وقيل لاثنتي عشرة ليلة خلت منن شوال سنة أربع وتسعين ومائة، وقال أبو يعلى الخليلي في كتاب الإرشاد: إن ولادته كانت لاثنتي عشرة ليلة خلت من الشهر المذكور.
وتوفي ليلة السبت بعد (1) صلاة العشاء، وكانت ليلة عيد الفطر، ودفن يوم الفطر بعد صلاة الظهر، سنة ست وخمسين ومائتين بخرتنك، رحمه الله تعالى.
وذكر ابن يونس في تاريخ الغرباء أنه قدم مصر وتوفي بها، وهو غلط، والصواب ما ذكرناه ها هنا رحمه الله تعالى. وكان خالد بن أحمد بن خالد الذهلي (2) أمير خراسان قد اخرجه من بخارى إلى خرتنك، ثم حج خالد المذكور فوصل إلى بغداد فحبسه الموفق بن المتوكل أخو المعتمد الخليفة، فمات في حبسه.
وكان شيخا نحيف الجسم، لا بالطويل ولا بالقصير. [وقد اختلف في اسم جده، فقيل إنه يزذبه - بفتح الياء المثناة من تحتها وسكون الزاي وكسر الذال المعجمة وبعدها باء موحدة ثم هاء ساكنة، وقال أبو نصر بن ماكولا في كتاب الإكمال (3) : هو يزدزبه - بدال وزاي وباء معجمة بواحدة - والله أعلم، وقال غيره: هذا الجد مجوسيا مات على دينه، وأول من أسلم منهم المغيرة، ووجدته في موضع آخر عوض يزذبه الأحنف ولعل يزذبه كان أحنف الرجل، والله أعلم].
__________
(1) المختار: عند.
(2) انظر قصة هذا الأمير مع البخاري في تاريخ بغداد 2: 33.
(3) الأكمال 1: 259 وفيه: بردزبه.

(4/190)


والبخاري: بضم الباء الموحدة وفتح الخاء المعجمة وبعد الأللف راء، هذه النسبة إلى بخارا، وهي من أعظم مدن ما وراء النهر، بينها وبين سمرقند مسافة ثمانية أيام.
وخزنتك: بفتح الخاء المعجمة وسكون الراء وفتح التاء المثناة من فوقها وسكون النون وبعدها كاف، وهي قرية من قرى سمرقند.
وقد سبق الكلام على الجعفي (1) ، ونسبة البخاري إلى سعيد بن جعفر والي خراسان، وكان له عليهم الولاء فنسبوا إليه.
(2) 570
ابن جرير الطبري
أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد بن خالد، الطبري، وقيل يزيد بن كثير ابن غالب، صاحب التفسير الكبير والتاريخ الشهير، كان إماما في فنون كثيرة منها التفسير والحديث والفقه والتاريخ وغير ذلك، وله مصنفات مليحة في فنون عديدة تدل على سعة علمه وغزارة فضله، وكان من الأئمة المجتهدين، لم يقلد أحدا، وكان أبو الفرج المعافى بن زكريا النهرواني المعروف بابن طرارا على مذهبه - وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى - .
وكان ثقة في نقله، وتاريخه أصح التواريخ وأثبتها، وذكره الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في طبقات الفقهاء (3) في جملة المجتهدين، ورأيت في بعض
__________
(1) انظر ج 1: 123.
(2) ترجمته في تاريخ بغداد 2: 162 ومعجم الأدباء 18: 40 وتذكرة الحفاظ: 710 وميزان الاعتدال 3: 498 وطبقات السبكي 2: 135 ولسان الميزان 5: 100 وغاية النهاية 2: 106 والشذرات 2: 260.
(3) طبقات الفقهاء: 93.

(4/191)


المجاميع هذه الأبيات منسوبة إليه، وهي:
إذا اعسرت لم يعلم شقيقي ... وأستغني فيستغني صديقي
حيائي حافظ لي ماء وجهي ... ورفقي في مطالبتي رفيقي
ولو أني سمحت ببذل وجهي ... لكنت إلى الغنى سهل الطريق وكانت ولادته سنة أربع وعشرين ومائتين، بآمل طبرستان، وتوفي يوم السبت آخر النهار، ودفن يوم الأحد في داره، في السادس والعشرين من شوال سنة عشر وثلثمائة ببغداد، رحمه الله (1) تعالى. ورايت بمصر في القرافة الصغرى عند سفح المقطم قبرا يزار، وعند رأسه حجر عليه مكتوب هذا قبر ابن جرير الطبري والناس يقولون: هذا صاحب التاريخ، وليس بصحيح، بل الصحيح أنه ببغداد، وكذلك قال ابن يونس في تاريخ مصر المختص بالغرباء: إنه توفي ببغداد. وأبو بكر الخوارزمي الشاعر المشهور ابن أخته - وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى، وقد سبق الكلام على الطبري.
__________
(1) كتب بهامش ن التعليق التالي: هو الإمام البارع في أنواع العلوم أبو جعفر محمد بن جرير الطبري، له كتاب التاريخ المشهور وكتاب التفسير لم يصنف أحد مثله، وله في أصول الفقه وفروعه كتب كثيرة، سمعت علي بن عبد الله السمسار يحكي أن محمد بن جرير مكث أربعين سنة يكتب في كل يوم أربعين ورقة. توفي في وقت المغرب ليلة اثنين ليومين بقيا من شوال سنة عشر وثلثمائة وكان مولده في آخر سنة أربع أو أول سنة خمس وعشرين ومائتين؛ واجتمع عليه من لا يحصيهم عددا إلا الله تعالى، وصلي على قبره عدة شهور ليلا ونهارا، وزاره خلق كثير من أهل الدرس والأدب ورثاه ابن الأعرابي وابن دريد وغيرهما؛ والطبري نسبته إلى طبرستان، وأما الطبراني فإن نسبته إلى طبرية.

(4/192)


(1) 571
محمد بن عبد الحكم
أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن عبد الحكم بن أعين [ابن ليث بن رافع] (2) المصري الفقيه الشافعي، سمع من ابن وهب وأشهب من أصحاب الإمام مالك، فلما قدم الإمام الشافعي، رضي الله عنه، مصر صحبه وتفقه به، وحمل في المحنة إلى بغداد إلى القاضي أحمد بن أبي دواد الإيادي - المقدم ذكره (3) - فلم يجب إلى ما طلب منه فرد إلى مصر، وانتهت إليه الرياسة بمصر.
وكانت ولادته سنة اثنتين وثمانين ومائة. وتوفي يوم الأربعاء لليلة خلت من ذي القعدة، وقيل منتصفه، سنة ثمان وستين ومائتين، وقبره فيما يذكر مع قبر أبيه وأخيه عبد الرحمن - وقد سبق ذكر ذلك (4) - وهما إلى جانب الإمام الشافعي، وقال ابن قانع: توفي سنة تسع وستين بمصر، رحمه الله تعالى.
روى عنه أبو عبد الرحمن النسائي في سننة. وقال المزني: كنا نأتي الشافعي نسمع منه، فنجلس على باب داره، ويأتي محمد بن عبد الله بن عبد الحكم فيصعد إليه (5) ويطيل المكث، وربما تغدى معه ثم نزل (6) ، فيقرأ علينا الشافعي، فإذا فرغ من قراءته قرب إلى محمد دابته فركبها، وأتبعه الشافعي
__________
(1) ترجمته في طبقات الشيرازي: 99 والوافي 3: 338 والانتقاء: 113 وميزان الاعتدال 3: 611 والديباج المذهب: 230 وطبقات السبكي 1: 223 وحسن المحاضرة 1: 124 والشذرات 2: 154 وطبقات الحسيبي: 7 وطبقات العبادي: 20 وعبر الذهبي 2: 83.
(2) زيادة من ر.
(3) انظر ج 1: 81.
(4) ج 3: 35 (الترجمة رقم: 323).
(5) المختار: فيصعد به.
(6) ل س: ينزل.

(4/193)


بصره، فإذا غاب شخصه قال: وددت لو أن لي ولدا مثله وعلي ألف دينار لا أجد لها قضاء.
وحكي عن محمد المذكور أنه قال: كنت اتردد إلى الشافعي، فاجتمع قوم من أصحابنا إلى أبي، وكان على مذهب الإمام مالك - وقد سبق ذكره في العبادلة (1) - فقالوا: يا أبا محمد، إن محمدا ينقطع إلى هذا الرجل ويتردد إليه فيرى الناس أن هذا رغبة عن مذهب أصحابه، فجعل أبي يلاطفهم ويقول: هو حدث ويحب النظر في اختلاف أقاويل الناس ومعرفة ذلك، ويقول لي في السر: يا بني، الزم هذا الرجل، فإنك لو جاوزت هذا البلد فتكلمت في مسألة فقلت فيها: قال أشهب، لقيل لك: من أشهب قال: فلزمت الشافعي، وما زال كلام والدي في قلبي حتى خرجت إلى العراق فكلمني القاضي بحضرة جلسائه في مسألة فقلت فيها: قال أشهب عن مالك فقال: ومن أشهب وأقبل على جلسائه فقال لبعضهم كالمنكر: ما أعرف أشهب ولا أبلق. وأخباره كثيرة (2) .
وذكره القضاعي في كتاب خطط مصر قال: ومحمد هذا هو الذي أحضره أحمد بن طولون في الليل إلى حيث سقايته بالمعافر لما توقف الناس عن شرب مائها والوضوء به، فشرب منه وتوضأ، فأعجب ذلك ابن طولون، وصرفه لوقته ووجه إليه بصلة، والناس يقولون: إنه المزني، وليس بصحيح، والله أعلم.
__________
(1) ج 3: 34.
(2) إلى هنا تنتهي الترجمة في س ل لي ت بر.

(4/194)


(1) 572
الترمذي
أبو جعفر محمد بن أحمد بن نصر، الترمذي الفقيه الشافعي، لم يكن للفقهاء الشافعية في وقته أرأس منه ولا أورع ولا أكثر تقلا، وكان يسكن بغداد، وحدث بها عن يحيى بن بكير المصري ويوسف بن عدي وكثير بن يحيى وغيرهم. وروى عنه أحمد بن كامل القاضي وعبد الباقي بن قانع وغيرهما. وكان ثقة من أهل العلم والفضل والزهد في الدنيا. قال أبو الطيب أحمد بن عثمان السمسار والد أبي حفص عمر بن شاهين: حضرت عند أبي جعفر الترمذي فسأله سائل عن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله تعالى ينزل إلى سماء الدنيا فالنزول كيف يبقى فوقه علو فقال أبو جعفر: النزول معقول والكيف مجهول، والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة.
وكان من التقلل في المطعم على حالة عظيمة فقرا وورعا وصبرا على الفقر، أخبر محمد بن موسى بن حماد أنه أخبره أنه تقوت في سبعة عشر يوما خمس حبات، أو قال ثلاث (2) حبات، قال: قلت: كيف عملت فقال: لم يكن عندي غيرها فاشتريت بها لفتا، فكنت آكل كل يوم واحدة. وذكر أبو إسحاق الزجاج النحوي أنه كان يجرى عليه في كل شهر أربعة دراهم، وكان لا يسأل أحدا شيئا.
وكان يقول: تفقهت على مذهب أبي حنيفة، فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم في مسجد المدينة عام حججت فقلت: يا رسول الله، قد تفقهت بقول أبي حنيفة، أفآخذ به قال: لا، فقلت: آخذ بقول مالك بن أنس فقال:
__________
(1) ترجمته في طبقات الشيرازي: 105 وتاريخ بغداد 1: 365 والوافي 2: 70 وطبقات السبكي 1: 288 وعبر الذهبي 2: 103 والشذرات 2: 220 وطبقات الحسيبي: 10 وطبقات العبادي: 56.
(2) ر والمختار: بخمس... بثلاث.

(4/195)


خذ منه ما وافق سنتي، قلت: فآخذ بقول الشافعي فقال: ما هو بقوله، إلا أنه أخذ بسنتي ورد على من خالفها، قال: فخرجت في أثر هذه الرؤيا إلى مصر، وكتبت كتب الشافعي. وقال الدارقطني: هو ثقة مأمون ناسك، وكان يقول: كتبت الحديث تسعا وعشرين سنة. وكانت ولادته في ذي الحجة سنة مائتين، وقيل سنة عشر ومائتين. وتوفي لإحدى عشرة ليلة خلت من المحرم سنة خمس وتسعين ومائتين، ولم يغير سيبه، وكان قد اختلط في آخر عمره اختلاطا عظيما، رحمه الله تعالى.
وقال السمعاني في نسبة الترمذي (1) : هذه النسبة إلى مدينة قديمة على طرف نهر بلخ الذي يقال له جيحون، والناس مختلفون في كيفية هذه النسبة: بعضهم يقول بفتح التاء ثالث الحروف، وبعضهم يقول بضمها، وبعضهم يقول بكسرها، والمتداول على لسان أهل تلك المدينة بفتح التاء وكسر الميم، والذي كنا نعرفه قديما كسر التاء والميم جميعا، والذي يقوله المتنوقون (2) وأهل المعرفة (3) بضم التاء والميم، وكل واحد يقول معنى لما يدعيه، هذا كله كلام السمعاني، والله أعلم بالصواب. وسألت من رآها: هل هي في ناحية خوارزم أم في ناحية ما وراء النهر فقال: بل هي في حساب ما وراء النهر في ذلك الجانب.
__________
(1) الأنساب 3: 41.
(2) الأنساب: المتوقون؛ ر: المتقنون.
(3) ر: وأهل العلم والمعرفة.

(4/196)


(1) 573
ابن الحداد المصري
أبو بكر محمد بن أحمد بن محمد بن جعفر الكناني، المعروف بابن الحداد، الفقيه الشافعي المصري، صاحب كتاب الفروع في المذهب وهو كتاب صغير الحجم كثير الفائدة، دقق في مسائله غاية التدقيق، واعتنى بشرحه جماعة من الأئمة الكبار: شرحه القفال المروزي شرحا متوسطا ليس بالكبير، وشرحه القاضي أبو الطيب الطبري في مجلد كبير، وشرحه الشيخ أبو علي السنجي شرحا تاما مستوفى أطال فيه، وهو أحسن الشروح.
وكان ابن الحداد المذكور قد أخذ الفقه عن أبي إسحاق المروزي، وقال صاحبنا عماد الدين بن باطيش في كتابه الذي وضعه على المهذب وفي طبقات الفقهاء: إنه من اعيان أصحاب إبراهيم المزني، وقد وهم فيه، فإن ابن الحداد ولد في السنة التي توفي فيها المزني. وقال القضاعي في كتاب خطط مصر إنه ولد في اليوم الذي مات فيه المزني رحمه الله تعالى، فكيف يمكن أن يكون من أصحابه وإنما نبهت على ذلك لئلا يظن ظان أن هذا غلط، وذلك الصواب، ونسب إليه أيضا الأبيات الذالية التي ذكرتها في ترجمة ظافر الحداد الإسكندري، وقد سبق الكلام عليها في ترجمة ظافر (2) .
وكان ابن الحداد فقيها محققا (3) غواصا على المعاني، تولى القضاء بمصر والتدريس وكانت الملوك والرعايا تكرمه وتعظمه (4) وتقصده في الفتاوى والحوادث، وكان
__________
(1) ترجمته في طبقات الشيرازي: 114 وطبقات السبكي 2: 112 والوافي 2: 69 والنجوم الزاهرة 3: 302 وحسن المحاضرة 1: 126 وطبقات الحسيبي: 21 والشذرات 2: 317 وعبر الذهبي 2: 264 وطبقات العبادي: 65.
(2) ج 2: 540.
(3) ت: متحثققا.
(4) ن: تعظمه وتكرمه.

(4/197)


يقال في زمنه: عجائب الدنيا ثلاث: غضب الجلاد، ونظافة السماد، والرد على ابن الحداد. وكانت ولادته لست بقين من شهر رمضان، سنة أربع وستين ومائتين، وتوفي سنة خمس وأربعين وثلثمائة، وقال السمعاني: سنة أربع وأربعين، والله أعلم بالصواب. وحدث عن أبي عبد الرحمن النسائي وغيره رحمهم الله أجمعين، وذكر القضاعي في كتاب خطط مصر ان ابن الحداد المذكور توفي عند منصرفه من الحج، سنة أربع وأربعين وثلثمائة بمنية (1) حرب على باب مدينة مصر، وقيل في موضع القاهرة.
وكان متصرفا في علوم كثيرة من علوم القرآن الكريم والفقه والحديث والشعر وأيام العرب والنحو واللغة وغير ذلك، ولم يكن في زمانه مثله، وكان محببا إلى الخاص والعام، وحضر جنازته الأمير أبو القاسم أنوجور ابن الإخشيد وكافور وجماعة من اهل البلد، وله تسع وسبعون سنة وأربعة أشهر ويومان (2) ، رحمه الله تعالى (3) .
والحداد: بفتح الحاء المهملة وتشديد الدال ثم دال بعد ألف، وكان أحد أجداده يعمل الحديد ويبيعه فنسب إليه.
__________
(1) المختار: بمنشية حرب.
(2) ر: يوم وفاته.
(3) وذكر القضاعي... تعالى: ورد في ن ر، وبإيجاز يسير في المختار.

(4/198)


(1) 574
أبو بكر الصيرفي
أبو بكر محمد بن عبد الله، المعروف بالصيرفي، الفقيه الشافعي البغدادي، كان من جملة الفقهاء، أخذ الفقه عن أبي العباس بن سريج، واشتهر بالحذق في النظر والقياس وعلوم الأصول، وله في أصول الفقه كتاب لم يسبق إلى مثله. حكى أبو بكر القفال في كتابه الذي صنفه في الأصول أن أبا بكر الصيرفي كان أعلم الناس بالأصول بعد الشافعي، وهو أول من انتدب من أصحابنا للشروع في علم الشروط، وصنف فيه كتابا أحسن فيه كل الإحسان. وتوفي يوم الخميس لثمان بقين من شهر ربيع الآخر سنة ثلاثين وثلثمائة، رحمه الله تعالى.
والصيرفي: بفتح الصاد المهملة وسكون الياء المثناة من تحتها وفتح الراء وبعدها فاء، هذه النسبة مشهورة لمن (2) يصرف الدنانير والدراهم، وإنما قصدت بذكرها ضبطها وتقييدها، فقد رأيت كثيرا من الناس ينطقون بكسر الصاد والراء.
__________
(1) ترجمته في الفهرست: 213 وتاريخ بغداد 5: 449 وطبقات الشيرازي: 111 والوافي 3: 346 وطبقات العبادي: 96 وعبر الذهبي 2: 221 والشذرات 2: 325 وحسن المحاضرة 1: 125 وطبقات الحسيبي: 18؛ وقد تأخرت هذه الترجمة في ر عن الترجمة التالية.
(2) ر: هي مشهورة لمن؛ ن: إلى من.

(4/199)


(1) 575
القفال الشاشي
أبو بكر محمد بن علي بن إسماعيل، القفال الشاشي الفقيه الشافعي، إمام عصره بلا مدافعة، كان فقيها محدثا أصوليا لغويا شاعرا، لم يكن بما وراء النهر للشافعيين مثله في وقته، رحل إلى خراسان والعراق والحجاز والشام والثغور، وسار ذكره في البلاد، وأخذ الفقه عن ابن سريج، وله مصنفات كثيرة، وهو أول من صنف الجدل الحسن من الفقهاء، وله كتاب في أصول الفقه، وله شرح الرسالة، وعنه انتشر مذهب (2) الشافعي في بلاده، وروى عن محمد بن جرير الطبري وأقرانه، وروى عنه الحاكم أبو عبد الله وأبو عبد الله ابن منده وأبو عبد الرحمن السلمي وجماعة كثيرة. وهو والد القاسم صاحب كتاب التقريب الذي ينقل عنه في النهاية والوسيط والبسيط. وقد ذكره الغزالي في الباب الثاني من كتاب الرهن، لكنه قال: أبو القاسم، وهو غط، وصوابه: القاسم. وقال العجلي في شرح مشكلات الوجيز والوسيط في الباب الثالث من كتاب التيمم: إن صاحب التقريب هو أبو بكر القفال، وقيل إنه ابنه القاسم، ثم قال: فلهذا يقال: صاحب التقريب على الإبهام.
قلت: ورأيت في شوال سنة خمس وستين وستمائة، في خزانة الكتب بالمدرسة العادلية بدمشق المحروسة كتاب التقريب في ست مجلدات، وهي من حساب عشر مجلدات، وكتب عليه بأنه تصنيف أبي الحسن القاسم ابن أبي بكر القفال الشاشي، وقد كانت النسخة المذكورة للشيخ قطب الدين مسعود
__________
(1) ترجمته في الفهرست: 215 وطبقات الشيرازي: 112 والوافي 4: 112 واللباب: (الشاشي) وطبقات السبكي 2: 176 والشذرات 3: 51 وطبقات الحسيبي: 27 وطبقات العبادي: 92 وعبر الذهبي 2: 338.
(2) الشيرازي: فقه.

(4/200)


النيسابوري - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى - وعليها خطه بأنه وقفها (1) ، وهذا التقريب غير التقريب الذي لسليم الرازي، فإني رأيت خلقا كثيرا من الفقهاء يعتقدونه هو، فلهذا نبهت عليه، والتقريب الذي لابن القفال قليل الوجود، والذي لسليم موجود بأيدي الناس، وهذا التقريب هو الذي تخرج به فقهاء خراسان.
وقد وقع الاختلاف في وفاة القفال المذكور، فقال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في طبقات الفقهاء (2) : توفي في سنة ست وثلاثين وثلثمائة، وقال الحاكم أبو عبد الله المعروف بابن البيع النيسابوري: إنه توفي بالشاش، في ذي الحجة سنة خمس وستين وثلثمائة، وقال: كتبت عنه وكتب عني، ووافقه على هذا ابن السمعاني في كتاب الأنساب وزاد فقال: وكانت ولادته في سنة إحدى وتسعين ومائتين، وقال أعني ابن السمعاني في كتاب الذيل: إنه توفي سنة ست وستين وثلثمائة، رحمه الله تعالى، وكذا قاله في كتاب الأنساب أيضا في ترجمة الشاشي، والقول الأول قاله (3) في ترجمة القفال، والله أعلم بالصواب.
والشاشي: نسبة إلى الشاش - بشينين معجمتين بينهما ألف - وهي مدينة وراء نهر سيحون، خرج منها جماعة من العلماء، وهذا القفال غير القفال المروزي - وقد سبق ذكر ذلك في العبادلة (4) - وهو متاخر عن هذا.
__________
(1) قلت... وقفها: انفردت به ر.
(2) انظر ص: 112.
(3) ن: قاله أيضا.
(4) انظر ج 3: 46.

(4/201)


(1) 576
أبو الحسن الماسرجسي
أبو الحسن محمد بن علي بن سهل بن مصلح، الماسرجسي الفقيه الشافعي، أحد أئمة الشافعيين بخراسان، وأعرفهم بالمذهب وترتيبه وفروع المسائل، تفقه بخراسان والعراق والحجاز، وصحب أبا إسحاق المروزي وتفقه عليه وخرج معه إلى مصر ولزمه إلى أن مات ثم رجع إلى بغداد، وكان يخلف علي بن أبي هريرة في مجالسه بعد قيامه عنها، ثم انصرف إلى خراسان سنة أربع وأربعين وثلثمائة، ودرس بنيسابور وعنه أخذ فقهاؤها، وعليه تفقه القاضي أبو الطيب الطبري. وسمع من خاله المؤمل بن الحسن بن عيسى الماسرجسي، وسمع بمصر من أصحاب المزني ويونس بن عبد الأعلى الصدفي. وقال الحاكم أبو عبد الله ابن البيع: عقدت له مجلس الإملاء في دار السنة في رجب سنة إحدى وثمانين وثلثمائة، وتوفي عشية الأربعاء، ودفن في عشية الخميس سادس جمادى الآخرة سنة أربع وثمانين وثلثمائة، وعمره ست وسبعون سنة. وقال الشيخ أبو إسحاق في الطبقات (2) : سنة ثلاث وثمانين، رحمه الله تعالى.
والماسرجسي: بفتح الميم وبعد الألف سين مفتوحة مهملة وراء ساكنة ثم جيم مكسورة بعدها سين ثانية، هذه النسبة إلى ماسرجس، وهو اسم لجد أبي علي الحسن بن عيسى بن ماسرجس النيسابوري، كان نصرانيا فأسلم على يد عبد الله بن المبارك، وأبو الحسن الفقيه المذكور ابن بنت أبي علي المذكور، فنسب إليه، ونسبة الكل إلى ماسرجس المذكور.
__________
(1) ترجمته في الوافي 4: 115 واللباب (الماسرجسي) والشذرات 3: 110 وحسن المحاضرة 1: 126 وطبقات الحسيبي: 32 وطبقات العبادي: 100 وعبر الذهبي 3: 26.
(2) طبقات الشيرازي: 116.

(4/202)


(1) 577
أبو عبد الله الختن
أبو عبد الله محمد بن الحسن بن إبراهيم الأستراباذي، وقيل الجرجاني، المعروف بالختن، الفقيه الشافعي، كان فقيها فاضلا ورعا مشهورا في عصره، وله وجوه حسنة في المذهب، وكان مقدما في الأدب ومعانيالقرآن والقراءات، ومن العلماء المبرزين في النظر والجدل. سمع أبا نعيم عبد الملك بن محمد بن عدي وأقرانه ببلده، وورد نيسابور سنة سبع وثلاثين وثلثمائة فأقام بها إلى آخر سنة تسع، ثم دخل أصبهان فسمع مسند أبي داود من عبد الله بن جعفر، ودخل العراق وكتب بعد الأربعين وأكثر، وكان كثير السماع والرحلة، وشرح كتاب التلخيص لأبي العباس ابن القاص، وتوفي بجرجان يوم عيد الأضحى سنة ست وثمانين وثلثمائة، وهو ابن خمس وسبعين سنة، رحمه الله تعالى.
وقد تقدم الكلام على الأستراباذي والجرجاني، والختن: بفتح الخاء المعجمة والتاء المثناة من فوقها وبعدها نون، وإنما قيل له ذلك لأنه كان ختن الفقيه أبي بكر الإسماعيلي.
__________
(1) ترجمته في طبقات الشيرازي: 121 والوافي 2: 338 وطبقات السبكي 2: 143 والشذرات 3: 120 وطبقات الحسيبي: 33 وطبقات العبادي: 111 وعبر الذهبي 3: 33.

(4/203)


578 - (1)
أبو سهل الصعلوكي
أبو سهل محمد بن سليمان بن محمد بن سليمان بن هارون بن موسى بن عيسى بن إبراهيم بن بشر الحنفي العجلي المعروف بالصعلوكي، الأصبهاني أصلا ومولدا النيسابوري دارا، الفقيه الشافعي المفسر المتكلم الأديب النحوي الشاعر العروضي الكاتب، ذكره الحاكم أبو عبد الله في تاريخه فقال: حبر زمانه، وفقيه أصحابه وأقرانه، صحب أبا إسحاق المرزوي وتفقه عليه وتبحر في العلوم، ثم خرج إلى العراق ودخل البصرة ودرس بها سنين، إلى أن استدعي إلى أصبهان فاقام بها سنين، فلما نعي إليه عمه أبو الطيب خرج مستخفيا فورد نيسابور سنة سبع وثلاثين وثلثمائة، وجلس لمأتم عمه ثلاثة أيام، وكان الشيخ أبو بكر ابن إسحاق يحضر كل يوم فيقعد معه، وكذلك كل رئيس وقاض ومفت من الفريقين، فلما فرغ من العزاء عقدوا له مجلس النظر، ولم يبق موافق ولا مخالف إلا أقربفضله وتقدمه، وحضره المشايخ مرة بعد أخرى يسألونه أن ينقل من خلفهم وراءه بأصبهان، فأجاب إلى ذلك، ودرس وأفتى، وعنه أخذ فقهاء نيسابور. وكان الصاحب ابن عباد يقول: أبو سهل الصعلوكي لا نرى مثله ولا يرى مثل نفسه. وسئل أبو الوليد عن أبي بكر القفال والصعلوكي فقال: ومن يقدر يكون مثل الصعلوكي
وكانت ولادته سنة ست وتسعين ومائتين، وسمع الحديث سنة خمس وثلثمائة، وحضر مجلس أبي علي الثقفي للتفقه (2) سنة ثلاث عشرة. وتوفي في آخر سنة تسع وستين وثلثمائة بنيسابور، وحملت جنازته إلى ميدان الحسين، فقدم السلطان
__________
(1) ترجمته في طبقات الشيرازي: 115 والوافي 3: 124 واليتيمة 4: 419 وطبقات السبكي 2: 161 والشذرات 3: 69 وطبقات الحسيبي: 29 وطبقات العبادي: 99 وعبر الذهبي 2: 352.
(2) ن: المتفقه؛ ت بر: الفقيه.

(4/204)


ولده أبا الطيب للصلاة عليه فصلى، ودفن في المسجد الذي كان يدرس فيه، رحمه الله تعالى، وقد تقدم ذكر ابنه (1) في حرف السين والكلام على الصعلوكي.
579 - (2)
أبو الطيب ابن سلمة
أبو الطيب محمد بن المفضل بن سلمة بن عاصم الضبي البغدادي الفقيه الشافعي، كان (3) من كبار الفقهاء ومتقدميهم، أخذ الفقه عن أبي العباس ابن شريج، وكان موصوفا بفرط الذكاء، ولهذا كان أبو العباس يقبل عليه كل الإقبال ويميل إلى تعليمه غاية الميل، وصنف كتبا عديدة، وتوفي في المحرم سنة ثمان ثلثمائة، وهو غض الشباب، رحمه الله تعالى، وله في المذهب وجوه حسنة.
وسلمة: بفتح السين المهملة واللام والميم.
(165) وأبوه أبو طالب المفضل بن سلمة بن عاصم الضبي (4) اللغوي صاحب التصانيف المشهورة في فنون الأدب ومعاني القرآن، وكان كوفي المذهب مليح الخط، لقي ابن الأعرابي وغيره من العلماء، واستدرك على الخليل في كتاب العين وخطأه، وعمل في ذلك كتابا، وله من التصانيف كتاب البارع في علم اللغة وكتاب الفاخر وكتاب العود والملاهي وكتاب جلاد الشبه وكتاب الطيف وكتاب " ضياء القلوب في معاني القرآن " نيف
__________
(1) ل س ن: أبيه؛ وانظر ج! 2: 435.
(2) ترجمته في الفهرست: 214 وطبقات الشيرازي: 109 وتاريخ بغداد 3: 83 والشذرات 2: 253 وطبقات العبادي: 72 وعبر الذهبي 2: 137.
(3) كان: سقطت من ن ل لي والمختار.
(4) ترجمته في انباه الرواة 3: 305 وفي الحاشية مصادر أخرى.

(4/205)


وعشرون جزءا، وكتاب " الاشتقاق " وكتاب " الزرع والنبات " وكتاب " خلق الإنسان " وكتاب ما يحتاج إليه الكاتب وكتاب المقصور والممدود وكتاب " المدخل إلى علم النحو " (1) وروى عنه أبو بكر الصولي وزعم أنه سمع عنه في سنة تسعين ومائتين.
(166) وجده سلمة بن عاصم (2) صاحب الفراء وروايته، وهم أهل بيت كلهم علماء نبلاء مشاهير، رحمهم الله تعالى.
وكان المفضل المذكور متصلا بالوزير إسماعيل بن بلبل فقيل له (3) : إن ابن الرومي الشاعر - المقدم ذكره (4) - قد هجاه، فشق ذلك على الوزير (5) ، وحرم ابن الرومي عطاياه، فعمل ابن الرومي في المفضل أبياتا وهي (6) :
لو تلففت في كساء الكسائي ... وتفريت فروة الفراء
وتخللت بالخليل وأضحى ... سيبويه لديك رهن سباء
وتكونت من سواد أبي الأسود ... شخصا يكنى أبا السوداء
لأبى الله أن يعدك أهل العلم ... إلا من جملة الأغبياء
__________
(1) وكان كوفي.. النحو: سقط من س ل لي بر والمختار.
(2) ترجمته في انباه الرواة 2: 56 والمصادر الأخرى في الحاشية؛ ولسلمة كتاب " معاني القرآن " قال فيه ابن الأنباري: كتاب سلمة أجود الكتب.
(3) ر ن: فنقل إليه.
(4) ج 3: 358.
(5) ر: فشق عليه ذلك أي على الوزير.
(6) ديوان ابن الرومي 1: 87.

(4/206)


580 - (1)
أبو بكر النيسابوري
أبو بكر محمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري، كان فقيها عالما مطلعا، ذكره الشيخ أبو إسحاق في " طبقات الفقهاء " (2) وقال: صنف في اختلاف العلماء كتبا لم يصنف أحد مثلها، واحتاج إلى كتبه الموافق والمخالف، ولا أعلم عمن أخذ الفقيه، وتوفي بمكة سنة تسع أو عشر وثلثمائة (3) ، رحمه الله تعالى، ومن كتبه المشهورة في اختلاف العلماء " كتاب الاشراف " وهو كتاب كبير يدل على كثرة وقوفه على مذاهب الأئمة، وهم من أحسن الكتب وأنفعها وأمتعها، وله كتاب " المبسوط " أكبر من " الاشراف " ، وهو في اختلاف العلماء ونقل مذاهبهم أيضا، وله كتاب " الإجماع " وهو صغير.
__________
(1) ترجمته في الفهرست: 215 والوافي 1: 336 وتذكرة الحفاظ: 782 وطبقات السبكي 2: 126 ولسان الميزان 5: 570 وطبقات العبادي: 67.
(2) طبقات الشيرازي: 108.
(3) هذا هو تاريخ وفاته كما ذكره الشيرازي، وقال السبكي، قال شيخنا الذهبي: وهذا ليس بشيء لأن محمد بن يحيى بن عمار لقيه سنة ست عشرة وثلاثمائة.

(4/207)


581 - (1)
أبو زيد المروزي
أبو زيد محمد بن أحمد بن عبد الله بن محمد، المرزوي الفاشاني الفقيه الشافعي، كان من الأئمة الأجلاء، حسن النظر مشهورا بالزهد حافظا للمذهب، وله فيه وجوه غريبة. أخذ الفقه عن أبي إسحاق المرزوي، وأخذ عنه أبو بكر القفال المرزوي، ودخل بغداد وحدث بها، وسمع منه الحافظ أبو الحسن الدارقطني ومحمد بن أحمد بن القاسم المحاملي، ثم خرج إلى مكة فجاور بها سبع سنين، وحدث هناك بصحيح البخاري عن محمد بن يوسف الفربري، قال الخطيب: وأبو زيد أجل من روى هذا الكتاب. وقال أبو بكر البزار (2) : عادلت الفقيه أبا زيد من نيسابور إلى مكة فما أعلم أن الملائكة كتبت عليه، يعني خطيئة. وقال أحمد (3) بن محمد الحاتمي الفقيه: سمعت أبا زيد المروزي يقول: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام وأنا بمكة، وكأنه يقول لجبريل عليه السلام: يا روح الله اصحبه إلى وطنه (4) .
وكان في أول أمره فقيرا لا يقدر على شيء فكان يعبر الشتاء بلا جبة مع شدة البرد في تلك البلاد، فإذا قيل له في ذلك يقول: بي علة تمنعني من لبس المحشو، يعني به الفقر. وكان لا يشتهي أن يطلع أحدا على باطن حاله، ثم أقبلت عليه الدنيا في آخر عمره وقد أسن وتساقطت أسنانه فكان لا يتمكن
__________
(1) ترجمته في تاريخ بغداد 1: 314 وطبقات الشيرازي: 115 والبصائر 1: 406 والمنتظم 7: 112 والوافي 2: 71 وطبقات السبكي 2: 108 والشذرات 3: 76 وطبقات الحسيبي: 30 وطبقات العبادي: 93 وعبر الذهبي 2: 360.
(2) المختار: الخباز؛ لي: البزاز، وانظر تبصير المنتبه 1: 148.
(3) ر ن: أبو الحسن أحمد.
(4) وقال أحمد... وطنه: سقط من س لي ل ت بر.

(4/208)


من المضغ وبطلت منه حاسة الجماع فكان يقول (1) مخاطبا للنعمة: لا بارك الله فيك! أقبلت حين لا ناب ولا نصاب.
وقد أذكرتني هذه الحكاية أبياتا لبعض الفضلاء وقد أثرى وصارت له نعمة وهو في عشر الثمانين، وهي:
ما كنت أرجوه إذ كنت ابن عشرينا ... ملكته بعد أن جاوزت سبعينا
تطيف بي من بني الأتراك أغزلة ... مثل الغصون على كثبان يبرينا
وخرد من بنات الروم رائعة ... يحكين بالحسن حور الجنة العينا
يغمزنني بأساريع منعمة ... تكاد تنقض من أطرافها لينا
يردن إحياء ميت لا حراك به ... فكيف يحيين ميتا صار مدفونا
قالوا أنينك طول الليل يقلقنا ... فما الذي تشتكي قلت الثمانينا وتوفي يوم الخميس ثالث عشر رجب سنة إحدى وسبعين (2) وثلثمائة بمرو، رحمه الله تعالى، وقد تقدم الكلام على نسبة المرزوي والفاشاني فلا حاجة إلى الإعادة.
582 - (3)
أبو بكر الأودني
أبو بكر محمد بن عبد الله بن محمد بن نصر بن ورقاء الأودني الفقيه الشافعي، إمام أصحاب الشافعي في عصره، ذكره الحاكم أبو عبد الله بن البيع النيسابوري في " تاريخ نيسابور " وقال: حج ثم انصرف وأقام بنيسابور عندنا مدة وكان
__________
(1) ل لي ت س: فيقول.
(2) ن: وتسعين.
(3) ترجمته في الأنساب 1: 383 والوافي 3: 316 والشذرات 3: 18 وطبقات الحسيبي: 32، وطبقات العبادي: 92 وعبر الذهبي 3: 31.

(4/209)


من أزهد الفقهاء وأبكاهم على تقصيره. وتوفي في شهر ربيع الأول سنة خمس وثمانين وثلثمائة ببخارا، ودفن بكلاباذ رحمه الله تعالى.
والأودني: بضم الهمزة وسكون الواو وفتح الدال المهملة وبعدها نون، هذه النسبة إلى أودنة، وهي قرية من قرى بخارا، هكذا قاله السمعاني، والفقهاء يحرفونه فيقولون الأودي وسمعت بعض مشايخنا في زمن الاشتغال بالعلم يقول: هو " الأودني " (1) بفتح الهمزة والله أعلم. [ثم وجدت في كتاب أبي بكر الحازمي الذي سماه ما اتفق لفظه وافترق مسماه ما يدل على أنه بفتح الهمزة، فإنه جعله مع أردن ونظائره مما أوله بفتح الهمزة، ثم قال: وأما أودن - بعد الهمزة واو ساكنة ثم دال مهملة وآخره نون - فقرية من قرى بخارا، وعادته في هذا الكتاب أنه إذا ذكر مكانا على مثل هذه الصورة ثم ذكر بعده مثله تركه على حاله، وإن اختلف في الحركة ذكر وجه المخالفة، ولم يذكر ها هنا ضمة الهمزة، فدل على أنه مثل الأول] (2) .
وله وجوه في المذهب، وذكره صاحب " الوسيط " (3) في مواضع عديدة.
وكلاباذ: بفتح الكاف وبعد اللام ألف باء موحدة مفتوحة وبعد الألف ذال معجمة، وهي محلة ببخارا.
(167) وإليها ينسب الحافظ المتقن أبو نصر أحمد بن محمد بن الحسن بن الحسين ابن علي بن رستم الكلاباذي أحد أئمة الحديث وكان ثقة، وتوفي لسبع بقين من جمادى الآخرة سنة ثمان وتسعين وثلثمائة، ومولده سنة ستين وأربعمائة (4) رحمه الله تعالى. قلت: هكذا ذكره الحافظ أبو سعيد ابن السمعاني في تاريخ وفاة الكلاباذي ومولده وهو غلط، فإنه أخر تاريخ المولد عن تاريخ الوفاة، وكشفته
__________
(1) ر: الأودي.
(2) انفردت به ر.
(3) س: البسيط.
(4) في اللباب: وكانت ولادته سنه ستين، دون ذكر للفظة " وأربعمائة " وقال الذهبي (تذكرة الحفاظ: 1027) مات في جمادى الآخرة سنة ثمان وسبعين وثلاثمائة عن خمس وسبعين سنة (ولعل سبعين مصحفة عن تسعين).

(4/210)


من جهات عديدة فلم أجد من ذكره، فتركته على حاله، والظاهر أن الأمر بالعكس، والله أعلم.
583 - (1)
أبو بكر الفارسي
أبو بكر محمد بن أحمد بن علي بن شاهويه الفارسي الفقيه الشافعي، ذكره الحاكم أبو عبد الله في " تاريخ نيسابور " وقال: أقام بنيسابور زمانا، ثم خرج إلى بخارا ثم انصرف إلى نيسابور، ورجع إلى بلاد فارس فولي القضاء بها، ثم رجع إلى نيسابور وحدث بها. وتوفي في سنة اثنتين وستين وثلثمائة بنيسابور، رحمه الله تعالى. وله في المذهب وجوه بعيدة تفرد بها، ولم نرها منقولة عن غيره، ولم أعلم عمن أخذ الفقه (2) .
وشاهويه: بالشين المعجمة وبعد الألف هاء مفتوحة ثم واو مفتوحة ثم ياء مثناة من تحتها ساكنة، وهو اسم عجمي مركب، فالشاه الملك، وأما ويه فقد قال الجوهري في كتاب " الصحاح " : سيبويه ونحوه من الأسماء اسم بني مع صوت فجعلا اسما واحدا.
وأما فارس فإنها كورة عظيمة قصبتها شيراز، وشهرتها تغني عن ضبطها.
__________
(1) ترجمته في طبقات الشيرازي: 144 والوافي 2: 44 وطبقات الشبكي 2: 112 (موضع ترجمة سقطت) والجواهر المضية 2: 18.
(2) آخ الترجمة في النسخ ما عدا ر، واقتصر في المختار بعد هذا على تحديد " فارس " .

(4/211)


584 - (1)
القضاعي
أبو عبد الله محمد بن سلامة بن جعفر بن علي بن حكمون بن إبراهيم بن محمد بن مسلم القضاعي الفقيه الشافعي، صاحب كتاب " الشهاب " ، ذكره الحافظ ابن عساكر في " تاريخ دمشق " وقال: روى عنه أبو عبد الله الحميدي، وتولى القضاء بمصر نيابة (2) من جهة المصريين، وتوجه منهم رسولا إلى جهة الروم، وله عدة تصانيف: منها كتاب الشهاب وكتاب " مناقب الإمام الشافعي رضي الله عنه وأخباره " وكتاب " الإنباء عن (3) الأنبياء " و " تواريخ الخلفاء " وله كتاب " خطط مصر " .
وذكره الأمير أبو نصر ابن ماكولا في كتاب " الإكمال " وقال: كان مفننا في عدة علوم. وتوفي بمصر ليلة الخميس السادس عشر (4) من ذي القعدة سنة أربع وخمسين وأربعمائة، وصلي عليه يوم الجمعة بعد العصر في مصلى النجار. وقد تقدم ذكره في ترجمة الظاهر بن الحاكم العبيدي (5) صاحب مصر، وأنه كان يعلم عن وزيره الأقطع الجرجرائي.
وذكر السمعاني في كتاب " الذيل " في ترجمة الخطيب أبي بكر أحمد بن علي ابن ثابت الحافظ صاحب " تاريخ بغداد " أنه حج سنة خمس وأربعين وأربعمائة
__________
(1) ترجمته في طبقات السبكي 3: 62 والوافي 3: 116 والشذرات 3: 293 وحسن المحاضرة 1: 169 والرسالة المستطرفة: 76.
(2) نيابة: سقطت من س ت.
(3) ن: على.
(4) ل لي س ير: السابع عشر.
(5) انظر ج 3: 407.

(4/212)


وحج تلك السنة أبو عبد الله القضاعي المذكور، وسمع الخطيب منه، رحمه الله تعالى.
والقضاعي: بضم القاف وفتح الضاد المعجمة وبعد الألف عين مهملة، هذه النسبة إلى قضاعة، ويقال: هم ابن معد بن عدنان، ويقال: هو من حمير، وهو الأكثر والأح، واسمه عمرو بن مالك، وينسب إليه قبائل كثيرة، منها كلب وبلي وجهينة وعذرة وغيرهم (1) .
(168) والنجار صاحب المصلى هو: عمران بن موسى النجار مولى غافق، وقيل إن النجار المذكور هو أبو الطيب محمد بن جعفر البغدادي النجار، ويعرف بغندر، وتوفي سنة ثمان وخمسين وثلثمائة قبل دخول القائد جوهر مصر، رحمه الله تعالى.
585 - (2)
المسعودي الفقيه
أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن مسعود بن أحمد (3) ، المسعودي الفقيه الشافعي، إمام فاضل مبرز ورع من أهل مرو، تفقه على أبي بكر القفال المرزوي وشرح مختصر المزني وأحسن فيه، وروى قليلا من الحديث عن أستاذه القفال، وحكى عنه الغزالي في كتاب الوسيط في الأيمان في الباب الثالث فيما يقع به الحنث مسألة لطيفة فقال: فرع - لو حلف لا يأكل بيضا، ثم انتهى إلى رجل فقال: والله لآكلن ما في كمك، فإذا هو بيض، فقد سئل القفال عن
__________
(1) هنا تنتهي الترجمة في ت.
(2) ترجمته في طبقات السبكي 3: 72 وطبقات الحسيبي: 46 (باسم: محمد بن عبد الملك)؛ واقتصر في المختار على ذكر المسألة الفقهية الواردة في الترجمة.
(3) اختلفت النسخ في اسمه ففي ل: أبو عبد الله ابن مسعود بن أحمد؛ لي بر: محمد بن مسعود بن أحمد؛ ن: محمد بن أحمد المسعودي.

(4/213)


هذه المسألة وهو على الكرسي فلم يحضره الجواب، فقال المسعودي تلميذه: يتخذ منه الناطف ويأكله، فيكون قد أكل ما في كمه ولم يأكل البيض، فاستحسن ذلك منه، وهذه الحيلة من لطائف الحيل. وتوفي المسعودي المذكور سنة نيف وعشرين وأربعمائة بمرو، رحمه الله تعالى، ونسبته إلى جده مسعود.
586 - (1)
أبو عاصم العبادي
القاضي أبو عاصم محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن عباد، العبادي الهروي الفقيه الشافعي، تفقه بهراة على القاضي أبي منصور الأزدي، وبنيسابور على القاضي أبي عمر البسطامي، وصار إماما متقنا دقيق النظر. تنقل في البلاد ولقي خلقا كثيرا من المشايخ وأخذ عنهم، وصنف كتبا نافعة: منها أدب القضاء والمبسوط والهادي إلى مذهب العلماء وكتاب الرد على السمعاني (2) وله كتاب لطيف في طبقات الفقهاء (3) ، وعنه أخذ أبو سعد الهروي صاحب كتاب الأشراف في أدب القضاء وغوامض الحكومات وسمع الحديث ورواه. وتوفي في شوال سنة ثمان وخمسين وأربعمائة، وكانت ولادته في سنة خمس وسبعين وثلثمائة، رحمه الله تعالى.
والعبادي: بفتح العين المهملة وتشديد الباء الموحدة وبعد الألف دال مهملة، هذه النسبة إلى جده عباد المذكور. وقد تقدم الكلام على الهروي.
__________
(1) ترجمته في الوافي 2: 82 والشذرات 3: 306 وطبقات الحسيبي: 56 ولم ترد هذه الترجمة في المختار.
(2) وكتاب الرد على السمعاني: سقط من ر.
(3) هو الذي نشير إليه باسم طبقات العبادي.

(4/214)


587 - (1)
الخضري
أبو عبد الله محمد بن أحمد الخضري المروزي الفقيه الشافعي، إمام مرو ومقدم الفقهاء الشافعية، صحب أبا بكر الفارسي، وكان من أعيان تلامذة أبو بكر القفال الشاشي (2) ، وأقام بمرو ناشرا فقه الشافعي، وكان يضرب به المثل في قوة الحفظ وقلة النسيان، وله في المذهب وجوه غريبة نقلها الخراسانيون عنه، وروى عن الشافعي رضي الله عنه أنه صحح دلالة الصبي على القبلة، قال الخضري: معناه أن يدل على قبلة تشاهد في الجامع، فأما في موضع الاجتهاد فلا يقبل.
وذكر أبو الفتوح العجلي في أول كتاب النكاح من كتاب شرح مشكلات الوجيز والوسيط أن الشيخ أبا عبد الله الخضري سئل عن قلامة ظفر المرأة: هل يجوز للرجل الأجنبي النظر إليها، فأطرق الشيخ طويلا ساكتا، وكانت ابنة الشيخ أبي علي الشبوي تحته، فقالت له: لم تتفكر وقد سمعت أبي يقول في جواب هذه المسألة: إن كانت من قلامة أظفار اليدين جاز النظر إليها وإن كانت من أظفار الرجلين لم يجز، وإنما كان ذلك لأن يدها ليست بعورة، بخلاف ظهر القدم، ففرح الخضري (3) وقال: لو لم أستفد من اتصالي بأهل العلم إلا هذه المسألة لكانت كافية، انتهى كلام العجلي.
قلت أنا: هذا التفصيل بين اليدين والرجلين فيه نظر، فإن أصحابنا قالوا: اليدان ليستا بعورة في الصلاة، أما بالنسبة إلى نظر الأجنبي فما نعرف بينهما فرقا، فلينظر.
__________
(1) ترجمته في طبقات السبكي 2: 125 والوافي 2: 72 والشذرات 3: 82 (وفيات 373 وقال: أو في التي قبلها). وطبقات الحسيبي: 36 وطبقات العبادي: 96.
(2) ت ل س لي ن بر: المروزي.
(3) ر: الشيخ الخضري.

(4/215)


وكانت له معرفة بالحديث أيضا وكان ثقة. وتوفي في عشر الثمانين والثلثمائة، رحمه الله تعالى.
والخضري: بكسر الخاء المعجمة وسكون الضاد المعجمة وبعدها راء، هذه النسبة إلى بعض لأجداده، واسمه الخضر، هذا عند من يكسر الخاء ويسكن الضاد من الخضر، وهي إحدى اللغتين، فأما من يقول الخضر - بفتح الخاء وكسر الضاد - فقياسه أن يقال الخضري - بفتح الضاد - كما قالوا في النسبة إلى نمرة نمري، وهو باب مطرد لا يخرج عنه شيء.
والشبوي: بفتح الشين المعجمة وتشديد الباء الموحدة وضمها وسكون الواو، هذه النشبة إلى شبويه، وهو اسم بعض أجداد الشيخ أبي علي المذكور وكان فقيها فاضلا من أهل مرو (1) ، رحمه الله تعالى.
588 - (2)
الغزالي
أبو حامد محمد بن محمد بن محمد بن أحمد الغزالي، الملقب حجة الإسلام زين الدين الطوسي الفقيه الشافعي، لم يكن للطائفة الشافعية في آخر عصره مثله،
__________
(1) ر: العلم.
(2) ترجمته في طبقات السبكي 4: 101 وتبيين كذب المفتري: 291 - 306 واللباب (الغزالي) والمنتظم 9: 168 و Histories (المنتخب الثاني: 20) وطبقات الحسيبي: 69. وقد جمع الأستاذ عبد الكريم العثمان بعض ما جاء في كتب المتقدمين عنه في كتاب سماه " شيرة الغزالي " (دار الفكر - دمشق)، وفي كتاب المنقذ من الضلال جانب من سيرته، والدراسات المعاصرة عنه كثيرة، انظر مثلا: الحقيقة في نظر الغزالي للدكتور سليمان دنيا (دار المعارف - مصر) والغزالي لكارادوفو، ترجمة عادل زعيتر (القاهرة 1959) وكتاب مهرجان الغزالي في دمشق 1061 ومؤلفات الغزالي لعبد الرحمن بدوي القاهرة 1961)، ومراجع أخرى تكاد تعز على الحصر في مختلف اللغات.

(4/216)


اشتغل في مبدأ أمره بطوس على أحمد الراذكاني (1) ، ثم قدم نيسابور واختلف إلى دروس إمام الحرمين أبي المعالي الجويني، وجد في الاشتغال حتى تخرج في مدة قريبة، وصار من الأعيان المشار إليهم في زمن أستاذه، وصنف في ذلك الوقت، وكان أستاذه يتبجح به، ولم يزل ملازما له إلى أن توفي (2) في التاريخ المذكور في ترجمته، فخرج من نيسابور إلى العسكر، ولقي الوزير نظام الملك فأكرمه وعظمه وبالغ في الإقبال عليه، وكان بحضرة الوزير جماعة من الأفاضل، فجرى بينهم الجدال والمناظرة في عدة مجالس، فظهر عليهم واشتهر اسمه وسارت بذكره الركبان.
ثم فوض إليه الوزير تدريس مدرسته النظامية بمدينة بغداد، فجاءها وباشر إلقاء الدروس بها، وذلك في جمادى الأولى سنة أربع وثمانين وأربعمائة، وأعجب به أهل العراق وارتفعت عندهم منزلته، ثم ترك جميع ما كان عليه في ذي القعدة سنة ثمان وثمانين وأربعمائة، وسلك طريق الزهد والانقطاع وقصد الحج [وناب عنه أخوه أحمد في التدريس] (3) فلما رجع توجه إلى الشام فأقام بمدينة دمشق مدة يذكر الدروس في زاوية الجامع في الجانب الغربي منه، وانتقل منها إلى البيت المقدس، واجتهد في العبادة وزيارة المشاهد والمواضع المعظمة، ثم قصد مصر وأقام بالإسكندرية مدة، ويقال إنه قصد منها الركوب في البحر إلى بلاد المغرب على عزم الاجتماع بالأمير يوسف بن تاشفين صاحب مراكش، - وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى - فبينا هو كذلك بلغه نعي يوسف بن تاشفين المذكور، فصرف عزمه عن تلك الناحية.
ثم عاد إلى وطنه بطوس واشتغل بنفسه وصنف الكتب المفيدة في عدة فنون منها ما هو أشهرها كتاب " الوسيط " و " البسيط " و " الوجيز " و " الخلاصة " في الفقه، ومنها " إحياء علوم الدين " وهو من أنفس الكتب وأجملها (4) ، وله في أصول الفقه " المستصفى " فرغ من تصنيفه في سادس المحرم
__________
(1) نسبة إلى الراذكان وهي بليدة بنواحي طوس؛ وفي المختار: الزادكاني.
(2) ن: حتى توفي.
(3) زيادة من ن بر.
(4) ر ن: وأجلها.

(4/217)


سنة ثلاث وخمسمائة (1) ، وله المنحول والمنتحل في علم الجدل وله تهافت الفلاسفة ومحك النظر ومعيار العلم والمقاصد والمضنون به على غير أهله والمقصد الأقصى (2) في شرح أسماء الله الحسنى ومشكاة الأنوار والمنقذ من الضلال وحقيقة القولين وكتبه كثيرة وكلها نافعة.
ثم ألزم بالعود إلى نيسابور والتدريس بها بالمدرسة النظامية، فأجاب إلى ذلك بعد تكرار المعاودات، ثم ترك ذلك وعاد إلى بيته في وطنه، واتخذ خانقاه للصوفية ومدرسة للمشتغلين بالعلم في جواره، ووزع أوقاته على وظائف الخير: من ختم القرآن ومجالسة أهل القلوب والقعود للتدريس، إلى أن انتقل إلى ربه. ويروى له شعر، فمن ذلك ما نسبه إليه الحافظ أبو سعد السمعاني في الذيل وهو قوله:
حلت عقارب صدغه في خده ... قمرا فجل بها عن التشبيه
ولقد عهدناه يحل ببرجها ... فمن العجائب كيف حلت فيه ورأيت هذين البيتين في موضع آخر لغيره والله أعلم. ونسب إليه العماد الأصبهاني في " الخريدة " (3) هذين البيتين، وهما:
هبني صبوت كما ترون بزعمكم ... وحظيت منه بلثم خد أزهر
إني اعتزلت فلا تلوموا إنه ... أضحى يقابلني بوجه أشعر(ي) ونسب إليه البيتين اللذين قبلهما.
وكانت ولادته سنة خمسين وأربعمائة، وقيل سنة إحدى وخمسين بالطابران (4) ، وتوفي يوم الاثنين رابع عشر جمادى الآخرة سنة خمس وخمسمائة بالطابران (5) ،
__________
(1) فرغ... وخمسمائة: سقط من النسخ جميعا.
(2) ن: الأسنى.
(3) ل ن بر: في كتاب الخريدة.
(4) بالطابران زيادة من ر والمختار.
(5) ل ن لي س ت بر: بطوس.

(4/218)


ورثاه الأديب أبو المظفر محمد الأبيوردي الشاعر المشهور - وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى - بأبيات فائية من جملتها:
مضى وأعظم مفقود فجعت به ... من لا نظير له في الناس يخلفه وتمثل الإمام إسماعيل الحاكمي بعد وفاته بقول أبي تمام من جملة قصيدة مشهورة:
عجبت لصبري بعده وهو ميت ... وكنت امرءا أبكي دما وهو غائب
على أنها الأيام قد صرن كلها ... عجائب حتى ليس فيها عجائب ودفن بظاهر الطابران، وهي قصبة طوس، رحمه الله تعالى.
وقد تقدم الكلام على الطوسي والغزالي في ترجمة أخيه أحمد الزاهد الواعظ المذكور في حرف الهمزة (1) ، والطابران، بفتح الطاء المهملة والباء الموحدة وراء مهملة وبعد الألف الثانية نون، وهي إحدى بلدتي طوس، كما تقدم ترجمة أحمد أيضا.
589 - (2)
المستظهري
أبو بكر محمد بن أحمد بن الحسين بن عمر الشاشي الأصل الفارقي المولد، المعروف بالمستظهري، الملقب فخر الإسلام الفقيه الشافعي، كان فقيه وقته، تفقه أولا بميافارقين على أبي عبد الله محمد بن بيان (3) الكازروني، وعلى القاضي
__________
(1) انظر ج 1: 98.
(2) ترجمته في الوافي 2: 83 والمنتظم 9: 179 وطبقات السبكي 4: 57 وعبر الذهبي 4: 13 والشذرات 4: 16 وطبقات الحسيبي: 72.
(3) ن ر: ابن بنان؛ وسقط من س.

(4/219)


أبي منصور الطوسي صاحب أبي محمد الجويني إلى أن عزل عن قضاء ميافارقين، ثم رحل أبو بكر إلى بغداد، ولازم الشيخ أبا إسحاق الشيرازي، رحمه الله تعالى، ثم رحل أبو بكر إلى بغداد، وقرأ عليه وأعاد عنده، وقرأ كتاب الشامل في الفقه على مصنفه أبي نصر ابن الصباغ، رحمه الله تعالى، ودخل نيسابور صحبة الشيخ أبي إسحاق، وتكلم في مسألة بين يدي إمام الحرمين فأحسن فيها، وعاد إلى بغداد. وذكره الحافظ عبد الغافر الفارسي في سياق تاريخ نيسابور وتعين في الفقه بالعراق بعد أستاذه أبي إسحاق، وانتهت إليه رياسة الطائفة الشافعية. وصنف تصانيف حسنة، من ذلك كتاب حلية العلماء في المذهب، وذكر فيه مذهب الشافعي، ثم ضم إلى كل مسألة اختلاف الأئمة فيها، وجمع من ذلك شيئا كثيرا وسماه المستظهري لأنه صنفه للإمام المستظهر بالله، وصنف أيضا في الخلاف.
وتولى التدريس بالمدرسة النظامية بمدينة بغداد، سنة (1) أربع وخمسمائة إلى حين وفاته، وكان قد وليها قبله الشيخ أبو إسحاق الشيرازي وأبو نصر ابن الصباغ صاحب الشامل وأبو سعد المتولي صاحب تتمة الإبانة وأبو حامد الغزالي - وقد سبق ذكر ذلك في ترجمة كل واحد منهم - فلما انقرضوا تولاها هو. وحكى لي بعض المشايخ من علماء المذهب أنه يوم ذكر الدرس، وضع منديله على عينيه وبكى كثيرا، وهو جالس على السدة التي جرت عادة المدرسين بالجلوس عليها وكان ينشد (2) :
خلت الديار فسدت غير مسود ... ومن العناء (3) تفردي بالسؤدد وجعل يردد هذا البيت ويبكي، وهذا إنصاف منه واعتراف لمن تقدمه بالفضل والرجحان عليه، وهذا البيت من جملة أبيات في الحماسة (4) .
__________
(1) ر: في شعبان سنة.
(2) ر والمختار: وأنشد.
(3) ر والمختار: البلاء؛ ن: الشقاء.
(4) شرح المرزوقي: 807 والأبيات لرجل من خثعم، وورد البيت عند ياقوت (البقيع) منسوبا لعمرو بن النعمان البياضي.

(4/220)


ومدحه تلميذه أبو المجد حمدان بن كثير البالسي (1) بقصيدة يقول فيها:
يا كعبة الفضل افتنا لم لم يجب ... شرعا على قصادك الإحرام
ولما تضمخ زائريك بطيب ما ... تلقيه وهو على الحجيج حرام وقد سبق في مرثية أبي العلاء المعري مثل هذا المعنى.
وكانت ولادته في المحرم سنة تسع وعشرين وأربعمائة بميافارقين. وتوفي في يوم السبت خامس عشري شوال سنة سبع وخمسمائة ببغداد، ودفن في مقبرة باب أبرز (2) ، مع شيخه أبي إسحاق في قبر واحد، وقيل دفن إلى جانبه (3) ، رحمهما الله تعالى.
590 - (4)
أبو نصر الأرغياني
أبو نصر محمد بن عبد الله بن أحمد بن محمد بن عبد الله الأرغياني الفقيه الشافعي، قدم من بلده إلى نيسابور واشتغل على إمام الحرمين أبي المعالي الجويني وبرع في الفقه، وكان إماما مفننا ورعا كثير العبادة. وسمع الحديث من أبي الحسن علي ابن أحمد الواحدي صاحب التفاسير، وروى عنه في تفسير قوله تعالى: (إني لأجد ريح يوسف)، أن ريح الصبا استاذنت ربها عز وجل أن تأتي بريح يوسف على نبينا وعليهما أفضل الصلاة والسلام قبل أن يأتيه البشير
__________
(1) ن: البالسي؛ ر والمختار: اليانسي، وقد سقط هذا النص حتى آخر البيتين من النسخ ما عدا: ن ر والمختار.
(2) كذا في المختار، ر، وفي النسخ الأخرى: باب شيراز.
(3) إلى جانبه: كذا في ن ر والمختار؛ وفي سائر النسخ: بجنبه.
(4) ترجمته في الوافي 3: 348 والأنساب 1: 168 والمنتظم 10: 40 وطبقات السبكي 4: 71 وطبقات الحسيبي: 78؛ والترجمة موجزة كثيراص في المختار.

(4/221)


بالقميص، فأذن لها فأتته بذلك، فلذلك يستروح (1) كل محزون بريح الصبا، وهي من ناحية المشرق: إذا هبت على الأبدان نعمتها ولينتها، وهيجت الأشواق إلى الأوطان والأحباب، وأنشد:
أيا جبلي نعمان بالله خليا ... نسيم الصبا يخلص إلي نسيمها
فان الصبا ريح إذا ما تنسمت ... على نفس مهموم تجلت همومها وكانت ولادته في سنة أربع وخمسين وأربعمائة، وتوفي ليلة الرابع والعشرين من ذي القعدة، سنة ثمان وعشرين وخمسمائة بنيسابور، ودفن بظاهرها بموضع يقال له الحيرة على الطريق، رحمه الله تعالى.
والفتاوى المستخرجة من كتاب نهاية المطلب المنسوبة إلى الأرغياني أشك فيها: هل هي له أم لأبي الفتح سهل بن علي الأرغياني - المقدم ذكره (2) - فإني بعيد العهد بالوقوف عليها، وذكرت في ترجمة أبي الفتح أنها له، ثم حصل (3) لي الشك، والله أعلم.
وقد تقدم الكلام على نسبة الأرغياني في ترجمة أبي الفتح المذكور.
ثم إني ظفرت بالفتاوى المذكورة، فوجدتها لأبي نصر المذكور، لا لأبي الفتح.
__________
(1) ن ر: يتروح.
(2) انظر ج 2: 434 والحاشية رقم: 4.
(3) ن: فحصل.

(4/222)


(1) 591
محمد بن يحيى
أبو سعد محمد بن يحيى بن أبي منصور النيسابوري، الملقب محيي الدين، الفقيه الشافعي، أستاذ المتأخرين وأوحدهم علما وزهدا، تفقه على حجة الإسلام أبي حامد الغزالي، وأبي المظفر أحمد بن محمد الخوافي - المقدم ذكره (2) - وبرع في الفقه وصنف فيه وفي الخلاف، وانتهت إليه رياسة الفقهاء بنيسابور، ورحل إليه الناس من البلاد، واستفاد منه خلق كثير صار أكثرهم سادة وأصحاب طرق في الخلاف، وصنف كتاب المحيط في شرح الوسيط والانتصاف في مسائل الخلاف وغير ذلك من الكتب.
ذكره الحافظ عبد الغافر الفارسي في سياق تاريخ نيسابور وأثنى عليه، وقال: كان له حظ في التذكير، واستمداد من سائر العلوم، وكان يدرس بنظامية نيسابور، ثم درس بمدينة هراة في المدسة النظامية، ومن جملة مسموعاته ما سمعه من الشيخ أبي حامد أحمد بن علي بن محمد بن عبدوس بقراءة الإمام أبي نصر عبد الرحيم بن أبي القاسم عبد الكريم القشيري، في سنة ست وتسعين وأربعمائة، وحضر بعض فضلاء عصرة درسه وسمع فوائده، وحسن إلقائه، فأنشده:
رفات الدين والإسلام يحيا ... بمحيي الدين مولانا ابن يحيى
كأن الله رب العرش يلقي ... عليه حين يلقي الدرس وحيا ورأيت في بعض المجاميع بيتين منسوبين إليه، ثم وجدت في ترجمة الشيخ شهاب الدين أبي الفتح محمد بن محمود بن محمد الطوسي الفقيه الشافعي نزيل مصر،
__________
(1) ترجمته في طبقات السبكي 4: 197 والشذرات 4: 151 وعبر الذهبي 4: 133.
(2) انظر ج 1: 96.

(4/223)


قال: وأنشدني الإمام أبو سعد محمد بن يحيى النيسابوري لنفسه (1) وهما:
وقالوا يصير الشعر في الماء حية ... إذا الشمس لاقته فما خلته صدقا
فلما ثوى صدغاه في ماء وجهه ... وقد لسعا قلبي تيقنته حقا وكانت ولادته سنة ست وسبعين وأربعمائة بطريثيث. وتوفي شهيدا في شهر رمضان، سنة ثمان وأربعين وخمسمائة، قتلته الغز لما استولوا على نيسابور في وقعتهم مع السلطان سنجر السلجوقس - كما تقدم ذكره في ترجمته (2) - أخذته ودست في فيه التراب حتى مات. وحكى ابن الأزرق الفارقي في تاريخه أن ذلك كان في سنة ثلاث وخمسين، والأول أصح. ولما مات رثاه جماعة من العلماء، من جملتهم أبو الحسن علي بن أبي القاسم البيهقي، قال فيه:
يا سافكا دم عالم متبحر ... قد طار في أقصى الممالك صيته
تالله قل لي يا ظلوم ولا تخف ... من كان محيي الدين كيف تميته (3) رحمه الله تعالى.
(169) وتوفي شهاب الدين الطوسي المذكور، في العشرين من ذي القعدة سنة ست وتسعين وخمسمائة بمصر [ودفن بالقرافة، ومولده سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة، وكان مدرسا بمدرسة منازل العز بمصر، وقدم إلى مصر من مكة سنة تسع وسبعين وخمسمائة ونزل خانقاه سعيد السعداء بالقاهرة] (4) .
وطريثيث: بضم الطاء المهملة وفتح الراء وسكون الياء المثناة من تحتها وكسر الثاء المثلثة وسكون الياء المثناة الثانية وبعدها ثاء مثلثة، وهي ناحية كبيرة من نواحي نيسابور، خرج منها جماعة من العلماء وغيرهم.
__________
(1) ثم وجدت. لنفسه: سقط من النسخ ما عدا ر، ووقع فيها بعد إيراد البيتين.
(2) انظر ج! 2: 428.
(3) إلى هنا انتهت الترجمة في المختار.
(4) انفردت به ر.

(4/224)


592 - (1)
البروي
أبو منصور محمد بن محمد بن محمد بن سعد بن عبد الله البروي الفقيه الشافعي، أجد الأئمة المشار إليهم بالتقدم في الفقه والنظر وعلم الكلام والوعظ، وكان حلو (2) العبارة ذا فصاحة وبراعة، تفقه على الفقيه محمد بن يحيى المذكور قبله، وكان من أكبر أصحابه، وصنف في الخلاف تعليقة جيدة، وهي مشهورة، وله جدل مليح مشهور سماه المقترح في المصطلح وأكثر اشتغال الفقهاء به، وقد شرحه الفقيه تقي الدين أبو الفتح مظفر بن عبد الله المصري المعروف بالمقترح شرحا مستوفى (4) وعرف به، واشتهر باسمه لكونه كان يحفظه فلا يقال له إلا التقي المقترح (5) .
ودخل البروي بغداد سنة سبع وستين وخمسمائة فصادف قبولا وافرا من العام والخاص، وتولى المدرسة البهائية قريبا من النظامية وكان يذكر بها كل يوم عدة دروس، ويحضر عنده الخلق الكثير، وله حلقة المناظرة بجامع القصر، ويحضر عنده المدرسون والأعيان، وكان يجلس للوعظ بالمدرسة النظامية، ومدرسها يومئذ أبو نصر أحمد بن عبد الله الشاشي، وكان يظهر عليه من الحركات ما يدل على رغبته في تدريس النظامية، وكان ينشد في أثناء مجلسه مشيرا إلى موضع التدريس أبيات المتنبي، وهي أوائل قصيد (6) :
__________
(1) ترجمته في الوافي 1: 279 والمنتظم 10: 239 وطبقات السبكي 4: 182 وعبر الذهبي 4: 200 والشذرات 4: 224؛ وقد أهملت هذه الترجمة في المختار.
(2) ن: حسن.
(4) ر: مشبعا.
(5) ر: إلا شرح التقي المصري، وهو موافق لما عندي الصفدي.
(6) ل ن: قصيدة، وانظ ديوانه: 55.

(4/225)


بكيت يا ربع حتى كدت أبكيكا ... وجدت بي وبدمعي في مغانيكا
فعم صباحا لقد هيجت لي شجنا ... وارد تحيتنا إنا محيوكا
بأي حكم زمان صرت متخذا ... ريم الفلا بدلا من ريم أهليكا فكان الناس يفهمون منه ذلك، وكان أهلا له، ووعد به فأدركته المنية، وكانت ولادته يوم الثلاثاء خامس عشر ذي القعدة سنة سبع عشرة وخمسمائة بطوس، وتوفي يوم الخميس بين الصلاتين (1) سادس عشر رمضان سنة سبع وستين وخمسمائة ببغداد، وصلي عليه يوم الجمعة بجامع القصر الخليفة المستضيء بأمر الله ودفن في ذلك النهار في تربة الشيخ أبي إسحاق الشيرازي بباب أبرز، رحمهما الله تعالى.
وذكر الحافظ ابن عساكر في تاريخ دمشق أن أبا منصور البروي المذكور قدم دمشق في سنة خمس وستين وخمسمائة ونزل في رباط السميساطي، وقرئ عليه شيء من أماليه.
والبروي: بفتح الباء الموحدة والراء وبعدها واو (2) ، لا أعلم هذه النسبة إلى أي شيء هي، ولا ذكرها السمعاني، وغالب ظني أنها من نواحي طوس، والله أعلم.
__________
(1) بين الصلاتين: سقط من س ت.
(2) في الشذرات: والبروي بفتح المعجمة وتشديد الراء المضمومة نسة إلى برويه، جد (لعلها: جده).

(4/226)


593 - (1)
ابن الخل
أبو الحسن محمد بن المبارك، وكنيته أبو البقاء، ابن محمد بن عبد الله بن محمد المعروف بابن الخل، الفقيه الشافعي البغدادي، تفقه على أبي بكر محمد بن احمد الشاشي المعروف بالمستظهري - المقدم ذكره - وبرع في العلم، وكان يجلس في مسجده الذي بالرحبة شرقي بغداد لا يخرج عنه إلا بقدر الحاجة يفتي ويدرس، وكان قد تفرد بالفتوى بالمسألة السريجية ببغداد وصنف كتابا سماه توجيه التنبيه على صورة الشرح لكنه مختصر، وهو أول من شرح التنبيه، لكن ليس فيه طائل، وله كتاب في أصول الفقه. وسمع الحديث من أبي عبد الله الحسين بن أبي طلحة النعالي (2) وأبي عبد الله الحسين البسري (3) وغيرهما. وروى عنه الحافظ أبو سعد السمعاني وغيره. وسمعت بعض الفقهاء ينقل عنه أنه كان يكتب خطا جيدا منسوبا وأن الناس كانوا يحتالون على أخذ خطه في الفتاوى من غير حاجة إليها بل لأجل الخط لا غير، فكثرت عليه الفتاوى وضيقت عليه أوقاته، ففهم ذلك منهم، فصار يكسر القلم ويكتب جواب الفتوى به، فأقصروا عنه. [وقيل إن صاحب الخط المليح هو أخوه، والله أعلم] (4) .
وتوفي سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة بغداد ونقل إلى الكوفة ودفن بها، رحمه الله تعالى.
(170) وكان أخوه أبو الحسين أحمد بن المبارك فقيها فاضلا وشاعرا ماهرا،
__________
(1) ترجمته في الوافي 4: 381 والمنتظم 10: 179 وطبقات السبكي 4: 96 وعبر الذهبي 4: 150 والشذرات 4: 164، وقد اقتصر في المختار على ما ورد في هذه الترجمة عن أحمد ابن المبارك أخي لمترجم به.
(2) ل ن: الثعالبي، وهو خطأ.
(3) ر: السري، وهو خطأ.
(4) انفردت به ر.

(4/227)


ذكره العماد الأصبهاني في كتاب الخريدة وأثنى عليه، وأورد له مقاطيع شعر ودوبيت، فمن ذلك أبيات في بعض الوعاظ وهي:
ومن الشقاوة أنهم ركنوا إلى ... نزغات ذاك الأحمق التمتام
شيخ يبهرج دينه بنفاقه ... ونفاقه منهم على أقوام
وإذا رأى الكرسي تاه بأنفه ... أي أن هذا موضعي ومقامي
ويدق صدرا ما انطوى إلا على ... غل يواريه بكف عظام
ويقول أيش أقول من حصر به ... لا لازدحام عبارة وكلام [وله دوبيت:
هذا ولهي وكم كتمت الولها ... صونا لوداد من هوى النفس لها
يا آخر محنتي ويا أولها ... آيات غرامي فيك من أولها وله أيضا:
ساروا وأقام في فؤادي الكمد ... لم يلق كما لقيت منهم احد
شوق وجوى ونار وجد تقد ... مالي جلد، ضعفت ما لي جلد وله أيضا:
ما ضر حداة عيسهم لو رفقوا ... لم يبق غداة بينهم لي رمق
قلب قلق وأدمع تستبق ... أو هي جلدي من الفراق الفرق] (1) وكانت ولادته سنة اثنتين وثمانين وأربعمائة، وتوفي سنة اثنتين - أو ثلاث - وخمسين وخمسمائة، رحمه الله تعالى.
__________
(1) انفدرت به ر.

(4/228)


594 - (1)
محي الدين بن زكي الدين
أبو المعالي محمد بن أبي الحسن علي بن محمد [أبي المعالي مجد الدين] بن يحيى [أبي الفضل زكي الدين] (2) بن علي بن عبد العزيز بن علي بن الحسين بن محمد بن عبد الرحمن بن القاسم بن الوليد بن القاسم بن عبد الرحمن بن أبان بن [أمير المؤمنين] عثمان بن عفان، رضي الله عنه، القرشي (3) ، الملقب محيي الدين، المعروف بابن زكي الدين، الدمشقي الفقيه الشافعي، كان ذا فضائل عديدة من الفقه والأدب وغيرهما، وله النظم المليح والخطب والرسائل، وتولى القضاء بدمشق في شهر ربيع الأول، سنة ثمان وثمانين وخمسمائة، يوم الأربعاء العشرين من الشهر المذكور، هكذا وجدته بخط القاضي الفاضل: وكذلك أبوه [زكي الدين] وجده [مجد الدين، وجد أبيه زكي الدين أيضا وهو أول من ولي من بينهم] وولداه [زكي الدين أبو العباس الطاهر ومحيي الدين] كانوا قضاتها. وكانت له عند السلطان صلاح الدين، رحمه الله تعالى، المنزلة العالية (4) ، والمكانة المكينة. ولما فتح السلطان المذكور مدينة حلب (5) ، يوم السبت ثامن عشر صفر، سنة تسع وسبعين وخمسمائة، أنشده القاضي محيي الين المذكور قصيدة بائية، أجاد فيها كل الإجادة، وكان من جملتها بيت هو متداول بين الناس، وهو:
وفتحك القعلة الشهباء في صفر ... مبشر بفتوح القدس في رجب
__________
(1) ترجمته في الوافي 4: 169 وطبقات السبكي 4: 89 وعبر الذهبي 4: 205 والشذرات 4: 337؛ وسقطت الترجمة من ت.
(2) ما بين معقفين زيادات من ر والمختار، ولم يرد في المطبوعة المصرية.
(3) ر: وبقية النسب معروف؛ الأموي القرشي.
(4) ن: العليا؛ ر: المكانة المكينة والمنزلة العالية.
(5) قد مر هذا في ترجمة عماد الدين صاحب سنجار ج 2: 331.

(4/229)


فكان كما قال، فإن القدس فتحت لثلاث بقين من رجب سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة، وقيل لمحيي الدين: من أين لك هذا فقال: أخذته من تفسير ابن برجان في قوله تعالى: (ألم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين). ولما وقفت أنا على هذا البيت وهذه الحكاية لم أزل أتطلب تفسير ابن برجان حتى وجدته على هذه الصورة، لكن كان هذا الفصل مكتوبا في الحاشية بخط غير الأصل (1) ، ولا أدري هل كان من أصل الكتاب أم هو ملحق به (2) ، وذكر له حسابا طويلا وطريقا في استخراج ذلك حتى حرره من قوله بضع سنين.
ولما ملك السلطان صلاح الدين حلب، فوض الحكم والقضاء بها [في ثالث عشر ربيع الآخر من السنة] (3) إلى القاضي محيي الدين المذكور، فاستناب بها زين الدين بنا أبا الفضل بن البانياسي (4) .
ولما فتح السلطان القدس الشريف تطاول إلى الخطابة يوم الجمعة كل واحد من العلماء الذين كانوا في خدمته حاضرين، وجهز كل واحد منهم خطبة بليغة، طمعا في أن يكون هو الذي يعين لذلك، فخرج المرسوم إلى القاضي محيي الدين ان يخطب هو، وحضر السلطان وأعيان دولته، وذلك في أول جمعة صليت بالقدس بعد الفتح، فلما رقي المنبر استفتح بسورة الفاتحة، وقرأها إلى آخرها، ثم قال: (فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين)، ثم قرأ أول سورة الأنعام: (الحمد لله الذي خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور)، ثم قرأ من سورة سبحان: (وقل الحمد لله
__________
(1) ل لي س بر: بخط الأصل.
(2) بهامش المختار: " قلت، أعني كاتبها موسى بن أحمد لطف الله به: وقعت في القاهرة ودمشق على ثلاث نسخ من التفسير المذكور وهذا الفصل المشار إليه لكنه مكتوب على الجميع على الحاشية بعد خط الأصل. وأخبرني الشيخ تقي الدين محمد بن زين الدين الشافعي قاضي القضاة بالديار المصريثة رحمه الله تعالى أنه رأى هذا الفصل المعين في نسختين على صورة ما ذكرناه والله أعلم " .
(3) انفردت ر بما بين معقفين.
(4) ل: بنا بن الفضل؛ س لي: نبا بن الفضل؛ ابن البانيايسي: سقطت من النسخ ما عدا ر.

(4/230)


الذي لم يتخذ ولدا)، ثم قرأ أول الكهف: (الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب)، الآيات الثلاث، ثم قرأ من النمل: (وقل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى)، ثم قرأ من سورة سبأ: (الحمد لله الذي له ما في السموات)، ثم قرأ من سورة فاطر: (الحمد لله فاطر السموات والأرض)، وكان قصده أن يذكر جميع تحميدات القرآن الكريم، ثم شرع في الخطبة، فقال: الحمد لله معز الإسلام بنصره، ومذل الشرك بقهره، ومصرف الأمور بأمره، ومديم النعم بشكره، ومستدرج الكفار (1) بمكره، الذي قدر الأيام دولا بعدله، وجعل العاقبة للمتقين بفضله، وأفاء على عباده من ظله، وأظهر دينه على الدين كله، القاهر فوق عباده فلا يمانع، والظاهر على خليقته فلا ينازع، والآمر بما يشاء فلا يراجع، والحاكم بما يريد فلا يدافع، أحمده على إظفاره وإظهاره، وإعزازه لأوليائه ونصره لأنصاره، وتطهير بيته المقدس من أدناس الشرك وأوضاره، حمد من استشعر الحمد باطن سره وظاهر جهاره (2) ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، شهادة من طهر بالتوحيد قلبه، وأرضى به ربه، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله رافع الشك، وداحض (3) الشرك، وراحض الإفك، الذي أسرى به من المسجد الحرام إلى هذا المسجد الأقصى، وعرج به منه إلى السموات العلا إلى سدرة المنتهى، عندها جنة المأوى، ما زاغ البصر وما طغى، صلى الله عليه وعلى خليفته أبي بكر الصديق السابق إلى الإيمان، وعلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أول من رفع عن هذا البيت شعار الصلبان، وعلى أمير المؤمنين عثمان بن عفان ذي النورين جامع القرآن، وعلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب مزلزل الشرك ومكسر الأوثان، وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان.
__________
(1) ر: الكفر.
(2) ن: اجهاره.
(3) كذا في جميع النسخ؛ وزاد في متن ر: قلت وصوابه: مدحض الشرك لأنه رباعي والثلاثي منه لازم فليس له مفعول.

(4/231)


أيها الناس، أبشروا برضوان الله الذي هو الغاية القصوى والدرجة العليا لما يسره الله على أيديكم من استرداد هذه الضالة، من الأمة الضالة، وردها إلى مقرها من الإسلام، بعد ابتذالها في أيدي المشركين قريبا من مائة عام، وتطهير هذا البيت الذي أذن الله أن يرفع ويذكر فيه اسمه، وإماطة الشرك عن طرقه بعد أن امتد عليها رواقه واستقر فيها رسمه، ورفع قواعده بالتوحيد، فإنه بني عليه وشيد بنيانه بالتمجيد (1) ، فإنه أسس على التقوى من خلفه ومن بين يديه، فهو موطن (2) أبيكم إبراهيم، ومعراج نبيكم محمد عليه الصلاة والسلام، وقبلتكم التي كنتم تصلون إليها في ابتداء الإسلام، وهو مقر الأنبياء، ومقصد الأولياء، ومدفن الرسل ومهبط الوحي، ومنزل به ينزل الأمر والنهي، وهو في أرض المحشر وصعيد المنشر، وهو في الأرض المقدسة التي ذكرها الله في كتابه المبين، وهو المسجد [الأقصى] (3) الذي صلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالملائكة المقربين، وهو البلد الذي بعث الله إليه عبده ورسوله وكلمته التي ألقاها إلى مريم، وروحه عيسى الذي كرمه برسالته وشرفه بنبوته، ولم يزحزحه عن رتبة عبوديته، فقال تعالى: (لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون)، كذب العادلون بالله وضلوا ضلالا بعيدا (ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض، سبحان الله عما يصفون)، (لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم) إلى آخر الآيات من المائدة، وهو أول القبلتين، وثاني المسجدين، وثالث الحرمين، لا تشد (4) الرحال بعد المسجدين إلا إليه، ولا تعقد الخناصر بعد الموطنين إلا عليه، فلولا أنكم ممن اختاره الله من عباده، واصطفاه من سكان بلاده، لما خصكم بهذه الفضيلة التي لا يجاريكم فيها مجار، ولا يباريكم في شرفها مبار، فطوبى لكم من
__________
(1) ن: بالتجميد.
(2) ن: موطئ ثرى.
(3) زيادة من ر.
(4) ن: الذي لا تشد.

(4/232)


جيش ظهرت على أيديكم المعجزات النبوية، والواقعات البدرية، والعزمات الصديقية، والفتوحات العمرية، والجيوش العثماني، والفتكات العلوية، جددتم للإسلام أيام القادسية، والملاحم اليرموكية، والمنازلات الخيبرية (1) ، والهجمات الخالدية، فجزاكم الله عن نبيه محمد صلى الله عليه وسلم أفضل الجزاء، وشكر لكم ما بذلتموه من مهجكم في مقارعة الأعداء، وتقبل منكم ما تقربتم به إليه من مهراق الدماء، وأثابكم الجنة فهي دار السعداء، فاقدروا رحمكم الله هذه النعمة حق قدرها، وقوموا لله تعالى بواجب شكرها، فله تعالى المنة عليكم بتخصيصكم بهذه النعمة، وترشيحكم لهذه الخدمة، فهذا هو الفتح الذي فتحت له أبواب السناء، وتبلجت (2) بأنواره وجوه الظلماء، وابتهج به الملائكة المقربون، وقر به عينا الأنبياء والمرسلون، فماذا (3) عليكم من النعمة بأن جعلكم الجيش الذي يفتح على يديه البيت المقدس في آخر الزمان، والجند الذي تقوم بسيوفهم بعد فترة من النبوة أعلام الإيمان، فيوشك أن يفتح الله على أيديكم أمثاله، وأن تكون التهاني لأهل الخضراء، أكثر من التهاني لأهل الغبراء، أليس هو البيت الذي ذكره الله في كتابه، ونص عليه في محكم خطابه، فقال تعالى: (سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى)، أليس هو البيت الذي عظمته الملل، وأثنت عليه الرسل، وتليت فيه الكتب الأربعة المنزلة من الله عز وجل أليس هو البيت الذي أمسك الله تعالى لأجله الشمس على يوشع أن تغرب، وباعد بين خطواتها ليتيسر فتحه ويقرب أليس هو البيت الذي أمر الله عز وجل موسى أن يأمر قومه باستنقاذه فلم يجبه إلا رجلان، وغضب الله عليهم لأجله فألقاهم في التيه عقوبة للعصيان فاحمدوا الله الذي أمضى عزائمكم لما نكلت عنه بنو إسرائيل، وقد فضلت على العالمين، ووفقكم لما خذل فيه أمم كانت قبلكم من الأمم (4) الماضين، وجمع لأجله كلمتكم
__________
(1) ن: الحيرية.
(2) ن: وسلخت.
(3) ن: فماذا لله.
(4) ن: من قبلكم من الأمم.

(4/233)


وكانت شتى، وأغناكم بما أمضته كان وقد عن سوف وحتى، فليهنكم أن الله قد ذكركم به فيمن عنده، وجعلكم بعد أن كنتم جنودا لأهويتكم جنده، وشكر لكم الملائكة المنزلون، على ما أهديتم لهذا البيت من طيب التوحيد ونشر التقديس والتمجيد، وما أمطتم عن طرقهم فيه من أذى الشرك والتثليث، والاعتقاد الفاجر الخبيث، فالآن تستغفر لكم أملاك السموات، وتصلي عليكم الصلوات المباركات، فاحفظوا رحمكم الله هذه الموهبة فيكم، واحرسوا هذه النعمة عندكم، بتقوى الله التي من تمسك بها سلم، ومن اعتصم بعروتها (1) نجا وعصم، واحذروا من اتباع الهوى، ومواقعة الردى، ورجوع القهقرى، والنكول عن العدا، وخذوا في انتهاز الفرصة، وإزالة ما بقي من الغصة، وجاهدوا في الله حق جهاده، وبيعوا عباد الله أنفسكم في رضاه إذ جعلكم من خير عباده، وإياكم أن يستزلكم الشيطان، وأن يتداخلكم الطغيان، فيخيل لكم أن هذا النصر بسيوفكم الحداد، وخيولكم الجياد، وبجلادكم في مواطن الجلاد، لا والله ما النصر إلا من عند الله إن الله عزيز حكيم، فاحذروا عباد الله - بعد أن شرفكم بهذا الفتح الجليل، والمنح الجزيل، وخصكم بنصره المبين، وأعلق أيديكم بحبله المتين - أن تقترفوا كبيرا من مناهيه، وأن تأتوا عظيما من معاصيه، فتكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا، وكالذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين، والجهاد الجهاد فهو من أفضل عباداتكم، وأشرف عاداتكم، انصروا الله ينصركم، احفظوا الله يحفظكم، اذكروا الله يذكركم، اشكروا الله يزدكم ويشكركم، جدوا في حسم الداء، وقلع شأفة الأعداء، وطهروا بقية الأرض من هذه الأنجاس التي أغضبت الله ورسوله، واقطعوا فروع الكفر واجتثوا أصوله، فقد نادت الأيام يا للثارات (2) الإسلامية والملة المحمدية، الله أكبر، فتح الله ونصر، غلب الله وقهر، أذل الله من كفر، واعلموا رحمكم الله أن هذه فرصة فانتهزوها، وفريسة فناجزوها، وغنيمة فحوزوها، ومهمة فأخرجوا لها هممكم وأبرزوها، وسيروا إليها
__________
(1) ن: الذي تمسك به... بعروته.
(2) المختار: بالثارات.

(4/234)


سرايا عزماتكم وجهزوها، فالأمور بأواخرها، والمكاسب بذخائرها، فقد أظفركم الله بهذا العدو المخذول، وهم مثلكم أو يزيدون، فكيف وقد أضحى قبالة الواحد منهم منكم عشرون، وقد قال الله تعالى: (إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين، وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون)، أعاننا الله وإياكم على اتباع أوامره، والازدجار بزواجره، وأيدنا معاشر المسلمين بنصر من عنده (إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده)، إن أشرف مقال يقال في مقام، وأنفذ سهام تمرق عن قسي الكلام، وأمضى قول تحل به الأفهام، كلام الواحد الفرد العزيز العلام، قال الله تعالى: (وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم)، وقرأ أول الحشر، ثم قال: آمركم وإياي بما أمر به من حسن الطاعة فأطيعوه، وأنهاكم وإياي عما نهاكم عنه من قبح المعصية فلا تعصوه، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولجميع المسلمين فاستغفروه.
ثم خطب الخطبة الثانية على عادة الخطباء مختصرة ثم دعا للإمام الناصر خليفة العصر. ثم قال: اللهم وأدم سلطان عبدك الخاضع لهيبتك، الشاكر لنعمتك، المعترف بموهبتك، سيفك القاطع، وشهابك اللامع، والمحامي عن دينك المدافع، والذاب عن حرمك الممانع، السيد الأجل، الملك الناصر، جامع كلمة الإيمان، وقاطع عبدة الصلبان، صلاح الدنيا والدين، سلطان الإسلام والمسلمين، مطهر البيت المقدس أبي المظفر يوسف بن أيوب، محيي دولة أمير المؤمنين، اللهم عم بدولته البسيطة، واجعل ملائكتك براياته محيطة، وأحسن عن الدين الحنيفي جزاءه، واشكر عن الملة المحمدية عزمه ومضاءه، اللهم أبق للإسلام مهجته، ووق للإيمان حوزته، وانشر في المشارق والمغارب دعوته، اللهم كما فتحت على يديه البيت المقدس بعد أن ظنت الظنون، وابتلي المؤمنون، فافتح كما فتحت على يديه داني الأرض وقاصيها، وملكه صياصي الكفر ونواصيها، فلا تلقاه منهم كتيبة إلا مزقها، ولا جماعة إلا فرقها، ولا طائفة بعد طائفة إلا ألحقها

(4/235)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية