صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : عمر بن الخطاب
مصدر الكتاب : الإنترنت
[ ترقيم الكتاب موافق للمطبوع ]

وقارئا يصلي بالنساء.
وأول من ضرب في الخمر ثمانين.
وأول من عس بالمدينة، وحمل الدرة وأدب بها.
وغرب ربيعة بن امية بن خلف إلى خيبر (1).
7 - قال ابن الاثير: وقد ورد في الصحيح حديث عمر في بيعة أبي بكر..وكان عمر بن الخطاب اول من بايعه وكانت بيعته في السقيفة يوم وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم (2).
* * *
__________
(1) تاريخ الخميس: 2 / 243، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 3 / 109، تاريخ الخلفاء للسيوطي ص: 137، الاستيعاب: 3 / 1144 ترجمة عمر.
(2) اسد الغابة: 3 / 222.
(*)

(1/101)


حجه وطلب موافاة عماله - له في موسم الحج

(1/103)


حجه: قال ابن سعد: أول سنة استخلف فيها عمر - وهي سنة ثلاث عشرة - عبد الرحمن بن عوف فحج بالناس تلك السنة.
ثم لم يزل عمر بن الخطاب يحج بالناس في كل سنة خلافته كلها فحج بهم عشر سنين ولاء..وهو أخر المقام إلى موضعه اليوم [ و ] كان ملصقا بالبيت (1).
مزاحمته الضعيف عند الركن: أخرج البيهقي، عن سعيد بن المسيب، عن عمر بن الخطاب (رض) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا عمر إنك رجل قوي لا تؤذ الضعيف.
إذا أردت استلام الحجر.
فإن خلا لك فاستلمه، والا فاستقبله وكبر.
وأخرج البيهقي، عن ابي يعقوب، عن شيخ من خزاعة قال: وكان استخلفه الحجاج على مكة فقال: إن عمر (رض) كان رجلا شديدا وكان يزاحم عند الركن فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا عمر لا تزاحم عند الركن فإنك تؤذ الضعيف، فان رأيت خلوة فاستلمه، وإلا فاستقبله، وكبر، وامض.
رواه الشافعي عن ابن عييننه، عن
أبي يعقوب، عن الخزاعي.
قال سفيان: وهو عبد الرحمن بن الحارث: كان الحجاج استعمله عليها منصرفه منها
__________
(1) الطبقات: 3 / 205.
(*)

(1/104)


- وهو شاهد لرواية ابن المسيب - (1).
عماله في الحج: أخرج الطبري عن ابن عمر أنه قال: استعمل عمر على الحج عبد الرحمن بن عوف في السنة التي ولي فيها.
فحج بالناس.
ثم حج سنيه كلها بعد ذلك بنفسه، وكان عامل عمر في هذه السنة على ما ذكر على مكة: عتاب بن اسيد وعلى الطائف عثمان بن أبي العاص.
وعلى اليمن: يعلى بن منية.
وعلى عمان واليمامة: حذيفة بن محضن.
وعلى البحرين: العلاء بن الحضرمي.
وعلى الشام: أبو عبيدة بن الجراح.
وعلى فرج الكوفة، وما فتح من أرضها: المثنى بن حارثة.
وكان على القضاء فيم ذكر: علي بن أبي طالب.
وقيل: لم يكن لعمر في أيامه قاض (2).
قال أبو يوسف: وحدثني عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء أنه قال: كتب عمر (رض) إلى عماله أن يوافوه بالموسم، فوافوه فقام فقال: " يا أيها الناس: إني بعثت عمالي هؤلاء ولاة بالحق عليكم، ولم أستعملهم
ليصيبوا من أبشاركم، ولا من دمائكم، ولا من أموالكم.
فمن كانت له مظلمة عند احد منهم فليقم " قال: فما قام من الناس إلا رجل واحد فقال:
__________
(1) السنن الكبرى: 5 / 80 باب الاستلام في الزحام.
(2) تاريخ الطبري: 4 / 82.
(*)

(1/105)


يا أمير المؤمنين عاملك ضربني مائة سوط.
فقال عمر: أتضربه مائه سوط ؟ فاستقد منه.
فقام إليه عمرو بن العاص فقال له: يا أمير المؤمنين إنك إن تفتح هذا على عمالك كبر عليهم، وكانت سنة يأخذ من بعدك.
فقال عمر: الا اقيده منه، فقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقيد من نفسه ؟ قم فاستقد.
فقال عمرو: دعنا إذا فلنرضه.
قال: فقال دونكم.
فأرضوه بأن اشتريت منه بمأتي دينار، كل سوط بدينارين (1).
__________
(1) الخراج: ص 115 - 116.
(*)

(1/106)


علمه بالفقه

(1/107)


تحريمه للمتعتين: 1 - قال الشيخ جلال الدين السيوطي: وأول من حرم المتعة: عمر (1).
2 - قال الاستاذ الفكيكي:
قال الامام القوشجي متكلم الاشاعرة، وحكيمهم في أواخر مبحث الامامة من شرح كتاب التجريد في علم الكلام: إن عمر (رض) قال وهو على المنبر: أيها الناس: ثلاث كن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنا أنهى عنهن، وأحرمهن، واعاقب عليهن: متعة النساء، ومتعة الحج، وحي على خير العمل (2).
3 - قال السيوطي: أخرج اسحاق بن راهويه في مسنده، وأحمد عن الحسن أن عمر بن الخطاب هم أن ينهى عن متعة الحج فقام إليه ابي بن كعب فقال: ليس لك ذلك قد نزل بها كتاب الله، واعتمرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزل عمر (3).
4 - أخرج المتقي الهندي عن عمر أنه قال: إن أتم العمرة أن تفردوها من أشهر الحج { الحج أشهر معلومات } شوال وذو القعدة، وذو الحجة، فأخلصوا فيهن الحج، واعتمروا فيما سواهن (4).
__________
(1) تاريخ الخلفاء: ص 137.
(2) المتعة وأثرها في الاصلاح الاجتماعي: ص 71.
(3) الدر المنثور: 1 / 216.
(4) كنز العمال: 5 / 301 - 302.
(*)

(1/108)


5 - أخرج ابن شبة عن جابر رضي الله عنه أنه قال: لما ولي عمر (رض) خطب الناس فقال:
إن القرآن هو القرآن، وإن الرسول هو الرسول، وإنها كانتا متعتين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم: إحداهما متعة الحج، والاخرى متعة النساء فأفصلوا حجكم عن عمرتكم فإنه أتم لحجكم، وأتم لعمرتكم، والاخرى متعة النساء فلا اولي برجل تزوج امرأة إلى أجل إلا غيبته في الحجارة (1).
6 - أخرج الفخر الرازي، عن عمران بن الحصين أنه قال: نزلت آية المتعة في كتاب الله تعالى، ولم ينزل بعدها آية تنسخها، وأمرنا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتمتعنا بها، ومات، ولم ينهنا عنها، ثم قال رجل برأيه ما شاء.
7 - روي محمد بن جرير الطبري في تفسيره، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: لولا أن عمر نهى الناس عن المتعة ما زنى إلا شقي (2).
وقال الفخر الرازي: (الحجة الثانية) على جواز نكاح المتعة أن الامة مجمعة أن نكاح المتعة كان جائزا في الاسلام ولا خلاف بين أحد من الامة فيه، إنما الخلاف في طريان الناسخ فنقول: لو كان الناسخ موجودا لكان ذلك الناسخ، أما أن يكون معلوما بالتواتر، أو بالآحاد، فإن كان معلوما بالتواتر كان علي بن أبي طالب، وعبد الله ابن عباس، وعمران بن الحصين منكرين لما عرف ثبوته بالتواتر من دين محمد
__________
(1) تاريخ المدينة المنورة: 2 / 720، مسند أحمد: 1 / 52.
(2) تفسير الفخر الرازي: 10 / 51.
(*)

(1/109)


صلى الله عليه وسلم وذلك يوجب تكفيرهم وهو باطل قطعا، ولان كان ثابتا بالآحاد فهذا أيضا باطل، لانه لما كان إباحة المتعة معلوما بالاجماع، والتواتر، كان ثبوته معلوما قطعا فلو نسخناه بخبر الواحد لزم جعل المظنون رافعا للمقطوع، وإنه باطل.
قالوا: ومما يدل على بطلان القول بهذا النسخ إن أكثر الروايات: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن المتعة، وعن لحوم الحمر الاهلية يوم خيبر، وأكثر الروايات أنه عليه السلام أباح المتعة في حجة الوداع، وفي يوم الفتح، وهذان اليومان متأخران عن يوم خيبر، وذلك يدل على فساد ما روى أنه عليه السلام نسخ المتعة يوم خيبر، لان الناسخ يمتنع تقدمه إلى المنسوخ، وقول من يقول: إنه حصل التحليل مرارا، والنسخ مرارا ضعيف لم يقل به أحد من المعتبرين، إلا الذين أرادوا إزالة التناقض عن هذه الروايات (1).
وقال الفخر الرازي: " والقول الثاني أن المراد بهذه الآية { فما استمتعتم به منهن فأتوهن اجورهن } (2).
حكم المتعة، وهي عبارة عن أن يستأجر الرجل المرأة بمال معلوم، إلى أجل معين فيجامعها.
واتفقوا: أنها كانت مباحة في ابتداء الاسلام.
وروى: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم مكة في عمرته.
تزين نساء مكة، فشكا أصحاب الرسول طول العزوبة فقال: استمتعوا: من هذه النساء " (3).
__________
(1) نفس المصدر: 10 / 53 - 54.
(2) مابين المعقوفين لم يكن في الاصل وجدير بالذكر ان نذكر في هذا المقام فتاوى الصحابة في
مسألة المتعة.
(3) تفسير الفخر الرازي: 10 / 50.
(*)

(1/110)


سيرته في الحكم

(1/111)


قال الفخر الرازي: الحجة الثالثة * على جواز نكاح المتعة * ماروى أن عمر (رض) قال على المنبر: متعتان كانتا مشروعتين في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنا أنهي عنهما: متعة الحج، ومتعة النساء.
وهذا منه تنصيص على أن متعة النكاح كانت موجودة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقوله: وأنا أنهي عنهما.
يدل على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما نسخه، وإنما عمر هو الذي نسخه، وإذا ثبت هذا فنقول: هذا الكلام يدل على أن حل المتعة كان ثابتا في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، وأنه عليه السلام ما نسخه، وأنه ليس ناسخ إلا عمر، وإذا ثبت هذا وجب أن لا يصير منسوخا، لان ما كان ثابتا في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم، وما نسخه الرسول، يمتنع أن يصير منسوخا بنسخ عمر.
وهذا هو الحجة التي احتج بها عمران بن الحصين حيث قال: إن الله أنزل في المتعة آية، وما نسخه بآية اخرى، وأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمتعة، وما نهانا عنها.
ثم قال رجل برأيه ما شاء.
يرد أن عمر نهى عنها.
فهذا جملة وجوه القائلين بجواز المتعة (1).
المتعة في القرآن: قال الله تعالى { فما استمتعتم به منهن فآتوهن اجورهن }.
1 - قال القسطلاني: (فرخص لنا بعد ذلك بالثوب) أي إلى أجل، وهو: نكاح المتعة.
__________
(1) تفسير مفاتيح الغيب: 10 / 54.
(*)

(1/112)


وليس قوله بالثوب قيدا فيجوز بغيره، مما يتراضيان عليه.
ثم قرأ ابن مسعود: { يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم }.
قال النووي: في استشهاد ابن مسعود بالآية إنه كان يعتقد إباحة المتعة كابن عباس (1).
2 - أخرج البخاري، عن سعيد بن المسيب أنه قال: اختلف علي، وعثمان (رض) وهما بعسفان (2) في المتعة.
فقال علي ما تريد إلا أن تنهي عن أمر فعله النبي صلى الله عليه وسلم.
فلما رأى علي ذلك أهل بهما جميعا (3).
3 - أخرج البخاري عن قتادة أنه قال: حدثني مطرف عن عمران (رض) قال: تمتعنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزل القرآن.
قال رجل (4) برأيه ما شاء (5).
4 - أخرج المتقي الهندي، عن سعيد المسيب: أن عمر بن الخطاب نهى عن المتعة في أشهر الحج.
وقال: فعلتها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنا انهى عنها، وذلك:
أن أحدكم يأتي من افق من الآفاق شعثا نصبا معتمرا في أشهر الحج، وإنما شعثه، ونصبه وتلبيته في عمرته.
ثم يقدم فيطوف بالبيت، ويحل،
__________
(1) ارشاد الساري في شرح صحيح البخاري: 7 / 107.
(2) قال الحموي: وقال السكري: عسفان على مرحلتين من مكة على طريق المدينة.
فتوح البلدان 4 / 122.
(3) صحيح البخاري بحاشية السندي: 1 / 274.
(4) يقصد بالرجل: عمر بن الخطاب.
(5) صحيح البخاري: 1 / 274 باب التمتع على عهد النبي.
(*)

(1/113)


ويلبس، ويتطيب، ويقع على أهله إن كانوا معه حتى إذا كان يوم التروية أهل بالحج، وخرج إلى منى يلبي بحجه، لا شعث فيها ولا نصب، ولا تلبية إلا يوما، والحج أفضل من العمرة لو خلينا بينهم وبين هذا لعانقوهن تحت الاراك.
من أن أهل البيت ليس لهم ضرع، ولا زرع، وانما ربيعهم فيمن يطرأ عليهم (1).
5 - أخرج الطحاوي عن سعيد بن المسيب أنه قال: اجتمع علي وعثمان (رض) ب (عسفان) وعثمان (رض) ينهى عن المتعة.
فقال له علي: ما تريد إلى أمر قد فعله رسول الله تنهى عنه.
فقال: دعنا منك فقال: إني لا استطيع أن ادعك، ثم أهل علي بن أبي طالب رضي الله عنه بهما جميعا.
وعن سعيد بن المسيب ايضا قال: حج عثمان (رض) فقا له علي رضي الله عنه.
ألم تسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال: بلى (2).
6 - قال السيوطي: وأخرج الحاكم وصححه من طريق مجاهد وعطاء عن جابر أنه قال: كثرت القالة من الناس فخرجنا حجاجا حتى إذا لم يكن بيننا، وبين أن نحل إلا ليالي قلائل أمرنا بالاحلال قلنا: أيروح أحدنا إلى عرفه، وفرجه يقطر منيا فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فقام خطيبا فقال:
__________
(1) شرح معاني الاثار: 2 / 140 - 141.
كنز العمال: 5 / 167، الدر المنثور: 1 / 216.
(2) كنز العمال: 5 / 164 رقم الحديث / 12477 (*).

(1/114)


إبا لله تعلموني أيها الناس.
فأنا والله أعلمكم بالله، وأتقاكم له.
ولو اسقبلت من أمري ما استدبرت، ما سقت هديا، ولحللت كما أحلوا..(الحديث) (1).
7 - أخرج النسائي، عن ابن عباس أنه قال: سمعت عمر يقول: إني لانهاكم عن المتعة، وإنها لفي كتاب الله، ولقد فعلها رسول الله.
يعني: العمرة في الحج (2).
8 - أخرج الامام أحمد، عن عبد الرحمن بن نعم، أو نعيم الاعرجي، شك أبو الوليد قال: سأل رجل ابن عمر عن المتعة، وأنا عنده، متعة النساء فقال: والله ما كنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم زانين، ولا مسافحين، ثم قال:
ولقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ليكونن قبل يوم القيامة المسيح الدجال، وكذابون ثلاثون (3).
9 - قال الدكتور صلاح الدين المنجد حول تحريم عمر للمتعة: واتبع الناس قول ابن عباس، وسارت فتياه في الآفاق حتى دخلت في الشعر: قد قلت للشيخ لما طال مجلسه * يا صاح هل لك في فتوى ابن عباس هل لك في رخصة الاطراف آنسة * تكون مثواك حتى مصدر الناس
__________
(1) الدر المنثور: 1 / 217.
(2) سنن النسائي: 5 / 153.
(3) مسند احمد: 2 / 95.
(*)

(1/115)


وسار بعض التابعين فيما بعد على الترخيص في المتعة.
وكان أحد الاعلام الثقاة، وفقيه أهل مكة في زمانه تزوج نحوا من تسعين امرأة نكاح المتعة، وكان يرى الرخصة في ذلك.
ولاشك أن المتعة الحلال، باتفاق المرأة والرجل قد يسرت على الرجال، وخلصتهم من كثير من العسر.
فقد رخص بالمتعة للمضطر للحاجة إلى المرأة في الغزو، أو لعدم استطاعته الزواج في الحضر.
لان قيودها أخف من قيود الزواج.
فهي تكون إلى أجل مسمى، وهي لا توجب الميراث (1).
10 - ذكر الراغب الاصبهاني: أن عبد الله بن الزبير عير ابن عباس بتحليله المتعة فقال له ابن عباس: سل امك كيف سطعت المجامر بينها، وبين أبيك.
فسألها فقالت:
ما ولدتك إلا بالمتعة (2).
11 - أخرج الطحاوي عن ابن عباس أنه قال: (كانوا يرون أن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور) (3).
12 - عن أبي حمزة نصر بن عمران الضبعي أنه قال: تمتعت فنهاني ناس، فسألت ابن عباس رضي الله عنه فأمرني.
فرأيت كأن رجلا يقول لي: حج مبرور، وعمرة متقبلة.
فأخبرت ابن عباس فقال: سنة النبي صلى الله عليه وسلم.
فقال لي: أقم عندي فأجعل لك سهما من
__________
(1) الحياة الجنسية عند العرب: ص 195.
(2) محاضرات الادباء: (3) أي من أعظم الذنوب.
شرح معاني الاثار: 2 / 158.
(*)

(1/116)


مالي (1) (2).
13 - أخرج البخاري عن ابن عباس رضي الله عنها قال: كانوا يرون أن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور في الارض، ويجعلون المحرم صفرا ويقولون: إذا برأ الدبر، وعفا الاثر، وانسلخ صفر حلت العمرة لمن اعتمر.
قدم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه صبيحة رابعة (3) مهلين بالحج فأمرهم أن يجعلوها عمرة.
فتعاضم ذلك عندهم فقالوا يارسول الله: أي الحل قال: حل كله (4) (5).
14 - وأخرج مسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذه عمرة استمتعنا بها فمن لم يكن
عنده الهدي فليحل الحل كله فإن العمرة قد دخلت في الحج إلى يوم القيامة (6).
15 - أخرج مسلم عن شعبة، عن مسلم القري أنه قال: سألت ابن عباس رضي الله عنهما عن متعة الحج فرخص فيها وكان ابن الزبير ينهى عنها فقال: هذه ام ابن الزبير تحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رخص فيها
__________
(1) وأورد هذا الحديث البخاري في صحيحه وقال: قال شعبة: فقلت لم قال: للرؤيا التي رأيت.
(2) اللؤلؤ والمرجان: 2 / 778.
صحيح البخاري بحاشية السندي: 1 / 273.
شرح معاني الاثار: 2 / 191.
(3) أي من شهر ذي الحجة.
(4) في صحيح مسلم: الحل كله: وفي السنن للبيهقي قال بعد الحل كله: يعني يحلون من كل شئ.
(5) صحيح البخاري بحاشية السندي: 1 / 273.
صحيح مسلم: 4 / 56 كتاب الحج باب جواز العمرة في أشهر الحج.
السنن الكبرى للبيهقي 4 / 345 باب العمرة في اشهر الحج.
(6) الجامع الصحيح: 4 / 57.
(*)

(1/117)


فادخلوا عليها فسألوها قال: فدخلنا عليها، فإذا إمرأة ضخمة عمياء، فقالت قد رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها (1).
16 - اخرج الامام أحمد، عن ابن شهاب عن سالم أنه قال: كان عبد الله بن عمر يفتي بالذي أنزل الله عزوجل من الرخصة في التمتع، وسن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه فيقول ناس لابن عمر: كيف تخالف أباك، وقد نهى عن ذلك.
فيقول لهم: ويلكم: ألا تتقون الله، إن كان عمر نهى عن ذلك...فلم تحرمون
ذلك وقد أحله الله، وعمل به رسول الله صلى الله عليه وسلم.
أفرسول الله صلى الله عليه وسلم أن تتبعوا، أم سنة عمر ؟ !...(2).
17 - أخرج الترمذي، عن ابن شهاب أن سالم بن عبد الله حدث أنه سمع رجلا من أهل الشام، وهو يسأل عبد الله بن عمر عن التمتع بالعمرة إلى الحج.
فقال عبد الله بن عمر: هي حلال.
فقال الشامي: إن أباك قد نهى عنها.
فقال عبد الله بن عمر: أرأيت إن كان أبي نهى عنها، وصنعها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
أأمر أبي نتبع، أم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فقال الرجل: بل أمر رسول الله.
فقال [ عبد الله بن عمر ] قد صنعها رسول الله.
وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح (3).
__________
(1) الجامع الصحيح: 4 / 55.
(2) مسند احمد: 2 / 95.
(3) صحيح الترمذي: 2 / 159 رقم الحديث / 823.
(*)

(1/118)


من أقوال الصحابة في المتعة

(1/119)


1 - أخرج الطحاوي، عن سالم أنه قال:
(إني لجالس مع ابن عمر (رض) في المسجد إذ جاءه رجل من أهل الشام، فسأله: عن التمتع بالعمرة إلى الحج.
فقال ابن عمر: (حسن جميل).
فقال: إن أباك كان ينهى عن ذلك.
فقال: ويلك، فإن كان أبي قد نهى عن ذلك، وقد فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر به، فبقول أبي تأخذ، أم بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ !).
فقال: بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فقال: (قم عني) (1).
2 - أخرج الطحاوي، عن نافع، عن ابن عمر (رض): أن عمر بن الخطاب (رض) قال: أفصلوا بين حجكم، وعمرتكم، فإنه أتم لحج أحدكم، وأتم لعمرته أن يعتمر في غير أشهر الحج (2).
3 - أخرج ابن ماجة القزويني، عن أبي جعفر أنه قال: كان ابن عمر إذا سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا لم يعده ولم يقصر دونه (3).
4 - أخرج الامام أحمد، عن جابر بن عبد الله أنه قال: تمتعنا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم: الحج، والنساء.
فنهانا عنها عمر، فانتهينا (4).
__________
(1) شرح معني الاثار: 2 / 147.
(2) شرح معاني الاثار: 2 / 147.
(3) سنن ابن ماجة: 1 / 4.
(4) مسند احمد: 3 / 356.
(*)

(1/120)


5 - قال الشيخ جلال الدين السيوطي: وأخرج ابن أبي شيبة عن سعيد بن المسيب أنه قال: نهى عمر عن متعتين: متعة الحج، ومتعة النساء (1).
6 - وأخرج الامام أحمد، عن أبي موسى [ عن المتعة ] (2) أن عمر (رض) قال: هي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني: المتعة.
ولكني أخشى أن يعرسوا بهى تحت الاراك (3) ثم يروحون بهن حجاجا (4).
7 - وأخرج النسائي عن ابراهيم بن أبي موسى، عن ابي موسى أنه كان يفتي بالمتعة.
فقال له رجل: رويدك ببعض فتياك، فإنك لا تدري ما أحدث أمير المؤمنين في النسك بعد حتى لقيته فسألته فقال عمر: قد علمت: أن النبي صلى الله عليه وسلم قد فعله، ولكن كرهت أن يظلوا معرسين بهن في الاراك، ثم يروحوا بالحج تقطر رؤوسهم (5).
8 - أخرج مسلم، عن زيد، عن أيوب، أنه قال: سمعت مجاهدا يحدث عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه أنه قال: قدمنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نقول: لبيك بالحج.
فأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نجعلها عمرة (6).
__________
(1) الدر المنثور: 1 / 141.
(2) ما بين المعقوفين لم يكن في الاصل.
(3) الاراك: بفتح الهمزة: شجرة معروف ولعله أريد هنا أراك كان بقرب عرفات.
هامش سنن النسائي: 5 / 153.
(4) مسند احمد: 1 / 49.
(5) سنن النسائي: 5 / 153.
كنز العمال: 5 / 165 رقم الحديث / 12478.
(6) صحيح مسلم: 2 / 886 كتاب الحج باب في المتعة بالحج والعمرة، تذكرة الحفاظ للذهبي: = (*)

(1/121)


9 - أخرج الترمذي، عن محمد بن عبد الله بن الحارث بن نوفل أنه سمع سعد بن أبي وقاص، والضحاك بن قيس، وهما يذكران التمتع بالعمرة إلى الحج.
فقال الضحاك بن قيس لا يصنع ذلك إلا من جهل أمر الله.
فقال سعد: بئس ما قلت يا اخي ! فقال الضحاك: فإن عمر بن الخطاب قد نهى عن ذلك.
فقال سعد: قد صنعها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصنعناها معه.
وقال الترمذي: هذا حديث صحيح (1).
10 - أخرج الطحاوي، عن أنس (رض) أنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " لبيك بعمرة وحجة " (2).
11 - أخرج النسائي، عن مطرف عن عمران: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع بين حج، وعمرة، ثم لم ينزل فيها كتاب، ولم ينه عنهما النبي صلى الله عليه وسلم.
قال فيهما رجل (3) برأيه ما شاء (4).
12 - أخرج الطحاوي، عن عمران أنه قال: تمتعنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزل فيها القرآن، فلم ينهنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم ينسخها شئ ثم قال رجل برأيه ما شاء (1).
__________
= 1 / 115 - 116.
(1) صحيح الترمذي: 2 / 159.
رقم الحديث / 822.
(2) شرح معاني الآثار: 2 / 153.
(3) يقصد بالرجل: عمر بن الخطاب.
(4) سنن النسائي: 5 / 149 باب القران.
(5) شرح معاني الآثار: 2 / 143.
(*)

(1/122)


13 - أخرج النسائي عن الحكم أنه قال: سمعت علي بن حسين يحدث عن مروان: أن عثمان نهى عن المتعة، وأن يجمع الرجل بين الحج والعمرة.
فقال علي: لبيك بحج، وعمرة معا.
فقال عثمان: أتفعلها وأنا أنهى عنها.
فقال علي: لم أكن لادع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لاحد من الناس (1).
14 - أخرج أحمد عن سعيد بن المسيب أنه قال: خرج عثمان (رض) حاجا حتى إذا كان ببعض الطريق قيل لعلي رضوان الله عليه إنه قد نهى عن التمتع بالعمرة إلى الحج.
فقال علي رضي الله عنه لاصحابه: إذا ارتحل فارتحلوا، فأهل علي، وأصحابه بعمرة.
فلم يكلمه عثمان (رض) في ذلك.
فقال له علي رضى الله عنه: ألم اخبر أنك نهيت عن التمتع بالعمرة، فقال: بلى.
قال: فلم تسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم تمتع.
قال: بلى (2).
15 - أخرج أحمد عن سراقة بن جعشم أنه قال:
يارسول الله أرأيت عمرتنا هذه.
ألعامنا هذا ؟ أم للابد (3).
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بل للابد (4).
__________
(1) سنن النسائي: 5 / 148 باب القران.
(2) مسند احمد: 1 / 57، شرح معاني الآثار: 2 / 141، كنز العمال: 5 / 166.
(3) وزاد الطحاوي بعد أم للابد.
" بل لابد الابد ".
(4) مسند احمد: 4 / 157، شرح معاني الآثار: 2 / 191.
(*)

(1/123)


اجتهاده في مقابل النص

(1/125)


إجتهاده في مقابل النص: 1 - أخرج ابو عمر، عن اذينة بن مسلمة أنه قال: أتيت عمر بن الخطاب (رض) فسألته: من أين أعتمر ؟ فقال: إيت عليا فسله.
الحديث...وفيه قال عمر: ما أجد لك إلا ما قال علي (1).
2 - أخرج الطحاوي، عن إبراهيم بن عبد الاعلى، أنه قال: سمعت سويدا يقول: سمعت عمر (رض) يقول: أفردوا بالحج (2).
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا إن العمرة دخلت في الحج إلى يوم القيامة (3).
3 - أخرج الطحاوي، عن ابن عمر، أن عمر بن الخطاب (رض) قال: أفصلوا بين حجكم وعمرتكم فإنه أتم لحج أحدكم، وأتم لعمرته أن يعتمر في غير أشهر الحج (4).
4 - قال الاستاذ الفاضل الشيخ سيد سابق المصري:
قد اعترضت امرأة على عمر (رض) حينما نهى عن التغالي في المهر، وأراد أن يضع حدا فقالت أمرأة يا أمير المؤمنين أما سمعت الله يقول: { وإن آتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا }.
__________
(1) الاستيعاب: 3 / 1103.
(2) شرح معاني الآثار: 2 / 147.
(3) مسند أحمد بن حنبل: 4 / 175.
(4) شرح معاني الآثار: 2 / 147، حلية الاولياء لابي نعيم: 5 / 205، الدر المنثور للسيوطي: 1 / 218، الموطأ: للامام مالك: 1 / 347 كتاب الحج تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي.
(*)

(1/126)


فقال: أصابت امرأة وأخطأ عمر (1).
5 - قال السيوطي: وأخرج الزبير بن بكار في الموفقيات، عن عبد الله بن مصعب، قال: قال عمر: لا تزيدوا في مهور النساء على أربعين أوقية، فمن زاد ألقيت الزيادة في بيت المال.
فقالت امرأة: ما ذاك لك قال: ولم ؟ قالت: لان الله يقول: { وآتيتم إحداهن قنطارا } الآية.
قال عمر: امرأة أصابت ورجل أخطأ (2).
6 - قال ابن أبي الحديد: قال عمر: لا يبلغني أن امرأة تجاوز صداقها نساء النبي، إلا ارتجعت ذلك منها.
فقالت له امرأة: ما جعل الله لك ذلك إنه تعالى يقول: { وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا }.
فقال: كل الناس أفقه من عمر، حتى ربات الحجال.
ألا تعجبون من إمام أخطأ، وامرأة أصابت، فأضلت إمامكم ففضلته (3).
المؤلف: وأورد هذا الحديث أبو الاعلى المودودي مع اختلاف في اللفظ انظر: (4).
7 - أخرج ابن كثير الدمشقي عن أبي العجفاء السلمي أنه قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول:
__________
(1) اسلامنا: ص 125.
(2) الدر المنثور: 2 / 133.
(3) شرح النهج: 1 / 61.
(4) الخلافة والملك: ص 62.
(*)

(1/127)


ألا لا تغلوا في صداق النساء، فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا، أو تقوى عند الله كان أولاكم بها النبي صلى الله عليه وسلم امرأة من نسائه، ولا أصدقت امرأة من بناته أكثر من إثني عشر أوقية (1).
وأورد الزمخشري هذا الحديث في تفسيره وقال: فقامت إليه امرأة فقالت: يا أمير المؤمنين لم تمنعنا حقا جعله الله لنا، والله يقول: { وأتيتم إحداهن قنطارا } فقال عمر: كل أحد أعلم من عمر.
ثم قال لاصحابه: تسمعونني أقول هذا القول فلا تنكرونه علي حتى ترد علي امرأة ليست من أعلم النساء (2).
8 - أخرج السيوطي، عن مسروق أنه قال:
ركب عمر بن الخطاب المنبر ثم قال: أيها الناس، ما إكثاركم في صداق النساء، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وإنما الصدقات فيما بينهم أربعمائة درهم فما دون ذلك، ولو كان الاكثار في ذلك تقوى عند الله، أو مكرمة، لم تسبقوهم إليها.
فلا أعرفن ما زاد رجل في صداق امرأة على أربعمائة درهم، ثم نزل.
فاعترضته امرأة من قريش فقالت له: يا أمير المؤمنين: نهيت الناس أن يزيدوا النساء في صدقاتهن على أربعمائة درهم: قال: نعم.
فقالت: أما سمعت ما أنزل الله، يقول: { وآتيتم احداهن قنطارا } فقال:
__________
(1) تفسير العظيم: 1 / 466.
(2) تفسير الكشاف: 1 / 514.
(*)

(1/128)


اللهم غفرا كل الناس أفقه من عمر، ثم رجع فركب المنبر، فقال: يا أيها الناس: إني قد نهيتكم أن تزيدوا النساء في صدقاتهن على أربعمائة درهم فمن شاء أن يعطي ماله ما أحب (1).
9 - قال الزمخشري وعن عمر (رض) أنه قام خطيبا فقال: يا أيها الناس: لا تغالوا بصداق النساء، لو كانت مكرمة في الدنيا، أو تقوى عند الله لكان أولاكم بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما أصدق امرأة من نسائه اكثر من اثني عشر أوقية.
فقامت إليه امرأة فقالت له: يا أمير المؤمنين لم تمنعنا حقا جعله الله لنا والله يقول: { وآتيتم احداهن قنطارا } فقال عمر كل أحد أعلم من عمر، ثم قال
لاصحابه: تسمعونني أقول مثل هذا القول فلا تنكرونه علي حتى ترد علي امرأة ليست من أعلم النساء (2).
10 - وقال ابن كثير الدمشقي: قال الحافظ ابو يعلى: حدثنا أبو خيثمة، حدثنا يعقوب بن ابراهيم حدثنا أبي، عن أبي إسحاق، حدثني محمد بن عبد الرحمن، عن خالد بن سعيد، عن الشعبي، عن مسروق أنه قال: ركب عمر بن الخطاب منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: أيها الناس: ما إكثاركم في صداق النساء، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، والصدقات فيما بينهم أربعمائة درهم، فما دون ذلك، ولو كان الاكثار في ذلك تقوى عند الله، أو كرامة لم تسبقوهم إليها.
فلاعرفن ما زاد رجل في صداق امرأة على أربعمائة درهم.
قال: ثم نزل.
فاعترضته امرأة من قريش فقالت: يا أمير المؤمنين: نهيت الناس أن يزيدوا في مهر النساء على اربعمائة
__________
(1) الدر المنثور: 2 / 133.
(2) تفسير الكشاف: 1 / 514.
(*)

(1/129)


درهم ؟ قال: نعم.
فقالت: أما سمعت ما أنزل الله في القرآن ؟ قال: وأي ذلك ؟ فقالت: أما سمعت الله يقول: { وآتيتم احداهن قنطارا }.
الآية.
قال: اللهم غفرا، كل الناس أفقه من عمر (1).
* * *
__________
(1) تفسير القرآن العظيم: 1 / 467.
(*)

(1/130)


غرائب في أحكامه وفتاويه

(1/131)


فهمه للقضايا: 1 - قال ابن عبد البر، في ترجمة كعب بن سور الازدي (1): كان مسلما على عهد النبي صلى الله عليه وسلم..بعثه عمر بن الخطاب قاضيا على البصرة لخبر عجيب مشهور جرى له معه في امرأة شكت زوجها إلى عمر فقالت: إن زوجي يقوم الليل، ويصوم النهار، وأنا أكره أن أشكوه اليك فهو يعمل بطاعة الله.
فكأن عمر لم يفهم عنها، وكعب بن سوار هذا جالس معه فأخبره: أنها تشكو أنها ليس لها من زوجها نصيب فأمره عمر بن الخطاب أن يسمع منها.
ويقضي بينهما.
فقضى للمرأة بيوم من أربعة أيام، وليلة من أربع ليال فسأله عمر عن ذلك فنزع بأن الله عزوجل أحل له أربع نسوة لا زيادة فلها الليلة من أربع ليال هذا معنى الخبر احتصرت لفظه، وجئت بمعناه وأما ما حكاه الشعبي في هذا الخبر فذكر أن كعب بن سور كان جالسا عند عمر بن الخطاب فجائت امرأة فقالت: ما رأيت رجلا قط أفضل من زوجي.
أنه ليبيت ليله قائما، ويظل نهاره صائما في اليوم الحار ما يفطر.
فاستغفر لها عمر وأثنى عليها.
وقال: مثلك اثني بالخير وقال: فاستحيت المرأة، وقامت راجعة.
فقال: كعب ابن سورة: يا أمير المؤمنين هلا أعديت المرأه على زوجها إذا جاءتك تستعديك فقال: أكذلك أرادت ؟ قال: نعم.
قال: ردوا علي المرأة.
فردت.
فقال لها:
لا بأس بالحق أن تقوليه.
__________
(1) كعب بن سوار.
في تاريخ الخلفاء للسيوطي.
(*)

(1/132)


إن هذا يزعم أنك جئت تشتكين إنه يجتنب فراشك.
قالت: أجل: إني امرأة شابة، وإني ابتغي ما تبتغي النساء، فأرسل إلى زوجها فجاء.
فقال كعب: إقضي بينهما.
فقال: أمير المؤمنين أحق بأن يقضي بينهما فقالك عزمت عليك لتقضين بينهما، فإنك فهمت من أمرهما ما لم أفهم قال: فإني أرى أن لها يوما من أربعة أيام، إن كان زوجها له أربع نسوة فإذا لم يكن له غيرها فإني أقضي له بثلاثة أيام ولياليهن يتعبد فيهن ولها يوم وليلة فقال عمر: والله ما رأيك الاول بأعجب من الآخر إذهب فأنت قاضي على أهل البصرة...قال أبو عمر رحمه الله فأعجب عمر ما قضى بينهما فبعثه قاضيا على البصرة.
وعن محمد بن سيرين قال: 2 - جاءت امرأة إلى عمر بن الخطاب فقالت: إن زوجي يصوم النهار، ويقوم الليل.
فقال: ما تريدين ؟ فقالت: إن زوجي يصوم النهار، ويقوم الليل.
قال: أتريدين أن أنهاه عن صيام النهار، وقيام الليل.
ثم جاءته الثالثة فقالت: إن زوجي يصوم النهار، ويقوم الليل.
قال: أفتريدين أن أنهاه عن صيام النهار، وقيام الليل.
قال وكان عنده كعب بن سور قال كعب:
إنها امرأة تشتكي زوجها.
فقال عمر: أما إذا فطنت لها فقم، فاحكم بينهما.
فقام كعب، وجاءت بزوجها فقالت: يا أيها القاضي الفقيه أرشده * ألهي خليلي عن فراشي مسجده

(1/133)


زهده في مضجعي وتعبده * نهاره وليله ما يرقده ولست في أمر النساء أحمده * فامضي القضا يا كعب لا تردده فقال الزوج: إني امرؤ قد شفني ما قد نزل * في سورة النور في السبع الطول وفي الحواميم الشفا وفي النحل * فردها عني وعن سوء الجدل فقال كعب: إن السعيد بالقضاء فصل * ومن قضى بالحق حقا وعدل إن لها حقا عليك يا بعل * من أربع واحدة لمن عقل أمض لها ذلك ودع عنك العلل ثم قال له: أيها الرجل إن لك أن تتزوج من النساء مثنى، وثلاث، ورباع فلك ثلاثة أيام، ولامرأتك هذه يوم، ومن أربع ليال ليلة فلا تصل في ليلتها إلا الفريضة.
فبعثه عمر قاضيا على البصرة (1).
* * *
__________
(1) الاستيعاب بهامش الاصابة: 3 / 303 - 307، الاصابة في تمييز الصحابة: 3 / 315، تاريخ الخلفاء للسيوطي: ص 141، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 3 / 105.
(*)

(1/134)


وضوء عمر:
قال السيد أحمد بن زيني دحلان مفتي مكة المكرمة: وكان عمر كبقية أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم...يتساهلون في الطهارة الظاهرة حتى ان عمر توضأ من ماء في جرة نصرانية (1).
اسقاطه الصلاة عمن فقد الماء: أخرج الحافظ ابن كثير الدمشقي، عن عبد الرحمن بن أبزي، عن أبيه ان رجلا أتى عمر فقال: إني أجنبت فلم أجد ماء.
فقال عمر: لا تصلي.
قال عمار: أما تذكر يا أمير المؤمنين إذ أنا، وأنت في سرية فأجنبنا فلم نجد ماء، فأما أنت فلم تصل، وأما أنا فتمعكت في التراب فصليت.
فلما أتينا النبي صلى الله عليه وسلم ذكرت ذلك له.
فقال: إنما يكفيك، وضرب النبي صلى الله عليه وسلم بيده الارض، ثم نفخ فيها، ومسح بها وجهه، وكفيه (2).
* * *
__________
(1) الفتوحات الاسلامية: 2 / 485 ط مصر عام 1354 ه.
(2) تفسير ابن كثير: 4 / 505، السنن الكبرى للبيهقي: 1 / 209، سنن النسائي: 1 / 169 باب نوع آخر من التيمم، شرح معاني الآثار للطحاوي: 1 / 112، سنن ابن ماجة: 1 / 188.
(*)

(1/135)


تركه الصلاة عند فقدان الماء: أخرج النسائي عن عبد الرحمن بن أبزي أنه قال: كنا عند عمر فأتاه رجل فقال: يا أمير المؤمنين ربما نمكث الشهر، والشهرين، ولا نجد الماء.
فقال عمر:
أما أنا فإذا لم أجد الماء لم أكن لاصلي حتى أجد الماء.
فقال عمار بن ياسر: أتذكر يا أمير المؤمنين حيث كنت بمكان كذا وكذا نرعى الابل، فتعلم أننا أجنبنا، قال: نعم.
أما أنا فتمرغت في التراب.
فأتينا النبي صلى الله عليه وسلم، فضحك.
فقال: إن كان الصعيد لكافيك (1).
وضرب بكفيه إلى الارض ثم نفخ فيها، ثم مسح وجهه وبعض ذراعيه فقال: إتق الله يا عمار فقال: يا أمير المؤمنين لان شئت لم أذكره قال: لا.
ولكن نوليك من ذلك ما توليت (2).
أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بالتيمم عمن فقد الماء: أخرج البخاري، عن الاعمش، عن شقيق قال: كنت جالسا مع عبد الله، وأبي موسى الاشعري.
فقال له أبو موسى:
__________
(1) اخرج الامام احمد هذا الحديث عن عبد الرحمن بن أبزي وقال: كان الصعيد الطيب كافيك.
وضرب بكفيه الارض ثم نفخ فيهما، ثم مسح بهما وجهه وبعض ذراعيه.
قال: اتق الله يا عمار.
قال: يا أمير المؤمنين.
إن شئت لم اذكره ما عشت أو ما حييت قال كلا.
(الحديث) مسند احمد: 4 / 319.
(2) سنن النسائي: 1 / 168 - 169، مسند احمد: 4 / 319، السنن الكبرى للبيهقي: 1 / 209.
(*)

(1/136)


لو أن رجلا أجنب فلم يجد الماء شهرا، أما كان يتيمم ويصلي ؟ فكيف تصنعون بهذه الآية في سورة المائدة { فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا }.
فقال عبد الله: لو رخص لهم في هذا لاوشكوا إذا يرد عليهم الماء أن يتيمموا الصعيد.
قلت: وإنما كرهتم هذا لذا.
قال: نعم.
فقال أبو موسى: ألم تسمع قول عمار لعمر ؟ ! بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم في حاجة.
فأجنبت لم أجد الماء فتمرغت في الصعيد كما تمرغ الدابة فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: إنما يكفيك أن تصنع هكذا: فضرب بكفه ضربة على الارض ثم نفضها، ثم مسح بها ظهر كفه بشماله، أو ظهر شماله بكفه، ثم مسح بهما وجهه.
فقال عبد الله أفلم تر عمر لم يقنع بقول عمار (1).
وأخرج البيهقي عن الاعمش، عن شقيق قال: كنت جالسا مع عبد الله، وأبي موسى.
فقال أبو موسى: يا أبا عبد الرحمن.
الرجل يجنب فلا يجد الماء يصلي ؟ قال: لا.
قال: ألم تسمع قول عمار لعمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثني أنا، وأنت فأجنبت فتمعكت بالصعيد فأتينا رسول الله صلى الله علسه وسلم وأخبرناه فقال: إنما يكفيك هكذا: ومسح وجهه وكفيه واحدة فقال: إني لم أر عمر قنع بذلك قال: قلت: وكيف تصنعون بهذه الآية { فتيمموا صعيدا طيبا } قال: إنا لو رخصنا لهم في هذا كان أحدهم إذا وجد الماء البارد يمسح
__________
(1) صحيح البخاري مشكول: 1 / 73، سنن أبي داود: 1 / 81 كتاب الطهارة: التيمم.
(*)

(1/137)


بالصعيد.
قال الاعمش: قلت لشقيق: فما كرههه إلا لهذا.
أخرجه البخاري ومسلم من أوجه عن الاعمش (1).
وقال النسائي: أخبرنا عمرو بن يزيد قال: حدثنا شعبة قال: حدثنا الحكم، عن ذر بن عبد الرحمن بن أبزي عن أبيه أن رجلا سأل عمر عن التيمم فلم يدر ما يقول.
فقال عمار: أتذكر حيث كنا في سرية فأجنبت فتمعكت في التراب فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إنما يكفيك هكذا: وضرب شعبة بيديه على ركبتيه ونفخ في يديه، ومسح بهما وجهه، وكفيه مرة واحدة (2).
وقال الشارح في هامش الصفحة: وجد في نسخة زيادة: أخبرنا اسماعيل بن مسعود، أنبأنا خالد، أنبأنا شعبة، عن الحكم [ قال ] (3): سمعت ذرا يحدث عن ابن أبزي عن أبيه قال، وقد سمعه الحكم من ابن عبد الرحمن قال: أجنب رجل فأتى عمر (رض) فقال: إني اجنبت فلم أجد ماء قال: لا تصلي.
قال له عمار أما تذكر: إنا كنا في سرية فأجنبنا.
فأما أنت فلم تصل، وأما أنا فإني تمعكت، فصليت، ثم أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فقال: إنما يكفيك.
وضرب شعبة بكفه ضربة، ونفخ فيها، ثم دلك إحداهما بالاخرى ثم مسح بهما وجهه.
__________
(1) السنن الكبرى: 1 / 211، صحيح البخاري مشكول: 1 / 72.
(2) سنن النسائي: 1 / 169، مسند أحمد: 4 / 320.
(3) مابين المعقوفين لم يكن في الاصل.
(*)

(1/138)


فقال عمر شيئا لا أدري ما هو فقال: إن شئت ؟ لاحدثته.
وذكر شيئا (1).
علمه بأحكام الشكوك في الصلاة: أخرج أحمد بن حنبل، عن مكحول، عن كريب، عن ابن عباس، أنه قال له عمر: يا غلام هل سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو من أحد أصحابه ؟: إذا شك الرجل في صلاته ماذا يصنع ؟ فقال عبد الرحمن: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر، أواحدة صلى، أم ثنتين فليجعلها واحدة.
وإذا لم يدر ثنتين صلى، أم ثلاثا فليجعلها ثنتين.
وإذا لم يدر أثلاثا صلى، أم أربعا فليجعلها ثلاثا ثم يسجد - إذا فرغ من صلاته وهو جالس - سجدتين (2).
وأخرج أحمد بن حنبل، عن محمد بن اسحاق، عن مكحول: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا صلى أحدكم فشك في صلاته، فإن شك في الواحدة، والثنتين فليجعلهما واحدة، وإن شك في الثنتين، والثلاث، فليجعلهما ثنتين.
وإن شك في الثلاث، والاربع، فليجعلهما ثلاثا، حتى يكون الوهم في الزيادة، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم.
ثم يسلم.
قال محمد ابن اسحاق، وقال حسين بن عبد الله: هل أسنده مالك ؟
__________
(1) سنن النسائي: 1 / 169.
(2) مسند أحمد: 1 / 190.
(*)

(1/139)


فقلت: لا فقال: لكنه حدثني أن كريبا مولى ابن عباس حدثه عن ابن عباس، قال: جلست إلى عمر بن الخطاب فقال: يابن عباس إذا اشتبه على الرجل في صلاته فلم يدر أزاد، أم نقص قلت: والله يا أمير المؤمنين ما أدري.
ما سمعت في ذلك شيئا.
فقال عمر: والله ما أدري.
قال: فبينا نحن على ذلك إذ جاء عبد الرحمن ابن عوف.
فقال: ما هذا الذي تذاكران ؟ فقال له عمر: ذكرنا الرجل يشك في صلاته كيف يصنع ؟ فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول هذا الحديث (1).
تركه القراءة في الصلاة: قال الفخر الرازي: روى أبو سلمة بن عبد الرحمن أنه قال: صلى بنا عمر بن الخطاب (رض): المغرب فترك القراءة فلما انقضت الصلاة قيل له: تركت القراءة.
قال: كيف كان الركوع والسجود ؟ قال: حسنا.
قال: لا بأس.
قال الشافعي: فلما وقعت هذه الواقعة بمحضر من الصحابة كان ذلك إجماعا (2).
وأخرج أبو نصر عبد الوهاب السبكي، عن عبادة بن الصامت، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب ".
وأخرج السبكي عن أبي هريرة (رض) أنه قال:
__________
(1) مسند أحمد: 1 / 193.
(2) التفسير الكبير: 1 / 222.
(*)

(1/140)


أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أنادي بالمدينة أنه لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب (1).
قنوته بعد الركوع: قال السيوطي: وأخرج البيهقي من طريق سفيان الثوري عن ابن جريح، عن عطاء عن عبيد بن عمير، أن عمر بن الخطاب قنت بعد الركوع فقال: بسم الله الرحمن الرحيم اللهم إنا نستعينك، ونستغفرك، ونثني عليك، ولا نكفرك، ونخلع، ونترك من يفجرك.
اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد، واليك نسعى ونحفد، نرجو رحمتك، ونخشى نقمتك، إن عذابك بالكافرين ملحق (2).
تشهده: في الموطأ قال: حدثني يحيى عن مالك، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عبد الرحمن بن عبدالقاري أنه سمع عمر بن الخطاب، وهو على المنبر يعلم الناس التشهد يقول: قولوا: التحيات لله، الزاكيات لله، الطيبات الصلوات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته.
والسلام علينا وعلى عباد الله الصالحين.
أشهد أن لا إله إلا الله.
وأشهد أن محمد عبيده ورسوله.
هذا الحديث رواه الشافعي في الرسالة 738 تحقيق محمد شاكر.
وقال عنه في الحاشية:
__________
(1) طبقات الشافعية الكبرى للسبكي: 3 / 355.
(2) الاتقان في علوم القرآن: 1 / 65.
(*)

(1/141)


وقال الزيلعي في نصب الراية: 1 / 422 " وهذا اسناد صحيح " 1 ه (1).
نسيانه في الصلاة: أخرج المتقي الهندي، عن محمد بن سيرين أنه قال: كان عمر بن الخطاب إعتراه نسيان في الصلاة فجعل رجل خلفه يلقنه فإذا أومأ أن يسجد سجد (2).
التكبير على الميت: 1 - أخرج عبد الرزاق عن عبد الرحمن بن أبزي قال: كبر عمر على زينب بنت جحش أربع تكبيرات، وسأل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم من يدخلها قبرها ؟ فقلن: من [ كان ] يراها في حياتها (3).
المؤلف: وزاد البيهقي بعد حياتها: قال: صدقن.
2 - قال عبد الله بن يوسف الزيلعي: وكبر عمر على أبي بكر أربعا (4).
3 - أخرج الطحاوي عن أبي وائل: أن عمر بن الخطاب (رض) جمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألهم عن التكبير على الجنازة، فأخبر كل واحد منهم بما رأى، وبما سمع، فجمعهم عمر على أربع تكبيرات...(5).
__________
(1) الموطأ: 1 / 90 - 91 كتاب الصلاة باب التشهد.
(3) منتخب كنز العمال بهامش مسند الامام أحمد: 3 / 249.
(3) المصنف لعبد الرزاق: 3 / 480، السنن الكبرى للبيهقي: 4 / 37، نصب الراية
2 / 267 كتاب الصلاة، تاريخ الخلفاء للسيوطي: ص 85.
(4) شرح معاني الآثار: 1 / 499، تاريخ المدينة المنورة لابن شبة: 2 / 736.
(*)

(1/142)


4 - قال الطحاوي: فهذا عمر قد رد الامر في ذلك إلى أربع تكبيرات...فكذلك ما أجمعوا عليه من عدد التكبير بعد النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة على الجنازة فهو حجة، وان كانوا قد علموا من النبي صلى الله عليه وسلم خلافه.
وما فعلوا ذلك، وأجمعوا عليه بعد النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة على الجنازة فهو حجة وان كانوا قد علموا من النبي صلى الله عليه وسلم خلافه.
وقال السيوطي: و [ عمر ] أول من جمع الناس في صلاة الجنائز على أربع تكبيرات (1).
الكلالة: إعلموا أني لم أقل في الكلالة شيئا (2).
الكلالة لغة: قال الفيومي: الكلالة: بنو العم الاباعد.
وتقول العرب هو: (ابن عم الكلالة) و (ابن عم كلالة) إذا كان من العشيرة ولم يكن لحا.
وقال الواحدي في التفسير: كل من مات ولا ولد له ولا والد فهو (كلالة ورثته): وكل وارث ليس بولد للميت، ولا والد فهو: (كلالة موروثه) (فالكلالة) إسم يقع على الوارث، والمورث إذا كانا بهذه الصفة (3).
__________
(1) تاريخ الخلفاء: ص 137.
(2) عمر بن الخطاب.
(3) مصباح المنير: ص 538.
(*)

(1/143)


عمر والكلالة: 1 - أخرج أحمد عن معبد بن أبي طلحة اليعمري أنه قال: قال عمر (رض): وأيم الله، ما أغلظ لي نبي الله صلى الله عليه وسلم في شئ منذ صحبته أشد ما اغلظ لي في شأن الكلالة حتى طعن باصبعه في صدري وقال: تكفيك آية الصيف التي نزلت في آخر سورة النساء (1) وإني لان أعش فسأقضي فيها بقضاء يعلمه من يقرأ ومن لا يقرأ...(2).
قال رسول الله من أفتى بغير علم لعنته ملائكة السماء والارض (3) 2 - أخرج المتقي الهندي، عن الحكم بن مسعود الثقفي أنه قال: قضى عمر بن الخطاب في امرأة توفيت، وتركت زوجها، وامها وإخواتها لامها، ولاخوتها لابيها وامها.
فأشرك عمر بين الاخوة للام، والاخوة للاب والام، في الثلث.
فقال له رجل (4).
إنك لم تشرك بينهما عام كذا، كذا.
فقال عمر:
__________
(1) قال الله تعالى: { يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة: إن امرؤ هلك ليس له ولد وله اخت فلها نصف ما ترك وهو يرثها إن لم يكن لها ولد، فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك، وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الانثيين يبين الله لكم أن تضلوا والله بكل شئ عليم } النساء: 176.
(2) مسند أحمد: 1 / 15.
(3) قال الشيخ عبد الرحمن السيوطي: حديث ابن عساكر عن علي حديث صحيح.
الجامع الصغير: 2 / 577.
(4) وفي السنن الكبرى للبيهقي قال له رجل قضيت في هذا عام أول بغير هذا.
قال كيف قضيت ؟ قال: جعلته للاخوة من الام، ولم تجعل للاخوة من الاب والام شيئا قال: تلك على ما قضينا وهذا على ما قضينا.
سنن البيهقي: 6 / 255.
(*)

(1/144)


تلك على ما قضينا يومئذ، وهذه على ما قضيناه (1).
3 - أخرج الحاكم عن الزهري، عن أبي سلمة أنه قال: جاء ابن عباس (رض) رجل فقال: رجل توفي، وترك بنته، وأخته لامه، وأبيه فقال: لابنته النصف، وليس لاخته شئ.
قال الرجل: فإن عمر (رض) قضى بغير ذلك جعل للابنة: النصف، وللاخت، النصف.
قال ابن عباس.
أنتم أعلم ام الله، فلم ما وجه هذا.
حتى لقيت ابن طاؤس فذكرت له حديث الزهري فقال: أخبرني أبي أنه سمع ابن عباس يقول: قال الله عزوجل: { إن امرؤ هلك ليس له ولد، وله اخت فلها نصف ما ترك }.
قال ابن عباس: فقلتم أنتم لها النصف، وإن كان له ولد.
ثم قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه (2).
4 - أخرج المتقي الهندي، عن ابراهيم أن رجلا عرف اختا له سبيت في
الجاهلية فوجدها ومعها ابن لها لا يدري من أبوه فاشتراهما، وأصاب الغلام موئلا ثم مات فأتوا ابن مسعود فذكروا له ذلك فقال: آت أمير المؤمنين عمر فسله عن ذلك ثم ارجع فاخبرني بما يقول لك ! فأتى عمر فذكر ذلك له فقال:
__________
(1) كنز العمال: 11 / 25 - 26، السنن الكبرى للبيهقي: 6 / 255 ط الهند، فجر الاسلام احمد أمين المصري: ص 237، من فتاوى وأقضية عمر بن الخطاب ص 274.
(2) المستدرك على الصحيحين: 4 / 339، تلخيص المستدرك: 4 / 339.
(*)

(1/145)


ما أراك عصبة، ولا بذي فريضة.
فرجع إلى ابن مسعود فأخبره، فانطلق ابن مسعود حتى دخل على عمر فقال: كيف أفتيت بهذا الرجل ؟ فقال: لم أره عصبة، ولا بذي فريضة.
فقال عبد الله: هذا لم تورثه من قبل الرحم، ولا ورثته من قبل الولاء.
قال: ما ترى ؟ قال: أراه ذا رحم، وولي النعمة، وأرى أن تورثه.
قال: فورثه (1).
من أقضية عمر: قال الشافعي: أخبرنا مالك، وسفيان عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله: أن عمر بن الخطاب (رض) قضى في الغزال بعنز.
وقال الشافعي: أخبرنا مالك، وسفيان عن أبي الزبير عن جابر: أن عمر بن الخطاب (رض) قضى في اليربوع (2) بجفرة (3) (4).
تنقيصه من الحد: أخرج البيهقي عن ثابت، عن أبي رافع، عن عمر (رض) إنه اتى بشارب
__________
(1) كنز العمال: 11 / 33 ط بيروت.
(2) اليربوع: دويبة نحو الفارة لكن ذنبه واذناه أطول من يديه عكس الزرافة المصباح المنير: ص 217.
(3) الجفرة: الانثى من ولد الضأن والذكر.
وقيل: (الجفر) من ولد المعز ما بلغ أربعة أشهر، والانثى: (جفرة).
انظر: المصباح المنير: ص 103.
(4) مسند الامام الشافعي: ص 134 ط بيروت.
(*)

(1/146)


فقال لابعثنك إلى رجل لا تأخذه فيك هوادة فبعث به إلى مطيع بن الاسود العدوى فقال: إذا أصبحت غدا فاضربه الحد فجاء (رض) وهو يضربه ضربا شديدا قال: قتلت الرجل كم ضربته ؟ قال: ستين قال: أمضي عنه بعشرين (1).
قال أبو عبيد أمضى عنه بعشرين يقول: اجعل شدة ضربه هذا الضرب الذي ضربته قصاصا بالعشرين التي بقيت (2).
رجل وامرأة على فاحشة: قال السيد احمد بن زيني دحلان مفتي مكة المكرمة: روى أن عمر كان يعس ليلة بالمدينة فرأى رجلا، وامرأة على فاحشة، فلما أصبح قال للناس: أرأيتم لو كان إماما رأى رجلا، وامرأة على فاحشة فأقام عليهما الحد ما
كنتم فاعلين ؟ قالوا: إنما أنت إمام.
فقال علي بن أبي طالب: ليس لك ذلك، إذن يقام عليك الحد.
إن الله لم يأمن على هذا الامر أقل من أربعة شهود، ثم تركهم ما شاء الله أن يتركهم.
ثم سألهم: فقال القوم مثل مقالتهم الاولى.
__________
(1) قال ابن ابي الحديد: قال معناه: إجعل شده هذا الضرب قصاصا بالعشرين التي بقيت من الحد فلا تضربه أياها شرح نهج البلاغة: 3 / 133.
(2) السنن الكبرى: 8 / 317، شرح النهج لابن أبي الحديد: 3 / 133.
(*)

(1/147)


وقال علي مثل مقالته الاولى.
فكان عمر مترددا في أن الوالي هل له أن يقضي بعلمه في حدود الله تعالى ؟ فلذلك راجعهم في مقام التقرير، لا في مقام الاخبار خيفة من أن يكون ذلك فيكون قاذفا باخباره.
وقال علي رضي الله عنه.
إلى أنه ليس له ذلك فأخذ عمر (1).
المؤلف: أخرج أبو عمرو، عن ابن مسعود: [ ان صح نسبة هذا الحديث إليه ] (2) لو وضع علم أحياء العرب في كفة ميزان، ووضع علم عمر في كفة لرجح علم عمر.
ولقد كانوا يرون أنه ذهب بتسعة أعشار العلم، ولمجلس كنت أجلسه مع عمر أوثق في نفسي من عمل سنة (3).
مرافعة: قال أبو المظفر يوسف بن فرغلي الشهير بسبط ابن الجوزي:
وفي رواية: إن رجلين من قريش أودعا امرأة مائة دينار وقالا لها: لا تدفعيها إلى أحدنا حتى يحضر الآخر، وغابا، ثم جاء أحدهما فقال: إن صاحبي قد هلك، واريد المال فدفعته إليه.
ثم جاء الآخر فطلبه (4).
فقالت: أخذه صاحبك.
فقال: ما كان الشرط كذا.
فارتفعا إلى عمر، فقال للرجل: ألك بينة ؟ قال: هي.
فقال عمر: ما أراك إلا ضامنة فقالت: انشدك الله: إرفعنا إلى علي بن أبي طالب، فرفعهما إليه، فقصت المرأة
__________
(1) الفتوحات الاسلامية: 2 / 482.
(2) ما بين المعقوفين لم يكن في الاصل.
(3) الاستيعاب: 3 / 1149 - 1150.
(4) فطالبها.
(*)

(1/148)


القصة عليه فقال للرجل: ألست القائل: لا تسلميها إلى أحدنا دون صاحبه، فقال: بلى: فقال: ما لك عندنا، إحضر صاحبك، وخذ المال.
فانقطع الرجل وكان محتالا فبلغ ذلك عمر فقال: لا أبقاني الله بعد ابن أبي طالب (1).
إصدار حكم برجم إمرأة: أخرج المحب الطبري، عن ابي ظبيان أنه قال: شهدت عمر بن الخطاب (رض) اتى بامرأة قد زنت، فأمر عمر برجمها فانتزعها علي من أيديهم فردهم فرجعوا إلى عمر فقالوا: ردنا علي.
قال: ما فعل هذا علي [ إلا ] لشئ.
فأرسل إليه فجاءه فقال: مالك رددت هؤلاء ؟ ! قال: أما سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصغير حتى يكبر، وعن المبتلى حتى يعقل ".
فقال: بلى.
فقال: هذه مبتلاة بني فلان فلعله أتاها وهواها.
فقال عمر: لا أدري.
قال: أنا أدري.
فترك رجمها (2).
__________
(1) تذكرة الخواص: ص 137 - 138.
(2) ذخائر العقبي: ص 81.
(*)

(1/149)


نقضه لحكمه: قال ابن أبي الحديد: وكان عمر يفتي كثيرا بالحكم، ثم ينقضه، ويفتي بضده، وخلافه.
قضى في الجد مع الاخوة قضايا كثيرة مختلفة ثم خاف من الحكم في هذه المسألة، فقال: من أراد أن يقتحم جراثيم جهنم فليقل في الجد برأيه (1).
إمرأة وضعت لستة أشهر: أخرج السيوطي، عن أبي حرب بن أبي الاسود الدؤلي قال: رفع إلى عمر (رض) امرأة ولدت لستة أشهر فسأل عنها أصحاب النبي
صلى الله عليه وسلم فقال علي رضي الله عنه لا رجم عليه.
ألا ترى: إن الله يقول: { وحمله وفصاله ثلاثون شهرا } وقال: وفصاله في عامين، وكان الحمل ها هنا سته أشهر فتركها عمر (رض) قال: ثم بلغنا أنها ولدت آخر لستة أشهر (2).
إمرأة اخرى ولدت لستة أشهر: قال السيوطي: أخرج عبد الرزاق، وابن المنذر، عن نافع بن جبير أن ابن عباس أخبره قال: إني لصاحب المرأة التي اتى بها عمر وضعت لستة أشهر فأنكر الناس
__________
(1) شرح نهج البلاغة: 1 / 61.
(2) الدر المنثور: 6 / 40.
(*)

(1/150)


ذلك، فقلت لعمر: لا تظلم، قال: كيف ؟ قلت إقرأ: { وحمله وفصاله ثلاثون شهرا، والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين }.
كم الحول ؟ قال: سنة.
قلت: كم السنة ؟ قال: إثنا عشر شهرا.
قلت: فأربعة وعشرون حولان كاملان، ويؤخر الله من الحمل ما شاء، ويقدم.
قال: فاستراح عمر (رض) إلى قولي (1).
المجنونة التي أمر عمر برجمها: أخرج ابن عبد البر عن سعيد بن المسيب أنه قال: كان عمر يتعوذ من معضلة ليس لها أبو حسن وقال في المجنونة التي أمر عمر برجمها وفي التي وضعت لستة أشهر فأراد عمر رجمها فقال له علي:
إن الله تعالى يقول: { وحمله وفصاله ثلاثون شهرا }...الحديث.
وقال له: إن الله رفع القلم عن المجنون...الحديث فكان عمر يقول: لولا علي لهلك عمر (2).
حكمه لامرأة نكحت في عدتها: أخرج المحب الطبري، عن مسروق أن عمر اتي بامرأة قد نكحت في عدتها ففرق بينهما وجعل مهرها في بيت المال وقال: لا يجتمعان أبدا.
فبلغ ذلك عليا فقال: إن كانا جهلا فلها المهر بما استحل من فرجها، ويفرق بينهما فإذا انقضت عدتها فهو خاطب من الخطاب.
فخطب عمر وقال:
__________
(1) المصدر نفسه: 6 / 40.
(2) الاستيعاب: 3 / 1103.
(*)

(1/151)


ردوا الجهالات إلى السنة.
فرجع إلى قول علي (1).
رجم المرأة التي فجرت: أخرج المتقي الهندي، عن ذهل بن كعب أنه قال: أراد عمر أن يرجم المرأة التي فجرت وهي حامل فقال له معاذ: إذا تظلم.
أرأيت الذي في بطنها ما ذنبه ؟ على ما تقتل نفسين بنفس واحدة.
فتركها حتى وضعت حملها فرجمها (2).
إعجابه في بدعته لصلاة التراويح: 1 - قال اليعقوبي: وفي هذه السنة - أي السنة الثالثة عشر -: سن عمر بن الخطاب قيام شهر رمضان، وكتب بذلك إلى البلدان، وأمر
ابي ابن كعب، وتميما الدارمي أن يصليا بالناس.
فقيل له في ذلك: إن رسول الله لم يفعله فقال: إن تكن بدعة فما أحسنها من بدعة (3).
2 - أخرج ابن شبة، عن أبي سلمة، ويحيى بن عبد الرحمن قالا: كان الناس يقومون رمضان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر (رض) وبعض إمارة عمر (رض) فرادى، حتى جعل الرجل الذي معه القرآن إذا صلى جاء القوم يقفون خلفه حتى صاروا في المسجد زمرا، هاهنا
__________
(1) ذخائر العقبي: ص 81.
(2) كنز العمال: 5 / 431.
(3) تاريخ اليعقوبي: 2 / 1400.
(*)

(1/152)


زمرة، وهاهنا زمرة، مع كل من يقرأ.
فكلم الناس ابي بن كعب فقالوا: لو جمعتنا فصليت بنا ؟ فلم يزالوا حتى تقدم وصلى الناس خلفه، فأتاهم عمر (رض) فقال: بدعة ونعمت البدعة (1).
3 - أخرج محمد بن اسماعيل البخاري، عن عروة بن الزبير، عن عبد الرحمن بن عبد القاري أنه قال: خرجت مع عمر بن الخطاب (رض) ليلة في رمضان لى المسجد فإذا الناس أوزاع متفرقون يصلي الرجل لنفسه.
ويصلى الرجل فيصلي بصلاته الرهط فقال عمر: إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل ثم عزم فجمعهم على ابي بن كعب.
ثم خرجت معه ليلة اخرى، والناس يصلون بصلاة قارئهم قال عمر:
نعم البدعة هذه والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون (2).
* * *
__________
(1) تاريخ المدينة المنورة: 2 / 713، الرياض النضرة: 1 / 309.
(2) صحيح البخاري بحاشية السندي: 1 / 342، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 3 / 179، تاريخ المدينة المنورة: 2 / 715.
(*)

(1/153)


موقفه من العلم والعلماء

(1/155)


إحراق عمرو بن العاص مكتبة الاسكندرية بأمر عمر: قال الاستاذ جرجي زيدان: والمؤرخون من العرب، وغيرهم مختلفون في كيفية ضياعها.
فمنهم: من ينسب إحراقها إلى عمرو بن العاص بأمر عمر بن الخطاب، ويستدلون على ذلك ببعض النصوص العربية، وأشهرها أقوال أبي الفرج الملطي، وعبد اللطيف البغدادي، والمقريزي، والحاج خليفة.
ومنهم: من يجل العرب عن ذلك ويطعن في تلك الروايات ويضعفها.
وقد كنا ممن جارى هذا الفريق في كتابنا " تاريخ مصر الحديث " منذ بضع عشر سنة، ثم عرض لنا بمطالعاتنا المتواصلة في تاريخ الاسلام، والتمدن الاسلامي ترجيح الرأي الاول، لاسباب نحن باسطوها فيم يلي إجلاء للحقيقة فنقول: أولا: قد رأيت فيما تقدم رغبة العرب في صدر الاسلام في محو كل كتاب غير القرآن، بالاسناد إلى الاحاديث النبوية، وتصريح مقدمي الصحابة.
ثانيا: جاء في تاريخ مختصر الدول لابي الفرج الملطي عند كلامه عن فتح مصر على يد عمرو بن العاص مانصه: " وعاش (يحيى الغراماطيقي) إلى أن فتح عمرو بن العاص مدينة الاسكندرية، ودخل على عمرو، وقد عرف موضعه من العلوم فأكرمه عمرو، وسمع من الفاظه الفلسفية التي لم تكن للعرب بها انسة ما هاله، ففتن به.
وكان عمرو عاقلا حسن الاستماع، صحيح الفكر، فلازمه وكان لا يفارقه.
ثم قال له يحيى يوما: " إنك قد أحطت بحواصل الاسكندرية، وختمت على كل الاصناف الموجودة بها، فمالك به انتفاع، فلا نعارضك به، وما لا انتفاع لك به فنحن

(1/156)


أولى به ".
فقال له عمرو: " ما الذي تحتاج إليه ؟ ".
قال: " كتب الحكمة التي في الخزائن الملوكية ".
فقال عمرو: " هذا لا يمكنني أن آمر فيه إلا بعد استيذان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ".
فكتب إلى عمر وعرفه قول يحيى فورد عليه كتاب عمر يقول فيه: "...وأما الكتب التي ذكرتها، فإن كان فيها ما يوافق كتاب الله ففي كتاب الله عنه غنى، وان كان فيها ما يخالف كتاب الله فلا حاجة إليه، فتقدم بإعدامها ".
فشرع عمرو بن العاص في تفريقها على حمامات الاسكندرية، وإحراقها في مواقدها، فاستنفدت في مدة ستة أشهر فاسمع ما جرى واعجب (1).
تحريقه لاحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: أخرج ابن سعد، عن عبد الله بن العلاء أنه قال: سألت القاسم أن يملي علي أحاديث فقال: إن الاحاديث كثرت على عهد عمر بن الخطاب فأنشد ان يأتوه بها، فلما أتوه بها، أمر بتحريقها، ثم قال: مثناة كمثناة أهل الكتاب.
قال: فمنعني القاسم يومئذ أن اكتب حديثا (2).
__________
(1) نقله جرجي زيدان عن كتاب مختصر الدول صفحة 180 من طبعة بوك (في اكسفورد) سنة 1663 م وأما النسخة المطبوعة في مطبعة الآباء اليسوعيين في بيروت فقد حذفت منها هذه الجملة لسبب لا نعلمه.
نقلناه من هامش ص 46 من تاريخ التمدن الاسلامي.
(2) الطبقات: 5 / 140.
(*)

(1/157)


تقسيم عمر الكوفة على أساس قبلي

(1/159)


تقسيم عمر الكوفة على أساس قبلي: أخرج الطبري عن محمد وطلحة والمهلب وعمرو وسعيد، قالوا: لما أجمعوا أن يضعوا بنيان الكوفة، ارسل سعد إلى أبي الهياج فأخبره بكتاب عمر في الطرق، أنه أمر بالمناهج أربعين ذراعا، وما يليها ثلاثين ذراعا، وبين ذلك عشرين، وبالازفه سبعة أذرع، ليس دون ذلك شئ، وفي القطائع ستين ذراعا إلا الذي لبني ضبة.
فاجتمع أهل الرأي للتقدير حتى إذا أقاموا على شئ قسم ابو الهياج عليه، فأول شئ خط بالكوفة وبنى حين عزموا على بناء المسجد، فوضع أصحاب الصابون والتمارين من السوق
فاختطوه، ثم قام رجل في وسطه، رام شديد النزع، فرمى عن يمينه فأمر من شأن أن يبني وراء موقع ذلك السهم، ورمى به بين يديه، ومن خلفه، وأمر من شاء أن يبني وراء السهمين، فترك المسجد في مربعة غلوة من كل جوانبه، وبنى ظلة في مقدمه، ليست لها مجنبات ولا مواخير، والمربعة لاجتماع الناس لئلا يزدحموا.
وكذلك كانت المساجد ما خلا المسجد الحرام، فكانوا لا يشبهون به المساجد تعظيما لحرمته، وكانت ظلته مأتى ذراع على أساطين رخام للاكاسرة، سماؤها كأسمية الكنائس الرومية.
وأعلموا على الصحن بخندق لئلا يقتحمه أحد ببنيان.
وبنو السعد (1) دارا بحيالة بينهما طريق منقب مأتى ذراع.
وجعل فيها بيوت الاموال، وهي قصر الكوفة اليوم.
بنى ذلك له روز به من آجر بنيان الاكاسرة بالحيرة، ونهج في الودعة
__________
(1) المراد منه، سعد بن أبي وقاص.
(*)

(1/160)


من الصحن خمسة مناهج، وفي قبلته أربعة مناهج، وفي شرقيه ثلاثة مناهج، وفي غربيه ثلاثة مناهج، وعلمها، فأنزل في ودعة الصحن سليما، وثقيفا مما يلي الصحن على طريقين، وهمدان على طريق، وبجيلة على طريق آخر، وتيم اللات على آخرهم، وتغلب.
وأنزل في قبلة الصحن بني أسد على طريق، وبين بني أسد والنخع طريق، وبين النخع وكندة طريق، وبين كندة والازد طريق، وأنزل في شرقي الصحن: الانصار، ومزينة على طريق، وتميما ومحاربا على طريق، وأسدا وعامرا على طريق.
وأنزل في غربي الصحن بجالة وبجله على طريق، وجديلة وأخلاطا على طريق، وجهينة وأخلاطا على طريق.
فكان هؤلاء الذين يلون الصحن، وسائر الناس بين ذلك ومن وراء ذلك.
واقتسمت على السهمان، فهذه مناهجها العظمى.
وبنوا مناهج تحاذي هذه ثم تلاقيها، وأخر تتبعها، وهي دونها في الذرع والمحال من ورائها، وفيما بينها.
وجعل هذه الطرقات من وراء الصحن، ونزل فيها الاعشار من أهل الايام والقوادس.
وحمى لاهل الثغور والموصل أماكن حتى يوافوا إليها، فلما ردفتهم الروادف، البدء والثناء وكثروا عليهم، ضيق الناس المحال فمن كانت رادفته كثيرة شخص إليهم وترك محلته، ومن كانت رادفته قليلة أنزلوهم منازل من شخص إلى رادفته لقلته إذا كانوا جيرانهم، وإلا وسعوا على روادفهم، وضيقوا على أنفسهم، فكان الصحن على حالة زمان عمر كله لا تطمع فيه القبائل، ليس إلا المسجد والقصر، والاسواق في غير بنيان، ولا أعلام.
وقال عمر: الاسواق على سنة المساجد من سبق إلى مقعد فهو له،

(1/161)


حتى يقوم منه إلى بيته أو يفرغ من بيعه، وقد كانوا أعدوا مناخا لكل رادف، فكان كل من يجئ سواء فيه - وذلك المناخ اليوم دور بني البكاء - حتى يأتوا بالهياج فيقوم في أمرهم حتى يقطع لهم حيث احبوا...(1).
وأخرج ابن جرير الطبري عن محمد وطلحة والمهلب وعمرو وسعيد وزياد، قالوا: ورجح الاعشار بعضهم إلى بعض رجحانا كثيرا فكتب سعد إلى عمر
تعديلهم فكتب إليه: أن عدلهم، فأرسل إلى قوم من نساب العرب، وذوي رأيهم.
وعقلائهم منهم سعيد بن نمران، ومشعلة بن نعيم فعدلوهم عن الاسباع، فجعلوهم أسباعا، فصارت: كنانة وحلفاؤها من الاحابيش وغيرهم، وجديلة - وهم بنو عمرو بن قيس عيلان - سبعا، وصارت قضاعة - ومنه يومئذ غسان بن شبام - وبجبلة وخثعم وكنده وحضرموت، والازد سبعا، وصارت مذحج، وحمير، وهمدان وحلفاؤهم سبعا، وصارت تميم وسائر الرباب وهوازن سبعا، وصارت أسد وغطفان ومحارب والنمر وضبيعة، وتغلب سبعا، وصارت إياد وعك، وعبد القيس وأهل هجر، والحمراء سبعا، فلم يزالوا بذلك زمان عمر وعثمان وعلي وعامة إمارة معاوية حتى ربعهم زياد (2).
ولما كان لهذا التقسيم القبلي السباعي اثره السئ، ترى أن زياد بن أبيه اضطر إلى تعديل هذه الاسباع تعديلا جذريا - سنة خمسين هجرية - حيث جعلها رباعية بدلا من السباعية التي كانت منذ تقسيم عمر لها.
وكان الهدف من هذه الارباع هو أن يخفف من حده العصبية بين القبائل المستقرة في الكوفة فأراد أن يجمع بين كل قبيلتين في ربع واحد
__________
(1) تاريخ الطبري: 2 / 479 - 480 ط بيروت.
(2) تاريخ الطبري: 2 / 481 ط المكتبة العلمية بيروت.
(*)

(1/162)


بحيث تكون إحداهما نزارية والاخرى يمنية ولقد استطاع أن يحقق ذلك، فهو بعد أن جمع أهل المدينة في الربع الاول جمع بين تميم وهمدان في الربع الثاني، وبين بكر وكنده في الربع الثالث، وبين أسد ومذحج في الربع الرابع (1) و.
وقال الدكتور شكري فيصل:
ولكن لا تكاد تبنى الكوفة حتى نرى تخطيطا قائما على أساس من توزع القبائل...وقد كان المشرفون على تنظيم الكوفة جديري أن يوزعوا أرضها بين الناس من حيث هم أفراد في هذا المجتمع المدني الناشئ الذي يقبلون عليه [ ويراد منه المجتمع الاسلامي ] (2) لا من حيث هم أعضاء في المجتمع القبلي الذي جاؤا منه [ ويراد به الفكر الجاهلي (3) ] (4).
* * *
__________
(1) انظر: خطط الكوفة لماسنيون: 15 - 16.
(2، 3) مابين المعقوفين لم يكن في الاصل.
(4) المجتمعات الاسلامية في القرن الاول: ص 102 ط دار العلم للملايين بيروت 1978 م.
(*)

(1/163)


إجلاء عمر اليهود والنصارى من الحجاز وإسكانهم الكوفة

(1/165)


اليهود استوطن اليهود الكوفة سنة (20 ه) (1) وقد قدم قسم كبير منهم من الحجاز بعد أن أجلاهم منه عمر بن الخطاب (2) وقد كانت لهم محلة تعرف باسمهم في الكوفة كما بنوا فيها معابد لهم ويذكر الرحالة بنيامين أن بالكوفة سبعة الاف يهودي.
وفيها قبر يسكنه اليهود وحوله كنيس لهم (3).
وقد زاولوا بعض الحرف التي كان العرب يأنفون منها كالصياغة وغيرها...وكانت اليهود تحقد على الرسول صلى الله عليه وسلم كأعظم ما يكون الحقد لانه أباد الكثيرين منهم وألحق بهم العار والهزيمة وقد قاموا بدور
فعال - فيما يقوله بعض المحققين في مجزرة كربلاء تشفيا من النبي صلى الله عليه وسلم بأبنائه وذريته.
النصارى: نصارى نجران نزلوا الكوفة في خلافة عمر، واستوطنوا في ناحية سميت محلة (النجرانية) (4) وقد شاركت النصارى مشاركة ايجابية في كثير من اعمال الدولة فقد اتخذ ابو موسى الاشعري أمير الكوفة كاتبا نصرانيا (5) كما ولى الوليدين عقبة والي عثمان رجلا مسيحيا لادارة شؤون مسجد قريب من الكوفة (6) وقد شغل المسيحيون في الكوفة اعمال الصيرفة، وكونوا أسواقا
__________
(1) عن نزهة المشتاق في تاريخ يهود العراق: 103 ليوسف رزق الله غنيمة.
(2) عن الحياة الاجتماعية والاقتصاديه في الكوفة: 105.
(3) عن رحلة بنيامين ترجمة عزار حداد: 146.
(4) عن حياة الشعر في الكوفة: 144.
(5) عن عيون الاخبار 1 / 43.
(6) عن الاغاني 4 / 184.
(*)

(1/166)


لها (1) وكانت الحركة المصرفية بأيديهم كما كانوا يقومون بعقد القروض لتسهيل التجارة، وكانت تجارة التبادل والصيرفة بأيديهم (2) وقد مهروا في الصيرفة، ونظموها على شكل يشبه البنوك في هذا العصر.
صلح نجران: أخرج أبو الحسن البلاذري عن الزهري أنه قال: أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم السيد والعاقب وفد أهل نجران اليمن فسألاه الصلح، فصالحهما عن أهل نجران على ألفي حلة في صفر،
وألف حلة في رجب، ثمن كل حلة أوقية والاوقية وزن أربعين درهما، فإن أدوا حلة بما فوق الاوقية حسب لهم فضل ذلك، وأن أدوها بما دون الاوقيه اخذ منهم النقصان، وعلى أن يأخذ منهم ما اعطوا من سلاح أو خيل أو ركاب أو عرض من العروض بقيمته خصاصا من الحلل، وعلى أن يضيفوا رسل رسول الله صلى الله عليه وسلم شهرا فما دونه، ولا يحبسونهم فوق شهر، وعلى عليهم عاربة ثلاثين درعا، وثلاثين فرسا، وثلاثين بعيرا.
إن كان باليمن كيد، وإن ما هلك من تلك العارية فالرسل ضامنون له حتى يردوه، وجعل لهم ذمة الله وعهده، وأن لا يفتنوا عن دينهم ومراتبهم فيه، ولا يحشروا، ولا يعشروا، واشترط عليهم أن لا يأكلوا الربا ولا يتعاملوا به (3).
وقال البلاذري: حدثني الحسين قال: حدثني يحيى بن آدم، قال: أخذت نسخة كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لاهل نجران من كتاب عن الحسن بن صالح رحمه الله.
__________
(1) عن تاريخ الكوفة 146.
(2) عن خطط الكوفة: 146.
(3) فتوح البلدان: 75 تعليق رضوان محمد رضوان ط مصر.
(*)

(1/167)


بسم الله الرحمن الرحيم هذا ماكتب النبي رسول الله محمد لنجران إذ كان له عليهم حكمة في كل ثمرة وصفراء، وبيضاء وسوداء رقيق فأفضل عليهم وترك ذلك ألفي حلة حلل الاواقي في كل رجب ألف حلة، وفي كل صفر ألف حلة كل حلة أوقية، وأموالهم، وغائبهم، وشاهدهم وعيرهم وبعثهم، وأمثلتهم لا يغير ما كانوا عليه، ولا يغير حق من حقوقهم.
وأمثلتهم لا يفتن أسقف من أسقفيته، ولا
راهب من رهبانيته، ولا واقه من وقاهيته على ما تحت أيديهم من قليل أو كثير، وليس عليهم رهق ولا دم جاهلية، ولا يحشرون، ولا يعشرون، ولا يطأ أرضهم جيش.
من سأل منهم حقا فبينهم النصف غير ظالمين ولا مظلومين بنجران.
ومن أكل منهم ربا من ذي قبل فذمتي منه بريئة.
ولا يؤخذ منهم رجل بظلم رجل آخر ولهم على ما في هذه الصحيفة جوار الله، وذمة محمد النبي أبدا حتى يأتي أمر الله.
ما نصحوا، وأصلحوا فيما عليهم غير مكلفين شيئا بظلم.
شهد أبو سفيان بن حرب، وغيلان بن عمرو، ومالك بن عوف، والاقرع بن حابس الحنظلي والمغيرة وكتب.
وقال يحيى بن آدم وقد رأيت كتابا في يد النجرانيين كانت نسخته شبيهة بهذه النسخة وفي أسفله كتب علي بن ابي طالب ولا أدري ما أقول فيه.
وما زادت حلل الخراج أو نقصت عن الاواقي فبالحساب، وما نقصوا من درع أو خيل أو ركاب أو عرض أخذ منهم بالحساب وعلى نجران مثواة رسلي شهرا فدونه ولا يحبس رسلي فوق شهر وعليهم عارية ثلاثين درعا، وثلاثين فرسا، وثلاثين بعيرا إذا كان كيد باليمن ذو مغدرة أي إذا كان كيد بغدر منهم - وما هلك مما

(1/168)


أعاروا رسلي من خيل أو ركاب فهم ضمن حتى يردوه إليهم ولنجران وحاشيتها جوار الله وذمة محمد النبي رسول الله على أنفسهم، وملتهم.
وأرضهم، وقالوا: ولما استخلف أبو بكر الصديق (رض) حمله على ذلك فكتب لهم كتابا على نحو كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما استخلف عمر
ابن الخطاب (رض) أصابوا الربا وكثر فخافهم على الاسلام فأجلاهم وكتب لهم: أما بعد فمن وقعوا به من أهل الشام والعراق فليوسعهم من حرث الارض، وما اعتملوا من شئ فهو لهم مكان أرضهم باليمن فتفرقوا فنزل بعضهم الشام، ونزل بعضهم النجرانية بناحية الكوفة وبهم سميت ودخل يهود نجران مع النصارى في الصلح وكانوا كالاتباع لهم فلما استخلف عثمان بن عفان كتب إلى الوليد بن عقبة بن أبي معيط وهو عامله على الكوفة: أما بعد فإن العاقب والاسقف، وسراة نجران أتوني بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأروني شرط عمر وقد سألت عثمان بن حنيف عن ذلك فأنبأني أنه كان بحث عن أمرهم فوجده ضارا للدهاقين لردعهم عن أرضهم، وإني قد وضعت عنهم من جزيتهم مأتى حلة لوجه الله وعقبى لهم من أرضهم، وإني أوصيك بهم فإنهم قوم لهم ذمة.
وسمعت بعض العلماء يذكر أن عمر كتب لهم: أما بعد فمن وقعوا به من أهل الشام والعراق فليوسعهم من حرث الارض، وسمعت بعضهم يقول: من جريب الارض (1).
* * *
__________
(1) فتوح البلدان: 76 - 78.
(*)

(1/169)


منعه من تدوين الحديث

(1/171)


منعه لنشر أحاديث رسول الله:
1 - أخرج ابن شبة، عن سعيد بن عبد العزيز أنه قال: قال سعيد: وقال لابي هريرة (رض) لتتركن الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو لالحقنك بأرض الطفيح - يعني أرض قومه -.
وقال لكعب: لتتركن الحديث، أو لالحقنك بأرض القرية (1).
2 - وأخرج المتقي الهندي: عن قرظه بن كعب الانصاري أنه قال: أردنا الكوفة فشيعنا عمر إلى صرار (2) فتوضأ فغسل مرتين، ثم قال: تدرون لم شيعتكم ؟ قلنا: نعم.
نحن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال: إنكم تأتون أهل قرية لهم دوي بالقرآن كدوي النحل، فلا تصدوهم بالاحاديث فتشغلوهم.
جردوا القرآن، واقلوا الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم...(3).
3 - قال ابن أبي الحديد: وروى أبو جعفر الطبري في تاريخ أنه قال: كان عمر يقول: جردوا القرآن، ولا تفسروه، واقلوا الرواية عن رسول الله، وأنا شريككم (4).
__________
(1) تاريخ المدينة المنورة: 3 / 800.
(2) صرار بئر قديمة على ثلاثة أميال من المدينة من طريق العراق، وقيل موضع.
النهاية في غريب الحديث لابن الاثير.
(3) كنز العمال: 2 / 285، تذكرة الحفاظ للذهبي: 1 / 7.
(4) شرح نهج البلاغة: 3 / 120.
(*)

(1/172)


4 - أخرج ابن ماجة، عن قرظة بن كعب أنه قال: بعثنا عمر بن الخطاب إلى الكوفة وشيعنا فمشى معنا إلى موضع يقال له صرار فقال: أتدرون لم مشيت معكم ؟ قال: قلنا لحق صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولحق الانصار.
قال: لكني مشيت معكم لحديث أردت أن أحدثكم به فأردت أن تحفظوه لممشاي معكم: إنكم تقدمون على قوم للقرآن في صدورهم هزيز، كهزيز الرجل، فإذا رأوكم مدوا اليكم أعناقهم، وقالوا: أصحاب محمد.
فأقلوا الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أنا شريككم (1).
المؤلف: وأورد هذا الحديث الحاكم - وزاد بعد أنا شريككم - قال: فلما قدم قرظة قالوا: حدثنا.
قال: نهانا ابن الخطاب.
ثم قال الحاكم: هذا حديث صحيح الاسناد له طرق تجمع، ويذاكر بها، قرظة بن كعب الانصاري صحابي سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن شرطنا في الصحابة ان لا نطويهم، وأما سائر روايته فقد احتجابه (2).
5 - أخرج الذهبي عن سعد بن ابراهيم، عن أبيه أن عمر حبس ثلاثة: ابن مسعود، وأبا الدرداء، وأبا مسعود الانصاري فقال: قد أكثرتم الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (3).
وأخرج الحاكم عن سعد بن ابراهيم عن أبيه: إن عمر بن الخطاب قال لابن مسعود، ولابي الدرداء، ولابي ذر:
__________
(1) سنن ابن ماجة: 1 / 12، طبقات ابن سعد: 6 / 2.
(2) المستدرك على الصحيحين: 1 / 102.
(3) تذكرة الحفاظ: 1 / 7.
(*)

(1/173)


ما هذا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحسبه حبسهم بالمدينة حتى اصيب (1).
6 - أخرج ابن شبة، عن زاذان: أن عمر (رض) خرج من المسجد فإذا جمع على رجل فسأل: ما هذا ؟ قالوا: هذا ابي بن كعب، كان يحدث الناس في المسجد.
فخرج الناس يسألونه، فأقبل عمر (رض) حردا فجعل يعلوه بالدرة خفقا، فقال: يا أمير المؤمنين، انظر ما تصنع، قال: فإني على عمد أصنع، أما تعلم أن هذا الذي تصنع فتنة للمتبوع مذلة للتابع ؟ ! (2).
7 - أخرج المتقي الهندي، عن السائب بن يزيد قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول لابي هريرة: لتتركن الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو لالحقنك بأرض دوس، وقال كعب: لتتركن الحديث أو لالحقنك بأرض الغرة (3).
أخرج عبد الرزاق عن عمر أنه قال: جردوا القرآن، وأقلوا الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (4).
وقال الشيخ محمود ابو رية: وعن الزهري أنه قال: قال عمر: أقلوا الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم...(5).
8 - قال الشيخ محمود أبو رية رحمه الله:
__________
(1) المستدرك 1 / 110، تلخيص المستدرك: 1 / 110.
(2) تاريخ المدينة المنورة: 2 / 691.
(3) منتخب كنز العمال: 4 / 61.
(4) المصنف: 11 / 325.
(5) شيخ المضيرة أبو هريرة ط ثالثة ص 105 ط دار المعارف بمصر.
(*)

(1/174)


وقد عقب الذهبي على نهي عمر عن التحدث فقال: هكذا كان عمر (رض) يقول: أقلوا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وزجر غير واحد من الصحابة عن بث الحديث.
وروى ابن علية عن جابر بن أبي سلمة قال: بلغني أن معاوية كان يقول: عليكم من الحديث بها كان في عهد عمر فإنه قد أخاف الناس في الحديث عن رسول الله.
وعن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة أنه قال: ما كنا نستطيع أن نقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قبض عمر، كنا نخاف السياط.
وكان يقول: أفكنت محدثكم بهذه الاحاديث وعمر حي ؟: أما والله لايقنت أن المخفقة ستباشر ظهري.
وفي رواية: لو كنت احدث في زمان عمر مثل ما احدثكم لضربني بمخفقته (1).
9 - أخرج ابن سعد عن عبد الله بن العلاء قال: سألت القاسم يملى علي أحاديث فقال: إن الاحاديث كثرت على عهد عمر بن الخطاب فأنشد الناس أن يأتوه بها، فلما أتوه بها أمر بتحريقها ثم قال: مثناة كمثناة أهل الكتاب.
قال فمنعني القاسم يومئذ أن اكتب
حديثا (2).
__________
(1) شيخ المضيرة ص 104 - 105 ط 3 دار المعارف بمصر.
(2) الطبقات: 5 / 188 ط بيروت.
(*)

(1/175)


إستحداثه للسجن: قال الاستاذ حسن ابراهيم حسن: 1 - ولم يكن السجن بمعناه المعروف الآن موجودا في زمن الرسول، ولا في عهد أبي بكر، وإنما استحدث في عهد عمر بن الخطاب، إذ كان الحبس لا يتعدى في عهد الرسول منع المتهم من الاختلاط بغيره.
وذلك بوضعه في بيت، أو مسجد، وملازمة الخصم، أو من ينيبه عنه له فلم يكن السجن إذن مكانا يحبس فيه المجرم كما كانت عليه الحال في عهد عمر، ومن جاء من بعده من الخلفاء (1).
قال العلامة المغفور له الشيخ محمود أبوريه: 2 - قال أبو بكر بن العربي في: (العواصم من القواصم) وهو يدافع عن عثمان فيما نسبوه إليه من المناكير ما نصه: ومن العجيب أن يؤخذ عليه في أمر فعله عمر ! فقد روى أن عمر بن الخطاب (رض) سجن ابن مسعود في نفر من الصحابة سنة بالمدينة حتى استشهد فأطلقهم عثمان.
وقال أبو رية رحمه الله: 3 - روى الذهبي في تذكرة الحفاظ عن شعبة عن سعيد بن ابراهيم عن أبيه، أن عمر حبس إبن مسعود، وأبا الدرداء، وأبا مسعود الانصاري (2).
شجرة الرضوان التي بايع الرسول تحتها:
1 - قال ابن أبي الحديد:
__________
(1) تاريخ الاسلام السياسي: 1 / 485 ط مصر.
(2) أضواء على السنة المحمدية ص 54.
(*)

(1/176)


كان الناس بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتون الشجرة التي كانت بيعة الرضوان تحتها.
فيصلون عندها.
فقال عمر.
أراكم أيها الناس رجعتم إلى العزى.
ألا: لا اوتي منذ اليوم بأحد عاد لمثلها إلا قتلته بالسيف كما يقتل المرتد.
ثم أمر بها فقطعت (1).
2 - أخرج ابن حجر العسقلاني عن طارق بن عبد الرحمن أنه قال: انطلقت حاجا فمررت بقوم يصلون قلت ما هذا المسجد ؟ قالوا: هذه الشجرة، حيث بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة الرضوان.
فأتيت سعيد بن المسيب فأخبرته.
فقال سعيد: حدثني أبي أنه كان فيمن بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة.
قال: فلما خرجنا من العام المقبل نسيناها.
فلم نقدر عليها.
فقال سعيد: إن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم لم يعلموها، وعلمتموها أنتم ؟ ! ! (2).
وقال السيوطي: 3 - أخرج ابن أبي شيبة في المصنف عن نافع (رض) أنه قال: بلغ عمر بن الخطاب (رض) إن ناسا يأتون الشجرة التي بويع تحتها فأمر بها فقطعت (3).
4 - أخرج ابن سعد عن معقل بن يسار أنه قال:
__________
(1) شرح نهج البلاغة: 1 / 59 - 60.
(2) فتح الباري: 7 / 360.
(3) الدر المنثور: 6 / 73 فتح الباري: 7 / 361، شرح النهج لابن أبي الحديد: 3 / 122، صحيح البخاري: 5 / 124 ط بولاق عام 1314 ه.
(*)

(1/177)


أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبايع الناس عام الحديبية تحت الشجرة، ومعقل رافع غصنا من أغصان الشجرة بيده عن رأسه فبايعهم يومئذ على ان لا يفروا، قال: قلنا كم كنتم ؟ قال: الفا واربعمائة.
5 - وأخرج ابن سعد عن نافع أنه قال: كان الناس يأتون الشجرة التي يقال لها: شجرة الرضوان فيصلون عندها، قال: فبلغ ذلك عمر بن الخطاب فأوعدهم فيها وأمر بها فقطعت.
6 - وأخرج ابن سعد عن عامر أنه قال: إن أول من بايع النبي صلى الله عليه وسلم بيعة الرضوان أبو سنان الاسدي (1).
7 - وأخرج ابن سعد عن نافع أنه قال: خرج قوم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك بأعوام فما عرف أحد منهم الشجرة واختلفوا فيها.
قال ابن عمر: كانت رحمة من الله (2).
__________
(1) الاحاديث من رقم 4 - 6 من الطبقات ج 2 / 100 ط بيروت.
(2) المصدر نفسه: 2 / 105 ط بيروت.
(*)

(1/178)


سيرته مع أهل البيت أهل البيت.
1 - الرسول الاعظم محمد صلى الله عليه وسلم.
2 - امير المؤمنين علي بن أبي طالب.
3 - فاطمة.
4 - الحسن.
5 - الحسين.

(1/179)


من هم أهل البيت ؟ الذين أثنى عليهم الله تعالى في كتابه العزيز بقوله عز من قائل: { إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا }.
الاحزاب: 33.
قال الالوسي في تفسيره: أخرج الترمذي، والحاكم وصححاه، وابن جرير، وابن المنذر، وابن مردويه، والبيهقي في سننه، عن أم سلمة رضي الله عنها من طرق قالت: في بيتي نزلت { إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت } - وفي البيت فاطمة وعلي و الحسن والحسين فجللهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بكساء كان عليه ثم قال: هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا - ثم قال: وجاء في رواية أخرجها الطبراني عن ام سلمة أنها قالت: فرفعت الكساء لادخل معهم فجذبه صلى الله عليه وسلم من يدي
وقال: إنك على خير.
(وفي اخرى) رواها ابن مردويه أنها قالت: ألست من أهل البيت فقال صلى الله عليه وسلم: إنك إلى خير، إنك من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم.
فالمراد بهم [ يعني أهل البيت ] من شملهم الكساء، ولا يدخل فيهم ازواجه صلى الله عليه وسلم (1).
__________
(1) روح المعاني: 7 / 44 - 45 ط المطبعة الاميرية بمصر عام 1301 ه علي إمام الائمة: ص 379.
(*)

(1/180)


1 - حديث إحراق الدار: 1 - قال ابن عبد ربه الاندلسي: الذين تخلفوا عن بيعة أبي بكر: علي: والعباس، و الزبير، وسعد بن عبادة فأما علي والعباس والزبير فقعدوا في بيت فاطمة حتى بعث إليهم أبو بكر عمر بن الخطاب ليخرجهم من بيت فاطمة وقال له: إن أبوا فقاتلهم، فأقبل بقبس (1) من نار على أن يضرم عليهم الدار، فلقيته فاطمة.
فقالت يابن الخطاب: أجئت لتحرق دارنا.
قال: نعم.
أو تدخلوا فيما دخلت فيه الامة (2).
2 - قال عمر رضا كحالة: وتفقد أبو بكر قوما تخلفوا عن بيعته عند علي بن ابي طالب كالعباس والزبير وسعد بن عبادة فقعدوا في بيت فاطمة.
فبعث أبو بكر عمر بن الخطاب فجاءهم عمر فناداهم وهم في دار فاطمة فأبوا أن يخرجوا.
فدعا بالحطب وقال: والذي نفس عمر بيده لتخرجن أو لاحرقنها على من فيها.
فقيل له: يا أبا حفص إن فيها فاطمة قال: وإن...(3).
3 - قال ابو الفتح أحمد بن عبد الكريم الشهرستاني: وقال النظام (4): إن عمر ضرب بطن فاطمة يوم البيعة حتى ألقت الجنين
__________
(1) قال الجوهري: القبس: شعلة من نار.
الصحاح: 3 / 960 وقال ابن الاثير: القبس: الشعلة من النار.
النهاية في غريب الحديث: 4 / 4.
وقال الاستاذ الشرتوني: القبس: محركة: مصدر.
و - شعلة نار تؤخذ من معظم النار، وقبس منه النار، قبسا: أخذها شعلة فهو (قابس).
و - النار: أوقدها.
أقرب الموارد: 2 / 958 - 959 وقال الشيخ احمد رضا: القبس: النار.
الشعلة تؤخذ من معظم النار.
واحده: قبسة.
معجم متن اللغة: 4 / 481.
(2) العقد الفريد: 2 / 205 ط المطبعة الازهرية المصرية الكائنة بخان جعفر بجوار الساحة الحسينية عام 1321 ه.
(3) اعلام النساء: 4 / 114.
(4) توفي النظام سنة 231 ه انظر: هامش الملل والنحل: 1 / 53.
(*)

(1/181)


من بطنها (1).
وكان يصيح: احرقوا دارها بمن فيها وما كان في الدار غير علي، وفاطمة، والحسن والحسين (3).
4 - أخرج البلاذري عن سليمان التميمي، وعن ابن عون: أن أبا بكر أرسل إلى علي يريد البيعة فلم يبايع.
فجاء عمر، ومعه فتيلة فتلقته فاطمة على الباب فقالت فاطمة: يابن الخطاب، أتراك محرقا علي بابي ؟ قال: نعم.
وذلك أقوى فيما جاء به أبوك (3).
5 - قال عبد الحميد بن أبي الحديد: ولما رأت فاطمة ما صنع عمر، فصرخت، وولولت، واجتمع معها نساء
كثير من الهاشميات، وغيرهن فخرجت إلى باب حجرتها وقالت: يا أبا بكر ما أسرع ما أغرتم على أهل بيت رسول الله (4)، والله لا اكلم عمر حتى القي الله.
6 - قال الاستاذ الكبير عبد الفتاح عبد المقصود: "...أتى عمر بن الخطاب منزل علي وفيه طلحة، والزبير، ورجال من المهاجرين، فقال: والله لاحرقن عليكم أو لتخرجن إلى البيعة..(5).
__________
(1) إلى هنا ذكره الصفدي في الوافي بالوفيات: 6 / 17.
وفيه: ألقت المحسن من بطنها.
(2) الملل والنحل: 1 / 57.
(3) أنساب الاشراف: 1 / 586.
(4) شرح نهج البلاغة: 2 / 119.
(5) قال ابن أبي الحديد: جاء عمر إلى بيت فاطمة في رجال من الانصار، ونفر قليل من المهاجرين فقال: والذي نفس عمر بيده لتخرجن إلى البيعة أو لاحرقن البيت عليكم.
شرح النهج: 1 / 134 أنساب الاشراف للبلاذري: 1 / 278، تاريخ أبي الفداء: 1 / 156، شرح نهج البلاغة: 2 / 19، الامامة والسياسة لابن قتيبة: 1 / 20، عقد الفريد: 2 / 176، شهيرات = (*)

(1/182)


ثم قال الاستاذ: ثم تطالعنا صحائف ما أورد المؤرخون بالكثير من أشباه هذه الاخبار المضطربة التي لا نعدم أن نجد من بينها من عنف عمر ما يصل به إلى الشروع في قتل علي، أو إحراق بيته على من فيه...فلقد ذكر أن أبا بكر أرسل عمر بن الخطاب، ومعه جماعة بالنار، والحطب إلى دار علي وفاطمة، والحسن، والحسين ليحرقوه بسبب الامتناع عن بيعته.
فلما راجع عمر بعض الناس قائلين: " إن في البيت فاطمة..." (1).
قال: " وان !.." (2).
المؤلف يقول: وقد نظم هذه الواقعة شاعر النيل حافظ ابراهيم فقال: وقوله (لعلي) قالها عمر * أكرم بسامعها أعظم بملقيها - حرقت دارك لا ابقي عليك بها * إن لم تبايع وبنت المصطفى فيها - ما كان غير أبي حفص يفوه بها * امام فارس عدنان وحاميها (2)
__________
= النساء: 3 / 33، الامام علي للاستاذ عبد الفتاح عبد المقصود: 1 / 266.
ذكروا هؤلاء جميعا أن عمر أتى بالحطب ليحرق باب فاطمة بضعة رسول الله صلى الله عليه وآله على من فيه، وقيل لعمر: إن في البيت فاطمة.
قال: وإن.
وأخرج المحب الطبري عن ثوبان قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سافر آخر عهده، إتيان فاطمة، وأول من يدخل عليه إذا قدم فاطمة عليه السلام.
خرجه أحمد.
وعن ثعلبة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قدم من غزو، أو سفر، بدأ بالمسجد فصلى فيه ركعتين ثم أتى فاطمة ثم أتى أزواجه.
خرجه أبو عمر.
انظر: ذخائر العقبى: ص 37.
(1) السقيفة والخلافة: ص 14.
(2) ديوان حافظ ابراهيم: 1 / 75 تحت: عنوان: (عمر وعلي) طبع دار الكتب المصرية بالقاهرة.
(*)

(1/183)


وقال ابن قتيبة:...ثم قام عمر فمشى ومعه جماعة حتى، أبوا باب فاطمة فدقوا الباب، فلما سمعت أصواتهم نادت بأعلى صوتها: يا ابت يا رسول الله ماذا لقينا بعدك من ابن الخطاب، وابن أبي قحافة (1).
1 - منع عمر قربى رسول الله من السهم الذي فرضه الله لهم:
أخرج أبو داود عن يزيد بن هرمز أن نجدة الحروري حين حج في فتنة ابن الزبير ارسل إلى ابن عباس يسأله عن سهم ذوي القربى ويقول لمن تراه.
قال ابن عباس: لقربي رسول الله صلى الله عليه وسلم قسمه لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد كان عمر عرض علينا من من ذلك فرأيناه دون حقنا، فرددناه عليه وأبينا أن نقبله (2).
وأخرج أحمد عن يزيد بن هرمز قال: كتب نجدة بن عامر إلى ابن عباس يسأله عن أشياء فشهدت ابن عباس حين قرأ كتابه، وحين كتب جوابه.
فقال ابن عباس: والله لولا أرده عن شر يقع فيه ما كتبت إليه، ولا نعمة عين قال: فكتب إليه إنك تسألني عن سهم ذوي القربي الذي ذكره الله عزوجل من هم ؟ وإنا كنا نرى قرابه رسول الله هم فأبي ذلك علينا قومنا..(3).
__________
(1) الامامة والسياسة الطبعة الاخيرة عام 1969 بمصر.
(2) سنن أبي داود: 2 / 26 بيان موضع قسم الخمس، مسند أحمد: 1 / 320 ط مصر، السنن الكبرى للبيهقي: 6 / 344 - 345.
(3) مسند احمد: 1 / 488 وتجده بلفظ آخر: 1 / 292 - 294 - 308.
(*)

(1/184)


منعه من الخمس الذي فرضه الله لهم: أخرج ابو نعيم، عن يزيد بن هرمز أن جدة كتب إلى ابن عباس يسأله عن خمس خصال فقال ابن عباس: لولا أن أكتم علما لما كتبت إليه.
فكتب إليه نجدة: اما بعد: فاخبرني: هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغزو
بالنساء ؟ وهل كان يضرب لهن بسهم ؟ وهل كان يقتل الصبيان ؟ ومتى ينقضي يتم اليتيم، وعن الخمس لمن هو ؟ فكتب إليه ابن عباس: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغزو بالنساء فيداوين الجرحى فيستجدين (1) من الغنيمة، فأما السهم فلم يضرب لهن، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقتل الصبيان.
وكتبت تسألني متى ينقضى يتم اليتيم.
ولعمري إن الرجل ليشيب (2) وإنه لضعيف الاخذ لنفسه، ضعيف الاعطاء منها، فإذا أخذ لنفسه من أصلح ما يأخذ الناس فقد ذهب عنه اليتم.
وكتبت تسألني عن الخمس، وإنا نقول: هو لنا، وأبى علينا قومنا ذلك قال ابو نعيم: هذا حديث صحيح رواه مسلم عن القعني.
ورواه حاتم بن اسماعيل عن جعفر نحوه (3)..3 - منعه قربى الرسول مما أفاء الله على رسوله من بني النضير: أخرج البخاري، عن مالك بن أوس بن الحدثان النصري:
__________
(1) كذا في الاصل.
(2) لتشيب لحيته.
كذا في الهامش من الحلية.
(3) حلية الاولياء: 3 / 205.
(*)

(1/185)


أن عمر بن الخطاب (رض) دعاه إذ جاءه حاجبه يرفأ فقال: هل لك في عثمان، وعبد الرحمن، والزبير وسعد يستأذنون فقال: نعم.
فأدخلهم.
فلبث قليلا ثم جاء فقال: هل لك في عباس وعلي يستأذنان قال: نعم.
فلما دخلا قال: عباس.
يا أمير المؤمنين إقضي بيني، وبين هذا، وهما يختصمان في الذي أفاء الله
على رسوله صلى الله عليه وسلم من بني النضير...فقال جل ذكره: " وما أفاء الله على رسوله فهم فما أوجفتم عليه من خيل، ولا ركاب - إلى قوله -: قدير ".
فكانت هذه خالصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم والله ما اختارها دونكم، ولا استأثرها عليكم.
لقد أعطاكموها، وقسمها فيكم حتى بقي هذا المال منها.
فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينفق على أهله نفقة سنتهم من هذا المال، ثم يأخذ ما بقي فيجعله مجعل مال الله فعمل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم حياته، ثم توفي النبي صلى الله عليه وسلم فقال أبو بكر: فأنا ولي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقبضه أبو بكر فعمل فيه، بما عمل به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنتم حينئذ.
فأقبل على علي، وعباس وقال: تذكران، أن أبا بكر فيه كما تقولان (1): والله يعلم إنه فه لصادق، بار، راشد، تابع للحق.
ثم توفى الله أبا بكر فقلت: أنا ولي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر فقبضته سنتين من إمارتي، أعمل فيه بما عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر والله يعلم إني فيه: صادق، بار، راشد، تابع للحق ثم جئتماني كلاكما، وكلمتكما واحدة،
__________
(1) وفي بعض نسخ البخاري المطبوعة قديما جاء فيها: إنه غير صادق، وغير بار، وغادر، وهذه العبارة أسقطت من طبعات البخاري المطبوع في مصر - المؤلف -.
(*)

(1/186)


وأمركما جميع فجئتني يعني عباسا فقلت لكما: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا نورث ما تركنا صدقة فلما بدا لي أن أدفعه اليكما قلت: إن شئتما دفعته إليكما.
على أن عليكما عهد الله وميثاقه لتعملان فيه بما عمل فيه رسول الله صلى
الله عليه وسلم وأبو بكر، وما عملت فيه منذ وليت، وإلا فلا تكلماني، فقلتما إدفعه إلينا بذلك فدفعته إليكما، أفتلتمسان مني قضاء غير ذلك، فوالله الذي بإذنه تقوم السماء والارض.
لا أقضي فيه بقضاء غير ذلك حتى تقوم الساعة فإن عجزتما فادفعا إلي فأنا أكفيكماه قال: فحدثت هذا الحديث عروة بن الزبير فقال: صدق مالك بن أوس.
أما سمعت عائشة (رض) زوج النبي صلى الله عليه وسلم تقول: أرسل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عثمان إلى أبي بكر يسألنه ثمنهن مما أفاء الله على رسوله صلى الله عليه وسلم فكنت أنا أردهن فقلت لهن: ألا تتقين الله، ألم تعلمن أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: " لا نورث ما تركنا صدقة " يريد بذلك نفسه، إنما يأكل آل محمد صلى الله عليه وسلم في هذا المال فانتهن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم إلى ما أخبرتهن.
قال: فكانت هذه الصدقة بيد علي، منعها علي عباسا فغلبه عليها، ثم كان بيد حسن بن علي، ثم بيد حسين بن علي، ثم بيد علي بن حسن، وحسن ابن حسن كلاهما كان يتداولانها.
ثم بيد زيد بن حسن، وهي صدقة رسول الله صلى الله عليه وسلم حقا (1).
__________
(1) صحيح البخاري: 5 / 113 - 115 طبعة كتاب الشعب، صحيح البخاري: 5 / 88، صحيح البخاري: 9 / 122.
(*)

(1/187)


عمر أمام فضائل الامام علي: 1 - أخرج المحب الطبري، عن محمد بن الزبير قال:
دخلت مسجد دمشق فإذا أنا بشيخ قد التوت ترقوتاه من الكبر فقلت يا شيخ: من أدركت ؟ قال: عمر (رض) فقلت: فما غزوت معه، قال: غزوت اليرموك.
قلت: فحدثني شيئا سمعته.
قال: خرجت مع فتية حاجا فأصبنا بيض نعام، وقد أحرمنا فلما قضينا نسكنا ذكرنا ذلك لامير المؤمنين عمر فأدبر وقال: أتبعوني.
حتى انتهى إلى حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فضرب حجرة منها فأجابته إمرأة فقال: أثم أبو حسن.
قالت: لا.
فمر في المقناة فأدبر وقال: أتبعوني.
حتى انتهى إليه، وهو يسوي التراب بيده فقال: مرحبا يا أمير المؤمنين فقال: إن هؤلاء أصابوا بيض نعام، وهم محرمون فقال: ألا أرسلت إلي قال: أنا أحق بإتيانك.
قال: يضربون الفحل قلائص (1) أبكارا بعدد البيض فما نتج منه أهدوه.
قال عمر: فإن الابل تخدج.
قال علي: والبيض يمرض فلما أدبر قال عمر: " اللهم لا تنزل بي شدة إلا وأبو الحسن إلى جنبي " (2).
2 - أخرج المحب الطبري، عن عبد الله بن الحسن أنه قال: دخل علي على عمر، وإذا إمرأة حبلى تقاد ترجم قالت: يذهبون بي يرجموني.
فقال يا أمير المؤمنين: لاي شئ ترجم، لان كان لك سلطان عليها فما لك سلطان على ما في
__________
(1) قلائص: جمع قلوص.
وهي الناقة الشابة (عن هامش الكتاب).
(2) ذخائر العقبى: ص 82.
(*)

(1/188)


بطنها.
فقال عمر (رض): كل أحد أفقه مني ثلاث مرات.
فضمنها علي حتى ولدت غلاما ثم ذهب بها إليه فرجمها (1).
3 - أخرج الموفق بن أحمد الخوارزمي، عن جابر أنه قال: قال عمر: كانت لاصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ثماني عشر سابقة فخص علي منها بثلاث عشرة، وشركنا في خمس (2).
4 - قال السيد احمد بن زيني دحلان مفتي مكة: فقالوا [ لعمر ] لو عهدت: فقال: كنت أجمعت بعد مقالتي لكم أن أولى رجلا أمركم يحملكم على الحق، وأشار إلى علي بن أبي طالب.
ثم رأيت أن لا أتحمله حيا، وميتا (3).
5 - قال القندوزي الحنفي: كانت الصحابة (رض) يرجعون إليه - أي للامام علي - في أحكام الله ويأخذون عنه الفتاوى كما قال عمر بن الخطاب (رض) في عدة مواطن: لولا علي لهلك عمر (4).
6 - أخرج المحب الطبري، عن عمر (رض) وقد جاءه أعرابيان يختصمان فقال لعلي: إقض بينهما يا أبا الحسن، فقضى علي بينهما.
فقال أحدهما: هذا يقضي بيننا ؟ فوثب إليه عمر وأخذ بتلبيبه وقال: ويحك ما تدري من هذا.
هذا مولاي، ومولى كل مؤمن، ومن لم يكن مولاه فليس بمؤمن.
__________
(1) ذخائر العقبى: ص 81.
(2) مقتل الحسين: 1 / 45.
(3) الفتوحات الاسلامية: 2 / 427.
(4) ينابيع المودة: ص 70.
(*)

(1/189)


أخرجه ابن السمان في كتاب الموافقة (1).
7 - أخرج السيوطي، عن أبي هريرة أنه قال: قال عمر بن الخطاب: لقد اعطي علي ثلاث خصال لان تكون لي خصلة منها أحب إلي من أن اعطى حمر النعم.
فسئل وما هن ؟ قال: تزوجه ابنته، وسكناه المسجد لا يحل لي فيه ما يحل له، والراية يوم خيبر (2).
قال السيد أحمد بن زيني دحلان مفتي مكة المكرمة 8 - وحكم علي مرة على أعرابي بحكم فلم يرض بحكمه، فتلببه عمر ابن الخطاب وقال له: ويلك انه مولاك، ومولى كل مؤمن، ومؤمنة (3).
9 - أخرج ان الاثير حديث المناشدة في الرحبة (4) وقال: وقد روى مثل هذا: البراء بن عازب وزاد فقال عمر بن الخطاب: يابن أبي طالب أصبحت اليوم ولي كل مؤمن (5).
10 - قال السيد أحمد بن زيني دحلان مفتي مكة المكرمة: أخرج الطبراني أنه قيل لعمر: إنك تصنع بعلي من التعظيم شيئا لا تصنعه مع أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: إنه مولاي (6).
__________
(1) ذخائر العقبى: ص 68.
(2) تاريخ الخلفاء: ص 172.
(3) الفتوحات الاسلامية: 2 / 470.
(4) الرحبة: ناحية بين المدينة والشام من وادي القرى.
مراصد الاطلاع: 2 / 608.
(5) اسد الغابة في معرفة الصحابة: 4 / 28.
(6) الفتوحات الاسلامية: 2 / 470.
(*)

(1/190)


11 - قال أبو المظفر يوسف بن قرغلي البغدادي: وفي رواية: اتى عمر بامرأة وضعت لستة أشهر فأمر برجمها.
فقال علي عليه السلام: ليس عليها رجم.
لان الله تعالى يقول: { والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة } فخلى عنها وقال: اللهم لا تبقني لمعضلة (1) ليس لها ابن أبي طالب.
أقول: وأخرج الخوارزمي عن يحيى بن سعيد بن المسيب قال: سمعت عمر يقول: اللهم لا تبقني لمعضلة ليس لها ابن أبي طالب حيا (2).
12 - أخرج ابن الاثير، عن سعيد بن المسيب قال: كان عمر يتعوذ من معضلة ليس لها أبو الحسن (3).
وأورد هذا الحديث ابن سعد: وذكر بدل ليس لها: ليس فيها: (4).
وقال ابن الاثير: ومنه - أي عمر - حديثه الآخر: اعوذ بالله من كل معضلة ليس لها أبو الحسن.
ويريد بأبي حسن: علي بن أبي طالب (5).
13 - وعن البراء بن عازب [ قال ] (6): كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فنزلنا بغدير خم فنودي فينا: الصلاة
__________
(1) قال ابن الاثير: معضلة: أراد المسألة الصعبة، أو الخطة الضيقة المخارج.
النهاية في غريب الحديث: 3 / 254.
(2) تذكرة الخواص: ص 137.
(3) انظر: مقتل الحسين: 1 / 45.
(4) اسد الغابة: 4 / 23.
(5) راجع: الطبقات: 2 ق 2 / 100 ط ليدن.
(6) النهاية في غريب الحديث: 3 / 254.
(*)

(1/191)


جامعة.
وكسح - بمعنى نظفها - لرسول الله صلى الله عليه وسلم تحت شجرة.
فصلى الظهر وأخذ بيد علي وقال: " ألستم تعلمون أني أولى بالمؤمنين من أنفسهم " ؟ قالوا: بلى.
فأخذ بيد علي وقال: " اللهم من كنت مولاه فعلي مولاه.
اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه ".
قال: فلقيه عمر بعد ذلك، وقال: هنيئا لك يابن أبي طالب أصبحت، وأمسيت مولى كل مؤمن ومؤمنة.
وعن زيد بن أرقم مثله (1).
14 - أخرج القندوزي الحنفي عن البراء قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فنزلنا بغدير خم ونودي فينا: الصلاة جامعة فصلى الظهر، وأخذ بيد علي فقال: ألستم تعلمون أني أولى بالمؤمنين من أنفسهم.
قالوا: بلى.
قال: ألستم تعلمون أني أولى بكل مؤمن من نفسه.
قالوا: بلى آخذا بيد علي فقال لهم:
من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه.
قال: فلقيه عمر بن الخطاب (رض) فقال: هنيئا لك يابن أبي طالب أصبحت مولى كل مؤمن، ومؤمنة (2).
15 - أخرج المير سيد علي الهمداني عن البراء بن عازب (رض) في قوله تعالى: " يا أيها الرسول بلغ ما انزل إليك من ربك ".
أي بلغ من فضائل علي.
نزلت في غدير خم.
فخطب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
__________
(1) عمدة الاخبار في مدينة المختار ص 219 - 220.
(2) ينابيع المودة: 1 / 30 - 31.
(*)

(1/192)


" من كنت مولاه فهذا علي مولاه " فقال عمر (رض).
بخ بخ لك يا علي، أصبحت مولاي، ومولا كل مؤمن ومؤمنة.
رواه أبو نعيم: وذكره الثعالبي في كتابه (1).
16 - أخرج الحافظ الحسكاني عن أبي هريرة أنه قال: من صام يوم ثمانية عشر من ذي الحجة كتب الله [ له ] صيام ستين شهرا، وهو يوم غدير خم، لما أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيد علي بن أبي طالب فقال: " من كنت مولاه فعلي مولاه ".
فقال عمر بن الخطاب: بخ بخ لك يابن أبي طالب (2).
17 - أخرج الخطيب البغدادي، عن شهر بن حوشب عن أبي هريرة أنه قال: من صام يوم ثمان عشرة من ذي الحجة كتب له صيام ستين شهرا، وهو
يوم غدير خم لما أخذ النبي صلى الله عليه وسلم بيد علي بن أبي طالب فقال: " ألست أولى بالمؤمنين " قالوا: بلى يارسول الله.
قال: " من كنت مولاه فعلي مولاه ".
فقال عمر بن الخطاب: بخ بخ لك يابن أبي طالب، أصبحت مولاي ومولى كل مسلم.
فأنزل الله: " اليوم أكملت لكم دينكم " (3).
18 - قال أبو حامد محمد بن محمد الغزالي في كتابه في باب ترتيب الخلافة والمملكة:
__________
(1) كتاب السبعين في فضائل أمير المؤمنين ص 517 ط باكستان مركز تحقيقات فارسي ايران وباكستان.
(2) شواهد التنزيل: 1 / 157.
(3) تاريخ بغداد: 8 / 290.
(*)

(1/193)


وأجمع الجماهير على متن الحديث من خطبته [ صلى الله عليه وسلم ] في يوم غدير خم باتفاق الجميع وهو يقول (1).
" من كنت مولاه فعلي مولاه ".
فقال عمر: بخ بخ يا أبا الحسن لقد اصبحت مولاي، ومولى كل مولى.
فهذا تسليم، ورضى وتحكيم.
ثم بعد هذا غلب الهوى، لحب الرياسة، وحمل عمود الخلافة، وعقود النبوة، وخفقان الهوى في قعقعة الرايات، واشتباك ازدحام الخيول، وفتح الامصار، وسقاهم كأس الهوى فعادوا إلى الخلاف الاول، فنبذوه وراء ظهورهم، واشتروا به ثمنا قليلا (2).
19 - أخرج المحب الطبري، عن أبي سعيد الخدري، أنه سمع عمر
يقول لعلي وقد سأله عن شئ فأجابه.
أعوذ بالله أن أعيش في يوم لست فيه يا أبا الحسن (3).
20 - أخرج البيهقي، عن أبي سعيد الخدري قال: حججنا مع عمر بن الخطاب (رض) فلما دخل الطواف استقبل الحجر فقال: إني أعلم أنك حجر، لا تضر، ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبلك، ما قبلتك، ثم قبله.
فقال له علي بن أبي طالب: بلى، يا أمير المؤمنين ! انه يضر، وينفع.
قال: بم ؟ قال: بكتاب الله عزوجل: { وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم، وأشهدهم على
__________
(1) رواه الامام أحمد في مسنده، وابن ماجة عن البراء رضي الله عنه، والترمذي، والنسائي والضياء عن زيد بن أرقم رضي الله عنه.
عن هامش سر العالمين 1 / 13 ط مصر.
(2) سر العالمين: 1 / 31 نشر مكتبة الجندي بمصر وتحقيق الاستاذ الشيخ محمد مصطفى أبوالعلا الشهير بحامد.
(3) ذخائر العقبى: ص 82.
(*)

(1/194)


أنفسهم ألست بربكم }.
الاعراف: 172.
خلق الله آدم، ومسح على ظهره فقررهم بأنه الرب، وأنهم العبيد، وأخذ عهودهم، ومواثيقهم، وكتب ذلك في رق.
وكان لهذا الحجر عينان، ولسان.
فقال له: إفتح (فاك) قال: ففتح فاه، فألقمه ذلك الرق، فقال: إشهد لمن وافاك بالموافاة يوم القيامة، وإني أشهد لسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
" يوتى يوم القيامة بالحجر الاسود، وله لسان ذلق يشهد لمن يستلمه بالتوحيد ".
فهو يا أمير المؤمنين يضر، وينفع.
فقال عمر: أعوذ بالله أن أعيش في قوم لست فيهم يا أبا الحسن (1).
21 - قال أبو بكر ابن حجة الحموي في فتح بيت المقدس: عندما وصل كتاب أبي عبيدة بن الجراح إلى عمر، فرح، وقرأه على المسلمين وقال: ما ترون رحمكم الله فيما كتب إلينا أمين الامة.
فكان أول من تكلم به عثمان بن عفان.
فلما سمع عمر ذلك من عثمان جزاه خيرا وقال: هل عند أحد منكم غير هذا الرأي.
فقال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: نعم.
عندي غير هذا الرأي.
وأنا ابديه اليك..والصواب أن تسير إليهم.
ففرح عمر بمشورة علي وقال:..ولست آخذا إلا بمشورة علي، فما عرفناه إلا محمود المشورة، ميمون الطلعة (2).
22 - قال إبن أبي الحديد: وحدثني الحسين بن محمد السيني قال: قرأت على ظهر كتاب، أن عمر نزلت به نازلة، فقام لها، وقعد،
__________
(1) الجامع لشعب الايمان: 7 / 590.
(2) ثمرات الاوراق: 2 / 16 - 17.
(*)

(1/195)


وترنح (1) لها، وتقطر.
وقال لمن عنده، معشر الحاضرين.
ما تقولون في هذا الامر فقالوا يا أمير المؤمنين: أنت المفزع، والمنزع فغضب وقال: " يا أيها الذين آمنوا اتقوا لله وقولوا قولا سديدا " ثم قال:
أما والله إني وإياكم لنعلم ابن نجدتها (2)، والخبير بها قالوا كأنك أردت ابن أبي طالب ؟ قال: وأنى يعدل بي عنه، وهل طفحت حرة مثله ؟ قالوا: فلو دعوت به يا أمير المؤمنين.
قال: هيهات إن هناك شمخا من بني هاشم، واثرة من علم، ولحمة من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
يؤتى، ولا يأتي فامضوا بنا إليه، فاقصفوا نحوه، وأفضوا إليه فألفوه في حائط له عليه تبان.
وهو يتركل على مسحاته ويقرأ: { أيحسب الانسان أن يترك سدى } إلى آخر السورة، ودموعه تهمي على خديه، فأجهش الناس لبكائه.
فبكوا ثم سكت، وسكتوا.
فسأله عمر عن تلك الواقعة فأصدر جوابها.
فقال عمر: أما والله لقد أرادك الحق، ولكن أبى قومك فقال يا أبا حفص: خفض عليك من هنا ومن هنا إن يوم الفصل كان ميقاتا.
فوضع عمر إحدى يديه على الاخرى وأطرق إلى الارض، وخرج وكأنما ينظر في رماد (3).
23 - أخرج الحافظ الكنجي الشافعي، عن حذيفة بن اليمان أنه قال: لقي عمر بن الخطاب فقال له عمر: كيف أصبحت يابن اليمان ؟
__________
(1) أراد عمر بهذا نفسه حيث أنه هو الذي صد رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كتابة الكتاب وقال: يهجر.
(2) انظر: النهاية في غريب الحديث لابن الاثير: 5 / 18.
(3) شرح النهج: 3 / 114 - 115.
(*)

(1/196)


فقال: كيف تريدني أصبح ؟ أصبحت والله أكره الحق، واحب الفتنة، وأشهد بما لم أره، وأحفظ غير
المخلوق، واصلي على غير وضوء، ولي في الارض ما ليس لله في السماء.
فغضب عمر لقوله، وانصرف من فوره، وقد أعجله أمر، وعزم على أذى حذيفة لقوله ذلك، فبينا هو في الطريق إذ مر بعلي بن أبي طالب، فرأى الغضب في وجهه، فقال: ما أغضبك يا عمر ؟ فقال: لقيت حذيفة بن اليمان فسألته: كيف أصبحت ؟ فقال: أصبحت أكره الحق، فقال: صدق، يكره الموت وهو حق.
فقال: يقول: واحب الفتنة، قال: صدق، يحب المال، والولد، وقد قال الله تعالى: { إنما أموالكم، وأولادكم فتنة }.
الانفال: 28.
فقال يا علي: يقول: وأشهد بما لم أره، فقال: صدق يشهد لله بالوحدانية، والموت، والبعث، والقيامة، والجنة، والنار، والصراط.
ولم ير ذلك كله.
فقال يا علي: وقد قال: إني أحفظ غير المخلوق، قال: صدق.
يحفظ كتاب الله تعالى: القرآن وهو غير مخلوق.
قال: ويقول: اصلي على غير وضوء.
فقال: صدق.
يصلي على ابن عمي رسول الله صلى الله عليه وسلم على غير وضوء، والصلاة عليه جائزة.
فقال يا أبا الحسن: قد قال أكبر من ذلك.
فقال: وما هو ؟ قال: قال إن لي في الارض ما ليس لله في السماء.
قال: يصدق.
له زوجة والولد.
فقال عمر: كاد يهلك ابن الخطاب لولا علي بن أبي طالب.

(1/197)


وقال الحافظ الكنجي: قلت: هذا ثابت عند أهل النقل ذكره غير واحد من أهل السير.
(1).
قال الشيخ علوي بن طاهر الهدار الحداد العلوي: أخرج احمد في الناقب، والحافظ أبو سعيد اسماعيل بن علي السمان في الموافقة عن عروة بن الزبير: أن رجلا وقع في علي بمحضر من عمر فقال له عمر: أتعرف صاحب هذا القبر قال: هذا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب.
فقال عمر: وعلي بن أبي طالب بن عبد المطلب.
لا تذكر عليا إلا بخير فإنك إن انتقصته آذيت صاحب هذا القبر في قبره صلى الله عليه وآله وسلم فعلل عمر (رض) تأذيه صلى الله عليه وآله وسلم بانتقاص علي كرم الله وجهه بأنه نسيبه وقريبه وكون راوي هذا الحديث عروة بن الزبير مما يزيده قوة.
وقال الشيخ علوي: وقوله صلى الله عليه وآله وسلم في أمير المؤمنين كرم الله وجهه: من آذى عليا فقد آذاني هو في معنى ما سبق وذلك من جملة فضائله ومناقبه التي اقتضتها درجته الرفيعة من الدين، ومحله من الاسلام، والجهاد، والقرابة القريبة (2).
* * *
__________
(1) كفاية الطالب في مناقب علي بن أبي طالب: ص 218 - 219.
(2) انظر: القول الفصل فيما لبني هاشم وقريش والعرب من الفضل: 2 / 9 ط مصر عام 1343 ه.
(*)

(1/198)


24 - قال احمد بن علي بن حجر العسقلاني في ترجمة اسفنديار بن الموفق الواعظ:
إسفنديار بن الموفق بن محمد بن يحيى بن أبو الفضل الواعظ.
روى عن ابي الفتح بن البطي، ومحمد بن سليمان وروح بن أحمد الحديثي، وقرأ الروايات على أبي الفتح بن رزيق، وأتقن العربية، وولى ديوان الرسائل.
روى عنه الديثي وابن النجار وقال: برع في الادب وتفقه للشافعي وكان يتشيع وكان متواضعا عابدا كثير التلاوة، وقال ابن الجوزي حكى عنه بعض عدول بغداد أنه حضر مجلسه بالكوفة فقال: لما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم (1): (من كنت مولاه فعلي مولاه) تغير وجه أبي بكر وعمر فنزلت: { فلما رأوه زلفة سيئت وجوه الذين كفروا } (2).
__________
(1) لسان الميزان 1 / 387 ط حيدر آباد دكن - الهند عام 1330 هجري وانظر: فيض القدير شرح الجامع الصغير للمناوي: 6 / 217 - 218.
(2) قال الزمخشري: أي ساءت وجوههم بأن علتها الكآبة وغشيه الكسوف والقترة وكلحوا وكما يكون وجه من يقاد إلى القتل أو يعرض على بعض العذاب.
تفسير الكشاف: 4 / 139 (سورة الملك).
وقال علي بن محمد البغدادي المعروف بالخازن في تفسير هذه الآية { فلما رأوه زلفة سيئت وجوه الذين كفروا }.
أي اسودت وعلتها الكآبة.
والمعنى.
قبحت وجوههم بالسواد.
تفسير الخازن: 4 / 292، معالم التنزيل للبغوي: 5 / 423 وقال محمد جمال الدين القاسمي في تفسيره قوله تعالى { سيئت وجوه الذين كفروا } أي ظهر عليها آثار الاستياء من الكآبة الغم، والانكسار والحزن.
محاسن التأويل 16 / 249.
وقال أحمد مصطفى المراغي في تفسير هذه الآية.
ساءهم ذلك وعلت وجوههم الكآبة والحزن وغشيها القترة والسواد إذ جاءهم من أمر الله ما لم يكونوا يحتسبون.
تفسير المراغي: 29 / 23.
وقال محمد علي الصابوني في تفسير هذه الآية: { سيئت وجوه الذين كفروا } أي ظهرت = (*)

(1/199)


* * * *
__________
= على وجوهم آثار الاستياء فعلتها الكآبة والغم، والحزن وغشيها الذل والانكسار.
صفوة التفاسير: 3 / 421.
(*)

(1/200)


سيرته مع الصحابة

(1/201)


أبو بكر بن أبي قحافة: أخرج ابن أبي الحديد، عن الهيثم بن عدي، عن عبد الله بن عباس الهمداني، عن سعيد بن جبير أنه قال: ذكر أبو بكر، وعمر عند عبد الله بن عمر، فقال رجل، كانا والله شمس هذه الامة، ونورها.
فقال ابن عمر: وما يدريك، فقال الرجل: أو ليس قد أئتلفا ؟ فقال ابن عمر: بل اختلفا لو كنتم تعلمون.
أشهد أني كنت عند أبي يوما، وقد أمرني أن أحبس الناس عنه، فاستأذن عليه عبد الرحمن بن أبي بكر.
فقال عمر: دويبة سوء، ولهو خير من أبيه.
فأوحشني ذلك منه.
فقلت: يا أبت: عبد الرحمن خير من أبيه ؟ فقال: ومن ليس بخير من أبيه.
لا ام لك.
إئذن لعبد الرحمن، فدخل عليه
فكلمه في الحطيئة الشاعر، أن يرضى عنه، وقد كان عمر حبسه في شعر قاله.
فقال عمر: إن في الحطيئة أودا (1) فدعني اقومه بطول حبسه.
فألح عليه عبد الرحمن فأقبل على أبي فقال: أفي غفلة أنت إلى يومك هذا عما كان من تقدم احيمق بني تيم، وظلمه لي.
فقلت: لا علم لي بما كان من ذلك.
قال يا بني فما عسيت أن تعلم.
فقلت: والله لهو أحب إلى الناس من ضياء أبصارهم.
__________
(1) الاود: العوج.
النهاية في غريب الحديث: 1 / 79.
(*)

(1/202)


فقال: إن ذلك لكذلك على رغم أبيك، وسخطه.
فقلت: يا أبت أفلا تجلي عن فعله بموقف في الناس تبين ذلك لهم.
قال: وكيف لي بذلك مع ما ذكرت إنه أحب إلى الناس من ضياء أبصارهم.
إذن يرضخ راس أبيك بالجندل (1).
قال ابن عمر: ثم تجاسر والله فجسر، فما دارت الجمعة حتى قام خطيبا في الناس فقال: إن بيعة أبي بكر كانت فلتة، وقى الله شرها.
فمن دعاكم إلى مثلها فاقتلوه.
ثم قال ابن أبي الحديد: وكان عند ابن عباس دفائن علم، يعطيها أهلها، ويصرفها عن غيرهم، فبينما نحن كذلك، إذ أقبل رجل من الازد، فجلس إلينا فأخذنا في ذكر أبي بكر، وعمر، فضحك الشعبي وقال: لقد كان في صدر عمر ضب (2) على أبي بكر.
فقال الازدي: والله ما رأينا، ولا سمعنا برجل قط كان أسلس قياد الرجل، ولا أقول فيه بالجميل من عمر في أبي بكر.
فأقبل على الشعبي، وقال: يا أخا الازد: فكيف تصنع بالفتنة التي وقي الله شرها.
أترى عدوا يقول في عدو، يريد أن يهدم ما بنى لنفسه في الناس أكثر من قول عمر، في أبي بكر.
فقال الرجل: سبحان الله أنت تقول ذلك يا أبا عمرو.
فقال الشعبي: أنا أقوله، قاله: عمر بن الخطاب على رؤس الاشهاد فلمه أودع.
فنهض الرجل مغضبا، وهو يهمهم في الكلام بشئ لم أفهمه.
قال مجالد: فقلت للشعبي:
__________
(1) الجندل: الحجارة.
المختار من صحاح اللغة: ص 71.
(2) " لم أزل مضبا " هو من الضب: الغضب والحقد.
النهاية: 3 / 70.
(*)

(1/203)


ما أحسب هذا الرجل إلا سينقل عنك هذا الكلام إلى الناس ويثبته فيهم.
قال: إذن والله لا أحفل به، وشئ لم يحفل به عمر حين قام على رؤس الاشهاد من المهاجرين والانصار أحفل به أنا وأذيعوه أنتم عني أيضا ما بدا لكم.
روى شريك بن عبد الله النخعي، عن محمد بن عمرو بن مرة، عن أبيه، عن عبد الله بن سلمة، عن أبي موسى الاشعري أنه قال: حججت مع عمر، فلما نزلنا، وعظم الناس خرجت من رحلي اريده، فلقيني المغيرة بن شعبة، فرافقني، ثم قال: اين تريد ؟ قلت: أمير المؤمنين.
فهل لك ؟ قال: نعم.
فانطلقنا نريد
رحل عمر...حتى انتهينا إلى رحل عمر فلم نجده فسألنا عنه، فقيل قد خرج آنفا فمضينا نقفوا أثره.
حتى دخلنا المسجد، فإذا عمر يطوف بالبيت فطفنا معه فلما فرغ دخل بيني، وبين المغيرة وقال: من أين جئتما ؟ فقلنا: خرجنا نريدك يا أمير المؤمنين.
فأتينا رحلك.
فقيل لنا خرج إلى المسجد فاتبعناك.
فقال: أتبعكما الخير.
ثم نظر المغيرة إلي وتبسم فرمقه عمر فقال: فيم تبسمت أيها العبد.
فقال: من حديث كنت أنا، وأبو موسى فيه آنفا في طريقنا إليك قال: وما ذاك الحديث: فقصصنا عليه الخبر حتى بلغنا ذكر حسد قريش، وذكر من أراد صرف أبي بكر عن استخلاف عمر.
فتنفس الصعداء ثم قال: ثكلتك امك يا مغيرة، وما تسعة أعشار الحسد، بل وتسعة أعشار العشر، وفي الناس كلهم عشر العشر بل وقريش شركاؤهم أيضا فيه، وسكت مليا وهو يتهادى بيننا ثم قال: ألا أخبركما بأحسد قريش كلها قلنا: بلى يا أمير المومنين.

(1/204)


قال: وعليكما ثيابكما.
قلنا: نعم.
قال: وكيف بذلك، وأنتم ملبسان ثيابكما.
قلنا: يا أمير المؤمنين، وما بال الثياب ؟ قال: خوف الاذاعة منها.
قلنا: له أتخاف الاذاعة من الثياب أنت، وأنت من ملبس الثياب أخوف.
وما الثياب أردت ؟ ! قال: هو ذاك.
ثم انطلق، وانطلقنا معه حتى انتهينا إلى رحله فخلى أيدينا من يده ثم قال: لا تريما، ودخل.
فقلت للمغيرة: لا أبا لك لقد آثرنا بكلامنا معه، وما كنا فيه، وما نراه حبسا إلا ليذاكرنا إياها.
قال: فإنا لكذلك إذا أخرج إذنه الينا فقال: ادخلا.
فدخلنا.
فوجده مستلقيا على برذعة برحل.
فلما رآنا تمثل بقول كعب بن زهير: لا تفش سرك إلا عند ذي ثقة * أولى وأفضل ما استودعت أسرارا - صدرا رحيبا وقلبا واسعا قمنا * أن لا تخاف متى استودعت إظهارا فعلمنا إنه يريد كتمان حديثه.
فقلت أنا له: يا أمير المؤمنين ألزمنا، وخصنا، وصلنا.
قال: بماذا يا أخا الاشعريين.
فقلت: بإفشاء سرك، وأن تشركنا، في همتك.
فنعم المستشاران نحن لك.
قال: إنكما كذلك.
فأسألكما عما بدا لكما.
ثم قام إلى الباب ليغلقه فإذا الآذن الذي أذن لنا عليه في الحجرة فقال: إمض عنا لا ام لك.
فخرج، وأغلق الباب خلفه ثم أقبل علينا، فجلس معنا، وقال: سلا: تخبرا.
قلنا: نريد أن يخبرنا أمير المؤمنين بأحسد قريش الذي لم يأمن ثيابنا على ذكره لنا.
فقال: سألتما عن معضلة، وساخبركما.
فليكن عندكما في ذمة منيعة، وحرز ما بقيت، فإذا مت فشأنكما، وما شئتما من إظهار، أو كتمان.

(1/205)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية