صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : طبقات الأولياء
المؤلف : ابن الملقن
مصدر الكتاب : الوراق

[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

خطبة الكتاب
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله على رفع الأعلام، لمن شاء من الأعيان الأعلام، وعلى بيان الطريق، لأهل التحقيق. وأشهد أن لا اله الا الله، وحده لا شريك له، شهادة نافعة على الدوام، وأشهد أن سيدنا محمد عبده ورسوله، مصباح الظلام. صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه الكرام.
وبعد: فهذه جملة من طبقات الأعلام الأعيان، وأوتاد الأقطاب فى كل قطر وأوان؛ جمعتهم لأهتدى بمآثرهم، وأقتفى بآثارهم، رجاء أن أنظم في سلكهم، " فالمرء مع من أحب " ، وأحيا بذكرهم، ويزول عني النصب.
وعلى الله واليه التفويض والاستناد
حرف الألف
إبراهيم بن أدهم
؟ - 161 للهجرة
ابرهيم بن أدهم، أبو اسحاق البلخي. ولد بمكة، وطافت به أمه على الخلق، وسألت الدعاء له أن يكون صالحا فأستجيب لها، وترك الامارة، وما كان فيه.
خرج متصيدا، فأثار ثعلبا - أو أرنبا - واذ هو طلبه، هتف به هاتف من قربوس سرجه: " والله! ما لهذا خلقت!، ولا بهذا أمرت! " . فنزل عن دابته، وصادف راعيا أبيه، فأخذ جبته - وكانت من صوف - فلبسها، وأعطاه ثيابه وقماشه وفرسه.
ثم دخل مكة، ثم الشام، لطلب الحلال. وكان يأكل من عمل يده.
وصحب بمكة سفيان الثورى، والفضيل بن عياض. وتوفى بالجزيرة في الغزو، وحمل إلى صور - مدينة بساحل الشام، أو ببلاد الروم على ساحل البحر - فدفن بها سنة إحدى وستين ومائة.
ومناقبه جمة، أفردها ابن الحلبى بالتأليف.
واختلف - ليلة أن مات - إلى الخلاء نيفا وعشرين مرة، في كل مرة يجدد الوضوء للصلاة، فلما أحس بالموت، قال: " أوتروا لى قوسى! " فقبض عليه، فقبضت روحه والقوس في يده.
ومن كلامه البديع: " الفقر مخزون في السماء، يعدل الشهادة عند الله، لا يعطيه إلا لمن أحبه " .
ومنه: " على القلب ثلاثة أغطية: الفرح، والحزن، والسرور. فإذا فرحت بالموجود فأنت حريص، والحريص محروم. وإذا حزنت على المفقود فأنت ساخط، والساخط معذب. وإذا سررت بالمدح فأنت معجب، والعجب يحبط العمل. ودليل ذلك قوله تعالى: )لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتيكم(.
ومن كلامه: " قلة الحرص والطمع تورث الصدق والورع، وكثرة الحرص والطمع تكثر الهم والجزع " .
وقال: " وجدت يوما راحة، فطابت نفسي لحسن صنع الله بي، فقلت: اللهم! إن كنت أعطيت أحدا من المحبين لك ما سكنت به قلوبهم قبل لقائك فأعطني كذلك! فقد أضر بي القلق " . فرأيت رب العزة في المنام، فأوقفني بين يديه، وقال لي: " يا إبرهيم! أما استحيت منى! تسألني أن أعطيك ما يسكن به قلبك قبل لقائى؟! وهل يسكن قلب المشتاق إلى غير حبيبه؟! أم هل يستريح المحب إلى غير من اشتاق إليه؟! " . قال، فقلت: " يا رب! تهت في حبك، فلو أدر ما أقول! " .
قال ابرهيم بن بشار خادمه: " كنت ذات ليلة معه، وليس معنا شىء نفطر عليه، ولا لنا حيلة، فرآنى مغموما، فقال: " يا ابن بشار! ماذا انعم الله تعالى على الفقراء والمساكين، من النعم والراحة دنيا وأخرى!. لا يسألهم يوم القيامة عن حج ولا زكاة، ولا صلة رحم ولا مواساة؛ وإنما يسأل ويحاسب هؤلاء المساكين، أغنياء في الدنيا، فقراء في الآخرة، أعزة في الدنيا، أذلة يوم القيامة. لا تغتم! فرزق الله مضمون سيأتيك!. نحن والله الملوك والأغنياء، قد تعجلنا الراحة في الدنيا، لا نبالي على أي حال أصبحنا أو أمسينا إذا أطعنا الله! " . ثم قام إلى الصلاة، وقمت إلى صلاتى، فما لبثنا غير ساعة، واذا نحن برجل قد جاء بثمانية أغنية وتمر كثير؛ فوضعه بين أيدينا، وقال: " كلوا! رحمكم الله! " فسلم ابرهيم من صلاته وقال: " كل يا مغموم! " فدخل سائل وقال: " أطعمونى شيئا! " فأطعمه ثلاثة أرغفة مع تمر كثير، وأعطانى ثلاثة، وأكل رغيفين، وقال: " المواساة من أخلاق المؤمنين " .
وقال ابرهيم لشقيق: " علام اصلتم اصولكم؟ " فقال: " اذا رزقنا أكلنا، واذا منعنا صبرنا " . فقال ابرهيم: " هكذا كلاب بلخ! اذا رزقت أكلت، واذا منعت صبرت. أنا أصلنا أصولنا على انا اذا رزقنا آثرنا، واذا منعنا حمدنا وشكرنا " . فقام شقيق، وقعد بين يديه وقال: " انت استاذنا! " .

(1/1)


وحصد ابرهيم في المزارع عشرين دينارا ودخل إلى أذنة، ومعه صاحب له. فأراد أن يحلق ويحتجم؛ فجاء إلى حجام، فحقره الحجام وصاحبه، وقال: " ما في الدنيا أحد أبغض إلى من هؤلاء! أما وجدوا غيري؟! " فقضى شغل غيرهما، وأعرض عنهما. ثم قال: " أي شيء تريدان؟ " فقال ابرهيم: " أحتجم واحلق " . ففعل به، وأما صاحبه فقال له: " لا أفعل ذلك! " لتهاونه بهما، ثم أعطاه ابرهيم الذي كان معه، فقال له صاحبه: " كيف ذاك؟! " فقال: " اسكت؟ لئلا يحتقر فقيرا بعده " .
وروى انه كان يعمل في الحصاد وحفظ البساتين وغير ذلك، وينفق على من في صحبته من الفقراء. وكان يعمل نهاره، ويجتمعون ليلا إلى موضع، وهم صيام؛ وكان ابرهيم يبطىء فى رجوعه من عمله. فقالوا ليلة: " هلم نسبقه حتى لا يبطىء في رجوعه من عمله؟ " ففعلوا وناموا. فجاء ابرهيم، فظن انهم لم يجدوا طعاما، فأصلحه لهم، فأنتبهوا وقد وضع شيبته فى النار، وينفخ بها، فقالوا له في ذلك فقال: " ظننت إنكم نمتم جوعى لأجل العدم، فأصلحت لكم ذلك! " . فقال بعضهم لبعض: " انظروا ما الذي عملنا، وما الذي يعاملنا به " .
وقال سهل بن ابرهيم: " صحبته، فمرضت، فأنفق على نفقته، فاشتهيت شهوة، فباع حماره وأنفق على. فلما تماثلت قلت أين الحمار؟. قال: بعناه!. فقلت: ماذا أركب؟! فقال: يا أخي! على عنقي. فحملني ثلاثة منازل " .
وقال: " أتيت ليلة بعض المساجد لأبيت فيه، وكانت ليلة باردة، فلم أمكن، وجررت برجلي إلى مزبلة؛ فرأيت أتون حمام، ووقادا يوقد، فسلمت عليه، فلم يرد السلام حتى فرغ من عمله؛ وكان يلتفت يمينا شمالا، فقلت: " يا هذا! لم لا ترد على السلام فى وقته؟! " ، فقال: " كنت مستأجرا فخفت أن اشغل معك، فأقصر في عملي، فآثم؛ والتفاتي خوف الموت، لا أدرى من أين يأتيني " . قلت: " فبكم تعمل كل يوم؟ " قال: " بدرهم ودانق، فأنفق الدانق على نفسي، والدرهم على أولاد أخ لي في الله، مات منذ عشرين سنة " . قلت: " فهل سألت الله تعالى حاجة قط؟ " قال: " نعم! سألته في حاجة منذ عشرين سنة، وما قضيت بعد! " قلت: " ما هي؟ " قال: " أن يريني ابرهيم بن أدهم، فأموت! " فقلت " والله! ما رضى بي أن آتيك إلا سحبا على وجهي! أنا هو " . فعانقني، ووضع رأسه في حجري، ثم قال: " إلهي! قضيت حاجتي، فاقبضني إليك! " ومات من ساعته " .
وقال شقيق: " كنا عنده يوما، إذ مر به رجل، فقال: " أليس هذا فلانا؟ " فقلنا: " نعم! " فقال الرجل: " أدركه. وقل له: لم لم تسلم؟ " فقال له: " أن امرأتي وضعت، وليس عندي شيء، فخرجت شبه المجنون " فقال: " أنا لله! غفلنا عن صاحبنا! " . ثم أستقرض له دينارين، وأمر أن يشترى له بدينار ما يصلح، ويدفع أليه الآخر. فدفع ذلك إلى زوجته، فقالت: " اللهم! لا تنس هذا اليوم لابرهيم! " ، ففرح فرحا لم يفرح مثله قط " .
وركب مرة البحر، فقال عليهم، فلف رأسه في عباءة ونام. فقيل له: " ما ترى ما نحن فيه من الشدة؟! " فقال: " ليس هذا شدة! الشدة الحاجة إلى الناس " . ثم قال: " اللهم! أريتنا قدرتك، فأرنا عفوك! " . فصار البحر كأنه قدح زيت.
وقال ابراهيم: مررت ببعض بلاد الشام، فإذا حجر مكتوب عليه:
كل حى وان بقى ... فمن العين يستقي
فاعمل اليوم واجتهد ... واحذر الموت يا شقي
فقعدت زمانا أقرأه وأبكي.
وكان كثيرا ما يتمثل بهذا البيت:
للقمة بجريش الملح آكلها ... ألذ من تمرة تحشى بزنبور
ومن أصحابه شقيق بن ابرهيم البلخى، أبو على، من كبار مشايخ خراسان. حدث عن أبى حنيفة، وكان استاذ حاتم الأصم.
مات شهيدا فى غزوة كولان، سنة أربع وتسعين ومائة، حكاه ابن عساكر. وجزم ابن الجوزى، في " المنتظم " بأنه مات سنة ثلاث وخمسين ومائة.
وأخبر عن نفسه في تلك الغزوة أنه رأى نفسه في ذلك اليوم كيوم الزفاف، ونام بين الصفين، حتى سمع غطيطه.
قيل: كان سبب زهده أنه رأى مملوكا يلعب ويمرح فى زمن قحط، فعاتبه، فقال: " لمولاى قرية يدخل له منها ما يحتاج إليه! " فانتبه شقيق، فقال: " هذا مولاه مخلوق، ومولاى أغنى الأغنياء! " فترك ما في بيته، وتخلى للعبادة.
ومن كلامه: " التوكل طمأنينة القلب لموعود الله " .
" من شكا مصيبة نزلت به إلى غير الله لم يجد في قلبه حلاوة لطاعة الله " .
ومنه: " اذا أردت أن تكون فى راحة فكل ما أصبت، والبس ما وجدت، وارض بما قضى الله عليك " .

(1/2)


وقال: " ليس شيء أحب إلى من الضيف، لأن رزقه ومؤنته على الله، وأجره لي " .
وقال: " إن أردت أن تعرف الرجل، فانظر إلى ما وعده الله، ووعده الناس، بأيهما يكون قلبه أوثق! " .
وقال: " تعرف تقوى الرجل في ثلاثة أشياء: في أخذه، ومنعه، وكلامه " .
وسئل: " ما علامة التوبة؟ " فقال: " إدمان البكاء على ما سلف من الذنوب، والخوف المقلق من الوقوع فيها، وهجران أخوان السوء، وملازمة أهل الخير " .
وقيل له: " ما علامة المطرود؟ " فقال: " إذا رأيته منع الطاعة واستوحش منها قلبه؛ وحلاله المعصية واستأنس بها؛ ورغب في الدنيا وزهد في الآخرة؛ وشغله بطنه وفرجه؛ ولم يبال من اين أخذ الدنيا؛ فاعلم انه عند الله مباعد، لم يرضه لخدمته " .
والتقى هو وابرهيم بن أدهم بمكة، فقال له ابرهيم: " ما بدء حالك الذي بلغك هذا؟ " قال: " سرت في بعض الفلوات، فرأيت طيرا مكسور الجناحين، في فلاة من الأرض، فقلت: انظر من أين يرزق هذا!. فإذا أنا بطير قد أقبل، وفى فيه جرادة، فوضعها في منقاره. فاعتبرت وتركت الكسب، وأقبلت على العبادة " .
فقال ابرهيم: " ولم لا تكون أنت الذي أطعم المكسور، حتى تكون أفضل منه؟!. أما سمعت عن النبي صلى الله عليه وسلم: )اليد العليا خير من اليد السفلى(؛ ومن علامة المؤمن أن يطلب أعلى الدرجتين فى أموره كلها، حتى يبلغ منازل الأبرار! " فأخذ شقيق يده يقبلها، وقال له. " أنت أستاذنا! " .
إبراهيم الخواص
؟ - 291 للهجرة
ابرهيم بن أحمد الخواص أبو إسحاق، أوحد المشايخ. صحب أبا عبد الله المغربي، وكان من أقران الجنيد والنووى.
مات بالرى سنة إحدى وتسعين ومائتين.
قيل: مرض بالجامع، وكان به علة القيام، وكان إذا قام يدخل الماء، يغتسل ويعود إلى المسجد، ويركع ركعتين، فدخل مرة الماء، فخرجت روحه فيه.
وله رياضيات وسياحات وتدقيق في التوكل. وكان لا يفرقه إبرة وخيوط، وركوة ومقارض، وقال: " مثل هذا لا ينقص التوكل، لأجل الإعانة على ستر العورة، واذا رأيت الفقير بلا ذلك فاتهمه في صلاته " .
ومن كلامه: " دواء القلب خمسة: قراءة القرآن بالتدبر، وخلاء البطن، وقيام الليل، والتضرع عند السحر، ومجالسة الصالحين " .
وقال: " من لم تبك الدنيا عليه لم تضحك الآخرة إليه " .
وقال: " ليس العلم بكثرة الرواية، إنما العالم من اتبع العلم واستعمله، واقتدى بالسنن، وان كان قليل العلم " .
روى عنه أنه كان إذا دعى إلى دعوة فيها خبز بائت امسك يده، وقال: " هذا قد منع حق الله فيه، إذ بات ولم يخرج من يومه " .
وقال: " تاه بعض أصحابنا أياما كثيرة في البادية، فوقع على عمارة بعد أيام، فنظر إلى جارية تغتسل فى عين ماء، فلما رأته تجللت بشعرها، وقالت له: " إليك عنى يا إنسان! " ، فقال لها: " كيف أذهب عنك، والكل منى مشغول بك؟ " . فقالت له: " في العين الأخرى جارية أحسن منى، فهل رأيتها؟ " . فالتفت إلى خافه، فقالت له: " ما أحسن الصدق، وأقبح الكذب!. زعمت أن الكل منك مشغول بنا، وأنت تلتفت إلى غيرنا! " . ثم التفت فلم ير أحدا.
وقال: " قرأت في التوراة: ويح ابن آدم!. يذنب الذنب ويستغفرني فأغفر له؛ ثم يعود، ويستغفرني فأغفر له. ويحه!. لا هو يترك الذنب، ولا هو ييأس من رحمتي!. أشهدكم يا ملائكتي أنى قد غفرت له " .
وقال: " أعجب ما رأيت في البادية، أنى نمت على حجر، فإذا بشيطان قد جاء وقال: قم من هنا، فقلت اذهب؛ فقال: اني أرفسك فتهلك؛ فقلت: افعل ما شئت. فرفسني فوقعت رجله على كأنها خرقة. فقال: أنت ولى الله، من أنت؟!. قلت: ابرهيم الخواص؛ قال: صدقت!. ثم قال: يا ابرهيم! معي حلال وحرام، فأما الحلال فرمان من الجبل الفلاني، وأما الحرام فحيتان، مررت على صيادين، فتخاونا، فأخذت الخيانة؛ فكل أنت الحلال ودع الحرام " .
وقال ممشاذ الدينورى: " كنت يوما في مسجدي بين النائم واليقظان، فسمعت هاتفا يهتف: أن أردت أن تلقى وليا من الأولياء فامض إلى " تل التوبة " . قال: " فقمت وخرجت، فإذا أنا بثلج عظيم، فذهبت إلى تل التوبة، فإذا إنسان قاعد مربع على راس التل، وحوله خال من الثلج قدر موضع خيمة، فتقدمت أليه، فإذا هو ابرهيم الخواص، فسلمت عليه، وجلست إليه، فقلت: بماذا نلت هذه المنزلة؟! فقال: بخدمة الفقراء " .
ومن شعره:
صبرت على بعض الأذى كله ... ودافعت عن نفسي لنفسي فعزت

(1/3)


وجرعتها المكروه حتى تدربت ... ولو جرعته جملة لاشمأزت
ألا رب ذل ساق للنفس عزة ... ويا رب نفس بالتذليل عزت
إذا ما مددت الكف التمس الغنى ... إلى غير من قال: " اسألوني " ،فشلت
سأصبر جهدي إن في الصبر عزة ... وأرضى بدنيائى، وان هى قلت
وقال جعفر بن محمد: " بت ليلة معه، فانتبهت فإذا هو يناجى إلى الصباح، وينشد ويقول:
برح الخفاء، وفى التلاقى راحة ... هل يشتفى خل بغير خليله؟
وقال:
عليل ليس يبريه الدواء ... طويل الصبر، يضنيه الشقاء
سرائره بواد، ليس تبدو ... خفيات اذا برح الخفاء
وروى أنه تأوه، فقال له بعض أصحابه: " ما هذا؟! " ، فقال: " أوه! كيف يفلح من يسره ما يضره؟! " . وأنشأ يقول:
تعودت مس الضر حتى ألفته ... وأسلمنى حب العراء إلى الصبر
وقطعت أيامى من الناس آيسا ... لعلمي بصنع الله من حيث لا أدرى
إبراهيم بن شيبان القرميسينى
؟ - 330 للهجرة
ابرهيم بن شيبان، الحجة القرميسيني، نسبة إلى مدينة قرميسين من جبال العراق.
صحب أبا عبد الله المغربي ثلاثين سنة. ودخل عليه يوما - وهو يأكل - فقال له: " أدن وكل معى " قال: فقلت: " أني صحبتك منذ ثلاثين سنة، لم تدعني إلى طعامك قبل اليوم، فما بالك دعوتنى اليوم؟! " فقال: " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا يأكل طعامك إلا تقي؛ ولم يظهر لي تقاك إلا اليوم " .
مات سنة ثلاثين وثلثمائة.
ومن عباراته: " من ترك حرمة المشايخ ابتلى بالدعاوى الكاذبة، وافتضح بها. ومن تكلم فى الإخلاص، ولم يطالب نفسه بذلك، أتلاه الله بهتك ستره عند أقرانه وإخوانه. والخلق محل الآفات، وأكثر منهم آفة من يأنس بهم، أو يسكن إليهم " .
وقال: " إن التوكل سر بين العبد وربه، فلا ينبغي أن يطلع على ذلك السر أحدا " .
وأوصى ابنه إسحاق، فقال: " تعلم العلم لآداب الظاهر، واستعمل الورع لآداب الباطن، وإياك أن يشغلك عن الله شاغل، فقل من أعرض عنه فأقبل عليه " .
وقال إسحاق: قلت لأبى: " بماذا أصل إلى الورع؟ " . قال: بأكل الحلال، وخدمة الفقراء " . فقلت: " من الفقراء؟ " فقال: " الخلق كلهم؛ فلا تميز بين من مكنك من خدمته، واعرف فضله عليك في ذلك " .
ومن كلامه: " التواضع من تصفية الباطن تلقى بركاته على الظاهر، والتكبر من كدورة الباطن تظهر ظلمه على الظاهر " .
وقال الحسين ابن ابرهيم: " دخلت على ابرهيم بن شيبان، فقال لي: " لم جئتنى؟! " فقلت: " لأخدمك! " قال: " أستأذنت والدتك؟ " قلت: " نعم! " . فدخل عليه قوم من السوقة، وقوم من الفقراء، فقال لى: " قم واخدمهم " . فنظرت فى البيت إلى سفرتين: جديدة، وخلقه؛ فقدمت الجديدة للفقراء، والخلقة للسوقة؛ وحملت الطعام النظيف للفقراء، وغيره للسوقة. فنظر إلى واستبشر، وقال: " من علمك هذا؟ " . قلت: حسن نيتي فيك " . فقال: " بارك الله عليك! " . فما حلفت بعد ذلك بارا ولا حانثا، وما عققت والدي، ولا عقني أحد من أولادي " .
إبراهيم بن سعد العلوى
ابرهيم بن سعد العلوي، الشريف الزاهد، أبو إسحاق البغدادي، ثم الشامي، ذو الكرامات.
وهو أستاذ أبى الحارث الأولاسى.
حكى عنه أبو الحارث، قال: " كنت معه فى البحر، فبسط كساءه على الماء وصلى عليه " .
ومن أصحابه الفيض بن الخضر بن أحمد الأولاسى أبو الحارث، الجليل الزاهد.
مات بطرطوس سنة سبع وتسعين ومائتين.
إبراهيم الصياد البغدادي
ابرهيم الصياد البغدادي الجليل من أقران سرى.
من كلامه: " علامة الفقير الصادق كونه فى كل وقت بحكمه " قال الجنيد: " جاء ابرهيم الصياد يوما إلى سرى. وهو متزر بقطعة حصير. فأمر السرى فجىء له بجبة فامتنع من لبسها؛ فقال له سرى: " البسها!، فانه كان معى مقدار عشرة دراهم من موضع حلال، فاشتريتها به " فنظر اليه شزرا، وقال: " أنت تقعد مع الفقراء، ومعك عشرة دراهم؟! " . وامتنع من أخذها " .
أبو القاسم النصر اباذى
؟ - 367 للهجرة
ابرهيم بن محمد النصر اباذى نسبة إلى نصر اباذ محلة من محال نيسابور أبو القاسم. شيخ نيسابور، و المحدث المؤرخ.
صحب الشبلى، وأبا على الروذبارى، والمرتعش، وغيرهم. وهو استاذ أبى عبد الرحمن السلمى.
مات بمكة - ودفن بقرب الفضيل - سنة سبع وستين وثلثمائة.

(1/4)


من كلامه: " مراعاة الأوقات من علامات التيقظ " .
وقال: " التصوف ملازمة الكتاب والسنة، وترك الأهواء والبدع، وتعظيم حرمات المشايخ، والملازمة على الأوراد، وترك ارتكاب الرخص والتأويلات " .
وقال: " المحبة مجانبة السلو على كل حال " . ثم أنشد:
ومن كان طول الهوى ذاق سلوة ... فانى من ليلى لها غير ذائق
وأكثر شىء نلته من وصالها ... أمانى لم تصدق كلمحة بارق
قال أبو عبد الرحمن السلمي: " وقع قحط، فخرج الناس للاستسقاء؛ فلما ارتفع النهار جاء غبار وريح وظلمة، لا يستطيع أن يرى أحد أحدا، من شدة الغبار ونحن مع الأستاذ أبى القاسم، فقال: " جئنا بأبدان مظلمة، وقلوب غافلة، ودعونا بلسان مثل الريح، فنحن نكيل ريحا، ويكتال علينا ريح " .
فلما كان الغد خرج - وكان فقيرا، لكن له وجاهة عند الناس - فطلب من أغنيائهم، فاشترى بقرة، وكثيرا من لحم الغنم، وأرزا، وآلات حلوى، ونادى: " من أراد من ذلك فليحضر عند المصلى! " فحضروا وأكلوا وحملوا، فمطروا بعد العصر مطرا كثيرا؛ وركنا إلى مسجد حتى الصباح وكان يترنم:
خرجوا للاستسقا، فقلت لهم: ... دمعى ينوب لكم عن الأنواء!
قالوا: صدقت! ففى دموعك مقنع ... لو لم تكن ممزوجة بدماء!
وقال: " لما هم بالحج - سنة ست وستين وثلثمائة - صحبته. فكان كل منزلة يقصد سماع الحديث، فلما دخل بغداد جاء إلى القطيعى، فرد على قارئه مرة ثم أخرى. فقال له: " إن كنت تحسن القراءة فقم فاقرأ! " ، فأخذ الجزء منه، وقرأ قراءة تحير منها القوم، قرأوا في مجلس واحد قدر قراءة خمسة أيام " .
وكان لا يفارقه المحبرة والمقلمة والبياض فقيل له في ذلك فقال: " ربما سمعت شيئا - من حمال أو غيره - حكمة، فأثبته " .
ولما دخل إلى مكة نظر إلى المقبرة، فقال: " طوبى لمن كان قبره بها " وأمرني بالرجوع لوالدي فمرض، واشتهى التمر فطلب تمرا، وجيء به اليه، فلم يتناوله.
إبراهيم الرقي
؟ - 326 للهجرة
ابرهيم بن داود الرقى، من أقران الجنيد وابن الجلاء، والرقى نسبة إلى مدينة الرقة على طرف الفرات.
عمر وصحبه أكثر مشايخ الشام. مات سنة ست وعشرين وثلثمائة.
من كلامه: " أضعف الخلق من ضعف عن رد شهواته؛ وأقوى الخلق من قوى على ردها " .
وقال: " علامة محبة الله ايثار طاعته ومتابعة نبيه " .
وسئل: " هل يبدى المحب حبه؟ وهل يطيق كتمانه؟ " فأنشد:
ظفرتم بكتمان اللسان، فمن لكم ... بكتمان عين دمعها الدهر تذرف
حملتم جبال الحب فوقى واننى ... لأعجز عن حمل القميص وأضعف
وقال: " حسبك من الدنيا شيئان: صحبة فقير، وحرمة ولى " .
أحمد بن أبي الحواري
148 - 230 للهجرة
احمد بن أبى الحواري عبد الله بن ميمون، أبو العباس الدمشقي. صحب الداراني وغيره.
كان الجنيد يقول فيه: " انه ريحانة أهل الشام " .
مات سنة ثلاثين ومائتين، كما قال السلمي والقشيري وغيرهما. و الصواب سنة أربعين، كما نبه عليه ابن عساكر عن اثنتين وثمانين سنة.
وكان ولده صالحا عابدا.
من كلامه: " من نظر إلى الدنيا نظر ارادة وحب لها أخرج الله نور اليقين والزهد من قلبه " .
وقال: " ما ابتلى الله عبدا بشىء أشد من الغفلة والقسوة " .
وطلب العلم ثلاثين سنة، فلما بلغ الغاية غرق كتبه، وقال: لم أفعله تهاونا ولا استخفافا بحقك، ولكن طلبنا الهداية فحصلت، فاستغنيت عنك به " .
فان قلت: " هذه اضاعة مال! " . قلت: " لعله كان فيها شيء لا يرى تعديه إلى الغير. وقد روى نحو هذا عن سفيان الثوري الأمام، انه أوصى بدفن كتبه، وكان ندم على أشياء كتبها عن الضعفاء، وقال: " حملني عليها شهوة الحديث " . فكأنه لما عسر عليه التمييز بين الصحيح وغيره، أوصى أن تدفن كلها.
أو أن هذا من باب إلقاء أهل السفينة الموال رجاء النجاة. واين ذلك من غرق النفس فى بحر الركون إلى المألوفات المنافية لصفاء الذكر، والالتجاء إلى الله تعالى في فسيح أبواب الفكر، لا سيما إذا خاف فوات الأولى بالاشتغال به،فيكون أتلافه لذلك من باب: )ردوها على فطفق مسحا بالسوق والأعناق(.

(1/5)


وروى أنه كان بينه وبين أبى سليمان الداراني عقد بأنه لا يخالفه فى شيء يأمره به، فجاء يوما والداراني يتكلم في مجلسه، فقال: " ان التنور قد سجر، فبم تأمر؟ " فلم يجبه. فقال ثانيا، وثالثا، فلما ألح عليه، كأنه قد ضاق قلبه، فقال له: 00 اذهب فاقعد فيه! " . ثم تغافل واستغل عنه ساعة، ثم ذكره فقال: " اطلبوا أحمد، فانه فى التنور، لأنه على عقد ألا يخالفنى! " فذهبوا إليه فإذا به جالس في التنور لم يحترق منه شعرة " .
وروى عن سعيد بن عبد العزيز الحلبي، قال: " أحسن ما سمعت عنه، أنه جاءه مولود، ولم يكن له شىء من الدنيا، فقال لتلميذ له: " قد جاءنا البارحة مولود! خذ لنا دقيقا! " فتعجب تلميذه من ذلك. وكان بعض التجار قد وجه متاعا إلى مصر، فنوى: إن سلم فلأحمد مائتا درهم؛ فسلم المتاع، فدفعها إلى غلامه، وقال: " اخبر احمد بذلك " ، ففرح تلميذه لذلك. ثم جاء رجل وقال: " يا أحمد! جاءني البارحة ولد! أعندك من الدنيا شيء؟ " . فرفع رأسه إلى السماء وقال: " يا مولاى! هكذا بالعجل؟! " ودفع الدراهم اليه، ثم قال لتلميذه: " قم - ويحك! - جئنا بالدقيق! " .
وجاءه رجل مرة أخرى، فقال: " ولد لى الليلة غلام، وما عندنا شىء ننفقه! " فقال: " أصبحت لا املك سوى هذين القميصين!. فخذ أحدهما " . فنظر أيهما أجد، فقال: " السفلاني أجد، وهو يبلغ لك ثمنا جيدا " . ثم تنحى فنزعه ولبس الفوقاني، ومضى الرجا. وخرج أحمد من باب جيرون، فلما صار على المدرج لقيه رجل فسلم عليه، وقال له: " عمير ابن جوصاء يسلم عليك ويقول: ثلاثون دينارا، انتفع بها! " . فقال احمد: " أعطيت قميصا فوجه إلى بثلاثين دينارا!. ما هذه الغفلة؟! " ثم صرخ صرخة عظيمة ورمى بنفسه، ولو لم يمسك لتهشم وجهه.
ولأحمد ولد أسمه عبد الله، وكنته أبو محمد. وكان زاهدا ورعا، عالما بالحديث، حدث عن أبيه، وصار من الأعيان. مات سنة خمس وثلثمائة.
ولأحمد أخ اسمه محمد كان أكبر منه. من قدماء المشايخ، صحب الفضيل، وروى عنه أخوه.
قال: سمعته يقول: " من أنس بغير الله فهو فى وحشة أبدا " .
وزوجة احمد، واسمها رايعة - بمثناة من تحت - بنت إسماعيل، كانت عابدة كرابعة العدوية بمصر.
خطبت أحمد من نفسها، فكرة ذلك لما كان فيه من العبادة، وقال: " والله ما لى همة في النساء، لشغلي بحالي! " فقالت: " وأني لأشغل بحالي منك، ومالي شهو في الرجال. ولكنى ورثت مالا جزيلا من زوجي، فأردت أن أنفقه على أخواني، وأعرف بك الصالحين، لتكون لى طريقا إلى الله " . فقال: " حتى استأذن أستاذي " . قال أحمد: " فرجعت إلى أستاذي، وكان ينهاني عن التزوج، ويقول: " ما تزوج أحد من أصحابنا إلا تغير " . فلما سمع كلامها، قال: " تزوج بها، فأنها ولية الله، هذا كلام الصديقين " . قال: فتزوجها، وتزوج عليها ثلاث نسوة، قال: " فكانت تطعمني الطيبات، وتطيبني وتقول: اذهب بنشاطك وقوتك إلى أزواجك " .
وكانت تشبه في أهل الشام برابعة العدوية في أهل مصر.
أحمد بن خضرويه البلخي
145 - 240 للهجرة
أحمد بن خضرويه البلخي أبو حامد من أكابر خراسان سمع أبا تراب، وحاتما الأضم، ورحل إلى أبى يزيد.
ومات سنة أربعين ومائتين.
من كلامه: " لا نوم اثقل من الغفلة، ولا رق أملك من الشهوة؛ ولولا ثقل الغفلة ما ظفرت بك الشهوة " .
وقال: " من خدم الفقراء أكرم بثلاثة أشياء: بالتواضع، وحسن الأدب، وسخاوة النفس " .
وقال: " من أراد ان يكون الله معه فليلزم الصدق، فان الله مع الصادقين " .
وروى أنه اقترض من رجل مائة ألف درهم، فقال الرجل: " ألستم أنتم الزهاد فى الدنيا؟!، فما تصنع بهذه الدراهم؟! " . قال: أشترى بها لقمة، وأضعها في فم مؤمن، ولا أجترىء أن أسأل ثوابه من الله تعالى " ، فقال: " ولم؟! " . قال: " لأن الدنيا كلها لا تزن عند الله جناح بعوضة!. فما مائة ألف فى جناح بعوضة، وما قدرها؟! " .
وقال محمد بن حامد: " كنت جالسا عند احمد بن خضرويه، وهو في النزع، فسئل عن مسألة، فدمعت عيناه، وقال: " يا بنى! باب كنت أدقه منذ خمس وتسعين سنة، هو ذا يفتح لى الساعة. وى ادرى أنفتح لى بالسعادة أم بالشقاوة، وأنى لى بالجواب؟! " .

(1/6)


وكان قد ركبه من الدين سبعمائة دينار، وحضره غرماؤه، فنظر إليهم وقال: " اللهم انك جعلت الرهون وثيقة، فأد عنى! " . قال: فدق داق الباب، وقال: " أهذه دار أحمد بن خضرويه؟ " . فقالوا: " نعم! " . قال: " فاين غرماؤه؟ " قال: فخرجوا، فقضى عنهم، ثم خرجت روحه.
أبو سعيد الخراز
؟ - 277 للهجرة
أبو سعيد أحمد بن عيسى الخراز البغدادي. صحب ذا النون وغيره، وكان من جملة مشايخ القوم.
مات سنة سبع وسبعين ومائتين. وقال السمعاني: " سنة ست وثمانين " .
من كلامه: " كل باطن يخالفه ظاهر فهو باطل " .
وقال: " مثل النفس مثل ماء واقف طاهر صاف، فان حركته ظهر ما تحته من الحمأة. وكذا النفس، تظهر عند المحن والفاقة والمخالفة. ومن لم يعرف ما في نفسه كيف يعرف ربه؟! " .
وقال: " ليس من طبع المؤمن قول: لا. وذلك أنه إذا نظر ما بينه وبين ربه من أحكام الكرم استحى أن يقول: لا " .
مقال: " رأيت إبليس في النوم، وهو يمر عنى ناحية، فقلت: " تعال! " فقال: " أيش أعمل بكم؟! أنتم طرحتم عن نفوسكم ما أخادع به الناس " قلت: " وما هو؟ " . قال: " الدنيا " .
وقال: " ورأيته مرة أخرى، وكان بين يدي عصا، فرفعتها حتى أضربه بها، فقال لى قائل: " هذا لا يفزع من العصا! " . فقلت له: " من أى شيء يفزع؟ " . قال: " من نور يكون فى القلب " .
وقال في قوله تعالى: )ولله خزائن السموات والأرض(: خزائنه في السماء الغيوب، وفى الأرض القلوب " .
وقال في معنى قوله عليه السلام: )جبلت القلوب على حب من أحسن أليها(: " واعجبا ممن لم ير محسنا غير الله، كيف لا يميل بكليته إليه؟! " .
وقال: " دخلت المسجد الحرام، فرأيت فقيرا عليه خرقتان يسأل شيئا، فقلت في نفسي: " مثل هذا كل على الناس! " . فنظر إلى قال: )واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه(؛ قال: فاستغفرت في سرى، فناداني فقال: )وهو الذي يقبل التوبة عن عباده(.
وقال: " صحبت الصوفية ما صحبت، فما وقع بيني وبينهم خلاف " . قالوا: " لم؟ " . قال: " لأني كنت معهم على نفسي " .
وقال الجنيد: " لو طالبنا الله بحقيقة ما عليه أبو سعيد الخراز لهلكنا، فانه أقام كذا وكذا سنة يخرز ما فاته الحق بين الخرزتين " .
ومن أصحاب أبى سعيد أبو الحسن بن بنان، من كبار مشايخ مصر.
ومن كلامه: علامة سكون القلب إلى الله تعالى أن يكون بما في يد الله تعالى أوثق منه بما في يده " .
وقال: " اجتنبوا دناءة الأخلاق كما تجتنبون الحرام " .
وقال الخراز: " كنت بالبادية، فنالني جوع شديد، فغلبتني نفسي أن اسأل الله صبرا، فلما هممت بذلك سمعت هاتفا يقول:
ويزعم أنه منا قريب ... وأنا لا نضيع من أتانا
ويسألنا الفتى جهدا وصبرا ... كأنا لا نراه ولا يرانا
قال: " فأخذني الاستقلال من ساعتى، فقمت ومشيت " .
وقال: " وبقيت إحدى عشرة سنة، أتردد من مكة إلى المدينة، ومن المدينة إلى مكة؛ لا أرى مكة وأرى رب مكة، فما صح لى منه نفس. فلما كان بعد ذلك تراءى لى بعض الجن وقال لى: " يا أبا سعيد! قد - والله - رحمتك، من كثرة تردادك!، وقد حضرني شعر، فاستمع:
أتيه، فلا أدرى من التيه من أنا ... سوى ما يقول الناس فى وفى جنسي
أتيه على جن البلاد وانسها ... فان لم أجد خلقا أتيه على نفسي
قال أبو سعيد؛ فقلت له: " اسمع - يا من لا يحسن يقول - ان كنت تسمع:
أيا من يرى الأسباب أعلى وجوده ... ويفرح بالتيه الدنى وبالأنس
فلو كنت من أهل الوجود حقيقة ... لغبت عن الأكوان والعرش والكرسي
وكنت بلا حال مع الله واقفا ... تصان عن التذاكر للجن والأنس
وقال: رويم بن أحمد: " حضرت وفاة ابي سعيد في آخر نفسه:
حنين قلوب العارفين إلى الذكر ... وتذكارهم وقت المناجاة للسر
أدريت كئوس المنايا عليهم ... فأغفوا عن الدنيا كإغفاء ذي السكر
فأجسامهم في الأرض تحيى بحبه ... وأرواحهم في الحجب تحت العلا تسرى
فما عرسوا إلا بقرب مليكهم ... ولا عرجوا عن مس بؤس ولا ضر
أحمد بن عاصم الأنطاكي
140 - 239 للهجرة
أبو على أحمد بن عاصم الأنطاكي، من أقران السرى وغيره. وكان الداراني يسميه " جاسوس القلوب " لحدة فراسته.
من كلامه: " إذا طلبت صلاح قلبك فاستعن بحفظ لسانك " .

(1/7)


وقال: " اليقين نور يجعله الله في قلب العبد، حتى يشاهد به أمور آخر، ويخرق بقوته كل حجاب بينه وبين ما في الآخرة، حتى يطالع أمور الآخرة كالمشاهد لها " .
وقال: " يسير اليقين يخرج كل الشك من القلب. ويسير الشك يخرج اليقين كله من القلب " .
وقال: " اذا جالستم أهل الصدق فجالسوهم بالصدق، فانهم جواسيس القلوب؛ يدخلون في قلوبكم، ويخرجون منها من حيث لا تحسون " .
وقال: " من كان بالله أعرف كان له أخوف " .
أبو جعفر بن سنان
؟ - 311 للهجرة
أبو جعفر أحمد بن حمدان بن على بن سنان، من كبار مشايخ نيسابور صحب أبا عثمان.
كتب وحدث وصنف " المسند " على صحيح مسلم.
وكان أحد الخائفين الورعين، حتى كان أبو عثمان يقول: " من أحب أن ينظر إلى سبيل الخائفين فلينظر إلى أبى جعفر بن سنان " .
مات سنة احدى عشرة وثلثمائة.
ومن كلامه: " أنت تبغض العاصي بذنب واحد تظنه، ولا تبغض نفسك مع ما تتيقنه من ذنوبك " .
وقال: " من لزم العزلة والخلوة كان أقل لفضيحته في الدنيا، إلى أن يبلغ إلى فضيحة الآخرة " .
وقال: " ذمك لأخيك بعيوبه يوقعك في ما فوقه وشر منه " .
وقال: " علامة من انقطع إلى الله على الحقيقة إلا يرد عليه ما يشغله عنه " .
أبو علي الرذباري
؟ - 322 للهجرة
أبو على أحمد بن محمد الروذبارى البغدادي ثم المصري. مات سنة اثنتين وعشرين وثلثمائة، وقال السمعاني: سنة ثلاث وعشرين وثلثمائة.
وروذبار يقال لمواضع عند الأنهار الكبار؛ وهذا الموضع عند طوس كما قال السمعاني؛ وقال الطلحي: " قرية من بغداد " .
صحب الجنيد والنوري وابن الجلاء وغيرهم. كان أظرف المشايخ وأعلمهم بالطريقة، كبير الشأن.
من كلامه: " من الاغترار أن تسيء فيحسن اليك، فتترك الإنابة والتوبة توهما انك تسامح فى الهفوات، وترى أن ذلك من بسط الحق عليك " .
وقال: " لو تكلم أهل التوحيد بلسان التجريد ما بقى محب إلا مات " .
وأنشد:
نعمى تسر إذا رأتك، وأختها ... تبكى بطول تباعد وفراق
فاحفظ لواحدة أوان سرورها ... وعد التي أبكيتها بتلاقي
وقال: " قدم علينا فقير في يوم عيد، في هيئة رثة، فقال: " هل عندك مكان نظيف، يموت فيه فقير غريب؟ " . فقلت كالمتهاون به: " ادخل ومت حيث شئت؟ " . فدخل فتوضأ وصلى ركعتين، ثم اضطجع ومات. فجهزته، فلما دفنته وكشفت عن وجهه لأضعه في التراب، ليرحم الله غربته، فتح عينيه وقال: " يا أبا على!. أتدللني بين يدي من يدللنى؟! " . فقلت: " يا سيدى! أحياة بعد الموت؟! " . قال: " نعم! أنا حي، وكل محب لله حي، لأنصرنك غدا بجاهي يا روذبارى " .
قالت فاطمة أخته: " لما قربت وفاة أخي كانت رأسه في حجري، ففتح عينيه وقال: هذه أبواب السماء قد فتحت، وهذه الجنان قد زينت، وهذا قائل يقول: يا أبا على! قد بلغناك الرتبة القصوى، وان لم تسالها، وأعطيناك درجة الأكابر وان لم تردها " . وأنشأ يقول:
وحقك لا نظرت إلى سواكا ... بعين مودة حتى أراكا
أراك معذبي بفتور لحظ ... وبالخد المورد من جناكا
ثم قال: " يا فاطمة! الأول ظاهر، والثاني أشكال " .
وقال: " رأيت بالبادية حدثا، فلما رآني قال: " ما يكفيه أن شغفني بحبه حتى أعلني! " . ثم رأيته يجود بروحه، فقلت له: " قل: لا اله إلا الله! " . فأنشأ يقول:
أيا من ليس لي منه ... وان عذبني بد
ويا من نال من قلبي ... منالا ما له حد
وقال: " دخلت مصر، فرأيت الناس مجتمعين، فقالوا: كنا في جنازة فتى سمع قائلا يقول:
كبرت همة عين ... طمعت في أن تراكا
أو ما حسب عين ... ان ترى من قد رآكا
قال: فشهق شهقة ومات " .
ومن شعره:
تشاغلتم عنى فكلى أفكر ... لأنكم منى بما بي أخبر
فان شئتم وصلى فذاك أريده ... وان شئتم هجري فذلك أوثر
فلست أرى إلا بحال يسركم ... بذلك أزهو ما حييت وأفخر
ولني على أخت زاهدة مشهورة، وهى والدة أحمد بن عطاء الروذبارى، الآتي ذكره. لها كلام حسن.
حكى عنها أخوها فقال:

(1/8)


" تكلمت يوما في المروة، فرجعت إلى أختي، فأخبرتني بذلك، وقالت: وقع في نفسي أنها - مع الله - حفظ أسراره، والقيام بما يوصلك أليه. والمروءة مع الخلق الشفقة عليهم، والاحتمال عنهم، ورؤية فضلهم عليك، بمشاهدة نقصانك " . فاستحسنت ذلك منها " .
قلت: واحمد هذا هو أبو عبد الله، شيخ الشام في وقته مات بصور، سنة تسع وستين وثلثمائة.
ومن كلامه: التصوف ينفى عن صاحبه البخل، وكتب الحديث ينفى عن صاحبه الجهل؛ فإذا اجتمعا في شخص فناهيك به نبلا " .
وأنشد لنفسه:
فما مل ساقيها وما مل شارب ... عقار لحاظ كأسه يذهب اللبا
يدور بها طرف من السحر فاتر ... على جسم نور ضوؤه يخطف القلبا
يقول بلفظ يخجل الصب حسنه: ... تجاوزت يا مشغوف في حالك الحبا
فسكرك من لحظي هو الوجد كله ... وصحوك من لفظي يبيح لك الشربا
وقال: " أقبح من كل قبيح صوفي شحيح " .
وأنشد:
أشرت إلى الحبيب بلحظ طرفي ... فاعرض عن إجاباتي المليح
فقلت: أضاع مذهبه المرجى ... ومزق ذلك العهد الصحيح!
ألم تسمع بألا قبح إلا ... وأقبح منه صوفي شحيح!
وقال: " من خدم الملوك بلا عقل أسلمه الجهل إلى القتل " .
وقال: " أن الخشوع في الصلاة )علامة( فلاح المصلى، قال تعالى: )قد أفلح المؤمنون. الذين هم فى صلاتهم خاشعون(.
وقال، في قوله تعالى: )أن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا(: " استقاموا بالرضاء، على مر القضاء، والصبر على البلاء، والشكر في النعماء " .
روى أنه دخل يوما دار بعض أصحابه، فوجده غائبا، ورأى فيه باب بيت مقفل، فقال الأستاذ: " اكسروا القفل " فكسروه؛ وأمر بجميع ما في البيت فباعوه، وأصلحوا بثمنه وقتا ن وجاسوا في الدار. فدخل صاحب الدار ولم يقل شيئا، ودخلت زوجته بعده إلى الدار، وعليها كساء، فدخلت بيتا ورمت بالكساء، وقالت: " يا اصحابنا، هذا من جملة المتاع، فبيعوه! " ، فقال لها الزوج: " ما حملك على هذا؟! " . قالت له: " مثل الشيخ يباسطنا، ويحكم علينا، ويبقى بنا شيء ندخره عنه؟! " .
وقال أبو طاهر الرقى: " سمعت أحمد بن عطاء يقول: " كلمني جمل في طريق مكة. رأيت الجمال والمحامل عليها، وقد مدت أعناقها ليلا، فقلت: " سبحان من يحمل عنها ما هي فيه! " . فالتفت جمل وقال: " قل: جل الله " .
وأنشد أحمد هذا:
إذا أنت صاحبت الرجال فكن فتى ... كأنك مملوك لكل رفيق
وكن مثل طعم الماء عذبا وباردا ... على الكبد الحرى لكل صديق
ومن أصحابه أبو على الحسن بن أحمد الكاتب، أحد مشايخ وقته، من كبار اهل مصر. مات سنة نيف وأربعين وثلثمائة.
من كلامه: " إذا انقطع العبد إلى الله تعالى بكليته، فأول ما يفيد الاستغناء به عن الناس " .
وقال: " صحبة الفساق داء، والدواء مفارقتهم " .
وقال: " إذا سكن الخوف في القلب لم ينطق اللسان إلا بما يعنيه " .
وانشد:
إذا ما أسرت انفس الناس ذكره ... تبينته فيهم ولم يتكلموا
تطيب به أنفاسهم فتذيعه ... وهل سر مسك أودع الريح مكتم؟
وأنشد متمثلا:
ولست بنظار إلى جانب الغنى ... إذا كانت العلياء في جانب الفقر
وانى لصبار على ما ينوبني ... وحسبك أن الله أثنى على الصبر
وقال: " روائح نسيم المحبة تفوح من المحبين وان كتموها، وتغلب عليهم دلائلها وان أخفوها، وتدل عليهم وان ستروها " .
أبو العباس بن عطاء الأدمى
؟ - 309 للهجرة
أبو العباس أحمد بن محمد بن سهل بن عطاء الأدمى. صحب الجنيد، وابرهيم المارستاني، وغيرهما.
وكان من أقران الجنيد وعلمائهم. وكان أبو سعيد الخراز يعظم شأنه. مات سنة تسع وثلثمائة.
من كلامه: " من الزم نفسه آداب السنة نور الله قلبه بنور المعرفة. ولا أشرف من متابعة الحبيب صلى الله عليه وسلم فى أوامره، وأفعاله وأخلاقه، والتأدب بآدابه " .
وقال. " أعظم الغفلة غفلة العبد عن ربه، وعن أوامره، وعن آداب معاملته " .
وقال: " علامة الولي أربعة: صيانة سره فيما بينه وبين الله، وحفظ جوارحه فيما بينه وبين أمره، واحتمال الأذى فيما بينه وبين خلقه، ومداراته للخلق على تفاوت عقولهم " .
وسئل: " ما العبودية؟ " فقال: " ترك الاختيار، وملازمة الافتقار " .

(1/9)


وسئل: " ما المروءة؟ " فقال: " ألا تستكثر لله عملا " .
وقال: " لما عصى آدم عليه السلام بكى عليه كل شيء في الجنة إلا الذهب والفضة؛ فأوحى الله أليهما: " لم لا تبكيان على آدم؟! " فقالا: " ما كنا لنبكى على من يعصيك! " . فقال الله: " وعزتي وجلالي! لأجعلن قيمة كل شيء بكما، ولأجلعن بنى آدم خدما لكما " .
وأنشد أبو العباس بن عطاء:
اذا صد من أهوى صددت عن الصد ... وان حال عن عهدي أقمت على العهد
فما الوجد إلا أن تذوب من الوجد ... وتصبح في جهد يزيد على الجهد
أبو الحسين النورى
؟ - 295 للهجرة
أبو الحسين أحمد بن محمد النوري البغدادي. لم يكن في وقته أحسن طريقة منه، ولا ألطف كلاما.
صحب السري وابن أبى الحواري. وكان من أقران الجنيد، كبير الشأن. مات قبل الجنيد، في سنة خمس وتسعين ومائتين.
والنورى نسبة إلى " نور " ، بليدة بين بخاري وسمرقند؛ ويقال: لنور كان بوجهه فنسب اليه، وقيل: قيل له النوري لحسن وجهه.
سئل عن أدب المعرفة. فقال: " لا تصل إلى أول مبدأ حواشي المعرفة حتى تخوض إلى الله سبعة بحار من نيران، بحرا بعد بحر؛ فعسى بذلك يقع لك أوائل بدو علم المعرفة " .
وقال: " إذا امتزجت نار التعظيم مع نور الهيبة في السر هاجت ريح المحبة من حجب العطف على النار والنور، فيظهر فيه الاشتياق، وتتلاشى البشرية، فيتولد من ذلك المثابرة " .
ومن كلامه: " التصوف ترك كل حظ للنفس " .
وأنشد لنفسه:
إلى الله أشكو طول شوقي وحيرتي ... ووجدي بما طالت على مطالبه
ومن قد برى جسمى، وكدر عيشي ... ويمنعني الماء الذي أنا شاربه
فيا ليت شعري! ما الذي فيه راحتى؟! ... وما آخر الأمر الذي أنا طالبه؟!
وقال، في قوله تعالى: )وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم(: " أوفوا بعهدي في دار محبتي، على بساط خدمتى، بحفظ حرمتي، أوف بعهدكم في دار نعمتي، على بساط قربتي، بسرور رؤيتي " .
ومكث عشرين سنة، يأخذ من بيته رغيفين. فيخرج إلى سوقه فيتصدق بهما، ويدخل إلى مسجده، فلا يزال يركع حتى يحيء وقت سوقه، فيذهب أليه. فيظن أهل سوقه أنه تغدى في منزله، وأهل بيته أنه اخذ معه غداءه، وهو صائم.
ودخل الماء ليغتسل، فجاء لص فأخذ ثيابه، فخرج فلم يجدها، فرجع إلى الماء. فلم يكن إلا قليلا حتى جاء بها، وقد جفت يده اليمنى، فلبسها وقال: " سيدي! قد رد ثيابي فرد عليه يده! " فردت ومضى.
ولما سعى بالصوفية إلى الخليفة، وأمر بضرب أعناقهم، تقدمهم النوري، وقد بسط النطع، فقال له السياف: " لا أدرى لماذا تبادر؟! وما الذي يعجلك؟ " قال: " أوتر أصحابي على بحياة ساعة! " فتحير السياف، وأنهى خبرهم إلى الخليفة، فرد أمرهم إلى القاضي. فألقى القاضي يومئذ على أبى الحسين مسائل فقهية. فأجاب عنها، ثم قال: " وبعد! فان لله عبادا اذا قاموا قاموا بالله، واذا نطقوا نطقوا بالله! " وسرد ألفاظا حتى أبكى القاضى. فأرسل إلى الخليفة، وقال: " إن كان هؤلاء زنادقة، فما على وجه الأرض موحد! " فخلى سبيلهم.
وقال: " حيل بيني وبين قلبي أربعين سنة، ما اشتهيت شيئا، ولا تمنيت شيئا، ولا استحسنت شيئا منذ عرفت ربى " .
وأنشد لنفسه:
ذكرت ولم أذكر حقيقة ذكره ... ولكن بوادي الحق تبدو فأنطق
اذا ما بدا ذكر لذكر ذكرته ... يغيبني عن ذكر ذكرى فأغرق
وأغرق بالذكر الذي قد ذكرته ... عن الذكر، بالذكر الذي هو أسبق

(1/10)


وروى أن زيتونة، خادمة أبي الحسين، واسمها فاطمة - وكانت تخدم الجنيد وأبا حمزة - قالت: " جئت يوما إلى النوري، وكان يوما شديد البرد والريح، فوجدته في المسجد وحده جالسا. فأمرني بإحضار خبز ولبن، فأحضرته. وكان بين يديه قصعة فيها فحم، فقلبه بيده وهو مشتعل، ثم أخذ الخبز واللبن، فجعل اللبن يسيل على يديه، وفيها سواد الفحم، فقلت: " يا رب! ما أقذر أولياءك! ما فيهم أحد نظيف! " . قالت: " ثم خرجت من عنده، فتعلقت بى امرأة وقالت: " سرقت رزمة ثياب! " . وجروني إلى الشرطي. فأخبر النوري بذلك، فخرج وقال: " لا تتعرض لها، فأنها ولية من أولياء الله " . فقال الشرطي: " كيف أصنع والمرأة تدعى ذلك؟! " . قالت: " فجاءت جارية ومعها الرزمة المطلوبة " . وانطلق النوري بزيتونة، وقال لها: " تقولين - بعد هذا - يا رب! ما اقذر أولياءك؟! " ، فقالت: " قد تبت " .
واعتل النوري، فبعث الجنيد بصرة فيها دراهم وعاده، فردها النوري. ثم اعتل الجنيد، فدخل عليه النوري عائدا، فقعد عند رأسه، ووضع يده على جبهته، فعوفي في ساعته. فقال النورى للجنيد: " إذا زرت إخوانك فأرفقهم بهذا البر " .
وروى أنه أصابته علة، وأصابت الجنيد علة، فالجنيد أخبر عن حاله، والنورى كتم، فقيل له: " لم لم تخبر كما اخبر صاحبك؟ " فقال: ما كنا لنبتلى ببلوى فنوقع عليها اسم الشكوى؛ ثم أنشد:
أن كنت للسقم أهلا ... قد كنت للشكر أهلا
عذب فلم يبق قلب ... يقول للسقم: مهلا
فأعيد ذلك على الجنيد، فقال: " ما كنا شاكين، ولكنا أردنا أن نكشف عن عين القدر فينا " . ثم أنشد يقول:
أجل ما عنك يبدو ... لأنه عنك جلا
وأنت، يا أنس قلبي ... أجل من أن يجلا
أفنيتني عن جميعي ... فكيف أرعى المحلا
فبلغ ذلك الشبلى، فأنشأ يقول:
محنتي فيك أنني ... لا أبالي بمحنتي
يا شفائي من السقام، وان كنت على ... تبت دهرا، فمذ عرفتك ضيعت توبي
قربكم مثل بعدكم ... فمتى وقت راحتي؟!
وروى انه اجتمع الجنيد والنورى ورويم وابن وهب وغيرهم في سماع، فمضى بعض الليل وأكثره، فلم يتحرك أحد منهم، ولا أثر فيه القول. فقال النورى للجنيد: " يا أبا القاسم! هذا السماع يمر مرا ن ولا أرى وجدا يظهر! " فقال الجنيد: " يا أبا الحسين! )وتر الجبال الجبال يحسبها جامدة وهى تمر مر السحاب( فأنت يا أبا الحسين، ما أثر عليك؟! " . فقال النورى: " ما بلغت مقامي في السماع " . فقال له الجنيد: " وما مقامك فيه؟ " فقال: " الرمز بالإشارة دون الإفصاح، والكناية دون الإيضاح " . ثم وثب وصفق بيديه، فقام جميع من حضر بقيامه ساعة.
وكان سبب وفاته أنه سمع هذا البيت:
لا زلت أنزل من ودادك منزلا ... تتحير الألباب دون نزوله
فتواجد وهام في الصحراء، فوقع في أجمة قصب قد قطع، وبقيت أصوله مثل السيوف؛ وكان يمشى عليها ويعيد البيت إلى الغداة، والدم يسيل من رجليه، ثم وقع مثل السكران، فورمت قدماه ومات.
وقال الحسين بن الفضيل: " حضرت النوري، وهو في الموت؛ فقلت: " ألك حاجة؟ أو في نفسك شهوة؟ " . فرفع رأسه، وقد انكسر لسانه، وقال: " أي والله! أشتهى شهوة كبيرة! " . قلت: " وما هي؟ " قال: " أشتهي أن أرى الله! " . ثم تنفس ثلاثا عاليا، كالواجد بحاله، وفارق الدنيا " .
وأنشد النورى:
كم حسرة لي قد غصت مرارتها ... جعلت قلبي لها وقفا لبلواكا
وحق ما منك يبليني ويتلفني ... لأبكيك أو أحظى بلقياكا
قلت: وأستاذه بنان بن محمد الحمال - بالحاء المهملة - أبو الحسن. أصله من واسط، ونشأ ببغداد، وسمع الحديث: ثم استوطن مصر، ومات بها في رمضان سنة ست عشرة وثلثمائة. وكان كبير الشأن صاحب كرامات.
ومن كلامه: " الحر عبد ما طمع، والحر حر ما قنع " .
وقال: " من أساء استوحش " .
وقال: " من كان يسره ما يضره متى يفلح؟ " .
أبو محمد الجريرى
؟ - 311 للهجرة
أحمد بن محمد الحسين الجريرى - يضم الجيم - نسبة إلى جرير بن عباد، أخي الحارث بن عباد، من بنى بكر بن وائل؛ يكنى أبا محمد. من كبار أصحاب الجنيد، وخلفه في مكانه؛ وصحب سهل بن عبد الله التستري.
مات سنة أحدى عشرة وثلثمائة.
ومن كلامه:

(1/11)


" من استولت عليه النفس صار أسيرا في حكم الشهوات، محصورا في سجن الهوى، وحرم الله على قلبه الفوائد، فلا يستلذ بكلام الحق ولا يستحليه، وان كثر ترداده على لسانه، لقوله تعالى: )سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق(. يعنى: لا يفهمونه، ولا يجدون له لذة. صرف الله عن قلوبهم فهم مخاطباته، وأغلق عليهم سبيل فهم كتابه، وسلبهم الانتفاع بالمواعظ، فلا يعرفون الحق، ولا يسلكون سبيله " .
وقال: " ما مددت رجلي في الخلوة منذ عشرين سنة، فان حسن الأدب مع الله أولى " .
واعتكف مرة بمكة فلم يأكل، ولم ينم، ولم يستند إلى حائط، ولم يمد رجليه، فقيل: " بماذا قدرت على اعتكافك؟ " . فقال: " علم صدق باطني فأعانني على ظاهري " .
وأنشد:
شكرتك، لا أبى مجازيك منعما ... بشكر، ولا كيما يقال له الشكر
وأذكر أياما لديك، وحسنها ... وآخر ما يبقى على الذاكر الذكر
وقال مرة - وكان عنده جماعة - : " هل فيكم من إذا أراد الله أن يحدث في المملكة حدثا أبى علمه إلى وليه قبل ابتدائه في كونه؟ " فقالوا: " لا! " فقال: " مروا! وابكوا على قلوبكم لم تجد من الله شيئا من هذا " .
وكان كثيرا ما ينشد:
تعلمت ألوان الرضا خوف هجره ... وعلمه حبي له كيف يغضب
ولى ألف وجه، مذ عرفت طريقه، ... ولكن بلا قلب إلى أين أذهب؟!
وعزى إلى ابن عطاء الأدمى السالف، وأوله:
ومستحسن للهجر والوصل أعذب ... أطالبه ودي فيأبى ويهرب
إذا حدثته بالهوى أظهر الجفا ... ويعلم منى أنني لست أذنب
وقال: " كان في جامع بغداد فقير لم يجتمع له ثوبان قط، في شتاء ولا صيف. فسئل عن ذلك، فقال: " أني كنت ولعا بكثرة الثياب، فرأيت في منامي كأني في الجنة، وإذا بفقراء على مائدة، فأردت أن أجلس معهم، فإذا جماعة من الملائكة أخذوا بيدي، فأقاموني وقالوا: " هؤلاء أصحاب قميص واحد. وأنت لك قميص، فلا تجلس معهم " . فانتبهت ونذرت ألا ألبس غير ثوب واحد إلى أن القى الله " .
وأنشد:
قف بالديار فهذه آثارهم ... تبكى الأحبة حسرة وتشوقا
كم قد وقفت بها أسائل مخبرا ... عن أهلها، أو صادقا، أو مشفقا
فأجابني داعي الهوى في رسمها: ... فرقت من تهوى فعز الملتقى!
وقال: " الصبر ألا تفرق بين حالتي النعمة والمحنة، وع سكون الخاطر فيها. والتصبر هو السكون في البلاء مع وجدان أثقال المحنة " .
وأنشد لبعضهم في المعنى:
صبرت ولم أطلع هواك على صبري ... وأخفيت ما بي منك عن موضع الصدر
مخافة أن يشكو ضميري صبابتي ... إلى دمعتي سرا، فتجري ولا أدري
ومن أصحابه أبو عبد الله، وأبو القاسم، ابنا أحمد بن محمد المقرئ. وصحبا غيره أيضا.
مات الأول سنة ست و ستين وثلثمائة. وكان ورعا.
ومات الثاني سنة ثمان وسبعين وثلثمائة.
ومن كلام الأول: " الفقير الصادق الذي يملك كل شئ ولا يملكه شئ " .
ومن كلام الثاني: " الفتوة رؤية فضل الناس ونقصانك " .
ومن أصحابه أيضا أبو محمد عبد الله بن محمد الراسبي البغدادي. مات سنة سبع وستين وثلثمائة.
قال: " المحبة إذا ظهرت افتضح بها الحب، وإذا كتمت قتلت المحب كمدا " . وأنشد:
ولقد أفارقه بإظهار الهوى ... عمدا ليستر سره إعلانه
فلربما كتم الهوى إظهاره ... ولربما فضح الهوى كتمانه
وعى المحب لدى الحبيب بلاغه ... ولربما قتل البليغ لسانه
كم قد رأينا قاهرا سلطانه ... للناس، ذل بحبه سلطانه
أبو سعيد بن الأعرابي
247 - 340 للهجرة
أبو سعيد أحمد بن محمد بن زياد البصري، المعروف بابن الأعرابي. صحب الجنيد والنوري وغيرهما. وكتب وصنف في التصوف وفي غيره.
سكن مكة، ومات بها سنة أربعين وثلثمائة، عن ثلاث وستين سنة.
من كلامه: " أخسر الخاسرين الخاسرين من أبدى للناس صالح عمله، وبارز بالقبيح من هو أقرب اليه من حبل الوريد " .
وسئل عن أخلاق الفقراء، فقال: " أخلاقهم السكون عند الفقد، والاضطراب عند الوجود، والأنس بالهموم، والوحشة عند الأفراح " .

(1/12)


وقال: " خرجت في بعض السنين أريد العراق من مكة، ومعي جماعة من الفقراء، فجئنا إلى بئر في بعض المنازل، وليس معنا ما نستقي به. فقطعنا ما معنا من العباء، وشددناه في ركوة، وسقيت أصحابي، ثم أدليته لأشرب، فانقطعت الركوة والحبل، فارتفع الماء حتى شربت، فتعجب أصحابي، فقلت: " مم تتعجبون؟. هذا يسير في القدرة! " .
ودخلنا الكوفة فاجتمع إلى طرف من الصوفية، فجلسوا يسيرا ثم قاموا، وقالوا: " أخوان تحابا، أحدهما عليل! " فقلت: " أنا معكم " فدخلنا على رجل طريح، وآخر ينظر في وجهه. فلما دخلنا قام وجلس ناحية، فجلس أصحابي عند العليل، وأقبلت أنا على الآخر، وكلما أن العليل أن هو. قال أصحابى: " قد مات! " فقال الآخر: " هاه! " وخرجت نفسه، فصلينا عليهما " .
أبو العباس الدينورى
؟ - 340 للهجرة
أبو العباس أحمد بن محمد الدينورى، صحب ابن عطاء والجريرى وغيرهما؛ وكان عالما فاضلا، واعظا بنيسابور.
ومات بسمرقند، بعد الأربعين وثلثمائة.
ومن كلامه: " أدنى الذكر أن تنسى ما دونه، ونهايته أن يغيب الذاكر - في الذكر - عن الذكر " .
وتكلم يوما، فصاحت عجوز في المجلس صيحة، فقال لها: " موتى! " فقامت، وخطت خطوات، ثم التفتت أليه وقالت: " قد مت " ووقعت ميتة.
ولما أراد أن يخرج إلى سمرقند، قيل له: " ما حملك على ذلك، مع ميل أهل نيسابور اليك، ومحبتهم لك؟! " فأنشأ يقول:
إذا عقد القضاء عليك عقدا ... فليس يحله غير القضاء
فمالك قد أقمت بدار ذل ... ودار العز واسعة الفضاء؟!
أبو عبد الله بن الجلاء
؟ - 306 للهجرة
أحمد بن يحيى الجلاء، أبو عبد الله البغدادي، ثم الشافعي. أقام بالرملة، ومات بدمشق سنة ست وثلثمائة.
وكان عالما ورعا. صحب أباه وأبا تراب وذا النون وغيرهم، وهو أستاذ محمد بن داود الدقي. وكان مذهبه في سفره التوكل والتجريد.
ومن كلامه: " من استوى عنده المدح والذم فهو زاهد، ومن حافظ على الفرائض في أول مواقيتها فهو عابد، ومن رأى الأفعال كلها من الله فهو موحد " .
قال لأبيه وأمه: " أحب أن تهباني لله! " ففعلا. )قال(: " فغبت عنهما مدة، ثم رجعت في ليلة ممطرة، فدققت الباب، فقالا: " من؟ " قلت: " ولدكما! " قالا: " كان لنا ولد، فوهبناه لله، ونحن من العرب، لا نرجع فيما وهبنا " . وما فتحا له.
وكان إذا سئل عن المحبة قال: " مالي ولها!، أنا أريد أن أتعلمها " .
وسئل عن الفقر، فسكت، ثم ذهب ورجع عن قرب، ثم قال: " كان عندي أربعة دوانق، فاستحييت من الله أن أتكلم في الفقر )وهى عندي( فذهبت فأخرجتها " . ثم قعد وتكلم فيه.
وقال: " لولا شرف التواضع كان حكم الفقير إذا مشى يتبختر " .
وقال حمدان بن بكر: " لقيت أبا عبد الله بن الجلاء في الطواف. فقال لى: " من أين أحرمت؟ " قلت: " على طريق تبوك " ، قال: " على التوكل؟ " قلت: " نعم! " ، قال: " أنا أعرف من حج اثنتين وخمسين حجة على التوكل، وهو يستغفر الله منها! " . قلت: " يا عم! بحق هذه البنية، يعنى الكعبة، من هو؟ " قال: " أنا، وأستغفر الله من ذلك! " وبكى.
وقال: " الدنيا أوسع رقعة، وأكبر زحمة من أن يجفوك واحد فلا يرغب فيك آخر " . وأنشد:
تلقى بكل بلاد، إن حللت بها ... أهلا بأهل وجيرانا بجيران
ومن أصحابه أبو عمرو الدمشقي، أحد مشايخ الشام، بل أوحدها علما بعلوم الحقائق. مات سنة عشرين وثلثمائة.
ومن كلامه: التصوف رؤية الكون بعين النقص، بل غض الطرف عن كل ناقص بمشاهدة من تنزه عن كل نقص " .
ومن أصحابه أيضا أبو إسحاق ابرهيم بن أحمد بن المولد. من كبار مشايخ الرقة، وأحسنهم سيرة.
وله شعر:
لولا مدامع عشاق ولوعتهم ... لبان في الناس عز الماء والنار
فكل نار فمن أنفاسهم قدحت ... وكل ماء فمن عين لهم جارى
وأنشد للعباس بن الأحنف:
خيالك ... حين أرقد نصب عيني إلى وقت انتباهي، لا يزول
وليس يزورني صلة، ولكن ... حديث النفس عنه هو الوصول
ووالده يحيى كان خادم بشر الحافي، ومن خيار عباد الله الصالحين، ولقى معروفا الكرخى.
مات سنة ثمان وخمسين ومائتين.

(1/13)


قال: " كنت يوما جالسا عند معروف، فجاء رجل، فقال له: " رأيت أمس عجبا!. اشتهى أهلي سمكة فاشتريتها؛ فبينا أنا أطلب من يحملها إذا بصبي ملتف بعباءة، معه طبق، فقال: " عم! تحمل عليه؟ " قلت: " نعم! " . فحملها، فمررنا بمسجد يؤذن فيه الظهر، فقال: " يا عم! هل لك في الصلاة؟ " . قلت: " نعم! " فطرحها ودخل المسجد وصلى، فلما أقيمت الصلاة قلت: " صبى توكل على الله في طبقه، ألا أتوكل على الله في سمكة؟! " فتركتها وصليت، وخرجت فإذا هى بحالها؛ فحملها، ثم عاد إلى ما كان عليه من الذكر إلى أن وصل إلى منزلى، فأخبرت أهلي خبره، فقالوا له: " كل معنا! " فقال: " انى صائم " فقلت: " تفطر عندنا؟ " قال: " نعم، فأين طريق المسجد؟ " فدللته عليه، فلم يزل راكعا ساجدا إلى العصر. فلما صلى العصر جعل رأسه بين ركبتيه إلى الغروب، فصلى. فقلت له: 00 هل لك في الفطور؟ " قال: " على العادة " . قلت: " وما هي؟ " قال: " بعد العشاء " .فلما كان بعدها أخذته إلى البيت، وغلقت الباب؛ وكانت لى ابنة مقعدة في بيت الدار منذ زمان، فبينا نحن في جوف الليل، وإذا بداق يدق باب البيت، فقلت: " من هذا؟ " قلت: " فلانة " . فبادرناها، فاذا هى تمشى، فقلنا: " ما شأنك؟! " قالت: " لا أدرى! إنى سهرت الليلة، فألقى في نفسي أن أسأل الله بحق ضيفكم، فقلت: " ألهى! بحق ضيفنا إلا أطلقتني! " ؟. فكان ما ترون! " . قال: فبادرت البيت أطلب الصبي، وإذا الباب مغلق، وهو قد ذهب.
قال: فبكى معروف، وقال: " نعم! منهم كبار وصغار " .
وقال ولده أحمد: " مات أبى، فلما وضع على المغتسل وجدناه يضحك، فلتبس على الناس أمره، فجاءوا بطبيب، وغطوا وجهه، فأخذ مجسه فقال: " هذا ميت! " فكشف عن وجهه الثوب، فرآه يضحك، فقال الطبيب: " ما أدرى أحي هو أم ميت! " . فكان كلما جاء إنسان يغسله لبسته منه هيبة، فلا يقدر على غسله. حتى جاء رجل من إخوانه فجهزه، وصلى عليه ودفن " .
وهذا المعنى ذكره القشيري في ولده أحمد. وأما ابن الجوزي فذكره في حق والده.
ومن أصحاب أبى عبد الله حماد الأقطع.
ومن أصحاب والده طاهر المقدسي. من جلة مشايخ الشام وقدمائهم، ورأى ذا النون أيضا. وكان عالما، سماه السبلي: " حبر أهل الشام " .
من كلامه: " لا يطيب العيش إلا لمن وطئ بساط الأنس، وعلاه على سرير القدس، وغيبه الأنس بالقدس، والقدس بالأنس، ثم غاب عن مشاهدتهما بمطالعة القدوس " .
وأنشد:
أراعى النجوم، ولا علم لي ... بعد النجوم بجنب الظلام
وكيف ينام فتى لا ينام ... إذا نام عنه عيون الحمام؟
أسير يسير إليه هواه ... فيضحي الأسير قتيل الغرام
فلم يبق منه سوى أنه ... يقال له: عاشق، والسلام
لفرط النحول، وحر الغليل ... وحزن مذيب لطول السقام
أبو العباس الطوسي
214 - 299 للهجرة
أبو العباس أحمد بن محمد بن مسروق الطوسي. سكن بغداد، وصحب الحارث المحاسبي وسريا السقطي.
مات ببغداد سنة تسع وتسعين ومائتين. وقيل سنة ثمان.
ومن كلامه: " تعظيم حرمات المؤمن من تعظيم حرمات الله، وبه يصل العبد إلى مجمل حقيقة التقوى " .
وقال: " كنت آوى إلى مسجد؛ وفيه سدرة يأوي أليها بلبلان، ففقد أحدهما صاحبه. وبقى الآخر على غصن ثلاثة أيام، لا ينزل يرعى، ولا يلتقط من الأرض شيئا. فلما كان في الثالث - آخر النهار - مر به بلبل آخر، فصاح، فذكره صاحبه، فسقط ميتا " .
ومن إنشاداته:
وإني لأهواه، مسيئا ومحسنا ... وأقضي على قلبي له بالذي يقضى
فحتى متى روح الرضا لا ينالني؟ ... وحتى متى أيام سخطك لا تمضى؟
أبو بكر الزقاق الكبير
؟ - 291 للهجرة
أحمد بن نصر، أبو بكر الزقاق، نسبة إلى بيع الزق وعمله. من أقران الجنيد، ومن أكابر مشايخ مصر، لا تحضرني وفاته.
وسيأتي أبو بكر الزقاق - أحد مشايخ الصوفية - محمد بن عبد الله في حرف الميم. وأغفله القشيري.
ومن كلامه: " من لم يصحبه التقى في فقره أكل الحرام المحض " .
وقال: " تهت في تيه بنى إسرائيل مقدار خمسة عشر يوما، فلما وقفت على الطريق استقبلني إنسان جندي، فسقاني شربة من ماء، فعادت قسوتها على قلبي ثلاثين سنة " .
قال الكناني: " لما مات الزقاق انقطعت حجة الفقراء في دخولهم مصر! " .

(1/14)


أي: لأن سعى أهل الأقطار إليها لأجل كثرة الخير والرزق؛ أما زيارة الشيخ فلا يهتمون بها، لأن محبتهم في المجيء إليها لغيره، فلما مات انقطعت حجتهم في دخولهم إليها.
أبو العباس أحمد الرفاعي
500 - 578 للهجرة
أبو العباس أحمد بن أبى الحسن على، الرفاعي نسبة، ابن يحيى بن حازم بن على بن ثابت بن على بن الحسن الأصغر ابن المهدى بن محمد بن الحسن، ابن يحيى بن ابرهيم بن الإمام موسى الكاظم بن الإمام جعفر الصادق ابن الإمام محمد الباقر بن الإمام على زين العابدين بن الإمام الشهيد الحسين ابن الإمام على بن أبى طالب كرم الله وجهه.
وطريقه في الصحبة. صحب خاله الشيخ منصور، وهو صحب بها الشيخ عليا القارئ الواسطى، وهو صحب بها الشيخ أبا الفضل بن كامخ، وهو صحب الشيخ على بن تركان، وهو صحب بها الشيخ ابا على الروذباوي، وهو صحب بها الشيخ عليا العجمي، وهو صحب بها الشيخ أبا بكر الشبلي،وهو صحب بها الشيخ أبا القاسم الجنيد، وهو صحب بها السرى.
وبقية السند معروف.
أستاذ الطائفة المشهورة، كان من حقه التقديم، فإنه أوحد وقته حالا وصلاحا. فقيها شافعيا.
أصله من المغرب، وسكن البطائح، بقرية يقال لها " أم عبيدة " - بفتح العين - وانضم اليه خلق عظيم من الفقراء، وأحسنوا الاعتقاد فيه.
والرفاعي، نسبة إلى رفاعة، رجل من المغرب. والبطائح قرى مجتمعة في وسط الماء، بين واسط والبصرة، مشهورة بالعراق.
ومن كلامه: " من اشتغل بما لا يعنيه فاته ما يعنيه؛ والأنس بالخلق انقطاع عن الحق؛ والدب سنة الفقراء ووراثة الأغنياء " .
وسئل: " لماذا نحجب إجابة الدعوة؟ " فقال: " لقلة الحلال! " .
وسئل عن الفتوة، فقال: " هي الصفح عن عثرات الإخوان. وألا ترى لنفسك فضلا على غيرك " .
وسئل عن التصوف، فقال للسائل: " تسألنا عن تصوفنا أو تصوفكم؟ " فقال: " يا سيدي! كانت مسألة فصارت اثنتين؛ اشرحهما لي! " فقال: " أما تصوفكم أنتم فهو أن تصفي أسرارك، وتطيب أخبارك، وتطيع جبارك، وتقوم ليلك وتصوم نهارك.
وأما تصوف القوم، فكما قيل:
ليس التصوف بالخرق ... من قال هذا قد مرق
إن التصوف يا فتى ... حرق يمازجها قلق
وكان يعظ الناس بكرة يوم الخميس، وما بين الظهر والعصر منه.
وكان يسمع صوته البعيد منه في المجلس كالقريب. ويحضر مجلسه الأصم الذي لا يسمع، فيفتح الله سمعه بكلامه حتى ينتفع بما يقول.
وكان كثيرا ما ينشد هذا الشعر:
والله لو علمت روحي بما نطقت ... قامت على رأسها فضلا عن القدم
قيل إنه أقسم على أصحابه إن كان فيه عيب أن ينبهوه عليه، فقال الشيخ عمر الفاروقي: " يا سيدي! أنا أعلم فيك عيبا! " ، قال: " وما هو؟ " قال: " يا سيدي! عيبك أننا من أصحابك " . فبكى الشيخ والفقراء، وقال: " أي عمر! إن سلم المركب حمل من فيه! " .
وتوضأ يوما، فوقعت عليه بعوضة، فوقف لها حتى طارت.
وقال: " أقرب الطرق، والذل والافتقار، وتعظيم أمر الله، والشفقة على خلق الله، وأن يقتدى بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم " .
ولأتباعه أحوال عجيبة: من أكل الحيات بالحياة، والنزول إلى النار فيطفئونها، ويركبون الأسد، ونحوه.
ولهم مواسم يحضرها من لا يحصى، ويقومون بكفاية الكل، ولم تكن لغيرهم وإنما الولاية لهم. وأولادهم يتوارثون المشيخة والولاية على تلك الناحية إلى الأن.
وله شعر حسن. ومنه:
إذا جن ليلى هام قلبي بذكركم ... أنوح كما ناح الحمام المطوق
وفوقي سحاب يمطر الهم والأسى ... وتحتي بحار للهوى تتدفق
سلوا أم عمرو كيف بات أسيرها ... تفم الأساري دونه وهو موثق
فلا هو مقتول، ففي القتل راحة ... ولا هو ممنون عليه فيطلق
قيل إنه رأى فقيرا يقتل قملة، فقال: " لا، وآخذك الله!. شفيت غيظك؟! " .
وأحضر بين يديه طبق تمر، فبقى ينقى لنفسه الحشف يأكله، ويقول: " أنا أحق بالدون، فأنى مثله دون " .
وكان لا يجمع بين لبس قميصين، ويأكل بين يومين أو ثلاثة أكلة " .
وعنه: " لفقير المتمكن، إذا سأل حاجة وقضيت له، أنقص تمكنه درجة " .
وكان لا يقوم للرؤساء، ويقول: " النظر إلى وجوههم يقسي القلب " .
ولما مرض مرض الوفاة، قال له بعض أصحابه: " أوصنا! " فقال: " من عمل خيرا قدم عليه، ومن عمل شرا ندم عليه " .

(1/15)


وكان مرضه بالاسهال، دام عليه أكثر من شهر، وكان يعاوده في اليوم والليلة أكثر من ثلاثين مرة؛ وهو عقيب كل مرة يسبغ الوضوء ويصلى.
وأخبر أن الرب تعالى وعده ألا يعبر وعليه شئ من لحم الدنيا، ففنى لحمه بأجمعه قبل خروجه من الدنيا.
ولم يزل على تلك الحال إلى أن توفي يوم الخميس، ثاني عشرى شهر جمادى الأولى سنة ثمان وسبعين وخمسمائة، في عشر السبعين، بأم عبيدة.
وقال الشطنوفي: " ناهز الثمانين " في كتابه: " مناقب سيدي عبد القادر الجيلي " .
قال: وهو القائل: " الشيخ من يمحو اسم مريده من ديوان الأشقياء! " .
ودخل عليه شخص؛ وكان على جبهته مكتوب سطر الشقاوة، فمحى ببركته.
وهو القائل، وقد سئل عن وصف الرجل المتمكن، فقال: " هو الذي لو نصب له سنسان على أعلى شاهق في الأرض، وهبت الرياح اليمانية ما حركت منه شعرة واحدة " .
وقعد مرة على الشط، وقال: " أشتهى أن أكل سمكا مشويا! " فلم يتم كلامه حتى امتلأ الشط سمكا. ورؤى ذلك اليوم منه في الشط ما لا يرى مثله، فقال: " إن هذه الأسماك تسألني بحق الله أن أكل منها! " فأكل القوم، وبقى في الطواجن رؤوس وأذناب وقطع. فقال له رجل: " ما صفة الرجل المتمكن؟ " . فقال: " أن يعطى التصريف العام في جميع الخلائق. وعلامته أن يقول لبقايا هذه الأسماك: قومي فاسعى! فتقوم فتسعى " ثم أشار الشيخ أليها، فكان كما ذكر.
ورآه ابن أخته عبد الرحيم أبو الفرج، ورجل قد نزل عليه، فقال له: " مرحبا بوتد المشرق! " . فقال له: " إن لي عشرين يوما لم آكل ولم أشرب! وأريد أن آمر هذا الأوز الذى في السماء، فتنزل واحدة مشوية! " ففعل، فنزلت كذلك، ثم أخذ حجرين من جانبه فصارا رغيفين، ثم مد يده إلى الهواء فأخذ كوز ماء، فأكل ذلك وشرب ثم طار. فقال الشيخ لتلك العظام: " اذهبي باسم الله! " فذهبت سوية وطارت.
وقال قبل موته: " أنا شيخ من لا شيخ له، أنا شيخ المنقطعين " .
وما تصدر في مجلس، ولا جلس على سجادة قط، وقال: " أمرت بالسكوت! " وكان لا يتكلم إلا قليلا.
وقال أبو العباس الخضر بن عبد الله الحسنى الموصلي: " كنت يوما جالسا بين يدى الشيخ عبد القادر الجيلانى، فخطر في نفسي الشيخ أحمد فقال الشيخ: " أتحب رؤيته؟ " . فقلت: " نعم! " فأطرق وقال: " حضر! " فقمت اليه وسلمت عليه، فقال: " يا خضر! ومن يرى مثل الشيخ عبدج القادر سيد الأولياء يتمنى رؤية مثلى؟! وهل أنا إلا من رعيته؟! " ثم غاب. فبعد وفاة الشيخ زرته، فقال لى: " يا خضر! ألم تكفك الأولى؟! " .
وقال الإمام أبو عبد الله محمد البطائحي: " انحدرت في أيامي سيدي عبد القادر إلى أم عبيدة، فقال لى الشيخ أحمد: " اذكر لى شيئا من مناقب الشيخ عبد القادر وصفاته " . فذكرت منها شيئا؛ فجاء رجل في أثناء حديثي، فقال: " مه! لايذكر عندنا مناقب هذا! " . فنظر الشيخ أليه مغضبا، فرفع الرجل من بين يديه ميتا. ثم قال: " ومن يستطيع وصف مناقبه؟!. ومن يبلغ مبلغه؟!. ذاك رجل بحر الشريعة على يمينه، وبحر الحقيقة عن يساره، من أيهما شاء اغترف!. لا ثاني له في وقتنا هذا " .
ووصى أولاد أخيه وأكابر أصحابه، وجاء رجل يودعه لأنه مسافر إلى بغداد، فقال: " إذا دخلتم بغداد فلا تقدموا على زيارة الشيخ أحدا؛ حيا أو ميتا - فقد أخذ له العهد: أيما رجل من أصحاب دخل بغداد فلم يزره سلب حاله ولو قبيل الموت. الشيخ عبد القادر؟ حسرة من لم يره! " .
أبو الفتح أحمد الغزإلى
؟ - 520 للهجرة
أحمد بن محمد بن محمد أبو الفتح الغزالي الطوسي، أخو الغزالي حجة الإسلام أبى حامد من كبار الوعاظ السادات، صاحب إشارات وكرامات. طاف البلاد وخدم الصوفية بنفسه وكان مائلا إلى الانقطاع والعزلة.
مات بقزوين سنة عشرين وخمسمائة نقطة ومن كلامه: " من كان فى الله تلفه كان على الله خلفه " .
وقال - في قوله سبحانه في الحديث القدسي: )كذب كم ادعى محبتي فإذا جنه الليل نام عنى( - : " لا تظن ان كل نوم حرام. الحرام نومك، لأنه غفلة في غفلة، إذا كان نومهم عن غلبة. فهم، ما داموا أحياء، يراقبونه؛ فإذا ناموا راقبهم، )إن الله كان عليكم رقيبا(.
وكان لأخيه؛ الإمام أبى حامد، كتاب قلما يفارقه، ولا يمكن أحد من مطالعته؛ فأوصى عند وفاته أن يحمل إلى أخيه أحمد، ولا يذل لأحد ثم أمر بغسله وعدم إرساله إليه.

(1/16)


واختصر " الإحياء " - ظفرت به، وكتبت بيدي عندي منه نسخة - وله: " الذخيرة في علم البصيرة " .
ومن إنشاداته:
تقاطعنا وليس بنا صدود ... وقلن: توق، ما تلقى مزيد
فظن الحاسدون بأن سلونا ... ودون سلونا الأمد البعيد
وأخوه الإمام أبو حامد محمد الغزالي. صنف في الفقه والأصول وعلم الطريقة وتزهد. ودخل إلى مصر الإسكندرية والقدس ودمشق، ودرس بها، وببغداد ووعظ بها.
ثم عاد إلى وطنه طوس، ومات بها سنة خمس وخمسمائة.
وقد بسطت ترجمته في " طبقات الفقهاء " .
وكان يقول: أما الوعظ فلست أرى نفسي له أهلا، لأن الوعظ زكاة نصابه الإتعاظ، ومن لا نصاب له كيف يخرج الزكاة؟!. وهل يستقيم الظل والعود أعوج؟! " .
أبو يعقوب النهر جورى
؟ - 330 للهجرة
إسحاق بن محمد النهرجورى أبو يعقوب. صحب الجنيد وغيره. مات بمكة مجاورا، سنة ثلاثين وثلثمائة.
ومن كلامه: " الدنيا بحر، والآخرة ساحل؛ والمركب التقوى، والناس سفر " .
و قال: " من كان شبعه بالطعام لم يزل فقيرا، ومن قصد بحاجته الخلق لم يزل محروما، ومن استعان على أمره بغير الله لم يزل مخذولا " .
وقال: " المتوكل - على الحقيقة - من رفع مئونته عن الخلق، وشكر من أعطاه، ولم يذم من منعه، لأنه يرى المنع والعطاء من الله " .
وقال: " رأيت رجلا فى الطواف بفرد عين، يقول: " أعوذ بك منك! " . فقلت: " ما هذا الدعاء؟! " . فقال: " نظرت إلى شخص فاستحسنته، فإذا لطمة وقعت على بصري، فسألت عيني، فسمعت: " لطمة بلحظة، ولو زدت لزدنا " .
أبو عمرو بن نجيد السلمي
292 - 365 للهجرة
إسماعيل بن نجيد بن أحمد بن يوسف السلمي أبو عمرو، جد الشيخ أبى عبد الرحمن السلمي. صحب أبا عثمان، وكان من أكابر أصحابه وآخر من مات منهم. ولقي الجنيد؛ وكان من أكبر مشايخ وقته.
مات سنة خمس - وقيل: ست - وستين وثلثمائة.
ومن كلامه: " من لم تهذبك رؤيته فاعلم أنه غير مهذب " .
وقال: " التصوف الصبر تحت الأمر والنهى، والتوكل أدناه حسن الظن بالله " .
وقال: " من أراد أن يعرف قدر معرفته بالله فلينظر قدر هيبته له وقت خدمته " .
وقال: " إذا أراد الله بعبد خيرا رزقه خدمة الصالحين والأخيار، ووفقه لقبول ما يشيرون به عليه، وسهل عليه سبل الخير " .
وقال: " من ضيع - في وقت من أوقاته - فريضة افترضها الله عليه في ذلك لوقت حرم لذة تلك الفريضة ولو بعد حين " .
و قال: " من قدر على إسقاط جاهه عند الخلق سهل عليه الإعراض عن الدنيا وأهلها " .
حرف الباء
بشر الحافي
152 - 227 للهجرة
بشر الحارث الحافى؛ لقب بذلك لأنه جاء إلى إسكاف يطلب منه شسعا لأحد نعليه، وكان قد انقطع، فقال له الإسكاف: " وما أكثر كلفتكم على الناس! " فألقى النعل من يده والأخرى من رجله، وحلف لا يلبس نعلا بعدها.
كنيته أبو نصر، أحد رجال الطريقة، ومعدن الحقيقة، مثل الصلحاء وأعيان الورعاء.
أصله من مرو، سكن بغداد. صحب الفضيل بن عياض ورأى سريا السقطي، وغيره.
وسبب توبته أنه أصاب فى الطريق رقعة فيها اسم الله، وقد وطئتها الأقدام، فأخذها واشترى بدرهم كان معه غالية، فطيبها وجعلها في شق حائط، فرأى في المنام كأن قائلا يقول: " يا بشر! طيبت أسمى، لأطيبن اسمك في الدنيا والآخرة! " وروى أنه إلى النهر فغسله، وكان لا يملك إلا درهما، فاشترى به مسكا وماء ورد، وجعل يتتبع اسم الله ويطيبه، ورجع إلى منزله فنام؛ فأتاه آت وقال: " يا بشر! كما طيبت أسمى لأطيبن ذكرك! وكما طهرته لأطهرن قلبك! " .
ومناقبه جمة أفردها ابن الجوزى بالتأليف.
مات عشية الأربعاء لعشر بقين من ربيع الأول - وقيل: لعشر خلون من المحرم - سنة سبع وعشرين ومائتين، وقد بلغ من العمر خمسا وسبعين سنة، وقيل: سبعا وستين. وأخرجت جنازته بعد صلاة الصبح، ولم يحصل في القبر إلى الليل، وكان نهارا صافيا.
ومن كلامه: " لا تكون كاملا حتى يأمنك عدوك، وكيف يكون فيك خير وأنت لا يأمنك صديقك؟! " .
وقال: أول عقوبة يعاقب بها ابن آدم في الدنيا مفرقة الأحباب " .
وقال: " من أراد أن يكون عزيزا فى الدنيا سليما في الآخرة فلا يحدث، ولا يشهد، ولا يؤم قوما، ولا يأكل لأحد طعاما " .
وأنشد:
وليس من يزوق لي دينه ... يغرني، يا قوم!، تزويقه

(1/17)


من حقق الإيمان في قلبه ... يوشك أن يظهر تحقيقه
وقال الساجى: سمعت بشرا ينشد:
أقسم بالله! لرضخ النوى ... وشرب ماء القلب المالحة
أعز للإنسان من حرصه ... ومن سؤال الأوجه الكالحه
فاستغن باليأس تكن ذا غنى ... مغتبطا بالصفقة الرابحه
فاليأس عز والتقى سؤدد ... ورغبة النفس لها فاضحه
من كانت الدنيا به برة ... فإنها يوما له ذابحه
وقال: " غنيمة المؤممن غفلة الناس عنه، وإخفاء مكانه عنهم " .
وقال: " التكبر على المتكبر من التواضع " .
وقال: " من أراد عز الدنيا وشرف الآخرة فعليه بثلاث: لا يأكل طعام أحد، ولا يسأل أحدا حاجة، ولا يذكر إلا بخير " .
وقال: " يكون الرجل مرائيا في حياته، وبعد موته يحب أن يكثر الناس على جنازته! " .
وقال: " لو علمت أن أحدا يعطى لله لأخذت منه، ولكن يعطى بالليل ويحدث بالنهار " .
وقال: " يقول أحدهم: توكلت على الله! ويكذب، لأنه لو توكل على الله صادقا لرضى بما يفعله به " .
و قال: " إذا أراد الله أن يتحف العبد سلط عليه من يؤذيه " .
و قال: " الصبر الجميل الذي لا شكوى فيه للناس " .
وقيل له: باى شئ آكل الخبز؟ " فقال: " اذكر العافية، واجعلها إداما! " .
وقال، يوم ماتت أخته: " إن العبد إذا قصر في الطاعة سلب من يؤنسه " .
ولقيه سكران، فجعل يقبله ويقول: " يا سيدي! " ولا يدفعه بشر عن نفسه، فلما ولى تغرغرت عينا بشر، وجعل يقول: " رجل أحب رجلا على خير توهمه! لعل المحب قد نجا، والمحبوب لا يدرى ما حاله! " .
قال أبو عبد الله المحاملي، حدثني أبى قال: كان عندنا رجل من التجار صديقا لي، وكان يقع في الصوفية كثيرا، ثم رأيته بعد ذلك يصحبهم، وينفق عليهم ماله. فقلت له: " أليس كنت تبغضهم؟! " فقال: " ليس الأمر على ما كنت أتوهم " . فقلت له: " كيف؟ " . قال: " صليت يوما الجمعة، فرأيت بشرا مسرعا خارجا من المسجد، فقلت في نفسي: لأنظرن إلى هذا الزاهد!. فاشترى خبز الماء بدرهم، ثم شواء بمثله؛ فزادني غيظا. ثم ثم قالوا ذجا بدرهم؛ فتبعته فخرج إلى الصحراء، وأنا أقول: " يريد الخضرة والماء! " . فما زال يمشى إلى العصر وأنا خافه، فدخل مسجدا في قرية، فيه مريض، فجعل يلقمه. فقمت أنظر إلى القرية وعدت، فقلت للمريض: " أين بشر؟ " . قال: " ذهب إلى بغداد " . قلت: " كم بيني وبينها؟ " . قال: " أربعون فرسخا " . فقلت: " أنا لله! " فقال: " اجلس حتى يرجع " . فجاء الجمعة القابلة، ومعه شئ يطعمه للمريض، فلما فرغ قال له: " يا أبا نصر! هذا الرجل صحبك من بغداد، وهو عندي منذ جمعة " .قال فنظر إلى كالمغضب، وقال: " لم صحبتنى؟! " قلت: " أخطأت! " قال: " قم فامش! " . فمشيت إلى المغرب، فلما قربنا من بغداد قال: " اذهب إلى محلتك ولا تعد! " فتبت إلى الله مما كنت أعتقده فيهم، ثم آثرت صحبتهم، وأنا على ذلك " .
وقال بعضهم: " دخلت على بشر في يوم شديد البرد، وقد تعرى من ثيابه وهو ينتفض، فقلت له: " الناس يزيدون من الثياب فى مثل هذا اليوم، وأنت قد نقصت؟! " فقال: " ذكرت الفقراء، وما هم فيه، ولم يكن لي ما أواسيهم به، فأردت أن أواسيهم بنفسي في مقاساة البرد " .
وقال منصور الصياد: " مر بي بشر - وهو منصرف من صلاة العيد - فقال لى: " فى هذا الوقت؟! " فقلت: " ليس في البيت دقيق ولا خبز! " فقال: " الله المستعان! احمل شبكتك وتعال إلى الخندق " . وأمرني بالوضوء وصلاة ركعتين، ثم قال لي: " ألقها، وقل: بسم الله! " فألقيتها، فوقعت فيها سمكة كبيرة، فقال: " بعها! " فبعتها بعشرة دراهم، واشتريت منها جميع ما يحتاجونه اليه. ثم أخذت رقاقتين وعليهما حلوى، وجئت بهما إلى بشر، فدققت الباب، فقال: " من؟ " قلت: " منصور الصياد! " فقال: " ادفع الباب، وضع ما معك فى الدهليز، وادخل أنت " فدخلت، فقال " لو الهمنا أنفسنا هذا ما خرجت السمكة! " .
وروى أنه أتى باب المعافى بن عمران فدقه، فقيل: " من؟ " قال: " بشر الحافى " فقال: بنية من داخل الدار: " لو اشتريت نعلا بدانقين ذهب عنك اسم الحافى " .
وروى أن امرأة جاءت إلى أحمد بن حنبل، فقالت: " إنى امرأة أغزل بالليل والنهار، وأبيع الغزل، ولا أبين غزل النهار من الليل، فهل على فى ذلك شىء؟. فقال: " يجب أن تبيني! " ثم انصرفت، فقال أحمد لأبنه: " اذهب فانظر أين تدخل! " . فرجع فقال: " دخلت دار بشر " .

(1/18)


وقال محمد بن نعيم: " دخلت عليه في علته، فقلت: " عظني! " . فقال: " إن في هذه الدار نملة، تجمع الحب فى الصيف لتأكله في الشتاء؛ فلما كان يوما أخذت حبة في فمها، فجاء عصفور فأخذها، فلا ما جمعت أكلت، ولا ما أملت نالت " .
وروى أن رجلا سأله أن يوصيه، فقال له بشر: " عليك بلزوم بيتك، وترك ملاقاة الناس " .
فقال له الرجل: " بلغني عن الحسن أنه قال: " لو لا الليل وملاقاة الإخوان ما كنت أبالي متى مت! " . فقال بشر: " رحم الله الحسن! لقد كان الظن به خلاف هذا! " .
وأنشد:
يا من يسر برؤية الإخوان ... هلا أمنت مكايد الشيطان؟!
خلت القلوب من المعاد وذكره ... وتشاغلت بالحرص والخسران
صارت مجالس من ترى وحديثهم ... في هتك مستور وفتق قران
قال حسن المسوحي: " رآني بشر يوما باردا، وأنا أرتعد من البرد، فنظر إلى ثم أنشد:
قطع الليالي مع الأيام في خلق ... والنوم تحت رواق الهم والقلق
أحرى وأجدر بى من أن يقال غدا ... إني التمست الغنى من كف ممتلق
قالوا: رضيت بذا؟! قلت:القنوع غنى ... ليس الغنى كثرة الأموال والورق
رضيت بالله في عسري وفى يسرى ... فلست أسلك إلا واضح الطرق
وقال الحسن بن عمران المروزى، سمعت بشرا ينشد:
ذهب الرجال المقتدى بفعالهم ... والمنكرون لكل أمر منكر
وبقيت في خلف بزين بعضهم ... بعضا ليدفع معور عن معور
بكار بن قتيبة
182 - 270 للهجرة
بكار بن قتيبة، قاضى مصر، من ذرية أبى بكرة. ولد بالبصرة سنة اثنتين وثمانين ومائة. ومات سنة سبعين ومائتين.
عوتب في توليه القضاء، وكان أحد البكائين التالين لكتاب الله. له الدعوات المستجابة، مشهور بالزهد والورع.
أعطى النجاب لذي جاءه بتقليد القضاء رغيفين، فاستحقرهما وقال: " وا خيبة طريقاه! " . ففرط في أحدهما في الطريق، وأعطاه المتوكل على الرغيف الآخر ألف دينار، وقال: " لو أتيتني بالآخر أعطيتك مثلها! " . وجعله في الكحل والأدوية يستشفي به.
وقد أفردت ترجمته بالتأليف.
بندار بن الحسين الشيرازي
؟ - 353 للهجرة
أبو الحسين بندار بن الحسين الشيرازي. سكن أرجان. وكان كبير الشأن، عالما بالأصول. صحب الشبلي.
مات بأرجان سنة ثلاث وخمسين وثلثمائة.
ومن كلامه: " صحبة أهل البدع تورث الإعراض عن الحق " .
وقال: " ليس من الأدب أن تسأل رفيقك: " إلى أين؟ " أو: " في أيش؟ " .
وقال: " من اقبل على الدنيا، وسكن لها، أحرقته بنيرانها، وصار رماداص، لا قيمة له ولا قدر. ومن أقبل على الآخرة، وسكن اليها، أحرقته بنورها، وصار سبيكة من ذهب ينتفع به. ومن أقبل على الله أحرقه التوحيد، فصار جوهرا لا قيمة له " .
وقال:
نوائب الدهر أدبتني ... وإنما يوعظ الأريب
قد ذقت حلوا وذقت مرا ... كذاك عيش الفتى ضروب
ما مر بؤس ولا نعيم ... إلا ولى فيهما نصيب
بنان الحمال
؟ - 316 للهجرة
بنان الحمال السالف بعض ترجمته.
قال: " بينا أنا أسير بين مكة والمدينة، وإذا شخص قد تراءا لي، فأممت نحوه، فلما قربت منه سلمت عليه، وقلت له: " أوصني! " فقال: " يا بنان! إن كان الله قد أعطاك من سر سره سرا، فكن مع ما أعطاك؛ وإن كان الله لم يعطك من سر سره سرا فكن مع الناس على ما هم عليه من الظاهر " .
وقال: " دخلت البرية - على طريق تبوك - وحدي، فاستوحشت، فإذا هاتف يهتف: يا بنان! نقضت العهد! لم تستوحش؟! أليس حبيبك معك؟! " .
وتكلم يوما في المحبة بكلام عجيب، ثم أنشد:
لحانى العاذلون، فقلت: مهلا! ... فإنى لا أرى فى الحب عارا
فقالوا: قد خلعت! فقلت: لسنا ... بأول عاشق خلع العذارا
وقال أبو على الروذبارى: " كان سبب دخولي مصر حكاية بنان الحمال، وذلك أنه أمر ابن طولون بالمعروف، فأمر به أن يلقى بيم يدي السبع، فجعل السبع يشمه ولا يضره، فلما أخرج من بين يديه قيل له: " ما كان في قلبك حين شمك؟ " قال: " منت أتفكر فى اختلاف العلماء فى سؤر السباع ولعابها " .

(1/19)


وروى أن رجلا كان له على رجل مائة دينار بوثيقة إلى أجل، فلما جاء الأجل طلب الوثيقة، فلم يجدها، فجاء إلى بنان، فسأله الدعاء، فقال له: " أنا رجل قد كبرت، وأنا أحب الحلوى، اذهب فأشتر لى رطل معقود، وجئني به أدعو لك! " . فذهب الرجل، فاشترى ما قال ثم جاء به، فقال له بنان: " افتح القرطاس! " ففتحه فإذا هو بالوثيقة، فقال لبنان: " هذه وثيقتي! " فقال: " خذ وثيقتك، وخذ المعقود، وأطعمه صبيانك " . فأخذه ومضى.
وروى أن قاضى مصر سعى به إلى أن ضرب سبع درر، فدعا عليه بنان، فقال: " حسبك الله بكل درة سنة! " . فأخذه ابن طولون وحبسه سبع سنين " .
قال أحمد بن مسروق: أنشدني بنان الحمال في المسجد الحرام، قال: أنشدني بعض أصحابنا وقد دعوته:
من دعانا فأبينا ... فله الفضل علينا
فإذا نحن أجبنا ... رجع الفضل إلينا
حرف الثاء
ثابت بن أسلم البناني
41 - 127 للهجرة
ثابت بن أسلم البناني، أبو محمد البصري، التابعي، القاص الزاهد العابد، أحد مفاتيح الخير.
كان بقول: " اللهم أن كنت قد أعطيت أحدا الصلاة في قبره، فأعطني الصلاة في قبرى " .
ويقال إن هذه الدعوة أستجيبت له، وأنه رؤى بعد موته يصلى في قبره. مات بعد العشرين ومائة، عن نيف وثمانين سنة.
حرف الجيم
أبو القاسم الجنيد
؟ - 297 للهجرة
الجنيد بن محمد، الخراز القواريري أبو القاسم. شيخ وقته، ونسيج وحده. أصله نهاوند، ومولده ومنشؤه ببغداد.
صحب جماعة من المشايخ، واشتهر بصحبة خاله السري، والحارث المحاسبي. ودرس الفقه علي أبي ثور، وكان يفتي في حلقته - بحضرته - وهو ابن عشرين سنة.
قال: " كنت بين يدي سري ألعب، وأنا ابن سبع سنين، وبين يديه جماعة يتكلمون في الشكر؛ فقال لي: " يا غلام! ما الشكر؟ " قلت: " الشكر ألا تعصي الله بنعمه " . فقال لي: " أخشي أن يكون حظك من الله لسانك! " قال الجنيد: " فلا أزال أبكي علي هذه الكلمة التي قالها لي السري " .
وقال: " علامة لإعراض عن العبد أن يشغله بما لا يعنيه " .
وقال: " من لم يحفظ القرآن، ولم يكتب الحديث، لا يقتدي به في هذا المر، لأن علمنا مقيد بالكتاب والسنة " .
وقال: " من طلب عزا بباطل أورثه الله ذلا بحق " .
وقال: " من هم بذنب لم يفعله ابتلي بهم لم يعرفه " .
وقال: " الصوفية أهل بيت واحد، لا يدخل فيهم غيرهم " .
وقال: " الأدب أدبان: أدب السر، و أدب العلانية. فالأول طهارة القلب من العيوب، والعلانية حفظ الجوارح من الذنوب " .
وقال له رجل: " علمني شيئا يقربني إلي الله وإلي الناس " ، فقال: " أما الذي يقربك إلي الله فمسألته، وأما الثاني فترك مسألتهم " .
وقال: " لكل أمة صفوة، وصفوة هذه الأمة الصوفية " .
وسئل: " من العرف؟ " فقال: " من نطق عن سرك وأنت ساكت " .
ورؤى في يده يوما سبحة، فقيل له: " أنت، مع تمكنك وشرفك، تأخذ بيدك سبحة؟! " فقال: " نعم! سبب وصلنا به إلي ما وصلنا لا نتركه أبدا " .
وقال: " قال لي خالي سرى السقطى: " تكلم علي الناس! " وكان في قلبي حشمة من ذلك، فاني كنت أتهم نفسي في استحقاق ذلك، فرأيت ليلة، في المنام، رسول الله صلي الله عليه وسلم - وكان ليلة جمعة - فقال لي: " تكلم علي الناس! " . فانتبهت، وأتيت باب سري قبل أن أصبح، فدققت الباب، فقال: " لم تصدقنا حتى قيل لك! " . فقعدت في غد للناس بالجامع، وانتشر في الناس أني قعدت أتكلم، فوقف علي غلام نصراني متنكر وقال: " أيها الشيخ! ما معني قوله عليه السلام: )اتقوا فراسة المؤمن. فانه ينظر بنور الله( فأطرقت، ثم رفعت رأسي فقلت: " أسلم! فقد حان وقت غسلامك! " فأسلم " .
وقال الجنيد: " معاشر الفقراء! إنما عرفتم بالله، وتكرمون له؛ فإذا خلوتم به فانظروا كيف تكونون معه " وقال رجل له: " علي ماذا يتأسف المحب من أوقاته؟ " . قال: " علي زمان بسط أورث قبضا، أو زمان أنس أورث وحشة " . ثم أنشأ يقول:
قد كان لي مشرب يصفو برؤيتكم ... فكدرته يد الأيام حين صفا
وقال الخلدي: " دفع إلى الجنيد درهما، وقال: " اشتر به تينا وزيريا، فاشتريته، فلما أفطر أخذ واحدة، ووضعها في فيه، ثم ألقاها وبكي، وقال لي: " احمله! " فقلت له في ذلك، فقال: " هتف بي هاتف في قلبي: أما تستحي؟! تركت هذا من أجلي ثم تعود؟! " . ثم أنشد:

(1/20)


نون الهوان من الهوى مسروقة ... فصريع كل هوى صريع هوان
وقال أبو عمرو بن علوان: " خرجت يوما إلي سوق الرحبة في حاجة، فرأيت جنازة، فتبعتها لأصلي عليها، فوقفت حتى تدفن، فوقعت عيني علي امرأة مسفرة، من غير تعمد، فألححت بالنظر إليها، واسترجعت واستغفرت الله تعالى وعدت إلي منزلي. فقالت عجوز لي: " يا سيدي! مالي أري وجهك أسود؟!. فأخذت المرآة فنظرت، فإذا هو كما قالت، فرجعت إلي سري أنظر من أين ذهبت، فذكرت النظرة، فانفردت في موضع، أستغفر الله، وأسأله الإقامة، أربعين يوما. فخطر في قلبي: أن زر شيخك الجنيد!. فانحدرت إلي بغداد، فلما جئت حجرته طرقت الباب، فقال لي: " ادخل يا أبا عمرو! تذنب بالرحبة ونستغفر لك ببغداد " .
وقال علي بن ابرهيم الحداد: " حضرت مجلس ابن سريج الفقيه الشافعي، فكان يتكلم في الفروع والأصول بكلام حسن عجيب. فلما رأي إعجابي قال: " أتدري من أين هذا؟ " قلت: " لا! " قال: " هذا ببركة مجالسة أبي القاسم الجنيد " .
وقال خير: " كنت يوما جالسا في بيتي، فخطر لي خاطر، أن الجنيد بالباب فاخرج إليه، فنقيته عن قلبي وقلت: " وسوسة! " . فوقع لي خاطر ثان بأنه علي الباب فاخرج اليه، فنقيته عن سري؛ فوقع لي ثالث، فعلمت أنه حق، ففتحته، فإذا بالجنيد قائم، فسلم علي، وقال لي: " يا خير! لم لا تخرج مع الخاطر الأول؟! " .
وقال عبد الرحمن بن إسماعيل: " كنت ببغداد، ووافي الحاج من خراسان، فلقيني بعض أصحابنا ممن له فضل وإفضال، فسألني أن أعرفه بجماعة ليصلهم بشيء، فقلت له: " ابدأ بالجنيد! " فحمل إليه دراهم وثياب كثيرة، فلما رآه أعجبه أدبه في رفقه، فقال: " اجعل بعضه لفقراء اذكرهم لك " فقال: " أنا أعرف الفقراء أيها الشيخ؟! " فقال له الجنيد: " وأنا! أؤمل أن أعيش حتى آكل هذا؟! " ، فقال: " إني لم أقل لك: أنفقه في الخل والبقل، والكامخ والجبن والمالح!، إنما أريد أن تنفقه في الطيبات وألوان الحلاوات،فكل ما أسرع فهو أحب إلي " . فتبسم الجنيد وقال: " مثلك لا يجوز أن يرد عليه! " وقبل ذلك منه. فقال الخراساني: " ما أعلم أحدا ببغداد أعظم منة علي منك! " ، فقال الجنيد: " ولا ينبغي لأحد أن يرتفق إلا ممن كان مثلك " .
وقال الجنيد: " رأيت إبليس في المنام كأنه عريان، فقلت له: " أما تستحي من الناس؟! " فقال: " يا لله! هؤلاء عندك من الناس؟!. لو كانوا منهم ما تلاعبت بهم كما تتلاعب الصبيان بالكرة، ولكن الناس غير هؤلاء " . فقلت: " ومن هم؟ " قال: " قوم في مسجد الشونيزي، قد أضنوا قلبي، وأنحلوا جسمي؛ كلما هممت أشاروا بالله، فأكاد أحرق " . فانتبهت ولبست ثيابي، وأتيت مسجد الشونيزي وعلى ليل، فلما دخلت المسجد إذا أنا بثلاثة أنفس - قيل: هم أبو حمزة، وأبو الحسين النوري، وأبو بكر الزقاق - جلوس، ورءوسهم في مرقعاتهم؛ فلما أحسوا بي قد دخلت أخرج أحدهم رأسه وقال: " يا أبا القاسم! أنت كلما قيل لك شيء تقبله! " .
وبات الجنيد ليلة العيد في الموضع الذي كان يعتاده في البرية، فإذا هو وقت السحر بشاب ملتف في عباءته يبكي ويقول:
بحرمة ربتي! كم ذا الصدود؟! ... الا تعطف علي؟! ألا تجود؟!
سرور العيد قد عم النواحي ... وحزني في ازدياد لا يبيد
فإن كنت أفترفت خلال سوء ... فعذري في الهوى أفلا تعود؟
وقال أبو محمد الجريري: " كنت واقفا علي رأس الجنيد وقت وفاته - وكان يوم جمعة - وهو يقرأ، فقلت: " ارفق بنفسك! " فقال: " ما رأيت أحدا أحوج إليه مني في هذا الوقت، هو ذا تطوي صحيقتي " .
وقال أبو بكر العطار: حضرت الجنيد عند الموت، في جماعة من أصحابنا، فكان قاعدا يصلي ويثني رجله، فثقل عليه حركتها، فمد رجليه وقد تورمتا، فرآه بعض أصحابه فقال: " ما هذا يا أبا القاسم؟! " ، قال: " هذه نعم!. الله أكبر " . فلما فرغ من صلاته قال له أبو محمد الجريري: " لو اضطجعت! " ، قال: " يا أبا محمد! هذا وقت يؤخذ منه. الله أكبر " . فلم يزل ذلك حاله حتى مات " .
وقال ابن عطاء: " دخلت عليه، وهو في النزع، فسلمت عليه، فلم يرد، ثم رد بعد ساعة، وقال: " اعذرني! فإني كنت في وردي " ، ثم حول وجهه إلي القبلة ومات " .
وكان عند موته قد ختم القرآن، ثم ابتدأ في البقرة فقرأ سبعين آية " .
وكانت وفاته في شوال، آخر ساعة من يوم الجمعة، سنة سبع وتسعين ومائتين ببغداد. وقيل: سنة ثمان.

(1/21)


وغسله أبو محمد الجريري، صلي عليه ولده، ودفن بالشونيزيه، بتربة مقبرة بغداد، عند خاله سري. وحزر الجمع الذين صلوا عليه، فكانوا ستين ألفا.
قال أبو محمد الجريري: " كان في جوار الجنيد رجل مصاب في خربة، فلما مات الجنيد ودفناه، تقدمنا ذلك المصاب، وصعد موضعا رفيعا، وقال لي: " يا أبا محمد! تراني أرجع إلي تلك الخربة بعد أن فقدت ذلك السيد؟! " ، ثم أنشد:
واأسفي من فراق قوم ... هم المصابيح والحصون!
والمدن والمزن والرواسي ... والخير والأمن والسكون
لم تتغير لنا الليالي ... حتي توفتهم المنون
فكل جمر لنا قلوب ... وكل ماء لنا عيون
ثم غاب عنا فكان ذلك آخر العهد منه " .
وسئل الجنيد عن التوحيد، فأنشد قائلا:
وغني لي من قلبي ... وغنيت كم غني
وكنا حيثما كانوا ... وكانوا حيثما كنا
فقال السائل: " وأين القرآن والأخبار؟! " فقال: " الموحد يأخذ علي التوحيد من أدني الخطاب " .
وأنشد مرة:
وإن امرءا لم يصف لله قلبه ... لفي وحشة من كل نظرة ناظر
وإن امرءا لم يرتحل ببضاعة ... إلي داره الأخرى فليس بتاجر
وإن امرءا باع دنيا بدينه ... لمنقلب منها بصفقة خاسر
وسئل عن الفقر فأنشأ يقول:
لا الفقر عار ولا الغنى شرف ... ولا شئ في طاعة سرف
قلت: وأستاذ الجنيد محمد بن علي القصاب، أبو جعفر البغدادي. وكان الجنيد يقول " الناس ينسبوني إلي سري، وإنما أستاذي هذا يعني القصاب.
سئل القصاب: " ما بال أصحابك محرومين من الناس؟ " قال: " لثلاث خصال: أحدها: أن الله لا يرضي لهم ما في أيديهم، ولو رضي لهم ما لهم لترك ما لأنفسهم عليه.
وثانيها: أن الله لا يرضي أن يجعل حسناتهم في صحائفهم، ولو رضي لهم لخلطهم بهم.
وثالثها: أنهم قوم لم يسيروا إلا إلي الله، فمنعهم كل شيء سواه وأفردهم به " .
أصحاب الجنيد
ومن أصحاب الجنيد أبو محمد أحمد بن محمد بن الحسين الجريري، وأبن الأعرابي أبو العباس احمد بن محمد بن زياد، وقد سلفا؛ وكذا اسماعيل بن نجيد؛ أما الشبلي فسيأتي.
وصحبه علي بن بندار أبو الحسن الصيرفي، من جلة مشايخ نيسابور. صحب أيضا الحيري، وكتب الحديث الكثير، وكان ثقة. رزق من رؤية المشايخ وصحبتهم ما لم يرزق غيره.مات سنة تسع وخمسين وثلثمائة.
قال: " دخلت دمشق علي أبي عبد الله بن الجلاء، فقال: " متي دخلت دمشق؟ " قلت: " منذ ثلاثة أيام " فقال: " ما لك لم تجئني؟! " قلت: " دخلت إلي أبي ابن جوصاء، وكتبت عنه الحديث " . فقال: " شغلتك السنة عن الفريضة " .
ومن كلامه: " فساد القلوب علي حسب فساد الزمان وأهله " .
وقال: " زمان يذكر فيه بالصلاح زمان لا يرجى منه الصلاح " .
وقال: " دار أسست على البلوي بلا بلوي محال " .
وقال: " إياك والخلاف على الخلق، فمن رضي الله به عبدا فارض به أخا " .
وكان يقول: " إياك والاشتغال بالخلق فقد عدم الربح عليهم اليوم " .
وقال لبعض أصحابه: " إلى أين؟ " قال: " أخرج إلى النزهة " . فقال: " من عدم الأنس من حاله لم تزده النزهة إلا وحشة " .
وقال: " كنت أماشي يوما أبا عبد الله بن خفيف، فقال لي: " تقدم يا أبا الحسن! " فقلت: " بأي عذر أتقدم؟! " قال: " بأنك لقيت الجنيد وما لقيته " .
ومنهم عبد الله بن محمد الشعراني أبو محمد الرازي الأصل، النيسابوري المولد والمنشأ. وصحب أيضا رويما والحيري وسمنونا وغيرهم. ومات سنة ثلاث وخمسين وثلثمائة.
ومن كلامه: من أراد أن يعرف متابعة للحق فلينظر إلي من يخالفه في مراد له، كيف يجد نفسه عند ذلك، فإن لم يتغير فليعلم أن نفسه متابعة للحق " .
سئل: " ما بال الناس يعرفون عيوبهم ولا ينتقلون عنها، ولا يرجعون إلي الصواب؟! " فقال: " لأنهم اشتغلوا بالمباهاة بالعلم، ولم يشتغلوا باستعماله، واشتغلوا بآداب الظواهر وتركوا آداب البواطن، فأعمي الله قلوبهم، وقيد جوارحهم عن العبادات " .
ومن أصحابه أيضا علي بن محمد المزين أبو الحسن البغدادي. وصحب أيضا سهلا. ومات مجاورا بمكة سنة ثمان وعشرين وثلثمائة.
ومن كلامه: " من استغني بالله أحوج الله الخلق إليه، ومن افتقر إلى الله، وصح فقره أليه بملازمة آدابه، أغناه الله عن كل ما سواه " .

(1/22)


وقال: " الذنب بعد الذنب عقوبة الذنب؛ والحسنة بعد الحسنة ثواب الحسنة " .
وقال المزين: " لما مرض أبو يعقوب النهرجوري، قلت - وهو في النزع - : " قل: لا إله إلا الله! " فتبسم إلي وقال: " إياي تعني؟! وعزة من لا يذوق الموت! ما بيني وبينه إلا حجاب العزة " وانطفأ من ساعته. فكان المزين يأخذ بلحيته ويقول: " حجام مثلي يلقن أولياء الله الشهادة؟! واخجلتاه منه! " ويبكي إذا ذكر ذلك.
وروي أنه رؤي يوما متفكرا، ثم أنشد:
منازل كنت تهواها وتألفها ... أيام أنت علي الأيام منصور
وقد كان يوما يبكي - وهو بالتنعيم يريد العمرة - وهو ينشد:
أنافعي دمعي فأبكيك؟! ... هيهات! مالي طمع فيك
فلم يزل كذلك حتي بلغ مكة.
وممن لقيه أبو محمد عبد الله بن محمد المرتعش النيسابوري، أحد مشايخ العراق. كان يقيم في مسجد الشونيزية ببغداد، وصحب أبا حفص وأبا عثمان، وكان كبير الشأن.
قيل: " عجائب بغداد ثلاثة: نكت المرتعش؛ وإشارات الشبلي، وحكايات جعفر الخلدي " . مات ببغداد سنة ثمان وعشرين وثلثمائة.
من كلامه: " سكون القلب إلي غير المولي تعجيل عقوبة من الله في الدنيا " .
وقيل له: " بماذا ينال العبد حب الله تعالي؟ " . قال: " ببغض ما أبغضه وهي الدنيا والنفس " .
وقيل له: " إن فلانا يمشي علي الماء! " . فقال: " عندي أن من مكنه الله من مخالفة هواه فهو أعظم من المشي علي الماء " .
وسئل عن التصوف فقال: " الأشكال والتلبيس والكتمان " . ثم أنشد يقول:
سري وسرك لا يعلم به أحد ... إلا الجليل ولا ينطق به نطق
وانشد أيضا علي إثره:
إذا جئت فامنح طرف عينك غيرنا ... لكيلا يحسبوا أن الهوى حيث تنظر
وسئل: " بماذا ينال العبد المحبة؟ " . فقال: " بمولاة أولياء الله تعالي ومعاداة أعدائه " .
ثم قال لبعض جلسائه: " أنشدني الأبيات التي كنت تنشد بالأمس " فأنشأ يقول:
وقف الهوى بي حيث أنت فلي ... س لي متأخر عنه ولا متقدم
أجد الملامة في هواك لذيذة ... حبا لذكرك فليلمني اللوم
أشبهت أعدائي فصرت أحبهم ... إذ صار حظي منك حظي منهم
وأهنتني فأهنت نفسي صاغرا ... ما من يهون عليك ممن يكرم
وقال السلمي: سمعت أحمد بن علي بن جعفر يقول: " كنت عند المرتعش قاعدا، فقال رجل: " قد طال الليل وطال الهوى! " فنظر أليه المرتعش وسكت ساعة، ثم قال: " لا أدري ما تقول! غير أني سمعت بعض القوالين في هذه الليالي:
لست أدري أطال الليل أم لا ... كيف يدري بذاك من غفلا
لو تفرغت لاستطالة ليلي ... ولرعي النجوم كنت مخلي
ان للعاشقين عن قصر الليل وعن طوله من الوجد شغلا فبكي من حضره، واستدلوا علي عمارة أوقاته " .
وقال وقت وفاته: " سألت الله ثلاث حوائج فقضاها لي: سألته أن يكون موتي في مسجد الشونيزية، فأني قد صحبت فيه أقواما، سادة كراما، وهوذا أنا أموت فيها.
وألا يكون لي أمر الدنيا شيء وقت خروجي منها، وليس لي غير الخرقه التي تحتي؛ فإذا مت فأخرجوها من تحتي واشتروا بها شيئا للفقراء، فإنهم لا يدفنونني بغير كفن.
وسألته ألا يحضرني في وقت وفاتي رجل أبغضه، وأنا أحبكم كلكم وليس فيكم من أبغضه " . ثم مات.
ومن أصحابه أيضا محمد بن علي بن جعفر الكتاني - نسبة إلي الكتان، بفتح الكاف، وعمله - أبو بكر، ويقال: أبو بكر عبد الله، البغدادي، ثم المكي.
هاجر ال مكة وبها مات مجاورا سنة اثنتين وعشرين وثلثمائة. وصحب أيضا النوري والخراز.
ومن كلامه: " التصوف خلق، فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في التصوف " .
وقال: " العاجز من عجز عن سياسة نفسه " .
وقال: " إذا صح الافتقار إلي الله صح الغني به، لأنهما حالان لا يصح أحدهما إلا بصاحبه " .
وقال: " رأيت النبي صلي الله عليه وسلم في النوم، فقلت: " يا رسول الله! ادع الله ألا يميت قلبي " . قال: " قل - كل يوم أربعين مرة - : " يا حي! يا قيوم! لا إله إلا أنت! " فإنه لا يموت فلبك، ويكون قلبك حيا " .
وقال: " من حكم المريد أن يكون فيه ثلاثة أشياء: نومه غلبة، وأكله فاقة، وكلامه ضرورة " .
وقال: " النقباء ثلثمائة، والنجباء سبعون، والأبدال أربعون، والأخيار سبعة، والعمداء أربعة، والغوث واحد " .

(1/23)


فمسكن النقباء المغرب، والنجباء مصر، والأبدال الشام، والأخيار سياحون في الأرض، والعمداء زوايا الأرض، والغوث بمكة.
فإن عرضت الحاجة من أمر العامة ابتهل النقباء، ثم النجباء، ثم الأبدال، ثم الأخيار، ثم العمداء؛ فإن أجيبوا وإلا ابتهل الغوث، فلا يتم مسألته حتى تجاب دعوته " .
وقال: " صحبني رجل، وكان ثقيلا علي قلبي، فوهبت له شيئا ليزول ما في قلبي، فلم يزل، فحملته إلي بيتي، وقلت: " ضع رجلك علي خدي " فأبي، فقلت: " لا بد تفعل! " واعتقدت أنه لا يرفع رجله علي خدي حتى يرفع الله من قلبي الذي كنت أجده. فلما زال عن قلبي ما كنت أجده قلت له: " ارفع رجلك الآن! " .
وسئل عن الفائدة في مذاكرة الحكايات، فقال: " الحكايات جند من جنود الله، تقوي بها أبدان المريدين " . فقيل له: " هل لهذا شاهد؟ " . قال: " نعم! قال الله تعإلي: )وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك(.
وروي عنه انه قال: " كنت وأبو سعيد الخراز، وعباس بن المهتدي، وآخر لم يذكره، نسير بالشام علي ساحل البحر وإذا شاب يمشي ومعه محبرة، فظننا أنه من أصحاب الحديث، فتثاقلنا به، فقال أبو سعيد: " يا فتي! علي أي طريق تسير؟ " فقال: " ليس أعرف إلا طريقتين: طريق الخاصة و طريق العامة؛ أما طريق العامة فهذا الذي أنتم عليه، وأما طريق الخاصة فباسم الله! " وتقدم إلي البحر ومشي حيالنا علي الماء، فلم نزل نراه حتي غاب عنا " .
ونظر الكتاني إلي شيخ أبيض الرأس واللحية يسأل، فقال: " هذا رجل أضاع حق الله في صغره فضيعه الله في كبره " .
وكان كثيرا ما ينشد:
الشوق والوجد في مكاني ... قد منعاني من القرار
هما في لا يفارقاني ... فذا شعاري وذا دثاري
وخيم في الطواف اثنتي عشرة ألف ختمة.
وقال: " لو لا أن ذكره فرض علي ما ذكرته إجلالا له، مثلي يذكره ولم يغسل فاه بألف توبة متقبلة عن ذكره؟! " .
وأنشد:
ما إن ذكرتك إلا هم يغلبني ... قلبي وسري وروحي عند ذكراكا
حتي كأن رقيبا منك يهتف بي: ... إياك! ويحك والتذكار! إياكا!
ومن أصحابه أيضا محمد بن موسى الواسطي - نسبة إلي واسط العراق بلدة مشهورة - أبو بكر الخراساني، من فرغانة. وصحب أيضا النوري وكان عالما كبير القدر.
مات بمرو بعد العشرين وثلثمائة.
ومن كلامه: " الخوف والرجاء زمامان يمنعان من سوء الأدب " .
وانقطع شسع نعله في غدوة إلي الجمعة، فأصلح له، فقال: " إنما انقطع لأني لم أغتسل للجمعة! " . واغتسل بعد ذلك.
ومن أصحابه أبو الحسين علي بن هند القرشي الفارسي، من كبار مشايخ الفرس وعلمائهم.
وصحب أيضا جعفر الحذاء، وعمرا المكي. له الأحوال العالية، والمقامات الزكية.
ومن كلامه: " اجتهد ألا تفارق باب سيدك بحال، فإنه ملجأ الكل، فمن فارقه لا يري لقدمه قرارا ولا مقاما " .
وانشد:
كنت من كربتي أفر إليهم ... فهم كربتي! فأين المفر؟!
ومن أصحابه أبو بكر أحمد بن محمد بن أبي سعدان البغدادي، وصحب النوري أيضا. شافعي المذهب، إمام في المعارف.
ومن كلامه: الصابر علي رجائه لا يقنط من فضله " .
ومن أستاذيه محمد بن ابرهيم البغدادي البزاز أبو حمزة، من أولاد عيسى بن أبان. وجالس بشر بن الحارث، وسافر مع أبي تراب، وصحب سريا. وكان عالما بالقراءات، فقيها زاهدا واعظا.
وهو أول من تكلم ببغداد في المحبة والشوق، والقرب والأنس، على رءوس الناس. وهو أستاذ جميع البغاددة؛ وكان الإمام أحمد يقول له في المسائل: " ما تقول فيها يا صوفي؟! " .
مات سنة تسع وثمانين ومائتين.
وكان يتكلم في مجلسه يوم الجمعة، فتغير عليه الحال، وسقط عن كرسيه، ومات في الجمعة الثانية، ودفن بباب الكوفة.
ومن كلامه: من رزق ثلاثة أشياء مع ثلاثة أشياء فقد نجا من الآفات: بطن خال مع قلب قانع، وفقر دائم مع زهد حاضر؛ وصبر كامل مع ذكر دائم " .
وقال: " علامة الصوفي الصادق أن يفتقر بعد الغني ويذل بعد العزة، وينحط بعد الشهرة. وعلامة الصوفي الكاذب أن يستغني بعد الفقر، ويعز بعد الذل، ويشتهر بعد الخفاء " .

(1/24)


وروى أنه ولد له مولود في ليلة ممطرة، وما كان في منزله شئ، وأشتد المطر، وكانت داره علي الطريق، وأخذ السيل يدخل داره، وكان في الدار صبي يخدمه، فقام هو والصبي، وأخذ جرتين، فكانوا ينقلون الماء إلي الطريق حتى أصبحوا. فلما أصبحوا تحيلت المرأة في دراهم، وقالت له: " أشتر لنا بها شيئا " ، فخرج فإذا بجارية صغيرة تبكي، فقال: " ما بكاؤك؟ " قالت: " لي مولي شرير، وقد دفع إلي قارورة اشتري له فيها زيتا، فوقعت وهلك الزيت، وأخاف أن يضربني! " ، فأشتري لها بما معه ذلك، ومشي معها إلي مولاها، وشفع فيها ألا يضربها بتأخيرها عنه، ثم رجع إلي المسجد، فقال له الصبي: " ما العمل؟! " فقال: " اسكت! " فقعد إلى العصر، ثم قال الصبي: " قم بنا نعود إلى المنزل! " فجاءوا والزقاق كله حمالون، معهم ما يحتاج أليه لمثل هذا، وخمسمائة درهم، ورجل معه رقعة فيها مكتوب: " أخبرنا انك البارحة ولد لك مولود فتفضل بقبول ذلك " فقال الصبي: " إذا عاملت فعامل من هذه معاملته! " .
وروى أنه كان له مهرا قد رباه، وكان يحب الغزو، فيخرج عليه متوكلا، فقيل له: " ما تعمل في أمر الدابة؟ " ، قال: " كان إذا رحل العسكر تبقي تلك الفضلات من الدواب ومن الناس، يدور فيأكل " .
وقيل له: " هل يفرغ المحب الى شئ سوى محبوبه؟ " فقال: " لا! لأنه بلاء دائم وسرور منقطع، وأوجاع متصلة؛ لا يعرفها إلا من باشرها " . وأنشد:
يقاسي المقاسي شجوه دون غيره ... وكل بلاء عند لاقيه أوجع
وقال الجنيد: " وافي أبو حمزة من مكة، وعليه وعناء السفر، فسلمت عليه وشهيته، فقال: " سكباج وعصيدة تخليني بهما " ؛ فيأتيهما له، وأدخلته الدار، وأسبلت الستر، فدخل واكله أجمع؛ فلما فرغ قال: " يا أبا القاسم! لا تعجب! فهذا - من مكة - الأكلة الثالثة " .
وأما حكاية وقوعه في البئر، وإخراج السبع له فمشهورة. وهتف به هاتف: " يا أبا حمزة! نجيناك من التلف بالتلف! " فقال:
أهابك أن أبدي إليك الذي أخفي ... وسري يبدي ما بقول له طرفي
نهاني حيائي منك أن أكتم الهوى ... فأغنيتني بالفهم منك عن الكشف
تلطفت في أمري وأبديت شاهدي ... إلى غائبي واللطف يدرك باللطف
تراءيت لي بالغيب حتي كأنما ... تبشرني بالغيب إنك في الكف
أراك وبي من هيبتي لك حشمة ... فتؤنسني باللطف منك وبالعطف
وتحيي محبا أنت في الحب حتفه ... وذا عجب كون الحياة مع الحتف
وقال الخطيب - فيما ذكر أبو نعيم - : " إنه أبو حمزة هذا " وقال غيره: " إنه أبو حمزة الخراساني " .
وأبو حمزة الخراساني أحد المشايخ، أصله من نيسابور، صحب مشايخ بغداد، وهو من أقران الجنيد صحبه أيضا وغيره، وكان ورعا دينا.
ومن كلامه: " من استشعر ذكر الموت حبب إليه كل باق وبغض إليه كل فان " .
وسئل عن الإخلاص، فقال: " الخالص من الأعمال ما لا يجب أن يجده عليه إلا الله تعالى " .
وقال له رجل: " أوصي! " . فقال: " هيء زادك للسفر الذي بين يديك، فكأني بك وأنت في جملة الراحلين عن منزلك؛ وهيء لنفسك منزلا إذا نزل أهل الصفة منازلهم، لئلا تبقى متحسرا " .
وخرج مرة يشيع بعض الغزاة، فسمع قائلا يقول:
نقل فؤادك حيث شئت من الهوى ... ما الحب إلا للحبيب الأول
فسقط مغشيا عليه.
ومات سنة تسعين ومائتين.
ومن أصحابه محمد بن ابرهيم الزجاجي، أبو عمرو النيسابوري. صحب أيضا النوري وأبا عثمان، ورويما، والخواص.
وأقام بمكة، وصار شيخها، والمشار أليه فيها. حج قريبا من ستين حجة. قيل: إنه لم يبل ولم يتغوط في الحرم أربعين سنة، وهو بها مقيم.
مات سنة ست وأربعين وثلثمائة.
وروي أنه كان يجتمع بمكة الكتاني والنهرجوري والمرتعش وغيرهم. فكانوا يعقدون حلقة وصدرها للزجاجي، وإذا تكلموا في شيء رجع جميعهم إلى قوله.
وكان أول ما دخل مكة يطوف كل يوم سبعين مرة، ويعتمر عمرتين.
ومن كلامه: " المحبة ترك الشكوى من البلوى، بل استلذاذ البلوى، إذا الكل منه، فمن أسخطه وارد من محبوبه تبين عليه نقصان محبته " .
وقيل له: " كيف الطريق إلي الله؟ " فقال للسائل: " أبشر! أزعجك لطلب دليل يدلك عليه " .
وسئل عن حديث: )تفكر ساعة خير من عبادة سبعين سنة( فقال: " ذاك التفكير هو نسيان النفس " .

(1/25)


ومن أقران الجنيد علي بن سهل الأصبهاني أبو الحسن. لقي أبا تراب وطبقته، وقصده عمرو بن عثمان المكي في دين كان عليه بمكة، ومبلغه ثلاثون ألف درهم، فكتب بديونه سفانج إلى مكة، ولم يعلمه بذلك.
ومن كلامه: " المبادرة إلى الطاعات من علامة التوفيق، والتقاعد عن المخالفات من علامة حسن الرعاية، ومراعاة الأسرار من علامة التيقظ، وإظهار الدعاوى من رعونات البشرية، ومن لم تصح مبادئ إرادته لا يسلم في منتهى عواقبه " .
وقال: " من فقه قلبه أورثه ذلك الإعراض عن الدنيا وأبنائها، فان من جهل القلب متابعة سرور لا يدوم " .
وأنشد لنفسه:
ليتني مت فاسترحت، فإني ... كلما قلت: قدقربت! بعدت
وسئل عن حقيقة التوحيد، فقال: " قريب من الظنون، بعيد من الحقائق " . وأنشد لبعضهم:
فقلت لأصحابي:هي الشمس ضوؤها ... قريب، ولكن في تناولها بعد
أما أبو الحسن علي بن سهل الصائغ الدينوري، أحد السادات، فأقام بمصر، ومات سنة ثلاثين وثلثمائة.
قيل له: " بماذا يبتلي المحب؟ وبماذا يروح فؤاده عند هيجانه؟ " فأنشأ يقول:
لو شربت السلو ما سليت ... ما بي غني عنك وإن غنيت
وأما خاله وأستاذه سري، فهو أبو الحسن سري بن المغلس السقطي، أحد الأوتاد. كان أوحد زمانه في الورع وعلوم التوحيد، ملازما بيته لا يخرج منه ولا يراه إلا من يقصده. وكان تلميذ معروف الكرخي.
قيل: كان يوما في دكانه، فجاء معروف ومعه صبي يتيم، فقال لي: " اكسه! " . قال سري: فكسوته، ففرح به معروف، فقال: بغض الله إليك الدنيا، وأراحك مما أنت فيه! " . قال: " فقمت من الدكان وليس شئ أبغض إلي من الدنيا وما فيها، وكل ما أنا فيه من بركاته " .
مات سنة ثلاث وخمسين ومائتين، علي الأصح. ودفن بالشونيزية.
ومن كلامه: " ثلاث من كن فيه استكمل الإمان: من إذا غضب لم يخرجه غضبه من الحق، وإذا رضي لم يخرجه رضاه إلي الباطل؛ وإذا قدر لم يتناول ما ليس له " .
وقال: " الشكر ثلاثة أوجه: للسان، وللبدن، وللقلب. فالثالث أن يعلم أن النعم كلها من الله، والثاني ألا يستعمل جوارحه إلا في طاعته بعد أن عافاه الله، والأول دوام الحمد عليه " .
قال الجنيد: " أرسلني خاليي، فأبطأت عليه، فقال لي: " إذا أرسلك من يتكلمون في موارد القلوب في حاجة فلا تبطئ عليهم، فإن قلوبهم لا يتحمل الانتظار " .
ومكث سري عشرين سنة، يطوف بالساحل، يطلب صادقا، فدخل يوما إلى مغارة، فإذا زمني قعود وعميان ومجذمين، قال: فقلت: " ما تصنعون ها هنا؟! " قالوا: " ننتظر شخصا يخرج علينا فنعافى! " . فقلت: " إن كان صادقا فاليوم! " . فقعدت فخرج كهل معليه مدرعة من شعر، فسلم وجلس، ثم أمر يده علي عمي هذا فأبصر، وأمر يده علي زمانة هذا فصح، وأمر يده علي جذام هذا فبرئ. ثم قام موليا، فضربت بيدي اليه، فقال لي: سري؟!. خل عني، فانه غيور. لا يطلع علي سرك فيراك وقد سكنت إلي غيره، فتسقط من عينه " .
وقال الجنيد: " ما رأيت أعبد من خالي!. أني عليه ثمان وسبعون سنة ما رؤى مضطجعا إلا في علة الموت " .
قال: وسمعته يقول: " أشتهي أن أموت ببلد غير بغداد! " فقيل له: " ولم؟! " . قال: " أخاف ألا يقبلني قبري فأفتضح " .
قال: وسمعته يقول: " من أراد أن يسلم دينه، ويستريح قلبه وبدنه، ويقل غمه، فليعتزل الناس، لأن هذا زمان عزلة ووحدة " .
قال: وكان يقول: " لولا الجمعة والجماعة لسددت علي نفسي الباب ولم أخرج " .
قلت: " كيف في زمننا هذا - في القرن الثامن - وما أهله إلا كما قيل:
لم يبق في الناس موثوق بصحبته ... ولا أمر لك مرضي إذا اختبرا
ولا أخ لك تدعوه لنائبة ... ولا لسر إذا استودعته سرا
ما إن تري غير ذي الوجهين قد طويت ... منه الضلوع علي غير الذي ظهرا
يلقاك يظهر ودا زائدا فإذا ... ما غبت عاد عدوا مبغضا اشرا
له لسانان في فيه يديرهما ... يهدي لمن يشاء شهدا منه أو صبرا
مواصل لك ما دامت تواصله ... منك الأيادي وإن أمسكتها هجرا
وإن بدت منك يوما زلة خطأ ... عن غير عمد تراه حية ذكرا
يسعي إلى كل من يلقاه عنك بما ... يراه، مفتريا ما لا يكون يري
فكن علي حذر من مثلهم أبدا ... فالمرء من كان من أمثالهم حذرا

(1/26)


وقال الجنيد: دفع السري إلي رقعة، وقال: " هذا خير لك من سبعمائة فضة! " . فإذا فيها:
ولما ادعيت الحب، قالت: كذبتني ... ألست أرى الأعضاء منك كواسيا؟!
فما الحب حتى يلصق القلب بالحشا ... وتذبل حتي لا تجيب المناديا
وتنحل حتى لا يبق لك الهوى ... سوي مقلة تبكي بها وتناجيا
وروي أنه أنشد يوما:
لا في النهار ولا في الليل لي فرح ... فلا أبالي أطال الليل أو قصرا
لأني طول ليلي هائم دنف ... وبالنهار أقاسي الهم والفكرا
وقال الجنيد، قال لي خالي: " اعتللت بطرطوس علة القيام، فعادني ناس من القراء، فأطالوا الجلوس، فقلت: " ابسطوا أيديكم حتى ندعو! " فقلت: " اللهم علمنا كيف نعود المرضى! " قال: فعلموا أنهم قد أطالوا فقاموا " .
وقال علي بن عبد الحميد الغضائري: " دققت علي سري بابه فسمعته يقول: " اللهم من شغلني عنك فاشغله بك عني! " فكان من بركة دعائه أني حججت من حلب ماشيا أربعين حجة " .
وقال الجنيد: " دخلت عليه، وهو في النزع، فجلست عند رأسه، ووضعت خدي علي خده، فدمعت عيناي، فوقع دمعي علي خده، ففتح عينيه، وقال لي: " من أنت؟ " قلت: " خادمك الجنيد! " فقال: " مرحبا " . فقلت: " أوصني بوصية أنتفع بها بعدك! " قال: " إياك ومصاحبة الأشرار، وأن تنقطع عن الله بصحبة الأخيار " .
ولما حضرته الوفاة، قلت له: " يا سيدي! لا يرون بعدك مثلك! " قال: " ولا أخلف عليهم - بعدي - مثلك " .
قال أبو عبيد بن حربوية: " حضرت جنازته، فلما كان في بعض الليالي رأيته في النوم، قلت: " ما فعل الله بك؟ " قال: " غفر لي ولمن حضر جنازتي وصلي علي! " . فقلت: " فأني ممن حضر جنازتك وصلي عليك! " قال: " فاخرج درجا فنظر فيه، فلم ير لي اسما، فقلت: بلي! حضرت، فنظر فاذا اسمي في الحاشية " .
وولد سري، ابرهيم أبو اسحاق، زاهد تقي، وله أحوال في المعاملات سنية، قريب في السيرة من أبيه.
حكي عن أبيه. روي عنه أبو العباس السراج، قال: سمعته يقول، سمعت أبي يقول: " عجيب لمن غدا وراح، في طلب الأرباح، وهو مثل نفسه لا يربح أبدا " .
ومن أصحاب سري، إبرهيم النصراباذي، وأحمد النوري، وقد سلفا. وكذا أحمد بن مسروق.
ومن أصحابه سمنون - بضم السين علي المشهور - ابن حمزة أبو الحسن. أصله من البصرة، سكن بغداد.
وصحب - مع السري - أبا أحمد القلانسي وغيرهما. ومات قبل الجنيد، فيما قيل. وقال ابن الجوزي: " بعده سنة ثمان وتسعين ومائتين " . وهذا غلط، فان وفاة الجنيد في هذه السنة، أو سنة تسع، كما سلف.
ومن كلامه: إذا بسط الجليل غدا بساط المجد دخل ذنوب الأولين والآخرين في حاشية من حواشي كرمه. وإذا أبدي عينا من عيون الجود ألحق المسئ بالمحسن " .
وقال: " لا يعبر عن شئ إلا بما هو أدق منه، ولا شئ أدق من المحبة، فبم يعبر عنها؟! " .
وأنشد:
أنت الحبيب الذي لا شك في خلدي ... منه، فان فقدتك النفس لم تعش
يا معطشي بوصال كنت واهبه ... هل فيك لي راحة إن صحت:واعطشي
وجاءه رجل فقال: " لي أربعون شاة، كم أخرج عنها؟ " قال: " علي مذهبي: الكل؛ وعلي مذهب القوم: واحدة " .
وكان ورده كل يوم وليلة خمسمائة ركعة.
قيل أنه أنشد:
وليس لي في سواك حظ ... فكيفما شئت فاختبرني
إن كان يرجو سواك قلبي ... لا نلت سؤلي، ولا التمني!
فأخذه الأسر من ساعته، فكان يدور علي المكاتب، ويقول للصبيان: " ادعوا لعمكم الكذاب! " .
وقيل: إنه شاع عنه الدعاء بذلك، ولم يكن وقع منه، فعلم أن القصد منه إظهار الجزع، تأدبا بالعبودية، وسترا لحاله، فأخذ يفعل ذلك.
وروي أنه لما أخذه السر، احتبس بوله أربعة عشر يوما، فكان يلتوي كما تلتوي الحية علي الرمل، يمينا يتقلب وشمالا؛ أطلق بوله قال: " يا رب! قد تبت إليك! " .
وأنشد:
أنا راض بطول صدك عني ... ليس إلا لأن ذاك هواكا
فامتحن بالجفاء ضميري ... علي الود، ودعني معلقا برجاكا
وقيل إنه كان جالسا علي شاطئ دجلة، وبيده قضيب يضرب به فخذه، ويقول:
كان لي قلب أعيش به ... ضاع مني في قلبه
رب! فاردده علي فقد ... عيا صبري في تطلبه
وأغث، ما دام في رمق ... يا غياث المستغيث به!

(1/27)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية