صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : سير أعلام النبلاء
مصدر الكتاب : الإنترنت
[ ترقيم الكتاب موافق للمطبوع ]

قام بفهرسته الفقير إلى الله عبد الرحمن الشامي ، ويسألكم الدعاء .

منه سفينة - ثم ألقى علي مسألة في الفقه، فأجبت، فأدخل شيئا أفسد جوابي، فأجبت بغير ذلك، فأدخل شيئا أفسد جوابي، فجعلت كلما أجبت بشئ، أفسده، ثم قال لي: هذا الفقه الذي فيه الكتاب والسنة وأقاويل الناس، يدخله مثل هذا، فكيف الكلام في رب العالمين، الذي فيه الزلل كثير ؟ فتركت الكلام، وأقبلت على الفقه (1).
عبد الله بن أحمد بن حنبل: سمعت محمد بن داود يقول: لم
يحفظ في دهر الشافعي كله أنه تكلم في شئ من الاهواء، ولا نسب إليه، ولا عرف به، مع بغضه لاهل الكلام والبدع.
وروى عبد الله بن أحمد بن حنبل، عن أبيه، قال: كان الشافعي، إذا ثبت عنده الخبر، قلده، وخير خصلة كانت فيه لم يكن يشتهي الكلام، إنما همته الفقه.
وقال أبو عبد الرحمن السلمي: سمعت عبدالرحمن بن محمد بن حامد السلمي، سمعت محمد بن عقيل بن الازهر يقول: جاء رجل إلى المزني يسأله عن شئ من الكلام، فقال: إني أكره هذا، بل أنهى عنه كما نهى عنه الشافعي، لقد سمعت الشافعي يقول: سئل مالك عن الكلام والتوحيد، فقال: محال أن نظن بالنبي صلى الله عليه وسلم أنه علم أمته الاستنجاء، ولم يعلمهم التوحيد، والتوحيد ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم: " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله " (2)، فما عصم به الدم والمال حقيقة التوحيد.
__________
دلالة على حسن معرفته بذلك، وأنه يجب الكشف عن تمويهات أهل الالحاد عند الحاجة إليه.
وأراد بالكلام: ما وقع فيه أهل الالحاد من الالحاد، وأهل البدع من البدع، والله أعلم.
(1) " مناقب " البيهقي 1 / 458، و " تاريخ ابن عساكر " 15 / 8 / 1 (2) هذا الحديث رواه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن عمر، وأبو هريرة، وجابر، وأنس بن مالك، = (*)

(10/26)


زكريا الساجي: سمعت محمد بن إسماعيل، سمعت حسين بن علي الكرابيسي يقول: شهدت الشافعي، ودخل عليه بشر المريسي، فقال لبشر: أخبرني عما تدعو إليه، أكتاب ناطق، وفرض مفترض، وسنة قائمة، ووجدت عن السلف البحث فيه والسؤال ؟ فقال بشر: لا، إلا أنه لا يسعنا خلافه، فقال الشافعي: أقررت بنفسك على الخطأ، فأين أنت
عن الكلام في الفقه والاخبار، يواليك الناس وتترك هذا ؟ قال: لنا نهمة فيه.
فلما خرج بشر، قال الشافعي: لا يفلح (1).
أبو ثور والربيع: سمعا الشافعي يقول: ما ارتدى أحد بالكلام فأفلح (2).
__________
= والنعمان بن بشير، وأوس بن حذيفة، وطارق الاشجعي، فحديث ابن عمر أخرجه البخاري 1 / 70، 71، ومسلم (22)، وحديث أبي هريرة أخرجه البخاري 3 / 211، و 12 / 244، ومسلم (21)، وأبو داود (2640)، والترمذي (2610)، وحديث جابر أخرجه مسلم (21) (35)، والترمذي (3338)، وحديث أنس أخرجه البخاري 1 / 417، وأبو داود (2641)، والترمذي (2609)، والنسائي 7 / 75 و 8 / 109، وحديث النعمان بن بشير أخرجه النسائي 7 / 79، 80، وحديث أوس بن حذيفة أخرجه النسائي 7 / 80، 81، وحديث طارق الاشجعي أخرجه مسلم (23)، وفي الباب عن غير هؤلاء، وهو حديث متواتر.
(1) " مناقب " البيهقي 1 / 204، وبشر هذا تابع المعتزلة في مسألة خلق القرآن، فزجره أبو يوسف القاضي، ولم ينزجر، قال البغدادي في " أصول الدين " (308): فأما المريسي من أصحاب أبي حنيفة فإنما وافق المعتزلة في خلق القرآن، وأكفرهم في خلق الافعال.
وقال ابن تيمية في " منهاج السنة " 1 / 256: كان من المرجئة لم يكن من المعتزلة، بل كان من كبار الجهمية.
وروى ابن زنجويه عن أحمد بن حنبل قال: كنت في مجلس أبي يوسف القاضي حين أمر ببشر المريسي، فجر برجله فأخرج، ثم رأيته بعد ذلك في المجلس، فقلت له: على ما فعل بك رجعت إلى المجلس ؟ قال: لست أضيع حظي من العلم بما فعل بي بالامس.
وأسند ابن أبي العوام بطريق الطحاوي أن أبا يوسف كان يقول لبشر المريسي: أي رجل أنت لولا رأيك السوء.
وقال الصيمري ص (156): وله تصانيف وروايات كثيرة عن أبي يوسف، وكان من أهل الورع والزهد غير أنه رغب الناس عنه في ذلك الزمان لاشتهاره بعلم الكلام وخوضه في ذلك، وعنه أخذ حسين النجار مذهبه.
وسترد ترجمة بشر المريسي في هذا الجزء ص 199.
(2) تقدم في الصفحة (18) تعليق رقم (3).
(*)

(10/27)


قال الحسين بن إسماعيل المحاملي: قال المزني: سألت الشافعي عن مسألة من الكلام، فقال: سلني عن شئ، إذا أخطات فيه، قلت: أخطأت، ولا تسألني عن شئ إذا أخطأت فيه، قلت: كفرت (1).
زكريا الساجي: سمعت محمد بن عبد الله بن عبد الحكم يقول: قال لي الشافعي: يا محمد، إن سألك رجل عن شئ من الكلام، فلا تجبه، فإنه إن سألك عن دية، فقلت درهما، أو دانقا، قال لك: أخطأت، وإن سألك عن شئ من الكلام، فزللت، قال لك: كفرت (2).
قال الربيع: سمعت الشافعي يقول: المراء في الدين يقسي القلب، ويورث الضغائن (3).
وقال صالح جزرة: سمعت الربيع يقول: قال الشافعي: يا ربيع، اقبل مني ثلاثة: لا تخوضن في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن خصمك النبي صلى الله عليه وسلم غدا، ولا تشتغل بالكلام، فإني قد اطلعت من أهل الكلام على التعطيل.
وزاد المزني: ولا تشتغل بالنجوم (4).
وعن حسين الكرابيسي قال: سئل الشافعي عن شئ من الكلام،
__________
(1) جاء على هامش الاصل بخط مغاير ما نصه: حاشية: كل هذه الآثار عن الامام الشافعي في ذم الكلام إنما هي في كلام المعتزلة، لانه لم يكن ذلك الوقت متكلم غيرهم، فأما الكلام على الوجه الصحيح، فليس مرادا له، إذ لم يكن ذلك في زمانه، وإنما ظهرت بعده، فليتنبه لذلك.
(2) " مناقب " البيهقي 1 / 460.
(3) " مناقب " البيهقي 2 / 151، وفيه " المراء في العلم ".
(4) " توالي التأسيس ": 73، ولفظه فيه: لا تخض في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فإن خصمك النبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة، ولا تشتغل بالكلام، فإني قد اطلعت من أهل الكلام على أمر عظيم، ولا تشتغل بالنجوم، فإنه يجر إلى التعطيل.
(*)

(10/28)


فغضب، وقال: سل عن هذا حفصا الفرد وأصحابه أخزاهم الله (1).
الاصم: سمعت الربيع، سمعت الشافعي يقول: وودت أن الناس تعلموا هذا العلم - يعني كتبه - على أن لا ينسب إلي منه شئ (2).
وعن الشافعي: حكمي في أهل الكلام حكم عمر في صبيغ (3).
الزعفراني وغيره: سمعنا الشافعي يقول: حكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد، ويحملوا على الابل، ويطاف بهم في العشائر، ينادى عليهم: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة، وأقبل على الكلام (4).
وقال أبو عبد الرحمن الاشعري صاحب الشافعي: قال الشافعي: مذهبي في أهل الكلام تقنيع رؤوسهم بالسياط، وتشريدهم في البلاد.
قلت: لعل هذا متواتر عن الامام.
الربيع: سمعت الشافعي يقول: ما ناظرت أحدا على الغلبة إلا على الحق عندي.
والزعفراني عنه: ما ناظرت أحدا إلا على النصيحة.
زكريا الساجي: حدثنا أحمد بن العباس النسائي، سمعت
__________
(1) " حلية الاولياء " 9 / 111.
(2) " آداب الشافعي ": 91، و " الحلية " 9 / 118، و " الانتقاء ": 84، و " تهذيب الاسماء واللغات " 1 / 53، و " المجموع " 1 / 12، و " توالي التأسيس ": 62.
(3) هو صبيغ بن عسل الحنظلي، له إدراك، قدم المدينة، فجعل يسأل عن متشابه القرآن، فأرسل إليه عمر، فأعد له عراجين النخل، فقال: من أنت ؟ قال: أنا عبد الله صبيغ، قال: وأنا عبد الله عمر، فضربه حتى دمى رأسه، فقال: حسبك يا أمير المؤمنين، قد ذهب الذي كنت أجده في رأسي.
انظر " الاصابة " 2 / 198.
(4) " مناقب " البيهقي 1 / 462، و " توالي التأسيس ": 64.
(*)

(10/29)


الزعفراني، سمعت الشافعي يقول: ما ناظرت أحدا في الكلام إلا مرة، وأنا أستغفر الله من ذلك.
سعيد بن أحمد اللخمي: حدثنا يونس بن عبدالاعلى، سمعت الشافعي يقول: إذا سمعت الرجل يقول: الاسم غير المسمى، والشئ غير المشي، فاشهد عليه بالزندقة.
سعيد مصري لا أعرفه.
ويروى عن الربيع: سمعت الشافعي يقول في كتاب " الوصايا ": لو أن رجلا أوصى بكتبه من العلم لآخر، وكان فيها كتب الكلام، لم تدخل في الوصية، لانه ليس من العلم.
وعن أبي ثور: قلت للشافعي: ضع في الارجاء كتابا، فقال: دع هذا.
فكأنه ذم الكلام.
محمد بن إسحاق بن خزيمة: سمعت الربيع يقول: لما كلم الشافعي حفص الفرد، فقال حفص: القرآن مخلوق.
فقال له الشافعي: كفرت بالله العظيم (1).
قال المزني: كان الشافعي ينهى عن الخوض في الكلام.
أبو حاتم الرازي: حدثنا يونس، سمعت الشافعي يقول: قالت لي
أم المريسي: كلم بشرا أن يكف عن الكلام، فكلمته، فدعاني إلى الكلام (2).
__________
(1) " تاريخ ابن عساكر " 14 / 407 / 1، و " مناقب " البيهقي 1 / 407.
(2) " آداب الشافعي ": 187، و " تاريخ بغداد " 7 / 59، و " الحلية " 9 / 110، 111.
(*)

(10/30)


الساجي: حدثنا إبراهيم بن زياد الابلي، سمعت البويطي يقول: سألت الشافعي: أصلي خلف الرافضي ؟ قال: لا تصل خلف الرافضي، ولا القدري، ولا المرجئ.
قلت: صفهم لنا.
قال: من قال: الايمان قول، فهو مرجئ، ومن قال: إن أبا بكر وعمر ليسا بإمامين، فهو رافضي، ومن جعل المشيئة إلى نفسه، فهو قدري.
ابن أبي حاتم: سمعت الربيع، قال لي الشافعي: لو أردت أن أضع على كل مخالف كتابا لفعلت، ولكن ليس الكلام من شأني، ولا أحب أن ينسب إلي منه شئ (1).
قلت: هذا النفس الزكي متواتر عن الشافعي.
قال علي بن محمد بن أبان القاضي: حدثنا أبويحيى زكريا الساجي، حدثنا المزني، قال: قلت: إن كان أحد يخرج ما في ضميري، وما تعلق به خاطري من أمر التوحيد فالشافعي، فصرت إليه، وهو في مسجد مصر، فلما جثوت بين يديه، قلت: هجس في ضميري مسألة في التوحيد، فعلمت أن أحدا لا يعلم علمك، فما الذي عندك ؟ فغضب، ثم قال: أتدري أين أنت ؟ قلت: نعم، قال: هذا الموضع الذي أغرق الله فيه فرعون.
أبلغك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بالسؤال عن
ذلك ؟ قلت: لا، قال: هل تكلم فيه الصحابة ؟ قلت: لا، قال: تدري كم نجما في السماء ؟ قلت: لا، قال: فكوكب منها: تعرف جنسه، طلوعه، أفوله، مم خلق ؟ قلت: لا، قال: فشئ تراه بعينك من الخلق لست تعرفه، تتكلم في علم خالقه ؟ ! ثم سألني عن مسألة في
__________
(1) " تاريخ ابن عساكر " 15 / 5 / 1.
(*)

(10/31)


الوضوء، فأخطأت فيها، ففرعها على أربعة أوجه، فلم أصب في شئ منه، فقال: شئ تحتاج إليه في اليوم خمس مرات، تدع علمه، وتتكلف علم الخالق، إذا هجس في ضميرك ذلك، فارجع إلى الله، وإلى قوله تعالى: [ وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم.
إن في خلق السماوات والارض ] الآية [ البقرة: 163 و 164 ] فاستدل بالمخلوق على الخالق، ولا تتكلف علم ما لم يبلغه عقلك.
قال: فتبت (1).
قال ابن أبي حاتم: في كتابي عن الربيع بن سليمان، قال: حضرت الشافعي، أو حدثني أبو شعيب، إلا أني أعلم أنه حضر عبد الله ابن عبد الحكم، ويوسف بن عمرو، وحفص الفرد، وكان الشافعي يسميه: حفصا المنفرد، فسأل حفص عبد الله: ما تقول في القرآن ؟ فأبى أن يجيبه، فسأل يوسف، فلم يجبه، وأشار إلى الشافعي، فسأل الشافعي، واحتج عليه، فطالت فيه المناظرة، فقام الشافعي بالحجة عليه بأن القرآن كلام الله غير مخلوق، وبكفر حفص.
قال الربيع: فلقيت حفصا، فقال: أراد الشافعي قتلي (2).
الربيع: سمعت الشافعي يقول: الايمان قول وعمل، يزيد وينقص (3).
__________
(1) تقدم الخبر بنحوه في الصفحة: 25، 26.
(2) " آداب الشافعي ": 194، 195، و " الاسماء والصفات " للبيهقي: 252، و " المناقب " له 1 / 455، وبنحوه من طريق آخر في " الحلية " 9 / 112، و " توالي التأسيس " 56.
(3) " الانتقاء ": 81، و " تهذيب الاسماء " 1 / 66، و " توالي التأسيس ": 64، و " تاريخ ابن عساكر " 14 / 405، و " آداب الشافعي ": 192.
(*)

(10/32)


وسمعته يقول: تجاوز الله عما في القلوب، وكتب على الناس الافعال والاقاويل (1).
وقال المزني: قال الشافعي: يقال لمن ترك الصلاة لا يعملها: فإن صليت وإلا استتبناك، فإن تبت، وإلا قتلناك، كما تكفر، فنقول: إن آمنت وإلا قتلناك.
وعن الشافعي قال: ما كابرني أحد على الحق ودافع، إلا سقط من عيني، ولا قبله إلا هبته، واعتقدت مودته (2).
عبد الله بن أحمد بن حنبل: سمعت أبي يقول: قال الشافعي: أنتم أعلم بالاخبار الصحاح منا، فإذا كان خبر صحيح، فأعلمني حتى أذهب إليه، كوفيا كان، أو بصريا، أو شاميا (3).
وقال حرملة: قال الشافعي: كل ما قلته فكان من رسول الله صلى الله عليه وسلم خلاف قولي مما صح، فهو أولى، ولا تقلدوني (4).
__________
(1) مقتبس من حديث صحيح أخرجه البخاري 5 / 116، 11 / 478، ومسلم (127)، وأبو داود (2209)، والترمذي (1183)، والنسائي 6 / 156، 157 وابن ماجه (2540) من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن الله تجاوز لامتي ما حدثت به أنفسها
ما لم يعملوا أو يتكلموا " وفي رواية: " ما وسوست به صدورها "، وللحافظ ابن رجب كلام جيد على هذا الحديث في " جامع العلوم والحكم " ص 334، 335، فليراجع.
(2) " تاريخ ابن عساكر " 15 / 8 / 2، و " توالي التأسيس ": 73.
(3) إسناده صحيح، وهو في " آداب الشافعي " 94، 95، و " الحلية " 9 / 170، و " الانتقاء ": 75، و " طبقات الحنابلة " 1 / 282، و " شذرات الذهب " 2 / 10، و " مناقب " الرازي: 127، و " توالي التأسيس ": 63، و " تاريخ ابن عساكر " 15 / 9 / 1، وهذا النص يؤكد أن الشافعي رضي الله عنه رجع عن رفضه لحديث العراقيين، كما تقدم في الصفحة (24، 25).
(4) " آداب الشافعي ": 67، 68، و " مناقب " البيهقي 1 / 473، و " حلية الاولياء " = (*)

(10/33)


الربيع: سمعت الشافعي يقول: إذا وجدتم في كتابي خلاف سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقولوا بها، ودعوا ما قلته (1).
وسمعته يقول - وقد قال له رجل: تأخذ بهذا الحديث يا أبا عبد الله ؟ فقال: متى رويت عن رسول الله حديثا صحيحا ولم آخذ به، فأشهدكم أن عقلي قد ذهب (2).
وقال الحميدي: روى الشافعي يوما حديثا، فقلت: أتأخذ به ؟ فقال: رأيتني خرجت من كنيسة، أو علي زنار، حتى إذا سمعت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا لا أقول به (3) ؟ !
__________
9 / 106، 107، و " توالي التأسيس ": 63، و " تاريخ ابن عساكر " 15 / 9 / 2، و " إيقاظ الهمم ": 50.
قال الحافظ في " توالي التأسيس ": وقرأت بخط الشيخ تقي الدين السبكي في مصنف له في هذه المسألة ما ملخصه: إذا وجد شافعي حديثا صحيحا يخالف مذهبه إن كملت فيه آلة
الاجتهاد في تلك المسألة، فليعمل بالحديث، بشرط أن لا يكون الامام اطلع عليه، وأجاب عنه، وإن لم يكمل ووجد إماما من أصحاب المذاهب عمل به، فله أن يقلده فيه، وإن لم يجد، وكانت المسألة حيث لا إجماع، قال السبكي: فالعمل بالحديث أولى، وإن فرض الاجماع فلا.
قلت (القائل ابن حجر): ويتأكد ذلك إذا وجد الامام بني المسألة على حديث ظنه صحيحا، وتبين أنه غير صحيح، ووجد خبرا صحيحا يخالفه، وكذا إذا اطلع الامام عليه، ولكن لم يثبت عنده مخالفة، ووجد له طريق ثابتة، وقد أكثر الشافعي من تعليق القول بالحكم على ثبوت الحديث عند أهله كما قال في البويطي: إن صح الحديث في الغسل من غسل الميت قلت به، وفي " الام ": إن صح حديث ضباعة في الاشتراط قلت به، إلى غير ذلك.
(1) " مناقب البيهقي " 1 / 472، 473، و " تاريخ ابن عساكر " 15 / 10 / 1، و " توالي التأسيس ": 63.
(2) " آداب الشافعي " 67 و 93، و " حلية الاولياء " 9 / 106، و " تاريخ ابن عساكر " 15 / 10 / 1، و " مناقب البيهقي، 1 / 474، و " العلو " 204 للذهبي.
(3) " حلية الاولياء " 9 / 106، و " تاريخ ابن عساكر " 15 / 10 / 2، و " مناقب البيهقي " 1 / 474، و " توالي التأسيس ": 63، و " مفتاح الجنة ": 54.
(*)

(10/34)


قال الربيع: وسمعته يقول: أي سماء تظلني، وأي أرض تقلني إذا رويت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا فلم أقل به (1).
وقال أبو ثور: سمعته يقول: كل حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم فهو قولي، وإن لم تسمعوه مني (2).
ويروى أنه قال: إذا صح الحديث فهو مذهبي (3)، وإذا صح الحديث، فاضربوا بقولي الحائط.
محمد بن بشر العكري وغيره: حدثنا الربيع بن سليمان قال: كان الشافعي قد جزأ الليل، فثلثه الاول يكتب، والثاني يصلي، والثالث ينام (4).
قلت: أفعاله الثلاثة عبادة بالنية.
قال زكريا الساجي: حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثني حسين الكرابيسي: بت مع الشافعي ليلة، فكان يصلي نحو ثلث الليل، فما رأيته يزيد على خمسين آية، فإذا أكثر، فمئة آية، وكان لا يمر بآية رحمة إلا سأل الله، ولا بآية عذاب إلا تعوذ، وكأنما جمع له الرجاء والرهبة جميعا (5).
__________
(1) " حلية الاولياء " 9 / 106، و " تاريخ ابن عساكر " 15 / 10 / 2، و " مناقب البيهقي " 1 / 475.
(2) " آداب الشافعي ": 94، و " البداية " 10 / 253، 254.
(3) للامام تقي الدين السبكي رسالة تناول فيها كلمة الشافعي هذه بالشرح والبيان، وما يجب أن تحمل عليه وتقيد به سماها " معنى قول المطلبي إذا صح الحديث فهو مذهبي " وهي مطبوعة ضمن مجموعة الرسائل المنيرية 3 / 98، 114.
وقد نقل عنها الحافظ في " توالي التأسيس " كما تقدم في التعليق (4) ص (33، 34).
(4) " حلية الاولياء " 9 / 125، و " تاريخ ابن عساكر " 15 / 11 / 1.
(5) " تاريخ ابن عساكر " 15 / 11 / 1، و " مناقب الرازي ": 127، و " توالي التأسيس ": 68 (*)

(10/35)


قال الربيع بن سليمان من طريقين عنه، بل أكثر: كان الشافعي يختم القرآن في شهر رمضان ستين ختمة.
ورواها ابن أبي حاتم عنه، فزاد: كل ذلك في صلاة (1).
أبو عوانة الاسفراييني: حدثنا الربيع، سمعت الشافعي يقول: ما شبعت منذ ست عشرة سنة إلا مرة، فأدخلت يدي فتقيأتها.
رواها ابن أبي حاتم عن الربيع، وزاد: لان الشبع يثقل البدن، ويقسي القلب، ويزيل الفطنة، ويجلب النوم، ويضعف عن العبادة (2).
الزبير بن عبد الواحد: أخبرنا أبو بكر محمد بن القاسم بن مطر، سمعت الربيع: قال لي الشافعي: عليك بالزهد، فإن الزهد على الزاهد أحسن من الحلي على المرأة الناهد (3).
قال الزبير: وحدثني إبراهيم بن الحسن الصوفي، سمعت حرملة، سمعت الشافعي يقول: ما حلفت بالله صادقا ولا كاذبا (4).
قال أبو داود: حدثني أبو ثور قال: قل ما كان يمسك الشافعي الشئ من سماحته (5).
__________
(1) " آداب الشافعي " 101، و " تاريخ ابن عساكر " 15 / 11 / 2، و " مناقب " الرازي: 127.
(2) " آداب الشافعي ": 106، و " تاريخ ابن عساكر " 15 / 12 / 1، و " الحلية " 9 / 127، و " تهذيب الاسماء " 1 / 54، و " توالي التأسيس ": 66.
(3) " تاريخ ابن عساكر " 15 / 12 / 1، و " حلية الاولياء " 9 / 130.
(4) " تاريخ ابن عساكر " 15 / 12، و " تهذيب الاسماء واللغات " 1 / 54، و " توالي التأسيس ": 67.
(5) " آداب الشافعي ": 126.
(*)

(10/36)


وقال عمرو بن سواد: كان الشافعي أسخى الناس على الدينار
والدرهم والطعام، فقال لي الشافعي: أفلست من دهري ثلاث إفلاسات، فكنت أبيع قليلي وكثيري حتى حلي بنتي وزوجتي، ولم أرهن قط (1).
قال الربيع: أخذ رجل بركاب الشافعي، فقال لي: أعطه أربعة دنانير، واعذرني عنده (2).
سعيد بن أحمد اللخمي المصري: سمعت المزني يقول: كنت مع الشافعي يوما، فخرجنا الاكوام (3)، فمر بهدف، فإذا برجل يرمي بقوس عربية، فوقف عليه الشافعي ينظر، وكان حسن الرمي، فأصاب بأسهم، فقال الشافعي: أحسنت، وبرك عليه، ثم قال: أعطه ثلاثة دنانير، واعذرني عنده (4).
وقال الربيع: كان الشافعي مارا بالحذائين، فسقط سوطه، فوثب غلام، ومسحه بكمه، وناوله، فأعطاه سبعة دنانير (5).
قال الربيع: تزوجت، فسألني الشافعي: كم أصدقتها ؟ قلت: ثلاثين دينارا، عجلت منها ستة.
فأعطاني أربعة وعشرين دينارا (6).
__________
(1) " آداب الشافعي ": 126، و " حلية الاولياء " 9 / 77 و 132، و " تاريخ ابن عساكر " 15 / 13 / 1، و " توالي التأسيس ": 67، و " مناقب " البيهقي 2 / 222.
(2) " مناقب " البيهقي 2 / 220، و " الحلية " 9 / 130، و " تاريخ ابن عساكر " 15 / 13 / 2.
(3) الاكوام: جمع كوم: وهي جبال لغطفان، ثم لفزارة كما في " معجم ياقوت ".
(4) " تاريخ ابن عساكر " 15 / 13 / 2.
و " توالي التأسيس ": 67، و " الانتقاء ": 94.
(5) " تاريخ ابن عساكر " 15 / 13 / 2، و " مناقب " البيهقي 2 / 221، و " مناقب " الرازي: 128.
(6) " آداب الشافعي ": 125، و " حلية الاولياء " 9 / 132، و " الانتقاء ": 94،
و " تاريخ ابن عساكر " 15 / 13 / 2، و " مناقب " البيهقي 2 / 223.
(*)

(10/37)


أبو جعفر الترمذي: سمعت الربيع قال: كان بالشافعي هذه البواسير، وكانت له لبدة محشوة بحلبة يجلس عليها، فإذا ركب، أخذت تلك اللبدة، ومشيت خلفه، فناوله إنسان رقعة يقول فيها: إنني بقال، رأس مالي درهم، وقد تزوجت، فأعني، فقال: يا ربيع، أعطه ثلاثين دينارا واعذرني عنده.
فقلت: أصلحك الله، إن هذا يكفيه عشرة دراهم، فقال: ويحك ! وما يصنع بثلاثين ؟ أفي كذا، أم في كذا - يعد ما يصنع في جهازه - أعطه (1).
ابن أبي حاتم: أخبرنا عبدالرحمن بن إبراهيم، حدثنا محمد بن روح، حدثنا الزبير بن سليمان القرشي، عن الشافعي، قال: خرج هرثمة، فأقرأني سلام أمير المؤمنين هارون، وقال: قد أمر لك بخمسة آلاف دينار.
قال: فحمل إليه المال، فدعا بحجام، فأخذ شعره، فأعطاه خمسين دينارا، ثم أخذ رقاعا، فصر صررا، وفرقها في القرشيين الذين هم بالحضرة ومن بمكة، حتى ما رجع إلى بيته إلا بأقل من مئة دينار (2).
محمد بن بشر العكري: سمعت الربيع قال: أخبرني الحميدي قال: قدم الشافعي صنعاء، فضربت له خيمة، ومعه عشرة آلاف دينار، فجاء قوم، فسألوه، فما قلعت الخيمة ومعه منها شئ.
رواها الاصم وجماعة عن الربيع (3).
__________
(1) " تاريخ ابن عساكر " 15 / 13 / 2 و 14 / 1.
(2) " آداب الشافعي ": 128، و " حلية الاولياء " 9 / 131، 132، و " تاريخ ابن
عساكر " 15 / 14 / 1، و " توالي التأسيس ": 68، و " مناقب " البيهقي 2 / 226.
(3) " تاريخ ابن عساكر " 15 / 14، و " مناقب " البيهقي 2 / 220، و " مناقب " الرازي: 128.
(*)

(10/38)


وعن إبراهيم بن برانة قال: كان الشافعي جسيما طوالا نبيلا (1).
قال ابن عبد الحكم: كان الشافعي أسخى الناس بما يجد، وكان يمر بنا، فإن وجدني، وإلا قال: قولوا لمحمد إذا جاء يأتي المنزل، فإني لا أتغدى حتى يجئ (2).
داود بن علي الاصبهاني: حدثنا أبو ثور قال: كان الشافعي من أسمح الناس، يشتري الجارية الصناع التي تطبخ وتعمل الحلواء، ويشترط عليها هو أن لا يقربها، لانه كان عليلا لا يمكنه أن يقرب النساء لباسور به إذا ذاك، وكان يقول لنا: اشتهوا ما أردتم (3).
قال أبو علي بن حمكان (4): حدثني أبو إسحاق المزكي، حدثنا ابن خزيمة، حدثنا الربيع، قال: أصحاب مالك كانوا يفخرون، فيقولون: إنه يحضر مجلس مالك نحو من ستين معمما.
والله لقد عددت في مجلس الشافعي ثلاث مئة معمم سوى من شذ عني (5).
قال الربيع: اشتريت للشافعي طيبا بدينار، فقال: ممن اشتريت ؟ قلت: من ذاك الاشقر الازرق.
قال: أشقر أزرق ! رده، رده، ما جاءني خير قط من أشقر (6).
__________
(1) " تاريخ ابن عساكر " 15 / 14 / 2 (2) " آداب الشافعي ": 125، 126، و " حلية الاولياء " 9 / 132، و " تاريخ ابن عساكر " 15 / 14 / 2، و " توالي التأسيس ": 68، و " مناقب " البيهقي 2 / 222.
(3) " مناقب " البيهقي 2 / 222، و " الحلية " 9 / 133، و " تاريخ ابن عساكر " 15 / 15 / 1، و " توالي التأسيس ": 68.
(4) هو الحسن بن الحسين بن حمكان الحمداني الفقيه الشافعي نزيل بغداد، له كتاب " مناقب الشافعي " توفي سنة 405 ه " العبر " 3 / 89.
(5) " تاريخ ابن عساكر " 15 / 15 / 2.
(6) " تاريخ ابن عساكر " 15 / 15 / 2، و " مناقب " البيهقي 2 / 133، و " آداب الشافعي ": 131، و " حلية الاولياء " 9 / 139، 140.
(*)

(10/39)


أبو حاتم: حدثنا حرملة، حدثنا الشافعي، يقول: احذر الاعور، والاعرج، والاحول، والاشقر، والكوسج، وكل ناقص الخلق، فإنه صاحب التواء، ومعاملته عسرة (1).
العكري: سمعت الربيع يقول: كنت أنا والمزني والبويطي عند الشافعي، فنظر إلينا، فقال لي: أنت تموت في الحديث، وقال للمزني: هذا لو ناظره الشيطان، قطعه وجدله، وقال للبويطي: أنت تموت في الحديد.
قال: فدخلت على البويطي أيام المحنة، فرأيته مقيدا مغلولا (2).
وجاءه رجل مرة، فسأله - يعني الشافعي - عن مسألة، فقال: أنت نساج ؟ قال: عندي أجراء.
أحمد بن سلمة النيسابوري: قال أبو بكر محمد بن إدريس وراق الحميدي: سمعت الحميدي يقول: قال الشافعي: خرجت إلى اليمن في طلب كتب الفراسة حتى كتبتها وجمعتها (3).
وعن الربيع قال: مر أخي، فرآه الشافعي، فقال: هذا أخوك ؟
ولم يكن رآه.
قلت: نعم (4).
أبو علي بن حمكان: حدثنا أحمد بن محمد بن هارون الهمذاني العدل، حدثنا أبو مسلم الكجي، حدثنا الاصمعي، عن الشافعي: أصل
__________
(1) " آداب الشافعي ": 131، 132، و " تاريخ ابن عساكر " 15 / 15، 16، و " مناقب " البيهقي 2 / 132، و " حلية الاولياء " 9 / 144، و " مناقب " الرازي: 121.
(2) " تاريخ ابن عساكر " 15 / 16 / 1، و " مناقب " البيهقي 2 / 136.
(3) انظر الخبر مع قصة في " مناقب " البيهقي 2 / 136.
(4) " مناقب " البيهقي 2 / 131، و " تاريخ ابن عساكر " 15 / 16 / 1.
(*)

(10/40)


العلم التثبيت، وثمرته السلامة، وأصل الورع القناعة، وثمرته الراحة، وأصل الصبر الحزم، وثمرته الظفر، وأصل العمل التوفيق، وثمرته النجح، وغاية كل أمر الصدق (1).
بلغنا عن الكديمي، حدثنا الاصمعي، قال: سمعت الشافعي يقول: العالم يسأل عما يعلم وعما لا يعلم، فيثبت ما يعلم، ويتعلم ما لا يعلم، والجاهل يغضب من التعلم، ويأنف من التعليم (2).
أبو حاتم: حدثنا محمد بن يحيى بن حسان، سمعت الشافعي يقول: العلم علمان: علم الدين وهو الفقه، وعلم الدنيا وهو الطب، وما سواه من الشعر وغيره فعناء وعبث (3).
وعن الربيع قال: قلت للشافعي: من أقدر الفقهاء على المناظرة ؟ قال: من عود لسانه الركض في ميدان الالفاظ لم يتلعثم إذا رمقته العيون (4).
في إسنادها أبو بكر النقاش وهو واه.
وعن الشافعي: بئس الزاد إلى المعاد العدوان على العباد (5).
قال يونس الصدفي: قال لي الشافعي: ليس إلى السلامة من
__________
(1) " تاريخ ابن عساكر " 15 / 16.
(2) " تاريخ ابن عساكر " 15 / 16 / 2.
(3) " آداب الشافعي ": 321، 322، و " مناقب " البيهقي 2 / 114، و " تاريخ ابن عساكر " 15 / 16 / 2، و " الانتقاء ": 84، و " الحلية " 9 / 142، و " توالي التأسيس ": 73.
(4) " تاريخ ابن عساكر " 15 / 17 / 1.
(5) " تاريخ ابن عساكر " 15 / 17 / 1.
(*)

(10/41)


الناس سبيل، فانظر الذي فيه صلاحك فالزمه (1).
وعن الشافعي قال: ما رفعت من أحد فوق منزلته إلا وضع مني بمقدار ما رفعت منه (2).
وعنه: ضياع العالم أن يكون بلا إخوان، وضياع الجاهل قلة عقله، وأضيع منهما من واخى من لا عقل له (3).
وعنه: إذا خفت على عملك العجب، فاذكر رضى من تطلب، وفي أي نعيم ترغب، ومن أي عقاب ترهب.
فمن فكر في ذلك صغر عنده عمله (4).
آلات الرياسة خمس: صدق اللهجة، وكتمان السر، والوفاء بالعهد، وابتداء النصيحة، وأداء الامانة (5).
محمد بن فهد المصري: حدثنا الربيع، سمعت الشافعي يقول: من استغضب فلم يغضب، فهو حمار، ومن استرضي فلم يرض، فهو شيطان (6).
أبو سعيد بن يونس: حدثنا الحسين بن محمد بن الضحاك
__________
(1) " آداب الشافعي ": 278 - 279، و " حلية الاولياء " 9 / 122، و " تاريخ ابن عساكر " 15 / 17 / 1.
(2) " تاريخ ابن عساكر " 15 / 17 / 2، و " تهذيب الاسماء واللغات " 1 / 57، و " توالي التأسيس ": 72.
(3) " تاريخ ابن عساكر " 15 / 17 / 2.
(4) " تاريخ ابن عساكر " 15 / 17 / 2.
(5) " تاريخ ابن عساكر " 15 / 17 / 2.
(6) " مناقب " البيهقي 2 / 202، وحلية الاولياء " 9 / 143، و " تاريخ ابن عساكر " 15 / 17 / 2، و " مناقب " الرازي 123، و " توالي التأسيس ": 72.
(*)

(10/42)


الفارسي، سمعت المزني، سمعت الشافعي قال: أيما أهل بيت لم يخرج نساؤهم إلى رجال غيرهم، ورجالهم إلى نساء غيرهم إلا وكان في أولادهم حمق (1).
زكريا بن أحمد البلخي القاضي: سمعت أبا جعفر محمد بن أحمد ابن نصر الترمذي، يقول: رأيت في المنام النبي صلى الله عليه وسلم في مسجده بالمدينة فكأني جئت، فسلمت عليه، وقلت: يا رسول الله، أكتب رأي مالك ؟ قال: لا، قلت: أكتب رأي أبي حنيفة ؟ قال: لا، قلت: أكتب رأي الشافعي ؟ فقال بيده هكذا، كأنه انتهرني، وقال: تقول: رأي الشافعي ! إنه ليس برأي، ولكنه رد على من خالف سنتي.
رواها غير واحد عن أبي جعفر (2).
عبدالرحمن بن أبي حاتم: حدثني أبو عثمان الخوارزمي نزيل مكة
فيما كتب إلي، حدثنا محمد بن رشيق، حدثنا محمد بن حسن البلخي، قال: قلت في المنام: يا رسول الله، ما تقول في قول أبي حنيفة، والشافعي، ومالك ؟ فقال: لا قول إلا قولي، لكن قول الشافعي ضد قول أهل البدع (3).
وروي من وجهين عن أحمد بن الحسن الترمذي الحافظ، قال:
__________
(1) " آداب الشافعي ": 133، 134، و " حلية الاولياء " 9 / 125، و " الانتقاء ": 98، و " مناقب " البيهقي 2 / 201.
(2) " حلية الاولياء " 9 / 100 ومتى كان المنام حجة عند أهل العلم ؟ ! فمالك وأبو حنيفة وغيرهما من الائمة العدول الثقات اجتهدوا، فأصاب كل واحد منهم في كثير مما انتهى إليه اجتهاده فيه، وأخطأ في بعضه، وكل واحد منهم يؤخذ من قوله ويرد، فكان ماذا ؟ (3) " حلية الاولياء " 9 / 100، 101.
(*)

(10/43)


رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، فسألته عن الاختلاف، فقال: أما الشافعي، فمني وإلي.
وفي الرواية الاخرى: أحيى سنتي (1).
روى جعفر ابن أخي أبي ثور الكلبي، عن عمه، قال: كتب عبد الرحمن بن مهدي إلى الشافعي وهو شاب أن يضع له كتابا فيه معاني القرآن، ويجمع قبول الاخبار، وحجة الاجماع، وبيان الناسخ والمنسوخ، فوضع له كتاب " الرسالة " (2).
وقال أبو ثور: قال لي عبدالرحمن بن مهدي: ما أصلي صلاة إلا وأنا أدعو للشافعي فيها (3).
وقال الزعفراني: حج بشر المريسي، فلما قدم، قال: رأيت بالحجاز رجلا، ما رأيت مثله سائلا ولا مجيبا - يعني الشافعي - قال: فقدم
علينا، فاجتمع إليه الناس، وخفوا عن بشر، فجئت إلى بشر، فقلت: هذا الشافعي الذي كنت تزعم قد قدم، قال: إنه قد تغير عما كان عليه، قال: فما كان مثل بشر إلا مثل اليهود في شأن عبد الله بن سلام (4).
__________
(1) " تاريخ بغداد " 2 / 69.
(2) وهي الرسالة القديمة التي كتبت عنه بالعراق، وأرسلها إلى عبدالرحمن بن مهدي مع الحارث بن سريج النقال الخوارزمي، ثم البغدادي، وبسبب ذلك سمي النقال.
وهذه الرسالة القديمة لم يبق لها أثر، وليس في أيدي الناس الآن إلا الرسالة الجديدة المطبوعة طبعة جيدة بتحقيق العلامة أحمد شاكر رحمه الله.
وانظر الخبر في " تاريخ بغداد " 2 / 64، 65، و " مناقب " البيهقي 2 / 244، و " تاريخ ابن عساكر " 14 / 409 / 1، و " معرفة السنن والآثار " 1 / 124، و " توالي التأسيس ": 55، و " تهذيب الكمال " لوحة: 1162.
(3) " مناقب " البيهقي 2 / 244، و " تاريخ ابن عساكر " 14 / 409 / 1، و " توالي التأسيس ": 55.
(4) " تاريخ بغداد " 2 / 65، و " تاريخ ابن عساكر " 14 / 412 / 2، و " تهذيب الكمال " لوحة: 1162، و " توالي التأسيس ": 58.
وشأن اليهود في عبد الله بن سلام أنه لما أراد أن = (*)

(10/44)


قال الميموني: سمعت أحمد بن حنبل يقول: ستة أدعو لهم سحرا، أحدهم الشافعي (1).
وقال محمد بن هارون الزنجاني: حدثنا عبد الله بن أحمد، قلت لابي: أي رجل كان الشافعي، فإني سمعتك تكثر من الدعاء له ؟ قال: يا بني، كان كالشمس للدنيا، وكالعافية للناس، فهل لهذين من خلف أو منهما عوض (2) ؟ الزنجاني لا أعرفه.
قال أبو داود: ما رأيت أبا عبد الله يميل إلى أحد ميله إلى الشافعي (3).
وقال قتيبة بن سعيد: الشافعي إمام (4).
قلت: كان هذا الامام مع فرط ذكائه وسعة علمه يتناول ما يقوي حافظته.
قال هارون بن سعيد الايلي: قال لنا الشافعي: أخذت اللبان سنة للحفظ، فأعقبني رمي الدم سنة (5).
__________
= يسلم قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إن اليهود قوم بهت وإنهم إن يعلموا بإسلامي، بهتوني، فأرسل إليهم، فسلهم عني، فأرسل إليهم، فقال: أي رجل فيكم عبد الله بن سلام ؟ قالوا: حبرنا وابن حبرنا، وعالمنا وابن عالمنا..فلما أعلن عبد الله بن سلام إسلامه أمامهم، قالوا: شرنا وابن شرنا، وجاهلنا وابن جاهلنا.
انظر " السير " 2 / 415.
(1) " تهذيب الكمال " لوحة: 1162.
(2) " تاريخ ابن عساكر " 14 / 415 / 1، و " تهذيب الكمال " لوحة 1162.
(3) " تاريخ ابن عساكر " 14 / 415 / 2، و " تهذيب الكمال " لوحة 1162.
(4) " تاريخ بغداد " 2 / 67، و " معرفة السنن والآثار " 1 / 125، و " البداية والنهاية " 10 / 252.
(5) تقدم في الصفحة (15) تعليق رقم (2).
(*)

(10/45)


قال الحافظ أبو الحسن الدارقطني: حدثنا أبو بكر محمد بن أحمد ابن سهل النابلسي الشهيد، حدثنا أبو سعيد بن الاعرابي، سمعت تميم ابن عبد الله الرازي، سمعت أبا زرعة، سمعت قتيبة بن سعيد يقول: مات الثوري ومات الورع، ومات الشافعي وماتت السنن، ويموت أحمد
ابن حنبل وتظهر البدع (1).
أبو ثور الكلبي: ما رأيت مثل الشافعي، ولا رأى هو مثل نفسه (2).
وقال أيوب بن سويد: ما ظننت أني أعيش حتى أرى مثل الشافعي (3).
قال أحمد بن حنبل من طرق عنه: إن الله يقيض للناس في رأس كل مئة من يعلمهم السنن، وينفي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الكذب، قال: فنظرنا، فإذا في رأس المئة عمر بن عبد العزيز، وفي رأس المئتين الشافعي (4).
__________
(1) " مناقب " البيهقي 2 / 250، وفي قول قتيبة هذا من المبالغة ما لا يخفى، فإن السنن لم تمت بموت الشافعي، بل إنه قد جمعت من بعده ودونت، وضبطت وحفظت.
(2) " تاريخ ابن عساكر " 14 / 411 / 2.
(3) " آداب الشافعي ": 40، و " مناقب " البيهقي 2 / 246، و " حلية الاولياء " 9 / 94، و " توالي التأسيس " 55.
(4) " تاريخ بغداد " 2 / 62، و " معرفة السنن والآثار " 1 / 138، و " حلية الاولياء " 9 / 97، 98، و " تاريخ ابن عساكر " 14 / 412 / 2، و " توالي التأسيس ": 48.
وقوله: " إن الله يقيض.." مقتبس من حديث أخرجه أبو داود (4291)، والحاكم 4 / 522، والبيهقي في " المناقب " 1 / 137 من طريق ابن وهب، عن سعيد بن أبي أيوب، عن شراحيل ابن يزيد المعافري، عن أبي علقمة، عن أبي هريرة فيما أعلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن الله يبعث لهذه الامة على رأس كل مئة سنة من يجدد لها دينها " ورجاله ثقات، وإسناده قوي كما قال الحافظ في " توالي التأسيس ": 48.
(*)

(10/46)


قال حرملة: سمعت الشافعي يقول: سميت ببغداد ناصر
الحديث (1).
الفضل بن زياد: سمعت أحمد يقول: ما أحد مس محبرة ولا قلما، إلا وللشافعي في عنقه منة (2).
وعن أحمد: كان الشافعي من أفصح الناس (3).
قال إبراهيم الحربي: سألت أبا عبد الله عن الشافعي، فقال: حديث صحيح، ورأي صحيح (4).
قال الحسن الزعفراني: ما قرأت على الشافعي حرفا من هذه الكتب، إلا وأحمد حاضر (5).
وقال إسحاق بن راهويه: ما تكلم أحد بالرأي - وذكر جماعة من أئمة الاجتهاد - إلا والشافعي أكثر اتباعا منه، وأقل خطأ منه، الشافعي إمام (6).
وقال يحيى بن معين: ليس به بأس (7).
وعن أبي زرعة الرازي، قال: ما عند الشافعي حديث فيه غلط (8).
__________
(1) " تاريخ بغداد " 2 / 68، و " تاريخ ابن عساكر " 14 / 414 / 1.
(2) " تاريخ ابن عساكر " 14 / 415 / 1، و " توالي التأسيس ": 57.
(3) " تاريخ ابن عساكر " 14 / 415 / 1، و " توالي التأسيس ": 60.
(4) " تاريخ ابن عساكر " 14 / 415 / 2.
(5) " تاريخ بغداد " 2 / 68، و " تاريخ ابن عساكر " 14 / 416 / 1.
(6) " آداب الشافعي ": 89، 90، و " تاريخ بغداد " 2 / 65، و " حلية الاولياء " 9 / 102، و " تاريخ ابن عساكر " 14 / 416 / 2، و " مناقب " الرازي: 21، و " توالي التأسيس ": 57.
(7) " الحلية " 9 / 97.
(8) " تاريخ ابن عساكر " 15 / 2 / 1.
(*)

(10/47)


وقال أبو داود السجستاني: ما أعلم للشافعي حديثا خطأ (1).
قلت: هذا من أدل شئ على أنه ثقة حجة حافظ.
وناهيك بقول مثل هذين.
وقد صنف الحافظ أبو بكر الخطيب كتابا في ثبوت الاحتجاج بالامام الشافعي.
وما تكلم فيه إلا حاسد أو جاهل بحاله، فكان ذلك الكلام الباطل منهم موجبا لارتفاع شأنه، وعلو قدره، وتلك سنة الله في عباده: [ يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا وكان عند الله وجيها، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا ] [ الاحزاب: 69 و 70 ].
قال أبو حاتم الرازي: محمد بن إدريس صدوق.
وقال الربيع بن سليمان: كان الشافعي - والله - لسانه أكبر من كتبه، لو رأيتموه لقلتم: [ إن هذه ليست ] كتبه (2).
وعن يونس بن عبدالاعلى، قال: ما كان الشافعي [ إلا ساحرا ما كنا ] (3) ندري ما يقول إذا قعدنا حوله، كأن ألفاظه سكر (4).
وكان قد أوتي عذوبة منطق، وحسن بلاغة، وفرط ذكاء، وسيلان ذهن، وكمال فصاحة، وحضور حجة.
__________
(1) " تاريخ ابن عساكر " 15 / 2 / 1.
(2) " تاريخ ابن عساكر " 15 / 5 / 1، و " مناقب " البيهقي 2 / 49 - 50 و 274، و " توالي التأسيس ": 59، وما بين حاصرتين منهما، فإن في الاصل مكان هذه الجملة طمسا.
(3) طمس في الاصل، واستدرك من " تاريخ ابن عساكر ".
(4) " تاريخ ابن عساكر " 15 / 5 / 1، و " مناقب " البيهقي 2 / 50، و " توالي
التأسيس ": 60.
وبعد قوله " سكر " كلمة مطموسة لم أتبينها.
(*)

(10/48)


فعن عبدالملك بن هشام اللغوي، قال: طالت مجالستنا للشافعي، فما سمعت منه لحنة قط (1).
قلت: أنى يكون ذلك، وبمثله في الفصاحة يضرب المثل، كان أفصح قريش في زمانه، وكان مما يؤخذ عنه اللغة.
قال أحمد بن أبي سريج الرازي: ما رأيت أحدا أفوه ولا أنطق من الشافعي (2).
وقال الاصمعي: أخذت شعر هذيل عن الشافعي (3).
وقال الزبير بن بكار: أخذت شعر هذيل ووقائعها عن عمي مصعب ابن عبد الله، وقال: أخذتها من الشافعي حفظا (4).
قال موسى بن سهل الجوني (5): حدثنا أحمد بن صالح: قال لي الشافعي: تعبد من قبل أن ترأس، فإنك إن ترأست، لم تقدر أن تتعبد.
ثم قال أحمد: كان الشافعي إذا تكلم كأن صوته صوت صنج وجرس من حسن صوته (6).
قال ابن عبد الحكم: ما رأيت الشافعي يناظر أحدا إلا رحمته ولو
__________
(1) " تاريخ ابن عساكر " 15 / 5 / 1، و " توالي التأسيس ": 60.
(2) " آداب الشافعي ": 137، و " توالي التأسيس ": 58.
(3) " معرفة السنن والآثار " 1 / 127، و " مناقب " البيهقي 2 / 44، و " مناقب " الفخر الرازي 87.
(4) " تاريخ ابن عساكر " 14 / 411 / 1 و 15 / 6 / 1، و " مناقب " البيهقي 2 / 45.
(5) نسبة إلى الجون، بطن من الازد.
(6) " تاريخ ابن عساكر " 15 / 6 / 1، و " مناقب " البيهقي 2 / 51، و " توالي التأسيس ": 60.
والصنج: صفحة مدورة من النحاس الاصفر تضرب على أخرى مثلها للطرب.
(*)

(10/49)


رأيت الشافعي يناظرك لظننت أنه سبع يأكلك، وهو الذي علم الناس الحجج (1).
قال الربيع بن سليمان: سئل الشافعي رحمه الله عن مسألة، فأعجب بنفسه، فأنشأ يقول: إذا المشكلات تصدينني * كشفت حقائقها بالنظر ولست بإمعة في الرجال * أسائل هذا وذا ما الخبر ولكنني مدره الاصغرين * فتاح خير وفراج شر (2) وروي عن هارون بن سعيد الايلي قال: لو أن الشافعي ناظر على أن هذا العمود الحجر خشب لغلب، لاقتداره على المناظرة (3).
قال الزعفراني: قدم علينا الشافعي بغداد سنة خمس وتسعين، فأقام عندنا سنتين، وخرج إلى مكة، ثم قدم سنة ثمان وتسعين، فأقام عندنا أشهرا، وخرج - يعني إلى مصر.
قلت: قد قدم بغداد سنة بضع وثمانين ومئة، وأجازه الرشيد بمال، ولازم محمد بن الحسن مدة، ولم يلق أبا يوسف القاضي، مات قبل قدوم الشافعي (4).
__________
(1) " تاريخ ابن عساكر " 15 / 6 / 2.
(2) الابيات في " تاريخ ابن عساكر " 15 / 6 / 2، و " طبقات الشافعية " للسبكي 1 / 300، و " توالي التأسيس ": 74.
و " الامعة ": الذي لا رأي له، فهو يتابع كل أحد على
رأيه، والهاء فيه للمبالغة.
و " المدره ": خطيب القوم، والمتكلم عنهم، والذين يرجعون إلى رأيه، و " الاصغران " القلب واللسان، ومن أمثالهم: المرء بأصغريه، ومعناه: أن المرء يعلو الامور ويضبطها بجنانه ولسانه.
(3) " تاريخ ابن عساكر " 15 / 6 / 2، و " حلية الاولياء " 9 / 103.
(4) قال ابن كثير في " البداية " 10 / 182: من زعم من الرواة أن الشافعي اجتمع بأبي = (*)

(10/50)


قال المزني: لما وافى الشافعي مصر، قلت في نفسي: إن كان أحد يخرج ما في ضميري من أمر التوحيد فهو.
تقدمت هذه الحكاية (1) وهذه الرواية سماع زكريا الساجي من المزني، قال: فكلمته، فغضب، وقال: أتدري أين أنت ؟ هذا الموضع الذي غرق فيه فرعون.
أبلغك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بالسؤال عن ذلك ؟ قلت: لا، قال: فهل تكلم فيه الصحابة ؟ قلت: لا.
قال الحسن بن رشيق الحافظ: حدثنا فقير بن موسى بن فقير الاسواني، حدثنا أبو حنيفة قحزم بن عبد الله الاسواني، حدثنا الشافعي، حدثنا أبو حنيفة بن سماك بن الفضل الخولاني الشهابي، حدثنا ابن أبي ذئب، عن المقبري، عن أبي شريح الكعبي، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم الفتح: " من قتل له قتيل، فهو بخير النظرين، إن أحب العقل أخذ، وإن أحب فله القود ".
رواه الدارقطني عن ابن رشيق (2).
__________
= يوسف كما يقول عبد الله بن محمد البلوي الكذاب في الرحلة التي ساقها للشافعي، فقد أخطأ في ذلك، وإنما ورد الشافعي بغداد في أول قدمة قدمها إليها سنة أربع وثمانين ومئة، وإنما اجتمع الشافعي بمحمد بن الحسن الشيباني، فأحسن إليه، وأقبل عليه، ولم يكن بينهما شنآن كما يذكره بعض من لا خبرة له بهذا الشأن.
وقال الذهبي في " الميزان " 2 / 491: عبد الله بن محمد البلوي، عن عمار بن يزيد، قال الدارقطني: يضع الحديث.
وقال ابن حجر في " اللسان " 3 / 338: وهو صاحب " رحلة الشافعي " طولها ونمقها.
وغالب ما أورده فيها مختلق.
وفي " توالي التأسيس ": وأما الرحلة المنسوبة إلى الشافعي المروية من طريق عبد الله بن محمد البلوي، فقد أخرجها الآبري والبيهقي وغيرهما مطولة ومختصرة، وساقها الفخر الرازي في " مناقب الشافعي " بدون إسناد معتمدا عليها، وهي مكذوبة، وغالب ما فيها موضوع، وبعضها ملفق من روايات ملفقة.
(1) في الصفحة (31) من هذا الجزء.
(2) أبو حنيفة بن سماك ترجمه الدولابي في " الكنى والاسماء " 1 / 159، 160، فقال: روى عنه الشافعي، ثم روى هذا الحديث من طريق الربيع بن سليمان، عن الشافعي بهذا الاسناد، وباقي رجاله ثقات، وهو في " الرسالة " ص 450، ورواه البيهقي في " سننه " = (*)

(10/51)


الحسن بن سفيان: حدثنا أبو ثور، سمعت الشافعي - وكان من معادن الفقه، ونقاد المعاني، وجهابذة الالفاظ - يقول: حكم المعاني خلاف حكم الالفاظ، لان المعاني مبسوطة إلى غير غاية، وأسماء المعاني معدودة محدودة، وجميع أصناف الدلالات على المعاني لفظا وغير لفظ خمسة أشياء: اللفظ، ثم الاشارة، ثم العقد، ثم الخط، ثم الذي يسمى النصبة، والنصبة في الحال الدلالة التي لا تقوم مقام تلك الاصناف، ولا تقصر عن تلك الدلالات، ولكل واحد من هذه الخمسة صورة بائنة من صورة صاحبتها، وحلية مخالفة لحلية أختها، وهي التي تكشف لك عن أعيان المعاني في الجملة، وعن خفائها عن التفسير، وعن أجناسها وأفرادها، وعن خاصها وعامها، وعن طباعها في السار والضار، وعما يكون بهوا بهرجا، وساقطا مدحرجا (1).
قال يونس بن عبدالاعلى: قال لي الشافعي: ليس إلى السلامة من الناس سبيل، فانظر الذي فيه صلاحك فالزمه (2).
__________
= 5 / 52، و " المعرفة " 1 / 39، 40 من طريق الشافعي، عن محمد بن إسماعيل بن أبي فديك، عن ابن أبي ذئب، وأخرجه أحمد 4 / 32، من طريق ابن إسحاق، حدثني سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي شريح.
وأخرجه أبو داود (4504)، والترمذي (1406)، وأحمد (6 / 385) ثلاثتهم من طريق يحيى بن سعيد، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي شريح، وقال الترمذي: حسن صحيح.
وأخرجه الدارقطني 3 / 95، 96 من طريق يحيى بن سعيد عن ابن أبي ذئب...ومن طريق محمد بن عبد الله المخزومي، عن عثمان بن عمر، عن ابن أبي ذئب بإسناده نحوه، وروى أبو هريرة هذا المعنى في حديث أخرجه البخاري 1 / 183، 184، ومسلم (1355)، وأبو داود (2017).
وقوله: " بخير النظرين " أي: أوفق الامرين له، فإما أن يعطوا الدية، وهي العقل، وإما أن يقاد، أي: يقتل قصاصا، فأي الامرين اختار ولي الدم، كان له.
(1) " تاريخ ابن عساكر " 14 / 416 / 2.
(2) تقدم تخريج الخبر في الصفحة (42) تعليق رقم (1).
(*)

(10/52)


قال حرملة: سئل الشافعي عن رجل في فمه تمرة، فقال: إن أكلتها، فامرأتي طالق، وإن طرحتها، فامرأتي طالق، قال: يأكل نصفا، ويطرح النصف (1).
قال الربيع: قال لي الشافعي: إن لم يكن الفقهاء العاملون أولياء الله فما لله ولي (2).
وقال: طلب العلم أفضل من صلاة النافلة (3).
قال محمد بن عبد الله بن عبد الحكم: ما رأيت أحدا أقل صبا للماء
في تمام التطهر من الشافعي.
قال أبو ثور: سمعت الشافعي يقول: ينبغي للفقيه أن يضع التراب على رأسه تواضعا لله، وشكرا لله.
الاصم: سمعت الربيع يقول: سأل رجل الشافعي عن قاتل الوزغ هل غليه غسل ؟ فقال: هذا فتيا العجائز.
الحسن بن علي بن الاشعث المصري: حدثنا ابن عبد الحكم، قال: ما رأت عيني قط مثل الشافعي، قدمت المدينة، فرأيت أصحاب عبدالملك بن الماجشون يغلون بصاحبهم، يقولون: صاحبنا الذي قطع الشافعي، قال: فلقيت عبدالملك، فسألته عن مسألة، فأجابني، فقلت: الحجة ؟ قال: لان مالكا قال كذا وكذا، فقلت في نفسي: هيهات،
__________
(1) " حلية الاولياء " 9 / 143، و " تاريخ ابن عساكر " 15 / 7 / 1.
(2) " مناقب " البيهقي 2 / 155.
(3) " الحلية " 9 / 119، و " آداب الشافعي ": 97، و " الانتقاء ": 84، و " تهذيب الاسماء واللغات " 1 / 53، 54، و " مفتاح الجنة ": 35، و " جامع بيان العلم " 1 / 25.
(*)

(10/53)


أسألك عن الحجة، وتقول: قال معلمي ! وإنما الحجة عليك وعلى معلمك.
قال إبراهيم بن أبي طالب الحافظ: سألت أبا قدامة السرخسي عن الشافعي، وأحمد، وأبي عبيد، وابن راهويه، فقال: الشافعي أفقههم.
قال يحيى بن منصور القاضي: سمعت إمام الائمة ابن خزيمة يقول - وقلت له: هل تعرف سنة لرسول الله صلى الله عليه وسلم في الحلال والحرام لم يودعها الشافعي كتبه ؟ قال: لا (1).
قال حرملة: قال الشافعي: كنت أقرئ الناس، وأنا ابن ثلاث عشرة سنة، وحفظت " الموطأ " قبل أن أحتلم.
قال الحسن بن علي الطوسي: حدثنا أبو إسماعيل الترمذي، سمعت البويطي يقول: سئل الشافعي: كم أصول الاحكام ؟ فقال: خمس مئة.
قيل له: كم أصول السنن ؟ قال: خمس مئة.
قيل له: كم منها عند مالك ؟ قال: كلها إلا خمسة وثلاثين حديثا.
قيل له: كم عند ابن عيينة ؟ قال: كلها إلا خمسة (2).
قال الربيع بن سليمان: سمعت الشافعي يقول: من حلف باسم من أسماء الله فحنث، فعليه الكفارة، لان اسم الله غير مخلوق، ومن حلف بالكعبة وبالصفا والمروة، فليس عليه كفارة، لانه مخلوق (3).
__________
(1) " تاريخ ابن عساكر ".
وهذه مبالغة لا تسلم لقائلها ولا يرضى عنها الشافعي، فإن من يطالع كتب الشافعي ويقارن بين ما جاء فيها من السنن، وبين ما هو مدون من المسانيد والسنن يتبين له خلاف ذلك.
(2) " مناقب " البيهقي 1 / 519.
(3) تقدم الخبر في الصفحة (19) تعليق رقم (2).
(*)

(10/54)


قال حرملة: سمعت الشافعي يقول: وددت أن كل علم أعلمه تعلمه الناس أوجر عليه ولا يحمدوني (1).
قال محمد بن مسلم بن وارة: سألت أحمد بن حنبل: ما ترى في كتب الشافعي التي عند العراقيين، أهي أحب إليك، أو التي بمصر ؟ قال: عليك بالكتب التي عملها بمصر، فإنه وضع هذه الكتب بالعراق ولم يحكمها، ثم رجع إلى مصر فأحكم تلك.
وقلت لاحمد: ما ترى لي من الكتب أن أنظر
فيه، رأي مالك، أو الثوري، أو الاوزاعي ؟ فقال لي قولا أجلهم أن أذكره، وقال: عليك بالشافعي، فإنه أكثرهم صوابا وأتبعهم للآثار (2).
قال عبد الله بن ناجية الحافظ: سمعت ابن وارة يقول: قدمت من مصر، فأتيت أحمد بن حنبل، فقال لي: كتب الشافعي ؟ قلت: لا، قال: فرطت، ما عرفنا العموم من الخصوص، وناسخ الحديث من منسوخه، حتى جالسنا الشافعي، قال: فحملني ذلك على الرجوع إلى مصر، فكتبتها (3).
تفرد بهذه الحكاية عن ابن ناجية عبد الله بن محمد الرازي الصوفي،
__________
(1) " آداب الشافعي ": 92، و " حلية الاولياء " 9 / 119، و " تهذيب الاسماء واللغات " 1 / 540، و " توالي التأسيس ": 62، و " البداية " 10 / 253.
(2) " آداب الشافعي ": 60، و " الحلية " 9 / 97، و " مناقب " البيهقي 1 / 263، و " الانتقاء ": 76.
ففي هذا الخبر يرى أحمد أن ينظر في كتب الشافعي، ويكتب رأيه، بينما يصرح بخلاف ذلك في جواب سؤال وجهه إليه تلميذه أبو بكر المروذي، فقد جاء في " طبقات أبي يعلى " 1 / 57: قلت لابي عبد الله: أترى يكتب الرجل كتب الشافعي ؟ قال: لا، قلت: أترى أن يكتب الرسالة ؟ قال: لا تسألني عن شئ محدث، قلت: كتبتها ؟ قال: معاذ الله.
وقال أحمد: لا تكتب كلام مالك، ولا سفيان، ولا الشافعي، ولا إسحاق ابن راهويه، ولا أبي عبيد.
(3) " مناقب " البيهقي 1 / 262، و " معجم الادباء " 17 / 312.
(*)

(10/55)


وليس هو بثقة.
قال محمد بن يعقوب الفرجي: سمعت علي بن المديني يقول: عليكم بكتب الشافعي (1).
قلت: ومن بعض فنون هذا الامام الطب، كان يدريه.
نقل ذلك غير واحد، فعنه قال: عجبا لمن يدخل الحمام، ثم لا يأكل من ساعته كيف يعيش، وعجبا لمن يحتجم ثم يأكل من ساعته كيف يعيش (2).
حرملة، عن الشافعي قال: من أكل الاترج، ثم نام، لم آمن أن تصيبه ذبحة.
قال محمد بن عصمة الجوزجاني: سمعت الربيع، سمعت الشافعي يقول: ثلاثة أشياء دواء من لا دواء له وأعيت الاطباء مداواته: العنب، ولبن اللقاح، وقصب السكر، لولا قصب السكر ما أقمت ببلدكم (3).
وسمعته يقول: كان غلامي أعشى، لم يكن يبصر باب الدار، فأخذت له زيادة الكبد، فكحلته بها فأبصر (4).
وعنه: عجبا لمن تعشى البيض المسلوق فنام، كيف لا يموت (5).
وعنه: الفول يزيد في الدماغ، والدماغ يزيد في العقل (6).
__________
(1) هو في " مناقب " البيهقي 2 / 248 من طريق محمد بن يعقوب الفرجي قال: سمعت محمد بن علي بن المديني، قال: قال أبي: لا تترك للشافعي حرفا واحدا إلا كتبته، فإن فيه معرفة.
(2) " مناقب " البيهقي 2 / 119، و " حلية الاولياء " 9 / 142.
(3) " مناقب " البيهقي 2 / 122.
(4) " مناقب " البيهقي 2 / 122.
(5) انظر " مناقب " البيهقي 2 / 118، و " حلية الاولياء " 9 / 143.
(6) " آداب الشافعي ": 322، 323، و " الانتقاء ": 87، و " الحلية " 9 / 137 141، و " ألف باء " للبلوي 2 / 159.
(*)

(10/56)


وعنه: لم أر أنفع للوباء من البنفسج، يدهن به ويشرب (1).
قال صالح بن محمد جزرة: سمعت الربيع، سمعت الشافعي يقول: لا أعلم علما بعد الحلال والحرام أنبل من الطب، إلا أن أهل الكتاب قد غلبونا عليه.
قال حرملة: كان الشافعي يتلهف على ما ضيع المسلمون من الطب، ويقول: ضيعوا ثلث العلم، ووكلوه إلى اليهود والنصارى (2).
ويقال: إن الامام نظر إلى شئ من النجوم، ثم هجره، وتاب منه.
فقال الحافظ أبو الشيخ: حدثنا عمرو بن عثمان المكي، حدثنا ابن بنت الشافعي: سمعت أبي يقول: كان الشافعي وهو حدث ينظر في النجوم، وما ينظر في شئ إلا فاق فيه، فجلس يوما وامرأته تطلق، فحسب، فقال: تلد جارية عوراء، على فرجها خال أسود، تموت إلى يوم كذا وكذا، فولدت كما قال، فجعل على نفسه أن لا ينظر فيه أبدا، ودفن تلك الكتب (3).
قال فوران: قسمت كتب الامام أبي عبد الله بين ولديه، فوجدت فيها رسالتي الشافعي العراقية والمصرية بخط أبي عبد الله، رحمه الله.
قال أبو بكر الصومعي: سمعت أحمد بن حنبل يقول: صاحب حديث لا يشبع من كتب الشافعي.
قال علي بن أحمد الدخمسيني (4): سمعت علي بن أحمد بن النضر
__________
(1) " آداب الشافعي ": 323، 324، و " مناقب " البيهقي 2 / 118.
(2) " مناقب " البيهقي 2 / 116، و " توالي التأسيس ": 66.
(3) " مناقب " البيهقي 2 / 126، و " مناقب " الرازي: 120، و " عيون التواريخ " 7 / 177، و " توالي التأسيس ": 65.
(4) في الاصل: " الدخسميني " وعلي بن أحمد هذا لم اظفر له بترجمة، وشيخه علي = (*)

(10/57)


الازدي، سمعت أحمد بن حنبل، وسئل عن الشافعي، فقال: لقد من الله علينا به، لقد كنا تعلمنا كلام القوم، وكتبنا كتبهم، حتى قدم علينا، فلما سمعنا كلامه، علمنا أنه أعلم من غيره، وقد جالسناه الايام والليالي، فما رأينا منه إلا كل خير، فقيل له: يا أبا عبد الله، كان يحيى وأبو عبيد لا يرضيانه - يشير إلى التشيع وأنهما نسباه إلى ذلك - فقال أحمد بن حنبل: ما ندري ما يقولان، والله ما رأينا منه إلا خيرا (1).
قلت: من زعم أن الشافعي يتشيع فهو مفتر، لا يدري ما يقول.
قد قال الزبير بن عبد الواحد الاستراباذي: أخبرنا حمزة بن علي الجوهري، حدثنا الربيع بن سليمان قال: حججنا مع الشافعي، فما ارتقى شرفا، ولا هبط واديا، إلا وهو يبكي، وينشد: يا راكبا قف بالمحصب من منى * واهتف بقاعد خيفنا والناهض سحرا إذا فاض الحجيج إلى منى * فيضا كملتطم الفرات الفائض إن كان رفضا حب آل محمد * فليشهد الثقلان أني رافضي (2)
__________
= ابن أحمد بن النضر الازدي ضعفه الدارقطني كما قال في " تاريخ الخطيب " 11 / 316، و " ميزان المؤلف ".
وأورده البيهقي في " المناقب " 2 / 259 من طريق شيخه الحاكم أبي عبد الله، عن أبي أحمد علي بن عبد الله المروزي صاحب " الكنى "، عن علي بن أحمد بن النضر الازدي.
(1) وللخبر تتمة غاية في النفاسة عند البيهقي، وهي: ثم قال أحمد لمن حوله: اعلموا رحمكم الله تعالى أن الرجل من أهل العلم إذا منحه الله شيئا من العلم، وحرمه قرناؤه وأشكاله، حسدوه فرموه بما ليس فيه، وبئست الخصلة في أهل العلم.
(2) " مناقب " البيهقي 2 / 71، و " مناقب " الرازي: 51، و " تاريخ ابن عساكر " 14 / 407، و " طبقات الشافعية " للسبكي 1 / 299، و " الانتقاء ": 90، 91، و " معجم
الادباء " 17 / 320، و " عيون التواريخ " 7 / 180.
(*)

(10/58)


قلت: لو كان شيعيا - وحاشاه من ذلك (1) - لما قال: الخلفاء الراشدون خمسة، بدأ بالصديق، وختم بعمر بن عبد العزيز.
الحافظ ابن عدي: حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر القزويني، حدثنا صالح بن أحمد، سمعت أبي يقول: سمعت " الموطأ " من الشافعي، لاني رأيته فيه ثبتا، وقد سمعته من جماعة قبله.
الحاكم: سمعت أبا بكر محمد بن علي الشاشي الفقيه يقول: دخلت على ابن خزيمة، فقال: يا بني على من درست الفقه ؟ فسميت له أبا الليث، فقال: وعلى من درس ؟ قلت: على ابن سريج، فقال: وهل أخذ ابن سريج العلم إلا من كتب مستعارة، فقال رجل: أبو الليث هذا مهجور بالشاشي، فإن البلد حنابلة، فقال ابن خزيمة: وهل كان ابن حنبل إلا غلاما من غلمان الشافعي (2) ؟ زكريا الساجي: قلت لابي داود: من أصحاب الشافعي ؟ فقال: أولهم الحميدي، وأحمد بن حنبل، والبويطي.
ويروى بطريقين عن الشافعي قال: إذا رأيت رجلا من أصحاب
__________
(1) لا يعد التشيع قدحا في حق القائل إذا كان ثقة، صرح بذلك المؤلف في غير موضع وانظر " الميزان " 1 / 5.
(2) هذا الاسلوب من المدح والاطراء تنبو عنه أذواق أهل العلم، ولا يرتضونه، فإنه في حين يرفع شأن ممدوحه ويعلي من قدره يبخس حق الآخرين ويحط من أقدارهم، وربما يكونون أعلى كعبا وأرفع منزلة من ممدوحه، ويغلب على ظني أن الشافعي رحمه الله لو سمع مقالة ابن خزيمة هذه لاوسعه عتبا وذما، أليس هو الذي يقول للامام أحمد - كما تقدم في
الصفحة (33) - أنتم أعلم بالاخبار الصحاح منا، فإذا كان خبر صحيح، فأعلمني حتى أذهب إليه، كوفيا كان، أو بصريا، أو شاميا.
وروى ابن أبي حاتم عن أبيه قال: أحمد بن حنبل أكبر من الشافعي، تعلم الشافعي أشياء من معرفة الحديث من أحمد بن حنبل، وكان الشافعي فقيها، ولم تكن له معرفة بالحديث، فربما قال لاحمد: هذا الحديث قوي محفوظ ؟ فإذا قال أحمد: نعم، جعله أصلا، وبنى عليه.
(*)

(10/59)


الحديث، فكأني رأيت رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، جزاهم الله خيرا، هم حفظوا لنا الاصل، فلهم علينا الفضل (1).
أنبأنا محمد بن محمد بن مناقب، عن محمد بن محمد بن محمد بن غانم، أخبرنا أبو موسى المديني، أخبرنا أبو علي الحداد، أخبرنا أبو سعد السمان، أخبرنا أحمد بن محمد بن محمود بتستر، حدثنا الحسن بن أحمد ابن المبارك، حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني أبي، حدثنا سليمان ابن داود الهاشمي، حدثنا الشافعي، عن يحيى بن سليم، عن عبيدالله، عن نافع، عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم " صلى صلاة الكسوف أربع ركعات وأربع سجدات " (2).
رواه الحافظ أبو سعيد النقاش: حدثنا علي بن الفضل، حدثنا عبد الله ابن محمد بن زياد، حدثنا ابن الامام أحمد.
فذكر نحوه.
وأخبرناه أبو علي القلانسي، أخبرنا جعفر، أخبرنا السلفي، أخبرنا إسماعيل بن مالك، أخبرنا أبو يعلى الخليلي، حدثنا الحسين بن عبد الرزاق، حدثنا علي بن إبراهيم بن سلمة القزويني، حدثنا عبد الله بن أحمد ابن حنبل..فذكره بنحوه.
أخبرنا يوسف بن زكي (3) الحافظ في سنة أربع وتسعين، أخبرنا
__________
(1) انظر " حلية الاولياء " 9 / 109.
(2) إسناده ضعيف.
يحيى بن سليم، وهو القرشي الطائفي، سيئ الحفظ، وهو منكر الحديث عن عبيدالله بن عمر، وهو هنا عنه.
ورواه بأطول مما هنا البزار في " مسنده " (668) (زوائد) من طريق مسلم بن خالد الزنجي - وهو ضعيف - ومن طريق عدي بن الفضل - وهو متروك - كلاهما عن إسماعيل بن أمية، عن نافع، عن ابن عمر...وانظر هديه صلى الله عليه وسلم في صلاة الكسوف في " زاد المعاد " 1 / 450، 456 طبع مؤسسة الرسالة.
(3) هو الامام الحافظ المتقن جمال الدين أبو الحجاج يوسف المزي صاحب " تهذيب = (*)

(10/60)


المسلم بن محمد القيسي، وعلي بن أحمد - قلت: وأجازه المذكوران لي - وعبد الرحمن بن محمد الفقيه، أن حنبل بن عبد الله أخبرهم، أخبرنا هبة الله بن محمد، أخبرنا أبو علي بن المذهب، أخبرنا أحمد بن جعفر المالكي، أخبرنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني أبي، حدثنا محمد بن إدريس الشافعي، أخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا يبع بعضكم على بيع بعض "، ونهى عن النجش، ونهى عن بيع حبل الحبلة، ونهى عن المزابنة.
والمزابنة: بيع الثمر بالتمر كيلا، وبيع الكرم بالزبيب كيلا (1).
هذا حديث صحيح متفق عليه، وبعض الائمة يفرقه، ويجعله أربعة أحاديث، وهذه البيوع الاربعة محرمة، والاخيران منها فاسدان.
أخبرنا أبو الحسين علي بن محمد الفقيه، ومحمد بن أبي العز البزاز، وست الوزراء بنت القاضي عمر بن أسعد سماعا، قالوا: أخبرنا أبو عبد الله الحسين بن المبارك اليماني (ح) وأخبرنا أحمد بن عبد المنعم القزويني،
أخبرنا محمد بن سعيد الصوفي ببغداد، قال: أخبرنا طاهر بن محمد
__________
= الكمال ".
وقد شرعت مؤسسة الرسالة بطبعه، وصدر الجزء الاول منه بتحقيق الدكتور بشار عواد معروف.
(1) هو في " مسند الشافعي " 2 / 155 و 170، و " الموطأ " 2 / 128 في البيوع: باب ما جاء في المزابنة والمحاقلة، و 170 و 171: باب ما ينهى عنه من المساومة والمبايعة، و 149: باب ما لا يجوز من بيع الحيوان، والبخاري 4 / 295 في البيوع: باب لا يبع على بيع أخيه و 313: باب النهي عن تلقي الركبان، و 315: باب بيع الزبيب بالزبيب، و 321: باب بيع المزابنة، وباب بيع الزرع بالطعام كيلا، و 4 / 298، 299 في البيوع: باب بيع الغرر والحبلة، و 4 / 298 في البيوع: باب النجش، ومسلم (1412) في البيوع: باب تحريم بيع الرجل على بيع أخيه، و (1542) في البيوع: باب تحريم بيع الرطب بالتمر إلا في العرايا و (1513): باب تحريم حبل الحبلة، و (1516): باب تحريم بيع الرجل على بيع أخيه.
(*)

(10/61)


المقدسي، أخبرنا مكي بن منصور الكرجي (ح) وأنبأنا أحمد بن سلامة وغيره، عن أحمد بن محمد التيمي، أن عبد الغفار بن محمد التاجر أجاز لهم قالا: أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن القاضي، حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، أخبرنا الربيع بن سليمان المرادي، أخبرنا محمد بن إدريس، أخبرنا مسلم بن خالد، عن ابن جريج، عن عطاء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعائشة: " طوافك بالبيت وبين الصفا والمروة يكفيك لحجك وعمرتك ".
وبه قال الشافعي: وأخبرنا ابن عيينة، عن ابن نجيح، عن عطاء، عن عائشة، عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثله.
وربما أرسله عطاء.
هذا حديث صالح الاسناد، أخرجه أبو داود (1) عن الربيع.
__________
(1) رقم (1897) في المناسك: باب طواف القارن، وإسناده قوي، وفي " صحيح مسلم " (1211) (133) من طريق إبراهيم بن نافع، عن عبد الله بن أبي نجيح، عن مجاهد، عن عائشة أنها حاضت بسرف، فتطهرت بعرفة، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يجزئ عنك طوافك بالصفا والمروة عن حجك وعمرتك ".
واختلف العلماء في طواف القارن والمتمتع على ثلاثة مذاهب: أحدها: أن على كل منهما طوافين وسعيين.
روي ذلك عن علي وابن مسعود، وهو قول سفيان الثوري وأبي حنيفة وأهل الكوفة والاوزاعي، وإحدى الروايتين عن أحمد.
الثاني: أن عليهما كليهما طوافا واحدا وسعيا واحدا.
نص عليه الامام أحمد في رواية ابنه عبد الله، وهو ظاهر حديث جابر.
الثالث: أن على المتمتع طوافين وسعيين، وعلى القارن سعي واحد، وهذا هو المعروف عن عطاء، وطاووس، والحسن، وهو مذهب مالك، والشافعي، وظاهر مذهب أحمد.
وفي " الموطأ " 1 / 410، والبخاري 3 / 395، ومسلم (1212) من حديث عائشة قالت: فطاف الذين أهلوا بالعمرة بالبيت، وبين الصفا والمروة، ثم حلوا، ثم طافوا طوافا آخر بعد أن رجعوا من منى، وأما الذين كانوا أهلوا بالحج، أو جمعوا الحج والعمرة، فإنما طافوا طوافا واحدا.
وفي الباب عند البخاري 3 / 345 تعليقا ووصله الاسماعيلي في " مستخرجه " كما في " البيهقي " 5 / 23 بسند صحيح عن ابن عباس..وفيه أنه سئل عن متعة الحج، فقال: أهل المهاجرون والانصار وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع، وأهللنا، فلما قدمنا مكة، = (*)

(10/62)


قرأت على عبدالمؤمن بن خلف الحافظ (1)، وعلى أبي الحسين بن الفقيه، أخبركما الحافظ أبو محمد عبد العظيم بن عبد القوي المنذري، أخبرنا علي بن المفضل الحافظ من حفظي، حدثنا شيخ الاسلام أبو طاهر
السلفي لفظا، حدثا الامام أبو الحسن علي بن محمد الطبري إلكيا (2) من لفظه ببغداد، أخبرنا إمام الحرمين أبو المعالي عبدالملك بن عبد الله بن يوسف الجويني، أخبرنا أبي أبو محمد الفقيه، وأخبرنا أحمد بن عبد المنعم القزويني، أخبرنا محمد بن الخازن (ح) وأخبرنا ابن الفقيه، وابن مشرف، ووزيرة (3) قالوا: أخبرنا أبو عبد الله بن الزبيدي قالا: أخبرنا أبو زرعة طاهر بن محمد المقدسي، أخبرنا مكي بن علان، قالا: أخبرنا القاضي أبو بكر
__________
= قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اجعلوا إهلالكم بالحج عمرة إلا من قلد الهدي " فطفنا بالبيت والصفا والمروة، وأتينا النساء، ولبسنا الثياب، وقال: " من قلد الهدي، فإنه لا يحل له حتى يبلغ الهدي محله "، ثم أمرنا عشية التروية أن نهل بالحج، فإذا فرغنا من المناسك جئنا فطفنا بالبيت، وبالصفا، والمروة، فقد تم حجنا.
(1) هو كما في " مشيخة المؤلف " ورقة 86 / 2: عبدالمؤمن بن خلف بن أبي الحسن ابن شرف العلامة الحافظ الحجة شرف الدين أبو محمد الدمياطي النوبي الشافعي، أحد الائمة الاعلام، وبقية نقاد الحديث، ولد سنة ثلاث عشرة وست مئة، واشتغل بدمياط وأتقن الفقه، ثم طلب الحديث سنة ست وثلاثين، ورحل وسمع من علي بن مختار، ومنصور بن الدباغ، ويوسف بن المختلي، وابن المقر، وعلي بن زيد التساوسي، وبدمشق من عمر بن البرادعي، وابن مسلمة، وبحلب من ابن رواحة وابن خليل، وبحماه من صفية القرشية، وبماردين من عبد الخالق النشتيري، وببغداد من أبي نصر بن العليق، وابن الخير، وابن قميرة وأخيه أحمد، وبحران وسنجار والموصل والحرمين، ومعجمه يشتمل على ألف ومئتين وخمسين شيخا، وله تصانيف متقنة في الحديث والعوالي واللغة والفقه وغير ذلك، وعمل أربعين حديثا متباينة الاسناد من حديث أهل بغداد على شرط الصحيح، وله " السيرة النبوية " في مجلد.
حدث عنه أئمة، ومات فجأة في ذي القعدة سنة خمس وسبع مئة بالقاهرة، ومحاسنه جمة.
(2) قال ابن خلكان في " وفيات الاعيان " 3 / 289: وفي اللغة العجمية: إليكا: هو
الكبير القدر، المقدم بين الناس.
(3) هي ست الوزراء بنت القاضي عمر بن أسعد التنوخية.
(*)

(10/63)


الجيزي (1)، حدثنا أبو العباس الاصم، حدثنا الربيع بن سليمان، حدثنا الشافعي، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " المتبايعان كل واحد منهما على صاحبه بالخيار ما لم يتفرقا إلا بيع الخيار " (2).
أخرجه البخاري عن ابن يوسف، ومسلم عن يحيى بن يحيى، وأبو داود عن القعنبي، جميعا عن مالك، وهو مسلسل في طريقنا الاول بالفقهاء إلى منتهاه.
وأخبرناه عاليا أحمد بن هبة الله بن تاج الامناء قراءة، عن المؤيد بن محمد الطوسي، أخبرنا هبة الله بن سهل، أخبرنا أبو عثمان سعيد بن محمد، أخبرنا زاهر بن أحمد الفقيه، أخبرنا إبراهيم بن عبد الصمد، حدثنا أبو مصعب الزهري، حدثنا مالك بن أنس، وأخبرنا به أبو محمد عبد الخالق بن عبد السلام ببعلبك، أخبرنا عبدالرحمن بن إبراهيم، أخبرتنا شهدة بنت
__________
(1) نسبة إلى الجيزة، بليدة غربي فسطاط مصر.
(2) إسناده صحيح، وهو في " مسند الشافعي " 2 / 162 و " الموطأ " 2 / 671 في البيوع: باب بيع الخيار، والبخاري 4 / 276 في البيوع: باب البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، وباب كم يجوز الخيار، وباب إذا لم يوقت في الخيار هل يجوز البيع، وباب إذا كان البائع بالخيار هل يجوز البيع، ومسلم (1531) في البيوع: باب ثبوت خيار المجلس للمتبايعين، وأبو داود (3454) في البيوع: باب في خيار المتبايعين.
وأخرجه الترمذي (1245) من طريق فضيل عن يحيى بن سعيد، عن نافع، عن ابن عمر، وأخرجه ابن ماجه (2181) من طريق الليث بن
سعد، عن نافع، عن ابن عمر.
وقوله: " إلا بيع الخيار " قال البغوي في " شرح السنة " 8 / 41: معناه أن يقول أحدهما لصاحبه: اختر، فيقول: اخترت، فيكون هذا إلزاما للبيع منهما، وإن كان المجلس قائما، ويسقط خيارهما.
وتأوله بعضهم على خيار الشرط، وقال: هذا استثناء يرجع إلى مفهوم مدة الخيار، معناه: كل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا، فإذا تفرقا، لزم البيع إلا أن يتبايعا بشرط خيار ثلاثة أيام، فبقي خيار الشرط بعد التفرق، واستبعد هذا التأويل، ورجح المعنى الاول لوروده مصرحا به في روايته عند البخاري 4 / 274.
(*)

(10/64)


أحمد الكاتبة، أخبرنا أحمد بن عبد القادر (ح) وأخبرنا سنقر بن عبد الله بحلب، أخبرنا عبد اللطيف بن يوسف، أخبرنا يحيى بن ثابت بن بندار البقال، أخبرنا أبي قالا: أخبرنا عثمان بن دوست العلاف، أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله البزاز، حدثنا إسحاق بن الحسن الحربي، حدثنا عبد الله ابن مسلمة، أخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " المتبايعان كل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا إلا بيع الخيار " (1).
وبه إلى القعنبي: قال مالك: وليس لهذا عندنا وجه معروف، ولا أمر معمول (2).
قلت: قد عمل جمهور الائمة بمقتضاه، أولهم عبد الله بن عمر راوي الحديث، والله أعلم.
أخبرنا أبو المعالي أحمد بن إسحاق الهمذاني بقراءتي عليه، أخبرنا أبو البركات الحسن بن محمد سنة عشرين وست مئة، أخبرنا محمد بن خليل القيسي، وأخبرنا أبو جعفر محمد بن علي السلمي، وأحمد بن عبدالرحمن الصوري قالا: أخبرنا أبو القاسم بن صصرى، أخبرنا أبو القاسم الحسين بن الحسن الاسدي، وأبو يعلى حمزة بن علي الثعلبي، وأخبرنا علي بن محمد
__________
(1) إسناده صحيح.
(2) يعني أن مالكا لا يأخذ بهذا الحديث لان عمل أهل المدينة على خلافه، وقد تعقب بأنه قال به ابن عمر، ثم سعيد بن المسيب، ثم الزهري، ثم ابن أبي ذئب، وهؤلاء من أكابر علماء أهل المدينة في أعصارهم، ولا يحفظ عن أحد من علماء المدينة في أعصارهم القول بخلاف غير ربيعة شيخ مالك.
وابن عبد البر، وابن العربي - وهما من المالكية - يقولان: إنما لم يأخذ به مالك، لان وقت التفرق غير معلوم، فأشبه بيوع الغرر كالملامسة، وتعقب بأنه يقول بخيار الشرط، ولا يحده بوقت معين، وما ادعاه من الغرر موجود فيه، وبأن الغرر في خيار المجلس معدوم، لان كلا منهما متمكن من إمضاء البيع أو فسخه بالقول أو الفعل فلا غرر.
(*)

(10/65)


الحافظ، وعمر بن عبد المنعم الطائي، وعبد المنعم بن عبد اللطيف، ومحمد بن محمد الفارسي وغيرهم قالوا: أخبرنا القاضي أبو نصر محمد بن هبة الله الشافعي، وأخبرنا الحسن بن علي بن الجوهري، وخديجة بنت يوسف الواعظة قالا: أخبرنا مكرم بن محمد بن أبي الصقر، وأخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد بن القواس، وابن عمه أبو حفص عمر بن عبد المنعم، والقاضي تقي الدين سليمان بن أبي عمر، والتقي بن مؤمن، وفاطمة بنت سليمان، وأبو علي بن الخلال، ومحمد بن الحسن الارموي، وست الفخر بنت عبدالرحمن، قالوا: حدثتنا أم الفضل كريمة بنت عند الوهاب القرشية قالوا ثلاثتهم: أخبرنا أبو يعلى بن الحبوبي، قال هو وابن خليل والاسدي، أخبرنا أبو القاسم علي بن محمد بن علي بن أبي العلا المصيصي قراءة عليه، أخبرنا أبو محمد عبدالرحمن بن عثمان بن القاسم ابن أبي نصر التميمي سنة ثمان عشرة وأربع مئة، أخبرنا إبراهيم بن محمد بن أحمد بن أبي ثابت في سنة ست وثلاثين وثلاث مئة، حدثنا الربيع بن سليمان
حدثنا محمد بن إدريس الشافعي، حدثنا ابن عيينة، عن جامع وعبد الملك، سمعا أبا وائل يخبر عن عبد الله بن مسعود، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من حلف على يمين يقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله يوم القيامة وهو عليه غضبان " قيل: يا رسول الله، وإن كان شيئا يسيرا ؟ قال: " وإن كان سواكا من أراك " (1).
__________
(1) إسناده صحيح، وجامع: هو ابن أبي راشد الصيرفي، وأبو وائل: هو شقيق بن سلمة، وأخرجه أحمد 1 / 377 من طريق سفيان، عن جامع، عن أبي وائل، عن ابن مسعود.
وأخرجه بأطول مما هنا أحمد 1 / 379، والبخاري 11 / 485 في الايمان: باب قول الله تعالى: (إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم)، ومسلم (138) في الايمان: باب وعيد من اقتطع حق مسلم بيمين فاجرة بالنار، وأبو داود (3243)، والترمذي (2999)، وابن ماجة (2323) من طرق، عن الاعمش، عن أبي وائل، عن ابن مسعود.
وفي الباب عن أبي أمامة عند مالك 2 / 727، ومسلم (137)، والنسائي 8 / 246.
(*)

(10/66)


أخبرنا أبو الحسين يحيى بن أحمد الجذامي (1)، وعلي بن أحمد الحسيني، ومحمد بن الحسين القرشي بقراءتي، قالوا: أخبرنا محمد بن عماد، أخبرنا عبد الله بن رفاعة، أخبرنا أبو الحسن الخلعي، أخبرنا عبد الرحمن بن عمر المالكي، أخبرنا أبو الطاهر أحمد بن محمد المديني، حدثنا يونس بن عبدالاعلى، عن الشافعي، عن محمد بن خالد الجندي، عن أبان ابن صالح، عن الحسن، عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا يزداد الامر إلا شدة، ولا الدنيا إلا إدبارا ولا الناس إلا شحا، ولا تقوم الساعة إلا على شرار الناس، ولا مهدي إلا عيسى ابن مريم ".
أخرجه ابن ماجة (2) عن يونس، فوافقناه، وهو خبر منكر، تفرد به يونس
ابن عبدالاعلى الصدفي أحد الثقات، ولكنه ما أحسبه سمعه من الشافعي، بل أخبره به مخبر مجهول ليس بمعتمد، وقد جاء في بعض طرقه الثابتة عن يونس قال: حدثت عن الشافعي فذكره (3).
__________
(1) نسبة إلى جذام قبيلة من اليمن.
(2) رقم (4039) وإسناده ضعيف لجهالة محمد بن خالد الجندي، والحسن مدلس وقد عنعن، ومتنه منكر كما قال المصنف، وهو في " حلية الاولياء " 9 / 161، و " تاريخ بغداد " 4 / 221، و " المستدرك " 4 / 441، ونقل الشوكاني في " الفوائد المجموعة " ص 195 عن الصنعاني: أنه موضوع.
وجملة " لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس " ثابتة عنه صلى الله عليه وسلم من حديث ابن مسعود أخرجه مسلم في " صحيحه " (2949).
(3) نقله تلميذه السبكي في " الطبقات " 2 / 171 في ترجمة يونس بن عبدالاعلى بأوسع مما هنا، فقال: وكان شيخنا الذهبي رحمه الله ينبه على فائدة، وهي أن حديثه المذكور عن الشافعي إنما قال فيه: حدثت عن الشافعي، ولم يقل: حدثني الشافعي، قال: هكذا هو موجود في كتاب يونس رواية أبي الطاهر أحمد بن محمد المديني عنه، ورواه جماعة عنه عن الشافعي، فكأنه دلسه بلفظة " عن " وأسقط ذكر من حدثه به عن الشافعي.
هذا كلام شيخنا رحمه الله تعالى، وأنا أقول: قد صرح الرواة عن يونس بأنه قال: " حدثنا " الشافعي أسنده من طريقين، وفيه التصريح بالتحديث.
ثم رد دعوى تفرد يونس به بأنه قد تابعه عليه زيد بن = (*)

(10/67)


أخبرنا الحسن بن علي القلانسي، أخبرنا عبد الله بن عمر، أخبرنا عبد الاول بن عيسى، أخبرنا أبو إسماعيل عبد الله بن محمد الحافظ، أخبرنا محمد بن أحمد الجارودي، أخبرنا أبو إسحاق القراب (1)، أخبرنا أبويحيى الساجي، حدثنا أبو داود السجزي، حدثنا أحمد بن حنبل، حدثنا الشافعي،
حدثنا مالك، عن ابن عجلان، عن أبيه قال: " إذا أغفل العالم " لا أدري " أصيبت مقاتله (2).
فغالب هذا الاسناد مسلسل بالحفاظ من أبي إسماعيل إلى عجلان رحمه الله.
وبه إلى أبي إسماعيل قال: أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم، أخبرنا محمد ابن عبد الله، أخبرنا أبو الوليد حسان بن محمد الفقيه، حدثنا إبراهيم بن محمد الكوفي - وكان من الاسلام بمكان - قال: رأيت الشافعي بمكة يفتي الناس، ورأيت أحمد وإسحاق حاضرين، فقال الشافعي: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " وهل ترك لنا عقيل من دار " فقال إسحاق: حدثنا يزيد، عن الحسن، وأخبرنا أبو نعيم وعبدة، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم أنهما لم يكونا يريانه، وعطاء وطاووس لم يكونا يريانه.
فقال الشافعي: من هذا ؟ قيل: إسحاق بن إبراهيم الحنظلي ابن راهويه، فقال الشافعي: أنت الذي يزعم أهل خراسان أنك فقيههم، ما أحوجني أن يكون غيرك في
__________
= السكن، وعلي بن زيد اللحجي، فروياه عن محمد بن خالد، وانتهى إلى أن الذي تفرد به هو محمد بن خالد الجندي ذاك المجهول.
(1) نسبة لمن يعمل القرب، وهي أوعية الماء أو اللبن.
(2) " آداب الشافعي ": 107، و " طبقات الشافعية " للسبكي 1 / 222، و " الانتقاء ": 37، 38، و " بدائع الفوائد " 3 / 276، و " جامع بيان العلم " 2 / 54، و " الآداب الشرعية " 2 / 79.
(*)

(10/68)


موضعك، فكنت آمر بعرك أذنيه، أقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنت تقول: عطاء، وطاووس، ومنصور عن إبراهيم والحسن، وهل لاحد مع رسول الله
صلى الله عليه وسلم حجة (1) ؟ ! وبه إلى أبي إسماعيل قال: حدثنا محمد بن محمد بن عبد الله الفقيه إملاء، سمعت أحمد بن محمد بن فراشة الفقيه بمرو، سمعت أحمد بن منصور الشيرازي، سمعت الحسن بن محمد الطبري، سمعت محمد بن المغيرة، سمعت يونس بن عبدالاعلى، سمعت الشافعي، وحدثنا عمر بن محمد إملاء، أخبرنا محمد بن الحسن الساوي (2) بمرو، حدثنا محمد بن أبي بكر المروزي، حدثنا علي بن محمد المروزي، حدثنا أبو الفضل صالح بن محمد الرازي، سمعت البويطي، سمعت الشافعي يقول: إذا رأيت رجلا من أصحاب الحديث فكأني رأيت رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم (3).
زاد البويطي: قال الشافعي: جزاهم الله خيرا، فهم حفظوا لنا الاصل، فلهم علينا فضل.
__________
(1) " مناقب " البيهقي 1 / 214، 215، و " آداب الشافعي " 1 / 177، 178، و " معجم الادباء " 17 / 295، و " مناقب " الرازي: 100.
وقوله صلى الله عليه وسلم: " وهل ترك لنا عقيل من دار ؟ " قاله في حجته، أو يوم الفتح، حيث قيل له: أتنزل في دارك بمكة ؟ وأراد الشافعي رحمه الله أن الدور لو كانت مباحة للناس لكان جواب النبي صلى الله عليه وسلم أن يقول: أي موضع أدركنا في دار من كان نزلنا، فإن ذلك مباح لنا، بل أشار إلى دورهم التي كانت لآبائهم باعها عقيل بن أبي طالب رضي الله عنه قبل أن يسلم، فلم يطالب بشئ منها، ولم يؤاخذ، وقال: لم يترك لنا عقيل مسكنا.
والحديث أخرجه من حديث أسامة بن زيد البخاري 3 / 360، 361 في الحج: باب توريث دور مكة وبيعها وشرائها، وفي الجهاد: باب إذا أسلم قوم في دار الحرب ولهم مال وأرضون فهي لهم، وفي المغازي: باب أين ركز النبي صلى الله عليه وسلم الراية يوم الفتح، ومسلم (1351) في الحج: باب النزول بمكة للحاج وتوريث دورها، وأبو داود (2910) في الفرائض: باب هل يرث المسلم الكافر، والبيهقي في " سننه " 6 / 34.
(2) نسبة إلى ساوة: مدينة بين الري وهمدان.
(3) تقدم الخبر في الصفحة (59، 60) ت (1).
(*)

(10/69)


وبه: أخبرنا محمد بن أحمد الجارودي، أخبرنا أبو إسحاق القراب، أخبرنا أبويحيى الساجي، عن البويطي، سمعت الشافعي يقول: عليكم بأصحاب الحديث، فإنهم أكثر الناس صوابا.
ويروى عن الشافعي: لولا المحابر لخطبت الزنادقة على المنابر.
الاصم: حدثنا الربيع، قال الشافعي: المحدثات من الامور ضربان: ما أحدث يخالف كتابا أو سنة أو أثرا أو إجماعا، فهذه البدعة ضلالة، وما أحدث من الخير لا خلاف فيه لواحد من هذا، فهذه محدثة غير مذمومة، قد قال عمر في قيام رمضان: نعمت البدعة هذه، يعني أنها محدثة لم تكن، وإذ كانت فليس فيها رد لما مضى.
رواه البيهقي (1)، عن الصدفي، عن الاصم.
قال أحمد بن سلمة النيسابوري، تزوج إسحاق بن راهويه بامرأة رجل كان عنده كتب الشافعي، مات، لم يتزوج بها إلا للكتب، قال: فوضع " جامع الكبير " على كتاب الشافعي، ووضع " جامع الصغير " على " جامع سفيان "، فقدم أبو إسماعيل الترمذي نيسابور، وكان عنده كتب الشافعي عن البويطي، فقال له إسحاق: لا تحدث بكتب الشافعي ما دمت هنا، فأجابه (2).
قال داود بن علي: سمعت ابن راهويه يقول: ما كنت أعلم أن الشافعي في هذا المحل، ولو علمت لم أفارقه (3).
__________
(1) في " المناقب " 1 / 468، 469، وانظر " حلية الاولياء " 9 / 113.
(2) " آداب الشافعي ": 64، 65، و " مناقب " البيهقي 1 / 266، 267، و " حلية الاولياء " 9 / 102، و " توالي التأسيس ": 76، و " تاريخ ابن عساكر " 15 / 4 / 2.
(3) " مناقب " البيهقي 1 / 265.
(*)

(10/70)


قال محمد بن إبراهيم البوشنجي: قال إسحاق: قلت للشافعي: ما حال جعفر بن محمد (1) عندكم ؟ فقال: ثقة، كتبنا عن إبراهيم بن أبي يحيى عنه أربع مئة حديث (2).
قال يونس بن عبدالاعلى: سمعت الشافعي يقول: ما رأيت أفقه من سفيان بن عيينة [ ولا ] أسكت عن الفتيا منه (3).
روى أبو الشيخ الحافظ وغيره من غير وجه: أن الشافعي لما دخل مصر أتاه جلة أصحاب مالك، وأقبلوا عليه، فلما أن رأوه يخالف مالكا، وينقض عليه، جفوه وتنكروا له، فأنشأ يقول: أأنثر درا بين سارحة النعم * وأنظم منثورا لراعية الغنم لعمري لئن ضيعت في شر بلدة * فلست مضيعا بينهم غرر الحكم فإن فرج الله اللطيف بلطفه * وصادفت أهلا للعلوم وللحكم بثثت مفيدا واستفدت ودادهم * وإلا فمخزون لدي ومكتتم ومن منح الجهال علما أضاعه * ومن منع المستوجبين فقد ظلم وكاتم علم الدين عمن يريده * ببوء بإثم زاد وآثم إذا كتم (4)
__________
(1) هو جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الملقب بالصادق، تقدمت ترجمة في الجزء السادس رقم (117).
(2) " مناقب " البيهقي 1 / 523، و " آداب الشافعي ": 177، و " الجرح والتعديل " 2 / 487، و " تهذيب التهذيب " 2 / 103.
(3) " آداب الشافعي ": 206، و " تهذيب الاسماء واللغات " 1 / 224، وانظر " مناقب " الرازي: 17، و " تهذيب التهذيب " 4 / 120، و " شذرات الذهب " 1 / 355، و " الجرح والتعديل " 1 / 32، 33.
(4) الابيات - عدا هذا الاخير في " مناقب الشافعي " 2 / 72، و " معجم الادباء " 17 / 307، و " مناقب " الرازي: 111، و " حلية الاولياء " 9 / 153، و " طبقات الشافعية " للسبكي 1 / 294.
(*)

(10/71)


قال أبو عبد الله بن مندة: حدثت عن الربيع قال: رأيت أشهب ابن عبد العزيز ساجدا يقول في سجوده: اللهم أمت الشافعي لا يذهب علم مالك، فبلغ الشافعي، فأنشأ يقول: تمنى رجال أن أموت وإن أمت فتلك سبيل لست فيها بأوحد فقل للذي يبغي (1) خلاف الذي مضى تهيا لاخرى مثلها فكأن قد وقد علموا لو ينفع العلم عندهم لئن مت ما الداعي علي بمخلد (2) قال المبرد: دخل رجل على الشافعي، فقال: إن أصحاب أبي حنيفة لفصحاء.
فأنشأ يقول: فلولا الشعر بالعلماء يزري لكنت اليوم أشعر من لبيد وأشجع في الوغى من كل ليث وآل مهلب وأبي يزيد
ولولا خشية الرحمن ربي حسبت الناس كلهم عبيدي (3)
__________
(1) في الاصل " يبقى " والمثبت هو من مصادر التخريج.
(2) الخبر مع الشعر في " مناقب " البيهقي 2 / 73، و " تاريخ ابن عساكر " 15 / 21 / 1 و " مناقب " الرازي: 115، و " توالي التأسيس ": 83، و " عيون الاخبار " 3 / 114، و " حلية الاولياء " 9 / 149، 150، و " طبقات " السبكي 1 / 303، و " نوادر " القالي 218 / 3.
(3) " مناقب " البيهقي 2 / 62، و " مناقب " الرازي: 119.
(*)

(10/72)


ولابي عبد الله محمد بن إبراهيم البوشنجي في الشافعي: ومن شعب الايمان حب ابن شافع وفرض أكيد حبه لا تطوع وإني حياتي شافعي فإن أمت فتوصيتي بعدي بأن يتشفعوا (1) قال الامام أبو عبد الله محمد بن محمد بن محمد بن غانم في كتاب " مناقب الشافعي " له، وهو مجلد: جمعت ديوان شعر الشافعي كتابا على حدة.
ثم إنه ساق بإسناد له إلى ثعلب قال: الشافعي إمام في اللغة.
قال أبو نعيم بن عدي الحافظ (2): سمعت الربيع مرارا يقول: لو
__________
(1) " مناقب الشافعي " للبيهقي 2 / 362.
وهكذا نجد كل تابع لامام من الائمة يقول في حق إمامه كذلك.
إن الائمة المجتهدين، كأبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد، وغيرهم، رحمهم الله تعالى لم يقل واحد منهم لاتباعه: اتبعوني وخذوا بجميع أقوالي، وآثروني على من سواي،
وإنما ثبت عن كل واحد منهم قوله: " إذا خالف قولي قول رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالحجة في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم، واضربوا بقولي عرض الحائط " وجميعهم أصحاب فضل وعلم، وقد بذلوا جهدهم في التماس الحق في المسائل التي اجتهدوا فيها، فأصاب كل واحد منهم في بعضها، وله في ذلك أجران، وأخطأ في البعض الاخر، وله فيها أجر واحد، فالمحب الصحيح هو الذي يوالي الجميع، ويقدر جهودهم، ويشيد بفضلهم، ولا يعتقد العصمة فيهم، وإذا رأى أحدهم يفضل على الآخرين بشئ قد خصه الله به، فلا يتخذه وسيلة للتعصب أو الافراط في الحب الذي قد يدعوه إلى العدول عن الصواب، لان هذا الامام يحبه لم يقل به.
وليضع كل واحد منا نصب عينيه كلمة الامام مالك رحمه الله: " ما منا إلا من رد أو رد عليه إلا صاحب هذا القبر " وأشار إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم، فالنبي صلى الله عليه وسلم هو وحده الذي افترض الله علينا الاخذ بجميع أقواله، وليس ذلك لاحد سواه.
(2) هو الحافظ الحجة أبو نعيم عبدالملك بن محمد بن عدي الجرجاني الاستراباذي الفقيه، المتوفى سنة 323 وهو غير ابن عدي صاحب " الكامل " في الضعفاء، المتوفى سنة 365، فذاك كنيته أبو أحمد، واسمه عبد الله.
(*)

(10/73)


رأيت الشافعي وحسن بيانه وفصاحته، لعجبت، ولو أنه ألف هذه الكتب على عربيته التي كان يتكلم بها معنا في المناظرة، لم نقدر على قراءة كتبه لفصاحته، وغرائب ألفاظه، غير أنه كان في تأليفه يوضح للعوام (1).
حرملة: سمعت الشافعي يقول: ما جهل الناس ولا اختلفوا إلا لتركهم لسان العرب، وميلهم إلى لسان أرسطاطاليس.
هذه حكاية نافعة، لكنها منكرة، ما أعتقد أن الامام تفوه بها، ولا كانت أوضاع أرسطوطاليس عربت بعد البتة.
رواها أبو الحسن علي بن
مهدي الفقيه، حدثنا محمد بن هارون، حدثنا هميم بن همام، حدثنا حرملة.
ابن هارون مجهول.
قال مصعب بن عبد الله: ما رأيت أحدا أعلم بأيام الناس من الشافعي (2).
ونقل الامام ابن سريج عن بعض النسابين قال: كان الشافعي من أعلم الناس بالانساب، لقد اجتمعوا معه ليلة، فذاكرهم بأنساب النساء إلى الصباح، وقال: أنساب الرجال يعرفها كل أحد (3).
الحسن بن رشق: أخبرنا أحمد بن علي المدائني قال: قال المزني: قدم علينا الشافعي، فأتاه ابن هشام صاحب المغازي، فذاكره أنساب الرجال، فقال له الشافعي: دع عنك أنساب الرجال، فإنها لا
__________
(1) " توالي التأسيس ": 77، و " مناقب " البيهقي 2 / 49، و " مناقب " الرازي.
(2) " مناقب " البيهقي 1 / 488.
(3) " مناقب " البيهقي 1 / 488، 489 (*)

(10/74)


تذهب عنا وعنك، وحدثنا في أنساب النساء، فلما أخذوا فيها بقي ابن هشام (1).
قال يونس الصدفي: كان الشافعي إذا أخذ في أيام الناس قلت: هذه صناعته.
وعن الشافعي قال: ما أردت بها - يعني: العربية والاخبار - إلا للاستعانة على الفقه (2).
قال أبو حاتم: حدثنا يونس بن عبدالاعلى قال: ما رأيت أحدا لقي من السقم ما لقي الشافعي، فدخلت عليه، فقال: اقرأ ما بعد
العشرين والمئة من آل عمران، فقرأت، فلما قمت قال: لا تغفل عني فإني مكروب.
قال يونس: عنى بقراءتي ما لقي النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه أو نحوه (3).
ابن خزيمة وغيره: حدثنا المزني قال: دخلت على الشافعي في مرضه الذي مات فيه، فقلت: يا أبا عبد الله، كيف أصبحت ؟ فرفع رأسه، وقال: أصبحت من الدنيا راحلا، ولاخواني مفارقا، ولسوء عملي ملاقيا، وعلى الله واردا، ما أدري روحي تصير إلى جنة فأهنيها،
__________
(1) أي: انقطع، وهو في " مناقب " البيهقي 1 / 488 و 2 / 42، و " توالي التأسيس ": 60.
(2) " مناقب " البيهقي 2 / 42.
(3) " آداب الشافعي ": 76، 77، و " مناقب " البيهقي 2 / 293، و " تهذيب الاسماء واللغات " 1 / 65، و " توالي التأسيس ": 69 و 83.
وأخرج ابن أبي حاتم فيما ذكره الحافظ في " الفتح " 7 / 267، والواحدي في " أسباب النزول " 115، 116 من طريق المسور بن مخرمة قال: قلت لعبد الرحمن بن عوف - أي خالي - أخبرني عن قصتكم يوم أحد ؟ فقال: اقرأ العشرين ومئة من آل عمران تجدها: (وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين) إلى قوله تعالى: (ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا).
(*)

(10/75)


أو إلى نار فأعزيها، ثم بكى، وأنشأ يقول: ولما قسا قلبي وضاقت مذاهبي * جعلت رجائي دون عفوك سلما تعاظمني ذنبي فلما قرنته * بعفوك ربي كان عفوك أعظما فما زلت ذا عفو عن الذنب لم تزل * تجود وتعفو منة وتكرما فإن تنتقم مني فلست بآيس * ولو دخلت نفسي بجرمي جهنما
ولولاك لم يغوى بإبليس عابد * فكيف وقد أغوى صفيك آدما وإني لآتي الذنب أعرف قدره * وأعلم أن الله يعفو ترحما إسناده ثابت عنه (1).
قال أبو العباس الاصم: حدثنا الربيع بن سليمان: دخلت على الشافعي وهو مريض، فسألني عن أصحابنا، فقلت: إنهم يتكلمون، فقال: ما ناظرت أحدا قط على الغلبة، وبودي أن جميع الخلق تعلموا هذا الكتاب - يعني كتبه - على أن لا ينسب إلي منه شئ.
قال هذا يوم الاحد، ومات يوم الخميس، وانصرفنا من جنازته ليلة الجمعة، فرأينا هلال شعبان سنة أربع ومئتين، وله نيف وخمسون سنة (2).
ابن أبي حاتم: كتب إلي أبو محمد السجستاني نزيل مكة، حدثني الحارث بن سريج، قال: دخلت مع الشافعي على خادم الرشيد، وهو في بيت قد فرش بالديباج، فلما أبصره رجع، فقال له الخادم: ادخل، قال: لا يحل افتراش الحرم، فقام الخادم متبسما،
__________
(1) " مناقب " البيهقي 2 / 111، 293، 294، و " معجم الادباء " 17 / 303، و " طبقات الشافعية " للسبكي 1 / 156، و " تاريخ ابن عساكر " 15 / 21، و " توالي التأسيس ": 83.
(2) " مناقب " البيهقي 2 / 297، 298، و " تاريخ ابن عساكر " 15 / 22 / 1.
(*)

(10/76)


حتى دخل بيتا قد فرش بالارمني (1)، فدخل الشافعي، ثم أقبل عليه، فقال: هذا حلال، وذاك حرام، وهذا أحسن من ذاك، وأكثر ثمنا، فتبسم الخادم، وسكت (2).
وعن الربيع للشافعي:
لقد أصبحت نفسي تتوق إلى مصر ومن دونها أرض المهامه والقفر فوالله ما أدري أللمال والغنى أساق إليها أم أساق إلى قبري (3) قال الميموني: سمعت أحمد يقول: سألت الشافعي عن القياس، فقال: عند الضرورات (4).
أخبرنا أبو علي بن الخلال، أخبرنا ابن اللتي، أخبرنا أبو الوقت، أخبرنا أبو إسماعيل الانصاري، أخبرنا محمد بن موسى، حدثنا محمد ابن يعقوب، سمعت الربيع يقول: سمعت الشافعي يقول: إذا وجدتم
__________
(1) نسبة إلى أرمينية على غير قياس، البلد التي تصنع فيه تلك الفرش، وهي أنجاد وجبال تتخللها سهول مرتفعة في آسيا الصغرى جنوبي القفقاس بين أنجاد إيران شرقا والاناضول غربا، وبين بحر قزوين ومسيل الفرات.
(2) " آداب الشافعي ": 103، 104، و " حلية الاولياء " 9 / 126، 127، و " تاريخ ابن عساكر " 15 / 12 / 2، و " توالي التأسيس ": 66.
(3) " مناقب " البيهقي، 2 / 108، و " الانتقاء ": 102، و " معجم الادباء " 17 / 319، 320، و " مناقب " الرازي: 118، 119، و " عيون التواريخ " 7 / 179.
(4) أي عند عدم وجود النص، وهذا ما عليه الائمة الاربعة، فإنهم لا يفزعون إلى القياس إلا عند عدم وجود النص، ولكن منهم من يستعمله في ما هو كائن من الحوادث، وفيما سيجد منها، ومنهم من يقتصر على الحوادث الكائنة، والشافعي رحمه الله قد استخدم القياس كثيرا في كتابه " الام " وفي غيره من تواليفه.
(*)

(10/77)


في كتابي خلاف سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقولوا بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعوا
ما قلت (1).
سمعنا جزءا في رحلة الشافعي، فلم أسق منه شيئا لانه باطل لمن تأمله (2) وكذلك عزي إليه أقوال وأصول لم تثبت عنه، ورواية ابن عبد الحكم عنه في محاش النساء (3) منكرة، ونصوصه في تواليفه بخلاف ذلك.
__________
(1) " مناقب " البيهقي 1 / 472، و " توالي التأسيس ": 63.
(2) وهذا الجزء مروي من طريق عبد الله بن محمد البلوي الكذاب الوضاع، وسامح الله الامام البيهقي فإنه أورد خبر هذه الرحلة عن طريق البلوي هذا في " مناقب الشافعي " 1 / 130 وما بعدها، ولم ينبه على وضعها، مع أنه لا يخفى عليه بطلانها، فانخدع بصنيعه هذا غير واحد ممن ألف في مناقب الشافعي ممن لا شأن له في تمحيص الروايات وغربلتها من أمثال الجويني والرازي وأبي حامد الطوسي، واعتمدوها بصدد ترجيحهم لمذهب الشافعي.
ولا ينقضي عجبي كيف راجت هذه الفرية على الامام النووي، وهو من نقدة الاخبار وجهابذة المحدثين، فقال في " المجموع " 1 / 81: وفي رحلته مصنف مشهور مسموع، ونقل منها في " تهذيب الاسماء " 1 / 59 قوله: وبعث أبو يوسف القاضي إلى الشافعي حين خرج من عند هارون الرشيد يقرئه السلام، ويقول: صنف الكتب فإنك أولى من يصنف في هذا الزمان.
أما الحافظ ابن حجر، فقد قال في " توالي التأسيس " ص 71: وأما الرحلة المنسوبة إلى الشافعي المروية من طريق عبد الله بن محمد البلوي فقد أخرجها الآبري والبيهقي، وغيرهما، مطولة ومختصرة، وساقها الفخر الرازي في " مناقب الشافعي " - ص 23 - بغير إسناد معتمدا عليها، وهي مكذوبة، وغالب ما فيها موضوع، وبعضها ملفق من روايات ملفقة، وأوضح ما فيها من الكذب قوله فيها: إن أبا يوسف ومحمد بن الحسن حرضا الرشيد على قتل الشافعي، وهذا باطل من وجهين: أحدهما: أن أبا يوسف لما دخل الشافعي بغداد كان مات ولم يجتمع به الشافعي.
والثاني: أنهما كانا أتقى لله من أن يسعيا في قتل رجل مسلم، لا سيما وقد اشتهر بالعلم وليس له إليهما ذنب إلا الحسد له على ما آتاه الله من العلم.
هذا ما لا يظن بهما، وإن منصبهما وجلالتهما وما اشتهر من دينهما ليصد عن ذلك والذي تحرر لنا بالطرق الصحيحة أن قدوم الشافعي بغداد أول ما قدم كان سنة أربع وثمانين، وكان أبو يوسف قد مات قبل ذلك بسنتين، وأنه لقي محمد ابن الحسن في تلك القدمة، وكان يعرفه قبل ذلك من الحجاز وأخذ عنه ولازمه.
(3) المحاش: جمع محشة: وهي الدبر.
ورواية ابن عبد الحكم هذه أوردها ابن أبي

(10/78)


وكذا وصية الشافعي من رواية الحسين بن هشام البلدي غير صحيحة (1).
وقال شيخ الاسلام علي بن أحمد بن يوسف الهكاري في كتاب " عقيدة الشافعي " له: أخبرنا أبو يعلى الخليل بن عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو القاسم بن علقمة الابهري، حدثنا عبدالرحمن بن أبي حاتم، حدثنا يونس بن عبدالاعلى، سمعت أبا عبد الله الشافعي يقول - وقد سئل عن صفات الله تعالى وما يؤمن به - فقال: لله أسماء وصفات جاء بها كتابه، وأخبر بها نبيه صلى الله عليه وسلم أمته، لا يسع أحدا قامت عليه الحجة ردها، لان القرآن نزل بها، وصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم القول بها، فإن خالف
__________
حاتم في " آداب الشافعي " ص (216) عنه قال: سمعت الشافعي يقول: ليس فيه - يعني في إتيان النساء في الدبر - عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في التحريم والتحليل حديث ثابت، والقياس أنه حلال.
وذكرها الذهبي في " الميزان " في ترجمة ابن عبد الحكم 3 / 612، فقال: هذا منكر من القول، بل القياس التحريم، وقد صح الحديث فيه، وقال الشافعي: " إذا صح الحديث فاضربوا بقولي الحائط ".
قال ابن الصباغ في " الشامل " عقيب هذه الحكاية: قال الربيع: والله لقد كذب على الشافعي، فإن الشافعي ذكر تحريم هذا في ستة كتب من كتبه.
قلت: والاحاديث في النهي عن إتيان الرجل زوجته في دبرها صحيحة ثابتة، مخرجة في " زاد المعاد " 4 / 257، 261، " وشرح السنة " 9 / 104 بتحقيقنا.
ومما يقوي قول الربيع في أن ما أثر عن الشافعي من رواية ابن عبد الحكم كذب، أن الشافعي رحمه الله أورد حديث خزيمة بن ثابت في " الام " 5 / 173، 174 من طريق عمه، عن ابن السائب، عن ابن الحلاج، عن خزيمة بن ثابت...وفيه: " فإن الله لا يستحيي من الحق، لا تأتوا النساء في أدبارهن " وصححه ثم قال: فلست أرخص فيه، بل أنهى عنه.
فهذا نص صريح واضح في كون الشافعي رحمه الله يحرم على الرجل أن يأتي زوجته في دبرها.
وانظر " السنن الكبرى " 7 / 196، 199، و " مناقب الشافعي " 2 / 10، 13.
واستدل أيضا في " الام " 5 / 94 في تحريم إتيان النساء في أدبارهن بالآية وبحديث خزيمة بن ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: والاتيان في الدبر حتى يبلغ منه مبلغ الاتيان في القبل محرم بدلالة الكتاب ثم السنة.
(1) والوصية الثابتة عنه رحمه الله، أوردها البيهقي في " مناقبه " 2 / 288، 289، وهي في " الام " 4 / 48، 51.
(*)

(10/79)


ذلك بعد ثبوت الحجة عليه، فهو كافر، فأما قبل ثبوت الحجة، فمعذور بالجهل، لان علم ذلك لا يدرك بالعقل، ولا بالروية والفكر، ولا نكفر بالجهل بها أحدا إلا بعد انتهاء الخبر إليه بها، ونثبت هذه الصفات، وننفي عنها التشبيه، كما نفاه عن نفسه، فقال: (ليس كمثله شئ وهو السميع البصير) (الشورى: 11).
قال مصعب بن عبد الله: كان الشافعي يسمر مع أبي إلى الصباح (1).
وقال المبرد: كان الشافعي من أشعر الناس، وآدب الناس،
وأعرفهم بالقراءات (2).
ومن مناقب هذا الامام قول النبي صلى الله عليه وسلم: " إنما بنو هاشم وبنو المطلب شئ واحد لم يفارقونا في جاهلية ولا إسلام ".
أخرجه البخاري (3).
__________
(1) " مناقب " البيهقي 2 / 46.
(2) " مناقب " البيهقي 2 / 48، و " تاريخ ابن عساكر " 15 / 6 / 1، و " معجم الادباء " 17 / 312.
(3) 6 / 173، 174، في الجهاد: باب ومن الدليل على أن الخمس للامام، وأنه يعطي بعض قرابته دون بعض، و 389 في المناقب: باب مناقب قريش، و 7 / 371 في المغازي: باب غزوة خيبر من طريقين: عن الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن ابن المسيب، عن جبير بن مطعم، قال: مشيت أنا وعثمان بن عفان إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقلنا: أعطيت بني المطلب من خمس خيبر وتركتنا، ونحن بمنزلة واحدة منك، فقال: " إنما بنو هاشم وبنو المطلب شئ واحد ".
قال جبير: ولم يقسم النبي صلى الله عليه وسلم لبني عبد شمس وبني نوفل شيئا.
وأخرجه أبو داود (2978) و (2979) و (2980)، والنسائي 7 / 130، 131، وأحمد 4 / 81 و 83 و 85، وابن ماجه (2881)، والطبري 13 / 556، والبيهقي في " السنن " 6 / 340، 341، وأبو عبيد في " الاموال " ص (331) والشافعي في " الام " 4 / 71.
(*)

(10/80)


قال يحيى القطان: مما نقله البيهقي في " المدخل " له: ما رأيت أعقل - أو قال أفقه - من الشافعي، وأنا أدعو الله له أخصه به (1).
وقال الحاكم: حدثنا الزبير بن عبد الواحد، حدثني العباس بن الفضل بأرسوف (2)، حدثنا محمد بن عوف، سمعت أحمد بن حنبل
يقول: الشافعي فيلسوف في أربعة أشياء: في اللغة، واختلاف الناس، والمعاني، والفقه (3).
قال إبراهيم الحربي، سألت أحمد عن الشافعي، فقال: حديث صحيح، ورأي صحيح، وسألته عن مالك..وذكر القصة (4).
أحمد بن محمد بن عبيدة: حدثنا يونس بن عبدالاعلى قال: كان الشافعي إذا أخذ في التفسير كأنه شهد التنزيل (5).
قال البيهقي فيما أجاز لنا ابن علان وفاطمة بنت عساكر، عن منصور
__________
= قال البيهقي في " المناقب " 1 / 43: والشافعي رحمه الله من صليبة بني عبدالمطلب بن عبد مناف من قبل آبائه، وهو من بني هاشم بن عبد مناف من جهة جداته اللاتي كن لآبائه.
قال الامام أحمد: وفي تخصيص النبي صلى الله عليه وسلم وآله بني هاشم وبني المطلب بإعطائهم سهم ذي القربى وقوله: " إنما بنو هاشم وبنو المطلب شئ واحد " فضيلة أخرى، وهي أنه حرم الله عليهم الصدقة، وعوضهم منها هذا السهم من الخمس، وقال: " إن الصدقة لا تحل لمحمد ولا لآل محمد " فدل بذلك على أنه آله الذين أمر بالصلاة عليهم معه هم الذين حرم الله عليهم الصدقة، وعوضهم منها هذا السهم من الخمس.
(1) تقدم الخبر في الصفحة 20 تعليق رقم (2).
(2) في " الانساب " بضم الهمزة، وفي " معجم البلدان " بفتحها: مدينة على ساحل بحر الشام بين قيسارية ويافا، كان بها خلق من المرابطين.
(3) " مناقب " البيهقي 2 / 41، و " تاريخ ابن عساكر " 14 / 415 / 2.
(4) تقدم الخبر في الصفحة (47) ت (4).
(5) " مناقب " البيهقي 1 / 284، و " مناقب " الرازي: 70، و " توالي التأسيس ": 58.
(*)

(10/81)


الفراوي (1)، أخبرنا أبو المعالي الفارسي، أخبرنا أبو بكر البيهقي، أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، حدثنا محمد بن العباس العصمي (2)، حدثنا أبو إسحاق بن ياسين الهروي، حدثنا إبراهيم بن إسحاق الانصاري، سمعت المروذي يقول: قال أحمد بن حنبل: إذا سئلت عن مسألة لا أعرف فيها خبرا، قلت فيها بقول الشافعي، لانه إمام قرشي، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " عالم قريش يملا الارض علما " إلى أن قال أحمد: وإني لادعو للشافعي منذ أربعين سنة في صلاتي (3).
روى أبو داود الطيالسي وإسحاق بن إسرائيل، حدثنا جعفر بن سليمان، عن أبي الجارود النضر بن حميد (4)، [ عن أبي الجارود ] عن أبي الاحوص، عن عبد الله، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا تسبوا قريشا فإن عالمها يملا الارض علما " (5).
قلت: النضر، قال فيه أبو حاتم: متروك الحديث (6).
__________
(1) بضم الفاء نسبة إلى فراوة: بليدة مما يلي خوارزم.
(2) نسبة إلى عصم، وهو جد محمد بن العباس هذا.
(3) " مناقب " البيهقي 1 / 54، و " توالي التأسيس ": 48، و " الحلية " 9 / 65، و " تاريخ بغداد " 2 / 60، 61، و " مناقب " الرازي: 126.
(4) في المطبوع من " مسند " الطيالسي و " الحلية ": النضر بن معبد وفي " تاريخ بغداد ": النضر بن سعيد وكلاهما تحريف.
(5) هو في " مسند الطيالسي " 2 / 199، و " حلية الاولياء " 9 / 65، و " تاريخ بغداد " 2 / 60، 61، و " مناقب البيهقي " 1 / 26، وعندهم السند: عن النضر بن حميد، عن الجارود، عن أبي الاحوص.
مع أن البخاري يقول كما سيأتي: روى عن أبي الجارود.
(6) كما في " الجرح والتعديل " 8 / 476، 477، وأورده المؤلف في " الميزان "
4 / 256، فقال: النضر بن حميد أبو الجارود، عن أبي إسحاق، قال أبو حاتم: متروك الحديث، وقال البخاري: منكر الحديث، وهو النضر بن حميد الكندي، قال البخاري: حدث عن أبي الجارود وثابت، ثم أورد الحديث من طريق جعفر بن سليمان.
وأورده السخاوي في " المقاصد الحسنة " ص 281، وقال: الجارود مجهول، والراوي عنه مختلف فيه.
(*)

(10/82)


قال أبو بكر بن زياد النيسابوري، سمعت الربيع يقول: كان الشافعي يختم القرآن في كل رمضان ستين ختمة، وفي كل شهر ثلاثين ختمة.
وكان يحدث وطست تحته، فقال يوما: اللهم إن كان لك فيه رضى، فزد (1)، فبعث إليه إدريس بن يحيى المعافري - يعني زاهد مصر -: لست من رجال البلاء، فسل الله العافية.
الزبير بن عبد الواحد: حدثنا محمد بن عقيل الفريابي قال: قال المزني أو الربيع: كنا يوما عند الشافعي، إذ جاء شيخ عليه ثياب صوف، وفي يده عكازة، فقام الشافعي، وسوى عليه ثيابه، وسلم الشيخ، وجلس، وأخذ الشافعي ينظر إلى الشيخ هيبة له، إذ قال الشيخ: أسأل ؟ قال: سل، قال: ما الحجة في دين الله ؟ قال: كتاب الله.
قال: وماذا ؟ قال: سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال: وماذا ؟ قال: اتفاق الامة.
قال: من أين قلت: اتفاق الامة ؟ فتدبر الشافعي ساعة، فقال الشيخ: قد أجلتك ثلاثا، فإن جئت بحجة من كتاب الله، وإلا تب إلى الله تعالى، فتغير لون الشافعي، ثم إنه ذهب، فلم يخرج إلى اليوم الثالث بين الظهر والعصر، وقد انتفخ وجهه ويداه ورجلاه وهو مسقام، فجلس، فلم يكن
__________
(1) في ثبوت هذا عن الشافعي وقفة، فإنه مما لا يخفى عليه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستعيذ
من البلاء، ويسأل الله العافية، ففي البخاري 11 / 125، ومسلم (2707) من حديث أبي هريرة: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعوذ من جهد البلاء، ودرك الشقاء، وسوء القضاء، وشماتة الاعداء.
وفي " صحيح مسلم " (2739) من حديث ابن عمر: كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: " اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك، ومن تحول عافيتك، ومن فجاءة نقمتك، ومن جميع سخطك وغضبك " وصح عنه صلى الله عليه وسلم من حديث ابن عمر فيما رواه أبو داود (5073) أنه كان يدعو حين يصبح ويمسي بهذه الدعوات: " اللهم إني أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي، وأهلي ومالي، اللهم استر عوراتي وآمن روعاتي، اللهم احفظني من بين يدي، ومن خلفي، وعن يميني، وعن شمالي، ومن فوقي، وأعوذ بعظمتك أن أغتال من تحتي " والنص في " الحلية " 9 / 135.
وفيه بعد قوله: " فسل الله العافية " أن الشافعي بعث إليه، فقال: ادع الله لي بالعافية.
(*)

(10/83)


بأسرع من أن جاء الشيخ، فسلم، وجلس، فقال: حاجتي ؟ فقال الشافعي: نعم، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: (ومن يشاقق الرسول من بعدما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى..) الآية (النساء: 115)، قال: فلا يصليه على خلاف المؤمنين إلا وهو فرض، فقال: صدقت، وقام فذهب.
فقال الشافعي: قرأت القرآن في كل يوم وليلة ثلاث مرات، حتى وقفت عليه (1).
أنبئت بهذه القصة عن منصور الفراوي، أخبرنا محمد بن إسماعيل الفارسي، أخبرنا أبو بكر البيهقي، أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا الزبير.
فذكرها.
__________
(1) وجه الاستدلال بالآية أنه تعالى توعد على متابعة غير سبيل المؤمنين، ولو لم يكن ذلك محرما لما توعد الله عليه، ولما حسن الجمع بينه وبين ما حرم من مشاقة الرسول عليه السلام في التوعد، كما لا يحسن الجمع في التوعد بين الكفر وأكل الخبز المباح، ومخالفة ما
أجمع عليه المسلمون اتباع لغير سبيل المؤمنين بالعمل بإجماعهم واجبا.
وأجيب بأنا لا نسلم أن المراد بسبيل المؤمنين في الآية هو إجماعهم لاحتمال أن يكون المراد سبيلهم في متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم، أو في مناصرته، أو في الاقتداء به، أو فيما صاروا به مؤمنين، وهو الايمان به، ومع الاحتمال لا يتم الاستدلال.
وقال إمام الحرمين في كتابه " البرهان " فيما نقله عنه صاحب " سلم الوصول " 3 / 869: الظاهر أن الرب سبحانه وتعالى أراد بذلك من أراد الكفر وتكذيب المصطفى صلوات الله وسلامه عليه، والحيد عن سنن الحق، وترتيب المعنى: ومن يشاقق الرسول، ويتبع غير سبيل المؤمنين المقتدين به، نوله ما تولى.
فإن سلم ظهور ذلك، فذلك، وإلا فهو وجه في التأويل لائح، ومسلك للانكار واضح، فلا يبقى للتمسك بالآية إلا ظاهر معرض للتأويل، ولا يسوغ التمسك بالمحتملات في مطالب القطع، وليس على المعترض إلا أن يظهر وجها في الامكان، ولا يقوم للمحصل عن هذا جواب إن أنصف، وقال الغزالي في " المستصفى " 1 / 175: والذي نراه أن الآية ليست نصا في الغرض، بل الظاهر أن المراد بها أن من يقاتل الرسول ويشاقه، ويتبع غير سبيل المؤمنين في مشايعته ونصرته، ودفع الاعداء عنه، نوله ما تولى.
فكأنه لم يكتف بترك المشاقة حتى تنضم متابعة سبيل المؤمنين في نصرته والذب عنه، والانقياد له فيما يأمر وينهى.
وهذا هو الظاهر السابق إلى الفهم، فإن لم يكن ظاهرا، فهو محتمل.
(*)

(10/84)


قال الزعفراني: قدم علينا الشافعي بغداد في سنة خمس وتسعين، فأقام عندنا أشهر، ثم خرج.
وكان يخضب بالحناء، وكان خفيف العارضين.
وقال أحمد بن سنان: رأيته أحمر الرأس واللحية - يعني أنه اختضب (1) -.
قال الطبراني: سمعت أبا يزيد القراطيسي يقول: حضرت جنازة ابن وهب، وحضرت مجلس الشافعي.
أبو نعيم في " الحلية ": حدثنا عبيد بن خلف البزار، حدثني إسحاق بن عبدالرحمن، سمعت حسينا الكرابيسي، سمعت الشافعي يقول: كنت امرأ أكتب الشعر، فآتي البوادي، فأسمع منهم، فقدمت مكة، فخرجت وأنا أتمثل بشعر للبيد، وأضرب وحشي قدمي بالسوط، فضربني رجل من ورائي من الحجبة، فقال: رجل من قريش ثم ابن المطلب، رضي من دينه ودنياه أن يكون معلما، ما الشعر إذا استحكمت فيه فعدت معلما ؟ تفقه يعلك (2) الله.
فنفعني الله بكلامه، فكتبت ما شاء الله من ابن عيينة، ثم كنت أجالس مسلم بن خالد، ثم قدمت على مالك، فلما عرضت عليه إلى كتاب السير، قال لي: تفقه تعل (3) يا ابن أخي، فجئت إلى مصعب بن عبد الله، فكلمته أن يكلم لي بعض أهلنا، فيعطيني شيئا، فإنه كان بي من الفقر والفاقة ما الله به عليم، فقال لي
__________
(1) " آداب الشافعي ": 79، و " حلية الاولياء " 9 / 68، و " تهذيب الاسماء واللغات " 1 / 64، و " توالي التأسيس ": 69.
(2) في " الحلية ": يعلمك.
وهو خطأ.
(3) في الاصل: " تعلو ".
(*)

(10/85)


مصعب: أتيت فلانا، فكلمته، فقال: أتكلمني في رجل كان منا، فخالفنا ؟ قال: فأعطاني مئة دينار ؟ ثم قال لي مصعب: إن الرشيد كتب إلي أن أصير إلى اليمن قاضيا، فتخرج معنا، لعل الله أن يعوضك، فخرجت معه، وجالسنا الناس، فكتب مطرف بن مازن إلى الرشيد: إن
أردت اليمن لا يفسد عليك ولا يخرج من يدك، فأخرج عنه محمد بن إدريس، وذكر أقواما من الطالبيين، فبعث إلى حماد البربري، فأوثقت بالحديد، حتى قدمنا على هارون الرقة، فأدخلت عليه..وذكر اجتماعه بعد بمحمد بن الحسن، ومناظرته له (1).
قال الحميدي: عن الشافعي قال: كان منزلنا بمكة في شعب الخيف، فكنت أنظر إلى العظم يلوح، فأكتب فيه الحديث أو المسألة، وكانت لنا جرة قديمة، فإذا امتلا العظم طرحته في الجرة (2).
قال عمرو بن عثمان المكي، عن الزعفراني، عن يحيى بن معين، سمعت يحيى بن سعيد يقول: أنا أدعو الله للشافعي في صلاتي منذ أربع سنين (3).
قال ابن ماجة القزويني: جاء يحيى بن معين إلى أحمد بن حنبل، فبينا هو عنده، إذا مر الشافعي على بغلته، فوثب أحمد يسلم عليه، وتبعه، فأبطأ، ويحيى جالس، فلما جاء، قال يحيى: يا أبا عبد الله،
__________
(1) " حلية الاولياء " 9 / 70 (2) " آداب الشافعي ": 24، و " حلية الاولياء " 9 / 73، و " توالي التأسيس ": 50، و " مناقب " الرازي: 9، و " الانتقاء ": 70.
(3) " مناقب " البيهقي 2 / 244، وانظر الصفحة (20) تعليق رقم (2) و (3) والصفحة (44) تعليق رقم (3).
(*)

(10/86)


كم هذا ؟ فقال: دع عنك هذا ؟ إن أردت الفقه، فالزم ذنب البغلة (1).
قال أحمد بن العباس النسائي: سمعت أحمد بن حنبل مالا أحصيه وهو يقول: قال أبو عبد الله الشافعي.
ثم قال: ما رأيت أحدا أتبع للاثر
من الشافعي (2).
أبو حاتم: حدثنا يونس، سمعت الشافعي يقول: ناظرت يوما محمد ابن الحسن، فاشتد مناظرتي له، فجعلت أوداجه [ تنتفخ، وأزراره ] تنقطع زرا زرا (3).
وعن الشافعي قال: سميت ببغداد ناصر الحديث (4).
وقال يونس: سمعت الشافعي يقول: ما فاتني أحد كان أشد علي من الليث، وابن أبي ذئب، والليث أتبع للاثر من مالك (5).
__________
(1) انظر " مناقب " البيهقي 2 / 252.
(2) " تاريخ ابن عساكر " 14 / 415 / 2.
(3) " آداب الشافعي ": 160، و " حلية الاولياء " 9 / 104، و " تاريخ بغداد " 2 / 177، و " الانتقاء ": 25، وفي " بلوغ الاماني " 27، 32 تعليق على هذا الخبر يحسن الرجوع إليه.
وليقارن هذا الخبر بما ثبت عن الشافعي: ما رأيت أحدا يسأل عن مسألة فيها نظر إلا رأيت الكراهية في وجهه إلا محمد بن الحسن.
(4) تقدم الخبر في الصفحة 47 ت (1).
(5) " آداب الشافعي ": 29، و " حلية الاولياء " 9 / 74، و 109، و " تاريخ بغداد " 2 / 300، 301، وعلق أبو حاتم على الخبر بقوله: ما ظننت أنه أدركهما حتى يأسف عليهما.
وتعقبه ابن حجر في " التوالي "، فقال: أما الليث، فأدركه، فإنه حين اجتمع بمالك، وقرأ عليه في " الموطأ " كان موجودا لكن بمصر، وأسف أن لا يكون له إذ ذاك معرفة بقدر الليث، فكان يرحل إليه، أو كان يعرفه، لكن لم يكن له قدرة على الرحلة إليه، وأسف على فوته، وأما ابن أبي ذئب، فمات والشافعي ابن تسع سنين بالمدينة، والشافعي إذ ذاك صغير، ولا يلزم من ذلك أن لا يصح منه الاسف على فوت لقيه، بمعنى أنه أسف أن لا يكون له إدراك زمانه.
(*)

(10/87)


اخبرنا أحمد بن سلامة إجازة، عن مسعود الجمال، أخبرنا أبو علي الحداد، أخبرنا أبو نعيم، حدثنا محمد بن عبدالرحمن بن سهل، حدثني حسان بن أبان القاضي بمصر، حدثني جامع بن القاسم البلخي، حدثني أبو بكر محمد بن يزيد بن حكيم المستملي قال: رأيت الشافعي في المسجد الحرام، وقد جعلت له طنافس، فجلس عليها، فأتاه رجل من أهل خراسان، فقال: يا أبا عبد الله، ما تقول في أكل فرخ الزنبور ؟ فقال: حرام.
فقال: حرام ؟ ! قال: نعم من كتاب الله، وسنة رسول الله، والمعقول، أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) [ الحشر: 7 ] وحدثنا سفيان، عن زائدة، عن عبدالملك بن عمير، عن مولى لربعي، عن حذيفة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر "، هذا الكتاب والسنة.
وحدثونا عن إسرائيل، قال أبو بكر المستملي: حدثنا أبو أحمد، عن إسرائيل، عن إبراهيم بن عبدالاعلى، عن سويد بن غفلة، أن عمر أمر بقتل الزنبور، وفي المعقول أن ما أمر بقتله فحرام أكله (1).
وقال أبو نعيم: حدثنا الحسن بن سعيد، حدثنا زكريا الساجي، سمعت البويطي، سمعت الشافعي يقول: إنما خلق الله الخلق بكن، فإذا كانت " كن " مخلوقة فكأن مخلوقا خلق بمخلوق (2).
__________
(1) " حلية الاولياء " 9 / 109، 110، و " مناقب " البيهقي 1 / 362، 363، و " مناقب " الرازي: 125، 126.
وحديث " اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر " حديث صحيح أخرجه أحمد 5 / 382 و 385 و 402، والترمذي (3663)، وابن ماجه (97) عن حذيفة بن اليمان، وحسنه الترمذي، وصححه الحاكم 3 / 75، ووافقه الذهبي، وأخرجه
أحمد 5 / 399 من طريق آخر لا بأس به، وصححه ابن حبان (2193)، وله شاهد من حديث ابن مسعود عند الترمذي (3807)، والحاكم 3 / 75.
(2) " حلية الاولياء " 9 / 111.
(*)

(10/88)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية