صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : سير أعلام النبلاء
مصدر الكتاب : الإنترنت
[ ترقيم الكتاب موافق للمطبوع ]

قام بفهرسته الفقير إلى الله عبد الرحمن الشامي ، ويسألكم الدعاء .

105 - محمد بن عبد الله * (د، ت، س) (1) ابن حسن ابن السيد الحسن بن علي بن أبي طالب، الهاشمي، الحسني، المدني، الامير، الواثب على المنصور هو وأخوه إبراهيم.
حدث عن نافع، وأبي الزناد.
وعنه عبد الله بن جعفر المخرمي، وعبد العزيز الدراوردي، وعبد الله بن نافع الصائغ.
وثقه النسائي وغيره.
حج المنصر سنة أربع وأربعين ومائة، فاستعمل على المدينة رياحا المري وقد قلق لتخلف ابني حسن عن المجئ إليه.
فيقال: إن المنصور لما كان حج قبل أيام السفاح، كان فيما قال محمد بن عبد الله، إذ اشتور بنو هاشم بمكة فيمن يعقدون له بالخلافة، حين اضطرب أمر بني أمية: كان المنصور ممن بايع لي.
وسأل المنصور زيادا متولي المدينة عن ابني حسن، قال: ما يهمك منهما، أنا آتيك بهما.
وقال عبد العزيز بن عمران: حدثنا عبد الله بن أبي عبيدة بن محمد بن عمار قال: استخلف المنصور، فلم يكن له هم إلا طلب محمد والمسألة عنه.
فدعا بني هاشم واحدا واحدا، يخلو به ويسأله فيقول: يا أمير المؤمنين، قد عرف أنك قد عرفته يطلب هذا الشأن قبل اليوم.
فهو يخافك، وهو الآن لا يريد لك خلافا.
__________
(*) تاريخ خليفة (421) و (423) و (430)، طبقات خليفة (269)، التاريخ الصغير: 1 / 287، 2 / 82، الطبري: حوادث سنة: 145 - 146 - 147، الجرح والتعديل 7 / 295، الكامل
في التاريخ: حوادث السنوات السابقة، تهذيب الكمال (1217 - 1218)، تذهيب التهذيب 3 / 216 / 2، ميزان الاعتدال 3 / 591، تاريخ الاسلام للذهبي 6 / 121، الوافي بالوفيات: 3 / 297، تهذيب التهذيب 9 / 252، خلاصة تذهيب الكمال (344)، شذرات الذهب 1 / 213.
(1) سقطت هذه الرموز من الاصل، وأثبتناها من كتب التراجم.
(*)

(6/210)


وأما حسن بن زيد بن حسن فأخبره بأمره وقال: لا آمن أن يخرج فاشترى المنصور رقيقا من العرب فكان يعطي الواحد منهم البعيرين، وفرقهم في طلبه، وهو مختف.
وقال لعقبة السندي: اخف شخصك، واستتر.
ثم ائتني وقت كذا، فأتاه فقال: إن بني عمنا قد أبوا إلا كيدا لنا، ولهم شيعة بخراسان يكاتبونهم، ويرسلون إليهم بصدقاتهم.
فاخرج إليهم بكسوة وألطاف حتى تأتيهم متنكرا، فحسهم لي، فاشخص حتى تلقى عبد الله بن حسن متقشفا، فإن جبهك، وهو فاعل، فاصبر وعاوده حتى يأنس بك.
فإذا ظهر لك، فاعجل علي.
فذهب عقبة، فلقي عبد الله بالكتاب، فانتهره وقال: ما أعرف هؤلاء.
فلم يزل يعود إليه حتى قبل الكتاب والهدية.
فسأله عقبة الجواب.
فقال: لا أكتب إلى أحد.
فأنت كتابي إليهم، وأخبرهم أن ابني خارجان لوقت كذا.
وقال: فأسرع بها عقبة إلى المنصور (1).
وقيل: كان ابنا حسن منهومين بالصيد.
وقال المدائني: قدم محمد بن عبد الله في أربعين رجلا متخفيا، فأتى عبد الرحمن بن عثمان فقال له: أهلكتني، فانزل عندي وفرق أصحابك، فأبى.
فقال انزل في بني راسب ففعل.
وقيل: أقام محمد يدعو الناس سرا.
وقيل: نزل بعبد الله بن سفيان المري أياما، وحج المنصور سنة أربعين، فأكرم عبد الله بن حسن، ثم قال لعقبة: تراء له.
ثم قال: يا أبا محمد: قد علمت ما أعطيتني من العهود قال: أنا على ذلك.
فتراءى له عقبة وغمزه فأبلس عبد الله، وقال: أقلني يا أمير المؤمنين أقالك الله ! قال: كلا وسجنه.
__________
(1) انظر الطبري 7 / 519، 520، وابن الاثير 5 / 516.
(*)

(6/211)


وقيل: إنه قال له: أرى ابنيك قد استوحشا مني.
وإني لاحب قربهما، قال: ما لي بهما علم.
وقد خرجا عن يدي.
وقيل: هم الاخوان باغتيال المنصور بمكة، وواطأهما قائد كبير، ففهم المنصور، فتحرز، وهرب القائد وتحيل المنصور من زياد فقبض عليه، واستعمل على المدينة محمد بن خالد القسري، وبذل له أزيد من مئة ألف دينار إعانة، فعجز، فعزله برياح بن عثمان بن حيان المري.
وعذب القسري.
فأخبر رياح بأن محمد بن عبد الله في شعب رضوى من أرض ينبع، فندب له عمرو بن عثمان الجهني، فكبسه ليلة، ففر محمد ومعه ولد، فوقع من جبل من يد أمه فتقطع، وفيه يقول أبوه: منخرق السربال يشكو الوجى * تنكبه أطراف مرو حداد شرده الخوف وأزرى به * كذاك من يكره حر الجلاد قد كان في الموت له راحة * والموت حتم في رقاب العباد وتتبع رياح بني حسن واعتقلهم.
فأخذ حسنا وإبراهيم ابني حسن، وهما عما محمد وحسن بن جعفر بن حسن بن حسن.
وسليمان بن داود بن حسن بن حسن، وأخاه عبد الله، ومحمدا، وإسماعيل وإسحاق أولاد إبراهيم المذكور
وعباس بن حسن بن حسن بن حسن، وأخاه عليا العابد وقيدهم.
وشتم ابني حسن على المنبر، فسبح الناس، وعظموا قوله.
فقال رياح: ألصق الله بوجوهكم الهوان، لاكتبن إلى خليفتكم غشكم.
فقالوا: لا نسمع منك يا ابن المجلودة (1).
وبادروه يرمونه بالحصباء، فنزل، واقتحم دار مروان، وأغلق عليه، فأحاط به الناس ورجموه وشتموه ثم إنهم كفوا، وحملوا آل حسن في القيود
__________
(1) في تاريخ الاسلام: " المحدودة ".
وفي الطبري: " المجلود ".
(*)

(6/212)


إلى العراق، وجعفر الصادق يبكي لهم.
وأخذ معهم أخوهم من أمهم محمد ابن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان وهو ابن فاطمة بنت الحسين.
فقيل: جعلوا في المحامل ولا وطاء تحتهم.
وقيل: أخذ معهم أربع مئة من جهينة، ومزينة.
قال ابن أبي الموالي: وسجنت مع عبد الله بن حسن فوافى المنصور الربذة (1) راجعا من حجه.
فطلب عبد الله أن يحضر إليه فأبى.
ودخلت أنا وعنده عمه عيسى بن علي، فسلمت قال: لا سلم الله عليك.
أين الفاسقان ؟ ابنا الفاسق ؟ ! قلت: هل ينفعني الصدق ؟ قال: وما ذاك ؟ قلت: امرأتي طالق وعلي وعلي إن كنت أعرف مكانهما.
فلم يقبل.
فضربني أربع مئة سوط.
فغاب عقلي ورددت إلى أصحابي.
ثم طلب أخاهم الديباج فحلف له، فلم يقبل، وضربه مائة سوط وغله، فأتى وقد لصق قميصه على جسمه من الدماء.
__________
(1) قرية من قرى المدينة المنورة، قريبة من ذات عرق على طريق الحجاز، إذا رحلت من " فيد " تريد " مكة ".
وبها قبر الصحابي الجليل أبي ذر، رضي الله عنه، وقطعا للشكوك التي يثيرها دعاة الفتن، وأصحاب الاغراض، الذين افترع الغرب عقولهم، حول مكث
أبي ذر بالربذة، نورد أصح الاخبار عن ذلك، وهو الحديث الذي رواه البخاري 3 / 217 و 218، في الزكاة، باب: ما أدي زكاته ليس بكنز، وفي تفسير سورة براءة، باب: والذين يكنزون الذهب والفضة عن زيد بن وهب قال: مررت بالربذة، فإذا بأبي ذر، فقلت له: ما أنزلك منزلك هذا ؟ قال: كنت بالشام فاختلفت أنا ومعاوية في هذه الآية (والذين يكنزون الذهب والفضة، ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم) [ التوبة: 34 ] فقال معاوية: نزلت في أهل الكتاب، فقلت: نزلت فينا وفيهم.
فكان بيني وبينه في ذلك كلام.
فكتب إلى عثمان يشكوني.
فكتب إلي عثمان: أن أقدم المدينة، فقدمتها، فكثر علي الناس حتى كأنهم لم يروني قبل ذلك.
فذكرت ذلك لعثمان، فقال لي: إن شئت تنحيت فكنت قريبا فذاك الذي أنزلني هذا المنزل ولو أمروا علي حبشيا لسمعت وأطعت.
(*)

(6/213)


فأول من مات في الحبس عبد الله أبوهما.
ثم مات أخوه حسن، ثم الديباج، فقطع رأسه وبعثه مع طائفة من الشيعة طافوا به خراسان يحلفون أن هذا رأس محمد بن عبد الله بن فاطمة يوهمون أنه ابن حسن الذي كانوا يجدون خروجه في الكتب.
وقيل: إن المنصور قال لمحمد بن إبراهيم بن حسن: أنت الديباج الاصفر ؟ قال: نعم، قال: لاقتلنك قتلة ما سمع بها.
ثم أمر باصطوانة فنقرت.
وأدخل فيها: ثم سد عليه وهو حي.
وكان من الملاح.
وقيل: إنه قتل الديباج محمد بن عبد الله أيضا.
وعن موسى بن عبد الله بن حسن قال: ما كنا نعرف في الحبس أوقات الصلوات إلا بأجزاء يقرؤها علي بن حسن.
وقيل: إن المنصور قتل عبد الله بن حسن أيضا بالسم.
وعن أبي نعيم قال: بلغني أن عبيد الله بن عمر، وابن أبي ذئب، وعبد الحميد
ابن جعفر دخلوا على محمد بن عبد الله، وقالوا: ما تنتظر ! والله ما نجد في هذا البلد أشأم عليها منك.
وأما رياح، فطلب جعفر الصادق وبني عمه إلى داره، فسمع التكبير في الليل، فاختفى رياح.
فظهر محمد في مائتين وخمسين نفسا.
فأخرج أهل السجن.
وكان على حمار، في أول رجب سنة خمس وأربعين، فحبس رياحا وجماعة.
وخطب فقال: أما بعد: فإنه كان من أمر هذا الطاغية أبي جعفر، ما لم يخف عليكم من بنائه القبة الخضراء (1) التي بناها تصغيرا لكعبة الله، وإن أحق الناس
__________
(1) هي في قصر المنصور ببغداد، أقامها على إيوانه، وارتفاعها عن الارض ثمانون ذراعا.
قال الخطيب البغدادي في تاريخه 1 / 73: وكانت هذه القبة تاج بغداد، وعلم البلد، ومأثرة من مآثر بني العباس عظيمة.
بنيت أول ملكهم، وبقيت إلى آخر أمر الواثق فكان بين بنائها.
وسقوطها مائة ونيف وثمانون سنة.
(*)

(6/214)


بالقيام للدين أبناء المهاجرين والانصار.
اللهم قد فعلوا وفعلوا، فأحصهم عددا واقتلهم بددا، ولا تغادر منهم أحدا (1).
قال علي بن الجعد: كان المنصور يكتب على ألسن قواده إلى محمد بن عبد الله بأنهم معه (2) فاخرج.
فقال: يثق بالمحال.
وخرج معه مثل ابن عجلان، وعبد الحميد بن جعفر.
قال ابن سعد: فلما قتل أتى والي المدينة بابن عجلان فسبه وأمر بقطع يده.
فقال العلماء: أصلح الله الامير، إن هذا فقيه المدينة وعابدها.
وشبه عليه بأنه المهدي فتركه.
قال: ولزم عبيد الله بن عمر ضيعة له، وخرج أخواه عبد الله، وأبو بكر، فعفا عنهما المنصور.
واختفى جعفر الصادق، ثم إن محمدا استعمل عمالا على المدينة، ولزم
مالك بيته.
قال أبو داود: كان الثوري يتكلم في عبدالحميد بن جعفر لخروجه ويقول: إن مر بك المهدي وأنت في البيت، فلا تخرج إليه حتى يجتمع الناس عليه.
وقيل: بعث محمد إلى إسماعيل بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب وقد شاخ ليبايعه، فقال: يا أبن أخي، أنت والله مقتول ! كيف أبايعك ؟ ! فارتدع الناس عنه.
فأتته بنت أخيه معاوية، فقالت: يا عم إن إخوتي قد أسرعوا إلى ابن خالهم، فلا تثبط عنه فيقتل هو وإخوتي.
فأبى.
فيقال: قتلته.
فأراد محمد
__________
(1) هذا الكلام مقتبس من قول خبيب رضي الله عنه، حين خرج به المشركون من الحرم ليقتلوه في الحل.
انظر الخبر بتمامه في البخاري 6 / 115 في الجهاد، باب هل يستأمر الرجل، ومن صلى ركعتين عند القتل و 7 / 240 في المغازي و 7 / 291 - 295 أيضا.
(2) وتمام الخبر، في الطبري، وتاريخ الاسلام 6 / 12: (فكان محمد يقول: لو التقينا مال إلي القواد كلهم).
(*)

(6/215)


الصلاة عليه فقال ابنه: تقتل أبي وتصلي عليه ؟ فنحاه الحرس.
وتقدم محمد، وكان محمد أسود جسيما فيه تمتمة.
ولما خرج قامت قيامة المنصور.
فقال لآله: اذهبوا إلى هذا الاحمق عبد الله بن علي، فله رأي جيد في الحرب.
فلما دخلوا قال: لامر ما جئتم: فما جاء بكم جميعا، وقد هجرتموني من دهر.
قالوا: استأذنا أمير المؤمنين، فأذن لنا.
قال: ليس ذا بشئ.
ما الخبر ؟ قالوا: خرج محمد.
قال: فما ترون ابن سلامة صانعا ؟ - يعني المنصور - قالوا: لا ندري.
قال: إن البخل قد قتله، فليخرج الاموال ويكرم الجند، فإن غلب فما أوشك أن يعود إليه ماله.
وجهز المنصور ولي عهده عيسى بن موسى لحرب محمد، وكتب إلى محمد يحثه على التوبة.
ويعده ويمنيه، فأجابه: من المهدي محمد بن عبد
الله (طسم تلك آيات الكتاب المبين) وأنا أعرض عليك من الامان مثل ما عرضت.
فإن الحق حقنا..إلى أن قال: فأي الامانات تعطيني أمان ابن هبيرة، أم أمان عمك ؟ أم أمان أبي مسلم ؟ ! فأرسل إليه بكتاب مزعج، وأخذ جند محمد مكة.
وجاءه منها عسكر، وسار ولي العهد في أربعة آلاف فارس، ونفذ إلى أهل المدينة يتألفهم، فتفلل خلق عن محمد، وبادر آخرون إلى خدمة عيسى.
فأشير على محمد أن يفر إلى مصر، فلن يردك أحد عنها.
فصاح جبير: أعوذ بالله أن نخرج من المدينة، ونبي الله صلى الله عليه وسلم يقول: " رأيتني في درع حصينة فأولتها المدينة " (1).
__________
(1) قطعة من حديث مطول، أخرجه أحمد 1 / 271 من طريق: سريج عن ابن أبي الزناد، عن أبيه، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن ابن عباس قال: تنفل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، سيفه ذا الفقار يوم بدر، وهو الذي أرى فيه الرؤيا يوم أحد، فقال: رأيت في سيفي ذي الفقار فلا، فأولته، فلا يكون فيكم، ورأيت أني مردف كبشا، فأولت كيش الكتيبة، ورأيت أني في درع حصينة، فأولتها المدينة، ورأيت بقرا تذبح، فبقر والله خير، فبقر والله خير، فكان الذي قال، صلى الله عليه وسلم، ".
وسنده حسن.
وأخرج الدارمي 2 / 129 بنحوه من طريق الحجاج ابن منهال، عن حماد بن سلمة، عن أبى الزبير عن جابر..ورجاله ثقات.
(*)

(6/216)


ثم إن محمدا استشار أن يخندق على نفسه، فاختلف الآراء.
ثم حفر خندق رسول الله صلى الله عليه وسلم وحفر فيه بيده.
عن عثمان الزبيري قال: اجتمع مع محمد جمع (1) لم أر أكثر منه.
إني لاحسبنا كنا مائة ألف.
فخطب محمد وقال: إن هذا قد قرب وقد حللتكم من بيعتي.
قال: فتسللوا حتى بقي في شرذمة، وهرب الناس بذراريهم في الجبال.
فلم يتعرض عيسى لاذاهم.
وراسل محمدا يدعوه إلى الطاعة.
فقال: إياك أن
يقتلك من يدعوك إلى الله، فتكون شر قتيل، أو تقتله فيكون أعظم لوزرك.
فبعث إليه: إن أبيت فإنا نقاتلك على ما قاتل عليه جدك طلحة والزبير على نكث البيعة، ثم أحاط عيسى بالمدينة في أثناء رمضان، ودعا محمدا إلى الطاعة ثلاثة أيام، ثم قرب من السور، فنادى بنفسه: يا أهل المدينة، إن الله قد حرم الدماء فهلموا إلى الامان، وخلوا بيننا وبين هذا، فشتموه، فانصرف، وفعل ذلك من الغد، وزحف في اليوم الثالث، وظهر وكرر بذل الامان لمحمد فأبى، وترجل، فقال بعضهم: إني لاحسبه قتل بيده سبعين يومئذ.
وقال عبدالحميد بن جعفر: كنا مع محمد في عدة أصحاب بدر، ثم تبارز جماعة، وأقبل رجل من جند المنصور، عند أحجار الزيت (2)، فطلب المبارزة، فخرج إليه رجل عليه قباء أصفر فقتل الجندي، ثم برز آخر فقتله، فاعتوره أصحاب عيسى حتى أثبتوه بالسهام، ودام القتال من بكرة إلى العصر.
وطم أصحاب عيسى الخندق فجازت خيلهم.
قال عبد الله بن جعفر: تحنط محمد للموت.
فقلت له: ما لك بما ترى طاقة.
__________
(1) في الاصل " جمعا " وهو تحريف.
(2) موضع في المدينة، قريب من الزوراء، وهو موضع صلاة الاستسقاء.
(*)

(6/217)


فالحق بالحسن بن معاوية نائبك بمكة.
قال: لو رحت لقتل هؤلاء فلا أرجع، وأنت مني في سعة.
وقيل: ناشده غير واحد الله وهو يقول: والله لا تبتلون (1) بي مرتين.
ثم قتل (2) رياحا وعباس بن عثمان فمقته الناس.
ثم صلى العصر.
وعرقب فرسه، وعرقب بنو شجاع دوابهم، وكسروا أجفان سيوفهم ثم حمل هو، فهزم القوم مرتين.
ثم استدار بعضهم من ورائه.
وشد حميد بن قحطبة على محمد فقتله
وأخذ رأسه.
وكان مع محمد سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم ذو الفقار، فجاءه سهم، فوجد الموت، فكسر السيف.
ولم يصح بل قيل: أعطاه رجلا كان له عليه أربع مئة دينار.
وقال: لن تلقى طالبيا إلا وأخذه منك، وأعطاك حقك فلما ولي جعفر بن سليمان المدينة، أخذه منه وأعطاه الدين.
وكان مصرع محمد عند أحجار الزيت في رابع عشر رمضان، سنة خمس، قال الواقدي: عاش ثلاثا وخمسين سنة، وقيل: صلب عدة من أصحابه، وطيف بالرأس.
قال ابن حزم: ذهبت طائفة من الجارودية أنه لم يمت، ولا يموت، حتى يملا الارض عدلا، وخلف من الاولاد: حسنا، وعبد الله، وفاطمة، وزينب.

106 - إبراهيم بن عبد الله بن حسن * العلوي، الذي خرج بالبصرة زمن خروج أخيه بالمدينة.
__________
(1) في الاصل " لتبلون " والصحيح ما أثبتناه.
(2) السياق هنا يشعر أن قاتل رياح هو محمد.
بينما نص المؤلف في تاريخ الاسلام 6 / 18، ونص الطبري 7 / 591، ونص الكامل 5 / 547 - 548 كلها تدل على أن الفاعل هو عيسى بن خضير وهو الصحيح.
(*) تاريخ خليفة (421 - 422 - 431 - 432)، البيان والتبيين 2 / 195 و 3 / 373، =

(6/218)


قال مطهر بن الحارث: أقبلنا مع إبراهيم من مكة نريد البصرة ونحن عشرة، فنزلنا على يحيى بن زياد.
وعن إبراهيم قال: اضطرني الطلب بالموصل حتى جلست على موائد أبي جعفر، وكان قد قدمها يطلبني فتحيرت ولفظتني الارض، وضاقت علي.
ووضع علي الارصاد، ودعا يوما الناس إلى غدائه فدخلت وأكلت.
وجرت لهذا ألوان في اختفائه، وربما يظفر به بعض الاعوان، فيطلقه لما يعلم من ظلم عدوه.
ثم اختفى بالبصرة وهو يدعو إلى نفسه، فاستجاب له خلق لشدة بغضهم في أبي جعفر.
قال ابن سعد: ظهر محمد، وغلب على الحرمين، فوجه أخاه إبراهيم إلى البصرة، فدخلها في أول رمضان فغلب عليها، وبيض أهلها، ورموا السواد فخرج معه عدة علماء.
وقيل: لما قارب جمعه أربعة آلاف، شهر أمره ونزل في دار أبي مروان النيسابوري.
قال عبد الله بن سفيان: أتيت إبراهيم وهو مرعوب.
فأخبرته بكتاب أخيه وأنه ظهر بالمدينة ويأمره بالظهور.
فوجم لها واغتم.
فأخذت أسهل عليه وأقول: معك مضاء التغلبي، والطهوي، والمغيرة، وأنا، ونخرج في الليل إلى السجن فنفتحه ويصبح معك خلق، فطابت نفسه.
وبلغ المنصور فندب جيشا إلى البصرة.
وسار بنفسه، فضبط الكوفة خوفا من وثوب الشيعة.
__________
= التاريخ الصغير: 2 / 84، الطبري، والكامل، والبداية، في حوادث سنة 145.
الوافي بالوفيات: 6 / 31.
(*)

(6/219)


قال أبو الحسن الحذاء: ألزم أبو جعفر الناس بالسواد، فكنت أرى بعضهم يصبغ بالمداد، ثم أخذ يحبس أو يقتل كل من يتهمه.
وكانت البيعة في السر تعمل بالكوفة لابراهيم.
وكان بالموصل ألفان لمكان الخوارج، فطلبهم المنصور فقاتلهم بعض من هوي إبراهيم.
فقتل منهم خمس مئة.
وصار إبراهيم في أول رمضان إلى مقبرة بني يشكر في بضعة عشر فارسا.
ثم صلى بالناس الصبح في
الجامع.
فتحصن منه نائب البصرة.
وكان يتراكك في أمره حتى تمكن إبراهيم، ثم نزل إليه بأمان، فقيده بقيد خفيف، وعفا عن الاجناد.
فانتدب لحربه جعفر ابن سليمان وأخوه محمد في ست مئة فارس.
فأبرز إبراهيم لحربهم مضاء في خمسين مقاتلا، فهزمهم مضاء وجرح محمد بن سليمان.
ووجد إبراهيم في بيت المال ست مئة ألف ففرقها على عسكره خمسين خمسين.
ثم جهز المغيرة في خمسين مقاتلا فقدمها، وقد التف معه نحو مئتين.
فهزم متولي الاهواز محمد بن حصين واستولى المغيرة على البلد.
وهم إبراهيم بالمسير إلى الكوفة، وبعث جماعة، فغلبوا على إقليم فارس، واستعمل على واسط هارون العجلي.
فجهز المنصور لحربه خمسة آلاف، فجرت بينهم وقعات حتى كل الفريقان، وبقي إبراهيم سائر رمضان ينفذ عماله على البلاد.
وحارب، فولى المنصور وتحير، وحدث نفسه بالهرب.
فلما جاء نعي محمد بن عبد الله بالمدينة، رجعت إلى المنصور روحه، وفت ذلك في عضد إبراهيم، وبهت.
وصلى بالناس العيد بالمصلى و [ يعرف ] (1) فيه الحزن.
وقيل: إن المنصور قال: ما أدري ما أصنع: ما عندي نحو ألفي فارس.
فمع
__________
(1) زيادة من تاريخ الاسلام للمصنف.
(*)

(6/220)


ابني بالري ثلاثون ألفا، ومع محمد بن أشعث بالمغرب أربعون ألفا، ومع عيسى بالحجاز ستة آلاف.
لئن نجوت لا يفارقني ثلاثون ألف فارس.
فما لبث أن أتاه عيسى مؤيدا منصورا، فوجهه لحرب إبراهيم، وأقبل سلم بن قتيبة الباهلي من الري فكاتب أهل البصرة فلحقت به باهلة.
وسار خازم بن خزيمة إلى الاهواز، وبقي المنصور كالجمل الهائج إلى أن انتصر وقتل إبراهيم.
فمكث شهرين لا
يأوي إلى فراش.
قال حجاج بن مسلم: دخلت عليه تلك الايام، وقد جاءه فتق البصرة، وفتق فارس، وواسط، والمدائن وهو مطرق يتمثل: ونصبت نفسي للرماح دريئة * إن الرئيس لمثلها لفعول هذا ومئة ألف سيف كامنة حوله بالكوفة ينتظرون صيحة فوجدته صقرا أحوذيا مشمرا وعن والد علي بن المديني قال: خرجنا مع إبراهيم فعسكرنا ببا خمرا (1)، فطفنا ليلة، فسمع إبراهيم أصوات طنابير وغناء، فقال: ما أطمع في نصر عسكر فيه هذا.
وعن داود بن جعفر بن سليمان قال: أحصي ديوان إبراهيم على مئة ألف مقاتل.
وقيل: بل كانوا عشرة آلاف.
وهذا أصح.
وكان مع عيسى بن موسى خمسة عشر ألفا.
وأشير على إبراهيم أن يكبس الكوفة ولو فعل لراحت على المنصور.
فقال: بل
__________
(1) موضع بين الكوفة وواسط، وهو إلى الكوفة أقرب.
وبها استشهد إبراهيم، ودفن.
وإياه عنى دعبل الخزاعي بقوله: وقبر بأرض الجوزجان محله * وقبر بباخمرى لدى الغربات (*)

(6/221)


أبيت عيسى.
وعن هريم قال: قلت لابراهيم: لا تظهر على المنصور حتى تأتي الكوفة، فأن ملكتها لم تقم له قائمة.
وإلا فدعني أسير إليها أدعو لك سرا، ثم أجهر.
فلو سمع المنصور هيعة بها، طار إلى حلوان، فقال: لا نأمن أن تجيبك منهم طائفة [ فيرسل إليهم أبو جعفر خيلا فيطأ البرئ والنطف والصغير والكبير ] (1) فنتعرض
لاثم.
فقلت: خرجت لقتال مثل المنصور وتتوقى ذلك ؟ !.
لما نزل باخمرا كتب إليه سلم بن قتيبة، إنك قد أصحرت ومثلك أنفس به على الموت.
فخندق على نفسك.
فإن أنت لم تفعل، فقد أعرى أبو جعفر عسكره.
فخف في طائفة حتى تأتيه فتأخذ بقفاه، فشاور قواده فقالوا: نخندق على نفوسنا ونحن ظاهرون ؟ ! وقال بعضهم: أنأتيه وهو في أيدينا متى شئنا ؟ ! وعن بعضهم قال: التقى الجمعان، فقلت لابراهيم: إن الصف إذا انهزم تداعى، فاجعلنا كراديس فتنادي أصحابه: لا، لا.
وقلت: إنهم مصبحوك في أكمل سلاح وكراع، ومعك عراة.
فدعنا نبيتهم ؟ فقال: إني أكره القتل.
فقال: تريد الخلافة، وتكره القتل ؟ - وباخمرا على يومين من الكوفة - فالتحم الحرب، وانهزم حميد بن قحطبة.
فتداعى الجيش، فناشدهم عيسى فما أفاد.
وثبت هو في مئة فارس.
فقيل له: لو تنحيت ؟ قال: لا أزول حتى أقتل أو أنصر، ولا يقال: انهزم.
وكان المنصور يصغي إلى النجوم ولا يتأثم من ذلك.
فيقال: إنه قال لعيسى: إنهم يقولون: إنك لا قيه وإن لك جولة، ثم يفئ إليك أصحابه.
قال عيسى: فلقد رأيتني وما معي إلا ثلاثة [ أو ] أربعة.
فقال غلامي: علام تقف ؟ ! قلت:
__________
(1) زيادة من تاريخ الاسلام للمؤلف، ومن تاريخ الطبري.
(*)

(6/222)


والله لا يراني أهل بيتي منهزما، فإنا لكذلك إذ صمد ابنا سليمان بن علي لابراهيم، فخرجا من خلفه.
ولولا هما لا فتضحنا.
وكان من صنع الله أن أصحابنا لما انهزموا عرض لهم نهر، ولم يجدوا مخاضه فرجعوا.
فانهزم أصحاب إبراهيم، وثبت هو في خمس مئة.
وقيل: بل في سبعين.
واشتد القتال، وتطايرت الرؤوس، وحمي الحرب إلى أن جاء سهم غرب لا يعرف راميه في حلق
إبراهيم.
فتنحى، وأنزلوه وهو يقول: (وكان أمر الله قدرا مقدورا) [ الاحزاب: 38 ].
أردنا أمرا وأراد الله غيره.
فحماه أصحابه.
فانكر حميد بن قحطبة اجتماعهم.
وحمل عليهم فانفرجوا عن إبراهيم.
فنزل طائفة، فاحتزوا رأسه، رحمه الله، وأتي بالرأس إلى عيسى، فسجد، ونفذه إلى المنصور لخمس بقين من ذي القعدة، سنة خمس وأربعين وعاش ثمانيا وأربعين سنة.
وقيل: كان عليه زردية (1) فحسر من الحر عن صدره فأصيب.
وكان قد وصل خلق من المنهزمين إلى الكوفة، وتهيأ المنصور، وأعد السبق للهرب إلى الري.
فقال له نوبخت (2) المنجم: الظفر لك.
فما قبل منه، فلما كان الفجر، أتاه الرأس فتمثل بقول معقر البارقي (3): فألقت عصاها واستقرت بها النوى * كما قرعينا بالاياب المسافر قال خليفة: صلى إبراهيم العيد بالناس أربعا.
وخرج معه أبو خالد الاحمر، وهشيم، وعباد بن العوام، وعيسى بن يونس، ويزيد بن هارون، ولم يخرج شعبة.
وكان أبو حنيفة يأمر بالخروج.
قال: وحدثني من سمع حماد بن زيد يقول: ما بالبصرة إلا من تغير أيام إبراهيم إلا ابن عون.
__________
(1) الزرد: حلق المغفر والدرع، واليها هذه النسبة.
(2) في الطبري " ينبخت ".
(3) كما في " المؤتلف والمختلف ": 128، ونسبه الجاحظ في " البيان والتبيين " 3 / 40 إلى مضرس العبدي.
(*)

(6/223)


وحدثني ميسور بن بكر: سمع عبد الوارث يقول، فأتينا شعبة، فقلنا: كيف ترى ؟ قال: أرى أن تخرجوا وتعينوه.
فأتينا هشاما الدستوائي، فلم يجبنا.
فأتينا سعيد بن أبي عروبة، فقال: ما أرى بأسا أن يدخل رجل منزله، فإن دخل عليه
داخل قاتله.
عمر بن شبة، حدثنا خلاد بن يزيد، سمعت شعبة يقول: باخمرا بدر الصغرى.
وقال أبو نعيم، لما قتل إبراهيم، هرب أهل البصرة برا وبحرا، واستخفى الناس.
وقتل معه الامير بشير الرحال وجماعة كثيرة.
قلت، وعرفت الخزر باختلاف الامة، فخرجوا من باب الابواب، وقتلوا خلقا بأرمينية، وسبوا الذرية فلله الامر، وتشتت الحسينيون، وهرب إدريس منهم إلى أقصى بلاد المغرب ثم خرج ابنه هناك، ثم سم.
وبقي طائفة من الادريسية، فتملكوا بعد سنة أربع مئة سنوات، ولقيت من أولادهم جعفر بن محمد الادريسي الاديب، فروى لنا عن ابن باق.

107 - الديباج * (ق) أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن عمرو ابن أمير المؤمنين عثمان العثماني المدني الملقب بالديباج لحسنه، كان جوادا، سخيا ذا مروءة وسؤدد وحشمة.
حدث عن أمه فاطمة بنت الحسين الشهيد، ونافع، وعبد الله بن دينار، وطائفة.
__________
(*) التاريخ الصغير: 2 / 81، الطبري: حوادث سنة 129، الجرح والتعديل: 7 / 1.
3، مشاهير علماء الامصار (131)، الكامل في التاريخ حوادث سنة 129، تذهيب التهذيب 3 / 219 / 1 - 2، ميزان الاعتدال 3 / 593، تهذب التهذيب 9 / 268 - 269، خلاصة تذهيب الكمال (345).
وقد سقط الرمز " ق " من الاصل.
(*)

(6/224)


وعنه: أسامة بن زيد، والدراوردي، ومحمد بن معن، ويحيى بن سليم الطائفي، وعبد الرحمن بن أبي الزناد.
لينه البخاري.
وهو عم الاخوين ابني حسن للام، فأخذه المنصور لذلك، وضربه، وقيده، فمات في سجنه بالهاشمية سنة خمس وأربعين ومئة.
وقيل: سقاه.
قال النسائي: ليس بالقوي.
قال معن القزاز: زعموا أن المنصور قتله وقت خروج محمد بن عبد الله.

108 - عمران بن مسلم * (خ، م، د، ت، س) القصير الرباني، العابد أبو بكر البصري الوفي.
روى عن أبي رجاء العطاردي، وإبراهيم التيمي، وعطاء، وابن سيرين، والحسن، ونافع.
وقيل، روى عن أنس.
وعداده في صغار التابعين.
حدث عنه: بشر بن المفضل، ويحيى القطان، وعثمان بن زائدة، وعدة، خاتمتهم عبد الله بن رجاء الغداني.
إلا أنه فيما قال يحيى القطان: كان يرى القدر.
وثقه أحمد بن حنبل وغيره.
وذكره ابن عدي في " كامله " واستنكر له أحاديث وساقها.
وعندي أنها قوية.
ويروى عنه أنه عاهد الله تعالى أن لاينام إلا عن غلبة.
وبعضهم سمى أباه ميسرة.
__________
(*) التاريخ الكبير 6 / 419، التاريخ الصغر 2 / 140، الجرح والتعديل 6 / 304 - 305، مشاهير علماء الامصار (154)، تهذيب الكمال (1059)، تذهيب التهذيب 3 / 115 / 1، ميزان الاعتدال 3 / 243، تهذيب التهذيب 8 / 137 - 139، خلاصة تذهيب الكمال (296).
سير 6 / 15 (*)

(6/225)


109 - خالد بن صفوان * ابن الاهتم.
العلامة، البليغ، فصيح زمانه، أبو صفوان المنقري، الاهتمي، البصري.
وقد وفد على عمر بن عبد العزيز.
ولم أظفر له بوفاة.
إلا أنه كان في أيام التابعين.
روى عنه شبيب بن شيبة، وإبراهيم بن سعد وغيرهما.
وهو القائل، ثلاثة يعرفون عند ثلاثة، الحليم عند الغضب، والشجاع عند اللقاء، والصديق عند النائبة.
وقال: أحسن الكلام ما لم يكن بالبدوي المغرب، ولا بالقروي المخدج، ولكن ما شرفت منابته، وطرفت معانيه، ولذ على الافواه، وحسن في الاسماع، وازداد حسنا على ممر السنين، تحنحنه الدواة، وتقتنيه السراة (1).
قلت: وكان مشهورا بالبخل، رحمه الله.

110 - الاعمش * * (ع) سليمان بن مهران، الامام شيخ الاسلام، شيخ المقرئين والمحدثين، أبو
__________
(*) تاريخ خليفة (248)، البيان والتبيين: 1 / 32 - 47 - 173 - 292 - 317 - 336 - 340 - 352 - 2 / 93 - 117 - 220 - 250 - 297، 3 / 164، 274 و 4 / 92.
(1) ومن كلامه، وقد سئل: أي إخوانك أحب إليك ؟ قال، الذي يغفر زللي، ويقبل عللي، ويسد خللي.
قال المؤلف معلقا على ذلك: قلت: إنما ذاك هو الله تعالى، أجود الاجودين.
(* *) طبقات ابن سعد 6 / 342، تاريخ خليفة (232، 424)، طبقات خليفة (164)، التاريخ الصغير: 2 / 91، الجرح والتعديل 4 / 146، مشاهير علماء الامصار (111)، حلية الاولياء 5 / 46 - 60، تاريخ بغداد 9 / 3، الكامل في التاريخ 5 / 589، وفيات الاعيان 2 / 400 - 403، تهذيب الكمال (548 - 549)، تذهيب التهذيب 20 / 54 / 2، تاريخ
الاسلام 6 / 75، ميزان الاعتدال 2 / 224، تذكرة الحفاظ 1 / 154، غاية النهاية 1 / 315، تهذيب التهذيب 4 / 222 - 226، خلاصة تذهيب الكمال (155)، شذرات الذهب 1 / 220 - 223.
(*)

(6/226)


محمد الاسدي، الكاهلي، مولاهم الكوفي الحافظ.
أصله من نواحي الري.
فقيل ولد بقرية أمه من أعمال طبرستان في سنة إحدى وستين.
وقدموا به إلى الكوفة طفلا، وقيل: حملا.
قد رأى أنس بن مالك وحكى عنه، وروى عنه، وعن عبد الله بن أبي أوفى على معنى التدليس.
فإن الرجل مع إمامته كان مدلسا، وروى عن أبي وائل، وزيد بن وهب، وأبي عمرو الشيباني، وإبراهيم النخعي، وسعيد بن جبير وأبي صالح السمان، ومجاهد، وأبي ظبيان، وخيثمة بن عبدالرحمن، وزر ابن حبيش، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وكميل بن زياد، والمعرور بن سويد، والوليد بن عبادة بن الصامت، وتميم بن سلمة، وسالم بن أبي الجعد، وعبد الله بن مرة الهمداني، وعمارة بن عمير الليثي، وقيس بن أبي حازم، ومحمد ابن عبدالرحمن بن يزيد النخعي، وهلال بن يساف، وأبي حازم الاشجعي سلمان، وأبي العالية الرياحي، وإسماعيل بن رجاء، وثابت بن عبيد، وأبي بشر، وحبيب بن أبي ثابت، والحكم، وذر بن عبد الله، وزياد بن الحصين، وسعيد بن عبيدة، والشعبي، والمنهال بن عمرو، وأبي سبرة النخعي، وأبى السفر الهمداني، وعمرو بن مرة، ويحيى بن وثاب، وخلق كثير من كبار التابعين، وغيرهم.
روى عنه: الحكم بن عتيبة، وأبو إسحاق السبيعي، وطلحة بن مصرف، وحبيب بن أبي ثابت، وعاصم بن أبي النجود، وأيوب السختياني، وزيد بن
أسلم، وصفوان بن سليم، وسهيل بن أبي صالح، وأبان بن تغلب، وخالد الحذاء، وسليمان التيمي، وإسماعيل بن أبي خالد، وهم كلهم من أقرانه، وأبو حنيفة، والاوزاعي، وسعيد بن أبي عروبة، وابن إسحاق، وشعبة، ومعمر، وسفيان، وشيبان، وجرير بن حازم، وزائدة، وجرير بن عبدالحميد،

(6/227)


وأبو معاوية، وحفص بن غياث، وعبد الله بن إدريس، وعلي بن مسهر، ووكيع، وأبو أسامة، وسفيان بن عيينة، وأحمد بن بشير، وإسحاق بن يوسف الازرق، وسعد بن الصلت، وعبد الله بن نمير، وعبد الرحمن بن مغراء، وعثام بن علي، ويحيى بن سعيد الاموي، ويحيى بن سعيد القطان، ويونس ابن بكير، ويعلى بن عبيد، وجعفر بن عون، والخريبي، وعبيد الله بن موسى، وأبو نعيم الفضل بن دكين، وخلق كثير، آخرهم وفاة يحيى بن هاشم السمسار، أحد التلفى.
وقد قرأ القرآن على يحيى بن وثاب مقرئ العراق.
وقيل: إنه تلا على أبي العالية الرياحي، وذلك ممكن.
قرأ عليه حمزة الزيات، وزائدة بن قدامة، وقرأ الكسائي على زائدة بحروف الاعمش.
قال علي بن المديني: له نحو من ألف وثلاث مئة حديث.
قال سفيان عيينة: كان الاعمش أقرأهم لكتاب الله، وأحفظهم للحديث، وأعلمهم بالفرائض.
وقال يحيى القطان: هو علامة الاسلام.
قال وكيع بن الجراح: كان الاعمش، قريبا من سبعين سنة، لم تفته التكبيرة الاولى.
وقال عبد الله الخريبي: ما خلف الاعمش أعبد منه.
وقال ابن عيينة: رأيت الاعمش لبس فروا مقلوبا، وبتا تسيل خيوطه على رجليه.
ثم قال: أرأيتم لولا أني تعلمت العلم، من كان يأتيني لو كنت بقالا ؟ كان يقدر الناس أن يشتروا مني.
قال أبو نعيم: سمعت الاعمش يقول: كانوا يقرؤون على يحيى بن وثاب، فلما مات أحدقوا بي.
وقال أبو أسامة: قال الاعمش: ما أطفتم بأحد إلا حملتموه على الكذب.
الاشج: حدثنا حميد بن عبدالرحمن، عن الاعمش قال: استعان بي مالك بن الحارث في حاجة، فجئت في قباء مخرق.
فقال لي: لو لبست ثوبا

(6/228)


غيره، فقلت: امش فإنما حاجتك بيد الله، قال: فجعل يقول في المسجد: ما صرت مع سليمان إلا غلاما.
قال ابن إدريس: سئل الاعمش عن حديث فامتنع، فلم يزالوا به حتى استخرجوه منه.
فلما حدث به، ضرب مثلا فقال، جاء قفاف بدراهم إلى صير في يريه إياها، فلما ذهب يزنها، وجدها تنقص سبعين، فقال: عجبت عجيبة من ذئب سوء * أصاب فريسة من ليث غاب فقف بكفه سبعين منها * تنقاها من السود الصلاب (1) فإن أخدع فقد يخدع ويؤخذ * عتيق الطير من جو السحاب وقال نعيم بن حماد: حدثنا ابن عيينة قال: لو رأيت الاعمش وعليه فرو غليظ وخفان، أظنه قال: غليظان، كأنه إنسان سائل.
فقال يوما: لولا القرآن، وهذا العلم عندي، لكنت من بقالي الكوفة.
أخبرنا علي بن أحمد في كتابه، أنبأنا عمر بن محمد، أنبأنا عبد الوهاب الانماطي، أنبأنا عبد الله بن محمد، أنبأنا عبيد الله بن حبابة، حدثنا أبو القاسم البغوي، حدثنا محمود بن غيلان، حدثنا الفضل بن موسى، حدثنا الاعمش، قال، دخلت على مجاهد، فلما خرجت من عنده، تبعني بعض أصحابه فقال، سمعت مجاهدا يقول، لو كانت بي قوة، لا ختلفت إلى هذا -
يعني الاعمش.
وبه إلى البغوي، حدثني أبو سعيد، حدثنا حميد بن عبدالرحمن الرؤاسي، سمعت الاعمش يقول، انظروا: لا تنثروا هذه الدنانير على الكنائس.
__________
(1) القفاف: هو الذي يسرق الدراهم بين أصابعه عند نقدها.
والبيت في اللسان، مادة " قفف " ورواية الشطر الثاني فيه: " من السود المروقة الصلاب ".
(*)

(6/229)


وسمعته يقول: لا تنثروا اللؤلو تحت أظلاف الخنازير.
وبه حدثني زياد بن أيوب، حدثنا أبو سفيان الحميري، عن سفيان بن حسين قال: خرج الاعمش إلى بعض السواد فأتاه قوم فسألوه عن الحديث، قال: فقال له جلساؤه: لو حدثت هؤلاء المساكين ؟ فقال، من يعلق الدر على الخنازير ؟ ! حدثنا أبو سعيد الاشج، حدثنا ابن إدريس عن الاعمش قال، جلست إلى إياس بن معاوية بواسط فذكر حديثا.
فقلت: من ذكر هذا ؟ فضرب لي مثل رجل من الخوارج.
فقلت: أتضرب لي هذا المثل، تريد أن أكنس الطريق بثوبي، فلا أمر ببعرة ولا خنفس إلا حملتها ؟ ! حدثنا ابن حميد، حدثنا يعقوب القمي، عن أبي ربعي، عن الاعمش قال: العمالقة حرورية بني إسرائيل.
حدثني زياد بن أيوب، حدثنا ابن أبي زائدة، حدثنا الاعمش: دخل علي إبراهيم يعودني.
وكان يمازحني، فقال: أما أنت فتعرف في منزلة: أنه ليس من القريتين عظيم.
حدثني محمد بن إسحاق، حدثنا ابن عمير، سمعت أبا خالد الاحمر،
سمعت الاعمش يقول: كتبت عن أبي صالح ألف حديث.
حدثني أبو سعيد، حدثنا ابن إدريس، قال لي الاعمش: أما تعجب من عبد الملك بن أبجر قال: جاءني رجل فقال: إني لم أمرض، وأنا أشتهي أن أمرض، قال: فقلت: احمد الله على العافية.
قال: أنا أشتهي أن أمرض.
قال: كل سمكا مالحا، واشرب نبيذا مريسا، واقعد في الشمس، واستمرض الله.
فجعل الاعمش يضحك ويقول: كأنما قال له واستشف (1) الله عزوجل.
__________
(1) في الاصل " واستشفي ".
(*)

(6/230)


حدثني أبو سعيد، حدثنا أبو خالد الاحمر، عن الاعمش قال، بلغني أن الرجل إذا نام حتى يصبح يعني لم يصل (1) - توركه الشيطان فبال في أذنه.
وأنا أرى أنه قد سلح في حلقي الليلة، وذلك أنه كان يسعل.
حدثني صالح، حدثني علي، سمعت يحيى يقول: دخل محمد بن إسحاق على الاعمش، فكلموه فيه ونحن قعود، ثم خرج الاعمش وتركه في البيت.
فلما ذهب قال الاعمش: قلت له: شقيق، فقال، قل: أبو وائل، قال: وقال، زودني من حديثك حتى آتي به المدنية.
قال: قلت: صار حديثي طعاما.
وكنت آتي شقيق بن سلمة، وبنو عمه يلعبون بالنرد والشطرنج، فيقول: سمعت أسامة بن زيد، وسمعت عبد الله، وهم لا يدرون فيم نحن ؟ حدثنا محمد بن يزيد الكوفي، أخبرنا أبو بكر بن عياش قال: كان الاعمش إذا حدث ثلاثة أحاديث، قال، قد جاء كم السيل.
يقول أبو بكر: وأنا مثل الاعمش.
قال، وحدثني الاعمش قال إبراهيم: من تأتي اليوم ؟ قلت: أبا وائل.
قال: أما إنه قد كان يعد من خيار أصحاب عبد الله، فقال لي أبو وائل: ما
يمنعك أن تأتينا، فاعتذرت إليه، قال: أما إنه ما هو بأبغض: إلي أن تأتيني.
فقلت له: كم أكثر من كنت ترى عند إبراهيم ؟ قال: ثلاثة، أربعة، اثنين.
حدثنا محمد بن يزيد، أخبرنا أبو بكر، عن الاعمش، قال: خرج مالك إلى متنزه له، فمطرت السماء، فرفع رأسه، فقال: لئن لم تكف لاوذينك.
قال: فأمسك المطر.
فقيل له: أي شئ أردت أن تصنع ؟ قال: أن لا أدع من يوحده إلا قتلته.
فعلمت أن الله يحفظ عبده المؤمن.
__________
(1) في الاصل " يصلي ".
(*)

(6/231)


حدثنا محمد، أخبرنا أبو بكر، قال لي سفيان التمار، أتتني أم الاعمش به فأسلمته إلي وهو غلام فذكرت ذلك للاعمش فقال: ويل أمه ما أكبره.
ابن الاعرابي في " معجمه ": سمعت الدقيقي، سمعت علي بن الحسن بن سليمان، سمعت أبا معاوية، سمعت الاعمش يقول: تزوج جني إلينا فقلنا: إيش تشتهون من الطعام ؟ قال: الارز.
فأتينا بالارز.
فجعلت أرى اللقم ترفع ولا أرى أحدا.
قلت: فيكم هذه الاهواء ؟ قال نعم.
حدثنا محمد بن يزيد، حدثنا أبو خالد، ذكر الاعمش يعني حديث " ذاك بال الشيطان في أذنه " فقال: ما أرى عيني عمشت إلا من كثرة ما يبول الشيطان في أذني.
وما أظنه فعل هذا قط.
قلت: يريد أن الاعمش كان صاحب ليل وتعبد.
حدثنا زياد بن أيوب، سمعت هشيما (1) يقول: ما رأيت بالكوفة أحدا أقرا لكتاب الله ولا أجود حديثا من الاعمش، ولا أفهم، ولا أسرع إجابة لما يسأل عنه من ابن شبرمة.
حدثني أحمد بن زهير، سمعت إبراهيم بن عرعرة، سمعت يحيى
القطان، إذا ذكر الاعمش قال، كان من النساك، وكان محافظا على الصلاة في جماعة، وعلى الصف الاول، وهو علامة الاسلام.
وكان يحيى يلتمس الحائط حتى يقوم في الصف الاول.
حدثنا علي بن سهل، أخبرنا عفان، أخبرنا أبو عوانة، قال: جاء رقبة إلى الاعمش، فسأله عن شئ فكلح في وجهه، فقال له رقبة: أما والله ما علمتك لدائم القطوب، سريع الملال، مستخف بحق الزوار، لكأنما تسعط الخردل إذا سئلت الحكمة.
__________
(1) في الاصل " هشيم ".
(*)

(6/232)


وبه قال أبو عوانة: كانت للاعمش عندي بضاعة، فكنت آتيه فأقول: قد ربحت كذا وربحت كذا.
وما حركتها.
حدثنا محمد بن هارون، أخبرنا نعيم بن حماد، أخبرنا سفيان عن عاصم، سمعت القاسم أبا عبدالرحمن يقول: ما أحد أعلم بحديث ابن مسعود من الاعمش.
ثم قال نعيم: وسمعت ابن المبارك يقول: سمعت الاعمش يحلف أن لا يحدثني، ويقول: لا أحدث قوما وهذا التركي فيهم.
وسمعت جريرا يقول: كنا نرقعها عند الاعمش، ولم يكن فينا أحفظ من أبي معاوية.
وسمعت ابن عيينة يقول: سمعث الاعمش يقول: ليس بيننا وبين القوم إلا ستر.
حدثنا محمود بن غيلان قال: قال أبو نعيم: سمعت الاعمش يقول لابي معاوية: أما أنت، فقد ربطت رأس كبشك.
قلت يعني: وعى عنه علما جما.
حدثنا محمود بن غيلان، أخبرنا يحيى بن آدم، أخبرنا حفص بن غياث، سمعت الاعمش يقول: كنت إذا خلوت بأبي إسحاق حدثنا بحديث عبد الله،
غضا ليس عليه غبار.
حدثنا أبو سعيد الاشج، أخبرنا ابن إدريس، قال: سألت الاعمش عن حديث، فقال: لا أجيبك إلى الاضحى.
فقلت: لا آتيك إلى الاضحى.
فمكثت حتى حان وقتي ووقته، ثم أتيت المسجد فلم أكلمه، وجلست ناحية، وحوله جماعة، وابنه يكتب في الارض: سلوه عن كذا، سلوه عن كذا، فإذا دخل رجل لم يسلم، فإذا أراد أن يبزق خرج.
فقلت: يا أبا محمد ما هذا الذي حدث في مجلسك ؟ فقال: ابن إدريس ؟ قلت: نعم.
فسلم علي سلاما لم يكن ليسلمه على قبل ذلك، وساءلني مسألة لم يكن يسألني عنها.
وكان يعجبه أن يكون للعربي مرارة.

(6/233)


حدثنا أبو سعيد، أخبرنا أبو خالد: كنا عند الاعمش فسألوه عن حديث.
فقال لابن المختار: ترى أحدا من أصحاب الحديث ؟ فغمض عينيه وقال: ما أرى أحدا يا أبا محمد.
فحدث به.
حدثني أبو سعيد، أخبرنا أبو خالد الاحمر، سمعت الاعمش يقول: ما ظنكم برجل أعور، عليه قباء وملحفة موردة، جالسا مع الشرط، يعني إبراهيم.
حدثني أبو سعيد الاشج، حدثني محمد بن يحيى الجعفي، عن حفص بن غياث قال: قيل للاعمش أيام زيد: لو خرجت ؟ قال: ويلكم ! والله ما أعرف أحدا أجعل عرضي دونه.
فكيف أجعل ديني دونه ؟ ! حدثني أبو سعيد، أخبرنا ابن نمير، عن الاعمش قال: كنت آتي مجاهدا فيقول: لو كنت أطيق المشي لجئتك.
حدثنا محمد بن يزيد، أخبرنا أبو بكر بن عياش، أخبرنا مغيرة قال: لما
مات إبراهيم، اختلفت إلى الاعمش في الفرائض.
حدثني ابن زنجويه، أخبرنا نعيم بن حماد، أخبرنا عيسى بن يونس، عن الاعمش، قال، إني لاسمع الحديث فأنظر ما يؤخذ منه فاخذه وأدع سائره.
قال وكيع: جاؤوا إلى الاعمش يوما، فخرج، وقال: لولا أن في منزلي من هو أبغض إلى منكم ما خرجت إليكم.
قيل: إن أبا داود الحائك سأل الاعمش: ما تقول يا أبا محمد في الصلاة خلف الحائك ؟ فقال: لا بأس بها على غير وضوء.
قال: وما تقول في شهادته ؟ قال: يقبل مع عدلين.
وقال أحمد بن عبد الله العجلي، الاعمش ثقة ثبت.
كان محدث الكوفة في زمانه.
يقال: إنه ظهر له أربعة آلاف حديث، ولم يكن له كتاب.
قال: وكان يقرئ القرآن و [ هو ] رأس فيه.
وكان فصيحا.
وكان أبوه من سبي

(6/234)


الديلم، وكان عسرا سيئ الخلق، وكان لا يلحن حرفا، وكان علما بالفرائض.
وكان فيه تشيع.
ولم يختم عليه سوى ثلاثة: طلحة بن مصرف وكان أسن منه وأفضل وأبان بن تغلب، وأبو عبيدة بن معن.
قلت: مراد العجلي أنهم ختموا عليه تلقينا، وإلا فقد ختم عليه حمزة وغيره عرضا.
قال عيسى بن يونس: لم نر نحن مثل الاعمش، وما رأيت الاغناء عند أحد أحقر منهم عنده مع فقره وحاجته.
قلت: كان عزيز النفس، قنوعا، وله رزق على بيت المال، في الشهر خمسة دنانير قررت له في أواخر عمره.
وكان والد وكيع وهو الجراح بن مليح على بيت المال، فلما أتاه وكيع ليأخذ قال له: ائتني من أبيك بعطائي حتى أحدثك بخمسة أحاديث.
روى علي بن عثام بن علي، عن أبيه قال: قيل للاعمش: ألا تموت فنحدث عنك ؟ فقال: كم من حب (1) أصبهاني قد انكسر على رأسه كيزان كثيرة.
وورد أن الاعمش قرأ القرآن على زيد بن وهب، وزر بن حبيش، وإبراهيم النخعي.
وأنه عرض على أبي عالية الرياحي، وعلى مجاهد، وعاصم بن بهدلة، وأبي حصين.
وله قراءة شاذة ليس طريقها بالمشهور.
قال أبو بكر بن عياش: كان الاعمش يعرض القرآن، فيمسكون عليه المصاحف، فلا يخطئ في حرف.
التبوذكي: عن أبي عوانة قال: أعطيت امرأة الاعمش خمارا.
فكنت إذا جئت، أخذت بيده، فأخرجته إلي،
__________
(1) الحب: الجرة.
(*)

(6/235)


فقلت له: إن لي إليك حاجة، قال: ما هي ؟ قلت: إن لم تقضها فلا تغضب علي.
قال: ليس قلبي في يدي.
قلت: أمل علي.
قال: لا أفعل.
علي بن سعيد النسوي: سمعت أحمد بن حنبل يقول: منصور أثبت أهل الكوفة.
ففي حديث الاعمش اضطراب كثير.
إسحاق بن راهويه: حدثنا وكيع، سمعت الاعمش يقول: لولا الشهرة، لصليت الفجر، ثم تسحرت (1).
قال عيسى بن يونس: أرسل الامير عيسى بن موسى إلى الاعمش بألف درهم
__________
(1) وحجته في ذلك، ما رواه النسائي 4 / 142، وأحمد 5 / 400، وابن ماجة (1695) من حديث عاصم، عن زر قال: قلت لحذيفة: " أي ساعة تسحرت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال: هو النهار إلا أن الشمس لم تطلع ".
ورجاله ثقات، إلا أن عاصم بن أبي النجود قد تفرد به.
وقد علق عليه أبو بكر الجصاص في أحكام القرآن: 1 / 219 - 220 بقوله: " قيل: لا يثبت
ذلك عن حذيفة وهو مع ذلك من أخبار الآحاد، فلا يجوز الاعتراض به على القرآن.
قال تعالى: حتى يتبين لكم الخيط الابيض من الخيط الاسود من الفجر) فأوجب الصوم والامساك عن الاكل والشرب بظهور الخيط الذي هو بياض الفجر.
وحديث حذيفة إن حمل على حقيقته كان مبيحا لما حظرته الآية.
وقد قال النبي، صلى الله عليه وسلم، في حديث عدى بن حاتم: " هو بياض النهار وسواد الليل ".
فكيف يجوز الاكل نهارا في الصوم مع تحريم الله تعالى إياه في القرآن والسنة ؟.
ولو ثبت حديث حذيفة من طريق النقل لم يجز جواز الاكل في ذلك الوقت، لانه لم يعز الاكل إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، وإنما أخبر عن نفسه أنه أكل في ذلك الوقت، لا عن النبي، فكونه مع النبي في وقت الاكل لا دلالة فيه على علم النبي بذلك منه وإقراره عليه ولو ثبت أنه علم بذلك، وأقره عليه، احتمل أن يكون ذلك في آخر الليل قرب طلوع النهار، فسماه نهارا لقربه منه.
وقد قال العرباض بن سارية: " دعاني رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقال: هلم إلى الغداء المبارك " فسمى السحور غداء لقربه منه، وكذلك لا يمتنع أن يكون حذيفة سمى الوقت الذي تسحر فيه نهارا لقربه من النهار.
وقال أبو جعفر الطحاوي في " معاني الآثار " بعدما أورد حديث حذيفة: ففي هذا الحديث أنه أكل بعد طلوع الفجر، وهو يريد الصوم، ويحكي مثل ذلك عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وقد جاء عنه، صلى الله عليه وسلم، خلاف =

(6/236)


وصحيفة ليكتب فيها حديثا، فكتب فيها: بسم الله الرحمن الرحيم وقل هو الله أحد، ووجه بها إليه.
فبعث إليه: يا ابن الفاعلة، ظننت أني لا أحسن كتاب الله ؟.
فبعث إليه: أظننت أني أبيع الحديث ؟ قال عيسى بن يونس: أتى الاعمش أضياف، فأخرج إليهم رغيفين، فأكلوهما.
فدخل فأخرج لهم نصف حبل قت، فوضعه على الخوان، وقال: أكلتم قوت عيالي فهذا قوت شاتي فكلوه.
وخرجنا في جنازة، ورجل يقوده، فلما رجعنا عدل به، فلما أصحر، قال:
أتدري أين أنت ؟ أنت في جبانة كذا.
ولا أردك حتى تملا ألواحي حديثا.
قال: اكتب.
فلما ملا الالواح رده.
فلما دخل الكوفة دفع ألواحه لانسان.
فلما أن انتهى الاعمش إلى بابه، تعلق به وقال: خذوا الالواح من الفاسق.
فقال: يا أبا محمد قد فات.
فلما أيس منه، قال: كل ما حدثتك به كذب.
قال: أنت أعلم بالله من أن تكذب.
قال عبد الله بن إدريس ; قلت للاعمش: يا أبا محمد، ما يمنعك من أخذ شعرك ؟ قال: كثرة فضول الحجامين.
قلت: فأنا أجيئك بحجام لا يكلمك
__________
= ذلك.
فقد روينا أنه صلى الله عليه وسلم، قال: " إن بلالا يؤذن بليل، فلكوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم " وأنه قال: " لا يمنعن أحدكم أذان بلال من سحوره فإنه إنما يؤذن لينتبه نائمكم، وليرجع قائمكم " ثم وصف الفجر بما قد وصفه به.
فدل ذلك على أنه هو المانع للطعام والشراب وما سوى ذلك مما يمنع منه الصائم.
فهذه الآثار التي ذكرنا مخالفة لحديث حذيفة.
وقد يحتمل حديث حذيفة عندنا - والله أعلم - أن يكون قبل نزول قوله تعالى: (وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الابيض من الخيط الاسود من الفجر، ثم أتموا الصيام إلى الليل).
ثم قال - بعد كلام -: فلا يجب ترك آية من كتاب الله تعالى نصا، وأحاديث رسول الله قد قبلتها الامة، وعملت بها من لدن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إلى حديث قد يجوز أن يكون منسوخا بما ذكرناه في هذا الباب ".
(*)

(6/237)


حتى تفرغ.
فأتيت جنيدا الحجام، وكان محدثا، فأوصيته.
فقال: نعم.
فلما أخذ نصف شعره قال: يا أبا محمد، كيف حديث حبيب بن أبي ثابت في المستحاضة ؟ فصاح صيحة، وقام يعدو.
وبقي نصف شعر بعد شهر غير مجزوز.
سمعها علي بن خشرم منه.
وقال عيسى بن يونس: خرج الاعمش فإذا بجندي، فسخره ليخوض به
نهرا.
فلما ركب الاعمش قال: (سبحان الذي سخر لنا هذا) فلما توسط به الاعمش قال: (وقل رب أنزلني منزلا مباركا وأنت خير المنزلين)) [ المؤمنون 29 ] ثم رمى به.
أخبرنا إسحاق بن أبي بكر، أنبأنا يوسف بن خليل، أنبأنا أحمد بن محمد اللبان، أنبأنا أبو علي المقرئ، أنبأنا أبو نعيم، حدثنا أحمد بن جعفر بن سلم، حدثنا الابار، حدثنا إبراهيم بن سعيد، حدثنا زيد بن الحباب، عن حسين بن واقد قال: قرأت على الاعمش، فقلت له: كيف رأيت قراءتي ؟ قال: ما قرأ علي علج أقرأ منك.
وبه إلى أبي نعيم، حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا محمد بن الخزز الطبراني، حدثنا أحمد بن حرب الموصلي، حدثنا محمد بن عبيد قال: جاء رجل نبيل كبير اللحية إلى الاعمش، فسأله عن مسألة خفيفة في الصلاة، فالتفت إلينا الاعمش، فقال: انظروا إليه ! لحيته تحتمل حفظ أربعة آلاف حديث، ومسألته مسألة صبيان الكتاب.
قال جرير بن عبدالحميد: كان الاعمش إذا سألوه عن حديث فلم يحفظه، جلس في الشمس، فيعرك بيديه عينيه، فلا يزال حتى يذكره.
إبراهيم بن رستم الاصبهاني، حدثنا أبو عصمة، عن الاعمش قال: آية التقبل الوسوسة، لان أهل الكتابين لا يدرون ما الوسوسة، وذلك لان أعمالهم

(6/238)


لا تصعد إلى السماء.
عن أبي بكر بن عياش قال: رأيت الاعمش يلبس قميصا مقلوبا ويقول: الناس مجانين يجعلون الخشن مقابل جلودهم.
وقيل: إن الاعمش كان له ولد مغفل فقال له: اذهب فاشتر لنا حبلا
للغسيل.
فقال: يا أبة طول كم ؟ قال: عشرة أذرع.
قال: في عرض كم ؟ قال: في عرض مصيبتي فيك.
ذكر رواية الاعمش عن أنس بن مالك أخبرنا بيبرس العقيلي وأيوب الاسدي، قالا: أنبأنا محمد بن سعيد الصوفي، أنبأنا أحمد بن المقرب، أنبأنا طراد النقيب، أنبأنا علي العيسوي، أنبأنا محمد بن عمرو، حدثنا أحمد بن عبد الجبار العطاردي، حدثنا محمد بن فضيل، عن الاعمش قال: رأيت أنسا رضي الله عنه بال، فغسل ذكره غسلا شديدا، ثم توضأ، ومسح على خفيه فصلى بنا وحدثنا في بيته (1).
هذا حديث صالح الاسناد.
بين فيه الاعمشس أن أنس بن مالك حدثهم في منزله.
أخبرنا أحمد بن سلامة كتابة، أنبأنا أبو المكارم التيمي، أنبأنا أبو علي الحداد، أنبأنا أبو نعيم الاصبهاني، حدثنا حبيب القزاز، حدثنا يوسف القاضي، حدثنا مسدد، حدثنا عيسى بن يونس، حدثنا الاعمش قال: " رأيت أنس بن مالك يصلي في المسجد الحرام، إذا رفع رأسه من الركوع، رفع صلبه حتى يستوي بطنه " (2).
هذا حديث صحيح الاسناد.
__________
(1) أحمد بن عبد الجبار ضعيف، وأخرجه الخطيب في " تاريخ بغداد " 9 / 4.
(2) الحلية 5 / 5.
(*)

(6/239)


وبه إلى أبي نعيم، حدثنا عبد الله بن جعفر، حدثنا إسماعيل بن عبد الله، حدثنا عمر بن حفص بن غياث، حدثنا أبي، حدثنا الاعمش، عن أنس، قال:
توفي رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقيل له: أبشر بالجنة.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أفلا تدرون ؟ فلعله قد تكلم بما لا يعنيه، أو بخل بما لا ينفعه " (1).
غريب يعد في أفراد عمر بن حفص شيخ البخاري.
وبه قال أبو نعيم، حدثنا أبو جعفر أحمد بن محمد المعدل، حدثنا عبد الله بن محمد المخرمي، حدثنا عيسى بن جعفر، حدثنا أحمد بن داود الحراني، سمعت عيسى بن يونس، سمعت الاعمش يقول: كان أنس بن مالك يمر بي طرفي النهار، فأقول: لا أسمع منك حديثا.
خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم جئت إلى الحجاج حتى ولاك ؟ ثم ندمت فصرت أروي عن رجل عنه.
وبه حدثنا محمد بن محمد أبو جعفر البغدادي المقرئ، حدثنا عبد الله بن أيوب القربي، حدثنا معاذ بن أسد (ح) وبه إلى أبي نعيم، حدثنا محمد بن حميد، حدثنا جعفر الفريابي، حدثنا داود بن مخراق، قالا: حدثنا الفضل بن موسى، حدثنا الاعمش، عن أنس بن مالك قال: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر، فمر على شجرة يابسة فضربها بعصا كانت في يده، فتناثر الورق، فقال: " إن سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر يساقطن الذنوب كما تساقط هذه الشجرة ورقها " (2).
__________
(1) أخرجه الترمذي (2317) في الزهد، باب: فيمن تكلم فيما لا يعنيه، واستغربه، وفيه أيضا أن الاعمش لم يسمع من أنس.
وقد ذكر الترمذي ذلك، في عقب الحديث الآتي قريبا.
(2) حلية الاولياء 5 / 55، وأخرجه الترمذي (3533) في الدعوات، وقال: هذا حديث غريب، ولا نعرف للاعمش سماعا من أنس، إلا أنه قد رآه ونظر إليه.
والرواية المتقدمة صريحة في أنه لم يسمع منه.
(*)

(6/240)


هذا حديث غريب.
ورواته ثقات.
وبه حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم القاضي، حدثنا علي بن أحمد بن النضر، حدثنا عاصم بن علي (ح) وحدثنا عبد الملك بن الحسن، حدثنا أحمد ابن يحيى الحلواني، حدثنا أحمد بن يونس، قالا: حدثنا أبو شهاب عبد ربه الحناط، حدثنا الاعمش، عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ويل للمالك من المملوك، وويل للمملوك من المالك، وويل للشديد من الضعيف، وويل للضعيف من الشديد، وويل للغني من الفقير، وويل للفقير من الغني " (1).
وبه: حدثنا عبد الله بن جعفر، حدثنا إسماعيل بن عبد الله، حدثنا الحسين ابن حفص، حدثنا أبو مسلم قائد الاعمش، عن الاعمش، عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يا جبريل، هل ترى ربك ؟ قال: إن بيني وبينه تسعين حجابا من نار، أو نور، لو دنوت من أدناها، لاحترقت " (2).
هذا حديث منكر.
وأبو مسلم ليس بمعتمد.
وبه: حدثنا الحسين بن محمد الزبيري، حدثنا أحمد بن حمدون الاعمشي، ومحمد بن إبراهيم قالا: حدثنا أحمد بن حفص بن عبد الله، حدثنا سعيد بن الصباح، حدثنا الثوري، عن الاعمش، عن ابن أبي أوفى: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " الخوارج كلاب النار " (3).
هذا رواه الناس عن إسحاق
__________
(1) حلية الاولاء: 5 / 55، وعلته الانقطاع.
(2) حلية الاولياء 5 / 55، وأبو مسلم قائد الاعمش، واسمه عبد الله بن سعيد ضعيف.
(3) حلية الاولياء 5 / 56، والاعمش لم يسمع من ابن أبي أوفى.
وأخرجه ابن ماجه (12)، وأحمد 4 / 355 من طريق إسحاق بن يوسف الازرق، عن الاعمش، عن ابن أبي أوفى.
وأخرجه أحمد 4 / 382 والحاكم 3 / 571 من طريق: الحشرج بن نباتة، عن سعيد بن جهمان قال: أتيت عبد الله بن أبي أوفى، وهو محجوب البصر، فسلمت عليه، فقال لي: =
سير 6 / 16

(6/241)


الازرق، عن الاعمش.
وقد طلب الاعمش وكتب العلم بالكوفة قبل موت عبد الله بن أبي أوفى بأعوام.
وهو معه ببلده.
فما أبعد أن يكون سمع منه.
قرأت هذه الاحاديث السبعة على إسحاق بن النحاس: أخبركم ابن خليل، أنبأنا أبو المكارم، فذكرها.
ومن أعلى روايته: أخبرنا عبدالرحمن بن محمد، والمسلم بن علان، وأحمد بن عبد السلام، إذنا قالوا: أنبأنا عمر بن محمد أنبأنا هبة الله بن محمد، أنبأنا محمد ابن محمد بن غيلان، أنبأنا أبو بكر الشافعي، حدثنا محمد بن سليمان الواسطي، ومحمد بن خالد بن يزيد الآجري، قالا: أنبأنا أبو نعيم، حدثنا الاعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ليس المسكين الذي ترده التمرة والتمرتان، ولا اللقمة واللقمتان، ولكن المسكين الذي لا يسأل الناس، ولم يفطن بمكانه فيعطى " (1).
__________
= من أنت ؟ فقلت: أنا سعيد بن جهمان.
قال: فما فعل والدك ؟ قال: قلت: قتلته الازارقة قال: لعن الله الازارقة، لعن الله الازارقة.
حدثنا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أنهم كلاب النار.
قال: قلت: الازارقة وحدهم أم الخوارج كلها ؟ قال: بل الخوارج كلها ".
وفي الباب عن أبي أمامة، عند أحمد 5 / 253 من طريق: عبد الرزاق، عن معمر عن أبي غالب، عن أبي أمامة.
وأبو غالب: هو صاحب أبي أمامة مختلف فيه، وربما ينتهض هذا الحديث بهذا الشاهد فيصح.
وهذا الحديث محمول على الخوارج المبتدعة الذين خرجوا على علي رضي الله عنه وانظر ما قاله ابن حجر فيما نقله عنه المناوي، في " فيض القدير " 3 / 510.
(1) من طريق الاعمش، أخرجه أبو داود (1631) في الزكاة، وأحمد 2 / 393،
وأخرجه من طرق أخرى عن أبي هريرة: البخاري (1476) و (1479) في الزكاة، و (4539) في التفسير، ومسلم (1039) في الزكاة، والنسائي 5 / 85، ومالك 2 / 923 في صفة النبي: باب ما جاء في المسكين، والدارمي 1 / 379، وأحمد 2 / 260، 316، 395، 445، 457، 469، 506، وأخرجه من طريق ابن مسعود: أحمد 1 / 384، 446 وهو في الحلية 7 / 108.
(*)

(6/242)


أخبرنا أحمد بن المؤيد السهروردي، أنبأنا أحمد بن صرما، والفتح بن عبد الله ببغداد، أنبأنا محمد بن عمر الارموي، أنبأنا أبو الحسين بن النقور، أنبأنا علي بن عمر الحربي، حدثنا أحمد بن الحسن الصوفي، حدثنا يحيى ابن معين، حدثنا حفص بن غياث، عن الاعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من أقال مسلما عثرته، أقاله الله يوم القيامة " (1) أخرجه أبو داود عن يحيى.
أخبرنا أبو الغنائم بن محاسن، أنبأنا جدي لامي عبد الله بن أبي نصر القاضي، سنة عشرين وست مئة، أنبأنا عيسى بن أحمد الدوشابي، أنبأنا الحسين بن علي بن البسري، أنبأنا عبد الله بن يحيى السكري، أنبأنا اسماعيل ابن محمد الصفار، حدثنا سعدان بن نصر، حدثنا أبو معاوية، عن الاعمش، عن المسيب بن رافع، عن قبيصة بن جابر قال: قال عمر: لا أوتى بمحل، ولا محلل له إلا رجمتهما " (2).
كتب إلي عبد الله بن يحيى الجزائري، أنبأنا إبراهيم بن بركات، أنبأنا أبو القاسم الحافظ، أنبأنا علي بن إبراهيم الحسيني، أنبأنا أحمد بن علي الحافظ، أخبرني عبدالملك بن عمر، أنبأنا علي بن عمر الحافظ، حدثنا أبو القاسم هبة الله بن جعفر المقرئ، حدثنا محمد بن يوسف بن يعقوب، حدثنا
__________
(1) أخرجه أبو داود (3460) في البيوع والاجارات: باب في فضل الاقالة، من طريق: يحيى بن معين، عن حفص، عن الاعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة.
وأخرجه ابن ماجه (2199) في التجارات: باب الاقالة.
من طريق: زياد بن يحيى، عن مالك بن سعير، عن الاعمش به.
واسناده صحيح.
وصححه ابن حبان (1103) والحاكم 2 / 45، وابن دقيق العيد، وابن حزم.
(2) وأخرجه البيهقي من طريق: الصفار، عن سعدان بن نصر، عن أبي معاوية، عن الاعمش به..(*)

(6/243)


إدريس بن علي، حدثنا السندي بن عبدويه، حدثنا إبراهيم بن طهمان، عن منصور بن المعتمر، عن الاعمش، عن عدي بن ثابت، عن زر، عن علي، سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " يا علي إنه لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق " (1).
وهذا وقع أعلى من هذا بخمس درجات في جزء الذهلي وغيره.
جعفر بن محمد بن عمران، حدثنا أبويحيى الحماني، عن الاعمش: سمعت أنسا يقرأ (إن ناشئة الليل هي أشد وطأ وأصوب قيلا) فقيل له: يا أبا حمزة (وأقوم قيلا) فقال: أقوم، وأصوب واحد (2).
ويقال: إن الاعمش كان ربما خرج إليهم وعلى كتفه مئزر العجين.
وإنه لبس مرة فروا مقلوبا، فقال له قائل: يا أبا محمد ; لو لبستها وصوفها إلى داخل كان أدفأ لك.
قال: كنت أشرت على الكبش بهذه المشورة.
__________
(1) أخرجه مسلم (132) في الايمان، باب الدليل على أن حب الانصار وعلي رضي الله عنه من الايمان، والترمذي (3737) في المناقب: باب لا يحب عليا إلا مؤمن، والنسائي 8 / 116 و 117 في الايمان: باب علامة المنافق، وابن ماجه (114) في المقدمة
: باب فضل علي بن أبي طالب.
(2) أخرجه البغدادي في تاريخه 9 / 4 من طريق أحمد بن علي الابار عن جعفر بن محمد ابن عمران الثعلبي، عن أبي يحيى الحماني، عن الاعمش: سمعت أنسا..ففي هذه الرواية تصريح بسماع الاعمش من أنس ورجال السند ثقات، إلا أن أبا يحيى الحماني، واسمه عبد الحميد بن عبدالرحمن يخطئ كما في " التقريب " وقد خالفه غيره، فلم يذكر سماع الاعمش من أنس، وقد أخرجه أبو يعلى الموصلي، من طريق إبراهيم بن سعيد الجوهري، حدثنا أبو أسامة، حدثنا الاعمش: أن أنس بن مالك، قرأ هذه الآية: (إن ناشئة الليل، هي أشد وطأ وأصوب قيلا) فقال له رجل: إنما نقرؤها: وأقوم قيلا " فقال له: إن أصوب، وأقوم، وأهيأ، وأشباه هذا واحد.
وأخرجه الطبري 1 / 22 و 29 / 130 - 131 من =

(6/244)


قالوا: مات الاعمش في ربيع الاول سنة ثمان وأربعين ومئة بالكوفة.
ومات معه فيها شيخ المدينة جعفر بن محمد الصادق، وشيخ مصر عمرو بن الحارث الفقيه، وشيخ حمص محمد بن الوليد الزبيدي، وشيخ واسط العوام ابن حوشب، وقاضي الكوفة ومفتيها محمد بن عبدالرحمن بن أبي ليلى.
قرأت على الحسن بن علي، أنبأنا سالم بن الحسن، أنبأنا نصر الله بن عبد الرحمن، أنبأنا أبو سعيد (1) بن خشيش، أنبأنا أبو علي بن شاذان، أنبأنا عثمان ابن أحمد، حدثنا محمد بن عبيدالله المنادي، حدثنا حفص بن غياث قال: أتيت أنا وصاحب لي إلى الاعمش نسمع منه.
فخرج إلينا وعليه فروة مقلوبة قد أدخل رأسه فيها.
فقال لنا: تعلمتم السمت ؟ تعلمتم الكلام ؟ أما والله ما كان الذين مضوا هكذا.
وأجاف الباب، أو قال: يا جارية أجيفي الباب.
ثم
__________
= طريق: أبي أسامة، وأبي يحيى الحماني، كلاهما عن الاعمش قال: قرأ أنس: (إن ناشئة الليل هي أشد وطأ وأصوب قيلا).
فقال له بعض القوم: يا أبا حمزة إنما هي: وأقوم.
فقال: أقوم، وأصوب، وأهدى، واحد، وأورده الهيثمي في " المجمع " 7 / 156 ونسبه إلى البزار، وأبي يعلى، وقال: لم يقل الاعمش: سمعت أنسا، ورجال أبي يعلى رجال الصحيح.
ورجال البزار ثقات.
ونقل القرطبي في تفسيره 9 / 41 عن أبي بكر الانباري قوله: حديث لا يصح عن أحد من أهل العلم، لانه مبني على رواية الاعمش، فهو مقطوع ليس بمتصل، فيؤخذ به من قبل أن الاعمش رأى أنسا ولم يسمع منه، على أننا لو سلمنا بصحته، وسماع الاعمش من أنس، فيحتمل كما في " نكت الانتصار " 1 / 225 أن يكون أنس فهم من الاخذ عليه أنه استصعب غلطه وشنع عليه، فأخبر أن هذا ليس بالسديد: وأن أصوب، وأقوم وأهيأ سواء.
وإن لم تجز القراءة عنده إلا بأقوم.
لان القراءة عبادة، وليس هو كغلط من بدل القرآن بما لا ينبئ عن معناه.
ولو تنزلنا فقلنا، إن أنسا يجيز ذلك، فهو مذهب انفرد به، لم يوافقه عليه غيره، فيكون من الشاذ الذي ينبغي اطراحه، والعدول عنه.
(1) في استدراك ابن نقطة: هو أبو أسعد محمد بن عبد الكريم بن محمد بن محمد بن خشيش نقله المعلمي اليماني في تعليقه على " الاكمال " 3 / 152.
(*)

(6/245)


خرج إلينا فقال: هل تدرون ما قالت الاذن ؟ قالت: لولا أني أخاف أن أقمع بالجواب، لطلت كما يطول الكساء.
قال حفص: فكم من كلمة أغاظني صاحبها.
منعني أن أجيبه قول الاعمش.
أخبرنا سليمان بن قدامة القاضي، أنبأنا جعفر الهمداني، أنبأنا السلفي، أنبأنا المبارك بن عبد الجبار، أنبأنا العتيقي، أنبأنا أبو بكر محمد بن عدي، حدثنا أبو عبيد محمد بن علي، سمعت أبا داود يقول: قيل للاعمش: لو أدركت عليا قاتلت معه ؟ قال: لا.
ولا أسأل عنه، لا أقاتل مع أحد أجعل عرضي دونه، فكيف ديني دونه ؟ !
قال أبو الحسين بن المنادي: قد رأى أنسا إلا أنه لم يسمع منه.
ورأى أبا بكرة الثقفي وأخذ له بركابه، فقال له: يا بني ; إنما أكرمت ربك عزوجل.
قلت: لم يصح هذا.
روى أحمد بن عبد العزيز الانصاري، عن وكيع، عن الاعمش، قال: رأيت أنسا وما منعني أن أسمع منه إلا استغنائي بأصحابي.
وقال القاسم بن عبدالرحمن ورأى الاعمش: هذا الشيخ أعلم الناس بقول ابن مسعود.
وعن ابن عيينة: سبق الاعمش الناس بأربع: كان أقرأهم للقرآن، وأحفظهم للحديث، وأعلمهم بالفرائض، وذكر خصلة أخرى.
قال هشيم: ما رأيت بالكوفة أحدا كان أقرأ من الاعمش.
وقال زهير بن معاوية ; ما أدركت أحدا أعقل من الاعمش ومغيرة.
وقال أحمد: أبو إسحاق والاعمش رجلا أهل الكوفة.
قال أبو داود السجستاني: عند شعبة عن الاعمش نحو من خمس مئة

(6/246)


[ حديث ].
أخطأ فيها في أكثر من عشرة أحاديث.
وكان عند وكيع عنه ثمان مئة.
وسفيان أعلمهم بالاعمش.
قال محمد بن خلف التيمي، عن أبي بكر بن عياش قال: كنا نسمي الاعمش سيد المحدثين.
كنا نجئ إليه إذا فرغنا من الدوران.
فيقول: عند من كنتم ؟ فنقول: عند فلان.
فيقول: طبل مخرق.
ويقول: عند من كنتم ؟ فنقول: عند فلان.
فيقول: طير طيار.
ونقول: عند فلان.
فيقول: دف.
وكان يخرج إلينا شيئا فنأكله.
فقلنا يوما: لا يخرج شيئا إلا أكلتموه.
فأخرج شيئا فأكلناه وأخرج فأكلناه، فدخل فأخرج فتيتا فشربناه، فدخل وأخرج إجانة وقتا،
وقال: فعل الله بكم وفعل.
أكلتم قوتي وقوت المرأة، وشربتم فتيتها.
هذا علف الشاة.
قال: فمكثنا ثلاثين يوما لا نكتب عنه فزعا منه، حتى كلمنا إنسانا عطارا كان يجلس إليه حتى كلمه لنا.
قال أبو خالد الاحمر: سئل الاعمش عن حديث، فقال لابن المختار: ترى أحدا من أصحاب الحديث ؟ فغمض عينيه وقال: لا أرى أحدا يا أبا محمد، فحدث به.
روى الكوسج عن ابن معين قال: الاعمش ثقة.
وقال السنائي: ثقة ثبت.
روى شريك عن الاعمش قال: لم يكن إبراهيم يسند الحديث لاحد إلا لي لانه (1) كان يعجب بي.
قال أبو عوانة، وعبد الله بن داود: مات الاعمش سنة سبع وأربعين ومئة.
__________
(1) في الاصل " لا انه ".
(*)

(6/247)


وقال وكيع والجمهور سنة ثمان.
زاد أبو نعيم: في ربيع الاول وهو ابن ثمان وثمانين سنة.
ذكر أصحاب الاعمش قال النسائي: الطبقة الاولى: منهم سفيان، وشعبة، ويحيى القطان.
الطبقة الثانية: زائدة، ويحيى بن أبي زائدة، وحفص بن غياث.
الطبقة الثالثة: أبو معاوية، وجرير بن عبد الحميد، وأبو عوانة.
الطبقة الرابعة: ابن المبارك، وفضيل بن عياض، وقطبة بن عبد العزيز، ومفضل بن مهلهل، وداود الطائي.
الطبقة الخامسة: عبد الله بن إدريس، وعيسى بن يونس، ووكيع، وحميد بن
عبدالرحمن الرؤاسي، وعبد الله بن داود، والفضل بن موسى، وزهير بن معاوية.
الطبقة السادسة: عبد الواحد بن زياد، وأبو أسامة، وعبد الله بن نمير.
الطبقة السابعة: عبيدة بن حميد، وعبدة بن سليمان.

111 - الكلبي * (ت) العلامة الاخباري ، أبو النضر محمد بن السائب بن بشر الكلبي المفسر.
وكان أيضا رأسا في الانساب إلا أنه شيعي متروك الحديث.
يروي عنه ولده هشام وطائفة.
__________
(*) طبقات ابن سعد 6 / 249، تاريخ خليفة (423)، طبقات خليفة (167)، المعارف: 533، التاريخ الكبير 1 / 101، التاريخ الصغير 2 / 51، الجرح والتعديل 7 / 270، كتاب المجروحين 2 / 253، الفهرست (95)، وفيات الاعيان 4 / 309 - 311، تهذيب الكمال: (1199)، تذهيب التهذيب 3 / 205 / 1، ميزان الاعتدال: 3 / 556 - 559، =

(6/248)


أخذ عن أبي صالح، وجرير، والفرزدق وجماعة.
وكان الثوري يروي عنه، ويدلسه فيقول: حدثنا أبو النضر (1).
توفي سنة ست وأربعين ومئة.
__________
العبر 1 / 207، الوافي بالوفيات: 3 / 83، تهذيب التهذيب 9 / 178 - 181، خلاصة تذهيب الكمال (337)، طبقات المفسرين: 2 / 144، شذرات الذهب 1 / 217.
(2) قال البخاري في " تاريخه الكبير: " محمد بن السائب أبو النضر الكلبي تركه يحيى بن سعيد وابن مهدي.
وقال لنا علي: حدثنا يحيى بن سعيد عن سفيان قال: قال لي الكلبي، قال لي أبو صالح: كل شئ حدثتك فهو كذب.
وقال أبو حاتم: الناس مجمعون على ترك حديثه لا يشتغل به، هو ذاهب الحديث.
وقال النسائي، ليس بثقة، ولا يكتب حديثه.
وقال زائدة: أما الكلبي فقد كنت اختلفت إليه.
فسمعته يوما يقول: مرضت مرضة فنسيت ما كنت أحفظ، فأتيت آل محمد، عليه الصلاة والسلام، فتفلوا في في، فحفظت ما كنت نسيت.
فقلت: لا والله لا أروي عنك بعد هذا شيئا، فتركته.
وقال معتمر بن سليمان: سمعت ليث بن أبي سليم يقول: بالكوفة كذابان: الكلبي، وذكر آخر.
وقال أحمد بن هارون: سألت أحمد بن حنبل عن تفسير الكلبي، فقال: كذب.
قلت: يحل النظر فيه ؟ قال: لا.
وقال أبو حاتم بن حبان: مذهبه في الدين، ووصوح الكذب فيه أظهر من أن يحتاج إلى الاغراق في وصفه، فالكلبي يروي عن أبي صالح عن ابن عباس التفسير، وأبو صالح لم ير ابن عباس، ولا سمع منه شيئا، ولا سمع الكلبي من أبي صالح إلا الحرف بعد الحرف.
فما رواه الكلبي لا يحل ذكره في الكتب.
فكيف الاحتجاج به ؟ ! والله جل وعلا ولى رسوله صلى الله عليه وسلم، تفسير كلامه، وبيان ما أنزل إليه لخلقه فقال: (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم)، ومن أمحل المحال أن يأمر الله جل وعلا، النبي المصطفى أن يبين لخلقه مراد الله عزوجل من الآي التي أنزلها الله عليه، ثم لا يفعل ذلك رسول رب العالمين وسيد المرسلين، بل أبان عن مراد الله تعالى في الآي، وفسر لامته ما بهم الحاجة إليه، وهو سنته، صلى الله عليه وسلم فمن تتبع السنن، وحفظها وأحكمها، فقد عرف تفسير كلام الله تعالى، وأغناه الله عن الكلبي وذويه.
انظر " المجروحين " 2 / 253 وما بعدها.
(*)

(6/249)


112 - عمرو بن قيس * (م، 4) الكوفي، الملائي، البزاز، الحافظ، من أولياء الله.
حدث عن عكرمة والحكم بن عتيبة، وعطاء، ومصعب بن سعد، وعطية العوفي، وأبي إسحاق السبيعي، وليس هو بالمكثر.
حدث عنه سفيان الثوري وصحبه زمانا، وأبو خالد الاحمر، والمحاربي،
وسعد بن الصلت، وأسباط بن محمد، وعمر بن شبيب المسلي، وآخرون.
قال أبو زرعة: ثقة مأمون.
وذكره الثوري، فأثنى عليه.
جعفر بن كزال: حدثنا محمد بن بشر، حدثنا المحاربي، قال لي الثوري: عمرو بن قيس هو الذي أدبني.
علمني قراءة القرآن، والفرائض، وكنت أطلبه في سوقه، فإن لم أجده ففي بيته، إما يصلي، أو يقرأ في المصحف كأنه يبادر أمرا يفوته.
فإن لم أجده، وجدته في مسجد قاعدا يبكي، وأجده في المقبرة ينوح على نفسه.
ولما مات غلق أهل الكوفة أبوابهم، وخرجوا [ بجنازته، فلما أخرجوه إلى الجبال ] وبرزوا بسريره.
وكان أوصى أن يصلي عليه أبو حيان التيمي [ تقدم أبو حيان فكبر عليه أربعا ] وسمعوا صائحا يصيح: قد جاء المحسن، قد جاء المحسن عمرو بن قيس.
وإذا البرية مملوءة [ من ] طير أبيض لم ير على خلقتها وحسنها.
فعجب الناس.
فقال أبو حيان: من أي [ شئ ] تعجبون ؟ هذه ملائكة.
[ جاءت فشهدت عمرا ] (1)
__________
(*) التاريخ الكبير 6 / 363، الجرح والتعديل 6 / 354 - 355، مشاهير علماء الامصار 167، حلية الاولياء 5 / 100، تهذيب الكمال (1048)، تذهيب التهذيب 3 / 108 / 1، تاريخ الاسلام 6 / 110، ميزان الاعتدال 3 / 284، خلاصة تذهيب الكمال 296.
(1) الخبر في " الحلية " 5 / 101، والزيادات منه، وجعفر بن كزال مجهول وكذا راويه عنه، (*)

(6/250)


وقال إسحاق بن موسى الخطمي: حدثنا أبو خالد الاحمر، قال: كان عمرو ابن قيس مؤاجر نفسه من بعض التجار، فمات بالشام، فرأوا الصحراء مملوءة من الرجال عليهم ثياب بيض.
فلما صلي عليه فقدوا.
فكتب صاحب البريد بذلك إلى الامير عيسى بن موسى، فقال لابن شبرمة: كيف لم تكونوا تذكرون
لي هذا ؟ قال: كان يقول: لا تذكروني عنده.
وقيل: كان يقرئ الناس، فيقعد بين يدي الطالب.
وقيل: كان إذا نظر إلى أهل السوق، بكى وقال: ما أغفل هؤلاء عما أعد لهم.
وعنه قال: إذا اشتغلت بنفسك، ذهلت عن الناس.

113 - بريد بن عبد الله * (ع) ابن أبي بردة بن أبي موسى عبد الله بن قيس بن حضار، المحدث أبو بردة الاشعري، الكوفي.
__________
= ومحمد بن بشر الواعظ متكلم فيه، قال يحيى: ليس ثقة وقال الدراقطني: ليس بالقوي في حديثه.
وهذا الخبر والذي بعده، على وهاء سندهما، وأمثالهما من الاخبار المغرقة في الخيال، البعيدة عن الواقع، يروجها ويشيعها من نقص نصيبه من العلم، وعجز عن التماس المعرفة من أبوابها، ليخدع بهذه الاخبار السذج من العوام، ويحشو بها أدمغتهم، حتى لا يبقى فيها مكان لهدي الرسول، صلى الله عليه وسلم، وتعاليمه الحقة، التي فتح بها أعينا عميا، وقلوبا غلفا، وآذانا صما، وبذلك يتمكن من ربطهم بنفسه، ويسخرهم لمطامعه ويستخدمهم في تحقيق شهواته.
وإن أعظم ما يكرم به المؤمن من قبل ربه، هو أن يوفقه لاتباع كتابه وسنة نبيه، والتفقه بهما، وإيثارهما على ما سواهما.
(*) التاريخ الصغير 2 / 90، الجرح والتعديل 2 / 426، مشاهير علماء الامصار (166) تهذيب الكمال 144، ميزان الاعتدال 1 / 305، تذهيب التهذيب 1 / 81 / 1 تهذيب التهذيب 1 / 421 - 243، خلاصة تذهيب الكمال (47)، مقدمة فتح الباري (392) حيث قال الحافظ: وثقه ابن معين، والعجلي، والترمذي، وأبو داود وقال النسائي: ليس به بأس.
وقال مرة: ليس بذلك القوي وقال أبو حاتم: ليس بالمتين.
يكتب حديثه.
وقال ابن عدي: صدوق وأحاديثه مستقيمة.
(*)

(6/251)


حدث عن جده، وعن الحسن، وعطاء بن أبي رباح.
وعنه: السفيانان، وابن المبارك، وأبو معاوية، وحفص بن غياث، وأبو
نعيم، وأبو أسامة، وعدد كثير.
وهو صدوق احتجابه في " الصحيحين ".
وقال أبو حاتم: لا يحتج به.
وقال النسائي: ليس بالقوي.
وقال أبو حاتم أيضا: ليس بالمتين يكتب حديثه.
وقال الفلاس: لم أسمع يحيى وعبد الرحمن يحدثان عنه بشئ قط.
وقال ابن معين، والعجلي، وغيرهما: ثقة.
وقال أحمد بن حنبل: يروي مناكير، طلحة بن يحيى أحب إلي منه.
وقال ابن عدي: لم أجد في حديثه ما أنكره، سوى حديث " إذا أراد الله بأمة خيرا قبض نبيها " (1).
ولم يرو عنه أحد أكثر من أبي أسامة، وأحاديثه عنه مستقيمة، وأرجو أن لا يكون به بأس.
قلت: توفي سنة نيف وأربعين ومئة.
وله عدة أحاديث في الصحاح.
__________
= وأنكر ما رواه حديث " إذا أراد الله بأمة خيرا قبض نبيها قلبها " ومع ذلك فقد أدخله قوم في صحاحهم.
وقال أحمد: روى مناكير.
قلت: احتج به الائمة كلهم.
وأحمد وغيره يطلقون المناكير على الافراد المطلقة.
(1) أخرجه مسلم (2288) في الفضائل، باب: إذا أراد الله رحمة أمة، قبض نبيها قبلها، تعليقا، عن أبي أسامة، عن بريد بن عبد الله، عن أبي بردة، عن أبي موسى، عن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: " إن الله عزوجل، إذا أراد رحمة أمة من عباده، قبض نبيها قبلها، فجعله لها فرطا وسلفا بين يديها، وإذا أراد هلكة أمة عذبها، ونبيها حي، فأهلكها وهو ينظر، فأقر عينه بهلكتها حين كذبوه، وعصوا أمره ".
وقد وصله أبو يعلى، والحاكم وغيرهما.
(*)

(6/252)


114 - بهز بن حكيم * (4) ابن معاوية بن حيدة، الامام المحدث، أبو عبد الملك القشيري، البصري.
له عدة أحاديث عن أبيه، عن جده، وعن زرارة بن أوفى.
وعنه الحمادان، ويحيى القطان، وروح، وأبو أسامة، وأبو عاصم، والانصاري ومكي بن إبراهيم، وعدة.
وثقه ابن معين، وعلي، وأبو داود، والنسائي.
وقال أبو داود أيضا: هو عندي حجة.
وقال البخاري: يختلفون في بهز.
وقال الحاكم: هي نسخة شاذة وقال ابن حبان: يخطئ كثيرا.
وهو ممن أستخير الله فيه.
وقال أحمد بن بشير: رأيته يلعب بالشطرنج.
وقال أبو حاتم: لا يحتج به.
(1).
وقال الخطيب: روى عنه الزهري.
قلت: توفي قبل الخمسين ومئة.

115 - حاتم بن أبي صغيرة * * (ع) الامام الصدوق أبو يونس القشيري، مولاهم البصري، من نبلاء المشايخ.
حدث عن عطاء بن أبي رباح، وابن أبي مليكة، وطبقتهما.
__________
(*) التاريخ الكبير 2 / 142، الجرح والتعديل 2 / 430 -، كتاب المجروحين 1 / 194، تهذيب الكمال (164)، ميزان الاعتدال 1 / 353 - 354، تهذيب التهذيب 1 / 498 - 499، خلاصة تذهيب الكمال (53).
(1) والقول الذي هو أولى بالصواب قول من يقول: إنه حسن الحديث.
(* *) تاريخ البخاري: 3 / 77، الجرح والتعديل 3 / 257 - 258، مشاهير علماء الامصار (155)، تهذيب الكمال (213)، تذهيب التهذيب 1 / 112 / 2، تهذيب التهذيب 2 / 130، خلاصة تذهيب الكمال (66).
(*)

(6/253)


وعنه: ابن المبارك، ويحيى القطان، وخالد بن الحارث، وروح بن عبادة، ومحمد بن عبد الله الانصاري.
بقي إلى قريب سنة خمسين ومئة.

116 - حبيب * (ع) المعلم من موالي معقل بن يسار.
وهو ابن أبي قريبة دينار.
يكنى أبا محمد، من ثقات البصريين.
حدث عن الحسن، وعطاء، وعمرو بن شعيب.
روى عنه: حماد بن سلمة، ويزيد بن زريع، وعبد الوهاب الثقفي، وعبد الوارث، وآخرون.
قيل: كان يحيى القطان لا يروي عنه.
وقال النسائي: ليس بالقوي، وأما أحمد بن حنبل فقال: ما أصح حديثه !.
وقال ابن معين وأبو زرعة: ثقة.
وقيل: هو حبيب بن زيد، وقيل: حبيب بن زائدة، وقيل: حبيب بن أبي بقية.
فالله أعلم.
__________
(*) تاريخ البخاري: 2 / 323، الجرح والتعديل: 3 / 101، تهذيب الكمال: (234)، تذهيب التهذيب 1 / 122 / 2، ميزان الاعتدال: 1 / 456، تهذيب التهذيب 2 / 194، خلاصة تذهيب الكمال (71).
(*)

(6/254)


الطبقة الخامسة من التابعين
117 - جعفر بن محمد * (ع) ابن علي بن الشهيد أبي عبد الله، ريحانة النبي صلى الله عليه وسلم وسبطه ومحبوبه الحسين بن أمير المؤمنين أبي الحسن علي بن أبي طالب عبد مناف بن شيبة، وهو عبدالمطلب ابن هاشم، واسمه عمرو بن عبد مناف بن قصي، الامام الصادق، شيخ بني هاشم أبو عبد الله القرشي، الهاشمي، العلوي، النبوي، المدني، أحد الاعلام.
وأمه هي أم فروة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر التيمي، وأمها هي أسماء
بنت عبدالرحمن بن أبي بكر ولهذا كان يقول: ولدني أبو بكر الصديق مرتين.
وكان يغضب من الرافضة، ويمقتهم إذا علم أنهم يتعرضون لجده أبي بكر ظاهرا وباطنا.
هذا لا ريب فيه، ولكن الرافضة قوم جهلة، قد هوى بهم الهوى في الهاوية فبعدا لهم.
ولد سنة ثمانين، ورأى بعض الصحابة.
أحسبه رأى أنس بن مالك، وسهل ابن سعد.
حدث عن أبيه أبي جعفر الباقر وعبيد الله بن أبي رافع، وعروة بن الزبير، وعطاء بن أبي رباح وروايته عنه في مسلم.
وجده القاسم بن محمد، ونافع العمري، ومحمد بن المنكدر، والزهري، ومسلم بن أبي مريم وغيرهم، وليس هو بالمكثر إلا عن أبيه.
وكانا من جلة علماء المدينة.
__________
(*) تاريخ خليفة (424)، طبقات خليفة (269)، تاريخ البخاري: 2 / 198، التاريخ الصغير 2 / 91، الطبري حوادث سنة (145)، الجرح والتعديل 2 / 487، مشاهير علماء الامصار (127)، حلية الاولياء 3 / 192، وفيات الاعيان 1 / 327 - 328، الكامل في التاريخ حوادث سنة (145)، تهذيب الكمال: (202)، تذهيب التهذيب 1 / 109 / 1، تاريخ الاسلام 6 / 45، ميزان الاعتدال 1 / 414 - 415، تذكرة الحفاظ 1 / 166، تهذيب التهذيب 2 / 103 - 105، خلاصة تذهيب الكمال (63)، شذرات الذهب 1 / 20 (*)

(6/255)


حدث عنه ابنه موسى الكاظم، ويحيى بن سعيد الانصاري، ويزيد بن عبد الله بن الهاد وهما أكبر منه، وأبو حنيفة، وأبان بن تغلب، وابن جريج، ومعاوية ابن عمار الدهني، وابن إسحاق في طائفة من أقرانه، وسفيان، وشعبة، ومالك، وإسماعيل بن جعفر، ووهب بن خالد، وحاتم بن إسماعيل، وسليمان بن بلال، وسفيان بن عيينة، والحسن بن صالح، والحسن بن عياش أخو أبي بكر،
وزهير بن محمد، وحفص بن غياث، وزيد بن حسن الانماطي، وسعيد بن سفيان الاسلمي، وعبد الله بن ميمون، وعبد العزيز بن عمران الزهري، وعبد العزيز الدراوردي، وعبد الوهاب الثقفي، وعثمان بن فرقد، ومحمد بن ثابت البناني، ومحمد بن ميمون الزعفراني، ومسلم الزنجي، ويحيى القطان، وأبو عاصم النبيل، وآخرون.
قال مصعب بن عبد الله: سمعت الدراوردي يقول: لم يرو مالك عن جعفر حتى ظهر أمر بني العباس.
قال مصعب: كان مالك يضمه إلى آخر.
وقال علي عن يحيى بن سعيد، قال: أملى علي جعفر بن محمد الحديث الطويل، يعني في الحج (1)، ثم قال: وفي نفسي منه [ شئ ] (2)، مجالد أحب إلي منه.
قلت: هذه من زلقات يحيى القطان.
بل أجمع أئمة هذا الشأن على أن جعفرا أوثق من مجالد.
ولم يلتفتوا إلى قول يحيى.
وقال إسحاق بن حكيم: قال يحيى القطان: جعفر ما كان كذوبا.
وقال إسحاق بن راهويه، قلت للشافعي في
__________
(1) أخرجه مسلم (1218) في الحج، باب حجة النبي، عليه السلام، وهو حديث طويل جدا.
وصف فيه جابر، رضي الله عنه، ما شاهده من أفعال النبي عليه السلام، وأقواله في حجة الوداع، من تحوله إلى المدينة وحتى نهاية أداء الفريضة.
وقد فاته أشياء ذكرها غيره من الصحب، رضوان الله عليهم.
(2) زيادة من التهذيب.
(*)

(6/256)


مناظرة جرت: كيف جعفر بن محمد عندك ؟ قال: ثقة.
وروى عباس عن يحيى ابن معين: جعفر بن محمد ثقة مأمون.
وروى أحمد بن زهير، والدارمي، وأحمد ابن أبي مريم، عن يحيى: ثقة.
وزاد ابن أبي مريم عن يحيى: كنت لا أسأل يحيى
ابن سعيد عن حديثه.
فقال: لم لا تسألني عن حديث جعفر ؟ قلت: لا أريده.
فقال: إن كان يحفظ، فحديث أبيه المسند، يعني حديث جابر في الحج.
ثم قال يحيى بن معين: وخرج حفص بن غياث إلى عبادان وهو موضع رباط، فاجتمع إليه البصريون، فقالوا: لا تحدثنا عن ثلاثة ; أشعث بن عبدالملك، وعمرو بن عبيد، وجعفر بن محمد.
فقال: أما أشعث فهو لكم، وأما عمرو فأنتم أعلم به، وأما جعفر فلو كنتم بالكوفة لاخذتكم النعال المطرقة.
قال ابن أبي حاتم: سمعت أبا زرعة، وسئل عن جعفر بن محمد، عن أبيه، وسهيل عن أبيه، والعلاء عن أبيه، أيها أصح ؟ قال: لا يقرن جعفر إلى هؤلاء.
وسمعت أبا حاتم يقول: جعفر لا يسأل عن مثله.
قلت: جعفر ثقة صدوق.
ما هو في الثبت كشعبة، وهو أوثق من سهيل وابن إسحاق.
وهو في وزن ابن أبي ذئب ونحوه.
وغالب رواياته عن أبيه مراسيل.
قال أبو أحمد بن عدي: له حديث كثير عن أبيه، عن جابر وعن آبائه، ونسخ لاهل البيت.
وقد حدث عنه الائمة.
وهو من ثقات الناس كما قال ابن معين.
وعن عمرو بن أبي المقدام قال: كنت إذا نظرت إلى جعفر بن محمد علمت أنه من سلالة النبيين.
قد رأيته واقفا عند الجمرة يقول: سلوني، سلوني.
وعن صالح بن أبي الاسود، سمعت جعفر بن محمد يقال: سلوني قبل أن تفقدوني، فإنه لا يحدثكم أحد بعدي بمثل حديثي.
ابن عقدة الحافظ، حدثنا جعفر بن محمد بن حسين بن حازم، حدثني إبراهيم بن محمد الرماني أبو نجيح، سمعت حسن بن زياد، سمعت أبا حنيفة، وسئل: من أفقه من رأيت ؟ قال: ما رأيت أحدا أفقه من جعفر بن محمد، لما

(6/257)


أقدمه المنصور الحيرة، بعث إلي فقال: يا أبا حنيفة، إن الناس قد فتنوا بجعفر
ابن محمد، فهيئ له من مسائلك الصعاب.
فهيأت له أربعين مسألة.
ثم أتيت أبا جعفر، وجعفر جالس عن يمينه، فلما بصرت بهما، دخلني لجعفر من الهيبة ما لا يدخلني لابي جعفر، فسلمت وأذن لي، فجلست.
ثم التفت إلى جعفر، فقال: يا أبا عبد الله، تعرف هذا ؟ قال: نعم.
هذا أبو حنيفة.
ثم أتبعها: قد أتانا.
ثم قال: يا أبا حنيفة، هات من مسائلك نسأل أبا عبد الله فابتدأت أسأله.
فكان يقول في المسألة: أنتم تقولون فيها كذا وكذا، وأهل المدينة يقولون كذا وكذا، ونحن نقول كذا وكذا، فربما تابعنا وربما تابع أهل المدينة، وربما خالفنا جميعا، حتى أتيت على أربعين مسألة ما أخرم منها مسألة.
ثم قال أبو حنيفة أليس قد روينا أن أعلم الناس أعلمهم باختلاف الناس ؟ ! علي بن الجعد، عن زهير بن معاوية قال: قال أبي لجعفر بن محمد إن لي جارا يزعم أنك تبرأ من أبي بكر وعمر.
فقال جعفر: برئ الله من جارك.
والله إني لارجو أن ينفعني الله بقرابتي من أبي بكر.
ولقد اشتكيت شكاية فأوصيت إلى خالي عبد الحمن بن القاسم.
قال ابن عيينة: حدثونا عن جعفر بن محمد ولم أسمعه منه، قال: كان آل أبي بكر يدعون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم آل رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وروى ابن أبي عمر العدني وغيره عن جعفر بن محمد، عن أبيه، نحو ذلك.
محمد بن فضيل، عن سالم بن أبي حفصة قال: سألت أبا جعفر وابنه جعفرا عن أبي بكر وعمر، فقال: يا سالم تولهما، وابرأ من عدوهما، فإنهما كانا إمامي هدى.
ثم قال جعفر: يا سالم، أيسب الرجل جده ؟ أبو بكر جدي، لا نالتني

(6/258)


شفاعة محمد صلى الله عليه وسلم يوم القيامة إن لم أكن أتولاهما، وأبرأ من عدوهما (1).
وقال حفص بن غياث: سمعت جعفر بن محمد يقول: ما أرجو من شفاعة
علي شيئا إلا وأنا أرجو من شفاعة أبي بكر مثله.
لقد ولدني مرتين.
كتب إلي عبد المنعم بن يحيى الزهري، وطائفة قالوا: أنبأنا داود بن أحمد، أنبأنا محمد بن عمر القاضي، أنبأنا عبد الصمد بن علي، أنبأنا أبو الحسن الدارقطني، حدثنا أحمد بن محمد بن إسماعيل الادمي، حدثنا محمد بن الحسين الحنيني، حدثنا مخلد بن أبي قريش الطحان، حدثنا عبد الجبار بن العباس الهمداني، أن جعفر بن محمد أتاهم وهم يريدون أن يرتحلوا من المدينة، فقال: " إنكم إن شاء الله من صالحي أهل مصركم، فأبلغوهم عني: من زعم أني إمام معصوم مفترض الطاعة، فأنا منه برئ، ومن زعم أني أبرأ من أبي بكر وعمر، فأنا منه برئ ".
وبه عن الدارقطني، حدثنا إسماعيل الصفار، حدثنا أبويحيى جعفر بن محمد الرازي، حدثنا علي بن محمد الطنافسي، حدثنا حنان بن سدير، سمعت جعفر بن محمد، وسئل عن أبي بكر وعمر، فقال: إنك تسألني عن رجلين قد أكلا من ثمار الجنة (2).
__________
(1) محمد بن فضيل صدوق عارف، رمي بالتشيع.
وسالم بن أبي حفصة، صدوق في الحديث.
وقال المؤلف في تاريخ الاسلام 6 / 46: هذا إسناد صحيح، وسالم وابن فضيل شيعيان.
وهذا الخبر يظهر موقف أهل البيت الطاهرين من الخلفاء الراشدين، وأن كل ما ينسب إليهم من أقوال تخالف ذلك، فهو محض افتراء عليهم.
(2) قال المؤلف في تاريخ الاسلام: 6 / 47: قلت: يعني - إن صح عنه هذا - أنما أرواحهم في أجواف طير خضر تعلق من ثمار الجنة، وهذا الذي قاله: منتزع من قوله: صلى الله عليه وسلم، " إنما نسمة المؤمن طير يعلق في شجر الجنة حتى يرجع الله إلى جسمه يوم يبعثه ".
أخرجه مالك في " الموطأ " 1 / 240، والنسائي 4 / 108، والترمذي (644)، وابن ماجه (4271) من طريق ابن شهاب، عن عبدالرحمن بن كعب بن مالك، عن أبيه كعب بن مالك...وهذا سند صحيح.
(*)

(6/259)


وبه حدثنا الحسين بن إسماعيل، حدثنا محمود بن خداش، حدثنا أسباط بن محمد، حدثنا عمرو بن قيس الملائي، سمعت جعفر بن محمد يقول: برئ الله ممن تبرأ من أبي بكر وعمر.
قلت: هذا القول متواتر عن جعفر الصادق، وأشهد بالله إنه لبار في قوله غير منافق (1) لاحد فقبح الله الرافضة.
وروى معبد بن راشد، عن معاوية بن عمار، سألت جعفر بن محمد عن القرآن فقال: لس بخالق ولا مخلوق، ولكنه كلام الله.
حماد بن زيد، عن أيوب سمعت جعفرا يقول: إنا والله لا نعلم كل ما يسألوننا عنه، ولغيرنا أعلم منا.
محمد بن عمران بن أبي ليلى، عن مسلمة بن جعفر الاحمسي: قلت لجعفر ابن محمد: إن قوما يزعمون أن من طلق ثلاثا بجهالة رد إلى السنة، تجعلونها واحدة، يروونها عنكم.
قال: معاذ الله.
ما هذا من قولنا ! من طلق ثلاثا فهو كما قال (2).
__________
(1) في النسخة الثانية " متأل ".
(2) مسلمة بن جعفر الاحمسي ضعيف، قاله المصنف في تاريخه وقد ذكر شيخ الاسلام تقي الدين، رحمه الله، في فتاويه: أن للعلماء فيمن طلق زوجته ثلاثا في طهر واحد، بكلمة واحدة أو كلمات ثلاث، ثلاثة أقوال: الاول: أنه طلاق مباح لازم.
وهو قول: الشافعي، وأحمد في الرواية القديمة عنه.
اختارها الخرقي، هو منقول عن بعض السلف.
الثاني: أنه طلاق بدعة، محرم لازم، وهو قول: مالك، وأبي حنيفة، وأحمد في رواية.
وهذا القول منقول عن كثير من السلف، من الصحابة والتابعين.
الثالث: أنه محرم، ولا يلزم إلا طلقة واحدة، ونسبه إلى طائفة من السلف، والخلف، واختاره وقواه بأدلة كثيرة وفيرة وأفتى به.
(*)

(6/260)


سويد بن سعيد، عن معاوية بن عمار، عن جعفر بن محمد قال: من صلى على محمد صلى الله عليه وسلم وعلى أهل بيته مئة مرة قضى الله له مئة حاجة (1).
أجاز لنا أحمد بن سلامة، عن أبي المكارم اللبان، أنبأنا أبو علي الحداد، أنبأنا أبو نعيم، حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر، حدثنا محمد بن العباس، حدثني محمد بن عبدالرحمن بن غزوان، حدثنا مالك بن أنس، عن جعفر بن محمد قال، لما قال له سفيان: لا أقوم حتى تحدثني.
قال: أما إني أحدثك وما كثرة الحديث لك بخير.
يا سفيان إذا أنعم الله عليك بنعمة فأحببت بقاءها ودوامها فأكثر من الحمد والشكر عليها، فإن الله قال في كتابه: (لئن شكرتم لازيدنكم) [ إبراهيم: 7 ].
وإذا استبطأت الرزق، فأكثر من الاستغفار، فإن الله قال في كتابه: (استغفروا ربكم إنه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا، ويمددكم بأموال..) [ نوح: 10 - 13 ] الآية.
يا سفيان ; إذا حزبك أمر من السلطان أو غيره، فأكثر من قول: لا حول ولا قوة إلا بالله، فإنها مفتاح الفرج، وكنز من كنوز الجنة.
فعقد سفيان بيده وقال: ثلاث وأي ثلاث ! قال جعفر: عقلها والله أبو عبد الله ولينفعنه الله بها.
قلت: حكاية حسنة إن لم يكن ابن غزوان وضعها فإنه كذاب.
وبه قال أبو نعيم: حدثنا أبو أحمد الغطريفي، حدثنا محمد بن أحمد بن مكرم الضبي، حدثنا علي بن عبدالحميد، حدثنا موسى بن مسعود، حدثنا سفيان قال: دخلت على جعفر بن محمد وعليه جبة خز دكناء (وكساء خز ] (2) أيدجاني فجعلت أنظر إلى تعجبا ؟ فقال: مالك يا ثوري ؟ قلت: يا ابن رسول الله،
__________
(1) الاثر ضعيف لضعف سويد بن سعيد.
(2) زيادة من " الحلية ".
(*)

(6/261)


ليس هذا من لباسك، ولا لباس آبائك، فقال: كان ذاك زمانا مقترا، وكانوا يعملون على قدر إقتاره وإفقاره، وهذا زمان قد أسبل كل شئ فيه عزاليه (1).
ثم حسر عن ردن جبته، فإذا فيها جبة صوف بيضاء يقصر الذيل عن الذيل، وقال: لبسنا هذا لله، وهذا لكم، فما كان لله أخفيناه، وما كان لكم أبدنياه.
وقيل: كان جعفر يقول: كيف أعتذر وقد احتججت، وكيف أحتج وقد علمت ؟ روى يحيى بن أبي بكير عن هياج بن بسطام قال كان جعفر بن محمد يطعم حتى لا يبقى لعياله شئ.
عن بعض أصحاب جعفر بن محمد، عن جعفر، وسئل: لم حرم الله الربا ؟ قال: لئلا يتمانع الناس المعروف.
وعن هشام بن عباد، سمعت جعفر بن محمد يقول: الفقهاء أمناء الرسل، فإذا رأيتم الفقهاء قد ركنوا إلى السلاطين، فاتهموهم.
وبه حدثنا الطبراني، حدثنا أحمد بن زيد بن الجريش، حدثنا الرياشي، حدثنا الاصمعي قال: قال جعفر بن محمد: الصلاة قربان كل تقي، والحج جهاد كل ضعيف، وزكاة البدن الصيام، والداعي بلا عمل كالرامي بلا وتر، واستنزلوا الرزق بالصدقة، وحصنوا أموالكم بالزكاة.
وما عال من اقتصد، والتقدير نصف العيش، وقلة العيال أحد اليسارين، ومن أحزن والديه، فقد عقهما، ومن ضرب بيده على فخذه عند مصيبة فقد حبط أجره، والصنيعة لا تكون صنيعة إلا عند ذي حسب أو دين، والله ينزل الصبر على قدر المصيبة
__________
(1) العزالي: جمع العزلاء، وهو فم المزادة الاسفل، وفي الحديث: " وأرسلت السماء عزاليها " أي: كثر مطرها على المثل.
والمراد هنا، أن الخير قد كثر وعم.
(*)

(6/262)


وينزل الرزق على قدر المؤنة، ومن قدر معيشته، رزقه الله، ومن بذر معيشته، حرمه الله.
وعن رجل، عن بعض أصحاب جعفر بن محمد قال: رأيت جعفرا يوصي موسى، يعني ابنه: يا بني من قنع بما قسم له، استغني، ومن مد عينيه إلى ما في يد غيره، مات فقيرا، ومن لم يرض بما قسم له، اتهم الله في قضائه، ومن استصغر زلة غيره، استعظم زلة نفسه، ومن كشف حجاب غيره، انكشفت عورته، ومن سل سيف البغي.
قتل به، ومن احتفر بئرا لاخيه، أوقعه الله فيه، ومن داخل السفهاء حقر، ومن خالط العلماء وقر، ومن دخل مداخل السوء اتهم.
يا بني إياك أن تزري بالرجال، فيزرى بك، وإياك والدخول فيما لا يعنيك فتذل لذلك، يا بني قل الحق لك وعليك تستشار من بين أقربائك، كن للقرآن تاليا.
وللاسلام فاشيا، وللمعروف آمرا، وعن المنكر ناهيا، ولمن قطعك واصلا، ولمن سكت عنك مبتدئا، ولمن سألك معطيا، وإياك والنميمة فإنها تزرع الشحناء في القلوب، وإياك والتعرض لعيوب الناس فمنزلة المتعرض لعيوب الناس كمنزلة الهدف.
إذا طلبت الجود، فعليك بمعادنه فإن للجود معادن، وللمعادن أصولا، وللاصول فروعا، وللفروع ثمرا.
ولا يطيب ثمر إلا بفرع، ولا فرع إلا بأصل، ولا أصل إلا بمعدن طيب.
زر الاخيار ولا تزر الفجار، فإنهم صخرة لا يتفجر ماؤها، وشجرة لا يخضر ورقها، وأرض لا يظهر عشبها.
عن عائذ بن حبيب، قال جعفر بن محمد: لا زاد أفضل من التقوى، ولا شئ أحسن من الصمت، ولا عدو أضر من الجهل، ولا داء أدوأ من الكذب.
وعن يحيى بن الفرات، أن جعفر الصادق قال: لا يتم المعروف إلا بثلاثة: يتعجيله، وتصغيره، وستره.
كتب إلي أحمد بن أبي الخير، عن أبي المكارم اللبان، أنبأنا الحداد، أنبأنا أبو

(6/263)


نعيم، حدثنا أحمد بن جعفر بن سلم، حدثنا أحمد بن علي الابار، حدثنا منصور ابن أبي مزاحم، حدثنا عنبسة الخثعمي، وكان من الاخيار، سمعت جعفر بن محمد يقول: إياكم والخصومة في الدين، فإنها تشغل القلب، وتورث النفاق.
ويروى أن أبا جعفر المنصور وقع عليه ذباب، فذبه عنه فألح فقال لجعفر: لم خلق الله الذباب ؟ قال: ليذل به الجبابرة.
وعن جعفر بن محمد: إذا بلغك عن أخيك ما يسوؤك، فلا تغتم، فإنه إن كان كما يقول كانت عقوبة عجلت، وإن كان على غير ما يقول كانت حسنة لم تعملها.
قال موسى عليه السلام: يا رب أسألك ألا يذكرني أحد إلا بخير.
قال: ما فعلت ذلك بنفسي.
أخبرنا وحدثنا عن سعيد بن محمد بن محمد بن عطاف، أنبأنا أبو القاسم بن السمرقندي، حدثني الحميدي، أنبأنا الحسين بن محمد المالكي القيسي بمصر، أنبأنا عبد الكريم بن أحمد بن أبي جدار، أخبرنا أبو علي الحس بن رخيم، حدثنا هارون بن أبي الهيذام، أنبأنا سويد بن سعيد، قال، قال الخليل بن أحمد: سمعت سفيان الثوري يقول: قدمت مكة فإذا أنا بأبي عبد الله جعفر بن محمد قد أناخ بالابطح، فقلت: يا ابن رسول الله، لم جعل الموقف من وراء الحرم ؟ ولم يصير في المشعر الحرام ؟ فقال: الكعبة بيت الله، والحرم حجابه، والموقف بابه.
فلما قصده الوافدون، أوقفهم بالباب يتضرعون، فلما أذن لهم في الدخول،
أدناهم من الباب الثاني وهو المزدلفة،.
فلما نظر إلى كثرة تضرعهم وطول اجتهادهم رحمهم، فلما رحمهم، أمرهم بتقريب قربانهم، فلما قربوا قربانهم، وقضوا تفثهم وتطهروا من الذنوب التي كانت حجابا بينه وبينهم، أمرهم

(6/264)


بزيارة بيته على طهارة.
قال: فلم كره (1) الصوم أيام التشريق ؟ قال: لانهم في ضيافة الله.
ولا يجب على الضيف أن يصوم عند من أضافه.
قلت: جعلت فداك فما بال الناس يتعلقون بأستار الكعبة وهى خرق لا تنفع شيئا ؟ قال: ذاك
__________
(1) أي: حرم، لما ثبت عنه، صلى الله عليه وسلم، من النهي عن صوم أيام التشريق.
والسلف كانوا يستعملون الكراهة في معناها الذي استعملت به في كلام الله ورسوله.
قال تعالى: (كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها) [ الاسراء: 38 ]، وفي الحديث الصحيح " إن الله كره لكم قيل وقال، وكثره السؤال، وإضاعة المال ".
وقال ابن وهب: سمعت مالكا يقول: لم يكن من أمر الناس ولا من مضى من سلفنا، ولا أدركت أحدا أقتدي به يقول في شئ: هذا حلال وهذا حرام.
وما كانوا يجترئون على ذلك.
وإنما كانوا يقولون: نكره كذا، ونرى هذا حسنا.
فينبغي هذا، ولا نرى هذا وزاد عتيق بن يعقوب - على هذا - " ولا يقولون: حلال ولا حرام.
أما سمعت قول الله تعالى: (قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا قل: الله أذن لكم، أم على الله تفترون ؟ !).
الحلال ما أحله الله ورسوله، والحرام ما حرمه الله ورسوله.
وقال الخرقي - فيما نقله عن أبي عبد الله أحمد بن حنبل -: ويكره أن يتوضأ في آنية الذهب والفضة، ومذهبه لا يجوز.
وقد نص محمد بن الحسن، أن كل مكروه فهو حرام.
وقال أبو حنيفة، وصاحباه: يكره أن يلبس الذكور من الصبيان، الذهب والحرير.
وقد نص الاصحاب أنه حرام وقد قال مالك - في كثير من أجوبته -: أكره هذا، وهو حرام أما المتأخرون، فقد اصطلحوا على تخصيص الكراهة بما ليس بمحرم، وتركه أرجح من
فعله، ثم حمل، من حمل منهم كلام الائمة على الاصطلاح الحادث فغلط في ذلك.
وأقبح منه من حمل لفظ الكراهة أو لفظ " لا ينبغي " في كلام الله ورسوله، على المعنى الاصطلاحي الحادث.
وتأمل ما يلي: قال تعالى: (وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا) و (وما علمناه الشعر، وما ينبغي له) و (وما تنزلت به الشياطين، وما ينبغي لهم).
وقوله تعالى - على لسان رسوله: " كذبني ابن آدم وما ينبغي له، وشتمني ابن آدم، وما ينبغي له " وقوله، صلى الله عليه وسلم،: " إن الله لا ينام ولا ينبغي له " وقوله - في لباس الحرير: " لا ينبغي هذا للمتقين ".
وانظر: إعلام الموقعين 1 / 39.
(*)

(6/265)


مثل رجل بينه وبين رجل جرم، فهو يتعلق به، ويطوف حوله رجاء أن يهب له ذلك، ذاك الجرم.
ومن بليغ قول جعفر، وذكر له بخل المنصور فقال: الحمد لله الذي حرمه من دنياه ما بذل لاجله دينه.
أخبرنا علي بن أحمد في كتابه، أنبأنا عمر بن محمد، أنبأنا محمد بن عبدا لباقي الانصاري، أنبأنا أبو الحسين بن المهتدي بالله، أنبأنا عبيد الله بن أحمد الصيدلاني، حدثنا أبو طالب علي بن أحمد الكاتب، حدثنا عيسى بن أبي حرب الصفار، عن الفضل بن الربيع، عن أبيه، قال: دعاني المنصور فقال: إن جعفر ابن محمد يلحد في سلطاني قتلني الله إن لم أقتله.
فأتيته، فقلت: أجب أمير المؤمنين.
فتطهر ولبس ثيابا.
أحسبه قال جددا فأقبلت به فاستأذنت له، فقال: أدخله، قتلني الله إن لم أقتله.
فلما نظر إليه مقبلا قام من مجلسه فتلقاه وقال: مرحبا بالنقى الساحة، البرئ من الدغل والخيانة، أخي وابن عمي.
فأقعده معه على سريره وأقبل عليه بوجهه، وسأله عن حاله، ثم قال: سلني عن حاجتك
فقال: أهل مكة والمدينة قد تأخر عطاؤهم فتأمر لهم به.
قال: أفعل.
ثم قال: يا جارية ائتني بالتحفة.
فأتته بمدهن زجاج فيه غالية فغلفه بيده وانصرف.
فاتبعته، فقلت: يا ابن رسول الله ; أتيت بك ولا أشك أنه قاتلك، فكان منه ما رأيت، وقد رأيتك تحرك شفتيك بشئ عند الدخول فما هو ؟ قال: قلت: اللهم احرسني بعينك التي لا تنام، واكنفني بركنك الذي لا يرام، واحفظني بقدرتك علي، ولا تهلكني.
وانت رجائي.
رب كم من نعمة أنعمت بها علي قل لك عندها شكري، وكم من بلية ابتليتني بها قل لها عندك صبري ؟ ! فيا من قل عند نعمته شكري فلم يحرمني، ويا من قل عند بليته صبري فلم يخذلني.
ويامن رآني على المعاصي فلم يفضحني، وياذا النعم التي لا تحصى أبدا، وياذا المعروف

(6/266)


الذي لا ينقطع أبدا، أعني على ديني بدنيا، وعلى آخرتي بتقوى، واحفظني فيما غبت عنه ولا تكلني إلى نفسي فيما خطرت.
يا من لا تضره الذنوب، ولا تنقصه المغفرة، اغفر لي ما لا يضرك، وأعطني ما لا ينقصك، يا وهاب أسألك فرجا قريبا.
وصبرا جميلا، والعافية من جميع البلايا، وشكر العافية.
فأعلى ما يقع لنا من حديث جعفر الصادق، ما أنبأنا الامام أبو محمد بن قدامة الحاكم، وطائفة قالوا: أنبأنا عمر بن محمد، أنبأنا أحمد بن الحسن، أنبأنا أبو محمد الجوهري، أنبأنا أبو بكر القطيعي، حدثنا أبو مسلم الكجي، حدثنا أبو عاصم، عن جعفر بن محمد، حدثنى أبي: قال عمر بن الخطاب: ما أدري ما أصنع بالمجوس ؟ فقام عبدالرحمن بن عوف قائما، فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " سنوا بهم سنة أهل الكتاب " (1).
__________
(1) وأخرجه مالك في " الموطأ " 1 / 278، في الزكاة، باب: جزية أهل الكتاب والمجوس.
وسنده منقطع، مع ثقة رجاله.
قال صاحب " التنقيح ": وقد روي معنى هذا من
وجه متصل، إلا أن في اسناده، من يجهل حاله.
قال ابن أبي عاصم: حدثنا إبراهيم بن حجاج السامي، حدثنا أبو رجاء وكان جارا لحماد بن سلمة، حدثنا الاعمش، عن زيد بن وهب، قال: كنت عند عمر بن الخطاب، فقال: من عنده علم من المجوس ؟ فوثب عبد الرحمن بن عوف، فقال: أشهد بالله على رسول الله، لسمعته يقول: " إنما المجوس طائفة من أهل الكتاب، فاحملوهم على ما تحملون عليه أهل الكتاب ".
وللطبراني من حديث: مسلم بن العلاء الحضرمي، سنوا بالمجوس سنة أهل الكتاب، في أخذ الجزية فقط ".
وقال الهيثمي في " المجمع " 6 / 13: وفيه من لم أعرفه.
وروى أبو عبيد في الاموال ص 36 بسند صحيح، عن أبي موسى الاشعري، قال: لو لا أني رأيت أصحابي يأخذون منهم الجزية ما أخذتها " يعني: المجوس.
وأخرج البخاري 6 / 184 - 185، وأبو داود (3043)، والترمذي (1587) وأبو عبيد في " الاموال " ص 32 من طريق: عمرو بن دينار، أنه سمع بجالة بن عبدة ; يقول: لم يكن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، أخذ الجزية من المجوس حتى شهد عبدالرحمن بن عوف أن النبي، صلى الله عليه وسلم، أخذها من مجوس هجر ".
(*)

(6/267)


هذا حديث عال في إسناده انقطاع.
أخبرنا أبو المعالي أحمد بن المؤيد، أنبأنا زكريا بن علي بن حسان (ح) وأنبأنا أحمد بن محمد، ومحمد بن إبراهيم وعلي بن محمد، وجماعة قالوا: أنبأنا أبو المنجى عبد الله بن عمر قالا: أنبأنا عبد الاول بن عيسى قال: أخبرتنا أم الفضل بيبى بنت عبد الصمد الهرثمية، أنبأنا عبدالرحمن بن أحمد الانصاري، أنبأنا عبد الله بن محمد، حدثنا مصعب بن عبد الله، حدثني مالك عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا وقف على الصفا كبر ثلاثا ويقول: " لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير " يصنع ذلك ثلاث مرات، ويصنع على المروة مثل ذلك، وكان إذا
نزل من الصفا، مشى حتى إذا انصبت قدماه في بطن الوادي، سعى حتى يخرج منه.
رواه مسلم (1).
وبه إلى عبدالرحمن بن أحمد: حدثنا يحيى بن محمد، حدثنا عبد الوهاب بن فليح المقرئ بمكة، حدثنا عبد الله بن ميمون القداح، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا يؤمن مؤمن حتى يؤمن بالقدر كله، حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه " (2).
هذا حديث غريب فيه نكارة.
تفرد به القداح.
وقد قال البخاري: ذاهب الحديث.
أخرجه أبو عيسى عن زياد بن يحيى عنه، فوقع بدلا بعلو درجة.
__________
(1) أخرجه مسلم (1218) في الحج، باب: حجة النبي، صلى الله عليه وسلم، وأخرجه مالك مختصرا في الحج (128): باب البدء بالصفا في السعي.
(2) وأخرجه الترمذي (2145) في القدر، باب: ما جاء في الايمان بالقدر خيره وشره، ثم قال: وهذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث: عبد الله بن ميمون.
وعبد الله بن ميمون القداح منكر الحديث.
ولكن معنى الحديث ثابت عنه، صلى الله عليه وسلم، من غير وجه.
(*)

(6/268)


قال المدائني، وشباب العصفري وعدة: مات جعفر الصادق في سنة ثمان وأربعين ومئة.
وقد مر أن مولده سنة ثمانين، أرخه الجعابي (1)، وأبو بكر بن منجويه، وأبو القاسم اللا لكائي (2)، فيكون عمره ثمانيا وستين سنة رحمه الله.
لم يخرج له البخاري في الصحيح، بل في كتاب الادب وغيره.
وله عدة أولاد: أقدمهم إسماعيل بن جعفر ومات شابا في حياة أبيه، سنة ثمان وثلاثين ومئة.
وخلف محمدا وعليا وفاطمة.
فكان لمحمد من الولد جعفر
وإسماعيل فقط.
فولد جعفر محمدا، وأحمد درج، ولم يعقب، فولد لمحمد بن جعفر، جعفر وإسماعيل وأحمد وحسن، فولد لحسن جعفر الذي مات بمصر سنة ثلاث وتسعين ومئتين، وخلف ابنه محمدا، فجاءه خمسة بنين، وولد لاسماعيل بن محمد، أحمد ويحيى ومحمد وعلي درج ولم يعقب، فولد لاحمد جماعة بنين، منهم إسماعيل بن أحمد المتوفى بمصر سنة خمس وعشرين وثلاث مئة.
فبنو محمد بن إسماعيل بن جعفر عدد كثير كانوا بمصر، وبدمشق قد استوعبهم الشريف العابد أبو الحسين محمد بن علي بن الحسين بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق.
ويعرف هذا بأخي محسن.
كان يسكن بباب توما (3).
مات قبل الاربع مئة.
وذكر منهم قوما بالكوفة.
وبالغ في نفي عبيد الله المهدي من أن يكون من هذا النسب الشريف، وألف كتابا في أنه
__________
(1) هو الحافظ: أبو بكر محمد بن عمر بن محمد التميمي البغدادي، قاضي الموصل ترجمه المؤلف في " تذكرة الحفاظ " 3 / 925.
(2) هو الامام أبو القاسم هبة الله بن الحسن بن منصور الطبري، الرازي محدث بغداد.
من تصانيفه كتاب في رجال الصحيحين.
ترجمه المؤلف في تذكرته 3 / 1083.
(3) باب توما: من أحياء دمشق الشرقية.
(*)

(6/269)


دعي، وأن نحلته خبيثة، مدارها على المخرقة والزندقة (1).
رجعنا إلى تتمة آل جعفر الصادق.

فأجلهم وأشرفهم ابنه:
118 - موسى الكاظم * (ت، ق) الامام، القدوة، السيد أبو الحسن العلوي، والد الامام علي بن موسى الرضى مدني نزل بغداد.
وحدث بأحاديث عن أبيه.
وقيل: إنه روى عن عبد الله بن دينار، وعبد
الملك بن قدامة.
حدث عنه أولاده: علي، وإبراهيم، وإسماعيل، وحسين.
وأخواه: علي بن جعفر، ومحمد بن جعفر، ومحمد بن صدقة العنبري، وصالح بن يزيد.
وروايته يسيرة لانه مات قبل أوان الرواية، رحمه الله.
ذكره أبو حاتم فقال: ثقة صدوق، إمام من أئمة المسلمين.
قلت له عند الترمذي، وابن ماجه حديثان.
قيل: إنه ولد سنة ثمان وعشرين ومئة بالمدينة.
قال الخطيب: أقدمه المهدي بغداد، ورده.
ثم قدمها.
وأقام ببغداد في أيام الرشيد، قدم في صحبة الرشيد سنة تسع وسبعين ومئة، وحبسه بها إلى أن توفي في محبسه.
__________
(1) راجع في هذا رسالة " من عبر التاريخ " للكوثري ففيها تفصيل.
(*) الجرح والتعديل 8 / 139، تاريخ بغداد 13 / 27، صفوة الصفوة 2 / 103، منهاج السنة 2 / 115 - 124، وفيات الاعيان 5 / 308 - 310، تهذيب الكمال (1383)، تذهيب التهذيب 4 / 76 / 2، ميزان الاعتدال 4 / 201 - 202، عبر الذهبي 1 / 287، تاريخ ابن خلدون 4 / 115، تهذيب التهذيب 10 / 339 - 340، خلاصة تذهيب الكمال (390)، شذرات الذهب 1 / 304.
(*)

(6/270)


ثم قال الخطيب: أنبأنا الحسن بن أبي بكر، أنبأنا الحسن بن محمد بن يحيى العلوي، حدثني جدي يحيى بن الحسن بن عبيد الله بن الحسين بن علي بن الحسين قال: كان موسى بن جعفر يدعى العبد الصالح من عبادته واجتهاده.
روى أصحابنا أنه دخل مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فسجد سجدة في أول الليل، فسمع وهو يقول في سجوده: عظم الذنب عندي فليحسن العفو من عندك، يا
أهل التقوى، ويا أهل المغفرة.
فجعل يرددها حتى أصبح.
وكان سخيا كريما، يبلغه عن الرجل أنه يؤذيه فيبعث إليه بصرة فيها ألف دينار.
وكان يصر الصرر بثلاث مئة دينار، وأربع مئة، ومئتين، ثم يقسمها بالمدينة، فمن جاءته صرة، استغنى.
حكاية منقطعة، مع أن يحيى بن الحسن متهم.
ثم قال يحيى هذا: حدثنا إسماعيل بن يعقوب، حدثنا محمد بن عبد الله البكري، قال: قدمت المدينة أطلب بها دينا فقلت، لو أتيت موسى بن جعفر فشكوت إليه، فأتيته بنقمي (1) في ضيعته، فخرج إلي، وأكلت معه، فذكرت له قصتي فأعطاني ثلاث مئة دينار.
ثم قال يحيى: وذكر لي غير واحد، أن رجلا من آل عمر كان بالمدينة يؤذيه ويشتم عليا، وكان قد قال له بعض حاشيته: دعنا نقتله، فنهاهم، وزجرهم.
وذكر له أن العمري يزدرع بأرض، فركب إليه في مزرعته، فوجده، فدخل بحماره، فصاح العمري لا توطئ زرعنا.
فوطئ بالحمار حتى وصل إليه، فنزل عنده وضاحكه.
وقال: كم غرمت في زرعك هذا ؟ قال: مئة دينار.
قال: فكم ترجو ؟ قال: لا أعلم الغيب وأرجو أن يجبيئني مئتا دينار.
فأعطاه ثلاث مئة دينار.
__________
(1) جانب أحد، وهو موضع من أعراض المدينة.
كان لآل أبي طالب.
(*)

(6/271)


وقال: هذا زرعك على حاله.
فقام العمري فقبل رأسه وقال: الله أعلم حيث يجعل رسالاته.
وجعل يدعو له كل وقت.
فقال أبو الحسن لخاصته الذين أرادوا قتل العمري: أيما هو خير ؟ ما أردتم أو ما أردت أن أصلح أمره بهذا المقدار ؟ قلت، إن صحت، فهذا غاية الحلم والسماحة.
قال أبو عبد الله المحاملي: حدثنا عبد الله بن أبي سعد، حدثني محمد بن
الحسين الكناني الليثي، حدثني عيسى بن محمد بن مغيث القرشي، وبلغ تسعين سنة، قال: زرعت بطيخا وقثاء وقرعا بالجوانية، فلما قرب الخير، بيتني الجراد، فأتى على الزرع كله.
وكنت غرمت عليه وفي ثمن جملين مئة وعشرين دينارا.
فبينما أنا جالس طلع موسى بن جعفر، فسلم، ثم قال: أيش حالك ؟ فقلت: أصبحت كالصريم.
قال: وكم غرمت فيه ؟ قلت: مئة وعشرين دينارا مع ثمن الجملين.
وقلت: يا مبارك، ادخل وادع لي فيها.
فدخل ودعا.
وحدثني عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " تمسكوا ببقايا المصائب " (1) ثم علقت عليه الجملين وسقيته فجعل الله فيها البركة زكت، فبعت منها بعشرة آلاف.
الصولي، حدثنا عون بن محمد، سمعت إسحاق الموصلي غير مرة يقول: حدثني الفضل بن الربيع، عن أبيه قال: لما حبس المهدي موسى بن جعفر رأى في النوم عليا يقول: يا محمد: (فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الارض وتقطعوا أرحامكم) [ محمد: 22 ] ؟ قال الربيع: فأرسل إلى ليلا، فراعني، فجئته، فإذا هو يقرأ هذه الآية وكان أحسن الناس صوتا.
وقال: علي بموسى بن جعفر فجئته به، فعانقه وأجلسه إلى جنبه وقال: يا أبا الحسن: إني رأيت أمير
__________
(1) ضعيف لارساله وجهالة رواته.
وقد ذكره صاحب: كنز العمال " 3 / 304 ونسبه للديلمي في " مسند الفردوس " وابن صصرى في أماليه، عن موسى بن جعفر مرسلا.
(*)

(6/272)


المؤمنين يقرأ علي كذا.
فتؤمني أن تخرج علي أو على أحد من ولدي ؟ فقال: لا والله لا فعلت ذلك، ولا هو من شأني.
قال: صدقت.
يا ربيع أعطه ثلاثة آلاف دينار، ورده إلى أهله إلى المدينة.
فأحكمت أمره ليلا، فما أصبح إلا وهو في الطريق خوف العوائق.
وقال الخطيب: أنبأنا أبو العلاء الواسطي، حدثنا عمر بن شاهين، حدثنا الحسين
ابن القاسم، حدثني أحمد بن وهب، أخبرني عبدالرحمن بن صالح الازدي قال: حج الرشيد فأتى قبر النبي صلى الله عليه وسلم ومعه موسى بن جعفر، فقال: السلام عليك يا رسول الله، يا ابن عم، افتخارا على من حوله.
فدنا موسى وقال: السلام عليك يا أبة.
فتغير وجه هارون، وقال: هذا الفخر يا أبا الحسن حقا.
قال يحيى بن الحسن العلوي، حدثني عمار بن أبان قال: حبس موسى بن جعفر عند السندي بن شاهك، فسألته أخته أن تولى حبسه وكانت تذين (1)، ففعل.
فكانت على خدمته، فحكي لنا أنها قالت: كان إذا صلى العتمة، حمد الله ومجده ودعاه.
فلم يزل كذلك حتى يزول الليل.
فإذا زال الليل، قام يصلي حتى يصلي الصبح.
ثم يذكر حتي تطلع الشمس، ثم يقعد إلى ارتفاع الضحى، ثم يتهيأ ويستاك، ويأكل.
ثم يرقد إلى قبل الزوال، ثم يتوضأ ويصلي العصر، ثم يذكر في القبل حتى يصلي المغرب، ثم يصلي مابين المغرب إلى العتمة فكانت تقول: خاب قوم تعرضوا لهذا الرجل.
وكان عبدا صالحا.
وقيل: بعث موسى الكاظم إلى الرشيد برسالة من الحبس يقول: إنه لن ينقضي عني يوم من البلاء إلا انقضى عنك معه يوم من الرخاء حتى نفضي جميعا إلى يوم ليس له انقضاء يخسر فيه المبطلون.
__________
(1) أي تأخذ دينا.
سير 6 / 18 (*)

(6/273)


وعن عبد السلام بن السندي قال: كان موسى عندنا محبوسا، فلما مات، بعثنا إلى جماعة من العدول، من الكرخ فأدخلنا هم عليه، فأشهدنا هم على موته، ودفن في مقابر الشونيزية.
قلت: له مشهد عظيم مشهور ببغداد.
دفن معه فيه حفيده الجواد.
ولولده
علي بن موسى مشهد عظيم بطوس.
وكانت وفاة موسى الكاظم في رجب سنة ثلاث وثمانين ومئة.
عاش خمسا وخمسين سنة وخلف عدة أولاد.
الجميع من إماء: علي، والعباس، وإسماعيل، وجعفر، وهارون، وحسن، وأحمد، ومحمد، وعبيد الله، وحمزة، وزيد، وإسحاق، وعبد الله، والحسين، وفضل، وسليمان، سوى البنات، سمى الجميع: الزبير في " النسب ".

119 - أشعث بن عبد الله * (4.
خت) ابن جابر الازدي ثم الحداني، البصري، الاعمى.
وهو الذي يقال له أشعث البصري، وأشعث الاعمى، وأشعث الازدي، وأشعث الحملي (1).
روى عن أنس بن مالك، وذلك في سنن أبي داود.
وعن الحسن، وشهر بن حوشب، ومحمد بن سيرين.
وعنه: سبطه نصر بن علي الجهضمي الكبير جد الحافظ نصر بن علي الحافظ.
وروى عنه أيضا معمر، وشعبة.
ويحيى بن سعيد، والانصاري وآخرون.
__________
(*) التاريخ الكبير: 1 / 433، التاريخ الصغير: 2 / 23 - 24، الجرح والتعديل 2 / 273، تهذيب الكمال (118)، تذهيب التهذيب 1 / 70 / 1، ميزان الاعتدال 1 / 265 - 266، تهذيب التهذيب 1 / 355 - 356، خلاصة تذهيب الكمال: (38).
(1) في الاصل " الجملي " بفتح الجيم والميم، وما أثبتناه هو الصواب فقد ضبطه المؤلف كذلك في " المشتبه " 1 / 175، وأقره عليه الحافظ ابن حجر في " التبصير " و " التقريب ".
وكذلك ضبطه صاحب الخلاصة.
(*)

(6/274)


وكان من علماء البصرة كأشعث الحمراني.
وهو صالح الحديث.
وقد وثقه النسائي، وغيره.
وفي حديثه وهم.
أورده العقيلي في " الضعفاء " وقال
الدار قطني: يعتبر به.
معمر، عن الاشعث، عن الحسن، عن عبد الله بن مغفل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا يبولن أحدكم في مستحمه ثم يتوضأ فيه، فإن عامة الوسواس منه " (1).
قلت: مراده بالوسواس، أن يصيبه مس من الجان.
ومنه سمي المسرف في الماء موسوسا، شبه بالمجنون، ولا سيما إذا كبر أحدهم للفريضة.
عافاهم الله تعالى.

120 - أشعث بن سوار * (م، ت، س، ق) الكندي، الكوفي، النجار، التوابيتي، الافرق.
وهو الذي يقال له
__________
(1) الحسن مدلس، وقد عنعن، وأخرجه أحمد 5 / 56، وأبو داود (27) في الطهارة، باب: في البول في المستحم، والترمذي (21) في الطهارة: باب: ما جاء في كراهية البول في المغتسل، والنسائي 1 / 34 في الطهارة، باب: كراهية البول في المستحم، وابن ماجه (304) في الطهارة، باب: كراهية البول في المغتسل، وروى أبو داود حديثا آخر عقبه (28) عن رجل من أصحاب النبي، صلى الله عليه وسلم، يشهد لحديث ابن مغفل في النهي عن البول في المستحم.
قال أبو سليمان الخطابي: إنما ينهى عن ذلك إذا لم يكن المكان صلبا أو مبلطا، أو لم يكن له مسلك ينفذ فيه البول، ويسيل إليه الماء فيتوهم المغتسل أنه يصيبه شئ من رشاشه فيورثه الوسواس.
(*) طبقات ابن سعد 6 / 249، تاريخ خليفة (420) طبقات خليفة (166)، تاريخ البخاري: 1 / 430، التاريخ الصغير، 2 / 48، الطبري: 1 / 486، 2 / 386، 3 / 421، 588، 4 / 284، الجرح والتعديل 2 / 271.
كتاب المجروحين 1 / 171، الكامل في التاريخ 5 / 512، تهذيب الكمال (117)، تذهيب التهذيب 1 / 69 / 2، ميزان الاعتدال 1 / 263 - 265، تهذيب التهذيب 1 / 352 - 354، خلاصة تذهيب الكمال (38)، شذرات الذهب
1 / 193.
(*)

(6/275)


صاحب التوابيت.
وهو أشعث القاص.
وهو مولى ثقيف، وهو الاثرم، وهو قاضي الاهواز.
حدث عن الشعبي، وعكرمة، والحسن، وابن سيرين.
حدث عنه: شعبة، وعبثر بن القاسم، وهشيم، وحفص بن غياث، وعبد الله بن نمير، ويزيد بن هارون وعدة.
روى له مسلم متابعة.
وقد حدث عنه من شيوخه أبو إسحاق السبيعي.
وكان أحد العلماء على لين فيه.
قال الثوري: هو أثبت من مجالد.
وقال يحيى القطان: هو عندي دون ابن إسحاق.
وقال أبو زرعة: لين.
وقال ابن خراش وغيره: هو أضعف الاشاعثة.
وقال النسائي: ضعيف.
وأما ابن عدي، فقال، لم أجد له حديثا منكرا، إنما يغلط في الاسانيد.
وروى عباس عن يحيى: ضعيف.
وروى ابن الدورقي، عن يحيى: أشعث بن سوار ثقة.
وقال أحمد بن حنبل: هو أمثل من محمد بن سالم.
وقال محمد بن مثنى: ما سمعت يحيى، وعبد الرحمن يحدثان عن أشعث ابن سوار بشئ قط.
وقال ابن حبان: فاحش الخطأ، كثير الوهم.
وقال الدار قطني: ضعيف يعتبر به.
أشعث بن سوار، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: كنا نلبي عن النساء، ونرمي عن الصبيان.
(1)
__________
(1) أشعث بن سوار ضعيف.
وأبو الزبير عنعنه وهو مدلس.
ولذا قال الترمذي، عقب إخراجه (927): هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه.
وقد أجمع أهل العلم على أن المرأة لا يلبي عنها غيرها، بل هي تلبي عن نفسها، ويكره لها رفع الصوت بالتلبية.
وأخرجه ابن ماجه أيضا (3038) من طريق أشعث، عن أبي الزبير، عن جابر بلفظ " حججنا مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ومعنا النساء والصبيان، فلبينا عن الصبيان ورمينا عنهم ".
(*)

(6/276)


قال أبو همام الدلال: كان أشعث بن سوار على قضاء الاهواز.
فصلى بهم، فقرأ (النجم) فسجد من خلفه ولم يسجد هو.
ثم صلى يوما فقرأ (إذا السماء انشقت) فسجد وما سجدوا.
شعبة، عن أشعث بن سوار، عن الشعبي، عن مسروق، عن ابن مسعود، قال: السنة بالنساء الطلاق والعدة (1).
توفي سنة ست وثلاثين ومئة.
أرخه الفلاس.
أخبرنا أحمد بن هبة الله، عن عبد المعز بن محمد، أنبأنا محمد بن إسماعيل، أنبأنا محلم بن إسماعيل، حدثنا الخليل بن أحمد، حدثنا محمد بن إسحاق، حدثنا قتيبة، حدثنا عبثر بن القاسم، عن أشعث، عن محمد، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من مات وعليه صيام شهر، فليطعم عنه مكان كل يوم مسكين " (2).
أخرجه النسائي: عن محمد بن يحيى، عن قتيبة.
وقد روي موقوفا، وهو أصح.
__________
(1) أشعث ضعيف، وأخرجه الطبراني في معجمه بهذا السند، عن عبد الله، بلفظ: " الطلاق بالرجال، والعدة بالنساء "، ورواه عبد الرزاق في " مصنفه " موقوفا على عثمان، وزيد بن ثابت، وابن عباس، وأخرج البيهقي الآثار كلها في " سننه 7 / 330، 7 / 330، وانظر: نصب الراية 3 / 225.
(2) أشعث ضعيف ؟ ومحمد هو: ابن عبدالرحمن بن أبي ليلى، وهو سيئ الحفظ، وقد أخرجه ابن ماجه (1757) في الصوم، باب: من مات وعليه صيام رمضان، قد فرض
فيه، فسماه.
وهو وهم كما قال المزي في الاطراف.
فإن الترمذي رواه (718) ولم ينسبه.
ثم قال الترمذي: وهو عندي: محمد بن عبدالرحمن بن أبي ليلى.
قال الترمذي، بعد تخريج هذا الحديث: لا نعرفه مرفوعا إلا من هذا الوجه.
والصحيح أنه موقوف.
(*)

(6/277)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية