صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : سير أعلام النبلاء
مصدر الكتاب : الإنترنت
[ ترقيم الكتاب موافق للمطبوع ]

قام بفهرسته الفقير إلى الله عبد الرحمن الشامي ، ويسألكم الدعاء .

سير أعلام النبلاء - الذهبي ج 1
سير أعلام النبلاء
الذهبي ج 1

(1/)


سير اعلام النبلاء

(1/1)


جميع الحقوق المحفوظة لمؤسسة الرسالة ولا يحق لاية جهة ان تطبع أو تعطي حق الطبع لاحد سواء كان مؤسسة رسمية أو افرادا الطبعة التاسعة 1413 ه 1993 م مؤسسة الرسالة بيروت - شارع سوريا - بناية صمدي وصالحة

(1/2)


سير اعلام النبلاء تصنيف الامام شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي المتوفى 748 ه 1374 م الجزء الاول أشرف على تحقيق الكتاب وخرج أحاديثه * حقق هذا الجزء شعيب الارنؤوط * حسين الاسد مؤسسة الرسالة

(1/3)


بسم الله الرحمن الرحيم

(1/4)


تقديم الكتاب بقلم الدكتور بشار عواد معروف أستاذ ورئيس قسم التاريخ بكلية الآداب جامعة بغداد

(1/5)


الذهبي وكتابه سير أعلام النبلاء
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد النبي العربي الامي، وعلى آله وأصحابه الطيبين نجوم الهدى في كل حين، وبعد: فهذا مختصر نافع إن شاء الله في سيرة مؤرخ الاسلام الامام الثقة التقن الناقد البارع شمس الدين الذهبي، وفي كتابه النفيس " سير أعلام النبلاء " ومنزلته بين الكتب التي من بابته، جعلته في فصلين: الاول في سيرة الذهبي والثاني في كتابه " السير ".
تناول الفصل الاول البيئة الدمشقية التي نشأ بها الذهبي بكل ما كان فيها من نهضة علمية واسعة، وما اعتراها من صراعات عقائدية، وانتشار الجهل، والاعتقاد بالمغيبات بين العوام.
وحاولت أن أقدم صورة لبيئته العائلية المتدينة المعنية بالعلم التي ربته على حب العلم والعلماء منذ نعومة أظفاره مما هيأه لمستقبل علمي مرسوم، فرأيناه عند اكتمال شخصيته يعنى بطلب العلم من قراءات وحديث، ثم تتبعت رحلاته في طلب العلم، واستطعت أن أحددها بالبلاد الشامية والمصرية والحجازية، وبينت نتيجة تتبعي لنشاطه أن رحلته إلى البلاد المصرية كانت بين شهر رجب، وذي القعدة من سنة 695 ه،
فصححت بذلك آراء بعض المؤرخين في هذه المسألة.
وأوضحت طبيعة دراساته، وذكرت أنها كانت متنوعة لم تقتصر على جانب واحد، لكنها في الوقت نفسه لم تخرج عن دائرة العلوم الدينية عموما والعلوم المساعدة لها من تاريخ ونحو ولغة وأدب.

(1/7)


وتناول الفصل صلات الذهبي الشخصية بابن تيمية والمزي والبرزالي وأثرها في تبلور فكره السلفي المتمثل بميله إلى آراء الحنابلة ودفاعه عن مذهبهم في العقائد، وارتباطه الشديد بالحديث والمحدثين، ونظرته إلى العلوم والعلماء وفلسفتهم تجاه العلوم العقلية، مما أثر في منهجه التاريخي تأثيرا واضحا، فظهر في اهتمامه الكبير بالتراجم التي صارت تكون أسس كتبه، ومحور تفكيره التاريخي، وفي نظرته إلى الاحداث التاريخية وأسس انتقائها، ثم فيما وجه إلى كتاباته من نقد أثار نقاشا بين علماء عصره، وعند العلماء الذين جاؤ وابعده.
أما نشاطه العلمي، فقد بينت أنه اتخذ وجهتين رئيستين: أولاهما كتاباته الكثيرة، وثانيتهما تدريسه الحديث في أمهات دور الحديث بدمشق بحيث استطعنا التعرف على خمس دور للحديث كان يتولى مشيختها في آن واحد قبيل وفاته.
وأبنت منزلة الذهبي العلمية استنادا إلى دراسة مسهبة لآثاره الكثيرة التي خلفها.
وقد أظهرت الدارسة أن منزلته العلمية وبراعته ظهرتا في أحسن الوجوه إشراقا وأكثرها تألقا عند دراستي له محدثا ومؤرخا وناقدا.
وعلى الرغم من أنه عاش في بيئة غلب عليها الجمود والنقل والتلخيص، فإنه قد تخلص من كثير من ذلك بفضل سعة دراساته وفطنته.
وكان مفهوم التاريخ عند الذهبي يتصل اتصالا وثيقا بالحديث النبوي الشريف وعلومه، وقد ظهر ذلك في عنايته التامة بكتب التراجم التي قامت عليها شهرته الواسعة باعتباره مؤرخا.
وقد جعلت منه معرفته الرجالية الواسعة ناقدا ماهرا، ظهر ذلك في مؤلفاته المعنية بالنقد وفي التفاتاته البارعة في أصول النقد، ورده لكثير من الروايات، وتخطئته لكبار النقاد، وقدرته الفائقة على البحث والاستدلال.

(1/8)


وختمت الفصل بتذكرة مختصرة في تآليفه واختصاراته وتخريجاته مرتبة حسب موضوعاتها، وأشرت إلى ما طبع منها وما هو مخطوط مع بيان مكان النسخة الخطية على سبيل الاختصار.
وقد تمكنت أن أعد له مئتين وخمسة عشر مؤلفا ومختصرا وتخريجا.
أما الفصل الثاني الذي خصصته لمنهج " السير " وأهميته، فقد بدأته بالكلام على عنوان الكتاب وتأليفه، وتمكنت فيه أن أحدد تاريخ تأليف الكتاب بسنة 732 ه خلافا لما هو شائع عند الناس.
ثم غرجت على نطاق الكتاب وعدد مجلداته وتوصلت إلى أن الذهبي لم يكتب المجلدين الاول والثاني منه إنما طالب النساخ باستلالهما من تاريخه الكبير " تاريخ الاسلام "، وأن المجلدين لم يفقدا كما نصت وقفية الكتاب على المدرسة المحمودية، ثم أثبت بما لا يقبل الشك أن المجلد الثالث عشر الذي وصل إلينا ليس هو آخر الكتاب، كما ادعى الدكتور الفاضل صلاح الدين المنجد، وتابعه الناس عليه، بل إن هناك مجلدا آخر يتمم الكتاب هو المجلد الرابع عشر ومنه رجحت أن يكون الذهبي قد رتب كتابه على أربعين طبقة تقريبا وليس على خمس وثلاثين كما هو شائع.
وتناولت في هذا الفصل أيضا ترتيب الكتاب على الطبقات فرأيت أن
مستلزمات البحث تقتضي استعراضا لظهور هذا الترتيب في تاريخ الحركة التأليفية عند المسلمين، ومحاولة لتحديد هذا المفهوم التنظيمي عند الذهبي عن طريق دراسة مؤلفاته التراجمية المرتبة على الطبقات، ومنها كتابه " السير ".
وقد تمكنت فيما أعتقد من تفسير التناقض الظاهري الناتج عن اختلاف عدد الطبقات في مؤلفاته ضمن وحدة زمنية محددة معلومة، باختلاف نوعية المترجمين بين كتاب وآخر.
وأوضحت بعد ذلك أن فائدة

(1/9)


الترتيب على الطبقات إنما تظهر في العصور الاسلامية الاولى، لذلك صرنا لا نشعر بوجود " الطبقة " في كتاب " السير كلما مضى الزمن بالكتاب، وضربت لكل ذلك أمثلة من الكتاب تعزز هذه الآراء وتقويها.
وكان لا بدلي، وأنا أبحث في منهج الكتاب، أن أتناول طبيعة التراجم المذكورة فيه، والاسس التي استند عليها الذهبي في ذكر ترجمة وإسقاط أخرى، فأبنت أنه ذكر " الاعلام " وأسقط المشهورين والمغمورين، وحاول أن يوجد موازنة بين الاعلام في النوعية والازمان والامكنة، واجتهد أن يقدم ترجمة كاملة، ومختصرة في الوقت نفسه لا تؤثر فيها كمية المعلومات التي تتوافر عنده.
ولما كان الذهبي فنانا تراجميا متميز الاسلوب في صياغة الترجمة وأساليب عرضها، فقد حاولت استشفاف منهجه الذي انتهجه في " السير " في هذا المجال.
ثم تناولت بالدراسة منهجه النقدي، فوجدته معنيا بكل أنواعه، لم يقتصر فيه على مجال واحد من مجالاته، فقد عني بنقد المترجمين وتبيان أحوالهم، وأصدر أحكاما وتقويمات تاريخية، وانتقد الموارد التي نقل منها، ونبه إلى
أوهام مؤلفيها، وبرع في إصدار الاحكام على الاحاديث إسنادا ومتنا، وسحب ذلك على الروايات التاريخية.
وحاولت بعد ذلك أن أستبين مدى تعصبه، أو إنصافه في النقد، فتبين لي، بعد دراستة لجملة من كتاباته، أن الرجل قد وفق إلى حد كبير أن يكون منصفا، ونبهت إلى وجوب التفريق بين التعصب وبين الايمان بالشئ، والدفاع عنه بكل ممكن.
أما أهمية كتاب " السير " فقد اجتهدت أن أستشرفها من دراسة علاقته بكتاب " تاريخ الاسلام " إذ كان قد شاع بين أوساط الدارسين أن " السير "

(1/10)


مختصر من " تاريخ الاسلام "، وقد أبانت دراستي للكتابين بطلان هذه الدعوى، ثم تكلمت على أهمية الكتاب في دراسة الحركة الفكرية العربية الاسلامية، وأهميته في دراسة المجتمع الاسلامي.
وحاولت بعد ذلك توضيح العوامل التي يسرت ظهور هذا الكتاب محققا بهذه الهيئة العلمية الرائعة، والصفة البارعة النافعة التي تسر كل محب للتراث، حريص عليه.

(1/11)


الفصل الاول
حياة الذهبي ومنزلته العلمية
أولا بيئة الذهبي ونشأته:
قامت دولة المماليك البحرية على أنقاض الدولة الايوبية بمصر والشام وتمكن المماليك أن يكونوا دولة قوية كان لها أثر في إيقاف التقدم المغولي، وتصفية الامارات الصليبية في بلاد الشام (1).
وكانت دمشق في نهاية القرن السابع الهجري ومطلع القرن الثامن قد
أصبحت مركزا كبيرا من مراكز الحياة الفكرية، فيها من المدارس العامرة ودور الحديث والقرآن العدد الكثير، عمل على تعميرها حكامها وبعض المياسير من أهلها لا سيما منذ عهد نور الدين زنكي (2).
وكانت العناية بالدراسات الدينية، من تفسير وحديث وفقه وعقائد، هي السمة البارزة لهذا العصر، ولم بعد هناك اهتمام كثير بدراسة العلوم الصرفة التي كانت قد أصبحت من " الصنائع المظلمة " (3) و " الهذيان " (4).
__________
(1) راجع عن عصر المماليك: الدكتور علي إبراهيم حسن: " دراسات في تاريخ المماليك البحرية "، ط 2 (القاهرة 1948) والدكتور سعيد عاشور: " العصر المماليكي في مصر والشام "، وغيرهما.
والكتاب الاخير أحسن ما كتب في الموضوع.
(2) يتضح ذلك من العدد الذي ذكره النعيمي في كتابه " تنبيه الدارس ".
(3) الذهبي: " تاريخ الاسلام "، الورقة 263 (أيا صوفيا 3008).
(4) الذهبي: " معجم الشيوخ "، م 2، الورقة 4.

(1/12)


ثم لا حظنا تباينا شديدا في قيمة الانتاج الفكري لهذه الفترة وأصالته، فوجدنا الكثير من المؤلفات الهزيلة التي لم تكن غير تكرار لما هو موجود في بطون الكتب السابقة، ووجدنا القليل من المؤلفات التي امتازت بالاصالة والابداع والمناهج العلمية المتميزة.
وقد زاد من صعوبة الابداع أن الواحد من العلماء كان يجد أمامة تراثا ضخما في الموضوع الذي يروم التأليف فيه، وهو في وضعه هذا يختلف عن المؤلفين الاولين الذين لم يجابهوا مثل هذا التراث.
وشهدت دمشق في هذا العصر نزاعا مذهبيا وعقائديا حادا، كان الحكام المماليك يتدخلون فيه في كثير من الاحيان، فيناصرون فئة على أخرى (1).
وكان الايوبيون قبل ذلك قد عنوا عناية كبيرة بنشر مذهب الامام الشافعي، فأسسوا المدارس الخاصة به، وأوقفوا عليها الوقوف (2).
وعنوا في الوقت نفسه بنشر عقيدة الاشعري، واعتبروها السنة التي يجب اتباعها (3).
لذلك أصبحت للاشاعرة قوة عظيمة في مصر والشام.
وقد أثر ذلك على المذاهب الاخرى، فأصابها الوهن والضعف عدا الحنابلة الذين ظلوا على جانب كبير من القوة، وكانت لهم في دمشق مجموعة من دور الحديث والمدارس (4).
وكان النزاع العقائدي بين الحنابلة والاشاعرة مضطرما، زاده اعتماد الحنابلة على النصوص في دراسة العقائد، واعتماد الاشاعرة على الاستدلال
__________
(1) ابن كثير: البداية، 14 / 28، 38، 49، وابن حجر: " الدرر " 1 / 61 وغيرهما.
(2) انظر التفاصيل في كتابنا: المنذري وكتابه " التكملة "، ص 38 فما بعد.
(3) وكان صلاح الدين أشعريا متعصبا كما هو معروف من سيرته.
(4) انظر النعيمي:: " تنبيه الدارس " 2 / 126 29.

(1/13)


العقلي والبرهان المنطقي في دراستها (1).
وبقدر ما ولد هذا التعصب من تمزق في المجتمع، فإنه ولد في الوقت نفسه نشاطا علميا واضحا في هذا المضمار، تمثل في الكتب الكثيرة التي ألفت فيه.
كما ظهر تحيز واضح في كثير من كتابات العصر.
وكان الجهل والاعتقاد بالخرافات والمغيبات سائدا بين العوام في المجتمع الدمشقي.
وكان التصوف منتشرا في أرجاء البلاد انتشارا واسعا، وظهر بينهم كثير من المشعوذين الذين أثروا على العوام أيما تأثير.
بل عمل الحكام المماليك على الاهتمام بهم، وكان لهم اعتقاد فيهم، فكان للملك
الظاهر بيبرس البندقداري " ت 676 ه " شيخ اسمه الحخضر بن أبي بكر بن موسى العدوي، كان " صاحب حال، ونفس مؤثرة، وهمة إبليسية، وحال كاهني "، وكان الظاهر يعظمه، ويزوره أكثر من مرة في الاسبوع، ويطلعه على أسراره، ويستصحبه في أسفاره لاعتقاده التام به (2).
وانتشر تقديس الاشياخ، والاعتقاد فيهم، وطلب النذور عند قبورهم، بل كانوا يسجدون لبعض تلك القبور، ويطلبون المغفرة من أصحابها (3).
في هذه البيئة الفكرية والعقائدية المضطربة، ولد مؤرخ الاسلام شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز بن عبد الله الذهبي في شهر ربيع الآخر سنة 673 (4).
وكان من أسرة تركمانية الاصل، تنتهي بالولاء
__________
(1) أبو زهرة: ابن تيمية، ص 25.
(2) الذهبي: " تاريخ الاسلام " الورقة 36 (أيا صوفيا 3014).
(3) المصدر نفسه، الورقة 75 (أيا صوفيا 3007).
(4) انظر مثلا: الذهبي: " طبقات القراء "، ص 549، الصفدي: " الوافي "، 2 / 164، و " نكت الهميان "، ص 242، وذكر ابن حجر أن مولده في الثالث من الشهر المذكور (الدرر، 3 / 426).

(1/14)


إلى بني تميم (1)، سكنت مدينة ميافارقين من أشهر مدن ديار بكر (2).
ويبدو أن جد أبيه قايماز قضى حياته فيها (3)، وتوفي سنة 661 ه وقد جاوز المئة، قال الذهبي: " قايماز ابن الشيخ عبد الله التركماني الفارقي جد أبي.
قال لي ابن عم والدي علي بن فارس النجار: توفي جدنا عن مئة وتسع سنين.
قلت عمر، وأضر بأخرة، وتوفي سنة إحدى وستين وست مئة " (4)، وكان قد حج (5).
وكان جده فخر الدين أبو أحمد عثمان أميا لم يكن له حظ من علم، قد اتخذ من النجارة صنعة له، لكنه كان " حسن اليقين بالله " (6).
ويبدو أنه هو الذي قدم إلى دمشق، واتخذها سكنا له، وتوفي بعد ذلك بها سنة 683 ه وهو في عشر السبعين (7).
أما والده شهاب الدين أحمد، فقد ولد سنة 641 ه تقريبا، وعدل عن صنعة أبيه إلى صنعة الذهب المدقوق، فبرع بها، وتميز، وعرف بالذهبي، وطلب العلم، فسمع " صحيح البخاري " سنة 666 ه، من المقداد القيسي،
__________
(1) كتب الذهبي بخطه على طرة المجلد التاسع عشر من " تاريخ الاسلام " (نسخة أيا صوفيا 3012) " تأليف محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز مولى بني تميم ".
(2) ياقوت: معجم البلدان، 4 / 703، فما بعد.
(3) لم يذكر الذهبي في نسبته أنه دمشقي، بل قال: " الفارقي "، مما يدل على أنه لم ينتقل إلى دمشق.
وذكر الدكتور صلاح الدين المنجد في مقدمة الجزء الذي طبعة من " سير أعلام النبلاء " أن قايماز هو الذي قدم دمشق، وأشار إلى معجم الشيوخ، ولم نجد لذلك دليلا في مصدره 1 / 15 وانظر معجم الشيوخ (م 1 الورقة 89).
(4) الذهبي: أهل المئة فصاعدا، ص 137، و " معجم الشيوخ "، م 1 ورقة 89.
(5) الذهبي: " معجم الشيوخ "، م 1 ورقة 89.
(6) الذهبي: " معجم الشيوخ " م 1 ورقة 89.
(7) المصدر نفسه.

(1/15)


وحج في أواخر عمره، وكان دينا يقوم من الليل (1).
وقد يسرت له صنعته رخاء وغنى، فأعتق من ماله خمس رقاب (2)، وتزوج من ابنة رجل موصلي الاصل هو علم الدين أبو بكر سنجر بن عبد الله عرف بغناه، وكان " خيرا عاقلا
مديرا للمناشير بديوان الجيش..وخلف خمسة عشر ألفا " (3) من الدنانير، وأحله علمه وغناه ومروءته مكانا جعلت خلقا من أهل دمشق يشيعونه يوم وفاته في آخر جمادى الاولى سنة 697 ه،، يؤمهم قاضي القضاة يومئذ عز الدين ابن جماعة الكناني (4).
وعرف محمد بابن الذهبي، نسبة إلى صنعة أبيه، وكان هو يقيد اسمه " ابن الذهبي " (5).
ويبدو أنه اتخذ صنعة أبيه مهنة له في أول أمره، لذلك عرف عند بعض معاصريه ب " الذهبي " مثل الصلاح الصفدي (6)، وتاج الدين السبكي (7)، والحسيني (8)، وعماد الدين ابن كثير (9)، وغيرهم.
__________
(1) الذهبي: " تاريخ الاسلام " (وفيات 697) نسخة أيا صوفيا 3014، و " معجم الشيوخ "، م 1 ورقة 13، والصفدي: " الوافي "، م 7 ورقة 86.
(2) كان من بينهم فك أسر امرأتين من أسر الفرنجة من عكا (انظر المصادر في الهامش السابق).
(3) الذهبي: " معجم الشيوخ "، م 1 ورقة 55 وتوفي سنة 686.
(4) الذهبي: " معجم الشيوخ "، م 1 الورقة 13.
(5) ونسبة ب " ابن الذهبي " مقيدة بخطه في معظم الكتب والطباق التي بخطه مثل طبقة سماع كتاب أهل المئة فصاعدا (ص 111 بتحقيقنا)، وطرر المجلدات التي وصلت بخطه من " تاريخ الاسلام " (نسخة أيا صوفيا) وطبقة سماع لكتاب " الكاشف " له (نسخة التيمورية رقم 1936) وجاء في أول " معجم شيوخه ": " أما بعد، فهذا معجم العبد المسكين محمد بن أحمد..ابن الذهبي ".
(6) " الوافي "، 2 / 163 و " نكت الهميان "، ص 241.
(7) " طبقات الشافعية الكبرى " 9 / 100.
(8) " ذيل تذكرة الحفاظ "، ص 34.
(9) " البداية والنهاية "، 14 / 225.

(1/16)


وعاش طفولته بين أكناف عائلة علمية متدينة، فكانت مرضعته وعمته ست الاهل بنت عثمان، الحاجة أم محمد، قد حصلت على الاجازة من ابن أبي اليسر، وجمال الدين بن مالك، وزهير بن عمر الزرعي، وجماعة آخرين، وسمعت من عمر بن القواس وغيره، وروى الذهبي عنها (1).
وكان خاله علي قد طلب العلم، وروى عنه الذهبي في " معجم شيوخه "، وقال: " علي بن سنجر بن عبد الله الموصلي، ثم الدمشقي الذهبي الحاج المبارك أبو إسماعيل خالي.
مولده في سنة ثمان وخمسين وست مئة.
وسمع بإفادة مؤدبه ابن الخباز من أبي بكر ابن الانماطي، وبهاء الدين أيوب الحنفي، وست العرب الكندية.
وسمع معي ببعلبك من التاج عبد الخالق وجماعة.
وكان ذا مروءة وكد على عياله وخوف من الله.
توفي في الثالث والعشرين من رمضان سنة ست وثلاثين وسبع مئة " (2).
وكان زوج خالته فاطمة، أحمد بن عبد الغني بن عبد الكافي الانصاري الذهبي، المعرف بابن الحرستاني، قد سمع الحديث، ورواه، وكان حافظا للقرآن الكريم، كثير التلاوة له، وتوفي بمصر سنة 700 (3) ه.
وطبيعي أن تعتني مثل هذه العائلة المتدينة التي كان لها حظ من العلم بأبنائها، لذلك وجدنا أخاه من الرضاعة علاء الدين أبا الحسن علي بن إبراهيم بن داود بن العطار الشافعي: " 724 654 ه " (4) يسرع، ويستجيز
__________
(1) الذهبي: " معجم الشيوخ "، م 1 ورقة 57، ولدت سنة الاهل سنة 653 ه وتوفيت سنة 729 ه.
(2) الذهبي: " معجم الشيوخ " م 2 ورقة 6.
(3) المصدر السابق، م 1 ورقة 12.
(4) الذهبي: " ذيل العبر "، ص 136، و " معجم الشيوخ " م 2 ورقة 1، ابن كثير: = سير 1 / 2

(1/17)


للذهبي جملة من مشايخ عصره في سنة مولده (1) منهم من دمشق: أحمد بن عبد القادر، أبو العباس العامري " 673 609 ه " (2)، وابن الصابوني " 680 604 ه " (3)، وأمين الدين ابن عساكر " 686 614 ه " (4)، وجمال الدين ابن الصيرفي " 678 583 ه " (5).
ومن حلب: أحمد بن محمد ابن النصيبي " 692 609 ه " (6)، ومن مكة: الامام محب الدين الطبري محدث الحرم ومفتيه " 694 615 ه " (7)، وغيره (8).
ومن المدينة: كافور بن عبد الله الطواشي (9).
ويبدو أن علاء الدين ابن العطار قد حج في تلك السنة (10) فحصل بعض الاجازات من مكة والمدينة.
وذكر ابن حجر أن الذين أجازوه في هذه السنة " جمع جم (11) " وقال في ترجمة ابن
__________
= " البداية "، 14 / 117، ابن حجر: " الدرر "، 3 / 74 73، النعيمي: " تنبيه الدارس "، 1 / 70 68، 99، 112.
ورأينا لابي الحسن ابن العطار هذا رسالة في السماع في خزانة كتب جستربتي بدبلن ضمن مجموع برقم 3296.
(1) ابن حجر: " الدرر "، 3 / 426.
(2) الذهبي: " معجم الشيوخ "، م 1 الورقة 12.
(3) المصدر السابق، م 2 الورقة 55.
(4) المصدر السابق، م 1 الورقة 80.
(5) المصدر السابق، م 2 الورقة 87.
(6) المصدر السابق، م 1 الورقة 18.
(7) الذهبي: " معجم الشيوخ "، م الورقة 8.
(8) انظر مثلا: " معجم الشيوخ "، م 1 الورقة 90، م 2 الورقة 6، 31، 60 59، 88، وابن حجر: " الدرر "، 3 / 436.
(9) الذهبي: " معجم الشيوخ "، م 2 الورقة 26.
(10) المصدر السابق، م 2 الورقة 60 59.
(11) ابن حجر: " الدرر "، 3 / 426.

(1/18)


العطار: " وهو الذي استجاز للذهبي سنة مولده، فانتفع الذهبي بعد ذلك بهذه الاجازة انتفاعا شديدا " (1).
ويمضي الطفل إلى أحد المؤدبين هو علاء الدين علي بن محمد الحلبي المعروف بالبصبص، وكان من أحسن الناس خطا، وأخبرهم بتعليم الصبيان، فيقيم في مكتبه أربعة أعوام (2)، وفي أثناء ذلك كان جده عثمان يدمنه على النطق بالراء يقوم بذلك لسانه (3).
ولا نعرف في أية سنة ترك المكتب، ولكنه كان في سنة 682 ه، لم يزل عنده حيث أنشده في هذه السنة شعرا لابي محمد القاسم الحريري (4).
وقد اتجه الذهبي بعد ذلك إلى شيخة مسعود بن عبد الله الصالحي، فلقنه جميع القرآن، ثم قرأ عليه نحوا من أربعين ختمة، وكان الشيخ مسعود إمام مسجد الشاغور، وكان خيرا متواضعا برا بصبيانه، لقن خلقا.
وتوفي سنة 720 ه (5).
وبدأ الصبي بالحضور إلى مجالس الشيوخ ليسمع كلام بعضهم (6).
ولما قدم عز الدين الفاروثي، عالم العراق، إلى دمشق سنة 690 ه، ذهب الفتى وسلم عليه، وحدثه (7)، مما يدلل على حبه للعلم والعلماء منذ الصغر.
__________
(1) المصدر السابق، 3 / 73.
(2) الذهبي: " معجم الشيوخ "، م 2 الورقة 11.
(3) المصدر السابق، م 1 الورقة 89.
(4) المصدر السابق، م 2 الورقة 11 ومات مؤدبه في حدود سنة 690 ه.
(5) الذهبي: " معجم الشيوخ، م 2 الورقة 78.
(6) المصدر السابق، م 2 الورقة 58.
(7) الذهبي: " معرفة القراء "، ص 544.
وتوفي الفاروثي سنة 694 ه.

(1/19)


ثانيا بدء عنايته بطلب العلم:
بدأ الذهبي يعتني بطلب العلم حينما بلغ الثامنة عشرة من عمره، وتوجهت عنايته إلى ناحيتين رئيستين هما: القراءات، والحديث الشريف.
أ القراءات: اهتم الذهبي بقراءة القرآن الكريم، والعناية بدراسة علم القراءات، فتوجه سنة 691 ه هو ورفقة له، إلى شيخ القراء جمال الدين أبي إسحاق إبراهيم بن داود العسقلاني، ثم الدمشقي، المعروف بالفاضلي، فشرع عليه بالجمع الكبير (1)، وكان الفاضلي قد صحب الشيخ علم الدين السخاوي المتوفي سنة 643 ه، وهو الذي انتهت إليه رياسة الاقراء في زمانه (2)، وجمع عليه القراءات السبع، وتصدر للاقراء بتربة أم الصالح، ولكنه أصيب بطرف من الفالج، فكان يقرئ في بيته وينتهي الذهبي عليه إلى أواخر سورة القصص، ويزداد الفالج على الشيخ، فيمنع الطلبة من الدخول عليه، ثم يموت سنة 692 ه، وتظل قراءة الذهبي على الفاضلي ناقصة (3).
ولكنه كان في أثناء شروعه بالجمع الكبير على الفاضلي، قد شرع في الوقت نفسه يقرأ بالجمع الكبير على الشيخ جمال الدين أبي إسحاق إبراهيم بن غالي
المقرئ الدمشقي " ت 708 (4) ه ".
وقرأ ختمة جامعة لمذاهب القراء
__________
(1) الذهبي: " معجم الشيوخ "، م 1 الورقة 27، " ومعرفة القراء "، ص 563 562 ابن الجزري: " غاية "، 2.
71.
(2) سبط ابن الجوزي: " مرآة "، 8 / 758، القفطي: " إنباه "، 2 / 311، الحسيني: " صلة التكملة "، (وفيات 643)، الذهبي: " العبر "، 5 / 178، ابن كثير: " البداية "، 13 / 17، ابن الجزري: " غاية " 1 / 568.
(3) الذهبي: " معجم الشيوخ "، م 1 الورقة 27، و " معرفة القراء "، ص 563 562، 576، 592.
(4) الذهبي: " معجم الشيوخ "، م 1 الورقة 30، و " معرفة القراء "، ص 576.

(1/20)


السبعة بما اشتمل عليه كتاب " التيسير " للداني، وكتاب " حرز الاماني " للشاطبي على ابن جبريل المصري نزيل دمشق (1).
وما لبث الذهبي أن أصبح على معرفة جيدة بالقراءات، وأصولها ومسائلها، وهو لما يزل فتى لم يتعد العشرين من عمره، قال في ترجمة قاضي القضاة شهاب الدين أبي عبد الله محمد بن أحمد بن خليل الخويي ثم الدمشقي الشافعي المتوفي سنة 693 ه: " جلست بين يديه، وسألني عن غير مسألة من القراءات، فمن الله وأجبته وشهد في إجازتي من الحاضرين، وأجاز لي مروياته (2) ".
على أنه استمر في تحصيل هذا الفن، فكتب في سنة 691 ه " المقدمة في التجويد " عن مؤلفها المقرئ المجود أبي عبد الله محمد بن جوهر التلعفري المتوفى سنة 696 (3) ه، وتلا ختمة للسبعة على مجد الدين أبي بكر بن محمد المرسي نزيل دمشق المتوفى سنة 718 (4) ه وجمع الختمة على شيخ القراء ببعلبك موفق الدين المتوفى سنة 695 (5) ه، وقرأ
بالسبع أيضا على المقرئ شمس الدين أبي عبد الله محمد بن منصور الحلبي المتوفى سنة 700 ه، وكان الحلبي هذا من المتصدرين بالعادلية وبالجامع الاموي (6).
وقرأ كتاب " المبهج في القراءات السبع (7) " لسبط الشيخ أبي منصور الخياط البغدادي، و " السبعة " لابن مجاهد، وغيرهما على
__________
(1) (1) الحسيني: " ذيل تذكرة الحفاظ "، ص 36.
(2) الذهبي: " معجم الشيوخ "، م 2 الورقة 31.
(3) المصدر السابق، م 2 الورقة 39.
(4) المصدر السابق، م 2 الورقة 39.
(5) المصدر السابق، م 2 الورقة 74.
(6) المصدر السابق، م 2 الورقة 66 65.
(7) عندي منه نسخة مصورة عن نسخة معهد إحياء المخطوطات (رقم 75 قراءات وتجويد) وهو كتاب نفيس للغاية.

(1/21)


شيخه أبي حفص عمر ابن القواس المتوفى سنة 698 ه، وسمع " الشاطبية " من غير واحد من القراء (1).
وتميز الشاب في دراسة القراءات، وبرع فيها براعة جعلت شيخه شمس الدين أبا عبد الله محمد بن عبد العزيز الدمياطي ثم الدمشقي الشافعي، وهو من المقرئين المجودين، يتنازل له عن حلقته بالجامع الاموي في أواخر سنة 692 ه، أو أوائل سنة 693 ه، حينما أصابه المرض الذي توفي فيه، وكان الذهبي قد أكمل عليه القراءات قبل ذلك (2)، فكان هذا أول منصب علمي يتولاه الذهبي فيما نعلم، وإن لم يدم فيه أكثر من سنة واحدة (3).
ب الحديث:
وفي الوقت نفسه كان الذهبي، وهو في الثامنة عشرة من عمره، قد مال إلى سماع الحديث، واعتنى به عناية فائقة (4).
وانطلق في هذا العلم حتى ؟ طغى على كل تفكيره، واستغرق كل حياته بعد ذلك، فسمع ما لا يحصى كثرة من الكتب والاجزاء، ولقي كثيرا من الشيوخ والشيخات، وأصيب بالشره في سماع الحديث وقراءته، ورافقه ذلك طيلة حياته، حتى كان يسمع من أناس قد لا يرضى عنهم، قال في ترجمة علاء الدين أبي الحسن علي بن مظفر
__________
(1) انظر مثلا الذهبي: " معجم الشيوخ "، م 2 الورقة 35، 69.
(2) الذهبي: " معجم الشيوخ "، م 2 الورقة 48، توفي شيخه بعد ذلك في صفر من سنة 693 (3) قال الذهبي في ترجمة محمد بن أحمد بن علي شمس الدين أبي عبد الله الرضي الحنفي من معرفة القراء: " ولما سافرت إلى بعلبك، سنة ثلاث وتسعين، وتعوقت بالقراءة على الموفق، وثب على حلقتي، فأخذها لكوني لم أستأذن الحاكم في الغيبة، وهو الآن يقرئ بالجامع " ص 600.
(4) السبكي: " طبقات الشافعية الكبرى "، 9 / 102، والسيوطي: " طبقات الحفاظ "، الورقة 84.

(1/22)


الاسكندراني، ثم الدمشقي، شيخ دار الحديث النفيسية، المتوفى سنة 716 ه: " ولم يكن عليه ضوء في دينه، حملني الشره على السماع من مثله، والله يسامحه كان يخل بالصلوات، ويرمى بعظائم الامور (1) "، وقال في ترجمة شيخه شهاب الدين غازي بن عبد الرحمن الدمشقي المتوفى سنة 709 ه: " وكان ذا سيرة غير محمودة، فالله يعفو عنه، كتب عنه خلق من أبناء البلد " (2)، وقال في ترجمة شيخه أبي عبد الله محمد بن أحمد المقدسي المتوفي سنة 706 ه: " فقير مسكين..ورأيتهم يذمونه..روى لنا عن
خطيب مردا جزء البطاقة (3) "، وذكر عن شيخه محمود بن يحيى التميمي الدمشقي المتوفي سنة 733 ه أنه كان " سئ الحال، سفيها (4) "، وقال عن أحد شيوخه: " لا ينبغي الرواية عنه، حكوا لي عنه مصائب (5) "، وقال عن آخر: إنه كان " من عوام الطلبة " (6)، وقال في ترجمة شيخه محمد بن النصير المؤذن المتوفي سنة 715 ه: " شويخ عامي سمعنا منه، ولم يكن بذاك (7) "، بل إنه ليذهب به حبه للحديث إلى القراءة على الصم، فقد ذكر في ترجمة شيخه محمود بن محمد الخرائطي الصالحي الاصم المتوفي سنة 716 ه: " قرأت عليه بأقوى صوتي في أذنه (8) ".
__________
(1) الذهبي: " معجم الشيوخ "، م 2 الورقة 12.
(3) المصدر نفسه، م 2 الورقة 21.
(3) المصدر نفسه، م 2 الورقة 30.
(4) المصدر نفسه، م 2 الورقة 77.
(5) المصدر نفسه، م 1 الورقة 72.
(6) المصدر نفسه، م 2 الورقة 55.
(7) المصدر نفسه، م 2 الورقة 67.
(8) المصدر نفسه، م 2 الورقة 76.

(1/23)


ثالثا رحلاته في طلب العلم:
كان الذهبي يتحسر على الرحلة إلى البلدان الاخرى، لما لذلك من أهمية بالغة في تحصيل علو الاسناد، وقدم السماع، ولقاء الحفاظ، والمذاكرة لهم، والاستفادة عنهم (1).
إلا أن والده لم يشجعه على الرحلة، بل منعه في بعض الاحيان، قال في ترجمة أبي الفرج عبد الرحمن بن عبد
اللطيف بن محمد بن وريدة البغدادي الحنبلي شيخ المستنصرية " 599 697 (2) ه ": " وقد هممت بالرحلة إليه، ثم تركته لمكان الوالد (3) "، وقال في ترجمته من " معرفة القراء الكبار ": " وانفرد عن أقرانه، وكنت أتحسر على الرحلة إليه، وما أتجسر خوفا من الوالد، فإنه كان يمنعني (4) "، وقال في ترجمة المكين الاسمر المقرئ الاسكندراني المتوفى سنة 692 ه: " ولما مات شيخنا الفاضلي، فازددت تلهفا وتحسرا على لقيه، ولم يكن الوالد يمكنني من السفر (5) ".
ولم يكن الذهبي ابنا عاقا يخالف إرادة والده، لا سيما أن آداب طلب العلم تقتضي استئذان الابوين في الرحلة (6)، ووجوب طاعتهما وبرهما، وترك الرحلة مع كراهتهما ذلك وسخطهما (7).
ويبدو لنا أن الذهبي
__________
(1) راجع عن أهمية الرحلة: الخطيب البغدادي: " الجامع لاخلاق الراوي وآداب السامع "، " باب الرحلة في الحديث إلى البلاد النائية للقاء الحفاظ وتحصيل الاسانيد العالية " الورقة 168 169 (نسخة مكتبة البلدية بالاسكندرية 3711 ج 1).
(2) الدكتور ناجي معروف: " تاريخ علماء المستنصرية "، 1 / 345 342.
(3) الذهبي: " معجم الشيوخ "، م 1 الورقة 74.
(4) الذهبي: " معرفة القراء "، ص 556 وقال في " تاريخ الاسلام ": " وكنت في سنة أربع وتسعين وسنة خمس أتلهف على لقيه، وأتحسر، وما يمكنني الرحلة إليه لمكان الوالد ثم الوالدة " الورقة 268 (أيا صوفيا 3014).
(5) المصدر نفسه، ص 551 وانظر أمثلة أخرى في " معجم الشيوخ "، م 1 الورقة 5.
(6) الخطيب البغدادي.
" الجامع لاخلاق الراوي "، الورقة 170.
(7) الخطيب البغدادي: " الجامع "، الورقة 175 171.

(1/24)


كان وحيد أبيه، أو كان هو البارز بين أبنائه في الاقل (1)، بحيث كان يخاف
عليه هذا الخوف كله.
ويظهر أن والده قد سمع له بالرحلة حينما بلغ العشرين من عمره، وذلك سنة 693 ه (2).
على أنه سمح له برحلات قصيرة لا يقيم في كل منها أكثر من أربعة أشهر (3) في الاغلب، ويرافقه فيها بعض من يعتمد عليهم (4).
أ رحلاته داخل البلاد الشامية: تشير المصادر إلى رحلات الذهبي عرضا، ولكنها لا تقدم لنا عنها الكثير.
على أننا استطعنا أن نتبين أن أول رحلة له ربما كانت إلى بعلبك سنة 693 ه (5) حيث قرأ فيها القرآن جمعا على الموفق النصيبي المتوفي سنة 695 ه (6)، وأكثر عن المحدث الاديب الامام تاج الدين أبي محمد المغربي، ثم البعلبكي، المتوفى سنة 696 (7).
وسوف نجده مرة أخرى في بعلبك سنة 707 (8) ه، وقد سمع في هاتين الرحلتين على كثير من شيوخ
__________
(1) لم نقف على أخ لمحمد بن أحمد الذهبي في جميع الكتب المطبوعة والمخطوطة التي اطلعنا عليها، مع أن الذهبي كثير العناية بذكر أقربائه.
(2) الذهبي: " معجم الشيوخ "، م 1 الورقة 65.
(3) قال الذهبي في ترجمة شرف الدين أبي الحسين يحيى بن أحمد الجذامي الاسكندراني وكان قد بلغ السابعة والثمانين من عمره، ووجد الذهبي بعض صعوبات وتأخير في قراءة القراءات عليه، فخاف أن يذهب وقته سدى: " وكنت قد وعدت أبي، وحلفت له أني لا أقيم في الرحلة أكثر من أربعة أشهر، فخفت أعقه " " معرفة القراء "، ص 558.
(4) كان والده يرافقع في رحلته إلى حلب سنة 693 ه وقد سمع معه فيها، وكان رفيقه في رحلته إلى البلاد المصرية سنة 695 ابن أمه في الرضاع داود بن إبراهيم بن داود ابن العطار الفقيه الشافعي، وهو أكبر من الذهبي بثمانية أعوام " معجم الشيوخ "، م 1 الورقة 47).
(5) الذهبي: " معجم الشيوخ "، 1 / الورقة 65
(6) ابن الجزري: " غاية "، 2 / 71، الذهبي: " معجم الشيوخ "، م 2 الورقة 74.
(7) الذهبي: " معجم الشيوخ "، م 1 الورقة 71، السبكي: " طبقات "، 9 / 102.
(8) الذهبي: " معجم الشيوخ "، م 1 الورقة 52.

(1/25)


البلد (1).
ورحل بعد ذلك إلى حلب، وأكثر فيها عن علاء الدين أبي سعيد سنقر بن عبد الله الارمني، ثم الحلبي، قال: " رحلت إليه، وأكثرت عنه، ونعم الشيخ كان دينا ومروءة وعقلا وتعففا (2) "، وسمع من جملة من شيوخها (3).
وتشير المصادر إلى أنه قد سمع ببلدان عديدة منها: حمص (4)، وحماة (5)، وطرابلس (6)، والكرك (7)، والمعرة (8)، وبصرى (9)، ونابلس (10)، والرملة (11)، والقدس (12)، وتبوك (13).
ب رحلته إلى البلاد المصرية: على أن رحلة الذهبي إلى البلاد المصرية كانت من أبرز رحلاته
__________
(1) انظر مثلا الذهبي: " معجم الشيوخ "، م 1 الورقة 24، 83، 88، م 2 الورقة 9، 72، 74، 81.
(2) الذهبي: " معجم الشيوخ "، م 1 الورقة 55، و " ذيل العبر "، ص 36، السبكي: " طبقات " 9 / 102، الطباخ: " أعلام النبلاء "، 4 / 540.
(3) انظر مثلا: الذهبي: " معجم الشيوخ "، م 1 الورقة 27، 34، 39، السبكي: " طبقات "، 9 / 102.
(4) الذهبي: " معجم الشيوخ "، م 2 الورقة 63، والصفدي: " الوافي "، 2 / 165.
(5) الذهبي: " معجم الشيوخ "، م 1 الورقة 82، م 2 الورقة 68، 82.
(6) الذهبي: " معجم الشيوخ "، م 1 الورقة 7، 22: 29، م 2 الورقة 6، 9 وذكر أنه نزل في مدرسة القاضي شمس الدين أحمد بن أبي بكر بن منصور الاسكنداراني الفقيه قاضي طرابلس
" معجم الشيوخ "، م 1 الورقة 22.
(7) الذهبي: " معجم الشيوخ "، م 1 الورقة 61، م 2 الورقة 16، 43 42 وقد سمع بها سنة 698 من قاضي القضاة عز الدين محمد بن سلمان الحلبي.
(8) الذهبي: " معجم الشيوخ "، م 1 الورقة 89.
(9) الذهبي: " معجم الشيوخ "، م 1 الورقة 83.
(10) الذهبي: " معجم الشيوخ، م 1 الورقة 76، م 2 الورقة 7.
(11) الذهبي: " معجم الشيوخ "، م 1 الورقة 47، والصفدي: " الوافي "، 2 / 165.
(12) الصفدي: " الوافي " 2 / 165.
(13) الذهبي: " معجم الشيوخ "، م 2 الورقة 65.

(1/26)


المبكرة، ويقول الدكتور صلاح الدين المنجد: إنه لا يعرف متى سافر الذهبي إلى مصر، ثم يقول: " ولعل سفره إلى مصر كان بعيد وفاة أبيه سنة 697 ه، وقد عاد سنة 699 ه (1) ".
واستند في ذلك على ما نقله ابن حجر عن مشيخة بدر الدين النابلسي الذي قال: " وأول ما ولي تصدير حلقة إقراء بجامع دمشق في أول رواق زكريا عوضا عن شمس الدين العراقي الضرير المقرئ في المحرم سنة 699 ه بعد رجوعه من رحلته من مصر بقليل (2) ".
وقد استطعنا، نتيجة تتبعنا لنشاط الذهبي أن نحدد رحلته إلى البلاد المصرية، وأنها كانت بين رجب وذي العقدة من سنة 695 ه، فقد تبين أنه ابتدأ سفرته في رجب سنة 695 ه متوجها إلى فلسطين، قال في ترجمة شيخته أم محمد سيدة بنت موسى بن عثمان المارانية المصرية المتوفاة سنة 695 ه: " وقد رحلت إلى لقيها، فماتت وأنا بفلسطين، في رجب سنة خمس وتسعين وست مئة (3) " وقال في ترجمتها من " تاريخ الاسلام ": " كنت
أتلهف على لقيها، ورحلت إلى مصر، وعلمي أنها باقية، فدخلت فوجدتها قد ماتت من عشرة أيام..توفيت يوم الجمعة سادس رجب وأنا بوادي فحمة (4) "، وبذلك نستنتج أنه وصل إلى البلاد المصرية في السادس عشر من رجب سنة 695 ه.
وأول ما افتتح سماعه بمصر على شيخه جمال الدين أبي العباس أحمد ابن محمد بن عبد الله الحلبي المعروف بابن الظاهري (5) " 696 626 ه "،
__________
(1) انظر مقدمته للجزء الذي طبعه من سير أعلام النبلاء، 1 / 18.
(2) ابن حجر: " الدرر "، 3 / 427.
(3) الذهبي: " معجم الشيوخ "، م 1 الورقة 59.
(4) الورقة 246 (أيا صوفيا 3014) ولم يذكر ياقوت وادي فحمة هذا.
(5) كان والده محمد مولى الملك الظاهر صاحب حلب، فنسب إليه.

(1/27)


قال في " تاريخ الاسلام ": " وبه افتتحت السماع في الديار المصرية، وبه اختتمت، وعنده نزلت، وعلى أجزائه اتكلت.
وقد سمع منه علم الدين (يعني البرزالي) أكثر من مئتي جزء (1) "، وقال في ترجمته من " معجم شيوخه ": " ودعته في ذي القعدة سنة خمس وتسعين، فقال لي: قل للجماعة يجعلوني في حل..(2) ".
وطبيعي أن يرجع الامام الذهبي في ذي القعدة من السنة لانه كان قد وعد أباه، وحلف له أنه لا يقيم في الرحلة أكثر من أربعة أشهر، فخاف أن يعقه إذا تأخر (3).
وقد توفي ابن الظاهري بعد ذلك في ربيع سنة 696 (4) ه.
وقد ذكر مترجمو الذهبي أنه سمع من الحافظ ابن الظاهري (5) فكيف يصح القول عندئذ أنه سافر بعيد 697 ه ! ؟ وسمع بمصر بعد ذلك من جماعة كبيرة، من أشهر هم: مسند الوقت أبو المعالي أحمد بن
إسحاق بن محمد الابرقوهي (6) المتوفي سنة 701 ه (7)، وشيخ الاسلام المجتهد قاضي القضاة تقي الدين أبو الفتح محمد بن علي المعروف بابن
__________
(1) الورقة 257 (أيا صوفيا 3014).
(2) م 1 الورقة 18.
(3) الذهبي: " معرفة القراء "، ص 558.
(4) الذهبي: " تاريخ الاسلام " الورقة 257 (أيا صوفيا 3014)، و " معجم الشيوخ " م 1 الورقة 18، ابن الجزرى: " تاريخ " م 2 الورقة 60 (باريس 6739).
(5) أنظر مثلا: السبكي: " طبقات "، 9 / 102، وسبط ابن حجر: " رونق الالفاظ "، الورقة 180.
(6) نسبة إلى (أبرقوه) بلد قرب يزد، ياقوت: " معجم البلدان "، 1 / 85 وقد ولد بها حينما كان أبو قاضيا عليها، الذهبي: " معجم الشيوخ "، م 1 الورقة 5.
(7) الذهبي: " معجم الشيوخ، م 1 الورقة 5 و " ذيل العبر "، ص 18، السبكي: " طبقات "، 9 / 102، ابن حجر: " الدرر " 1 / 110، 3 / 426، سبط ابن حجر: " رونق الالفاظ " (نسخة الخالدية)، الفاسي: " العقد الثمين "، 3 / 15، ابن تغري بردي: " النجوم "، 8 / 198 و " المنهل الصافي "، 1 / 218 وغيرها.

(1/28)


دقيق العيد القشيري المتوفى سنة 702 ه (1) والعلامة شرف الدين عبد المؤمن بن خلف الدمياطي المتوفي سنة 705 ه (2)، وغيرهم (3).
وفي أثناء وجوده بالبلاد المصرية رحل إلى الاسكندرية، وكان بها في شوال من السنة، قال في ترجمة شيخه أبي الحجاج يوسف بن الحسن التميمي القابسي ثم الاسكندراني: " وكنت في شوال هذه السنة في الاسكندرية وهو حي، وسمعت منه التجريد (4) ".
ويظهر أنه سافر إليها في
رمضان لانه قرأ على صدر الدين سحنون ختمة لورش وحفص، وتوفي شيخه في الرابع من شوال سنة 695 ه (5).
وفي ثغر الاسكندرية مضى الذهبي إلى أسند أهلها في القراءات، الامام شرف الدين أبي الحسين يحيى بن أحمد بن عبد العزيز ابن الصواف الجذامي الاسكندراني المقرئ المشهور " 609 705 (6) ه " فأدخل عليه، فوجده قد أضر وأصم، وهو في سبع وثمانين سنة، فقرأ عليه جزءا، ورفع صوته، فسمع، ثم كلمه في أن يجمع عليه القراءات
__________
(1) الذهبي: " معجم الشيوخ "، م 2 ورقة 55، و " ذيل العبر "، ص 21، و " تذكرة الحفاظ " 4 / 1484 1481، ابن سيد الناس: " أجوبة "، الورقة 65 (الاسكوريال 1160)، الادفوي: " الطالع السعيد "، ص 338 317، الصفدي: " الوافي "، 4 / ص 193، ابن حجر: " رفع الاصر "، الورقة 112 وغيرها.
(2) الذهبي: " معجم الشيوخ "، م 1 الورقة 87، و " تذكرة الحفاظ "، 4 / 1479 1477، ابن شاكر: " فوات "، 2 / 17، ابن كثير: " البداية "، 14 / 40، ابن قاضي شهبة: " منتقى المعجم المختص "، الورقة 162 " (أوقاف)، الصفدي: " الوافي "، م 17 ورقة 236، و " معجم شيوخه " لخصه وترجمه إلى الفرنسية الاستاذ جورج فايدا وطبع بباريس سنة 1926 م.
وفي خزانة كتبي الجزء الثالث من إحدى نسخه الخطية.
(3) انظر مثلا: الذهبي: " معجم الشيوخ "، م 2 الورقة 21، 42، 64، 96.
(4) الذهبي: " معجم الشيوخ "، م 2 الورقة 25.
(5) الذهبي: " تاريخ الاسلام "، الورقة 247 (أيا صوفيا 3014).
(6) الذهبي: " ذيل العبر "، ص 32، ابن حجر: " الدرر "، 5 / 186 185، الجزري: " غاية "، 2 / 366، المقريزي: " السلوك "، 2 / قسم 1 ص 21.

(1/29)


السبع، فوافق، وبدأ الذهبي بالقراءة، فقرأ عليه الفاتحة وآيات من البقرة
والشيخ يرد الخلاف، ويرد رواية يعقوب وغيره، ولما ذكر له الذهبي أن قصده القراءة بالسبع حسب، تخيل الشيخ منه نقص المعرفة، وطلب منه أن يذهب إلى أحد تلامذته، قال الذهبي: " وزهدني فيه أني كنت لا أدخل عليه إلا بمشقة وأمنع، ويؤذن لي مرة، وأيضا فكنت لا أقرأ ربع حزب جمعا، حتى ينقطع صوتي لمكان صممه " فخاف الذهبي ضياع الوقت القصير، فتركه (1)، وذهب إلى الامام المقرئ صدر الدين أبي القاسم عبد الرحمن بن عبد الحليم بن عمران الدكالي المعروف بسحنون " 695 610 ه (2) " وكان قد ضعف وأضر، فختم عليه بقراءتي ورش وحفص، في مدة أحد عشر يوما مع جماعة من رفاقه (3).
وسمع بالاسكندرية من جملة من علمائها المتميزين (4) من أبرزهم: تاج الدين أبو الحسن علي بن أحمد بن عبد المحسن الهاشمي الحسيني الواسطي الغرافي ثم الاسكندراني " 704 628 ه " شيخ دار الحديث النبيهية بالاسكندرية (5) كما رحل إلى بلبيس، وسمع بها (6).
لقد كانت هذه الرحلة قصيرة، وكان الذهبي يجهد نفسه في قراءة أكبر كمية ممكنة على شيوخ تلك البلاد، فقد ذكر مثلا أنه قرأ جميع سيرة ابن هشام على شيخه أبي المعالي الابرقوهي في سنة أيام فقط (7).
__________
(1) الذهبي: " طبقات القراء "، ص 558، و " معجم الشيوخ "، م 2 الورقة 84.
(2) الذهبي، " معجم الشيوخ "، م 1 الورقة 73.
(3) الذهبي: " تاريخ الاسلام "، الورقة 247 (أيا صوفيا 3014) و " معرفة القراء " ص 555.
(4) انظر مثلا " معجم الشيوخ "، م 1 الورقة 21، 22، 75، 86، م 2 الورقة 17، 60، 74، 83، 85.
(5) الذهبي: " معجم الشيوخ "، م 2 الورقة 3 2، و " ذيل العبر "، ص 3 28 "، الحسيني: " ذيل تذكرة الحفاظ "، ص 94، ابن حجر: " الدرر "، ج 3 ص 86 85، المقريزي: " السلوك "،
2 / ص 13.
وانظر أيضا: السبكي: " طبقات "، 9 / 102.
(6) الصفدي: " الوافي "، 2 / 164.
(7) الذهبي: " تاريخ الاسلام "، الورقة 135 (أيا صوفيا 3007).

(1/30)


ج رحلته للحج وسماعه هناك: وفي سنة 698 ه، أي بعيد وفاة والده رحل الذهبي للحج، قال في حوادث السنة من " تاريخ الاسلام ": وحج بنا الامير شمس الدين العينتابي (1) "، وكان يرافقه في حجه جماعة من أصحابه وشيوخه (2)، منهم شيخ دار الحديث بالمدرسة المستنصرية (3) العالم المسند أبو عبد الله محمد ابن عبد المحسن المعروف بابن الخراط الحنبلي " 728 638 ه "، وكان ابن الخراط قد قدم دمشق في تلك السنة، وجلس للوعظ بدمشق في شهر رمضان (4)، قال الذهبي: " ورافقنا في الحج، فسمعت منه بالعلى ومعان كتاب " الفرج بعد الشدة " (5).
وقد سمع بمكة (6)، وعرفة (7)، ومنى (8)، والمدينة (9) من مجموعة من الشيوخ.
__________
(1) الذهبي: " تاريخ الاسلام "، الورقة 333 (أيا صوفيا 3014).
(2) انظر مثلا: " معجم الشيوخ "، م 1 الورقة 72، م 2 الورقة 16.
(3) الدكتور ناجي معروف: " تاريخ علماء المستنصرية "، 1 / 360 354.
(4) ذكر ذلك علم الدين البرزالي المتوفي سنة 639 ه ابن رجب: " الذيل "، 2 / 385 والذهبي في " معجم شيوخه "، م 2 الورقة 50.
(5) الذهبي: " معجم الشيوخ "، م 2 الورقة 50 والكتاب المذكور للتنوخي كما هو معروف.
(6) السبكي: " طبقات "، 9 / 102.
(7) الذهبي: " معجم الشيوخ " م 1 الورقة 80.
(8) الذهبي: " معجم الشيوخ " م 1 الورقة 83، 84.
(9) الذهبي: " معجم الشيوخ "، م 2 الورقة 50.

(1/31)


رابعا طبيعة دراساته:
لم ينقطع الذهبي طيلة حياته عن الدراسة والسماع لا يشغله عنهما شاغل، تدل على ذلك معجمات شيوخه لا سيما " المعجم الكبير ".
وكانت دراسته وسماعاته متنوعة لم تقتصر على القراءات والحديث.
وقد عني بدراسة النحو، فسمع " الحاجبية " في النحو على شيخه موفق الدين أبي عبد الله محمد بن أبي العلاء النصيبي البعلبكي المتوفى سنة 695 ه (1).
ودرس على شيخ العربية، وإمام أهل الادب في مصر آنذاك الشيخ بهاء الدين محمد بن إبراهيم المعروف بابن النحاس المتوفى سنة 698 ه (2).
إضافة إلى سماعه لعدد كبير من مجاميع الشعر واللغة والآداب (3).
واهتم بالكتب التاريخية، فسمع عددا كبيرا منها على شيوخه، في المغازي (4)، والسيرة (5)، والتاريخ العام (6)، ومعجمات الشيوخ والمشيخاتن (7)، وكتب التراجم الاخرى (8).
__________
(1) الذهبي: " معجم الشيوخ "، م 2 الورقة 74.
(2) المصدر نفسه، م 2 الورقة 30، " وتاريخ الاسلام "، الورقة 287 (أياصوفيا 3014).
(3) انظر مثلا " تاريخ الاسلام "، 3 / 65 (مطبوعة) والورقة 117 (أحمد الثالث 2917 / 9) والورقة 157 (أيا صوفيا 3008) والورقة 49 (أحمد الثالث 2917 / 10) " ومعجم الشيوخ " م 2 الورقة 50.
(4) انظر مثلا " تاريخ الاسلام "، 6 / 133 (مطبوعة).
(5) انظر مثلا " تاريخ الاسلام "، الورقة 135 (أيا صوفيا 3007).
(6) المصدر نفسه، مثلا الورقة 198 (حلب).
(7) انظر مثلا " معجم الشيوخ " م 1، الورقة 15، 22، 26، 28، 33، 42، 46، 55، 80 م 2 الورقة 9، 10، 50، 71، 100، " وتاريخ الاسلام "، الورقة 96 (أيا صوفيا 3008) والورقة 22 (أيا صوفيا 3009) والورقة 4 (أحمد الثالث 2917 / 10) والورقة 185 (أحمد الثالث 2917 / 11).
(8) مثلا " تاريخ الاسلام " الورقة 68، 79 (أيا صوفيا 3002) وغيرها.

(1/32)


إلا أن عنايته الرئيسة في السماع كانت منصبة على الحديث، فقد سمع الذهبي مئات الكتب والاجزاء الحديثية طيلة حياته في طلب العلم، يعرف ذلك من يقرأ معجمات شيوخه وكتبه بروية وإمعان، فضلا عن أن هذه الكتب والاجزاء هي ليست كل ما قرأ الذهبي علي شيوخه، فهناك العدد الهائل من الاحاديث النبوية الشريفة لم يورد في معجمات شيوخه منها إلا أمثلة حسب.
يضاف إلى ذلك أنه كان ربما سمع الكتاب أو الجزء على أكثر من شيخ حتى يبلغ في بعضها عشرات المرات أو عددا كبيرا منها، ولنضرب لذلك بعض الامثلة، فقد سمع " جزء الحسن بن عرفة " وهو من الاجزاء الحديثية المشهورة أكثر من أربعين مرة على أكثر من أربعين شيخا (1)، وسمع " نسخة أبي مسهر " عبد الاعلى بن مسهر المتوفى سنة 218 (2) أكثر من اثنتي عشرة مرة (3)، وسمع " جزء ابن فيل (4) " لابي طاهر الحسن بن أحمد بن فيل البالسي على أكثر من عشرة من الشيوخ (5).
وأرى من الواجب أن أشير إلى أن الذهبي لم يعن بذكر مسموعاته بصورة مفصلة في معجم شيوخه كما فعل ابن حجر مثلا في " المعجم المفهرس " الذي رتبه
__________
(1) انظر الذهبي: " معجم الشيوخ "، م 1 الورقة 9، 16، 17، 33، 36، 38، 49، 53، 64، 72، 79، 80، 81، 86، م 2 ورقة 8، 11، 13، 24، 31، 32، 37، 39، 44، 45،
46، 59، 77، 79، 82، 85، 86، 88، 98، 100.
(2) منه نسخة بدار الكتب المصرية، رقم 25551 ب.
(3) انظر الذهبي: " معجم الشيوخ " م 1 الورقة 38، 50، 66، 72، 75، م 2 ورقة 20، 32، 35، 37، 51، 65.
(4) منه نسخة بدار الكتاب المصرية برقم 25568 ب.
(5) انظر الذهبي: " معجم الشيوخ "، م 1 الورقة 6، 20، 72، 74، م 2 الورقة 31، 37، 53، 77، 88.
سير 1 / 3

(1/33)


أساسا على الكتب (1)، وفي " المجمع المؤسس " الذي رتبه على الشيوخ ولكن ذكر فيه المرويات أيضا (2).
ومع ذلك فإن المرويات لا تمثل أصلا دراسات الطالب أو العالم، لان الكتب المروية محدودة عموما، بينما يستطيع الطالب أن يقرأ ما يشاء من الكتب الفقهية والتاريخية والادبية ودواوين الشعراء ونحوها وطائفة كبيرة منها لا تروى.
على أننا نستطيع القول من دراستنا لكتب الذهبي واهتماماته، أنه عني بالعلوم الدينية عموما، والعلوم المساعدة لها كالنحو واللغة والادب والشعر.
كما أنه اطلع على بعض الكتب الفلسفية.
ونشك أنه درس كتبا في العلوم الصرفة لعدم اعتقاده بجدواها.
__________
(1) ابن حجر: " المعجم المفهرس " (دار الكتب 82 مصطلح الحديث).
(2) نسختي المصورة (عن دار الكتب 75 مصطلح الحديث).

(1/34)


خامسا صلاته الشخصية وأثرها في تكوينه الفكري
اتصل الذهبي اتصالا وثيقا بثلاثة من شيوخ ذلك العصر وهم جمال الدين أبو الحجاج يوسف (1) بن عبد الرحمن المزي الشافعي " 742 654 ه " 0 وتقي الدين أبو العباس أحمد (2) بن عبد الحليم المعروف بابن تيمية الحراني، " 661 728 ه " وعلم الدين أبو محمد القاسم (3) بن محمد البرزالي " 739 665 ه "، وترافق معهم طيلة حياتهم.
وكان الذهبي أصغر رفاقه سنا، وكان أبو الحجاج المزي أكبرهم.
وكان بعضهم يقرأ على بعض، فهم شيوخ وأقران في الوقت نفسه.
وقد ساعد من شد أواصر هذه الرفقة اتجاههم نحو طلب الحديث منذ فترة مبكرة، وميلهم إلى آراء الحنابلة ودفاعهم عن مذهبهم، مع أن المزي والبرزالي
__________
(1) راجع الذهبي: " معجم الشيوخ "، م 2 الورقة 90، و " تذكرة الحفاظ "، 2 / 1498، الحسيني: " الذيل على ذيل العبر "، ص 229، السبكي: " طبقات "، 6 / 251 (القاهرة 1324)، ابن كثير: " البداية " 14 / 192 191، ابن ناصر الدين: " الرد الوافر "، ص 128، و " التبيان " الورقة 166، ابن حجر: " الدرر "، 5 / 237 233، ابن تغري بردي: " النجوم " 10 / 76، ابن طولون: " المعزة "، ص 10، ابن العماد: " شذرات "، 6 / 136، الكتاني: " فهرس " 1 / 107.
وراجع ما كتبناه في سيرته في مقدمة المجلد الاول من تهذيب الكمال.
(2) ترجمة شيخ الاسلام ابن تيمية معروفة تناولها معظم المؤرخين الذين تناولوا عصره ومنهم الذهبي.
ومن الذين كتبوا عنه مفردا ابن ناصر الدين في " الرد الوافر " (بيروت 1393 ه) وابن قدامة: " العقود الدرية في مناقب شيخ الاسلام ابن تيمية ".
ومن المحدثين: محمد كرد علي في " ترجمة شيخ الاسلام ابن تيمية " (لم يذكر مكان الطبع ولا تاريخه) ومحمد بن بهجة البيطار في " حياة شيخ الاسلام ابن تيمية " (دمشق 1961) ومحمد أبو زهرة: " ابن تيمية، حياته وعصره، آراؤه وفقهه " (القاهرة 1952).
(3) انظر الذهبي: " معجم الشيوخ "، م 2 الورقة 25، " ذيل العبر " ص 209، الحسيني: " ذيل
تذكرة الحفاظ "، ص 2 18 !، السبكي: " طبقات " 6 / 246 (القاهرة 1324)، ابن كثير: " البداية "، 14 / 185، ابن شاكر: " فوات "، ص 119، ابن حجر: " الدرر " 3 / 323 321، ابن تغري بردي: " النجوم " 9 / 319، ابن العماد: " شذرات "، 6 / 124.

(1/35)


والذهبي كانوا من الشافعية.
وكان كل واحد منهم محبا للآخر ذاكرا فضله.
ويذكر الذهبي جيدا أن علم الدين البرزالي هو الذي حبب إليه العناية بالحديث النبوي الشريف، فقال في " معجم شيوخه الكبير ": " الامام الحافظ المتقن الصادق الحجة مفيدنا ومعلمنا ورفيقنا محدث الشام مؤرخ العصر (1) "، وقال في موضع آخر: " وهو الذي حبب إلي طلب الحديث، فإنه رأى خطي، فقال: خطك يشبه خط المحدثين ! فأثر قوله في، وسمعت منه، وتخرجت به في أشياء (2) "، وكان على غاية من الاعجاب بعلمه، ولا سيما " معجم شيوخه " (3) الذي خرجه لنفسه، وفيه ثلاثة آلاف شيخ، منهم ألفان بالسماع وألف بالاجازة (4).
وكتب الذهبي عن شيخه ورفيقه المزي بأنه: " العلامة الحافظ البارع أستاذ الجماعة..محدث الاسلام (5) وأنه كان " خاتمة الحفاظ وناقد الاسانيد والالفاظ وهو صاحب معضلاتنا وموضح مشكلاتنا (6) ".
أما ابن تيمية، فكانت شخصيته قد اكتملت منذ أن كان الذهبي شابا في أول طلبه العلم، وكان قد أصبح مجتهدا، له ؟ ؟ الخاصة التي تقوم في أصلها
__________
(1) الذهبي: " معجم الشيوخ " م 2 الورقة 25.
(2) ابن حجر: " الدرر " 3 / 323.
(3) نظم الذهبي في هذا المعجم بيتين من الشعر، قال: إن رمث تفتيش الخزائن كلها * وظهور أجزاء حوت وعوالي ونعوت أشياخ الوجود وما رووا * طالع أو اسمع معجم البرزالي
ابن حجر: " الدرر "، 3 / 322، ابن ناصر الدين: " الرد الوافر "، ص 120.
(4) الذهبي: " معجم الشيوخ "، م 2 الورقة 25، و " ذيل العبر "، ص 208، ابن حجر: " الدرر "، 3 / 322، ابن ناصر الدين: " الرد الوافر "، ص 120.
(5) " معجم الشيوخ " م 2 الورقة 70، وانظر " تذكرة الحفاظ " 4 / 1499 1498.
(6) ابن حجر: " الدرر " 5 / 236 235.

(1/36)


على اتباع آثار السلف، وابتدأ منذ سنة 698 ه يدخل في خصومات عقائدية حادة مع علماء عصره من المخالفين له (1)، ويقيم الحدود بنفسه، ويحلق رؤوس الصبيان (2)، ويحارب المشعوذين من أدعياء التصوف (3)، ويمنع من تقديم النذور (4)، ويدور هو وأصحابه على الخمارات والحانات، ويريق الخمور (5)، ويقاتل بعض من يعتقد فساد عقيدته (6)، ويشتط على القضاة (7)، بل بلغ الامر به في إحدى المرات أن دخل السجن، وأخرج رفيقه المزي منه بنفسه (8).
وظهرت شخصيته السياسية في الحرب الغازانية سنة 699 ه وما بعدها، لا سيما سنة 702 ه فقد كان له الدور البارز في انتصار المماليك على المغول في وقعة شقحب (9).
وقد أحب الذهبي شيخه ورفيقه، وأعجب به، فقال بعد أن مدحه مدحا عظيما: " وهو أكبر من أن ينبه مثلي على نعوته، فلو حلفت بين الركن والمقام لحلفت، أني ما رأيت بعيني مثله، ولا والله ما رأى هو مثل نفسه في العلم (10) ".
ولما مات،
__________
(1) الذهبي: " تاريخ الاسلام "، الورقة 332 (أيا صوفيا 3014)، الصفدي: " الوافي " 5 / 22، ابن كثير " البداية 14 / 4، ابن حجر: " الدرر " 1 / 155.
(2) ابن كثير: " البداية "، 14 / 19.
(3) الصفدي: " الوافي " 5 / 18، ابن كثير: " البداية " 14 / 33، وانظر فتواه في " الصوفية
والفقراء " (نشرها رشيد رضا بالقاهرة 1348 ط 2).
(4) ابن كثير: " البداية " 14 / 34.
(5) المصدر نفسه، 14 / 11.
(6) المصدر نفسه، 14 / 12.
(7) ابن حجر: " الدرر " 1 / 156.
(8) السبكي: " طبقات " 6 / 254 (القاهرة 1324)، ابن كثير: " البداية " 14 / 37، ابن حجر: " الدرر " 5 / 234.
(9) الذهبي: " تاريخ الاسلام "، الورقة 334 فما بعد (أيا صوفيا 3014)، الصفدي: " أعيان العصر " 8 / الورقة 7 1 (أيا صوفيا 2968)، ابن كثير: " البداية " 14 / 9 فما بعد.
(10) ابن ناصر الدين: " الرد الوافر "، ص 35، وقارن ابن حجر: " الدرر " 1 / 169 168.

(1/37)


رثاه بقصيدة (1)، وذكر أن مصنفاته قد جاوزت الالف (2)، وبالغ في ذكر مساوئ من حط عليه مثل الامير سيف الدين تنكز (3) نائب الشام.
ولم تكن محبة رفيقيه وإعجابهما بابن تيمية بأقل من محبة الذهبي له، بل ربما كان المزي أكثرهم إعجابا ومحبة له مع أنه أكبر منه سنا (4).
ومع أن الذهبي قد خالف رفيقه وشيخه " في مسائل أصلية وفرعية (5) " وأرسل إليه نصيحته الذهبية (6) التي يلومه، وينتقد بعض آرائه وآراء أصحابه بها، إلا أنه بلا ريب قد تأثر به تأثرا عظيما، بحيث قال تاج الدين السبكي المتوفى سنة 771 ه: " إن هذه الرفقة المزي والذهبي والبرزالي أضر بها أبو العباس ابن تيمية إضرارا بينا وحملها من عظائم الامو أمرا ليس هينا، وجرهم إلى ما كان التباعد عنه أولى بهم (7) ".
إن هذه الصلة بين الرفقة، وما اختطوه لانفسهم فيما ارتضوه، ومالوا إليه
من آراء الحنابلة، قد أدت في كثير من الاحيان إلى إيذائهم والتحامل عليهم بما
__________
(1) ابن ناصر الدين: " بديعة الزمان "، الورقة 165، و " الرد الوافر " ص 36 35.
(2) ابن ناصر الدين: " الرد الوافر "، ص 35، وقارن ابن حجر: " الدرر " 1 / ص 160.
وقال الصفدي: " ومن الذي يأتي على مجموعها ! " وذكر منها جملة كبيرة " الوافي " 5 / 30 23.
(3) ابن حجر: " الدرر "، 1 / 61.
وعاتب الذهبي تلميذه تاج الدين السبكي بسبب كلام وقع منه في ابن تيمية، فاعتذر منه السبكي برسالة أرسلها إليه.
ابن حجر: " لدرر "، 1.
169.
(4) انظر أقوال المزي في ابن تيمية في كتاب " الرد الوافر " ص 130 128 وأقوال البرزالي في الكتاب نفسه ص 123 119.
وكان ابن تيمية شديد الاعجاب بالمزي، فلما باشر دار الحديث الاشرفية بعد الشريشي، قال ابن تيمية: " لم يلها من حين بنيت إلى الآن أحق بشرط الواقف منه " انظر: ابن كثير: " البداية "، 14 / 89، ابن حجر: " الدرر " 5 / 234، النعيمي: " تنبيه "، 1 / 35.
(5) ابن حجر: " الدرر " 1 / 166.
(6) الذهبي: " النصيحة الذهبية لابن تيمية " (دمشق 1347 ه).
(7) السبكي: " طبقات " 6 / 254 (القاهرة 1324 ه).

(1/38)


ليس فيهم.
وقد أوذي المزي بسبب ذلك (1)، وحرم الذهبي بسبب آرائه من تولي أكبر دار للحديث بدمشق، هي دار الحديث الاشرفية (2) التي شغرت مشيختها بعد وفاة رفيقه المزي سنة 742 ه، فأشار قاضي القضاة علي بن عبد الكافي السبكي أن يعين الذهبي لها، فتكلم الشافعية بأن الذهبي ليس بأشعري، وأن المزي ما وليها إلا بعد أن كتب بخطه، وأشهد على نفسه بأنه أشعري، واتسع النقاش بينهم، ورفض الشافعية أن يتولاها الذهبي بعد أن جمعهم نائب الشام ألطنبغا بالرغم من إلحاح السبكي، ولم يحسم الامر إلا بتولية السبكي نفسه (3).
ثم أثرت صلة الذهبي بابن تيمية فيما اختصر (4) أو ألف (5)
من كتب، وفي بلورة بعض آرائه، وحبه للحنابلة (6)، وموقفه من بعض المتصوفة (7) ولا سيما طائفة الاحمدية، أتباع الشيخ أحمد الرفاعي (8).
وهو يذكر
__________
(1) من ذلك ما حدث سنة 705 ه حينما وقعت المناظرة بين ابن تيمية والشافعية فقرأ الشيخ جمال الدين المزي فصلا بالرد على الجهمية من كتاب خلق أفعال العباد للبخاري تحت قبة النسر بعد قراءة ميعاد البخاري، فغضب بعض الفقهاء الحاضرين، وشكاة إلى القاضي الشافعي ابن صصرى، وكان من أعداء ابن تيمية، فأمر بسجن المزي، ولما بلغ ابن تيمية ذلك، تألم كثيرا، وذهب إلى السجن، فأخرجه منه بنفسه، فغضب نائب دمشق فأعيد المزي، ثم أفرج عنه.
ابن كثير: " البداية " 14 / 37، ابن حجر: " الدرر " 5 / 234).
(2) منسوبة إلى الملك الاشرف ومظفر الدين موسى ابن العادل الايوبي، ابتدأ عمارتها سنة 628 ه، وافتتحت سنة 630 ه، وأول من وليها محدث عصره الشيخ تقي الدين ابن الصلاح المتوفى سنة 643 ه انظر الذهبي: " تاريخ الاسلام "، الورقة 243 (أيا صوفيا 3012)، والنعيمي: " تنبيه الدارس " 1 / 19 فما بعد.
(3) السبكي: " طبقات الشافعية "، 6 / 171 170 (القاهرة 1324)، ابن قاضي شهبة: " طبقات الشافعية "، الورقة 105 (أحمد الثالث 2836).
(4) من ذلك مثلا " المنتقى من منهاج الاعتدال لشيخه ابن تيمية (وانظر القسم الخاص بكتبه).
(5) من ذلك مثلا كتاب " العلو " (وانظر القسم الخاص بكتبه).
(6) الذهبي: " معجم الشيوخ " م 1 ورقة 4.
(7) قال في ترجمة شيخه بهاء الدين أبي المحاسن عبد المحسن بن محمد المعروف بابن العديم المتوفى سنة 704 ه: " وكان يدخل في ترهات الصوفية " " معجم الشيوخ "، م 1 الورقة 85.
(8) قال في ترجمة ثعلب بن جامع الصعيدي الاحمدي الباز دار المتوفى سنة 725 ه: " كان من كبار الاحمدية، وله أتباع، ثم أنه تاب وترك تلك الرعونات " " معجم الشيوخ " م 1 الورقة 40.

(1/39)


أن علم المنطق " نفعه قليل وضرره وبيل وما هو من علوم الاسلام (1) " ويقول عن الفلسفة: " الفلسفة الالهية ما ينظر فيها من يرجى فلاحه، ولا يركن إلى اعتقادها من يلوخ نجاحه، فإن هذا العلم في شق، وما جاءت به الرسل في شق، ولكن ضلال من لم يدر ما جاءت به الرسل كما ينبغي بالحكمة أشر ممن يدري، واغوثاه بالله إذا كان الذين قد انتدبو اللرد على الفلاسفة قد حاروا، ولحقتهم كسفة، فما الظن بالمردود عليهم (2) ؟ ! ".
ثم كان لهذه الرفقة، أعني رفقة ابن تيمية، أن جعلت بعض الناس يجدون فيها سببا لطعنهم في كتاباته بسبب اعتقادهم بتحيزها (3).
وقد أثارت هذه المطاعن نقاشا بين علماء عصره، وعند العلماء الذين جاؤوا بعده (4) وهو ما سوف نبحثه عند كلامنا على منهجه في " سير أعلام النبلاء " (5).
ومع أن كثيرا من الانتقادات التي وجهت إلى الذهبي بسبب العقائد كان يغلب عليها طابع التحامل والتعصب، إلا أننا في الوقت نفسه يجب أن نعترف بأن تكوينه الفكري العام قد ارتبط ارتباطا شديدا بالحديث والمحدثين ونظرتهم إلى العلوم والعلماء وفسلفتهم تجاه العلوم العقلية، وقد أثر ذلك، كما سنرى، في منهجه التاريخي تأثيرا واضحا حينما ربطه بالحديث النبوي الشريف وعلومه، فاهتم اهتماما كبيرا بالتراجم حتى صارت أساس كثير من كتبه، ومحور تفكيره.
__________
(1) الذهبي: " بيان زغل العلم "، ص 24 وقال في ترجمة أحد شيوخه: " ثم دخل في ؟ ؟، فالله يسلم، ثم أقبل على شأنه " " معجم الشيوخ " م 1 ورقة 67 66.
(2) الذهبي: " بيان زغل العلم " ص 26 25 وانظر " معجم الشيوخ " م 2 الورقة 49.
(3) السبكي: " معيد النعم "، ص 74، و " الطبقات "، 2 / 15 13، 25 22، 9 / 103.
(4) السخاوي: " الاعلان "، ص 499 فما بعد، وابن عبد الهادي: " معجم الشافعية " الورقة 47 48.
(5) انظر الفصل الثاني.

(1/40)


سادسا نشاطه العلمي ومناصبه التدريسية:
بدأت حياة الذهبي العلمية في الانتاج في مطلع القرن الثامن الهجري كما يبدو، فبدأ باختصار عدد كبير من أمهات الكتب في شتى العلوم التي مارسها، ومن أهمها التاريخ والحديث.
ثم توجه بعد ذلك إلى تأليف كتابه العظيم " تاريخ الاسلام " الذي انتهى من إخراجه لاول مرة سنة 714 (1) ه.
وقد تولى الذهبي في سنة 703 ه الخطابة بمسجد كفر بطنا (2)، وهي قرية بغوطة دمشق (3)، وظل مقيما بها إلى سنة 718 ه.
وفي هذه القرية الهادئة ألف الذهبي خيرة كتبه، وقد ساعده على ذلك كما يبدو تفرغه التام للتأليف.
وفي شوال سنة 718 ه توفي الشيخ كمال الدين أحمد بن محمد بن أحمد ابن الشريشي الوائلي، وكيل بيت المال، وشيخ دار الحديث بتربة أم الصالح وغيرها (4)، وكانت هذه الدار من كبريات دور الحديث بدمشق آنذاك (5)، تولاها كمال الدين ابن الشريشي مدة ثلاث وثلاثين سنة ابتداءا من سنة 685 ه وإلى حين وفاته وكان والده قد تولاها قبله (6).
قال ابن كثير في حوادث سنة 718 ه: " وفي يوم الاثنين العشرين من
__________
(1) انظر الورقة الاخيرة من نسخة أيا صوفيا 3014.
(2) الحسيني: " ذيل العبر " ص 269، ابن كثير: " البداية " 14 / 28.
(3) محمد كرد علي: " غوطة دمشق " ص 24.
(4) الذهبي: " ذيل العبر " ص 99، ابن كثير: " البداية "، 14 / 91، النعيمي: " تنبيه الدارس " 1 / 34 33.
(5) النعيمي: " تنبيه " 1 / 316، وواقفها هو الصالح إسماعيل ابن الملك العادل سيف الدين أبي بكر.
(6) ابن كثير: " البداية " 14 / 88، 91، النعيمي: " تنبيه " 1 / 34.

(1/41)


ذي الحجة باشر الشيخ شمس الدين محمد بن عثمان الذهبي المحدث الحافظ بتربة أم الصالح عوضا عن كمال الدين ابن الشريشي..وحضر عند الذهبي جماعة من القضاة (1) ".
وقد اتخذها الذهبي سكنا له وبقي فيها إلى حين وفاته.
وفي يوم الاربعاء السابع عشر من جمادى الآخرة سنة 729 ه ولي شمس الدين الذهبي دار الحديث الظاهرية (2) بعد الشيخ شهاب الدين أحمد بن جهيل ونزل عن خطابة كفر بطنا (3).
ولما توفي الشيخ علم الدين البرزالي، شيخ الذهبي ورفيقه، سنة 739 ه، تولى الذهبي تدريس الحديث بالمدرسة النفيسية وإمامتها عوضا عنه، وكتب له تلميذه صلاح الدين الصفدي توقيعا بذلك (4).
وفي هذه السنة أيضا، أعني سنة 739 ه، كمل تعمير دار الحديث والقرآن التنكزية (5)، وباشر الذهبي مشيخة الحديث بها (6).
وقد أخطأ محيي
__________
(1) ابن كثير: " البداية " 14 / 88.
(2) أسسها الملك الظاهر بيبرس البندقداري سنة 676 ه، هي والمدرسة الظاهرية وهي اليوم مقر دار الكتب الظاهرية الواقعة قبالة المجمع العلمي العربي بدمشق، انظر عنها: النعيمي: " الدارس " 1 / 348.
(3) ابن كثير: " البداية " 14 / 143.
(4) الصفدي: " الوافي " 2 / 166 وتجد نص التوقيع في كتابه.
(5) منسوبة إلى الامير تنكز نائب الشام، وليها سنة 712 ه ومات معتقلا بالاسكندرية في أوائل سنة 741 ه (الحسيني: " ذيل العبر " ص 220 219، ابن حجر: " الدرر " 2 / 55 / 62) قال ابن كثير في حوادث سنة 739 ه: " ومما حدث في هذه السنة إكمال دار الحديث السكرية (كذا والصحيح: التنكزية) وباشر مشيخة الحديث بها الشيخ الامام الحافظ مؤرخ الاسلام شمس الدين محمد بن أحمد الذهبي، وقرر فيها ثلاثون محدثا لكل منهم جراية وجامكية كل شهر سبعة دراهم ونصف رطل خبز، وقرر للشيخ ثلاثون رطل خبز، وقرر فيها ثلاثون نفرا يقرؤون القرآن لكل عشرة شيخ، ولكل واحد من القراء نظير ما للمحدثين، ورتب لها إمام، وقارئ حديث، ونواب، ولقارئ الحديث عشرون درهما وثماني أواق خبز وجاءت في غاية الحسن..الخ، 14 / 184.
(6) ابن كثير: " البداية " 14 / 184، النعيمي: " تنبيه " 1 / 123.

(1/42)


الدين عبد القادر النعيمي المتوفي سنة 927 ه حينما جعل الذهبي يخلف تقي الدين ابن تيمية في دار الحديث السكرية (1)، فترجمه فيها (2) وكرر ذلك، مع أن الذهبي لم يتول هذه الدار كما يبدو.
ويظهر أن " التنكزية " تحرفت إلى " السكرية (3) فظن الرجل أنه تولاها، مع أنه ذكر أن الذهبي تولى دار الحديث التنكزية ونقل النصوص الدالة نفسها، قال في دار الحديث السكرية بعد أن ترجم لشيخها تقي الدين ابن تيمية المتوفي سنة 728 ه: " ثم وليها بعده الحافظ الذهبي وهو محمد..ثم ولي مشيخة السكرية هذه بعده الصدر المالكي ".
قال الشيخ شمس الدين السيد في " ذيل العبر " (في) (4) سنة تسع وأربعين وسبع مئة: " والامام صدر الدين سليمان بن عبد الحكم (5) المالكي مدرس الشرابيشية وشيخ السكرية بعد الذهبي ".
انتهى.
وقال الصلاح الصفدي في " تاريخه " في حرف السين: " سليمان بن عبد الحكم..إلخ (6) " ثم قال في " دار القرآن والحديث التنكزية " من كتابه بعد ذكر عمارتها ووقوفها: " قال السيد الحسيني في " ذيل العبر " في سنة تسع وأربعين (وسبع مئة) (7): والامام صدر الدين سليمان بن عبد الحكم المالكي
__________
(1) " تنبيه الدارس " 1 / 78 77.
(2) المصدر نفسه 1 / 79 78.
(3) علما بأنها محرفة في النسخة المطبوعة من " البداية والنهاية " (14 / 184) وهذه النسخة كثيرة الاغلاط كما هو معروف.
(4) زيادة مني يقتضيها السياق.
(5) هكذا في الاصل.
وفي " ذيل العبر " (ص 276) و " ذيل تذكرة الحفاظ " (ص 119): عبد الحكيم.
وهو الصحيح.
(6) النعيمي: " تنبيه " 1 / 80 77.
(7) زيادة من عندي يقتضيها السياق.

(1/43)


شيخهم ومدرس الشرابيشية وشيخ التنكزية بعد الذهبي.
انتهى.
وقد تقدمت ترجمة الذهبي في دار الحديث السكرية.
وقال الصلاح الصفدي في " تاريخه " في حرف السين: " سليمان ابن عبد الحكم..إلخ (1) ".
وهذا النص الاخير هو الصحيح وهو الذي أورده الحسيني في " ذيل العبر " (2).
إن هذا الاختلاط والتحريف بالنصوص جعل الدكتور صلاح الدين المنجد يذهب إلى القول بأن الذهبي خلف ابن تيمية سنة 728 ه في دار الحديث السكرية وهو وهم لا أساس له (3).
ومن دور الحديث التي تولاها الذهبي دار الحديث الفاضلية (4)، التي أسسها القاضي الفاضل وزير صلاح الدين المتوفى سنة 596 ه.
وهكذا تولى الذهبي كبريات دور الحديث بدمشق في أيامه، لما وصل إليه من المعرفة الواسعة في هذا الفن.
وحينما توفي سنة 748 ه كان يتولى مشيخة الحديث في خمسة أماكن هي: 1 مشهد عروة، أو دار الحديث العروية، ودرس فيها بعده شرف الدين ابن الواني الحنفي، نزل الذهبي له عنها في مرض موته (5).
__________
(1) النعيمي: " تنبيه الدارس " 1 / 127.
(2) الحسيني: " ذيل ذيل العبر " ص 276.
(3) مقدمة الجزء الذي طبعه من " سير أعلام النبلاء " 1 / 22 والطريف أن ابن تيمية لم يكن متوليا لهذه المدرسة سنة 728 فقد اعتقل في 16 شعبان سنة 726 وظل معتقلا بالقلعة إلى حين وفاته في ليلة العشرين من ذي القعدة سنة 728 (ابن كثير: " البداية " 14 / 123، 135).
(4) النعيمي: " تنبيه الدارس " 1 / 94.
(5) ابن قاضي شهبة: " الاعلام " الورقة 86 وهي منسوبة إلى شرف الدين محمد بن عروة الموصلي المتوفى سنة 620 ه (النعيمي: " تنبيه الدارس " 1 / 82).

(1/44)


2 دار الحديث النفيسية، وقد نزل الذهبي عنها إلى الشيخ شرف الدين ابن الواني الحنفي في مرض موته أيضا فدرس فيها في ذي القعدة (1).
3 دار الحديث التنكرية، ودرس فيها بعده الامام صدر الدين سليمان ابن عبد الحكيم المالكي كما مر بنا قبل قليل (2).
4 دار الحديث الفاضلية بالكلاسة، ودرس فيها بعده تلميذه تقي الدين أبو المعالي محمد بن رافع بن هجرس السلامي المتوفى سنة 774 ه (3).
5 تربة أم الصالح، درس فيها بعده تلميذه الحافظ أبو الفداء عماد الدين ابن كثير الدمشقي المتوفى سنة 774 ه (4).
__________
(1) ابن قاضي شهبة: " الاعلام " الورقة 86.
(2) وانظر أيضا ابن قاضي شهبة: " الاعلام " الورقة 86.
(3) ابن قاضي شهبة: " الاعلام " الورقة 86، والنعيمي: " تنبيه " 1 / 94.
(4) قال في كتابه " البداية والنهاية " في حوادث سنة 748 ه: " وفي يوم الاحد سادس عشر ذي القعدة حضرت تربة أم الصالح رحم الله واقفها عوضا عن الشيخ شمس الدين الذهبي، وحضر جماعة من أعيان الفقهاء وبعض القضاة، وكان درسا مشهودا ولله الحمد والمنة..إلخ " 14 / 225.

(1/45)


سابعا منزلة الذهبي العلمية:
لعل خير ما يصور منزلة الذهبي العلمية واتجاهاته الفكرية هو دراسة آثاره الكثيرة التي خلفها، وتبيان قيمتها مقارنة بمثيلاتها، ومدى اهتمام العلماء والدارسين بها في العصور التالية، والمساهمة الفعلية التي قدمتها للحضارة الاسلامية.
وسيرة الذهبي العلمية، استنادا إلى آثاره، ذات وجوه متعددة يستبينها الباحث الفاحص من نوعية تلك الآثار.
وأول ما يلاحظ الدارس هذا العدد الضخم من الكتب التي اختصرها والتي تربي على خمسين كتابا، معظمها من الكتب الكبيرة التي اكتسبت أهمية عظيمة عند الدارسين، والتي تعد من بين أحسن الكتب التي وضعت في عصرها وأكثرها أصالة، مما يدل على استيعاب الذهبي لمؤلفات السابقين، ومعرفته بالجيد الاصيل منها، وتمتعه بقدرة ممتازة على الانتفاء.
ومما يثير الانتباه أن مختصرات الذهبي لم تكن اختصارات عادية يغلب عليها الجمود والنقل، بل إن المطلع عليها الدارس لها بروية وإمعان يجد فيها إضافات كثيرة، وتعليقات نفيسة، واستدراكات بارعة، وتصحيحات وتصويبات لمؤلف الاصل إذا شعر بوهمه أو غلطه، ومقارنات تدل على معرفته وتبحره في فن الكتاب المختصر، فهو اختصار مع سد نقص وتحقيق ونقد وتعليق وتدقيق، وهو أمر لا يتأتى إلا للباحثين البارعين الذين أوتوا بسطة في العلم ومعرفة بفنونه.
والذهبي حين يضيف إلى الكتاب المختصر يشعر بضرورة ذلك لسد نقص يعتري ذلك الكتاب.
فحينما اختصر مثلا كتاب " أسد الغابة في

(1/46)


معرفة الصحابة " لعز الدين ابن الاثير المتوفى سنة 630 ه زاده من عدة تواريخ منها: " تاريخ الصحابة الذين نزلوا حمص " لابي القاسم عبد الصمد ابن سعيد الحمصي المتوفى سنة 324 ه، و " مسند " الامام أحمد بن حنبل المتوفى سنة 241 ه، و " مسند " بقي بن مخلد المتوفى سنة 276 ه، و " طبقات " ابن سعد المتوفى سنة 230 ه، و " تاريخ دمشق " لابن عساكر المتوفى سنة 571 ه، ومن كتابات ابن سيد الناس المتوفى سنة 734 (1) ه.
وقال سبط ابن حجر عند كلامه على اختصار الذهبي " للمعجم المشتمل على ذكر شيوخ الائمة النبل " لابن عساكر المتوفى سنة 571 ه: " زاده فوائد ومحاسن " (2).
ويجد الباحث في مختصرات الذهبي تعليقات نفيسه، ومن ذلك مثلا ما عمله في كتاب " الكاشف " الذي اختصره من " تهذيب الكمال " لابي الحجاج المزي المتوفى سنة 742 ه، فعلى الرغم من محافظة الذهبي على
روح النص الاصلي، فقد بث فيه من روحه ونشر فيه من علمه ما جعله يكاد يكون مؤلفا من تآليفه مخالفا للاصل المختصر منه في كثير من الامور.
وآية ذلك أنه علق على آراء بعض أئمة الجرح والتعديل فيه تعديلا أو إبطالا، كما حقق كثيرا من التراجم وزاد تدقيقا لا نجده في الاصل.
فضلا عن بيان رأيه في كثير من الرواة على أسس من دراساته الواسعة، وخبرته العميقة بعلم الحديث النبوي الشريف مما حدا بتاج الدين السبكي أن يصف هذا المختصر بأنه " كتاب نفيس " (3).
__________
(1) أنظر أدناه قائمة المختصرات في مؤلفات الذهبي وما كتبناه عنه في كتابنا: " الذهبي ومنهجه ": 218 217.
(2) " رونق الالفاظ " الورقة 180.
(3) " طبقات الشافعية " 9 / 104.

(1/47)


وتظهر براعة الذهبي في النقد والتحقيق في كثير من هذه المختصرات، فمن ذلك مثلا ما ظهر في مختصره لكتاب " المستدرك على الصحيحين " لابي عبد الله الحاكم النيسابوري المتوفى سنة 405 ه الذي قصد فيه مؤلفه أن يورد أحاديث على شرط البخاري ومسلم مما لم يذكراه في صحيحيهما، حيث يتبين لنا من مطالعة المختصر وتعليقات الذهبي عليه وتخريجاته ونقده أنه لم يصحح من أحاديث الكتاب سوى النصف، وبين أن نصف النصف الآخر يصح سنده وإن كان فيه علة، أما الربع الاخير فهو أحاديث مناكير وواهيات لا تصح، بل إن في بعضها أحاديث موضوعة (1).
وهذا يعني أن الذهبي قد أعاد دراسة جميع أحاديث المستدرك مجددا ونقدها، فخرج بهذه النتيجة.
وغالبا ما يقوم الذهبي بتخريج الاحاديث الواردة في الكتب التي يقوم باختصارها، فغالب التخريج في كتاب " تلخيص العلل المتناهية في الاحاديث الواهية " الذي لخصه من كتاب " العلل " لابن الجوزي المتوفى سنة 597 ه هو من كلام الذهبي (2).
ولما اختصر الذهبي كتاب " السنن الكبرى " للبيهقي المتوفى سنة 458 ه.
تكلم على أسانيد الكتاب بنفائس تدل على تبحره بهذا الفن، ووضع رموزا على الحديث لمن خرجه من أصحاب الصحيحين والسنن الاربع، وخرج الاحاديث التي لم ترد في هذه الكتب الستة.
وكثيرا ما كان الذهبي يخرج تراجم الكتب التي يختصرها في علم الرجال.
__________
(1) انظر ما كتبناه عن " مختصر المستدرك " في كلامنا على مؤلفات الذهبي من كتابنا: 248 249.
(2) الذهبي: " تلخيص العلل " ورقة 85 (نسخة الازهر رقم 290 حديث).

(1/48)


من ذلك مثلا ما عمله في اختصاره لتاريخ ابن الدبيثي المتوفى سنة 637 ه حيث زاد في كثير من تراجمه ولا سيما الرجال الذين أخذوا عن صاحب الترجمة، وهو ما أغفله ابن الدبيثي في " تاريخه " (1).
كما تظهر مقارنات دقيقة بالكتب والتواريخ التي من بابته " كتاريخ محب الدين ابن النجار " المتوفى سنة 643 ه الذي ذيل به على تاريخ الخطيب المتوفى سنة 463 ه (2)، و " وفيات الاعيان "، لابن خلكان المتوفى سنة 681 (3) ه، و " التكملة لوفيات النقلة " لزكي الدين المنذري المتوفى سنة 656 (4) وغيرها.
أو من كتب الشعر ككتاب " الخريدة " للعماد الاصبهاني القرشي المتوفى سنة 596 (5) ه.
أو من كتابات كبار العلماء الذين أخذوا عن المترجم له، مثل زكي الدين البرزالي المتوفى سنة 636 (6) ه، وفخر الدين ابن البخاري المتوفى سنة 690 ه صاحب " المشيخة " المشهورة (7)، وشهاب الدين أحمد بن إسحاق الابرقوهي المتوفى سنة 701 ه (8)، وضياء الدين المقدسي المتوفى سنة
__________
(1) انظر " المختصر المحتاج " مثلا 1 / 18، 20، 21، 25، 26، 27، 28، 35، 40، 42، 44، 47، 101، 116، 117، 119، 148، 179، 199.
إلخ.
(2) انظر " المختصر المحتاج " مثلا 1 / 21، 49، 51، 69، 72، 77، 80، 101، 136، 149، 150، 158، 169، 170، 172، 175، 178، 181، 183، 184، 188، 200، 201، 211، 212، 215، 216، 220، 223، 227، 228..الخ.
(3) المصدر السابق، مثلا 1 / 175.
(4) المصدر نفسه 1 / 158.
(5) " المختصر " 1 / 225.
(6) " المختصر " مثلا 2 / 62.
(7) المصدر نفسه، مثلا 2 / 63.
(8) " المختصر " مثلا 2 / 36.
سير 1 / 4

(1/49)


643 ه (1) وغيرهم كثير.
أو من خطوط العلماء نحو قوله: " قرأت بخط ابن قدامة " (2).
فضلا عما أضاف هو من الاسانيد قرأها على شيوخه مما يتصل بتلك التراجم، وهي
إضافة أصيلة للترجمة، فهو حينما يقول مثلا: " وروى لنا عنه بمصر أبو المعالي الابرقوهي (3) " أو " روى لنا عنه أبو العباس ابن الظاهري وأبو الحسين اليونيني وعلي بن عبد الدائم ومحمد بن يوسف الاربلي..إلخ (4) " فمعنى ذلك أن هؤلاء الشيوخ قد أخذوا عن صاحب الترجمة (5).
ومن إضافاته إلى تلك المختصرات أيضا تواريخ وفيات المترجمين الذين لم يذكر صاحب الكتاب الاصلي وفياتهم.
فنحن نعلم مثلا أن ابن الدبيثي لم يذكر وفاة أحد ممن ذكر هم في تاريخه ممن تأخرت وفاته عن سنة 621 ه وهي السنة التي حدث ابن الدبيثي فيها بتاريخه والتي تمثل آخر إخراج له (6)، في حين أن وفيات بعضهم قد تأخرت إلى النصف الثاني من القرن السابع الهجري، فاستخرج الذهبي وفياتهم وذكرها ليكون اختصاره أكمل ولتكون معلومات الكتاب أتم (7).
يضاف إلى ذلك أنه يروي بعض الاحاديث الواردة في هذه المختصرات
__________
(1) المصدر نفسه، مثلا 2 / 36، 62.
(2) المصدر نفسه، مثلا 1 / 65.
(3) المصدر نفسه، 1 / 21.
(4) المصدر نفسه 1 / 23.
(5) انظر مزيدا من الامثله، " المختصر " مثلا 1 / 76، 130، 136، 140، 152، 226، 231.
(6) انطر كتابنا: " تاريخ بغداد لا بن الدبيثي، منهجه، موارده، أهميته " ص 4 (بغداد 1974).
(7) انظر " المختصر المحتاج إليه " مثلا 1 / 76، 86، 106، 133، 151، 152..إلخ.
ونجدا أيضا ذكرا لوفيات من يرد اسمه عرضا في بعض الاحيان 1 / 103.

(1/50)


بسنده إذا وجد مجالا لذلك (1).
وأعاد الذهبي تنظيم بعض الكتب التي اختصرها، فحينما اختصر كتاب " الكنى " لابي أحمد الحاكم المتوفى سنة 378 ه أعاد ترتيبه على حروف المعجم بعد أن أضاف إليه أشياء أخرى مما ليس فيه (2).
كما رتب " المجرد من تهذيب الكمال " على عشر طبقات ورتب كل طبقة على حروف المعجم، في حين كان كتاب " تهذيب الكمال " للمزي مرتبا على حروف المعجم (3).
وقد حفظنا من سيرة الذهبي أنه عني بالقراءات ودرسها على كبار شيوخ عصره من المقرئين المشهورين حتى أصبح " الاستاذ الثقة الكبير (4) " فيها.
وذكر ابن ناصر الدين المتوفى سنة 842 ه أنه كان " إماما في القراءات (5) ".
لكننا نلاحظ في الوقت نفسه أنه لم يتخرج عليه في القراءات سوى عدد قليل جدا (6) ولعل السبب في ذلك يعود إلى أنه عني بهذه الناحية في مطلع حياته العلمية، ثم اتجه بعد ذلك إلى الحديث والتاريخ وغيرهما.
ولم نعرف من آثاره في هذا الفن غير كتاب " التلويحات في علم القراءات (7) " وكتاب " معرفة
__________
(1) " المختصر المحتاج إليه " 1 / 49، 65.
(2) انظر مقدمة نسخة فيض الله رقم 1531 من الكتاب.
(3) انظر كلامنا على كتاب " المجرد من تهذيب الكمال " في كتابنا: " الذهبي ومنهجه ": 230.
(4) ابن الجزري: " غاية " 2 / 71.
(5) " الرد الوافر " ص 31.
(6) ابن الجزري: " غاية " 2 / 71، قال: " ولم أعلم أحدا قرأ عليه القراءات كاملا، بل شيخنا الشهاب أحمد بن إبراهيم المنبجي الطحان قرأ عليه القرآن جميعه بقراءة أبي عمرو والبقرة
جمعا.
وروى عنه الحروف إبراهيم بن أحمد الشامي ومحمد بن أحمد ابن اللبان وجماعة.
وسمع منه الشاطبية يحيى بن أبي بكر البوني وحدث بها عنه في اليمن ".
(7) انظر أدناه كلامنا على آثار الذهبي (القراءات).

(1/51)


القراء الكبار على الطبقات والاعصار " الذي هو إلى كتاب التراجم أقرب منه إلى القراءات وإن كانت محتوياته غالبا ما تتعلق بموضوع القراءات.
وقد شهد له ابن الجزري بالاحسان فيه (1)، لذلك سلخه بأجمعه في كتابه " غاية النهاية " كما نص على ذلك في المقدمة (2)، ووصفه شمس الدين السخاوي بأنه " كتاب حافل " (3).
ومع كل ذلك فإن هذا الوجه من حياة الذهبي العلمية هو أضعف الوجوه وأقلها آثارا.
على أن مكانة الذهبي العلمية وبراعته تظهر ان في أحسن الوجوه إشراقا وأكثرها تألقا عند دراستنا له محدثا يعنى بهذا الفن، فقد مهر الذهبي في علم الحديث وجمع فيه الكتب الكثيرة " حتى كان أكثر أهل عصره تصنيفا (4) ".
وقد رأينا إقباله العظيم عليه وشرهه لسماعه، وذلك العدد الضخم من الشيوخ الذين حوتهم معجمات شيوخه الثلاثة، والكتب، والاجزاء، والمجاميع الكثيرة التي قرأها على الشيوخ أكثر من مرة.
وقد فتحت له هذه المعرفة الواسعة آفاقا عظيمة في هذا الفن فاختصر عددا كبيرا من الكتب، وألف عددا أكبر يستبينه الباحث عند إلقائه نظرة على قائمة مؤلفاته في هذا المجال.
كما ألف في مصطلح الحديث كتبا، وخرج التخاريج الكثيرة من الاربعينات، والثلاثينات، والعوالي، والاجزاء، ومعجمات الشيوخ، والمشيخات، وغيرها مما فصلنا القول فيه عند كلامنا على آثاره (5).
ومع أن الذهبي قد عاش في عصر غلب عليه الجمود والنقل والتخليص،
__________
(1) " غاية " 2 / 71.
(2) المصدر نفسه 1 / 3.
(3) " الاعلان " ص 564.
(4) ابن حجر: الدرر 3 / 426.
(5) كتابنا: " الذهبي ومنهجه ": 139 فما بعد.

(1/52)


فإنه قد تخلص من كثير من ذلك بفضل سعة دراساته وفطنته.
قال تلميذه صلاح الدين الصفدي المتوفى سنة 764 ه: " لم أجد عنده جمود المحدثين ولا كودنة (1) النقلة بل هو فقيه النظر، له دربة بأقوال الناس ومذاهب الائمة من السلف وأرباب المقالات.
وأعجبني منه ما يعانيه في تصانيفه من أنه لا يتعدى حديثا يورده حتى يبين ما فيه من ضعف متن، أو ظلام إسناد، أو طعن في رواته، وهذا لم أر غيره يراعي هذه الفائدة فيما يورده (2).
إن هذه البراعة في علم الحديث، والتمكن منه ذاك التمكن، جعلت الذهبي ينطلق بعد ذلك يجرح، ويعدل، ويفرع، ويصحح، ويعلل، ويستدرك على كبار العلماء (3)، " فدخل في كل باب من أبوابه " على حد تعبير تلميذه تاج الدين السبكي (4)، حتى أطلق عليه معاصروه " محدث العصر (5) ".
وبلغ اعتراف حافظ عصره الامام ابن حجر العسقلاني المتوفى سنة 852 ه بفضل الذهبي وبراعته إلى درجة أنه شرب ماء زمزم سائلا الله أن يصل إلى مرتبة الذهبي في الحفظ وفطنته (6).
__________
(1) الكودنة: البلادة.
(2) " الوافي " 2 / 163.
(3) الحسيني: " ذيل تذكرة الحفاظ " ص 35.
(4) " الطبقات الوسطى " (ترجمة الذهبي من نسخة دار الكتب المصرية رقم 554).
(5) السبكي: " الطبقات " 9 / 100، العيني: " عقد الجمان " ورقة 37 (أحمد الثالث رقم 2911).
(6) استنادا إلى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم " ماء زمزم لما شرب له " وقد ذكر ذلك تلميذه السخاوي في " الاعلان " (ص 472).
وقديما شرب ابن خزيمة المتوفى سنة 311 ه ماء زمزم وطلب علما نافعا (الذهبي: تذكرة، 2 / 721).
وقال الحاكم النيسابوري المتوفى سنة 405: " شربت ماء زمزم وسألت الله أن يرزقني حسن التصنيف " (الذهبي: تذكرة، / 3 / 1044).
وألف شمس الدين محمد بن طولون الدمشقي المتوفى سنة 953 ه رسالة في " التزام ما لا يلزم فيما ورد في ماء زمزم " منها نسخة في خزانة كتب جستربتي في دبلن ضمن مجموع برقم 3317.

(1/53)


ومفهوم التاريخ عند الذهبي يتصل اتصالا وثيقا بالحديث النبوي وعلومه، ويظهر ذلك من كتب الرجال التي يطلق الذهبي عليها اسم التاريخ ".
وقد أصبح واضحا أن الغاية الرئيسة من العناية بالرجال اتي لضبط الرواة أولا (1)، وهو ما يظهر في معظم مقدمات كتبه في هذا الفن، وهو مفهوم ساد عند المحدثين المؤرخين لا سيما في ذلك العصر (2).
وعلى علم الرجال، وعلى آثار الذهبي فيه، قامت شهرته الواسعة باعتباره مؤرخا، كما نرى.
وقد خلف الذهبي في هذا الفن عددا ضخما من الآثار ابتدأها باختصار أمهات الكتب المؤلفة فيه، كالتواريخ المحلية مثل " تاريخ بغداد " للخطيب البغدادي المتوفى سنة 463 ه، والذيول عليه: لابن السمعاني المتوفى سنة
562 ه، وابن الدبيثي المتوفى سنة 637 ه وابن النجار المتوفى سنة 643 ه.
ومنها أيضا " تاريخ دمشق " لابن عساكر المتوفى سنة 571 ه، و " تاريخ مصر " لابن يونس المتوفى سنة 347 ه، و " تاريخ نيسابور " لابي عبد الله الحاكم النيسابوري المتوفى سنة 405 ه، و " تاريخ خوارزم " لابن أرسلان الخوارزمي المتوفى سنة 568 ه.
ومن كتب الوفيات: " التكملة لوفيات
__________
(1) انظر كتابنا: " أثر الحديث في نشأة التاريخ عند المسلمين ".
بغداد، مطبعة الحكومة 1966 م، وبحثنا: " مظاهر تأثير علم الحديث في علم التاريخ عند المسلمين " المنشور في مجلة الاقلام البغدادية، السنة الاولى، العدد الثالث 1965 م.
(2) حينما شعر الحافظ ابن حجر العسقلاني المتوفى سنة 852 ه أن من بين مستدركاته على الذهبي في كتابه " المشتبه " أسماء لشعراء وفرسان في الجاهلية وما أشبه ممن ليست لهم رواية حديثية، اعتذر عن ذلك بقوله: " إن غالب من ذكرت يأتي ذكره في كتب المغازي والسير والمبتدأ والانساب والتواريخ والاخبار ولا يستغني طالب الحديث عن ضبط ما يرد في ذلك من الاسماء ولو لم يكن لهم رواية " " تبصير المنتبه " 4 / 1513.

(1/54)


النقلة " لزكي الدين المنذري المتوفى سنة 656 ه وصلته للحسيني المتوفى سنة 695 ه.
ومن كتب الانساب: كتاب " الانساب " لابي سعد السمعاني المتوفى سنة 562 ه.
ومن كتب الصحابة كتاب " أسد الغابة " لابن الاثير المتوفى سنة 630 ه.
ومن كتب رجال الصحاح والسنن مثل كتاب " تهذيب الكمال في معرفة الرجال " لابي الحجاج المزي المتوفى سنة 742 ه، و " المعجم المشتمل على أسماء شيوخ الائمة النبل " لابن عساكر المتوفى سنة 571 ه وغيرها (1).
فكانت هذه المختصرات المادة الرئيسة التي كونت شخصيته العلمية ومعرفته بالعصور السابقة.
أما تراجم المعاصرين فيعد الذهبي من بين أحسن الذين كتبوا فيهم، وقد أدرك أهمية هذا الامر فكان كتابه " المعجم المختص بمحدثي العصر " خير دليل على ذلك.
ولا عبرة بعد ذلك بمن انتقده لتناوله التاريخ المعاصر كابن الوردي (2)، لان هذا هو التاريخ الاكثر أهمية وخطرا، وهو الذي يعطي المؤرخ أهميته البالغة بين المؤرخين ويميزه عن غيره، وهو مما لم يدركه كثير من المعنيين بالتاريخ ومنهم ابن الوردي.
لقد أنتجت هذه المعرفة الرجالية الواسعة مؤلفات كثيرة لعل من أهمها كتابه العظيم " تاريخ الاسلام ووفيات المشاهير والاعلام " الذي هو إلى كتب التراجم أقرب منه إلى التاريخ بمفهومه الحديث، وكتابه النفيس " سير أعلام النبلاء " الذي لم يتضمن غير التراجم، ثم ذلك العدد الضخم من المؤلفات التي عرفناها له.
__________
(1) انظر كلامنا على " المختصرات " من كتابنا: الذهبي ومنهجه: 264 215.
(2) ابن الوردي: تتمة المختصر، 2 / 349.

(1/55)


ولعل مما يميز الذهبي عن غيره من بعض مؤلفي كتب الرجال والتراجم أنه لم يقتصر في تأليفه على عصر معين، أو فئة معينة، أو تنظيم معين، بل تناولت مؤلفاته رجال الاسلام من أول ظهوره حتى عصره، بله المعاصرين له.
وهو في كتابته للترجمة فنان تراجمي ملئ بفن التراجم يجد الباحث فيها دقة متناهية في التعبير، وحبكا للترجمة تشد القارئ إليها مع تعدد الموارد وانتقاء لافضلها وإبداء لآرائه الشخصية فيها (1).
وقد عانى الذهبي كتابة " السيرة " وهو فن خاص له مميزاته التي تجعله يختلف عن كتابة " الترجمة " المجردة، فكتب في سير الخلفاء الراشدين، وأئمة الفقه، والحديث، وغيرهم (2).
ومعرفة الذهبي الواسعة في الرجال دفعت تاج الدين السبكي الذي انتقده في بعض المواضع إلى القول: " إنه كان شيخ الجرح والتعديل ورجل الرجال، وكأنما جمعت الامة في صعيد واحد فنظرها ثم أخذ يعبر عنها إخباز من حضرها (3) ".
وقد ازداد شأنه بعد عصره بحيث اعتبر هو والمزي مؤرخي القرن الثامن اللذين لا ينافسهما أحد (4)، وعده الامام السيوطي المتوفى سنة 911 ه رأس طبقة ذكر فيها القطب الحلبي المتوفى سنة 735 ه وابن سيد الناس المتوفى سنة 734 ه وشمس الدين المقدسي المتوفى سنة 744 ه
__________
(1) انظر الفصل الثاني من هذا البحث عند كلامنا على منهج الذهبي في " السير " وما كتبناه عن منهجه في كتابه " تاريخ الاسلام " في كتابنا المذكور عنه.
(2) انظر أدناه " السير " من آثار الذهبي.
(3) السبكي: " طبقات " 9 / 101.
(4) السخاوي: " الاعلان " ص 604.

(1/56)


وتقي الدين السبكي المتوفى سنة 756 ه وعلم الدين البرزالي المتوفى سنة 739 ه وشهاب الدين النابلسي المتوفى سنة 758 (1) ه وهم من أعلام الحفاظ المحدثين المؤرخين، وذكر أن المحدثين في عصره عيال في الرجال وغيرها من فنون الحديث على أربعة أحدهم الذهبي (2).
ومع أن براعة الذهبي التاريخية أكثر ما ظهرت في الرجال فإنه قد درس التاريخ السياسي، واختصر عددا من المؤلفات الرئيسية فيه مثل تاريخ أبي شامة
المتوفى سنة 665 ه وتاريخ أبي الفداء المتوفى سنة 732 ه وغيرهما، وأفاد من معظم التواريخ المعروفة في عصره ودرسها كسيرة ابن إسحاق المتوفى سنة 151 ه وتواريخ: الطبري المتوفى سنة 310 ه وابن الاثير المتوفى سنة 630 ه وابن الجوزي المتوفى سنة 597 ه وغيرهما مما يطول تعداده (3).
وقد ظهرت هذه الكتابات في تواريخه المرتبة على الحوادث والوفيات مثل " تاريخ الاسلام " و " العبر " و " دول الاسلام " وغيرها.
ونستبين من نطاق كتاباته هذه أنه كان مؤرخا جوال الذهنية استطاع استيعاب عصور التاريخ الاسلامي من أول ظهوره حتى زمانه الذي كتب فيه مؤلفاته، وهي فترة تزيد على السبعة قرون، فألف في كل هذه العصور بعد أن درسها دراسة عميقة قامت على دعامتين رئيستين هما: الرواية الشفوية والكتب وهذا أمر لم يتأت لكثير من العلماء الذين سبقوه أو عاصروه.
وحينما كتب الذهبي كتابه " تذكرة الحفاظ " ورتبه على الطبقات تكلم في
__________
(1) السبوطي:: " طبقات الحفاظ " ورقة 85 فما بعد (نسخة الاسكندرية).
(2) المصدر نفسه، ورقة 86.
(3) انظر كلامنا على نهج الذهبي في الموارد من كتابنا: " الذهبي ومنهجه ": 284 فما بعد.

(1/57)


نهاية أكثرها على الاوضاع السياسية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية في الوقت الذي تناولته فأجمل الاوضاع العامة بفقرات قليلة دللت على سعة أفقه التاريخي وقدرته الفائقة على تصوير حقبة كاملة من الزمن وعلى امتداد العالم الاسلامي المترامي الاطراف بعبارة وجيزة.
وهذا أمر لا يتأتى إلا لمن استوعب العصر ودرسه دراسة عميقة بحيث حصل له مثل هذا التصور والفهم
العام (1).
ثم إن هذه المعرفة الرجالية الواسعة مع ما أوتي من ذكاء وإدراك واسعين جعلت منه ناقدا رجاليا ماهرا، تدل على ذلك مؤلفاته في النقد وأصوله والتي من أبرزها كتابه العظيم " ميزان الاعتدال في نقد الرجال " الذي اعتبره معاصروه (2) ومن جاء بعدهم (3) من أحسن كتبه وأجلها.
وقد تناوله عدد كبير من الحفاظ والعلماء والمعنيين بالنقد استدراكا وتعقيبا وتلخيصا بحيث قال شمس الدين السخاوي: " وعول عليه من جاء بعده (4) ".
وللذهبي التفاتات بارعة في أصول النقد، فقد ألف رسالة في " ذكر من يؤتمن قوله في الجرح والتعديل " تكلم فيها على أصول النقد وطبقات النقاد وكيفية أخذ أقوالهم (5).
وأورد في مقدمة " الميزان " عبارات الجرح والتعديل من أعلى مراتبها إلى أدناها وبين مدلولاتها في النقد (6).
وهو في كتبه يشرح بعض هذه الاصول،
__________
(1) انظر مثلا الذهبي: " تذكرة الحفاظ " 1 / 70، 160 158، 244، 328، 2 / 530، 627 - 628، 4 / 1266، 1485 (2) السبكي: " طبقات " 9 / 104، الحسيني: " ذيل تذكرة الحفاظ " ص 35 (3) ابن حجر: " لسان الميزان " 1 / 4 (4) " الاعلان " ص 587 وانظر كلامنا على الميزان في كتابنا: " الذهبي ومنهجه ": 201 193 (5) نسخة أيا صوفيا رقم 2953 (6) " ميزان الاعتدال " 1 / 4 3

(1/58)


من ذلك مثلا ما ذكره في ترجمة أبان بن تغلب الكوفي، قال: " شيعي جلد، ولكنه صدوق فلنا صدقه، وعليه بدعته.
وقد وثقة أحمد بن حنبل، وابن معين
، وأبو حاتم، وأورده ابن عدي، وقال: كان غاليا في التشيع.
وقال السعدي: زائغ مجاهر.
فلقائل أن يقول: كيف ساغ توثيق مبتدع، وحد الثقة العدالة والاتقان ؟ فكيف يكون عدلا من هو صاحب بدعة ؟ وجوابه أن البدعة على ضربين: فبدعة صغرى كغلو التشيع، أو كالتشيع بلا غلو ولا تحرف، فهذا كثير في التابعين وتابعيهم مع الدين والورع والصدق، فلو رد حديث هؤلاء لذهب جملة من الآثار النبوية، وهذه مفسدة بينة.
ثم يدعة كبرى كالرفض الكامل والغلو فيه، والحط على أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، والدعاء إلى ذلك، فهذا النوع لا يحتج بهم ولا كرامة..ولم يكن أبان بن تغلب يعرض للشيخين أصلا، بل قد يعتقد عليا أفضل منهما (1) ".
وقال في ترجمة أبي نعيم أحمد بن عبد الله الاصبهاني: " أحد الاعلام صدوق، تكلم فيه بلا حجة، ولكن هذه عقوبة من الله لكلامه في ابن منده بهوى، قال الخطيب: " رأيت لابي نعيم أشياء يتساهل فيها، منها أنه يطلق في الاجازة أخبرنا ولا يبين.
وقلت (يعني الذهبي): هذا مذهب رآه أبو نعيم وغيره، وهو ضرب من التدليس.
وكلام ابن منده في أبي نعيم فظيع، لا أحب حكايته، ولا أقبل قول كل منهما في الآخر، لا أعلم لهما ذنبا أكثر من روايتهما الموضوعات ساكتين عنها..قلت: كلام الاقران بعضهم في بعض لا يعبأ به، لا سيما إذا لاح لك أنه لعداوة أو لمذهب أو لحسد، ما ينجو منه إلا من عصم الله، وما علمت أن عصرا من الاعصار سلم أهله من ذلك، سوى الانبياء
__________
(1) " ميزان الاعتدال " 1 / 6 5 وانظر أمثلة أخرى في " معجم الشيوخ " م 1 الورقة 256، م 2 الورقة 72، " وتاريخ الاسلام " الورقة 93 (أحمد الثالث 2917 / 9).

(1/59)


والصديقين، ولو شئت لسردت من ذلك كراريس، اللهم فلا تجعل في قلوبنا
غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم (1) ".
ولم يكن الذهبي ليصدر اتباعا لآراء الآخرين في النقد فهو يخالفهم في بعض الاحيان حين لا يجد لآرائهم من سند قوي يؤيدها، فمن ذلك - مثلا ما جاء في ترجمة زيد بن وهب الجهني، أحد التابعين، وهو الذي تكلم فيه أبو يعقوب الفسوي في " تاريخه " وذكر أن في حديثه خللا كبيرا، فقال: " ولا عبرة بكلام الفسوي (2) " وأورد في " ميزان الاعتدال " مآخذ الفسوي عليه ورد عليها ثم قال: " فهذا الذي استنكره الفسوي من حديثه ما سبق إليه، ولو فتحنا هذه الوساوس علينا لرددنا كثيرا من السنن الثابتة بالوهم الفاسد (3) " والميزان ملئ بمثل هذه النقدات لا مجال لتكثير الامثلة منها.
بل وجدناه يؤلف كتابين، يرد فيهما على جملة من علماء الجرح والتعديل هما: " رسالة في الرواة الثقات المتكلم فيهم بما لا يوجب ردهم "، وكتاب " من تكلم فيه وهو موثق ".
ولم يقتصر نقد الذهبي على الرجال حسب، بل تعدى ذلك إلى نقد الموارد التي يطالعها أو يختصرها أو يأخذ منها، وهو ما يعرف اليوم بنقد المصادر، من ذكل مثلا نقده لكتاب " الضعفاء " لابن الجوزي المتوفى سنة 597 ه الذي اختصره وذيل عليه، فقال في ترجمة أبان بن يزيد العطار: قد أورده أيضا العلامة ابن الجوزي في " الضعفاء " ولم يذكر فيه أقوال من وثقه.
وهذا من عيوب كتابه يسرد الجرح ويسكت عن التوثيق " (4).
وقال في ترجمة حفص
__________
(1) نفسه، ج 1 ص 111 وانظر " تاريخ الاسلام " الورقة 334 (أيا صوفيا 3008).
(2) الذهبي: " تذكرة " 1 / 67 (3) الذهبي: " ميزان الاعتدال " 2 / 107 وانظر: " تاريخ الاسلام " الورقة 485 (أيا صوفيا 3009).
(4) المصدر نفسه، 1 / 16.
وقد تكلم في هذه المسألة ابن حجر في " اللسان " فراجعه هناك
تجد فائدة.

(1/60)


ابن ؟ ؟ من الميزان: " قال ابن القطان: لا يعرف له حال ولا يعرف قلت: لم أذكر هذا النوع في كتابي هذا، فإن ابن القطان يتكلم في كل من لم يقل فيه إمام عاصر ذاك الرجل أو أخذ عمن عاصره مما يدل على عدالته.
وهذا شئ كثير، ففي الصحيحين من هذا النمط خلق كثير مستورون، ما ضعفهم أحد ولا هم بمجاهيل (1) ".
وانتقد الذهبي كتاب " الضعفاء " لابي جعفر محمد بن عمرو العقيلي المتوفى سنة 322 ه لايراده بعض الثقات ومنهم حافظ عصره علي بن المديني المتوفى سنة 234 فقال في ترجمة ابن المديني من الميزان: " ذكره العقيلي في كتاب الضعفا، فبئس ما صنع " ورد عليه حينما نقل قول عبد الله بن أحمد بن حنبل: " كان أبي حدثنا عنه، ثم أمسك عن اسمه..ثم ترك حديثه "، بقوله: " بل حديثه عنه في مسنده " وهذا رد مفحم من الذهبي بل قال بعد ذلك: " وهذا أبو عبد الله البخاري وناهيك به قد شحن صحيحه بحديث ابن المديني (2) ".
ولا يقتصر الذهبي عند نقد الكتب على إيراد مساوئها، بل كثيرا ما يذكر محاسنها ومميزاتها، فقد سبق أن قال إن كتاب العقيلي مفيد (3)، وقال عن كتاب " الكامل " لابن عدي المتوفى سنة 365 ه إنه " أكمل الكتب وأجلها في ذلك (4) "، وقال في ترجمة الدار قطني المتوفى سنة 385 ه: " وإذا شئت أن تتبين براعة هذا الامام الفرد فطالع العلل له فإنك تندهش ويطول تعجبك (5) ".
__________
(1) " ميزان الاعتدال " 1 / 556 (2) " ميزان الاعتدال " 3 / 140 138.
(3) المصدر نفسه 1 / 2.
(4) المصدر نفسه، 1 / 2.
(5) " تذكرة الحفاظ " 3 / 994 993.

(1/61)


ونحن نعلم أيضا أن الذهبي قد عانى النقد في تآليف خاصة رد بها على كتب معينة، فقد ألف كتابا في الرد على ابن القطان المتوفى سنة 628 ه (1) كما ألف كتاب " من تكلم فيه وهو موثق " رد به على جملة من كتب الضعفاء كما ببنا.
وبسبب هذا الذي قدمنا ذكره من براعة الذهبي في النقد والتمكن منه، فقد أصبح " شيخ الجرح والتعديل " كما ذكر تاج الدين السبكي (2).
وقال ابن ناصر الدين المتوفى سنة 842 ه: " ناقد المحدثين وإمام المعدلين والمجرحين..وكان آية في نقد الرجال، عمدة في الجرح والتعديل (3) "، وقال شمس الدين السخاوي المتوفى سنة 902: " وهو من أهل الاستقراء التام في نقد الرجال (4) "، فأصبحت أقوال الذهبي فيمن يترجم لهم تعتبر عند النقاد والمؤرخين الذين جاءوا بعده أقصى حدود الاعتبار، وظهرت بصورة جلية في المؤلفات التي كتبت بعد عصره، ولا سيما في مؤلفات مؤرخ القرن التاسع وحافظه ابن حجر العسقلاني المتوفى سنة 852 ه (5).
وتطالعنا عند قراءة كتب الذهبي العديد من الامثلة التي تدل على قوته في البحث والاستدلال، ومناقشة آراء الغير بروح علمي يعتمد الدليل والاقناع، من ذلك مثلا مناقشة لمن اتهم الحافظ أبا حاتم محمد بن حيان البستي التميمي المتوفى سنة 354 ه بالزندقة لقوله: " إن النبوة هي العلم والعمل " وما تبع ذلك من كتابة الخليفة أمرا بقتله لهذا السبب، قال الذهبي: " وهذا
__________
(1) الذهبي: " الرد على ابن القطان " (نسخة الظاهرية، مجموع رقم 70).
(2) ؟ ؟ " 9 / 101.
(3) " الرد الوافر " ص 31.
(4) " الاعلان " ص 722.
(5) انظر مثلا كتابه: " لسان الميزان ".

(1/62)


أيضا له محمل حسن ولم يرد حصر المبتدأ بالخبر، ومثله: الحج عرفة.
فمعلوم أن الرجل لا يصير حاجا بمجرد الوقوف بعرفة، وإنما ذكر مهم الحج، ومهم النبوة، إذ أكمل صفات النبي العلم والعمل، ولا يكون أحد نبيا إلا أن يكون عالما عاملا.
نعم، النبوة موهبة من الله تعالى لمن اصطفاه من أولي العلم والعمل لا حيلة للبشر في اكتسابها أبدا، وبها يتولد العلم النافع الصالح، ولا ريب أن إطلاق ما نقل عن أبي حاتم لا يسوغ، وذلك نفس فلسفي (1) ".
ومن الامثلة الطريفة أيضا مناقشة لمسألة معرفة النبي صلى الله عليه وسلم - الكتابة، فقال في ترجمخة الحافظ العلامة أبي الوليد سليمان بن خلف الباجي المتوفى سنة 474 ه: " ولما تكلم أبو الوليد في حديث الكتابة يوم الحديبية الذي في البخاري قال بظاهر لفظه، فأنكر عليه الفقيه أبو بكر ابن الصائغ وكفره بإجازة الكتب على رسول الله صلى الله عليه وسلم النبي الامي وأنه تكذيب بالقرآن، فتكلم في ذلك من لم يفهم الكلام حتى أطلقوا عليه الفتنة وقبحوا عند العامة ما أتى به خطباؤهم في الجمع وقال شاعرهم: برئت ممن شرى دنيا بآخرة * وقال: إن رسول الله قد كتبا وصنف أبو الوليد رسالة بين فيها أن ذلك غير قادح في المعجزة فرجع بها جماعة.
قلت: ما كل من عرف أن يكتب اسمه فقط بخارج عن كونه أميا لانه لا يسمى كاتبا.
وجماعة من الملوك قد أدمنوا في كتابة العلامة وهم أميون، والحكم للغلبة لا للصورة النادرة، فقد قال عليه السلام: " إنا أمة أمية " أي أكثر هم كذلك لندور الكتابة في الصحابة، وقال تعالى: [ هو الذي بعث في
__________
(1) الذهبي: " تذكرة " 3 / 922 921 وراجع " تاريخ الاسلام " ورقة 17 16 (أحمد الثالث 2917 / 10) وانظر أيضا " ميزان الاعتدال " ج 3 / 508 507 ففيه تفصيل أكثر في هذه المسألة.

(1/63)


الاميين رسولا منهم ] (1).
وقال في موضع آخر معقبا على هذه المسألة أيضا: " قلت: وما المانع من جواز تعلم النبي صلى الله عليه وسلم - يسير الكتابة بعد أن كان أميا لا يدري ما الكتابة، فلعله لكثرة ما أملى على كتاب الوحي وكتاب السنن والكتب إلى الملوك عرف من الخط وفهمه وكتب الكلمة والكلمتين كما كتب اسمه الشريف يوم الحديبية محمد بن عبد الله، وليست كتابته لهذا القدر اليسير ما يخرجه من كونه أميا ككثير من الملوك أميين ويكتبون العلامة " (2).
ومثل هذا كثير في كتب الذهبي.
وقد حفظنا من سيرة الذهبي أنه كان سلفي العقيدة قد أثرت فيه البيئة الدمشقية وصحبته لشيخ الاسلام ابن تيمية.
ومع أن الذهبي لم يكن متحمسا للخوض في مضايق العقائد ويعتر السكوت فيها أولى وأسلم (3)، لكنه في الوقت نفسه أبدى آراءه في كثير من المواضع، وألف فيها.
وقد اعتبر " الاعتزال بدعة " (4) وهاجم الفلاسفة اليونانيين هجوما عنيفيا (5).
وكان على غاية من الاعجاب بأعمال السلف وإنجازاتهم (6)، واهتم اهتماما كبيرا بذكر أخبار العلماء في المحنة التي أصيبوا بها حينما أعلن المأمون رأيه والزم
الناس القول بخلق القرآن، وبين موافقهم الجريئة من هذا الامر (7).
__________
(1) الذهبي: " تذكرة " 3 / 1182 1181.
والآية الكريمة من سورة الجمعة (2) (2) المصدر نفسه، 2.
742 (3) " تذكرة " 2 / 600، 4 / 1499 (4) انظر مثلا " تذكرة الحفاظ " 3 / 1122 (5) " أهل المئة فصاعدا " ص 115 (6) " تذكرة الحفاظ " ج 2 / 628 627 (7) انظر مثلا " تذكرة " 1 / 476، 477، 561، 589، 2 / 730، 733، 747..

(1/64)


لقد اختصر الذهبي عددا من الكتب المهمة في العقائد منها مثلا كتاب " البعث والنشور " وكتاب " القدر " اللذان للبيهقي المتوفى سنة 458 ه، وكتاب " الفاروق في الصفات " لشيخ الاسلام الانصاري المتوفى سنة 481 ه وكتاب " منهاج الاعتدال في نقض كلام أهل الرفض والاعتزال " لرفيقه وشيخه تقي الدين ابن تيمية المتوفى سنة 728 ه.
وخلف الذهبي عددا من الآثار في هذا العلم منها كتاب " الكبائر وبيان المحارم " وكتاب " الاربعين في صفات رب العالمين " وكتاب " العرش " و " كتاب مسألة الوعيد " وغيرها.
ولعل من أشهرها كتابه المعروف " العلو للعلي الغفار " الذي يعد أوسع هذه الكتب وأكثرها شهرة (1).
بحث الذهبي العقائد على طريقة السلف من أهل الحديث، فكانت المادة الرئيسية التي تكون هذه الكتب والادلة المستعملة فيها من الاحاديث النبوية الشريفة.
وقد انتقد الذهبي من قبل مخالفيه على تأليفه لبعض هذه الكتب واعتقاده
مثل هذه العقائد، قال الشيخ محمد زاهد الكوثري عن كتاب " العلو ": " ولو لم يؤلفه لكان أحسن له في دينه وسمعته لان فيه مآخذ كثيرة، وقد شهر عن الذهبي أنه كان شافعي الفروع حنبلي المعتقد (2) ".
ولم يشتهر الذهبي بوصفه فقيها أو عالما بالفقه مع أنه درسه على أعلام العصر آنذاك مثل الشيخ كمال الدين ابن الزملكاني، وبرهان الدين الفزاري، وكمال الدين ابن قاضي شهبة، وغيرهم (3).
وقد ألف في
__________
(1) انظر أدناه كلامنا على آثار الذهبي.
(2) " ذيل تذكر الحفاظ " 348 هامش 2 (3) انظر أعلاه كلامنا على سيرته و " رونق الالفاظ " لسبط ابن حجر، ورقة 180 سير 1 / 5

(1/65)


أصوله، وعني باختصار كتاب " المحلى " لابن حزم (1)، وهو من كبار الكتب الفقهية، وألف عددا من الكتب والاجزاء التي تناولت موضوعات فقهية، وكانت له خواطر وآراء ونقدات جاءت في ثنايا كتبه، من ذلك مثلا كلامه في مسألة الطلاق ومناقشته لابن تيمية (2).
وهو كغيره من علماء الحنابلة يعتبر القرآن والحديث هما أساس الفقه، ويظهر مفهوم الفقه عند الذهبي واضحا في بيتين من الشعر له ذكرهما غير واحد ممن ترجم له وهما: الفقه قال الله قال رسوله * إن صح والاجماع فاجهد فيه وحذار من نصب الخلاف جهالة * بين النبي وبين رأي فقيه (3) وهذا الذي قدمناه لا يعني أن الذهبي لم يكن عارفا بالفقه، لكنه كان عزوفا عنه لا نشغاله بالحديث وروايته الذي هو الاصل الثاني للفقه بعد الكتاب العزيز، قال ابن ناصر الدين المتوفي سنة 842 ه: " له دربة بمذاهب الائمة
وأرباب المقالات قائما بين الخلف بنشر السنة ومذهب السلف (4) ".
ولغة الذهبي في كتبه لغة جيدة قياسيا بالعصر الذي عاش فيه، ويكفي أننا قلما وجدنا له لحنا في كتبه.
وهو باعتباره محدثا كبيرا وناقدا ماهرا دقيق في تعابيره، لما لذلك من أهمية في وضع الكلمة المناسبة أو العبارة في موضعها الملائم لا سيما في تحبير التراجم، فضلا عن أسلوبه السلس الممتع لمن أدمن قراءة مثل هذه الكتب.
__________
(1) وهو كتاب " المستحلى في اختصار المحلى " وانظر أدناه كلامنا على آثار الذهبي (2) الذهبي: " تذكرة الحفاظ " 2 / 715 713 (3) ابن ناصر الدين: " الرد الوافر " ص 31.
الصفدي: " الوافي " 2 / 166 (4) المصدر نفسه.

(1/66)


وقد عني الذهبي في مطلع حياته العلمية برواية الشعر وأورد طائفة من الاشعار عن شيوخه (1).
وذكرت لنا مصادر ترجمته بعضا من نظمه في المدح (2)، والرثاء (3).
وله شعر تعليمي، فقد علمنا أنه نظم أسماء المدلسين بقصيدة أوردها السبكي في طبقاته (4)، كما نظم أسماء الخلفاء بقصيدة أخرى (5).
وكان كثير الاعتناء بالشعراء تدل على ذلك تراجمهم الواسعة في كتابيه " تاريخ الاسلام " " وسير أعلام النبلاء " والنماذج الشعرية الكثيرة التي أوردها وعنايته الفائقة بتتبع دواوين الشعراء بحيث قال في ترجمة أبي الحسن محمد بن المظفر البغدادي الخرقي في وفيات سنة 455 ه " ولا يكاد يوجد ديوانه (6) ".
وكان للذهبي خط متقن قد أعجب به علم الدين البرزالي منذ أن بدأ الذهبي يطلب العلم (7).
وقد وصل إلينا الكثير من كتبه وكتب غيره مكتوبا
بخطه، وهو وإن لم يكن جميلا مراعيا لاصول الخطاطين والكتاب، لكنه يمتاز بالدقة والاتقان لا سيما للذي يدمن عليه.
__________
(1) انظر مثلا " معجم الشيوخ " م 1 ورقة 3، 7، 15، 20، 24، 29، 34، 35، 45، 48، 52، 55، 61، 62، 63، 65، 66، 69، 75، 77، 81، 83، 89.
م 2 ورقة 6 1، 11، 12، 30، 33، 36، 40، 52، 56، 59، 60، 66، 74، 85، 86، 88، 99 96.
(2) من بين الذين مدحهم الذهبي ووصل إلينا شعره فيهم: إسحاق بن أبي بكر بن ابراهيم الاسدي الحلبي الحنفي النحاس المتوفى سنة 710 ه (معجم الشيوخ، م 1 ورقة 34) وتقي الدين السبكي المتوفى سنة 756 ه وولده التاج المتوفى سنة 771 ه (طبقات السبكي، ج 9 ص 106، والسيوطي: طبقات الحفاظ، ورقة 86) والبرزالي (ابن ناصر الدين: الرد الوافر، ص 120).
(3) من ذلك قصيدته في رثاء رفيقه وشيخه ابن تيمية المتوفى سنة 728 ه (ابن ناصر الدين: " الرد الوافر " ص 36 35 و " التبيان " ورقة 165).
(4) 9 / 109 107.
(5) " تاريخ الاسلام " ورقة 179 (أحمد الثالث 2917 / 11).
(6) السخاوي: " الاعلان " ص 547.
(7) الذهبي: " معجم الشيوخ " م 2 الورقة 25، ابن حجر: " الدرر " 3 / 323.

(1/67)


وعرف الذهبي بزهده وورعه وديانته المتينة، وقد رأينا عند دراستنا لمجمل سيرته أنه كان يأنس إلى الاجتماع بمشاهير الفقراء والصوفية من ذوي الديانة والتمسك بالآثار.
قال تلميذه تقي الدين ابن رافع السلامي المتوفى سنة 774 ه: " كان خيرا صالحا متواضعا حسن الخلق حلو المحاضرة، غالب أوقاته في الجمع والاختصار
والاشتغال بالعبادة، له ورد بالليل، وعنده مروءة وعصبية وكرم (1) " وقال الزركشي المتوفى سنة 794 ه: " مع ما كان عليه من الزهد التام والايثار العام والسبق إلى الخيرات والرغبة بما هو آت (2) " ويكفي الذهبي أنه أفنى حياته في دراسة حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم - وتدريسه.
لقد أصبحت كتب الذهبي متداولة في عصره والعصور التالية له، واعتبرت من أعظم الموارد التي استقى منها الكتاب الذين جاءوا بعده.
قال ابن حجر: " ورغب الناس في تواليفه ورحلوا إليه بسببها وتداولوها قراءة، ونسخا، وسماعا (3) ".
وقال تلميذه الحسيني: " وقد سار بجملة منها الركبان في أقطار البلدان (4) ".
وحسبنا أن نلقي نظرة عجلى على المستدركات والتلخيصات والذيول التي عملت على كتبه لندرك أهميتها البالغة.
وكان الذهبي مدرسة قائمة بذاتها خرجت العديد من الحفاظ والعلماء.
وقد أتاحت له معرفته العظيمة الواسعة بالحديث وعلومه والتاريخ وفنونه مكانة
__________
(1) سبط ابن حجر: " رونق الالفاظ " الورقة 180.
(2) " عقود الجمان " (نسخة مكتبة فاتح رقم 4435).
(3) ابن حجر: " الدرر " 3 / 427.
(4) " ذيل تذكرة الحفاظ " ص 36.

(1/68)


مرموقة بين أساتيذ العصر، فأمه طلبة العلم من كل حدب وصوب.
ونحن نعلم أن الذهبي تولى مناصب تدريسية كثيرة، نعرف منها مشيخة الحديث في تربة أم الصالح، ودار الحديث الظاهرية، والمدرسة النفيسية، ودار الحديث التنكزية، ودار الحديث الفاضلية، ودار الحديث العروية.
وقد
أتاحت له هذه المناصب أن يدرس عليه عدد كبير من الطلبة يفوق الحصر، قال تلميذه الحسيني: " وحمل عنه الكتاب والسنة خلائق (1) " وقال ابن قاضي شهبة الاسدي: " سمع منه السبكي والبرزالي والعلائي وابن كثير وابن رافع وابن رجب وخلائق من مشايخه ونظرائه..وتخرج به حفاظ (2) ".
وإن كتب القرن الثامن لتزخر بمئات من تلاميذ الذهبي النجب لم نجد في إيرادهم كثير فائدة في مثل هذا البحث.
ونرى من المفيد أن نقتطف في نهاية هذا الفصل آراء العلماء فيه لما لذلك من أهمية في تقويمه، وكنا نقلنا في أثناء هذا البحث بعضا منها، فقد وصفه رفيقه وشيخه علم الدين البرزالي المتوفى سنة 739 ه في " معجم شيوخه " والذهبي ما زال في مطلع حياته العلمية بقوله: " رجل فاضل، صحيح الذهن.
اشتغل ورحل، وكتب الكثير.
وله تصانيف واختصارات مفيدة.
وله معرفة بشيوخ القراءات (3) ".
وقال تلميذه صلاح الدين الصفدي المتوفى سنة 764 ه: " الشيخ الامام العلامة الحافظ شمس الدين أبو عبد الله الذهبي.
حافظ لايجارى ولا فظ لا يبارى، أتقن الحديث ورجاله، ونظر علله وأحواله، وعرف تراجم الناس، وأزال الابهام في تواريخهم والالباس.
ذهن يتوقد
__________
(1) " ذيل تذكرة الحفاظ " ص 36.
(2) " الاعلام " م 1 ورقة 90 (نسخة باريس 1398).
(3) سبط ابن حجر: " رونق الالفاظ " ورقة 180.

(1/69)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية