صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر
المؤلف : المرادي
مصدر الكتاب : الوراق

[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

فوقعتهم قد شاع في الكون ذكرها ... وقصتهم في الناس تروى وتفهم
أيا وقعة قد صال فيها على العدا ... رأينا روس القوم للأرض ترجم
ولما رأى العربان فتك حسامه ... فولوا حيارى والهزيمة مغنم
ولما انتهى من حربهم وقتالهم ... وكان الذي قد كان منه ومنهم
بنى في فلسطين الرؤس صوامعا ... فهل هذه الأخبار ضلت عليكم
ففي كل أرض قد تناقل ذكرها ... وكم شاعر أضحى بها يترنم
إذا العرب قد ذلت وماتت بحسرة ... فمن أنتم حتى على الشر تعزموا
وتعصوا ولي الأمر عمدا بجهلكم ... ولم تدروا إن البغي للمرء يقصم
فيا أهل بعل لا تلوموا لصالح ... وأنفسكم لوموا على ما فعلتم
وتوبوا إلى الله الكريم وخالفوا ... هوى النفس إن رمتم من القتل تسلموا
أيا واحدا في العصر كلم لمن بغى ... وعند سواه في الحقيقة مرهم
فإن جميل الحلم في البعض ضائع ... ومن كان ذا جهل له البطش أقدم
فدم سالما صدرا كريما مؤيدا ... وضدك في نحس وللنحس أنجم
ولم يصلني من شعره سوى هذه القصيدة وكان حج ففي العود حصلت له الغرقة المشهورة في زمن الوزير سليمان باشا العظم والي الشام وأمير الحاج للحجاج وذلك في سنة أربع وخمسين ومائة وألف فغرق المترجم مع من غرق بما معه من كتب وأسباب ومات رحمه الله تعالى إن المؤرخ اتبع غلط العوام وعبر عن الأثواب بأسباب.
عبد الهادي الحمصي
عبد الهادي الحمصي كان من المباركين المتغفلين وأحد المجاذيب أصحاب الكرامات المعتقدين اجتمعت به حين ذهبت للديار الرومية بدار مفتي حمص الفاضل الشيخ عبد الحميد السباعي فرأيته من المغفلين الصلحاء وأخبرني عنه المزبور باشيا وكرامات وكان بحمص معتقد أو أخبرني من أثق به من أهالي دمشق بكرامة ظهرت من المترجم معه مشاهدة بالعيان وكان يسمى حاله الشيخ أحمد وبالجملة فقد كان من الأخيار وكانت وفاته في رجب سنة ثلاث وتسعين ومائة وألف ودفن بتربة الشيخ سليمان أخبرني المفتي المذكور وغيره من أهالي حمص إنه حين وفاته ظهرت له كرامة عجيبة وهي إن الذين كانوا في جنازته وكانت حافلة أرادوا دفنه في مكان معين فلما وصلوا إلى المحل وأرادوا عطف جنازته وقيامها لم يكن قيام النعش وتزاحمت الأيدي على ذلك فلم يفد فلما أرادوا أخذه إلى مكان آخر وهو تربة الشيخ سليمان وكان قبر أخيه الشيخ حسن هناك سارت معهم الجنازة إلى أن وصل إلى عند قبر أخيه ووقف النعش هناك ودفن ثمة رحمه الله تعالى.
عبد الهادي المصري
عبد الهادي المصري نزيل حلب كان من العلماء العاملين والورعين الزهاد مهذبا فاضلا تقيا صالحا قدم لحلب واستوطنها وتأهل بها وصار مدرسا بالدروس الحديثية بالمدرسة الأحمدية وأقرأ بها الشفا للقاضي عياض وفي النحو وفي العقائد وفي العربية وفي غير ذلك وانتفع به واشتهر فضله وعلمه ولم تطل مدته بها ومات ولم أتحقق وفاته في أي سنة كانت رحمة الله تعالى.
عبد الوهاب السواري
عبد الوهاب بن مصطفى بن مصطفى السيد الشريف الدمشقي الشافعي المعروف بابن سوار الشيخ الفاضل الصالح البارع بقية السلف بركة الخلف شيخ المحيا الشريف النبوي بعد والده ولد بدمشق ونشأ بها وأخذ عن جملة من العلماء كالشمس محمد بن عبد الرحمن الغزي العامري والعماد إسمعيل بن محمد الجراحي العجلوني والشيخ محمد بن خليل العجلوني وبرع وفضل ولما توفي والده صار مكانه شخا على سجادة المحيا الشريف بالمشهد الشرقي من الجامع الأموي وفي جامع البزوري وكانت وفاته غرة جمادي الثانية سنة ست وثمانين ومائة وألف.
عبد الوهاب العكري

(1/465)


عبد الوهاب بن عبد الحي بن أحمد بن محمد المعروف بابن العماد العكري الحنفي الصالحي الدمشقي الشيخ الفاضل المتفوق المحصل كان خطاطا كاتبا فرضيا مورقا مجدا بارعا فهما ولد بدمشق تقريبا بعد الستين وألف وبها نشأ وقرأ على علماء عصره ومهر وكان حنبليا فتحنف هو وأخوه الشيخ محمد وكان والده من العلماء المشاهير له من التصانيف شرحه على متن المنتهى في فقه الحنابلة وله التاريخ الذي صنفه وسماه شذرات الذهب في أخبار من قد ذهب وله غير ذلك من رسائل وتحريرات وانتفع به كثير من أبناء عصره وكان أغزر الأفاضل احاطة بالآثار وأجودهم مساجلة وتوفي في ذي الحجة سنة تسع وثمانين وألف وذلك في مكة ودفن بالمعلاة لكونه كان حاجا في تلك السنة وولده المترجم تفوق ولزم الكتابة أولا في محكمة الصالحية ثم في محكمة الميدان ثم في المحكمة الكبرى وتولى المدرسة دار الحديث الأشرفية بصالحية دمشق وكذلك المدرسة الضيائية بها أيضا وكانت عليه بعض وظائف ودرس وأفاد ولزمه الطلبة وأخبرت أن له شرحا على الأحاديث الأربعين النووية وبالجملة فقد كان من الأفاضل المعلومين.
عبد الوهاب الغميان
عبد الوهاب بن خليل بن سليمان الدمشقي الشافعي الشهير بالغميان الشيخ الصالح المعمر البركة الدين الخير الصوفي ولد بدمشق في محرم سنة ثلاث وثمانين وألف وأخذ عن أفاضلها وأخذ الطريقة الخلوتية عن الشيخ الصالح محمد الغراوي الدمشقي ولما توفي شيخه المذكور جلس مكانه على سجادة المشيخة وأخذ عن صاحب الترجمة الطريقة المزبورة الشيخ عبد اللطيف بن محمد العمري الشهير بابن عبد الهادي وتخلف بعده على السجادة وكانت وفاته في محرم سنة اثنين وستين ومائة وألف رحمه الله تعالى ودفن في مرج الدحداح.
عبد الوهاب العفيفي
عبد الوهاب بن عبد السلام بن أحمد بن حجازي بن عبد القادر بن أبي العباس ابن مدين ابن أبي العباس بن عبد القادر بن مدين بن محمد بن عمر المرزوقي المصري الشافعي الشهير بالعفيفي الشيخ القطب الكامل الولي الصوفي المحقق العارف أخذ عن أحمد بن مصطفى الأسكندري الشهير بالصباغ وسالم بن أحمد النفراوي وأخذ الطريقة الشاذلية عن سيدي محمد التهامي رآه العلامة عيسى البراوي في عرفات حين حج مع أنه لم يخرج من مصر وله غير ذلك من الكرامات التي لا تعدو كانت وفاته سنة اثنين وسبعين ومائة وألف ودفن بتربة المجاورين وقبره يقصد للزيارات لقضاء الحاجات رحمه الله تعالى.
عبد الوهاب الدمشقي
عبد الوهاب بن مصطفى بن إبراهيم بن محمد الحنفي الدمشقي نزيل قسطنطينية الشيخ الفاضل الماهر الأديب البارع كان له مهارة بالعلوم وألف رسائل كثيرة وكانت له مداعبة ومجون مع حدة اللسان وهو من تلاميذ وأتباع الأستاذ الشيخ عبد الغني النابلسي فلذلك كان مشتهرا بتلميذ الشيخ عبد الغني وكانت استقامته في اسلامبول في مدرسة الوزير علي باشا المعروف بالجورلي وكانت أبناء دمشق وغيرها تجتمع عنده على مذاكرة ومداعبة ورأيت له من النظم أبياتا أجاب بها الفاضل الأديب السيد محمد العطار الدمشقي عن لغز نظمه وأرسله إلى العلامة الشيخ إبراهيم الحلبي والأبيات قوله
أيا فاضلا حاز البراعة بالقلب ... وصاغ فنونا في البلاغة كالقلب
وفاق بنظم الشعر سحبان وائل ... وقس أياد في القريض على القرب
نظمت عقود الدر في سمط رقة ... وقلدتها جيد الخرائد من عرب
ولا عجب إذ أنت في الفضل سيد ... كجدك ذي التحقيق في الشرق والغرب
أتيت بلاد الروم ضيفا وطارقا ... من الشام من أرض مقدسة الترب
تروم لنيل العز من دولة علت ... برفع منار العلم والشرع كالشهب
أدام لها المولى نظام كمالها ... وأيد سلطانا بها مصطفى ربي
سألت عن اسم قد لغزت حروفه ... ثلاثا تروم الجبر للكسر في القلب
وعن مشكل لا يهتدي لمثاله ... أولوا اللب في فن الحساب وفي الطب
ورابعها تربح بتصحيف ما بقي ... وصفها لباقيه تراح من الكرب

(1/466)


وأوله حرف بأحمد عدة ... وطه رسول الله في الحمد قد نبي
وثانيه باسم الله جل جلاله ... تقدس رحمانا تبارك من رب
وتصحيفه زاد الوحوش بحبه ... ومطبوخه للناس في سورة اللهب
وأيضا فمال في الوصية قد أتى ... بقرآننا السامي على سائر الكتب
ومعنى حديث للنبي كما به ... سرور وبشرى إذ مضارعه ينبي
وأوله أخربه الشمس تنزوي ... وخنسها أيضا تسير كما السحب
فهذا جواب عن سؤالك ناطقا ... بملغزك المرموز من غير ما عجب
أجابك شامي كمحتدك السني ... ثوى في بلاد الروم من سائر الحقب
أقام بها سبعا وعشرين حجة ... فصار كأهليها يعد من العرب
ويدعى بعبد للآله الذي له ... نهاية اكرام وذي الجود والوهب
لعبد الغني السامي لنسبة خدمة ... ونابلسي الأصل ينعت في القطب
فما اسم ثلاثي تراه بما مضى ... وقلب له لا يستقر من الحب
يهيم به كل امرء لنواله ... ويكدح في مرآه في طلب الكسب
وأوله ذل الهوان وذيله ... بجد وكد في لقاه وفي كرب
وتصحيفه عطر يفوح شميمه ... بمسك وطب يقتنيه ذوو الطب
وعين من الأعيان يرعاه طلسم ... وجسم له عار يعار بلا ثوب
وتقميصه لا زال في كسوة له ... وتلقاه في أعلى المنازل والترب
أجب عنه يا خلي لتحظى بنيله ... من الواهب الداني يزيد على السحب
ودونك أبياتا تخجل ناظما ... لتقصيرها عند الأديب ذوي اللب
فأسبل عليها ستر عفوا بيدي ... فمثلي ذي التقصير والعي والعتب
فأجابه العطار بديهة مغيرا للوزن لا القافية
لله درك يا ذا العلم والأدب ... ومن أقر له التحرير في الكتب
لأنت فهامة في كل مشكلة ... إذا حللت لها وفيت بالأدب
فإن كشفت قناعا كان مستترا ... من تحته لغزي ما ذاك بالعجب
وقد أجبت بما يشفي الفؤاد به ... من فكرة في دجى الأشكال كالشهب
وجئت تسأل عن لغز عقدت به ... عقدا من الدر في سلك من الذهب
لكن بأوله ذل الهوى وبه ... هاء الهوية تغري الصب بالوصب
يهدي إلى طرق الفردوس صاحبه ... وطال ما جر أقواما إلى اللهب
لا زلت خير رفيقيه وقد هطلت ... منه عليك غيوث الفيض كالسحب
واللغز الذي نظمه العطار شرحه الحلبي المذكور في رسالة قليلة وهي عندي وهو لغز في جبر واللغز الثاني في ذهب وكانت وفاة المترجم في اسلامبول سنة تسع وثمانين ومائة وألف ودفن بتربة قاسم باشا رحمه الله تعالى.
السيد عبد الوهاب الحلبي
السيد عبد الوهاب بن محمد قرط ابن الشيخ مراد المعروف بالعداس الحلبي العالم الفقيه الأصولي النحوي النبيه المجتهد في الافادة انتفع به خلق كثير وكان مكبا على افادة الناس ولد بحلب في سنة سبع وتسعين وألف واشتغل بها في طلب العلم فقرأ على الشيخ قاسم النجار في الفقه وقرأ النحو على العالم الشيخ سليمان النحوي والعروض والحساب وآداب البحث والمنطق على السيد علي الباني وقرأ المعاني على أبي السعود الكواكبي وكانت وفاته في ليلة الأحد العاشر من شوال سنة ست وستين ومائة وألف رحمه الله تعالى.
عبد الوهاب الموصلي

(1/467)


عبد الوهاب الموصلي الشافعي الامام في حضرة النبي جرجيس عليه السلام ولد في سنة تسع وعشرين ومائة وألف ونشأ بالموصل وقرأ بها وكان رحمه الله تعالى خطيبا مصفعا وبليغا ملسنا حسن الكلام حلو النظام ذا فصاحة ونطق وبلاغة وصدق وكان عارفا بأمور الناس وأحوالهم فكان يلاقي كل انسان بما يقتضيه حاله ويناسبه مقامه مع طلاقة وبشاشة وخبرة تامة وكان عنده من كل فن نبذة ومن كل ظرافة فلذة وكان أولا اماما بالحضرة الجرجيسه وكيلا من جهة ابن أخيه ثم عزل فصيره الوزير المكرم محمد أمين باشا امام جامعه وخطيبه وواعظه وولاه المدرسة أياما بعد موت ملا أحمد الجميلي ثم عزله وولاها للسيد موسى العالم المشهور وله شعر لطيف منه قوله مادحا للنبي صلى الله عليه وسلم
بطيبة طابت نفسنا من سقامها ... وهل مثلها في سائر الكون يوجد
فما تربها الأشفاء قلوبنا ... وكيف ولا نشفي وفيها محمد
نبي بشير شافع لعصاتنا ... نصوح أمين شاهد ومجاهد
رسول له الخلق العظيم سجية ... به جاءت الآيات وهو المؤيد
رسول رقى السبع الطباق بنعله ... وخاطبه المولى العظيم المسجد
رسول أتانا بالهدى بعد غينا ... ويشفع فينا يوم حشر ويسجد
ومنها
فيا فوز قوم يحمدون جنابه ... ينادونه يا غوثنا أنت أحمد
عليك صلاة الله ما هبت الصبا ... وما صاح قمري الحمام المغرد
وقال مخمسا
ظبية الحي مهجتي في يديها ... وفؤادي لا زال يصبو اليها
ثم لما أن صار قلبي لديها ... حاولت زورني فنم عليها
قرطها في الدجى ومسك الغلاله
يالها زورة لقد طهرتني ... بل وبعد الجفا لقد أظهرتني
وبعهدي القديم قد خبرتني ... ثم لما أن سلمت ذكرتني
مدح من سلمت عليه الغزاله
وحج صاحب الترجمة في سنة خمس وستين ومائة وألف وكانت له لطائف عديدة وظرائف مديده وكان يدعى إنه أجيز له رواية الحديث وربما روي الحديث بسنده متصلا ومعنعنا ومسلسلا وكان حسن الوعظ جيد المباحثة وله أشعار أنيقه ومنظومات رشيقة وكانت وفاته سنة ثلاث وسبعين ومائة وألف رحمه الله تعالى.
عثمان النحاس
عثمان بن أبي بكر الشهير بالنحاس الشافعي الدمشقي الشيخ العالم الفقيه النحوي الفرضي المفيد كان أحد العثامنة العثامنة جمع عثمان الأربع الذي كانوا في وقت واحد في بلدة واحدة وكل منهم عالم فاضل وهم الشيخ عثمان القطان والشيخ عثمان الشمعة والشيخ عثمان بن حموده والشيخ عثمان النحاس وقد جمع تاريخي هذا هؤلاء الأربع وستأتي تراجم الباقين إن شاء الله تعالى وكان المترجم عليه وظائف منها امامة جامع الأغا وخطابة النطاعين وبعض عثامنة عثامنه اقجه ومؤيدي باره وريال تسعون مؤبدي يعني طقسان باره وكل هذه في الاصطلاحات القديمه وأجزاء وكان لا يخلو من ثروة ودرس وأفاد وانتفع به جماعة وأخذ وقرأ على جماعة كثيرين فأخذ الفقه والحديث وأجيز بسائر الفنون عن أبي المواهب الحنبلي وقرأ الفقه والحديث وحضره وأخذ عنه محمد بن علي الكاملي وأخذ عن إبراهيم الكوراني وأجازه ومحمد بن محمد بن سليمان المغربي ومحمد بن داؤد العناني وخليل بن إبراهيم اللقاني القاهري وصافحه أحمد ابن محمد المرحومي المصري وعطية الأزهري ومحمد الشرنبلالي ومحمد بن حسن العجلاني النقيب وإسمعيل بن علي الحايك المفتي الحائك بالهمز وحايك بالياء بمعنى لأن المادة واوية ويائية وغيرهم من أهل دمشق وغيرها وأجازوه اجازات عامة وكانت وفاته في يوم الأربعا خامس عشر جمادي الثانية سنة احدى وثلاثين ومائة وألف ودفن بتربة باب الصغير رحمه الله تعالى.
عثمان بن صادق

(1/468)


عثمان بن أحمد باشا بن صادق الحنفي القسطنطيني وتقدم ذكر والده أحد الأفاضل المشهورين من المدرسين والموالي في الدولة كان عارفا أديبا فاضلا ماهرا بالعلوم والفنون دخل الحرم السلطاني وصار من غلمانه على عادتهم وخدم به وقرأ وحصل وانتفع بالشيخ محمد بن حسن بن همات همت أو لملى الدمشقي معلم الغلمان في الحرم السلطاني والفاضل عثمان نيشنجي زاده نشانجي وجعله السلطان مصطفى خان معلما لولده السلطان محمد وانتقل للأودة الخاص وتملك كتبا نفيسة ثم خرج بالتدريس في سنة ست وثمانين وتنقل بالمدارس والفنون حتى وصل للثمان وخرج منها بقضاء بلدة أزمير وارتحل اليها ولم تطل مدته هناك ومات وكانت وفاته في محرم سنة ست وتسعين ومائة وألف رحمه الله تعالى.
عثمان بن حسين
الألاشهري الأشهرلي
عثمان بن حسين الألاشهري الحنفي نزيل قسطنطينية وأحد العلماء أرباب الشهرة والمدرسين بها كان علامة فاضلا عالما محققا مشهورا بالنبل والفضل أخذ وقرأ على أجلاء عصره وأجلهم الفاضل محمد الدارندوي دارنده لي انتفع به وله من التآليف رسالة في المنطق ورسالة في آداب البحث ورسالة في النحو واخرى في الصرف ورسالة في دخان التبغ المعروف بالتتن واشتهر بدار الخلافة وكبر صيته وأخذ عنه الأفاضل وأقرأ ولازم الافادة ولازم على عادتهم وسلك طريق المدرسين ثم تقاعد باختياره بمدرسة السلطان أحمد خان وكانت وفاته بقسطنطينية في رجب سنة تسعين ومائة وألف رحمه الله تعالى والألاشهري بألف مفتوحة ولام ألف وشين مفتوحة وهاء وراء وياء نسبة إلى قصبة تابع آيدين تسمى الأشهر إلا أنه قراء الضاد بالظاء وأنكر الصوفية قد قامت القيامة على من قرأ الضاد بالظاء وأخمدت نار النزاع وتجددت هذه الدعوى مرارا وأنكرت ونسيت وتنوسيت كما تنبئك كتب التواريخ ولها رسالة جديدة في مصر في هذا القرن فاطلع عليها تحريرا في سنة 1291 في رمضان.
السيد عثمان الفلاقنسي
السيد عثمان بن سعدي بن عثمان بن علي خان المعروف بالفلاقنسي لكون والدة والده أخت المولى فتح الله الدفتري الفلاقنسي الآتي ذكره في محله الدمشقي كان من رؤساء الكتاب أديبا بارعا كاتبا نبيها فطنا تولى كتابات بدمشق منها كتابة العربي بديوان دمشق الشام وكذلك في وقف الحرمين وكذلك وقف المدرسة الشامية وصار محاسبه جي الحزينة الميرية السلطانية بدمشق ونشأ متفيأ ظلال نعم قريبه الدفتري المذكور محتسيا لكؤس من المنى من حان دولته وكان له معرفة بالأدب واطلاع وحسن مطالعة مع المعرفة بأنواع الخطوط ولازم العارف الشيخ حسن البغدادي نزيل دمشق ولما حصل على دمشق ما حصل من مجى العساكر المصرية وواقعة ذلك شاعت وذاعت ولا يمكن احصاء ما جرى من الأمور وغيرها الصادرة في تلك الوقت أرسل خلف المترجم أمير العساكر الأمير الكبير محمد بيك المعروف بأبي الذهب وطلب منه دفاتر إيراد دمشق والعائد إلى حكامها العرفية فأحضرهم إليه وسلك عنده ونسب لأمور في ذلك وهو فيما أعلم برئ عنها فبعد ارتحال العساكر من الديار الشامية وعودهم للديار المصرية تحسب كان المؤرخ قصد معنى التوهم من أشياء ودخل عليه الرعب ولم تطل مدته ومات ورأيت له من الشعر هذه القصيدة امتدح بها قريبه الدفتري المذكور وهي قوله
هذا الحمى ما بال دمعك قد جرى ... وازداد وجدك واللهيب تسعرا
أذكرت أياما مضين بسفحه ... هيجن شوقك أم ظباه النفرا
فسكبت دمعا من محاجر مقلة ... مقروحة الأجفان حاربها الكرى
وهتكت سترا للحبيب وكنت لا ... تبدي الصبابة خيفة أن تظهرا
وأمرت قلبك كتمه فأذاعه ... منك النحول كفى بذلك مخبرا
فالدمع فضاح لكل متيم ... تركته غزلان العقيق كما ترى
من كل فتان اللحاظ تخاله ... غصنا يحركه النسيم إذا سرى
يسبي المهاة بجيده وبطرفه ... فإذا رنا يصطاد آساد الشرى
يا هاجري هل أنت باق مثل ما ... عهدي وثيق أم تصرمت العرى
إن كان هجرك لي بوشي مزور ... أنى سلوت فإن ذلك مفترى
لا تخجن لكل واش لم يمل ... عذل المتيم والحديث المنكرا

(1/469)


لم يكفني هجر الحبيب وصده ... حتى نأى وحدي به حادي السرى
كل الخطوب أطيق إلا بينه ... قلبي على أثقاله لن يقدرا
يا عاذلي دع ذكر أيام مضت ... وأجهد بمدحك ذا الجناب الأخطرا
الفتح من شاد المفاخر والعلا ... بفضائل شهدت بها كل الورى
مولى إذا ضن الغمام بقطره ... جادت سحائب راحتيه أبحرا
قد حاز كل المكرمات فلم يدع ... للغابرين محامدا أن تذكرا
وحوى الندى بمآثر لو كلفوا ... سحبان يحصيها لرد مقصرا
فرويت بيتا قاله قبلي من ال ... ماضين ندب فيه حقا لأمرا
لا تطلبن حديث شهم غيره ... يروى فكل الصيد في جوف الفرا
قل للذي قدر أم يبلغ شاؤه ... هيهات كم بين الثريا والثرى
من يأته سلما حباه أمانيا ... ومعاندا ولي فرارا مدبرا
مولاي قدرك قد علا عن درك مد ... اح فعذرا إن أتيت مقصرا
وعلمت إني عاجز عن درك ما ... قد حزته ويحق لي أن أعذرا
وقد اقتحمت وصفت فيك قوافيا ... جاءت فتوح لديك مسكا إذ فرا
فأسلم ودم ما فاه تال منشدا ... هذا الحمى ما بال دمعك قد جرى
وكانت وفاته في سنة خمس وثمانين ومائة وألف ودفن بتربة الشيخ أرسلان رضي الله عنه آمين.
عثمان ثروت
عثمان ابن صالح الملقب بثروت على طريقة شعراء الفرس والروم الحنفي القسطنطيني أحد الكتاب البارعين بالفنون والآداب نشأ بدار السلطنة المذكور وأخذ الخط عن الكاتب أحمد خواجه زاده المشهور وأتقن الأدب والانشاء حتى صار كاتبا لمعتمد الملوك بشير ضابط الحرم السلطاني في دولة السلطان محمود بن مصطفى خان وبعد قتله وتفرق أتباعه صار من أعيان كتاب الديوان السلطاني المعروفين بالخواجكان وله نظم بالتركية كثير وكان أولا يلقب بحنيف وجمع ديوانا من شعره باللقب المذكور وقد طالعته ورأيته في دار الكتب التي جمعها ووقفها سلطان زماننا السلطان عبد الحميد بن أحمد خان ولما عدل عن اللقب المذكور وتلقب بثروت جمع ديوانا آخرا من شعر جديد نظمه ولما تم وافق تاريخه ديوان ثروت وذلك سنة سبع وسبعين ومائة وقد طالعته لما تملكته وهو الآن من كتبي وفيه كل معنى لطيف تشربه الأسماع بفم الاشهتاء وكانت وفاته في صفر سنة ثمانين ومائة وألف.
عثمان العقيلي

(1/470)


عثمان بن عبد الرحمن بن عثمان بن عبد الرزاق بن إبراهيم وينتهي إلى الولي الكبير والقطب الشهير الشيخ عقيل المنبجي فلذلك كان معروفا بالعقيلي العمري الشافعي الحلبي الشيخ الامام العالم الفاضل كان صالحا عالما عاملا زاهدا وله سلوك حسن الأخلاق والسير ولد في سنة خمس وثلاثين ومائة وألف وحفظ القرآن وهو ابن اثنتي عشرة سنة ثم حفظه الشاطبية والدره واشتغل بالطيبة في القراآت العشرة وجمع القرآن من طريق السبعة والعشرة وكان شيخه العالم العابد الشيخ محمد الحموي الأصل البصري وكذلك العلامة الشيخ محمد العقاد وفي غيرها وأخذ من العلوم ما بين تفسير وحديث وأصول وفقه ومعان وبيان ونحو وصرف وغير ذلك عن شيخه الأستاذ العلامة الشيخ طه الجبريني ومن مشايخه الفاضل الكبير الشيخ محمد بن الطيب محشي القاموس المغربي نزيل الحرمين ومنهم العالم المحدث الشيخ عبد الكريم الشراباتي الفقيه المتقن الشيخ عبد القادر الديري ومنهم الامام العالم المحدث الشيخ محمد الزمار حضر عليه في كثير من العلوم وكذلك النحرير الشيخ السيد علي العطار قرأ عليه في الفقه والنحو والفرائض وغير ذلك وارتحل إلى الحج في سنة ست وسبعين ومائة وألف واجتمع بغالب من كان حينئذ بالحرمين وأخذ عنهم فمنهم العارف الشيخ محمد بن عبد الكريم السمان المدني أخذ عنه الحديث وأجازه وأخذ عنه الطريقة القادرية ومنهم العلامة الشيخ محمد بن سليمان الشافعي المدني والشيخ محمد بن عبد الله المغربي والعلامة الشيخ أبو الحسن السندي شارح شرح النخبة في مصطلح الحديث للعلامة ابن حجر ومنهم الفاضل الشيخ يحيى الحباب المكي والشيخ عطاء الله الأزهري نزيل مكة وأخذ بدمشق عن العلامة المحقق الشيخ علي الدغستاني وله مشايخ نحو الخمسين وكان بحلب مقيما على الاشتغال بالعلم يقرئ كتب الحديث والفقه والآلات في أموي حلب وغير ذلك ولزمه جماعة وكان ملازما ومواظبا على الاعتكاف في كل سنة أربعين يوما وهي المسماة عند أهل الطريق بالخلوة فإنه يعتكف مع جماعة من إخوانه هذه المدة ويشتغلون فيها بالصيام والقيام والذكر وبالجملة فهو أحد من ازدانت بهم الشهباء من الأفاضل في زماننا وكانت وفاته يوم الأحد ثاني عشر محرم سنة ثلاث وتسعين ومائة وألف رحمه الله تعالى.
عثمان الدوركي

(1/471)


عثمان الوزير بن عبد الرحمن باشا ابن عثمان الدوركي الأصل الحلبي المولد والمنشأ انتقلت بوالده الأحوال إلى أن صار في الباب العالي رئيس الجاويشية جاوشباشي يه صكره دعاوي ناظري ديرلر ايدي سمدي اجراجمعتي رئيسيدر وهي رتبة قعساء يقال رجل أقعس أي منيع فقوله رتبة قعسا أي عاليه لا ينالها إلا من هو مجرب في معرفة قوانين الدولة ومنها أنعمت عليه الدولة بمنصب حلب برتبة روملي ورحل من اسلامبول إلى مقر حكومته حلب ففي الطريق ناداه داعي المنون فأجاب فامتحن صاحب الترجمة ثم ترقت أحواله إلى أن صار محصل الأموال الميرية بحلب وكانت له دربة في الأمور فجمع الأموال وبنى وشيد ورأس وساعده الوقت وبنى داره الكائنة بمحلة داخل باب النصر على شفير الخندق وهي أحد الدور العظام في الارتفاع والأحكام وبشرقيها كان سور باب الأربعين قديما وهذا كان أبواب مدينة حلب ومحله عند مسجد الأربعين المعروف الآن بزاوية القرقلار قرقلر زاويه سي يسنكها مشايخ الطريقة النور بخشية قدس الله أسرارهم وسيأتي إن شاء الله تعالى بيان سبب تسمية باب الأربعين قديما وعدد أبواب حلب وما كانت عليه قديما وذكر مشايخ هذه الطريقة العلية وشرقي دار المترجم أيضا العين المعروفة بالعونية يقصدها المرضى يوم السبت قبل طلوع الشمس يغتسلون بها ولها ذكر في الخواصات التي بحلب مولانا خواصات ديمش جمع الجمع يابه يور ثم إن المترجم شرع في عمارة جامعه المعمور لصيق داره أوائل سنة احدى وأربعين ومائة وألف فاشترى الدور التي كانت في محل الجامع من أهلها بالأثمان المضاعفة عثمان باشا هذا خالف سنة الظلمة وأغضب روحي بشتاك وجمال الدين انظر صحيفة 70 من الجزء الثاني من كتاب المواعظ وكان يقترض الملل من التجار أهل الخير والصلاح المعروفين بحل المال ويصرفه في عمارة الجامع ويوفيهم من ثمن حنطة كانت عنده إلى أن فرغ بناء الجامع وتم على أكمل الوجوه ولما انتهى حفر أساس الجامع وحررت القبلة بتحرير العلامة الشيخ جابر الحوراني الأصل والعلامة الشيخ علي الميقاتي بأموي حلب نزل صاحب الترجمة بنفسه إلى الأساس واستدعى بطين فوضعه ووضع عليه حجرا ووضع بينهما صرة صغيرة لا يدري ما هي وصعد وشرعوا في البنا بالأحجار الهر قليلة الهائلة وأبطل العمل شتاء إلى أن كمل سنة ثلاث وأربعين ومائة وألف ووضع فيه منبرا من الرخام الأصفر الفائق سرق منبر مصنع من جامع شهنشاه بمصر بعد سنة 1280 وخبر أهل الخبرة بأن المنبر المذكور كان مثل منبر الجامع الذي يقال له اليوم جامع الشيخ أبي حريبه وقوموه بألف وخمسمائة ليرا وكل لير بأربعة آلاف مؤيدي بعيار دار الضرب بمصر ثم هدمت مئذنة الجامع خوفا من سقوطها على رؤس المارين والجامع المذكور لصيق بدار سليمان أغا الوكيل بباب الخرق وفي صحنه حوضا من الرخام الأصفر طوله أربعة عشر ذراعا في مثلها وفي شماله مصطبة مرخمة بالرخام الأصفر بقدر الحوض وبنى فيه احدى وأربعين حجرة منها ثلاثون للمجاورين والباقي لأرباب الشعائر وعين له خطيبا شكري محمد أفندي البكغلوني وهو أول خطيب خطب به لأنه كان مرغوبا عند الأتراك التمطيط التمطيط أكبرده بر ألف زيادة أيدوب أكبار ديمك أيسه بوني جاهل مؤذنا ريبار استانبولده اربه جبلر جامعي خطيبي تمطيط مؤرخ أيتميور بوراده تمطيطدن مرامي مدايمتك كه حرو في جكمك اولملي طاش قصايده ملا كوراني مؤذني تمطيط ايتميور ايديسه ده بوسنه حجه كندي في الخطبة على عادة خطباء اسلامبول وعين له مدرسا تاتار أفندي العينتابي فاستقام أربعة أشهر ثم استعفى فنصب مكانه العلامة محمود أفندي الأنطاكي وعين السيد محمد أفندي الكبيسي محدثا وعين عبد الكريم أفندي الشرباتي واعظا عقب صلاة الجمعة استطراد
ذكر الآذان بمصر وما كان فيه من الاختلاف

(1/472)


اعلم إن أول من أذن لرسول الله صلى الله عليه وسلم بلال بن رباح مولى أبي بكر الصديق رضي الله عنهما بالمدينة الشريفة وفي الأسفار وكان ابن أم مكتوم واسمه عمرو بن قيس بن شريح من بني عامر بن لؤي وقيل اسمه عبد الله وأمه أم واسمها عاتكة بنت عبد الله بن عنكثة من بني مخزوم ربما أذن بالمدينة وأذن أبو محذورة واسمه أوس وقيل سمرة بن معير بن لوذان بن ربيعة بن معير بن عريج بن سعيد بن جمح وكان استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في أن يؤذن مع بلال فأذن له وكان يؤذن في المسجد الحرام وأقام بمكة ومات بها ولم يأت المدينة قال ابن الكلبي كان أبو محذورة لا يؤذن للنبي صلى الله عليه وسلم بمكة لا في الفجر ولم يهاجر وأقام بمكة وقال ابن جريج علم النبي صلى الله عليه وسلم أبا محذورة الآذان بالجعرانة حين قسم غنائم حنين ثم جعله مؤذنا في المسجد الحرام وقال الشعبي أذن لرسول الله صلى الله عليه وسلم بلال وأبو محذورة وابن أم مكتوم وقد جاء إن عثمان ابن عفان رضي الله عنه كان يؤذن بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم عند المنبر وقال محمد بن سعد عن الشعبي كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة مؤذنين بلال وأبو محذورة وعمرو بن أم مكتوم فإذا غلب بلال أذن أبو محذورة وإذا غاب أبو محذورة أذن ابن أم مكتوم قلت لعل هذا كان بمكة وذكر ابن سعد إن بلالا أذن بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر رضي الله عنه وإن عمر رضي الله عنه أراده أن يؤذن له فأبى عليه فقال له إلى من ترى أن أجعل النداء فقال إلى سعد القرظ فإنه قد أذن لرسول الله صلى الله عليه وسلم فدعاه عمر رضي الله عنه فجعل النداء إليه وإلى عقبه من بعده وقد ذكر إن سعد القرظ كان يؤذن لرسول الله صلى الله عليه وسلم بقبا قبا بضم الأول وذكر أبو داود في مراسيله والدارقطني في سننه قال بكير بن عبد الله الأشج كانت مساجد المدينة تسعة سوى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم كلهم يصلون بآذان بلال رضي الله عنه وقد كان عند فتح مصر الآذان انما هو بالمسجد الجامع المعروف بجامع عمرو وبه صلاة الناس بأسرهم وكان من هدى الصحابة والتابعين رضي الله عنهم المحافظة على الجماعة وتشديد النكير على من تخلف عن صلاة الجماعة قال أبو عمرو الكندي في ذكر من عرف على المؤذنين بجامع عمرو بن العاص بفسطاط مصر وكان أول من عرف على المؤذنين أبو مسلم سالم بن عامر بن عبد المرادي وهو من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أذن لعمر بن الخطاب سار إلى مصر مع عمرو بن عاص يؤذن له حتى افتتحت مصر فأقام على الآذان وضم إليه عمرو بن العاص تسعة رجال يؤذنون وهم عاشرهم وكان الآذان في ولده حتى انقرضوا قال أبو الخير حدثني أبو مسلم وكان مؤذنا لعمرو بن العاص أن الآذان كان أوله لا إله إلا الله وآخره لا إله إلا الله وكان أبو مسلم يوصي بذلك حتى مات ويقول هكذا كان الآذان ثم عرف عليهم أخوه شرحبيل بن عامر وكانت له صحبة وفي عرافته زاده مسلمة بن مخلد في المسجد الجامع وجعل له المنار ولم يكن قبل ذلك وكان شرحبيل أول من رقى منارة مصر للآذان وإن مسلمة بن مخلد اعتكف في منارة الجامع فسمع أصوات نواقيس عالية بالفسطاط فدعا شرحبيل بن عامر فأخبره بما ساءه من ذلك فقال شرحبيل فإني أمدد بالآذان من نصف الليل إلى قرب الفجر فانههم أيها الأمير أن ينقسوا إذا أذنت فنهاهم مسلمة عن ضرب النواقيس وقت الآذان ومدد شرحبيل ومطط أكثر الليل إلى أن مات شرحبيل سنة خمس وستين.

(1/473)


وذكر عن عثمان رضي الله عنه أنه أول من رزق المؤذنين رزق من الباب الأول فلما كثرت مساجد الخطبة أمر مسلمة بن مخلد الأنصاري في امارته على مصر ببناء المنار في جميع المساجد خلا مساجد تجيب وخولان فكانوا يؤذنون في الجامع أولا فإذا فرغوا أذن كل مؤذن في الفسطاط في وقت واحد فكان لآذانهم دوي شديد وكان الآذان أولا بمصر كأذان أهل المدينة وهو الله أكبر الله أكبر وباقيه كما هو اليوم فلم يزل الأمر بمصر على ذلك في جامع عمره بالفسطاط وفي جامع العسكر وفي جامع أحمد بن طولون وبقية المساجد إلى أن قدم القائد جوهر بجيوش المعز لدين الله وبنى القاهرة فلما كان في يوم الجمعة الثامن من جمادي الأولى سنة تسع وخمسين وثلثمائة صلى القائد جوهر الجمعة في جامع أحمد بن طولون وخطب به عبد السميع ابن عمر العباسي بقلنسوة وسبني وطيلسان دبسي وأذن المؤذنون حي على خير العمل وهو أول ما أذن به بمصر وصلى به عبد السميع الجمعة فقرأ سورة الجمعة وإذا جاءك المنافقون وقنت في ركعة الثانية وانحط إلى السجود ونسي الركوع فصاح به علي بن الوليد قاضي عسكر جوهر بطلت الصلاة أعد ظهرا أربع ركعات ثم أذن بحي على خير العمل في سائر مساجد العسكر إلى حدود مسجد عبد الله وأنكر جوهر على عبد السميع إنه لم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم في كل سورة ولا قرأها في الخطبة فأنكره جوهر ومنعه من ذلك ولأربع بقين من جمادي الأولى المذكور أذن في الجامع العتيق لحي على خير العمل وجهروا في الجامع بالبسملة في الصلاة فلم يزل الأمر على ذلك طول مدة الخلفاء الفاطميين إلا أن الحاكم بأمر الله في سنة أربعمائة أمر بجمع مؤذني القصر وسائر الجوامع وحضر قاضي القضاة مالك بن سعيد الفارقي وقرأ أبو علي العباسي سجلا فيه الأمر بترك حي على خير العمل في الآذان وأن يقال في صلاة الصبح الصلاة خير من النوم وأن يكون ذلك من مؤذني القصر عند قولهم السلام على أمير المؤمنين ورحمة الله فامتثل ذلك ثم عاد المؤذنون إلى قول حي على خير العمل في ربيع الآخر سنة احدى وأربعمائة ومنع في سنة خمس وأربعمائة مؤذنو جامع القاهرة ومؤذنو القصر من قولهم بعد الآذان السلام على أمير المؤمنين وأمرهم أن يقولوا بعد الآذان الصلاة رحمك الله ولهذا الفعل أصل قال الواقدي كان بلال رضي الله عنه يقف على باب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول السلام عليك يا رسول الله وربما قال السلام عليك بأبي أنت وأمي يا رسول الله حي على الصلاة حي على الصلاة السلام عليك يا رسول الله قال البلادري وقال غيره كان يقول السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته حي على الصلاة حي على الفلاح الصلاة يا رسول الله فلما ولي أبو بكر رضي الله عنه الخلافة كان سعد القرظ يقف على بابه فيقول السلام عليك يا خليفة رسول الله ورحمة الله وبركاته حي على الصلاة حي على الفلاح الصلاة يا خليفة رسول الله فلما استخلف عمر رضي الله عنه كان سعد يقف على بابه فيقول السلام عليك يا خليفة خليفة رسول الله ورحمة الله وبركاته حي على الصلاة حي على الفلاح الصلاة يا خليفة خليفة رسول الله فلما قال عمر رضي الله عنه للناس أنتم المؤمنون وأنا أميركم فدعى أمير المؤمنين استطالة لقول القائل يا خليفة خليفة رسول الله ولمن بعده خليفة خليفة خليفة رسول الله كان المؤذن يقول السلام عليك أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته حي على الصلاة حي على الفلاح الصلاة يا أمير المؤمنين ثم إن عمر رضي الله عنه أمر المؤذن فزاد فيها رحمك الله ويقال إن عثمان رضي الله عنه زادها وما زال المؤذنون إذا أذنوا سلموا على الخلفاء وأمراء الأعمال ثم يقيمون الصلاة بعد السلام فيخرج الخليفة أو الأمير فيصلي بالناس هكذا كان العمل مدة أيام بني أمية ثم مدة خلافة بني العباس أيام كانت الخلفاء وأمراء الأعمال تصلي بالناس فلما استولى العجم وترك خلفاء بني العباس الصلاة بالناس ترك ذلك كما ترك غيره من سنن الإسلام.

(1/474)


ولم يكن أحد من الخلفاء الفاطميين يصلي بالناس الصلوات الخمس في كل يوم فسلم المؤذنون في أيامهم على الخليفة بعد الآذان للفجر فوق المنارات فلما انقضت أيامهم وغير السلطان صلاح الدين رسومهم لم يتجاسر المؤذنون على السلام عليه احتراما للخليفة العباسي ببغداد فجعلوا عوض السلام على الخليفة السلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم واستمر ذلك قبل الآذان للفجر في كل ليلة بمصر والشام والحجاز وزيد فيه بأمر المحتسب صلاح الدين عبد الله البرلسي الصلاة والسلام عليك يا رسول الله وكان ذلك بعد سنة ستين وسبعمائة فاستمر ذلك ولما تغلب أبو علي بن كتيفات بن الأفضل شاهنشاه بن أمير الجيوش بدر الجمالي على رتبة الوزارة في أيام الحافظ لدين الله أبي الميمون عبد المجيد بن الأمير أبي القاسم محمد بن المستنصر بالله في سادس عشر ذي القعدة سنة أربع وعشرين وخمسمائة وسجن الحافظ وقيده واستولى على سائر ما في القصر من الأموال والذخائر وحملها إلى دار الوزارة وكان اماميا متشددا في ذلك خالف ما عليه الدولة من مذهب الإسماعيلية وأظهر الدعاء للامام المنتظر وأزال من الآذان حي على خير العمل وقولهم محمد وعلى خير البشر وأسقط ذكر إسماعيل بن جعفر الذي تنتسب إليه الإسماعيلية فلما قتل في سادس عشر المحرم سنة ست وعشرين وخمسمائة عاد الأمر إلى الخليفة الحافظ وأعيد إلى الآذان ما كان أسقط منه وأول من قال في الآذان بالليل محمد وعلى خير البشر الحسين المعروف بأمير كان شكنبه ويقال أشكنبه وهو اسم أعجمي معناه الكرش شكنبه بكسر الشين وفتح الكاف والباء الكرش وأشكنبه بالتركي محرف منه وهو علي بن محمد بن علي بن إسماعيل بن الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب وكان أول تأذينه بذلك في أيام سيف الدولة بن حمدان بحلب في سنة سبع وأربعين وثلثمائة قاله الشريف محمد بن أسعد الجواني النسابة ولم يزل الآذان بحلب يزاد فيه حي على خير العمل ومحمد وعلى خير البشر إلى أيام نور الدين محمود فلما فتح المدرسة الكبيرة المعروفة بالحلاوية استدعى أبا الحسن علي بن الحسن بن محمد البلخي الحنفي إليها فجاء ومعه جماعة من الفقهاء وألقى بها الدروس فلما سمع الآذان أمر الفقهاء فصعدوا المنارة وقت الآذان وقال لهم مروهم يؤذنوا الآذان المشروع ومن امتنع كبوه على رأسه فصعدوا وفعلوا ما أمرهم به واستمر الأمر على ذلك وأما مصر فلم يزل الآذان بها على مذهب القوم إلى أن استبد السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب بسلطنة ديار مصر وأزال الدولة الفاطمية في سنة سبع وستين وخمسمائة وكان ينتحل مذهب الامام الشافعي رضي الله عنه وعقيدة الشيخ أبي الحسن الأشعري رحمه الله فأبطل من الآذان قول حي على خير العمل وصار يؤذن في سائر إقليم مصر والشام بأذان أهل مكة وفيه تربيع وترجيع الشهادتين فاستمر الأمر على ذلك إلى أن بنت الأتراك المدارس بديار مصر وانتشر مذهب أبي حنيفة رضي الله عنه في مصر فصار يؤذن في بعض المدارس التي للحنفية بأذان أهل الكوفة وتقام الصلاة أيضا على رأيهم وما عدا ذلك فعلى ما قلنا إلا أنه في ليلة الجمعة إذا فرغ المؤذنون من التأذين سلموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو شيء أحدثه محتسب القاهرة صلاح الدين عبد الله بن عبد الله البرلسي بعد سنة ستين وسبعمائة فاستمر إلى أن كان في شعبان سنة احدى وتسعين وسبعمائة ومتولي الأمر بديار مصر الأمير منطاش القائم بدولة الملك الصالح المنصور أمير حاج المعروف بحاجي بن شعبان بن حسين بن محمد بن قلاون فسمع بعض الفقراء الخلاطين سلام المؤذنين على رسول الله صلى الله عليه وسلم في ليلة جمعة وقد استحسن ذلك طائفة من اخوانه فقال لهم أتحبون أن يكون هذا السلام في كل أذان قالوا نعم فبات تلك الليلة وأصبح متواجدا يزعم أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في منامه وإنه أمره أن يذهب إلى المحتسب ويبلغه عنه أن يأمر المؤذنين بالسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل أذان فمضى إلى محتسب القاهرة وهو يومئذ نجم الدين محمد الطنبدي وكان شيخا جهولا وبلهانا مهولا سئ السيرة في الحسبة والقضاء متهافتا على الدرهم ولو قاده إلى البلاء لا يحتشم من أخذ البرطيل والرشوة ولا يراعي في مؤمن إلا ولا ذمة قد ضرى على الآثام وتجسد من أكل الحرام يرى إن العلم أرخاء

(1/475)


العذبة ولبس الجبة ويحسب إن رضى الله سبحانه في ضرب العباد بالدرة وولاية الحسبة لم تحمد الناس قط أياديه ولا شكرت أبدا مساعيه بل جهالاته شائعة وقبائح أفعاله ذائعة أشخص أشخص أزعج غير مرة إلى مجلس المظالم وأوقف مع من أوقف للمحاكمة بين يدي السلطان من أجل عيوب فوادح حقق فيها شكاته عليه القوادح.ذبة ولبس الجبة ويحسب إن رضى الله سبحانه في ضرب العباد بالدرة وولاية الحسبة لم تحمد الناس قط أياديه ولا شكرت أبدا مساعيه بل جهالاته شائعة وقبائح أفعاله ذائعة أشخص أشخص أزعج غير مرة إلى مجلس المظالم وأوقف مع من أوقف للمحاكمة بين يدي السلطان من أجل عيوب فوادح حقق فيها شكاته عليه القوادح.

(1/476)


وما زال في السيرة مذموما ومن العامة والخاصة ملوما وقال له رسول الله يأمرك أن تتقدم لسائر المؤذنين بأن يزيدوا في كل أذان قولهم الصلاة والسلام عليك يا رسول الله كما يفعل في ليالي الجمع فأعجب الجاهل هذا القول وجهل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يأمر بعد وفاته إلا بما يوافق ما شرعه الله على لسانه في حياته وقد نهى الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز عن الزيادة فيما شرعه حيث يقول أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إياكم ومحدثات الأمور فأمر بذلك في شعبان من السنة المذكورة وتمت هذه البدعة واستمرت إلى يومنا هذا في جميع ديار مصر وبلاد الشام وصارت العامة وأهل الجهالة ترى إن ذلك من جملة الآذان الذي لا يحل تركه وأدى ذلك إلى أن زاد بعض أهل الالحاد في الآذان ببعض القرى السلام بعد الآذان على شخص من المعتقدين الذين ماتوا فلا حول ولا قوة إلا بالله وإنا لله وإنا إليه راجعون وأما التسبيح في الليل على المآذن فإنه لم يكن من فعل سلف الأمة وأول ما عرف من ذلك إن موسى بن عمران صلوات الله عليه لما كان ببني إسرائيل في التيه بعد غرق فرعون وقومه اتخذ بوقين من فضة مع رجلين من بني إسرائيل ينفخان فيهما وقت الرحيل ووقت النزول وفي أيام الأعياد وعند ثلث الليل الأخير من كل ليلة فتقوم عند ذلك طائفة من بني لاوي سبط موسى عليه السلام ويقولون نشيدا منزلا بالوحي فيه تخويف وتحذير وتعظيم لله تعالى وتنزيه له تعالى إلى وقت طلوع الفجر واستمر الحال على هذا كل ليلة مدة حياة موسى عليه السلام وبعده أيام يوشع بن نون ومن قام في بني إسرائيل من القضاة إلى أن قام بأمرهم داود عليه السلام وشرع في عمارة بيت المقدس فرتب في كل ليلة عدة من بني لاوي يقومون عند ثلث الليل الآخر فمنهم من يضرب بالآلات كالعود والسنطير والبربط والدف والمزمار ونحو ذلك ومنهم من يرفع عقيرته بالنشائد المنزلة بالوحي على نبي الله موسى عليه السلام والنشائد المنزلة بالوحي على داود عليه السلام ويقال إن عدد بني لاوي هذا كان ثمانية وثلاثين ألف رجل قد ذكر تفصيلهم في كتاب الزبور فإذا قام هؤلاء ببيت المقدس قام في كل محلة من محال بيت المقدس رجال يرفعون أصواتهم بذكر الله سبحانه من غير آلات فإن الآلات كانت مما يختص ببيت المقدس فقط وقد نهوا عن ضربها في غير البيت فيتسامع من قرية بيت المقدس فيقوم في كل قرية رجال يرفعون أصواتهم بذكر الله تعالى حتى يعم الصوت بالذكر جميع قرى بني إسرائيل ومدنهم وما زال الأمر على ذلك في كل ليلة إلى أن خرب بخت نصر بيت المقدس وجلا بني إسرائيل إلى بابل فبطل هذا العمل وغيره من بلاد بني إسرائيل مدة جلائهم في بابل سبعين سنة فلما عاد بنو إسرائيل من بابل وعمروا البيت العمارة الثانية أقاموا شرائعهم وعاد قيام بني لاوي بالبيت في الليل وقيام أهل محال القدس وأهل القرى والمدن على ما كان العمل عليه أيام عمارة البيت الأولى واستمر ذلك إلى أن خرب القدس بعد قتل نبي الله يحيى بن زكريا وقيام اليهود على روح الله ورسوله عيسى ابن مريم صلوات الله عليهم على يد طيطش فبطلت شرائع بني إسرائيل من حينئذ وبطل هذا القيام فيما بطل من بلاد بني إسرائيل وأما في الملة الاسلامية فكان ابتداء هذا لعمل بمصر وسببه إن مسلمة بن مخلد أمير مصر بنى منارا لجامع عمرو بن العاص واعتكف فيه فسمع أصوات النواقيس عالية فشكا ذلك إلى شرحبيل بن عامر عريف المؤذنين فقال إني أمدد الآذان من نصف الليل إلى قرب الفجر فإنههم أيها الأمير أن ينقسوا إذا أذنت فنهاهم مسلمة عن ضرب النواقيس وقت الآذان ومدد شرحبيل ومطط أكثر الليل ثم إن الأمير أبا العباس أحمد بن طولون كان قد جعل في حجرة تقرب منه رجال تعرف بالمكبرين عدتهم اثنا عشر رجلا يبيت في هذه الحجرة كل ليلة أربعة يجعلون الليل بينهم عقبا فكانوا يكبرون ويسبحون ويحمدون الله سبحانه في كل وقت ويقرأون القرآن بألحان ويتوسلون ويقولون قصائد زهدية ويؤذنون في أوقات الآذان وجعل لهم أرزاقا واسعة تجري عليهم فلما مات أحمد بن طولون وقام من بعده ابنه أبو الجيش خمارويه أقرهم بحالهم وأجراهم على رسمهم مع أبيه ومن حينئذ اتخذ الناس قيام المؤذنين في الليل على المآذن وصار يعرف ذلك بالتسبيح فلما

(1/477)


ولي السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب سلطنة مصر وولي القضاء صدر الدين عبد الملك بن درباس الهدباني الماراني الشافعي كان من رأيه ورأي السلطان اعتقاد مذهب الشيخ أبي الحسن الأشعري في الأصول فحمل الناس إلى اليوم على اعتقاد حتى يكفر من خالفه وتقدم الأمر إلى المؤذنين أن يعلنوا في وقت التسبيح على المآذن بالليل يذكر العقيدة التي تعرف بالمرشدة فواظب المؤذنون على ذكرها في كل ليلة بسائر جوامع مصر والقاهرة إلى وقتنا هذا ومما أحدث أيضا التذكير في يوم الجمعة من أثناء النهار بأنواع من الذكر على المآذن ليتهيأ الناس لصلاة الجمعة وكان ذلك بعد السبعمائة من سني الهجرة.لي السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب سلطنة مصر وولي القضاء صدر الدين عبد الملك بن درباس الهدباني الماراني الشافعي كان من رأيه ورأي السلطان اعتقاد مذهب الشيخ أبي الحسن الأشعري في الأصول فحمل الناس إلى اليوم على اعتقاد حتى يكفر من خالفه وتقدم الأمر إلى المؤذنين أن يعلنوا في وقت التسبيح على المآذن بالليل يذكر العقيدة التي تعرف بالمرشدة فواظب المؤذنون على ذكرها في كل ليلة بسائر جوامع مصر والقاهرة إلى وقتنا هذا ومما أحدث أيضا التذكير في يوم الجمعة من أثناء النهار بأنواع من الذكر على المآذن ليتهيأ الناس لصلاة الجمعة وكان ذلك بعد السبعمائة من سني الهجرة.
قال ابن كثير رحمه الله في يوم الجمعة سادس ربيع الآخر سنة أربع وأربعين وسبعمائة رسم بأن يذكر بالصلاة يوم الجمعة في سائر مآذن دمشق كما يذكر في مآذن الجامع الأموي ففعل ذلك من المقريزي انتهى وعين السيد عبد الغني الصباغ امام الجهرية والعلامة الشيخ جابر امام السرية وعين له أربعة مؤذنين وعين شعالين وفراشين وقارئ يقرأ النعت وكناسين ولكل باب من أبوابه الثلاثة بوابا وأسكن الثلاثين حجرة ثلاثين رجلا من أهل البلدة أو من غيرها وشرط عليهم البيتوتة في الجامع وملازمة الصلوات الخمس وقراءة جزء من القرآن العظيم بعد صلاة الصبح وفي أثناء الجامع صار متسلما بحلب وجاءته رتبة روملي ثم أنعمت عليه الدولة برتبة الوزارة ومنصب طرابلس ثم عزل عنها وولي سيواس ثم دمشق وحج منها أميرا للحاج ثم ولي حلب فدخلها سنة خمسين ومائة وألف وشرع في عمارة المطبخ المسمى بالعمارة على باب جامعه الشرقي ثم ولي آدنة وفي هذا لان تكب أطنه ثم بروسه وعين لمحافظة بغداد ثم ولي ايالة صيدا ثم ولي جدة ومشيخة الحرم المكي فأقام بمكة المشرفة إلى أن توفي في ذي القعدة سنة ستين ومائة وألف ودفن هناك رحمه الله تعالى.
عثمان الحلبي
عثمان بن عبد الرحمن بن عثمان بن عبد الرزاق بن إبراهيم بن أحمد بن عبد الرزاق بن شهاب الدين أحمد بن يوسف بن عقيل بن تقي الدين أبي بكر عبد الرحمن بن برهان الدين بن إبراهيم ابن أبي عبد الله محمد بن أبي حفص أحمد بن زين الدين سويدان بن شهاب الدين أحمد بن القطب الشيخ عقيل المنبجي منبج على وزن مجلس وفي النسبة منجاني وانبجاني قدس سره ابن الشيخ شهاب الدين أحمد البطائحي بن الشيخ زين الدين عمر بن الشيخ عبد الله البطائحي بن الشيخ زين الدين عمر بن الشيخ سالم بن الشيخ زين الدين عمر ابن سيدنا ومولانا الامام الزاهد عبد الله رضي الله عنه ابن سيدنا ومولانا أمير المؤمنين أبي حفص عمر بن الخطاب رضي الله عنه العالم العامل المسلك المرشد الشافعي الحلبي ولد في منتصف شهر ربيع الأول سنة خمس وثلاثين ومائة وألف وحفظ القرآن وهو ابن ثلاث عشرة سنة وأخذ الطريقة العقيلية عن آبائه مسلسلة إلى سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأخذ العلوم عن عدة من الشيوخ كالشيخ طه الجبريني والشيخ عبد الكريم الشراباتي والشيخ عبد القادر الديري وأجاز له الشيخ محمد ابن الطيب المغربي المدني وحج سنة ست وسبعين فأخذ بالمدينة عن الشيخ محمد بن عبد الكريم السمان والشيخ محمد بن عبد الله المغربي المدني والشيخ محمد بن سليمان المدني وأخذ بدمشق عن العلامة علي بن صادق لطاغستاني.
عثمان العرياني

(1/478)


عثمان بن عبد الله الشهير بالعرياني الحنفي الكليسي الأصل الحلبي المولد نزيل قسطنطينية العالم الفاضل البارع له من التآليف شرح الهمزية وشرح النونية في العقائد لخضر بيك وشرح الحزب الأعظم لعلي القاري علي القاري في الخلاصة وغير ذلك وقد أطلعت على هذه المؤلفات له وأنا في الروم قطن الديار الرومية مدة وأعقب بها ثم ارتحل للحرمين وجاور بالمدينة المنورة وتوفي بها وكانت وفاته في سنة ثمان وستين ومائة وألف رحمه الله تعالى.
عثمان المجذوب
عثمان بن عبد الله المجذوب نزيل قسطنطينية كان في الأصل من أرقاء المولى محمد سعيد قاضي العساكر في الدولة العثمانية ورئيس الأطباء في المعهد المحمودي ثم حصل له جذب الهي وكان قرأ القرآن وشيئا من العلوم وتعلم الخط فترك الجميع واستغرق وظهرت له أحوال خوارق وحصل على الولاية واعتقده العام والخاص حتى سلطان وقتنا السلطان عبد الحميد خان اعتقده وظهرت له كرامات حتى انني في رحلتي الأولى للدولة شاهدت منه كرامة ظاهرة وكان مستقيما في اقميم حمام السلطان أبي يزيد خان وكانت وفاته في يوم الثلاثاء ثالث جمادي الثانية سنة سبع وتسعين ومائة وألف وجاء تاريخه موت مجذوب ودفن لصيق باب الأوض اسكي اوطه لر العتيقة المعدة للينكجرية بالقرب من جامع الشاه زاده بأمر من السلطان المذكور وحجر قبره من التحجير ووضع عليه هيئة كسوته المولوية التي كان يلبسها رحمه الله تعالى.
عثمان باشا الوزير
عثمان باشا بن عبد الله الوزير الكبير الصدر الشهم الدستور المعظم صاحب الخيرات والمآثر الجميلة كان من موالي الوزير الكبير أسعد باشا بن العظم فجعله متسلما عنه في حماه ثم بعد ذلك لما عزل الوزير المرقوم عن دمشق وولي سيواس واستشهد بها بأمر الدولة قبض على صاحب الترجمة وأخذ إلى الروم يؤدي حسابات للدولة بخصوص تركة المرحوم أسعد باشا فلما وصل إلى قسطنطينية أدركته العناية فتخلص من ذلك وأعطته الدولة كفالة دمشق بثلاثة أطواغ وجهت له بدمشق وآياتها فرجع ودخل الشام في ثالث جمادي الأولى سنة أربع وسعين ومائة وألف وكانت أيامه أيام فرح وسرور وأمان ودعة وفي سابع عشري جمادي المذكور من السنة المرقومة بولادة السلطان الأعظم سليم خان بن السلطان مصطفى خان أيد الله كلمتهم وأيد دولتهم هو السلطان سليم الثالث الشهيد رحمه الله تعالى قام المترجم بعمل زينة في دمشق فصارت زينة عظيمة في سبعة أيام وبذل صاحب الترجمة في ذلك أموالا عظيمة وكان له يد طولى في تعمير طريق الحاج الشامي فعمر عدة قلاع وشيئا كثيرا في الطريق وعمل ذلك بالأحجار والصخور وفي سنة ثلاث وثمانين ومائة وألف بنى قناة داخل صخن الجامع الشريف الأموي وأجرى لها الماء من نهر القنوات وصرف على ذلك أموالا كثيرة وصار بها فرج للناس عند انقطاع نهر بانياس وكان متولي الجامع إذ ذاك والدي فأرخ ذلك بقوله
لقد جاء الوزير بخير بر ... لجامع شامنا من غير سو
فيجزيه الآله بكل خير ... على فعل المبرة بالنمو
وما مفتي دمشق أتى ببيت ... بتاريخين يعلن بالسمو
لعثمان الوزير سبيل وسع ... لمسجد سعده لأجل الوضو
ثم في سنة خمس وثمانين بعد قدومه من الحاج جاء لدمشق محمد بيك الملقب بأبي الذهب وحاصرها وأخذها كما قدمنا ذكر ذلك ثم في تلك السنة عزل صاحب الترجمة عن دمشق وتوفي سنة ست وثمانين ومائة وألف رحمه الله تعالى.
عثمان البقراصي
عثمان بن عمر البقراصي الحنفي الحمصي كان فاضلا فصيحا تولى افتاء حماه واستقام مدة بها وكان صالحا وقد انتفع به جماعة وتوفي بحماة في نيف وسبعين ومائة وألف ودفن خارجها بباب المدرج رحمه الله تعالى.
عثمان بن بكتاش الموصلي

(1/479)


عثمان بن عمر المعروف ببكتاش زاده الموصلي الشاعر الأديب الناظم الناثر ترجمه بعض فضلاء الموصل وقال في حقه هذا الأديب والشاعر المصيب والفصيح بقوله وحلاوته والمبتكر للمعاني بطلاوته دبج القراطيس بمداد تأليفه وروج سعر الشعر بحسن سبكه لدرر الألفاظ وترصيفه جدير بأن يشار إليه بالبنان بين الشعراء والأقران فله قصائد عديدة فمن نظمه قوله يمتدح المرحوم السيد عبدي أفندي عندما ولي افتاء الموصل يهنيه بأبيات كل شطر منها تاريخ وقد شهدت بقوة طبعه ومهارته في فن الأدب وسلامة قريحته فأبدع وأغرب حيث قال
على قمر الاقبال في أفق اليسر ... وزان باكليل الهنا جبهة البشر
تلألأء بالفتح المبين هلاله ... فباهى به المشكاة كوكبها الدري
كسى بالفتاوي عابدا حلة الهدى ... وألبس عطفيه العلي حلة القدر
فأضحى لباب المدح لما زهى الولي ... على بعبيد الله منشرح الصدر
فتى أوجز الفتوى بمنهاج مجده ... وزاد عليها علة الكسر والجبر
تبقر في علم الولي وهو يافع ... وأدنى مقاليد الثنا وهو في الحجر
يلخص في أوفى المعاني بيانه ... بديع طوايا رفده الفائق النشر
سريع العطايا مدها متداركي ... ببحر ندى لم يجزر الوعد عن قصر
جواد عطاء لو تجاريه دجلة ... لجالت عيون من لجين على الجسر
ولو قهر الاكرام أيتام نيله ... لحط نداه سائل التبر في نهر
تكاد البحار السبع جدا ببذله ... يفجرها من بسط أنمله العشر
أبى الله أن تستنكح السحب جوده ... لتطرح ماء حملها لؤلؤ القطر
تناسيت أحبابي زمانا ومنزلي ... بدعواه ما جاءت قفا نبك في ذكرى
سلالة آباء ولاة أكابر ... جمانة أبناء أطايبة طهر
حليف النهى والحلم والعدل والسخا ... أخو المجد والآلاء والعفو والبر
له أخوة حازو وأبناهم هدا ... بأجدادهم أهل النوال بني الفخر
مدارس علم الله خزان جوده ... معاجزه الأبرار في السر والجهر
فمن مثلهم أصلا وحيدر جدهم ... حليم محل الحلم صنو الفتى الطهر
فيا شرفا يزهو ببطحاء مكة ... ويا نسبا دار له شرف البدر
أبوهم بهاء المجد هم بهجة الثنى ... بنوهم أكاليل الهدى جدهم فخري
أمولاي يا مولاي دعوة شاكر ... لا نعمكم شاكي إليكم جفى الفقر
يأرخها داعيك يا جوهر البها ... مدى كل شطر عم حسنا على الدر
فلا زلت في مجد الولاية زاهيا ... باقبال سعد مسبل مدة العمر
وله أيضا كل شطر تاريخ في وفاة المرحوم السيد يحيى أفندي مفتي الموصل في تلك السنة
حيتك يا مرقدا وأرى هلال هدى ... سحابة الفوز بالحسنى مع الرسل
وآنستك بهام هامل ونعت ... نفس الفتاوي أنيس العلم والعمل
لقد حويت حسيبا طالما سجدت ... في البيت جبهته الفيحاء للأزل
عز فللناس أسخى سيد سند ... زين بأبهى برود المجد مشتمل
طوبى له فاز بالاخرى بنيل علا ... من رحمة الله لم يوصف ولم ينل
وحل أعلى محل شامخ وبدا ... يطوف في جنة الفردوس في حلل
فليبك جزما على الفتوى اليراع دما ... لفقده وليرثيه فم الوكل
همى بحسن قبول حين أرخه ... بكل شطر يراع الوافدين جلي
يا من يروم مثيلا بالمقام له ... مهلا فما لسداد العقل من مثل
بمن تشبه يحيى في الصلاح وقد سعى إلى الخلد في يحيى الامام علي وله غير ذلك وكانت وفاته في أواخر هذا القرن أعني الثاني عشر رحمه الله تعالى وأموات المسلمين أجمعين.
عثمان الحافظ

(1/480)


عثمان بن علي المعروف بالحافظ الحنفي القسطنطيني الكاتب المشهور أحد أفراد الدهر كان والده مؤذنا بأحد جوامع قسطنطينية وولد المترجم في حدود سنة اثنين وخمسين وألف ونشأ بالبلدة المزبورة وأخذ الخط وأنواعه عن درويش على الكاتب الرومي المتوفي سنة أربع وثمانين وألف وباذنه عن صويولجي إن صوايولجي هو المأمور على تقسيم المياه واصلاح طرقها واعطائها إلى الدور والمحلات وفي الشام يقال له شاوي وأوصاف هذه الطائفة يذكرونها في أوراق الحوادث التي تطبع في زمن قلة المياه وعدالتهم بها على حسب قوة أصحاب الحق وضعفهم فلا تظن مكرهم أخفى من الماء تحت الرفة وكانت مياه مصر بيد السقاة والأسهلها ولاة مصر بالاسكندرية والقاهرة لأطفاء حر أكباد الضعفاء من السقاة انتهى زاده مصطفى وإسمعيل نفس زاده الكاتبين المشهورين وبرع ومهر بالخطوط وأنواعها وأعطاه الله الشهرة التامة والتفوق على أهل عصره واشتهر اشتهار الشمس وتنافس الناس في خطه وبيع بالثمن الغالي ورغبت فيه الناس وفاقت شهرته على خط ياقوت وإلى الآن يتداول بين أيدي الناس بالقبول والرغبة وانتسب في أوائل أمره المترجم للوزير مصطفى باشا الكبرى كوبريلي الصدر الشهيد وفي سنة ست ومائة وألف وصار معلما للسلطان مصطفى خان ابن السلطان محمد خان وأعطى قضاء ديار بكر وبعد عزله أعطى قضاء آخر على وجه التأييد كما هو دأب الدولة العثمانية وأحبه السلطان المذكور وأخذ عنه الخط النسخي والثلث وغيرهما أناس كثيرون وفاق واشتهر أمره مقدار أربعين سنة وقبل وفاته بثلاث سنوات عطل بداء الفالج وكان مع هذه الشهرة صاحب ملاطفة وانطراح وتودد وتغلب عليه الصلاح والديانة قيل كتب بخطه المرغوب الحسن خمسا وعشرين مصحفا شريفا تغالى الناس بهم وحصلت له الشهرة التامة وكانت وفاته بقسطنطينية سنة عشرة ومائة وألف رحمه الله تعالى صاحب ترجمة حافظ عثمان أوله بور
عثمان العمري الموصلي
عثمان بن علي العمري الموصلي صاحب الفضائل والفواضل أبو النور عصام الدين الأديب الشاعر البارع المفنن الناظم الناثر له في الأدب النوادر الغضة والمحاسن التي هي أنقى وأظرف من الفضة ولد في حدود سنة أربع وثلاثين ومائة وألف وقرأ على الشيخ درويش الكردي والعلامة جرجيس الأربلي وسافر إلى صوران على وزن سحبان قرية باليمن فقرأ على عامة علمائها كالشيخ الصالح فضل الله الحيدري والشيخ فتح الله والشيخ صالح وغيرهم ورجع فاستخدمه الوزير حسين باشا ورحل معه إلى القرص ووان وولاه بعض البلاد الصغيرة كأرويش وما زال مكرما عنده حتى عاد قبل السبعين فاستخدمه الوزير الكبير محمد أمين باشا ومكث عنده سنين ثم رحل إلى القسطنطينية فولي حساب بغداد ودفتر قلاعها وأراضيها ومياهها فمكث على ذلك قدر أربع سنين إلى أن ولي الوزارة علي باشا فحبسه وأذاه ثم أطلق وعاد إلى الموصل راجعا فقبض عليه ثانيا في قلعة كركوك ثم أطلق وعاد إلى الموصل ومكث فيها قريبا من سنة ثم رحل في رمضان في سنة ست وسبعين ومائة وألف إلى القسطنطينية وركب في البحر وفي الطريق صادفه بعض خدام النواب الأعظم وعندها أمر له بالعود إلى بغداد لمحاسبة أهلها وقد مات وزيرها علي باشا ووجهت إلى عمر باشا ولما وصل ماردين منع من العود وبقي فيها برهة ثم أطلق سبيله فعاد إلى الموصل فلم يدخلها حتى وصل أربل فلم يتمكن من مجاوزتها ومكث مدة ثم أمر به إلى قرية في قرب بغداد تعرف بالدجين ومكث هناك يسيرا ثم أمر به إلى الحلة وقد قاسى الأهوال العظيمة وكان بعد موت سليمان باشا قد جعل نائبا في الحكومة والامارة قائما مقامه حتى ورد الأمر الشريف بعزله وولي ذلك الوزير المكرم أمين باشا ومعادات الوزرا له سببها ولايته أمر بغداد وبذله الأموال حتى صار في الكرم والسخاء حاتم زمانه ومأمون أوانه وقد مدحه من الشعراء الجم الغفير بالقصائد البديعة وبعد انقضاء أيام الحصار وكشف تلك الغمة سافر صحبة الوزير محمد أمين باشا إلى القسطنطينية وفي عوده منها دخل حلب الشهباء وبالجملة فقضاياه ومناقبه تحتمل أسفارا عديدة وله مؤلف حافل في تراجم أبناء العصر سماه الروض النضر حذافيه حذو الريحانة والنفحة وله شعر كثير فمن ذلك قوله من قصيدة يتشوق بها إلى بلدته الموصل

(1/481)


ما فاح نشر صبا تلك المعالم لي ... إلا وأذريت دمع العين في وجل
ولا شدا الورق في أيك على فنن ... إلا وصرت لشوقي جاري المقل
ولا تذكرت أوطاني ومنزلتي ... إلا وأيقنت إن العز بالنقل
أين العراق وتلك الداراين سنا ... تلك الجنان ففيها قد حلا غزلي
أين الأهيل أصيحابي بنواربي ... يا حسرتا لفراق الأهل والخول
ومنها
لله إذ كنت فيها في صفا وهنا ... وطيب عيش مضى أحلى من العسل
ومنها
الغيث فيها لذيذ قد حلا وغلا ... ونلت فيها مني خال من الزلل
والدهر قد ضمنت أيامه جدلا ... وأكمنت لي ليالي السود للجدل
فما شعرت بقدر الدهر من سفه ... وما انتبهت له حتى تنبه لي
فصار يلفظني أيدي سبا حنقا ... على معاملتي إياه في الأزل
3 - يوما بحزوي ويوما بالعقيق وبال ... حزون يوما ويوما ذروة الجبل
والعز يوما ويوما رفعة وعلا ... والذل يوما ويوما رتبة السفل
فأنحل عقد اصطباري لوعة وغدا ... صحيح حال محل الفكر والعلل
كيف الوصول وهذا الدهر يقعدني ... عن النهوض إلى لذاتنا الأول
بذلت جهدي فلم تنفع مجاهدتي ... واحتلت فيه فلم تنفع به حيلي
ومنها
وأشدد لها حزم صبر غير مضطرب ... وأسلك لنيل مناها أصعب السبل
وانهض لنيل العلا واركب لها خطرا ... ولا تكن قانعا في مصة الوشل
فهامة المجد عندي ليس يركبها ... من كان يقنع من دنياه بالبلل
وله غير ذلك من القصائد الفائقة والرسائل الأنيقة الرائقة.
عثمان الصلاحي
عثمان بن علي الصلاحي العلمي الحنفي القدسي خطيب المسجد الأقصى وامام الصخرة المشرفة نشأ في حجر أبيه وقرأ عليه كتبا عديدة وكان والده من الأفاضل ويغلب عليه معرفة العلوم العربية ولزم درس الشيخ علي اللطفي وكان يلازم المطالعة في داره ويباشر الخطابة بنفسه وله صوت جيد تميل إلى سماعه أهل بلدته حتى إن يوم خطبته يمتلي الأقصى ناسا لسماع خطبته وسافر إلى مصر مرارا وكانت عليه وظيفة جباية أوقاف المصريين التي بمصر فيذهب غالبا بنفسه ويأتي بها وبعض السنين يرسل من ينوب عنه فيها ثم نازعه السيد علي بن جار الله في وظيفة الامامة فسافر بسبب ذلك إلى الروم وجاء بأمر سلطاني ورفع يده عن الوظيفة وعدل عن التردد إلى مصر واستقام على حالته إلى أن مات وكانت وفاته كما أخبرت في سنة ثمان وستين ومائة وألف ودفن في مأمن الله بتربة الصلاحية رحمه الله تعالى.
عثمان الشمعة

(1/482)


عثمان بن محمد بن رجب بن محمد بن علاء الدين المعروف بالشمعة الشافعي البعلي الأصل الدمشقي الشيخ الامام العلامة الحبر المفنن النحرير ولد قبل الثمانين وألف بقليل واشتغل بطلب العلم على جماعة من العلماء الأجلاء منهم الشيخ إسمعيل المفتي والشيخ نجم الدين الفرضي والسيد حسن المنير والشيخ عبد القادر بن عبد الهادي العمري والأستاذ الشيخ عبد الغني النابلسي والشيخ أبو المواهب الحنبلي وغيرهم وبرع في العلوم وكان له ذهن ثاقب وذكاء مفرط ففلق في إحراز الفنون والمعارف وتفيأ من الكمالات في ظلها الوارف واشتهرت براعته وظهرت سيادته وجلس لإفادة العلوم بالجامع الأموي وعكف عليه نجباء الطلبة في كل فن من العلوم النافعة فكان يقرئ في أكثر من عشرة علوم وفي أصول الدين والفقه وأصوله والفرائض والحساب والنحو والصرف والمعاني والبيان والبديع ومصطلح الحديث والمنطق والحديث مع براعته في التفسير والقراآت ورزقه الله تعالى الذهن السيال والخلق الرضي والديانة التامة والعفة الكاملة والانجماع عن الناس والقناعة بما رزق وطهارة اللسان وسعة الصدر على طلبته مع كثرتهم واختلاف أفهامهم فلم يكن يعنف بليد الذهن ولا يصدع خاطره بكلمة بل كان يقرر له بلطف ويعيد العبارة ثانيا وثالثا إن لم يكن فهم من أول مرة وكان جلوسه من طلوع الشمس إلى الظهر غالبا صيفا وشتاء ولا يضجر ولا يقوم من مجلسه بل إذا جئته في آخر وجدته في غاية النشاط وكانت تعد هذه الحالة من كراماته وكان يعظ في جامع السنانية وحج إلى بيت الله الحرام في سنة ثلاث ومائة وألف وارتحل إلى مصر أيضا وكانت وفاته في ليلة الثلاثاء تاسع عشر صفر سنة ست وعشرين ومائة وألف ودفن بتربة باب الصغير بالقرب من ضريح سيدنا أوس بن أوس الثقفي رضي الله عنه وسيأتي ذكر والده محمد إن شاء الله تعالى في محله.
عثمان القطان
عثمان بن محمود بن حسن خطاب الكفرسوسي الشافعي الشهير بالقطان معيد درس السليمانية بدمشق الشيخ الامام العلامة المحقق المدقق الفهامة كان محقق وقته في العلوم النقلية والعقلية ولد في سنة احدى وأربعين ومائة وألف وطلب العلم فقرأ على جماعة منهم الشيخ إبراهيم الفتال والشيخ محمود الكردي نزيل دمشق والشيخ مصطفى ابن سوار شيخ المحيا وإبراهيم الكوراني ومحمد البطنيني والشيخ محمد البلباني الصالحي والشيخ منصور الفرضي المحلي والشيخ يحيى الشاوي المغربي وكان بدمشق ممن اشتهر فضله وعلمه ودرس بالجامع الأموي وبالمدرسة العادلية الكبرى وانتفع به جماعة من العلماء والأفاضل ولما ولي دمشق الوزير الفاضل أحمد باشا كوبريلي عرف مقامه ولم يعجبه غيره ونفي من دمشق هو والمولى السيد عبد الكريم ابن حمزة ونقيب السادة الأشراف بدمشق إذ ذاك ومكثا بقبرس مدة إلى حين سفر والي دمشق إلى بلاد النصارى وكان مفتي الحنفية بدمشق يومئذ المولى علي العمادي والخطيب الشيخ إسمعيل الحائك والقاضي المولى سليمان الرومي وترجم المترجم خاتمة البلغاء السيد محمد أمين المحبي في نفحته وقال في وصفه فتي الفضل وكهله وشيخه الذي يقال فيه هذا أهله اطلع الله في جبينه غرة السناء فثنى إليه من البصائر أعنة الثناء مأمون المغيب والمحضر ميمون النقيبة والمنظر فهو كالشمس في حالتيها يبدو نورها فينفع ظهورها وتحتجب أرجاؤها فيتوقع ارتجاؤها فعلى كل حال هو إنسان كل إحسان وكل عضو في مدحه لسان به الفتوة يسهل صعبها ويلتئم شعبها وهو في صدق وفائه ليس أحد من أكفائه وقد اتحدت به منذ عرفت الاتحاد فما رأيته مال عن طريق المودة ولاحاد وله على مشيخة أنا من بحرها اغترف وبألطافها الدائمة اعترف وكثيرا ما أرد ورده واقتطف ريحانه وورده فانتشق رائحة الجنان وأتعشق راحة الجنان بمحاضرة تهز المعاطف اهتزاز الغصون ورونق لفظ لم يدع قيمة للدر المصون إذا شاهدته العيون تقر وإذا ذوكرت به نوب الأيام تفر في زمن انغمضت من أعلامه تلك العقود ولم يبق فيه إلا هو آخر العنقود فإن شئت قل جعله الله خلفا عن سلف وإن أردت قل أبقاه الله عوضا عن تلف فمما أخذته عنه من شعره الذي قاله في عنفوانه وجاء به كسقيط الطل على ورد الرياض واقحوانه انتهى مقاله فمن شعره قوله
بأبي من مهجتي جرحا ... وإليه الشوق ما برحا

(1/483)


دابه حربي وسفك دمى ... ليته بالسلم لو سمحا
غصن بان مثمر قمرا ... يتهادى قده مرحا
من تثنى غصن قامته ... عندليب الوجد قد صدحا
أي حين دار ناظره ... ما سقى عقلا فمنه صحا
إن رآني باكيا حزنا ... ظل عجبا ضاحكا فرحا
إن يكن حزني يسر به ... فأنا أهوى به البرحا
وعذولي جاء ينصحني ... قلت يا من لامني ولحا
ضل عقلي والفؤاد معا ... ليس لي وعى لمن نصحا
جد وجدي عادم جلدي ... غاض صبري والهوى طفحا
لم يزل طرفي يشح دما ... إذ به طير الكرى ذبحا
هذا معنى متداول منه قول الشهاب
ولو لم يكن ذابحا للكرى ... لما سال من مقلتي النجيع
ومنها
آه وأشوقاه مت أسى ... هل دنو للذي نزحا
إن شدت ورقاء في فنن ... شدوها زند الهو قدحا
وإذا ما شام طرف الشا ... م طرفي للدما سفحا
يا سقي وادي دمشق حيا ... طاب مغتبقا ومصطبحا
وكتب إليه الأمين المحبي المذكور من مصر حين كان بها سيدي الذي له دعائي وثنائي وإلى نحوه انعطافي وانثنائي لأعدمت الآمال توجهها إليه وكما أتم الله النعمة به فأتمها عليه أنهى إليه دعاء يتباهى به يراع ومهرق وثناء يجعل طيبه فوف سالف ومفرق متمسكا من الود بحبل وثيق ومن العهد ما يستعطر به النشر الفتيق ومتذكرا عيشا استجليت سناه واستحليت ثناه وإني أتلهب على طول نواه وحر جواه وقد وسمت باقبالك أيامي الغفل وفتحت بمذاكرتك عن خزانة قلبي القفل إلى أن صرف الدهر بحدثانه وحكم على ما هو شأنه بعد وإنه وأعاد العين أثرا والخير خيرا واللقا توهما والمناسمة توسما فتذكري لأيامك التي لم أنس عهدها تركتني لا أنتفع بأيام الناس بعدها وإني لا أرتاح إلا بذكر فضائلك ولا أستأنس إلا بكرم شمائلك أمزج بها الضحايا فتبتسم وأستدعي بها صبا القبول فتتنسم
ولولا اشتعال النار في جذوة الغضا ... لما كان يدري المرء ما نفحة الند
وأما الأشواق فإن القلب مستقرها ومستودعها ومحلها ومجتمعها وهو عند مولاي فليسأل به خبيرا وأما الأثنية فإنها على السنة الركبان فينشر بها حبيرا وإلى مثلك يتقرب بإخلاص الوداد ومن فضلك يجتني ثمرة حسن الاعتقاد فسلامي على هاتيك الشمائل سلام الندى على ورق الخمائل وتحيتي لتلك الحضرة تحية النسيم للماء والخضرة وأما دمشق فشوقي إليها شوق البلبل إلى الورد وامرئ القيس إلى الأبلق الفرد وأنا مهد تسليماتي إلى كل يابس من دوحها وأخضر ومتبرج من ثمراتها في قباء رواء أنضر واشتاق عهدها والعمر ربيع نضر والروض جر عليه ذيله الخضر
وما أنس أيامها والصبا ... أرن يجر ذيول الجدل
ومس رقيق رداء النسيم ... على عاتق الروض بعض البلل
إذ الدهر ميت النوى واللحا ... ظ عناه واحدته تعتقل
وذنبي فيه أمير الذنوب ... ودولته فوق تلك الدول
وأرجع فأقول
إن حبي دمشق إن عد ذنبا ... فذنوبي أجل من طاعاتي
مدحي لها لا ينقطع إلا أن تنقطع المدائح وأثنيتي عليها لا تمل ولو ملت التغريد الحمائم الصوادح وأنا مؤمل أوبة تسر فيتمتع الناظر بتلك الوجوه الغر والمناظر الزهر وأنشد بلسان المقال إذا استقامت الحال
إن ذنوب الدهر مغفورة ... إن كان لقياك لها عذرا
وكانت وفاة صاحب الترجمة في يوم الأحد حادي عشر شوال سنة خمس عشرة ومائة وألف ودفن قرب اويس رضي الله عنه في التربة المقابلة للصابونية رحمه الله تعالى.
عثمان بن ميرو

(1/484)


عثمان بن يحيى بن عبد الوهاب بن الحاج ميرو الشافعي الكامل ولد بمكة وأمه أم ولد كرجية مولده قبل الثمانين وبعد وفاة والده بمكة نقله عمه حسين لحلب مع إخوته وهم أبو بكر لأبويه ومحمد وعمر لأبيه وسافر المترجم إلى جهان أباد من الهند واستقام بها مدة ثم عاد لحلب وتزوج بابنة عمه عائشة بنت مصطفى الميرو ومولدها مدينة اسلامبول وكان أتى بها لحلب بعد وفاة والدها عمها باحسين أيضا وولدت بنتا وتزوجت وماتت في حياة أبويها ثم تسري بجارية وانقطع في داره منعكفا بريد معتكفا على تلاوة القرآن والتقوى والصلاح وحضور المسجد وكتب بخطه الكثير من الكتب وكانت وفاته سنة خمس وأربعين ومائة وألف ودفن بالتربة الأمينية بحلب.
عثمان الخطيب الموصلي
عثمان الخطيب الموصلي الشيخ الصوفي الزاهد العالم الرباني الأوحد الشاعر البارع لم يسمع له في عصره بمناظر له في الفضل والبلاغة حج في سنة سبع وأربعين ومائة وألف مع الشيخ عبد الله المدرس واجتمع بالأستاذ الشيخ عبد الغني النابلسي وكتب ديوانه وترجمه صاحب الروض فقال فارس ميدان رهان الأذهان العابث بأنواع المعاني والبيان ديمة الفضل والحكم لسان السيف والقلم نتيجة الأعصار وشهاب جميع الأمصار سراج الزوايا ونفائس الخبايا الزند القادح والنسيم الطيب البارح صاحب الأنفاس القدسية والملكات الأنسية فاتح أبواب اللاهوت معمر آثار ربع الناسوت جمع الجمع ونفس البصر والسمع انتهى ومما يدلك على فضله الباهر قوله في مدح النبي المكرم زكريا صلى الله على نبينا وعليه وسلم قوله البارح كأنه طيبه بلفظ الطيب انتهى
سر بنا صاح راشدا مهديا ... ونهيا وناد بالركب هيا
ثق بوعد الآله فهو كريم ... إنه كان وعده مأتيا
واستعن بالقوى في كل أمر ... إنه كان بالضعيف حفيا
وتقدس عن السوي وتطهر ... واذكر الله بكرة وعشيا
خفف السير يا خليلي وانزل ... في مقام الخليل وامكث مليا
وتيمم مقدس الترب واشرب ... من زلال الفرات عذبا رويا
وإذا ما حللت في حلة الشهبا ... ء فاقصد هناك بدرا بهيا
قف وسلم وحيه فهو حي ... وإذا حل طيفه الحي حيا
قبل الأرض عنده واتل جهرا ... ذكر مولاك عبده زكريا
وترج الندى فأنت لدى من ... لم يكن بالدعاء قط شقيا
خاف من بعده ضلال الموالي ... فدعا ربه دعاء خفيا
وهن العظم وامتلأ الرأس شيبا ... يا آلهي فمنك هب لي وليا
يرث العلم والنبوة مني ... ولدي ربه يكون رضيا
فاستجاب الدعا وبشره من ... لم يزل محسنا جوادا غنيا
بغلام كبدر تم ولم يج ... عل بديع السما ليحيى سميا
قال من أين لي يكون غلام ... ومن الكبر قد بلغت عتيا
قال ذو الكبريا كذلك لكن ... قال مولاك هين ذاك عليا
إنني قدر على كل شيء ... لم أجد قبله بخلقك عيا
وله الحمد حيث جاء بمن قد ... أوتي الحكم والرشاد صبيا
حبذا الفرد في المحاسن يحيى ... حبذا الوالد الكريم المحيا
يا حماة الحمى غريب وقد فا ... رق أحبابه فعاد شجيا
وكئيب فقابلوه ببشر ... وبمعروف اجعلوه سريا
واحفظوا سادتي نزيل كرام ... والحظوا يا أحبتي الموصليا
وصلاة الآله تغشي دواما ... سيد الرسل أحمد العربيا
وعلى السادة النبيين طرا ... سيما البدر سيدي زكريا
وله أيضا
إن قلبي من الهوى يا خليلي ... لكليم وأنت خير طبيب
وخطيب الوصال فيك كئيب ... فتعطف على الخطيب الكئيب
وله أيضا
حين أشكو اليك قرحة قلبي ... لا تلمني على طويل الحديث
يا حبيبي وأنت خير خبير ... ما قديم الغرام مثل حديث
وله

(1/485)


الله يعلم أنني ... بك مغرم يا فاتني
لو كنت تعرف حالتي ... ما كان وصلك فاتني
وله
أخفيت حبك في الحشا ... حتى فشا في ظاهري
ما آن أن تدع الجفا ... أو ما كفى يا هاجري
وله غير ذلك وكانت وفاته في حدود سنة أربع وأربعين ومائة وألف عن ثمان وخمسين سنة.
عثمان بن حمودة
عثمان بن حمودة الرحبي ثم الدمشقي الشافعي امام السادة الشافعية بمحراب المقصورة الشيخ الفقيه الصالح العالم الكامل ترجمه الشمس محمد بن عبد الرحمن الغزي في ثبتة المسمى بلطائف المنة فقال طلب العلم على كبر واشتغل على جماعة منهم الشيخ حسن المنير وبالحديث والقراآت على شيخنا الشيخ محمد أبي المواهب وفي المعقولات على الشيخ إبراهيم الفتال وغيره وبرع في الفقه ودرس بالجامع الأموي فأقرأ شرح الغاية للشربيني والمنهاج للنووي وشرح المنهج لشيخ الاسلام وحضرت عنده في قراءة شرح المنهاج من باب زكاة المعدن والركاز والتجارة إلى الجنايات وقرأت عليه شرح الغاية لأبن قاسم وشرح التحرير لشيخ الاسلام زكريا وحضرت دروسه بين العشائين في الجامع الصغير وأجاز لي رواية مروياته وكان صالحا متعبدا قانعا عفيفا انتهى ولم يزل صاحب الترجمة مكبا على الاشتغال بالعلم معتكفا على التدريس والافادة إلى أن توفي في شهر ربيع الثاني سنة عشرين ومائة وألف رحمه الله تعالى.
عمر شفائي
عمر بن حسن بن عمر الملقب بشفائي على طريقة شعراء الفرس والروم وكتابهم الحنفي السينوبي رئيس الأطبا في بلدة بروسا الطبيب الحاذق الماهر الأديب العارف كان من أفراد وقته في علم الأبدان وألف كتابا في الطب سماه الطب الجديد في ثمان مجلدات وكتابا آخر في الكحالة ورسائل لا تحصى كما أخبرني صاحبه شيخنا لمقن أبو المواهب سليمان بن محمد بن مستقيم القسطنطيني كان من أفراد الزمان وينظم الشعر بالتركية والفارسية وأطلعني على آثاره وقدم المترجم قسطنطينية مرارا ولم يزل على حالته إلى أن مات وكانت وفاته ببروسا سنة تسع وخمسين ومائة وألف ودفن بمقابلة الزاوية المولوية الكائنة في البلدة المرقومة رحمه الله تعالى.
عمر اللبقي
عمر بن حسين بن عمر الشهير باللبقي الحنفي الحلبي الفاضل الأديب كان ذكيا له بد ومعرفة بفنون الأدب حسن الأخلاق سهل المعاشرة لطيف الخلال ولد في سنة ست عشرة ومائة وألف وقرأ على عبد الوهاب العداس وعبد السلام الحريري ومحمد بن إبراهيم الطرابلسي نزيل حلب ومفتيها وسافر إلى اسلامبول ثم عاد إلى حلب وتولى نيابة القضا في محاكمها الأربع وارتحل إلى طرابلس الشام والي الموصل مع حاكمها الوزير أحمد ثم قدم حلب ومكث بها ثم ارتحل للقدس ثانيا في زمن قاضيها المولى أحمد بن بن الشيخ طه وأخذ الحديث عن الشيخ محمد التافلاتي وفي مروره مع القاضي المذكور على دمشق نزلا في في دارنا واستقاما مدة عندنا وكان بين والدي وبين القاضي المذكور مودة ومحبة وكان والد المترجم من التجار المشاهير بحلب والرؤساء أرباب الشهرة والشأن وولده صاحب الترجمة اشتهر بالأدب والكمالات وكانت تجري بين أدباء عصره ومصره وبينه المحاورات والمطارحات وفي آخر أمره ترك تعاطي أمور الأحكام ولازم ما لا يدمنه وله شعر مقبول رأيت أكثره فمن ذلك قوله لما أصاب حلب من الزلزال ما أصاب
سنا نور سر الذات أشرق في الحشا ... فزال بذاك النور عن طرفي الغشا
وشاهدت إن لا شيء دون وصالها ... وأيقنت فضل الله يؤتيه من يشا
ونزهت طرفي في رياض جمالها ... فعاد بريا نشرها القلب منعشا
فحيا شذاها ميت قلبي وحبها ... تملك أحشائي وفي اللب عرشا
ومذ علمت إني أسير بحبها ... فجادت بما أبغيه منها وما أشا
وبت بنادي القرب أرشف ثغرها ... فأصبحت نشوانا وسري قد فشا
وذاع لدى العشاق أمري وإنني ... خلعت عذاري واسترحت من الوشا
وبادرت نحو ألحان من فرط شوقها ... أنادي أيا خمار كن لي منعشا
فجاء بها عذراء بكرا قديمة ... وقال لي افضض ختمها كيفما تشا

(1/486)


تعاطيتها صرفا ومزجا مشاهدا ... بها كشف أسرار لعقلي أدهشا
عرفت فلما أن أفقت سمعت من ... فؤادي مناد عج من داخل الحشا
أيا مفزع الجاني وأكرم شافع ... وأعظم مبعوث وأشرف من مشا
اليك أتينا والتجأنا فنجنا ... من الخطب والأهوال فالرعب قد غشا
فأمن بحق الحق قلبي لأنه ... من الخسف والزلزال قد خاف واختشى
عليه وأسبل ذيل أمنك وأكفه ... بجاهك عند الله في الصبح والعشا
وله وقد أخذ المعنى ... من شعر فارسي وعربه
في المرء إن لم يكن شيء يميزه ... عن جنسه بذكاء الفهم والأدب
كما إذا لم تكن في العود رائحة ... لكان لا فرق بين العود والحطب
وله مضمنا
وما كل ذي رأي مصيب برأيه ... ولا كل راء في الحقيقة باصر
لعمري ما الأبصار تنفع أهلها ... إذا لم يكن للمبصرين بصائر
وله
وشادن قلت له ... دعني أقبل شفتك
فقال لي كم مرة ... قبلتها ما شفتك
وله مخمسا أبيات الامام الشافعي رضي الله عنه
مذ مقلتي كشفت لها أستاره ... وتلألأت بجوانحي أنواره
طرفي بكى فحكى الحيا مدراره ... قالوا أتبكي من بقلبك داره
جهل العواذل داره بجميعي
فأنا المقيم بخانه وبديره ... تملا أجول بفضله وبخيره
وأقول للاحي المجد بسيره ... لم أبكه لكن لرؤية غيره
طهرت أجفاني بفيض دموعي
وله مشطرا
والطل في سلك الغصون كلؤلؤ ... قد شنفوا فيه الحسان وقرطوا
فتراه كلل كل غصن يانع ... رطب يصافحه النسيم فيسقط
والورق تقرأ والغدير صحائف ... والروض يستملي الحديث ويضبط
والظل قد مد المداد يراعه ... والريح يرقم والغمام ينقط
وله في كتاب الشفاء الشريف
دع الدواء وداوي بالشفاء إذا ... أعيى العليل عضال الداء من ألم
فإنه برء ك المعضلات بلا ... شك وفيه زوال البؤس والسقم
وله في النعل الشريف
لنعل خير البرايا ... على الرؤس ارتفاع
بحمله الرأس يبرا ... إن اعتراه الصداع
وله مشطرا
إذا كانت الأعراب تخفر ذمة ... وتحمي أناسا مال عنها نصيرها
وتسمح عن ذنب ولو أوجب القلا ... وتصفح غمن أمها يستجيرها
فكيف ومن في كفه سبح الحصا ... شفيع ذوي الآثام وهو بشيرها
فحاشى عريض الجاه في موقف الجزا ... يخيب بني الآمال وهو غفيرها
وله مشطرا أيضا
اشرب على نغمة الدولاب كأس طلا ... تمحو الذنوب بهذا جاءنا الخبر
فرضا غدا شربها يا صاح حين بدا ... يسعى بها شادن في طرفه حور
وامدح فديتك ما بالراح من ملح ... فبعض حكمتها الأشخاص والصور
بادر إلى حانها واشرب بلا جزع ... وما عليك إذا لم تفهم البقر
وله مشطرا
ولي عصا من جريد النخل أحملها ... براحتي وهي عون لي على هرمي
وراحتي هي في سيري ومعتمدي ... بها أقدم في نقل الخطا قدمي
ولي مأرب أخرى أن أهش بها ... على جيوش هموم قصرت هممي
ومقصدي الهش في القول الأصح بها ... على ثمانين عاما لا على غنمي
وله
يا من علا متن البراق ... ورقى وأتحف بالتلاق
قد صح سار بجسمه ... وسما إلى السبع الطباق
سهل أمور معاشنا ... فالصبر مر في المذاق
وأجبر كسير قلوبنا ... فضلا فقد ضاق الخناق
ثم الصلاة على الذي ... لما أتانا الوقت راق
ومحا بنور جماله ... ظلم الضلالة والشقاق
وله مشطرا
قدر الله أن أكون غريبا ... بين قوم أغدو مضاعا لديها

(1/487)


ورمتني الأقدار بعد دمشق ... في بلاد أساق كرها إليها
وبقلبي مخدرات معان ... حين تبدو وتختال عجبا وتيها
صرت إن رمت كشفها فأراها ... نزلت آية الحجاب عليها
وله في حلب
شهبا العواصم لا تخفى محاسنها ... فالله يكلؤها من كل ذي عوج
يمم حمى حلب تلقي السرور على ... جبين أبنائها النير البهج
فعج ولج وتأمل بلدة شملت ... باب الجنان وباب النصر والفرج
وللفاضل الرئيس يوسف بن حسين الحسيني الدمشقي نقيب الأشراف بحلب ومفتيها ما يقرب من ذلك وهو قوله
قل لمن رام النوى عن بلدة ... ضاق فيها ذرعه من حرج
علل القلب بسكنى حلب ... إن في الشهباء باب الفرج
وللمترجم مخمسا
زاد في الصد للشجي المعنى ... وأذاب الفؤاد ظلما وأضنى
قلت مذ ماس معجبا يتثنى ... أيها المعرض الذي صد عنا
بجفا لا يرى له أسباب
أضبح القلب من جفاك كليما ... وصبورا متيما مستقيما
عاتبا سوء حظه وعليما ... رح معافى من العتاب سليما
فعلى الحظ لا عليك العتاب
وله غير ذلك وكانت وفاته بحلب في ربيع الأول سنة تسع وثمانين ومائة وألف رحمه الله تعالى.
عمر بن دلاور
عمر بن دلاور الحنفي القسطنطيني رئيس الكتاب في الديوان السلطاني العثماني وأحد الرؤساء بين أرباب الأقلام والكمالات ولد بقسطنطينية وأخذ الخط عن الأستاذ عبد الله يدي قلي المشهور يدي قله لي وأتقن صناعته ومهر بأنواعه واشتهر بحسن الخط ولازم مجالس الكتاب وكتب المناشير السلطانية ومهر بالأدب والأنشاء وصار أحد رؤساء الكتاب في الدولة المعروفين بالخوجكان وولي بعض المناصب كالروزنامة الصغير وغيرها وترقى حتى صار رئيس الكتاب واشتهر بين أقرانه وكان حسن الخصال منشيا أديبا معتبرا موقرا ومن آثاره تذييل كتاب حديقة الوزراء للأديب أحمد حديقة الوزراء لأحمد تائب وذيلها للمترجم وذيل الذيل لسعيد ثم لأحمد جاويد ثم لرفعت وكانت وفاته في ذي القعدة سنة اثنين وسبعين ومائة وألف ودفن خارج طوب قبي قبو أحد أبواب قسطنطينية.
عمر بن شاهين

(1/488)


عمر بن شاهين الحنفي الحلبي الفاضل المتقن الضابط المقري كان والده جنديا ولد بحلب سنة سبع ومائة وألف بعد وفاة والده بخمسة أشهر وهو شريف لأمه قرأ القرآن العظيم ولما بلغ من السن عشر سنين قرأ على المقري الشهير عامر المصري نزيل المدرسة الحلاوية من أول القرآن العظيم إلى آخر سورة إبراهيم عليه السلام ثم توفي الشيخ المذكور فقرأ على عمر المصري شيخ القراء ختما كاملا بالتحقيق والتجويد ثم شرع في حفظ القرآن العظيم على الشيخ المذكور في تلك السنة فحفظه في مدة قليلة والتزم الشيخ المذكور فصار يصحبه مرارا ويتدارس معه ويعلمه كيفية القراءة بالألحان مع مراعاة التجويد ثم قرأ الأجرومية وحصة من شرح القطر على الامام عبد الرحمن ابن محمد العاري ثم قرأ على عبد اللطيف بن عبد القادر الزوائدي وقرأ الفقه على الفاضل المعمر قاسم النجار وحضر دروس محمود بن عبد الله الأنطاكي في التفسير من أول سورة الأنفال إلى آخر سورة الفرقان ولم يفته شيء وسمع على المذكور غالب الجامع الصحيح بالمدرسة المذكورة وكتب بخطه شرح السفيري على بعض أحاديث من الصحيح وقرأه على المتقن حسن الطباخ وقرأ السيرة الحلبية على أحمد الشراباتي وكتب بخطه الهدى للعالم أبي الوفا العرضي وطالعه مع الشيخ العارف محمد صلاح وقرأ الكثير وفي سنة ست وأربعين بعد المائة كتب حرز الأماني وعرضها بعد حفظها على الماهر المقري محمد بن مصطفى البصيري وقرأ عليه القرآن العظيم من طريقها جمعا وافرادا لكل راو ختمة في مدة ستة أشهر وأجازه الشيخ المذكور بالقراءة والاقراء وشهد له بالأهلية ثم في سنة ثمان وأربعين وجهت له وظيفة امامة الصلوات الجهرية بجامع الوزير عثمان الكائن بحلب المشهور بالرضائية فباشرها مع بعد داره عن الجامع المذكور وطلب منه محمود الأنطاكي المدرس المذكور أن يقرأ القرآن العظيم في صلوات الصبح على التأليف الشريف ليسمع العوام الذين لا يقرأون القرآن جميع القرآن العظيم وأن يكون كل ختم لراو من رواة الأئمة السبعة وقال كذا سمعت الأئمة في الحرمين الشريفين يقرأون في الصلوات وفيه نفع وفائدة فشرع صاحب الترجمة يقرأ في صلاة الصبح كما طلب المدرس المذكور فكان يقرأ في كل سنة ختمين ونصف ختمة أو أقل من ذلك ويهرع بضم الياء إليه الناس في صلاة الصبح من محلات بعيدة من الجامع لحسن صوته وقراءته وطيب ألحانه مع مراعاة الأحكام وأتقن كثير من المصلين قراءتهم من السماع وصار لذلك نفع عظيم وأقتدي بذلك جماعة من أئمة الجوامع فصاروا يقرؤن القرآن العظيم في صلاة الصبح على التأليف الشريف ثم إنه بعد صلاة الصبح يجلس في حجرته يقري القرآن العظيم لمن يريد القراءة ولا يرد أحدا سواء كان من أهل البلدة أو من الغرباء ويحصل له المشقة العظيمة في تعليمه الأتراك وتعديل ألسنتهم في مخارج الحروف والنطق بها ويزدحمون على الأخذ عنه لأنه يقرر لهم باللغة التركية ما يفهمونه فلذلك كثر الآخذون عنه من الأتراك وغيرهم فلا تخلو بلدة من بلاد الروم من تلميذ له أو تلميذين أو ثلاثة وفي سنة احدى وستين وجه له الوزير إسمعيل كافل حلب خطابة جامعه الذي أنشأه بمحلة ساحة بزه بعشرين عثمانيا ثم انحطت بعد موت الوزير المشار إليه إلى ثمانية عثامنة واستمر صاحب الترجمة يباشر امامة جامع الرضائية على الوجه المشروح إلى سنة خمس وسبعين فاعتراه الضعف الطبيعي والعجز عن المجئ إلى الجامع فوكل وكيلا وانقطع في بيته يتلو كتاب الله تعالى ويقري من شاء أن يقرأ لا يغلق دون مستفيد بابا ولا يخرج إلا لي الصلاة في المسجد المجاور لبيته بمحلة قسطل الأكراد وقد امتدحه تلميذه الأديب أحمد الوراق الحلبي بقوله
دع عنك ذكر مهلب والطائي ... وأنزل بساحة مصقع الخطباء
ذي الفضل والجود اللذين عليهما ... دارت رحى المعروف والأسداء
من لم يزل يندي سحاب نواله ... يروى الظماة فما روا الوطفاء
والجهبذ الفرد الذي بعلومه ... ساد الرواة بسائر الأرجاء
وأمام من يتلو القرآن مرتلا ... بفصيح نطق عز من تلاء
فكأن جل الله باري خلقه ... سواه من لطف الهوى والماء

(1/489)


وحباه كل مزية يختارها ... وأقامه علما على الأهداء
حتى غدا وكأنه علم به ... نار أضاءت في دجى الظلماء
لا بل هو الشمس التي بضيائها ... ملأت فيا في حلقة الغبراء
أفديك يا من فيه أحجمت القرا ... ئح أن تخيل بعض وصف ثناء
ومكملا يستعبد الأحرار بال ... انعام والاعطاء والاسداء
فأنا هو العبد الذي ما رق يو ... ما للعتاق ولا انتمى لسواء
فأسلم ودم لي ما نحى ما ارتجى ... وابق المرجي في بني الشهباء
وكانت وفاة المترجم بحلب سنة ثلاث وثمانين ومائة وألف.
عمر الطرابلسي
عمر بن عبد الحي الحنفي الطرابلسي نزيل قسطنطينية كان ذا فهم ثاقب ورأى صائب كثير الفنون حتى في المجون والمداعبة تفقه في بلدته طرابلس الشام على كبار علمائها وذهب إلى الديار الرومية فأدرك المراد والأمنية وسلك طريق الموالي بها وكان فاضلا له شرح على الأربعين النووية سماه الدرر السنية له فيه عبارات رقيقة ولطائف اشارات دقيقة ثم إنه توجه لوطنه متقلدا قضاء بلدته طرابلس ثم إنه بعد تمام حكومته وافق عزله موته وكانت وفاته في سنة سبع وأربعين ومائة وألف رحمه الله تعالى.
عمر البغدادي

(1/490)


عمر بن عبد الجليل بن محمد جميل بن درويش بن عبد المحسن الحنفي البغدادي القادري نزيل دمشق العالم العلامة الفهامة المتفوق الفاضل العارف الصوفي الكامل الصالح المؤلف المحرر المحشي الفقيه المفسر كان حسن الأخلاق طيب السلوك عارفا مجيدا حسن التقرير والافادة محققا مدققا صافي المشرب معتقدا عند الخاص والعام حسن الملقى له احترام بين الناس وتبجيل ولد في بغداد سنة خمس وخمسين ومائة وألف ونشأ في كنف والده وقرأ عليه وكان والده صالحا تقيا متعبدا فقيها مشهورا بين أبناء بلدته بالصلاح والعبادة ثم قرأ على الشيخ محمد بن طه البغدادي وعلى الشيخ عبد الرحمن السراجي الحنفي والشيخ محمد الكردي والشيخ محمد الحنفي البغدادي ابن العشي وعلى العالم الشيخ حيدر الكردي ثم البغدادي وعلى والده العلامة الكبير الشيخ صبغة الله الكردي الشافعي وعلى تلميذه الشيخ أحمد كاتب والي بغداد وكان من العلماء وبرع وظهرت شمس فضله بازغة منيرة وحقق ودقق وتسنم ذرى الفضائل وأحرز قصب السبق في مضمارها ومهر واجتاز من العلوم ما اجتاز وحاز من المعارف ما حاز وأينع روضه وراق حوضه وسطع هلاله وظهر فضله وكماله فألوى لدمشق العنان وطوى مشقة الأسفار وألقى بها عصا التسيار واستوطنها وتزوج بها ابن الشيخ حسن البغدادي المقدم ذكره سكن في داره ومكانه الكائن لصيق مقام سيدي زين العابدين رضي الله عنه داخل مشهد المحيا بالجامع واستقام على الافادة والاقراء والتحرير وايضاح المشكلات وحل العبارات وألف وصنف فمن تآليفه شرح القدوري بالفقه وحاشية على المغنى في النحو وحاشية شرح النونية في علم الكلام للخيالي وشرح الصلوات المحمدية للشيخ الأكبر محيي الدين العربي قدس سره وقبل وفاته ألف حاشية على حاشية العلامة علي بن سلطان محمد القاري المكي المسماة بالجمالين على الجلالين وسماها بالكمالين وصل فيها إلى قوله تعالى في أوائل سورة آل عمران يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم فجاءت في نحو ثلاثين كراسة فتوفي ولم يكملها ومن تآليفه حاشية على رسالة وحدة الوجود ورسالة في الأعلام بالتكبير ورسالة في الأضحية ورسالة في معنى لا إله إلا الله وحاشية في الاستعارات جعلها محاكمات بين العصام والملوى ورسالة صغيرة في توحيد الأفعال وبيان معنى الكسب ورسالة في مسئلتين لغويتين وقعتا في القاموس الأولى في قولهم السرور توقيع جائز والثانية في بيان العشر في ظمأ الابل هو اليوم التاسع أو الثامن انظر الأوقيانوس وغير ذلك من حواش وتعليقات على هوامش الكتب تتضمن حل اشكالات ودقائق عويصات وكان له شعر قليل متوسط وأما تآليفه فجرى فيها مجرى التحقيق والتدقيق وانتفع به الطلبة وكان له جماعة ملازمون لدروسه ولا تبطل القراءة عنده في جميع أيام الأسبوع فيقرئ الدروس في سائر الفنون من العلوم خاصة وعامة حديثا وتفسيرا وكلاما وفقها ونحوا وتصوفا وأدبا ومعاني وبيان وغير ذلك ومع هذا كانت له يد طولى في علم الحقيقة حتى إنه كان يقرئ الفتوحات المكية وشراح فصوص الحكم وغير ذلك من كتب الحقيقة وكان يقيم الذكر ليلة الثلاثاء وليلة الجمعة وكان يحصل له في حال الذكر وجد وهيمان وكان له ولوع في الذكر وشغف وفي آخر أمره حصل له اقبال تام من الوزراء والقضاة والحكام وسائر الخاص والعام واشتهر صيته في البلاد وأقبلت عليه الناس وحصل له اجلال وتوقير زائد خصوصا من الوفاد وفاد كرمان جمع وافد لدمشق واعتقدته لعالم وحج إلى بيت الله الحرام مرتين وملك كتبا نفيسة وكانت تجله أهالي دمشق وغيرها ويعتقدونه ويتبركون به ومع هذا فلم يتول وظيفة ولا العثماني نعم الرجل الفرد وصار له اشتهار عظيم فاق به وسما شأنه مع انطراح منه واستقامة وفضل باهر ولم يزل على حالته واستقامته إلى أن مات وذوي ذوي كرمى غصن عمره قبل نموه وافل بدره قبل اكتماله وكان مرضه ثمانية عشر يوما وكانت وفاته ليلة الخميس عند طلوع الفجر لعشرين من شوال سنة أربع وتسعين ومائة وألف ودفن يوم الخميس في الصالحية بمقبرة بني الزكي الكائنة لصيق مرقد سيدي الشيخ الأكبر محيي الدين العربي قدس سره بوصية منه وأوصى أيضا أن لا يعلم له في المنائر وأن يقال عند الصلاة عليه الصلاة على العبد الحقير المفتقر إلى رحمة مولاه فلان من غير أن ينوه به ففعل كما أوصى عند الصلاة

(1/491)


عليه بالجامع الأموي ورثى بقصائد وتواريخ من ذلك قصيدة تلميذه الفاضل الألمعي السيد عبد الحليم بن أحمد اللوجي ومطلعها بالجامع الأموي ورثى بقصائد وتواريخ من ذلك قصيدة تلميذه الفاضل الألمعي السيد عبد الحليم بن أحمد اللوجي ومطلعها
ما خلت إن عقود الشمل تنتثر ... وإن صدع فؤادي ليس ينجبر
وأفيض دمعاه وأحزناه وا أسفا ... طالت شجون وعز اليوم مصطبر
يا كوكبا أفلت أنوار طلعته ... فأظلمت بعدها الآصال والبكر
قد كان وقتك مجلى للسرور كما ... قد كنت مورد صفو ما به كدر
جاشت لفقدك أحزاني وثورتها ... واعتادني المقمان الفكر والسهر
كحلت بالسهد عينا كان أثمدها ... مرآك إذ كان يجلي وجهك النضر
ونالني خطبك المردى بداهية ... دهياء يعجز عن أعبائها البشر
فالعين بعدك عبري والفؤاد شج ... والنفس حسرى ونار الوجد تستعر
أزمعت للقدس ترحالا فكان إلى ... حظيرة القدس حقا ذلك السفر
يشير بهذا البيت إلى أن الشيخ المترجم كان قبل وفاته عازما على زيارة بيت المقدس فعاقته المنية عن نيل هذه الأمنية فلذلك ذكر الراثي ذلك ثم قال
لئن غدوت عن الأبصار مرتحلا ... فإن مأواك مني القلب والفكر
8 - آسى عليك على علمي بأنك في ... دار الكرامة لا بأس ولا ضرر
لكنما جذبات الطبع تغلبني ... على الأسى فيكاد القلب ينفطر
يا روضة أينعت بالفضل ثم ذوت ... أفنانها قبل أن يستكمل الثمر
لم يبلغ السن منك الأربعين وقد ... سارت علومك في الأقطار تنتشر
مصنفات وتحقيقات أسئلة ... من العلوم لها الألباب تنبهر
كم قد كشفت قناعا عن غوامض في ... فهم النحارير عن إدراكها قصر
هذي مآثرك الحسنى مخلدة ... والعين إن فقدت لا يفقد الأثر
منها
أبكيك ما طلعت شمس وما غربت ... وأسود جنح ظلام وانجلى سحر
أبكيك ما نحبتك الصحف حين جرى ... في وجنة الطرس دمع النقس ينحدر
أبكيك ما صرت الأقلام شاكية ... إلام فقدك والمقدور مستطر
أقمت مأتم أحزاني وسرت إلى ... أفراح دار نعيم ليس يندثر
وجئت مولاك مشتاقا إليه ويا ... طوبى لمن سره من ريه النظر
فأهنأ بعيشك في أكناف ربك لا ... خوف عليك لديه لا ولا حذر
سقتك من صيب الرضوان وأدقة ... ينهل شؤبوبها والعفو ينهمر
ما قال داعي الرضى فيما يؤرخه ... دار النعيم لعمري قد حوى عمر
عمر الأرمنازي

(1/492)


عمر بن عبد القادر الشافعي الأرمنازي الأصل الحلبي المولد المقري الفرضي العالم العامل الفاضل الكامل ولد بحلب في سنة خمس ومائة وألف وكان والده ورعا صالحا وخطيبا واماما بجامع قسطل الحرامي بحلب فنشأ والده المترجم وقرأ القرآن على والده وقرأ الفقه والنحو وعلم الفرائض علي جابر ابن أحمد الحوراني وعبد اللطيف بن عبد القادر الزوائدي وبرع في ذلك وقرأ علم المقيات علي مصطفى بن منصور الطبيب وأخذ الحديث عن محمد بن عقيلة المكي حين قدومه إلى حلب وأخذ العربية والصرف والمعاني والبيان والأصول على عدة شيوخ وكان رأسا في كتابة الوثائق الشرعية بحيث إن شهود المحاكم عادوه لذلك وراموا منعه مرارا فلم يقدروا إلى أن قدم الفاضل الأديب حسين بن أحمد الشهير بالوهبي غالبا بو قاضي سرور ينك ممدوحي أولان شاعر وهبينك بدري ياخود جدي اولمليدر الرومي قاضيا لحلب فوصل إليه وثيقة ابراء بين ذميين بكتابة المترجم فلما رآها القاضي قال ما أبقى هذا الكتاب حيثية للمحكمة فوجد الكتاب فرصة ووشوا به إلى القاضي وقالوا إنه قد سد أبواب المحاكم وتعطل حالنا فأحضره القاضي وهدده بعد التوبيخ التام بقطع أصابعه إن كتب مرة اخرى وثيقة لأحد فحلف له على ذلك ثم قال للقاضي يا سيدي أرجو من فضلكم أن تأمروا بتحرير تاريخ هذا التنبيه علي في السجل المحفوظ ربما تقفوا على وثيقة مقدمة فيصبر معلومكم انها كتبت قبل أمركم بمنعى وإلا فتذهب أصابعي ظلما فضحك القاضي وأعجبه وأمر له بالجلوس وهش له وبش وقال له يا شيخ أنت تحرم نفسك قوجه قاضي بابا وتحرمنا المحصول فلو أخذت كثيرا كان أنفع لك ثم أسر إليه أن أضرب بكلامي الحائط وأكتب ما شئت وخذ كثيرا ولا عليك من هؤلاء الجهلة يعني الكتاب فخرج من عنده وامتنع من كتابة الوثائق ولم يغتر بكلام القاضي لأنه كان يتلون كالحرباء كاتب ذوقه بي يوتمامش ثم إن صاحب الترجمة حفظ القرآن العظيم قبل وفاته بعامين أو ثلاثة وحفظ الشاطبية على الأستاذ محمد بن مصطفى البصيري ثم شرح الشاطبية شرحا مختصر أسماه الاشارات العمرية في حل رموز الشاطبية لكن أعجلته المنية عن اتمامه وتبييضه فبعد وفاته أتمه وبيضه المتقن عمر بن شاهين امام الرضائية وهو شرح لطيف نافع للمبتدي ولأستحضار المنتهى وجرت للمترجم محنة عظيمة قبل وفاته وكانت سببا لمرضه الذي مات فيه وذلك إنه لما كان سنة سبع وأربعين بعد المائة صار بحلب غلاء وقلت الأقوات فتحركت العامة والرعاع يوما لينهبوا الخبز من الأفران فصادفوا خليل المرادي دائرا على الأفران يقبض ثمن الطحين ورأوا معه دراهم كثيرة فطمعوا في أخذها ولحقوه فساق دابته فأدركوه عند جامع قسطل الحرامي فنزل ورام الدخول للجامع المزبور ليحتمي به فمنعه المؤذن والقيم وغيرهما وكان صاحب الترجمة أمرهم بمنعه خوفا أن يقتل في الجامع وأغلقوا باب الجامع في وجهه ففر نحو البرية فأدركوه هناك وقتلوه ولم يعلم له قاتل وفي تلك الغضون قدم إلى حلب كافلا وحاكما الوزير أحمد بن برهان الشهير بالبولاد فاشتكى أولاد خليل المذكور على أهل المحلة عموما وعلى صاحب الترجمة والمؤذن والقيم خصوصا فاختفى صاحب الترجمة عند بعنس أصحابه مدة والطلب بالتفحص الشديد عليه إلى أن قضيت القضية وأخذ المذكور جريمة كثيرة يشبه هذا الأمر بواقعة الحريق بحارة الباطلية وانطفت نار الظلم بأخذ الدراهم وتفصيل الأمر في صحيفة 8 من الجزء الثاني من الخطط فشباك القدر متنوعة من أهل المحلة فظهر المترجم لكن أثر فيه الرعب بحيث إنه كان يمرض مدة ويبرأ مدة حتى دنا أجله وكانت وفاته في أوائل شعبان سنة ثمان وأربعين ومائة وألف ودفن بمقبرة جب النور رحمه الله تعالى.
عمر الجوهري

(1/493)


عمر بن علاء الدين المعروف بالجوهري الحنفي النابلسي الشيخ الفاضل الفقيه ولد في سنة خمس ومائة وألف وحفظ القرآن وجوده على عم أبيه الشيخ شمس الدين الخماش واشتغل بطلب العلم وتفقه على عمه الشيخ عبد الله الجوهري ثم لازم الشيخ عبد الله الشرابي وانتفع به وقدم دمشق وقرأ بها علي صالح بن إبراهيم الجينيني وأحمد بن علي المنيني وعلي بن أحمد كزبر وحضر دروس إسمعيل بن محمد العجلوني وأخذ عنه وروى البخاري عن محمد المكي المعروف بعقيلة قراءة عليه وسماعا منه من أوله إلى كتاب الحج وأخذ الطريقة الشاذلية عن عمه الشيخ عبد الله المذكور وجمع بين العلم والصلاح وكان كثير الأعتنا بتلاوة القرآن لا تجده غافلا عنه وكانت وفاته في شوال سنة احدى وثمانين ومائة وألف رحمه الله تعالى وإيانا.
عمر السكري
عمر بن علي الشهير بابن السكري الدمشقي الصالحي الشيخ الفاضل الفقيه المبارك كان ينظم الشعر وعنده سلامة الصدر قرأ في الفقه وطرفا من النحو والعقائد وكان فقيرا ومرض ولم ينقطع في داره غير ثلاثة أيام ومات وكانت وفاته في يوم الأثنين خامس صفر سنة تسع وعشرين ومائة وألف ودفن بسفح جبل قاسيون بصالحية دمشق رحمه الله تعالى.
عمر السمهودي
عمر بن علي السمهودي المدني الشافعي الشيخ الفاضل الأديب العالم الكامل البارع ولد بالمدينة المنورة سنة خمس وثمانين وألف ونشأ بها وأخذ عن الشيخ أبي الطاهر ابن المنلا إبراهيم الكوراني وعن أحمد أفندي المدرس وغيرهما وصار أحد الخطباء والأئمة بالمسجد النبوي وكان فاضلا أديبا له مشاركة في كثير من العلوم ذا شهامة عظيمة وعقل زائد وحرمة وافرة بليغا متقنا فصيحا وألف خطبا أنشأها بديعة في بابها وله نظم نثر وفضائل كثيرة ضربنا ضربنا عرضنا عن ذكرها خوف التطويل وكانت وفاته بالمدينة سنة سبع وخمسين ومائة وألف ودفن بالبقيع رحمه الله تعالى وإيانا.
عمر الظاهر الزيداني

(1/494)


عمر بن صالح الملقب بالظاهر الصفدي الزيداني حاكم مدينة عكا وشيخ شيوخ البلاد الصفدية صاحب المواقع الشهيرة الخارج عن طاعة الدولة العثمانية مولده بصفد سنة ست ومائة وألف ومن غريب الاتفاق إن هذا التاريخ أعنى تاريخ مولده موافق لعدد لقبه ظاهر بوضاهر طاهر اولميوب ظاهر ايمش ظاهره ضاهر ديملري ايسه مصرده ظاهرية قريه سنه ضهريه ديملري كببدركه بانيسنك ترجمه سي خططده در وكان والده وجده وأعمامه حكاما بصفد وعكا ويعرفون ببني زيدان وهم حمولة كبيرة لكن صاحب الترجمة نبغ نبغة ما سبقه إليها أحد من عشيرته واشتهر في أواخر أمره وطار صيته بالبغي والتعدي على هاتيك الديار هو وأولاده صليبي وعلى المقتولين صليبي مشكونة بصيغة التصغير والمقتولين بشكل التثنية وعثمان الشاعر وأحمد وكان الوزير الكبير سليمان باشا العظمي جهز عليه عسكرا وركب عليه بعد أن قبض على أخيه مصطفى الزيداني وشنقه بدمشق فلما وصل الوزير المرقوم إلى قرب عكا بقصد حصاره رشا عليه بعض أتباعه فأدخل عليه السم في طعامه فمات وجئ به إلى دمشق ميتا شهيدا وبلغ من تجرى صاحب الترجمة إنه أركب آخر أمره مع أبي الذهب أولاده وعساكره لأخذ دمشق من الدولة العثمانية في أمور يطول شرحها ولم يتم الأمر على مراده ورجعت صفقته خاسرة وكان قتله في سنة تسعين ومائة وألف عن يد الوزير حسن باشا القبو دان رئيس السفن السلطانية واندثرت دولتهم ولم يبق لهم أثر استطراد سنة تسع وثمانين ومائة وألف فيها عزم محمد بك أبو الذهب على السفر والتوجه إلى البلاد الشامية بقصد محاربة الظاهر عمر واستخلاص ما بيده من البلاد فبرز خيامه إلى العادلية وفرق الأموال والتراحيل على الأمرا والعساكر والمماليك واستعد لذلك استعدادا عظيما في البحر والبر وأنزل بالمراكب الذخيرة والجنجانة والمدافع والفنابر والمدفع الكبير المسمى بابومايله الذي كان سبكه في العام الماضي وسافر بجموعه وعساكره في أوائل المحرم وأخذ صحبته مراد بك وإبراهيم بك طنان وإسماعيل بك نابع إسماعيل بك الكبير لا غير وترك بمصر إبراهيم بك وجعله عوضا عنه في امارة مصر وإسماعيل بك وباقي الأمرا والباشا الذي بالقلعة تنديسه صفت وهو مصطفى باشا النابلسي وأرباب العكاكيز والخدم والوجاقلية أوجاقلي ولم يزل في سيره حتى وصل إلى جهة غزة وارتجت البلاد لعدوده ولم يقف أحد في وجهه وتحصن أهل يافا بها وكذلك الظاهر عمر تحصن بعكا فلما وصل إلى يافا حاصرها وضيق على أهلها وامتنعوا هم أيضا عليه وحاربوه من داخل وحاربهم من خارج ورمى عليهم بالمدافع والمكاحل والقنابر عدة أيام وليال فكانوا يصعدون إلى أعلا الصور ويسبون المصريين وأميرهم سبا قبيحا فلم يزالوا بالحرب عليها حتى نقبوا أصوارها وهجموا عليها من كل ناحية وملكوها عنوة ونهبوها وقبضوا على أهلها وربطوهم في الحبال والجنازير زنجيرلر وسبوا النسا والصبيان وقتلوا منهم مقتلة عظيمة ثم جمعوا الأسرى خارج البلد ودوروا فيهم السيف وقتلوهم عن آخرهم ولم يميزوا بين الشريف والنصراني واليهودي والعالم والجاهل والعامي والسوقي ولا بين الظالم والمظلوم وربما عوقب من لا جنى وبنوا من رؤس القتلى عدة صوامع وجوهها بارزة تنسف عليها الأتربة الرياح والزوابع ثم ارتحل عنها طالبا عكا فلما بلغ الظاهر عمر ما وقع بيافا اشتد خوفه وخرج من عكا هاربا وتركها وحصونها فوصل إليها محمد بك ودخلها من غير مانع وأذعنت له باقي البلاد ودخلوا تحت طاعته وخافوا سطوته وداخل محمد بك من الغرور والفرح مالا مزيد عليه وما آل به إلى الموت والهلاك وأرسل بالبشائر إلى مصر والأمر بالزينة فنودي بذلك وزينت مصر وبولاق والقاهرة وخارجها زينة عظيمة وعمل بها وقدات وشنكات دوننموشنلك ديمك ايستر وأفراح ثلاثة أيام بلياليها وذلك في أوائل ربيع الثاني فعند انقضاء ذلك ورد الخبر بموت محمد بك واستمر في كل يوم يفشو الخبر وينمو ويزيد ويتناقل ويتأكد حتى وردت السعاة بتصحيح ذلك وشاع في الناس وصاروا يتعجبون ويتلون قوله تعالى حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فأذاهم مبلسون وذلك إنه لما تم له الأمر وملك البلاد المصرية والشامية وأذعن الجميع لطاعته وقد كان أرسل إسماعيل أغا أخو علي بك الغزاوي إلى اسلامبول يطلب أمر مصر والشام وأرسل صحبته أموالا وهدايا فأجيب إلى ذلك

(1/495)


وأعطوه التقاليد والخلع واليرق والداقم لعله بيرق وطاقم وأرسل له المراسلات والبشائر بتمام الأمر فوافاه ذلك يوم دخوله عكا فامتلأ فرحا وحم بدنه في الحال فأقام محموما ثلاثة أيام ومات ليلة الرابع ثامن ربيع الثاني ووافا خبر موته إسماعيل أغا عند ما تهيأ ونزل في المراكب يريد المسير إلى مخدومه فانتقض الأمر وردت التقاليد وباقي الأشياء ولما تم له أمر يافا وعكا وباقي البلاد والثغور فرح الأمر أو الأجناد الذين بصحبته برجوعهم إلى مصر وصاروا متشوقين للرحيل والرجوع إلى الأوطان فاجتمعوا إليه في اليوم الذي نزل به ما نزل في ليلته فتبين لهم من كلامه عدم العود وإنه يريد تقليدهم المناصب والأحكام بالديار الشامية وبلاد السواحل وأمرهم بإرسال المكاتبات إلى بيوتهم وعيالهم بالبشارات بما فتح الله عليهم وما سيفتح لهم ويطمنونهم ويطلبون احتياجاتهم ولوازمهم المحتاجين إليها من مصر فعند ذلك اغتموا وعلموا أنهم لا براح لهم وإن أمله غير هذا وذهب كل إلى مخيمه يفكر في أمره قال الناقل وأقمنا على ذلك الثلاثة أيام التي مرض فيها وأكثر لا يعلم بمرضه ولا يدخل عليه إلا بعض خواصه ولا يذكرون ذلك إلا بقولهم في اليوم الثالث إنه منحرف المزاج فلما كان في صبح الليلة التي بات بها نظرنا إلى صيوانه وقد انهدم ركنه وأولاد الخزينة في حركة ثم زاد الحال وجرد وأعلى بعضهم السلاح بسبب المال وظهر أمر موته وارتبك العرضي أردو وحضر مراد بك فصدهم وكفهم عن بعضهم وجمع كبراهم وتشاوروا في أمرهم وأرضى خواطرهم خوفا من وقوع الفشل فيهم وتشتتهم في بلاد الغربة وطمع الشاميين وشماتتهم واتفق رأيهم على الرحيل وأخذوا رمة سيدهم صحبتهم لما تحقق عندهم إن هم دفنوه هناك في بعض المواضع أخرجه أهل البلاد ونبشوه وأحرقوه فغسلوه وكفنوه ولفوه في المشمعات ووضعوه في عربة وارتحلوا طالبين الديار المصرية فوصلوا في ستة عشر يوما ليلة الرابع والعشرين من شهر ربيع الثاني أواخر النهار فأرادوا دفنه بالقرافة وحضر الشيخ الصعيدي فأشار بدفنه في مدرسته تجاه الجامع الأزهر فحفروا له قبرا في الليوان الصغير الشرقي وبنوه في الليل ولما أصبح النهار عملوا له مشهدا وخرجوا بجنازته من بيته الذي بقوصون ومشى أمامه المشايخ والعلما والأمرا وجميع الأحزاب والأوراد وأولاد المكاتب وأمام نعشه مجامر العنبر والعود سترا على رايحته ونتنه حتى وصلوا به إلى مدفنه وعملوا عنده ليال وحتمات وقراآت وصدقات عدة ليال وأيام نحو أربعون يوما واستقر أتباعه أمرا مصر ورئيسهم إبراهيم بك ومراد بك وباقيهم الذين أمرهم في حياته ومات عنهم يوسف بك وأحمد بك الكلارجي ومصطفى بك الكبير وأيوب بك الكبير وذو الفقار بك ومحمد بك طوبال ورضوان بك والذين تأمروا بعده أيوب بك الدفتردار وسليمان بك الأغا وإبراهيم بك الوالي المحتسب وأيوب بك الصغير وقاسم بك الصغير وعثمان بك الشرقاوي ومراد بك الصغير وسليم بك أبو ديار ولاجين بك وسيأتي ذكر أخبارهم انتهى ما نقلناه من عجائب الآثار بحروفه وقوصون محلة بمصر كما هو مذكور في كتاب المواعظ بمناسبة اصطبل الأمير قوصون وقد سماها عباس باشا حفيد محمد علي باشا المشهور صاحب المجد الحلمية حينما بنى الدار هناك الأنيقة وعباس باشا هذا أدركه الأجل في بنها العسل ثم حمل على العجلة وأدخل نعشه ليلا إلى داره في العباسية التي كان اسمها الحصوة فغسلوه وحملوه إلى قبره بالقرافة بمجامر العود والعنبر وكانت وفاته خارج مصر مثل محمد بك أبي الذهب رحمهم الله تعالى. التقاليد والخلع واليرق والداقم لعله بيرق وطاقم وأرسل له المراسلات والبشائر بتمام الأمر فوافاه ذلك يوم دخوله عكا فامتلأ فرحا وحم بدنه في الحال فأقام محموما ثلاثة أيام ومات ليلة الرابع ثامن ربيع الثاني ووافا خبر موته إسماعيل أغا عند ما تهيأ ونزل في المراكب يريد المسير إلى مخدومه فانتقض الأمر وردت التقاليد وباقي الأشياء ولما تم له أمر يافا وعكا وباقي البلاد والثغور فرح الأمر أو الأجناد الذين بصحبته برجوعهم إلى مصر وصاروا متشوقين للرحيل والرجوع إلى الأوطان فاجتمعوا إليه في اليوم الذي نزل به ما نزل في ليلته فتبين لهم من كلامه عدم العود وإنه يريد تقليدهم المناصب والأحكام بالديار الشامية وبلاد السواحل وأمرهم بإرسال المكاتبات إلى بيوتهم وعيالهم بالبشارات بما فتح الله عليهم وما سيفتح لهم ويطمنونهم ويطلبون احتياجاتهم ولوازمهم المحتاجين إليها من مصر فعند ذلك اغتموا وعلموا أنهم لا براح لهم وإن أمله غير هذا وذهب كل إلى مخيمه يفكر في أمره قال الناقل وأقمنا على ذلك الثلاثة أيام التي مرض فيها وأكثر لا يعلم بمرضه ولا يدخل عليه إلا بعض خواصه ولا يذكرون ذلك إلا بقولهم في اليوم الثالث إنه منحرف المزاج فلما كان في صبح الليلة التي بات بها نظرنا إلى صيوانه وقد انهدم ركنه وأولاد الخزينة في حركة ثم زاد الحال وجرد وأعلى بعضهم السلاح بسبب المال وظهر أمر موته وارتبك العرضي أردو وحضر مراد بك فصدهم وكفهم عن بعضهم وجمع كبراهم وتشاوروا في أمرهم وأرضى خواطرهم خوفا من وقوع الفشل فيهم وتشتتهم في بلاد الغربة وطمع الشاميين وشماتتهم واتفق رأيهم على الرحيل وأخذوا رمة سيدهم صحبتهم لما تحقق عندهم إن هم دفنوه هناك في بعض المواضع أخرجه أهل البلاد ونبشوه وأحرقوه فغسلوه وكفنوه ولفوه في المشمعات ووضعوه في عربة وارتحلوا طالبين الديار المصرية فوصلوا في ستة عشر يوما ليلة الرابع والعشرين من شهر ربيع الثاني أواخر النهار فأرادوا دفنه بالقرافة وحضر الشيخ الصعيدي فأشار بدفنه في مدرسته تجاه الجامع الأزهر فحفروا له قبرا في الليوان الصغير الشرقي وبنوه في الليل ولما أصبح النهار عملوا له مشهدا وخرجوا بجنازته من بيته الذي بقوصون ومشى أمامه المشايخ والعلما والأمرا وجميع الأحزاب والأوراد وأولاد المكاتب وأمام نعشه مجامر العنبر والعود سترا على رايحته ونتنه حتى وصلوا به إلى مدفنه وعملوا عنده ليال وحتمات وقراآت وصدقات عدة ليال وأيام نحو أربعون يوما واستقر أتباعه أمرا مصر ورئيسهم إبراهيم بك ومراد بك وباقيهم الذين أمرهم في حياته ومات عنهم يوسف بك وأحمد بك الكلارجي ومصطفى بك الكبير وأيوب بك الكبير وذو الفقار بك ومحمد بك طوبال ورضوان بك والذين تأمروا بعده أيوب بك الدفتردار وسليمان بك الأغا وإبراهيم بك الوالي المحتسب وأيوب بك الصغير وقاسم بك الصغير وعثمان بك الشرقاوي ومراد بك الصغير وسليم بك أبو ديار ولاجين بك وسيأتي ذكر أخبارهم انتهى ما نقلناه من عجائب الآثار بحروفه وقوصون محلة بمصر كما هو مذكور في كتاب المواعظ بمناسبة اصطبل الأمير قوصون وقد سماها عباس باشا حفيد محمد علي باشا المشهور صاحب المجد الحلمية حينما بنى الدار هناك الأنيقة وعباس باشا هذا أدركه الأجل في بنها العسل ثم حمل على العجلة وأدخل نعشه ليلا إلى داره في العباسية التي كان اسمها الحصوة فغسلوه وحملوه إلى قبره بالقرافة بمجامر العود والعنبر وكانت وفاته خارج مصر مثل محمد بك أبي الذهب رحمهم الله تعالى.

(1/496)


عمر السفرجلاني
عمر بن إبراهيم بن عبد الكريم أبي بكر السفرجلاني الدمشقي الشافعي أحد التجار المشاهير بدمشق وأصحاب الثروة كان ذا وجاهة ومال زائد وله يد طائلة في فعل الخيرات ومسارعة إلى صنائع المعروف والمبرات بنى في دمشق أربعة مساجد أحدها بمحلة القنوات وبنى له منارة والثلاثة بقرب داره اثنان منهما لهما منارة ورتب لهذه المساجد وظائف وشعائر وربعات من القرآن العظيم تقرأ كل يوم وكان مشهورا بفعل الخير وكانت وفاته سابع عشر شعبان سنة اثني عشر ومائة وألف ودفن بتربة الباب الصغير وأعقب من المذكور تسعة بنين ومن الاناث ثلاث عشرة بنتا ومن النقود خمسا وستين وألف قرش ما عدا العقارات والبضاعات والأملاك رحمه الله تعالى وأموات المسلمين.
عمر الكيلاني
عمر بن ياسين بن عبد الرزاق بن شرف الدين بن أحمد بن علي القادري المعروف كأسلافه بالكيلاني الحموي الشافعي السيد الشريف كان موقرا معتبرا مبجلا صاحب حال وقال ممدوح الخصال تعلوه هيبة الصلاح ووقار التقوى سخي الطبع محمود الحركات والسكنات صدرا من الصدور وهيكلا متهللا بالبهجة والنور ولد بحماة سنة سبع وعشرين ومائة وألف ونشأ بها في كنف والده ثم في سنة ثلاث وأربعين قدم مع والده وابن عمه الشيخ عبد القادر وأولادهم وعيالهم لدمشق مهاجرين إليها ثم سافر صاحب الترجمة بعد وفاة والده بدمشق وساح فدخل بغداد والرقة وحلب مرارا وجلس على سجادة مشيختهم واستقام على أحسن سيرة وعمر دارا بدمشق في محلة القباقبية العتيقة كانت أولا لبني عبادة وصرف في عمارتها أموالا جمه وسافر من دمشق قبل اتمامها إلى جهة الروم بخصوص فقرأ أهل بلدة حماة لدفع مظلمة كانت عليهم فنال مطلوبه فوق مرامه وذلك في زمن السلطان الغازي مصطفى خان وحصل من الدولة إكرام واحترام ثم في آخر أمره توطن مدينة حلب وترك بلدته حماة لتغلب حكامها وتخالف الأحوال عليه وتوفي بحلب في ثاني عشر صفر سنة خمس وثمانين ومائة وألف ودفن خارجها في تربة الصالحية بالقرب من الشيخ الدباس رحمه الله تعالى.
عمر السيري
عمر السيري الطرابلسي الحنفي الشيخ الفاضل العالم الصدر المحتشم ترجمه بعض الفضلاء فقال في حقه همام ذو فهم ثاقب في المعارف والمناقب وانشاء عجيب في المحاولة لكل أمر غريب تميل إليه الناس رعاعهم والأكياس في نجاح مقاصدهم وبلوغ حوائجهم ولم يزل في الناس كذلك سالكا أحسن المسالك إلى أن تقلد بسيف القضا وقطع به ما كان به مرتضى فانقطع حبله وفل وصله أي أفلس ودارت عليه الدوائر إلى أن زار المقابر ولقد أطلعت له على نميقة تؤذن بحرية ألفاظه الرقيقة وعلو رتبة منشيها على أرائك معاليها انتهى وكان له فضل غزير وأدب غض وصار أحد أعيان طرابلس وصدورها وكانت وفاته بها سنة تسع وخمسين ومائة وألف رحمه الله تعالى.
عمر الأفيوني
عمر بن محمد الطرابلسي الحنفي الشهير بالأفيوني وتقدم ذكر ولده عبد الله الشاعر المشهور الشيخ الفاضل البارع الكاتب الفقيه العالم النحرير ترجمه بعض فضلاء طرابلس فقال في حقه فقيه فاضل له فكر سائل إذا سأله سائل يملأ له الاناء من المسائل وله في رياض الفقه النعماني رياضه ومن حياضها استفاضه كان غالب كتبه بخطه مزينة بصحيح ضبطه انتهى وكان المترجم موصوفا بالنبل مشهورا بمعرفة المسائل الفقهية وغيرها أخذ عن جملة من الشيوخ كالشيخ عبد الله الخليلي وغيره وكانت وفاته بطرابلس سنة احدى وعشرين ومائة وألف ودفن بها رحمه الله تعالى ورحم من مات من المسلمين.
عمر بن محمد البصير المصري

(1/497)


عمر بن محمد البصير الشافعي المصري نزيل حلب المقري المتقن العارف باختلاف القراآت ووجوهها النحوي الكامل العالم العامل قدم حلب في سنة خمسة عشر ومائة وألف فاعتنى به الرجل الخبر مصطفى الكردي العمادي وأنزله في المسجد الذي تحت الساباط في أول زقاق بني الزهرا ويعرف قديما بدرب الديلم بالقرب من داره فكان يقرئ القرآن العظيم في المسجد المذكور وكان حديث السن وقد جمع الله فيه المحاسن والكمالات انفرد بحسن الصوت والألحان الشائقة والعلم التام بتحقيق التجويد ومخارج الحروف والاتقان وسرعة استحضار عند جمع وجوه القراآت وطول النفس لكنه كان ضنينا بتعليم القراآت السبع لم يقرئ أحدا بذلك وكل من طلب منه الاقراء بغير قراءة حفص يسوفه ويماطله ولا يقرء أخبر تلميذه المتقن عمر بن شاهين امام الرضائية قال حفظت عليه القرآن العظيم وسنى اثنا عشر سنة والتزمت خدمته وكنت أقيم أكثر أوقاتي عنده ويأخذني معه إلى القراآت وكنت أقوده إلى مكان يريده وكان يتفرس في النجابة وبعد القراءة يعلمني الألحان من رسالة كانت عنده ويعلمني كيفية الانتقال من نغم إلى نغم ويقول إن ذلك يلزم من كان إماما وأنت ربما تصير اماما وكان يعلمني كيفية قراءة التحقيق والترتيل والتدوير والحدر والوقف والابتدا ويباحثني في طول النفس لأنه كان يدرج ثلاث آيات أو أربعا من الآيات المتوسطات في نفس واحد وكان يقرأ آية المداينة في ثلاثة أنفاس من غير إخلال في الحرف ولا في مده وكان يصلي التراويح إماما بالمولى الرئيس طه بن طه الحلبي في الرواق الفوقاني من جامع البهرامية ويقرأ جزءا من القرآن درجا صحيحا يقصر المد المنفصل والامام الراتب يصلي في القبلة الصلاة المتعارفة بين أئمة التراويح فكان يسبقه الامام بالوتر فقط وكان ذكيا متيقظا أذكى من تلميذه الشيخ محمد الدمياطي قال وجرى لي معه مرة واقعة وذلك إني أتيت يوما لأقرأ وكنت لم أحفظ ما تلقيته وألزمني بالقراءة ولم يكن ثم أحد غيري فأخرجت مصحفا صغير الحجم فظهر له إني أقرأ عن ظهر قلبي فأصغى إلى هنيئة ثم وثب علي ورمى بنفسه علي وقبض على المصحف من يدي فارتعت وشرع يضربني ويقول يا خبيث تدلس علي وتغش نفسك فحلفت له إني لم أفعلها إلا هذه المرة فتركني حينئذ فلما سكن روعي قبلت يده وقلت له بحياتك من أين علمت إني أقرأ بالمصحف فقال سمعت صوتك يأتي من سقف المحل فعلمت إن في يدك شيئا يمنع مجئ الصوت مواجهة ومرة أخرى كنت أذهب معه إلى دور بعض أحبابه وكان في الطريق بالوعة إذا وصلنا إليها أخبره بها فيتخطاها فبعد مدة سترت تلك البالوعة بالطوابق فلما مررت به من ذلك الطريق بعد مدة وصل إلى موضعها وتوقف ثم تخطى قلت له لم تخطيت قال أليس هنا بالوعة قلت بلى كانت ولكنها من مدة زالت انتهى قلت ومثل ذلك ما حكى عن أبي العلا المعري شرح السقط طبعناه إنه كان سافر مع رفيق له إلى جهة فمرا في طريقهما بشجرة فلما قربا منها قال له رفيقه إياك والشجرة أمامك فانحنى حتى تجاوزها فلما رجعا من ذلك الطريق أيضا انحنى أبو العلا لما قرب من مكان الشجرة ورفيقه ينظر إليه ويحكي عن حذق أبي العلا المذكور إنه أنشده المنازي أبياتا بالشام فقال له أنت أشعر من بالشام ثم اتفق اجتماعهما بالعراق بعد سبع سنين فأنشده المنازي أبياتا أخر فقال له ومن بالعراق ومثله ما حكى عن داود الحكيم الأنطاكي صاحب التذكرة وغيرها إن رجلا دخل عليه وقال له أي شيء يقوم مقام اللحم فقال البيض فغاب عنه سنة وجاءه فرآه منهمكا في تركيب معجون وهو يجمع أجزاءه فقال له بأي شيء يقلي فقال بالسمن وحكايات حذقه كثيرة ذكره من ترجمه ثم إنه أعنى صاحب الترجمة في آخر عمره ترك الاقراء وخرج من ذلك المسجد واشترى له دارا بالقرب من المحلة الكبرى وكانت وفاته بحلب في سنة سبع وثلاثين ومائة وألف ودفن بمقبرة العبارة خارج باب الفرج ولم يعقب غير بنت وخلف مالا كثيرا رحمه الله تعالى.
عمر الوحيد

(1/498)


عمر بن مصطفى بن مصطفى الملقب بالوحيد كما إن والده كان يلقب بالعاطف عاطف أفندي هذا له مكتبة في ميدان وفا وقد رأيت بصائر صاحب القاموس بها وهذه المكتبة محرومة عن نسج العنكبوت لوجود من يعتني بأمرها من بيت الواقف وأما مكتبة بشير أغا فعليها قفل عظيم مصون عن الفتح تحاكي مكتبة جامع شهزاده الحنفي القسطنطيني أحد أعيان الدولة ورؤسائها أرباب الشهرة والصولة الكاتب الماجد المحتشم المعتبر الرئيس النبيل الدين العمدة ولد بقسطنطينية دار السلطنة ونشأ بكنف والده وكان والده من رؤساء الدولة وأعيانها وسيجئ ذكره في محله وقرأ القرآن ودأب على التحصيل والكتابة والانشاء وحسن الخطوط فبرع ومهر وأتقن الخطوط ولازم الديوان العثماني وباشر كتابة المناشير والتواقيع السلطانية وولي المناصب الديوانية وعلت كلمته وتوقرت حرمته واتسعت دائرته ونمت ثروته ثم بعد توليته المناصب واستخدامه بأمور الدولة صار رئيس الجاويشيه ورئيس الكتاب خارجيه ناظري وأمين السقايين السلطانية وأمين الدفتر وطغرابي الدولة نشانجي طغراكش ومستوفيها الذي هو وكيل بيت المال المعبر عنه في الاصطلاح العثماني بالدفتري والدفتردار ماليه ناظري وكتخداي الوزير الأعظم مستشار وتكرر ذلك له واشتهر بين الناس ورجال الدولة بالأمانة والخير والديانة وشدة البأس وعدم المحاباة واعتمد عليه في الأمور وتمشيتها وصار المستشار في مهام الدولة والمستخدم بمناصبها واعتبره الوزراء واشتهر كما اشتهر أبوه ولم يزل في عزه وجاهه بين أقرانه وأشباهه حتى مات وكنت لما ارتحلت لدار السلطنة المذكورة قسطنطينية ودخلتها في سنة اثنين وتسعين ومائة وألف اجتمعت بالمترجم وكان إذ ذاك رئيس الكتاب وجرى بيني وبينه محادثة وملاطفة ورأيت منه من التوقير والتعظيم ما لم أره من غيره وكانت بينه وبين والدي وجدي حقوق ومودة ذكرها إلي عند الاجتماع به ولما دخلت دار السلطنة ثانيا سنة سبع وتسعين ومائة وألف بلغني بعد دخولي إليها خبر ضعفه وتزايد مرضه وكنت عزمت على عيادته فلم تطل مدته ومات وكانت وفاته وأنا بدار السلطنة في ليلة الثلاثاء ثالث عشر جمادي الأولى من السنة المرقومة وسيأتي ذكر والده مصطفى العاطف في محله رحمهما الله تعالى.
عمر الرجيحي
عمر بن مصطفى الشهير بالرجيحي الدمشقي الأديب الأريب الكاتب الماهر البارع كان لطيف الذات حسن السمات من الظرفاء الكمل المشاهير متقن النظم والنثر وهو من ذوي البيوت القديمة بدمشق ولهم أوقاف وشهرة ومن شعره قوله
وافى الربيع فحبذاك أو أن ... سرت به الأرواح والأبدان
وافى الحبيب لدوح روض نوره ... ما الدر ما الياقوت ما المرجان
فجرى القراح مبشرا بقدومه ... سلكا سعت لنظامه الخلان
لما تفوه بالبشارة معلنا ... نشرت عليه حليها الأغصان
وقوله
البدر يعزي لحسن طلعته ... والغصن يحكي للين قامته
وللثنايا الجمان منتميا ... والليل من بعض فرع طرته
محجب كم أروم زورته ... والموت للصب دون زورته
وقوله
أمسيت في عصر قوم لأخلاق لهم ... من صحبتي لهم قد ساءني التعب
أن يسمعوا الخير أخفوه وإن سمعوا ... شرا إذا عوا وإن لم يسمعوا كذبوا
سبحان الله ولا حول ولا قوة إلا بالله وله غير ذلك وكانت وفاته في غرة ذي القعدة سنة ثلاثين ومائة وألف ودفن بمقبرة الباب الصغير رحمه الله تعالى.
عمر الوزان
عمر بن مصطفى الوزان الحنفي الدمشقي الفاضل الصالح كان من أهل العلم والفضل وله حسن أخلاق وتودد ومنادمة ولد بدمشق سنة احدى وستين وألف وقرأ العلوم وأخذها وجل انتفاعه على محمد علاء الدين بن علي الحصكفي مفتي الحنفية وقرأ على غيره وكانت وفاته في يوم الخميس خامس عشري شعبان سنة تسع وثلاثين ومائة وألف ودفن بمقبرة مرج الدحداح رحمه الله تعالى.
عمر الطوراني

(1/499)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية