صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : ريحانة الألبا و زهرة الحياة الدنيا
المؤلف : الشهاب الخفاجي
مصدر الكتاب : الوراق

[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

فرجع قائلا لكل يوم غد، ولكل سبت أحد، فلم تر عين أمله سرورا، ولم يذق كأسا كان مزاجها كافورا، ولم يلبس برد العمر قشيبا، حتى احتضر غصنا رطيبا: فمما أنشدني من شعره، قوله من قصيدة:
وليل هدتنا فيه غر الفراقد ... لحاجات نفس هن أسنى المقاصد
وقد صرفت زهر الدراري دراهما ... تمد الثريا نحوها كف ناقد
وباتت تناجيني ضمائر خاطري ... تقرب نيل المطلب المتباعد
لحى الله طرفي ماله الدهر ساهرا ... لمكتحل الأجفان بالنوم راقد
حبيب كأن البعد يهوى وصاله ... معي فهو لا ينفك فيه معاندي
أخذت الهوى من لحظه وابتسامه ... بما قاله الضحاك لي عن مجاهد
وقول )حبيب( إلخ، كقول أبي الطيب:
كأن الحزن مشغوف بقلبي ... فساعة هجرها يجد الوصالا
وقول المعري:
لئن عشقت صوارمه الهوادي ... فلا تعدم بما تهوى اتصالا
وفي معناه ما قلته:
لك الله من دمع كشمل مبدد ... وطرف بنعسان الجفون مسهد
لئن عشق التسهيد أجفان مقلتي ... لهجرك فلينعم بوصل مخلد
ومن تقريظ له على شعر ابن عمران:
حملت إلينا يا ابن عمران روضة ... من النظم يسقيها الحجى صوب وكفه
خميلة شعر يزدري البدر نورها ... وينأى عن الشعرى العبور بعطفه
كأن غصونا أودعت في سطورها ... لها ثمر يلتذ سمعي بقطفه
إذا ما مشى ليل المداد بطرسها ... نهارا زهت فيه كواكب وصفه
فكانت كما زارت معطرة اللمى ... مبردة من حر قلبي ولهفه
ووافى إلى الصب الكئيب شويدن ... لوجرة أحوى فاحم الشعر وحفه
فأحبب به عبل الروادف خضره ... يجوع إذا غص الإزار بردفه
حسين بن أحمد الجزري الحلبي
أديب له أوصاف حسنى، ومناقب هن الوشي بهجة وحسنا، إذا أصغت له أذن أديب، حلت منه بواد خصيب.
سحر من اللفظ لو دارت سلافته ... على الزمان تمشى مشية الثمل
رأيته بالروم، وهو شاب يجر رداءى شباب وآداب، وهلاله مشرق في أفق نمائه، وغرة صبحه تؤذن بوجه ذكاء ذكائه، وقد سلك إلى المجد طريقا غير مطروقة، بهمة غير همة، وخليقة، وللدهر فيه عدات يرجى إنجازها، وحلل منشورة سيلوح طرازها، فلم ينبسط بردها حتى انطوى، ولم يورق قضيبه الرطيب حتى ذوى، والدهر يقول، والنجم في مطلع العمر هوى:
أبكي إناء شبيبة ... في وقت ما امتلأ انكفا
فمما أنشدني في صديقه سرور، السابق ذكره:
وحقك ما تركتك عن ملال ... وبغض أيها المولى الأمير
ولكن مذ ألفت الحزن قدما ... أنفت مواضعا فيها سرور
وهذا من قول المتنبي:
خلقت ألوفا لو يعاودني الصبا ... لفارقت شيبي موجع القلب باكيا
ومنه أخذ البهاء زهير قوله:
وألوفا فلو أفارق بؤسي ... لتوالت لفقدها حسراتي
وقد أجاد القائل في متابعته:
ألفت الضنى من بعدكم فلو أنه ... يزول إذا عدتم حننت إليه
وصار البكا لي عادة فلو أنه ... تغيب عن عيني بكيت عليه
ومما قلت في المعنى:
مذ هجرتم هجر الطيف ولي ... ناظر لم يدر ما طعم الوسن
في هواكم ألف الحزن فلو ... لم يجده مات من فرط الحزن
وله )ديوان( بليغ، طالعته فاخترت منه قوله، من قصيدة:
أعطى سرائرك النحول اللوما ... والحب ليس بممكن أن يكتما

(1/33)


ووشى ونم عليك دمعك عندما ... وشى بعندمه الخدود ونمنما
أفرمت تبهم واضحا من سره ... والدمع متضح به ما أبهما
أم خلت أن أساك تمحوه الأسى ... كلا ورب جراحة لن تحسما
إن المحبة محنة لا منحة ... ومن الغرام يرى المحب المغرما
وشكيتي شاكي السلاح جفونه ... مر العذاب لشقوتي عذب اللمى
ظبي ظبا لحظاته بمضائها ... أنا موقن لا شك تردى الضيغما
أخشى الهلاك توهما من بأسه ولربما هلك المحب توهما
وأظل صادي القلب خيفة صده ... ولو أنه بنعيم وصل أنعما
وإذا منعت الماء أول مرة ... ووردته أخرى تذكرت الظما
بأبي وإن كان الأبي وبي رشا ... قد الغصون رشاقة وتقدما
كالصبح فرقا والغزالة طلعة ... والبدر وجها والثريا مبسما
يزداد ورد خدوده وجوانحي ... من نارهن تضرجا وتضرما
صافي الأديم ترى ترافة جسمه ... ماء ويأتى الماء أن يتجسما
صنم لبست الغي فيه غلائلا ... والمرء يسلب رشده حب الدمى
كيف الهداية لي وفاحم فرعه ... قد ظل يجهد أن يضل ويفحما
كالأفعوان على قضيب كثيبة ... لا يرتجي لسليمه أن يسلما
أنا من أباح يد الغرام زمامه ... فمشى به أنى يشاء ويمما
فعسى الحبائب أن تخفف عتبها ... فلقد حملت من النوائب أعظما
في كل يوم روعة أو لوعة ... والفذ تقعده الحوادث توأما
شيآن لست بآمن عقباهما ... أن تصحب الدنيا وتدنى الأرقما
فلأبلغن نهاية في قدحها ... إن لم تبلغني الأبر الأكرما
ومنها:
ولو أن إدراك المنى بيد النهى ... وطئت نعامة أخمصى الأنجما
ومتى يصح سقيم جد أخي الحجى ... يوما إذا كان الزمان المسقما
فالحمق أليق والخداع موافق ... والمكر أرفق ما ترافق منهما
أبناء دهرك بالنفاق نفاقهم ... أفير نضونك بالهدى متكلما
ما لم تنافق فاتخذ نفقا به ... ترجو السلامة منهم أو سلما
لا يفقهون وشر من صاحبته ... أن تصحب الأعمى الأصم الأبكما
ولقد ملئت تحاربا وتجاربا ... لم تلقني إلا إناء مفعما
ومن قصيدة:
لا تلحن الأقدار في إعرابها ... قد ترفع الأسماء بالتقدير
مكسورة قد حاولت إكسيرها ... من جابر والجبر للمكسور
وله من أخرى:
وليل كأن الصبح فيه مآرب ... نؤمل أن تقضى وخل نصادقه
وله من أخرى:
ولم أنس ليلا ما تبلج صبحه ... ولا لاح في يافوخه وخط شائب
عدمت ابتسام الفجر فيه كأنه ... سلو فؤادي أو وفاء حبائبي
وله من أخرى:
فاسلم بدهر عصمت منه به ... وعش بعلياك عمر أعصمه
تأسو برؤياك من إساءته ... لا يصلح القرح غير مرهمه
فإن هذا الزمان محسنه ... كفارة من ذنوب مجرمه
وله من أخرى:
وبي مضاضة عيش مسني لغب ... منها وساورني في كرها سغب
حتى تصور لي منها على ظمأ ... أن المنية في ثغر المنى شنب
ومن أخرى:
بنا أظلمت أيامنا وتظلمت ... بنونا وأهلونا من الطالع النحس
عسى شمس هذا الدهر تأتي بوفق ما ... نرجى وشمس الوفق في شرف الشمس
وله يطلب فرسا:

(1/34)


أبثك أن لا طرف لي أقتضي به ... ديوني وأعياني الغريم بمطله
فجد لي بما أرجوه إن شئت ملجما ... وإن رمت تعجيل العطا فبجله
وله من أخرى:
ورب غبي كنت أحسن وده ... وتقبح لي أقواله والفعائل
تغافلت عن أشياء منه وربما ... يسرك في بعض الأمور التغافل
وهذا كقول بعض الحكماء: الكرم مكيال ثلثاه التغابي.
ولأبي فراس:
ليس الكريم بسيد في قومه ... لكن سيد قومه المتغابي
ومما قلته أنا في نحوه:
كم قد سعيت للمعالي جاهدا ... فزاد في سعيي إليها لغبي
ولست في فهمي غبيا أبدا ... وإنني إن عن سوء لغبي
وله من أخرى:
لا عيب فيهم غير أن صلاتهم ... تغرق آمال العفاة بحورها
أن سيوف الهند في كل معرك ... بأيمانهم حاضت دماء ذكورها
وله من أخرى:
يلبيك من قبل السؤال نواله ... ويأتيك دون الانتظار نضاره
وله في أخرى:
وقبلك صاحبت الزمان وأهله ... فما شاقني خل ولا راق موضع
يقدمني عزمي وحظي مؤخري ... ويوصلني حزمي ودهري يقطع
ولا ذنب لي إلا الفضيلة إنها ... من الجهل في الأيام أشنى وأشنع
وهمي من الدنيا المعالي ونيلها ... وما هم قلبي الرقمتان ولعلع
ولا نسمة سحرية شحرية ... ولا بارق من بارق وهو يلمع
ولا عذب ماء للعذيب على ظما ... ممض بجرعاء الحمى يتجرع
ولا رشأ أحوى ولا صوت قينة ... ولا قدح فيه الرحيق المشعشع
ولكنه لدن وأجرد سابح ... ومسرودة زغفا وأبيض يسطع
وإتلاف ما أحوى على طلب العلا ... وهذا طريق للمكارم مهيع
وإني من خلى بأيسر وده ... أسر وأسرى ما دعادني وأسرع
قليل مودات الرجال كثيرة ... وأيسرها عند النوائب تقنع
أبرك من يلقاك بالبشر وجهه ... وواساك في الضراء من يتوجع
ولكنني أن ألف غيرك وافيا ... وأكثر من تلقى يخون ويخدع
فحاولت أن ألقى المنايا أو المنى ... لديك وعرنين العدى بك أجدع
تملكت مني جانبا لا أضيعه ... لغيرك في الدنيا وغيري المضيع
لسانا طريا بالمديح وأنملا ... سحائبها من نفثها لا تقشع
وقلبا على حفظ المودة عامرا ... ولكنه إن سمته الضيم بلقع
وصيرتني عبدا لأمرك طائعا ... وإني إلاك الأنام أضيع
ولي رتبة فوق الثريا محلها ... ودون ثرى فيه نعالك توضع
وسلسال لفظ سائغ الورد عذبه ... له مشرب صاف نمير ومشرع
وما قصدت إلاك قبل قصائدي ... ولم يرها قوم سواك ويسمعوا
منمقة تزهو على زهر الربى ... وتشرق كالزهر السواري وتطلع
لو اعتبر الرائي مواقع لفظها ... تيقن أن السحر في الشعر يجمع
وغيري طفيلي القوافي وأشعب ال ... معاني له في كل ما عن مطمع
وله من أخرى:
إن خصني بالبؤس دهري دائما ... دون الورى فأنا بذلك أفضل
هذي عقاقير العطارة كلها ... لم يحترق منهن ألا المندل
وله من أخرى:
أرى اليأس عزا والرجا ذلة الفتى ... وطول المنى عجزا وحب الغنى فقرا
فلا تضجرن من حالة مستحيلة ... كما نلتها عسرا ستتركها يسرا
وإن الفتى كالغصن ما دام نابتا ... فآونة يكسى وآونة يعرى

(1/35)


وله من أخرى:
إذا ما كنت مصطنعا جميلا ... فحاول من يروقك بالصنيع
ولا تكرم به إلا كريما ... رماه الدهر عن مجد رفيع
ولم أر نعمة تسدى فتزري ... بمسديها سوى رفع الوضيع
وقوله:
غير بدع إذا ظلمت بدهر ... رزق الغمر فيه حظا عظيما
فالهواء الصحيح يدعي عليلا ... واللديغ المصاب يدعى سليما
وقوله:
ما سئمت الزمان إلا لحرما ... ن كريم فيه وحظ لئيم
وثراه اللئيم أقبح في العي ... نين مرأى من افتقار الكريم
وله:
ومستخبر عني بغير جهالة ... يراني وفي عينيه عن حالتي عمي
تنكر مرتابا ولم يدر أنني ... شهدت مذاق العيش شهدا وعلقما
إذا ما استرد الدهر مني هباته ... فسيان أن أعطى كثيرا وأحرما
وله:
لا يضر الكريم قلة مال ... لا ولا بالئيم يجدي الثراء
فشبا مرهف الجبان كليل ... وبصنديها تقد العصاء
وله:
لا تحسب الأرزاق تقسم باطلا ... كلا لقد ساوى المهيمن بينها
فإذا رزقت الجهل أدركت المنى ... وإذا حرمت الجد أعطيت النهى
وله:
حاذر عداك الأقربين من الورى ... فأضرها القرباء والقرناء
وتوق من كيد الحقود ولين ما ... يبدي فقد يصدي الحسام الماء
وله:
أبعد ما يطلب إداركه ... نيل المنى بالفضل إنسان
وكل شيء وله غاية ... وغاية العرفان حرمان
وله:
رويدك إن بعد الضيق مخرج ... وصبرك عنده أبهى وأبهج
وكم من كربة عظمت وجلت ... وعند حلولها الرحمن فرج
وله:
كفى حزنا أني أراك قريبة ... ويقصيك عنى يا بثين أمور
أراك ولكن لا سبيل إلى اللقا ... وكل يسير لا ينال عسير
وقوله:
اسقني قهوة بن ... وامزج القهوة عودا
فهي للصفراء والبل ... غم تمحو وهي سودا
وقوله:
وأغيد أورثني بعده ... ثوب الضنا فيه وفرط السقام
رثى لي العاذل في حبه ... حتى إذا خط عذاريه لام
وله:
مذ خط آيات عذار له ... نقطها من مسك شاماته
ولاح في أصداغه وجهه ... كأنه البدر بهالاته
وأرسل اللحظ نذيرا وقد ... كلم قلبي بمناجاته
ولم أستطع كفرانها إنني ... آمنت بالله وآياته
وله في الصيف:
قد هجم الصيف وولى الشتا ... منهزما تابع آثاره
مبتدعا يسلب أثوابنا ... ويخرج المالك من داره
وله:
أراك بسر مستوعيك سرا ... مخافة أن تسر إلى مريب
أنم من السؤال على عديم ... ومن درن السفار على غريب
وله:
لا أشتكي الحب تصميني مصائبه ... ولى عن اللوم فيه أذن أطروش
فلست أول من ألقاه ناظره ... في صبوة شوشته أي تشويش
كالنسر أرداه سهم فاستعد له ... عذرا وقال رمى قلبي به ريشي
وله أيضا:
بروحي من أبصرت صفحة خده ... وأبصرت وجه الشمس أغبر أسودا
كأني أراها دونه مثلما يرى ... سواها إذا ماشامها الطرف أربدا
وله من أخرى:
منير المحيا كلما شمت وجهه ... أعاد إليك الطرف جد كليل
كذا الشمس مهما شامها المرء لم يعد ... وإن صح منه الطرف غير عليل
وله من قصيدة:
قد كان ليل ذوائبي لي شافعا ... واليوم صبح الشيب من رقبائي

(1/36)


ولملتقى بيض الصفاح أحب لل ... بيضاء من ذي لمة بيضاء
ومنها:
ولئن خبرت بني الزمان وخسة ال ... آباء تنتج خسة الأبناء
إياك تركن منهم لمماذق ... يبدي الوفاء ولات حين وفاء
وتجنبن من لين ملمس عطفه ... فالعضب يصدأ متنه بالماء
ولطالما أضفيت قبلك خلتي ... من لا أراه موافقا لإخائي
وبلوت منه وده فرأيته ... متلونا كتلون الحرباء
فغدوت أحترز الأنام وغدرهم ... إن الطبيب يخاف مس الداء
وقطعت باليأس الرجاء لديهم ... واليأس يجدع أنف كل رجاء
وله من أخرى:
أواه كم لوعة بقلبي ... تغدو وكم روعة تروح
إن الهوى داءه عياء ... يعجز عن برئه المسيح
وله من أخرى، يصف قصيدته:
وكأنها في كل بيت شمته ... منها تضم القريض مهندسا
والشعر ما شاقتك منه حكمة ... لا ما يشوقك الكئيب الأوعسا
أبو بكر تقي الدين التاجر المعروف بابن الجوهري
من زهت زهرة حياته بالشام، فنظر من مطالع آفاقها بوارق الفصاحة وشام، وأسعدته الجدود فبدت عرائس أفكاره متوردة الخدود، ودارت من شمائله الشمول، فسرت بها قلوب القبول، وعيون العقول، كما أرفض عرق الطل الهتان، على رءوس القضب وطرر الريحان.
وله في الأدب والشعر تجارة لن تبور، إلا أن طبعه كأم الصقر مقلات نزور.
فمن عقوده وجواهر نقوده، قوله:
هذي المنازل قبلنا ... كم ذا تداولها أناسي
كم صدعت ملكا وكم ... من مدع وضع الأساس
غرسوا وغيرهم اجتنى ... من بعدهم ثمر الغراس
دول تمر كأنها ... أضغاث حلم في نعاس
وهو من قول أبي تمام:
أعوام وصل كاد ينسي طيبها ... ذكر النوى فكأنها أيام
ثم انبرت أيام هجر أعقبت ... نحوي أسى فكأنها أعوام
ثم انقضت تلك السنون وأهلها ... فكأنها وكأنهم أحلام
وكانت نزلت بي شدة، ليس لها غير لطف الله عدة، فكان في كل يوم يسليني الأحباب بذكر مبشرات بحصول الفرج، فقلت، وقد كثر ذلك:
ويلاه من زمن كأن نهاره ... نفضت دجاه عنه صبغ ظلام
من بعد ما كانت ليالينا لها ... نور يرينا صفوة الأيام
زمن كأحلام تقضى بعده زمن نعلل فيه بالأحلام
شمس الدين محمد المعروف بابن المنقار
جواد في حلبة المكارم سابق، مخلط مزيل، فاتق راتق، وقد كانت تتجاذب الأخبار شمائل فضائله، وتهتز الأغصان إذا هبت نسمات شمائله، ومن طاب عرقه طاب من عرفه الشميم، ومن كان غصنا في رياض المعالي هزة مرور النسيم.
إلا أن شعره شعر العلماء، وأدبه أدب الفقهاء، وما كل قصر خورنق وسدير، وما كل واد فيه روضة وغدير.
على أنه كانت تتيه به على سائر البقاع بقاع الشام، ويفتخر به عصره على جميع الليالي والأيام، فلا تزال تصدح ورق الفصاحة في ناديها، وتسير الركبان بما فيه من المحاسن رائحها وغاديها، وأقلام الفتوى مثمرة من شمس إفادة له ارتفعت، فيالها من قضب أثمرت بعدما قطعت، ونور فضله بادي، وموائده ممدودة لكل حاضر وبادي.
كالشمس في كبد السماء ونورها ... يغشى البلاد مشارقها ومغاربا
ولم يبرح ثاويا في فلك السعادة، حتى كسفت شمس حياته، فلبس الدجى عليه حداده.
فمن نفحات أسراره، ولمعات أنواره قوله للقاضي محب الدين، وهو بمصر:
من يوم بينك كل طرف دامي ... لم تكتحل أجفانه بمنام
لما رحلت ممتعا بسلامة ... ومصاحبا للسعد والإكرام

(1/37)


خلفت بعدك كل خل هائما ... يجري الدموع حليف فرط غرام
سكران من كأس الفراق معذبا ... يا صاح بالهجران والآلام
يشدو بذكرك من نواك إذا رأى ال ... عشاق في ركب لكل مقام
مولاي بعدك قد تفرق شملنا ... وضياء نادينا انمحى بظلام
قد كنت واسطة لعقد نظامنا ... حتى انفردت فحل عقد نظامي
وضياء وجهك في النهار إذا بدا ... فالشمس تستتر وجهها بغمام
هذا وعبدك ضاع بعدك بره ... فاسلم ودم السعد والإنعام
وعلى حماك من المحب تحية ... لا تنتهي وعليك ألف سلام
وسقى الإله ديار مصر وأهلها ... أنواء سحب من يديك عظام
لما حللت بها تضاحك نورها ... فرحا وبدل نقصها بتمام
لا زلت ترفل في ثياب سيادة ... وتجر وبدل لعز فوق الهام
ما نمق المشتاق طرس رسالة ... بحديث أشواق وبث غرام
ابنه عبد اللطيف
ولما ارتحلت عن مصر، فارقت أترابي ولداتي، ومن بها من ذخائر آمالي وكنز حياتي.
وظئر بلاد أرضعتني بمائها ... وأنفاس نسماتي ومهد دياري
مررت على دمشق الشام، فرأيت من بها من الكرام، كان ممن نعمت بلقياه، ووقفت على هضبات علاه، هذا الأديب الحسيب، والروض الأريض، والمربع الخصيب، فحياني بأنفاس من أنفاس الخزامى أندى، وهبت منه نفحات أنس كنفحة روض من قبيل الصبح بلتها الأندا، فعطر بفضائله المجامع، وفكه بثمرات آدابه المسامع، وأهدى إلى مشرفة قصيدة، حياني بها، وهي:
بأفق دمشق قد طلع الشهاب ... أضاءت منه هاتيك الرحاب
همام جد في طلب المعالي ... فأحرز شأوها منه الطلاب
ومولى شأنه تحرير علم ... وتقرير المباحث والخطاب
حواشيه منقحة المعاني ... ومن فن البيان بها اللباب
فبدر علاه مكتمل منير ... يفيض بدرها منه العباب
ففي التفسير مجتهد وفيما ... نحاه رأيه أبدا صواب
فلا يلتقي له فيه نظير ... وليس له سوى التحرير داب
أتى من مصر مجتازا فطابت ... بمقدمه معالمها الرحاب
وعاد إلى دمشق وهو ثان ... عنان العزم واقتبل الإياب
فقلد جيدها بعقود فضل ... ووشى روضها ذاك الجناب
وجاد ربى دمشق وساكنيها ... بصيب سيبه إلهامي سحاب
فقرت أعينا وسمت مقاما ... وقد راقت مشاربها العذاب
وغنت غادة الروضات زهوا ... فألقي عن محياها النقاب
وقد بسمت ثغور النور فيها ... وأسكر من ثناياها الرضاب
وكأس الورد في راح الروابي ... طفا فيه من ألاندا حباب
فنعم الوقت وقت جاء فيه ... وخير الدهر وقت مستطاب
فدام ممتعا في ظل عيش ... لطيف لا يكدره الذهاب
وعمر بنيه في الدنيا طويل ... يتيه بعده فيه الحساب
له مني ثناء كل وقت ... جزيل أو دعاء مستجاب
شيخ الإسلام عماد الدين الحنفي الشامي
ماجد طويل النجاد، له بيت كرم رفيع العماد، من غير قدح فيه وارى الزناد، ممن رفع فوق هامة السماك مهاده، إذا شيد بيت الشعر وعمر ربع الأدب فهو عماده، وإذا بدى ربيع طبعه نشر على البقاع وشائع، يحيي دارس الفضل فيصبح وهو مشهور بها وشائع، وجواد قريحته ملآن العنان، سباق إلى مغارس قصب الرهان، بعذب مشرب كأنه جنى النحل ممزوجا بماء الوقائع، فما ريح الشمال وما الراح الشمول، وما وجنات الورد خمشتها راحة القبول.

(1/38)


له لطف خلق يسعى اللطف لينظر إليه، ورقيق محاسن يقف الكمال متحيرا لديه، ألذ من إغفاءة الصباح، وأحلى من مذاق الظفر من ثمرات النجاح.
وأنا وإن لن تقع لي عليه عين، فسماع الأخبار إحدى الرؤيتين، على أني إن لم أر الأسد فقد رأيت شبله، وسيأتي ما بيني وبينه من المحبة والخلة، لما قلت بظل الشام، في روضة أطلت على نهر تفتر مباسم النور فيها عن لآلئ المطر.
وكان صدرا لكل ناد، حتى قرض الدهر منه رفيع العماد:
وزهرة الدنيا وإن أينعت ... فإنها تسقى بماء الزوال
وللطالوي فيه مدائح وبينهما محاورات، منها قوله:
عهد السرور وريعان الهوى ... النضر سقاك عهد الحيا رقراق منحدر
وجاد ربعك وسمي تكرره ... ريح الصبا بين منهل ومنهمر
وغردت برباك الورق وابتكرت ... بلحن معبد تتلو طيب الخبر
ولا برحت مغان للحسان ولا ... رمتك أيدي النوى بالحادث الغدر
ولا أغبتك أرواح النسيم ولا ... عدت مغانيك أخلاف من المطر
كم لي بها وشبابي الغض مقتبل ... من منزل آهل بالشوق والذكر
كم اجتليت بدورا من مطالعها ... قد لحن تحت سناء من سنا قمر
من كل رعبوبة تهفو بمصطبري ... قد زانها الحسن بين الدل والخفر
وود كستها يد الأيام ثوب صبا ... وصيرتها الليالي فتنة البشر
هيفاء صب الصبا ماء الشباب على ... أعطافها وكساها حلة الخفر
قامت تعانقني عند الوداع وقد ... قلدتها من دموعي رائق الدرر
تقول والبين تغشاها ركائبه ... بمدمع فوق روض الخد منحدر
لا تعتب الدهر إن حالت خلائقه ... فصفو رونقه لم يخل من كدر
وإن ترم تتقى من صرفه نوبا ... فالجأ لظل عماد الدين تستتر
مولى غدا ربعه أمن المروع كذا ... جنابه ظل مأوى الخائف الحذر
لا زال يسمو إلى العلياء مرتقيا ... بسؤدد مجده عال على الزهر
حتى امتطى صهوات المجد سامية ... يختال في حلل الأوضاح والغرر
بهمة تجتلى كالليث ذا أشر ... وعزمه كمضاء الصارم الذكر
ما فاضل قط جاراه إلى أمد ... في البحث ألا انثنى بالعي والحصر
أقلامه السمر في بيض الطروس إذا ... سمت أرتك فعال البيض والسمر
له سجايا كزهر الروض غب ندى ... وقد توشح بالأبهار والغدر
يلقاك طلق المحيا وهو مبتسم ... بمنطق ورده أحلى من الصدر
ما الروض جادت له الأنواء بالبكر ... فكللت دوحه المخضل بالزهر
جاد الغمام له سحا بوابله ... وقد كسته الصبا من رقة السحر
تخال زهر الأقاحي في خمائله ... زهر المجرة صينت عن يد الغير
يشدو الحمام على أغصانه سحرا ... فيبعث الشوق في أحشاء مستعر
يا فاضلا قد جلت أبكار فكرته ... غر المعاني بها في أحسن الصور
يا ابن الكرام ومن شادوا بعزمهم ... ركن العلا ساميا في سالف العصر
يا عمادا لبيت الفضل يرفعه ... وكان من ضعفه يلقى على خطر
إلى ذراك انتمت فاقبل على دخل ... نسيجها يا رئيس البدو والحضر
لا زالت في نعمة تسمو بسؤددها ... هام السماكين حيث النسر لم يطر
ما ناح بالأيك قمري وما سجعت ... ورق الحمائم بالآصال والبكر
فأجاب رحمة الله وأجاد بقوله:

(1/39)


أحلى حوراء أم عقد من الدرر ... أم زاهر الزهر أم زاه من الزهر
أم الحباب على راح مروقة ... أم نفثة السحر ذي أم نسمة السحر
أم نظم در زهت آيات منطقة ... فأعجزت كل ذي نظم ومنتثر
يا نافث السحر من فيه بمعجزة ... عقدت ألسن أهل البدو والحضر
ويا مديرا سلافا من بلاغته ... هلا ترفقت بالألباب والفكر
ويا أبن طالو وإن طال الزمان فما ... لنا بلوغ إلى علياك فاقتصر
أخذت فص المعاني من معادنه ... وغصت في أبحر الآداب الدرر
وحزت جمع المزايا وانفردت بها ... ولم تدع للسوى شيئا ولم تذر
وجئت من كل معنى رائق حسن ... بكل ما قد خلا في الذوق والنظر
كأنه ضرب قد شابه شنب ... بكل ما قد خلا في الذوق والنظر
وقد شهدنا بما أوتيت معجزة ... جمع الفضائل في فرد من البشر
أهديت لي غادة جلت محاسنها ... وقد تجلت لنا في أحسن الصور
رعبوبة من بنات البدو مذ خطرت ... لبي بها صار من وجدي على خطر
حيت فأحيت بألفاظ منمقة ... وغازلتنا بلطف الدل والخفر
وأسفرت عن سنا برق وعن شفق ... وعن ضياء وعن شمس وعن قمر
زارت على حين إشراق لبهجتها ... ومتعتنا بذاك المنظر النضر
وضاع عرف شذاها عندما برزت ... مسكا وعطرت الآفاق بالقطر
سألتها قبلة أطفي بها حرقا ... شبت بقلب شديد الوجد مستعر
فأومأت لشتيت زانه شنب ... وأنعمت بلذيذ الورد والصدر
ونادمتني بليل قد سررت به ... لكنه ساءني والله بالقصر
وبت أنشد مدحا في محاسنها ... ما قاله شاعر في سالف العصر
يا نزهة النفس يا من زان منطقها ... قس بن ساعدة المشهور في السير
خذها إليك وإن كانت مقصرة ... فشأن مثلك ستر العيب بالستر
وإن تكن أوجزت في المدح مقصرة ... فالعذب يهجر للإفراط في الخصر
وإن تكن من بديع القول عاطلة ... فقد تحلت بعقد من مديح سري
فاعذر فإني تركت الشعر من زمن ... لشاغل عنه غشي مقلة الفكر
لا زلت تسمو على الأقران مرتديا ... ثوب البلاغة في أمن من الحصر
ما طرز الطرس تنميق اليراع بما ... يزهو على الروض أو يعلو على الزهر
أو شبب المادح المطري بمدحك في ... بيت من الشعر في روض على نهر
بدر الدين بن رضي الدين الغزي العامري الشامي
فريد الدهر وأوانه، وابن عباس في زمانه، وسلمان آل بيته، وحسان قصيدته وبيته، صاحب الفنون، وغيث الإفادة الهتون، جمال الكتب والسير، سيد أهل الحديث وعين ذوى الأثر، ممن حازت به أقطار غزة، شرفا باذخا وعزة.
وابنه شبل الأسد، ذو الرأي الصائب الأسد، وفرند نصله المصقول الحد، وهما كركبتي البعير في كل معنى صارم، أو كالحلقة المفرغة أو كغراري صارم، وبدر طلع من أفق كمال والده، وكرع من بحر فضله البر ماء الحياة قبل أنت يبدو نبات عارضه خضرا، وتحيط بمشرق أنواره، في إبان طلوعه هالة عذاره، حتى أمد شمس الفضل بما يحيي النفوس، فهل سمعت ببدر تستمد من أنواره الشموس، فتكلف البدر إذ حكاه، وضاهى سناءه وسناه.
ولا عجب للبدر أن يتكلفا

(1/40)


وله من شعر العلماء ما صدحت من أقفاص سطوره الحمائم، وتحملت الصبا نشره فتلقته الزهور بثغر باسم. ولم يزل مشرقا في منازله البدرية، حتى ألم بسنا عمره سرار المنية، لا زال ثاويا في قصور الجنان، وضريحه مطاف وفود الرحمة والغفران.
فمما لمع من نور كماله، وسطع من نجوم أقواله، قوله:
إذا كان حمد العبد مولاه إنما ... يكون بإلهام من الله للعبد
وذلك مما يوجب الحمد دائما ... فلا حمد حقا من سوى ملهم الحمد
وقوله:
لنا أمير فريد في خلائقه ... كم من كرائم أموال لديه حوى
له التفات لرزق الناس معتنيا ... يرى الفقير لديه والغني سوا
وقوله:
من رام أن يبلغ أقصى المنى ... في الحشر مع تقصيره في القرب
فليخلص الحب لمولى الورى ... والمصطفى فالمرء مع من أحب
وقوله:
بالحظ والجاه لا يفضل ... في عصرنا المال يستفاد
فكم جواد بلا حمار ... وكم حمار له جواد
وقوله:
يقبل الأرض حماها الذي ... ألثمها أفواه أهل العلا
عبد إذا كاتبته ثانيا ... يزداد رقا لكم أو ولا
وكتب إليه الفاضل النحرير عبد الرحيم العباسي ملغزا، بقوله:
يا إماما له الفضائل تعزى ... وهماما أضحى لراجيه كنزا
ما بسيط حروفه ليس تحصى ... وهو حرفان لا سوى إن تجزا
كل جزء منه استوى القلب فيه ... جاء معنى أو جاء للفظ يعزى
نصفه ربعه ولا ربع فيه ... وسوى الخمس منه ما تم أجزا
وإذا ما تصحف البدء منه ... فهو وصف لكامل نال عزا
أضمر القلب غادة إن تصحف ... آخرا فهو قولها حين تهزا
وعلى حمل صخرة ذو اقتدار ... ثم عن حمل إبرة نال عجزا
هاكه واضحا بدون خفاء ... لغزه ظاهر وإن كان رمزا
دمت في رفعة وحفظ إلهي ... لك دوما حصنا حصينا وحرزا
فأجابه البدر:
زادك الله بالدراية عزا ... فلقد قمت للهداية كنزا
يا بديع الألفاظ عذب المعاني ... صار منك البيان للدهر طرزا
من يجاريك في العلوم يجاري ال ... يم والمجد من تجريه يهزا
إن لغزا أرسلته فاق بر الت ... م حسنا وأورث الفكر عجزا
من يفتش فليس يلقي له ... ثم نظيرا فقد تفرد رمزا
ثم من يبتغي مضاهاته لا ... تسمع الأذن منه في ذاك ركزا
وتراه وقد تحير مما ... نابه للفرار يجمز جمزا
من يطق يلمس السماء ويأتي ... بالدراري حتى يحاكيه لغزا
قلت لما أجبت عنه إذا ما ... إبل لم تكن لدى فمعزى
غير أني بالستر منه وثيق ... فإليه كل الفضائل تعزى
دام في نعمة وظل سعود ... ما مال النسيم غصنا وهزا
وقوله:
إن ألطاف إلهي ... لي قالت خل عنكا
لا تدبر لك أمرا ... أنا أولى بك منكا
وقوله:
من أطلع الأحمق فوق السها ... ينزله للمنزل السافل
وغير بدع فعله حيثما ... يقابل الباطل بالباطل
وأنشد له بعضهم:
ما في زمانك واحد ... لو قد تأملت الشواهد
فاشهد بصدق ... مقالتي أو لا فكذبني بواحد
قلت: ليس له، وهو من شعر أبي عامر الجرجاني، أحد شعراء )اليتيمة(وفي معناه قول ابن حيوس:
قد مات في دهرنا الكرام ومن ... يعرف قدر الثناء والمدح
فإن شككتم فيما أقول لكم ... فكذبوني بواحد سمح

(1/41)


ومما أنشده الخوارزمي مما يشبه هذا، وإن لم يكن من جميع الوجوه:
أمسى بلا عظم لديه تعاظم ... فكأنه أبر الحمار القائم
ويقول إن الناس كلهم أنا ... والناس كلهم لديه بهائم
ولأبن تميم:
أيا معشر الأصحاب مالي أراكم ... وذم جميع الناس جل مناكم
لئن كان ذم الناس أضحى شعاركم ... فما الناس إلا أنتم لا سواكم
ومما قلته في معناه:
تفردت في ذا العصر بالفضل والنهى ... بزعمك يا من زاده علمه جهلا
فأبق لنا في الدهر غيرك عالما ... يصدق ذي الدعوى ويعرف ذا الفضلا
ومن شعر والده:
إن خلا مل منا ... خلنا بالله منه
هو لا يسأل عنا ... مالنا نسأل عنه
وللتقي السبكي رباعية في هذا المعنى، وهي:
يا قلب من الغرام قد زدت وله ... من خانك خنه أو تعوض بدله
فالنفس عزيزة على من هي له ... لا يصلح لي من كنت لا أصلح له
ولأبن الوردي:
إذا كرهت منزلا ... فدونك التحولا
وإن جفاك صاحب ... فكن به مستبدلا
لا تحملن إهانة ... من صاحب وإن علا
فمن أتى فمرحبا ... ومن تولى فإلى
ومما أنشدته له:
إن تسل عن حال الذين اجتباهم ... ربهم عاجزا وتطلب قربا
أحبب الله والذين اصطفاهم ... تبق معهم فالمرء مع من أحبا
وللحافظ ابن حجر العسقلاني في معناه:
وقائل هل عمل صالح ... أعددته ينقع عند الكرب
فقلت حسبي خدمة المصطفى ... وحبه فالمرء مع من أحب
وكنت قلت قبل أن أسمع هذا:
وحق المصطفى لي فيه حب ... إذا مرض الرجاء يكون طبا
ولا أرضى سوى الفردوس مأوى ... إذا كان الفتى مع من أحبا
وأعلم أنه وقع في حديث صحيح، عن عائشة رضى الله عنها أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، أنت أحب إلي من نفسي وأهلي ومالي، وإني إذا ذهبت لداري لا تطيب نفسي حتى آتيك وأراك، فإذا مت أنت كنت في أعلى مقام، فأخشى ألا أراك.
فلم يجبه الرسول صلى الله عليه وسلم، فنزل جبريل عليه السلام، بقوله عز وجل: )ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم الآية.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: )المرء مع من أحب(.
وقلت في معناه رباعية:
حبي لمحمد حبيب الباري ... في طينة خلقتي وروحي سار
والمرء ومن أحب في الخلد معا ... طوبي لي إن غدوت عبد الدار
أبو الصفاء مصطفى بن العجمي الحلبي
روض وريق أغصان المروة، ريان من ماء المكارم والفتوة، فارس الشهباء نبلا وأدبا، طبعه أخو ابنة العنب صفاء وطربا، أردان شبابه باللطف مذهبة، وكئوس آدابه المجلوة للقلوب محببة، إذا ابتسمت عقود ألفاظه كسد نظيم الجوهر، وخيل أنها لرقتها من خدود الغيد تعصر، أقبلت على شعره الفصاحة بوجه جميل، وقصر عن إدراك لطفه النسيم وهو عليل، مع صباحة محيا يهزأ بالروض الوسيم، إذا عطرت مجامر نفحاته أذيال النسيم، نفحت في برود الزهر نشرا، وعبثت بمباسم النور الضاحكة بشرا.
ثمل من سلافة الطل في الزه ... ر وناهيك طيبها من كاس
ولم تزل كئوس أدبه على الندامى مجلوة؛ حتى ورد موارد الموت فبدلت بالكدر صفوة.
وأي صفاء لا يكدره الدهر فقطفت زهرة شبابه، وقد سقتها دموع أحبابه.
فمن شعره، ما أنشدني له الطالوي، من قصيدة اخترت منها قوله:

(1/42)


ما اجتاز بارق ذاك الثغر مبتسما ... ولا النسيم بأخبار الحمى نسما
إذ وعاوده من وجده طرب ... حتى كأن به ما يشبه اللمما
مقيم لعبت أيدي الغرام به ... فغادرته كأنفاس الصبا سقما
تسيت منه على الأحشاء كف شج ... تضم صدرا خفوق القلب مضطرما
أبا خليلي لا زالت مجللة ... من البوارق تهمي في عراصكما
حتى تظل لها الأرجاء باسمة ... تبث من سرها ما كان مكتتما
أما ومبسمه الزاهي بمنتسق ... يزري مفلجه بالدر منتظما
ولفتة تذر الألباب شاردة ... أيدي سبا وترد الفكر منقسما
لا حلت عن حبه الأشهى إلى كبدي ... من الزلال وقد كادت ظما
ولا تبدلت إنسانا سواه ولو ... أضحى وجودي كصبري في الهوى عدما
ومنها:
لله ما أنت في الأفاق تنثره ... وهي اللآلئ ظنتها الورى كلما
ومنها:
من كل زاهية الألفاظ زاهرة ... لا ترتضي الشعر أن يعزى لها شمما
وله من قصيدة رثى بها العماد:
عظيم مصاب مقعد ومقيم ... له كمد بين الضلوع مقيم
وفادح خطب حارب الصبر والكرى ... فأصبح كل وهو عنه هزيم
وحكم أذل الفضل عند اعتزازه ... وأوهى عماد الدين وهو قويم
ألا إنما عين المعالي غضيضة ... وإن فؤاد المكرمات كليم
ومنها:
أقامت على قبر عاطر الثرى ... سحائب رضوان فليس تريم
إلى أن يعود القبر أنضر روضة ... بها النبت شتى يانع وهشيم
وكان له بجلق أصدقاء تسكر بشمول شمائلهم الراح، وتهتز طربا لذكرهم معاطف الأريحية والسماح، فتخفق على هامات مجدهم ألوية الحمد، وتضئ في سماء معاليهم كواكب المجد، من كل مصطبح بكاسات المسرة مغتبق، ولولا نداه كاد من نار الذكاء يحترق.
فلما ارتحل إلى الشهباء غلبه الشجن، ونافسته الشجون، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون، فكتب إليهم:
يقبل الأرض صب مغرم علقا ... بكم وذلك من تكوينه علقا
حلف الصبابة أما قلبه فشج ... من الفراق وأما جسمه فلقا
يشتاقكم كلما هبت يمانية ... ولا محالة أن يشتاق من عشقا
به من البين ما لو حل أيسره ... يوما بأركان رضوي هد أو طفقا
يا هل تعود أويقاف بكم لفتى ... دموعه خددت في خده طرقا
الله يعلم ما إن عن ذكركم ... إلا تناثر در الدمع واستبقا
ولا تغنت على غصن مطوقة ... ألا أهاجت لي الأشجان والأرقا
يا ليت شعري والأيام مطمعة ... والدهر في عكس ما يهوى الفتى خلقا
هل لي إلى عود أوقات بكم سلفت ... رجا فأظفر أحيانا بما افترقا
لله أيامنا والشمل مجتمع ... أيام لا فرقة أخشى ولا فرقا
وإذ بكم كان عيشي أخضرا نضرا ... وأسود الليل منكم أبيضا يققا
يا صاحبي فلا روعتما بنوى ... وعنكما ظل جفن الدهر منطبقا
إن جئتما الجامع الزاهي برونقه ... سقاه من غاديات السحب ما غدقا
ميممين له عوجا كذا كرما ... لنحو قبته الشماء وانطلقا
فبلغا لي سلاما من محبته ... لم تبق لي منذ حلت مهجتي رمقا
وخبراه بما ألقى بعيشكما ... من فرط لاعج أشواق أتت نسقا
إني إلى ذلك المغنى المشوق كما ... أشتاق صحبي إخوان الصفا خلقا

(1/43)


لا سيما الأروع المحمود سيدنا ... المسكت اللسن المطري إذا نطقا
طورا تراه بكأس الحمد مصطبحا ... وتارة من سلاف المجد مغتبقا
يا غائبين فما ودي بمنتقض ... منكم ولا حبل عهدي واهنا خلقا
تحدوه ريح الصبا وهنا لأرضكم ... يزري شذاها بريا مسكه عبقا
فأجابه أبو المعالي الطالوي، بقصيدة، أنشدنيها، وهي:
وافت فأرجت الأرجاء والأفقا ... أمنية من شذاها قطرنا عبقا
راح كأن الصبا باتت تعللها ... بالسحر بين رياض طلعها بسقا
أم نفحة من ربى دارين عاطرة ... أهدت لنا أرجا جنح الدجى عبقا
هيفاء تزهو بقد زانه هيف ... كخوط بان غضيض مثمر بسقا
ترنو إلى بطرف كله حور ... مهما انبرت بفؤاد هام أو عشقا
لو شاهد ابن عنين حسن طلعتها ... لا ذكرته زمانا يبعث الحرقا
أو انبرت لحبيب وهو ذو لسن ... أزرت به كذا سحبان إن نطقا
يا حسنها حين زارتنا محبرة ... قد نظم الدر في لباتها نسقا
أهدت تحية ود من أخي ثقة ... يزري شذاها بريا المسك إن عبقا
لا غرو أني مشوق في الأنام له ... فالحر يشتاق إخوان الصفا خلقا
أشتاق رؤيته الغراء ما طلعت ... شمس النهار وأبدى صبحه شفقا
وكلما سحرا هبت شآمية ... بسفح جلق أو برق الحمى برقا
أحبابنا والذي أرجوه مبتهلا ... بأن يمن على مضناكم بلقا
ما أن تذكرت معنى راق لي بكم ... إلا ورحت بدمعي جازعا شرقا
ولا شدت بغياض الغوطتين ضحى ... ورقاء تندب إلفا نازحا شفقا
إلا وغاض اصطباري أو وهي جلدي ... ففاض من مقلتي الدمع وانطلقا
إذ جانب العيش طلق رائق بهج ... والدهر قد غض عنا الجفن فانطبقا
تلهو بكل كحيل الطرف ساحره ... يزري بغزلان عسفان إذا رمقا
لا سيما إن غدا بالكأس مصطبحا ... أو راح من وله بالطاس مغتبقا
ليت الزمان الذي فينا الغداة قضى ... بشت ملمومنا والدهر ما خلقا
هل أويقاتنا اللاتي بكم سلفت ... تعود يوما فأحظى منكم بلقا
عليك مني سلام الله ما بقيت ... صبابة تبعت الأشجان والأرقا
تهديه ريح النعامي نحو أرضكم ... كمسك دارين يزكو كلما نشقا
تقي الدين بن معروف
سماء فضل بإطلاع نجوم الكمال معروف، وشموس معارفه لا يعتريها كسوف، ورياض علمه أنيقة، ودوحة مجده وريفة الظلوريقة.
إذا مس الأقلام سجدت في محاريب الطروس شكرا، ومادت من مدام مداده هائمة سكرا، فكم لليل حبره المسكي الأنفاس يد بيض الله بها محيا القرطاس.
تخبر أن المانوية تكذب وله في علم الفلك أنظار تنم بأسرار كواكبه، وإن كتم قلبه على لسان أسرار صاحبه، بوأه الله منه مكانا عليا، فتلا لمن رامه سواه: )أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا( فكم صعد له بخطوات فكره وسما، واتخذ خطوط جداوله للعروج إليه سلما، فكلما طارت حمائم النجوم من بروج أقطارها، جعلها بطاقة تطير في الآفاق لتبليغ أخبارها، فلو كان لعطارد الخيار كان بدنانير الدراري له مشتري، ولو أراد مدحه أطراه بقول ابن الرومي غير مفتري:
أعلاكم في السماء مجدكم ... فلستم تجهلون ما جهلا
شافهتم البدر بالسؤال عن ال ... أمر إلى أن بلغتم زحلا

(1/44)


لم تدركوا قط بالحساب بل ال ... أحساب علما لكم ولا عملا
ولم يزل متقلدا بصارم القضا، قانعا من معشوقته الدنيا بحالتي الصد والرضا، حتى أراد أن يجدد لأستاذنا رصدا: )وإنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا( غافلا عن حركات الفلك، حتى قال له: نبهك الله ما أغفلك، فدارت دوائره على مدارها، وصارت زاوية قبره حادة بعد ما كانت منفرجة في أقطارها، وشكل العروس من زخرف الحياة له أطماع، وهو لمن تأمله شكل قطاع.
والموت للإنسان بالمرصاد وقد طالعت له رسائل فلكية، وبعض تحريرات هندسية؛ تدل على علو كعبه فيها، ورقية من حضيض الخمول إلى سماء معاليها.
وله شعر وسط، ونثر غريب النمط، كقوله في مدح العلامة أبي الفتح المالكي:
يا كعبة يؤمها أولو النهى ... وسدرة الفضل إليها المنتهى
لأنت في العالم فرد علم ... بل كل الخلق علما وهدى
والفضل لما قال إن مالكي ... بالشام كل قد أقر بالولا
رفعت قدرا وعلوت رتبة ... وفزت بالتقديم حال الابتدا
وفقت أهل الأرض بالعلم الذي ... أتيته مولاي من رب السما
يصرف لب المرء نحو لفظه ... إذ يعرب الفضل على هذا البنا
وقوله من قصيدة في مدح أستاذي سعد الدين الشاعر:
صباح الأماني في صباح مكارم ... تجلت على عرش الجلالة والحمد
مطالع ما زالت طوالع بالسنا ... تعمم آفاق المكارم بالسعد
)فائدة مهمة(
سئلت عنها في حال تحريري هذه )الريحانة(، وهي أنه منع بعض علماء المالكية من الألقاب المضافة للدين، كسعد الدين، وعز الدين.
فقلت: قال العارف بالله ابن الحاج في كتابه المسمى ب)المدخل( الذي استقصى فيه أنواع البدع، ما نصه: فصل، من ارتكب بدعه ينبغي له إخفاؤها؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: )من ابتلى منكم بشيء من هذه القاذورات فليستتر( والعالم يجب عليه التستر أكثر من غيره؛ لأنه ربما يقال: عنده علم بجواز ما ارتكبه، فيقتدي به غيره، كما قال أبو منصور الدمياطي، في قصيدة له:
أيها العالم إياك الزلل ... وأحذر الهفوة فالخطب جلل
هفوة العالم مستعظمة ... إن هفا أصبح في الخلق مثل
وعلى هفوته عمدتهم ... وبه يحتج من أخطا وزل
فهو ملح الأرض ما يصلحه ... إن بدا فيه فساد أو خلل
فمما ينبغي التحفظ عنه من البدع الأعلام المخالفة للشرع، المضافة للدين؛ لما فيها من تزكيه النفس، المنهي عنها، كما صرح به القرطبي في )شرح الأسماء الحسنى(.
وللفضل بن سهل قصيدة في ذمها، فمنها قوله فيمن لقب بعز الدين وفخر الدين:
أرى الدين يستحي من الله أن يرى ... وهذا له فخر وذاك نصير
فقد كثرت في الدين ألقاب عصبة ... هم في مراعي المنكرات حمير
وإني أجل الدين عن عزه بهم ... وأعلم أن الذنب فيه كبير
فمن نادى بهذا الاسم، أو أجاب به، فقد ارتكب ما لا ينبغي؛ لأنه كذب؛ وفي الحديث: )عليكم بالصدق فإنه يهدي إلى البر والبر يهدي إلى الجنة، والكذب فجور والفجور يهدي إلى النار( الحديث.
فإذا قال أحد )محي الدين( يقال أهذا الذي أحيى الدين؟ فإذا أخذ صحيفته وجدها مشحونة بالكذب.
ولما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أم المؤمنين زينب، قال لها: )ما أسمك؟( قالت: برة. فكره صلى الله عليه وسلم ذلك، وقال: )لا تزكوا أنفسكم( وسماها زينب.

(1/45)


ولا يقال: إنها خرجت عن أصلها بالنقل للعلمية؛ لأنه لو كان كذلك ما كرهوا تركها مع ما فيها من التشبه بالعجم المنهي عنه.
وهذه التسمية أول ما ظهرت من متغلبة الترك مضافة للدولة، وكانوا لا يلقبون أحدا إلا بإذن السلطان، وكانوا يبذلون عليه المال، ثم عدلوا عنه بالإضافة إلى الدين.
ونقل عن النووي رحمة الله أنه كان يكره من يلقبه بمحي الدين، ويقول: لا أجعل من دعاني في حل.
ولذا تحاشى عنه بعض العلماء، وهذه نزغة شيطانية من أهل المشرق، ولما كان في أهل المغرب من التواضع كانوا يغيرون الأسماء، لما هو منهي عنه أيضا، فيقول لمحمد: )حمو(، ولأحمد)حموس(، وليوسف )يسو( ولعبد الرحمن )رحمو( ونحوه. انتهى.
أقول: أما كون هذه بدعة حدثت بعد العصر الأول فلا شبهة فيه.
وأما كونها ممنوعة شرعا، أو مكروهة فلا وجه له، وما تشبث به أوهى من بيت العنكبوت، وما نقله عن النووي وغيره من السلف لا أصل له، وكذا ما نقل عن شيخ والذي ناصر الدين اللقاني، أنه كان يكتب في الفتاوى )ناصر( لهذا.
وقد غرني ذلك مدة، ثم رجعت عنه؛ لعدم ثبوته.
وكونه كذبا يكتب في صفحة مجازفة لا ينبغي أن يقال مثله بالرأي، وهذا لم يضعه الإنسان لنفسه، وإنما سماه به أبواه في صغره، وعدم تكليفه.
وكونه تزكية لنفسه أيضا غير صحيح؛ لأن الإضافة تكون لأدنى ملابسة، فهو مضاف للسبب تفاؤلا، فعز الدين بمعنى يعزه الله بالدين، وكذا محي الدين، بمعنى محي نفسه بالدين، فقياسه على )برة( قياس فاسد، مع الفارق، ولو صح هذا منع أحمد، ومحمد، وحسن، وهو محمود.
وقد قال المحدثون: إذا اشتهر اللقب جاز، وإن كان ذما، كأعرج، وأعمش، فما ذكر تضييق وحرج في الدين.
وفي هذا الكتاب كثير من هذا النمط، فإياك والاغترار به.
والأعلام إنما تدل وضعا على الذات، والتفاؤل بالأمور المستحسنة مستحب؛ لقوله في الحديث: كان يحب الفأل، ويكره الطيرة. ويحمدهقائلة لا يعتقد ثبوت ما يقال به، وإنما سمي به، فلا كذب.
والأعلام لا حجر فيها، والتشبة بالعجم فيما لا يزاحم الشرع غير منهى عنه، إلا للعصبية المذمومة، بدليل حديث الخندق.
ويدل على ما ذكرناه حديث تسمية النبي صلى الله عليه وسلم بمحمد.
وأما حديث )برة( إن صح، فإنما فعله صلى الله عليه وسلم لكونه من أعلام الجاهلية، أو لمعنى آخر، بدليل أنها كانت برة في نفسها. اه.
محمد بن الرومي
المعروف بماماي ابن أخت الخيالي، نزيل دمشق الشام
شاعر توقدت جمرات أفكاره، وتوردت في رياض الشام وجنات أزهاره، وابتسمت في ناديه ثغور أنواره، لكنها، خدود لم يترقرق عليها دمع القطار،ومباسم لم ترشف الشمس منها ريق الأمطار، فلله دره من فصيح لم يعلل بمياه عروق القيصوم والشيح، ولم يغذ بلبان العربية، ولم يتفكه بثمار العلوم الجنية؛ لأنه من بني الأصفر، وممن قاسى الفقر الأسود وهو الموت الأحمر، إلا أن للبقاع تأثيرا في الطباع، فلما تغذى طفل جبلته ماء الشام ونسيمه،وبزغ هلاله فيه بعدما أميطت عنه هالة التميمة، انصقل طبعه المرهف، فانبرت شمائله أرق من الشمالوألطف، لا سيما وأبو الفتح ماشطة عرائس فكره، وملم شعث لمة نظمه ونثره، إذا آنس طبعه لحنة، أو طرق طرف ذهنه طيف هجنة.
وقد طالعت ديوانه، فرأيته يعتريه علل وفتور، ويدخل في مغاني معانيه وبيوته القصور.
فمن شعره الذي اخترته قوله:
سمعت لسان الحال من قهوة الطلا ... يقول هلموا نص أخباري
فباسمي تسمت قهوة البن في الملا ... ولكنها لم تحك أصداغ خماري
فمن كذبها قد سود الله وجهها ... وعذبها بعد الإهانة بالنار

(1/46)


ومنه قوله مضمنا:
قد قالت القهوة الحمراء وافتخرت ... كم قد ملكت ملوك الأعصر الأول
وقهوة القدر إن قدرا على علت ... لي أسوة بانحطاط الشمس عن زحل
ومنه قوله:
جليت عروسا في عقود حبابها ... وفديت ظبيا بالسرور حبا بها
طلعت عروسا تنجلي في كأسها ... وكسا كفوف الغيد نقش خضابها
بكر إذا باكرتها لك ولدت ... سر السرور لدى حضور جنابها
أخذت من العقل النفيس جواهرا ... مهرا لها والنففس من خطابها
راح حلالي شربها في جنة ... والنص في الجنات حل شرابها
وهو مأخوذ من قول الأرجاني:
كأس من السحر الحلا ... ل بشربها للقوم سكر
في مجلس هو جنة ... ولذاك فيه تحل خمر
وقوله:
يقول حبيبي ما لطرفك أحمرا ... كأنك ياحيران في نشوة التيه
فقلت له إشراق خدك قد بدا ... وقابله طرفي فحيله فيه
وأحسن منه قول الأمير مجير الدين بن تميم:
أقول للصحب لا أنكروا أثرا ... من احمرار بدا في باطن المقل
عاتبت ألحاظ عيني عندما نظرت ... إلى سوى الحب فاحمرت من الخجل
وقوله:
ولما انقضى شهر الصيام بفضله ... تجلى هلال العيد من جانب الغرب
كحاجب شيخ شاب من طول عمره ... يشير لنا بالرمز للأكل والشرب
وهو مأخوذ من قول العقيلي:
قم هاتها وردية ذهبية ... تبدو فتحسبها عقيقا ذابا
أو ما ترى حسن الهلال كأنه ... لما تبدى حاجب قد شابا
ألا قوله )من طول عمره( تكميل حسن.
ومما قلته في بعض الرسائل: شاب حاجب الهلال وما داناه كمالا، واشتعل رأس الشمس شيبا ولم تر له مثالا.
ومما يضاهي هذا ما قلته لما رأيت قول الثعالبي، في مدح قصر بناه الصاحب ابن عباد:
لله قصر ترى كل الجمال به ... وأسعد الدهر تبدو من جوانبه
كأنما جنة الفردوس قد نزلت ... إلى خوارزم تعجيلا لصاحبه
ورأيت ما فيه من الغفلة؛ فإن تعجيله بالدخول لها إنما يكون بالموت، ففيه إيهام لا يليق بمثله، فقلت في هذا المعنى، وأتيت فيه بنوع من الاحتراس، سميته التهذيب:
بنى دارا يحار الوصف فيها ... وتهواها المحاسن والمسرة
كأن الجنة اشتاقتة حتى ... له نزلت أطال الله عمره
وقد يقال: في قوله )نزلت( احتراس ما، لكنه خفي، والمقام يأباه.
ومن ديوانه قوله أيضا:
كيف السبيل إلى كتم الغرام إذا ... كاتبتكم وأردت السر ينكتم
وقد غدا الطرس بالوجهين مشتهرا ... وباللسانين أمسى يعرف القلم
وقوله:
لقد مرض الجهول له فعدنا ... ونحن إذا أناس راحمونا
فظن بأننا عدناه خوفا ... فإن عدنا فإنا ظالمونا
وقوله أيضا:
إذا دفن الإنسان في الرمس برهة ... وعاودته تلقاه باد ثانياه
وما ذاك إلا أنه متسم ... على كل مغرور بأحوال دنياه
ومما يضاهي هذا، أن المولود يولد باكيا، مقبوض الكف، فإذا مات فتحها، فقال لحكماء: إنه إشارة لحرصه حيا، وأنه خرج منها بغير شئ، كما قيل:
وفي قبض كف الطفل عند ولاده ... دليل على الحرص المركب في الحي
وفي بسطها عند الممات إشارة ... ألا فانظروني قد خرجت بلا شئ
وكم في الكون من إشارات، فهو جميعه ناطق بالعظات، ولكن من يسمع ويبصر! وأنشدني له بعض أدباء الشام:
رأيت الكائنات خيال ظل ... محركها هو الرب الغفور

(1/47)


فصندوق اليمين بطون حوا ... وصندوق الشمال هو القبور
وليس له، فإني رأيته منسوبا للشيخ ابن عربي، وهو معنى مشهور، ولكنه تصرف فيه فاستعار عباءة، ورد ديباجة.
وأصله من قول الآخر:
رأيت خيال الظل أكبر عبرة ... لمن هو في علم الحقيقة راقي
شخوص وأشكال تمر وتنقض ... وتفنى سريعا والمحرك باقي
ومنه ولد ابن الوردي في الحمام قوله:
وما أشبه الحمام بالموت لامرئ ... تبصر لكن أين من يتبصر
يجرد من أمواله ولباسه ... ويبقى من كل ذلك مئزر
ومما قلته فيه:
إن يكن يحكي خيال الظل في ... فعله دهر لنا يبدي العبر
فعساه عن قريب مظهرا ... صورا أحسن من هذي الصور
وقلت أيضا:
هي الدنيا خيال الظل تحكي ... يحركها القضاء كما يقدر
ولولا الستر ممدود عليه ... من الغفلات ما ألهى وما سر
زين الدين الإشعافي
فاضل لين العود ماجد الأعراق، حلو الشمائل عذب الأخلاق، له آثار على أكف القبول مرفوعة، وكلمات كثمرات الجنان غير مقطوعة ولا ممنوعة.
صحبني وهو يقطف نور التحصيل، وللفضل إلى معاليه انتظار وتأميل، فتجاذبنا أهداب المذاكرة، وجررنا ذيول المناشدة والمحاورة.
فمما أنشدنيه من شعره قوله:
كتبت وأفكاري وحقك مزقت ... كما قد بدت في الحب كل ممزق
ولو حم لي التوفيق كنت تركته ... ولكنني أصبحت عير موفق
إذا قيل أشقى من بات ذا هوى ... فلا تنكرن هذا المقل وصدق
وهذا كقول الآخر:
سألتها عن فؤادي أين مسكنه ... فإنه ضل عني عند مسراها
قالت لدي قلوب جمة جمعت ... فأيها أنت تعني قلت أشقاها
أبو بكر الجوهري الشامي
شاعر عذب الكلمات، حسن الذات والسمات، عرائس أفكاره صباح، وجوهري نفثاته صحاح.
ورد إلى مصر مرتديا حلل الشباب، مطرزة بطراز أخلاقه العذاب، متعاطيا للتجارة، صارفا لها نقد عمره.
إذا كان رأس المال عمرك فاحترس ... عليه من الإنفاق في غير واجب
فمن جواهر كلماته الصحاح، التي هي أرق من نفس الصبا في الصباح، وقوله في مليح اسمه داود، ورقيب اسمه عمرو:
أفدي غزالا بوجنته ... مع عارض شبه واو العطف ممدود
كأنما الخال فوق الخد يحرسه ... حذار سرقة عمرو واو داود
ولابن لولؤ فيمن اسمه داود:
قد كنت جلدا في الخطوب إذا عرت ... لا تزدهيني الغانيات الغيد
وعهدت قلبي من حديد في الحشا ... فألانه بجفونه داود
وللملك الناصر في داود:
منى بطيفك بعد ما منع الكرى ... عن ناظري البعد والتسهد
ومن العجائب أن قلبك لم يلن ... لي والحديد ألانه داود
ومما قلته فيما قاله:
وحاسد يرسم في صحفه ... فضلى ويخفى الذكر إذ يطرأ
فأسمى لديه واو عمرو لذا ... يكتب في الخط ولا يقرا
وأصله قول أبي نواس:
أيها المدعي سليما سفاها ... لست منها ولا قلامة ظفر
إنما أنت من سليم كواو ... ألحقت في الهجاء ظلما بعمرو
شمس الدين محمد بن إبراهيم الحلبي
المعروف بابن الحنبلي
والسماء والطارق، وما أدراك ما الطارق، هو في ميدان الفضل وحلبة الشهباء سابق، وأي سابق، وعصره كان مسك ختامها، وسحر لياليها وأصيل أيامها، نورت حدائقها بغوادي شمائله، وتحلى معصم مجدها بسوار فضائله.

(1/48)


حيث التقى نفس الأقاحي والصبا ... وترنم الحسناء والورقاء
وجرى النسيم يجر فضل ردائه ... متبخترا يجلي من الخيلاء
نشوان يعثر بالغصون لطافة ... منه فيسقط في غدير الماء
درس فيها، وأفتى، وطمى بحر فضائله فترك الحساد يضربون حتى.
وله نظم كما انتظمت دراري الزهر، ونثر كما نثرت الشمال على وجنات الرياض لآلئ القطر.
وله تصانيف جمة تزينت بها البلاد، وأمست تمائمها منوطة بأجياد الأجواد، فهو نسيج وحده، آثاره في حلل الفضل طراز مذهب، وأسد في مجادلة العلماء لا يذكر عنده ثعلب.
وله محاضرات لو ذكرت للراغب لسعي لها راغبا، أو لسحبان ظل لذيل الخجلةعلى وجه البسيطة ساحبا.
فمما هبت به صبا الأسحار، وغردت به على كرسي الربى حمائم الأخبار، قوله:
يلومونني في ترك ضم قوامه ... ولا إذن للنساك في الضم واللثم
نعم بيننا جنسية الود والصفا ... ولكنني لم ألفها علة الضم
وقوله:
يقولون لي والشيب عاث بلحيتي ... عناقك عذراء الحمى غير جائز
أعن نار خديها التي هي منيتي ... أميل وأستغني ببرد العجائز
وله:
قوامك يا بدر النجاة كأنه ... قنا أو قوام السرو أو ألف الوصل
وعينك فاقت كل عين بكحلها ... فما أنت إلا زيد مسألة الكحل
وقوله:
لكم همم نلتم برمي شباكها ... مرامكم لما قطعتم بها البيدا
وعدتم إلى المغنى بما نلتم وقد ... توليتم صيدا فكان لكم صيدا
وقوله:
كنا سمعنا بأوصاف كملت بها ... فسرنا ما سمعناه وأحيانا
من قبل رؤيتكم نلنا محبتكم ... والأذن تعشق قبل العين أحيانا
وهو لبشار، وأوله:
يا قوم أذني لبعض الحي عاشقة... إلخ.
وفي معناه قول الحلي:
وهو يتكم قبل اللقاء كما ... تهوى الجنان بطيب الأخبار
ولصاحب الترجمة أيضا رباعية، وهي:
طرفاك كلاهما ضعيف وعليل ... مثلي وأنا العليل من أجل عليل
من ضعفي قد صرفت ميلي لهما ... والجنس إلى الجنس كما قيل يميل
قوله: )والجنس( إلخ، من أمثال مولدي العجم، ومثله قولهم: الجنسية علة الضم، وهو كما قيل: إن الطيور على أجناسها تقع وشبه الشيء منجذب إليه وله من ابيات المعاني، في مليح من بني تميم:
ومهفهف الأعطاف قلت له انتسب ... فأجاب ما قتل المحب حرام
وله مضمنا:
حمى ثغره الضحاك صمصام جفنه ... كما صين بالتعذير خد مورد
أ خد حبيبي لا تزد زردية ... فحسبك والضحاك سيف مهند
والضحاك اسم ملك العرب، لكنه وافق صيغة المبالغة من الضحك.
ومثله من نوادر العربية.
ومن فصوله القصار: إنما تلقى المخاصر إلى كريم العناصر: لا تجعل الدنيا للآخرة ضرة، ومن ينكح أمة على حرة.
ما أخس الكلب العوا، وإن صعد إلى السماك والعوا.
الصحة رأس المال، وربحها حسن الأعمال.
تذكير المواعظ صابون، لمن هم عن دنس الأخلاق صابون.
إذا كان الندى مات، فالسؤال أعظم الندامات.
أبو الفتح بن عبد السلام المالكي المغربي، نزيل الشام
نادرة الفلك، وهدية الزمان، ونكتة عطارد المدونة في صحف الإمكان، وبرهان من قال من الحكماء بتعدد نوع الإنسان.
وليس الغريب من تناءت داره، بل من فقد من الكرام نظراؤه وأنصاره، وهو غريب في فضله ومجده، وإن ملك من الأدب ملكا لا ينبغي لأحد من بعده.

(1/49)


ولما أشرقت بالمغرب شموس علمه وآدابه، وزها نورها إذ جرى في عوده ماء شبابه، أسفر وجه صباحه، وجلاله الظفر غرة نجاحه، فحل عقد عزيمته بالشام، كما حل الربيع نقابه عن منظر بسام:
والريح تجذب أطراف الغصون كما ... أفضى الشقيق إلى تنبيه وسنان
فألقى بها عصا تسياره، ونفض عن بردهمته غبار أسفاره، وبنى أمره على السكون وماضي حاله على الفتح، وقد شدت ورق فصاحته بها بأطرب ترنم وصدح، فمضى زمن ونور الأدب لا يجتنى إلا من رياض كلامه، وسورة الفتح بمحاربيها لا تتلى بغير ألسنة أقلامه، وإثمد مراودها كحل البصائر، وتحف آثاره يتلقى ركبانها كل باد وحاضر، حتى في نادي القضاء تربع واحتبى، وأصبح طراز مذهب مالك به مذهبا.
وصار فيهم غريب الفضل منفردا ... كبيت حسان في ديوان سحنون
فأنار ليله الحالك، وتصرف فيه تصرف مالك، بأخلاق تعصر منها شمول الشمائل، وفضائل جمة المآثر سحبان عندها بأقل.
إلا أنه مع تملك جواهر العلوم، وتقلد جيد كماله بعقود المنثور والمنظوم، عاداه دهره، وصافاه فقره، فظل يمتري صبابة عيش لو أنها نوم ما شعرت بها الاحداق، ويتحمل من أثقالها ما يوهن القوى والأعناق.
ولم يزل كذلك حتى غار ماء حياته، وانغلق على الفتح باب قبره عند مماته، فانفتحت له أبواب الجنان، فسقاه الله رحيق غفرانه بين روح وريحان، ونزه عيون رجائه، وأمله في رياض الجنان، بين الحور الحسان.
فمن نظمه الذي حشا الأسماع سحرا، وملأ أفواه الرواة درا، قوله:
بأبي ألعس المراشف ألمى ... مائس القد ناعس الأجفان
سرق الجيد واللحاظ من الظ ... بي ولين القوام من غصن بان
عطفته الصبا إلي ومالي ... بالصبا بعد ما تراه يدان
فتحاشيت لثمه خيفة ال ... إثم وأطلقت مقلتي ولساني
آه لو لا التقى ومعترك الش ... يب لطاوعت في الهوى شيطاني
وله من قصيدة:
حاز الجمال بأسره فمحبه ... في أسره لم يرض حل وثاقه
قسما بصبح جبينه لو زارني ... جنح الدجى وسعى إلى مشتاقه
لفرشت خدي في الطريق مقبلا ... بفم الجفون مواطئ استطراقه
وصفحت عن زلات دهري كلها ... وعناده فيما مضى وشقاقه
وقول )بفم الجفون( إلخ، كقوله أيضا في أرجوزته المشهورة:
تكاد من عذوبة الألفاظ ... تشربها مسامع الحفاظ
وهذا نوع من البديع غريب، بيناه في )حديقة السحر(.
وله نظائر كثيرة، وهو على نهج قوله تعالى: )وتصف ألسنتهم الكذب( كما أشار إليه في )الكشاف(.
وقد أوضحه الغزي بقوله في بعض قصائده:
إن لم أمت بالسيف قال العذل ... ما قيمة السيف الذي لا يقتل
وتغيير المعتاد يحسن بعضه ... للورد خد بالأنوف يقبل
ومنه ما أنشده لنا صديقنا الطالوي لنفسه:
أرود بلحظي ورد خديه والذي ... جنى ورد الخدود فما أخطا
وأرشف بالألحاظ خمرة ريقه ... لأني امرؤ آليت لا ذقت إسفنطا
وهذه الخمرة لا يليق بها غير نقل البحتري في قوله:
تفاح خد إذا احمرت محاسنه ... مقبل اللحظ معضوض
وقوله )معضوض( بدل من قوله )مقبل(، وهو غيره وليس بدل غلط. وأنظره؛ فإنه من سحر البلاغة.
ومما نحن فيه قول ابن الرومي:
بدر كأن البدر مق ... رون عليه كواكب
عذبت خلائقه فكا ... د من العذوبة يشرب
ولابن هند في عود البخور:
رأيت العود مشتقا ... من العود بإيقان

(1/50)


فهذا طيب آناف ... وهذا طيب آذان
ولابن المعتز في فرس:
يكاد لولا اسم الإله يصحبه ... تأكله عوننا وتشربه
وللشريف الرضي:
فأتني أن أرى الديار بطرفي ... فلعلي أرى الديار بسمعي
ومنه أخذ القاضي الفاضل قوله:
مثلته الذكرى لسمعي كأني ... أتمشى هناك بالأحداق
وأجاد أيضا، حيث قال:
الجود أمدح ممن قام يمدحه ... فالناس ما نطقو إلا من النظر
وقوله ابن خفاجة المغربي الأندلسي، وهو من رماه الحدق:
وأهيف قام يسعى ... والسكر يعطف قده
وقد ترنح غصنا ... واحمرت الكأس ورده
وألهب السكر خدا ... أورى به الوجد زنده
فكاد يشرب نفسي ... وكدت أشرب خده
ولناصح الدين الأرجاني:
ورشفنا مدام نظم ونثره ... من كئوس تذاق بالآذان
وقلت أنا:
نرجس الروض قد زها لعيون ... لا أرى المشي فيه للطراق
قلت لما أتيته لخليلي ... امش يا صاح فيه بالأحداق
والشيء بالشيء يذكر، هذا في معنى قولي قديما مضمنا:
يا صاح إن وافيت روضة نرجس ... إياك فيها المشي فهو محرم
حاكت عيون معذبي بذبولها ... ولأجل عين ألف عين تكرم
ولصاحب الترجمة من قصيدة، مدح بها العلامة عليا الحنائي، وعاتبه على قطع مرتب له:
أن قطع السيد عن عبده ... ما كان قد رتب من رفده
فالعبد لم يقطع دعاء له ... رتبه كالجزء من ورده
ولا ثناء حسنا نشره ... كالمسك والعنبر في نده
أو كرياض راضها وابل ... فابتسم اليانع من ورده
وانتظمت من نشر أزهارها ... جواهر الأنداء في عقده
وهو غني عن ثناء إمرئ ... ظل كليل الذهن من فقده
إذ مهد الحق له رتبة ... عظيمة مذ كان في مهده
ونال ما شاء من المجد لا ... بسعي إنسان ولا كده
فهو علي لا بمدح الورى ... له ولكن بسنا سعده
وإنما أوجب مدحي له ... تتابع النعماء من عنده
وما حباه الحق سبحانه ... من العلا الزائد عن حده
والعلم والتحقيق والفهم والت ... وفيق والتدقيق من قصده
والشكر للمنعم فرض به ... يأمن ذو الإيمان من طرده
وفيه لا شك مزيد لمن ... لازمه والكل من عنده
هذا وإن العبد يبغي الرضا ... في قربه الأقرب أو بعده
وماله في غيره رغبة ... والعبد محمول على قصده
وليس ذا حزن لما فات من ... دنياه مذ سيق إلى رشده
سيان فقر وغني عنده ... لما هو المعهود من زهده
وما تصدى لصدى آلة ... قبيحة تقضي إلى صده
سوى لزوم البيت مستوحشا ... من الورى حتى ذوى وده
مشتغلا بالعلم مستغرقا ... أوقاته فيه وفي سرده
قد لزم العزلة لكنه ... لصحبه باق على عهده
أقسم لا يبرح من بيته ... حتى يوارى في ثرى لحده
إن مات لم يترك له درهما ... يحوزه الوارث من بعده
ولا أثاثا لا ولا ملبسا ... يصلح للبيع سوى برده
وفروة جرداء من عنقها ... أضلاعه ترعد من برده
وطيلسان خلق دمعه ... من عتقه يجري على خده
ولم يكن يترك شيئا إذا ... فارقه يأسي على فقده
غير بقايا كتب رثة ... أكثرها قد مات في جلده
يباع في تجهيزه بعضها ... والبعض وقف لا على ولده

(1/51)


هذا لعمري عرض حالي على ... من أجمع الناس على حمده
لا برحت أعتابه قبلة ... يؤمها العارفون من وفده
ما هطلت أنملة بالندى ... من راحة كالبحر في مده
تكملة في قوله )مستغرقا( إلخ فوائده
منها: أن الاستغراق أصل معناه طلب الغرق، ثم استعمله الناس في أخذ الشيء وتحصيله، ومنه قول العامة )استغرق في الضحك( إذا أطاله، وهو غلط، وصوابه في الضحك )استغرب(، لا )اغتراب( أيضا كقول البحتري
وضحكن فاغترب الأقاحي من ندى ... غض وسلسال الرضاب برود
قال الآمدي في كتاب )الموازنة( قوله )اغترب( يريد الضحك، والمستعمل )استغرب( في الضحك، إذا اشتد فيه، و)أغرب( أيضا أخذا من غروب الأسنان، وهي أطرافها، وغرب كل شيء: حده، إذ المعنى امتلأ ضحكا. انتهى.
والسرد أصله نسج الدرع، وتتابع الكلام وتعداد الأشياء، والعامة استعارته لتتابع نعاس الجالس، وليس بعربي، وهو الذي أراد هنا، وهو كقوله:
لداود من برش كساء سفاهة ... مطرزة من صفرة الوجه والخد
وما زال درع الكيد للصحب ناسجا ... ولو ناعسا أمسى يقدر في السرد
وقوله: )مات في جلده( استعمال معروف عامي، وجه استعماله ركيك، والبليغ قول العرب للمفلوج: )سجن في جلده(، وحسن هذا وصف الكتاب به، كما قال ابن نباتة المصري:
لله مجموع له رونق ... كرونق الحبات في عقدها
كل تصانيف الورى عنده ... تموت للخجلة في جلدها
عودا على بدء.
ومن شعره أيضا:
مرحبا بالحمام ساعة يطرا ... ولو ابتز مني العمر شطرا
حبذا الارتحال عن دار سوء ... نحن فيها في قبضة لأسر أسرى
وإذا ما ارتحلت يا صاح عنها ... لا سقى الله بعدي الأرض قطرا
وهذا كقول الأمير أبي فراس الحمداني، من قصيدة له:
أراك عصي الدمع شيمتك الصبر ... أما للهوى نهي عليك ولا أمر
الشاهد منها:
تعللني بالوعد والموت دونه ... إذا مت عطشانا فلا نزل القطر
ونحوه قولي في مطلع قصيدة:
إن لم تبرد لي الصبا غله ... فلا شفى الله لها عله
وله أيضا:
ويمكن وصل الحبل من بعد قطعه ... ولكنه يبقى به أثر الربط
وأحسن منه قولي في بعض الرسائل: )أنت وإن وصلت بعد التقطع حبل المودة، ففيما بقي من أثر ذلك في القلب عقده(.
وقلت من قصيدة:
يا واصلين حبالا ... كانت تشد المودة
لا تقطعوها ببعد ... قد غير النأي عهده
فإن تقولوا وصلنا ... من بعد ذا القطع شده
يبقى وحقك فيها ... من ذلك القطع عقده
وهذه الاستعارة معروفة قديما، وفي حديث العقبة أن الأنصار قالوا: )إن بيننا وبين القوم حبالا، أتراهم قاطعيها( وقد حققه في )الروض الأنف(.
وكتب للقاضي معروف، وقد أهدى له حلة:
مخدومنا قاضي قضاة مدينتي ... صفد أحق الناس بالتفضيل
العالم الحبر الذي معروفه ... تزري ببحر النيل
أهدي لنحوي من مخيط ثيابه ... جملا فأغناني عن التفصيل
والتفصيل في لسان العامة بمعنى قطع الثياب الجديدة، ففيه تورية، كقول ابن نباتة المصري:
كم جملة وصلت لي من نداك وكم ... تفصيلة ألبستني أجمل الحلل
حتى لقد غدت المداح حائرة ... بين التفاصيل من نعماك والجمل
وقوله أيضا:
قد نكس الرأس أهل الكيميا خجلا ... وقطروا أدمعا من بعد ما سهروا
إن طالعوا كتبا للدرس بينهم ... صاروا ملوكا هم جربوا افتقروا
تعلقوا بحبال الشمس من طمع ... وكم فتى منهم قد غره القمر

(1/52)


وقوله في أحدب: )كان أترجة الظرفاء، وكرة اللهو بميدان الندماء اللطفاء( وكان أبو الفتح يكرهه، ولم يعمل فيه بقول الباخرزي:
وصانع الدهر فكم دولة ... صاغت من السلحة أترجه
فقال فيه:
إذا غفر الله ذنب امرئ ... فلا غفرت زلة الأحدب
شديد النكاية مع ضعفه ... قياسا على إبرة العقرب
ومن ظرفاء الحدبان القاضي الفاضل، وفيه يقول القائل:
لله بل للحسن أترجة ... تذكر الناس بعهد النعيم
كأنها قد جمعت نفسها ... من هيبة الفاضل عبد الرحيم
وعلى نمطه، وإن لم يكن من بابه قول ابن جلنك لما امتدح القاضي الزملكاني فأجازه بخبز، فكتب على حائط بستانه:
لله بستان حللنا دوحه ... في روضة قد فتحت أبوابها
والبان تحسبه سنانيرا رأت ... قاضي القضاة فنفشت أذنابها
وهذا نمط عجيب، وقد بلغنا أن بدر الدين بن مالك صنف )كراسة( في لطائف هذه المقطوعة، ووجوه بلاغتها، ولم أرها، وهو جدير بذلك.
ووجه حسنها أنه قصد به تشبيه زهر البان، وأدمج فيه هجو القاضي؛ لأن السنانير إنما تنفش أذنابها إذا فزعت من الكلاب، فكأنه قال: إنها ظنته كلبا، ونحوه ما مر في القاضي الفاضل، والإيماء لحدبته.
وهذا النوع يشبه المدح بما يشبه الذم، وعكسه، ففي صريحه تشبيه لطيف، كنى به عن هجو قبيح، وليست بلاغته من جعل التشبيه كناية عن معنى آخر؛ فإنه صريح، كما حققه السيد في فن البيان، بل لأمور قصدها، وليس هذا محل تفصيلها، فإن أردتها فانظر كتابنا )حديقة السحر(.
وله أيضا يذكر من وعده بتاسومة، وهي نعل معروف كالمداس:
رب تاسومة بها قد وعدنا ... فإذا قربها من النجم أبعد
رب يسر حصولها لمحب ... عله للكمال يرقى ويصعد
عملا في الورى بقول حكيم ... ضع مكان السعيد رجلك تسعد
وهذا مثل مشهور، بمعنى قول علي رضي الله تعالى عنه: )صاحب من أقبل جده تسعد(.
وقد قلت في مثال نعله صلى الله عليه وسلم:
لمثال النعل الشريف لطه ... شرف قدره من النجم أبعد
وسمعنا الأمثال قالت قديما ... ضع مكان السعيد رجلك تسعد
وسعيد من كان من قبل هذا ... أو عليه قد مرغ الوجه والخد
وما أحق هذا أن ينشد له قول أبي العتاهية:
نعل بعثت بها لتلبسها ... قدم بها تسعى إلى المجد
لو كان يصلح أن أشركها ... خدي جعلت شراكها خدي
ولابن هانئ الأندلسي في قبقاب وهو نعل يصنع من الخشب، وهو محدث بعد العصر الأول، ولفظه مولد أيضا، لم يسمع من العرب ما قاله الأزهري:
كنت غصنا بين الرياض رطيبا ... مائس العطف من غناء الحمام
صرت أحكي عداك في الذل إذ صر ... ت برغمي أداس بالأقدام
وله يذكر معاهد نيطت بها تمائمه، وغردت على أغصان شبابه حمائمه، يندب إخوانه، وينعى أوطاره وأوطانه:
سلوا البارق النجدي عن سحب أجفاني ... وعما بقلبي من لواعج نيراني
ولا تسألوا غير الصبا عن صبابتي ... وشدة إليكم وأشجاني
فما لي سواها من رسول إليكم ... سريع السري في سيره ليس بالواني
فيا طال بالأسحار ما قد تكلفت ... بإنعاش محزون وإيقاظ وسنان
وتنفيس كرب عن كئيب متيم ... يحن إلى أهل ويصبو لأوطان
وتنفيس كرب شذا نسمة الصبا ... صباحا إذا مرت على الرند والبان
فكم نحوكم حملتها من رسالة ... مدونة في شرح حالي ووجداني

(1/53)


وناشدتها بالله إلا تفضلت ... لتبليغ أحبابي السلام وجيراني
وقد نحا نحو قول ابن مليك الحموي في قصيدة له:
سلو فاتر الأجفان عن كبدي الحري ... وعن در أجفاني سلوا العقد والنحرا
مليح إذا ما رمت عنه تصبرا ... يقول الهوى لن تستطيع معي صبرا
وهذا الشاعر، وإن لم يكن من أهل العصر، فإنه قريب العهد، فينبغي ذكره هنا، فنقول هو:
علاء الدين بن مليك الحموي
هذا شاعر حماة، ومن كلأ سرح الأدب بها وحماه.
رآه أبو الفتح المالكي، وقد رقي شرف علمه وسما، وهو بحانوت له يبيع الأقسما، وأقلامه قضب على جداول الطروس ميالة، أسبل على وجه دوحها الزاهي ظلاله، بل لواء على ملك الكلام، أو عمود نصب عليه من السحر خيام، وهو يخلب الأسماع بسحره، ويريق حلو مائه على صناعة شعره.
ثم رفعته حرفة الأدب عن حضيض دكانه، إلى أن صار ملك الأدب بديوانه، فنادى لسان قريضه النظيم: ما هذا مليك بل ملك كريم وقد وقفت على )ديوانه( فجنيت من ثمرات حسنه وإحسانه، قوله من قصيدة له :
ذكر الغضا فحنت عليه أضلعي ... وبكى العقيق فساقطته أدمعي
لله در دموع عيني إنها ... وقعت من الأجفان أحسن موقع
من لي بقلبي يوم كاضمة وقد ... ودعتهم لو خلفوا قلبي معي
رحلوا فكان القلب أول راحل ... والصبر آخر ظاعن ومودع
وقوله من أخرى:
طراز ذاك العذار من رقمه ... ودر دمعي بفيه من نظمه
وخاله فوق كنز مبسمه ... بالمسك قفلا عليه من ختمه
من لي به ظالم الجفون سطا ... ظلما على صبه وما رحمه
وقوله من أخرى:
يا بريقا بالحمى قد لمعا ... حي عني البان والأثل معا
فبذاك الحي لي غصن نقا ... طائر القلب عليه وقعا
يا له من غصن بان يانع ... صادح الحلي عليه سجعا
وقوله من أخرى:
أحيا الربيع الأرض بعد مماتها ... وحلا بسكب القطر عود نباتها
والزهر قد ألقى النثار كأنما ... أدت كنوز الأرض بعض زكاتها
وحكت جداولها خلا خيلا وقد ... أضحى خرير الماء من رناتها
وقوله من أخرى:
سقيا لأرض بعد كوثر مائها ... ما اشتاق قلبي للموارد منهلا
لو لا بقاياه وحقك في فمي ... ما قلت شعرا في المسامع قد حلا
وهذا من قول بلدية ابن حجة من قصيدة:
ولولا بقايا طعمهم في مذاقتي ... لما ظهرت هذي الحلاوة في شعري
ومن نتف له :
مدحتكم طمعا فيما أؤمله ... فلم أنل غير حمل الإثم والنصب
إن لم تكن صلة منكم لذي أدب ... فأجرة الخط أو كفارة الكذب
وقوله أيضا:
يكاد لرقة أعطافه ... من الين يعقد لولا الكفل
فإن قيل بدر فقل عبده ... وإن قيل شمس الضحى قل أجل
ونحوه قول ابن حجر:
حبيبي لا تحتفل بالعذل ... وصل مغرما للضنا قد وصل
وحقك إن العذل الأقل ... وأنت الحياة وأنت الأجل
ومن قصيدة له:
وفوق ظهور الخيل ماتوا فأصبحوا ... وفي كل سرج فوقها لهم قبر
وقد توارد في هذا المعنى مع ابن حجة، في قوله من قصيدة، وكنت لما طالعت في )ديوانه( لم أر له معنى ابتكره غيره، وهو:
ماتوا على تلك السروج مخافة ... فكأن هاتيك السروج مقابر
وهو تشبيه لطيف؛ لأن هيئة دفتي السرج، كهيئة جانبي القبر المصنوع من الحجارة في هذا الزمان.
وقد سبق إليه ابن نباتة، في مرثية له:

(1/54)


وما الناس إلا راحل بعد راحل ... إذا ما انقضى عصر مضى بعده عصر
تبدت لدى البيدا مطايا قبورهم ... ليعلم أهل العقل أنهم سفر
ثم رأيته في أشعار المتقدمين، لكن هذبه، فإن أبا نواس قال في قصيدته، التي أولها:
أجارة بيتينا أبوك غيور ... وميسور ما يرجى لديك عسير
ومنها:
إليك أتت بالقوم هوج كأنما ... جماجمها تحت الرحال قبور
قال الصولي: أي إبل كأن بها هوجا لنشاط في سيرها، وهذا التشبيه بالقبر حسن، لكنه أخذه من قول الوليد:
كأن هاماتها قبر على شرف ... يمد للسير أوصالا وأصلابا
انتهى.
وها هنا أمر نفيس، ينبغي الإصغاء له، لأن الجماجم الرؤس، ولو شبه أسنمتها أو الرحال التي عليها بالقبور، لكان من المعاني التي لا نظير لها. فاستحسان الصولي ليس بحسن، وكان المتأخرين إذ كانوا رأوه تنبهوا لهذا، وهذا من حسن الظن بالسلف، وإلا فللمقال مجال.
فإذا فطنت لما قلناه، وفهمته علمت أن هذا كله لا يصل في الحسن إلى درجة من درجات قولي، من قصيدة لي:
إذا جئت دارا قبل لقياي أهلها ... ألاقي قبورا للكرام أولي المجد
عليها لقد حطوا رحلا بمنزل ... وكم هودج من بينهما مر تخي الشد
لينتظروا من خلفوه بدورهم ... ليلحقهم قبل القيام بلا جهد
يقولون جدوا في الرحيل فإن من ... تبقى أناس أرضعوا اللؤم في المهد
وقولي: )قبل لقياي( إلخ، إشارة إلى أن قبور كل بلدة خارجها، فكل قادم لا بد أن يلاقيها أولا.
والى هذا المعنى أشار القاضي الفاضل في قوله:
المدن إن رجع المسا ... فر أو إذا خرج المسافر
ما استقبلته وودعته ... هه بغير هاتيك المقابر
القاضي محب الدين بن تقي الدين الحموي
نزيل الشام، وشامة من بها من الوجوه والأعلام، ذو كمال وأدب، ومجد تناوله عن كثب، فكان غرة من نظم ونثر، وكتب وشعر، إذا حل بناد تهلل صدره وانشرح، وتزينت بدرر كلماته عقود الملح، وترنمت أطيارها، وتفتحت بنسيم خلقه أنوارها، بمحاورات له تحمر خدود الكاسات منها خجلا، وتفتح أزهار الخمائل لها آذانا ومقلا.
إلا أنه وافي رياضها عشية، فحيته من أنفاسها بألطف تحية، فحمدها وشكر، بما طار بين سمع الأرض والبصر.
ومن شعره قوله في الشام:
أتينا فسلمنا عليها عشية ... فغنى لنا فيها الحمام وحيانا
وأبدى ثغر الأقاحي تبسما ... وأحسن ملقانا وأكرم مثوانا
وما هي إلا جنة قد تزخرفت ... ألم تر فيها العين حورا وولدانا
ومن تحتها الأنهار تجري وكلها ... عيون إلى الروضات ترسل غدرانا
ومن فضل له: )يقبل الأرض بعد دعاء ترصع في تيجان الإجابة درره، وتضرع تقف في ديوان الإخلاص فقره(.
ومما وقفت عليه من آثاره )شرح شواهد التفسير( وهو كتاب حسن، لكنه لم يشبع فيه الكلام.
شهاب الدين الكنعاني الشامي
شاعر عصري، لم أقف له على ما أنشده شيخنا العناياتي، من قوله:
يحسب كل الناس أمثاله ... من بات في مهد نعيم وطي
أما ترى الشبعان يا سيدي ... يفت للجيعان فتا بطى
وهذا مثل عامي، من أمثال العوام، تضربه للمترفة الذي لا يعرف حال من كل في بؤس وشدة، فيظنه مثله.
ولفظ )الجيعان( أنكره أهل اللغة وقالوا: المسموع فيه جائع وجوعان؛ لكن الأمثال لا تغير.
معروف الشامي

(1/55)


هو ممن اتسم بالأدب في الحديث والقديم، وسرى ذكره كما سرى من الرياض النسيم، فسمت مقاصده، وعذبت مصادره وموارده فليس للربيع نضارة تلك الشيم، ولا للغيث شيم ذلك الكرم، فروضة مآثره يانعة الزهر، ونسخة محاسنه مخلدة في صحائف الدهر.
لا زال جدثه روضة من رياض الجنان، ومنزلا تحل فيه قوافل الغفران، ما بكى المطر لفراق الغمام، فضحك النور على بكائه في الأكمام.
فمما أنشدت له قوله:
يا مفردا أضحت ظواهر شأنه ... ما فوقها في الحسن غير المخبر
يا سالبا فلبي الشجي وما اشتكى ... منه الجفاء إلى السميع المبصر
مني إليك مع النسيم تحية ... فتقت نوافجها بمسك أذفر
من منطق يزهو بحسن براعة ... تزري حلاوته بطعم السكر
فكأنها وكأنه وكأنها ... من جوهر في جوهر جوهر
يبدي التداخل في الجواهر عنوة ... لبصيرة المقدام لا المتحير
فكأنما قرطاسها أسرارنا ... والبين بينهما سواد الأسطر
أرجو على قرب المزار يقرب ال ... باري تعالى موردي من مصدري
في ذلك الشرف المعلى المنتهى ... طرب المشوق وجنة المتذكر
)ونقل لي عنه فصل في كحال، صورته( فلان انتهى إلى فوق ما يضرب به المثل، إن قيل يسرق الكحل من العين، فهذا يسرق العين من الكحل، فقد أودع كحله حزن يعقوب، فمن كحل منه ابيضت عيناه، وجحد معجزة القميص اليوسفي، فلو مروا به على ناظر تقرح جفناه، وهو من الذين إذا رفعوا أميالهم فإنما هي لعين الشمس، ولشمس العين مزولة، وإذا أولج أحدهم الميل في المكحلة، فهو أولى بالرجم ممن أولج الميل في المكحلة انتهى.
وأنا أظن أن هذا من كلام القاضي الفاضل.
ومن هذا قول مهيار، في طبيب كحال:
أفنى وأعمى ذا الطبيب بطبه ... وبكحله الأحياء والبصراء
فإذا نظرت رأيت من عميانه ... أمما على أمواته قراء
ومنه أخذ الزغاري قوله:
أعمى الورى بكحاله ... والموت من وصفاته
فكثير من عميانه ... يقرا على أمواته
وإنما خصوا العميان بالقراءة؛ لأنهم معروفون بكثرة الحفظ، وقد قيل: إنه ما أخذ الله من عبده حاسة إلا نقل قوتها لغيرها.
ولابن عنين:
لو أن طلاب المطالب عندهم ... علم بأنك للعيون تغور
لأتوا إليك بكل ما أملته ... منهم وكان لك الجزاء الأوفر
ودعوك بالصباغ لما أن رأوا ... يغشى لديك ماء أصفر
وبكفك الميل الذي يحكي عصا ... موسى فكم عين به تتفجر
ولمحمد بن الأكفاني:
ولقد عجبت لمن أتى بالكيميا ... في كحله إذ جاء بالشنعاء
يلقي على العين النحاس يحيلها ... في لمحة كالفضة البيضاء
وأحسن منه قولي:
كحل كحالنا غدا إكسيرا ... منه قد علم الورى الكيمياء
فحديد الأبصار يلقى عليه ... عاد في الحال فضة بيضاء
نجم الدين بن معروف
أديب إذا نظم حرك الهوى، وقال الشعر: )والنجم إذا هوى. ما ضل صاحبكم وما غوى(، فقد سلك سبيل الرغائب، واهتدى بأعلام المناقب، فهو نجم بزغ من سماء الكرم، شمس اهتدت بأنواره سراة الأمم.
تقلد سيف الإمارة، فلاحت عليه من السعادة كل أمارة، فلله نجمه الثاقب برفعته لدري الكواكب.
فمن أنواره الساطعة من مشرق فيه، ما كتبه للقاضي أبي الفتح يستدعيه:
يا أيها المولي الذي فتحت له ... فيضا إذ هو رب فضل مطلق
وإذا أتاه الفاضلون بجملة ... من فضلهم لا فاهم في فيلق

(1/56)


العبد يرغب أن تشرف بيته ... ليصير أفضل بقعة في جلق
لازلت يا زين الوجود ممتعا ... بعوارف منها المعارف تستقى
فأجابه:
يا ماجدا نحو العلا لم يسبق ... ومهذبا حاز الكمال بجلق
لبيك من مولى بفضل داعيا ... لمحبة بل عبده المتملق
وافت بدائع نظمه تحكي عقو ... د الدر في سلك البيان المونق
تدعو لحضرته البديع صفاتها ... ببلاغة فاقت بأفصح منطق
سعيا على الأحداق نحو كماله ... وجماله المتوقد المتألق
نحو الفضائل والفواضل والثنا ... نحو المكارم والندى المتدفق
لا زلت محروس الجناب ممتعا ... بلقائك الفضلاء دون تقرق
ما لاح نجم في الدجنة ثاقب ... أو فاحت الروضات للمستنشق
محمد بن محمد الحكيم المعروف بابن المشنوق
شاعر رأيته، وله شعر لم يثابر على تهذيبه، فهو وساوس لفكرة تهذي به.
وقد أنشد قصيدة سماها لامية الروم، منها:
حتى م أنظم من دمعي ومن غزلي ... أدلة وحبيب القلب معتزلي
يرى خلودي في نار الصدود فهل ... فسقت حين جعلت العشق من عملي
فتح الله بن بدر الدين محمود البيلوني الحلبي
أديب فاضل، له طرف وملح وشعر، سمح طبعه منه بما سنح، وله مجلس من مجالس القصاص والنصاح، ينادي به كل طالب حي على الفلاح.
رأيته وقد قدم الروم بصحبه الوزير نصوح، وشمس فضله من أفق معاليه تلوح، فانقطع عن الاختلاط، وربما حرك السكون رديء الأخلاط.
وله شعر وشعور، هما من خير الأمور، كقوله:
يقولون نافق أو فوافق مرافقا ... على مثل ذا العصر كل لقد درج
فقلت وأمر ثالث وهو قول أو ... ففارق وهذا الأمر أسلم للحرج
وقوله في بعض منازل الحج، المسمى بأكره، ويقال لها أكرى بالقصر أيضا:
تعففت عن زاد الرفيق ومائه ... وسرت لبيت الله أهدي له شكره
ووفرت ما عندي احترازا وإنني ... لصوني ماء الوجه لم أر ما أكره
ومن أمثاله المرسلة )رب داء أضر منه الدواء( ومنه:
إذا ابتليت بسلطان يرى حسنا ... عبادة العجل قدم نحوه العلفا
وقوله:
أنت كالمنخل الذي صار يلقي الص ... فو للناس ممسكأ للنخاله
وهذا مما وقع معناه في بعض الكتب الإلهية، كما نقله الإمام الرازي.
وقد كنت قلت فيه:
الدهر كالغربال في ... خفض ورفع لا محاله
إن حط لب لبابه ... رفع الحثالة والنخالة
والبيلوني، لقب جد له، وهو نسبة للبيلون، وهو طين أصفر، تسميه أهل مصر طفلا. انتهى.
القاضي ظهير الدين الحلبي
أديب ورده معين، وإثمد مداده مما تكتحل به عيون اليقين.
صحبته بالروم، فكان لي منه ظهير ومعين، فاقتطف سمعي جنى أزهاره، لما جلا على نتائج أفكاره، فرأيت كبراها وصغراها في الحد الأوسط، ومنها ما هو عن رتبة الإنتاج منحط.
فمن غض ثمراته، ويانع زهراته، قوله من قصيدة نبوية:
نسيم الصبا من حاجر ونواحيه ... سرت فأزالت صبرنا عن صياصيه
ومن بارق شام المتيم بارقا ... بدا فتداعى شوقه من أقاصيه
ومن ذكر أيام العذيب تكدرت ... مشارب صب ضل عنه مناجيه
إذا قفل الحجاج زاد ولوعه ... وأرسل دمعا قانيا من أماقيه
وبي من غدا يختال عجبا بقده ... وطلعته سكران من خمرة التيه
وفي القرب أخشاه وفي البعد قاتلي ... فواحربا من بعد وتدانيه

(1/57)


يفوق من جفنيه للقلب أسهما ... بأوهنا برمي الكمي فيصميه
بذلت له روحي فأعرض معجبا ... وقال أملكي عاد ملكك تهديه
وبالشعب من وادي النقا خير جيرة ... غدت بغيتي والله من غير تمويه
إذا ذكروا يرتاح قلبي كأنما ... أتت نحوه تنقاد قشرا أمانيه
بهاء الدين )محمد( بن الحسين العاملي الحارثي
الشامي أصلا ومحتدا، الفارسي منشأ ومولدا.
فاضل لمعت من أفق الفضل بوارقه، وسقاه من مورده النمير عذبه ورائقه، لا يدرك بحر وصفه الإغراق، ولا تلحقه حركات الأفكار ولو كان في مضمار الدهر لها السباق.
زين بمآثره العلوم النقلية والعقلية، وملك بنقد ذهنه جواهرها السنية، لا سيما الرياضيات، فإنه راضها، وغرس في حدائق الألباب رياضها.
وهو في ميدان الفصاحة فارس أي فارس، وإن كان غصنه أينع وربا بربوة فارس، فإن شجرته نبتت عروقها بنواحي الشام الزاهية المغارس، والعرق نزاع وإن أثر الجوار في الطباع.
ولما تدفق ماء كرمه خرج منها سائحا، بعدما ألقى دلوه في الدلاء ماتحا، لابسا خلع الوقار، قاطعا من رياض الكون ثمرات الاعتبار، فجاب البلاد، وأتى إرم مصر ذات العماد، فنمى متاع فضل به اتجر، والمعالي في كفالات السفر، فاجتنى نورا انفتحت كمائمه، وسرى سرى قلب الوجود كاتمه.
وسر دهر هو صدر له ... بعالم ذي نجدة عامل
وفي أثناء ذلك نظم عقود أشعار حقاقها العقول، وجمع من أزواد فضله مجموعة سماها )الكشكول(، طالعتها فرأيت فيها ما تنشرح له الصدور، وتحل عقد الإشكال عن كل مصدور.
وكان رئيس العلماء عند عباس شاه، سلطان العجم، لا يصدر إلا عن رأيه إذا عقد ألوية الهمم، إلا أنه لم يكن على مذهبه في زندقته وإلحاده لانتشار صيته في سداد دينه ورشاده، إلا أنه علوي بلا مين، وهو عند العقلاء أهون الشرين، فإنه أظهر غلوه في حب آل البيت، وجارى في حلبة الولاء الكميت، وأنشد لسان حاله لكل حي وميت:
إن كان رفضا حب آل محمد ... فليشهد الثقلان أني رافضي
وشعره باللسانين مهذب محرر، وبالفارسية أحسن وأكثر.
ولما ساح في البلدان، وأجتمع بمن فيها من الأعيان، عاد بدر ذاته لفلك أقطاره، فعانق في أوطانه عقائل أوطاره.
وهو الآن قرة عين مجدها، وغرة جبين سعدها، تطوف بحرمه وفود الأفاضل، وتتوجه شطره وجوه الآمال من كل فاضل، بنعيم مقيم تتحدث عنه طروس الأسفار، وتكتحل بإثمد مداده عيون الطروس والأسفار.
فمن أنوار كلامه، التي أطلعتها غصون أقلامه، قوله من قصيدة:
يا نديمي بمهجتي أفديك ... قم وهات الكئوس من هاتيك
هاتها هاتها مشعشعة ... أفسدت عقل ذي التقى النسيك
خمرة إن ضللت ساحتها ... فسنا نور كأسها يهديك
يا كليم الفؤاد داو بها ... قلبك المبتلى لكي تشفيك
هي نار الكليم فاجتلها ... واخلع النعل واترك التشكيك
صاح ناهيك بالمدام فدم ... في احتساها مخالفا ناهيك
عمرك الله قل لنا كرما ... يا حمام الأراك ما يبكيك
أ ترى غاب عنك أهل مني ... بعد ما قد توهنوا ناديك
إن لي بين ربعهم رشأ ... طرفه إن تمت أسى يحييك
ذو قوام كأنه غصن ... ماس لما بدا به التحريك
لست أنساه إذ أتى سحرا ... وحده وحده بغير شريك
طرق الباب خائفا وجلا ... قلت من قال كل ما يرضيك
قلت صرح فقال تجهل من ... سيف ألحاظه تحكم فيك

(1/58)


قمت من فرحتي فتحت له ... واعتنقنا فقال لي يهنيك
بات يسقي وبت أشربها ... خمرة تترك المقل مليك
ثم جاذبته الرداء وقد ... خامر الخمر طرفه الفتيك
قال لي ما تريد قلت له ... يا منى القلب قبلة من فيك
قمت من فرحتي فتحت له ... واعتنقنا فقال لي يهنيك
بات يسقي وبت أشربها ... خمرة تترك المقل مليك
ثم جاذبته الرداء وقد ... خامر الخمر طرفه الفتيك
قال لي ما تريد قلت له ... يا منى القلب قبلة من فيك
قال خذها فمذ ظرت بها ... قلت زدني فقال لا وأبيك
ثم وسدته اليمين إلى ... أن دنا الصبح قال لي يكفيك
قلت مهلا فقال قم فلقد ... فاح نشر الصبا وصاح الديك
وله من أخرى، مدح بها الأستاذ البكري، وقد اجتمع به، وهو مما يدل على سلامة عقيدته، قوله:
يا مصر سقيا لك من جنة ... قطوفها يانعة دانيه
ترابها كالتبر في لطفه ... وماؤها كالفضة الصافيه
قد أخجل المسك نسيم لها ... وزهرها قد أرخص الغالية
دقيقة أصناف أوصافها ... ومالها في حسنها ثانيه
منذ أنخت الركب في أرضها ... أنسيت أصحابي وأحبابيه
فيا حماها الله من روضة ... بهجتها كافية شافيه
فيها شفا القلب وأطيارها ... بنغمة القانون كالزاريه
ومنها:
من شاء أن يحيا سعيدا بها ... منعما في عيشة راضيه
فليدع العلم وأصحابه ... وليجعل الجهل له غاشيه
والطب والمنطق في جانب ... والنحو والتفسير في زاويه
وليترك الدرس وتدريسه ... والمتن والشرح مع الحاشيه
إلى م يا دهر وحتى متى ... تشقى بأيامك أياميه
تحقق الآمال مستعطفا ... وتوقع النقص بأماليه
وهكذا تفعل في كل ذي ... فضيلة أو همة عاليه
فإن تكن تحسبني منهم ... فهي لعمري ظنة واهية
دع عنك تعذيبي وإلا فأشكو ... ك إلى ذي الحضرة الساميه
وله رباعيات لطيفة، منها:
أغتص بريقتي كحسي الحاسي ... إذ أذكره وهو لعهدي ناسي
إن مت وجمرة الهوى في كبدي ... فالويل إذا لساكني الأرماس
وله:
كم بت من المسا إلى الإشراق ... من فرقتكم ومطربي أشواقي
والهم منادمي ونقلي ندمي ... والدمع مدامتي وجفني الساقي
ومنها
لا تبك معاشرا نأي أو إلفا ... القوم مضوا ونحن نأتي خلقا
بالمهلة أو تعاقب نتبعهم ... كالعطف بثم أو كعطف بألفا
ومنها:
من أربعة وعشرة أمدادي ... في ست بقاع سكنوا يا حادي
في طيبة الغراء مع سامرا ... في طوس وكربلا وفي بغداد
ومنها:
للشوق إلى طيبة جفني باكي ... لو صار مقامي فلك الأفلاك
أستنكف إن مشيت في روضتها ... فالمشي على أجنحة الأملاك
ومنها:
هذا النبأ العظيم ما فيه كلام ... هذا لملائك السموات إمام
من يمم بابه ينل مطلبه ... من طاف به فهو على النار حرام
ومنها:
هذا حرم بفضله العقل أقر ... فيه لملائك السموات مقر
كل منهم يقول يا زائره ... قبل عني تراب تلك الأعتاب
إن هم سألوا عن البهاء فقل ... قد ذاب من الشوق إليكم قد ذاب
ومنها:
يا ريح أقص قصة الشوق إليك ... إن جئت إلى طوس فباالله عليك
قبل عني ضريح مولاي وقل ... قد مات بهاؤك من الشوق إليك

(1/59)


ومنها:
أهوى رشا عرضني للبلوى ... ما عنه لقلب المعنى سلوى
كم جئت لاشتكي فمذ أبصرني ... من لذة قربه نسيت الشكوى
ومثله قولي:
لو تسمع لذ للمعنى الشكوى ... لا من بذا وليس عنه سلوى
كل بهواه مبتلى ذو دنف ... قالوا وتطيب إذ تعم البلوى
ومنها:
يا غائب عن عيني لا عن بالي ... القرب إليك منتهى آمالي
أيام نواك لا تسل كيف مضت ... والله مضت بأسوأ الأحوال
وفي معناه ووزنه قول الأرجاني:
لا بأس وإن أذبت قلبي بهواك ... القلب ومن سلبته القلب فداك
وليت وقلت أنعم الله مساك ... مولاي وهل ينعمم من ليس يراك
خضر الموصلي
كعبة فضل مرتفعة المقام، تضمنت ألسنة الرواة التزام مدحه فلله ذلك التضمن والالتزام.
رأيته في عنفوان العمر والدنيا كلها رياض، والأيام كلها أعياد وأعراس، والأوقات كلها سحر، والأشهر كلها نيسان.
فلو بعت يوما منه بالدهر كله ... لفكرت ثانيا في إرتجاعه
وهو حسنة في صحائف الأيام والليالي، وروضة تنبت الشكر في رياض المعالي، والعيش كله نضر، وقد قيل لكل زمان خضر.
إذا ما ذكرنا جوده كان حاضرا ... نأى أو دنى يسعى على قدم الخضر
وأقام بمكة مع بني حسن مخضر الأكناف، وصنف باسم السيد حسن كتابه )شرح شواهد الكشاف(، شرحا تشبث بأهدابه السحر، وناط به تميمة معلقة بجيد الدهر، وقد ملكته وطالعته، فرأيت فيه ما يدل على سعة إطلاعه، وطول طوله وباعه.
وهو تلميذ والدي، وكان يسلك معه طريق الأدب، ويجثو بين يديه على الركب.
وأنشدني له قوله مضمنا:
تبدل عن البرش المبلد بالطلا ... فعالم أهل البرش غمر وجاهل
فما البرش إن فتشت عن كنهه سوى ... دويهية تصفر منها الأنامل
وللأسعد بن مماتي، مما أنشده في كتابه )سلافة الزرجون(:
ندبمي لا تهزأ بمشمولة فإن ... بدا لك منها بهجة وشمائل
وراقك منها رقة في قوامها ... ولاحت كشمس أضعفتها الأصائل
فلا تغترر منها بلين فإنها ... دويهية تصفر منها الأنامل
وهذا من قصيدة لبيد، التي أولها:
ألا كل شئ ما خلا الله باطل ... وكل نعيم لا محالة زائل
وكل أناس سوف تدخل بينهم ... دويهية تصفر منها الأنامل
وقد ضمن زكي الدين بن قريع منها أيضا في قوله:
تأمل صحيفات الوجود فإنها ... من الجانب السامي إليك رسائل
وقد خط فيها إن تأملت خطها ... ألا كل شيء ما خلا الله باطل
وفي معناه قول العلامة الشيخ حسن البوريني:
ورق الرياض إذا نظرت دفاتر ... مشحونة بأدلة التوحيد
وهو في معنى شعر أبي نؤاس المشهور.
ومما مدحت به حضرة مولانا خضر المذكور:
وصبا من كئوس ذكرك سكرى ... لك حملتها ثناء وشكرا
ولوجدي رقت كطبعك لطفا ... واستعارت من طيب ذكرك نشرا
معك القلب حيثما سرت يسري ... فاسألنه عنى فذلك أدرى
من أولي العزم لي فؤاد كليم ... في النوى لا يزال يتبع خضرا
فصل
فيمن لقيته بالشام في رحلتي لمصر راجعا من الروم
لما منيت بغربة قارظية، ودعاني الشوق إلى العود إلى القاهرة المعزية، وعنان مطايا العزم بينت ثان وحادي، وطوارق الوساوس بين رائح وغادي.

(1/60)


بدا لي بها وجه جو قاطب، وسامرت بها ليالي عمر الكواكب، يتعثر بالعواء، وتضربه بعصا الجوزاء، ونهار صباه سموم، كأنه قلب صب مغموم، أو نفس فقير مظلوم، نفضت بها الآمال بساط القرار، واسترجعت نزاعها الأمصار، إذ لم تجد حرا ترتجيه، ولا أخا وجد تطارحه هوى نجد وتجاربه، كما قلت:
يا ويح مصر ترحلت سكانها ... وتعطلت تلك المجالس والمدارس
ظعنوا ومن بركاتها وجمالها ... كنست وهاتيك النخيل بها مكانس
فكأن الكرام أوراق خريف لوته الأعاصير، وبدده الشتات، ورسومها خط بها البلاء آيات المواريث وصحف الفرائض فلا يذكر فيها غير الأموات، فإذا رجع أو خرج منها المسافر، ما ودعه واستقبله غير المقابر.
عليها لقد حطوا رحلا بمنزل ... وكم هودج من بينها مرتخي الشد
وقد كنت أدأب في الترحال، لأحط بربعها المخصب رحال الآمال، رجاء لقاء أشياخي وأخداني، ومغازلة من بها من خرد أوانس الأماني، ممن سافنته بواديها، وساجلته بدلاء المجون في بواديها، وقد تنزل من حصن طودها الأوابد، كما قال كشاجم في كتاب )المطارد(: إن الوحوش قد تلج العمران، وتلجأ للآنس، إذا كلب الشتاء، وعبس بالجدب وجه الزمان، فعدمت الأقوات، وأخفى الجمد والثلج الماء والنبات، فشاب منه الوليد، كما قال مسلم بن الوليد:
فإن أغش قوما بعدهم أو أزورهم ... فكالوحش يدنيها من الآنس المحل
يذكرنيك الخير والشر والتقى ... وقول الخنا والحلم والعلم والجهل
فألقاك في مذمومها متنزها ... وألقاك في محمودها ولك الفضل
فعاد الرائد خائبا، والبشير ناعيا ناعبا، إذ بدت مقفرة الأرجاء، مبرقعة باليأس وجه الرجاء، من دار أمواتها أشراف، وأحياؤها أجلاف، بها ضعاف عقول يزعمون أنهم ألفوا وصنفوا، كأنهم بقية من أهل الكتاب الذين بدلوا أو حرفوا فعجت زائرا مقابر أطلالها، وقد خيل لي أنها أول منزل سفر بسروجها ورحالها، ينتظر بها السابقون اللاحقين، فقلت: السلام عليكم دار قوم مؤمنين، فردوا وصاحوا بهاواها، وأنشدني بديهة صداها:
يا راكبا حث المطي ... لأرض مصر تنتحيها
جز بالقرافة واقرأن ... مني السلام لساكنيها
وقل السلام على الكرا ... م الأكرمين الفاضليها
لم ألق بعدهم بها ... إلا جهولا أو سفيها
فكأنما الدنيا البخي ... لة بالعطاء لمجتديها
صرفت دنانير البها ... بنحاس نحس من بنيها
سادت بها فرق العبي ... د فأي حر يرتضيها
فلذا هجرت مقامها ... وطلبت أرضا أصطفيها
فإذا مررت فلا تسل ... عمن نأى من قاطنيها
وقف المطي بجلق ... إن الكرام الغر فيها
عرفت بعرف المجد ها ... تيك الربوع لساكنيها
فرحلت إلى الوادي المقدس طوى، والعزم بأيدي المطايا شبر شقة البين وطوى، حتى نزلت تربة عجنت بماء الوحي، على رغم أنف النوى، ومسحت بها المحيا، وحييت أكرم محيا، بين الصخرة والطور، والبيت المتلألئ فيه سبحات النور:
قطعنا في مسافته عقابا ... وما بعد العقاب سوى النعيم

(1/61)


ولما رأيته طشت ذهب مملوءا بالعقارب، غسلت يد الأمل فيه من الرغائب، وانثنيت للشام شامة وجه البلدان، وجنة الله في أرضه المحفوفة بالحور والولدان، المفروشة بسندس النبات والأشجار، واللابسة حلل الرياض المزررة بالأنواء، المسجفة بزرق الأنهار، فقالت لي: أهلا وسهلا، ومدت كرما ونزلا، وتلقتني بصدر رحيب، فبت فيها بين تكريم وترحيب:
من فوق أكمام الريا ... ض وتحت أذيال النسيم
ولقيت بها من فضلائها الأعيان، وأدبائها النقية الأذهان والأردان، كل كريم تحسد عليه العيون والآذان، هو لعين المجد قرة، ولوجه المكارم غرة، ولقلب الدهر فرحة ومسرة.
فكان ممن اجتلاه ناظري، وعكف عليه في حرم كرمه خاطري:
المولى عبد الرحمن بن عماد الدين الشامي الحنفي
وهو إذ ذاك مفتيها، وناشر لواء الإفادة بناديها، ومحي من رسوم المدارس كل دائر بها ودارس.
إن جاد فجودة تميمة للعدم، أو وعد فوعده للغنى سلم، مع صدق مقال، تعقد منه الأقوال بالأفعال.
إذا ذكر ما فيه من محاسن الصفات، سجدت له الخناصر كأنه آيات سجدات، أو سردت نعوته فكل نعت مقطوع، وكل وصف تابع له، وهو متبوع.
وقد متعت منه بما هو ألذ من نيل الوطر، وليس العيان كالخبر، وهبت علي ريح إقباله قبول وجنوب، وأطربتني أنفاسه والكريم طروب، وصرف الزمان مغلول اليدين، والزمان منقاد لجمع الشمل، كأنه عليه دين، فقلنا في ظله الظليل، ولم نر فيه نقصا سوى أنه قليل، وناهيك بطيب عنصر لو رآه النظام أثبت به الجوهر الفرد، مع لطف طبع هو شقيق الروض المخجل بلطفه خد الورد، وحسن تقرير وتحرير يهتز طربا له كل غصن نضير.
وبالجملة فهو في كل كمال مفرد، مستغن عن التعريف بفضل له لا يحد، فإنه أصيل عصره، وعماد دهره، كأنما عناه من قال:
أ رأيتم في الناس ذات لطيف ... يشرح الصدر مثل ذات العماد
حسبها من لطافة أنها لم ... يخلق الله مثلها في البلاد
وقد دارت بيني وبينه كئوس محاورات لها ثغر الحباب باسم، تنظم منها في جيد الآداب عقود لها بنان البيان ناظم، ولما قوضت خيام المقام، وزمت مطايا العزائم، كتبت له مودعا وشاكرا لما أفاضه علي من سوابغ المكارم قولي:
قسما بلطف مالك لفؤادي ... وبروض أنس مثمر لودادي
وبطلعة نزلت لدى حرم العلا ... وبسدة هي قبلة القصاد
أنى ارتحلت وذكركم أبدا على ... طول المدى ماءي النمير وزادي
يا واحد الدنيا وبيت قصيدها الز ... اهي لدى الإنشاء والإنشاد
يا ابن العماد لأنت عمدة سادة ... تمتاح في الإصدار والإيراد
إرما غدت أرض الشآم لأنها ... ذات العماد بكم وأي عماد
بل جنة فيها الثناء مخلد ... أترى لها بعد البعاد بعاد
وحديث فضلكم المعنعن مجده ... أضحى بأصلك عالي الإسناد
يثنى عليه رائح أو غادي ... أبدا برغم عشيرة أوغاد
واسلم ودم في عزة أيامها ... للقائه لبست حلى الأعياد
وبعد هذا الفصل: مولاي، هذه نفثة مصدور، وغلالة صاد لولاك لم ترو بها الصدور، وبديهة غريب من الأوطان والأحبة مهجور، والطبع وإن كان في حلبته جواد، فقد يكبو الجواد، وقد يبخل الجواد، ولكنني أقول كما قال ابن عباد:
أما لولاك ما رأتني القوافي ... في وهاد من أرضها ونجاد
إن خير المداح من مدحته ... شعراء البلاد في كل ناد
والسلام.
فأجاب:

(1/62)


هذي درار نورها لي هادي ... وشهابها رجم على الأضداد
أم روضة بسمت ثغور زهورها ... أم حلة وشيت من الأبراد
أم تلك أبيات البنا ... رفعت على عمد رفعن عمادي
بنيت بأيدي فكر قس خفاجة ... تبت أيادي فكر قس إياد
مولاي يا فرد الوجود فضائلا ... وشمائلا يا أوحد الآحاد
قد كنت أسمع عن فضائلك التي ... شنفنني من حاضر أو باد
ولطالما قد كنت أرجو الملتقى ... وتبعد الآمال طول بعادي
حتى شهدت جمالكم فلمحنتي ... جذبت محبتكم شغاف فؤادي
ودنا الرحيل مخلفا قلبي لكم ... وقفا على الاتهام والإنجاد
سر بالهنا أما خيال كمالكم ... فهو السمير لمهجتي في النادي
واسلم ولا تنس العمادي إنه ... ليعلل الأحشا بقرب بعاد
ومما أنشدني قوله:
سأطمس آثارا هواي أثارها ... وأنفض من ذيل التصابي غبارها
لقد آن صحوي من سلاف صبابة ... لقد طال ما خامرت جهلا خمارها
هجرت الهوى والزهو حتى اشتياقه ... وطيب ليالي اللهو حتى ادكارها
وعفيت سبل الهزل بالجد مقلعا ... وعفت مسرات جنيت ثمارها
أثام كفيت اليوم بالتزك شرها ... لعلي غدا في الحشر أكفى شرارها
قطفت أزاهير الصبابة في الصبا ... وقد صار عارا أن أشم عرارها
فلو صائدات القلب أقبلن كالمها ... وقبلن رأسي ما قبلت مزارها
وقد كنت أودعت الحجا فاسترده ... إلى النفس شيب قد أعاد وقارها
وكان شبابي شب نار صبابتي ... فمذ لاح نور الشيب أخمد نارها
ترى شيبتي ما عذرها لشبيبتي ... وقد صبغت قبل الكمال عذارها
تبسم ثغر الشعر فيها تعجبا ... لها إذ رأى ليل السبال نهارها
فما زار وكر الشعر فيها غرابه ... ولا دار حتى استوطن الباز دارها
عسى الآن عما قد عثرت إنابه ... يقيل بها للنفس ربي عثارها
عسى رحمة أو نظرة أو عناية ... يتم سعودي في صعود منارها
عسى نفحة من نور نور معارف ... تهب فتختار الفؤاد قرارها
ويشرح صدري نور علم مقدس ... يريني أسرار العلوم جهارها
وأمنح ألطافا من الانس أبتغي ... خفاها ويأبى إلا اشتهارها
وتكشف عن عين البصيرة حجبها ... بأنوار عرفان تزيل استتارها
فيظهر لي سر الحقيقة مسرقا ... على ظلم الكون التي قد أنارها
وأحظى بحالات من القرب أكتسي ... بدنيا وأخرى فضلها وفخارها
ولطف إلهي قطب دائرة المنى ... فإن عليه في العطاء مدارها
وقال قبيل موته، رحمة الله:
قد شاب فودي حين شاب فؤادي ... فكأنما كانا على ميعاد
حسن الخواتم أرتجي من محسن ... قد من لي قدما بحسن مبادي
وعمادي التوحيد فهو وسيلتي ... في نيل ما أرجوه عند معادي
إن قيل أي سفينة تجري بلا ... ماء وليس لأهلها من زاد
قل رحمة الرحمن من أنا عبده ... تسع العباد فمن هو ابن عماد
وكتب إلي وهو مريض، وقد سمع بعودي لمصر، ولم يلبث بعده إلا قليلا، ما صورته:

(1/63)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية