صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : ذيل طبقات الحنابلة
المؤلف : ابن رجب
مصدر الكتاب : الوراق

[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

ومن تصانيفه " بغية السائل في أمهات المسائل " في أصول الدين، وقصيدة في العقيدة وشرحها، " مختصر الروضة " في أصول الفقه، وشرحه في ثلاث مجلدات، " مختصر الحاصل " في أصول الفقه، " القواعد الكبرى " و " القواعد الصغرى " ، " الإكسير في قواعد التفسير " " الرياض النواضر في الأشباه والنظائر " ، " بغية الواصل إلى معرفة الفواصل " مصنف في الجدل، وآخر صغير، " درء القول القبيح في التحسين والتقبيح " ، " مختصر المحصول " ، " دفع التعارض عما يوهم التناقض " في الكتاب والسنة، " معراج الوصول إلى علم الأصول " في أصول الفقه، " الرسالة العلوية في القواعد العربيه " ، " غفلة المجتاز في علم الحقيقة والمجاز " ، " الباهر في أحكام الباطن والظاهر " ، " رد على الاتحادية " ، " مختصر المعالين " جزئين فيه: أن الفاتحة متضمنة لجميع القرآن. " الذريعة إلى معرفة أسرار الشريعة " ، " الرحيق السلسل في الأدب المسلسل " ، " تحفة أهل الأدب في معرفة لسان العرب " ، " الانتصارات الإسلامية في دفع شبه النصرانية " ، " تعاليق " على الرد على جماعة من النصارى " تعاليق " على الأناجيل وتناقضها، شرح نصف " مختصر الخرقي " في الفقه، " مقدمة في علم الفرائض " ، " شرح مختصر التبريزي " ، " شرح مقامات الحريري " مجلدين، " موائد الحيس في شعر امرئ القيس " ، " شرح أربعين النووي " . واختصر كثيرا من كتب الأصول، ومن كتب الحديث أيضا، ولكن لم يكن له فيه يد. ففي كلامه تخبيط كثير.
وله نظم كثير رائق، وقصائد في مدح النبي صلى الله عليه وسلم، وقصيدة طويلة في مدح الإمام أحمد. وكان مع ذلك كله شيعيا منحرفا في الاعتقاد عن السنة، حتى إنه قال في نفسه:
حنبلي رافضي أشعري ... هذه أحد العبر
ووجد له في الرفض قصائد، وهو يلوح في كثير من تصانيفه، حتى إنه صنف كتابا سماه " العذاب الواصب على أرواح النواصب " .
ومن دسائسه الخبيثة: أنه قال في شرح الأربعين للنووي: اعلم أن من أسباب الخلاف الواقع بين العلماء: تعارض الروايات والنصوص، وبعض الناس يزعم أن السبب في ذلك: عمر بن الخطاب، وذلك أن الصحابة استأذنوه في تدوين السنة من ذلك الزمان، فمنعهم من ذلك وقال: لا أكتب مع القرآن غيره، مع علمه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " اكتبوا لأبي شاه خطبة الوداع " ، وقال: " قيدوا العلم بالكتابة " . قالوا: فلو ترك الصحابة يدون كل واحد منهم ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم لانضبطت السنة، ولم يبق بين آخر الأمة وبين النبي صلى الله عليه وسلم في كل حديث إلا الصحابي الذي دون روايته، لأن تلك الدواوين كانت تتواتر عنهم إلينا، كما تواتر البخاري ومسلم ونحوهما.
فانظر إلى هذا الكلام الخبيث المتضمن: أن أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه هو الذي أضل الأمة، قصدا مه وتعمدا. ولقد كذب في ذلك وفجر.
ثم إن تدوين السنة اكثر ما يفيد صحتها: وتواترها. وقد صحت بحمد الله تعالى، وحصل العلم بكثير من الأحاديث الصحيحة المتفق عليها - أو أكثرها - لأهل الحديث العارفين به من طرق كثيرة، دون من أعمى الله بصيرته، لاشتغاله عنها بشبه أهل البدع والضلال. والاختلاف لم يقع لعدم تواترها، بل وقع من تفاوت فهم معانيها. وهذا موجود، سواء دونت وتواترت أم لا. وفي كلامه إشارة إلى أن حقها اختلط بباطلها، ولم يتميز. وهذا جهل عظيم.
وقد كان الطوفي أقام بالمدينة النبوية مده يصحب الرافضة: السكاكيني المعتزلي ويجتمعان على ضلالتهما، وقد هتكه الله، وعجل الانتقام منه بالديار المصرية.
قال تاج الدين أحمد بن مكتوبم القيسي في حق الطوفي: قدم علينا - يعني الديار المصرية - في زي أهل الفقر، وأقام على ذلك مدة، ثم تقدم عند الحنابلة، وتولى الإعادة في بعض مدارسهم، وصار له ذكر بينهم. وكان يشارك في علوم، ويرجع إلى ذكاء وتحقيق، وسكون نفس، إلا أنه كان قليل النقل والحفظ، وخصوصا للنحو على مشاركة فيه، واشتهر عنه الرفض، والوقوع في أبي بكر وابنته عائشة رضي الله عنهما، وفي غيرهما من جملة الصحابة رضي الله عنهم، وظهر له في هذا المعنى أشعار بخطه، نقلها عنه بعض من كان يصحبه ويظهر موافقة له، منها قوله في قصيدة:
كم بين من شك في خلافته ... وبين من قيل: إنه الله

(1/330)


فرفع أمر ذلك إلى قاضي قضاة الحنابلة سعد الدين الحارثي، وقامت علية بذلك البينة، فتقدم إلى بعض نوابه بضربه وتعزيزه وإشهاره، وطيف به، ونودي عليه بذلك، وصرف عن جميع ما كان بيده من المدارس، وحبس أياما، ثم أطلق. فخرج من حينه مسافرا، فبلغ إلى " قوص " من صعيد مصر، وأقام بها مدة، ثم حج سنة أربع عشرة. وجاور سنة خمس عشرة. ثم حج، ثم نزل إلى الشام إلى الأرض المقدسة، فأدركه الأجل في بلد الخليل عليه السلام في شهر رجب سنة ست عشرة وسبعمائة.
قلت: وقد ذكره بعض شيوخنا عمق حدثه عن آخر: أنه أظهر له التوبة وهو محبوس. وهذا من تقيته ونفاقه؛ فإنه في آخر عمره لما جاور بالمدينة كان يجتمع هو والسكاكيني شيخ الرافضة، ويصحبه. ونظم في ذلك ما يتضمن السب لأبي بكر الصديق رضي الله عنه.
وقد ذكر ذلك عنه شيخنا المطري، حافظ المدينة ومؤرخها. وكان قد صحبه بالمدينة، وكان الطوفي بعد سجنه قد نفى إلى الشام، فلم يمكنه الدخول إليها؛ لأنه كان قد هجا أهلها وسبهم، فخشي منهم، فسار إلى دمياط، فأقام بها مدة، ثم توجه إلى الصعيد.
أبو القاسم بن محمد بن خالد بن إبراهيم، الحراني، الفقيه التاجر، بدر الدين، أخو الشيخ تقي الدين ابن تيمية لأمه: ولد سنة خمسين - وستمائة تقريبا - ولد سنة إحدى وخمسين - بحران.
وسمع بدمشق من ابن عبد الدايم، وابن أبي اليسر، وابن الصيرفي، وات أبي كمر، وغيرهم. وتفقه، ولازم الاشتغال على شيوخ المذهب مدة وأفتى، وأم بالمدرسة الجوزية، بمسجد الرماحين، ودرس بالمدرسة الحنبلية نيابة عن أخيه الشيخ تقي الدين مدة.
قال البرزالي: كان فقيها مباركا، كثير الخير، قليل الشر، حسن الخلق، منقطعا عن الناس. وكان يتجر وتكسب، وخلف لأولاده تركة، وروى جزء ابن عرفة مرات عديدة.
وقال الذهبي: كان فقيها عالما إماما بالجوزية. وله رأس مال يتجر فيه. وكان قد تفقه على أبي زكريا بن الصيرفي، وابن المنجا؛ وغيرهما بدمشق. سمعنا منه جزء ابن عرفة غير مرة، ودرس بالحنبلية ثمانية أعوام. وكان خيرا متواضعا.
قال البرزالي: وتوفي يوم الأربعاء ثامن جمادى الآخرة سنة سبع عشرة وسبعمائة. ودفن من يومه بمقابر الصوفية عند والدته، وحضر جمع كثير. رحمه الله تعالى.
عبد الله بن أحمد بن تمام بن حسان المكي الصالحي، الأديب الزاهد، تقي الدين أبو محمد: ولد سنة خمس وثلاثين وستمائة.
سمع الحديث من ابن قميرة، والمرسي، وإبراهيم بن خليل، والبلداني؛ وخطيب مردا. وجماعة.
وقرأ النحو والأدب على الشيخ جمال الدين بن مالك وعلى والده بدر الدين، وصحبه ولازمه مدة، وأقام بالحجاز مدة. واجتمع بالشيخ تقي الدين الحوراني الزاهد وغيره، وسافر إلى الديار المصرية، وأقام بها مدة. وله نظم كثير حسن رائق.
قال البرزالي: كان شيخا فاضلا، بارعا في الأدب، حسن الصحبة، مليح المحاضرة، صحب الفقراء والفضلاء وتخلق بالأخلاق الجميلة، وخرج له فخر الدين ابن البعلبكي مشيخة قرأتها عليه وكتبنا عنه من نظمه وكان زاهدا متقللا من الدنيا، نم يكن له أثاث ولا طاسة ولا فراش، ولا سراج ولا زبدية، بل كان بيته خاليا من ذلك كله. حدثني بذلك أخوه الشيخ محمد.
وقال لي القاضي شهاب الدين محمود الكاتب: صحبته أكثر من خمسين سنة. وأثنى عليه ثناء جميلا، وعظمه وبجقه، ووصفه بالزهد والفراغ من الدنيا، وذكر نحو ذكر أخوه.
توفي ليلة السبت ثالث ربيع الآخر سنة ثمان عشرة وسبعمائة، ودفن من الغد بمقابر المرداويين بالقرب من تربة الشيخ أبي عمر. رحمه الله تعالى.
أنشدنا أبو العباس المقدسي. أنشدنا عبد الله بن تمام لنفسه:
أشاهد من محاسنكم منارا ... يكاد البدر يشبهه شقيقا
وأصحب من جمالكم خيالا ... فأنى سرت يرشدني الطريقا
أرى لجم الزمان بكم سعيدا ... ومعنى حسنكم معنى دقيقا
وبدر التم يزهى من سناكم ... وشمس جمالكم برزت شروقا
وروض عبير أرضكم نهارا ... جرى ذهب الأصيل به خلوق
حديثي والغرام بكم قديم ... وشوقي يزعج القلب المشوقا
وأنفاسي بعثت بها إليكم ... سلوا عنها النسيم أو البروقا

(1/331)


ولي صدق المودة في حماكم ... سقى الله الحمى، ورعى الصديقا
وأنشدنا أيضا عن ابن تمام !نفسه:
أكرر فيكم أبدا حديثي ... فيحلوا، والحديث بكم شجون
وأنظمه عقودا من دموعي ... فتنثره المحاجر والجفون
وأبتكر المعاني في هواكم ... وفيكم كل قافية تهون
وأعتنق النسيم، لأن فيه ... شمائل من معاطفكم تبين
وأسأل عنكم النكباء سرا ... وسر هواكم عندي مصون
وكم لي في محبتكم غرام؟ ... وكم لي في الغرام بكم فنون؟
وفي ثالث ذي القعدة سنة ثمان عشرة أيضا: توفي الفقيه الفاضل: -
برهان الدين أبو إسحاق إبراهيم ابن الشيخ عماد الدين عبد الحافظ بن أبي محمد عبد الحميد بن محمد بن أبي بكر، قاضي القدس الحنبلي. ودفن بتربة الشيخ موفق الدين. وكان من أبناء السبعين: حضر على خطيب مردا بنابلس. وأقام بدمشق. وتفقه بها وسمع. وكتب بخطه كثيرا.
وكان عدلا وفقيها في المدارس، من أهل الدين والعفاف والفضيلة. وكان كثير السكوت، قليل الكلام. وله قصيدة حسنة ربى بها الشيخ شمس الدين بن أبي عمر. ذكر ذلك البرزالي.
وقال الذهبي: كان فقيها إماما، عارفا بالفقه والعربية: وفيه دين وتواضع وصلاح.
قال: وسمعت منه قصيدته التي رثى بها الشيخ شمس الدين، ثم روى عنه حديثا.
محمد بن عمر بن عبد المحمود بن زباطر الحراني، الفقيه الزاهد، شمس الدين أبو عبد الله: نزيل دمشق. ولد سنة أربع وثلاثين وستمائة بحران.
وسمع بها من عيسى الخياط، والشيخ مجد الدين ابن تيمية.
وسمع بدمشق من إبراهيم بن خليل، ومحمد بن عبد الهادي، والبلداني، وابن عبد الدايم، وخطيب مرادا. وعني بسماع الحديث إلى آخر عمره. وكان يرد على القارئ وقت القراءة أشياء مفيدة، ولديه فقه وفضائل، وأم بمسجد الوزير ظاهر دمشق.
قال الذهبي: كان فقيها زاهدا ناسكا، سلفي الجملة، عارفا بمذهب الإمام أحمد. وحدث، سمع منه جماعة، منهم: الذهبي، وصفي الدين عبد المؤمن بن عبد الحق. وسافر سنة إحدى عشرة إلى مصر لزيارة الشيخ تقي الدين ابن تيمية، فأسر من سبخة بردويل، وبقي مدة في الأسر.
ويقال: إن الفرنج لما رأوا ديانته وأمانته واجتهاده أكرموه واحترموه؛ وبقي عندهم مدة، وانقطع خبره قبل العشرين؛ ويقال: إن وفاته كانت بقبرص سنة ثمان عشرة وسبعمائة. رحمه الله تعالى.
أحمد بن حامد المعروف بابن عصية، البغدادي، القاضي: جمال الدين:
قال الطوفي: حضرت درسه. وكان بارعا في الفقه والتفسير والفرائض. وأما معرفة القضاء والأحكام: فكان أوحد عصره في ذلك.
قلت: كان ذا هيبة، وحسر شيبة. ولي القضاء بالجانب الشرقي ببغداد، ودرس للحنابلة بالبشيرية، ثم عزل، ونالته محنة، ثم أعيد إلى التدريس سنة ثلاث عشرة. وأظنه توفى في حدود العشرين وسبعمائة. رحمه الله تعالى.
عبد الرزاق بن أحمد بن محمد بن أحمد بن عمر بن أبي المعالي محمد بن محمود بن أحمد بن محمد بن أبي المعالي الفضل بن العباس بن عبد الله بن معن بن زائدة الشيباني، المروزي الأصل؛ البغدادي الأخباري، المؤرخ الكاتب الأديب، كمال الدين أبو الفضل بن الصابوني، ويعرف بابن الفوطي، وهو جد أبيه لأمه.
ولد في سابع عشر المحرم سنة اثنتين وأربعين وستمائة بدار الخلافة من بغداد.
وسمع بها من الصاحب محي الدين بن الجوزي، ثم أسر في وقعة بغداد، وخلصه النصير الطوسي الفيلسوف وزير الملاحدة، فلازمه، وأخذ عنه علوم الأوائل، وبرع في الفلسفة وغيرها، وأمره بكتابة الزيج وغيره من علم النجوم، واشتغل على غيره في اللغة والأدب، حتى برع ومهر في التاريخ والشعر وأيام الناس، وأقام بمراغة مدة، وولي بها خزن كتب الرصد بضع عشرة سنة، وظفر بها بكتب نفيسة، وحصل من التواريخ ما لا مزيد عليه.
وسمع بها من المبارك بن المستعصم بالله سنة ست وستين، ثم عاد إلى بغداد، وولي خزن كتب المستنصرية، فبقي عليها إلى أن مات. ويقال: إنه ليس بالبلاد أكثر من كتب هاتين الخزانتين اللتين باشرهما.

(1/332)


وسمع ببغداد الكثير من محمد بن أبي الرينية وطبقته. وعني بالحديث. وقرأ وكتب الكثير بخطه المليح، وصنف في الأخبار والتاريخ والأنساب شيئا كثيرا. ذكره الذهبي في طبقات الحفاظ، وقال: له النظم والنثر، والباع الأطول في ترصيع تراجم الناس، وله ذكاء مفرط، وخط منسوب رشيق، وفضائل كثيرة.
سمع الكثير، وعني بهذا الشأن، وجمع وأفاد، فلعل الحديث أن يكفر به عنه، وكتب من التواريخ ما لا يوصف. ومصنفاته وقر بعير.
عمل تاريخا كبيرا لم يبيضه، ثم عمل آخر دونه في خمسين مجلدا، سماه " مجمع الآداب في محجم الأسماء على معجم الألقاب " وألف كتاب " درر الأصداف في غرر إلأوصاف " وهو كبير جدا، وذكر: أنه جمعه من ألف مصنف من التواريخ والدواوين، الأنساب والمجاميع، عشرون مجلدا، بيض منها خمسة، وكتاب " المؤتلف والمختلف " رتبه مجدولا. وله كتاب " التاريخ على الحوادث " وكتاب " حوادث المائة السابعة " ، وإلى أن مات، وكتاب نظم " الدرر الناصعة في شعراء المائة السابعة " في عدة مجلدات.
وذكر الذهبي أيضا في " المعجم المختصر " : أن ابن الفوطي خرج معجما لشيوخه، وبلغوا نحو خمسمائة شيخ بالسماع والإجازة.
وذكر غيره: أنه جمع الوفيات من سنة ستمائة، سماه " الحوادث الجامعة، والتجارات النافعة، الواقعة في المائة السابعة " وهذا هو الذي أشار إليه الذهبي.
قال: وذيل على تاريخ ابن الساعي شيخه نحوا من ثمانين مجلدة، عمله للصاحب عطاء الملك. وله " تلقيح الأفهام في تنقيح الأوهام " وله وفيات أخر، وأشياء كثيرة في الأنساب وغيرها، ونظم كثير حسن، وخصه في غاية الحسن. وقد تكلم في عقيدته وفي عدالته.
وسمعت من بعض شيوخنا ببغداد شيئا من ذلك. وقد ذكر الذهبي طرفا من ذلك، وأنه كان يترخص في إثبات ما يرصعه، ويبالغ في تقريظ المغول وأعوانهم.
قال: وهو في الجملة إخباري علامة، ما هو بدون أبي الفرج الإصبهاني. وكان ظريفا متواضعا، حسن الأخلاق، فالله يسامحه.
وقلت: حدث. سمع منه جماعة.
روى لنا عنه ولده أبو المعالي محمد، وغيره ببغداد. وقد سمع منه محمود بن خليفة، وغيره من أهل الشام.
وأصابه فالج في آخر عمره فوق سبعة أشهر. ثم توفي في آخر نهار الإثنين غرة المحرم - وقيل: ثالث المحرم، وقيل: في ثاني عشرة - سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة ببغداد. ودفن بالشونيزية. سامحه الله تعالى.
محمد بن سعد بن عبد الأحد بن سعد الله بن عبد القاهر بن عبد الأحد بن عمر بن نجيح الحراني، ثم الدمشقي؛ الفقيه الإمام، شرف الدين أبو عبد الله بن سعد الدين: سمع من الفخر بن البخاري وغيره. وطلب الحديث. وقرأ بنفسه. وتفقه وأفتى. وصحب الشيخ تقي الدين ابن تيمية، ولازمه. وكان صحيح الذهن، جيد المشاركة في العلوم، من خيار الناس وعقلائهم وعلمائهم.
توفي في ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة بوادي بني سالم في رجوعه من الحج، وحمل إلى المدينة النبوية على أعناق الرجال. ودفن بالبقيع. وكان كهلا رحمه الله تعالى.
وفي يوم الثلاثاء عاشر جمادى الأولى سنة ثلاث وعشرين أيضا: توفى الشيخ الإمام الفقيه شمس الدين أبو عبد الله، -
محمد بن محمود الجيلي. نزيل بغداد، المدرس للحنابلة بالبشيرية بها:
وكان فقيها فاضلا. له مصنف في الفقه، سماه " الكفاية " لم يتمه. وذكر فيه: أن أحمد نص على أن من وصى بقضاء الصلاة المفروضة عنه نفذت وصيته.
محمد بن عثمان بن يوسف بن محمد بن الحداد الآمدي، ثم المصري الخطيب، الإمام، الصدر الرئيس، الفقيه، بدر الدين أبو عبد الله، خطيب دمشق وحلب: سمع الحديث. وتفقه بالديار المصرية، وحفظ " المحرر " وشرحه على ابن حمدان، ولازمه مدة من السنين حتى قرأه عليه، وبرع في الفقه. وكان ابن حمدان يشكره، ويثني عليه كثيرا، ثم اشتغل بالكتابة، واتصل بالأمير قراسنقر المنصوري بحلب، فولاه نظر الأوقاف، وخطابة جامع حلب.
ثم لما صار قراسنقر نائبا بدمشق ولاه خطابة جامعها في آخر ذي القعدة سنة تسع وسبعمائة، وصرف عنه جلال الدين القزويني، فاستمر يباشر الخطابة والإمامة بالجامع إلى ثاني عشر محرم سنة عشر، فأعيد القزويني بمرسوم السلطان وولي ابن الحداد حينئذ نظر إلى المارستان، ثم ولي حسبة دمشق، ونظر الجامع، واستمر في نظره إلى حين وفاته، وعين لقضاء الحنابلة في وقت.

(1/333)


توفي ليله الأربعاء سابع جمادى الأولى سنة أربع وعشرين وسبعمائة. ودفن بمقبرة الباب الصغير. رحمه الله تعالى.
محمد بن المنجا بن عثمان بن أسعد بن المنجا التنوخي، الدمشقي، الشيخ شرف الدين أبو عبد الله، ابن الشيخ زين الدين أبي البركات: وقد سبق ذكر آبائه. ولد سنة خمس وسبعين وستمائة.
وأسمعه والده الكثير من المسلم بن علان، وابن أبي عمر، وجماعة من طبقتهما، وسمع " المسند " والكتب الكبار. وتفقه وأفتى، ودرس بالمسمارية. وكان من خواص أصحاب الشيخ تقي الدين ابن تيمية، وملازميه حضرا وسفرا ومشهور بالديانة والتقوى، ذا خصال جميلة، وعلم وشجاعة.
روى عنه الذهبي في معجمه. وقال: كان فقيها إماما، حسن الفهم صالحا متواضعا، كيس الجملة.
توفي إلى رضوان الله تعالى في رابع شوال سنة أربع وعشرين وسبعمائة وشيعه الخلق الكثير.. ودفن بسفح قاسيون. رحمه الله.
محمود بن سليمان بن فهد الحلبي، ثم الدمشقي، شهاب الدين أبو الثناء، كاتب السر، وعلامة الأدب: ولد سنة أربع وأربعين وستمائة بحلب، وانتقل مع والده إلى دمشق سنة أربع وخمسين.
وسمع بها من الرضى بن البرهان، وابن عبد الدايم، ويحيى بن الناصح بن الحنبلي وغيرهم - وتعلم الخط المنسوب، ونسخ بالأجرة بخطه الأنيق كثيرا.
واشتغل بالفقه على الشيخ شمس الدين بن أبي عمر. وأخذ العربية عن الشيخ جمال الدين بن مالك، وتأدب بالمجد بن الظهير وغيره. وفتح له في النظم والنثر، ثم ترقت حاله، واحتيج إليه، وطلب إلى الديار المصرية، واشتهر اسمه، وبعد صيته، وصار المشاء إليه في هذا الشأن في الديار الشامية والمصرية. وكان يكتب التقاليد الكبار بلا مسودة.
وله تصانيف في الإنشاء وغيره، ودون الفضلاء نظمه ونثره. ويقال: إنه لم يكن بعد القاضي الفاضل مثله، وله من الخصائص ما ليس للفاضل من كثرة القصائد المطولة الحسنة الأنيقة، وبقي في ديوان الإنشاء نحوا من خمسين سنة بدمشق ومصر، وولي كتابة السر بدمشق نحوا من ثمان سنين قبل وفاته.
وحدث. وروى عنه الذهبي في معجمه، وقال: كان دينا متعبدا، مؤثرا للانقطاع والسكون، حسن المحاورة، كثير الفضائل.
توفي ليلة السبت ثاني عشرين شعبان سنة خمس وعشرين وسبعمائة بدمشق بداره، وهي دار القاضي الفاضل بالقرب من باب الناطفانيين. وشيعه أعيان الدولة. وحضر الصلاة عليه بسوق الخيل نائب السلطنة، ودفن بتربته التي أنشأها بالقرب من اليغمورية. رحمه الله تعالى.
يوسف بن عبد المحمود بن عبد السلام بن البتي البغدادي، المقرئ الفقيه، الأديب النحوي، المتفنن جمال الدين: قرأ بالروايات، وسمع الحديث من محمد بن حلاوة، وعلي بن حصين، وعبد الرزاق بن الفوطي، وغيرهم.
وقرأ بنفسه على ابن الطبال. وأخذ عن الشيخ عز الدين عبد العزيز بن جماعة بن القواس الموصلي شارح ألفية ابن معطي: الأدب والعربية والمنطق، وغير ذلك، واستفاد في الفقه من الشيخ تقي الدين بن الزريراني. ويقال: إنه قرأ عليه. وكان معيدا عنده بالمستنصرية.
وقال الطوفي: استفدت منه كثيرا. وكان نحوي العراق ومقرئه، عالما بالقرآن والعربية والأدب. وله حظ من الفقه والأصول والفرائض والمنطق.
قلت: ودرس للحنابلة بالبشيرية غربي بغداد، ونالته في آخر عمره محنة، واعتقل بسبب موافقته الشيخ تقي الدين ابن تيمية في مسألة الزيارة. وكاتبه عليها مع جماعة من علماء بغداد، وتخرج به جماعة، وأقرأ العلم مدة، ولا يعرف أنه حدث.
وتوفي في حادي عشر شوال سنة ست وعشرين وسبعمائة. ودفن بمقبرة الإمام أحمد رضي الله عنه. وكان كهلا. رحمه الله تعالى.
وفي هذا الشهر ليلة الخميس ثالث عشرة توفي المؤرخ: -
قطب الدين موسى ابن الشيخ الفقيه أبي عبد الله محمد بن أبي الحسين اليونيني ببعلبك: ودفن عند أخيه بباب سطحا. وكان مولده في ثامن صفر سنة أربعين وستمائة بدمشق.
وسمع من أبيه، وبدمشق من ابن عبد الدايم، وعبد العزيز شيخ شيوخ حماة، وبمصر من الرشيد العطار، وإسماعيل بن صارم، وجماعة. وأجاز له ابن رواج، و التشتبري.
قال الذهبي: كان عالما فاضلا، مليح المحاضرة، كريم النفس، معظما جليلا. حدثنا بدمشق وبعلبك، وجمع تاريخا حسنا، ذيل به على " مرآة الزمان " واختصر " المرآة " .

(1/334)


قال: وانتفعت بتاريخه، ونقلت منه فوائد جمة. وقد حسنت في آخر عمره حالته، وأكثر من العزلة والعبادة وكان مقتصدا في لباسه وزيه، صدوقا في نفسه، مليح الشيبة، كثير الهيبة، وافر الحرمة. رحمه الله تعالى.
محمد بن مسلم بن مالك بن مزروع بن جعفر الزيني الصالحي، الفقيه الصالح الزاهد، قاضي القضاة، شمس الدين أبو عبد الله: ولد سنة اثنتين وستين وستمائة.
وتوفي أبوه سنة ثمان وستين - وكان من الصالحين - فنشأ يتيما فقيرا. وكان قد حضر على ابن عبد الدايم، وعمر الكرماني. ثم سمع من ابن البخاري وطبقته، وكثر عن ابن الكمال. وقرأ بنفسه، وكتب بخطه، وعني بالحديث، وتفقه وبرع وأفتى، وبرع في العربية، وتصدى للأشغال والإفادة، واشتهر اسمه، مع الديانة والورع، والزهد والاقتناع باليسير.
ثم بعد موت القاضي تقي الدين سليمان: وود تقليده للقضاء في صفر سنة ست عشرة عوضه. فتوقف في القبول. ثم استخار الله وقبل، بعد أن شرط أن لا يلبس خلعة حرير، ولا يركب في المواكب، ولا يقتني مركوبا. فأجيب إلى ذلك.
ولما لبس الخلعة بدار السعادة: خرج بها ماشيا إلى الجامع، ومعه الصاحب وجماعة من الأعيان مشاة فقرئ تقليده، ثم خلعها، وتوجه إلى الصالحية.
قال الذهبي في معجمه المختصر برع في المذهب والعربية. وأقرأ الناس مدة. على ورع وعفاف. ومحاسن جمة. ثم ولي القضاء بعد تمنع، وشكر وحمد. ولم يغير زيه ولا اقتنى دابة، ولا أخذ مدرسة. واجتهد في الخير وفي عمارة أوقاف الحنابلة.
وكان من قضاة العدل، مصمما على الحق، لا يخاف في الله لومة لائم. وهو الذي حكم على ابن تيمية بمنعه من الفتيا بمسائل الطلاق وغيرها مما يخالف المذهب.
وقد حدث. وسمع منه جماعة. وخرج له المحدثون تخاريج عدة. وحج ثلاث مرات. ثم حج رابعة فتمرض في طريقه بعد رحيلهم من العلى. فورد المدينة النبوية يوم الإثنين ثالث عشري ذي القعدة سنة ست وعشرين وسبعمائة وهو ضعيف، فصلى في المسجد ثم سلم على النبي صلى الله عليه وسلم. وكان بالأشواق إلى ذلك في مرضه. ثم مات عشية ذلك اليوم.
وقيل: من أواخر الليلة المقبلة. وصلى عليه بالروضة. ودفن بالبقيع شرقي قبر عقيل رضي الله عنه. وتأسف أهل الخير لفقده. رحمه الله تعالى.
؟محمد بن علي بن أبي القاسم بن أبي العشرين الوراق. الموصلي.
المقرئ الفقيه. المحدث النحوي. شمس الدين أبو عبد الله، ويعرف بابن خروف: ولد في حدود الأربعين وستمائة بالموصل، أو قبلها.
وقرأ بها القرآن على عبد الله بن إبراهيم الجزدي الزاهد. وقد تقدم ذكره. وقصد الإمام أبا عبد الله شعلة، ليقرأ عليه، فوجده مريضا مرض الموت. ثم رحل ابن خروف إلى بغداد بعد الستين، وقرأ بها القراءات بكتب كثيرة في السبع والعشر، على الشيخ عبد الصمد بن أبي الجيش، ولازمه مدة طويلة. وقرأ القراءات أيضا على أبي الحسن بن الوجوهي. وسمع الحديث منهما، ومن ابن وضاح.
وذكر البرزالي: أنه عرض عليه " المقنع " في الفقه للشيخ موفق الدين.
وذكر الذهبي: أنه حفظ " الخرقي " وعني بالحديث، وقرأ بالموصل على أبي العباس الكواسي المفسر كتابه " التلخيص " في التفسير. وقرأ بها على أبي عبد الله محمد بن مسعود بن عمر العجمي " جامع الترمذي " بسماعه من أبي الفتح الغزنوي. وقرأ عليه أيضا " معالم التنزيل " للغوي، بسماعه من ابن أبي المجد القزويني.
ونظر في العربية، وشارك في الفضائل، وله نظم حسن. تصدى للأشغال والإقراء في بلده مدة. وقرأ عليه جماعة.
وقدم الشام سنة سبع عشرة، وولي بها مشيخة الإقراء بالتربة الأشرفية بعد المجد اليونيني. وحدث بها.
وسمع منه الذهبي، والبرزالي، وذكره في معجمه، وقال: كان شيخا صالحا، متوددا إلى الناس، حسن المحاضرة، طيب المجالسة. مكرما عند كل أحد؛ لحسن خلقه، وشيخوخته وفضله. ونزل بالحلبية بالجامع.
وسمع منه أيضا أبو حيان. في عبد الكريم الحلبي. وذكره في معجمه. وأظنه ذهب إلى الديار المصرية أيضا.
ورجع إلى بلده. وبها توفي في ثامن جمادى الأولى سنة سبع وعشرين وسبعمائة. ودفن بمقبرة المعافى بن عمران رضي الله عنه.

(1/335)


عبد الله بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن الخضر بن محمد ابن تيمية الحراني، ثم الدمشقي، الفقيه الإمام، الزاهد، العابد القدوة المتفنن، شرف الدين أبو محمد، أخو الشيخ تقي الدين: ولد في حادي عشر محرم سنة ست وستين وستمائة بحران.
وقدم مع أهله إلى دمشق رضيعا، فحضر بها على ابن أبي اليسر، وغيره. ثم سمع من ابن علان، وابن الصيرفي، وأحمد بن أبي الخير، ومن ابن أبي عمرة والقاسم الأربلي، وحلق من هذه الطبقة.
وسمع " المسند " و " الصحيحين " وكتب السنن. وتفقه في المذهب حتى برع وأفتى. وبرع أيضا في الفرائض والحساب، وعلم الهيئة، وفي الأصلين والعربية. وله مشاركة قوية في الحديث. ودرس بالحنبلية مدة.
وكان صاحب صدق وإخلاص، قانعا باليسير شريف النفس، شجاعا مقداما، مجاهدا زاهدا، عابدا ورعا، يخرج من بيته ليلا، ويأوي إليه ليلا، ولا يجلس في مكان معين، بحيث يقصد فيه، لكنه يأوي إلى المساجد المهجورة خارج البلد، فيختلي فيها للصلاة والذكر. وكان كثير العبادة والتأله، والمراقبة والخوف من الله تعالى، ذا كرامات وكشوف.
ومما اشتهر عنه: أنه كثير الصدقات، والإيثار بالذهب والفضة في حضره وسفره، مع فقره وقلة ذات يده. وكان رفيقه في المحمل في الحج يفتش رحله فلا يجد فيه شيئا، ثم يراه يتصدق بذهب كثير جدا. وهذا أمر مشهور معروف عنه. وحج مرات متعددة.
وكان له يد طولى في معرفة تراجم السلف ووفياتهم، وهي التواريخ المتقدمة والمتأخرة. وحبس مع أخيه بالديار المصرية مدة. وقد استدعي غير مرة وحده المناظرة، فناظر، وأفحم الخصوم.
وسئل عنه الشيخ كمال الدين بن الزملكاني؟ فقال: هو بارع في فنون عديدة من الفقه، والنحو والأصول، ملازم لأنواع الخير، وتعليم العلم، حسن العبارة، قوي في دينه، جيد التفقه، مستحضر لمذهبه، مليح البحث، صحيح الذهن، قوي الفهم رحمه الله تعالى.
وذكره الذهبي في " المعجم المختصر " فقال: كان بصيرا بكثير من علل الحديث ورجاله، فصيح العبارة، عالما بالعربية، نقالا للفقه، كثير المطالعة لفنون العلم، حلو المذاكرة، مع الدين والتقوى، وإيثار الانقطاع، وترك التكلف والقناعة باليسير، والنصح للمسلمين رضي الله عنه.
وذكره أيضا في معجم شيوخه، فقال: كان إماما بارعا، فقيها عارفا بالمذهب وأصوله، وأصول الديانات، عارفا بدقائق العربية، وبالفرائض والحساب والهيئة المحفوظ، له مشاركة جيدة في الحديث، ومشاهير الأئمة والحوادث، ويعرف قطعة كثيرة من السيرة. وكان متقنا للمناظرة وقواعدها. والخلاف. وكان حلو المحاضرة متواضعا، كثير العبادة والخير، ذا حظ من صدق وإخلاص وتوجه وعرفان، وانقطاع بالكلية عن الناس، قانعا بيسير اللباس.
توفي رحمه الله تعالى يوم الأربعاء رابع عشر جمادى الأولى سنة سبع وعشرين وسبعمائة بدمشق. وصلى عليه الظهر بالجامع، وحمل إلى باب القلعة فصلى عليه هناك مرة أخرى. وصلى عليه أخوه الشيخ تقي الدين، وزين الدين عبد الرحمن، وهما محبوسان بالقلعة، وخلق معهما من داخل القلعة. وكان التكبير يبلغهم، وكثر البكاء تلك الساعة. فكان وقتا مشهودا. ثم صلى عليه مرة ثالثة ورابعة، وحمل على الرؤوس والأصابع إلى مقابر الصوفية، فدفن بها. وحضر جنازته جمع كثير، وعالم عظيم، وكثر الثناء والتأسف عليه. رحمه الله.
محمد بن عبد المحسن بن أبي الحسن بن عبد الغفار بن الخراط، البغدادي، القطيعي، الأزجي، المحدث، الواعظ، عفيف الدين أبو عبد الله، ويعرف بابن الدواليبي: قرأت بخطه: مولدي في آخر سنة أربع وثلاثين وستمائة. وكان قد اختلف قوله في ذلك.
فنقل البرزالي عنه: أن مولده في ربيع الأول في سنة ثمان وثلاثين في ثالث عشرة - أو رابع عشرة - على الشك منه.
وذكر غيره عنه: أن مولده سنة تسع وثلاثين.
وسمع من عبد الملك بن قيبا، وإبراهيم بن الخير، والأعز بن العليق، ومحمد بن مقبل بن المنى، ويحيى بن قميرة، وأخيه أحمد، وعلي بن معالي الرصافي، وعبد الله بن علي النعال.
وسمع من أحمد الباذنيني " صحيح مسلم " ومن الشيخ مجد الدين ابن تيمية أحكامه، ونصف المحرر، ومن الصاحب أبي المظفر بن الجوزي، وعجيبة بنت الباقداري، وغيرهم. وأجاز له جماعة كثيرون.

(1/336)


وسمع " المسند " من جماعة، ووعظ مدة طويلة، وشارك في العلوم، وعمر وصار مسند أهل العراق في وقته.
وحدث بالكثير: وكان قد سمع كثيرا من الكتب العوالي على شيوخه القدماء، ولكن لم يظفر أهل بغداد بذلك. وإنما اشتهر عندهم سماعه للمسند، و " صحيح مسلم " وقد شاركه في سماعهما بمثل إسناده خلق كثير، حتى أشركنا منهم جماعة. وسمعنا الكتابين على مثله.
سمع منه الفرضي، وذكره في معجمه، مع تقدم وفاته، فقال: كان شيخا عالما، فقيها فاضلا، واعظا زاهدا، عابدا ثقة دينا. وقدم دمشق حاجا.
وسمع منه جماعة، منهم: البرزالي. وذكره في معجمه، فقال: شيخ فاضل في الوعظ، تكلم على الناس مدة طويلة، وحفظ " الخرقي " في الفقه، و " اللمع " لابن جني، وحج مرات، وهو من أهل الصلاح، كثير القناعة والتعفف، ممن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وحرمته وافرة، ومكانته معروفة. قدم علينا حاجا سنة ثمان وتسعين، ونزل ظاهر البلد، فخرجنا إليه، وسمعنا منه، وجلس للوعظ بجامع دمشق في أواخر رمضان من هذه السنة. وحضرنا مجلسه، وسمعنا تذكيره. وتفرد في زمانه، وولي مشيخة المستنصرية، وهو قادري. كان أبوه من أصحاب الشيخ أبي صالح نصر بن عبد الرزاق.
وذكره الذهبي في معجمه، وقال: كان عالما واعظا، حسن المحاضرة، صحبناه في طريق الحج. حدث ببغداد، ودمشق، والمدينة، والعلا.
وذكره شيخنا بالإجازة صفي الدين عبد المؤمن بن عبد الحق في معجمه، فقال: شيخ جليل، كثير المسموعات، سكن برباط ابن الغزال بالقطيعة، من باب الأزج، ولازم الوعظ به مده طويلة، ووعظ بجامع الخليفة. ورتب مسمعا بدار الحديث المستنصرية بعد وفاة ابن حصين سنة ثمان عشرة.
قلت: سمع منه خلق كثير من شيوخنا وغيرهم، كأبي حفص القزويني، ومحمود بن خليفة، وابن الفصيح الكوفي؛ ووالدي، وعمر الزار. وكان ينظم الشعر.
توفي يوم الخميس رابع عشرين من جمادى الأولى سنة ثمان وعشرين وسبعمائة.
وشيعه خلق كثير، ودفن بمقابر الشهداء من باب حرب. رحمه الله.
قال لي: وعظت زمن المستعصم. وأنشدني لنفسه - كان وكان - عند سماعي منه " صحيح مسلم " :
ترى ربيع التواصل يقدم وتفنى شقوتي ... ويقبل الصيف وجيشو على الشتاء منصور
وابصر مجيمر هجري على المزابل مكسرة ... وبيت كانون حزني أرجع أزي مهجور
وأخلع بنفسج صبري على عواذل سلوتي ... وياسمين انتظاري وري العدى منثور
أحمد بن محمد بن عبد الولي بن جبارة المقدسي المقرئ، الفقيه الأصولي النحوي، شهاب الدين، أبو العباس ابن الشيخ تقي الدين أبي عبد الله: وقد سبق ذكر والده. ولد سنة سبع - أو ثمان - وأربعين وستمائة.
وقال البرزالي: سنة تسع وأربعين. أظنه بقاسيون.
وسمع من خطيب مردا حضورا، ومن ابن عبد الدايم، وجماعة.
وارتحل إلى مصر بعد الثمانين - كذا في الطبقات - وفي التاريخ: سنة ثلاث وسبعين، فقرأ بها القراءات على الشيخ حسن الراشدي، وصحبه إلى أن مات، وقرأ الأصول على شهاب الدين القرافي المالكي، والعربية على بهاء الدين بن النحاس، وبرع في ذلك، وتفقه في المذهب، لعله على ابن حمدان.
وقدم دمشق بعد التسعين، فأقرأ بها القراءات، ثم تحول إلى حلب، فأقرأ بها أيضا، ثم استوطن بيت المقدس، وتصدر لإقراء القران، والعربية، وصنف شرحا كبيرا للشاطبية، وشرحا آخر للرائية في الرسم. وشرحا لألفية ابن معطي، ولا أدري أكمله أم لا؟ وصنف تفسيرا وأشياء في القراءات.
قال الذهبي في طبقات القراء: هو صالح متعفف، خشن العيش، جم الفضائل، ماهر بالفن، قل من رأيت بعد رفيقه مجد الدين - يعني التونسي - مثله، وذكره في معجم شيوخه، فقال: كان إماما مقرئا بارعا، فقيها متقنا، نحويا، نشأ إلى اليوم في صلاح وزهد ودين. سمعت منه مجلس البطاقة، وانتهت. إليه مشيخة بيت المقدس.
وذكره البرزالي في تاريخه، وذكر: أنه حج وجاور بمكة، قال: وكان رجلا صالحا، مباركا عفيفا منقطعا، يعد لمحي العلماء الصالحين الأخيار، قرأت عليه بدمشق والقدس، عدة أجزاء.
وتوفي بالقدس سحر يوم الأحد رابع رجب سنة ثمان وعشرين وسبعمائة. ودفن في اليوم المذكور بمقبرة ماملا، وصلى عليه بجامع دمشق صلاة الغائب، في سادس عشر الشهر.

(1/337)


وذكر الذهبي: أنه مات فجأة، رحمه الله تعالى.
أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن الخضر بن محمد ابن تيمية الحراني، ثم الدمشقي، الإمام الفقيه، المجتهد المحدث، الحافظ المفسر، الأصولي الزاهد. تقي الدين أبو العباس، شيخ الإسلام وعلم الأعلام، وشهرته تغني عن الإطناب فعب ذكره، والإسهاب في أمره.
ولد يوم الإثنين عاشر ربيع الأول سنة إحدى وستين وستمائة بحران.
وقدم به والده وبإخوته إلى دمشق، عند استيلاء التتر على البلاد، سنة سبع وستين وستمائة.
فسمع الشيخ بها من ابن عبد الدايم، وابن أبي اليسر، وابن عبد، والمجد بن عساكر، ويحيى بن الصيرفي الفقيه، وأحمد بن أبي الخير الحداد، والقاسم الأربلي، والشيخ شمس الدين بن أبي عمر، والمسلم بن علان، وإبراهيم بن الحرجي، وخلق كثير.
وعنى بالحديث. وسمع " المسند " مرات، والكتب الستة، ومعجم الطبراني الكبير، وما لا يحصى من الكتب والأجزاء. وقرأ بنفسه، وكتب بخطه جملة من الأجزاء، وأقبل على العلوم في صغره. فأخذ الفقه والأصول. عن والده، وعن الشيخ شمس الدين بن أبي عمر، والشيخ زين الدين بن المنجا. وبرع في ذلك، وناظر. وقرأ في العربية أياما على سليمان بن عبد القوي، ثم أخذ كتاب سيبويه، فتأمله ففهمه. وأقبل على تفسير القرآن الكريم، فبرز فيه، وأحكم أصول الفقه، والفرائض، والحساب والجبر والمقابلة، وغير ذلك من العلوم، ونظر في علم الكلام والفلسفة، وبرز في ذلك على أهله، ورد على رؤسائهم وأكابرهم، ومهر في هذه الفضائل، وتأهل للفتوى والتدريس، وله دون العشرين سنة، وأفتى من قبل العشرين أيضا، وأمده الله بكثرة الكتب وسرعة الحفظ، وقوة الإدراك والفهم، وبطء النسيان، حتى قال غير واحد: إنه لم يكن يحفظ شيئا فينساه.
ثم توفي والده الشيخ شهاب الدين، المتقدم ذكره، وكان له حينئذ إحدى وعشرين سنة. فقام بوظائفه بعده. فدرس بدار الحديث السكرية في أول سنة ثلاث وثمانين وستمائة.
وحضر عنده قاضي القضاة بهاء الدين بن الزكي. والشيخ تاج الدين الفزاري، وزير الدين بن المرجل. والشيخ زين الدين بن المنجا، وجماعة، وذكر درسا عظيما فيم البسملة. وهو مشهور بين الناس، وعظمه الجماعة الحاضرون، وأثنوا عليه ثناء كثيرا.
قال الذهبي: وكان الشيخ تاج الدين الفزاري، يبالغ في تعظيمه الشيخ تقي الدين، بحيث إنه علق بخطه درسه بالسكرية.
ثم جلس عقب ذلك مكان والده بالجامع على منبر أيام الجمع، لتفسير القرآن العظيم، وشرع من أول القرآن. فكان يورد من حفظه في المجلس نحو كراسين أو أكثر، وبقي يفسر في سورة نوح، عدة سنين أيام الجمع.
وفي سنة تسعين: ذكر على الكرسي يوم جمعة شيئا من الصفات، فقام بعض المخالفين، وسعوا في منعه من الجلوس، فلم يمكنهم ذلك.
وقال قاضي القضاة شهاب الدين الخوي: أنا على اعتقاد الشيخ تقي الدين، فعوتب في ذلك. فقال: لأن ذهنه صحيح، ومواده كثيرة. فهو لا يقول إلا الصحيح.
وقال الشيخ شرى الدين المقدسي: أنا أرجو بركته ودعاءه، وهو صاحبي، وأخي. ذكر ذلك البرزالي في تاريخه.
وشرع الشيخ في الجمع وإلتصنيف، من دون العشرين، ولم يزل في علو وازدياد من العلم والقدر إلى آخر عمره.

(1/338)


قال الذهبي في معجم شيوخه: أحمد بن عبد الحليم - وساق نسبه - الحراني، ثم الدمشقي، الحنبلي أبو العباس، تقي الدين، شيخنا وشيخ الإسلام، وفريد لعصر علما ومعرفة، وشجاعة وذكاء، وتنويرا إلهيا، وكرما ونصحا للأمة، وأمرا بالمعروف ونهيا عن المنكر. سمع الحديث، وأكثر بنفسه من طلبه، وكتب وخرج، ونظر في الرجال والطبقات، وحصل ما لم يحصله غيره. برع في تفسير القرآن، وغاص في دقيق معانيه بطبع سيال، وخاطر إلى مواقع الإشكال ميال، واستنبط منه أشياء لم يسبق إليها. وبرع في الحديث وحفظه، فقل من يحفظ ما يحفظه من الحديث، معزوا إلى أصوله وصحابته، مع شدة استحضاره له وقت إقامة لدليل. وفاق الناس في معرفة الفقه، واختلاف المذاهب، وفتاوى الصحابة والتابعين، بحيث إنه إذا أفتى لم يلتزم بمذهب، بل يقوم بما دليله عنده. وأتقن العربية أصولا وفروعا، وتعليلا واختلافا. ونظر في العقليات، وعرف أقوال المتكلمين، ورد عليهم، ونبه على خطئهم، وحذر منهم ونصر السنة بأوضح حجج وأبهر براهين. وأوذي في ذات الله من المخالفين، وأخيف في نصر السنة المحضة، حتى أعلى الله مناره، وجمع قلوب أهل التقوى على محبته والدعاء له، وكبت أعداءه، وهدى به رجالا من أهل الملل والنحل، وجبل قلوب الملوك والأمراء على الانقياد له غالبا، وعلى طاعته، أحيى به الشام، بل والإسلام، بعد أن كاد ينثلم بتثبيت أولى الأمر لما أقبل حزب التتر والبغي في خيلائهم، فظنت بالله الظنون، وزلزل المؤمنون، واشرأب النفاق وأبدى صفحته. ومحاسنه كثيرة، وهو أكبر من أن ينبه على سيرته مثلي، فلو حلفت بين الركن والمقام، لحلفت: إني ما رأيت بعيني مثله، وأنه ما رأى مثل نفسه.
وقد قرأت بخط الشيخ العلامة شيخنا كمال الدين بن الزملكاني، ما كتبه سنة بضع وتسعين تحت اسم " ابن تيمية " كان إذا سئل عن فن من العلم ظن الرائي والسامع: أنه لا يعرف غير ذاك الفن، وحكم أن أحدا لا يعرفه مثله. وكان الفقهاء من سائر الطوائف إذا جالسوه استفادوا منه في مذهبهم أشياء، ولا يعرف أنه ناظر أحدا فانقطع منه، ولا تكلم في علم من العلوم - سواء كان من علوم الشرع أو غيرها - إلا فاق فيه أهله، واجتمعت فيه شروط الاجتهاد على وجهها.
وقال الذهبي في معجمه المختصر: كان إماما متبحرا في علوم الديانة، صحيح الذهن، سريع الإدراك، سيال الفهم، كثير المحاسن، موصوفا بفرط الشجاعة والكرم، فارغا عن شهوات المأكل والملبس والجماع، لا لذة له في غير نشر العلم وتدوينه والعمل بمقتضاه.
قلت: وقد عرض عليه قضاء القضاة قبل التسعين، ومشيخة الشيوخ، فلم يقبل شيئا من ذلك. قرأت ذلك بخطه.
قال الذهبي: ذكره أبو الفتح اليعمري الحافظ - يعني ابن سيد الناس - في جواب سؤالات أبي العباس بن الدمياطي الحافظ، فقال: ألفيته ممن أدرك عن العلوم حظا. وكاد يستوعب السنن والآثار حفظا، إن تكلم في التفسير فهو حامل رايته. وإن أفتى في الفقه فهو مدرك غايته، أو ذاكر بالحديث فهو صاحب علمه، ذو روايته، أو حاضر بالنحل والملل لم ير أوسع من نحلته، ولا أرفع من درايته. برز في كل فن على أبناء جنسه، ولم تر عين من رآه مثله، ولا رأت عينه مثل نفسه.
وقد كتب الذهبي في تاريخه الكبير للشيخ ترجمة مطولة، وقال فيها: وله خبرة بالرجال، وجرحهم وتعديلهم، وطبقاتهم، ومعرفة بفنون الحديث، وبالعالي والنازل والصحيح والسقيم، مع حفظه لمتوله، التي انفرد يه، فلا يبلغ أحد من العصر رتبته يقاربه، وهو عجيب في استحضاره، واستخراج الحجج منه، وإليه المنتهى في عزوه إلى الكتب الستة، والمسند، بحيث يصدق عليه أن يقال: كل حديث لا يعرفه ابن تيمية فليس بحديث.
وقال: ولما كان معتقلا بالإسكندرية: التمس منه صاحب سبتة أن يجيز لأولاده، فكتب لهم في ذلك نحوا من ستمائة سطر، منها سبعة أحاديث بأسانيدها، والكلام على صحتها ومعانيها، وبحث وعمل ما إذا نظر فيه المحدث خضع له من صناعة الحديث. وذكر أسانيده في عدة كتب. ونبه على العوالي. عمك ذلك كله من حفظه، من غير أن يكون عنده ثبت أو من يراجعه.
ولقد كان عجيبا في معرفة علم الحديث. فأما حفظه متون الصحاح وغالب متون السنن والمسند: فما رأيت من يدانيه في ذلك أصلا.

(1/339)


قال: وأما التفسير فمسلم إليه. وله من استحضار الآيات من القرآن - وقت إقامة الدليل بها على المسألة - قوة عجيبة. وإذا رآه المقرئ تحيز فيه. ولفرط إمامته في التفسير، وعظم اطلاعه. يبين خطأ كثير من أقوال المفسرين. ويوهي أقوالا عديدة. وينصر قولا واحدا، موافقا لما دل عليه القرآن والحديث. ويكتب في اليوم والليلة من التفسير، أو من الفقه، أو من الأصلين، أو من الرد على الفلاسفة والأوائل: نحوا من أربعة كراريس أو أزيد.
قلت: وقد كتب " الحموية " في قعدة واحدة. وهي أزيد من ذلك. وكتب في بعض الأحيان في اليوم ما يبيض منه مجلد.
وكان رحمه الله فريد دهره في فهم القرآن. ومعرفة حقائق الإيمان. وله يد طولى في الكلام على المعارف والأحوال. والتمييز بين صحيح ذلك وسقيمه. ومعوجه وقويمه.
وقد كتب ابن الزملكاني بخطه على كتاب " إبطال التحليل " للشيخ ترجمة الكتاب واسم الشيخ. وترجم له ترجمة عظيمة. وأثنى عليه ثناء عظيما.
وكتب أيضا تحت ذلك:
ماذا يقول الواصفون له ... وصفاته جلت عن الحصر
هو حجة لله قاهرة ... هو بيننا أعجوبة الدهر
هو آية للخلق ظاهرة ... أنوارها أربت على الفجر
وللشيخ أثير الدين أبي حيان الأندلسي النحوي - لما دخل الشيخ مصر واجتمع به - ويقال: إن أبا حيان لم يقل أبياتا خيرا منها ولا أفحل:
لما رأينا تقي الدين لاح لنا ... داع إلى الله فردا. ماله وزر
على محياه من سيما الأولى صحبوا ... خير البرية نور دونه القمر
حبر تسربل منه دهره حبرا ... بحر تقاذف من أمواجه الدرر
قام ابن تيمية في نصر شرعتنا ... مقام سيد تيم إذ عصت مضر
فأظهر الدين إذ آثاره درست ... وأخمد الشرك إذ طارت له شرر
يا من تحدث عن علم الكتاب أصخ ... هذا الإمام الذي قد كان ينتظر
وحكى الذهبي عن الشيخ: أن الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد قال له - عند اجتماعه به وسماعه لكلامه - : ما كنت أظن أن الله بقي يخلق مثلك.
ومما وجد في كتاب كتبه العلامة قاضي القضاة أبو الحسن السبكي إلى الحافظ عبد الله الذهبي في أمر الشيخ تقي الدين المذكور: أما قول سيدي في الشيخ فالمملوك يتحقق كبر قدره. وزخارة بحره. وتوسعه في العلوم الشرعية والعقلية. وفرط ذكائه واجتهاده. وبلوغه في كل من ذلك المبلغ الذي يتجاوز الوصف. والمملوك يقول دائما. وقدره في نفسي أكبر من ذلك وأجل. مع ما جمعه الله له من الزهادة والورع والديانة. ونصرة الحق. والقيام فيه لا لغرض سواه. وجريه على سنن السلف. وأخذه من ذلك بالمأخذ الأوفى. وغرابة مثله في هذا الزمان. بل من أزمان.
وكان الحافظ أبو الحجاج المزي: يبالغ في تعظيم الشيخ والثناء عليه، حتى كان يقول: لم ير مثله منذ أربعمائة سنة.
وبلغني من طريق صحيح عن ابن الزملكاني: أنه سئل عن الشيخ؟ فقال: لم ير من خمسمائة سنة، أو أربعمائة سنة - الشك من الناقل. وغالب ظنه: أنه قال: من خمسمائة أحفظ منه.
وكذلك كان أخوه الشيخ شرف الدين يبالغ في تعظيمه جدا، وكذلك المشايخ العارفون، كالقدوة أبي عبد الله محمد بن قوام. ويحكى عنه أنه كان يقول: ما أسلمت معارفنا إلا على يد ابن تيمية.
والشيخ عماد الدين الواسطي كان يعظمه جدا، وتتلمذ له، مع أنه كان أسن منه. وكان يقول: قد شارف مقام الأئمة الكبار، ويناسب قيامه في بعض الأمور الصديقيين.
وكتب رسالة إلى خواص أصحاب الشيخ يوصيهم بتعظيمه واحترامه، ويعرفهم حقوقه، ويذكر فيها: أنه طاف أعيان بلاد الإسلام، ولم ير فيها مثل الشيخ علما وعملا وحالا وخلقا واتباعا، وكرما وحلما في حق نفسه، وقياما في حق الله تعالى، عند انتهاك حرماته. وأقسم على ذلك بالله ثلاث مرات.
ثم قال: أصدق الناس عقدا، وأصحهم علما وعزما، وأنفذهم وأعلاهم في انتصار الحق وقيامه، وأسخاهم كفا، وأكملهم اتباعا لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم. ما رأينا قي عصرنا هذا من تستجلي النبوة المحمدية وسننها من أقواله وأفعاله إلا هذا الرجل، بحيث يشهد القلب الصحيح: أن هذا هو الاتباع حقيقة.

(1/340)


ولكن كان هو وجماعة من خواص أصحابه ربما أنكروا من الشيخ كلامه في بعض الأئمة الأكابر الأعيان، أو في أهل التخلي والانقطاع ونحو ذلك.
وكان الشيخ رحمه الله لا يقصد بذلك إلا الخير، والانتصار للحق إن شاء الله تعالى.
وطوائف من أئمة أهل الحديث وحفاظهم وفقهائهم: كانوا يحبون الشيخ ويعظمونه، ولم يكونوا يحبون له التوغل مع أهل الكلام ولا الفلاسفة، كما هو طريق أئمة أهل الحديث المتقدمين، كالشافعي وأحمد وإسحاق وأبي عبيد ونحوهم، وكذلك كثير هن العلماء من الفقهاء والمحدثين والصالحين كرهوا له التفرد ببعض شذوذ المسائل التي أنكرها السلف على من شذ بها، حتى إن بعض قضاة العدل من أصحابنا منعه من الإفتاء ببعض ذلك.
قال الذهبي: وغالب حطه على الفضلاء والمتزهدة فبحق، وفي بعضه هو مجتهد، ومذهبه توسعة العذر للخلق، ولا يكفر أحدا إلا بعد قيام الحجة عليه.
قال: ولقد نصر السنة المحضة، والطريقة السلفية، واحتج لها ببراهين ومقدمات، وأمور لم يسبق إليها، وأطلق عبارات أحجم عنها الأولون والآخرون وهابوا، وجسر هو عليها، حتى قام عليه خلق من علماء مصر والشام قياما لا مزيد عليه، وبدعوه وناظروه وكابروه، وهو ثابت لا يداهن ولا يحابي، بل يقول الحق المر الذي أداه إليه اجتهاده، وحدة ذهنه، وسعة دائرته في السفن والأقوال، مع ما اشتهر عنه من الورع، وكمال الفكر، وسرعة الإدراك، والخوف من الله، والتعظيم لحرمات الله.
فجرى بينه وبينهم حملات حربية، ووقعات شامية ومصرية، وكم من نوبة قد رموه عن قوس واحدة، فينجيه الله، فإنه دائم الابتهال، كثير الاستغاثة، والاستعانة به، قوي التوكل، ثابت الجأش، له أوراد وأذكار يدمنها بكيفية وجمعية. وله من الطرف الآخر محبون من العلماء والصلحاء، ومن الجند والأمراء، ومن التجار والكبراء، وسائر العامة تحبه؛ لأنه منتصب لنفعهم ليلا ونهارا، بلسانه وقلمه.
وأما شجاعته: فبها تضرب الأمثال، وببعضها يتشبه أكابر الأبطال. ولقد أقامه الله تعالى في نوبة قازان. والنقي أعباء الأمر بنفسه. وقام وقعد وطلع، ودخل وخرج، واجتمع بالملك - يعني قازان - مرتين، وبقطلوشاه، وبولاي. وكان قيجق يتعجب من إقدامه وجراءته على المغول.
وله حدة قوية تعتريه في البحث، حتى كأنه ليث حرب. وهو أكبر من أن ينبه مثلي على نعوته. وفيه قلة مداراة، وعدم تؤدة غالبا، والله يغفر له. وله إقدام وشهامة، وقوة نفس توقعه في أمور صعبة، فيدفع الله عنه.
وله نظم قليل وسط. ولم يتزوج، ولا تسري، ولا له من المعلوم إلا شيء قليل وأخوه يقوم بمصالحه، ولا يطلب منهم غذاء ولا عشاء في غالب الوقت.
وما رأيت في العالم أكرم منه، ولا أفرغ منه عن الدينار والمرهم، لا يذكره، ولا أظنه يدور في ذهنه. وفيه مروءة، وقيام مع أصحابه، وسعي في مصالحهم. وهو فقير مال له. وملبوسه كآحاد الفقهاء: فرجيه، ودلق، وعمامة تكون قيمة ثلاثين درهما ومداس ضعيف الثمن. وشعره مقصوص.
وهو ربع القامة، بعيد ما بين المنكبين، كأن عينيه لسانان ناطقان، ويصلي بالناس صلاة لا تكون أطول من ركوعها وسجود. وربما قام لمن يجيء من سفر أو غاب عنه، وإذا جاء فربما يقومون له، الكل عنده سواء، كأنه فارغ من هذه الرسوم، ولم ينحن لأحد قط، وإنما يسلم ويصافح ويبتسم. وقد يعظم جليسه مرة، ويهينه في المحاورة مرات.
قلت: وقد سافر الشيخ مرة على البريد إلى الديار المصرية يستنفر السلطان عند مجيء التتر سنة من السنين، وتلا عليهم آيات الجهاد، وقال: إن تخليتم عن الشام ونصرة أهله، والذب عنهم، فإن الله تعالى يقيم لهم من ينصرهم غيركم، ويستبدل بكم سواكم. وتلا قوله تعالى: " وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم " " محمد: 38 " وقوله تعالى: " إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم ولا تضروه " " التوبة: 120 " .
وبلغ ذلك الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد - وكان هو القاضي حينئذ - فاستحسن ذلك، وأعجبه هذا الاستنباط، وتعجب من مواجهة الشيخ للسلطان بمثل هذا الكلام.
وأما محن الشيخ: فكثيرة، وشرحها يطول جدا.

(1/341)


وقد اعتقله مرة بعض نواب السلطان بالشام قليلا، بسبب قيامه على نصراني سب الرسول صلى الله عليه وسلم، واعتقل معه الشيخ زين الدين الفاروقي، ثم أطلقهما مكرمين.
ولما صنف المسألة " الحموية " في الصفات: شنع بها جماعة، ونودي عليها الأسواق على قصبة، وأن لا يستفتى من جهة بعض القضاة الحنفية. ثم أنتصر للشيخ بعض الولاة، ولم يكن في البلد حينئذ نائب، وضرب المنادي وبعض من معه، وسكن الأمر.
ثم امتحن سنة خمس وسبعمائة بالسؤال عن معتقده بأمر السلطان. فجمع نائبة القضاة والعلماء بالقصر، وأحضر الشيخ، وسأله عن ذلك؟ فبعث الشيخ من أحضر داره " العقيدة الواسطية " فقرءوها في ثلاث مجالس، وحاققوه، وبحثوا معه، ووقع الاتفاق. بعد ذلك على أن هذه عقيدة سنية سلفية، فمنهم من قال ذلك طوعا، ومنهم من قاله كرها.
وورد بعد ذلك كتاب من السلطان فيه: إنما قصدنا براءة ساحة الشيخ، وتبين لنا أنه على عقيدة السلف.
ثم إن المصريين دبروا الحيلة في أمر الشيخ، ورأوا أنه لا يمكن البحث معه، ولكن يعقد له مجلس، ويدعى عليه، وتقام عليه الشهادات. وكان القائمون في ذلك منهم: بيبرس الجاشنكير، الذي تسلطن بعد ذلك، ونصر المنبجي وابن مخلوف قاضي المالكية، فطلب الشيخ على البريد إلى القاهرة، وعقد له ثاني يوم وصوله - وهو ثاني عشرين رمضان سنة خمس وسبعمائة - مجلس بالقلعة، وادعي عليه عند ابن مخلوف قاضي المالكية، أنه يقول: إن الله تكلم بالقرآن بحرف وصوت، وأنه على العرش بذاته، وأنه يشار إليه بالإشارة الحسية.
وقال المدعي: أطلب تعزيره على ذلك، العزيز البليغ - يشير إلى القتل على مذهب مالك - فقال القاضي: ما تقول يا فقيه؟ فحمد الله وأثنى عليه، فقيل له: أسرع ما جئت لتخطب، فقال: أأمنع من الثناء على الله تعالى؟ فقال القاضي: أجب، فقد حمدت الله تعالى. فسكت الشيخ، فقال: أجب. فقال الشيخ له: من هو الحاكم في؟ فأشاروا: القاضي هو الحاكم، فقال الشيخ لابن مخلوف: أنت خصمي، كيف تحكم في؟. وغضب، ومراده: إني وإياك متنازعان في هذه المسائل، فكيف يحكم أحد الخصمين على الآخر عيها. فأقيم الشيخ ومعه أخواه، ثم رد الشيخ، وقال: رضيت أن تحكم في، فلم يمكن من الجلوس، ويقال: إن أخاه الشيخ شرف الدين ابتهل، ودعا الله عليهم في حال خروجهم، فمنعه الشيخ، وقال له: بل قل: اللهم هب لهم نورا يهتدون به إلى الحق.
ثم حبسوا في برج أياما، ونقلوا إلى الجب ليلة عيد الفطر، ثم بعث كتاب سلطاني إلى الشام بالحط على الشيخ، وألزم الناس - خصوصا أهل مذهبه - بالرجوع عن عقيدته، والتهديد بالعزل والحبس، ونودي بذلك في الجامع والأسواق. ثم قرئ الكتاب بسدة الجامع بعد الجمعة، وحصل أذى كثير للحنابلة بالقاهرة، وحبس بعضهم، وأخذ خطوط بعضهم بالرجوع. وكان قاضيهم الحراني قليل العلم.
ثم في سلخ رمضان سنة ست: أحصر سلار - نائب السلطان بمصر - القضاة والفقهاء، وتكلم في إخراج الشيخ، فاتفقوا على أنه يشترط عليه أمور، ويلزم بالرجوع عن بعض العقيدة، فأرسلوا إليه من يحضره، وليتكلموا معه في ذلك، فلم يجب إلى الحضور، وتكرر الرسول إليه في ذلك ست مرات، وصمم على عدم الحضور، فطال عليهم المجلس، فانصرفوا من غير شيء.
ثم في آخر هذه السنة وصل كتاب إلى نائب السلطنة بدمشق من الشيخ، فأخبر بذلك جماعة ممن حضر مجلسه، وأثني عليه: وقال: ما رأيت مثله، ولا أشجع منه. وذكر هو عليه في السجن: من التوجه إلى الله تعالى، وأنه لا يقبل شيئا من الكسوة السلطانية ولا من الأدرار السلطاني، ولا تدنس بشيء من ذلك.
ثم في ربيع الأول من سنة سبع وسبعمائة دخل مهنا بن عيسى أمير العرب إلى مصر، وحضر بنفسه إلى السجن، وأخرج الشيخ منه، بعد أن استأذن في ذلك، وعقد للشيخ مجالس حضرها أكابر الفقهاء، وانفصلت على خير.
وذكر الذهبي والبرزالي وغيرهما: أن الشيخ كتب لهم بخطه مجملا من القول وألفاظا فيها بعض ما فيها، لما خاف وهدد بالقتل، ثم أطلق وامتنع من المجيء إلى دمشق. وأقام بالقاهرة يقرىء العلم، ويتكلم في الجوامع والمجالس العامة، ويجتمع عليه خلق.

(1/342)


ثم في شوال من السنة المذكورة: اجتمع جماعة كثيرة من الصوفية، وشكواه الشيخ إلى الحاكم الشافعي، وعقد له مجلس لكلامه من ابن عربي وغيره، وادعى عليه ابن عطاء بأشياء، ولم يثبت منها شيئا، لكنه اعترف أنه قال: لا يستغاث بالنبي صلى الله عليه وسلم، استغاثة بمعنى العبادة، ولكن يتوسل به، فبعض الحاضرين قال: ليس في هذا شيء.
ورأى الحاكم ابن جماعة: أن هذا إساءة أدب، وعنفه على ذلك، فحضرت رسالة إلى القاضي: أن يعمل معه ما تقتضيه الشريعة في ذلك، فقال القاضي: قد قلت له ما يقال لمثله.
ثم إن الدولة خيروه بين أشياء، وهي الإقامة بدمشق، أو بالإسكندرية، بشروط، أو الحبس، فاختار الحبس. فدخل عليه أصحابه في السفر إلى دمشق، ملزما ما شرط عليه فأجابهم، فأركبوه خيل البريد، ثم ردوه في الغد، وحضر عند القاضي بحضور جماعة من الفقهاء، فقال له بعضهم: ما ترضى الدولة إلا بالحبس. فقال القاضي: وفيه مصلحة له واستناب التونسي المالكي وأذن له أن يحكم عليه بالحبس، فامتنع، وقال: ما ثبت عليه شيء، فأذن لنور الدين الزواوي المالكي، فتحير، فقال الشيخ: أنا أمضي إلى الحبس وأتبع ما تقتضيه المصلحة، فقال الزواوي المذكور: فيكون في موضع يصلح لمثله، فقيل له: ما ترضى الدولة إلا بمسمى الحبس، فأرسل إلى حبس القاضي وأجلس في الموضع الذي أجلس فيه القاضي تقي الدين ابن بنت الأعز لما حبس، وأذن أن يكون عنده من يخدمه. وكان جميع ذلك بإشارة نصر المنبجي.
واستمر الشيخ في الحبس يستفتى ويقصده الناس، ويزورونه، وتأتيه الفتاوى المشكلة من الأمراء وأعيان الناس.
وكان أصحابه يدخلون عليه أولا سرا، ثم شرعوا يتظاهرون بالدخول عليه، فأخرجوه في سلطنة الششنكير الملقب بالمظفر، إلى الإسكندرية على البريد، وحبس فيها في برج حسن مضيء متسع، يدخل عليه من شاء، ويمنع هو من شاء، ويخرج إلى الحمام إذا شاء، وكان قد أخرج وحده، وأرجف الأعداء بقتله وتفريقه غير مرة، فضاقت بذلك صدور محبيه بالشام وغيره، وكثر الدعاء له. وبقي في الإسكندرية مدة سلطنة المظفر.
فلما عاد الملك الناصر إلى السلطنة وتمكن، وأهلك المظفر، وحمل شيخه نصر المنبجي، واشتدت موجدة السلطان على القضاة لمداخلتهم المظفر، وعزل بعضهم: بادر بإحضار الشيخ إلى القاهرة مكرما في شوال سنة تسع وسبعمائة، وأكرمه السلطان إكراما زائدا، وقام إليه، وتلقاه في مجلس حفل، فيه قضاة المصريين والشاميين، والفقهاء وأعيان الدولة. وزاد في إكرامه عليهم، وبقي يساره ويستشيره سويعة، وأثنى عليه بحضورهم ثناء كثيرا، وأصلح بينه وبينهم. ويقال: إنه شاوره في أمرهم به في حق القضاة، فصرفه عن ذلك، وأثنى عليهم، وأن ابن مخلوف كان يقول: ما رأينا أفتى من ابن تيمية، سعينا في دمه. فلما قدر علينا عفا عنا.
واجتمع بالسلطان مرة ثانية بعد أشهر، وسكن الشيخ بالقاهرة، والناس يترددون إليه، والأمراء والجند، وطائفة من الفقهاء، ومنهم من يعتذر إليه ويتنصل مما وقع.
قال الذهبي: وفي شعبان سنة إحدى عشرة: وصل النبأ: أن الفقيه البكري - أحد المبغضين للشيخ - استفرد بالشيخ بمصر، ووثب عليه، ونتش بأطواقه، وقال: احضر معي إلى الشرع، فلي عليك دعوى، فلما تكاثر الناس انملص، فطلب من جهة الدولة، فهرب واختفى.
وذكر غيره: أنه ثار بسبب ذلك فتنة، وأراد جماعة الانتصار من البكري فلم يمكنهم الشيخ من ذلك.
واتفق بعد مدة: أن البكري هم السلطان بقتله، ثم رسم بقطع لسانه، لكثرة فضوله وجراءته، ثم شفع فيه، فنفي إلى الصعيد، ومنع من الفتوى بالكلام في العلم. وكان الشيخ في هذه المدة يقرىء العلم، ويجلس للناس في مجالس عامة.
قدم إلى الشام هو وإخوته سنة اثنتي عشرة بنية الجهاد، لما قدم السلطان لكشف التتر عن الشام. فخرج مع الجيش، وفارقهم من عسقلان، وزار البيت المقدس.
ثم دخل دمشق بعد غيبته عنها فوق سبع سنين، ومعه أخواه وجماعة من أصحابه، وخرج خلق كثير لتلقيه، وسر الناس بمقدمه، واستمر على ما كان عليه أولا، من إقراء العلم، وتدريسه بمدرسة السكرية، والحنبلية، وإفتاء الناس ونفعهم.
ثم في سنة ثمان عشرة: ورد كتاب من السلطان بمنعه من الفتوى في مسألة الحلف بالطلاق بالتكفير، وعقد له مجلس بدار السعادة، ومنع من ذلك، ونودي به في البلد.

(1/343)


ثم في سنة عشرة عقد له مجلس أيضا كالمجلس الأول، وقرئ كتاب السلطان بمنعه من ذلك، وعوتب على فتياه بعد المنع، وانفصل المجلس على تكيد المنع.
ثم بعد مدة عقد له مجلس ثالث بسبب ذلك، وعوتب وحبس بالقلعة. ثم حبس لأجل ذلك مرة أخرى. ومنع بسبب من الفتيا مطلقة، فأقام مدة يفتي بلسانه، ويقول: لا يسعني كتم العلم.
وفي آخر الأمر: دبروا عليه الحيلة في مسألة المنع من السفر إلى قبور الأنبياء والصالحين، وألزموه من ذلك التنقص بالأنبياء، وذلك كفر، وأفتى بذلك طائفة من أهل الأهواء، وهم ثمانية عشر نفسا، رأسهم القاضي الإخناني المالكي وأفتى قضاة مصر الأربعة بحبسه، فحبس بقلعة دمشق سنتين وأشهرا. وبها مات رحمه الله تعالى.
وقد بين رحمه الله: أن ما حكم عليه به باطل بإجماع المسلمين من وجوه كثيرة جدا، وأفتى جماعة بأنه يخطئ في ذلك خطأ المجتهدين المغفور لهم، ووافقه جماعة من علماء بغداد، وغيرهم. وكذلك ابنا أبي الوليد شيخ المالكية بدمشق أفتيا: أنه لا وجه للاعتراض عليه فيما قاله أصلا، وأنه نقل خلاف العلماء في المسألة، ورجح أحد القولين فيها.
وبقي مدة في القلعة يكتب العلم ويصنفه، ويرسل إلى أصحابه الرسائل، ويذكر ما فتح الله به عليه في هذه المرة من العلوم العظيمة، والأحوال الجسيمة.
وقال: قد فتح الله علي في هذا الحصن في هذه المرة من معاني القرآن، ومن أصول العلم بأشياء، كان كثير من العلماء يتمنونها، وندمت على تضييع أكثر أوقاتي في غير معاني القرآن، ثم إنه منع من الكتابة، ولم يترك عنده دواة ولا قلم ولا ورق، فأقبل على التلاوة والتهجد والمناجاة والذكر.
قال شيخنا أبو عبد الله بن القيم: سمعت شيخنا شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه، ونور ضريحه، يقول: إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة. قال: وقال لي مرة: ما يصنع أعدائي بي؟ أنا جنتي وبستاني في صدري، أين رحت فهي معي، لا تفارقني، أنا حبسي خلوة. وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة.
وكان في حبسه في القلعة يقول: لو بذلت ملء هذه القلعة ذهبا ما عدل عندي شكر هذه النعمة أو قال: ما جزيتهم على ما نسبوا فيه من الخير - ونحو هذا.
وكان يقول في سجوده، وهو محبوس: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، ما شاء الله.
وقال مرة: المحبوس من حبس قلبه عن ربه، والمأسور من أسره هواه.
ولما دخل إلى القلعة، وصار داخل سورها نظر إليه وقال: " فضرب بينهم بسور له باب، باطنه فيه الرحمة، وظاهره من قبله العذاب " " الحديد: 13 " .
قال شيخنا: وعلم الله ما رأيت أحدا أطيب عيشا منة قط، مع ما كان فيه من الحبس والتهديد والإرجاف، وهو مع ذلك أطيب الناس عيشا، وأشرحهم صدرا، وأقواهم قلبا، وأسرهم نفسا، تلوح نضرة النعيم على وجهه وكنا إذا اشتد بنا الخوف وساءت بنا الظنون، وضاقت بنا الأرض: أتيناه، فما هو إلا أن نراه، ونسمع كلامه، فيذهب عنا ذلك كله، وينقلب انشراحا وقوة ويقينا وطمأنينة. فسبحان من أشهد عباده جنته قبل لقائه، وفتح لهم أبوابها في دار العمل، فأتاهم من روحها ونسيمها وطيبها ما استفرغ قواهم لطلبها، والمسابقة إليها.
وأما تصانيفه رحمه الله: فهي أشهر من أن تذكر، وأعرف من أن تنكر. سارت مسير الشمس في الأقطار، وامتلأت بها البلاد والأمصار. قد جاوزت حد الكثرة، فلا يمكن أحد حصرها، ولا يتسع هذا المكان لعد المعروف منها، ولا ذكرها.
ولنذكر نبذة من أسماء أعيان المصنفات الكبار: كتاب " الإيمان " مجلد، كتاب " الاستقامة " مجلدان " جواب الاعتراضات المصرية على الفتاوى الحموية " أربع مجلدات، كتاب " تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية " ، في ست مجلدات كبار، كتاب " المحنة المصرية " مجلدان " المسائل الإسكندرانية " مجلد " الفتاوى المصرية " سبع مجلدات.

(1/344)


وكل هذه التصانيف ما عدا كتاب " الإيمان " كتبه وهو بمصر في مدة سبع سنين صنفها في السجن. وكتب معها أكثر من مائة لفة ورق أيضا، كتاب " درء تعارض العقل والنقل " أربع مجلدات كبار. والجواب عما أورده للشيخ كمال الدين بن الشريشي على هذا الكتاب، نحو مجلد كتاب " منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة والقدرية " أربع مجلدات " الجواب الصحيح لما بدل دين المسيح " مجلدان " شرح أول المحصل للرازي " مجلد " شرح بضعة عشر مسألة من الأربعين للرازي " مجلدان " الرد على المنطق " مجلد كبير " الرد على البكري في مسألة الاستغاثة " مجلد " الرد على أهل كسروان الروافض " مجلدان " الصفدية " ، " جواب من قال: إن معجزات الأنبياء قوى نفسانية " مجلد " الهلاونية " مجلد " شرح عقيدة الأصبهاني " جلد " شرح العمدة " للشيخ موفق الدين. كتب منه نحو أربع مجلدات " تعليقة على المحرر في الفقه لجده عدة مجلدات " الصارم المسلول على شاتم الرسول " مجلد، " بيان الدليل على بطلان التحليل " مجلد " اقتضاء الصراط المستقيم في مخالفة أصحاب الجحيم " مجلد " التحرير في مسألة حفير " مجلد في مسألة من القسمة، كتبها اعتراضا على الخوي في حادثة حكم فيها " الرد الكبير على من اعترض عليه في مسألة الحلف بالطلاق " ثلاث مجلدات، كتاب " تحقيق الفرقان بين التطليق وإلأيمان " لما مجلد كبير " الرد على الأخنائي في مسألة الزيارة " مجلد. وأما القواعد المتوسطة والصغار وأجوبة الفتاوى: فلا يمكن الإحاطة بها، لكثرتها وانتشارها وتفرقها. ومن أشهرها " الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان " مجلد لطيف " الفرقان بين الحق والبطلان " مجلد لطيف " الفرقان بين الطلاق والأيمان " مجلد لطيف " السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية " مجلد لطيف " رفع الملام عن الأئمة الأعلام " مجلد لطيف.
ذكر نبذة من مفرداته وغرائبه
اختار ارتفاع الحديث بالمياه المتعصرة، كماء الورد ونحوه، واختار جواز المسح على النعلين، والقدمين، وكل ما يحتاج في نزعه من الرجل إلى معالجة باليد أو بالرجل الآخر، فإنه يجوز عنده المسح عليه مع القدمين.
واختار أن المسح على الخفين لا يتوقف مع الحاجة، كالمسافر على البريد ونحوه، وفعل ذلك في ذهابه إلى الديار المصرية على خيل البريد ويتوقف مع إمكان النزع وتيسره.
واختار جواز المسح على اللفائف ونحوها.
واختار جواز التيمم لخشية فوات الوقت لي حق عير المعذور، كمن أخر الصلاة عمدا حتى تضايق وقتها. وكذا من خشي فوات الجمعة والعيدين وهو محدث. فأما من استيقظ أو ذكر في آخر وقت الصلاة: فإنه يتطهر بالماء ويصلي، لأن الوقت متسع في حقه.
واختار أن المرأة إذا لم يمكنها الاغتسال في البيت، أو شق عليها النزول إلى الحمام وتكرره: أنها تتيمم وتصلي.
واختار أن لا حد لأقل الحيض ولا لأكثره، ولا لأقل الطهر بين الحيضتين، ولا لسن الإياس من الحيض. وأن ذلك راجع إلى ما تعرفه كل امرأة من نفسها.
واختار أن تارك الصلاة عمدا: لا يجب عليه القضاء. ولا يشرع له. بل يكثر مز النوافل، وألن القصر يجوز في وقت السفر وطويله، وأن سجود التلاوة لا يشترط له طهارة.
ذكر وفاته
مكث الشيخ في القلعة من شعبان سنة لمست وعشرين إلي ذي القعدة سنة ثمان وعشرين، ثم مرض بضعة وعشرين يوما، ولم يعلم اكثر الناس بمرضه، ولم يفجأهم إلا موته.
وكانت وفاته في سحر ليلة الاثنين عشري ذي القعدة، سنة ثمان وعشرين وسبعمائة.
وذكر مؤذن القلعة على منارة الجامع، وتكلم به الحرس على الأبراج، فتسامع الناس بذلك، وبعضهم أعلم به في منامه، وأصبح الناس، واجتمعوا حول القلعة حتى أهل الغوطة والمرج، ولم يطبخ أهل الأسواق شيئا، ولا فتحوا كثيرا من الدكاكين التي من شأنها أن تفتح أول النهار. وفتح باب القلعة.
وكان نائب السلطنة غائبا عن البلد، فجاء الصاحب إلى نائب القلعة، فعزاه به وجلس عنده، واجتمع عند الشيخ في القلعة خلق كثير من أصحابه، يبكون ويثنون، وأخبرهم أخوه زين الدين عبد الرحمن: أنه ختم هو والشيخ منذ دخلا القلعة ثمانين ختمة، وشرعا في الحادية والثمانين، فانتهيا إلى قوله تعالى: " إن المتقين في جنات ونهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر " " القمر: 54. 55 " .

(1/345)


فشرع حينئذ الشيخان الصالحان: عبد الله بن المحب الصالحي، والزرعي الضرير - وكان الشيخ يحب قراءتهما - فابتداء من سورة الرحمن حتى ختما القرآن. وخرج الرجال، ودخل النساء من أقارب الشيخ، فشاهدوه ثم خرجوا، واقتصروا على من يغسله، ويساعد على تغسيله، وكانوا جماعة من أكابر الصالحين وأهل العلم، كالمزي وغيره، ولم يفرغ من غسله حتى امتلأت القلعة بالرجال وما حولها إلى الجامع، فصلى عليه بدركات القلعة: الزاهد القدوة محمد بن تمام. وضج الناس حينئذ بالبكاء والثناء، وبالدعاء والترحم.
وأخرج الشيخ إلى جامع دمشق في الساعة الرابعة أو نحوها. وكان قد امتلأ الجامع وصحنه، والكلاسة، وباب البريد، وباب الساعات إلى الميادين والفوارة. وكان الجمع أعظم من جمع الجمعة، ووضع الشيخ في موضع الجنائز، مما يلي المقصورة، والجند يحفظون الجنازة من الزحام، وجلس الناس على غير صفوف. بل مرصوصين، لا يتمكن أحد من الجلوس والسجود إلا بكلفة. وكثر الناس كثرة لا توصف.
فلما أذن المؤذن الظهر أقيمت الصلاة على السدة، بخلاف العادة، وصلوا الظهر، ثم صلوا على الشيخ، وكان الإمام نائب الخطابة علاء الدين بن الخراط لغيبة الفزويني بالديار المصرية. ثم ساروا به، والناس في بكاء ودعاء وثناء، وتهليل وتأسف، والنساء فوق الأسطحة من هناك إلى المقبرة يدعين ويبكين أيضا. وكان يوما مشهودا، لم يعهد بدمشق مثله، ولم يتخلف من أهل البلد وحواضره إلا القليل من الضعفاء والمخدرات وصرخ صارخ: هكذا تكون جنائز أئمة أهل السنة. فبكا الناس بكاء كثيرا عند ذلك.
وأخرج من باب البريد، واشتد الزحام، وألقى الناس على نعشه مناديل وعمائمهم، وصار النعش على الرؤوس، يتقدم تارة، ويتأخر أخرى. وخرج الناس أبواب الجامع كلها وهي مزدحمة. ثم من أبواب المدينة كلها، لكن كان المعظم من باب الفرج، ومنه خرجت الجنازة، وباب الفراديس، وباب النصر، وباب الجابية، وعظم الأمر بسوق الخيل.
وتقدم في الصلاة عليه هناك: أخوه زين الدين عبد الرحمن.
ودفن وقت العصر أو قبلها بيسير إلى جانب أخيه شرف الدين عبد الله بمقابر الصوفية، وحزر الرجال: بستين ألف وأكثر، إلى مائتي ألف، والنساء بخمسة عشر ألف، وظهر بذلك قول الإمام أحمد " بيننا وبين أهل البدع يوم الجنائز " .
وختم له ختمات كثيرة بالصالحية والمدينة، وتردد الناس إلى زيارة قبره أياما كثيرة، ليلا ونهارا، ورئيت له منامات كثيرة صالحة. ورثاه خلق كثير من العلماء والشعراء بقص كثيرة من بلدان شتى، وأقطار متباعدة، وتأسف المسلمون لفقده. رضي الله عنه ورحمه وغفر له.
وصلى عليه صلاة الغائب في غالب بلاد الإسلام القريبة والبعيدة، حتى في اليمن والصين. وأخبر المسافرون: أنه نودي بأقصى الصين للصلاة عليه يوم جمعة " الصلاة على ترجمان القرآن " .
وقد أفرد الحافظ أبو عبد الله بن عبد الهادي له ترجمة في مجلدة، وكذلك أبو حفص عمر بن علي البزار البغدادي في كراريس، وإنما ذكرناها هنا على وجه الاقتصار ما يليق بتراجم هذا الكتاب.
وقد حدث الشيخ كثيرا. وسمع منه خلق من الحفاظ والأئمة من الحديث، ومن تصانيفه، وخرج ابن الواني أربعين حديثا حدث بها.
أحمد بن يحيى بن محمد بن بدر الجزري، ثم الصالحي، المقرئ الفقيه، شهاب الدين أبو العباس: ولد في حدود السبعين وستمائة.
وقرأ بالروايات على الشيخ جمال الدين البدوي.
وسمع من جماعة من أصحاب ابن طبرزد، والكندي، ولزم المجد التونسي مدة. وأخذ عنه علم القراءات حتى مهر فيها، وأقبل على الفقه، وصحب القاضي ابن مسلم مدة، وانتفع به.
وكان من خيار الناس دينا وعقلا، وتعففا ومروءة وحياءا. أقرأ القرآن وحدث.
وتوفي سنة ثمان وعشرين وسبعمائة رحمه الله تعالى.
إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن الفراء الحراني، ثم الدمشقي، الفقيه الإمام الزاهد، مجد الدين أبو الفداء، شيخ المذهب: ولد سنة خمس - أو ست - وأربعين وستمائة بحران.
وقدم دمشق مع أهله سنة إحدى وسبعين، وسمع بها الكثير من ابن أبي عمر، وابن الصيرفي، والكمال عبد الرحيم، وابن البخاري، والقاسم الأربلي، وأبي حامد بن الصابوني، وأبي بكر العامري، وغيرهم.

(1/346)


وطلب بنفسه، وسمع المسند، والكتب الكبار. وتفقه بالشيخ شمس الدين بن أبي عمر وغيره، ولازمه حتى برع في الفقه، وله معرفة بالحديث والأصول. وغير ذلك. وكتب بخطه الكثير، وتصدى للاشتغال والفتوى مدة طويلة. وانتفع به خلق كثير، مع الديانة والتقوى، وضبط اللسان، والورع في المنطق وغيره، واطراح التكلف في الملبس وغيره.
قال الطوفي: وكان من أصلح خلق الله وأدينهم، كأن على رأسه الطير. وكان عالما بالفقه والحديث، وأصول الفقه، والفرائض، والجبر والمقابلة.
وقال الذهبي: كان شيخ الحنابلة. وكان حافظا لأحاديث الأحكام. طلب مدة.
وقال غيره: وكان كثير النقل، له خبرة تامة بالمذهب، يقرئ " المقنع " و " الكافي " ويعرفهما، وكتب بخطه " المغني " و " الكافي " ، وغيرهما. ويقال: إنه أقرأ " المقنع " مائة مرة.
وكان شيخا صالحا ملازما للتعليم والاشتغال، وجواب الطلبة، بنقل صحيح محقق.
وكان يفتي، ويتحرى كثيرا. وكان عديم التكلف، ويحمل حاجته بنفسه، وليس له كلام في غير العلم، ولا يخالط أحدا، وأوقاته محفوظة.
وقال: ما وقع في قلبي الترفع على أحد من الناس، فإني خبير بنفسي، ولست أعرف أحوال الناس.
وكان يلازم وظائفه، ويحافظ عليها، لا ينقطع يوم بطالة ولا غيرها، بحيث ذكر عنه: أنه كان يتصدى يوم العيد، فإن حضر أحد أقرأه.
وأكثر الفقهاء الذين تنبهوا قرأوا عليه، ثم إن جماعة منهم درسوا في المدارس، وهو معيد عندهم، يلازم الحضور ويكرمهم. ويخاطبهم بالمشيخة. رحمه الله.
قلت: وكان سريع الدمعة.
وسمعت بعض شيوخنا يذكر عنه: أنه كان لا يذكر النبي صلى الله عليه وسلم في درسه إلا ودموعه جارية، ولا سيما إن ذكر شيئا من الرقائق، أو أحاديث الوعيد. ونحو ذلك.
وقد قرأ عليه عامة أكابر شيوخنا ومن قبلهم، حتى الشيخ تقي الدين بن الزريراني شيخ العراق. وحدث، فسمع منه جماعة، منهم: الذهبي، وغيره.
وتوفي ليلة الأحد تاسع جمادى الأولى سنة تسع وعشرين وسبعمائة بالمدرسة الجوزية. ودفن بمقابر الباب الصغير. رحمه الله تعالى.
وقد رأيت جزءا فيه مسألتين - قيل: إنهما من كلامه - إحداهما: في طلاق الغضبان، وأنه لا يقع. والثاني: في مسألة الظفر، ونصر جواز الأخذ مطلقا، والظاهر من حاله وورعه وشدة تمسكه بمذهبه: يشهد بعدم صحة ذلك عنه. والله أعلم.
محمد بن عبد العزيز بن محمد الخطائري، البغدادي، الأزجي، الفقيه الفرضي، الكاتب شمس الدين أبو عبد الله: تفقه على الشيخ تقي الدين الزريراني، وبرع في الفقه والفرائض، وكان فاضلا ذكيا.
قدم دمشق، وتنقل في الخدم، وصار ناظرا على المساجد.
توفي بقباقب: إما سنة تسع عشرة، وإما سنة عشرين وسبعمائة. رحمه الله تعالى.
عبد الله بن محمد بن أبي بكر بن إسماعيل بن أبي البركات بن مكي بن أحمد الزريراتي، ثم البغدادي، الإمام فقيه العراق، ومفتي الآفاق، تقي الدين أبو بكر: ولد في جمادى الآخرة سنة ثمان وستين وستمائة.
وحفظ القران وله سبع سنين. وسمع الحديث من إسماعيل بن الطبال، ومحمد بن ناصر بن حلاوة، وأبي عنان الطيبي، وست الملوك فاطمة بنت أبي البدر، وغيرهم.
وتفقه ببغداد على جماعة، منهم: الشيخ مفيد الدين الحربي، وغيره.
ثم ارتحل إلى دمشق، فقرأ المذهب على الشيخ زين الدين بن المنجا، والشيخ مجد الدين الحراني، ثم عاد إلى بلده، وبرع في الفقه وأصوله، ومعرفة المذهب والخلاف، والفرائض ومتعلقاتها.
وكان عارفا بأصول الدين، ومعرفة المذهب والخلاف، وبالحديث، وبأسماء الرجال والتواريخ، وباللغة العربية وغير ذلك، وانتهت إليه معرفة الفقه بالعراق.
ومن محفوظاته في المذهب: كتاب " الخرقي " و " الهداية " لأبي الخطاب. وذكر أنه طالع " المغنى " للشيخ موفق الدين ثلاثا وعشرين مرة. وكان يستحضر كثيرا منه، أو أكثره، وعلق عليه حواشي، وفوائد. وشرع في شرح " المحرر " فكتب من أوله قطعة، وولي القضاء، ودرس بالبشيرية ثم بالمستنصرية، واستمر فيها إلى حين وفاته.

(1/347)


وكان يورد دروسا مطولة فصيحة منقحة. وله اليد الطولى في المناظرة والبحث، وكثرة النقل، ومعرفة مذاهب الناس. وانتهت إليه رياسة العلم ببغداد من غير مدافع. وأقر له الموافق والمخالف. وكان الفقهاء من سائر الطوائف يجتمعون به، يستفيدون منه في مذاهبهم، ويتأدبون معه، ويرجعون إلى قوله ونقله لمذاهبهم، ويردهم عن فتاويهم، فيذعنون له، ويرجعون إلى ما يقوله، ويعترفون له بإفادتهم في مذاهبهم، حتى ابن المطهر شيخ الشيعة: كان الشيخ تقي الدين يبين له خطأه في نقله لمذهب الشيعة فيذعن له. وقال له مرة بعض أئمة الشافعية - وقد بحث معه - أنت اليوم شيخ الطوائف ببغداد.
وقال العلامة الشيخ شمس الدين البرزبي والد الشيخ شمس الدين مدرس المستنصرية: ما درس أحد بالمستنصرية منذ فتحت إلى الآن أفقه منه.
ويوم وفاته قال الشيخ شهاب الدين عبد الرحمن بن عسكر شيخ المالكية: لم يبق ببغداد من يراجع في علوم الدين مثله.
قرأ عليه جماعة من الفقهاء، وتخرج به أئمة، وأجاز لجماعة، وما أظنه حدث.
وكان في مبدأ أمره متزهدا قبل دخوله في القضاء. وكان ذا جلالة ومهابة، وحسن شكل ولباس وهيئة، وذكاء مفرط، ولطف وكيس ومروءة، وتلطف بالطلبة، وعفة وصيانة في حكمه. وركبه دين في اخر عمره.
توفي ليلة الجمعة ثاني عشرين جمادى الأولى سنة تسع وعشرين وسبعمائة. وصلى عليه من الغد بالمستنصرية. وحضره خلق كثير. وكان يوما مشهودا، وكثر البكاء والتأسف والترحم عليه. ودفن بمقبرة الإمام أحمد، قريبا من القاضي أبي يعلى رحمهم الله تعالى.
ولجماعة من أهل بغداد فيه مدائح ومراث كثيرة، منهم الشيخ تقي الدين الدقوقي محدث بغداد. فمن قوله فيه من مرثية له:
خدين التقى، مذ كان طفلا ويافعا ... تسامت به تقواه عن كل مأثم
لقد كان شيخا في الحديث بقية ... من السلف الماضين أهل التقدم
فلما مضى مات الحديث بموته ... فأكرم به، أكرم به، ثم كرم
لقد مات محمودا سعيدا، ولم نجد ... له خلفا، فاتبع مقالي وسلم
هنيئا له من حاكم متثبت ... غزير النفس، سهل لعافيه مكرم
فتى صيغ من فقه، بل الفقه صوغه ... حفي بإيضاح الدلائل قيم
عليم بمنسوخ الحديث وفقهه ... وناسخه، بحر من العلم مفعم
لقد عظمت في المسلمين رزية ... غداة نعي الناعون أورع مسلم
فمن ذا الذي يؤتى فيسأل بعده؟ ... ومن ذا ترى يجلو دحى كل مبهم؟
فقدناه شيخا عالما، ذا نزاهة ... حييا سخيا، ذا أياد وأنعم
وها سدة التدريس من بعده وها ... مشيد علاها الشامخ المتسنم
وجاور بعد الموت قبر ابن حنبل ... إمام، إليه الزهد ينمى وينتمي
وما خاب من أمسى مجاور قبره ... فحط رحال الشوق ثم، وخيم
وهي طويلة.
ومن فتاوى الشيخ تقي الدين الزريراتي المعروفة: أن من أغرى ظالما بأخذ مال إنسان، ودله عليه: فإنه يلزمه الضمان بذلك.
ومن المعيدين عند بالمستنصرية:
جمال الدين الفيلوى: خطيب جامع المنصور كان ينافسه في التدريس، وكان طويل الروح على المشتغلين. اشتغل عليه جمال الدين الدارقزي خطيبها، وإمام الضيائية بدمشق المقرئ للسبيع.
توفي بدمشق في جمادى الأولى سنة إحدى وستين وسبعمائة، رحمه الله من الكيلانيين وغيرهم - والشيخ.
حمزة الضرير: إمام التعبير. كان يحفظ القرآن. يقرأ السورة من آخرها إلى أولها ذكيا. ولازمه محمد بن عبد الله المقرئ، ومحمد بن داود وإبراهيم الكاتب، والشيخ علي بن سوكة القطان الزاهد الحيري، وحموه الصالح محمد الحضايري. أخرج بعد مدة ودفن بمقبرة أحمد. وكفنه باق وهو طري. وكان هو بنفسه يصحب محمد بن القيمة بباب الأزج. وانتفع به.

(1/348)


ومن خواصه الشيخ أحمد بن عبد الرحمن السقامربي الطائفة، والشيخ أحمد بن محمد التماسكي المعيد، صنف كتابا في الفقه وعرضه عليه، وولده محمد الفرضي، وشيخنا شهاب الدين أحمد بن محمد الشيرجي الزاهد، أعاد بعده بالمستنصرية، عند شمس الدين محمد بن سليمان النهرماري المدرس بالمستنصرية إلى الآن - توفي سنة أربع وستين.
والقاضي جمال الدين عبد الصمد بن خليل الخضري: المدرس بالبشيرية محدث بغداد. وكان يحدث بمسجد يانس، يقول تفسير الرسعني من حافظه، ويحضره الخلق، منهم المدرسون والأكابر. وله ديوان شعر حسن الخطابة والوعظ. وقد مدح الزريراتي بقصائد، ورثاه ورثى ابن تيمية أيضا.
توفي سنة خمس وستين في رمضان وولي بعده الحديث بمسجد يانس: -
نور الدين محمد بن محمود المحدث الفقيه: المعيد المقرئ. كان شيخنا الدقوقي يقدمه علي المحيي بن الكواز، وغيره من أصحابه، ويقول: هو أحفظ الجماعة، وأضبط. وسمع وأفتى. وخرج وقرأ على شيخنا ابن مؤمن وتميز.
وتوفي سنة ست وستين وسبعمائة.
وكلهم دفن بمقبرة الإمام أحمد رحمهم الله أجمعين، ورضي عنا وعنهم، وجميع إخواننا.
إسحاق بن أبي بكر بن الدسبي بن أطس التركي، ثم المصري، الفقيه المحدث، الأديب الشاعر، نجم الدين أبو الفضل: ولد سنة سبعين وخمسمائة.
وسمع بمصر من الأبرقوهي.
ورحل. وسمع بالإسكندرية من القرافي. وبدمشق: من ابن حفص بن القواس، وإسماعيل بن الفراء، وبحلب: من سنقر الزيني. وتفقه، وقال الشعر الحسن.
وسمع منه الحافظ الذهبي بحلب، ثم دخل العراق بعد السبعمائة وتنقل في البلاد، وسكن أذربيجان، ولم تكن سيرته هناك مشكورة، وبقي إلى بعد العشرين وسبعمائة، ولم يتحقق سنة وفاته.
وله قصيدة حسنة طويلة في مدح الشيخ تقي الدين ابن تيمية، منها:
يعنفني في بغيتي رتبة العلى ... جهول أراه راكبا غير مركبي
له همة دون الحضيض محلها ... ولي همة تسمو على كل كوكب
فلو كان ذا جهل بسيط عذرته ... ولكن يدلي بجهل مركب
يقول: علام اخترت مذهب أحمد؟ ... فقلت له: إذ كان أحمد مذهب
وهل في ابن شيبان مقال القائل ... وهل فيه من طعن لصاحب مضرب؟
أليس الذي قد طار في الأرض ذكره ... وطبقهما ما بين شرق ومغرب؟
ثم ذكر محنته - إلى أن قال:
وأصحابه أهل الهدى لا يضرهم ... على دينهم طعن امرئ جاهل غبي
هم الظاهرون القائمون بدينهم ... إلى الحشر، لم يغلبهما ذو تغلب
لنا منهم في كل عصر أئمة ... هداة إلى العليا، مصابيح مرقب
وقد علم الرحمن أن زماننا ... تشعب فيه الرأي أي تشعب
فجاء بحبر عالم من سراتهم ... كسبع متين بعد هجرة يثرب
يقيم قناة الدين بعد اعوجاجها ... وينقذها من قبضة المتعصب
فذاك فتى تيمية خير سيد ... نجيب أتانا من سلامة منجب
عليم بأدواء النفوس، يسوسها ... بحكمته، فعل الطبيب المجرب
بعيد عن الفحشاء والبغي والأذى ... قريب إلى أهل التقى، ذو تحبب
يرى نصرة الإسلام أكرم مغنم ... وإظهار دين الله أربح مكسب
وكم قد غدا بالفعل والقول مبطلا ... ضلالة كذاب، ورأى مكذب
ولم يلق من أعداه غير منافق ... وآخر عن نهج السبيل منكب
وهي طويلة. ومنها:
وليس له في الزهد والعلم مشبه ... سوى الحسن البصري وابن المسيب
ومدح في آخرها شرف الدين عبد الله أخا الشيخ.
محمد برت سليمان بن حمزة بن أحمد بن عمر بن أبي عمر المقدسي، ثم الصالحي، قاضي القضاة، عز الدين أبو عبد الله، ابن قاضي القضاة تقي الدين بن أبي الفضل: ولد في عشرين ربيع الآخر سنة خمس وستين وستمائة.
وسمع من الشيخ شمس الدين بن أبي عمر، والفخر، وأبي بكر الهروي، وغيرهم. وأجاز له ابن عبد الدايم، وغيره.

(1/349)


ثم اشتغل وقرأ الفقه على أبيه وغيره. وناب عن والده في الحكم، وترك له والده تدريس الجوزية، فدرس بها في حياته، وكتب في الفتوى، ودرس بعد موت والده بدار الحديث الأشرفية بالسفح.
ثم ولي القضاء مستقلا بعد موت ابن مسلم. وكان ذا فضل وعقل، وحسن خلق، وتودد، وقضاء لحوائح الناس، وتهجد من الليل وتلاوة، وحج ست مرات.
وتوفي في تاسع صفر سنة إحدى وثلاثين وسبعمائة. ودفن بتربة جده الشيخ أبي عمر. وحضره خلق كثير. رحمه الله تعالى.
عبد الرحمن بن أبي محمد بن محمد بن سلطان بن محمد بن علي القرامزي، الفقيه العابد أبو محمد، وأبو الفرج: ولد سنة أربع وأربعين وستمائة تقريبا.
وقرأ بالروايات. وسمع من ابن عبد الدايم، وإسماعيل بن أبي اليسر وجماعة. وتفقه في المذهب، ثم تزهد، وأقبل على العبادة والطاعة، وملازمة الجامع، وكثرة الصلوات به. واشتهر بذلك. وصار له قبول وعظمة عند الأكابر.
وقد غمزه الذهبي بأنه نال بذلك سعادة دنيوية، وتمتع بالدنيا وشهواتها التي لا تناسب الزاهدين.
قال: وسمعت منه، " اقتضاء العلم " للخطيب. وكان قوي النفس لا يقوم لأحد. وله محبون. ومن حسناته أنه كان من اللعانين للاتحادية.
توفي مستهل المحرم سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة ببستانه بأرض جوير وصلى عليه بجامع جراح. ودفن بمقبرة الباب الصغير. رحمه الله تعالى.
عبد القادر بن محمد بن إبراهبم المقريزي، البعلي، المحدث الفقيه، محي الدين أبو محمد: ولد في حدود سنة سبع وسبعن وستمائة.
وسمع بدمشق من عمر بن القواس وطائفة. وبمصر من أبي الحسن بن القسم وسبط زيادة، وغيرهما. وعني بالحديث. وقرأ وكتب بخطه كثيرا وخرج، وتفقه.
قال الذهبي: له مشاركة في علوم الإسلام، ومشيخة الحديث بالبهائبة، وغير ذلك. علقت عنه فوائد. وسمع منه جماعة.
توفي ليل الإثنين ثامن عشرين ربيع الأول سنة اثنين وثلاثين وسبعمائة. ودفن بمقبرة الصوفية بالقرب من قبر الشيخ تقي الدين رحمه الله تعالى.
الحسين بن يوسف بن محمد بن أبي السري الدجيلي، ثم البغذادي، الفقيه، المقرئ الفرضي، النحوي الأديب، سراج الدين أبو عبد الله: ولد سنة أربع وستين وستمائة. وحفظ القرآن في صباه. ويقال: إنه تلقن سورة البقرة في مجلسين، والحواميم في سبعة أيام.
وسمع الحديث ببغداد من إسماعيل بن الطبال، ومفيد الدين الحربي الضرير وابن الدواليبي، وغيرهم.
وبدمشق من أبي الفتح البعلي، والمزي الحافظ، وغيرهما. وله إجازة من الكمال الزار، وعبد الحميد بن الزجاج، وجماعة من القدماء، وحفظ كتب في العلوم، منها " المقنع " في الفقه و " الشاطبية " ، و " الألفيتان " في النحو، و " مقامات الحريري " و " عروض ابن الحاجب " و " الدريدية " ومقدمة في الحساب. وقرأ الأصلين، وعني بالعربية واللغة، وعلوم الأدب.
وتفقه على الزيريراتي. وكان في مبدأ أمره: يسلك طريق الزهد، والتقشف البليغ، والعبادة الكثيرة، ثم فتحت عليه الدنيا. وكان له مع ذلك أوراد ونوافل. وصنف كتاب " الوجيز " في الفقه، وعرضه على شيخه الزريراتي، فما كتب له عليه.
ألفيته كتابا وجيزا كما وسمه، جامعا لمسائل كثيرة، وفوائد غزيرة قل أن يجتمع مثلها من أمثاله، أو يهيأ لمصنف أن ينسخ على منواله.
وصنف كتابا في أصول الدين، وكتاب " نزهة الناظرين، وتنبيه الغفلين " وله قصيدة لامية في الفرائض.
وكان خيرا فاضلا، متمسكا بالسنة، كثير الذكاء، حسن الشكل، دمث الأخلاق، متواضعا. اشتغل عليه جماعة، وانتفعوا به في الفقه وفي الفرائض، منهم: يوسف بن محمد السرمري، والشرف بن سلوم قاضي حري. وحدث.
وتوفي ليلة السبت سادس ربيع الأول سنة اثنين وثلاثين وسبعمائة. ودفن بالشهيل، قرية من أعمال دجيل. رحمه الله تعالى.
عبد الله بن حسن بن عبد الله بن عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي، الصالحي، الفقيه المحدث، قاضي القضاة، شرف الدين أبو محمد بن شهاب الدين أبي محمد بن الحافظ أبي موسى بن الحافظ الكبير أبي محمد: ولد في رمضان سنة ست وأربعين وستمائة.
وسمع من مكي بن علان، ومحمد بن عبد الهادي، والبلداني، وخطيب مردا وإبراهيم بن خليل وغيرهم. وأجاز له جماعة. وطلب بنفسه. وقرأ على ابن عبد الدائم وغيره.
وتفقه، وأفتى، وناب في الحكم عن أخيه، ثم عن ابن مسلم مدة ولايتهما.

(1/350)


ثم ولي القضاء في آخر عمره مستقلا فوق سنة، ودرس بالصاحبية، وتولى، مشيخة الحديث بالصدرية والعالمية، ثم بدار الحديث الأشرفية. وكان فقيها عالما خيرا صالحا، منفردا بنفسه، ذا فضيلة جيدة، حسن القراءة، حميد السيرة في القضاء، فعمر وتفرد وحدث. وسمع منه الذهبي، وخلق.
توفي فجأة - وهو يتوضأ للمغرب - آخر نهار الأربعاء مستهل جمادى الأولى سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة بمنزله بالدير. وكان قد حكم ذلك اليوم بالمدينة، ثم توجه آخر النهار إلى السفح. ودفن من الغد بتربة الشيخ أبي عمر. وحضره جمع كثير. رحمه الله تعالى.
عبد الرحمن بن إبراهيم بن عبد الله بن أبي عمر محمد بن أحمد بن محمد بن قدامة، المقدسي، الفرضي، الزاهد القدوة، عز الدين أبو الفرج ابن الشيخ عز الدين أبي إسحاق ابن الخطيب شرف الدين، أبي بكر، ابن القدوة الكبير أبو عمرة ولد في تاسع عشر جمادى الأولى سنة ست وخمسين وستمائة.
وسمع من ابن عبد الدائم، وغيره. وحج صحبة الشيخ شمس الدين بن أبي عمر وكمل عليه قراءة كتاب " المقنع " بالمدينة النبوية. وحج بعد ذلك مرات. وكان ذا معرفة تامة بالفرائض ومتعلقاتها.
حدث. وسمع منه الذهبي، وذكره في معجمه. وقال: كان فقيها عالما، متواضعا صالحا، على طريقة السلف. وكان عارفا بمذهب أحمد. له فهم ومعرفة تامة بالفرائض. وفيه تودد وانطباع، وعدم تكلف.
وقال غيره: كان رجلا صالحا، بشوش الوجه، كثير الخير، مواظبا على أفعال البر. أخذ عنه الفرائض جماعة، وانتفعوا به.
توفي في ثامن شهر رجب سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة. ودفن بتربة الشيخ أبي عمر بسمح قاسيون. رحمه الله تعالى.
عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن بن يوسف بن محمد بن نصر البعلي، ثم الدمشقي، الفقيه المحدث، فخر الدين أبو بكر محمد بن الشيخ شمس الدين أبي عبد الله، ابن الإمام فخر الدين أبي محمد: وقد سبق ذكر أبيه وجده. ولد يوم الخميس رابع عشرين ربيع الآخر سنة خمس وثمانين وستمائة.
وسمع من ابن البخاري في الخامسة، ومن الشيخ تقي الدين الواسطي، وعمر بن القواس. وعني بالحديث. وارتحل فيه مرات، وكتب العالي والنازل من سنة خمس وسبعمائة، وهلم جرا. وخرج لغير واحد من الشيوخ. وأفاد وتفقه، وأفتى في آخر عمره، وولي مشيخة الصدرية والإعادة بالمسمارية، وجمع عدة تآليف، وفسر بعض القرآن الكريم.
وحدث، وسمع منه الذهبي، وجماعة.
وكان فقيها محدث، كثير الاشتغال بالعلم، عفيفا دينا، حج مرات، وأقام بمكة شهرا، وكان مواظبا على قراءة جزءين من القرآن في الصلاة في كل ليلة. وله مواعيد كثيرة لقراءة الحديث، والرقائق على الناس، وجمع في ذلك مجموعات حسنة، منها كتاب " الثمر الرائق المجتبى من الحقائق " وانتفع بمجالسه الناس.
وتوفي يوم الخميس تاسع عشر ذي القعدة سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة وصلى عليه بالجامع، وحضر جنازته جمع كثير، وحمل على الرقاب، ودفن بمقبرة الصوفية، ولم يعقب رحمه الله تعالى.
وأخبرني بعض أقاربه - وكان يخدمه في مرضه الني توفي فيه - قال: آخر ما سمعت عند موته، أن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من كان آخر قوله لا إله إلا الله " ثم مات.
عبد الرحمن بن مسعود بن أحمد بن مسعود بن زيد الحارثي، ثم المصري، الفقيه المناظر الأصولي، شمس الدين أبو الفرج، ابن الحافظ قاضي القضاة سعد الدين المتقدم ذكره: ولد سنة إحدى وسبعين وستمائة.
وسمع بقراءة والده الكثير بالديار المصرية من العز الحراني، ومن خطيب المزة، وغازي الحلاوي، وشامية بنت البكري، وغيرهم.
وبدمشق من ابن البخاري، وابن المنجا وجماعة. وسمع بالإسكندرية من القرافي. وقدم دمشق مرة ثانية بنفسه. فسمع من عمر بن القواس وغيره.
وعنى بالسماع والطلب، وتفقه في المذهب حتى برع، وأفتى وناظر، وأخذ الأصول عن ابن دقيق العيد، والعربية عن ابن النحاس، وناب عن والده وغيره في الحكم، ودرس بالمنصورية، وجامع ابن طولون وغيرهما، وتصدى للاشتغال.
وكان شيخ المذهب بالديار المصرية. وله مشاركة في التفسير والحديث، ويذكر لقضاء مصر والشام، مع الديانة والورع والجلالة، يعد من العلماء العاملين.
وحدت، وسمع منه جماعة.

(1/351)


وتوفي يوم الجمعة سادس عشر ذي الحجة سنة اثنين وثلاثين وسبعمائة بالمدرسة الصالحية بالقاهرة. ودفن إلى جانب والده بالقرافة، رحمهما الله تعالى.
ومما رأيت في فتاويه: أن صلاة التراويح، قبل صلاة العشاء، لا تصح وأنها بدعة ينهى عنها، ووافقه على ذلك ابن جماعة قاضي الشافعية، وغيره من المالكية، وقد صرح بهذا القاضي أبو يعلى. مما قرأته بخطه على طهر جزء من خلافه. قال القاضي: ولكن يجوز تقديمها على الوتر، لأنها من قيام الليل، فتجوز قبل الوتر وبعده.
محمود بن علي بن محمود بن مقبل بن سليمان بن داود الدقوقي، ثم البغدادي، المحدث الحافظ الواعظ، تقي الدين أبو الثناء: ولى ت في بكرة الاثنين سادس عشرين جمادى الأولى سنة ثلاث وستين وستمائة.
وسمع الكثير بإفادة والده، ومن عبد الصمد بن أبي الجيش، وعلي بن وضاح وابن الساعي، وعبد الله بن بلدجي، وعبد الجبار بن عكبر، وعبد الرحيم بن الزجاج، ومحمد بن الدنية، وأبي الحسن بن الوجوهي، ومحمد بن أحمد بن معضاد، وعبد الله بن ورخز، وخلق وأجاز له جماعة كثيرة من أهل الشام والعراق.
ثم طلب بنفسه وقرأ ما لا يوصف كثرة على الشيوخ بعد هذه الطبقة. قريبا من خمسين سنة، وكان قارئ الحديث بدار المستنصرية مدة. ثم ولي المشيخة بها بعد وفاة الدواليبي المتقدم ذكره.
وكان يقرأ الحديث في دار الحديث التي كانت تعرف بمسجد يانس، ويجتمع عنده خلق كثير، يبلغون عدة آلاف، ويعظ بها وبغيرها. وانتهى إليه علم الحديث والوعظ ببغداد، ولم يكن بها في وقته أحسن قراءة للحديث منه، ولا معرفة بلغاته وضبطه، وله اليد الطولى في النظم والنثر، وإنشاء الخطب والمواعظ.
كتب بخطه الكثير من الفقه والحديث، وله مشاركة في الفقه، وحفظ " الخرقى " في صغره، وكان لطيفا، حلو النادرة، مليح الفكاهة، ذا حرمة وجلالة وهيبة، ومنزلة عند الأكابر، وجمع عدة أربعينيات في معارف مختلفة، وله كتاب " مطالع الأنوار، في الأحبار والآثار الخالية عن السند والتكرار " ، وكتاب " الكواكب الحرية، في المناقب العلوية " وذكر: أنه جمع تاريخا ولم يوجد. ويقال: إنه جمع كتابا في الأسماء المبهمة في الحديث، ولم يوجد أيضا، وله شعر كثير، لو جمع لجاء منه ديوان. تخرج به جماعة في علم الحديث، وانتفعوا به.
وسمع منه خلق، وحدث عنه طائفة.
توفى يوم الاثنين بعد العصر، عشري المحرم سنة ثلاث وثلاثين وسبعمائة، وصلى عليه من الغد بجامع القصر، ثم بالمستنصرية وغيرها، وشيعه خلق كثير من القضاة والعلماء والأعيان وغيرهم، وكثر البكاء والثناء عليه، ودفن بمقبرة الإمام أحمد رضي الله عنه. ورثاه غير واحد. رحمه الله تعالى.
أنشدني والدي قال: أنشدنا أبو الثناء الدقوقي لنفسه:
جاهد بنفسك في الفضائل تغنم ... وخض المهالك في المحبة تسلم
وذر التعلل بالمنى، فهي العنا ... واطرح سلاحك في الهوى واستسلم
من لم يذق في حبنا طعم الفنا ... لم يلفنا نكفيه ثقل المغرم
خاطر بنفسك في هوانا واسترح ... إن شئت تحظى بالمحل الأعظم
مرغ خدودك في ثرى أعتابنا ... لتفوز بالحسنى وفيض الأنعم
لا يصدفنك صادف عن مطلب ... فالعز مقرون بحد المخذم
من ذا الذي ألفى بساحل جودنا ... فشكى الظما، أو خاف فوت الموسم
نحن الذين إذا أتانا سائل ... نوليه إحسانا وفضل تكرم
نعفو عن الجاني، ونقبل عذره ... ونقبل عثرة تائب متندم
ونقول في الأسحار: " هل من سائل ... مستغفر " لينال طيب المغنم.
لا يلهينك شاغل عن وصلنا ... وانهض على قدم الرجاء وقدم
وهي طويلة. مدح فيها النبي صلى الله عليه وسلم، وأصحابه رضي الله عنهم.
عبد الرحمن بن محمود بن عبيد البعلي، الفقيه الزاهد العارف، زين الدين أبو الفرج: ولد سنة خمس وسبعين وستمائة.

(1/352)


وسمع الحديث. وتفقه على الشيخ تقي الدين وغيره. وبرع وأفتى. وكان إماما، عارفا بالفقه وغوامضه، والأصول والحديث، والعربية والتصوف، زاهدا عابدا، ورعا متألها ربانيا. صحب الشيخ عماد الدين الواسطي، وتخرج به في السلوك.
ويذكر له أحوال وكرامات. ويقال: إنه كان يطلع على ليلة القدر كل سنة وقد نالته مرة محنة بسبب حال حصل له، اطلع عليه بعض أصحابه، فأشاع ذلك عنه، وأظهر به خطة. فعقد له مجلس بدار السعادة بدمشق سنة ثمان عشرة، حضره القضاة والفقهاء، وأحضروا خطه بأنه: رأى الحق سبحانه وتعالى، وشاهد الملكوت الأعلى، ورأى الفردوس، ورفع إلى فوق العرش، وسمع الخطاب، وقيل له: قد وهبتك حال الشيخ عبد القادر، وأن الله تعالى أخذ شيئا كالرداء من عبد القادر، فوضعه عليه، وأنه سقاه ثلاثة أشربة مختلفة الألوان، وأنه قعد بين يدي الله تعالى مع محمد وإبراهيم وموسى وعيسى والخضر عليهم السلام، وقيل له: هذا مكان ما يجاوزه ولي قط. وقيل له: إنك تبقى قطبا عشرين سنة.
وذكر أشياء أخر. فاعترف أنه خطه. فأنكر ذلك عليه، فبادر، وجدد إسلامه، وحكم الحاكم بحقن دمه، وأمر بتأديبه. وحبس أياما.
ثم أخرج ومنع من الفتوى وعقود الأنكحة، ثم بان له غلطه، وأن هذا لم يكن له وجود في الخارج، وإنما هي أخيلة وشواهد وأنوار قلبية، لا أمور خارجية وشيخه الواسطي مع سائر أئمة الطريق أهل الاستقامة، وصوفية أهل الحديث يقررون ذلك، ويحذرون من الغلط فيه، كما زل في ذلك طوائف من أكابر الصوفية.
وكان أكثر إقامة الشيخ زين الدين بدمشق، يعيد بالمدارس، ويتصدى للاشتغال والإفادة، وإقراء الحديث والفقه وأصوله، وانتفع به جماعة، وتحرجوا به، منهم: الإمام العلامة عز الدين حمزة ابن شيخ السلامية وغيره.
وسافر مرة إلى حماة، واجتمع بقاضيها الشيخ شرف الدين بن البارزي. وكان إماما متقنا، ذا قدم راسخ في السلوك. فبلغني عن ابن البارزي: أنه كان بعد ذلك يثني على الشيخ رين الدين ثناء كثيرا، ويذكر أنه لم ير مثله، هذا أو نحوه.
وصنف كتابا في الأحكام على أبواب " المقنع " سماه " المطلع " ، وشرح قطعة من أول " المقنع " وجمع " زوائد المحرر على المقنع " ، وله كلام في التصوف وحدث بشيء من مصنفاته.
توفي في منتصف صفر سنة أربع وثلاثين وسبعمائة ببعلبك، وشيعه عامة أهل البلد، وحمل على الرؤوس. ودفن بمقبرة باب سطحان. رحمه الله تعالى.
عبد الرحمن بن حسين بن يحيى بن عمر بن النجمي المصري القبابي، و " قباب " ، قرية من قرى أشموم الرمان بالصعيد - نزيل حماة. الفقيه الزاهد العابد القدوة، نجم الدين أبو عمر: كان رجلا صالحا، زاهدا عابدا، عالما قدوة، عارفا فقيها، ذا فضيلة ومعرفة. وله اشتغال بالمذهب. أقام بحماة مدة في زاوية يزار بها. وكان معظما عند الخاص والعام، وأئمة وقته يثنون عليه، كالشيخ تقي الدين ابن تيمية وغيره. وكان أمارا بالمعروف، نهاءا عن المنكر، من العلماء الربانيين، وبقايا السلف الصالحين. وله كلام حسن يؤثر عنه.
توفي في آخر نهار الاثنين رابع عشر رجب سنة أربع وثلاثين وسبعمائة. بحماة. وكانت جنازته مشهودة عظيمة جدا، وحمل على الرؤوس. ودفن شمالي البلد، وتأسف الناس عليه. رضي الله عنه.
وتوفى ولده: -
سراج الدين عمر بالقدس. وكان جامعا بين العلم والعمل واشتغل وانتفع بابن تيمية، ولم أر على طريقه في الصلاح مثله رحمه الله تعالى.
محمد بن محمد بن محمود بن قاسم بن البزرتي، البغدادي، الفقيه الأصولي، الأديب النحوي، شمس الدين أبو عبد الله، ابن الإمام أبو الفضائل: قرأ الفقه على الشيخ تقي الدين بن الزريراتي. وكان إماما عالما، متقنا بارعا في الفقه والأصلين، والأدب والتفسير، وغير ذلك. وله نظم حسن، وخط مليح، ودرس بالمستنصرية بعد سيخه الزريراتي. وكان من فضلاء أهل بغداد.
توفي أبو عبد الله بن البزرتي في سنة خمس وثلاثين وسبعمائة ببغداد.
وكذلك كان والده أبو الفضل إماما عالما، مفتيا صالحا!.
وتوفي في جمادى الأولى من السنة أيضا:

(1/353)


نصير الدين أحمد بن عبد السلام بن تميم بن أبي نصر بن عبد الباقي بن عكبر البغدادي: المعمر ببغداد، عن خمس وتسعين سنة. ودفن بباب حرب، سمع الكثير من عبد الصمد بن أبي الجيش، وابن وضاح، وابن أبي الدنية وابن الدباب وطبقتهم.
وحدث. سمع منه خلق، وتفقه. وأعاد بالمدرسة البشيرية للحنابلة، وأضر في آخر عمره، وانقطع في بيته رحمه الله تعالى.
وذكر: أنه من أولاد عكبر الني تاب هو وأصحابه من قطع الطريق، لرؤيته عصفورا ينقل رطبا من نخلة حامل إلى أخرى حائل، فصعد فنظر، فإذا هو بحية عمياء، والعصفور يأتيها برزقها، فتاب هو وأصحابه. وذكره ابن الجوزي في " صفوة الصفوة " فنسبت بني عكبر إليه. والله أعلم.
وكان يحط على عبد الصمد بن أبي الجيش، ويقول: أنا أقدم منه، فكيف يقدم علي في مشيخة الحديث بالمستنصرية. ولم يبق في سني أحد ببغداد.
عبد الله بن أحمد بن عبد الله بن أحمد بن أبي بكر محمد بن إبراهيم بن أحمد بن عبد الرحمن بن إسماعيل بن منصور، السعدي الصالحي، المقدسي الأصل، المحدث الصالح، القدوة الزاهد، محب الدين أبو محمد بن أبي العباس بن المحب: وقد سبق ذكر جده. ولد يوم الأحد ثاني عشر المحرم سنة اثنتين وثمانين وستمائة بقاسيون.
وأسمعه والده من الفخر بن البخاري، وابن الكمال، وزينب بنت مكي وجماعة. ثم طلب بنفسه، وسمع من عمر بن القواس، وأبي الفهم بن عساكر، ويوسف الفسولي، وخلق من بعدهم. وذكر كثرة شيوخه الذين أخذ عنهم نحوا من ألف شيخ. وقرأ بنفسه الكثير، وعني بهذا الشأن. وكتب بخطه الكثير، والعالي والنازل. وخرج التخاريج لجماعة من الشيوخ، وانتقى وأفاد.
وقال الذهبي: كان فصيح القراءة، جهوري الصوت، منطلق اللسان بالآثار، سريع القراءة، طيب الصوت بالقرآن، صالحا خائفا من الله صادقا، انتفع الناس بتذكيره وبمواعيده.
وذكره أيضا في " معجم " شيوخه، وقال: كان شابا صالحا، في سمعه ثقل ما. وقد حدث كثيرا. وسمع منه جماعة.
وتوفي يوم الاثنين سابع ربيع الأول سنة سبع وثلاثين وسبعمائة. وكانت جنازته مشهودة شيعه الخلق الكثير، وكثر الثناء والتأسف عليه.
ودفن بالقرب من الشيخ موفق الدين بسفح قاسيون رحمه الله تعالى.
وكان والده: -
أبو العباس من كبار الصالحين الأتقياء الأخفياء: حدث عن إبراهيم بن خليل وابن عبد الدايم، وجماعة. سمع منه الذهبي وجماعة، وقال: سألت عنه والده؟ قال: ما أعلم عليه شيئا يشينه في دينه.
قال الذهبي: ما هو عندي بدون شيخنا محمد بن تمام. وذكره في " المعجم المختصر " فقال: الإمام الزاهد الصالح. بقية السلف الأخيار.
ولد سنة ثلاث وخمسين وستمائة.
وعنى بطلب الحديث. وكتب وأفتى، ونسخ لنفسه وللناس. وكان بهي الشيبة، كثير الوقار والسكينة، ذا حظ من عبادة وتأله وتواضع، وحسن هدى، واتباع للأثر، وانقباض عن الناس، وانتقيت له جزءا. وهو شيخ الحديث بالضيائية.
حدث بالكثير. وروى عنه ابن الخباز، وطائفة.
وتوفي في ذي الحجة سنة ثلاثين وسبعمائة. رحمه الله تعالى.
عبد الله بن محمد بن يوسف بن عبد المنعم بن نعمة المقدسي، النابلسي، الفقيه الزاهد القدوة، شمس الدين، أبو محمد بن العفيف، ابن الشيخ تقي الدين: وقد سبق ذكر جده شيخ نابلس. ولد سنة تسع وأربعين وستمائة.
وحضر على خطيب مردا. وسمع من عم أبيه جمال الدين عبد الرحمن بن عبد المنعم. وأجاز له سبط السلفي. وتفقه وأفتى، وأم بمسجد الحنابلة بنابلس نحوا من سبعين سنة.
وكان كثير العبادة، حسن الشكل والصوت، عليه البهاء والوقار. حدث. وسمع منه طائفة.
توفي يوم الخميس ثاني عشرين ربيع الآخر سنة سبع وثلاثين وسبعمائة بنابلس، ودفن بها، وتأسف الناس عليه. رحمه الله تعالى.
وتوفي قبله في ربيع الأول من السنة بنابلس أيضا: الإمام المفتي.
عماد الدين أبو إسحاق إبراهيم بن علي بن عبد الرحمن بن عبد المنعم بن نعمة.
عبد المؤمن بن عبد الحق بن عبد الله بن علي بن مسعود القطيعي الأصل، البغدادي، الفقيه، الإمام الفرضي المتقن، صفي الدين أبو الفضائل، ابن الخطيب كمال الدين أبي محمد: كان والده خطيبا بجامع ابن عبد المطلب ببغداد احتسابا. وكان جده يعرف بابن شمائل.
ولد الشيخ صفي الدين في سابع عشري جمادى الآخرة سنة ثمان وخمسين وستمائة ببغداد.

(1/354)


وسمع بها الحديث من عبد الصمد بن أبي الجيش، وأبي الفضل بن الدباب، والكمال البزار، وابن الكسار. وغيرهم.
وسمع بدمشق: من الشرف أحمد بن هبة الله بن عساكر، وست الأهل بنت علوان، وجماعة، وبمكة من الفخر التوريزي. وأجاز له ابن البخاري، وأحمد بن شيبان، وزينب بنت مكي، وابن وضاح، وخلق من أهل الشام ومصر والعراق.
وتفقه على أبي طالب عبد الرحمن بن عمر البصري المتقدم ذكره، ولازمه حتى برع وأفتى، ومهر في علم الفرائض والحساب، والجبر والمقابلة والهندسة والمساحة، ونحو ذلك.
واشتغل في أول عمره - بعد الفقه - بالكتابة والأعمال الديوانية مدة، ثم ترك ذلك، وأقبل على العلم، ولازمه مدة مطالعة وكتابة، وتصنيفا وتدريسا، واشتغالا وإفتاء، إلى حين وفاته.
وكتب الكثير بخطه الحسن المليح الحلو. وكان ذا ذهن حاد، وذكاء وفطنة. وعنده خميرة جيدة من أول عمره في العلم، فأقبل آخرا على التصنيف، فصنف في علوم كثيرة. منها: ما لم يكن سبق له فيها اشتغال. وصنف في الفقه والأصلين، والجدل والحساب، والفرائض والوصايا، وفي التاريخ والحديث، والطب، وغير ذلك. واختصر كتبا كثيرة.
فمن تصانيفه " شرح المحرر " ، في الفقه ست مجلدات، " شرح العمدة " في الفقه مجلدان " إدراك الغاية في اختصار الهداية " في الفقه مجلد لطيف، وشرحه في أربع مجلدات " شرح المسائل الحسابية " من " الرعاية الكبرى " ، لابن حمدان، مجلد لطيف " تلخيص المنقح في الجدل " ، " تحقيق الأمل، في علمي الأصول والجدل " ، " تسهيل الوصول إلى علم الأصول " ، " قواعد الأصول ومعاقد الفصول " و " اللامع المغيث في علم المواريث " و " أسرار المواريث " ، جزء، تكلم فيه على حكم الإرث ومصالحه، واختصر " تاريخ الطبري " في أربع مجلدات، واختصر " الرد على الرافضي " للشيخ تقي الدين ابن تيمية في مجلدين لطيفين، واختصر " معجم البلدان " لياقوت الحموي وغير ذلك.
وعني بالحديث، فنسخ واستنسخ كثيرا من أجزائه، وخرج لنفسه معجما لشيوخه بالسماع والإجازة عن نحو ثلاثمائة شيخ، وأكثرهم بالإجازة، وتكلم فيه على أحوالهم ووفياتهم، واستعان في معرفة أحوال الشاميين بالذهبي والبرزالي، وحدث به، وبكثير من مسموعاته، وغيرها بالإجازة.
سمع منه خلق كثيرون. وأجاز لي ما يجوز له روايته غير مرة، وعرس بالمدرسة البشيرية للحنابلة.
وكان إماما فاضلا، ذا مروءة، وأخلاق حسنة، وحسن هيئة وشكل، عظيم الحرمة، شريف النفس، متفردا في بيته، لا يغشى الأكابر ولا يخالطهم، ولا يزاحمهم في المناصب، بل الأكابر يترددون إليه، وقد نهى أصحابه عن السعي له في تدريس المستنصرية، ولم يتعرض لها، مع تمكنه من ذلك، ولما حبس الجماعة الذين كتبوا على مسألة الزيارة، موافقة للشيخ تقي الدين لم يتعرض له، هيبة له واحتراما، وحبس سائرهم وأوذوا.
وله شعر كثير جيد، لعله ديوان تمام، وتفرد في وقته ببغداد، في علم الفرائض، والحساب، حتى يقال: إن الزريراتي كان يراجعه في ذلك، ويستفيد منه.
ونقل بعضهم عن القاضي برهان الدين الزرعي، أنه كان يقول: هو إمامنا في علم الفرائض، والجبر والقابلة، وأنه كان يثني عليه ويقول: لو أمكنني الرحلة إليه لرحلت إليه، وكان قد رأى الشيخ تقي الدين ابن تيمية بدمشق، واجتمع معه. ولما صنف " شرح المحرر " أرسل إلى الشيخ تقي الدين يسأله عن مسائل فيه وقد ذكر عنه في شرحه شيئا من ذلك، في مسائل " ميراث المعتق بعضه " ولم يدرك ما قاله الشيخ على وجهه.
وله رحمه الله: أوهام كثيرة في تصانيفه، حتى في الفرائض، من حيث توجيه المسائل وتعليلها، رحمه الله تعالى وسامحه. فلقد كان من محاسن زمانه في بلده.
توفي إلى رحمة الله تعالى ليلة الجمعة عاشر صفر، سنة تسع وثلاثين وسبعمائة، وصلي عليه من الغد، وحمل على الأيدي والرؤوس، ودفن بمقبرة الإمام أحمد بباب حرب، وكانت جنازته مشهودة، رحمه الله تعالى.
أنشدني الإمام صفي الدين عبد المؤمن بن عبد الحق، في كتابه لنفسه:
لا ترج غير الله سبحانه ... واقطع عرى الآمال من خلقه
لا تطلبن الفضل من غيره ... واضنن بماء الوجه واستبقه
فالرزق مقسوم، وما لامرئ ... سوى الذي قدر من رزقه
والفقر خير للفتى من غنى ... يكون طول الدهر في رقه

(1/355)


وأنشدني لنفسه في كتابه:
يا رب، أنت رجائي ... وفيك أحسنت ظني
يا رب، فاغفر ذنوبي ... وعافني، واعف عني
وأعاد بعده بالبشيرية: -
النضر بن عكبر.
وبعده:
شمس الدين بن رمضان المرتب، الفقيه الأصولي: اختصر المذهب من المغنى. وتطاول زمن الزريراتي لتدريس المستنصرية، واشتغل عليه جماعة في الأصول والفروع، وله شعر أكثره هجو للتراقفي وغيره، حتى قال في نفسه:
تلامذة المرتب كل فدم ... بعيد الذهن، لا فضل لديه
لقد صدق الذي قد قال قدما ... شبيه الشيء منجذب إليه
وقال لي طرافة أمل بغداد نفسي.
مولده سنة ست وستين وستمائة.
ومن أصحاب صفي الدين: -
عبد الله بن علام السامري: حفظ " المحرر " وقرأ عليه شرحه تصنيفه. وكان ذكيا. وتوفي بدمشق بالطاعون.
وكذلك منهم: -
عبد العزيز بن هاشولا: حفظ كتابه في الفقه والأصول، ووعظ ببغداد في الثوالث، ونظم الشعر، وكان حسنا.
توفي بالطاعون ببغداد.
وابن النباس: كان آية في الحفظ، غاص في البحر ولم يعلم له خبر.
قرأت عليه " مختصر الخرقي " من حفظي، وسمعت عليه أجزاء كثيرة من مصنفاته وصحبته إلى الممات، ورأى عند وفاته طيورا بيضاء نازلة. رحمه الله تعالى.
عبادة بن عبد الغني بن منصور بن منصور بن عبادة الحراني، ثم الدمشقي، الفقيه المفتي، الشروطي، المؤذن، زين الدين، أبو محمد وأبو سعيد: ولد في رجب سنة إحدى وسبعين وستمائة.
وسمع من القاسم الأربلي، وأبي الفضل بن عساكر، وجماعة. وطلب الحديث، وكتب الأجزاء.
وتفقه على الشيخ زين الدين بن المنجا، ثم على الشيخ تقي الدين ابن تيميمة.
قال الذهبي: تقدم في الفقه، وناظر وتميز، عنده " صحيح مسلم " عن القاسم الأربلي. وذكره في معجم شيوخه. وقال: كان فقيها عالما، جيد الفهم، يفهم شيئا من العربية والأصول. وكان صالحا دينا، ذا حظ من تهجد، وإيثار وتواضع، اصطحبنا مدة، ونعم والله الصاحب هو. كان يسع الجماعة بالخدمة والإفضال والحلم. خرجت له جزءا. وحدث بصحيح مسلم. انتهى.
وكان يلي العقود والفسوخ، ويكثر الكتابة في الفتاوى، ثم منع من الفسوخ في آخر عمره، سمع منه جماعة.
وتوفي في شوال سنه تسع وثلاثين وسبعمائة. ودفن بمقبرة الباب الصغير، وشيعه خلق من القضاة والعلماء وغيرهم، وحسن الثناء عليه رحمه الله.
وكان أبوه: -
شرف الدين عبد الغني: فقيها أديبا، على لا مؤذنا أيضا. أذن زمانا بجامع دمشق، وحدث عن عيسى الخياط، والشيخ مجد الدين ابن تيمية. سمع منهما بحران.
وتوفي في ربيع الآخر سنة خمس وسبعمائة رحمه الله تعالى.
ومما أفتى به عبادة - ورأيته بخطه - في أوقاف وقفها جماعة على جهة واحدة من جهات البر. فإذا خرب أحدها، وليس له ما يعمر به: أنه يجوز لمباشر الأوقاف: أن يعمره من الوقف الآخر. ووافقته طائفة من الحنفية.
محمد بن أحمد بن تمام بن حسان التلي، ثم الصالحي، القدوة الزاهد أبو عبد الله: ولد سنة إحدى وخمسين وستمائة.
وسمع من أبي حفص عمر بن عوة الجزري صاحب البوصيري. وهو آخر من حدث عنه، ومن أبي طالب بن السروري، وابن عبد الدائم وجماعة. وصحب الشيخ شمس الدين بن الكمال، وغيره من العلماء والصلحاء.
وكان صالحا تقيا، من خيار عباد الله، يقتات من عمل يده. وكان عظيم الحرمة، مقبول الكلمة عند الملوك. وولاة الأمور، يرجع إلى قوله ورأيه، أمارا بالمعروف، نهاءا عن المنكر.
ذكره الذهبي في معجم شيوخه، وقال: كان مشارا إليه في الوقت بالإخلاص وسلامة الصدر، والتقوى والزهد، والتواضع التام، والبشاشة، ما أعلم فيه شيئا يشينه لي دينه أصلا.
قلت: حدث بالكثير، وسمع منه خلق. وأجاز لي ما يجوز له روايته بخط يده.
توفي ثالث عشر ربيع الأول سنة إحدى وأربعين وسبعمائة. ودفن بسفح قاسيون، رحمه الله تعالى.
إبراهيم بن أحمد بن هلال الزرعي، ثم الدمشقي، الفقيه الأصولي المناظر الفرضي، القاضي برهان الدين أبو إسحاق: سمع بدمشق من عمر بن القواس، وأبي الفضل بن عساكر، وأبي الحسين اليونيني، وتفقه وأفتر، قديما، ودرس وناظر.
وولي نيابة الحكم عن القاضي عز الدين بين القاضي تقي الدين سليمان، ثم عن القاضي علاء الدين بن المنجا.

(1/356)


ودرس بالحنبلية من حين سجن الشيخ تقي الدين بالقلعة في المرة الني توفي فيها، فساء ذلك أصحاب الشيخ ومحبيه، وشق ذلك عليهم كثيرا، واستمر بها إلى حين وفاته.
وكان بارعا في أصول الفقه، وفي القرائض والحساب، عارفا بالمناظرة. وإليه المنتهى في التحري، وجودة الخط وصحة الذهن، وسرعة الإدراك، وقوة المناظرة، وجودة التقرير، وحسن الخلق، لكنه كان قليل الاستحضار لنقل المذهب. وكان فضلاء وقته يعظمونه، ويثنون عليه. وكان قاضي القضاة أبو الحسن السبكي يسميه: فقيه الشام. وكان فيه لعب، وعليه في دينه مأخذ، سامحه الله.
تفقه عليه جماعة وتخرجوا به في الفقه وأصوله. وحدث. ولم يصنف كتابا معروفا.
توفي وقت صلاة الجمعة سادس عشر رجب سنة إحدى وأربعين وسبعمائة. ودفن بمقبرة الباب الصغير.
شافع بن عمر بن إسماعيل الجيلي، الفقيه الأصولي، ركن الدين: نزيل بغداد، سمع الحديث ببغداد على إسماعيل بن الطبال، وابن الدواليبي وغيرهما.
وتفقه على الشيخ تقي الدين الزريراتي، وصاهره على ابنته، وأعاد عنده بالمستنصرية، وكان رئيسا فاضلا نبيلا، عارفا بالفقه والأصول، وبالطب، ومراعيا لقوانينه في مأكله ومشربه. وعرش بالمدرسة المجاهدية وأقرأ الفقه مدة.
قرأ عليه جماعة، منهم: والدي. وله تصنيف في مناقب أرباب المذاهب الأربعة، سماه " زبدة الأخبار في مناقب الأئمة الأربعة الأخيار " .
وكان فقيها فاضلا، لكنه قاصر العبارة، في لسانه عجمة.
توفي يوم الجمعة ثائي عشر شوال سنة إحدى وأربعين وسبعمائة، ودفن بدهليز تربة الإمام أحمد، رضي الله كنه.
عبد الرحيم بن عبد الله بن محمد بن أبي بكر بن إسماعيل الزريراتي البغدادي، الفقيه، الإمام شرف الدين أبو محمد، ابن شيخ العراق تقي الدين أبي بكر المتقدم ذكره: وولد ببغداد، ونشأ بها وقرأ القرآن، وحفظ " المحرر " وسمع الحديث واشتغل.
ثم رحل إلى دمشق، سمع بها من زينب بنت الكمال، وجماعة من أصحاب ابن عبد الدائم، وخطيب مردا، وطبقتهما.
وارتحل إلى مصر، وسمع بها من مسندها يحيى بن المصري وغيره، ولقي بها أبا حيان وغيره.
وأقام بدمشق مدة، يقرأ في المحرر على القاضي برهان الدين الزرعي، ثم رجع إلى بغداد بفصائل، ودرس بها بالمدرسة البشيرية للحنابلة بعد وفاة الشيخ صفي الدين عبد المؤمن بن عبد الحق. ثم درس بالمجاهدية بعد موت صهره شافع المذكور قبله، ولم تطل بها مدته. وحضرت درسه وأنا إذ ذاك صغير لا أحقه جيدا.
وناب في القضاء ببغداد، واشتهرت فضائله، وخطه في غاية الحسن، وقد اختصر " فروق السامري " وزاد عليها فوائد واستدراكات من كلام أبيه وغيره واختصر " طبقات الأصحاب " للقاضي أبي الحسين، وذيل عليها، وتطلبتها فلم أجدها. واختصر " المطلع " لابن أبي الفتح، وغير ذلك.
توفي يوم الثلاثاء ثاني عشر ذي الحجة سنة إحدى وأربعين وسبعمائة. ودفن عند والده بمقبرة الإمام أحمد. وله من العمر نحو الثلاثين سنة. رحمه الله.
محمد بن أحمد بن عبد الهادي بن عبد الحميد بن عبد الهادي بن يوسف بن محمد بن قدامة المقدسي، الجماعيلي الأصل، ثم الصالحي، ثم المقرئ الفقيه المحدث، الحافظ الناقد، النحوي المتفنن، شمس الدين أبو عبد الله بن العماد أبي العباس: ولد في رجب سنة أربع وسبعمائة.
وقرأ بالروايات، وسمع الكثير من القاضي أبي الفضل سليمان بن حمزة، وأبي بكر بن عبد الدايم، وعيسى المطعم، والحجار، وزينب بنت الكمال، وخلق كثير.
وعنى بالحديث وفنونه، ومعرفة الرجال والعلل. وبرع في ذلك. وتفقه في المذهب وأفتى. وقرأ الأصلين والعربية، وبرع فيها. ولازم الشيخ تقي الدين ابن تيمية مدة. وقرأ عليه قطعة من الأربعين في أصول الدين للرازي.
قرأ الفقه على الشيخ مجد الدين الحراني، ولازم أبا الحجاج المزي الحافظ، حتى برع عليه في الرجال، وأخذ عن الذهبي وغيره.
وقد ذكره الذهبي في طبقات الحفاظ، قال: ولد سنة خمس - أو ست - وسبعمائة.
واعتنى بالرجال والعلل، وبرع وجمع، وتصدى للإفادة والاشتغال في القراءة والحديث، والفقه والأصلين، والنحو. وله توسع في العلوم وذهن سيال.
وذكره في معجمه المختص، وقال: عنى بفنون الحديث، ومعرفة رجاله، وذهنه مليح، وله عدة محفوظات وتآليف، وتعاليق مفيدة. كتب عني، واستفدت منه.

(1/357)


قال: وقد سمعت منه حديثا يوم عرسه بالصدرية.
ثم قال: أخبرنا المزي إجازة أخبرنا أبو عبد الله السروجي أخبرنا ابن عبد الهادي - " فذكر حديثا هذا لفظه: درس ابن عبد الهادي بالصدرية " ، درس الحديث وبغيرها بالسفح. وكتب بخطه الحسن المتقن الكثير. وصنف تصانيف كثيرة بعضها كلمات، وبعضها لم يكمله، لهجوم المنية عليه في سن الأربعين.
فمن تصانيفه " تنقيح التحقيق في أحاديث التعليق " لابن الجوزي مجلدان " الأحكام الكبرى " المرتبة على أحكام الحافظ الضياء، كمل منها سبع مجلدات " الرد على أبي بكر الخطيب الحافظ في مسألة الجهر بالبسملة " مجلد " المحرر في الأحكام " مجلد " فصل النزاع بين الخصوم في الكلام على أحاديث: " أفطر الحاجم والمحجوم " مجلد لطيف الكلام على أحاديث مس الذكر جزء كبير " الكلام على أحاديث: " البحر هو الطهور ماؤه " جزء كبير " الكلام على أحاديث القلتين " جزء " الكلام على حديث معاذ في الحكم بالرأي " جزء كبير، الكلام على حديث " أصحابي كالنجوم " جزء، الكلام على حديث أبي سفيان " ثلاث أعطينهن يا رسول الله " والرد على ابن حزم في قوله: إنه موضوع. كتاب " العمدة " في الحفاظ، كمل منه مجلدان " تعليقة في الثقات " كمل منه مجلدان، الكلام على أحاديث " مختصر ابن الحاجب " مختصر ومطول، الكلام على أحاديث كثيرة فيها ضعف من " المستدرك " للحاكم، أحاديث الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، جزء منتقى من " مختصر المختصر " لابن خزيمة، ومناقشته على أحاديث أخرجها فيه، فيها مقال، مجلد، الكلام على " أحاديث الزيارة " جزء، مصنف في الزيارة مجلد، الكلام على أحاديث " محلل السباق " جزء، جزء في " مسافة القصر " جزء في قوله تعالى: " لمسجد أسس على التقوى " الآية. " التوبة: 108 " ، جزء في أحاديث " الجمع بين الصلاتين في الحضر " ، " الإعلام في ذكر مشايخ الأئمة الأعلام " ، أصحاب الكتب الستة. عدة أجزاء، الكلام على حديث " الطواف بالبيت صلاة " ، " جزء كبير في مولد النبي صلى الله عليه وسلم " تعليقة على " سنن البيهقي الكبرى " كمل منها مجلدان، جزء كبير في " المعجزات والكرامات " جزء في " تحريم الربا " جزء في " تملك الأب من مال ولده ما شاء " جزء في " العقيقة " جزء في " الأكل من الثمار التي لا حائط عليها " ، " الرد على ألكيا الهراسي " جزء كبير، قي ترجمة الشيخ تقي الدين ابن تيمية " مجلد " منتقى من تهذيب الكمال للمزي كمل منه خمسة أجزاء " إقامة البرهان على عدم وجوب صوم يوم الثلاثين من شعبان " جزء، جزء في " فضائل الحسن البصري " رضي الله عنه " جزء في حجب الأم بالإخوة، وأنها تحجب بدون ثلاثة " جزء " في الصبر " جزء " في فضائل الشام " " صلاة التراويح " جزء كبير، الكلام على أحاديث " لبس الخفين للحرم " جزء كبير، جزء في " صفة الجنة " جزء في " المراسيل " جزء في مسألة " الجد والأخوة " ، " منتخب من مسند الإمام أحمد " مجلدان " منتخب من سنن البيهقي " مجلد " منتخب من سنن أبي داود " مجلد لطيف " تعليقه على التسهيل في النحو، كمل منها مجلدان، جزء في الكلام على حديث " أفرضكم زيد " أحاديث " حياة الأنبياء في قبورهم " جزء تعليقة، على " العلل " ، لابن أبي حاتم، كمل منها مجلدان. تعليقة على " الأحكام " لأبي البركات ابن تيمية لم تكمل " منتقى من علل الدارقطني " ، مجلد، جزء في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر " شرح لألفية ابن مالك " جزء. ما أخذ على تصانيف أبي عبد الله الذهبي الحافظ شيخه عدة أجزاء. حواشي على كتاب " الإلمام " جزء في الرد على أبي حيان النحوي فيما رعه على ابن مالك وأخطأ فيه، جزء في " اجتماع الضميرين " جزء " في تحقيق الهمز والإبدال في القراءات " وله رد على ابن طاهر، وابن دحية، وغيرهما، وتعاليق كثيرة في الفقه وأصوله، والحديث، ومنتخبات كثيرة في أنواع العلم.
وحدث بشيء من مسموعاته. وسمع منه غير واحد، وقد سمعت من أبيه، فإنه عاش بعده نحو عشر سنين.
توفي الحافظ أبو عبد الله في عاشر جمادى الأول سنة أربع وأربعين وسبعمائة ودفن بسفح قاسيون، وشيعه خلق كثير، وتأسفوا عليه، ورئيت له منامات حسنة. رحمه الله تعالى.
محمود بن علي بن عبد الولي بن خولان البعلي، الفقيه الفرضي، بهاء الدين أبو الثناء: ولد في حدود السبعمائة.

(1/358)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية