صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : ذيل طبقات الحنابلة
المؤلف : ابن رجب
مصدر الكتاب : الوراق

[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

وفي هذه السنة المذكور: توفي أبو طاهر بن علك. وكان من صدر الشافعية، وأكابر المتمولين. فشيعه نظام الملك وأرباب الدولة. ودفن بتربة أبي إسحاق الشيرازي، وجاء السلطان إلى القبر بعد دفنه.
قال ابن عقيل: جلست إلى جانب نظام الملك، بتربة أبي إسحاق، والملوك قيام بين يديه، واجترأت على ذلك بالعلم. وكان جالسا للتعزية بابن علك. ولما بويع المستظهر حضر ابن عقيل مع الغزالي والشاشي للمبايعة. فلما توفي المستظهر غسله ابن عقيل مع الشيبي.
قال ابن عقيل: ولما تولد المسترشد تلقاني من المستخدمين يقول كل واحد منهم: قد طلبك مولانا أمير المؤمنين. فلما صرت بالحضرة، وقال لي قاضي القضاة - وهو قائم بين يديه - : طلبك مولانا أمير المؤمنين ثلاث مرات، فقلت: ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس. ثم مددت يدي فبسط لي يده الشريفة، فصافحته بعد السلام، وبايعت، فقلت: أبايع سيدنا ومولانا أمير المؤمنين المسترشد بالله على كتاب الله وسنة رسوله، وسنة الخلفاء الراشدين، ما أطاق واستطاع، وعلى الطاعة مني.
وكان ابن عقيل رحمه الله من أفاضل العالم، وأذكياء بني آدم، مفرط الذكاء، متسع الدائرة في العلوم. وكان خبيرا بالكلام، مطلعا على مذاهب المتكلمين. وله بعد ذلك في ذم الكلام وأهله شيء كثير، كما ذكر ابن الجوزي وغيره عنه أنه قال: أنا أقطع أن الصحابة ماتوا، ما عرفوا الجوهر والعرض. فإن رضيت أن تكون مثلهم فكن، وإن رأيت أن طريقة المتكلمين أولى من طريقة أبي بكر وعمر، فبئس ما رأيت.
وذكر عنه أنه قال: لقد بالغت في الأصول طول عمري، ثم عدت القهقرى إلى مذهب المكتب.
وقد حكى هذا عنه القرطبي في شرح مسلم. وله من الكلام في السنة والانتصار لها، والرد على المتكلمين شيء كثير. وقد صنف في ذلك مصنفا.
وقرأت بخط الحافظ أبي محمد البرزالي قال: قرأت بخط الحافظ ضياء الدين المقدسي، قال: كتب بعضهم إلى أبي الوفاء بن عقيل يقول له: صف لي أصحاب الإمام أحمد على ما عرفتمن الإنصاف.
فكتب إليه يقول: هم قوم خشن ، تقلصت أخلاقهم عن المخالطة، وغلظت طباعهم عن المداخلة، وغلب عليهم الجد، وقل عندهم الهزل، وغربت نفوسهم عن ذل المراءاة، وفزعوا عن الآراء إلى الروايات، وتمسكوا بالظاهر تحرجا عن التأويل، وغلبت عليهم الأعمال الصالحة، فلم يدققوا في العلوم الغامضة، بل دققوا في الورع، وأخذوا ما ظهر من العلوم، وما وراء ذلك قالوا: الله أعلم بما فيها، من خشية باريها. لم أحفظ على أحد منهم تشبيها، إنما غلبت عليهم الشناعة لإيمانهم بظواهر الآي والأخبار، من غير تأويل ولا إنكار. والله يعلم أنني لا أعتقد في الإسلام طائفة محقة، خالية من البدع، سوى من سلك هذا الطريق. والسلام.
وكان رحمه الله بارعا في الفقه وأصوله. - وله في ذلك استنباطات عظيمة حسنة، وتحريرات كثيرة مستحسنة. وكانت له يد طولى في الوعظ، والمعارف. وكلامه في ذلك حسن، وأكثره مستنبط من النصوص الشرعية، فيستنبط من أحكام الشرع وفضائله معارف جليلة وإشارات دقيقة.
ومن معاني كلامه يستمد أبو الفرج بن الجوزي في الوعظ.
فمن ذلك ما قاله في الفنون: لقد عظم الله سبحانه الحيوان، لا سيما ابن آدم، حيث أباحه الشرك عند الإكراه، وخوف الضرر على نفسه، فقال: " إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان " النحل: 106.
من قدم حرمة نفسك على حرمته، حتى أباحك أن تتوقى وتحامي عن نفسك بذكره بما لا ينبغي له سبحانه، لحقيق أن تعظم شعائره، وتقر أوامره، وزواجره.
وعصم عرضك بإيجاب الحد بقذفك، وعصم مالك بقطع مسلم في سرقته، وأسقط شطر الصلاة لأجل مشقتك، وأقام مسح الخف مقام غسل الرجل إشفاقا عليك من مشقة الخلع واللبس، وأباحك الميتة سدا لرمقك، وحفظا لصحتك، وزجرك عن مضارك بحد عاجل، ووعيد آجل، وخرق العوائد لأجلك، أنزل الكتب إليك. أيحسن بك - مع هذا الإكرام - أن ترى على ما نهاك منهمكا، وعما أمرك متنكبا، وعن داعيه معرضا، ولسنته هاجرا، ولداعي عدوك فيه مطيعا؟ يعظمك وهو هو، وتهمل أمره وأنت أنت. هو حط رتب عباده لأجلك، وأهبط إلى الأرض من امتنع من سجدة يسجدها لك.

(1/61)


هل عاديت خادما طالت خدمته لك لترك صلاة. هل نفيته من دارك للإخلال بفرض، أو لارتكاب نهي. فإن لم تعترف العبيد للموالي، فلا أقل من أن تقتضي نفسك للحق سبحانه، اقتضاء المساوي المكافي.
ما أوحش ما تلاعب الشيطان بالإنسان بينا يكون بحضرة الحق، وملائكة السماء سجود له، تترامى به الأحوال والجهالات بالمبدأ والمآل، إلى أن يوجد ساجدا لصورة في حجر، أو لشجرة من الشجر، أو لشمس أو لقمر، أو لصورة ثور خار، أو لطائر صفرة ما أوحش زوال النعم، وتغير الأحوال، والجور بعد الكور!.
لا يليق بهذا الحي الكريم الفاضل على جميع الحيوان أن يرى إلا عابدا لله في دار التكليف، أو مجاورا لله في دار الجزاء والتشريف. وما بين ذلك فهو واضع نفسه في غير مواضعها.
ومن كلامه في تقرير البعث والمعاد: والله لا أقنع من الله سبحانه بهذه اللمحة التي مزجت بالعلاقم، ولا أقنع من الأبدي السرمدي ولا يليق بذا الكرم إلا إدامة النعم. والله ما لوح إلا وقد أعد ما تخافه الآمال. وما قدح أحد في كمال جود الخالق وإنعامه بأكثر من جحده البعث مع تشريف النفوس، وتعليق القلوب بالإعادة، والجزاء على الأعمال الشاقة، التي هجر القوم فيها اللذات، فصبروا على البلاءة طمعا في العطاء.
قال: ويدل على أن لنا إعادة تتضمن بقاء دائما، وعيشا سالما: أن أصح الدلالة قد دلت على كمال البارىء سبحانه وتعالى، وخروجه عن النقائص. وقد استقرينا أفعاله، فرأيناه قد أعد كل شيء لشيء. فالسمع للمسموعات، والعين للمبصرات، والأسنان للطحن، والمنخران للشم، والمعدة لطبخ الطعام. وقد بقي للنفس غرض قد عجن في طينها: وهو البقاء بغير انقطاع، وبلوغ الأغراض من غير أذى. وقد عدمت النفس ذلك في الدنيا. ثم إنا نرى طالما لم يقابل ولا تقتضي الحكمة لذلك. فينبغي أن يكون لها ذلك في دار أخرى.
قال: ولأنظر إلى صورة البلى في القبور، فكم من بداية خالفتها النهاية. فإن بداية الآدمي والطير ماء مسخن مستقذر ، ومبادي النبات حب عفن، ثم يخرج الآدمي والطاوس. وكذلك خروج الموتى بعد البلى.
قال: وبينا أنا نائم سنة ثلاث وتسعين وأربعمائة، لاحت لي مقبرة، وكأن قائلا يقول: هذه خيم البلى، على باب الرجاء وعلى الوفاء. قال: وهذا الإلقاء من الله تعالى لكثرة لهجي بالبعث، وتشوفي إلى الاجتماع بالسلف النطاف، وتبرمي من مخالطة السفساف.
وكان ابن عقيل يقول: لا يعظم عندك بذلك نفسك في ذات الله فهي التي بذلتها بالأمس في حب مغنية، وهوى أمرد، وخاطرت بها في الأسفار لأجل زيادة الدنيا. فلما جئت إلى طاعة الله تعالى عظمت ما بذلته، والله ما يحسن بذل النفس إلا لمن إذا أباد أعاد، وإذا أعاد أفاد، وإذا أفاد خلد فائدته على الآباد. وذاك الله الذي يحسن فيه بذل النفوس، وإبانة الرءوس. أليس هو القائل: " ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا " آل عمران: 170.
سمع ابن عقيل الحديث الكثير من أبي بكر بن بشران، وأبي الفتح بن شيطا، وأبي الحسن التوزي، وأبي محمد الجوهري، وأبي طالب العشاري، والقاضي أبي يعلى، وأبي على المباركي، وغيرهم.
وحدث، وروى عنه ابن ناصر، وعمر بن ظفر المغازلي، وأبو المعمر الأنصاري، وأبو الرضى الفارسي وأبو القاسم الناصحي وأبو المظفر السنجي وأبو الفتح محمد بن يحيى البرداني، وغيرهم. وأجاز لأبي سعد بن السمعاني الحافظ، وعبد الحق اليوسفي، ويحيى بن بوش.
أنبأتنا زينب بنت أحمد بن عبد الرحيم عن علي بن عبد اللطيف الدينوري، عن أبي الحسين بن عبد الحق بن عبد الخالق، أخبرنا أبو الوفاء علي بن عقيل الإمام، أخبرنا أبو طالب محمد بن علي بن الفتح، أخبرنا محمود بن عمر العكبري، أخبرنا أبو بكر بن محب إجازة، حدثنا أبو حفص الجوهري، حدثنا أبو أحمد بن محمد بن جعفر، حدثنا أحمد بن محمد الأنماطي - الذي كان ينزل سامرا - أخبرنا أحمد بن نصر قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، فقلت: يا رسول الله من تركت لنا في عصرنا هذا ممن يقتدى به. قال: عليكم بأحمد بن حنبل.
ولابن عقيل تصانيف كثيرة في أنواع العلم.

(1/62)


وأكبر تصانيفه: كتاب " الفنون " وهو كتاب كبير جدا، فيه فوائد كثيرة جليلة، في الوعظ، والتفسير، والفقه، والأصلين، والنحو، واللغة، والشعر، والتاريخ، والحكايات. وفيه مناظراته ومجالسه التي وقعت له، وخواطره ونتائج فكره قيدها فيه.
وقال ابن الجوزي: وهذا الكتاب مائتا مجلد. وقع لي منه نحو من مائة وخمسين مجلدة.
وقال عبد الرزاق الرسعني في تفسيره. قال لي أبو البقاء اللغوي: سمعت الشيخ أبا حكيم النهرواني يقول: وقفت على السفر الرابع بعد الثلاثمائة من كتاب الفنون.
وقال الحافظ الذهبي في تاريخه: لم يصنف في الدنيا أكبر من هذا الكتاب. حدثني من رأى منه المجلد الفلاني بعد الأربعمائة.
قلت: وأخبرني أبو حفص عمر بن علي القزويني ببغداد، قال: سمعت بعض مشايخنا يقول: هو ثمانمائة مجلدة.
وله في الفقه كتاب " الفصول " ، ويسمى " كفاية المفتي " في عشر مجلدات، كتاب " عمدة الأدلة " ، كتاب " المفردات " ، كتاب " المجالس النظريات " ، كتاب " التذكرة " مجلد، كتاب " الإشارة " مجلد لطيف، وهو مختصر كتاب " الروايتين والوجهين " ، كتاب " المنثور " .
وفي الأصلين كتاب " الإرشاد في أصول الدين " ، وكتاب " الواضح في أصول الفقه " ، و " الانتصار لأهل الحديث " ، مجلد، " نفي التشبيه " ، " مسألة في الحرف والصوت " ، جزء، " مسائل مشكلة في آيات من القرآن " وأحاديث سئل عنها فأجاب. وله كتاب " تهذيب النفس " ، " تفضيل العبادات على نعيم الجنات " .
وكان ابن عقيل كثير التعظيم للإمام أحمد وأصحابه، والرد على مخالفيهم.
ومن كلامه في ذلك: ومن عجيب ما نسمعه من هؤلاء الأحداث الجهال أنهم يقولون: أحمد ليس بفقيه، لكنه محدث. وهذا غاية الجهل لأنه قد خرج عنه اختيارات بناها على الأحاديث بناء لا يعرفه أكثرهم. وخرج عنه من دقيق الفقه ما لا تراه لأحد منهم. وذكر مسائل من كلام أحمد، ثم قال: وما يقصد هذا إلا مبتدع، قد تمزق فؤاده من خمود كلمته، وانتشار علم أحمد، حتى إن أكثر العلماء يقولون: أصلي أصل أحمد، وفرعي فرع فلان. فحسبك بمن يرضى به في الأصول قدوة.
وكان يقول: هذا المذهب إنما ظلمه أصحابه لأن أصحاب أبي حنيفة والشافعي إذا برع واحد منهم في العلم تولى القضاء وغيره من الولايات. فكانت الولاية لتدريسه واشتغاله بالعلم. فأما أصحاب أحمد: فإنه قل فيهم من تعلق بطرف من العلم إلا ويخرجه ذلك إلى التعبد والتزهد لغلبة الخير على القوم، فينقطعون عن التشاغل بالعلم.
وكان مع ذلك يتكلم كثيرا بلسان الاجتهاد والترجيح، واتباع الدليل الذي يظهر له ويقول: الواجب اتباع الدليل، لا اتباع أحمد.
وكان يخونه قلة بضاعته في الحديث. فلو كان متضلعا من الحديث والآثار، ومتوسعا في علومهما لكملت له أدوات الاجتهاد.
وكان اجتماعه بأبي بكر الخطيب، ومن كان في وقته من أئمة الحفاظ، كأبي نصر بن ماكولا، والحميدي، وغيرهم أولى وأنفع له من الاجتماع بابن الوليد وابن التبان. وتركه لمجالسة مثل هؤلاء هو الذي حرمه علما نافعا في الحقيقة. ولكن الكمال لله.
وله مسائل كثيرة ينفرد بها، ويخالف فيها المذهب. وقد يخالفه في بعض تصانيفه، ويوافقه في بعضها، فإن نظره كثيرا يختلف، واجتهاده يتنوع.
وكان يقول: عندي أن من أكبر فضائل المجتهد: أن يتردد في الحكم عند تردد الحجة والشبهة فيه. وإذا وقف على أحد المترددين دله على أنه ما عرف الشبهة، ومن لا تعترضه شبهة لا تصفو لي حجة. وكل قلب لا يقرعه التردد، فإنما يظهر فيه التقليد والجمود على ما يقال له ويسمع من غيره.
فمن المسائل التي تفرد بها: أن النساء لا يجوز لهن استعمال الحرير في اللبس دون الافتراش والاستناد. ذكره في الفنون.
ومنها: أن صلاة الغد تصح في صلاة الجنازة خاصة. وهو معروف عنه.
ومنها: أن الربا لا يجري إلا في الأعيان الستة المنصوص عليها. ذكره في نظرياته.
ومنها: أن الوقف لا يجوز بيعه، وإن خرب وتعطل نفعه. وله في ذلك كلام في جزء مفرد.
ومنها: أن الأب ليس له أن يتملك من مال ولده ما شاء، مع عدم حاجته ذكره في الفصول في كتاب النكاح.
ومنها: أن المشروع في عطية الأولاد: التسوية بين الذكور والإناث. ذكره في الفنون.
ومنها: أنه يجوز استئجار الشجر المثمر تبعا للأرض لمشقة التفريق بينهما. حكاه عنه الشيخ تقي الدين بن تيمية.

(1/63)


ومنها: أنه لا يجوز أن يؤخذ العشر من تجار أهل الحرب ولا أهل الذمة، إذا اتجروا في بلاد الإسلام، إلا بشرط أو تراض. ذكره في فنونه.
وقد حكى القاضي في شرحه الصغير رواية عن أحمد كذلك. ذكرها ابن تميم لكنها غريبة جدا.
ومنها: إذا حلف على فعل يتعلق بعين معينة، فتغيرت صفاتها بما يزيل اسمها: لم يتعلق الحنث بها على هذه الحال مطلقا.
ومنها: أنه لا يجوز وطء المكاتبة، وإن اشترط وطأها في عقد الكتابة. وحكاه في مفرداته رواية.
ومنها: أنه لا زكاة في حلي المواشط المعد للكراء. ذكره في " عمدة الأدلة " وخرج من قول الأصحاب بالوجوب وجها يوجب الزكاة في سائر ما يعد للكراء من الأملاك، من عقار وغيره.
ومنها: أن الزروع والثمار التي تسقى بماء نجس طاهرة مباحة، وإن لم تسق بعده بماء طاهر.
ومنها: أن الزوجة إذا كانت نضوة الخلق لا يمكن وطأها إلا بجناية عليها: فإنه يملك فسخ نكاحها بذلك.
ومنها: أن الإمام لا يمتنع من الصلاة على الغال، ولا على من قتل نفسه، وأن امتناع النبي صلى الله عليه وسلم من الصلاة عليهما كان من خصائصه.
ومنها: تحريم الاستمناء بكل حال. وحكاه رواية.
ومنها: أنه يجب الحد بقذف العبد العفيف كالحر. ذكره في مفرداته.
ومن المسائل الغريبة التي ذكرها ابن عقيل: مسألة في الحامل والمرضع إذا أفطرتا خوفا على ولديهما: فهل تكون الكفارة على الأم من مالها، أو بينها وبين من تلزمه نفقته. ذكر في الفنون: فيها احتمال.
قال: والأشبه أنه على الأم لأنها هي المرتفقة بالإفطار لاستضرارها، وتغير لبنها، والولد تبع لها.
قال: ولأنه لو كان الطفل معتبرا في إيجاب التكفير لكان على كل واحد منهما كفارة تامة، كالجماع في رمضان، وكالمشتركين في قتل الصيد، على أصح الروايتين.
قلت: وهذا ضعيف فإن المشتركين في الجماع كل منهما أفسد صومه والمشتركين في القتل كل منهما جنى على إجرامه، فهما متساويان في الجناية، بخلاف الطفل والأم ههنا.
وذكر أيضا في الفنون: قال: سأل سائل عن قائل قال: والله لا رددت سائلا - أو قال: لله علي لا رددت سائلا - وليس يتسع حاله لذلك، وإن اعتمد ذلك لم يبق له وقت لعمل ولا لتجارة، ولو كان له مال يفي، فكيف ولا مال يفي، ولا وقت يتسع لذلك مع كثرة السؤال؟ فأجاب حنبلي: بأن هذا قياس قولنا فيمن نفر أن يتصدق بجميع ماله: فإنه في اليمين مخير بين الثلث، وكفارة يمين. وفي النذر: يلزمه أن يتصدق بثلث ماله، فيجب أن يتصدق بثلث ما يتحصل له، مما يزيد على حاجته. وإن لم يتحصل له ما يحتاج إليه: لم يدخل تحت نذره لزومه التصدق به، ويكفر كفارة يمين.
قال قائل: يشتري برا أو حب رمان، ويعطي كل سائل حبة من ذلك؟ قال له الحنبلي: هذا لا يجيء على أصلنا لأنا نعتبر المقاصد في الأيمان والنذور، والقصد: أن لا يرد سائلا عن سؤاله. وحبة رمان وحبة بر ليست سؤال السائل، فإعطاؤه كرده.
وقال حنبلي: يحتمل أن يصح خروجه من نذره ببرة بر أنا قد علقنا حكم الربا على برة ببرتين. وما علق عليه الشرع مأثما، فأحرى أن يعلق عليه ما يحصل به الثواب.
وقول عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم: " اتقوا النار ولو بشق تمرة " يعضد القول بالتصدق بالبرة.
وقال حنبلي آخر: بل إذا لم يجد شيئا أصلا وعد، فكانت العدة مخلصة له من الرد. فإن الرد لا يتحقق مع العدة. ألا ترى أن من وعد بزكاة ماله للساعي لا يستحق القتال، ولا التغرير، ولا يأثم؟ ولا يقال: إنه رد الساعي ولا المطالب بدينه، ولا الفقير. وللحديث الذي جاء: " العدة دين " وهذه العدة نافعة في منع الحنث، من حيث إنها لا تقف مع العزم على الإعطاء على التوفية، بل من وعد فعزم أنه متى حصل له مال أعطى السائل ما سأله فما رده. والله أعلم.
ومن غرائب ابن عقيل: أنه اختار وجوب الرضى بقضاء الله تعالى في الأمراض والمصائب. ذكره في مواضع من كلامه. لكنه فسر الرضى في الفنون: بأنه الرضى عن الله تعالى بها، ثقة بحكمه وإن كانت مؤلمة للطبع، كما لا يبغض الطبيب عند بطء الدمل وفتح العروق. وليس المراد هشاشة النفس وانشراحها لها، فإن هذا عنده مستحيل.
وصرح بأنه لم يحصل للأنبياء. كذا قال. وهو فاسد.

(1/64)


واختار: أن النهار أفضل من الليل.
واختار: أنه لا تجوز الصلاة على القبر في شيء من أوقات النهي، بخلاف الصلاة على الجنازة. وخالفه بعض مشايخ أصحابنا في زمنه.
ومن كلامه الحسن: أنه وعظ يوما فقال: يا من يجد في قلبه قسوة، احذر أن تكون نقضت عهدا فإن الله تعالى يقول: " فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية " 5: 15.
وسئل فقيل له: ما تقول في عزلة الجاهل؟ فقال: خبال ووبال، تضره ولا تنفعه.
فقيل له: فعزلة العالم؟ قال: ما لك ولها، معها حذاؤها وسقاؤها: ترد الماء وترعى الشجر، إلى أن يلقاها ربها.
ومن كلامه في صفة الأرض أيام الربيع: إن الأرض أهدت إلى السماء غبرتها بترقية الغيوم، فكستها السماء زهرتها من الكواكب والنجوم.
وقال: كأن الأرض أيام زهرتها مرآة السماء في انطباع صورتها.
قال ابن النجار: قرأت في كتاب أبي نصر المعمر بن محمد بن الحسن البيع بخطه، وأنبأنا عنه أبو القاسم الأزجي، قال: أنشدنا أبو الوفاء علي بن عقيل بن محمد بن عقيل الحنبلي لنفسه:
يقولون لي: ما بال جسمك ناحل ... ودمعك من آماق عينيك هاطل.
وما بال لون الجسم بدل صفرة ... وقد كان محمرا فلونك حائل.
فقلت: سقاما حل في باطن الحشا ... ولوعة قلب بلبلته البلابل
وأنى لمثلي أن يبين لناظر ... ولكنني للعالمين أجامل
فلا تغترر يوما ببشري وظاهري ... فلي باطن قد قطعته النوازل
وما أنا إلا كالزناد تضمنت ... لهيبا، ولكن اللهيب مداخل
إذا حمل المرء الذي فوق طوره ... يرى عن قريب من تجلد عاطل
لعمري إذا كان التجمل كلفة ... يكون كذا بين الأنام مجامل
فأما الذي أثنى له الدهر عطفه ... ولان له وعر الأمور مواصل
بألطاف قرب يسهل الصعب عندها ... وينعم فيها بالذي كان يأمل
تراه رخي البال من كل علقة ... وقد صميت منه الكلا والمفاصل
توفي أبو الوفاء بن عقيل رحمه الله بكرة الجمعة، ثاني عشر جمادى الأولى سنة ثلاثة عشرة وخمسمائة - وقيل: توفي سادس عشر الشهر - والأول أصح. وصلي عليه في جامعي القصر والمنصور. وكان الإمام عليه في جامع القصر ابن شافع. وكان الجمع يفوت الإحصاء.
قال ابن ناصر: حزرتهم بثلاثمائة ألف. ودفن في دكة قبر الإمام أحمد رضي الله عنه. وقبره ظاهر رضي الله عنه. فما كان في مذهبنا أحد مثله. آخر كلام ابن ناصر.
وذكر المبارك بن كامل الخفاف: أنه جرت فتنة - يعني: على حمله - قال: وتجارحوا، وقال الشيخ مطيع: كفن ونطع.
قال ابن الجوزي: حدثني بعض الأشياخ: أنه لما احتضر ابن عقيل، بكى النساء.
فقال: قد وقعت عنه خمسين سنة، فدعوني أتهنا بلقائه.
قال بن السمعاني، أنشدني، الإمام أبو المحاسن مسعود بن محمد بن غانم الأديب الغانمي لنفسه يمدح الإمام أبا الوفاء بن عقيل:
لعلي بن عقيل البغدادي ... مجد لفرق الفرقدين محاذي
قد كان ينصر أحمدا خير الورى ... وكلامه أحلى من الأزاذ
وإذا تلهب في الجدال فعنده ... سبحان فيه في التجارب هذي
ما أخرجت بغداد فحلا مثله ... لله در الفاضل البغدادي
ولقد مضى لسبيله مع عصبة ... كانوا لدين الحق خير ملاذ
وقد قرأ على ابن عقيل الفقه الأصول خلق من أصحابنا، يأتي ذكرهم في مواضعهم إن شاء الله تعالى من الطبقة التي بعد هذه.
وممن قرأ عليه أبو الفتح بن برهان الأصولي، صاحب التصانيف في الأصول، ومدرس النظامية. وكان أولا حنبليا، ثم انتقل لجفاء أصحابنا له.
وكان لابن عقيل ولدان ماتا في حياته: أحدهما:
أبو الحسن عقيل:
كان في غاية الحسن. وكان شابا، فهما، ذا خط حسن.
قال ابن القطيعي: حكى والده أنه ولد ليلة حادي عشر رمضان سنة إحدى وثمانين وأربعمائة.
وذكر غيره: أنه سمع من هبة الله بن عبد الرزاق الأنصاري، وعلي بن حسين بن أيوب، وغيرهما، وتفقه على أبيه، وناظر في الأصول والفروع.

(1/65)


وسمع الحديث الكثير، وشهد عند قاضي القضاة أبي الحسن بن الدامغاني، فقبل قوله. وكان فقيها فاضلا يفهم المعاني جيدا، ويقول الشعر. وكان يشهد مجلس الحكم، ويحضر المواكب.
وتوفي رحمه الله يوم الثلاثاء، منتصف محرم سنة عشر وخمسمائة. وصلي عليه يوم الأربعاء. كذا ذكر ابن شافع وغيره.
وفي تاريخ ابن المنادي: أنه توفي يوم الجمعة ثاني عشر ربيع الآخر سنة ثلاث عشرة وخمسمائة. ودفن يوم السبت بدكة الإمام أحمد.
فعلى هذا: تكون وفاته قبل والده بشهر واحد. ولا أظن هذا إلا غلطا. وكان له من العمر سبع وعشرون سنة. ودفن في داره بالظفرية، فلما مات أبوه نقل إلى دكة الإمام أحمد رضي الله عنه.
قال والده: مات ولدي عقيل. وكان قد تفقه وناظر وجمع أدبا حسنا فتعزيت بقصة عمرو بن عبد ود الذي قتله علي رضي الله عنه، فقالت أمه ترثيه:
لو كان قاتل عمرو غير قاتله ... ما زلت أبكي عليه دائم الأبد
لكن قاتله من لا يقاد به ... من كان يدعى أبوه بيضة البلد
فأسلاها، وعزاها جلالة القاتل، وفخرها بأن ابنها مقتوله. فنظرت إلى قاتل ولدي الحكيم المالك، فهان علي القتل والمقتول لجلالة القاتل.
وذكر عن الإمام أبي الوفاء: أنه كب عليه وقبله، وهو في أكفانه. وقال: يا بني، استودعتك الله الذي لا تضيع ودائعه. الرب خير لك مني. ثم مضى، وصلى عليه بجنان ثابت. رحمه الله.
ومن شعر عقيل هذا:
شاقه والشوق من غيره ... طلل عاف سوى أثره
مقفر إلا معالمه ... واكف بالودق من مطره
فانثنى والدمع منهمل ... كانسلال السلك عن درره
طاويا كشحا على نوب ... سبحات لسن من وطره
رحلة الأحباب عن وطن ... وحلول الشيب في شعره
شيم للدهر سالفة ... مستبينات لمختبره
وقبول الدر مبسمها ... أبلج يفتر عن خضره
هز عطفيها الشباب كما ... ماس غصن البان في شجره
ذات فرع فوق ملتمع ... كدجى أبدي سنا قمره
وبنان زانه ترف ... ذاده التسليم عن خفره
خصرها يشكو روادفها ... كاشتكاء الصب من سهره
نصبت قلبي لها غرضا ... فهو مصمي بمعتوره
وزهت تيها كأن لها ... منبتا تزهى بمفتخره
وأناخت في فنا ملك ... دنت الأخطار عن خطره
والآخر:
أبو منصور هبة الله:
ولد في ذي الحجة سنة أربع وسبعين وأربعمائة. وحفظ القرآن وتفقه وظهر منه أشياء تدل على عقل غرير، ودين عظيم. ثم مرض وطال مرضه، وأنفق عليه أبوه مالا في المرض، وبالغ.
قال أبو الوفاء: قال لي ابني، لما تقارب أجله: يا سيدي قد أنفقت وبالغت في الأدوية، والطب، والأدعية، ولله تعالى في اختيار، فدعني مع اختياره. قال: فوالله ما أنطق الله سبحانه وتعالى ولدي بهذه المقالة التي تشاكل قول إسحاق لإبراهيم: " افعل ما تؤمر " الصافات: 103، إلا وقد اختاره الله تعالى للحظوة.
توفي رحمه الله تعالى سنة ثمان وثمانين وأربعمائة. وله نحو أربع عشرة سنة.
وحمل أبو الوفا رحمه الله في نفسه من شدة الألم أمرا عظيما، ولكنه تصبر، ولم يظهر منه جزع. وكان يقول: لولا أن القلوب توقن باجتماع ثان لتفطرت المرائر لفراق المحبوبين.
وقال في آخر عمره - وقد دخل في عشر التسعين، وذكر من رأى في زمانه من السادات من مشايخه وأقرانه، وغيرهم - : قد حمدت ربي إذ أخرجني ولم يبق لي مرغوب فيه، فكفاني صحبة التأسف على ما يفوت لأن التخلف مع غير الأمثال عذاب. وإنما هون فقداني للسادات نظري إلى الإعادة بعين اليقين وثقتي إلى وعد المبدىء لهم، فلكأني أسمع داعي البعث قد دعا، كما سمعت ناعيهم وقد نعى. حاشا المبدىء لهم على تلك الأشكال والعلوم أن يقنع لهم من الوجود بتلك الأيام اليسيرة، المشوبة بأنواع التنغيص وهو المالك. لا والله، لا قنع لهم إلا بضيافة تجمعهم على مائدة تليق بكرمه: نعيم بلا ثبور، وبقاء بلا موت، واجتماع بلا فرقة، ولدات بغير نغصة.

(1/66)


المبارك بن علي بن الحسين بن بندار البغدادي المخرمي
الفقيه القاضي، أبو سعد قاضي باب الأزج: ولد في رجب سنة ست وأربعين وأربعمائة.
وسمع الحديث من القاضي أبي يعلى، وأبي الحسين بن المهتدي، وأبي جعفر بن المسلمة، وجابر بن ياسين، والصريفيني، وابن المأمون، وابن النقور.
وسمع من القاضي أبي يعلى شيئا من الفقه، ثم تفقه على صاحبه الشريف أبي جعفر، ثم القاضي يعقوب البرزبيني. وأفتى ودرس وناظر، وجمع كتبا كثيرة لم يسبق إلى جمع مثلها. وشهد عند أبي الحسن الدامغاني في سنة تسع وثمانين، ثم ناب في القضاء. وكان حسن السيرة، جميل الطريقة، سديد الأقضية، وبنى مدرسة بباب الأزج، ثم عزل عن القضاء في سنة إحدى عشرة، ووكل به في الديوان على حساب وقوف الترب، فأدى مالا.
ثم توفي في ثاني عشر المحرم سنة ثلاث عشرة وخمسمائة. ودفن إلى جانب أبي بكر الخلال عند رجلي الإمام أحمد رضي الله عنه. ذكر هذا كله أبو الفرج في تاريخه.
وقال أبو الحسين: توفي ليلة الجمعة ثاني عشر المحرم. ودفن يوم الجمعة. قبل الصلاة. وصلي عليه في عدة مواضع.
قال: وكان مليح المناظرة، سيرته جميلة، وعشرته مليحة. وكان بيني وبينه امتراج، واجتمعنا في مجلس الشريف للدرس. غفر الله له.
وفي تاريخ القضاة للميداني: أنه توفي ليلة الأحد رابع عشر محرم. وهو وهم.
و " المخرمي " بكسر الراء - منسوب إلى المخرم: محلة ببغداد شرقيها. نزلها بعض ولد يزيد بن المخرم، فنسبت إليه. ذكره المنذري.
والمدرسة المذكورة التي بناها: هي المنسوبة الآن إلى تلميذه الشيخ عبد القادر الجيلي لأنه وسعها وسكن بها، فعرفت به. وللمخرمي ذرية فيهم شيوخ تصوف، ورؤساء ذوو ولايات، ورواة حديث.
ولأبي سعد المخرمي مع ابن عقيل مناظرة في مسألة بيع الوقف إذا خرب وتعطل. ونحن نذكر مضمون المناظرة ملخصا: قال ابن عقيل: أنا أخالف صاحبي في هذه ة لدليل عرض لي، وهو أن الباقي بعد التعطل والدروس صالح لوقوع البيع وابتداء الوقف عليه، فإنه يصح وقف هذه الأرض العاطلة ابتداء، فالدوام أولى. ألا ترى أن الردة والعدة يمنعان ابتداء النكاح، ولا يمنعان دوامه؟ اعترض عليه المخرمي، فقال: يحتمل أن لا أسلم ما عولت عليه في صحة إنشاء وقفها، بل لا يصح وقف ما يجب نقله؟ قال ابن عقيل: هذا لا يجوز أن يقال جملة، فإنك تقول: تباع ويصرف ثمنها في وقف آخر. فهذه المالية التي قبلت البيع، وهو عقد معاوضة مستأنف كيف لا يصلح لبقاء دوام عقد قد انعقد بشروطه؟ وكثر ما يقدر أن المسجد بقي في برية، فيصالح لصلاة المارة والقوافل، ويصح أن يستأجر البقعة أهل قافلة لإيقاف دوابهم، وطرح رحالهم، وهذا القدر من بقاء مالية الأصل والمنافع، وقبلها للعقود المستجدة، لا يجوز معه قطع دوام الوقف.
قلت: هذا ليس بجواب لما قاله المخرمي من منع صحة إنشاء وقفها، فإن أكثر ما يفيد هذا: أن وقفيتها لم تزل بالخراب، والمخرمي موافق على ذلك، ولكنه يقول: إنه يجوز أو يجب بيعها وصرف ثمنها إلى مثلها، وهذا شيء آخر. ولم يستدل ابن عقيل على صحة إنشاء وقفها.
فإن قال: فإذا صح إنشاء عقد البيع عليها صح إنشاء الوقف.
قلنا: هذا ممنوع، فكم من عين يصح بيعها، ولا يصح وقفها. فإن الواقف إنما يصح في عين يدوم نفعها مع بقائها. ولو جاز وقف ما يجب بيعه ونقله لجاز بيع وقف المطعومات ونحوها، وتباع ويصرف ثمنها في غيرها. ثم يقال: إذا وقفها ابتداء وهي متعطلة، فإن كان يمكن الانتفاع بها فيما وقفت له كوقف أرض سباخ مسجدا: صح وقفها.
فإن قيل: مع هذا يقر لحاله، ولا يباع فلأنه لم يفقد منه شيء من منافعه الموقوفة. بخلاف المسجد العامر إذا خرب، وإن لم يمكن الانتفاع بها فيما وقفت له، كفرس زمن حبس للجهاد، فهذا كيف يصح وقفه والمقصود منه مفقود؟ فإن هذا بمنزلة إجازة أرض سبخة لنزع، وبعير زمن للركوب. وإن سلمنا صحة إنشاء وقفها، وأنها تباع، ويصرف ثمنها، فيما ينتفع به، كما هو ظاهر كلام أحمد في مسألة السرج الفضية.
وأفتى بمثله جماعة في وقف الستور على المسجد. فهذا حجة لنا، لأن صحة الوقف لما لم تناف جواز البيع والإبدال، بل وجوبها في الابتداء، فكذا ينبغي أن يكون في الدوام.

(1/67)


وقوله: وهذا القدر من بقاء المالية لا يجوز معه قطع دوام الوقف دعوى مجردة.
قال المخرمي: فما طلب بالنقل والبيع إلا دوام النفع، فإن نقل الوقف إلى مكان ينتفع به أبقى للنفع.
قال ابن عقيل: إلا أنك لما أسقطت حكم العين والتعيين، وذلك إسقاط، كمراعاة تعيين الواقف. وأحق الناس بمراعاة بقايا المحل أحمد. حتى إنه قال: إذا حلف: لا دخلت هذا الحمام فصار مسجدا ودخله، أو لا أكلت لحم هذا الجدي فصار تيسا، أو هذا التمر فاستحال ناطفا أو خلا: حنث بكله، فهذا في باب الأيمان.
وفي باب المالية والملك: تزول المالية بموت الشاة، وشدة العصير، ويبقى تخصيصه به بدءا، بحيث يكون أحق بالجلد دبغا واستصلاحا، وبالخمر تخليلا في رواية. وكذلك الجلالة والماء النجس.
قلت: الإمام أحمد يراعي المعاني في مسائل الأيمان، ومسألة الوقف، فإن الواقف إنما قصد بوقفه دوام الانتفاع بما وقفه، فإذا تعذر حصول ذلك النفع من تلك العين أبدلناها بغيرها مما يحصل منه ذلك النفع، مراعاة بحصول النفع الموقوف ودوامه به. وهو المقصود الأعظم للواقف، دون خصوصية تلك العين المعينة. وكذلك الحالف قصد الامتناع من تلك العين المحلوف عليها دخولا وكلا. وهذا القصد لا يتغير بتبدل صفات تلك العين، فإن ذاتها باقية. وهذا أفقه وأحسن مما اختاره ابن عقيل من تعليق الحكم على مجرد الاسم. فراعى العين في صورة الوقف ولم يجز إبدالها، وإن فات المقصود منها لتعلق الوقف بها، وراعى الاسم المعلق به اليمين، فمنع الحنث بتبدله مع بقاء العين، ووجود المعنى الذي قصد اجتنابه باليمين.
وأما مسألة الميتة والخمر وما أشبههما: فهناك عين باقية على اختصاص صاحبها وتحت يده الحكمية لما بقي فيها من المنافع، فلذلك كان أحق بها. كذلك هنا العين باقية على الوقفية، لكن نحن نقول: يجوز إبدالها، والمخالف لم يذكر حجة على منع ذلك.
قال المخرمي: لا يجوز أخذ حكم الدوام من الابتداء، كما لم يجز في باب تملك القريب ذي الرحم المحرم، وكما لم يجز في باب تملك الكافر العبد المسلم بالإرث. فإنه لا يدوم الملك على الأب ولا على المسلم، ويصح ابتداء الملك فيهما، والأضحية المعينة يجوز نقلها إلى ما هو أسمن منها، فيقطع الدوام بالإبدال.
قال ابن عقيل: أما مسألة تملك في الرحم المحرم: فذاك ضد ما نحن فيه لأن ذاك التملك جعل وسيلة الوسائل إلى الأغراض المقصودة، يعفى فيها عن خلل يدخل وضرر يحصل، كما في مسألة النجاسة باليد، وإزالة المحرم الطيب عنه بيده. فالتملك للأب سبب للمجازاة والمكافأة التي نطق بها الشرع، وهي عتقه، ولا يمكنه ذلك في ملك غيره، فصار التملك ضرورة لحريته، إذ لو ملكه ودام ملكه صار مكافأة الشيء بضده لما فيه من إذلاله لأبيه، والمطلوب مكافأته بالإعتاق والإطلاق، واغتفر دخوله في ملكه لحظة لما يعقبه من العز الدائم. فهذه علة انقطاع الدوام هناك وهو ضد ما نحن فيه، فإن الموقوف موضوع لدوام الانتفاع، ولهذا لا يصح إلا في محل يبقى على الدوام.
وأما الأضحية: فمن الذي أخبرك أني أنصر مذهب أحمد وأبي حنيفة، حتى يلزمني إبدالها بخير منها، على أنها انقطعت لجواز المشاركة بالثلث أكلا للمضحى، وإهداء لثلثها، بخلاف مسألتنا. فههنا إبدال قليلة الانتفاع بأنفع منها لا يجوز. فالأمران مختلفان. والله أعلم.
قلت: كان المخرمي رجع معه، على وجه التنزل، إلى أن الوقف المعطل، وإن صح ابتداؤه، فلا يلزم منه صحة دوامه، كشراء ذي الرحم، فاستطال ابن عقيل عليه، وقال: المقصود من شراء ذي الرحم قطع الدوام بخلاف الوقف. ولكن لا حاجة إلى ما ذكره المخرمي هنا فإن التحقيق في ذلك ما تقدم، وهو أن العين المعطلة إن كان يمكن الانتفاع بها على وجه ما: صح وقفها ابتداء ودواما، لكن في الدوام تبدل، وإن لم تبدل في الابتداء لما سبق من الفرق. وفي الموضعين الوقف صحيح، لكن جواز الإبدال أو وجوبه أمر زائد على صحة الوقف. ولم يذكر ابن عقيل دليلا على امتناعه.
وأما إن كانت العين مسلوبة النفع بالكلية: فهذه لا يصح وقفها ابتداء ولا دواما، بل تخرج بذلك عن الوقفية، وإن سلم صحة بقائها على الوقفية في الدوام - وهو ظاهر كلام الأصحاب - فلأنه يفتقر في الدوام ما لا يفتقر في الابتداء.

(1/68)


وأما الأضحية وتفريقه بينها وبين الوقف بالمشاركة فيها دون الوقف: فالوقف أيضا قد يدخله المشاركة، بأن يقف على نفسه، أو يقف مسجدا ويصلي فيه مع الناس، ونحو ذلك.
وأما تفريقه بجواز الإبدال في الأضحية بأنفع منها دون الوقف، فيقال: والوقف فيه رواية أخرى عن أحمد: بجواز الإبدال كالأضحية، فلمن نصر هذا القول أن ينتصر لهذه الرواية، فلا يبقى بينهما فرق. والله أعلم.
محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن الغازي البدليسي أبو الحسن:
أحد الفقهاء الأعيان. اشتغل قديما على أبي الحسن الآمدي بآمد، ولازمه وتفقه عليه، وسمع منه الحديث، وبرع في الفقه.
وقد ذكره القاضي أبو الحسين في ترجمة شيخه أبي الحسن. وشغل الناس، وتفقه عليه طائفة. وأظنه قديم الوفاة.
قرأت بخط شيخ الإسلام أبي العباس بن تيمية قال: نقلت من خط شيخنا يحيى بن الصيرفي الحراني قال: ذكر الشيخ أبو علي الحسن بن علي بن سلامة الحراني فيما علقه عن الشيخ أبي الحسن بن الغازي، فقال: وإذا وقع الإناء الذي أصابه الولوغ في ماء كثير، فهو غسلة واحدة على ظاهر كلام أصحابنا، سواء أكان واقفا أو جاريا. ولا يعتبر لكل غسلة جرية. قال: ويحتمل وجها آخر. وهو أن يكون وقوعه في الماء الواقف يحتسب به غسلة واحدة، وفي الماء الجاري يحتسب بكل جرية غسلة. وكلا الوجهين محتملان.
قال: وذكر: إذا مات في الماء ما ليست له نفس سائلة، فإنه لا ينجس ما مات فيه من الماء اليسير والكثير المائع على الظاهر من المذهب.
قال: وفيه رواية أخرى أنه ينجس ما مات فيه. والأول أصح.
الحسن بن محمد العكبري، أبو المواهب:
أحد الفقهاء الأكابر، وله تصانيف في المذهب أظنه من أصحاب القاضي - أو أصحابه القدماء - ووقفت له على رؤوس المسائل، وهي منتخبة من الخلاف الكبير، على طريق أبي جعفر، وأبي الخطاب.
وقد روى عن محمد بن عبد الله بن أحمد بن عبد الله الخياط العكبري المقرىء حديثا.
وروى عنه نصر المقدسي. وشيخه العكبري هذا كان من أصحاب ابن بطة فقيها.
مات سنة تسع وثلاثين وأربعمائة. ذكره ابن البناء في طبقات الفقهاء.
ورواية نصر المقدسي عن أبي المواهب تدل على تقدم وفاته.
أبو علي بن شهاب العكبري:
صاحب كتاب عيون المسائل، متأخر. ونقل من كلام القاضي وأبي الخطاب كأنه من ولد ابن شهاب المتقدم. ما وقعت له على ترجمة. ومن الناس من يظنه الحسن بن شهاب الكاتب الفقيه صاحب ابن بطة. وهو خطأ عظيم.
عبد الوهاب بن حمزة بن عمر البغدادي، الفقيه المعدل، أبو سعد:
ولد في أحد الربيعين سنة سبع وخمسين وأربعمائة. وسمع من ابن النقور، والصريفيني، وأبي القاسم بن البسري، وأبي عبد الله الحميدي. وتفقه على أبي الخطاب. وأفتى وبرع في الفقه. وشهد عند قاضي القضاة أبي الحسن بن الدامغاني.
وكان مرضي الطريقة جميل السيرة من أهل السنة. وهو شيخ أبي حكيم النهرواني، الذي تفقه عليه. وروى عنه حكاية، ولم يحدث إلا باليسير.
توفي ليلة الثلاثاء ثالث شعبان سنة خمس عشرة وخمسمائة. ودفن بمقبرة الإمام أحمد رضي الله عنه.
محمد بن علي بن عبيد الله بن الدنف البغدادي المقرىء الزاهد، أبو بكر:
ولد في صفر سنة اثنتين وأربعين وأربعمائة.
وسمع الحديث من ابن المسلمة، وابن المهتدي، والصريفيني، وابن المأمون، وابن النقور، وطبقتهم. وتفقه على الشريف أبي جعفر، وحدث بشيء يسير.
سمع منه ابن ناصر. وروى عنه المبارك بن خضير، وذاكر بن كامل، وابن بوش وغيرهم. وكان من الزهاد الأخيار، ومن أهل السنة، انتفع به خلق كثير. ذكره ابن الجوزي.
وقال ابن النجار: كان مشهورا بالصلاح والدين. درس الفقه على الشريف أبي جعفر وصحبه، وانتفع به جماعة قرأوا عليه، وعادت عليهم بركته.
توفي يوم الإثنين سابع شوال سنة خمس عشرة وخمسمائة. ودفن بمقبرة الإمام أحمد بباب حرب. رحمه الله.
و " الدنف " : بفتح الدال المهملة وكسر النون وآخره فاء. قيده ابن نقطة الحافظ وغيره.
محمد بن أحمد بن محمد بن الحسن بن محمد بن الحسن بن داود الأصبهاني، أبو سعد بن أبي العباس، ويعرف بالخياط:

(1/69)


من أهل أصبهان، قدم بغداد، واستوطنها مدة طويلة. وسمع من مشايخها، وانتخب، وعلق وكتب بخطه كثيرا. وحصل الأصول والنسخ، وجمع شيئا كثيرا جدا من الحديث والفقه، ونفذه إلى أصبهان. وأدركه أجله ببغداد.
حدث ببغداد عن أبي القاسم بن منده إجازة، وعن غيره سماعا. كتب عنه ابن عامر العبدري وابن ناصر، وخطه حسن.
قال ابن النجار: وكان من أهل السنة المحققين المبالغين المتشددين، ظاهر الصلاح، قليل المخالطة للناس. كان حنبليا متعصبا لمذهبه، متشددا في ذلك.
توفي يوم الخميس سادس عشرين ذي الحجة سنة سبع عشرة وخمسمائة. ودفن بباب حرب، ولم يخلف وارثا لأنه لم يتزوج قط رحمه الله.
علي بن المبارك بن علي بن الفاعوس، البغدادي، الأسكاف، المقرىء، الزاهد أبو الحسن:
سمع من القاضي أبي يعلى، وأبي منصور عبد الباقي بن محمد بن غالب العطار وغيرهما. وصحب الشريف أبا جعفر. وكان مشهورا بالزهد والورع والتقشف وحسن الطريقة، للخلق فيه اعتقاد عظيم.
وذكر ابن ناصر: أنه كان أزهد الناس في عصره. وكان يقرأ يوم الجمعة على الناس أحاديث قد جمعها بغير أسانيد.
قال ابن الجوزي: حدثني أبو حكيم النهرواني قال: كان ابن الفاعوس إذا صلى الجمعة جلس يقرأ على أصحابه الحديث، فيأتي ساقي الماء، فيأخذ منه فيشرب ليريهم أنه مفطر، وربما صامها في بعض الأيام.
وكان ابن الفاعوس يتورع عن الرواية. وحدث وسمع منه أبو المعمر الأنصاري، وأبو القاسم بن عساكر الحافظ.
وقال: كان أبو القاسم بن السمرقندي يقول: إن أبا بكر بن الخاضبة كان يسمى ابن الفاعوس الحجري لأنه كان يقول: الحجر الأسود يمين الله حقيقة.
قلت: إن صح عن ابن الفاعوس أنه كان يقول: الحجر الأسود يمين الله حقيقة فأصل ذلك: أن طائفة من أصحابنا وغيرهم نفوا وقوع المجاز في القرآن، ولكن لا يعلم منهم من نفى المجاز في اللغة، كقول أبي إسحاق الإسفرايني. ولكن قد يسمع بعض صالحيهم إنكار المجاز في القران، فيعتقد إنكاره مطلقا.
ويؤيد ذلك: أن المتبادر إلى فهم كثر الناس من لفظ الحقيقة والمجاز: المعاني والحقائق دون الألفاظ.
فإذا قيل: إن هذا مجاز فهموا أنه ليس تحته معنى، ولا له حقيقة، فينكرون ذلك، وينفرون منه. ومن أنكر المجاز من العلماء فقد ينكر إطلاق اسم المجازة لئلا يوهم هذا المعنى الفاسد، ويصير ذريعة لمن يريد جحد حقائق الكتاب والسنة ومدلولاتهما.
ويقول: غالب من تكلم بالحقيقة والمجاز هم المعتزلة ونحوهم من أهل البدع، وتطرفوا بذلك إلى تحريف الكلم عن مواضعه، فيمنع من التسمية بالمجاز، ويجعل جميع الألفاظ حقائق، ويقول: اللفظ إن دل بنفسه فهو حقيقة لذلك المعنى، وإن دل بقرينة فدلالته بالقرينة حقيقة للمعنى الآخر، فهو حقيقة في الحالين. وإن كان المعنى المدلول عليه مختلفا فحينئذ يقال: لفظ اليمين في قوله سبحانه وتعالى: " والسماوات مطويات بيمينه " 39: 67، حقيقة. وهو دال على الصفة الذاتية. ولفظ اليمين في الحديث المعروف: " الحجر الأسود يمين الله في الأرض. فمن صافحه فكأنما صافح الله عز وجل " .
وقيل: يمينه يراد به - مع هذه القرائن المحتفة به - محل الاستلام والتقبيل. وهو حقيقة في هذا المعنى في هذه الصورة، وليس فيه ما يوهم الصفة الذاتية أصلا، بل دلالته على معناه الخاص قطعية لا تحتمل النقيض بوجه، ولا تحتاج إلى تأويل ولا غيره.
وإذا قيل: فابن الفاعوس لم يكن من أهل هذا الشأن - أعني: البحث عن مدلولات الألفاظ؟ قيل: ولا ابن الخاضبة كان من أهله، وإن كان محدثا. وإنما سمع من ابن الفاعوس، أو بلغه عنه إنكار أن يكون هذا مجازا، لما سمعه من إنكار لفظ المجاز فحمله السامع لقصوره أو لهواه على أنه إذا كان حقيقة لزم أن يكون هو يد الرب عز جل، التي هي صفته. وهذا باطل. والله أعلم.
توفي ابن الفاعوس ليلة السبت تاسع عشر شوال - وقيل: العشرين منه، والأول أصح - سنة إحدى وعشرين وخمسمائة. وصلي عليه من الغد بجامع القصر. ودفن قريبا من قبر الإمام أحمد رضي الله عنه.
وكان ذلك يوما مشهودا، غلقت فيه أسواق بغداد. وكان أهل بغداد يصيحون في جنازته: هذا يوم سني حنبلي، لا قشيري ولا أشعري.

(1/70)


وكان حينئذ ببغداد أبو الفرج الإسفرايني الواعظ، وكان العوام قد رجموه غير مرة في الأسواق، ورموا عليه الميتات، فأظهروا في ذلك اليوم لعنه وسبه، فبلغ ذلك المسترشد، فمنعه من الوعظ، وأمره بالخروج من بغداد. وظهر في ثاني يوم عند رجل من أصحابه كراريس فيها ما يتضمن الاستخفاف بالقرآن، فطيف به البلد، ونودي عليه، وهمت العامة بإحراقه. وظهر الشيخ عبد القادر، وجلس للوعظ، وعكف الناس عليه، وانتصر به أهل السنة. رحمه الله تعالى.
موسى بن أحمد بن محمد النشادري الفقيه أبو القاسم:
كان يذكر أنه من أولاد أبي ذر الغفاري رضي الله عنه.
سمع الحديث الكثير. وقرأ بالروايات، وتفقه على أبي الحسن بن الزغواني، وناظر.
قال ابن الجوزي: رأيته يتكلم كلاما حسنا.
توفي رابع رجب سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة. ودفن بمقبرة الإمام أحمد بباب حرب. رحمه الله تعالى.
وقال غيره: توفي ليلة الخميس خامس رجب.
وذكر ابن القطيعي: أنه سمع من أبي منصور الخازن، وأنه كمل التعليقة، وناظر، وتبصر في المذهب.
قلت: أظنه مات شابا فإن شيخه ابن الزاغوني عاش بعده مدة.
محمد بن محمد بن الحسين بن محمد بن الفراء، القاضي الشهيد، أبو الحسين ابن شيخ المذهب، القاضي أبي يعلى:
ولد ليلة نصف شعبان سنة إحدى وخمسين وأربعمائة.
وقرأ ببعض الروايات على أبي بكر الخياط. وسمع الحديث من أبيه، وعبد الصمد بن المأمون، وأبوي الحسين بن المهتدي. وابن النقور، وأبي بكر الخطيب، والعاصمي، وطبقتهم. وتوفي والده وهو صغير، فتفقه على الشريف أبي جعفر، وبرع في الفقه، وأفتى وناظر.
وكان عارفا بالمذهب، متشددا في السنة.
وله تصانيف كثيرة في الفروع والأصول، وغير ذلك، منها: " المجموع في الفروع " ، " رؤوس المسائل " ، " المفردات في الفقه " ، " التمام لكتاب الروايتين والوجهين " الذي لأبيه، " المفردات في أصول الفقه " ، " طبقات الأصحاب " ، " إيضاح الأدلة في الرد على الفرق الضالة المضلة " ، " الرد على زائغي الاعتقادات في منعهم من سماع الآيات " ، " شرف الاتباع وسرف الابتداع " ، " تنزيه معاوية بن أبي سفيان المقنع في النيات " ، " المفتاح في الفقه " .
وقرأ عليه جماعة، منهم: الشيخ عبد المغيث الحربي، وغيره.
وحدث، وسمع منه خلق كثير من الأصحاب وغيرهم، منهم: ابن ناصر، ومعمر بن الفاخر، وابن الخشاب، وأبو الحسين البراندسي الفقيه، والجنيد بن يعقوب الجيلي الفقيه، وحدثا عنه، وعبد الغني بن الحافظ أبي العلاء الهمداني، وأبو نجيح محمود بن أبي المرجا الأصبهاني الحنبلي، وعبد الوهاب بن أبي حبسة، ويحيى بن بوش.
وحدث عنه أيضا: علي بن المرحب البطائحي، والمبارك بن الطباخ، وابن الحريف، وابن عساكر الحافظ. وبالإجازة أبو موسى المديني، وابن كليب.
وكان للقاضي أبي الحسين بيت في داره بباب المراتب يبيت فيه وحده، فعلم بعض من كان يخدمه ويتردد إليه بأن له مالا، فدخلوا عليه ليلا، وأخذوا المال وقتلوه، ليلة الجمعة - ليلة عاشوراء - سنة ست وعشرين وخمسمائة. وصلى عليه يوم السبت حادي عشر المحرم. ودفن عند أبيه بمقبرة باب حرب. وكان يوما مشهودا. وقدر الله ظهور قاتليه، فقتلوا كلهم.
أخبرنا أبو الفتح الميدومي - بمصر - أخبرنا أبو الفرج الحراني، أخبرنا أبو علي ضياء بن أحمد بن الحسن النجار، أخبرنا القاضي أبو الحسين ابن القاضي أبي يعلى، أخبرنا أبو الغنائم عبد الصمد بن المأمون، أخبرنا أبو القاسم بن حبابة، حدثنا أبو القاسم البغوي، حدثنا أبو الربيع الزهراني، حدثنا جعفر بن سليمان عن أبي عمران الجوني عن أنس قال: " وقت لنا في قص الشارب وتقليم الأظفار ونتف الإبط وحلق العانة: أن لا يترك أكثر من أربعين ليلة " أخرجه مسلم.
نقلت من خط القاضي أبي الحسين في مفرداته في الأصول: اختلفت الرواية عن أحمد هل يصح الاستثناء في اليمين بالله؟ فقال: مع انقطاع يمينه على روايتين: إحداهما: يصح، وإن كان منقطعا، وهي مذهب عبد الله بن عباس.
والرواية الثانية: لا يصح الاستثناء. اختارها الخرقي والوالد، وبها قال أكثرهم.
وجه الأولى: أن النسخ والتخصيص يجوز أن يتأخرا، فكذلك الاستئناء.

(1/71)


ووجه الثانية: أن الاستثناء يجري مجرى الشرط لأنه إذا انفصل عما قبله لم يفد ألا ترى أنه إذا قال: اضرب زيدا أو أعطه درهما، ثم قال بعد يوم: إذا قام أو كل لم يفد ذلك، ولم يكن شرطا كذلك في اليمين؟ هذا لفظه بحروفه. وهو ظاهر في أن الرواية الأولى، كما حكي عن ابن عباس من صحة الاستثناء. في اليمين، وإن طال الفصل. ولا أعلم أحدا من الأصحاب حكى ذلك عن أحمد.
علي بن الحسن الدواحي، أبو الحسن الواعظ:
تفقه على أبي الخطاب الكلوذاني، وسمع منه الحديث.
توفي ليلة الجمعة خامس شوال سنة ست وعشرين وخمسمائة، وصلى عليه من الغد. ودفن بمقبرة باب حرب.
محمد بن الحسين بن علي بن إبراهيم بن عبد الله الشيباني الحاجي، المزرفي، المقرىء، الفرضي أبو بكر:
ولد في سلخ سنة تسع وثلاثين وأربعمائة. وقيل: سنة أربعين.
وقرأ القرآن بالروايات على جماعة من أصحاب الحمامي، منهم: أبو بكر بن موسى الخياط، وطاهر بن الحسين القواس.
وسمع من ابن المسلمة وابن المأمون، والصريفيني، وابن المهتدي، وابن النقور، والنهرواني، وأبي الحسين العاصمي، وابن البري، وأبي الغنائم بن الدجاجي. وكتب بخطه كثيرا. وبرع في القراءات وتفرد بعلم الفرائض وألف فيه.
وذكر ابن ناصر أنه كان مقرىء زمانه، قرأ عليه القرآن جماعة، منهم: أبو موسى المديني الحافظ، وعلي بن عساكر البطائحي.
وحدث عنه ابن ناصر، وابن عساكر، واليونارتي، وأبو سعد بن أبي عصرون، وابن الجوزي، وجماعة آخرهم أبو الفتح الميداني، ودرس عليه جماعة الفرائض والحساب.
قال أبو نصر اليونارتي في معجمه. هو وحيد عصره في خلقه، وحسن قراءته.
قال ابن الجوزي: كان ثقة عالما ثبتا، حسن العقيدة.
وقال ابن القطيعي: سمعت ابن الأخضر يقول: سمعت أبا محمد الخشاب يقول: قد سمعت من يحيى بن منده سنة ثمان وتسعين، وحضر معي في الطبقة أبو منصور الخياط المقرىء، ولا أفرح بسماعي منه مثل ما أفرح بسماعي من المزرفي، وذلك لأنه طلب الحديث بنفسه وفهم.
توفي يوم السبت مستهل سنة سبع وعشرين وخمسمائة فجأة. وقيل: إنه توفي في سجوده. ودفن بباب حرب.
" والمزرفي " نسبة إلى المزرفة: قرية بين بغداد وعكبرا، ولم يكن منها، وإنما انتقل أبوه إليها أيام الفتنة، فأقام بها مدة، فلما رجع إلى بغداد قيل له: المزرفي.
أخبرنا أبو الفتح المصري بها، أخبرنا أبو الفرج الحراني، أخبرنا أبو الفرج بن الجوزي، أخبرنا أبو بكر المزرفي - سنة عشرين وخمسمائة - أخبرنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن المسلمة، أخبرنا أبو الفضل عبيد الله بن عبد الرحمن الزهري، أخبرنا جعفر بن محمد الفريابي، حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا إسماعيل بن جعفر عن أبي سهيل نافع بن مالك بن أبي عامر عن أبيه عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان " . أخرجاه عن قتيبة.
علي بن عبيد الله بن نصر بن السري:
كذا نسبه ابن شافع وابن الجوزي وغيرهما.
وقال ابن النجار: ابن نصر بن عبيد الله بن سهل بن السري.
وقال ابن نقطة: نصر بن عبيد الله بن أبي السري.
وقال ابن السمعاني نصر بن عبيد الله بن سهل بن الزاغواني البغدادي، الفقيه المحدث الواعظ، أبو الحسن، أحد أعيان المذهب.
ولد سنة خمس وخمسين وأربعمائة في جمادى الأولى - فيما نظنه.
وقرأ القران بالروايات، وطلب الحديث بنفسه، وقرأ وكتب بخطه.
وسمع من أبي الغنائم بن المأمون، وأبي جعفر بن المسلمة، وأبي محمد الصريفيني وأبي الحسين بن النقور، وأبي القاسم بن اليسري، وأبي محمد بن عبد الله بن عطاء الهروي، وجماعة آخرين. وقرأ الفقه على القاضي يعقوب البرزبيني، وقرأ الكثير من كتب اللغة والنحو والفرائض. وكان متفننا في علوم شتى، من الأصول والفروع والحديث والوعظ وصنف في ذلك كله.
قال ابن الجوزي: كان له في كل فن من العلم حظ وافر، ووعظ مدة طويلة.
قال. وصحبته زمانا، فسمعت منه الحديث، وعلقت عنه من الفقه والوعظ وكانت له حلقة بجامع المنصور يناظر فيها يوم الجمعة قبل الصلاة، ثم يعظ بعد الصلاة. ويجلس يوم السبت أيضا.
وذكر ابن ناصر: أنه كان فقيه الوقت في الطبقة الثالثة عشرة. وكان مشهورا بالصلاح والديانة والورع والصيانة.

(1/72)


قال ابن السمعاني: سمعت أبا عبد الله حامد بن أبي الفتح المديني يقول: سمعت أبا بكر محمد بن عبد الله بن الزاغوني - يعني: أخا أبي الحسن هذا - يقول: ذكر بعض الناس ممن يوثق بهم: أنه رأى في المنام ثلاثة، يقول واحد منهم: أخسف، وواحد يقول: أغرق، وواحد يقول: أطبق - يعني: البلد - فأجاب أحدهم: لا لأن بالقرب منا ثلاثة: أبو الحسن بن الزاغوني، والثاني أحمد بن الطلاية، والثالث محمد بن فلان من الحربية.
ولابن الزاغوني تصانيف كثيرة، منها: في الفقه: " الإقناع " في مجلد، و " الواضح " و " الخلاف الكبير " " المفردات " في مجلدين، وهي مائة مسألة. وله مصنف في الفرائض يسمى " التلخيص " وجزء في " عويص المسائل الحسابية " ومصنف في " الدور والوصايا " . وله " الإيضاح في أصول الدين " ، مجلد، و " غرر البيان في أصول الفقه " مجلدات عدة. وله ديوان خطب أنشأها، ومجالس في الوعظ وله تاريخ على السنين من أول ولاية المسترشد إلى حين وفاته هو، ومناسك الحج، وفتاوى، ومسائل في القرآن والفتاوى الرجعية، وجزء في تصحيح حديث الأطيط، سدره في المستحيل وسماع الموتى في قبورهم.
وكان ثقة صدوقا، صحيح السماع. حدث بالكثير.
وروى عنه ابن ناصر، وأبو المعمر الأنصاري، وابن عساكر، وابن الجوزي، وعمر بن طبرزد، وغيرهم.
وتفقه عليه جماعة، منهم: صدقة بن الحسين، وابن الجوزي.
توفي يوم الأحد سادس عشر محرم سنة سبع وعشرين وخمسمائة، وصلي عليه يوم الإثنين بجامع القصر وجامع المنصور ودفن بمقبرة الإمام أحمد، بباب حرب. وكان له جمع عظيم يفوت الإحصاء رحمه الله تعالى.
هذا الذي ذكرناه في تاريخ وفاته هو الذي ذكره صدقة بن الحسين. نقله عنه ابن النجار.
وذكره ابن السمعاني عن ابن عساكر، وغيره.
والذي ذكره ابن شافع وابن الجوزي في عدة مواضع وابن نقطة: أنه توفي يوم الأحد بعد الظهر سابع عشر محرم. والأول أصح فإن ابن شافع وابن الجوزي وافقا على أن وفاة المزرفي - المذكور قبله - كانت يوم السبت مستهل محرم. ومتى كان السبت مستهل محرم، فالأحد سادس عشره، لا سابع عشره. وقد علق ابن الجوزي في جزء وفاة ابن الزاغوني، فقال: في الأحد سادس عشر محرم، على الصواب.
أخبرنا أبو الفتح الميدومي - بفسطاط مصر - أخبرنا أبو الفرج الحراني، أخبرنا الحافظ أبو الفرج بن الجوزي، أخبرنا أبو الحسين بن الزاغوني، أخبرنا أبو الحسين بن النقور. أخبرنا عيسى بن علي بن الجراح، حدثنا أبو القاسم البغوي، حدثنا نعيم بن الهيضم، حدثنا أبو عوانة عن أبي بشر عن أبي سفيان عن جابر بن عبد الله " أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل أهله الأدم، فقالوا: ما عندنا إلا خل. فدعا به، فجعل يأكل، ويقول: نعم الأدم الخل - مرتين " تفرد به مسلم، فرواه عن يحيى بن يحيى عن أبي عوانة.
ذكر ابن الزاغوني في مناسكه: أن رمي الجمار أيام منى، ورمي جمرة العقبة يوم النحر يجوز قبل الزوال وبعده، والأفضل بعده. ولهذا لم يوافقه عليه أحد فيما أعلم. وهو ضعيف مخالف للسنة في رمي جمرة العقبة يوم النحر.
وحكي في الإقناع رواية عن أحمد: أنه إذا اتخذ عصيرا للخمر، فانقلبت خلا لم تطهره لأن اتخاذه كان محرما.
وحكى فيه رواية عن أحمد: أنه لا ينتقض عهد أهل الذمة بشيء غير منع الجزية.
وقال فيه: المشهور من المذهب أن السم نجس، وفي المذهب ما يحتمل أنه ليس بنجس لأن النبي صلى الله عليه وسلم أكل من الذراع المسمومة.
وذكر فيه: أن المتوفى عنها زوجها لا يلزمها المقام في منزل الوفاة، إلا إذا تبرع لها الورثة بالسكنى، ولا يلزمها فيما عدا ذلك، حتى لو كان المنزل ملكا لها لم يلزمها المقام فيه.
وحكى فيه رواية: أن البائن تجب لها السكنى والنفقة، وإن كانت حاملا.
وذكر فيه: أن الحامل المتوفى عنها زوجها تجب لها النفقة والسكنى إن قلنا: إن النفقة للحمل، كما لو كان الأب حيا. ولم أعلم أحدا من الأصحاب بنى رواية وجوب النفقة والسكنى لها على هذا الأصل، ولا جعلها من فوائد الخلاف في أن النفقة: هل هي للحمل أو للحامل. فإن نفقة الأقارب تسقط بالموت، فكيف تجب نفقة الحمل من التركة؟.
وحكي في باب نفقة الزوجات في ثمن ماء الغسل والسدر والمشط والدهن الطيب وما أشبه ذلك وجهين.
أحدهما: أنه عليها لأن به يحصل التمكين من الاستمتاع.

(1/73)


والثاني: هو عليه، وشبهه بالقوت وتوابعه، ولا أعلم أحدا من الأصحاب ألزم الزوج ثمن الطيب مطلقا، ولا حكى في لزوم ثمن البواقي خلافا، سوى ماء الغسل الواجب.
وقال أيضا، في نفقة الأقارب: إذا كان بعض ورثة الفقير موسرا، وبعضهم معسرا: فإن كان الفقير أبا أو أما لزم الموسر كمال النفقة عليه، وإن كان جدا أو جدة فوجهان. أما سائر الورثة: فلا تلزم الموسر منهم النفقة إلا بقدر حصته من الميراث. وهنا تفصيل غريب.
وحكي فيه رواية عن أحمد: أنه لا يجوز تقديم الكفارة على الحنث إذا كان صوما، ويجوز بالمال.
وذكر فيه: أن نذر اللجاج والغضب نذر صحيح يلزم الوفاء به، وهذا لا يعرف في المذهب، لكن فد قيل: إنه وقع في كلام ابن أبي موسى ما يوهمه.
وذكر فيه أيضا: أن المستأمن إذا دخل دار الإسلام بتجارة أخذ منه الخمس، وأن الذمي إذا اتجر في دار الإسلام في غير بلده أخذ منه العشر. وهو غريب مخالف لنصوص أحمد وقول الأصحاب، والمأثور عن عمر رضي الله عنه.
محمد بن محمد بن الحسين بن محمد بن أحمد بن خلف بن الفراء
الفقيه، الزاهد، أبو خازم ابن القاضي الإمام أبي يعلى. وأخو القاضي أبي الحسين المتقدم ذكره: ولد في صفر سنة سبع وخمسين وأربعمائة.
وسمع الحديث من أبي جعفر بن المسلمة، وابن المأمون، وجابر بن ياسين.
وذكر ابن نقطة: أنه حدث عن أبيه القاضي أبي يعلى، وما أظنه إلا بالإجازة ة فإنه ولد قبل موت والده بسنة.
وقد ذكر أخوه القاضي أبو الحسين: أن والده أجاز له ولأخيه أبي خازم، وقرأ الفقه على القاضي يعقوب ولازمه، وعلق عنه وبرع في معرفة المذهب والخلاف والأصول.
وصنف تصانيف مفيدة، وله كتاب " التبصرة " في الخلاف وكتاب " رؤوس المسائل " ، وشرح مختصر الخرقي، وغير ذلك.
وكان من الفقهاء الزاهدين، والأخيار الصالحين. وحدث وسمع منه جماعة وروى عنه ابنته نعمة، وأبو المعمر الأنصاري، ويحيى بن بوش.
وتوفي يوم الإثنين تاسع عشرين صفر سنة سبع وعشرين وخمسمائة. وصلي عليه يوم الثلاثاء مستهل ربيع الأول بجامع القصر. وكان يومه يوما مشهودا. ودفن بداره بباب الأزج، ثم نقل في سنة أربع وثلاثين إلى مقبرة الإمام أحمد، فدفن عند أبيه. رحمهما الله تعالى.
و " أبو خازم " بالخاء والزاي المعجمتين.
نقلت من خط ابن الصيرفي الحراني، مسألة: إذا حلق شاربه بحيث إنه لا ينبت.
فقال ابن أبي موسى: تجب فيه حكومة، وقال القاضي أبو خازم ابن القاضي أبي يعلى: يتوجه أن لا يجب فيه لأنه مأمور بحفه. قال: ويتوجه أن يجب إذا كان شابا دون الشيخ لما روى عن قتادة أنه قال: من الشيخ سنة، من الشاب مثلة - يعني: حلق الشارب.
عبد الله بن المبارك ويعرف بعسكر بن الحسن العكبري، المقرىء، الفقيه أبو محمد، ويعرف بابن نيال:
سمع من أبي نصر الزينبي، وأبي الغنائم بن أبي عثمان، وأبي الحسين العاصمي وغيرهم. وتفقه على أبي الوفاء بن عقيل، وأبي سعد البرداني. وكان يصحب شافعا الحنبلي، فأشار عليه بشراء كتب ابن عقيل، فباع ملكا له واشترى بثمنه كتاب الفنون، وكتاب الفصول، ووقفها على المسلمين. وكان خيرا من أهل السنة، وحدث.
وتوفي ليلة الثلاثاء ثاني عشرين جمادى الأولى سنة ثمان وعشرين وخمسمائة وصلى عليه أبو محمد المقرىء الزاهد من الغد بجامع القصر. ودفن بمقبرة الإمام أحمد عن نيف وسبعين سنة. رحمه الله تعالى.
عبد الواحد بن شنيف بن محمد بن عبد الواحد الديلمي، البغدادي الفقيه أبو الفرج:
أحد أكابر الفقهاء. تفقه على أبي علي البرداني وبرع. وكان مناظرا مجودا، وأمينا من قبل القضاة، وباشر بعض الولايات، وله دنيا واسعة. وكان ذا فطنة وشجاعة وقوة قلب وعفة ونزاهة وأمانة.
قال ابن النجار: كان مشهورا بالديانة وحسن الطريقة، ولم يكن له رواية في الحديث.

(1/74)


قال ابن الجوزي: حدثني أبو الحسن بن عربية قال: كان تحت يده - يعني: ابن شنيف - مال لصبي، وكان قد قبض بعض المال، وللصبي فهم وفطنة، فكتب الصبي جملة التركة عنده، وأثبت ما يأخذ من الشيخ. فلما مرض الشيخ أحضر الصبي وقال له: أي شيء لك عندي. فقال: والله ما لي عندك شيء لأن تركتي وصلت إلي بحساب محسوب. فأخرج الشيخ سبعين دينارا وقال: خذ هذه، فهي لك فإني كنت أشتري لك بشيء من مالك وأعود فأبيعه، فحصل لك هذا.
قال: وحدثني أبو الحسن قال: توفي رجل حشري بدار القز. وكان أبو العباس ابن الرطبي يتولى التركات. فكتب إلى الشيخ عبد الواحد يتولى تركة فلان، فحضر وأعطى زوجته حقها، وأعطى الباقي ذوي أرحامه، وكتب بذلك إليه. فكتب ابن الرطبي مع مكتوبه إليه رقعة إلى المسترشد يخبره بما صنع، وأنه ورث ذوي الأرحام. فكتب: نعم، ما فعل إذا عمل بمذهبه، إنما الذنب لمن استعمل في هذا حنبليا. وقد علم مذهبه في ذلك.
توفي رحمه الله تعالى في ليلة السبت حادي عشرين شعبان سنة ثمان وعشرين وخمسمائة، وصلى عليه الشيخ عبد القادر. ودفن بمقبرة الإمام أحمد رضي الله عنه.
ثابت بن منصور بن المبارك الكيلي، المقرىء المحدث، أبو العز:
سمع من أبي محمد التميمي، وأبي الغنائم بن أبي عثمان، وغانم بن الحسين وطبرزد، ونصر بن البطر، والحسين بن طلحة وخلق كثير. وعني بالحديث.
وسمع الكثير، وكتب الكثير. وخرج تخاريج لنفسه عن شيوخه في فنون، وحدث وسمع منه جماعة.
وروى عنه السلفي، والمبارك بن أحمد الأنصاري، وأبو الفرج الجوزي وغيرهم.
وقال أبو الفرج: كان دينا، ثقة، صحيح الإسناد. ووقف كتبه قبل موته.
وقال السلفي عنه: فقيه على مذهب أحمد. كتب كثيرا، وسمع معنا وقبلنا على شيوخ. وكان ثقة وعر الأخلاق.
وقال ابن السمعاني: سألت ابن ناصر عنه. فقال: صحيح السماع، ما كان يعرف شيئا.
وتوفي سنة تسع وعشرين وخمسمائة. وقيل: سنة ثمان.
قال ابن النجار: قرأت بخط يحيى بن الطراح: أن ثابتا توفي يوم الإثنين سابع عشر ذي الحجة سنة ثمان وعشرين. ودفن يوم الثلاثاء بمقبرة الإمام أحمد رحمه الله تعالى. ورأيت جماعة من المحدثين وغيرهم قد نعتوه في طابق السماع بالإمام الحافظ رحمه الله.
وهو منسوب إلى " كيل " : قرية على شاطىء دجلة على مسيرة يوم من بغداد مما يلي طريق واسط، ويقال لها: " جيل " أيضا.
أخبرنا أبو الفتح الميدومي - بمصر - أخبرنا أبو الفرج الحراني، أخبرنا أبو الفرج بن الجوزي، أخبرنا أبو العز ثابت بن منصور الكيلي بقراءة شيخنا ابن ناصر عليه، أخبرنا أبو القاسم الفضل بن أبي حرب، أخبرنا أحمد بن محمد الجرجاني، أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن الحيري، حدثنا أبو العباس الأصم، حدثنا محمد بن عبيد الله المنادي، حدثنا يونس بن محمد، حدثنا عبد العزيز بن المختار عن عبد الله الداناج قال: شهدت أبا سلمة بن عبد الرحمن أبي خالد بن عبد الله بن أسيد في هذا المسجد - يعني: مسجد البصرة - قال: وجاء الحسن، فجلس إليه قال: فحدث قال: حدثنا أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " الشمس وألقمر ثوران مكوران في النار يوم القيامة " . قال: فقال الحسن: وما ذنبهما؟ فقال: أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فسكت الحسن.
علي بن أبي القاسم بن أبي زرعة الطبري، المقرىء، المحدث الزاهد أبو الحسن:
من أهل آمل طبرستان. ذكره ابن المسعاني، فقال: شيخ صالح خير دين كثير العبادة والذكر، مستعمل للسنن، مبالغ فيها جهده. وكان مشهورا بالزهد والديانة. رحل بنفسه في طلب الحديث إلى أصبهان، وسمع بها جماعة من أصحاب أبي نعيم الحافظ، كأبي سعد المطرز، وأبي علي الحداد، وغيرهما.
وسمع ببلده آمل من أبي المحاسن الروياني الفقيه، وأبي بكر بن الخطاب الاخباري قال: وكتب لي الإجازة ولم أره، ثم روى حديثا عن رجل عنه. ثم قال: توفي بالعسيلة بعد فراغه من الحج والعمرة والزيادة في المحرم سنة ثمان وعشرين وخمسمائة. ودفن بها. وصلى عليه أبو زيد البصري الخطيب رحمه الله تعالى.
أحمد بن علي بن عبد الله بن الأبرادي البغدادي، الفقيه، الزاهد أبو البركات:

(1/75)


سمع من أبي الغنائم بن أبي عثمان، وأبي الحسن بن الأخضر الأنباري، وأبي الحسن بن النحاس، وأبي القاسم بن فهد العلاف وغيرهم. وقرأ الفقه على ابن عقيل، وصحب الفاعوس وغيره من الصالحين. وتعبد ووقف دارا له بالبحرية شرق بغداد على أصحابنا مدرسة. وحدث وسمع منه جماعة.
وروى عنه أبو المعمر الأنصاري، وأبو القاسم بن عساكر.
وتوفي ليلة الخميس ثاني عشر رمضان سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة. ودفن بباب أبرز.
قال ابن النجار: قرأته في تاريخ ابن شافع بخطه. والذي رأيت في تاريخ مختصر ابن شافع لابن نقطة: في هذه السنة وفاة أبي الحسن محمد بن أبي البركات أحمد بن الأبرادي. وقد تابعه على ذلك ابن الجوزي في تاريخه، وترجماه بترجمة أبي البركات. وهو وهم. وسنذكر ابنه أبا الحسن في موضعه إن شاء الله تعالى.
يحيى بن الحسن بن أحمد بن عبد الله بن البناء، أبو عبد الله
ابن الإمام أبي علي المتقدم ذكره، وأخو أبي نصر المتقدم ذكره أيضا: ولد يوم الجمعة رابع عشرين ذي القعدة سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة.، وبكر به أبوه في السماع، فسمع من أبي الحسين بن المهتدي، وابن الأبنوسي، وابن النقور، وأبي الغنائم، وجابر بن ياسين، والده أبي علي بن البناء، وغيرهم.
وحدث وروى عنه جماعة من الحفاظ وغيرهم، منهم: ابن عساكر، وابن الجوزي، وابن بوش.
وروى عنه ابن السمعاني إجازة، وقال: كان شيخا صالحا حسن السيرة واسع الرواية حسن الأخلاق متوددا متواضعا، برا لطيفا بالطلبة، مشفقا عليهم.
قال: وسمعت أبا محمد عبد الله بن عيسى بن أبي حبيب الأندلسي الحافظ قاضي اشبيلية يثني عليه كثيرا، ويمدحه ويطريه، يصفه بالعلم والتمييز والفضل وحسن الأخلاق، وعمارة المسجد. وقال: ما رأيت ببغداد في الحنابلة مثله.
قال: وكان شيخنا أبو شجاع البسطامي كثير الثناء عليه، يصفه بالخير والصلاح والعلم. وكذلك كل من رأيته ممن سمع منه أخذ عنه كان يثني عليه ويمدحه.
وتوفي ليلة الجمعة ثامن شهر ربيع الأول سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة. ودفن صبيحة يوم الجمعة بمقبرة الإمام أحمد.
أخبرنا أبو الفتح الميدومي بالفسطاط، أخبرنا عبد اللطيف بن عبد المنعم الحراني، أخبرنا أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الحافظ، أخبرنا يحيى بن أبي علي البناء بقراءة شيخنا أبي الفضل بن ناصر، أخبرنا أبو الحسين بن محمد بن علي بن المهتدي، أخبرنا أبو الحسين أحمد بن عبد الله بن الخضر السوسنجردي، حدثنا محمد بن عمرو بن البحتري، حدثنا أحمد بن عبد الجبار العطاردي، حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي سفيان طلحة بن نافع عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لقد اهتز عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ " .
أحمد بن محمد بن أحمد الدينوري البغدادي الفقيه، الأمام أبو بكر بن أبي الفتح:
أحد الفقهاء الأعيان، وأئمة أهل المذهب.
سمع الحديث من أبي محمد التميمي، وجعفر السراج وغيرهما. وتفقه على أبي الخطاب وبرع في الفقه. وتقدم في المناظرة على أبناء جنسه، حتى كان أسعد الميهني شيخ الشافعية يقول: ما اعترض أبو بكر الدينوري على دليل أحد إلا ثلم فيه ثلمة.
وله تصانيف في المذهب، منها: كتاب " التحقيق في مسائل التعليق " وتخرج به أئمة، منهم: أبو الفتح بن المنى، والوزير ابن هبيرة.
قال ابن الجوزي: حضرت درسه بعد موت شيخنا ابن الزاغوني نحوا من أربع سنين.
قال وأنشدني:
تمنيت أن تمسي فقيها مناظرا ... بغير عناء، والجنون فنون
وليس اكتساب المال دون مشقة ... تلقيتها، فالعلم كيف يكون.
قال: وحدثني قال: كنت أتفقه على شيخنا أبي الخطاب. وكنت في بدايتي أجلس في آخر الحلقة، والناص فيها كلى مراتبهم، فجرى بيني وبين رجل كان يجلس قريبا من الشيخ بيني وبينه رجلان أو ثلاثة كلام. فلما كان في الثاني جلست في مجلسي على عادتي في آخر الحلقة، فجاء ذلك الرجل، فجلس إلى جانبي، فقال له الشيخ: لم تركت مكانك. فقال: أترك مثل هذا، فأجلس معه يزري علي. فوالله ما مضى إلا قليل حتى تقدمت في الفقه، وقويت معرفتي به، فصرت أجلس إلى جانب الشيخ، وبيني وبين ذلك الرجل رجال.

(1/76)


قال ابن الجوزي: وكان يرق عند ذكر الصالحين، ويبكي ويقول: للعلماء عند الله قدر، فلعل الله أن يجعلني منهم.
توفي يوم السبت غرة جمادى الأولى سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة. ودفن عند رجل أبي منصور الخياط، قريبا من قبر الإمام أحمد رضي الله عنه.
وقيل: إنه لم يشيعه إلا عدد يسير. رحمه الله تعالى.
قال أبو البقاء بن طبرزد: كنت يوم موته عند القاضي أبي بكر بن عبد الباقي، فخبر بذلك، فقال: لا إله إلا الله، موت الأقران هد الأركان. وقال: إذا رأيت أخاك يحلق فبل أنت.
ومن غرائب أبي بكر الدينوري: أنه خرج رواية عن أحمد: أنه من اشتبهت عليه القبلة لزمه أن يصلي أربع صلوات إلى أربع جهات، وقد قيل: إنه قول مخالف للإجماع.
وحكى ابن تميم عنه: أنه ذكر وجها أن باطن اللحية الكثة في الغسل كالوضوء.
قال ابن الجوزي في كتاب " تلبيس إبليس " : كنت أصلي وراء شيخنا أبي بكر الدينوري في زمن الصبا فكنت - يعني: إذا دخلت معه في الصلاة وقد بقي في الركعة يسير - أستفتح وأستعيذ، فيركع قبل أن أقرأ، فقال لي: يا بني، إن الفقهاء قد اختلفوا في وجوب قراءة الفاتحة خلف الإمام، ولم يختلفوا في أن الاستفتاح سنة، فاشتغل بالواجب ودع السنة.
محمد بن محفوظ بن أحمد بن الحسن بن أحمد الكلوذاني الفقيه أبو جعفر
ابن الإمام أبو الخطاب، المتقدم ذكره: ولد سنة خمسمائة، فيما ذكره أبو الحسن بن القطيعي في تاريخه عن ابن أخيه محفوظ بن أحمد بن محفوظ.
قال ابن القطيعي: وتفقه على أبيه وبرع في الفقه.
قلت: هذا محال فإن عمره يوم مات أبوه - على ما ذكر في مولده - يكون عشر سنين، فكيف تفقه عليه وبرع؟.
قال: وصنف كتابا سماه " الفريد " وهو عندي بخطه، ثم ساق منه حديثا وحكايات وأشعارا.
قال: وتوفي - فيما ذكره لي ابن أخيه - في سابع عشر جمادى الأولى سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة. ودفن بمقبرة باب حرب.
قلت: وفي تاريخ ابن شافع: أنه توفي ليلة الاثنين ثامن عشر جمادى الآخرة سنة ثلاث وثلاثين. ودفن في منزله بباب الأزج. ورأيت في تاريخ القضاة لابن المندائي: أن المتوفى في هذه السنة أبو الفرج أحمد ين الإمام أبي الخطاب. وكان من المعدلين ببغداد، وأن وفاته يوم الإثنين ثامن عشر جمادى الآخرة سنة ثلاث وثلاثين. ودفن بمقبرة باب حرب عند أبيه.
محمد بن عبد الباقي بن محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن الربيع بن ثابت بن وهب بن مشجعة بن الحارث بن عبد الله بن كعب بن مالك
أحد الثلاثة الذين خلفوا، ثم تاب الله عليهم - الأنصاري الكعبي البغدادي البصري البزاز الفرضي، القاضي أبو بكر بن أبي طاهر، ويعرف بقاضي المارستان.
كان والده أبو طاهر عبد الباقي - ويعرف بصهر هبة المقرىء، وكان من أكابر أهل بغداد والملازمين للقاضي أبي يعلى - شيخا صالحا محدثا، معدلا. سمع الحديث وحدث، وتوفي في صفر سنة إحدى وستين وأربعمائة.
وأما ولده أبو بكر هذا: فولد يوم الثلاثاء عاشر صفر سنة اثنتين وأربعين وأربعمائة. وحفظ القرآن وهو ابن سبع سنين. وحضر على أبي إسحاق البرمكي سنة خمس وأربعين.
سمع من أخيه أبي الحسن علي، والقاضي أبي الطيب الطبري وأبي طالب العشاري، وأبي الحسن الباقلاني، وأبي محمد الجوهري، وأبي القاسم عمر بن الحسين الخفاف، وأبي الحسين بن حسنون، وأبي علي بن غالب، وأبي الحسين بن الأبنوسي، وأبي الحسن بن أبي طالب المكي، وأبي الفضل بن المأمون، وتفرد بالرواية عن هؤلاء كلهم. وسمع من خلق آخرين.
وسمع بمكة من أبي معشر وغيره، وبمصر من أبي إسحاق الحبال. وقد خرجت له مشيخة عن شيوخه في خمسة أجزاء سمعتها بالقاهرة. وكانت له إجازة من أبي القاسم التنوخي، وابن شيطا، والقضاعي مصنف الشهاب.
وتفقه في صباه على القاضي أبي يعلى، وقرأ الفرائض والحساب والجبر والمقابلة والهندسة، وبرع في ذلك، وله فيه تصانيف. وشهد عند قاضي القضاة أبي الحسن بن الدامغاني وتفنن في علوم كثيرة.
قال ابن السمعاني: عارف بالعلوم متفنن، حسن الكلام، حلو المنطق، مليح المحاورة. ما رأيت أجمع للفنون منه نظر في كل علم. وسمعته يقول: تبت من كل علم تعلمته إلا الحديث وعلمه.

(1/77)


قال: وكان سريع النسخ حسن القراءة للحديث سمعته يقول: ما ضيعت ساعة من عمري في لهو أو لعب.
قال: وسمعته يقول: أسرتني الروم، وبقيت في الأسر سنة ونصفا، وكان خمسة أشهر الغل في عنقي، والسلاسل على يدي ورجلي. وكانوا يقولون لي: قل: المسيح ابن الله، حتى نفعل ونصنع في حقك، فامتنعت وما قلت. قال: ووقت أن حبست كان ثم معلم يعلم الصبيان الخط بالرومية، فتعلمت في الحبس الخط الرومي.
وسمعته يقول: حفظت القرآن ولي سبع سنين، وما من علم في عالم الله إلا وقد نظرت فيه، وحصلت منه كله أو بعضه، وتفرد في الدنيا بعلو الإسناد ورحل إليه المحدثون من البلاد.
قال ابن الجوزي: كان حسن الصورة، حلو المنطق، مليح المعاشرة، كان يصلي في جامع المنصور، فيجيء في بعض الأيام، فيقف وراء مجلسي وأنا على منبر الوعظ فيسلم علي. وأملى الحديث في جامع القصر باستملاء شيخنا ابن ناصر، وقرأت عليه الكثير. وكان ثقة فهما، ثبتا حجة، متفننا في علوم كثيرة، منفردا في علم الفرائض.
وكان يقول: ما أعلم أني ضيعت من عمري شيئا في لهو أو لعب، وما من علم إلا وقد حصلت بعضه أو كله. وكان قد سافر فوقع في أيدي الروم، فبقي في أسرهم سنة ونصفا، وقيدوه وجعلوا الغل في عنقه، وأرادوا منه أن ينطق بكلمة الكفر فلم يفعل، وتعلم منهم الخط الرومي.
قال: وسمعته يقول: يجب على المعلم أن لا يعنف، وعلى المتعلم أن لا يأنف. وسمعته يقول: من خدم المحابر خدمته المنابر.
قال: وأنشدني:
لي مدة لا بد أبلغها ... فإذا انقضت وتصرمت مت
لو عاندتني الأسد ضارية ... ما ضرني ما لم يجىء الوقت
قال: ذكر لنا أن منجمين حضرا حين ولد، فأجمعا أن عمره اثنتان وخمسون سنة. قال: وها أنا قد جاوزت التسعين.
قال: ورأيته بعد ثلاث وتسعين صحيح الحواس، لم يتغير منها شيء، ثابت العقل، يقرأ الخط الدقيق من بعد. ودخلنا عليه قبل موته بمديدة، فقال: قد نزلت في أذني مادة، فقرأ علينا من حديثه، وبقي على هذا نحوا من شهرين، ثم زال ذلك، وعاد إلى الصحة ثم مرض فأوصى أن يعمق قبره زيادة على ما جرت به العادة، وقال: لأنه إذا حفر ما جرت به العادة لم يصلوا إلي وأن يكتب على قبره " قل هو نبأ عظيم. أنتم عنه معرضون " ص: 68، 69. وبقي ثلاثة أيام قبل موته لا يفتر من قراءة القران، إلى أن توفي يوم الأربعاء قبل الظهر ثاني رجب سنه خمس وثلاثين وخمسمائة. وصلي عليه بجامع المنصور. وحضر قاضي القضاة الزينبي، ووجوه الناس وشيعناه إلى مقبرة باب حرب، فدفن إلى جانب أبيه، قريبا من بشر الحافي رضي الله عنه.
قلت: وحدث القاضي أبو بكر بالكثير من حديثه، وسمع منه الأئمة الحفاظ وغيرهم، وأثنوا عليه.
قال ابن الخشاب عنه: كان مع تفرده بعلم الحساب والفرائض، وافتنانه في علوم عديدة، صدوقا، ثبتا في الرواية، متحريا فيها.
وقال ابن ناصر عنه: كان إماما في الفرائض والحساب، وهو آخر من حدث عن البرمكي، وذكر جماعة.
وكان سماعه صحيحا، ومتعه الله بعقله وسمعه وبصره وجوارحه إلى حين وفاته.
ولم يخلف بعده من يقوم مقامه في علمه. وكان قد خرجت له مجالس سنة ثمان عشرة، فأملاها بالجامع من دار الخليفة.
وقال ابن شافع: سمعت ابن الخشاب يقول: سمعت قاضي المارستان يقول: قد نظرت في كل علم حصلت منه بعضه أو كله، إلا هذا النحو فإني قليل البضاعة فيه.
قال ابن شافع: وما رأيت أبا محمد - يعني: ابن الخشاب - يعظم أحدا من مشايخه تعظيمه له. وكان أبو القاسم بن السمرقندي يقول: ما بقي مثله ويطريه في الثناء.

(1/78)


أخبرنا أبو الفتح محمد بن محمد بن إبراهيم - بمصر - أخبرنا أبو الفرج عبد اللطيف بن عبد المنعم، أخبرنا الحافظان: أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن الجزي، وأبو محمد بن عبد العزيز بن محمود بن الأخضر، وأبو أحمد بن عبد الوهاب بن علي بن سكينة وغيرهم وأخبرنا محمد بن إسماعيل بن إبراهيم الدمشقي بها - غير مرة - أخبرنا أبو محمد إسماعيل بن إبراهيم التنوخي، وأبو محمد عبد العزيز بن عبد المنعم الحارثي وأبو الفرج عبد الرحمن بن أبي عمر المقدسي، وأبو الغنائم المسلم بن محمد بن علان وغيرهم، قالوا: أخبرنا أبو حفص عمر بن محمد بن طبرزد، وأبو اليمن زيد بن الحسن الكندي. زاد الأولان: وأبو البركات عبد اللطيف بن إسماعيل الصوفي، وزاد الأول وحده: وأحمد بن تزمش البغدادي. قالوا كلهم: أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الباقي البزاز، أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن عمر البرمكي - حضورا - أخبرنا أبو محمد عبد الله بن إبراهيم البزار حدثنا أبو مسلم حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري، حدثنا حميد عن أنس قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " من كذب علي متعمدا فليتبؤأ مقعده من النار " : أنبئت عن يوسف بن خليل الحافظ قال: أخبرنا الشيخ الصالح أبو القاسم عبد الله بن أبي الفوارس محمد بن علي بن حسن الخزاز الصوفي البغدادي ببغداد قال: سمعت القاضي أبا بكر محمد بن عبد الباقي بن محمد البزاز الأنصاري يقول: كنت مجاورا بمكة - حرسها الله تعالى - فأصابني يوما من الأيام جوع شديد لم أجد شيئا أدفع به عني الجوع، فوجدت كيسا من إبريسم مشدودا بشرابة من إبريسم أيضا فأخذته وجئت به إلى بيتي، فحللته فوجدت فيه عقدا من لؤلؤ لم أر مثله، فخرجت فإذا الشيخ ينادي عليه، ومعه خرقة فيها خمسمائة دينار وهو يقول: هذا لمن يرد علينا الكيس الذي فيه اللؤلؤ، فقلت: أنا محتاج، وأنا جائع، فآخذ هذا الذهب فأنتفع به، وأرد عليه الكيس، فقلت له: تعالى إلي، فأخذته وجئت به إلى بيتي، فأعطاني علامة الكيس، وعلامة الشرابة، وعلامة اللؤلؤ وعدده، والخيط الذي هو مشدود به، فأخرجته ودفعته إليه. فسلم إلي خمسمائة دينار، فما أخذتها، وقلت: يجب علي أن أعيده إليك ولا آخذ له جزاء، فقال لي: لا بد أن تأخذ. ألح علي كثيرا، فلم أقبل ذلك منه، فتركني ومضى.
وأما ما كان مني: فإني خرجت من مكة وركبت البحر، فانكسر المركب وغرق الناس، وهلكت أموالهم، وسلمت أنا على قطعة من المركب، فبقيت مدة في البحر لا أدري أين أذهب، فوصلت إلى جزيرة فيها قوم، فقعدت في بعض المساجد، فسمعوني أقرأ، فلم يبق في تلك الجزيرة أحد إلا جاء إلي وقال: علمني القرآن. فحصل لي من أولئك القوم شيء كثير من المال.
قال. ثم إني رأيت في ذلك المسجد أوراقا من مصحف، فأخذتها أقرأ فيها فقالوا لي: تحسن تكتب؟. فقلت: نعم، فقالوا: علمنا الخط، فجاءوا بأولادهم من الصبيان والشباب، فكنت أعلمهم، فحصل لي أيضا من ذلك شيء كثير فقالوا لي بعد ذلك: عندنا صبية يتيمة، ولها شيء من الدنيا نريد أن تتزوج بها، فامتنعت، فقالوا: لا بل، وألزموني، فأجبتهم إلى ذلك.
فلما زفوها إلي مددت عيني أنظر إليها، فوجدت ذلك العقد بعينه معلقا في عنقها، فما كان لي حينئذ شغل إلا النظر إليه. فقالوا: يا شيخ، كسرت قلب هذه اليتيمة من نظرك إلى هذا العقد، ولم تنظر إليها، فقصصت عليهم قصة العقد فصاحوا وصرخوا بالتهليل والتكبير، حتى بلغ إلى جميع أهل الجزيرة، فقلت: ما بكم. فقالوا: ذلك الشيخ الذي أخذ منك العقد أبو هذه الصبية، وكان يقول: ما وجدت في الدنيا مسلما إلا هذا الذي رد علي هذا العقد، وكان يدعو ويقول: اللهم اجمع بيني وبينه حتى أزوجه بابنتي، والآن قد حصلت، فبقيت معها مدة ورزقت منها بولدين.
ثم إنها ماتت فورثت العقد أنا وولداي، ثم مات الولدان فحصل العقد لي فبعته بمائة ألف دينار. وهذا المال الذي ترون معي من بقايا ذلك المال. هكذا ساق هذه الحكاية يوسف بن خليل الحافظ في معجمه.
وساقها ابن النجار في تاريخه، وقال: هي حكاية عجيبة. وأظن القاضي حكاها عن غيره. وقد ذكرها أبو المظفر سبط بن الجوزي في تاريخه في ترجمة أبي الوفاء بن عقيل.

(1/79)


وذكر عن ابن عقيل: أنه حكى عن نفسه: أنه حج، فالتقط العقد ورده بالموسم، ولم يأخذ ما بذل له من الدنانير، ثم قدم الشام، وزار بيت المقدس، ثم رجع إلى دمشق، واجتاز بحلب في رجوعه إلى بغداد، وأن تزوجه بالبنت كان بحلب. ولكن أبا المظفر ليس بحجة فيما ينقله، ولم يذكر للحكاية إسنادا متصلا إلى ابن عقيل، ولا عزاها إلى كتاب معروف، ولا يعلم قدوم ابن عقيل إلى الشام، فنسبتها إلى القاضي أبي بكر الأنصاري أنسب. والله أعلم.
وقد تضمنت هذه القصة: أنه لا يجوز قبول الهدية على رد الأمانات لأنه يجب عليه ردها بغير عوض، وهذا إذا كان لم يلتقطها بنية أخذ الجعل المشروط وقد نص أحمد رضي الله عنه على مثل ذلك في الوديعة، وأنه لا يجوز لمن ردها إلى صاحبها قبول هديته إلا بنية المكافأة.
عبد الوهاب بن عبد الواحد بن محمد بن علي الشيرازي، ثم الدمشقي، المعروف بابن الحنبلي
الفقيه الواعظ المفسر، شرف الإسلام أبو القاسم.
كذا كناه ابن القلانسي في تاريخه. وكناه المنذري وغيره أبا البركات ابن شيخ الإسلام أبي الفرج الزاهد - المتقدم ذكره - شيخ الحنابلة بالشام في وقته.
توفي والده وهو صغير فاشتغل بنفسه، وتفقه وبرع، وناظر وأفتى، ودرس الفقه والتفسير ووعظ، واشتغل عليه خلق كثير. وكان فقيها بارعا، وواعظا فصيحا، وصدرا معظما، ذا حرمة وحشمه وسؤدد ورئاسة، ووجاهة وجلالة وهيبه.
ولما ورد الفرنج إلى دمشق سنة ثلاث وعشرين وخمسمائة، أرسله صاحب دمشق إلى الخليفة المسترشد ببغداد ليستنجدهم على الفرنج، فخلع عليه ووعده بالإنجاد.
وكان له بجامع دمشق مجلس يعقده للوعظ، وقيل: إنه منع منه بسبب الفتن.
قال ابن السمعاني: سمعت أبا الحجاج يوسف بن محمد بن مقلد التنوخي الدمشقي - مذاكرة - يقول: سمعت الشيخ الإمام عبد الوهاب بن أبي الفرج الحنبلي الدمشقي - بدمشق - ينشد على الكرسي في جامعها، وقد طاب وقته:
سيدي علل الفؤاد العليلا ... وأحيني قبل أن تراني قتيلا
إن تكن عازما على القبض رحي ... فترفق بها قليلا قليلا
قرأت بخط حفيده ناصح الدين عبد الرحمن بن نجم قال: حكى لنا الفصيح الحنفي قال: احتجت، فأشار علي بعض الناس أن أقوم في مجلس شرف الإسلام فأمتدحه بقصيد شعر. قال: ففعلت، فرمى علي الشيخ منديلا كان في يده، فخلع على جماعة أصحابه ثيابا كثيرة، ونثروا علي، فخرجت من المجلس ومعي جمال تحمل الخلع. فبلغ ذلك البرهان البلخي شيخ الحنفية، فشكاني إلى والدي، فقلت: كنت محتاجا، ورحت إلى رجل أغناني، فاسكتوا عني وإلا رحت إليه بكرة.
قال ناصح الدين: وكان وجيه الدين مسعود بن شجاع شيخ الحنفية - بدمشق - يذكر شرف الإسلام جدي، ويقول: كان يذكر مجلدة من التفسير في المجلس الواحد ويثني عليه.
قال: وكان زين الدين بن الحكيم الواعظ الحنفي يذكر جدي شرف الإسلام على المنبر، ويثني عليه، وربما ذكره فبكى.
قلت: ولشرف الإسلام تصانيف في الفقه والأصول، منها " المنتخب في الفقه " في مجلدين و " المفردات " ، و " البرهان في أصول الدين " ورسالته في الرد على الأشعرية.
وحدث عن أبيه ببغداد ودمشق وسمع منه ببغداد أبو بكر بن كامل، وناظر مع الفقهاء ببغداد في المسائل الخلافيات.

(1/80)


قال ابن النجار: حدث عن والده بحديث منكر. وبنى بدمشق مدرسة داخل باب الفراديس، وهي المعروفة بالحنبلية. ولما شرع في بنائها طلع بعض المخالفين إلى " زمرد خاتون " أم شمس الملوك - وكان حكمها نافذا في البلد - فقالوا لها: هذا ابن الحنبلي يبني مدرسة للحنابلة، وهذا البلد عامته شافعية، وتصير الفتن وبناؤها مفسدة وضرر كبير. فبعثت إلى الشيخ، وقالت له: بطل هذا البناء، فقال: السمع والطاعة. وقال للصناع: انصرفوا، فانصرفوا. فلما كان الليل أحضر الصناع والفعلة وأصحابه، وأشعلوا المشاعل والشمع، وشرعوا في تأسيس حائط القبلة، ونصبوا المحراب ليلا، وقال: اغدوا على عملكم، فغدوا، وقال أولئك لها: قد خالف أمرك. فنزل إليه عشرة من القلعة، وقالوا له: أما قد نهتك خاتون عن بناء هذا المكان. فقال: أنا قد بنيت بيتا من بيوت الله عز وجل، ونصبت محرابا للمسلمين، فإن كانت هي تهدمه تبعث تهدمه، وصاح على الصناع: اعملوا. فبلغها ما قال. فقالت: صدق. أنا ما لي وللفقهاء.
ذكر ذلك الناصح عن بعض أصحاب أبي شرف الإسلام.
قال: سمعت والدي يقول: جاء رجل من أصحاب أبي شرف الإسلام إليه، فقال: رأيت الليلة في منامي أبي، فقال لي: هذا الذي يقوله لكم الشيخ ما هو صحيح، ما رأينا لا جنة ولا نارا، ولا قيامة ولا حسابا، وهو يبكي، فقال له الشيخ: ما ذاك والدك. فقال: يا سيدي، والدي، أنا أعرفه، فقال له الشيخ: ذاك الشيطان، الساعة.
يعود ويقول لك مثل ما قال. فقل أنت له: بالله الذي لا إله إلا هو، أنت والدي. فيولي عنك ويضرط لك. فلما كانت الليلة الثانية أصبح وجاء إلى الشيخ، فقال له: ضرط لك؟ قال: أي والله يا سيدي.
توفي رحمه الله في ليلة الأحد سابع عشر صفر سنة ست وثلاثين وخمسمائة.
ودفن عند والده بمقابر الشهداء من مقابر الباب الصغير.
وذكره أبو المعالي بن القلانسي في تاريخه، فقال: كان على الطريقة المرضية، والخلال الرضية، ووفور العلم وحسن الوعظ وقوة الدين، والتنزه عما يقدح في أفعال غيره من المتفقهين، وكان يوم دفنه مشهودا من كثرة المشيعين له والباكين حوله، والمؤبنين لأفعاله والمتأسفين عليه. رحمه الله تعالى.
وللمهذب أحمد بن منير الشاعر الحلبي المشهور رسالة إلى شرف الإسلام يمدحه فيها وأهل بيته بقصيدة، يقول فيها:
ولعمري لولا بقية عبد ال ... واحد الحنبلي أعضل داؤه
هم أعادوا المعروف غضا وقد صو ... ح محضره وغاض بهاؤه
معشر أرضعوا النباهة من عو ... د نضار ماء المروءة ماؤه
كل معروفهم لمعروفهم طلق ... وهم في مكروهه شركاؤه
ألسن توج المنابر منها ... كل عضب فل القضاء مضاؤه
فالكتاب العزيز يشهد أن قد ... سلمت خصلة له قراؤه
أهله أنتم، ومن لم يقل قو ... لي عممت عينه أعضاؤه
فقهاء الإسلام إن عن ... لبس أحباره خطباؤه
قال ناصح الدين حفيد شرف الإسلام: قد عرضت هذه القصيدة على أبي البقاء العكبري، فأثنى عليها كثيرا.
عبد الوهاب بن المبارك بن أحمد بن الحسن الأنماطي، الحافظ أبو البركات
محدث بغداد: ولد في رجب سنة اثنتين وستين وأربعمائة.
وسمع الكثير من أبي محمد الصريفيني، وأبي الحسين بن النقور، وأبي القاسم الأنماطي، وابن البسري، وأبي نصر الزينبي، وطراد، وخلق كثير بعدهم. وكتب بخطه الكثير، وسمع العالي والنازل، حتى إنه قرأ على أبي الحسين بن الطيوري جميع ما عنده.
قال ابن ناصر عنه: كان بقية الشيوخ، سمع الكثير. وكان يفهم، مضى مستورا وكان ثقة، ولم يتزوج قط.
وقال السلفي: كان عبد الوهاب رفيقا حافظا ثقة، لديه معرفة جيدة. وقال الحافظ أبو موسى المديني في معجمه: هو حافظ عصره ببغداد.
وذكره ابن السمعاني، فقال: حافظ ثقة، واسع الرواية، دائم البشر، سريع الدمعة عند الذكر، حسن المعاشرة. جمع الفوائد وخرج التخاريج، لعله ما بقي جزء مروي إلا وقد قرأه وحصل نسخته. ونسخ الكتب الكبار، مثل الطبقات لابن سعد، وتاريخ الخطيب. وكان متفرغا للتحديث: إما أن يقرأ عليه، أو ينسخ شيئا.

(1/81)


وذكره ابن الجوزي في عدة مواضع من كتبه، كمشيخته، وطبقات الأصحاب المختصرة، والتاريخ، وصفوة الصفوة، وصيد الخاطر. وأثنى عليه كثيرا، وقال: كان ثقة ثبتا، ذا دين وورع، وكنت أقرأ عليه الحديث وهو يبكي، فاستفدت ببكائه أكثر من استفادتي بروايته. وكان على طريقة السلف، وانتفعت به ما لم أنتفع بغيره، ودخلت عليه في مرضه - وقد بلي وذهب لحمه - فقال لي: إن الله عز وجل لا يتهم في قضائه.
وقال أيضا: ما رأينا في مشايخ الحديث أكثر سماعا منه، ولا أكثر كتابة للحديث بيده مع المعرفة به، ولا أصبر على الإقراء، ولا أسرع دمعة وأكثر بكاء مع دوام البشر وحسن اللقاء.
وقال أيضا: كنت أقرأ عليه الحديث من أخبار الصالحين، فكلما قرأتها بكى وانتحب. وكنا ننتظره يوم الجمعة بجامع المنصور، فلا يجيء من قنطرة باب البصرة وإنما يجيء من القنطرة العتيقة. فسألته عن هذا؟ فقال: تلك كانت دار ابن معروف القاضي، فلما غضب عليه السلطان أخذها وبنى عليها القنطرة.
قال لنا: وسمعت أبا محمد التميمي يحكي عن ابن معروف: أنه أحل كل من يجوز عليها، إلا أني أنا لا أفعل.
قال: وكانت فيه خلة أخرى عجيبة: لا يغتاب أحدا، ولا يغتاب عنده. وكان صبورا على القراءة عليه، يقعد طول النهار لمن يطلب العلم. وكان سهلا في إعارة الأجزاء لا يتوقف، ولم يكن يأخذ أجرا على العلم، ويعيب من يفعل ذلك، ويقول: علم مجانا كما علمت مجانا.
قلت: حدث عبد الوهاب بالكثير، وسمع منه خلق عظيم.
وروى عنه من الحفاظ والأئمة وغيرهم خلق كثير منهم: ابن ناصر والسلفي وابن عساكر، وأبو موسى المديني، وأبو سعد السمعاني، وابن الجوزي، وابن الأخضر، وأبو أحمد بن سكينة، وابن طبرزد، وأحمد بن الديبقي، وعبد الوهاب بن أحمد. هذا خلاف عبد الوهاب بن أحمد بن هذيمة، وهو خاتمة أصحابه.
وكان ابن السمعاني وغيره من الحفاظ يستفيدون منه، ويرجعون إلى قوله في أحوال الرواة وجرحهم وتعديلهم.
ومن الفوائد المذكورة عنه: أنه كان لا يجيز الرواية بالإجازة عن الإجازة وجمع في ذلك تأليفا. ذكره ابن السمعاني عنه. وهو مذهب غريب.
توفي رحمه الله تعالى يوم الخميس حادي عشر المحرم سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة، ودفن من الغد بالشونيزية، وهي مقبرة أبي القاسم الجنيد غربي بغداد.
أخبرنا أبو الفتح محمد بن إبراهيم - بمصر - أخبرنا أبو الفرج عبد اللطيف بن عبد المنعم الحراني، أخبرنا الحافظ أبو الفرج عبد الرحمن بن علي، أخبرنا الحافظ عبد الوهاب بن المبارك الأنماطي بقراءتي عليه، أخبرنا أبو محمد عبد الله بن محمد الصريفيني، أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسن بن عبد الله الصيرفي، حدثنا أبو القاسم البغودي، حدثنا علي بن الجعد، أخبرنا شعبة عن منصور عن ربعي عن أبي مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن آخر ما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح فاصنع ما شئت " .
أخرجه البخاري عن آدم عن شعبة.
محمد بن علي بن صدقة بن جلب الصائغ، أبو البركات، أمين الحكم بباب الأزج:
سمع من أبي محمد التميمي، وقرأ الفقه على القاضي أبي خازم.
وذكر ابن القطيعي عن أبي الحسين بن أبي البركات الصائغ قال: سمعت أبي قال: جاءت فتوى إلى القاضي أبي خازم، وفيها مكتوب:
ما يقول الإمام أصلحه الل ... ه وللسبيل هداه
في محب أتى إليه حبيب ... في ليالي صيامه فأتاه
أفتنا: هل صباح ليلته أف ... طر أم لا؟ وقل لنا ما تراه
قال: فقال في القاضي أبو خازم: أجب يا أبا البركات، فكتبت الجواب وبالله التوفيق:
أيها السائل عن الوطء في لي ... لة الصيام الذي إليه دعاه
وجده بالذي أحب وقد أح ... رق نار الغرام منه حشاه
كيف تعصي؟ ولو تفكر في قد ... رة ربي مفكر ما عصاه
أأمنت الذي دحا الأرض أن تط ... بق دون الورى عليك سماه؟
ليس فيما أتيت ما يبطل الصو ... م جوابي فاعلم هداك الله
توفي ليلة الثلاثاء سابع عشر رجب سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة. ودفن بباب حرب.

(1/82)


وكان سبب موته: أن زوجته سمته في طعام قدمته له، وأكل معه منه رجلان فمات أحدهما من ليلته، والآخر من غده. وبقي أبو البركات مريضا مديدة، ثم مات رحمه الله تعالى.
موهوب بن أحمد بن محمد بن الخضر بن الحسن بن محمد الجواليقي، أبو منصور بن أبي طاهر
شيخ أهل اللغة في عصره: ولد في ذي الحجة سنة خمس وستين وأربعمائة. ذكره ابن شافع وابن الجوزي.
وقال ابن السمعاني: سألته عن مولده؟. فقال: سنة ست وستين.
وذكر غيره: أنه سأله عن ذلك؟ فقال: في أواخر سنة خمس، أو أوائل سنة ست. وسمع الحديث الكثير من أبي القاسم بن البسري، وأبي طاهر بن أبي الصقر وأبي الحسن علي بن محمد الخطيب الأنباري، وطراد الزينبي، ونصر بن البطر، وأبي الحسين بن الطيوري، وجعفر السراج، وأبي طاهر بن سوار، وجماعة من بعدهم.
وقرأ الأدب على أبي زكريا التبريزي سبع عشرة سنة. وبرع في علم اللغة والعربية. ودرس العربية في المدرسة النظامية بعد شيخه أبي زكريا مدة، ثم قربه المقتفي لأمر الله تعالى، فاختص بإمامته في الصلوات. وكان المقتفي يقرأ عليه شيئا من الكتب، وانتفع بذلك، وبان أثره في توقيعاته. وكان من أهل السنة المحامين عنها. ذكر ذلك ابن شافع.
وقال ابن السمعاني في حقه: إمام في اللغة والأدب. وهو من مفاخر بغداد وهو متدين ثقة، ورع. غزير الفضل، كامل العقل، مليح الخط، كثير الضبط. صنف التصانيف، وانتشرت عنه، وشاع ذكره. نقل بخطه الكثير.
وقال ابن الجوزي: انتهى إليه علم اللغة. وكان غزير العقل، متواضعا في ملبسه ورئاسته، طويل الصمت، لا يقول الشيء إلا بعد التحقيق والفكر الطويل. وكثيرا ما كان يقول: لا أدري. وكان من أهل السنة. سمعت منه كثيرا من الحديث وغريب الحديث، وقرأت عليه كتابه " المعرب: وغيره من تصانيفه وقطعة من اللغة.
وقال ابن خلكان في تاريخه: صنف التصانيف المفيدة وانتشرت عنه، مثل شرح كتاب " أدب الكاتب " وكتاب " المعرب " وتتمة " درة الغواص " للحريري. وخطه مرغوب فيه.
كان يصلي بالمقتفي بالله، فدخل عليه - وهو أول ما دخل - فما زاد على أن قال: السلام على أمير المؤمنين. فقال: ابن التلميذ النصراني - وكان قائما، وله إدلال الخدمة، والطب - : ما هكذا يسلم على أمير المؤمنين يا شيخ، فلم يلتفت إليه ابن الجواليقي وقال: يا أمير المؤمنين، سلامي هو ما جاءت به السنة النبوية، وروى الحديث، ثم قال: يا أمير المؤمنين، لو حلف حالف أن نصرانيا أو يهوديا لم يصل إلى قلبه نوع من أنواع العلم على الوجه المرضي لما لزمته كفارة، لأن الله ختم على قلوبهم ولن يفك ختم الله إلا الإيمان. فقال: صدقت وأحسنت، وكأنما ألجم ابن التلميذ بحجر، مع فضله وغزارة أدبه.
وقال المنذري: الإمام أبو منصور، أحد الفضلاء في اللغة والنحو، وهو من مفاخر بغداد، وله التصانيف المشهورة. حدث أبو منصور بالعوالي من حديثه لعزة أوقاته.
وسمع منه جماعة، منهم: ابن ناصر، وابن السمعاني، وابن الجوزي، وأبو اليمن الكندي.
وتوفي سحر يوم الأحد خامس عشر محرم سنة أربعين وخمسمائة، وصلى عليه من الغد في جامع القصر، وحضر الصلاة عليه أرباب الدولة والعلماء، وتقدمهم في الصلاة قاضى القضاة أبو القاسم الزينبي. ودفن بباب حرب عند والده. رحمهما الله تعالى.
ووهم ابن السمعاني في وفاته، فقال: في سنة تسع وثلاثين.
أخبرنا أبو الفتح الميدومي - بمصر - أخبرنا أبو الفرج الحراني، أخبرنا عبد الرحمن بن علي الحافظ، أخبرنا موهوب بن أحمد بن الجاليقي بقراءتي عليه، أخبرنا أبو القاسم علي بن أحمد بن البسري، أخبرنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن الصلت، حدثنا إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي، حدثنا أبو مصعب الزهري عن مالك عن سمي - مولى أبي بكر - عن أبي صالح عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " السفر قطعة من العذاب يمنع أحدكم نومه وطعامه وشرابه. فإذا قضى أحدكم نهمته من وجهه فليعجل الرجوع إلى أهله " .
أخرجاه عن القعنبي عن مالك.
نصر بن الحسين بن حامد الحراني، أبو القاسم:

(1/83)


أحد شيوخ حران، وفقهائها الأكابر. وهو من أصحاب أبي الفتح بن جلبة القاضي، وأبي الحسين بن عمرو الزاهد، وعنهما أخذ العلم. ولا أعلم سنة وفاته.
ذكره أبو الفتح بن عبدوس، وقد عد شيوخ حران، وعلماءها، وفقهاءها، وذكر منهم: أبا المحاسن هبة الله بن نصر بن الحسين بن حامد ولد المذكور.
قلت: أبو المحاسن هذا تفقه ببغداد، وقرأ على ابن الزاغوني، وأبي الخطاب وغيرهما، وسمع من طلحة العاقولي.
وله تصنيف أظنه في أصول الدين سماه " كفاية المنتهى ونهاية المبتدي " ، نقل منه الشيخ فخر الدين بن تيمية في تفسيره.
وذكر ابن عبدوس: أبا القاسم صدقه بن عمي بن محشي، وصاحبه أبا المعالي رافع بن محمد بن الحكيم، ولده أبا الحسن محمد بن رافع. وقد كان روى السلفي عن أبي الفتح أحمد بن حامد الأسدي الحراني بماكسين.
قال: وكان قد ولي قضاءها حديثا بإجازته من أبي طالب العشاري، وبسماعه من القاضي أبي الفتح بن جلبة، بسماعه من العشاري.
وذكر ابن نقطة عن السلفي قال: سمعت المؤتمن بن أحمد الساجي يقول: علي بن محمد بن علي بن جلبة قاضي حران كان محبا للحديث، مجدا في السنة.
نجيب بن عبد الله السمرقندي، أبو بكر:
ذكره يحيى بن الصيرفي الحراني الفقيه في بعض تصانيفه، وقال: أظنه من تلامذة ابن عقيل.
قال: وله تخاريج حسنة في المذهب.
وذكر من ذلك: أنه خرج رواية: أنه لا يجب القود في صورة الإكراه على القتل إلا على المكره، ولا على المكره، من الرواية التي يقول فيها: لا تقتل الجماعة بالواحدة لامتزاج الأفعال، فكذلك هنا وأولى لأن السبب غير صالح.
الحسين بن الهمذاني أبو عبد الله شمس الحفاظ:
له كتاب " المقتدى " في الفقه في المذهب.
ذكره ابن الصقال الحراني في رسالته المسماة ب " الإنباء عن تحريم الربا " .
وذكر: أنه ذكر في هذا الكتاب: أن العروض المحلى بأحد النقدين لا يجوز بيعه بأحدهما، قولا واحدا. وهذا موافقة لطريقة ابن أبي موسى وغيره. ولا أعلم من حاله غير هذا.
المبارك بن عبد الملك بن الحسين البغدادي، الحريمي، الفقيه، الإمام أبو علي، المعروف بابن القاضي:
تفقه في المذهب وبرع فيه. وسمع في حال كبره من غير واحد. وكان من أكابر الفقهاء.
تفقه عليه جماعة. ولا أعلم سنة وفاته.
وله ابن يقال له: أبو منصور عبد الملك كان موصوفا بالصلاح والخير. ولي القضاء بمدينة المنصور بالحريم الطاهري.
وسمع من أبي منصور القزاز، وأبي البدر الكرخي وطبقتهما، وحدث.
وكان مولده سنة ثمان وعشرين وخمسمائة.
وتوفي في عشرين ذي الحجة سنة تسع وستمائة. ودفن بباب حرب.
سمع منه النجيب الحراني. وسيأتي عنه حديث في ترجمة ابن الطلاية.
بقية وفيات المائة السادسة
من سنة 541 ه - إلى سنة 600 ه
عبد الله بن علي بن أحمد بن عبد الله البغدادي
المقرىء النحوي الأديب الزاهد أبو محمد، سبط أبي منصور الخياط: ولد ليلة الثلاثاء سابع عشرين شعبان سنه أربع وستين وأربعمائة.
وتلقن القرآن من شيخه أبي الحسن بن الفاعوس، وقرأ بالروايات على جده أبي منصور الزاهد، والشريف عبد القاهر العباسي، وابن سوار: وجماعة.
وسمع الحديث الكثير من أبي الحسين بن النقور، وأبي منصور بن عبد العزيز، وطراد، وغيرهم.
وقرأ الأدب على أبي الكرم بن فاخر، وبرع عليه في العربية واللغة، وقرأ عليه كتاب سيبويه، وتصانيف ابن جني. وصنف في القراءات كتبا وقصائد، وأم بمسجد ابن جردة وأقرابه، من سنة سبع وثمانين وأربعمائة إلى وفاته، وختم ما لا يحصى.
وقرأ عليه بالروايات خلق كثير. آخرهم موتا تاج الدين زيد بن الحسن الكندي.
وسمع منه الحديث خلق كثير من الحفاظ وغيرهم، منهم: ابن ناصر، وابن السمعاني، وابن الجوزي. وكان أكابر العلماء وأهل بلده يقصدونه.
قال ابن الجوزي: قرأت عليه القرآن والحديث الكثير، ولم أسمع قارئا قط أطيب صوتا منه، ولا أحسن أداء على كبر سنه، وجمع الكتب الحسان. وكان كثير التلاوة، لطيف الأخلاق، ظاهر الكياسة والظرافة، وحسن المعاشرة للعوام والخواص.
وقال أيضا: كان قويا في السنة. وكان طول عمره منفردا في مسجده.

(1/84)


وقال ابن السمعاني: كان له معرفة بالنحو واللغة، متوددا متواضعا، حسن القراءة والتلاوة في المحراب، خصوصا في ليالي رمضان، يحضر الناس عنده لاستماع قراءته. وصنف تصانيف في القراءات وعلوم القرآن، وخولف في بعضها، وشنعوا عليه. وسمعت أنه رجع عن ذلك. والله تعالى يغفو لنا وله وكتبت عنه وعلقت عنه من شعره.
وقال ابن شافع: سار ذكر سبط الخياط في البلاط والأغوار والأنجاد ورأس أصحاب الإمام أحمد، وصار أوحد وقته ونسيج وحده، لم أسمع في جميع عمري من يقرأ الفاتحة أحسن ولا أوضح منه. وكان جمال العراق بأسره. وكان ظريفا كريما لم يخلف مثله في أكثر فنونه.
ولصدقة بن الحسين في مدحه:
يا قدوة القراء والأدبا ... ومحجة الفقهاء والعلما
والعالم الحبر الإمام من سمى ... بالعلم مرتبة على الجوازا
وقال ابن نقطة: كان شيخ العراق يوجع إلى دين وثقة وأمانة. وكان ثقة صالحا من أئمة المسلمين.
وقال الذهبي في طبقات القراء: صنف التصانيف المليحة في القراءات، مثل " المبهج " و " الكفاية " و " القصيدة المتحدة " و " الروضة " و " الإيجاز في السبعة " و " المؤيدة للسبعة " ، و " الموضحة في العشرة " و " الاختيار " و " التبصرة " وغير ذلك.
وله شعر حسن كثير، فمنه ما أنشده ابن السمعاني عنه:
يا من تمسك بالدنيا ولذتها ... وجد في جمعها بالكد والتعب
هل لا عمرت لدار سوف تسكنها ... دار القرار وفيها معدن الطلب؟
فعن قليل تراها وهي دائرة ... وقد تمزق ما جمعت من نشب
ومنه قوله:
ومن لم تؤدبه الليالي وصرفها ... فما ذاك إلا غائب العقل والحس
يظن بأن الأمر جار بحكمه ... وليس له علم: أيصبح أم يمسي؟
وقوله:
إذا كان أمر الله في الخلق نافذا ... ومقدوره فيهم يقيم ويقعد
فلا ينفع الحرص المركب في الفتى ... ولا أحد فيه يحل ويعقد
وقوله:
أيها الزائرون بعد وفاتي ... جدثا ضمني ولحدا عميقا
سترون الذي رأيت من الموت ... عيانا وتسلكون الطريقا
وقال الحافظ الضياء المقدسي: أخبرنا أبو الفضل عبد الواحد بن سلطان ببغداد، أخبرنا محمد المقرىء، أجاز لهم، وأنشدنا لنفسه:
ترك التكلف في التصوف واجب ... ومن المحال تكلف الفقراء
قوم إذا امتد الظلام رأيتهم ... يتركعون تركع القراء
والوجد منهم في الوجوه محله ... ثم السماع يحل في الأعضاء
لا يرفعون بذاك صوتا مجهرا ... يتجنبون مواقع الأهواء
ويواصلون الدهر صوما دائما ... في البأس إن يأتي وفي السراء
وتراهم بين الأنام إذا أتوا ... مثل النجوم الغر في الظلماء
صدقت عزائمهم وعز مرامهم ... وعلت منازلهم على الجوزاء
صدقوا الإله حقيقة وعزيمة ... ورمحوا حقوق الله في الآناء
والرقص نقص عندهم في عقدهم ... ثم القضيب بغير ما إخفاء
هذا شعار الصالحين ومن مضى ... من سادة الزهاد والعلماء
فإذا رأيت مخالفا لفعالهم ... فاحكم عليه بمعظم الإغواء
وله أيضا:
الفقه علم به الأديان ترتفع ... النحو عز به الإنسان ينتفع
ثم الحديث إذا ما رمته فرج ... من كل معنى به الإنسان يبتدع
ثم الكلام فذره، فهو زندقة ... وخرقه فهو خرق ليس يرتقع
وله أيضا:
ظهرت في الأنام بدعة قوم ... جحدوا الله والقرآن المبينا
عطلوا وصفه، وحادوا عن الحق ... جميعا، وخالفوه يقينا
قال ابن الجوزي: توفي بكرة يوم الإثنين ثاني عشر ربيع الآخر سنة إحدى وأربعين وخمسمائة، وتوفي في غرفته التي في مسجده، فحط تابوته بالحبال من سطح المسجد، وأخرج إلى جامع القصر، فصلى عليه عبد القادر. وكان الناس في الجامع أكثر من يوم الجمعة ثم صلى عليه في جامع المنصور.

(1/85)


وقال: وقد رأيت أنا جماعة من الأكابر، لما رأيت أكثر جمعا من جمعه على تقدير الناس، من نهر معلى إلى قبر أحمد، وغلقت الأسواق، ودفن في دكة الإمام أحمد عند جده أبي المنصور.
أخبرنا أبو الفتح الميدومي - بفسطاط مصر - أخبرنا أبو الفرج عبد اللطيف بن عبد المنعم، أخبرنا الحافظ أبو الفرج عبد الرحمن بن علي، أخبرنا أبو محمد عبد الله بن علي المقرىء - بقراءتي عليه - أخبرنا الحسين بن أحمد بن محمد بن طلحة، أخبرنا أبو عمر بن مهدي، حدثنا المحاملي، حدثنا يوسف بن موسى القطان، حدثنا إسماعيل بن علية، حدثني علي بن المبارك عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن بشر بن سعيد عن زيد بن خالد الجهني قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من جهز غازيا فقد غزا، ومن خلفه في أهله فقد غزا " . أخرجه البخاري عن أبي معمر عن عبد الوارث، ومسلم عن أبي الربيع الزهراني عن يزيد بن زريع، كلاهما عن حسين المعلم عن يحيى بن أبي كثير.
دعوان بن علي بن حماد بن صدقة الجبائي
ويقال له: الجبي أيضا - نسبة إلى قرية بسواد بغداد عند العقر على طريق خراسان، المقرىء الفقيه الضرير أبو محمد: ولد سنه ثلاث وستين وأربعمائة بالجبة المذكورة.
وقدم بغداد فسمع بها من أبي محمد التميمي، وأبي عبد الله البسري، والحسين بن طلحة وثابت بن بندار، والصريفيني، وابن البطر، وابن السراج.
وقرأ بالروايات على الشريف عبد القاهر المكي، وابن سوار، وتفقه على أبي سعد المخرمي، وأحكم الفقه، وأعاد شيخه المذكور في درس الخلاف، وأقرأ القرآن، وحدث، وانتفع به الناس. قرأ عليه جماعة، وحدث عنه آخرون، منهم ابن السمعاني.
قال ابن الجوزي: كان خيرا دينا، ذا ستر وصيانة وعفاف، وطرائق محمودة، على سبيل السلف الصالح.
توفي يوم الأحد ساس عشر ذي القعدة سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة. ودفن من الغد بمقبرة أبي بكر - غلام الخلال - إلى جانبه.
قال ابن الجوزي: كتب إلي عبد الله الجبائي الشيخ الصالح، قال: رأيت دعوان بن علي بعد موته بنحو من شهر في المنام، وكأن عليه ثيابا بيضاء شديدة البياض، وعمامة بيضاء، وهو يمضي إلى الجامع لصلاة الجمعة، وقد أخذت يده اليسرى بيدي، ومضينا. فلما بلغنا إلى حائط الجامع، قلت له: يا سيدي، إيش لقيت. قال لي: عرضت على الله تعالى خمسين مرة، وقال لي: إيش عملت. فقلت له: قرأت القرآن وأقرأته. قال لي: أنا أتولاك، أنا أتولاك. قال عبد الله: فأصابني عن الوجد، وصحت وضربت بكفي اليمنى حائط الجامع ثلاث مرات، أتأوه وأضرب الحائط بكفي، ثم استيقظت.
صالح بن شافع بن صالح بن حاتم بن أبي عبد الله الجيلي الفقيه المعدل، أبو المعالي:
ولد ليلة الجمعة لست خلون من المحرم سنة أربع وسبعين وأربعمائة.
وسمع من أبي منصور الخياط، وابن الطيوري، وغيرهما. وصحب ابن عقيل وغيره من الأصحاب. وتفقه ودرس بالمسجد المعروف به بدرب المطبخ شرقي بغداد.
قال ابن المنذري في تاريخ القضاة: كان فقيها زاهدا من سروات الناس.
قال ابن الجوزي: كان من المعدلين، فجرت حالة أوجبت أن عزل من الشهادة.
وقال ابن المنذري: كان أحد الفضلاء الشهود. وحدث عنه الحافظان: أبو القاسم الدمشقي وأبو سعد السمعاني.
توفي يوم الأربعاء سادس عشر رجب سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة. وصلى عليه من الغد. وتقدم عليه في الصلاة ولده أبو الفضل أحمد صاحب التاريخ. ودفن في دكة الإمام أحمد رضي الله عنه. وذكر ابن الجوزي: أنه دفن على ابن عقيل.
المبارك بن كامل بن أبي غالب محمد بن أبي طاهر الحسين بن محمد البغدادي، الظفري المحدث، مفيد العراق، أبو بكر، ويعرف أبوه بالخفاف:
ولد يوم الخميس ثاني عشر ذي الحجة سنة خمس وتسعين وأربعمائة.
وقرأ القران بالروايات. وسمع الحديث الكثير. وأول سماعه سنة ست وخمسمائة، وعنى بهذا الشأن.
سمع من أبي القاسم بن بيان، وأبي علي بن شهاب، أبي طالب بن يوسف، وأبي سعد بن الطيوري، وابن شجاع الذهلي، وأبي الغنائم النرسي، وأبي الوفاء بن عقيل، وخلق كثير غيرهم.
قال ابن الجوزي وما زال يسمع العالي والنازل، ويتتبع الأشياخ في الزوايا وينقل السماعات، فلو قيل: إنه سمع من ثلاثة آلاف شيخ لما رد القائل. وجالس الحفاظ، وكتب بخطه الكثير، وانتهت إليه معرفة المشايخ، ومقدار ما سمعوا والإجازات.

(1/86)


وكان قد صحب هذا رست، ومحمود الأصبهاني، وغيرهما ممن يعنى بهذا الشأن، وانتهى الأمر في ذلك إليه، إلا أنه كان قليل التحقيق فيما ينقل من السماعات مجازفة لكونه يأخذ عن ذلك ثمنا، وكان فقيرا إلى ما يأخذ. وكان كثير التزويج والأولاد.
وقال ابن النجار: أفاد الطلبة والغرباء، وخرج التخاريج، وجمع مجموعات، منها كتاب " سلوة الأحزان " نحو ثلاثمائة جزء وأكثر، وحدث بأكثر ما جمعه، وبقليل من مروياته. وسمع منه الكبار والقدماء.
وكان صدوقا مع قلة فهمه ومعرفته، وخرج لنفسه معجما لشيوخه.
وقال: الذهبي سمع الكثير، كتب عن الجم الغفير، وأفاد الطلبة، وانتفع به خلق كثير.
توفي في يوم الجمعة تاسع عشر جمادى الأولى سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة ودفن بالشونيزية. رحمه الله تعالى.
عبد الله بن الحسن بن أحمد بن الحسن بن أحمد بن قثامى الحريمي الفقيه المعدل، أبو القاسم بن أبي علي:
ولد سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة.
وسمع من أبي نصر الزينبي، وأبي الحسين العاصمي، وأبي الغنائم بن أبي عنان، وثابت بن بندار، وغيرهم.
قال ابن الجوزي: كان صدوقا فقيها مفتيا مناظرا، وروى عنه حكاية في غير موضع من كتبه.
وسمع منه ابن السمعاني، وقال: فقيه فاضل على مذهب أحمد، حسن الكلام في المسائل، جميل الصورة، مرضي الطريقة، متواضع، كثير البشر راغب في الخير.
وقال ابن شافع: كان فقيها مفتيا مناظرا. صدوقا أمينا. ذكره شيخنا - يعني: ابن ناصر - وأثنى عليه.
روى عنه أحمد بن عبد الملك بن يوسف بن بانانة.
وتوفي يوم الجمعة سادس ذي القعدة سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة. ودفن من الغد بمقبرة باب حرب. رحمه الله تعالى.
عبد الله بن عبد الباقي بن التبان الواسطي
ثم البغدادي، أبو بكر الفقيه، ويسمى محمد وأحمد أيضا: قال ابن الجوزي: كان من أهل القرآن، وسمع من أبي الحسين بن الطيوري وتفقه على ابن عقيل، وناظر وأفتى ودرس. كان أميا لا يكتب.
توفي في شوال سنة أربع وأربعين وخمسمائة عن تسعين سنة. ودفن بمقبرة باب حرب. رحمه الله تعالى.
وقال ابن شافع: كان مذهبيا جيدا، وخلافيا مناظرا، ومن أهل القرآن. بقي على حفظه لعلومه إلى أن مات.
وذكر: أنه توفي يوم الخميس ثامن شوال المذكور، وله تسعون سنة أو أزيد.
وقال ابن النجار: درس المذهب على ابن عقيل حتى برع فيه. وكان يتكلم في مسائل الخلاف، ويفتي ويدرس.
سمع الحديث من أبي منصور الخياط، وابن الطيوري وأبي الحسن بن الدهان المرتب. وحدث باليسير.
وسمع منه المبارك بن كامل، وأبو الفضل بن شافع.
الجنيد بن يعقوب بن الحسن بن الحجاج بن يوسف الجيلي
الفقيه الزاهد، أبو القاسم بن أبي يوسف بن أبي علي: ولد سنة إحدى وخمسين وأربعمائة بتولم: من أرض جيلان. كذا ذكره ابن السمعاني عنه.
وذكر ابن شافع عنه: أنه ولد سنة خمسين. ثم قدم بغداد، وأقام بباب الأزج.
وقرأ الفقه على يعقوب البرزبيني، والأدب على أبي منصور بن الجواليقي.
وسمع الحديث من أبي محمد التميمي، أبي الحسن الهكاري، وأبي الحسن بن العلاف، ومن طلحة العاقولي، والقاضي أبي الحسين، وغيرهم. وحدث باليسير. وكتب بخطه الكثير من الفقه والأصول والخلاف والحديث والأدب.
وكان فاضلا دينا، حسن الطريقة. جمع كتابا كبيرا في استقبال القبلة ومعرفة أوقات الصلاة. ذكر ذلك ابن النجار.
وروى عنه ابن عساكر، والسمعاني، وقال: شيخ صالح حسن السيرة.
وقال أبو العباس بن لبيدة عنه: كان صادقا زاهدا ثبتا، لم يعرف عليه إلا خيرا.
قال: وتوفي يوم الأربعاء سادس عشري جمادى الآخرة سنة ستة وأربعين وخمسماية. وصلى عليه الشيخ عبد القادر بمدرسته. ودفن من يومه بمقبرة الجلبة. رحمه الله تعالى.
قرأت بخط أبي القاسم الجنيد بن يعقوب الجيلي في بعض تعاليقه في حادثة جاءت من بلد الهكار: قطعة جبل لرجل عليها شجر نابت، وتحتها أرض لرجل آخر مزروعة، انقطعت القطعة فسقطت على الأرض التي تحتها، فسترتها وصارت حاضنة لها، مانعة لصاحبها من زراعتها، والشجر بحاله ثابت في تلك القطعة لا يستضر ساحبها، لكن صاحب الأرض التي تحتها يستضر: ما الحكم في ذلك.

(1/87)


الجواب - وبالله التوفيق - : أنه يحتمل القيمة، لأنها صارت كالمستهلكة فهي كاللآلىء إذا ابتلعها عبده. انتهى. ولم يعز الجنيد هذا الجواب إلى أحد بعينه والظاهر: أنه جوابه بنفسه.
وفيما قاله نظر فإن جناية العبد تفارق بقية جنايات الأموال لأن العبد مكلف مختار، فلا تسقط جنايته وتتعلق برقبته، وإن لزم من ذلك فوات حق المالك. وهذا بخلاف جنايات البهائم فإنه لا يضمن مالكها إلا أن ينسب إلى نوع من تفريط في حفظها، على ما فيه من اختلاف وتفصيل.
وأما الجنايات الحادثة من أمواله التي لا حياة فيها: فلا ضمان عليه فيها إلا أن ينسب إلى نوع تفريط، مثل من مال حائطه إلى جاره أو إلى الطريق، فإنه إذا لم يعلم به فلا نعلم خلافا في أنه لا ضمان عليه، وإن علم وامتنع من النقض حتى سقط فأتلف، ففي وجوب الضمان عليه خلاف مشهور. فهذه الأرض الساقطة بسيل أو غيره على أرض الغير تشبه ما تلف بسقوط الجدار ونحوه.
وقد يقال: المتلف نوعان.
أحدهما: ما فات ولم يمكن إعادته من مال ونفس، فهذا الذي تكلم الفقهاء في ضمانه على ما سبق ذكره.
والثاني: ما هو باقي، ولكن المالك بينه وبين مالكه. فهذا يلزم المالك الذي حال ملكه بينه وبين مالكه: أن يخلي بين المالك ليأخذه. فإذا عجز فهل يقال: يلزمه ضمانه لحيلولة ملكه. فقد ذكره صاحب المحرر في مسودته على الهداية فيما إذا ابتلعت بهيمته جوهرة في حال لا يلزم المالك ضمان جنايتها: هل يلزمه هنا شيء أم لا. وبيض لذلك.
ولكن كلام ابن عقيل وغيره في مسألة من وقع في محبرته دينار لغيره بغير تفريط منه: أنه يلزمه بذلها للكسر مضمونة، ولا يلزمه أكثر من ذلك يدل على أنه لا يلزمه ضمان ما حال ملكه بينه وبين مالكه، وأنه لا يلزمه أكثر من بذل التسليم للمالك، ليخلص ملكه. وهذا يبقى الضمان عند العجز. وهو الأظهر.
ولو قيل: إنه يلزمه الأجرة مدة الانتفاع ببقاء أرضه على أرض غيره، إلحاقا بمن حمل السيل غراسه إلى أرض آخر.
قلنا: يلزمه الأجرة، وفيه نظر. والله أعلم.
والذي ذكره القاضي وابن عقيل فيمن ابتلعت بهيمته ما لا لغيره يبقى، كذهب وجوهر: فإن كان يلزمه الضمان وكانت مأكولة: فهل تذبح لاستخراجه. على وجهين للنهي عن ذبح الحيوان لغير مأكلة، وإن كانت غير مأكولة تعين الضمان، وإن لم تكن مضمونة عليه فلا ضمان.
ولكن قياس ما ذكر ابن عقيل في سقوط الدينار في المحبرة: أنه يخير مالك المال المبتلع بين أن يذبح المأكول ويضمن نقصه، وبين أن يتركه. والله أعلم.
عبد الملك بن عبد الوهاب بن عبد الواحد بن محمد علي الأنصاري الشيرازي
ثم الدمشقي، القاضي بهاء الدين بن شرف الإسلام ابن الشيخ أبي الفرج. وقد تقدم ذكر أبيه وجده: تفقه وأفتى ودرس وناظر. وذكره أبو المعالي حمزة بن القلانسي في ذيل تاريخ دمشق، فقال: كان إماما فاضلا، مناظرا مستقلا، مفتيا على مذهب الإمام أحمد وأبي حنيفة، يحكم عليه، ما كان عليه عند إقامته بخراسان لطلب العلم والتقدم. وكان يعرف اللسان الفارسي مع العربي. وهو حسن الحديث في الجد والهزل.
توفي يوم الإثنين سابع عشر رجب سنة خمس وأربعين وخمسمائة. وكان له يوم مشهود. ودفن في جوار أبيه في مقابر الشهداء - يعني: بالباب الصغير، وكثر الباكون حول سريره من العالم، والمثنون له والمتأسفون عليه. رحمه الله تعالى.
عبد الله بن هبة الله بن أحمد بن محمد السامري الفقيه، أبو الفتح:
ولد يوم الاثنين ثاني عشر ذي الحجة سنة خمس وثمانين وأربعمائة.
وسمع الكثير من أبي بكر الطريثيثي، وثابت بن بندار، والمبارك بن عبد الجبار، وأبي سعد بن خشيش، وجعفر السراج، وغيرهم.
وتفقه على أبي الخطاب الكلوذاني. وحدث باليسير، روى عنه جماعة.
توفي ليلة الإثنين ثالث عشر محرم سنة خمس وأربعين وخمسمائة. ودفن من الغد بمقبرة باب حرب.
أيوب بن أحمد بن تيموه الباجرائي
الفقيه الحنبلي. ويكتب بخطه: القاضي أيوب: قال ابن النجار: سمع ابن ناصر الدسكري. والقاضي أبا الحسين بن الفراء. وحدث عنه بأصبهان بيسير.
سمع منه أبو الكرم سعد بن الحسين بن ولاد المديني.
توفي في ذي القعدة سنة أربع وأربعين وخمسمائة.
قلت: ووجدت خطه كثيرا على كتب كثيرة من كتب الأصحاب، قرئت عليه، وحدث بالغيلانيات. سماعه من ابن الحصين.

(1/88)


الحسن بن محمد بن الحسين الراذاني
الأواني، ثم البغدادي، الفقيه الواعظ أبو علي الزاهد، ابن الزاهد أبي عبد الله. وقد تقدم ذكر أبيه: ولد أبو علي بأوانا، وسمع ببغداد من أبي الحسين بن الطيوري، من بيان وابن شهاب، وابن خشيش، ومن الحافظ بن ناصر، ولازمه إلى أن مات.
وتفقه على أبي سعد المخرمي، ووعظ تقدم. ولما توفي ابن الزاغوني أخذ حلقته بجامع المنصور في النظر والوعظ، وطلبها ابن الجوزي فلم يعطها لصغر سنه.
سمع منه ابن السمعاني، وقال: واعظ حسن السيرة متودد. وسمع منه أبو الحسن بن عبدوس الحراني الفقيه جزءا فيه أجوبة عن مسائل وردت من الموصل، تتضمن عدة مسائل من أصول الدين، أجاب عنها في كراس، بجواب حسن موافق لمذهب أهل الحديث.
وذكر عبد المغيث الحربي، في بعض مؤلفاته: فتيا من فتاويه، في تحريم السماع.
قال ابن الجوزي: توفي يوم الأربعاء رابع صفر سنة ست وأربعين وخمسمائة.
ودفن من الغد إلى جانب ابن سمعون بمقبرة الإمام أحمد. وكان موته فجأة ة فإنه دخل إلى بيته ليتوضأ لصلاة الظهر، فقاء فمات. وكان قد تزوج وعزم تلك الليلة على الدخول بزوجته.
وفي تاريخ ابن السمعاني وابن شافع: أنه توفي سادس صفر.
عبد الرحمن بن محمد بن علي بن محمد الحلواني
الفقيه الأمام أبو محمد بن أبي الفتح، وقد سبق ذكر أبيه: ولد سنة تسعين وأربعمائة.
تفقه على أبيه، وأبي الخطاب، وبرع في الفقه وأصوله، وناظر وصنف تصانيف في الفقه والأصول، منها: كتاب " التبصرة " في الفقه، كتاب " الهداية " في أصول الفقه.
رأيت بخطه ما يقتضي أن له تعليقة في مسائل الخلاف كبيرة، وله تفسير القرآن في إحدى وأربعين جزءا حدث به.
وروى عن أبيه، وعلي بن أيوب البزار، والمبارك بن عبد الجبار، والحسين الخلال، وأبي نصر بن ودعان، وغيرهم.
سمع منه يحيى بن طاهر بن النجار الواعظ، وغيره.
قال ابن شافع: كان فقيها في المذهب، يفتي وينتفع به جماعة أهل محلته.
وقال ابن النجار: كان موصوفا بالخير والصلاح والفضل.
وقال ابن الجوزي: كان يتجر في الخل، وينتفع به، ولا يقبل من أحد شيئا.
وتوفي في يوم الإثنين سلخ ربيع الأول سنة ست وأربعين وخمسمائة. وصلى عليه من الغد الشيخ عبد القادر بالمصلى القديم بالجلبة. ودفن بداره بالمأمونية.
وذكر الحافظ المنذري في التكملة في ترجمة ولده أبي عبد الله محمد بن عبد الرحمن الحلواني المتوفي سنة أربع عشرة وستمائة: أنه سمع بإشادة والده هذا من ابن المعالي بن السمين وغيره.
قال: ووالده أبو محمد عبد الرحمن كان من شيوخ الحنابلة وله معرفة بالفقه والتفسير، وحدث.
قال: والحلواني - بفتح الحاء المهملة وسكون اللام - وهذه النسبة إلى بيع الحلواء أو عملها.
قلت: المعروف أنه بضم الحاء، وما أظنه منسوبا إلا إلى حلوان البلد المعروف بالعراق.
محمود بن الحسين بن بندار أبو نجيح بن أبي المرجا بن أبي الطيب الأصبهاني
الطلحي، الواعظ المحدث: سمع الحديث الكثير، وطلب بنفسه وقرأ.
سمع بأصبهان كثيرا من يحيى بن منده الحافظ، ومن أبي الفتح أحمد بن محمد بن أحمد الحداد. ورحل إلى بغداد، وسمع بها من أبي الحصين، والقاضي أبي الحسين والطبقة. وكتب بخطه كثيرا. وخطه حسن متقن. ووعظ وقال الشعر.
وسمع منه يحيى بن سعدون القرطبي، حدث عنه أبو عبد الله محمد بن بكر الأصبهاني وغيره. وأجاز للشيخ عبد المغيث زهير وأولاده، ولأبي المعالي بن شافع وغيرهما.
وتوفي سنة ثمان وأربعين وخمسمائة - أظنه بأصبهان - رحمه الله.
قرأت بخطه في الإجازة: فليرووا عني بلفظة التحديث، وإن أرادوا بلفظة الإخبار.
قلت: وهذا وإن اشتهر عند المحدثين من المتأخرين إنكاره، كما أنكره الخطيب على أبي نعيم الأصبهاني، لكن هو قول طوائف من علماء الحديث.

(1/89)


وقد روي عن الإمام أحمد رضي الله عنه، أخبرنا أبو الفتوح الميدومي - بمصر - أخبرنا أبو الفرج الحراني، حدثنا أبو المعالي أحمد بن يحيى الخازن من لفظه ببغداد، حدثنا أبو الكرم المبارك بن الحسن الشهرزوري إملاء، قال: سمعت الإمام أبا محمد رزق الله بن عبد الوهاب التميمي يقول: حدثني عمي أبو الفضل عبد الواحد بن عبد العزيز التميمي قال: سمعت غلام الخلال يقول: سمعت الخلال يقول: قال الإمام أبو عبد الله أحمد رضي الله عنه لولده صالح: إذا أجزت لك شيئا فلا تبالي. قلت: أخبرنا أو حدثنا.
وروى الخطيب بإسناده عن أبي اليمان الحكم بن نافع قال: قال لي أحمد بن حنبل: كيف سمعت الكتب من شعيب بن أبي حمزة. قلت: قرأت عليه بعضا، وبعضا قرأه علي، وبعضا أجاز لي، وبعضا مناولة. فقال أحمد: قل في كل: أخبرنا شعيب. وقد روي هذا المذهب عن مالك، والحارث بن مسكين.
ذكره ابن الصلاح في كتابه عن الزهري ومالك وغيرهما من المتقدمين. وحكاه ابن شاهين عن طائفة من العلماء.
وذكر السلفي في مقدمته لإملاء الاستذكار: أن مذهب أبي عمر بن عبد البر وعامة حفاظ الأندلس: الجواز فيما يجاز قول حدثنا وأخبرنا، أو ما شاء المجاز مما يقرب منه. قال: بخلاف ما نحن وأهل المشرق عليه من إظهار السماع والإجازة، وتمييز أحدهما عن الآخر بلفظ لا إشكال فيه.
وقد صنف بعض المحدثين المتأخرين في جواز إطلاق: حدثنا وأخبرنا في الإجازة جزءا.
أحمد بن عبد الرحمن بن محمد بن نجا بن محمد بن علي بن محمد الأزجي، القاضي أبو علي بن شاتيل:
سمع من أبى محمد التميمي، ونصر بن البطر، وابن طلحة النعالي، وأبي بكر بن سوسين، وشيخ الإسلام الهكاري - وسمع منه سنة أربع وخمسين وأربعمائة. كذا ذكره القطيعي. وفيه نظر - وغيرهم.
وتفقه على أبي الخطاب الكلوذاني، وولي القضاء بربع سوق الثلاثاء مدة، ثم ولي قضاء المدائن.
ذكره ابن السمعاني، فقال: أحد فقهاء الحنابلة وقضاتهم. قال: وكتبت عنه يسيرا.
وذكر ابن القطيعي في تاريخه: أنه سمع منه جماعة. ثم روى عن أبي إسحاق الصقال الفقيه عنه.
وذكر: أنه توفي يوم السبت سابع عشر شعبان سنة ثمان وأربعين وخمسمائة.
رحمه الله تعالى.
أحمد بن أبي غالب بن الطلاية الحربي الزاهد، أبو العباس الوراق:
ولد بعد الستين وأربعمائة.
وقرأ القرآن. وسمع من أبي القاسم عبد العزيز بن علي الأنماطي جزءا من حديث المخلص، واشتهر به.
وسمعه منه خلق، فنسب الجزء إليه. وقد سمعناه. ثم اشتغل بالعبادة، ولازم المسجد يتعبد فيه ليلا ونهارا حتى انطوى من كثرة التعبد، فكان رأسه إذا قام عند ركبتيه.
قال ابن الجوزي: حدثني أبو الحسن بن غريبة، قال: جاء إليه رجل فقال: سل لي فلانا في كذا، فقال أحمد: قم معي فصل ركعتين، واسأل الله تعالى فإني لا أترك بابا مفتوحا وأقصد بابا مغلقا.
توفي ليلة الاثنين حادي عشر رمضان سنة ثمان وأربعين وخمسمائة. ودفن إلى جانب ابن سمعون بمقبرة الإمام أحمد، بباب حرب.
أخبرنا أبو الفتح الميدومي، أخبرنا أبو الفرج الحراني، أخبرنا القاضي أبو منصور عبد الملك بن أبي علي المبارك بن عبد الملك بن الحسن البغدادي الحريمي - ويعرف بابن القاضي، وقد سبق ذكر ترجمته في هذا الكتاب - أخبرنا أبو العباس ابن الطلاية، أخبرنا أبو القاسم الأنماطي، أخبرنا أبو طاهر محمد بن عبد الرحمن المخلص، حدثنا يحيى بن صاعد، حدثنا زياد بن يحيى، حدثنا مالك بن سعيد حدثنا الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من ستر على مسلم عورة ستره الله تعالى في الدنيا والآخرة - وذكر الحديث "
محمد بن ناصر بن محمد بن علي بن عمر السلامي
الفارسي الأصل، ثم البغدادي، الأديب اللغوي، الحافظ أبو الفضل بن أبي منصور: ولد ليلة السبت نصف شعبان سنة سبع وستين وأربعمائة. كذا ذكره ابن الجوزي وابن السمعاني عنه.
وفي تاريخ ابن النجار: ليلة الخميس، وكان والده شابا تركيا، محدثا فاضلا من أصحاب أبي بكر الخطيب الحافظ توفي في شبيبته. ومحمد جده اسمه " ابتغدى " وأبو جده على اسمه " تكين المضافري " التركي الحر.

(1/90)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية