صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر
المؤلف : المحبي
مصدر الكتاب : الوراق

[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

محمد بن عبد الغني بن مير بادشاه المعروف بغنى زاده وبنادري نادرة الروم وقاضي العسكر المشهور في الآفاق كان من الفضل في أعلى ذروة منه وهو أشهر موالي الروم في الذكاء والفطنة والنظم والنثر وبالجملة فهم ثلاثة اجتمعوا في عصر واحد من علماء الروم لم يتفق نظيرهم في عصر من العصور وهم حسين ابن أخي وصاحب الترجمة وابن عزمي لكن صاحب الترجمة أطولهم باعا في التحقيق ولطف الطبع والأخذ من الفنون بالنصيب الوافر وممن تخرج به الشهاب الخفاجي وكان لا ينفك عن مجلسه وله من المؤلفات حاشية على تفسير البيضاوي لم تتم وكلامه وفيها يدل على تحقيق عظيم وله من الآثار الأدبية تقريظ على كتاب في الفقه رأيته بخط بعض الأدباء فكتبته هنا وهو لما نظرت في الكتاب وجدته حديقة أنيقة شقائق حقائقها النعمانية لأزهار الحدائق الجنانية شقيقه تأصل فيها خلاف الأئمة فأخذ في النما حتى صار شجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السما امتدت أغصانه المختلفة في الآفاق فأضلت الأنام حيث ظلت ملتفة الأوراق وغردت ساجعات قلم الفتوى على ما هو الأصح من أغصانه المختلفة والأقوى ولله در من غرسه في مقامه وأمده برشحات مراعف أقلامه جعل الله تعالى سعيه مشكورا وصير عمله بالبر الأخروي مبرورا وكان يرمى بتعاطي المدام واتفق له من النكات البديعة أن أحمد باشا الحافظ كان حاكم البحر فاجتمعا وتذاكرا شيئا من مباحث التفسير وكان ابن عبد الغني إذ ذاك مشتغلا بتحشية التفسير فقال له الحافظ ما كتبت على قوله تعالى يسئلونك عن الخمر والميسر فقال الآن أنا أكتب على قوله تعالى ظهر الفساد في البر والبحر وحكي أنه قال له شيخ الإسلام يحيى بن زكريا بلغني عنك أنك تستعمل الخمرة وتبعث بعض غلمانك إلى الحانة ليأتيك بها وهذا لا يليق بشأنك فقال له أما الشأن فلست في شأنه وأما قولك إني أبعث بعض غلماني فلا كان ذلك لأن الله جعل لي رجلين فأنا أسعى إلى الحانة وأشربها في محلها وهذا من باب الغلو في المداعبة وإلا فقدره يجل عن كل هذا وينقل عنه في هذا الباب أشياء غريبة أخر ولعلها مصنوعة وقد ولي مناصب عديدة منها قضاء قسطنطينية وقضاء العسكرين ولشعراء عصره فيه مدائح كثيرة ويعجبني منها قصيدة كان أحمد ابن شاهين الدمشقي مدحه بها وهو بالروم يهنيه بقضاء العسكر ومطلعها:
بنا منك ما بالربع من وجد مغرم ... سوى أننا نشكو ولم يتكلم
شكونا له وهنا فظلت ركابنا ... تميد بنا أكوارهن وترتمي
ورحنا نواليه بصوب غمامة ... من الدمع تغنى عن سمال وزمزم
هي الدار دار المالكية والهوى ... تجل بأن توطا بخف ومنسم
سقى الله أياما صحبت بربعها ... جآذر بانت في عرينة ضيغم
غرمت شبابي والشباب تعلة ... ولكن من يشرب هوى الغيد يغرم
وما الشيب شيب العارضين وإنما ... هي النفس شابت بين جنبي فاعلم
هرمت ولم يعل المشيب عوارضي ... ولكن من يهجر وعيشك يهرم
على أنها الأيام تلعب بالفتى ... فتحزن مسرورا وتلهو بمغرم
لحا الله ذي الدنيا حديثا لسامر ... ونصرا لمظلوم ويسرا لمعدم
طلبنا بها مقدار همات صدرنا ... فضاقت كما ضاق البخيل بدرهم
ولو أن كفى قد أمطيت بهمتي ... لطال إلى نيل السماكين معصمي
يقول في مديحها:
فيا عالما في ثوبه كل عالم ... وما الدهر إلا في مقام التعلم
ليهن قضاء الروم حين وليته ... ببسطة علم مثل رأيك محكم
ويهن بني الدنيا جميعا فإنهم ... لقوك وقد وافوا الأعظم متعم
فلله أقلام بكفك أصبحت ... تجول بتفسير الكتاب المكرم
ولله هذا السعي إذ رحت منشيا ... لحاشية قد أوضحت كل مبهم
وأبرزت للقرآن كل خفية ... ترد إلى عقل رصين محكم
جبلتك العلياء وهي شريفة ... لآدم باستحقاق علمك تنتمي
فأنت صفى جئت من خير صفوة ... كأنك من نور خلقت مجسم

(2/433)


ولها تتمة طويلة وقد اكتفينا بزبدتها وكانت وفاة صاحب الترجمة في سنة ست وثلاثين وألف.
محمد بن عبد القادر بن أحمد بن أبي بكر بن اسرائيل بن إسمعيل بن محمد بن عمر اليمني ذكره الشلي في تاريخه المرتب على السنين وقال في وصفه الإمام العلامة الذي ظهر شرفه وعلت غرفه وأنبأ عن جوهر كلمه صدفه صنف عدة كتب في فنون كثيرة منها تفسير غريب القرآن سماه شذور الإبريز في لغات الكتاب العزيز وهو كتاب يعجز الواصفون عن وصف جماله وتعشى العيون من شمس كماله وله رسالة في القهوة ورسالة في علم المساحة سماها المشمة النفاحة بتحقيق المساحه جمع فيها الكثير المتفرق من الكتب في هذا الفن على أقصد سبيل وأقرب مأخذ وله نظم حسن ورد على الشيخ محمد بن عمر بحرق في قصيدة له في السلطان بدر الكثيري في قوله وكأنما أنصارك الأنصار فقال صاحب الترجمة: أنقيس غفلا جاهلا بنبينا ومن نظمه في القهوة:
يا شاعر أفاق في أقواله الشعرا ... أبدي لنا من قوافي نظمه دررا
أطربتني إذ وصفت القاف تتبعه ... هاء وواء وهاء بعده زبرا
حققت في وصفها وصفي كفى ورقا ... بل قد شفى وجلا عن قلبي الكدرا
فإنها قوة مهما حذفت لها ... هاء تبين ذا من في الأنام قرا
لذاك ناسبها في ذكرك اسم قوى ... موافقا عدها فاعدده واعتبرا
بقافها قويت أعضاء كل فتى ... وهاؤها لهدى والواو منه جرا
فاشرب هنيئا فما في ذاك منقصة ... كلا ولا حرمة تخشى بها ضررا
وله غير ذلك وكانت وفاته يوم الأربعاء لثنتي عشرة بقيت من رجب سنة خمس عشرة وألف ودفن بروضة بني اسرائيل.
محمد بن عبد القادر المنعوت شمس الدين الشهير بالحادي الصيداوي الشافعي مفتي صيدا الفاضل الأديب المشهور له ألحان الحادي بين المراجع والبادي وضعه على أسلوب الحان السواجع للصلاح الصفدي قال في خطبته بعد أن ذكر أنه وقف على كتاب الصلاح فتحركت القريحة لجمع ما هو كالشريد وإن كان بين المقامين بون بعيد والفضل للسابق على كل تقدير وأجر اللاحق له من غير تقتير لكن الشيخ صلاح الدين افتقر لذكر السواجع للألحان والحادي غني بألحانه عن تحريك العود من الأغصان وشتان بين من يتصرف بأنواع فنون نغماته من الإنسان وبين مغردة تفتقر في تحريك ألحانها إلى سكون فنن من الأفنان قلت وقد وقفت على هذا الكتاب وطالعته مرارا فلم أجد فيه كبير فائدة سوى أنه ذكر مشايخه الذين أخذ عنهم بالشأم منهم بالشمس بن المنقار وجدى القاضي محب الدين والملا أسد الدين بن معين الدين التبريري والشمس محمد الداودي والشهاب العيثاوي والشمس الميداني وأضاف إليهم بعض أدباء راسلهم وراسلوه وقد استوعبت شعره الذي ذكره فيه فلم أر له أجود من قوله من قصيدة راسل بها الشيخ الإمام حسن جمال الدين الصيداوي مستهلها:
إذا أنكرت دعوى المحب شهوده ... فحسبي أني في الغرام شهيده
فلله شوقي لا يقر قراره ... من البعد حتى ماله من يعوده
وقد مله عواده وهو مدنف ... حليف جوى صب الفؤاد عميده
رعى الله أياما تقضت بقربهم ... ومن لي بذاك القرب من ذا يعيده
أيا عاذلي عمن نعيمي وعده ... وحر حجيمي بعده ووعيده
ولم يتلطف بالوصال لمغرم ... وقد طال منه هجره وصدوده
فهذا ملامي مسمعي لا يريده ... وهذا غرامي لا أزال أروده
وإن كان دهري قد يجوز زمانه ... تخلصت منه بالذي عم جوده
فراجعه بقصيدة اخترت نسيبها ومبدؤها:
مريض هواكم مله من يعوده ... فعصر التداني ماله من يعيده
أقمتم على هجري وإني على الولا ... مقيم وعندي كل آن مزيده
بماذا استجتم ضر صب بحبكم ... غدا عد ما بين الأنام وجوده
كساه النوى ثوب اكتئاب وحسرة ... مدى العمر لا يبلي لديه جديده
فإن شئتمو عودوا على من غرامه ... قضى بعناه والدموع شهوده
وحاشاكمو أن لا تجودوا الطالب ... إلى نحوكم في الدهر سارت وفوده

(2/434)


وما هو باق ما يقيم على الذي ... عهدتم ولو زالت لديكم عهوده
فيا عاذلي ما عادلي الآن مسمع ... بما نالني والصبر حلت عقوده
وما أنا ممن قد شكى حكم دهره ... بضد الذي يرجو به ويريده
وقد حق شكري حيث قد صار مسكنا ... فؤادي لمولى أخجل اليم جوده
وذكر في ترجمة شيخه الشمس الداودي أنه ختم عليه قراءة شرح المحلى على المنهاج فعمل دعوة حضرها جمع من العلماء والأدباء فأنشد بعضهم:
ويوم قد قطعناه سعيد ... لجيد الدهر قد أضحى محلى
بروض زاهر جنبات نهر ... ومأكول ومشروب محلى
قطعناه بقرآن وذكر ... وإخوان حووا أسنى محلى
وكان ختامه مسكا فقالوا ... كذلك فليكن ختم المحلى
وكان كثير النظم وله في عمل الألغاز وحلها اليد الطولي ومتى كتب إليه شيء منها حله في وقته وكتب الجواب وكان لطيف المحاضرة لذيذ الصحبة ممتع المؤانسة وكان رؤساء الشأم يميلون إليه جدا وبعدونه ريحانه الندماء ويعاشره منهم من تطيب عشرته وتلين قشرته ولهم معه نكات تجري بينهم ومقاصد لا يغضب منها ولا يتألم ولو كانت سبا حكى أنه دخل على بعضهم وكانت المائة العاشرة تمت ودخلت المائة الحادية عشر فقال ذلك الرئيس قد خلصنا من القرن العاشر وهذا القرن الحادي قد أقبل واتفق له أنه اجتمع عنده في حجرة له بأحد مساجد صيدا عشرون شخصا من أصحابه فجاء أحد الشعراء ممن كان يألفهم فلما وجدهم خرج وكتب على باب الحجرة:
أحد وعشرون لقد جمعوا ... كلهم في خلوة الحادي
فقاتل العشرين رب السما ... ولعنة الله على الحادي
وله لطائف من هذا الباب كثيرة فمن ذلك ما كتبه إلى أبي اللطف بن محمد الخوجي يطلب منه شدا:
يا أبا اللطف أن فضلكم ... ليس يحصى بكثرة العد
شد وسطي بما ترى كرما ... ولا تماطل فكثرة الشد
فسير له شدا وأرسل له هذا المقطوع في كتاب وهو قوله:
مقصد ذا العبد من تفضلكم ... من دون من قبول ذا الشد
قد سدت فضلا وشدت كل علا ... وقد شددت القلوب بالود
وله غير ذلك وكانت وفاته بمدينة صيدا في سنة اثنتين وأربعين وألف وصيدا معروفة وهي مدينة بساحل البحر الرومي بينها وبين دمشق ستة وثلاثون ميلا سميت بصيدون بن صدفا بن كنعان بن حام بن نوح النبي عليه السلام وهو أول من عمرها وسكنها وقال في الروض المع طار سميت بامرأة وقياس النسبة إليها صيداوي بفتح الصاد المهملة كما هي مفتوحة في المفرد والعامة تكسرها فكسرها من غلط العوام.
محمد حجازي بن عبد القادر بن محمد الشهير بابن قضيب البان الحلبي الحنفي نقيب حلب كان عالما فاضلا جسورا كثير العرفان فصيح اللسان في اللغات العربيه والفارسيه والتركيه وكان ذا همة علية مغبوطه ويد للخيرات مبسوطه ولي بعد أبيه نقابة الأشراف بحلب مدة وقصدته الناس في المهمات ثم سلك طريق الموالي ووجه إليه قضاء أريحا على طريق التأييد وأعطى رتبة القدس ورأس في حلب وكان ينظم الشعر وشعره لا بأس به فمن ذلك من قصيدة يمدح بها البهائي المفتي المقدم ذكره لما كان قاضيا بحلب ومستهلها:
ألا منجدا في أرض نجد من الوجد ... فما عند أهليها سوى لوعة تجدي
وقفت بها مستأنسا بظبائها ... كما يأنس الصب المتيم بالوجد
أسائل عمن حل بالجزع والحمى ... وأنشد عمن جاز بالأجرع الفرد
خليلي إن الصدر ضاق عن الجوى ... فلا تعجبا من طفرة النار في الزند
قفي الجسم من سعدي جروح من الأسى ... وفي القلب من أجفانها كل ما يعدى
بثغر يزيد الوقد من خمرة اللمى ... وصدغ يثير الوجد من جمرة الوجد
تقرب لي باللحظ ما عز دركه ... وتنفر عمدا كي تصاد على عمد
تلاعب في عقل الفحول بطرفها ... ملاعبة الأطفال من غرة المهد
رمت مهجتي أهدابها عن تعمد ... نبالا فزادت من توقدها وقدي

(2/435)


دنوت إليها وهي لم تدر ما الهوى ... وما علمت ما حل بي من هوى نجد
فقلت أمالي من رضا بك رشفة ... معللة أروى بها غلة الوجد
وهل للتداني ساعة أستمدها ... وأبذل في انجاز وصلتها جهدي
فقالت أما يكفيك وعدي تعلة ... لقلبك فاقنع يا أخا الود بالوعد
ولا ترج مهما تقصد النفس نيله ... فإن الرزايا في متابعة القصد
ولا تستمح من كل خدن وصاحب ... إخاء فقد يفضي الإخاء إلى الزهد
فما كان إنسان تراه مهذبا ... ولا كل خل صادق الوعد والعهد
ولا كل نجم يهتدي بضيائه ... ولا كل ماء طيب الطعم والورد
ولا المسك في كل المهاة محله ... ولا ريح ماء الورد من عاصر الورد
ولا فضل مولانا البهائي محمد ... كفضل الموالي السابقين على حد
وقوله من أخرى في مدح البهائي المذكور:
قطب السماء هو الطريق الأقصد ... دارت عليه نجومه والفرقد
والمشتري والزهرة الزهراء في ... أوج السعود هبوطها والمصعد
والشمس ما شرفت على أقرانها ... إلا بنسبته إليها العسجد
والله لا تحصى شؤون كماله ... فالويل ثم على الذي لا يشهد
ولقد أبيت الدهر غير مغادر ... في حالة منها أقوم وأقعد
فسألته من بالحمى فأجابني ... مفتي الأنام أبو البهاء محمد
وقوله من الصهباء وتعليل نشأتها:
لا ترض بالإضرار للناس ... إن رمت أن تنجو من الباس
وانظر إلى الخمر وما أوقعت ... في شاربيها بعد إيناس
لما رضوا في دوسها عوقبوا ... بضربة منها على الرأس
وله غير ذلك وكانت ولادته بمكة المكرمة سنة إحدى بعد الألف وتوفي بحلب في صفر سنة تسع وستين وألف.
محمد بن عبد اللطيف بن محمد محب الدين بن أبي بكر تقي الدين ابن عم أبي المحبي الخلوتي الدمشقي الحنفي المعروف بشقير كان من الفضلاء المشار إليهم بالنباهة والبراعة وكان قوي الحافظة للمسائل والشعر والأخبار حسن الصحبة كثير العبادة والمطالعة لكتب التفسير والتصوف وله رسائل وتحريرات على مواطن من التفسير لطيفة قرأ على الشيخ عبد اللطيف الجالقي وعلى المفتي فضل الله بن عيسى البوسنوي والمولى يوسف بن أبي الفتح وأخذ عن جماعة كثيرين منهم العمادي المفتي والنجم الغزي والفتح البيلوني والشيخ علي القبردي الصالحي ولزم الشيخ أحمد العسالي وأخذ عنه طريق الخلوتية وداوم على قراءة الأوراد ودخل معه الخلو مرات عديدة وسافر إلى القدس والقاهرة وحج من طريق مصر في صحبة الأمير رضوان أمير الحاج المصري وحكى عن نفسه مرات أنه من حين خرج من مصر في صحبته إلى أن عاد إليها لم يصرف سوى قرش واحد وهبه للجمال وسببه محبة الأمير المذكور له وتقيده به ثم قدم إلى دمشق وأقام بخلوة له في مدرسة الكلاسة وعمرها عمارة فائقة وحببت إليه العزلة واستمر عمره كله مجردا وكان سمته غريبا لا يشبه أحدا وكان نديم الرؤساء والكبراء يحاضرهم أحسن محاضرة ويورد النكات البديعة والأشعار اللطيفة ويحسن اللغة التركية جدا وكان مغرما بالجمال ومضى عمره كله في نشاط وسرور فلم ير إلا مسرورا متبسما وكان سخيا متعبدا يصوم غالب الأيام وله شعر كثير في لسان القوم وبينه وبين أدباء عصره مراسلات من ذلك ما كتبه إلى الأديب محمد بن يوسف الكريمي ملغزا في غزال:
نراجع في الفضل أهل الكلام ... ونأخذ عن كل حبر همام
ونسأل من ساحة الأكرمين ... ونخضع للمجد لا للأنام
فنتبع من رفعته النفوس ... ونترك من قدمته اللئام
فأختار طورا زوايا الخمول ... وطورا أحب الأمور العظام
تراني على كل حال أرى ... أسير الهوى ومليك الغرام
وما جرعة الحب إلا المنون ... وما لوعة الهجر إلا الهيام
وما راحة العشق إلا العنا ... ولا صحة الصب إلا السقام

(2/436)


ولي حسرة بعد أخرى لها ... زفير وليس له انحسام
يذيب الحشا ويثير الشجون ... بنار غدا وقدها كالضرام
وهل للهوى غير من ذاقه ... فنشكو له مر سمع الملام
ولا كل من غاص بحر الهوى ... حوى من جواهره باغتنام
ولا كل من قد سما في العلوم ... يقرر مشكلها عن إمام
فذاك هو الندب بدر العلوم ... ومن نوره لم يزل في التمام
كخلي الكريمي من فضله ... تلفعه يافعا باهتمام
مهذب أخلاق أهل الوفا ... حفيظ لعهد التقي والذمام
وجامع آداب أهل النهي ... وباني بيوت المعالي الفخام
وفي كل فن تراه له ... نصيب وحظ أبي الانقسام
فيوضج من مشكلات العلوم ... بفكر خلا ضوءه من ظلام
فنظم القريض يرى دونه ... عصامي طبع شريف المقام
يشابه للدر في سلكه ... ويحوي اشارات طعن السهام
فلو رام سحبان ألفاظه ... لقصر في رقة الإنسجام
ويهفو جرير لتقبيلها ... ويعجز عن مثلها في النظام
فيأيها الخدن شمس العلى ... وجرثومة الفخر نسل الكرام
فما اسم رباعي إذا ما بدا ... فنعتا يرى في مجاز الكلام
فآونة تلقه في العلا ... وفي الأرض طورا بحول الأكام
ثلاثة أرباعه إن قلبت ... هي اسم لما بدؤه في انعدام
وإن لم ترد قصد تقليبها ... فمعناه في الحرب بادي اللثام
وأيضا يرادف معنى الذهاب ... إذا كان عن بدئه في انفصام
ونصف له بعد تصحيفه ... حرى به من له احترام
وباقيه بالقلب لا يقتضي ... لا ثبات شيء وأمر يرام
فأنعم بحل رموزي التي ... لها الفكر في حيرة واصطلام
وألغز لنا ما بدا في الجواب ... وبين لنا قصدنا والمرام
ودم وابق في سودد سرمدا ... مدى الدهر ما ناح ورق الحمام
فأجابه بقوله:
أزهر الربى كللته الغمام ... أم الزهر ساطعة في الظلام
وهل ما أرى حببا رائقا ... بكاس طلا حسن الانتظام
أم البرق أم درر نظمت ... أم افتر ثغرك عند ابتسام
أيا بدر تم غرامي به ... قديم أكيد وحق الغرام
ويا ريم أنس لجراه لم ... يعد لي سوى سقمي من مرام
يماني لحظك هلا نبا ... وخطى قدك هلا استقام
ويا ممرض القلب من هجره ... وبالجسم يا مورثا للسقام
ويا تاركي مثلا في الهوى ... أفديك جد وارع لي في الذمام
رضينا الهوى حاكما بيننا ... أحل من المغرم الانتقام
وجد بالنهي شرط أحكامه ... وأي حجي كان للمستهام
أخي لظمك العذب هاج الجوى ... القديم وذكرني بالهيام
ولم أنس قط ولكنما ... التذكير يذكي خفي الضرام
فدار الهوى ما نحاها مزاج ... عليل كجسمي إلا استقام
سقاها الرضا من ربوع غدا ... خلال خباها لغيري حرام
مغاني المنا وديار الشفا ... ومأوى الغريب ودار السلام
لقد رمت أدرك في وصفها ... مدى عاقني عنه ضيق المقام
وحلى امتثالا للغز حوى ... قوافي رقت وحسن انسجام
لخدني الذي فضله شامل ... وبادلنا بين خاص وعام
محبي نجار وحبي له ... بصدق لفضل له مع نظام
أبو الفضل حاوي العلا ماجد ... وندب أهالي العلوم الكرام
وذو الأدب الرائق المشتهي ... وبين ذويه أمير الكلام

(2/437)


وحاوي الفضائل والمكرمات ... ومن هو في كل فن إمام
بهرت بلغزك عقلي وكم ... فتى فيه مثل مسماه هام
قريب بعيد تحار العقول ... به وحلال وفاه حرام
هو الشمس للعين من حسنه ... ضياء إذا ما المذاق استقام
رباعي حروف ومنطوقها ... مع اثنين عشر حروف تمام
ثلاثة أرباعه فعله ... بعينيه في المغرم المستهام
بغير استوا قلب أرباعه الث ... لاثة ما قلت يا ابن الهمام
وزال يرادف معنى الذهاب ... مرادا به وصف نفي المرام
وإن حرف النصف منه يع ... د مصحفه العز والاحتشام
ولا قلب باقيه يا سيدي ... نعم وسلمت لنا والسلام
وهذا هو الجهد في حل ما ... أمرت وإلا فيأتي الكلام
بقيت مفيدا لنا دائما ... فرائد باهرة الانتظام
مدى الدهر ما نفر الريم عن ... متيمه ناقضا الذمام
وكانت ولادته صاحب الترجمة في سنة ثمان عشرة وألف وتوفي في صفر سنة اثنتين وسبعين وألف ودفن على أبيه بمقبرته التي أنشأها بالقرب من جامع جراح.

(2/438)


محمد بن عبد الله بن أحمد الخطيب ابن محمد الخطيب ابن إبراهيم الخطيب ابن محمد الخطيب التمرتاشي الغزي الحنفي المذهب رأس الفقهاء في عصره كان إماما فاضلا كبيرا حسن السمت جميل الطريقة قوي الحافظة كثير الإطلاع وبالجملة فلم يبق في آخر أمره من يساويه في الدرجة أخذ ببلده أنواع الفنون عن الشمس محمد بن المشرقي الغزي مفتي الشافعية بغزة ثم رحل إلى القاهرة أربع مرات آخرها في سنة ثمان وتسعين وتسعمائة وتفقه بها على الشيخ الإمام زين بن نجيم صاحب البحر والإمام الكبير أمين الدين بن عبد العال وأخذ عن المولى علي بن الحنائي قاضي القضاة بمصر ورجع إلى بلده وقد رأس في العلوم وقصده الناس للفتوى وألف التآليف العجيبة المتقنة منها كتابه تنوير الأبصار وهو متن في الفقه جليل المقدار جم الفائدة دقق في مسائله كل التدقيق ورزق فيه السعد فاشتهر في الأفاق وشرحه هو الشرح المسمى بمنح الغفار وهو من أنفع كتب المذهب واعتنى بشرحه جماعة منهم العلاء الحصكفي مفتي الشأم والملأ حسين بن اسكندر الرومي نزيل دمشق والشيخ عبد الرزاق مدرس الناصرية الجوانية بدمشق وكتب علينا شيخ الإسلام بالديار الرومية وهو المولى محمد الأنكروي كتابات في غاية التحرير والنفع وكتب على شرح مؤلفه شيخ الإسلام خير الدين الرملي حواشي مفيدة وله من التآليف في الفقه شرح الكنز وصل فيه إلى كتاب الإيمان وقطعة من شرح الوقاية وحاشية على الدرر والغرر وصل فيها إلى نهاية كتاب الحج وله منظومة وشرحها وكتاب معين المفتي على جواب المستفتي في مجلد كبير وجمع مجلدين من فتاويه وله رسائل كثيرة منها رسالة في خصائص العشرة المبشرين بالجنة ورسالة في بيان جواز الاستبانة في الخطبة وكتاب مسعف الحكام على الأحكام ورسالة في بيان أحكام القراءة خلف الإمام ورسالة النفائس في أحكام الكنائس ورسالة في عصمة الأنبياء ورسالة في دخول الحمام ورسالة في الجويز ورسالة في مسح الخفين ورسالة في النقود ورسالة في أحكام الدروز والإرفاض وكتاب شرح مشكلات وردت عليه من الفروع والأصول وله في الأصول كتاب الوصول إلى قواعد الأصول وقطعة من شرح المنار إلى باب السنة وشرح مختصر المنار في مجلد وفي الكلام اللامية يقول العبد وشرح مختصر المنار في مجلد وفي الكلام شرح اللامية يقول العبد وشرح زاد الفقير للكمال بن الهمام سماه إعانة الحقير ومنظومة في التوحيد وشرحها وله رسالة في التصوف ورسالة في علم الصرف وكتاب شرح العوامل للجرجاني في النحو وقطعة من شرح القطر وصل فيه إلى إعمال اسم الفاعل وانتفع به جماعة منهم والده صالح ومحفوظ والشيخان الإمامان أحمد ومحمد ابنا عمار ومن ومن أهالي القدس البرهان الفتياني المؤلف والشيخ عبد الغفار العجمي وغيرهم وذكره جدي القاضي محب الدين في رحلته إلى مصر ووصفه بأوصاف جليلة وذكر ما وقع بينهما من المحاضرة قال ثم اتسعت معه دائرة المخاطبة واستطرد القول بطريق المناسبة إلى ذكر رحلته إلى بلدتنا حماة المحروسة وتغزل لنا بوصف ما فيها من تلك الأماكن المأنوسة ثم سألني عمن يعهده فيها من أفاضل الأصحاب فكان سائل دمع مقلتي الجواب ثم حدثنا بكثير من حسن المحاضرات ولطيف المحاورات التي كانت تصدر بيته وبين فاضلها المرحوم سيدي الشيخ محمد بن الشيخ علوان وكان يتعجب من فصاحته وبلاغته التي حارت فيها العقول والأذهان ويمدح فضائله وفواضله الغزار ويذكر صفاء العيش الذي قضاه في صحبته في تلك الديار انتهى وكانت وفاته في أواخر رجب سنة أربع بعد الألف عن خمس وستين سنة رحمه الله تعالى.
محمد بن عبد الله بن شيخ عبد الله العيدروس الحضرمي أحد الأولياء الكبار ذكره الشلي في تاريخه المرتب على السنين وقال ولد في مدينة تريم في سنة خمس وثلاثين وتسعمائة وظهرت عليه لوايح الفلاح فسلك طريق الأقدمين ولازم التقوى وكان كثيرا الصلاة والعبادة مخلصا في أعماله حافظا لسانه وكان معظما عند الملوك والأمراء مكرما محترما عند الأغنياء والفقراء وانتفع به الخاصة والعامة واشتهر بالولاية التامه وكانت وفاته في سنة خمس بعد الألف ودفن بمقبرة زنبل رحمه الله تعالى.

(2/439)


محمد بن عبد الله بن الإمام شرف الدين من أعيان ملوك كوكبان المشهورين بالفضل نشأ في حجر الخلافة والإمامة ودرج في حجرات العلم والورع وطلب العلم عن جهد وجد حتى انتهى إلى أقصى غاية وجد لم يزل لاهجا بطلابه مغري باكتسابه حتى الحق الأصاغر بالأكابر وغدا كل كبير له صاغر وعقد عليه عند ذكر العلماء بالخناصر فما من فن من الفنون إلا وقد بلغ غايته القصوى وفاز بقدحه المعلى ذكره السيد العلامه أحمد بن حميد الدين في كتابه ترويح المشوق فقال هو العلامه الذي يستغرق مدحه الكلام وتحفى في قطع مسافة أوراقه جاريات الأقلام وتطأطىء البلغاء رؤسهم عند سماعه أن نظم قال النظام لا محالة أن جوهر عقدك الفرد أو نثر قال الفاضل أنت ملك الكلام ومولاه وأنا العبد أو جد قال المزاح رعتني بجدك وقال القاضي السعيد ما أرى السعد إلا بجدك وجدك وما هو الإسورة النور في الشعرا والآية التي حام الأفاضل يتلونها زمرا وقد تتبع سيدي عيسى بن لطف الله تقاصير نظمه الذي يطرح عند مشعر ابن مطروح ونظمها في أحسن سلك وهل يقوم جسم الفصاحة إلا بالروح رحم الله وجهه ونضره وإلى سبيل الجمة يسره فمنها:
يا راقد الليل لم يشعر بمن سهرا ... أسهرت عيني فعيني لا تذوق كرا
تنام عني وأجفاني مؤرقة ... عبراء ما مرها نوم ولا عبرا
سلبت عقلي وأودعت الهوى كبدي ... يا منيتي وملكت السمع والبصرا
فأنثني واضعا كفا على كبد ... حرا وكفا يكف الدمع حين جرى
يدني لي الوهم غصنا منك أعشقه ... حتى أكاد أناجيه إذا خطرا
وأرفع الكف أشكو ما أكابده ... أقول أنت بحالي يا عليم ترا
أدعو إذا جنني ليل ولي مقل ... تفيض دمعا وقلب ذاب واستعرا
لا وأخذ الله من أهوى بجفوته ... ولا ملا مثل قلبي قلبه شررا
ولا ثناه الهوى وجدا ولا اكتحلت ... عيناه مثل عيوني في الدجا سهرا
رق النسيم لتبريح الصبابة بي ... لما انثنى ذيله من أدمعي خضرا
والبرق شق جيوب السحب عن كبدي ... والرعد حن وأبكى دمعي مطرا
يا صاحبي إن لي سرا أكاتمه ... أخفيته من نسيم الريح حين سرا
إن كنت تضمن لي أن لا تبوح به ... سمعت من سري المكنون ما استترا
غزيل الحلة الفيحاء أرشقني ... من لحظه بسهام راشها وبرا
رماني الرمية الأولى فقلت بلا ... عمد رماني فأصماني وما شعرا
وحين فوق لي سهميه ثانية ... بكيت نفسي واستبكيت من حضرا
هذا من قول مهيار:
رمى الرمية الأولى فقلت مجرب ... وكررها أخرى فأحسست بالشر
بكيت نفسي لعلمي أن مقلته ... لا تقتلني ظلما وسوف ترى
ممنع الوصل لا يرجى تواصله ... لوزاره الصب في طيف لما صدرا
لا تستطيع صبا نجد إذا خطرت ... تهدي إلى الصب من أكنافه خبرا
ربيب ملك كأن الله صوره ... ملكا وخيره بين الورى الصورا
مهفهف القد لا يطفى لظى كبدي ... إلا ارتشافي لماه البارد العطرا
أغن يكسر جفنيه على حور ... يذيب نفسي ونفسي تعشق الحورا
بدر على غصن بان في محبته ... أكاد أعشق غصن البان والقمرا
أقبل الدر من عشقي لمبسمه ... لما رأيت ثنايا ثغره دررا
أقرب البانة الغنا إلى كبدي ... لما حكت قده الميال إذا خطرا
عليه كل هلال ينحني أسفا ... وكل بدر حيا من وجهه استترا
والنرجس الغض غض الطرف حين رنا ... واحمر ورد الربى من خده خضرا
ذكرته حين فاحت لي معنبرة ... ريح الصبا وسرى لي سرها سحرا
يأيها القمر الساري إذا خطرت ... إليك عيناه واستحلى بك السمرا
أبلغه يا بدر قل مضناك أو دعني ... أهدي إليك سلاما طيبا عطرا
يمسي سميري ويبكي من صبابته ... شوقا إليك ويرعى الأنجم الزهرا

(2/440)


عسى أخوك إذا أخبرته خبري ... يرثي لحالي فحالي شجو من نظرا
وله سامحه الله تعالى
نسمات النسيم من نعمان ... وابتسام الوميض باللمعان
سعرا نار مهجتي وأثارا ... شجو قلبي وهيجا أشجاني
ذكراني بعصر وصل تقضي ... آه لهفي لفوت ما ذكراني
هاشبابي مضى وما نلت وصلا ... أين مني شباب عمر ثاني
يا خليلي خلياني فما بي ... من غرام أذاب قلبي كفاني
لا تحلا باللوم عقد عهودي ... واعذراني بالله أو فأعذلاني
فبسمعي من ذلك اللوم وقر ... قد أجبت الغرام لما دعاني
قسما بالحطيم والحجر والبي ... ت العظيم المقبل الأركان
وبمن حل عقد عهدي ومن قد ... حل مني هواه كل مكان
وبعصر الشباب عذر التصابي ... وعفا في إذا وصلت الغواني
وبعصياني الملام مطيعا ... لغرامي وهذه أيماني
إنني قد حملت من مثقلات الص ... د ما لا يطيقه الثقلان
يا مريدا لسلوتي كف عني ... فعن الحب ليس يثني عناني
أنا حلف الهوى رضيع الص ... بابات حلف الغرام والأشجان
بين قلبي وسلوتي مثل ما ب ... ين حسان الوجوه والاحسان
فاسترح عاذلي ودعني أعاني ... من تباريح لوعتي ما أعاني
لا تلمني ومثل نفسك عامل ... ني فإن الإنسان كالإنسان
لست لا والغرام تجهل شأنا ... لمحب وإن تجاهلت شاني
أنت إما مغالط لي وإلا ... فغيور أو حاسد أوشاني
ومن جيد شعره قوله:
يا طلعة البدر في ديجور اغلاس ... ويا هلالا على غصن من الآس
يا من كتمت الهوى صونا له فإذا ... فاهوا بذكر اسمه غالطت جلاسي
يا من إذا ضربت في حبه عنقي ... ما مال إلا إليه مسرعا رأسي
يا منية القلب ما عني أتاك فقد ... أوحشتني يا حبيبي بعد ايناس
فقد أتاني حديث منك آربني ... وزاد والله من همي ووسواسي
أذاب نفسي مما جاء منك فلو ... لا أدمعي أحرقتني نار أنفاسي
وحين عاينت صبري عنك ممتنعا ... وبت أضرب أخماسا بأسداس
كتبت والدمع يمحو ما تخط يدي ... حتى بكت لي أقلامي وقرطاسي
فاعطف على مستهام عاشق دنف ... بين الرجاء لطيف منك واليأس
ماذا الصدود الذي ما كنت آلفه ... متى يلين لما بي قلبك القاسي
لو أن لي ساعة أشكو عليك بها ... حالي وقد نام حسادي وحراسي
ما لي أملك نفسي من يعذبها ... بالصد عني وما لي أذكر الناسي
يا ناس هل لي مجير من هوى رشأ ... مهفهف كقضيب البان مياس
أذاب قلبي وسل النوم من مقلي ... بفاتن فاتر الأجفان نعاس
من لي بزورته جنح الظلام وقد ... غاب الرقيب ونامت أعين الناس
أمسي أعانقه ضما إلى كبدي ... ما في العناق وما في الضم من باس
وأنثني عند رشفي خمر مبسمه ... شكرا وأسكر من ماريقه الكاسي
عسى الذي قد قضى بالحب يجمعنا ... يا طلعة البدر في ديجور أغلاس
وقوله:
نفسي الفداء لشادن ... مر الجفا حلو المراشف
قاسي الفؤاد أعار أغص ... ان النقالين المعاطف
لهبت بنار صدوده ... كبدي ودمع العين ذارف
وممنع كالغصن دو ... ن لقائه خوض المتألف
من وصله وصدوده ... أنا دائما راج وخائف
فعلت بنا ألحاظه ... ما تفعل الأسد الرواعف
متجاهل عما يقاس ... ي فيه قلبي وهو عارف
وله غير ذلك مما يروق ويشوق وكانت وفاته في جمادى الأولى سنة عشرة بعد الألف.

(2/441)


محمد بن عبد الله بن أحمد بن عبد الرؤف المكي أحد الفضلاء الأذكياء والأدباء الألباء وممن نشأ في طاعة الله ولازم تقواه واشتغل بما يعنيه من أمور دينه ودنياه وجد في طلب العلم النافع فأدرك ما لم يدركه الكبار وهو يافع وأخذ عن كثيرين منهم الشيخ عبد الله بن سعيد باقشير وصحب السيد العارف بالله تعالى سالم بن أحمد شيخان وتلقن منه الذكر ولبس الخرقة ولازمه واختص به وفتح الله عليه بفتوحاته السنية إلا أنه لم تطل حياته فاختر منه المنية في شبابه وهو والد الشيخ عبد الرؤف الموجود الآن وكان ينظم الشعر ومن شعره قوله يمدح السيد أبا بكر بن شيخه السيد سالم المذكور ويشير إلى ثبوته على حلقة الذكر التي كان يعقدها والده في المسجد الحرام ومنعه من أراد أن يتعدى بمنعه في المسجد ونصره الله على أعدائه:
سلوا عن فؤادي في الهوى كل شائق ... وعن شوق كلي للوى كل سائق
وكل فتى قد نال مني صبابة ... ولا مال عن نهجي ولا بمقارقي
يخال بأن الحب لم يبق من ضنى ... بقايا للقيا أو لرؤيا المفارق
صبابا لصبا قدما لكم في صبابة ... فهل مثله صب وذو قلب خافق
ومن حب ليلى ثم هند وزينب ... ورافع دعد ذي المواضي الهوارق
إذا لاح من تلك الثنايا بويرق ... ثنتنا المنايا وافتتنا بطالق
وإن لاح في شرق بريق شروقها ... وجادت بريق من وميض البوارق
فإني الصدا لصادي لطيف خيالها ... بمهجة ايقادي ومقلة وامق
وإن ماست الأعطاف منها من الصبا ... ومالت بها الأرداف ميلا كآنق
تسترت الأغصان في قضب دوحها ... حياء وعادت كالفئام الطوارق
ومن كلها كلي قتيل جمالها ... وتفصيله مني فليس بلائق
ومن هز عطفها بقلبي جراحة ... ومن سحر عينيها أسرنا بواسق
ومن قدها قد قد قلبي سناؤها ... وأسنانها لاحت ببارق بارق
أسير على الأجفان إن قيل أنها ... تنيل الفتى الوسنان عهد وثائق
فعندي عقد الوصل لو طال بيننا ... كأهنى وصال عند أصدق صادق
ومن عرفات الوصل سارت قبابها ... ومالت إلى جمع المنى والحقائق
وظلت مطايا الحب تطوي محسرا ... فيا حسرة المشتاق من قلب تائق
وفي منحتي ضلعي وخيف بنائه ... هناك المنى فيه المنايا الآبق
وفي الجمرات اللاء خيمن في الحشا ... علامات نيران الهوى لواثق
سقى الله أياما مضت ولياليا ... عرفت الهوى فيها وحلت بسابق
لقد جاءنا نصر من الله حفنا ... وفتح قريب عمنا مثل وادق
على فرقة الفرق الذين عموا على ... بصيرة أبصار ورشد لحاذق
يريدون أن يطفوا ضيا الإله بال ... عقول التي قالت بقول منافق
فردوا بغيظ لم يحوزوا به العلا ... وباؤا بخسران جزاء لفاسق
على أنهم لم يعلموا الحق ظاهرا ... فكيف بأمر باطن غير طارق
على أنهم من افكهم شفعوا الذي ... تفرد عن فرد وعن كل لاحق
على الحق لا يعلو على كل باطل ... على جرف هار وليس براهق
بليث همام زاكي الأصل سيد ... كريم السجايا نسل أعلى الخلائق
حليم لدى الأمر العظيم ولم يزل ... على أثر آثار الجدود السوابق
وفي الذروة العليا التي لا ينالها ... جميع الألى كانوا وكل اللواحق
حمانا بسيف الصدق من كل معتد ... تعدى بدعوى الجهل ليس بصادق
هو السيد العالي أبو بكر الذي ... سما عن سماء المجد من كل شاهق
ونجل وحيد الدهر سالم من غدا ... سليلا لشيخان أمام الطرائق
مفيد الورى عن سر أسرار من مضى ... ومظهر دين الحق ثم الحقائق

(2/442)


فمن رام أن يحصى صفات كماله ... كمن رام أن يلفى شريكا لخالق
وصلى إلهي ثم سلم ما حدث ... حداة المطايا نحو أصدق ناطق
عليه وآل ثم صحب ومن غدا ... وريثا لهم في علمهم غير زاهق
وكانت ولادته في سنة أربع وعشرين وألف وتوفي في شهر ربيع الأول سنة اثنتين وخمسين وألف بمكة ودفن بالمعلاة.
محمد العيدروس بن عبد الله بن شيخ بن عبد الله بن الشيخ عبد الله العيدروس الحضرمي أحد الكمل المشهورين ذكره الشلي وقال في ترجمته كان إمام وقته علما وعملا وحالا ومقالا وزاهدا وتحقيقا وورعا ولد بمدينة تريم في سنة سبعين وتسعمائة وضبط عام ولادته في قوله تعالى أنا أعطيناك الكوثر ثم حفظ القرآن وغيره في فنون عديدة وربى في حجر والده وقرأ عليه عدة علوم وتخرج به في طريق القوم وتفقه على السيد محمد بن حسن والفقيه محمد بن إسمعيل والسيد عبد الرحمن بن شهاب وأخذ التصوف عن جماعة وسمع الحديث من طائفة ولزم العبادة وأثنى عليه مشايخه وغيرهم بل انعقد الإجماع على فضله وكماله وأخذ عن عمه الشيخ عبد القادر ابن شيخ وكتب إلى والده يقول له يكفيك فخرا يا عبد الله طلبه إليه وهو بأحمد آباد من أراضي الهند فرحل إليه واجتمع به فيها وذلك في سنة تسع وثمانين وتسعمائة وأشار إلى ذلك جده المذكور في بعض قصائده بقوله قدومك حافظ للشمل جامع فإن عدد حافظ كذلك ولازم جده في جميع دروسه وأحواله واقتدى به فبلغ ما لم يبلغه المشايخ الكبار وقرأ عليه في كثير من العلوم عدة متون وشروح وألبسه الخرقة وصافحه وحكمه وأذن له في الإلباس والتحكيم وجعله ولي عهده ثم انتقل جده شيخ المذكور في سنة تسعين وتسعمائة فقام من بعده وكان ينفق على جميع من يموته جده من أهل الهند وحضرموت ولما سأل عنه والده عبد الله السيد الولي أحمد بن علي أجابه بقوله الذي أعتقده فيه أنه أحسن من أبيه فسجد والده شكرا وقال هذا الذي كنت أوده وأتمناه وقال كل أحد لا يريد أن يكون أحد أحسن منه إلا ولده وبعد انتقال والده أجرى ما كان يجريه والده من نفقة وكسوة وغيرهما فكان الوارث لأبيه وجده ثم ارتحق من أحمد آباد إلى بندرسورت واستوطنه واشتهر كما الاشتهار وأعتقده أهالي تلك الدائرة وكان سلطان الهند يعرف قدره ويرجحه على أهل زمانه ويجري عليه كل يوم ما يكفيه من النفقة العظيمة وكان كثير العطايا كريما وكان مع كثرة مدخوه لا يفي مدخوله بنفقته وربما زاد عليها ضعفين أو أكثر وكل ذلك دين يبقى عليه وكان يستغرق أحيانا فربما دخل عليه شخص ولم يشعر به وكانت وفاته في سنة ثلاثين وألف ودفن ببندرسورت وبني عليه بعض التجار قبة عظيمة وبني عندها مسجد أو بركة ماء وأجرى لمن يقرأ عليه أجرة وأوقف على ذلك ضياعا وأراضي ورباعا وقبره ظاهر يزار ويتبرك به رحمه الله تعالى.
الشريف محمد بن عبد الله بن الحسن بن أبي نمي كان سيدا شجاعا مقداما رئيسا ولاه والده الشريف عبد الله مكة في حياته وأشرك معه الشريف زيد بن محسن غرة صفر سنة احدى وأربعين وألف وخطب لهما على المنابر إلى شعبان من السنة المذكورة فوصلت الأتراك من اليمن في قصة ذكرتها في ترجمة الشريف زيد فوقعت اللقيا بالقرب من وادي البيار بين السادة الأشراف وبين الأتراك فحصلت ملحمة عظيمة وقتال شديد وقتل صاحب الترجمة وقتل معه جماعة من الأشراف منهم السيد أحمد بن حراز والسيد حسين بن بنايس والسيد سعيد بن راشد وخلق آخرون وأصيبت يد السيد هيزاع بن محمد الحارث فقطعت وتعلقت بباقي جلدتها ولم تنفصل ودخل بقية الأشراف إلى وادي مر ودخل الأتراك إلى مكة ونودي بالبلد للسيد نامي بن عبد المطلب وكان دخولهم من جهة بركة ما جن فتعب الناس أشد تعب وحصل الخوف الشديد وتسلطت العساكر على الناس وأزعجوهم نهبا وفسقا وظلما وتقطعت الطرق وعصت الأعراب وحمل صاحب الترجمة في عصر ذلك اليوم ودفن بالمعلاة في مقابر آبائه وأجداده بعد أن قاتل قتال من لا يخاف الموت وكانت الوقعة المذكورة في رابع عشري شعبان سنة احدى وأربعين وكانت مدة ولاية الشريف محمد ستة أشهر وأربعة وعشرين يوما.

(2/443)


محمد بن عبد الله بن عمر بن عبد الرحمن بن عبد الولي المنقول بن محمد بن عبد الولي جعمان كان إماما عالما علامة مشهورا في اليمن أخذ عن جماعة واستفاد وأفاد وروي وضبط توفي بالروحاء بعد أن زار النبي صلى الله عليه وسلم في سنة خمس وخمسين وألف وجده الفقيه عبد الولي بن محمد وأخوه عمر بن محمد صاحب الموجز كانا في بيت الفقيه ابن عجيل في أيام السلطان عامر بن عبد الوهاب الأموي وكان الفقيه عمر بن محمد مفتي بيت الفقيه وصاحب رياستها على ولاية عظيمة مشهورة فاستولد بها عبد الولي ثم تزوج في محل الأعوص القرية المشهورة فاستولد بها أيضا فلما توفي قبر في تربة الفقيه أحمد بن موسى العجيل فرآه أخوه في المنام وكأنه يقول له انقلني إلى محل الأعوص فانتبه الفقيه عمر من نومه فقال هذه رؤيا منام والنقل عند الفقهاء حرام ونبش الميت أعظم خطيئة فجاءه ليلة أخرى ثم في الثالثة كذلك فقال له لئن لم تنقلني وإلا خرجت من القبر فجاء الفقيه المذكور إلى التربة لينقل أخاه فرآه خارج القبر بأكفانه فحملوه فنقل إلى قبره الآن بمحل الأعوص فسمي المنقول وهذه الكرامة مستفاضة والفقيه الرائي ثقة عارف والله أعلم.
السيد محمد كبريت ابن عبد الله بن محمد بن شمس الدين بن أحمد بن قاسم بن شرف الدين بن يحيى بن شرف الدين بن حسين بن فخر الدين بن موسى بن كريم الدين بن محمد ابن إبراهيم بن داود بن محمود بن حسن بن عباس بن علي بن محمد بن حمزة بن أحمد بن جعفر بن موسى الكاظم ابن جعفر الصادق ابن محمد الباقر ابن علي زين العابدين ابن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه السيد الجليل كان من أعجب خلق الله تعالى في الأخذ بأهداب الفنون كثير النوادر جم المناقب ولد بالمدينة وبها نشأ وحفظ القرآن واشتغل بالعلوم النقلية والعقليلة فقرأ النخو والتصريف والمعاني والبيان على جماعة منهم عبد الملك العصامي والشيخ الإمام وجيه الدين عبد الرحمن بن عيسى المرشدي وأخذ العلوم الرياضية والحكمية والطبيعية وعلم الحقيقة عن المحقق الكبير عبد الله بن ولي الحضرمي تلميذا لقطب العارف بالله تعالى السيد صبغة الله بن روح الله السندي ثم توجه إلى الروم في سنة تسع وثلاثين وألف وألف رحلة بديعة سماها رحلة الشتاء والصيف ذكر فيها ما وقع له في سفرته هذه من الغرائب ودخل دمشق واجتمع فيها بالاستاذ الكبير أيوب بن أحمد المقدم ذكره وأخذ عنه ثم رحل إلى القاهرة ولزم بها الاستاذ محمد بن زين العابدين البكري وكان أشار إليه بالأخذ عن بعض السادة الخلوتية شيئا من علم الأسماء فأخلاه المأخوذ عنه أربعين يوما لرياضة نفسه ففتح عليه ثم عاد إلى المدينة واختص بصحبة سيدنا محمد مكي المدني الآتي ذكره أن شاء الله فكان لا يفارقه في أغلب أوقاته وأقام على بث العلم ومراقبة الله تعالى وألف تآليف كثيرة بديعة منها كتاب سماه نصر بن الله وفتح قريب شرح فيه أبياتا لبعض أفاضل عصره جمع فيه من كل غريبة ومنها كتاب الجواهر الثمينة في محاسن المدينة ومنها بسط المقال في القيل والقال في مجلدين وغير ذلك من مفرد ومجموع وله ركاز الركاز في المعمى والألغاز ورسالة سماها خمائل الأفراح وبلابل الأدواح تشتمل على أشعار لطيفة وكتاب الزنبيل احتصر فيه كتاب الكشكول للبهائي العاملي وكتاب العقود الفاخرة في أخبار الدنيا والآخره وكتاب حاطب ليل كبير جدا وشرح ديوان ابن الفارض سماه ظل العارض وكتاب المطلب الحقير في وصف الغني والفقير وهو كتاب حسن الوضع عجيب الأسلوب قال في آخره وهذا آخر ما جرى به القلم من تسطير هذه الحكم وربما اشتمل على كلام لا يفهم ومفهوم لا يكاد يعقل ومعقول لا يكاد يقبل بحسب ما قيل:
يقولون أقوالا ولا يفهمونها ... ولو قيل هاتوا بينوا لم يبينوا
ثم ذكر كلاما طويل الذيل من هذا القبيل وأنشد لنفسه في مدح الكتاب قوله:
لله تأليف غدا جامعا ... بين النقيضين لمن يعقل
جامعه أغرب في نقله ... لكنه لم يدر ما ينقل
وعكف آخر عمره على مطالعة الفتوحات المكية والفصوص للشيخ الأكبر ابن عربي وألف في وحدة الوجود رسالة وكان يصدر عنه قولات ربما أنكرها بعض معاصريه ونسبوه فيها إلى الإلحاد وله أشعار كثيرة حسنة التركيب بينة الجودة فمن مقاطيعه قوله:

(2/444)


هبوا أن ذاك الحسن عني محجب ... أليس برياه سرت نسمة الصبا
إذا رمت أن تبدي مصونات خدره ... فحدث بذاك الحي عن ذلك الخبا
وقوله:
يا من تبادى بهجر ماله سبب ... وصد عمدا يرى في ذاك تبكيتي
كان هجرك بعد الوصل يا أملي ... أوائل النار في أطراف كبريت
نقله حسن للمصراع الأخير عن موضوعه الذي هو تشبيه البنفسج وهو:
ولازوردية تزهو وبزرقتها ... بين الرياض على حمر اليواقيت
كأنها فوق قامات ضعفن بها ... أوائل النار في أطراف كبريت
وقوله:
أرى مطالعتي في الكتب ما نفعت ... لعل وجهك يغنيني عن الكتب
فمن رأى وجهك الباهي وبهجته ... فإنه في غنى عن كل مكتتب
وقوله:
ليست على الحر الكريم مشقة ... بأضر من أن لا يرى أمثاله
ذاك الغريب وإن يكن في أهله ... وارحمتاه له لما قد ناله
وله:
يا لأئمي في حب من ... عزت علي ربوعه
خفض عليك وخلني ... أحلى الهوى ممنوعه
وقال يفتخر:
نشأت بفضل الله في ظل دوحة ... سمت بنبي كنت من بعض عترته
فإن شئت في سفح العوالي وإن أشأ ... بدار الذي طابت وطالت بهجرته
فهاتيك دار للحبيب وهذه ... بها منزهي يا صاح من حول حجرته
وقال في تفصيل العالية:
أراك تغالي في العوالي وفي قبا ... وأنت على وهم الخيال تعول
إلى كم ترى تهوى الذي أنت سائر ... إلى غيره إذ أنت عنه تحول
فكن سائرا في لا مقام فإنما ... تقلب من شأن لشأن وترحل
العالية أرض ذات رياض فائقة قال في الوفاء هي من المدينة ما كان في جهة قبلتها من قباء وغيرها على ميل فأكثر وأقصاها عمارة على ثلاثة أميال وأربعة إلى ثمانية أو ستة على الخلاف في ذلك انتهى ووجه التسمية جلى وذلك لأن السيول تنحدر من تلك النواحي العالية إلى سوافل المدينة فعلى ذلك يقال نزلنا من العوالي إلى المدينة وطلعنا إلى العوالي وله في مدحها قطع كثيرة غير هذه فمنها قوله:
فضل العوالي بين ولأهلها ... فضل قديم نوره يتهلل
من لم يقل أن الفضيلة طينت ... أرض العوالي وهو حق يقبل
إني قضيت بفضلها وأقول في ... وادي قبا الفضل الذي لا يجهل
وله:
إذا كنت في أرض العوالي تشوقت ... لأرض قبا نفسي وفيها المؤمل
ولو كنت فيها قالت النفس ليت لي ... بأرض العوالي يا خليلي منزل
فيا ليت إني كنت شخصين فيهما ... وما ليت في التحقيق إلا تعلل
وله من أبيات قالها وهو بالروم يتشوق إلى معاهده:
ما أطيب الأيام فيها تنقضي ... والعين قد قرت بوصل حبيبها
ما العيش إلا في حماها ليت لي ... مأوى ولو في سفحها ورحيبها
وله وهي من لطائفه:
الحمد لله على ما أرى ... من ضيعتي ما بين هذا الورى
صيرني الدهر إلى حالة ... يرثي لها الشامت مما يرى
بدلت من بعد الرخاشدة ... وبعد خبز البيت خبز الشرا
وبعد سكني منزل مبهج ... سكنت بيتا من بيوت الكرا
ولو تحققت الذي نالني ... لارتفع الشك وزال المرا
ورأيت في كتابه الجواهر قال مررت في رحلتي ببعض قرى الروم فرأيت قبرا عليه بنيان قد أظهرت فيه الحكمة زخارف صنعة البنا وعلى رأسه مكتوب
وما ينفع الإنسان بنيان قبره ... إذا كان فيه جسمه يتهدم

(2/445)


وذكره ابن معصوم فقال في وصفه مفرد جامع وأديب ضوء أدبه لامع نافت شمائله على أنفاس الشمول والشمال وقال من ظرفه وأدبه بجنتين عن يمين وشمال كان لطيف قشرة العشرة تحسد تباشير الصباح بشره لا تمل ندماؤه مجالسته ولا تسأم أصحابه مؤانسته إلى فصاحة ولسن وتجمل بكل خلق حسن وتقنع بقناع القناعة والكفاف واشتمال بإيراد الصون والعفاف سلك مسلك من نبذ الدنيا وراء ظهره ورضى منها بمسالمة خطوب دهره ورام انتحال مذهب أهل الحال فتكلم بعضهم في اعتقاده ونقل عنه فلتات أشعرت بخفى الحادة وكانت له اليد الطولي في جميع نوادر الأدب والنسل إلى تقييد شوارد النكت من كل حدب وله في ذلك مؤلفات منها محك الدهر وكتاب المباهج ورشح البال بشرح البال وغير ذلك إلا أنه لم يكن له في سائر العلوم رسوخ قدم معلوم أخبرني الوالد بسماعه عنه أن أستاذه خالف في تعليمه النظام وطفر به طفرة النظم فنقله من الأجرومية إلى الكشاف وأبدله النشاف من الارتشاف وله شعر انتظم به في سلك من نظم ثم أنشد له قوله:
وإذا جلست مع الرجال وأشرقت ... في جو باطنك المعاني الشرد
فقال لي بلسان غير مقتدر ... لا أشتهي أن أوافي غير عشاقي
انتهى وكانت ولادته في سنة اثنتي عشرة بعد الألف وتوفي بعد الظهر عشري شهر رمضان سنة سبعين وألف وصلى عليه السيد العارف بالله تعالى محمد باعلوي ودفن شمالي القبة المطهرة قبة سيدنا إبراهيم بن النبي صلى الله عليه وسلم ببقيع الغرقد رحمه الله.

(2/446)


محمد بن عبد الملك البغدادي الحنفي نزيل دمشق الشيخ الإمام المحقق كان من كبار العلماء خصوصا في المعقولات كان لهي والطبيعي والرياضي وهو من جماعة علامة الزمان منلا مصلح الدين اللاري قيل وأخذ عن أخيه شمس الدين البغدادي وكان في الأصول والفقه علامة وله اليد الطولي في الكلام والمنطق والبيان والعربية قدم دمشق في سنة سبع وسبعين وتسعمائة ودخلها لابسا عباءة من الصوف وثوبا من القماش الأبيض القطن وجاور بجامع دمشق في بيت خطابته ثم انتقل إلى المدرسة العزيزية جوار الكلاسة وحضر دروس البدر الغزي ولازم أبا الفدا إسماعيل النابلسي وقرأ فقه الشافعي على الشهاب العيثاوي ثم تحنف وولي وظائف وتداريس منها المدرسة الدرويشية وبقعة في الجامع الأموي وتولى تصدير حديث بالجامع المذكور وكان له من صندوق السلطنة في كل يوم ما يزيد على أربعين عثمانيا وتولى مشيخة الجامع فسمي شيخ الحرم الأموي وتولى تولية الدرويشية وعظم أمره وتردد إلى القضاة وشمخ بأنفه حين رجع الناس إليه وكان يحضر دروسه أفاضل الوقت ودرس التفسير بالجامع وكان في لسانه لكنه عظيمة حتى أنه كان لا يفصح عن كلامه أبدا وشاع ذكره في الأقطار الشامية ولما مرض مرض الموت وثقل في مرضه حضر إليه قاضي القضاة بدمشق المولى إبراهيم بن علي الأزنبيقي وعاده وقال له أفرغ عن وظائفك لنائبنا حسن الطويل وهو ابن عثمان الذي ذكرناه في حرف الحاء فيقال أنه أفرغ له وقيل أنه لم يفرغ ولكن كتب ذلك القاضي رغبة أن تصير الجهات المذكورة لنائبه وقال له القاضي أين أموالك فقال له وما تريد بأموالي فقال له نريد أن نحرزها خوفا عليها من سارق يأخذها وأنت مريض فيقال أنه أذن له في أخذها وقيل بل أخذها القاضي جبرا فلما أخذت أمواله أفاق من سكرات مرضه وطلب الأموال من حسن الطويل فقال له وما تصنع بها إن كنت محتاجا إلى شيء من المال أقرضتك من عندي ما تخرجه وأما مالك فإني لا أستطيع إحضاره إليك خوفا عليه فيقال أنه لما قال له ذلك احتد واشتد غيظه ومديده إلى لحية النائب وضربه على رأسه فقال له أنت في جنون المرض ولا حرج عليك فيما فعلته ولم يأت له بالمال فانتكس ورجع إلى المرض بعد أن كان أبل منه قليلا ومات عقيب ذلك وكانت وفاته في ليلة الاثنين عشري شعبان سنة ست عشرة وألف ودفن شمالي تربة مرج الدحداح في أقصاها عن بضع وستين سنة وكان له بنت من أمة سوداء فنفاها قبل موته بأشهر لامررآه على الأمة فأنكره ثم بعد موته ثبت نسب البنت إليه بشهادة قاضي القضاة على اقراره وأخر ثم جاء بعد مداة ابن عم له من بغداد إلى دمشق فصالحه النائب على شيء من المال ثم ذهب فشكاه إلى الوزير نصوح باشا وكان الوزير المذكور رأس العساكر إذ ذاك بحلب فوردت أوامر بطلب النائب بسبب ذلك إلى حلب والعجب العجاب أنه كان في دمشق رجل من العسكر يقال له محمد البغدادي موافق لصاحب الترجمة في الاسم والنسبة مات يوم موته فبقي الرجل يقول مات محمد البغدادي اليوم فلا يتميز أحدهما عن الآخر إلا بنسبية العلم لهذا ونسبة العسكرية لذاك والله تعالى أعلم.
محمد بن عبد المنعم الطائفي الفقيه الشافعي كان من فضلاء وقته ذكره الشلي وقال في ترجمته ولد سنة أربع بعد الألف وحفظ القرآن ثم نسيه فقيل له لم لا تحفظه ثانيا فقال أخشى أن أنساه ثانيا وأخذ العلوم عن مشايخ عصره منهم السيد عمر بن عبد الرحيم البصري والشيخ أحمد بن علان والشيخ أحمد الحكمي والشيخ عبد الملك العصامي وأذن له غير واحد بالافتاء والتدريس فدرس في المسجد الحرام وانتفع به جماعة منهم السيد محمد بن عمر الباز والشيخ عبد الجامع بن أبي بكر بارجا الحضرمي وكان شيخنا أبو الحسن النبتيتي مع جلالته يحضر درسه وكذلك الشيخ أبو الجود المزين وله تآليف منها شرح حسن على الأجرومية أسلاه على بعض طلبته وله حواش على شرح المتهج وحواشي على النهاية للشمس الرملي وكان حسن الأخلاق بارا بوالدته لا يخالفها في كل ما أمرت به وترك الزواج خوفا من أن يتكدر خاطرها وكان كثير العبادة والتهجد يحب الفقراء والمساكين ويعرض عن غيرهم من أرباب الشأن قانعا من الدنيا باليسير ومدحه صاحبه الشيخ غرس الدين الخليلي المدني بقصيدة أولها:
والله إني مغرم بالطائفي ... لم لا وذلك كعبة للطائف

(2/447)


وكانت وفاته يوم الخميس حادي وعشري شهر رمضان سنة اثنتين وخمسين وألف في مكة بعلة الإسهال ودفن بالمعلاة رحمه الله تعالى.
محمد بن عبد الوهاب بن تقي الدين المعروف بابن المهمندار الحلبي الحنفي والد شيخنا العالم الفهامة أحمد مفتي الشام الآن وزبدة من بها من العلماء ذوي الشأن لا برحت فضائله ملهج ألسنة الوصاف وفواضله مظنة الإطراء والإتحاف كان المذكور من أشهر مشاهير العلماء له بسطة باع في الفنون ويد طائلة في التحرير والتهذيب قرأ بحلب على علمائها الإجلاء منهم الشيخ عمر العرضي وخرج وهو متقن متضلع ودخل دمشق في سنة أربع وثلاثين وألف ثم هاجر إلى الروم وتوطنها ودرس بها العلوم وانتفع به جماعة ثم لازم من المولى يحيى وصيره شيخا لابنه المولى عبد القارد ثم استخلصه المولى صادق محمد بن أبي السعود لنفسه وقرأ عليه وانتفع به وبه شاع ذكره واشتهر بين موالي الروم ثم درس بمدارس دار الخلافة إلى أن وصل إلى مدرسة والدة السلطان مراد فاتح بغداد وولي منها قضاء مدينة أيوب وله من التآليف رسالة في المعاني وله تحريرات كثيرة وتنميقات لطيفة وكانت وفاته وهو قاض بأيوب في سنة ستين وألف عن اثنتين وستين رحمه الله تعالى.
محمد بن عتيق الحمصي الشافعي نزيل مصر الشيخ الفاضل كان قوي الذكاء والفطنة حسن الإشارة فصيح العبارة ذا دعابة لطيفة وطبع مستقيم دخل القاهرة في أيام شبابه واشتغل بفنون العلوم وأخذ عن البرهان اللقاني والنورين على الحلبي وعلى الأجهوري وعبد الجواد الجنبلاطي وحسين النماوي ومحمد النحوي الشهير بسيبويه ويس بن زين الحمصي والشمس البابلي وسلطان المزاحي والنور الشبراملسي وجد واجتهد وبرع في سائر الفنون وفاق أقرانه وتقوى على حل المشكلات العلمية وألف حاشية على شرح التلخيص المختصر للسعد ورسائل في فنون شتى ثم عرض له قاطع عن العلم واشتغل بتحصيل الدنيا وفتح حانوتا للبيع والشراء وكثرت دنياه بحيث أعرض عن النظر في كتب العلم نحو عشرين سنة ثم طرقه طارق الخير فرجع إلى ما كن عليه في بدايته من الجد والاجتهاد واشتغل بتصحيح جميع ما عنده من الكتب على كثرتها وجد في تحصيل كتب الحديث وكتبها بخطه وكان حسن الخط ولم يزل على هذا الحال إلى أن مات وكانت ولادته بحمص في سنة عشرين وألف وتوفي في جمادى سنة ثمان وثمانين وألف بمصر ودفن بتربة المجاورين ورآه بعض إخوانه في المنام بعد موته فقال له ما فعل الله بك فقال غفر لي وكتبني عنده من العلماء قال فقلت له كيف وقد كنت انقطعت عن العلم مدة فقال لي الفضل أوسع وما رأيت الأكل خير وإن أردت النجاة في الآخرة فعليك بالاشتغال بالعلم فإنه من أعظم أسباب المغفرة عند الله تعالى وإياك والتكلم في أحد بسوء فإن عليك رقيبا أي رقيب.
محمد بن عثمان الملقب أمين الدين الدمشقي الصالحي الهلالي أحد الموقعين للأحكام بالمحكمة الكبرى الأديب الشاعر الناظم الناثر اشتغل في العلم ثم تركه وتعانى التوقيع والشعر وكان لطيف الذات حلو النادرة ومن ألطف ما وقع له أنه كتب على خاتمه من شعره:
يرجو ابن عثمان الأمين الصالحي ... من ربه حسن الختام الصالح
وكان مغرما بالهجاء وثلب أعراض الناس وقيل له مالك لا يكاد يجود شعرك إلا في الهجاء فقال خاطري لا يغرف إلا من البحر المنتن وحكى البوريني أنه سمعه مرات يقول كل شاعر له عينان نضاختان في فكره الواحدة عذبة للمديح وما يضاف إليه والثانية منتنة للهجو والمثالب قال فقلت له تبارك يا بغيض هل ييق بك أن تقبح محاسن القريض فقال هذه جبلة ذاتيه وطبيعة على القبيحة مبنيه ومن شعره قوله في هجو عمه ولي الدين البزوري:
إذا رأيت ولي الدين مفتكرا ... منكسا رأسه انسانه ساهي
فذاك من أجل دنيا لا لآخرة ... خوفا من الفقر لا خوفا من الله
وله في بني الخطاب الذين كانوا قضاة مالكية بالشام أهاج كثيرة وقد جمعها في جزء خاص وسماه قرع القبقاب في قرعة بني الخطاب وفيه كل عجيبة وكل مسبة غريبة فمن ذلك قوله:
بيت ابن حطاب غدا ... بيتا قليلا خيره
ينفق فيه عاشق ... قام عليه أيره
ونظر يوما إلى شهود محكمة الكبرى فوجدهم تسعة وهو واحد منهم ووجد قضاتهم أربعة ومنهم كما الدين أحد بني خطاب المذكورين فقال:

(2/448)


قالت لنا الكبرى أما ... آن لكم ما توعدون
قضاتنا أربعة ... لكنهم لا يعلمون
شهودنا عدتهم ... تسعة رهط يفسدون
والكتخدا والترجما ... ن في الجحيم خالدون
ومن شعره قوله يهجو بعض الأدباء:
يخوض بعرضي من غدا عار دهره ... ومن هو أدنى من سجاح واكذب
ومن أقعدته همة المجد والعلا ... وطارت به للخزي عتقاء مغرب
ومن كان في عهد الحداثة ناقة ... يقاد إلى أردى الأنام ويركب
وقد كان قصدي أن أبين وصفه ... ولكن اجمال القبائح أنسب
ودخل يوما على الخواجة الرئيس أبي السعود بن الكاتب فأنشده:
يا من به رق شعري ... وجال في الفكر وصفه
قد مزق الدهر شاشي ... والقصد شاش ألفه
فأعطاه شاشا وبالجملة فنوادره كثيرة وكانت ولادته ليلة عيد الفطر سنة خمسين وتسعمائة وتوفي وقت الضحوة الكبرى من يوم الخميس ثالث عشر شعبان سنة أربع بعد الألف ودفن في قبر والده في تربة الفراديس.
محمد بن عثمان الصيداوي الفقيه الأصولي الشافعي المذهب نزيل دمشق كان من العلماء العاملين كامل الخصال كثير التقوى والصلاح والورع وكان زاهدا في الدنيا لذيذا المصاحبة خفيف الروح تميل إليه القلوب إلا أنه كان حاد المزاج كثير الانفعال مع صفاء السريرة وكان علماء دمشق يعظمونه وللناس فيه اعتقاد عظيم وبالجملة فهو بقية السلف خرج من بلدته صيدا وهو في ابان الطلب فدخل القاهرة وأخذ عن علمائها وأقام مدة بجامع الأزهر وبرع في كل الفنون واشتهر صيته وكان مع تغربة ذا وجاهة وإيثار على طلبة الأزهر قرأت في ثبت الشمس محمد بن علي المكتبي الدمشقي قال لما حججت في سنة تسع وخمسين وألف اجتمعت في مكة بالحافظ الشمس محمد البابلي فسألني عمن بدمشق من العلماء وعمن اجتمع به في مصر حال قراءته على مشايخه فسردتهم عليه واحدا بعد واحد إلى أن وصلت في التعداد إلى شيخي الصيداوي فبكى وقال ليس لأحد على منة ولا فضل سواه لأنه كان يأتيه من أبيه دنانير من الذهب فيصرفها علينا ويطعمنا بها لذيذ الأطعمة ويأخذنا إلى الأماكن المفرحة ويمزح مع كل منا بما يوافقه حتى أنه أعطاني جوخة سوداء جاءته من والده ليلبسها وكان ذرعها أربعة أذرع ونصف فلم تكفني على العادة فطفت مصرا أتطلب فيها نصف ذراع لتتميمها فلم أجد فشار علي بعض الإخوان ببيعها وقال اشتر بدلها من الجوخ فبعت كل ذراع منها بخمس من الريال واشتريت ببعض الثمن جوخة خضراء مع كلفتها وها أنا لابس لها إلى يوم تاريخه مع ما فضل لي من الثمن انتهى ثم قدم إلى دمشق في سنة ثلاثين وألف وأقام بمحلة القنوات وأقرأ وأفاد وكان لا يفتر ولا يمل من المطالعة والبحث وحضر دروس الشمس الميداني والنجم الغزي وولده الشيخ سعودي تحت قبة النسر ولزم العمادي الفتي في دروسه أيضا وكان أصحاب المجلس يرجعون إلى ما يقوله وكان يطيل البحث وكان صوته جهوريا فيسمع من بعيد وربما تهور على بعض الطلبة فآلمه بالكلام ولا ينفعل كل الانفعال إلا تلافي ما يقع منه لصفاء طويته وكان لا ينادي أحدا إلا باسمه كائنا من كان ولم يلبس السراويل مدة عمره وكان كثير التقشف في أمر العبادة وربما عارضته الوسوسة في الضوء والصلاة ودرس في بقعة بالجامع الأموي فرغ لها عنها الحافظ أبو العباس المقري ليلة ارتحاله إلى القاهرة وأعطى بعض جهات في بعض الأوقاف ومن الحوالي شيئا قليلا وكان جميع ذلك لا يقوم به لما كان عليه من السخاء وبسط الكف وكان متوكلا في أموره كلها وإذا فاوضه أحد في مصرفه يقول أنفق ما في الجيب يأتي ما في الغيب وكان كثير الشغف بإيراد حديث أنفق بلالا ولا تخش من ذي العرش اقلالا وكانت ولادته بمدينة صيدا في سنة خمس وتسعين وتسعمائة وتوفي سنة خمس وستين وألف ودفن بمقبرة باب الصغير في قبر كان اشتراه في حياته وأعده لنفسه قبل موته بنحو عشر سنين بالقرب من قبر سيدي نصر المقدسي رحمه الله تعالى.

(2/449)


محمد بن عثمان بن محمد بن علي الهوش الدمشقي الصالحي الشافعي الفاضل الأديب البارع صاحب الرأي والمعرفة مع الخلق الحسن والصدر السليم والتواضع وحفظ اللسان صحب جماعة من أعيان المشايخ بدمشق منهم الشيخ عبد الباقي الحنبلي والشمس محمد بن بليان وأخذ الطريق عن العارف بالله تعالى أيوب الخلوتي ثم رحل إلى مصر وأكثر تردده إليها وكان من أخيار التجار وأخذ بها عن الشيخ سلطان والشمس البابلي والنور الشبراملسي وغيرهم وأجازه جل شيوخه وحج مرات وجاوز بالحرمين وله شعر منه قوله في تخميس لأمية ابن الوردي بعد قوله:
وأله عن آلة لهو أطربت ... وعن الأمر دمرتج الكفل
أعربت عنه لغات الفصحا ... أنه كالبدر بل شمس الضحى
قلت للعاذل فيه اذلحا ... أن تبدي تنكشف شمس الضحى
وإذا قناه بالبدر أفل
حل بالقلب وعظمى وهنا ... ونفى عن ناظري الوسنا
مذ تبدي ولعطفيه ثنى ... زاد إذ قسناه بالشمس سنا
وعدلناه ببدر فاعتدل
وكانت ولادته في سنة ثلاثين وألف وتوفي بدمشق ليلة الخميس ثاني عشر رجب سنة احدى وتسعين وألف.
محمد بن عقيل بن شيخ بن علي بن عبد الله وطب بفتح الواو وسكون الطاء المهملة آخره موحدة ابن محمد بن عبد الله بن محمد بن الشيخ الإمام عبد الله بن علوي ابن الاستاذ الأعظم إمام الصوفية بديار حضرموت والقائم بوظائف السنة فيها المشهور بصاحب مديحج بميم ودال مهملة ومثناة تحتية وحاء مهملة وجيم تصغير مدحج وهو اسم مسجد كان ملازما ما فيه الاعتكاف ولد بمدينة تريم وحفظ القرآن وتلاه على طريقة التجويد واشتغل بعلم التوحيد وقرأ العلوم الشرعية وحقق التصوف وأخذ الفقه عن القاضي محمد بن حسن بن الشيخ علي وأخذ عن السيد شهاب الدين بن عبد الرحمن والشيخ حسين بن عبد الله بأفضل عدة علوم ثم لزم العارف بالله تعالى أحمد بن علوي ملازمة تامة واقتدى به في أحواله فكان يجتهد في جميع المقاصد وكان متصفا بمحاسن الأوصاف موصوفا بالورع والعفاف والزهد مواظبا على الإعتكاف والتلاوة وكان مواظبا على الجماعة ويصلي جميع الصلوات في أول وقتها وكان يحضر للصلاة خلفه خلق كثير بحيث إن المسجد يضيق بالمصلين ويصلي كثير منهم في الشارع ومن لم يكن متوضئا قبل الوقت لم يدرك معه الصلاة لأنه يأمر بإقامة الصلاة بعد صلاة الراتبة عقب الآذان وتصدى لنفع الناس وقصدته الخلائق وأخذوا عنه وممن تخرج به السيد أبو بكر ابن علي معلم خرد والسيد عبد الرحمن بن عقيل والسيد عبد الرحمن بن عمر بارقيه وبنو أخيه عبد الله وعقيل وعلي ومحمد وأحمد وكان له اعتناء تام بكتاب أحياء علوم الدين فكان يقرأ منه جزءا في كل يوم سوى غيره من الكتب وكان عارفا بعدة علوم وله كرامات كثيرة وكانت وفاته في سنة خمس بعد الألف وحضر الناس لتشييع جنازته من جميع النواحي حتى ضاقت بهم الطرق ودفن بمقبرة زنبل رحمه الله تعالى.

(2/450)


السيد محمد بن عقيل الإمام الكبير الولي الحضرمي ذكره الشلي وقال في ترجمته تليمذه شيخ بن عبد الله في السلسلة قال كان عظيم الحال منقطع القرين كثير المجاهدات ملازما للعبادة متخليا عن العلائق كلها لم يتزوج قط ولا غرس نخلا ولا بني بيتا ولا تعلق بشيء من أسباب الدنيا فرارا من قوله صلى الله عليه وسلم ذبح العلم على أفخاذ النساء وعملا بقوله صلى الله عليه وسلم من غرس نخلا أو بني بيتا فقد ركن إلى الدنيا وهكذا كان صلى الله عليه وسلم ومن تبعه من السلف الصالح لم يضعوا لبنة على لبنة ولا قصبة على قصبة إلى أن فارقوا الدنيا وسبب ذلك أنهم رأوا الدنيا جسرا منصوبا على نهر عظيم وهم عابرون عليه راحلون عنه ولا غر وأن من بني على مثل ذلك فقد تعرض للتلف ولقد سمعت عن الشيخ المجذوب صندل الحبشي صاحب المخا حكاية تومي إلى ذلك وذلك أن بعض ملوك الهند أرسل إلى فقراء الشيخ صندل بمال وأمرهم أن يبنوا له بيتا يسكنه ويكون بإشارة منه في أي موضع يريد فلما أعلموه والتمسوا منه الإشارة إلى أي موضع يريد ليقدموا في العمارة فقام وخرج بهم إلى ساحل البحر ثم أشار إلى الباحة في البحر وقال ابنوا هاك فتحيروا في ذلك فسألوا الفقيه على الجازاني فتعجب من ذلك وأشار إليهم بالذهاب إلى الفقير وكنت إذ ذاك بالمخا عند رجوعي من الحج في سنة سبع بعد الألف فقلت الله أعلم أن مقصود الشيخ صندل بالإشارة إلى البحر الإشارة إلى فناء الدنيا وزوالها وإن من فيها كأنه مبني على أمواج البحر هذا ما قاله الشيخ شيخ وكانت وفاته السيد محمد في سنة ست بعد الألف.

(2/451)


محمد بن علاء الدين أبو عبد الله شمس الدين البابلي القاهري الأزهري الشافعي الحافظ الرحلة أحد الأعلام في الحديث والفقه وهو أحفظ أهل عصره لمتون الأحاديث وأعرفهم بجرحها ورجالها وصحيحها وسقيمها وكان شيوخه وأقرانه يعترفون له بذلك وكان إماما زاهدا ورعا بركة من بركات الزمان حكي أنه رأى ليلة القدر ودعا بأشياء منها أن يكون مثل ابن حجر العسقلاني في الحديث فكان حافظا نبيها ما وقع نظره قبل انكفافه على شيء إلا وحفظه بديها والذي عد من محفوظاته القرآن بالروايات والشاطبية والبهجة والفية العراقي في أصول الحديث والفية ابن مالك وجمع الجوامع ومتن التلخيص وغيرهما وكتب بخطه كتبا كثيرة مها فتح الباري لابن حجر وكان قدم به أبوه من قريتهم بابل من أعمال مصر إلى القاهرة وهو صغير دون التمييز وسنه دون أربع سنين وأتى به إلى خاتمة الفقهاء الشمس الرملي وهو منقطع في بيته فدع له بخير ودخل في عموم إجازته لأهل عصره ولما ترعرع لزم النور الزيادي والشيخ علي الحلبي والشيخ عبد الرؤف المناوي وأخذ الحديث والعربية وغيرهما عن البرهان اللقاني وأبي النجا سالم السنهوري والنور على الأجهوري المالكيين وأخذ علم الأصول والمنطق والمعاني والبيان عن الشهاب الغنيمي والشهاب أحمد بن خليل السبكي والشهاب أحمد بن محمد الشلبي وخاله الشيخ سليمان البابلي والشيخ صالح بن شهاب الدين البلقيني ومشايخه في العلوم لا يمكن حصرهم منهم الشيخ حجازي الواعظ والشيخ أحمد بن عيسى الكلبي والجمال يوسف الزرقاني والشيخ عبد الله بن محمد النحريري والشيخ سالم الشبشيري والشيخ موسى الدهشيني والشيخ محمد الجابري والشيخ عبد الله الدنوشري والشيخ سيف الدين المقري والشيخ أحمد السنهوري وجد واجتهد إلى أن وصل إلى ما لا يطمع في الوصول إليه من أهل زمانه أحد وكان من أحسن المشايخ سيرة وصورة وكان له في الطريق قدم راسخ يواظب على التهجد وصرف عمره في الدروس والنفع التام وكان قانعا باليسير عارفا نفسه كمال المعرفة حكى بعض الأخباريين أنه سمع علامة الزمان يحيى بن عمر المنقاري مفتي الروم يقول كنت وأنا قاض بمصر وجهت إلى البابلي تدريس المدرسة الصلاحية بعد موت الشمس الشوبري وهو مشروط لا علم علماء الشافعية قال وكتبت تقريرها وأرسلته إليه فجاء إلي وامتنع من قبولها جدا مع الأقدام عليه مرات وادعى أنه لا يعرف نفسه أنه أعلم علماء الشافعية قال فقلت له حينئذ تنظر لنا المستحق لها من هو حتى نوجهها له فقال اعفني من هذا أيضا وانصرف وذكره الشلي في تاريخه المرتب وأثنى عليه كثيرا ثم قال وهو ممن تزينت ببديع صفاته المدح ونشرت على الدنيا خلع المنح أقلام فتواه مفاتيح ما أرتج من المسائل المشكله والعلم باب مفتاحه المسئلة وأما حاله في إلقاء العلوم ونشر مطارف المنثور منها والمنظوم فكان فارس ميدانها وناظورة ديوانها ومشكاة أضوائها وعارض أنوائها وسهم اصابتها وطراز عصابتها قد تأنس به معقولها وسموعها وقرت به عينا أصولها وفروعها يجري على طرف لسانه حديثها وتفسيرها وينقاد لعلم بيانه تنقيحها وتحريرها وطوع يديه تواريخها وسيرها ونصب عينيه إنشاؤها وخبرها كلما أقرأ فنا من الفنون ظن السامعون أنه لا يحسن غيره وقد حج مرات وجاور بمكة عشر سنين وأخذ عنه جماعات لا يحصون فمن أخذ عنه من أهل القاهرة الشيخ منصور الطوخي والشهاب أحمد البشبيشي والشمس محمد بن خليفة الشوبري ومن أهل الشام الشيخ عبد القادر الصفوري والشيخ محمد الخباز المعروف بالبطنيني والشيخ محمد بن علي المكتبي ومن أهل مكة الشيخ أحمد بن عبد الرؤف والشيخ عبد الله بن طاهر العباسي والشيخ علي الأيوبي والشيخ علي بن أبي البقا والشيخ اسكندر المقري والشيخ سعيد بن عبد الله باقشير والشيخ عبد المحسن القلعي والشيخ إبراهيم بن محمد الزنجبيلي والشيخ علي باحاج ومن أهل المدينة شيخنا المرحوم إبراهيم الخياري وغيرهم وله فهرست مجمع مروياته وشيوخه ومسلسلاته جمعها تلميذه شيخ مشايخنا العلامة عيسى بن محمد الجعفري المغربي في نحو خمسة كراريس حصلت عليها من تفضلات شيخنا الإمام أحمد بن محمد النخلي المكي عندما أجازني بجميع مروياته في حرم الله الأمين يوم الأربعاء ثاني ذي الحجة سنة إحدى ومائة وألف ومع تبحره في العلوم لم يعتن بالتأليف وألجىء من الوزير الأعظم

(2/452)


أحمد باشا الفاضل إلى تأليف كتاب في الجهاد وفضائله فألف فيه في أيام قليلة كتابا حافلا أتى فيه بالعجب العجاب من الآثار الواردة فيه وأحكامه المختصة به وكان ينهي عن التأليف ويقول التأليف في هذه الأزمان من ضياعة الوقت فإن الإنسان إذا فهم كلام المتقدمين الآن واشتغل بتفهيمه فذاك من أجل النعم وأبقى لذكر العلم ونشره والتأليف في سائ الفنون مفروغ منه وإذا بلغه أن أحدا من علماء عصره ألف كتابا يقول لا يؤلف أحد كتابا إلا في أحد أقسام سبعة ولا يمكن التأليف في غيرها وهي أما أن يؤلف في شيء لم يسبق إليه يخترعه أو شيء ناقص يتممه أو شيء أخطأ فيه مصنفه يبينه أو شيء مفرق يجمعه قلت ويجمع ذلك قول بعضهم شرط المؤلف أن يخترع معنى أو يبتكر مبني وحصل له عارض في في عينيه أذهب بصره قبل انتقاله بنحو ثلاثين سنة وكان إذا طالع له أحد حثه على الإسراع بحيث أن السامع لا يفهم ما يقرأه القاري وإذا توقف القاري في محل سابقه بالفتح عليه حتى كأنه يحفظ ذلك الكتاب عن ظهر قلب وكان كثير العبادة يواظب على قراءة القرآن ولا يفارقه خوف الله في جميع الأحيان وكان يعفو عند الإقتدار وله خلق سهل رضي وكان محله يشتمل على حكايات ونكات وكان منصفا حد الانصاف حكى لي بعض العلماء وأنا بمكة عن الشهاب البشبيشي عن البابلي أنه كان يقول إذا سئلنا من أفضل الأئمة نقول أبو حنيفة وبالجملة والتفصيل فقد اجتمعت فيه الصفات الحسنة بأسرها ولم يكن في وقته أرأس منه ولا أورع ولا أكثر تقللا قال الشهاب العجمي عندما ترجمه في مشيخته وكانت ولادته في سنة ألف وتوفي عصر يوم الثلاثاء خامس وعشري جمادى الأولى سنة سبع وسبعين وألف ورثاه شيخنا إبراهيم الخياري بقصيدة طويلة ذكرها في رحلته ولم يعلق في خاطري منها إلا بيت التاريخ وهو:مد باشا الفاضل إلى تأليف كتاب في الجهاد وفضائله فألف فيه في أيام قليلة كتابا حافلا أتى فيه بالعجب العجاب من الآثار الواردة فيه وأحكامه المختصة به وكان ينهي عن التأليف ويقول التأليف في هذه الأزمان من ضياعة الوقت فإن الإنسان إذا فهم كلام المتقدمين الآن واشتغل بتفهيمه فذاك من أجل النعم وأبقى لذكر العلم ونشره والتأليف في سائ الفنون مفروغ منه وإذا بلغه أن أحدا من علماء عصره ألف كتابا يقول لا يؤلف أحد كتابا إلا في أحد أقسام سبعة ولا يمكن التأليف في غيرها وهي أما أن يؤلف في شيء لم يسبق إليه يخترعه أو شيء ناقص يتممه أو شيء أخطأ فيه مصنفه يبينه أو شيء مفرق يجمعه قلت ويجمع ذلك قول بعضهم شرط المؤلف أن يخترع معنى أو يبتكر مبني وحصل له عارض في في عينيه أذهب بصره قبل انتقاله بنحو ثلاثين سنة وكان إذا طالع له أحد حثه على الإسراع بحيث أن السامع لا يفهم ما يقرأه القاري وإذا توقف القاري في محل سابقه بالفتح عليه حتى كأنه يحفظ ذلك الكتاب عن ظهر قلب وكان كثير العبادة يواظب على قراءة القرآن ولا يفارقه خوف الله في جميع الأحيان وكان يعفو عند الإقتدار وله خلق سهل رضي وكان محله يشتمل على حكايات ونكات وكان منصفا حد الانصاف حكى لي بعض العلماء وأنا بمكة عن الشهاب البشبيشي عن البابلي أنه كان يقول إذا سئلنا من أفضل الأئمة نقول أبو حنيفة وبالجملة والتفصيل فقد اجتمعت فيه الصفات الحسنة بأسرها ولم يكن في وقته أرأس منه ولا أورع ولا أكثر تقللا قال الشهاب العجمي عندما ترجمه في مشيخته وكانت ولادته في سنة ألف وتوفي عصر يوم الثلاثاء خامس وعشري جمادى الأولى سنة سبع وسبعين وألف ورثاه شيخنا إبراهيم الخياري بقصيدة طويلة ذكرها في رحلته ولم يعلق في خاطري منها إلا بيت التاريخ وهو:
قد ختم العلم به ... فأرخوه الخاتمه
وذكر لي بعض الإخوان أن أبا بكر الصفوري الدمشقي نزيل مصر رثاه بقصيدة مطلعها:
ما أرى نقصها من الأطراف ... غير موت الأئمة الأشراف
ولم أقف عليها بتمامها والله أعلم.

(2/453)


محمد بن علوي بن محمد بن أبي بكر بن علوي بن أحمد بن أبي بكر بن الشيخ عبد الرحمن السقاف نزيل الحرمين نادرة الزمان وعلم العلماء ذكره الشلي وقال في ترجمته ولد ببندر الشحر وحفظ القرآن ولازم قراءته وصحب العلماء فأول من صحبه الإمام العارف بالله ناصر الدين بن أحمد بن الشيخ أبي بكر بن سالم وتربى في حجره وأخذ التصوف والفقه عن الفقيه السيد عمر باعمر ثم رحل إلى مدينة الأشراف تريم وأخذ عن شمس الشموس زين العابدين ابن علي بن عبد الله العيدروس وعن السيد الجليل عبد الرحمن بن عقيل وعن السيد الكبير أحمد بن حسين العيدروس والعارف بالله عبد الله بن أحمد العيدروس والعارف بالله تعالى زين بن حسين بأفضل وغيرهم وأمره شيخه السيد عبد الرحمن بن عقيل بالخلوة في زاوية مسجد الشيخ على أربعين ففعل وحصل له الفتح وظهرت له أمور ثم رحل إلى قرية السادات المشهورة بعينات فأخذ عن أمامها المقدم الشيخ الحسين بن أبي بكر بن سالم وعن وعن أخويه الحامد والحسن وغيرهم من السادة وأخذ عن الشيخ العرف الأديب الإمام حسن بن أحمد باشعيب الأنصاري ورحل إلى الهند وأخذ عن الشيخين السيدين الجليلين عبد القادر بن شيخ بن عبد الله ومحمد بن عبد الله العيدروسين وأمره الشيخ عبد القادر بالرحلة إلى الشيخ الولي السيد عبد الله بن علي فرحل إليه وهو بالقرية الشهيرة بالوهط ولازم صحبته وألبسه الخرقة وحكمه وأمره بالحج سنة تسع عشرة وألف فحج حجة الإسلام وزار جده رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم عاد إلى شيخه وقد أجزل من الفضل فأقبل عليه وزوجه ابنته ثم انتقل شيخه في سنة تسع وثلاثين وألف فحج عن شيخه حجة الإسلام ثم رجع إلى وهط اليمن وأراد أن يجعلها محلا للوطن فلم تطب له فرجع إلى وطنه بندر الشحر وكان في غاية الخمول ويخفى حاله فما مضى عليه زمن إلا حصل له ظهور عجيب وظهرت منه خوارق واشتهر في جميع تلك البلدان وقصده الناس ثم قصد قطر الحجاز وتوطن به واعتقده أهله وانعقد على ولايته الإجماع وكان ملجأ للوافدين قال الشلي وهو من أجل مشايخي في علم الحقيقة أخذ عنه الطريقة ولبس منه الخرقة كثيرون وأما كرمه وإيثاره فكان غاية لا يدرك وله كرامات منها استقامته على طريقة واحدة يواطب على الجمعة والجماعة ولا يمضى عليه ساعة إلا وهو مشتغل بطاعة ومنها أن الدنيا لا تذكر بحضرته ولا الغيبة ولا النميمة ومنها أن من رآه ذكر الله تعالى ومن شاهده ذهل عن الدنيا والآخرة ومنها أنه ما دعا لأحد من أصحابه إلا استجيب دعاؤه ومنها أني أول ملاقاتي له خطر بالبال أن يلقنني الذكر فما استمر خاطري إلا وقد نظر إلي وأقبل بوجهه علي ولقنني الذكر الذي خطر لي وله كرامات غير ما ذكر وعلى الجملة فهو بقية السلف وكانت وفاته بمكة بعد صلاة الجمعة لأربع عشرة خلت من شهر ربيع الثاني سنة إحدى وسبعين وألف وحضر جنازته سلطان مكة فمن دونه ودفن شروق يوم السبت بمقبرة المعلاة وعمل على قبره تابوت عظيم وهو بقرب قبر أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها.
محمد بن علي بن أبي بكر بن عبد الرحمن السقاف الحضرمي كان من كبار العلماء له مناقب مأثورة ومآثر مشهورة قال الشلي ولد بمدينة تريم وحفظ القرآن وأخذ عن والده الشيخ على ولازمه حتى تخرج به وصحب جماعة من العارفين وسمع الحديث ولبس الخرقة من والده وغيره وحكمه والده وأجازه بالإلباس والتحكيم ولزم الطاعة وكان والده يثني عليه كثيرا ولما ولد رأى والده وغيره في جهته آية الكرسي واعتقد بعض جهلة العوام أنه المهدي المنتظر وكانت وفاته في سنة اثنتين بعد الألف بمدينة تريم ودفن بها.

(2/454)


محمد بن علي الملقب شمس الدين العلمي القدسي الدمشقي الفقيه الحنفي وهو خال الشيخ محمد بن عمر العلمي الصوفي الآتي ذكره قريبا أن شاء الله تعالى وهذا يعرف بالعالم وذاك بالصوفي وهو سبط شيخ الإسلام بن أبي شريف رئيس العلماء في زمانه وكان عالما عاملا حسن الاعتقاد في الناس وكان ألين المقادسة المقيمين بدمشق عريكة وأحسنهم مودة منصفا في البحث غاية في الاستحضار ذكره النجم في الذيل وقال في ترجمته طلب العلم في بلده ثم دخل القاهرة وتفقه بها على الشيخ أمين الدين ابن عبد العال والشيخ زين بن نجيم صاحب الأشباه والبحر والشيخ علي بن غانم المقدسي وغيرهم وأخذ النحو عن الشمس الفارضي المصري ثم دخل دمشق وقطنها آخرا وصحب شيخنا الشيخ زين الدين بن سلطان وكان يتردد إليه كثيرا وكان يدرس ويفيد وولي آخر أمره تدريس القضاعية الحنفية بعد الشمس بن المنقار وأفتى بعد وفاة شيخنا القاضي محب الدين وكان في حياته يتردد إليه وكان شيخنا القاضي يعظمه ويعرف حقه قال وأنشدني ليلة الجمعة تاسع شهر ربيع الأول سنة ثمان عشرة وألف قال أنشدني شيخنا العلامة الشاعر المجيد الفاضل الشمس محمد الفارضي المصري الحنبلي وذكر أن البيضاوي خطأ من أدغم الراء في اللام ونسبه إلى أبي عمرو:
أنكر بعض الورى على من ... أدغم في اللام عندراء
ولا تخطى أبا شعيب ... والله يغفر لمن يشاء
وأنشدنا له:
اجرر محلا وانصبت وارفع نا ... في ربنا مع أننا سمعنا
وكانت وفاته في نهار الاثنين السابع من ذي القعدة سنة ثمان عشرة وألف ودفن بمقبرة باب الصغير.
محمد بن علي بن محمد بن علي الشبراملسي المالكي الإمام الجليل الجامع للعلوم الذي تضلع منها وصرف أوقاته في التحصيل والتفريع والتأصيل وانفرد في عصره بالعلوم الحرفية والأوفاق والزايرجة وبقية العلوم العقلية وألف مؤلفات كثيرة منها شرح على ايساغوجي في المنطق وقد أخذ عن شيوخ منهم الشيخ أحمد الشناوي الخامي وعنه الشيخ موسى القليبي وكان في سنة إحدى وعشرين وألف موجودا.
محمد بن علي المنعوت شمس الدين بن علاء الدين بن بهاء الدين البعلي الشهير بابن الفصي الفقيه الشافعي مفتي ديار بعلبك وآباؤه كلهم رؤساء العلم بتلك الناحية كان مشهورا بالفضل الوافر وله تآليف منها شرح البردة سماه الخلاص من الشده وكان قرأ على عمه الشيخ أبي الصفا في بعلبك ورحل إلى دمشق فقرأ على الشهاب الطيبي الصغير والشهاب العيثاوي ورجع إلى بلده ودرس بالمدرسة النورية وتفرد بها عند انقراض الفضلاء وحمدت طريقته وأفتى مدة وعظم شأنه ثم لما مات الأمير موسى بن علي بن الحرفوش أمير بعلبك واستولى عليها الأمير يونس ابن عمه بعد فتنة ابن جنولاذ رحل إلى دمشق مع من رحل من بعلبك وسكن دمشق مدة ثم ألجأته الضرورة إلى الرجوع إليها فلم ير من الأمير يونس ما كان يعهده من الإقبال فصار كاتبا بمحكمة بعلبك وأقام بها وكان أديبا حسن الشعر وكان بينه وبين الحسن البوريني محبة أكيدة وأناشيد وذكره في تاريخه وأثنى عليه ثم قال وكتبت إليه مرة مكتوبا مرغوبا وقررت فيه مراما مطلوبا ورقت في صدره هذه الأبيات:
يا ليت شعري والزمان تنقل ... هل نلتقي من بعد طول تفرق
أم هل يعود القرب بعد تباعد ... وتزول أسباب الفراق ونلتقي
يا قلب مهلا قد أطلت تحسري ... وحبست في طرفي القريح تأرقي
ومنعت عيني أن تشاهد منظرا ... يحلو لها أو حسن روض مونق
أسفا على تلك الليالي ليتها ... طالت وليل الوصل فيها قد بقي
فكتب إلي بعد مدة الجواب ورقم في أوله هذه الأبيات مشيرا إلى أمر أوهم خاطره حصول بعض المضمرات فقال:
قال العداة وأكثروا لا أمهلوا ... وجوانحي حذرا عليك تحرق
أمسى وأصبح والها متنسما ... خبرا بروح نسيمه أترفق
هذا ولي جسم أسير قلبه ... بيد الهموم ودمع عيني مطلق
ولسان سري لا يزال مكررا ... يا رب صنه علي مما أشفق
قال فأوجبته بمكتوب كتبت في صدره هذه الأبيات مشيرا إلى رد ما توهمه من المضمرات على حكاية بعض الحساد لا فازوا بحصول مراد فقلت:

(2/455)


كذبت ظنون الحاسدين وأخفقوا ... وتعذبوا طول المدى وتحرقوا
لا كان ما راموه من آمالهم ... وتفرقوا أيدي سبا وتمزقوا
يلغون في حقي وذلك منهم ... سبب لإظهار الكمال محقق
ماذا يروم الحاسدون من الذي ... طول الزمان له الصفاء المطلق
ما كان منه الكسر يوما لامرىء ... من دهره فيه انكسار موبق
بل دأبه جبر القلوب وهذه ... صفة بها كل الخلائق تنطق
يا سيدي وأنا الذي أختاره ... يشفى ودادا في فؤادي يورق
وصلت رسالتك التي أبدعتها ... وبضمنها روض الكمال منمق
وافت وكنت مسافرا فلقيتها ... وقت القدوم وفي الفؤاد تشوق
فقنعت منها بالسلام ومن لقا ... أهل لهم طول المدى أتشوق
فبقيت تحفظ للصديق وداده ... وإليك أحداق السعادة تحدق
ومن شعره ما كتبه إلى البوريني أيضا في صدر كتاب:
يا سادتي قسما بلطف صنيعكم ... وهو اليمين لدي لما أحلف
ما حلت عن عهد المودة لحظة ... والله يشهد والملائك تعرف
قلت وأورد في شرح البردة عند الكلام على قوله:
فكيف تنكر حبا بعد ما شهدت ... به عليك عدول الدمع والسقم
بيتين ونسبهما لنفسه وهما في غاية الرقة:
قلبي وطرفي ذا يسيل دما وذا ... دون الورى أنت العليم بقرحه
وهما بحبك شاهدان وإنما ... تعديل كل منهما في جرحه
ثم رأيتهما في أماكن كثيرة منسو بين للظهير الإربلي وذكر في بعض مروياته في شرف العلم وإن الأرض قد حرم عليها أن تأكل أجساد العلماء كما ورد في الحديث قال أنشدنا شيخنا النسفي الشافعي قال أنشدنا القاضي زكرياء قال أنشدنا شيخنا ابن كمال باشا من نظمه:
لا تأكل الأرض جسما للنبي ولا ... لعالم وشهيد القتل معترك
ولا لقارىء قرآن ومحتسب ... أذانه لا له مجرى الفلك
وللبهائي صاحب الترجمه
تعلم فإن العلم زين لأهله ... وصاحبه ما زال قدما مبجلا
وإني بتقوى الله أوصيك دائما ... وبالجد في العلم الشريف لتفضلا
ولا تتركن العلم يوما وكن فتى ... حريصا على جمع العلوم فتكملا
ويشركني في صالح من دعائه ... فظهري بأوزار غدا متثقلا
وله غير ذلك وكانت وفاته ببعلبك نهار الاثنين سابع وعشري شهر ربيع الآخر سنة أربع وعشرين وألف رحمه الله تعالى.
محمد بن علي بن إبراهيم الأسترابادي نزيل مكة المشرقة العالم العلامة صاحب كتب الرجال الثلاثة المشهورة له مؤلفات كثيرة منها شرح آيات الأحكام ورسائل مفيدة وصيته بالفضل التام شائع ذائع وكانت وفاته بمكة لثلاث عشرة خلون من ذي الحجة سنة ثمان وعشرين وألف.

(2/456)


الأمير محمد بن علي السيفي الطرابلسي أحد أمراء بني سيفا حكام طرابلس الشام وولاتها المشهورين بلكرم والأدب كان هؤلاء القوم في هذا العصر كبني برمك في عصرهم فضلا وكرما ونبلاما برحوا في طرابلس لهم العزة الزاهرة والحرمة الباهرة والدولة الظاهرة وهم مقصد كل شاعر ومورد كل مادح ومدحهم شعراء كثيرون قصدوهم وكانوا يعطون أعظم الجوائز وكان الأمير محمد بينهم كالفضل في بني برمك وكان من أهلا لأدب الظاهر والفضل السامي أدبيا فاضلا بليغا ولي حكومة طرابلس بعد الأمير يوسف السيفي الآتي ذكره إنشاء الله تعالى وبذل العطايا وكانت إحسانته تستغرق العد ويحكى عنه من ذلك ما يبعد وقوعه فمن ذلك ما حكاه الأديب الشاعر محمد بن ملحة العكاري وكان من شعراء الأمير المختصين به قال لما دهم الأمراء بني سيفا الخطيب من فخر الدين بن معن وركب عليهم وحاربهم كنت إذ ذلك في خدمة الأمير محمد فابرحت أدافع عنه بالمقاتلة حتى لقيني رجل من عسكر ابن معن فضربني على رجلي بسيف فجرحها فبعث بي الأمير إلى منزله وأمر بمعالجة رجلي حتى برأت وكان أمرهم انتهى إلى الصلح والمصافاة فخرج الأمير يوما إلى التنزه وأنا معه وكان الفصل فصل الربيع وقد أزهرت الأشجار فجلست إلى جانب شجرة مزهرة فسألني عن رجلي فقلي قد برأت وأريد أن أريك قوتها ثم ضربت بها تلك الشجرة فتناثر من نوارها شيء كثير فسر بذلك وأمر لي بجائزة من الدنانير بمقدار ما سقط من النوار وكان شيئا كثيرا واختص به جماعة من الشعراء كحسين بن الجزري الحلبي وسرور ابن سنين وكلن يقع بينهما محاورات بحضرته حتى خاطب الأمير محمد بن الزري بقوله معترضا بسرور وكان قد انقطع عن المجلس أياما
وحقك ما تركتك عن ملال ... وسهو أيها المولى الأمير
ولكن مذ ألفت الحزن قدما ... أنفت مواطنها سرور
وأنشد بديهة في مجلس شراب وسرور حاضر وقد ألقى فراش نفسه إلى النار
يظن الفراش الليل سجنا مؤبدا ... عليه وضوء الشمس من سجنه بابا
كذاك السخيف العقل يقصي مهذبا ... كريما ويدني ناقص العقل مرتابا
وطلب الأمير حسينا ليلة للشرب فجاءه وهو سكران فأنشده ارتجالا:
يا ابن المكارم والعلا ... إني أريك الذنب مني
فلقد ثملت بليلتي ... في منزلي من خمردني
والعفو من شيم الكر ... ام فإن تشاء عفوت عني
وأنشده بديهة في مجلس شراب:
خلونا بدار للمدام تكاد أن ... تماثلها الأفلاك لولا نعيمها
فهذي الندامى كالبدور وشمسها ال ... أمير وأقداح المدام نجومها
وكان معه في قبولا بجبل عكار فأوقد نارا شعاعها متصل بالجو فأنشده بأمر منه:
كأن نارك يا مولاي قلب شج ... به الصبابة تعلو حين تشتعل
ومن أشعتها في الجو ألسنة ... تدعو الإله ببقياكم وتبتهل
وسافر الأمير محمد إلى حلب في عاشر ذي الحجة سنة أربع وعشرين وألف فبلغ حسبنا أن بعض حساده أكثروا الوقيعة فيه عنده فأنشده قصيدته المشهورة:
هل نحيها ربي وربوعا ... وهيا نسقيها دما ودموعا
وهي من أعذب شعره وأحلاه ولولا شهرتها لذكرتها بتمامها وللأمير محمد من القريض مواليا كثير ولم أظفر له بشيء من الشعر ولعله كان ينظم وكانت وفاته في سنة اثنتين وثلاثين وألف بمدينة قونية مسموما وكان متوجها إلى الروم هكذا رأيته بخط الأديب عبد الكريم الطاراني ولما بلغ ابن الجزري خبر وفاته قال يرثيه:
ولما احتوت أيدي المنايا محمد الأم ... ير بن سيفا طاهر الروح والبدن
تعجبت كيف السيف يغمد في الثرى ... وكيف يواري البحر في طية الكفن
حكى أن أختا للأمير محمد سمعت بهذين البيتين فبعثت إلى ابن الجزري بسبعمائة قرش وفرس وكان الأمير المذكور نظام البيت السيفي ومن بعده تقلب بهم الزمان وخرجت عنهم الحكومة وتفرقوا أيادي سبا وحكى لي بعض الأدباء قال أخبرني بعض الأدباء قال أخبرني بعض الإخوان أنه جاور منهم امرأة بدمشق وكانت تعرف الشعر حق المعرفة قال فسألتها يوما عن دولتهم وما كانوا فيه من النعمة فتنهدت وأنشدت:

(2/457)


كان الزمان بنا غرا فما برحت ... به الليالي إلى أن فطنته بنا
محمد بن علي بن أحمد المعروف بالحريري وبالحرفوشي العاملي الدمشقي اللغوي النحوي الأديب البارع الشاعر المشهور كان في الفضل نخبة أهل جلدته وله تصانيف كثيرة منها شرح الأجرومية في مجلدين سماه اللآلى السنية وشرح شرح الفاكهي وشرح التهذيب وحاشية شرح القواعد ونهج النجاه فيما اختلف فيه النجاه وشرح الزبدة في الأصول وطرائف النظام ولطائف الانسجام في محاسن الأشعار وغير ذلك قرأ بدمشق وحصل وسما وحضر دروس العمادي المفتي وكان العمادي يجله ويشهد بفضله وطلبه المولى يوسف بن أبي الفتح لإعادة درسه فحضره أياما ثم انقطع فسأل الفتحي عن سبب انقطاعه فقيل أنه لا يتنزل لحضور درسك فكان ذلك الباعث على إخراجه من دمشق وسعى الفتحي عند الحكام على قتله بنسبة الرفض إليه وتحقق هو الأمر فخرج من دمشق إلى حلب هاربا ثم دخل بلادا العجم فعظمه سلطانها شاه عباس وصيره رئيس العلماء في بلاده وكان وهو بدمشق خامل الذكر وكان يصنع القماش العنايات المتخذ من الحرير ولذلك قيل له الحريري وكان كثير من الطلبة يقصدونه وهو في حانوته يشتغل فيقرؤن عليه ولا يشغله شاغل عن العلم وكان في الشعر مكثرا محسنا في جميع مقاصده وقد جمعت من أشعاره أشياء لطيفة فمن ذلك قوله:
حباني الوجد والحرقا ... وأودع مقلتي الأرقا
وروع بالجفا قلبا ... بغير هواه ما علقا
رنا بصوارم خدم ... تسمت بيننا حدقا
حمى أوراد وجنته ... بأسود خاله ووقا
ولاح بواضح أضحى ... له شمس الضحى شفقا
له خصر بألحاظ ال ... ورى ما زال منتطقا
هذا كقول المتنبي:
وخصر تثبت الأحداق فيه ... كأن عليه من حدق نطاقا
وفيه تعارض مع السرى الرفاقي قوله:
أحاطت عيون العاشقين بخصره ... فهن له دون النطاق نطاق
فيا لله من بدر ... غدا قلبي له أفقا
ألا يا حبذا من ... حظيت به ونلت لقا
زمان لم أجد فيه ... لشمل الوصل مفترقا
أهيم بسالف حلك ... وأهوى واضحا يققا
تولى مسرعا عنقا ... ومر كطارق طرقا
وطبع الدهر لا يبقى ... على حال وأن رفقا
فسكن خلوا به فردا ... وسر في الأرض منطلقا
وكن جلد لاذا ما الده ... ر أبدى مشربار نقا
وقوله
يا ليتها إذ لم تجد بوصال ... سمحت بوعد أو بطيف خيال
جنحت لما رقش الوشاة ونموا ... من أنني سال ولست بسال
كيف السلو ولي فؤادي لم يزل ... بحجم نيران الصبابة صالى
ومدامعي لولا زفيري لم يكد ... ينجو الورى من سحها المتوالي
ونحول جسم واحتمال مكاره ... وسهاد جفن وادكار ليالي
فالأم أظمأ في الهوى ومواردي ... فيه سراب أو لموع الآل
ولم اختباري عن فؤادي كل من ... ألقي وقلبي عند ذات الخال
أخذه ولم يحسن الأخذ من قول الباخرزي:
قالت وقد فتشت عنها كل من ... لاقيته من حاضر أو بادي
أنا في فؤادك فارم طرفك نحوه ... ترني فقلت لها وأين فؤادي
هيفاء ريحها الدلال فأخجلت ... هيف الغصون بقدها الميال
في خدها الورد الجني وثغرها ... يحوي لذيذ الشهد والجريال
حجبت محياها الجميل ببرقع ... كرقيق غيم فوق بدر كمال
ونضت من الأجفان بيض صوارم ... نصرت بهن ولم تناد نزال
وقوله من قصيدة طويلة يفتخر فيها وهي من غرر قصائده هو ومستهلها:
الحمد لله أحرزت الكمال وما ... أرجوه مما لدى أهل العلا حسن
وطلت فوق السهي قدرا ومنزلة ... أصاب أهل المعالي دونه الوهن
وطبت أصلا وقدري قدر كاشراف ... وحرت مجدا به العرفان مقترن

(2/458)


ونلت فضلا به الأعداء قد شهدت ... وأعلنت وكفي من ينكر العلن
فالشمس ينكرها الخفاش ليس لها ... في ذاك منفعة تلفي فتمتهن
أنا ابن قوم إذا جاء يسألهم ... ذو فاقة وهبوا ما عندهم وغنوا
يعفون عمن أتى في حقهم سفها ... وهم على الجود والمعروف قد مرنوا
ويرغبون شراء المجد مكرمة ... منهم وجودا ولو أرواحهم وزنوا
لكن دهري لم ينهض بكلكله ... عني ولا ارتفعت من صرفه المحن
كأنه قد أتاني أن يذيق بني ال ... علياء من بأسه الضراء إذا فطنوا
ولم يزل قدر أهل الجهل يرفعه ... على ذوي الفضل طورا وهو مؤتمن
كم قلت من ظلمه والناس في سعة ... والقلب في سجنه بالضيق مرتهن
ما كل ما يتمنى المرء يدركه ... تجري الرياح بما لا تشتهي السفن
وذكره البديعي في ذكرى حبيب فقال في وصفه إمام من أئمة العربية جليل يقصر عند سيبويه والخليل وقد أعرب كتابه المعنون بنهج النجاه فيما اختلف فيه النحاه عن غزارة فضله فإنه كتاب لم تنسج يد فكر على منواله ولم تسمح قريحة بمثله وله غيره من التصانيف المحرره والرسائل المحبره مع شعر ديباجة ألفاظه مصقوله وحلاوة معانيه معسوله ثم أورد من شعره هذه القصيدة يمدح بها النجم الحلفاوي الحلبي وأرسلها إليه من دمشق إلى حلب وهي:
فؤاد المعنى في التباعد مودع ... بحي الذي يهوى فلوموه أو دعوا
ففي قلبيه شغل من الوجد شاغل ... وليس له في العيش بالبعد مطمع
يؤد بأن يقضي ولم يقض ساعة ... له بالنوى لو كان ذلك ينفع
وما باختيار منه أصبح نازحا ... وماذا الذي فيما قضى البين يصنع
سأشكو من البين المفرق بيننا ... إلى الله عل الله بالشمل يجمع
فجسمي نحيل مذنأي من أوده ... وعيني لطول البعد لم تك تهجع
فلو عادني العواد لم يهدهم إلى ... مكاني سوى ما من أنيني يسمع
ولو عاد من أهوى لعادت به القوى ... لجسم بأثواب الضنى يتلفع
فيا ليت شعري هل أراه ولو كرى ... وهل ذلك الماضي من العيش يرجع
وقد علم الأحباب إني مفارق ... حشاشة نفس ودعت يوم ودعوا
وهل هم على العهد القديم الذي أنا ... عليه مقيم أم لذلك ضيعوا
فيا سائرا يطوي المفاوز مسرعا ... فعرج وقاك الله ما منه تجزع
إلى حلب الشهبا وأبلغ تحيتي ... إلى من لبعدي عنهم أتوجع
وخص بها عين الأفاضل بل ومن ... على فضله أهل الفضائل أجمعوا
جلا غيهب الظلماء عن كل شبهة ... وأحيا رسوما للعلى وهي بلقع
علا رتبة من دونها اقتعد السهى ... وأصبح كل نحوها يتطلع
لعمري لقد أصبحت للفضل منهلا ... وحضرتك العلياء للعلم مشرع
عليك سلام من محب متيم ... لطول النوى أحشاؤه تتقطع
فبعدك أضناه وذكرك عندي ... هو المسك ما كرريه يتضوع
وقوله فيه أيضا وهو بحلب يتشوق لدمشق:
سقى جلق الفيحاء مغني النواسم ... وجاد رباها هاطلات الغنائم
ولا برحت تهدي إليها يد الصبا ... نسائم يزري نشرها باللطائم
ولا زال يجري في أنيق رياضها ... جداول تنساب انسياب الأراقم
ودامت على الأغصان تهتف بالضحى ... حمائم يشجى صدحها قلب هائم
وحيا الحيا تلك المعاهد من فتى ... يرى حفظ عهد الود ضربة لازم
ألا حبذا دهر نعمت بظلها ... أتيه به ما بين تلك المعالم
هصرت بها هيف الغصون كأنها ... غصون أمالتها أكف النسائم
خرائد في ألحاظها سحر بابل ... وفي لفظها للمجتلي در ناظم

(2/459)


قضيت بها ما تشتهي النفس نيله ... وجانبت ما يأتي الهوى غير واجم
وخالست دهري فرصة ما غنمتها ... وفرصة صفو العيش أجدى المغانم
فمذ بان عني من أحب وخيمت ... على القلب أخطار الجفا المتراكم
وولت ليال كنت أحسب أنها ... تدوم وما عيش رخي بدائم
تقنعت بالفكر الذي صدع الحشا ... أسامر فيه سائرات النعائم
ومن مديحها:
سرى رقي أوج الكمال بهمة ... وجاز السهى من قلب لي العمائم
هو البحر حدث عن علاه وفضله ... بما شئت من قول فلست بزاعم
له كرم لو شاع في الناس بعضه ... لأصبح كل جوده مثل حاتم
له قلم إن جال من فوقطرسه ... حباه دراري الأفق من كف راقم
حوى رتبة في الفضل قصر دونها ... بنو الدهر واستعصت على كل حازم
لقد شاد ربعا للفضائل طالما ... غدا دارس الأركان رث الدعائم
به حلب فاقت على كل بلدة ... وأضحت به تفتر عن ثغر باسم
وله يندب أوقاته الماضية:
رعى الله أوقاتا بها كنت أجهل الف ... راق وأياما بها أنكر الجفا
تقضت كلمح العين أو زور طارق ... أتى مسرعا أو بارقا في الدجى خفا
وأبدلت منها فرقة وتشتتا ... وعبدا وهجرا دائما وتأسفا
فيا رب أنعم باللقاء لمدنف ... وإلا فكن بالحتف يا رب مسعفا
ومما يستجاد له قوله:
يا حبيبا أضحى جميل المعاني ... وهو في الحسن مفرد في الحقيقه
قد مضى موعد بوصلك قدما ... وهو لا شك من علاك وثيقه
قال لي موعدي مجاز فقلت الأص ... ل في سائر الكلام الحقيقه
قلت معنى قولهم الأصل في الاستعمال الحقيقة ليس معناه إنه إذا دارت الكلمة بين أن تكون حقيقة أو مجازا تحمل على الحقيقة بل معناه أنه إذا علم موضوعها الحقيقي ولم يمنع مانع من ارادته لا يعدل عنه إلى المعنى المجازي وأما مع جهل موضوعها الحقيقي فتحمل على المجاز قطعا لأن استعمال المجاز في اللغة كثير بل قال ابن جني أنه أكثر من الحقيقة قال سيد المحقيقين اثبات الحقيقة أصعب من خرط القتاد وعلى ما ذكر يحمل قولهم الأصل في سائر الكلام الحقيقة وله في الخال:
قال لي من غدا أمام أولى الفض ... ل ورب المباحث الفلسفيه
إن عندي برهان حق على نفس ... ي الهيولي والصورة الجسميه
قلت ما هو فقال شامة حبي ... قد غدت وهي نقطة جوهريه
قلت هذا جار على رأى المتكلمين في الرد على الحكماء من أن اثبات النقطة يستلزم نفي الهيولي والصورة وقد حاول محاولة عجيبة ومثل هذا الاستعمال من ذكر ألفاظ المتكلمين ونحوهم من المهندسين والنحويين مما قال فيه ابن سنان الخفاجي ينبغي أن لا يستعمل في الكلام المنظوم والمنثور قال لأن الإنسان إذا خاض في علم وتكلم في صناعة وجب عليه أن يستعمل ألفاظ أهل ذلك العلم وأصحاب تلك الصناعة ثم قال ذلك بقول أبي تمام:
مودة ذهب أثمارها شبه ... وهمة جوهر معروفها عرض
قال ابن الأثير في المثل السائر وهذا الذي أنكره هو عين المعروف في هذه الصناعة:
إن الذي تكرهون منه ... هو الذي يشتهيه قلبي
فقوله لأن الإنسان إلخ مسلم إليه ولكنه شذ عنه إن صناعة المنظوم والمنثور مستمدة من كل علم وكل صناعة لأنها موضوعة على الخوض في كل معنى وهذا لا ضابط له يضبطه ولا حاصر يحصره وجود الحريري في قوله:
تروم ولاة الجور نصرا على العدى ... وهيات يلقى النصر غير مصيب
وكيف يروم النصر من كل خلفه ... سهام دعاء عن قسي قلوب
وهذا معنى تداولته الشعراء والحسن منه قول ابن نباتة المصري:
ألا رب ذي ظلم كمنت لحربه ... فأوقعه المقدور أي وقوع
وما كان لي الإسهام تركع ... وأدعية لا تتقي بدورع
وهيهات أن ينجو الظلوم وخلفه ... سهام دعاء من قسي ركوع

(2/460)


مريشة بالهدب من جفن ساهر ... منصلة أطرافها بدموع
وللحريري:
أشكو إلى الله لا أشكو إلى أحد ... ما نابني من صديق يدعي الرشدا
صافيته من ضميري ود ذي ثقة ... فاعتضت منه بمذق باللسان غدا
فعدت من بعده والدهر ذو عجب ... لا أصطفي في الورى لي صاحبا أبدا
وكانت وفاته بديار العجم في شهر ربيع الثاني سنة تسع وخمسين وألف والحرفوشي نسبة لآل الحرفوش أمراء بعلبك.
محمد بن علي بن عمر بن محمد المشهور بابن القاري الدمشقي الحنفي تقدم جده عمر وابنه حسين وكان محمد هذا فاضلا نبيلا شاعرا لطيفا حسن المحاضرة جيد الخط له كرم أخلاق وطلاقة وجه وكان مائلا إلى الصلف والفخامة ويروى عنه أنه كان كثيرا ما يلهج بقول بعض الكبراء أنظر يمينا فلا أرى قرينا وشمالا فلم أجد مثالا قرأ على جده وعلى المفتي فضل الله بن عيسى البوسنوي وأخذ العربية عن الشرف الدمشقي وتفقه بالشيخ عبد اللطيف الجالقي وأخذ الحديث عن أبي العباس المقري ولازم من المولى عبد الله بن محمود العباسي المقدم ذكره وفرغ له جده عن المدرسة الشامية الجوانية فدرس بها برتبة الداخل وولى قضاء الحج في سنة إحدى وخمسين وألف وسافر إلى الروم ونال جاها وحرمة بين أقرانه وكان ينظم الشعر ورأيت هذين البيتين بخط بعض أصحابه منسوبين إليه وهما:
خلت العيون الراميات بأسهم ... يجرحن قلبا بالعباد معذبا
فاعجب للحظ قاتل عشاقه ... في حالتيه إذا مضى وإذا نبا
وهو معنى لطيف وأصله قول ابن الرومي:
نظرت فأقصدت الفؤاد بسهمها ... ثم انثنت عنه فكاد يهيم
ويلاي إن نظرت وإن هي أعرضت ... وقع السهام ونزعهن أليم
وكان بينه وبين أحمد بن شاهين مودة أكيدة ومراسلات كثيرة منها ما كتبه إليه الشاهيني في صدر كتاب وهو في الحج:
سلام كورد فاتح مونق ندى ... على منزل فيه خيام محمد
محمد قاضي الركب لا زال ساميا ... لأوج حجاز خدن رأى مسدد
ورد إلهي ذلك الوجه سالما ... بعيش على رغم الحواسد أرغد
وكانت ولادته في سنة إحدى عشرة وألف وتوفي.
ودفن بمقبرة باب الصغير وحكى والدي في ترجمته قال مما اتفق لي معه أني ذهبت أنا وإياه إلى عيادة مريض فصادفنا عنده يعقوب الطبيب اليهودي فلما خرجنا خرج الطبيب معنا فسأله القارىء عن المريض فقال ربما أنه يموت اليوم أو غدا فإن نبضه ساقط جدا ففي ثاني يوم من ذلك مرض القارىء ومات بعد أيام ولم تمض جمعة إلا والطبيب مات أيضا وعوفي المريض فذكرت قول القائل:
كم من عليل قد تخطاه الردى ... فنجا ومات طبيبه والعود
السيد محمد بن علي المعروف بالمنير الحسيني الحموي الأصل الدمشقي الشافعي المذهب الشيخ المعمر المنير الخير البركة قطب وقته كان من المعمرين الأخيار اتفق أهل عصره على صلاحه وديانته وكان في جميع أحواله ماشيا على نهج الكتاب والسنة وعمر كثيرا قيل أنه جاوز المائة وانقطع مدة عن الحركة وله كرامات وأحوال عجيبة منها ما حكاه بعض الثقات أنه رآه في موقف عرفة وكان لم يخرج في تلك السنة من دمشق وذكره والدي رحمه الله في ذيله وأثنى عليه كثيرا ثم قال ومن شاهد أحواله لا يشك أنه من القوم السالمين من المحذور واللوم إذا حلوا أرضا أخصبت من أنواء جودهم وأضاءت بأنوار وجودهم:
إذا نزلوا أرضا تولى محولها ... وأصبح فيها روضة وغدير
وإن رحلوا عنها غدت ورمالها ... من المسك طيب والتراب عبير
وبالجملة فهو بركة الزمان وكانت وفاته في سنة إحدى وستين وألف ودفن بمقبرة باب الصغير وخلف ثلاثة أولاد أكبرهم السيد حسن وتقدم ذكره في حرف الحاء وأوسطهم السيد عبد الرحمن وكان عالما عاملا تقيا نقيا توفي في سنة

(2/461)


وثالثهم السيد اسحاق وهو الآن حي موجود عالم صالح وهؤلاء الثلاثة لا شك في أنهم من خيار أمة محمد صلى الله عليه وسلم وذريته ولقد حكى لي بعض الإخوان عن صدوق من الناس أنه رأى والدهم صاحب الترجمة فسأله عن مرتبتهم في الولاية فقال أما حسن فكنا نتجاري نحن وإياه فسبقنا وأما عبد الرحمن فقد وصل وأما اسحق فمع الركب مجد على الوصول والله أعلم.
محمد بن علي بن عبد الله صاحب الشبيكة ابن عم محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله ابن أحمد بن علي بن محمد بن أحمد ابن الاستاذ الأعظم الفقيه الأجل السيد الجمال الفقيه المشهور في مكة كأبيه وجده بالعيدروس ذكره الشلي في تاريخه وأطال في وصفه بما لا مزيد عليه ثم قال ولد بمكة ونشأ بها وحفظ القرآن وتفقه على الشيخ عبد العزيز الزمزمي والشيخ عبد القادر الطبري وصحب والده وغيره من أكابر الأولياء وكان واحد عصره وشيخ زمانه وانتهت إليه الرياسة وكان يلبس الملابس الفاخرة وتهابه الصور ولا ترد له شفاعة وكان يقيم بمنى المدة المديدة فتفد عليه الأعيان ويكرمهم بالأطعمة الفاخرة ويعمهم بخيراته وكان يعطي العطايا الجزيلة وكان سيرته سيرة الملوك ثم انخلع من تلك الحالة وترك اللهو وتجنب صحبة أهل الظواهر وتجرد للطاعة ورغب في صحبة بني عمه من السادة قال وكنت ممن لازمه إلى الممات ودعا لي بدعوات ظهر لي نفعها وكانت تقع له كرامات خوارق من جملتها إني كنت جالسا عنده فجاء بدوي فسألني عنه فأشرت إليه فلما سلم عليه قال هات النذر الذي معك فبهت البدوي ثم قال أخبرني ما هو فقال كذا وكذا فأكب البدوي على رجله يقبلها ثم قال لي ما علم أحد بنذري غير الله تعالى ومنها أن بعض الفقراء شكى إليه حالته فقال له اذهب إلى شريف مكة يحصل لك مطلوبك فذهب إلى الشريف وأنشده قصيدة وافقت ما في ضميره فطرب لذلك وأمر له بكسوة وجائزة ومنها أن حاكم مكة مات وطلب مرتبته من شريف مكة جماعة من المتأهلين لها ووقفوا على باب الشريف ينتظر كل واحد أن يوليه الحكومة وكان الأمير سليمان بن منديه يعتقد صاحب الترجمة فجاء إليه وأخبره بذلك وكان لا يرومها لضعف حاله فألبسه السيد ثوبا من ثيابه وقال له اذهب الآن إلى الشريف فأنت حاكمها فلما دخل على الشيف وجده مفكرا فيمن يوليه من الطالبين للحكومة فلما رآه انشرح صدره وخلع عليه خلعة الإمارة ومنها أن عين مكة انقطعت وقرب مجيء الحجاج والبرك فارغة وكان الشريف بعيدا فكتب لحاكمه أن يجتهد في تملية البرك بأي وجه أمكن وعلم الحاكم عجزه عن ذلك لقرب المدة فأتى إلى صاحب الترجمة وشكى إليه حاله فقال له أعط الخادم خمسة حروف يتصدق بها على الفقراء فلما أصبحوا أمطرت السماء وسالت أودية مكة وامتلأت البرك من السيل وغير ذلك وكانت وفاته بعد صلاة الجمعة حادي عشر ذي القعدة سنة ست وستين وألف ودفن شروق يوم السبت في قبر والده في مشهدهم الشهير بالشبيكة وكانت له جنازة حافلة.
السيد محمد بن علي بن حفظ الله بن عبد الرحمن بن يحيى بن علي بن أحمد بن عيسى الحسني النعمي وتقدم ذكر بقية نسبه في ترجمة أخيه السيد حسن بن علي النعمي كان السيد محمد المذكور جمال العلماء وتاج الحكماء سيدا جليلا وأديبا نبيلا علم المعاني الحسان والناسج من وشي البلاغة ما يقصر عنه بديع الزمان له الشعر الرائق والنثر الفائق عني بجمعه ابن أخيه صفي الدين أحمد بن الحسن بن علي بن حفظ الله في ديوان فمنه قوله متغزلا:
من لقلب مزاجه الأهواء ... وعيون أودى بهن البكاء
لشجي متيم مستهام ... عمه النوح دائما والإساء
يا خليلي بالبكا ساعداني ... في عراص ربوعهن خلاء
دار ليلى ودار نعم وهند ... وديار تحلها أسماء
وقفا بي هديتما لو فواقا ... فوقوفي على الطلول شفاء
أيها الرسم هل تجيب سؤالا ... لمشوق أودت به البرحاء
كائنا عند وداد ليلى بهند ... وبنعم وشوقه أسماء
وكذا كل مولع بحبيب ... يتكنى وهل تفيد الكناء
بح غراما إن كنت حلس وداد ... وقل اللوم في الحسن هداء
أنا حلف الغرام في كل حين ... وفؤادي من السلو هواء

(2/462)


كلما أزمع الفؤاد سلوا ... ذكرتني وهنانة هيفاء
ذات قد كأنه غصن بان ... جللته غمامة سوداء
وعيون فواتر ساجيات ... رسل الموت بينها كمناء
قائلات لمن تمنى لقاها ... لا بقاء مع اللقا لا بقاء
وقدود بميلها تتثنى ... ظاميات أكفالهن رواء
يطمع الصب لينها في لقاها ... وهي للصب صخرة صماء
لم أنلها بالعين إلا اختلاسا ... رد عيني عن الصفات الضياء
وعداني عن ازدياري حماها ... رقباها وصدها الرقباء
فتراني أهوى الممات طماعا ... لازدياري منها وبئس الرجاء
أو أرجي يوم النشور لقاها ... وكثير من الرجاء هباء
إنما الحب ذلة وغرور ... وسقام يكل عنه الدواء
وقوله أيضا:
سمحت بوصل المستهام العاشق ... هيفاء خصت بالجمال الفائق
بيضاء صامتة الموضح طفلة ... تزري القضيب بلين قد باسق
من بعد ما شحت بطيب وصالها ... نحوي ولم تسمح بطيف طارق
وافت وثوب الليل أسود حالك ... في جسم عاشقها وزي السارق
باتت ذوائبها الحسان قلائدي ... وموسدي نعم الذراع الرائق
نشكو الجوى ونبث سر غرامنا ... في غفلة الرقبا ونوم الرامق
لله من وصل هنالك نلته ... في جنح ليل غيهبي غاسق
في ليلة ظلما كأن نجومها ... في لج بحر أوثقت بوثائق
من شادن غنج أغن مهفهف ... أحوى العيون بديع صنع الخالق
ملك الفؤاد يدله ودلاله ... فجوانحي كجناح طير خافق
تالله لا أنساه ليلة قال لي ... لا تنس مني محض ود صادق
واسأل فؤادك عن فؤادي أنه ... ينبيك عما جن قلب الوامق
وإليك يا سبط المكارم حلوة ... عذرا تضوع عنبر للناشق
ألقت إليك زمامها منقادة ... وتبرزت نحو اللبيب الحاذق
فاجعل إجازتها الجواب فإنه ... طب الفؤاد المستهام العالق
وله من قصيدة مدح بها الإمام محمد بن الحسن بن القسم مطلعها:
سقى المنحني صوب من المزن هاطل ... وسحت على كثب العقيق المسائل
فألبسها من حلة النبت سندسا ... وماس غضاها تزدهيه الغلائل
منازل أنس للأوانس حبذا ... لدى الصب هاتيك الربا والمنازل
وملعب غزلان ومسرح ربرب ... وما الدار شجو الصب لولا الأواهل
ومنها:
فيا من لصب تيمت قلبه النوى ... وجار الهوى فيه وما البين عادل
تحامته أحداث الزمان لأنه ... بأكناف عز الدين والملك نازل
ومنها في مدحه:
وما اشتبهت يوما لديه قضية ... من الأمر إلا ظافرته الدلائل
ولم ينأ جباز عليه بجانب ... من الأمر إلا قربته الصواهل
ومنها:
تلاقي العطايا والنوائب والوغى ... ووجهك وضاح وكفك باذل
لذلك لا يلفي ببرك سائل ... وكيف يلاقي حضرنا وهو سائل
ومنها:
وحسبي من التفصيل ما أنت أهله ... وفي الليل للمرتاد شرب ونائل
ودمت لهم بل للبرية عن يد ... وعلمك مأهول ومالك راحل
وله في النسيب:
تيمتني بجيدها والدلال ... وأباحت دمي بغير قتال
ذات فرع كأنه جنح ليل ... وجبين يحكي ضياء الهلال
وسواج ينفثن سحرا مبينا ... وهي للعاشقين أي نبال
ولها الحاجب الأزج قسي ... إن قتلي ما بين تلك النصال
غضة بضة رداح شموع ... برزت في صفاتها والخصال
تسلب الخشف جيده ورناه ... وتصاهي في الأفق بدر الكمال
جل من خصها بحسن بديع ... وبراها شخصا بغير مثال

(2/463)


روضة للعيون بين رياض ... عللت بالمجلجل الهطال
عذل العاذلون لي عن هواها ... ليس يصغي سمعي إلى العذال
لست أنسى منها ليالي ود ... إن الله درها من ليالي
يوم أعطتني الوداد دهاقا ... وسقتني من ثغرها السلسال
من شيب كأنه عقد در ... شيب بالخمر والمعين الزلال
في خلاء عن الرقيب وواش ... ساعدي فرشها وفرش الدلال
فلئن أسعدت على الوصل غيري ... وحمتني اللقا وطيف الخيال
فلكم فزت باللقاء قديما ... في لييلاتنا القدام الخوالي
فمن المبلغ السلام إليها ... من كئيب حذته حذو النعال
وأذابته بالصدود وخلت ... مدمعيه تفيض فيض السجال
وعليكم أحباب قلبي سلام ... كل يوم ما مال فيء الظلال
أو تذكرت وصلكم فشجاني ... أو سفحت الدموع في الأطلال
تيمتني ذات الخدود الرهاف ... وبرتني ذات القدود اللطاف
طفلة تفضح القضيب قواما ... تسبل الليل فوق رمل الحقاف
أعلى من هوى لتلك ملام ... لا ورب الحديد والأحقاف
وله غير ذلك مما يطول به ذيل الكلام وكانت ولادته في سنة ست وعشرين وألف وتوفي في عشري جمادى الآخرة سنة تسع وسبعين وألف بجهة مور وبها دفن والنعمي تقدم الكلام عليها في ترجمة الحسن والله أعلم.
السيد محمد بن علي بن محمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن علي النقيب بن خليل ابن عماد بن زهيف بن عثمان بن قيس بن علي الرئيس ابن منصور بن طاهر النقيب ابن المحسن بن علي بن الحسين بن حمزة بن محمد بن علي بن الحسين بن الحسين بن أحمد بن اسحق بن إبراهيم المرتضى ابن موسى الثاني الأصغر ابن إبراهيم المرتضى ابن الإمام موسى الكاظم ابن الإمام جعفر الصادق ابن الإمام محمد الباقر ابن الإمام زين العابدين علي بن الإمام أبي عبد الله الحسين بن الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه المعروف بالسيد القدسي وبابن خصيب الدمشقي الشافعي من فضلا الدهر المعروفين ونبلائه المشهورين وكان مع كرم حسبه وتكامل شرفه يرجع إلى علم طائل وأدب باهر إلا أنه كان مستخفا بنفسه وعنده طيش وكان ممسكا محبا للدنيا فلهذا انخفض قدره بين الناس وسقط من مرتبة الفضل مع أنه كان في مرتبة من العلم يقصر عنها أضرابه قرأ بدمشق على الشمس الميداني وغيره ورحل إلى القاهرة فقرا بها القرآن للسبع على شيخ القراء الشيخ عبد الرحمن اليمني وحضر اللقاني في مغنى اللبيب والجاربردي وجوهرة التوحيد ولزم الشهاب الغنيمي والبرهان الميموني وأخذ عنهما فنون الأدب وأخذ التفسير عن الشهاب أحمد بن عبد الوارث البكري والحديث عن الحافظ أبي العباس المقرىء وكلهم أجازوه بالإفتاء والتدريس ثم قدم إلى دمشق فدرس بها مدة وانتفع به جماعة ثم رحل إلى الروم وسلك طريق علمائهم فلازم من شيخ الإسلام يحيى بن زكريا وكان لزمه مدة مستطيلة حتى نال منه ذلك ورأيت بخطه قطعة إنشاء كتبها إليه أيام ملازمته وفي صدرها هذان البيتان:
يقول لي الناس مذ رأوني ... أسعى لقوت مني يفوت
قدمت سعيا فقلت حاشا ... أيام يحيى مثلي يموت

(2/464)


ثم أعقبهما بالنثر وهو مدين المآرب ومنتهي المطالب قصدت التمسك بثرى أعتابك والتشرف بملازمة بابك وجنابك ليرى موصول ضميري بالخير عائدا واسناد خبري في رياض بيانك رائدا زائدا ولم يبعثني لناديك سوى فضلك وجود أياديك والعبودية التي ورثها البعد من الوالد عن الجد فبالفعل أنت مصدر الكمال فلا تتركني بعد نحوك ملغي من الأعمال فقد أصبحت بحماك نزيلا وفي ذمامك دخيلا ولقد لقيت ظاميا بحرا طاميا ومن قصد البحر استقل السواقيا لا زال رأيك الفصل جامعا لوصل مثلي ومقدمات افضالك محققة لإنتاج شكلي ثم درس بالمدرسة اليونسية برتبة الداخل وأخذ وظائف كثيرة عن أهلها وهم في الأحياء وحكى أنه أتى بصندوقين من البراآت السلطانية وآل أمره فيها إلى المشقة والنصب ولم يتصرف منها إلا بالقليل وكانت هذه الفعلة منه أحد أسباب بغض الناس له ولزم العزلة مدة وحفظ وكتب وكان له في فن التاريخ والسير والوقائع جمعية عظيمة وله شعر وقفت على كثير منه فمنه قوله من قصيدة طويلة حسنة الديباجة مطلعها:
سواك بقلبي لم يحلل ... وغير مديحك لم يحل لي
وغيرك عند انعقاد الأمور ... إذا اشتدت الحال لم يحلل
قصدتك سعيا على ضامر ... حكاني نحولا ولم ينحل
يكاد يسابق برق السما ... ولولا وجودك لم يعجل
وجردت من خاطري صاحبا ... لشكوى الزمان وما تم لي
أعاطيه كأس الهوى مترعا ... شكاة فألقاه لم يم لي
وصحب بجلق خلفتهم ... سواهم بقلبي لم ينزل
وخضت بدمعي مذ فارقوا ... وبالصد منزل قلبي بلي
فقلت لجاري عيوني قفا ... لذكرى الحبيب مع المنزل
وفتانة سمتها وصلها ... فأصمت بمنظرها مقتلي
بقد ترنحه ذابلا ... وخديه الورد لم يذبل
مهاة من الحور في ثغرها ... رحيق الحياة مع السلسل
لختم الجمال به شامة ... تهيج البلابل كالبلبل
تحرش طرفي بلحظ لها ... وكان عن العشق في معزل
فآبت بمهجته للحمى ... أسير ظبا طرفها الأكحل
ومدت شراك دجا شعرها ... فصادت لطائر دمعي ولي
وقوله من أخرى مستهلها:
أما آن أن تقضي لقلبي وعوده ... ويورق من غصن الأحبة عوده
فقد شفه داء من الصد متلف ... ولي له غير السقام يعوده
وما حال مشتاق تناءت دياره ... وأحبابه مضنى الفؤاد عميده
يراقب من زور النسيم زيارة ... فإن جاءه يذكي الجوي ويزيده
حكى النجم بين السحب يبدو ويختفي ... إذا سال أجفانا وثار وقوده
ولو كان يسعى للزيارة ممكنا ... لسار ولكن أثقلته قيوده
ومن مقاطيعه قوله:
جذبت بمغناطيس لحظي خاله ... فصار لجفني ناظرا وعلاجا
ومذ خاف من عين المراقب أنبتت ... دموع زفيري للجفون سياجا
وقرأت بخطه أنشدني الأمير المنجكي بداره بدمشق في سنة خمس وأربعين وألف
ولما طارت الآمال شرقا ... وغربا ثم لم أرلي مغيثا
بسطت جناح ذلي ثم إني ... وقفت بباب عزك مستغيثا
قال ثم بعد مدة تأملتهما ومعناهما وقلت ما أحق مثلي بهما وما أحلاهما وجعلت إذ ذاك بيتين من الوزن دون القافية وهما:
ولما ضاقت الأيام ذرعا ... بأحوالي ولم أر لي نصيرا
شرحت فؤاد آمالي يذل ... وقت بباب عزته فقيرا
وكانت ولادته في سنة اثنتي عشرة بعد الألف وتوفي في سابع عشر شهر ربيع الثاني سنة اثنتين وثمانين وألف ودفن بمقبرة باب الصغير بالقرب من بلال الحبشي رضي الله عنه.

(2/465)


محمد بن علي بن محمد بن علي بن عبد الرحمن بن محمد بن جمال الدين بن حسن بن زين العابدين الملقب علاء الدين الحصني الأصل الدمشقي المعروف بالحصكفي مفتي الحنفية بدمشق وصاحب التصانيف الفائقة في الفقه وغيره منها شرح مطول عليه قدره في عشرة أسفار كتب منها سفرا واحدا وصل فيه إلى باب الوتر والنوافل وسماه خزائن الأسرار وبدائع الأفكار وله شرح ملتقى الأبحر سماه الدر المنتقى وشرح المنار في الأصول سماه أفاضة الأنوار وشرح القطر في النحو ومختصر الفتاوى الصوفية والجمع بين فتاوى ابن نجيم جمع التمرتاشي وجمع ابن صاحبها وله تعليقة على صحيح البخاري تبلغ نحو ثلاثين كراسة وعلى تفسير القاضي البيضاوي من سورة البقر وسورة الأسراء وغير ذلك من رسائل وتحريرات وكان عالما محدثا فقيها نحويا كثير الحفظ والمرويات طلق اللسان فصيح العبارة جيد التقرير والتحرير إلا أن علمه أكثر من عقله ولد بدمشق وقرأ على والده وعلى الإمام محمد المحاسني خطيب دمشق المقدم ذكره ولازمه وانتفع به وبلغت محبته له إلى أن صيره معيد درسه في البخاري وأجازه إجازة عامة في شوال سنة اثنتين وستين وألف وارتحل إلى الرملة فأخذ بها الفقه عن شيخ الحنفية خير الدين الرملي ثم دخل القدس وأخذ بها عن الفخر بن زكرياء المقدسي الحنفي السالف الذكر وحج في سنة سبع وستين وأخذ بالمدينة عن الصفي القشاشي وكتب له إجازة مؤرخة بعاشر المحرم سنة ثمان وستين وله مشايخ كثيرون منهم الشيخ منصور بن علي السطوحي نزيل دمشق والاستاذ القطب أيوب الخلوتي والشيخ عبد الباقي الحنبلي واشتغل عليه خلق كثير وأخذوا عنه وانتفعوا به أجلهم شيخنا الشيخ إسماعيل بن علي المدرس فقيه الشام الآن وأصحابنا الإجلاء الشيخ درويش الحلواني والشيخ إسماعيل بن عبد الباقي الكاتب والشيخ عثمان بن حسن بن هدايات والشيخ عمر ابن مصطفى الوزان وغيرهم وحضرته أنا بحمد الله تعالى وهو يقري تنوير الأبصار في داره وتفسير البيضاوي في المدرسة التقوية والبخاري في الجامع الأموي وانتفعت به وكان في أول عمره فقير الحال جدا فسافر إلى الروم في سنة ثلاث وسبعين ونهض به حظه لإقبال الوزير الفاضل عليه فولي المدرسة الجقمقية ثم فرغ عنها وطلب افتاء الشام فناله وقدم إلى دمشق بحشمة باهرة واستمر مفتيا خمس سنين وكان متحريا في أمر الفتيا غاية التحري ولم يضبط عليه شيء خالف فيه القول المصحح ولما توفي الشمس محمد بن يحيى الخباز الشهير بالبطنيني انحلت عنه بقعة التحديث بجامع دمشق فوجهت إليه ودرس بها وعلا صيته واشتهر أمره ثم سعى بعض حساده في كتابه ما هو عليه من الأنفة والخيلاء وزادوا أشياء وأرسلوا في ذلك كتبا إلى جانب الدولة فاستقر ذلك في عقول أصحاب الحل والعقد واتفق أنه مات في غضون ذلك العلامة المنلا أبو بكر بن عبد الرحمن الكردي المقدم ذكره وكان مدرس السليمية فعرض فيها قاضي القضاة بدمشق المولى عبد الله بن محمد الطويل لنائبه شيخنا الهمام أحمد بن محمد المهمنداري فوجهت السليمية لشيخنا صاحب الترجمة ووجهت الفتيا لشيخنا المهمنداري وأعطى درس التحديث عنه للشمس محمد بن محمد العيثي وبقي على هذا نحو سنة ثم سافر إلى الروم واجتمع بشيخ الإسلام يحيى المنقاري وشكى إليه حاله فوجه إليه قضاء قاره وعجلون على التأييد وأعاد إليه بقعة التحديث وكان الوزير الفاضل يومئذ في محاصرة جزيرة كريت فتوجه إليه فلما وصل استقبله وأكرمه وفتحت مدينة قندية وهو ثمة فعينه الوزير لخطبة الفتح في الجامع الذي وسم باسم السلطان محمد بن إبراهيم وحصل له بذلك كمال الاشتهار ووجه إليه قضاء حماة فقدم إلى دمشق ودرس مدة ثم أشيع موته في الروم فوجهت عنه المدرسة السليمية والقضاء فبقي مدة صفر اليد ثم لما مات السيد محمد بن كمال الدين بن حمزة نقيب الشام وجهت إليه مدرسة التقوية ثم سافر إلى الروم وأضاف إليها قضاء صيدا ثم رجع إلى دمشق وبقي يفيد ويدرس إلى أن مات وكان موته يوم الاثنين عاشر شوال سنة ثمان وثمانين وألف عن ثلاث وستين سنة ودفن بمقبرة باب الصغير واتفق له قبل موته أحوال تدل على حسن الختام له منها إنه كان من حين ابتدأ درس البخاري في سنة موته يقرأ الفاتحة كل يوم في أول درسه وآخره ويهديها للنبي صلى الله عليه وسلم فوافق أنها كانت ختام درسه فإنه انتهى درسه في البخاري عند

(2/466)


آخر تفسير الفاتحة في اليوم التاسع والعشرين من شهر رمضان واتفق أنه في ثاني يوم ثبت العيد وكان يوم الجمعة فحضر إلى الجامع وعقد درسا حافلا فاجتمع الناس من كل مكان وقرأ من تفسير سورة البقرة ومن صحيح البخاري في حديث الشفاعة العامة ولما أتم الدرس شرغ في الدعاء وكان يقول يا عباد الله أوصيكم بتقوى الله والإكثار من قول لا إله إلا الله ويكرر ذلك مرارا ويقول أكثروا من ذلك حد الإكثار وأنا لا أريد منكم أن تشهدوا لي بفضل ولا علم ولا جاه سوى إني كنت أقول لا إله إلا الله وإني كنت أذكر كم بها ثم لما ختم الدعاء ودع الحاضرين بعبارات مرموزه وذهب إلى بيته واستمر عشرة أيام في عبادة وتسبيح وتهليل حتى مات ورثاه جماعة منهم الشيخ الإمام محمد بن علي المكتبي الآتي قريبا فإنه رثاه بقصيدة طويلة أولها:ر تفسير الفاتحة في اليوم التاسع والعشرين من شهر رمضان واتفق أنه في ثاني يوم ثبت العيد وكان يوم الجمعة فحضر إلى الجامع وعقد درسا حافلا فاجتمع الناس من كل مكان وقرأ من تفسير سورة البقرة ومن صحيح البخاري في حديث الشفاعة العامة ولما أتم الدرس شرغ في الدعاء وكان يقول يا عباد الله أوصيكم بتقوى الله والإكثار من قول لا إله إلا الله ويكرر ذلك مرارا ويقول أكثروا من ذلك حد الإكثار وأنا لا أريد منكم أن تشهدوا لي بفضل ولا علم ولا جاه سوى إني كنت أقول لا إله إلا الله وإني كنت أذكر كم بها ثم لما ختم الدعاء ودع الحاضرين بعبارات مرموزه وذهب إلى بيته واستمر عشرة أيام في عبادة وتسبيح وتهليل حتى مات ورثاه جماعة منهم الشيخ الإمام محمد بن علي المكتبي الآتي قريبا فإنه رثاه بقصيدة طويلة أولها:
قفا يا صاحبي على الرسوم ... نسائلها عن العهد القديم
وما فعلت أيادي الخطب فيها ... مع الأهوال والزمن الغشوم
ونوحا وابكيا مولى جليلا ... أمام العصر في كل العلوم
علاء الدين حلال القضايا ... وحيد الدهر ذا الرأي السليم
دعاه الله للفردوس لبي ... مطيعا مسرعا نحو الرحيم
فوا أسفي عليه مدى حياتي ... ولست على التأسف بالملوم
ولولا أن دمعي من حماء ... سقيت سراه كالغيث العميم

(2/467)


محمد بن علي بن محمود بن يوسف بن محمد بن إبراهيم الشامي العاملي الشهير بالحشري الأديب الشاعر البليغ الوحيد في مقاصده البعيد الغاية في ميدانه ذكره السيد علي بن معصوم في السلافة واستوعب ذكر فضائله فأغناني عن شرح أحواله حيث قال البحر الغظمطم الزخار والبدر المشرق في سماء المجد بسناء الافتخار الهمام البعيد الهمه المجلوة بأنوار علومه ظلم الجهل المدلهمه اللابس من مطارف الكمال أطرف حله والحال من منازل الجلال في أشرف حله فضل تغلغل في شعاب العلم زلاله وتسلسل حديث قديمه فطاب لراويه عذبه وسلسا له وفحل رقي من أوج الشرف أبعد مراقيه وحل من شخص المعالي بين جوانحه وتراقيه شاد مدارس العلوم بعد دروسها وسقي بصيب فضله حدائق غروسها وأنعش جدودها من عثارها وأخذ من أحزاب الجهل بثارها ففوائده في سماء الإفادة أقمار ونجوم وشهب لشياطين الانس والجن رجوم إن نطق صفد المعاني عن أمم وأسمعت كلماته من به صمم وإن كتب كبت الحاسد عن كثب فجاء بما شاء على الاقتراح وترك أكباد أعدائه دامية الجراح ومتى احتبى مفيدا في صدر ناديه وجثت بين يديه طلاب فوائده وأياديه رأيت دأماء العلم تقذف درر المعارف غواربه وقمر الفضل أشرقت بضياء عوارفه مشارقه ومغاربه فيملأ أصداف الأسماء درا فاخرا ويبهر الأبصار والبصائر محاسن ومفاخرا وأما الأدب فعليه مداره وإليه إيراده واصداره ينشر منه ما هو أذكى من النشر في خلال النواسم بل أحلى من الظلم يترقرق في ثنايا المباسم وما الدر النظيم إلا ما انتظم من جواهر كلامه ولا السحر العظيم إلا ما نفثت سواحر أقلامه وأقسم أني لم أسمع بعد شعر مهيار والرضى أحسن من شعره المشرق الوضي أن ذكر الأنسجام فهو غيثه الصيب أو السهولة فهو نهجها الذي تنكبه أبو الطيب ثم قال وله على من الحقوق الواجبة شكرها ما يفل شبا يراعتي وبراعتي ذكرها وهو شيخي الذي أخذت عنه في بدء حالي وأنضيت إلى موائد فوائده يعملات رحالي واشتغلت عليه فاشتغل بي وكان دأبه تهذيب أدبي ووهبني من فضله ملا لا يضيع وحنا علي حنو الظئر على الرضيع ففرش لي حجر علومه وألقمني ثدي معلومه حتى شحذ من طبعي مرهفا وبرى من نبعي مثقفا فما يسح به قلمي فهو من فيض بحاره وما ينفح به كلمي إنما هو من نسيم اسحاره وأما خبر ظهوره من الشام وخروجه وتنقله في البلاد تنقل القمر في بروجه فإنه هاجر إلى الديار العجمية بعد ابدار هلاله وانسجام وسمي فضله وانهلاله فأقام بها برهة من الدهر محمود السيرة والسريرة في السر والجهر عاكفا على بث العلم ونشره مؤرجا الأرجاء بطيبه ونشره ولما تلت الألسن سور أوصافه واجتلت الأسماع صور اتسامه بالفضل واتصافه استدعاه أعظم وزراء مولانا السلطان يريد به سلطان الهند إلى حضرته وأحله من كنفه في نهجه العيش ونضرته ثم رغب الوالد في انحيازه إلى جنابه فاتصل به اتصال المحبوب بعد اجتنابه فأقبل عليه إقبال الوامق الودود وأظله بسرادق جاهه المدود فانتظم في سلك ندمائه وطلع عطاردا في نجوم سمائه حتى قصد الحج فحج وقضى من مناسكه العج والثج وأقام بمكة سنتين ثم عاد فاستقبله ثانيا بالإسعاف والإسعاد وكنت قد رأيته حال عوده ببندر المخا ثم رأيته بحضرة الوالد وبينهما من المودة ما بيربي على الإخا فأمرنا بالاشتغال عليه والاكتساب مما لديه فقرأت عليه الفقه والنحو والبيان والحساب وتخرجت عليه في النظم والنثر والفنون الآداب وما زال يشنف أذني بفرائده ويملأ ارداني بفوائده حتى حسدنا عليه الدهر الحسود وجرى على سجيته في تبديل الأيام البيض بالليالي السود فقضى الله علينا بفراقه لأمور أوجبت نكس الآبل بعد اعراقه ثم أنشد له من شعره قوله:
شرق على حكم النوى أو غرب ... ما أنت أول ناشب في مخلب
في كل يوم أنت نهب مخالب ... أو ذاهب في أثر برق خلب
متألق في الجو بين مشرق ... غص الفضاء به وبين مغرب
يبكي ويضحك والرياض نواسم ... ضحك المشيب على عذاري الأشيب
أزعمت أن الذل ضربة لازب ... فنشبت في مخلاب باز أشهب
لعبت بلبك كيف شاء لها الهوى ... مقل متى تجد النواظر تلعب

(2/468)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية