صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : ثقات ابن حبان
مصدر الكتاب : الإنترنت
[ ترقيم الكتاب موافق للمطبوع ]

بن الجراح على جميع الناس فاستحى أبو عبيدة أن يقرى خالدا الكتاب وقال أصبر حتى يفتح الله دمشق فاقتتلوا قتالا شديدا وانهزم الروم وتحصنوا فرابطها المسلمون حتى فتحت صلحا وأعطوا الجزية وكان قد أخذ الابواب عنوة وجرى الصلح على يدي خالد وكتب الكتاب ولحق باهان بهرقل وكان ذلك في رجب ومدة حصاره دمشق ستة اشهر فلما فرغ المسلمون من دمشق أقرأ أبو عبيدة خالدا الكتاب فانصرف خالد إلى المدينة وقد قيل إن الصلح جرى على يد أبى عبيدة ثم خرج عمر على الناس فقال إني وجدت من عبيد الله ابني ريح شراب وإني سائل عنه فان كان مسكرا جلدته قال السائب بن يزيد فشهدته بعد ذلك يحده وكان الذي حده عبد الرحمن بن عبد
ثم ضرب أبا محجن الثقفى وربيعة بن أمية بن خلف المخزومي وحدهم في الخمر ثم أمرعدمر من كان بالبلدان التي افتتحت أن يصلوا فيها التراويح في شهر رمضان وصلى بالناس بالمدينة كذلك ثم قدم جرير بن عبد الله البجلي من اليمن على عمر في ركب من

(2/203)


بجيلة فقال لهم عمر إنكم قد علمتم ما كان من المصيبة في إخوانكم بالعراق فسيروا إليهم وأنا أخرج لكم من كان منكم في قبائل العرب قالوا نفعل يا أمير المؤمنين فأخرج إليهم قيسا وكندة وعرينة وأمر عليهم جرير بن عبد الله البجلي فسار بهم إلى الكوفة فلما بلغ قريبا من المثنى بن حارثة كتب له المثنى أقبل إلى إنما أنت لي مدد فكتب إليه جرير إني لست فاعلا إلا أن يأمرنى بذلك أمير المؤمنين أنت أمير وأنا أمير ثم سار جرير نحو الجسر فلقيه مهران بن باذان عند النخيلة فاقتتلوا قتالا شديدا وشد المنذر بن حسان على مهران فطعنه فوقع عن دابته واقتحم عليه جرير بن عبد الله فاحتز رأسه فاشتركا جميعا في سلبه ثم إن عمر بن الخطاب أمر سعد بن أبى وقاص على العراق ومعه ستة آلاف رجل وكتب إلى المثنى بن حارثة وجرير بن عبد الله أن اجتمعا إلى سعد فسار سعد بالمسلمين وسار المنذر وجرير إليه حتى نزل سعد بشراف وشتا بها واجتمع إليه الناس وتزوج سعد امرأة المثنى سلمى بنت حفصة ثم حج بالناس عمر بن الخطاب

(2/204)


فلما دخلت السنة الخامسة عشرة كان فيها وقعة اليرموك وذلك أن الروم سار بهم هرقل حتى نزل أنطاكية ومعه من المستعربة لخم وجذام وبلقين وبلى وعاملة وغسان ومن معه من أهل أرمينية بشر كثير فأقام بأنطاكية وسار أبو عبيدة بن الجراح في المسلمين إليهم في أربعة وعشرين ألفا وكان الروم مائة ألف فالتقوا باليرموك فاقتتلوا قتالا شديدا حتى كانت نساء قريش يضربن باتلسيوف وكان أبو سفيان بن حرب تحت راية ابنه يزيد فجعل ينادى في المعركة يا نصر الله اقترب حتى أنزل الله نصره وهزم الروم فقتل من الروم ومن معه من أهل أرمينية والمستعربة سبعون ألفا وقتل الله الصقلار وباهان رئيسين لهم ثم بعث أبو عبيدة بن الجراح عياض بن غنم في طلبهم فسلك الاعماق حتى بلغ ملطية فصالح أهلها على الجزية فسمع هرقل بذلك فبعث إلى ملطية فساق من فيها من المقاتلة وأمر بها فأحرقت

(2/205)


وكان ممن قتل باليرموك من المسلمين عمرو بن سعيد بن العاص وأبان بن سعيد بن العاص وعبد الله بن سفيان بن عبد الاسد وسعيد بن الحارث بن قيس ولما حسر عن سعد بن أبى وقاص الشتاء سار بالمسلمين يريد القادسية وكتب إلى عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه يستمده فبعث إليه عمر المغيرة بن شعبة في أربعمائة رجل مددا لسعد من المدينة وكتب إلى أبى عبيدة بن الجراح أن أمد سعدا بألف رجل من عندك ففعل أبو عبيدة ذلك وأمر عليهم عياض بن غنم الفهري
وسمع بذلك رستم فخرج بنفسه مع من عنده من الاعاجم يريد سعدا وحج عمر بالناس فلما كانت السنة السادسة عشرة أراد عمر بن الخطاب أن يكتب التأريخ فاستشار أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم منهم من قال من النبوة ومنهم من قال من الهجرة ومنهم من قال من الوفاة فأجمعوا على الهجرة وكتب التأريخ لسنة ست عشرة من الهجرة فلما وصل إلى سعد بن أبى وقاص المغيرة بن شعبة سار بالمسلمين إلى رستم حتى نزل قادس قرية إلى جنب العذيب وأقبل

(2/206)


رستم في ستين ألفا من الجموع ممن أحصى في ديوانه سوى التبع والرقيق حتى نزل القادسية وبينهم وبين المسليمن جسر القادسية وسعد في منزله وجع قد خرج به قرح شديد فبعث رستم إلى سعد أن ابعث إلى رجلا جلدا أكلمه فبعث إليه المغيرة بن شعبة ففرق المغيرة رأسه أربع فرق ثم عقص شعره ولبس برديه وأقبل حتى انتهى إلى رستم من وراء الجسر مما يلي العراق والمسلمون من الناحية الآخرى مما يلي الحجاز فلما دخل عليه المغيرة قال له رستم إنكم معشر العرب كنتم أهل شقاء وجهد وكنتم تأتوننا من بين تاجر وأجير ووافد فأكلتم من طعامنا وشربتم من شرابنا واستظللتم بظلالنا فذهبتم فدعوتم أصحابكم وجئتم تؤذوننا وإنما مثلكم مثل رجل له حائط من عنب فرأى فيه أثر ثعلب فقال وما بثعلب واحد فانطلق ذلك الثعلب حتى دعا الثعالب كلها إلى ذلك الحائط فلما اجتمعن فيه جاء صاحب الحائط فرآهن فسد الحجر الذي دخلن منه ثم قتلهن
جميعا وأنا أعلم إنما حملكم على هذا معشر العرب الجهد الذي أصابكم فارجعوا عنا عامكم هذا فانكم شغلتمونا عن عمارة بلادنا ونحن نوقر لكم ركائبكم قمحا وتمرا ونأمر لكم بكسوة فارجعوا عنا فقال

(2/207)


المغيرة بن شعبة لا يذكر منا جهد إى وقد كنا في مثله أو أشد أفضلنا في أنفسنا عيشا الذي يقتل بن عمه ويأخذ ماله فيأكله نأكل الميتة والدم والعظام فلم نزل على ذلك حتى بعث الله فينا نبينا وأنزل عليه الكتاب فدعانا إلى الله وإلى ما بعثه به فصدقه به منا مصدق وكذبه به منا مكذب فقاتل من صدقه من كذبه حتى دخلنا في دينه منن بين موقن ومقهور حتى استبان لنا أنه صادق وأنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمرنا أن نقاتل من خالفنا وأخبرنا أنه من قتل منا على ذلك فله الجنة ومن عاش ملك وظهر على من خالفه ونحن ندعوك إلى أن تؤمن بالله وبرسوله وتدخل في ديننا فان فعلت كانت لك بلادك ولا يدخل عليك فيها إلا من أحببت وعليك الزكاة والخمس وإن أبيت ذلك فالجزية وإن أبيت ذلك قاتلناك حتى يحكم الله بيننا وبينك قال له رستم ما كنت أظن أن أعيش حتى أسمع هذا منكم معشر العرب لا أمسى غدا حتى أفرغ منكم وأقتلكم كلكم ثم أمر بالمعبر أن يسكر فبات ليلته يسكر بالزرع والقصب والتراب حتى أصبح وقد تركه جسرا وعبأ سعد بن أبى وقاص الجيش فجعل خالد بن عرفطة على جماعة الناس وجعل على الميمنة جرير بن عبد الله البجلي

(2/208)


وعلى الميسرة قيس بن مكشوح المرادي وزحف إليهم رستم وزحف إليه المسلمون وكان سعد في الحصن معه أبو محجن الثقفى محبوس حبسه سعد في شرب الخمر فاقتتل المسلمون قتالا شديدا والخيول تجول وكان مع سعد أم ولده فقال لها أبو محجن وسعد في رأس الحصن ينظر إلى الجيش كيف يقاتلون أطلقيني ولك عهد الله وميثاقه لئن لم أقتل لارجعن إليك حتى تجعلي الحديد في رجلي فأطلقته وحملته على فرس لسعد بلقاء وخلت سبيله فجعل أبو محجن يشد على العدو ويكر وسعد ينظر فوق الحصن يعرف فرسه وينكره وكان همرو بن معد يكرب مع المسلمين فجعل يحرض على الناس القتال ويقول يا معشر المسلمين كونوا أسودا إن الفارسي تيس وكان في الاعلاج رجل لا يكاد يسقط له نشابة فقيل لعمرو بن معد يكرب يا أبا ثور اتق ذلك الفارسي فإنه لا تسقط له نشابة فقصد نحوه وجاءه الفارسي ورماه بنشابة فأصابت ترسه وحمل عليه عمرو فاعتنقه وذبحه فاستلبه سوارين من ذهب ومنطقة من ذهب ويلمقا من ديباج وحمل رستم على المسلمين فقصده هلال بن علقمة التميمي

(2/209)


فرماه رستم بنشابة فأصاب قدمه فشكها إلى ركاب سرجه وحمل عليه هلال بن علقمة فضربه فقتله واحتز رأسه وولت الفرس واتبعتهم المسلمون يقتلونهم فلما رأى أبو محجن الهزيمة رجع إلى القصر وأدخل رجليه في قيده فلما نزل سعد من رأس الحصن رأى فرسه قد عرفت فعرف أنها قد ركبت فسأل أم ولده عن ذلك فأخبرته خبر أبى محجن فخلى سبيله ونهض سعد بالمسلمين خلفهم وانتهى الفرس إلى دير قرة فنزل
عليهم سعد بالمسلمين ووافى عياض بن غنم في مدده من أهل الشام وهم ألف رجل فأسهم له سعد ولاصحابه من المسلمين مما أصابوا بالقادسية وكان الناس قد أجبنوا سعدا وقالوا أجبنت عن محاربة الاعداء فاعتذر إلى الناس وأراهم ما به من القروح في فخذيه حتى سكت الناس ثم انهزم الفرس من دير قرة إلى المدائن وحملوا ما معهم من الذهب والفضة والحرير والديباج والسلاح وخلوا ما سوى ذلك فبعث سعد خالد بن عرفطة في طلبهم معه أصحابه وأردفه بعياض بن غنم في أصحابه وجعل على مقدمة الناس هاشم بن عتبة بن أبى وقاص وعلى ميمنتهم جرير بن عبد الله البجلي وعلى ميسرتهم زهرة بن حوية التميمي وتخلف عنهم بنفسه لما به من الوجع ثم أفاق سعد من وجعه وبرئ واتبع الناس بمن معه من المسلمين فأدركهم دون دجلة على

(2/210)


بهرسير فطلبوا المخاضة فلم يهتدوا لها فقال علج من أهل المدائن لسعد أنا أدلكم على مخاضة تدركونهم قبل أن يمنعوا السير فخرج بهم على مخاضة فكان أول من خاض المخاضة هاشم بن عتبة بن أبى وقاص في رجله فلما جاز تبعه خيله ثم أحاز عياض بن غنم بخيله ثم تتابع الناس فخاضوا حتى جاوزوا ويقال إن تلك المخاضة لم تعرف إلى الساعة فبلغ المسلمون إلى ساباط طويل مظلم وخشوا أن يكون فيه كمين للعدو فأخذوا يتجابنون فكان أول من دخله بجيشه هاشم بن عتبة بن أبى وقاص فلما جاز لاح للناس بسيفه فعرفوا أنه ليس فيه شئ يخافونه ثم أجاز خالد بن عرفطة بخيله ثم لحق سعد بالناس حتى انتهوا إلى جلولاء وبها جماعة من الفرس وكانت بها
وقعة جلولاء وهزم الله الفرس وأصاب المسلمون بها من الغنائم أكثر مما أصابوا بالقادسية وكتب سعد إلى عمر بن الخطاب يخبر بفتح الله على المسلمين فكتب إليه عمر أن قف مكانك ولا تطلب غيرذلك فكتب إليه سعد إنما هي سربة أدركناها والارض بين أيدينا فكتب إليه عمر أقم

(2/211)


مكانك ولا تتبعهم وأعد للمسلمين دار هجرة ومنزل جهاد ولا تجعل بيني وبين المسلمين بحرا فنزل سعد بالانبار فاجتووها وأصابهم بها الحمى فكتب إلى عمر يخبره بذلك فكتب إلى سعد أنه لا يصلح العرب إلا حيث يصلح البعير والشاء في منابت العشب فانظر فلاة إلى جنب بحر فأنزل المسلمين بها واجعلها دار هجرة فسار سعد حتى نزل بكويفة فلم يوافق الناس الكون بها من كثرة الذباب والحمى فبعث سعد عثمان بن حنيف فارتاد لهم موضع الكوفة اليوم فنزلها سعد بالناس وخط مسجدها واختلط فيها للناس الخطط وكوف الكوفة واستعمل سعد على المدائن رجلا من كندة يقال له شرحبيل بن السمط ثم كتب عمر إلى سعد أن ابعث إلى أرض الهند يريد البصرة جندا لينزلوها فبعث إليها سعد عتبة بن غزوان في ثمانمائة رجل حتى نزلها وهو الذي بصر البصرة واختلط المنازل وبنى مسجد الجامع بالقصب وكان فتح البصرة صلحا وافتتح عتبة بن غزوان الابلة والفرات

(2/212)


وميسان ومن سبى ميسان والد الحسن وأرطبان جد بن عون ثم خرج عتبة حاجا وأمر المغيرة بن شعبة أن يصلى
بالناس إلى أن يرجع فحج ورجع فمات في الطريق قبل أن يصل إلى البصرة فأقر عمر المغيرة بن شعبة على الصلاة وولد عبد الرحمن بن أبى بكرة بالبصرة وهو أول مولود ولد بها وخرج عمر بن الخطاب وخلف عثمان بن عفان على المدينة فلما قدم الشام نزل بالجابية فقام فيها خطيبا لهم ثم أراد عمر الرجوع إلى الحجاز فقال له رجل من اليهود يا أمير المؤمنين لا ترجع إلى بلادك حتى يفتح الله عليك إيلياء فبينا عمر كذلك إذ نظر إلى كردوس خيل مقبل فلما دنوا من المسلمين سلوا السيوف فقال عمر هم قوم يستأمنون فآمنهوهم فأقبلوا وإذا هم أهل إيلياء فصالحوه على الجزية وفتحوها له وكتب لهم عمر كتاب عهد بذلك ورجم بالجابية امرأة أقرت على نفسها بالزنا ثم رجع إلى المدينة ودون لهم الديوان وغرب أبا محجن الثقفى إلى باضع وتزوج عمر صفية بنت أبى عبيد على مهر أربعمائة

(2/213)


درهم وحج بالناس عمر استخلف على المدينة زيد بن ثابت فلما دخلت السنة السابعة عشرة كتب عمر إلى البلدان بمواقيت الصلاة ووضع ما بين مكة والمدينة مياها للسابلة واتخذ دارا بالمدينة وجعل فيها الدقيق والسويق للمتقطع والضيف إذا نزل وولى عمر المغيرة على البصرة فسار المغيرة إلى الاهواز فصالحوه على ألفى ألف درهم وثمانمائة ألف درهم ثم ارتدوا فغزاهم بعد ذلك أبو موسى الاشعري إلى أن افتتحها يقال عنوة وقد قيل صلحا وبعث أبو عبيدة بن الجراح عمرو بن العاص غلى قنسرين فصالح
أهل حلب ومنبج وأنطاكية وافتتح سائر أرض قيصر عنوة ويقال إن في هذه السنة افتتح أبو موسى الاشعري الرهاء وسميساط صلحا ثم أراد عمر الخروج إلى الشام فخرج حتى إذا بلغ سرغ لقيه أمراء الاجناد أبو عبيدة بن الجراح ويزيد بن أبى سفيان وشرحبيل بن حسنة وأخبروه أن الارض وبية فقال عمر لابن عباس ا جمع إلى المهاجرين الاولين فجمعهم له واستشارهم فاختلفوا

(2/214)


عليه فمنهم القائل خرجت لوجه تريد فيه الله والدار الآخرة ولا نرى أن نصدك عنه ومنهم من يقول لا نرى أن تقدم عليه وتقدم الناس فلما اختلفوا عليه قال قوموا عنى ثم جمع الانصار واستشارهم فسلكوا طريق المهاجرين فلما اختلفوا عليه قال قوموا عنى ثم جمع مهاجرة الفتح فاستشارهم فلم يختلف عليه منهم اثنان قالوا جميعا ارجع بالناس فإنه بلاء وفناء فقال عمر لابن عباس أخبر الناس أن أمير المؤمنين يقول إني مصبح على ظهر فأصبحوا عليه فأصبح عمر على ظهر وأصبح الناس عليه فقال أيها الناس إني راجع فارجعوا فقال له أبو عبيدة بن الجراح يا أمير المؤمنين افرارا من قدر الله قال نعم نفر من قدر الله إلى قدر الله لو غيرك قالها يا أبا عبيدة أرأيت لو أن رجلا هبط واديا له عدو ثان إحداهما خصبة والاخرى جدبة أليس يرعى من يرعى الجدبة بقدر الله ويرعى من يرعى الخصبة بقدر الله ثم خلا به بناحية دون الناس فبينا الناس على ذلك إذ لحقهم عبد الرحمن بن عوف وكان متحنفا ولم يشهد معهم يومهم بالامس فقال ما شأن الناس فأخبره الخبر فقال عندي من هذا علم فقال
عمر ما عندك فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إذا سمعتم بهذا الوباء ببلد فلا تقدموا عليه وإذا وقع وأنتم به فلا تخرجوا فرارا منه لا يخرجنكم إلا ذلك فقال عمر فلله الحمد فانصرفوا

(2/215)


أيها الناس فانصرف بهم ورجع أمراء الاجناد إلى أعمالهم ثم اعتمر عمر في رجب وأمر بتوسيع المسجد وتجديد أنصاب الحرم وتزوج بمكة بنت حفص بن المغيرة فأخبر أنها عاقر فطلقها قبل أن يدخل بها وأقام بمكة عشرين ليلة ورجع إلى المدينة وبعث أبو عبيدة خالد بن الوليد فغلب على أرض البقاع فصالحه أهل بعلبك ثم خرج أبو عبيدة يريد حمص وقدم خالدا أمامه فقاتلوا قتالا شديدا ثم هزمت الروم حتى دخلوا مدينتهم فحاصرهم المسلمون فسألوه الصلح عن أموالهم وأنفسهم وكنائسهم فصالح المسلمون حمص على مائة ألف دينار وسبعين ألف دينار وأخذ سائر مدائن حمص عنوة وبعد موت عتبة بن غزوان والى البصرة أمر عمر على البصرة أبا موسى الاشعري وكان المغيرة على الصلاة بها فشهد أبو بكرة وشبل بن معبد البجلي ونافع بن كلدة وزياد على المغيرة بما شهدوا فبعث عمر إلى أبى موسى الاشعري أن أشخص إلى المغيرة ففعل ذلك أبو موسى ثم تزوج عمر أم كلثوم بنت على بن أبى طالب وهى من فاطمة ودخل بها في شهر ذي القعدة ثم حج واستخلف على المدينة زيد بن ثابت

(2/216)


فلما دخلت السنة الثامنة عشرة أصاب الناس مجاعة شديدة فاستسقى
لهم عمر وأخذ يد العباس وقال اللهم إنا نستسقي بعم رسول الله صلى الله عليه وسلم فما زال العباس قائما إلى جنبه وعيناه تهملان وعمر يلح في الدعاء حتى سقوا فسمى هذه السنة سنة الرمادة وأجرى عمر الاقوات على المسلمين وكان يرزق الضعفاء القوت ونهاى عن الحكرة حاطبا وغيره وكان طاعون عمواس فتفانى الناس فيه فكتب عمر إلى أبى عبيدة إنك أنزلت الناس أرضا عميقة فارفعهم إلى أرض مرتفعة فسار أبو عبيدة بالناس حتى نزل بالجابية ثم قام أبو عبيدة خطيبا فقال أيها الناس إن هذا الوجع رحمة ربكم ودعوة نبيكم وموت الصالحين قبلكم وإن أبا عبيد يسأل الله أن يقسم له منه حظه فمات من يومه واستخلف على الناس معاذ بن جبل فقام معاذ خطيبا بعده فقال أيها الناس إن هذا الوجع رحمة ربكم ودعوة نبيكم وموت الصالحين قبلكم إن معاذا يسأل الله أن يقسم له حظه ثم لاهل بيته فطعن ابنه عبد الرحمن بن معاذ فمات ثم طعن معاذ في راحته فكان يقبل ظهر كفه وكان يقول ما أحب أن لي بما فيك من الدنيا شيئا ثم مات واستخلف على الناس عمرو بن العاص فقام فيهم خطيبا فقال أيها الناس إن هذا

(2/217)


الوجع إذا وقع يشتعل اشتعال النار فارتفعوا عنه في الجبال فمات في طاعون عمواس يزيد بن أبى سفيان والحارث بن هشام بن المغيرة وسهيل بن عمرو وعتبة بن سهيل فلما بلغ عمر بن الخطاب موت أبى عبيدة بن الجراح ويزيد بن أبى سفيان أمر معاوية بن أبى سفيان على جند دمشق وخراجها وأمر
شرحبيل بن حسنة على جند الاردن وخراجها وغرب عمر بن ربيعة بن أمية إلى خيبر ولحق بأرض الروم وتنصر فلم يغرب عمر بعد ذلك في رجلا شئ من عمله ولا عن عمر بين رجل وامرأته ورجع ساحرا بالبقيع ثم حج عمر بالناس فلما قدم بمكة أخر المقام مقام إبراهيم وكان ملصقا بالبيت في موضعه الذي هو فيه اليوم ورجع إلى المدينة فلما دخلت السنة التاسعة عشرة كتب عمر إلى سعد بن أبى وقاص أن ابعث من عندك جندا إلى الجزيرة وأمر عليهم أحد الثلاثة خالد بن عرفطة أو هاشم بن عتبة بن أبى وقاص أو عياض بن غنم فلما قرأ سعد الكتاب قال لم يؤخر أمير المؤمنين عياض بن غنم آخر الثلاثة إلا أن له فيه هوى فولاه جيشا وبعث معه عمر بن سعد وعثمان بن أبى العاص فخرج عياض بن غنم إلى الجزيرة ونزل بجنده

(2/218)


على الرهاء وصالح أهلها على الجزيرة وصالحت حران حين صالحه الرهاء ووجه عياض عمر بن سعد إلى رأس العين وسار بنفسه في بقية الناس إلى دارا ونصيبين فنزل عليهما حتى افتتحهما ثم افتتح الموصل صالحه عليها أهلها وزاد عمر في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم زاد فيه من ناحية دار مروان وأدخل فيه دار العباس وسوى أعمدته وسقفه وبعث سعد جرير بن عبد الله البجلي إلى حلوان فافتتحها عنوة وافتتح هاشم بن عتبة ماسبذان عنوة وفى هذه السنة فتح أبو موسى
جنديسابور والسوس صلحا ثم أمر عمر أبا موسى بجرير بن عبد الله فافتتحوا رامهرمز صلحا ثم سار أبو موسى إلى التستر حتى فتحها وافتتح فم وقاشان ثم افتتح معاوية بن أبى سفيان قيسارية والرملة وما بينهما فأقره عمر عليهما وحج بالناس عمر وفى هذه السنة افتتحت تكريت فلما دخلت سنة عشرين رجفت المدينة بالزلزلة وشكى أهل الكوفة

(2/219)


سعدا وزعموا أنه لا يحسن يصلى فاستقدمه عمر وسأله فقال إني أركن في الاوليين وأحذف في الآخرتين فقال كذاك الظن فيك يا أبا إسحاق ثم عزل عمر قدامة بن مظعون عن البحرين ودخل أبو بحرية الكندي عبد الله بن قيس بلاد الروم وأغار وهو أول من دخلها وافتتح مصر والاسكندرية عمرو بن العاص عنوة وقد فتحت سنة إحدى وعشرين وغنم بها غنائم كثيرة ثم رجع فلما بلغ بلهيب قرية من قرى الريف أرسل صاحب الاسكندرية إلى عمرو بن العاص أنى قد كنت أخرج الجزية إلى من هو أبغض غلى منكم فارس والروم فان أحببت أن أعطيك الجزية على أن ترد على من السبى فعلت فبعث إليه عمرو بن العاص أن من ورائي أميرا لا أستطيع أن أنفذ أمرا دونه فان شئت أن أمسك عنك وتمسك عنى حتى أكتب إليه بالذي عرضت على فعلت فان قبل ذلك قبلته وإن أمرني بغير ذلك مضيت لامره فقال نعم فكتب عمرو إلى عمر فكتب إليه عمر أما بعد فقد جاءني كتابك تذكر فيه أن صاحب الاسكندرية عرض عليك الجزية على أن ترد عليه ما أصبت من سبى أرضه ولعمري

(2/220)


لجزية قائمة تكون لنا ولمن بعدنا من المسلمين أحب إلى من فيئ يقسم ثم كأنه لم يكن فاعرض على صاحب الاسكندرية أن يعطيك الجزية على ان تخيروا من في أيديكم من سبيهم بين الاسلام وبين دين قومهم فمن اختار الاسلام فهو من المسلمين له ما لهم وعليه ما عليهم ومن اختار دين قومه وضع عليه من الجزية ما يوضع على أهل دينه وأما من تفرق من سبيهم فبلغ المدينة ومكة واليمن فانا لا نقدر على ردهم فلا نحب أن نصالحهم على ما لا نفى به فبعث عمرو بن العاص غلى صاحب الاسكندرية يعلمه بالذي كتب أمير المؤمنين فقال قد قبلت فجمعوا ما بأيديهم من السبى واجتمعت النصارى فكانوا يخيرون الرجل بين الاسلام والنصرانية فان اختار الاسلام كبر المسلمون وانحاز إليهم وإن اختار النصرانية نخرت النصارى ثم حازوه إليهم ووضعوا عليهم الجزية ثم كتب عمرو بن العاص إلى عمر أما بعد يا أمير المؤمنين فانا قدرنا على البحر وإن شئت أن تركبه ركبت فكتب إليه عمر أن صف لي كيف حاله وحال من ركبه فكتب إليه عمرو بن العاص أنه خلق شديد يحل فيه خلق ضعيف دود على عود إن استمسك به فزع وإن خر غرق فكتب إلى عمرو بن العاص ما كان الله ليسألنى عن أمرى من المسلمين الذين حملتهم فيه لا حاجة لنا به

(2/221)


وتوفى بلال بن رباح مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بدمشق ودفن في المقبرة عند باب الصغير ثم أخرج عمر يهود الحجاز من نجران إلى الكوفة وقال كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول لئن عشت
لاخرجن اليهود من جزيرة العرب ثم قال لهم من كان له منكم عهد من رسول الله صلى الله عليه وسلم فليأت بعهده حتى ننفذه ومن لم يكن له عهد فانى أجليه لان النبي صلى الله عليه وسلم قال أقركم ما أقركم الله وقد أذن الله باجلائكم إلا أن يأتي رجل منكم بعهد أو بينة من النبي صلى الله عليه وسلم أنه أقره فأقره وقد فعلتم بمظهر بن رافع الحارثى ما فعلتم وذلك أن مظهر بن رافع خرج بأعلاج له من الشام حتى إذا كان بخيبر دخل قوم من اليهود وأعطوا غلمانه السلاح وحرضوهم على قتله فقتلوه فأجلى عمر اليهود من الحجاز وقسم خيبر على ثمانية عشر سهما ثم بعث إلى فدك أبا حبيبة الحارثى ومضى إلى وادى القرى وأنفذ ظعن خيبر ووادى القرى على ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم سماها إلا أنه فرقها وصارت في أيدى أهلها تباع وتورث بدأ بأزواج النبي صلى الله عليه وسلم ففرض لكل امرأة منهن

(2/222)


اثنى عشر ألفا وفرض لاهل بدر صبيهم وحليفهم ومولاهم خمسة آلاف خمسة آلاف وفرض للانصار صبيهم وحليفهم ومولاهم أربعة آلاف أربعة آلاف ثم مات أسيد بن حضير في شعبان ودفن بالبقيع ومات هرقل ملك الروم وأقعد مكانه قسطنطين ثم أغارت الحبشة على أهل بلجة فأصابوهم وقدم الصريخ على عمر فبعث علقمة بن مجزر المدلجي في عشرين مركبا إلى إلى الحبشة فأغاروا عليهم ولم يحمل بعدها مسلما في البحر ثم عزل عمر أبا موسى عن البصرة وولاها عثمان بن أبى العاص
وأمرهما أن يطاوعا فنزل عثمان توج ومصرها وبعث سوار بن همام العبدي إلى سابور فقتل بعقبة الطين ثم ماتت زينب بنت جحش زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأل عمر من يغسلها فقالت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم نحن نغسلها فغسلناها وصلى عليها عمر وكبر أربعا فلما أتى بسريرها أمر عمر بثوب فمد على قبرها وأمر أسامة بن زيد وابن أخيها محمد بن عبد الله بن

(2/223)


جحش ومحمد بن طلحة بن عبيد الله فدخلوا قبرها ولحدوا لها وقام عمر على قبرها حتى سوى عليها ورش على قبرها الماء ثم انصرف وحج عمر بالناس فلما دخلت السنة الحادية والعشرون مات خالد بن الوليد بحمص وأوصى إلى عمر بن الخطاب ثم كان فتح نهاوند وأميرها النعمان بن مقرن وذلك أن أهل الري وأصبهان وهمذان ونهاوند تعاقدوا وتعاهدوا وقالوا إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نبي العرب الذي أقام لها دينها مات وإن ملكهم من بعده ملك يسيرا يعنى أبا بكر ثم هلك وإن عمر قد طال ملكه ومكثه وتأخر أمره حتى جيش إليكم الجيوش في بلادكم وليس بمنقطع عنكم حجتى تسيروا إليهم في بلادهم فتقتلوهم فلما بلغ الخبر أهل الكوفة من المسلمين كتبوا إلى عمر فلما أخذ عمر الصحيفة مشى بها إلى منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو باك وجعل ينادى أين المسلمون أين المهاجرون والانصار من ههنا من المسلمين فلم يزل ينادى حتى امتلا عليه المسجد رجالا ثم صعد المنبر فحمد الله وأثنى
عليه ثم قال أما بعد أيها الناس فان الشيطان قد جمع لكم جموعا كثيرة

(2/224)


وأقبل بها عليكم ألا وإن أهل الري وأصبهان وأهل همذان وأهل نهاوند أمم مختلفة ألوانها وأديانها ألا وإنهم تعاقدوا وتعاهدوا على أن يسيروا إليكم فيقتلوكم ألا وإن هذا يوم له ما بعده من الايام ألا فأشيروا على برأيكم فقام طلحة بن عبيد الله فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد يا أمير المؤمنين فقد حنكتك البلايا وعجمتك التجارب وقد ابتليت يا أمير المؤمنين واختبرت فلم ينكشف شئ من عواقب قضاء الله لك إلا عن خيار وأنت يا أمير المؤمنين ميمون النقيبة مبارك الامر فمرنا نطع وادعنا نجب واحملنا نركب فأثنى عمر على طلحة خيرا ثم جلس فقام عثمان بن عفان فحمد الله وأثنى عليه ثم قال يا أمير المؤمنين إني أرى أن تكتب إلى أهل الشام فيسيرون إليك من شامهم وتكتب إلى أهل اليمن فيسيرون من يمنهم وتسير أنت بمن معك من أهل هذين الحرمين إلى هذين المصرين فإنك لو فعلت ذلك كنت أنت الاعز والاكبر وإن هذا يوم له ما بعده من الايام وأثنى عليه عمر فجلس فقام على بن أبى طالب فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد يا أمير المؤمنين فإنك إن تكتب إلى أهل الشام أن يسيروا

(2/225)


إليك من شامهم إذا تسير الروم إلى ذراريهم فتسبيهم وإن تكتب إلى أهل اليمن أن يسيروا إليك من يمنهم إذا تسير الحبشة إلى ذراريهم فتسبيهم وإن سرت أنت بمن معك من أهل هذين الحرمين إلى هذين المصرين إذا والله انتقضت عليك الارض من أقطارها وأكنافها
وكان والله يا أمير المؤمنين من تخلف وراءك من العورات والعيالات أهم إليك مما بين يديك من العجم ولا لله يا أمير المؤمنين لو أن العجم نظروا إليك عيانا إذا لقالوا هذا عمر هذا إريس العرب وكان والله أشد لحربهم وجرأتهم عليك وأما ما كرهت من مسير هؤلاء القوم فان الله أكره لمسيرهم منك وهو أقدر على تغيير ما كره وأما ما ذكرت من كثرتهم فانا كنا ما نقاتل مع نبينا بالكثرة ولكنا نقاتل معه بالنصرة من السماء وأنا أرى يا أمير المؤمنين رأيا من تلقاء نفسي رأيي أن تكتب إلى أهل البصرة فيفترقوا على ثلاث فرق فرقة تقيم في أهل عهودهم بأن لا ينتقضوا عليهم وفرقة تقيم من ورائهم في ذراريهم وفرقة تسير إلى إخوانهم بالكوفة مددا لهم فطبق عمر ثم أهل مكبرا يقول الله أكبر الله أكبر هذا رأى هذا رأى كنت أحب أن أتابع صدق بن أبى طالب لو خرجت بنفسى لنقضت على

(2/226)


الارض من أقطارها ولو أن العجم نظروا إلى عيانا ما رالوا عن العرص حتى يقتلوني أو أقتلهم أشر على يا على بن أبى طالب برجل أوليه هذا الامر قال مالي ولهم هم أهل العراق وفدوا عليك ورأوك ورأيتهم وتوسمتهم وأنت أعلمنا بهم قال عمر إن شاء الله لاولين الراية غدا رجلا يكون لاول أسنة يلقاها وهو النعمان بن مقرن المزني ثم دعا عمر السائب بن الاقرع الكندي فقال يا سائب أنت حفيظ على الغنائم بأن تقاسمها فان الله أغنم هذا الجيش شيئا فلا تمنعوا أحدا حقا هو له ثكلتك أمك يا سائب وإن هذا الجيش هلك فاذهب عنى في عرض الارض فلا أنظر إليك بواحدة فإنك تجيئني
بذكر هذا الجيش كلما رأيتك ثم كتب إلى أهل الكوفة سلام عليكم أما بعد فقدج استعملت عليكم النعمان بن مقرن المزني فان قتل النعمان فعليكم حذيفة بن اليمان العبسي فان قتل حذيفة فعليكم عبد الله بن قيس الاشعري أبو موسى فان قتل أبو موسى فعليكم جرير بن عبد الله البجلي فان قتل جرير فعليكم المغيرة بن شعبة الثقفى فان قتل المغيرة فعليكم الاشعث بن قيس الكندي ثم كتب عمر إلى النعمان بن مقرن فان في جندك رجلين عمرو بن معد يكرب المدحجى وطليحة بن خويلد الاسدي فأحضرهما

(2/227)


وشاورهما في الحرب وإياك أن توليهما عملا فان كل صانع أعلم بصناعته فلما ورد عليه الكتاب سار بالناس فالتقى المسلمون والمشركون بنهاوند فأقبل المشركون يحمون أنفسهم وخيولهم ثلاثا ثم نهض إليهم المسلمون يوم الاربعاء فاقتتلوا قتالا شديدا حتى كثرت القتلى وفشت الجرخى والصرعى في الفريقين جميعا ثم حجز بينهما الليل ورجع الفريقان إلى عسكريهما وبات المسلمون ولهم أنين من الجراحات يعصبون بالخرق ويبكون حول مصاحفهم وبات المشركون في معازفهم وخمورهم ثم غدوا يوم الخميس فاقتتل المشركون وقاتلوا قتالا شديدا حتى كثرت القتلى وفشت الجرحى في الفريقين جميعا ثم حجز بينهما الليل ورجع الفريقان إلى عسكريهما وبات المسلمون لهم أنين من الجراحات يعصبون بالخرق ويبكون حول مصاحفهم وبات المشركون في
معازفهم وخمورهم ثم غدا النعمان بن مقرن يوم الجمعة وكان رجلا قصيرا أبيض على برذون أبيض قد أعلم بالبياض فجعل يأتي راية راية يحرضهم على القتال

(2/228)


ويقول الله الله في الاسلام أن تخذلوه فانكم باب بين المسلمين وبين المشركين فان كسر هذا الباب دخلوا على المسلمين يا أيها الناس إني هاز لكم الراية مرة فليتعاهد الرجل الخيل في حزمها وأعنتها ألا وإني هاز لكم الثانية فلينظر كل رجل منكم إلا موقف فرسه ومضرب رمحه ووجه مقاتله ألا وإني هاز لكم الثالثة ومكبر فكبروا الله واذكروه ومستنصر فاستنصروه ألا فحامل فاحملوا فقال رجل قد سمعنا مقالتك وحفظنا وصيتك فأخبرنا بأي النهار يكون ذلك حتى يكونوا على آلة وعدة قال النعمان ليس بمعنى أن يكون ذلك من أول النهار إلا شئ شهدته من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا غزا فلم يقاتل أول النهار لم يعجل بالقتال حتى تزول الشمس وتهب الرياح ويطيب القتال وتحضر الصلاة وينزل النصر من السماء مع مواقيت الصلاة في الارض فمكث المسلمون ينظرون إلى الراية ويراعونها حتى إذا زالت الشنس عن كبد السماء هز النعمان الراية هزة فانتزعوا المخالى عن الخيول وقرطوها الاعنة وأخذوا أسيافهم بأيمانهم والاترسة بشمائلهم وصلى كل رجل منهم ركعتين يبادر بهما ثم هز النعمان الراية ثانيا فوضع كل رجل منهم رمحه بين أذنى فرسه ولزمت

(2/229)


الرجال منهم نحور الخيل وجعل كل رجل يقول لصاحبه أي
فلان تنح عنى لاوطئك بفرسي إني أرى وجه مقاتلي إني غير راجع إن شاء الله حتى أقتل أو يفتح الله على ثم هز الثالثة فكبر فجعل الناس يكبرون الاول فالاول الادنى فالادنى وقذف الله الرعب في قلوب المشركين حتى أن أرجلهم كانت تخفق في الركب فلم يستطع منهم أحد أن يوتر قوسه ثم ولوا مدبرين وحمل النعمان وحمل الناس فكان النعمان أول قتيل قتل من المسلمين جاءه سهم فقتله فجاء أخوه معقل بن مقرن فغطى عليه بردا له ثم أخذ الراية وإنها لتنضح دما من دماء من قتله بها النعمان قبل أن يقتل فهزم الله المشركين وفتح على المسلمين وبايع الناس لحذيفة بن اليمان فجمع السائب بن الاقرع الغنائم كأنها الآكام فجاءه دهقان من دهاقينهم فقال هل لك أن تؤمنني على دمى ودم أهل بيتي ودم كل ذي رحم لي وأدلك على كنز عظيم قال نعم قال خذوا المكاتل والمعاول فامشوا فمشوا معه حتى انتهى إلى مكان قال احفروا فحفروا فإذا هم بصخرة قال اقلعوها فقلعوا فإذا هم بسفطين من فصوص يضئ ضوءها كأنها شهب تتلألأ فأعطى السائب كل ذي حق حقه من الغنائم وحمل السفطين

(2/230)


حتى قدم بهما على عمر فلما نظر عمر إلى السائب ولى باكيا ثم أقبل يقول يا سائب ويحك ما وراءك ما فعلت ما فعل المسلمون قال السائب خير يا أمير المؤمنين هزم الله المشركين وفتح للمسلمين قال ويحك يا سائب والله ما أتت ليلة بعد ليلة بات فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم فبينا ميتا مثل البارحة لا والله ما بت البارحة إلا تقديرا فما فعل النعمان بن مقرن قال استشهد يا أمير المؤمنين فبكى عمر
ثم قال يرحم الله النعمان ثلاثا ثم قال مه قال لا والذي أكرمك بالخلافة وساقها إليك ما قتل بعد النعمان أحد نعرفه فبكى عمر بكاء شديدا ثم قال الضعفاء لكن الله أكرمهم بالشهادة وساقها إليهم أدفنتم إخوانكم لعلكم غلبتم على أجسادهم وخليتم بين لحومهم والكلاب والسباع أخشى أن يكونوا أصيبوا بأرض مضيعة قال السائب هون عليك يا أمير المؤمنين فقد أكرمهم الله بالشهادة وساقها إليهم ثم قال عمر أعطيت كل ذي حق حقه فقال نعم فنفض عمر رداءه ثم ولى باكيا فأخذ السائب بطرف ردائه ثم قال اجلس يا أمير المؤمنين فان لي إليك حاجة قال وما حاجتك ألم تخبرني أنك أعطيت كل ذي حق حقه قال بلى قال فما حاجتك إلى فابدى له عن السفطين فصوصهما كأنها شهب تتلألأ فقال عمر

(2/231)


ما هذا فأخبره السائب خبر الدهقان فصعد فيها بصره وخفضه ثم قال ادع لي عليا وعبد الرحمن بن عوف وابن مسعود وعبد الله بن الارقم فلما اجتمعوا عنده قال السائب لم يكن لي هم إلا أن أنفلت من عمر فركبت راحلة لي وأتيت الكوفة فوالله ما جفت بردعة راحلتي حتى أتاني كتاب عمر عزمت عليك إن كنت قاعدا لا قمت وإن كنت قائما لا قعدت إلا على راحلتك ثم العجل العجل فقلت للرسول هل كان في الاسلام حدث قال لا قلت فما حاجته إلى قال لا أدرى فركبت راحلتي حتى أتيت عمر فلما نظر إلى أقبل على بدرته يضربني بها حتى سبقته إلى غيره وهو يقول ما لي ولك يا بن أم مليكة أعن ديني تفارقني أم النار
توردنى قلت دعني عنك يا أمير المؤمنين لا تقتلني غما قال عمر فإنك لما خرجت من عندي فأويت إلى فراشي جاءني ملائكة من عند ربي في جوف الليل فرمونى بسفطين هذين فإذا حملتهما فإذا نار توقد على جنبي فجعلت أتأخر وجعلوا يدفعونني إليهما حتى تعاهدت ربي في هذا إن هو تركني حتى أصبح لاقسمن على من أفاء الله عليه أخرج بهما من عندي لا حاجة لي بهما

(2/232)


بعهما بعطية المقاتلة والذرية فان لم تصب إلا عطية أحد الفريقين فبع ثم اقسمهما على من أفاء الله عليه والله لئن شكا المسلمون قبل أن تقسم بينهم لاجعلنك نكالا لمن بعدك قال السائب فخرجت بهما من عنده حتى قدمت الكوفة فأخرجتهما إلى الزحمة فأبديت عنهما فلاح ضوءهما كأنهما شهب تتلألأ فجعل لا يأتي عليهما قوم إلا صفقوا تعجبا منهما حتى أتاني عمرو بن حريث فلما نظر إليهما استامني بهما فقلت بعطية المقاتلة والذرية فما كلمني حتى صفق على يدي وأوجبت له البع فخرج بهما إلى الحيرة فباع أحدهما بعطية المقاتلة والذرية واستفضل الآخر ربحا فكان أول شئ اعتقله بالكوفة مالا ثم سار المغيرة بالمسلمين إلى مدينة أذربيجان فصالحه أهلها على ثمانمائة ألف درهم في كل سنة ثم غزا حذيفة بن اليمان الدينور فافتتحها عنوة وكانت قبل ذلك

(2/233)


فتحت لسعد فانتقضت ثم غزا حذيفة ماء سندان فافتتحها عنوة وكانت
قبل ذلك فتح لسعد فانتقضت ثم غزا حذيفة همذان فافتتحها عنوة ثم ولى عمر عمار بن ياسر الكوفة على الصلاه والحرب وعبد الله بن مسعود على بيت المال وعثمان بن حنيف على مساحة الارض فشكا أهل الكوفة عمارا وقالوا رجل لا يعلم فاستعفي عمار ودعا عمر جبير بن مطعم خاليا ليوليه الكوفة وقال له لا تذكره لاحد فبلغ المغيرة بن شعبة أن عمر قد خلا بجبير بن مطعم فرجع إلى امرأته وقال لها اذهبي إلى امرأة جبير بن مطعم فاعرضي عليها متاع السفر فأتتها فعرضت عليها فاستعجمت عليها ثم قالت ائتينى به فلما استيقن المغيرة بذلك جاء إلى عمر وقال بارك الله لك فيمن وليت وأخبره أنه ولى جبير بن مطعم فقال عمر لا أدرى ما أصنع فولى المغيرة بن شعبة الكوفة فلم يزل عليها إلى أن مات عمر ثم مضى عمرو بن العاص إلى برقة طرابلس ففتحها وصالح أهل برقة على اثنى عشر ألف دينار وبعث عقبة بن نافع الفهري فافتتح

(2/234)


لعمر زويلة بالصلح وكان بين برقة وزويلة صلح للمسلمين وحج عمر بالناس واستخلف على المدينة زيد بن ثابت فلما دخلت السنة الثانية والعشرين فتح المغيرة بن شعبة أذربيجان صلحا على ثمانمائة ألف درهم ودخل معاوية أرض الروم الصائفة في عشرة آلاف ثم اعتمر عمر وساق معه عشر بدنات ونحرها في منحر رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه من الصحابة عبادة بن الصامت وأبو ذر وأبو أيوب وشداد بن أوس وكان نافع بن عبد الحارث عامله على مكة فتلقاه نافع فقال عمر من خلفت على أهل الوادي فقال
بن رجل من الموالي قال عمر أمولى أيضا قال يا أمير المؤمنين إنه قارئ للقرآن عالم بالفرائض فقال عمر سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن الله عزوجل يرفع بهذا القرآن أقواما ويضع به آخرين فلما دخلت السنة الثالثة والعشرون فتح معاوية عسقلان صلحا وقد قيل إن الذي فتح في هذه السنة فتحها قرظة بن

(2/235)


كعب الانصاري لعمر ولا يصح عندي ثم كان غزوة أصطخر الاولى وذلك أن عثمان بن أبى العاص أقام يتوج وتوفى قتادة بن النعمان الظفري فصلى عليه عمر ونزل حفرته أخوه لامه أبو سعيد الخدري ومحمد بن مسلمة والحارث بن خزمة ثم حج بالناس عمر وأذن لازواج النبي صلى الله عليه وسلم أن يحججن معه فبينا هو بالابطح إذ أقبل راكب يسأل عن عمر فدل عليه فلما رآه بكى وجعل يقول جزى الله خيرا من أمير وباركت يد الله في ذاك الاديم الممزق قضيت أمورا ثم غادرت بعدها بوائج في أكمامها لم تفتق أبعد قتيل بالمدينة أظلمت له الارض تهتز العضاه بأسوق فمن يسع أو يركب جناحى نعامة ليدرك ما قدمت بالامس يسبق فما كنت أخشى أن تكون وفاته بكفى سبنتى أزرق العين مطرق

(2/236)


وكان جبير بن مطعم يقول بينا أنا واقف مع عمر بعرفات إذ قال رجل يا خليفة الله فقال رجل خلفي قطع الله لحيتك والله
لا يقف أمير المؤمنين بعد هذا العام أبدا قال جبير فالتفت فإذا هو رجل من لهب ولهب بطن من الازد وبينا نحن نرمى الجمار وإذا رمى إنسان فأصاب رأس عمر فشجه فقال رجل خلفي قطع الله لحيتك ما أرى أمير المؤمنين إلا سيقتل قال جبير فالتفت فإذا هو ذلك اللهبى ثم رجع عمر من مكة إلى المدينة وقام في الناس فقال إني رأيت كأن ديكا أحمر نقرني نقرتين ولا أراه إلا لحضور أجلى ثم خرج يوما إلى السوق وهو متكئ على يد عبد الله بن الزبير إذ لقيه أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة فقال لعمر ألا تكلم مولاي أن يضع عنى من خراجي قال وكم خراجك قال دينار قال ما أفعل إنك لعامل وإن هذا لشئ يسير ثم قال له عمر ألا تعمل لي رحى قال بلى فلما ولى عمر قال أبو لؤلؤة

(2/237)


أعمل لك رحى يتحدث بها من بين المشرق والمغرب قال بن الزبير فوقع في قلبي قوله ذلك فلما كان وقت النداء بالفجر خرج عمر إلى الصلاة وذلك يوم الاربعاء لاربع ليال بقين من ذي الحجة واضطجع له أبو لؤلؤة فقام عمر فجعل يقول بين الصفوف فاستووا استووا فلما كبر طعنه أبو لؤلؤة ثلاث طعنات في وتينه فقال عمر قتلني الخبيث ثم أخذ بيد عبد الرحمن فقدمه فصلى عبد الرحمن بالناس الصبح وقرأ انا اعطينك الكوثر وإذا جاء نصر الله ثم دخل عبد الرحمن على عمر وعنده على وعثمان وسعد وابن عباس فقال يا بن عباس من قتلني قال أبو لؤلؤة قال عمر الحمد لله الذي لم يجعل موتى برجل يدعى الاسلام ثم سكت عمر كالمطرق فقالوا ألا ننبه للصلاة فقيل
الصلاة يا أمير المؤمنين فقال نعم ولا حظ في الاسلام لمن ترك الصلاة ثم صلى وجرحه يثعب دما ثم أقبل على على فقال اتق الله يا على إن وليت من أمور الناس شيئا فلا تحملن بنى هاشم على رقاب الناس وأنت يا عثمان إن وليت من أمور الناس شيئا فلا تحملن بنى أبى معيط على رقاب الناس وأنت يا زبير ويا سعد إن وليتما من أمر الناس فلا تحملن أقاربكما على رقاب الناس ثم قال إني

(2/238)


نظرت في أمر الناس فلم أر عندهم شقاقا إلا أن يكون فيكم وإن الامر إلى الستة نفر عثمان وعلى وعبد الرحمن وسعد وطلحة والزبير فتشاوروا ثلاثا وكان طلحة غائبا في مال له فقال عمر إني مصرت لكم الامصار ودونت لكم الدواوين وإني تركتكم على الواضحة إنما أتخوف أحد رجلين إما رجل يرى أنه أحق بالملك من صاحبه فيقاتله أو رجل يتأول القرآن في كتاب الله الشيخ والشيخة ا ذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله والله عزيز حكيم ألا فلا تهلكوا عن آية الرجم فقد رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا معه ولولا أن يقول الناس زاد عمر في كتاب الله لكتبتها بيدى فقد قرأناها بكتاب الله ثم دعا بكتاب بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى الخليفة من بعدي سلام عليك فانى احمد الله الذلا لا إله إلا هو أما بعد فانى أوصيك بتقوى الله وبالمهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم الآية فتعرف فضيلتهم وتقسم عليهم فيئهم وأوصيك بالذين تبوؤا الدار والايمان الآية فهؤلاء الانصار تعرف فضلهم
وتقسم عليهم فيئهم وأولئك الذين جاءو من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا الآية

(2/239)


وخرج أبو لؤلؤة على وجه يريد البقيع وطعن في طريقه اثنى عشر رجلا فخرج خلفه عبيد الله بن عمر فرأى أبا لؤلؤة والهرمزان وجفينة وكان نصرانيا وهو يتناجون بالبقيع فسقط منهم خنجر له رأسان ونصابه في وسطه فقتل عبيد الله أبا لؤلؤة والهرمزان وجفينة ثلاثتهم فجرى بين سعد بن أبى وقاص وبين عبيد الله في شأن جفينة ملاحاة وكذلك بين على بن أبى طالب وبينه في شأن الهرمزان حتى قال على بن أبى طالب إن وليت من هذا الامر شيئا قتلت عبيد الله بالهرمزان ثم أرسل عمر إلى عائشة يستأذنها في أن يدفن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبى بكر فأذنت له فقال عمر أنا أخشى أن يكون ذلك لمكان السلطان منى فإذا مت فاغسلوني فكفنوني ثم قفوا بي على بيت عائشة وقولوا أيلج عمر فان قالت نعم فأدخلوني وإن أبت فادفنوني بالبقيع ثم أرسل عمر فجئ بلبن فشربه فخرج من جرحه فعلم أنه الموت فقال لعبد الله بن عمر انظر ما على مكن الدين فاحسبه فقال ستة وثمانون ألفا إن وفى لها مال آل عمر فأدها عنى من أموالهم

(2/240)


وإلا فسل بنى عدى بن كعب فان لم تف من أموالهم فسل قريشا ولا تعدهم إلى غيرهم وأدها عنى فتوفى عمر رضي الله تعالى عنه وله خمسة وستون سنة وفعل به ما أمر
فأذنت له عائشة وصلى عليه صهيب ودخل حفرته عثمان بن عفان وعبد الله بن عمر وكانت الخلافة عشر سنين وستة أشهر وأربع ليال وكان له من العمال وقت ما توفى على الكوفة المغيرة بن شعبة وعلى البصرة أبو موسى وعلى حمص أعمالها عمير بن سعد الضمري وعلى دمشق معاوية بن أبى سفيان وعلى صنعاء يعلى بن منية وعلى الجند عبد الله بن أبى ربيعة وعلى الطائف سفيان بن عبد الله الثقفى وعلى مكة نافع بن عبد الحارث وعلى مصر عمرو بن العاص رحمهم الله تعالى أجمعين آمين استخلاف عثمان بن عفان رضى اللع تعالى عنه وهو عثمان بن عفان بن أبى العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن

(2/241)


مضر بن نزار بن معد بن عدنان وكنيته أبو عمرو وقد قيل أبو عبد الله ويقال أبو ليلى وأم عثمان أروى بنت كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس وأمها البيضاء أم حكيم بنت عبد المطلب بن هشام بن عبد مناف أخبرنا أبو خليفة الفضل بن الحباب الجمحي بالبصرة ثنا على بن هاشم عن جعفر بن نجيح المديني ثنا عبد الرزاق أنا معمر عن أبى حازم عن سهل بن سعد الساعدي أن أحدا ارتج وعليه النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وعثمان فقا النبي صلى الله عليه وسلم اثبت أحد فما عليك إلا نبي وصديق وشهيدان
قال أبو حاتم لما دفن عمر رضي الله تعالى عنه تعمد عثمان بن عفان وعلى بن أبى طالب وطلحة بن عبد الله والزبير بن العوام وعبد الرحمن وسعد يتشاورون فأشار عثمان على عبد الرحمن بالدخول في الامر فأبى عبد الرحمن وقال لست بالذي أنافسكم على هذا الامر وإن شئتم

(2/242)


اخترت لكم منكم واحدا فجعلوا ذلك إلى عبد الرحمن بن عوف فلما ولى ذلك مال الناس كلهم إليه وتركوا أولئك الآخرين فأخذ عبد الرحمن يتشاور في تلك الليالي الثلاث حتى إذا كان من الليلة التي بايع عثمان بن عفان من غدها جاء إلى باب المسور بن مخرمة بعد هوى من الليل فضرب الباب وقال ألا أراك نائما والله ما كحلت منذ الليلة بكثير نوم ادع لي الزبير وسعدا فدعاهما فشاورهما ثم أرسله إلى عثمان بن عفان فدعاه فناجاه حتى فرقف بينهما المؤذن فلما صلوا الصبح اجتمعوا وأرسل عبد الرحمن إلى من حضر من المهاجرين والانصار وأمراء الاجناد ثم خطبهم فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد فانى نظرت في أحوال الناس وشاورتهم فلم أجدهم يعدلون بعثمان ثم قال يا عثمان نبايعك على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم والخليفتين من بعده قال نعم فبايعه عبد الرحمن وبايعه المهاجرون والانصار وأمراء الاجناد والمسلمون وذلك لغرة المحرم وبعد دفن عمر بثلاثة أيام في هذه السنة كان فتح همذان ثانيا وكانت قد انتقضت على أميرها المغيرة بن شعبة على رأس ستة أشهر من مقتل عمر وفى هذه السنة سار إليها أبو موسى الاشعري بأهل البصرة

(2/243)


حتى فتحها صلحا مكعه البراء بن عازب وقرظة بن كعب وكان عمر بن الخطاب قد قتل وحذيفة قد افتتحها وجيشه كان عليها ثم انتقضوا حتى غزاهم أبو موسى وخرج عثمان بن عفان يوم الفطر إلى المصلى يكبر ويجهر بالتكبير حتى صلى العيد وانصرف وبعث على الحج عبد الرحمن بن عوف فخطبهم عبد الرحمن قبل التروية بيوم مكة بعد الظهر فلما زاغت الشمس خرج إلى منى وحج ونفر النفر الاول وكان قد ساق معه بدنات فنحرها في منحر رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما دخلت السنة الخامسة والعشرون غزا معاوية أرض الروم وفتح الحصون وولد له ابنه يزيد بن معاوية ثم نقضت الاسكندرية الصلح الذي صالحهم عمرو بن العاص عليه فغزاهم عمرو وظفر بهم وسباهم وبعث السبى إلى المدينة فردهم عثمان إلى ذمتهم وقال إنهم كانوا صلحا والذرية لا تنقض الصلح وإنما تنقض الصلح المقاتلة ونقض المقاتلة الصلح ليس يوقع السبى على ذراريهم ثم عزل عثمان بن عفان عمرو بن العاص عن الاسكندرية ومصر وولاهما عبد الله بن سعد بن أبى سرح فوجد عمرو من ذلك وكان بدء الشر بينه وبين عثمان عزله عن مصر والاسكندرية وكان عمرو قد بعث جيشه إلى المغرب فأصابوا غنائم كثيرة فلما دخل عبد الله بن سعد مصر واليا بعث جرائد الخيل إلى المغرب واستشار عثمان في إفريقية

(2/244)


وعزل عثمان سعدا عن الكوفة وولى عليها الوليد بن عقبة بن أبى معيط فبعث الوليد سلمان بن ربيعة الباهلى في اثنى عشر ألفا إلى برذعة فافتتحها عنوة وقتل وسبى وغزا البيلقان فصالحوه قبل أن يجئ إلى
برذعة وبعث خيله إلى جرزان فصالحوه وفى هذه السنة كانت غزوة سابور الاولى ثم حج عثمان بالناس فلما دخلت السنة السادسة والعشرون قدم معاوية المدينة وافدا على عثمان وبعث عثمان بن عفان عثمان بن أبى العاص إلى فارس ففتح سائر الجنود وغزا عبد الله بن سعد بن أبى سرح الافريقية ومعه العبادلة عبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن عمرو فلقى جرجير في مائتي ألف بموضع يقال له سبيطلة على سبعين ميلا من القيروان فقتل جرجير وسبوا وغنموا فبلغ سهم الفارس ثلاثة آلاف مثقال ذهب وسهم الراجل ألف مثقال وصالحه أهل تلك المدن إلى قيروان على مائة ألف رطل من ذهب واعتمر عثمان ودخل مكة ليلا وكان بين الصفا والمروة وحل

(2/245)


قبل أن يصبح ثم رجع إلى المدينة وأمر بتوسعة المسجد الحرام وتجديد أنصاب الحرم وتزوج عثمان بنت خالد بن أسيد ثم اعتمر عثمان في رجب وخرج معه عبد الله بن جعفر والحسين بن على فمرض الحسين بن على فأقام عبد الله بن جعفر عليه بالسقيا وبعث إلى على يخبره بذلك فخرج على في نفر من بنى هاشم إلى السقيا فلما دخلها دعا ببدنة فنحرها وحلق رأسه وأقام على الحسين يمرضه فلما فرغ عثمان من عمرته كلموه بأن يحول الساحل إلى جدة وكانوا قبل ذلك في الجاهلية يرسون بالشعيبة وقالوا جدة أقرب إلى مكة وأوسع وأقرب من كل ناحية فخرج عثمان إلى جدة فرآها ورأى موضعها وأمرهم أن يجعلوها بمكان الشعيبة فحول الساحل إلى جدة ودخل البحر وقال إنه مبارك وقال
لمن معه ادخلوا ولا يدخلها إلا بمئزر ثم خرج عثمان من جدة على طريق يخرجه إلى عسفان ثم مضى إلى الجار فأقام بها يوما وليلة ثم انصرف فمر بعلي بن أبى طالب رضي الله تعالى عنه في منصرفه وهو يمرض الحسين مع جماعة من بنى هاشم فقال عثمان قد أردت المقام عليه حتى تقدم ولكن الحسين عزم على وجعل يقول امض لرهطك فقال على ما كان ذلك بشئ يفوتك هل كانت إلا عمرة إنما يخاف الانسان فوت الحج فأما العمرة فلا فقال عثمان إني أحببت أن أدرك عمرة

(2/246)


في رجب فقال على بن أبى طالب ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتمر في رجب قط وما اعتمر عمراته الثلاث إلا في ذي القعدة ثم رجع عثمان إلى المدينة ثم مضى على مع الحسين إلى مكة وافتتح عثمان بن أبى العاص سابور الثانية على ثلاثة آلاف ألف وثلاثمائة ألف صلحا ودخل في صلحهم كازرون وبعث عثمان بن أبى العاص هرم بن حيان العبدي إلى قلعة بجرة على ذلك وهى يقال لها قلعة الشيوخ فافتتحها عنوة وسبى أهلها وحج بالناس عثمان بن عفان فلما دخلت السنة السابعة والعشرون استشار عثمان بن عفان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في إفريقية فأشاروا عليه بذلك وكان عثمان يكره ذلك لان عمر كان يكرهه ويقول إنها لا تحمل واليا مقتصدا فخرج عبد الله بن أبى سرح وجلب عثمان إبلا كثيرة من الربذة وسرف وحمل عليها سلاحا كثيرا وسار المسلمون معها يلحقون بعبد الله بن سعد بن أبى سرح فلما التقى المسلمون والمشركون ألقى الله في قلوبهم الرعب وفض ذلك الجمع حتى طلبوا الصلح
فصالحهم عبد الله بن أبى سرح على ألفى ألف وخمسمائة ألف وعشرين ألفا فلما كان العيد خطبهم عثمان وكان صادف العيد يوم الجمعة فقال من كان من أهل العالية وأحب أن يجتمع معنا فعل وإلا فليجلس

(2/247)


في موضعه فافتتح عثمان بن أبى العاص أرجان ودارابجرد وصالح أهلها على ألفى ألف ومائة فلما دخلت السنة الثامنة والعشرون تزوج عثمان نائلة بنت الفرافصة وكانت على دين النصرانية فلما دخلت عليه قال لها عثمان إني شيخ كبير كما ترين قالت أنا من نساء أحب الازواج إليهن الكهول قال تقومين إلى أو آتيك قالت ما جئت من سماوة كلب إليك إلا وأنا أريد القيام إليك وغزا معاوية البحر ومعه عبادة بن الصامت معه امرأته أم حرام بنت ملحان الانصارية فاتى قبرس فتوفيت أم حرام بها وقبرها هناك ثم كان فتح فارس الاول على يدي هشام بن عامر وغزا معاوية قبرس فلحقه عبد الله بن أبى سرح وأهل مصر وغنموا غنائم كثيرة وغزا حبيب بن مسلمة سورية من أرض الروم ثم كانت قبرس الآخرة

(2/248)


أميرها هشام بن عامر واعتمر عثمان في رجب ومعه عمرو بن العاص فأتى عثمان بلحم صيد فأمرهم بأكله فقال له عمرو بن العاص لا تأكل ولا تأمرنا به فقال عثمان لست آكل منه شيئا لانه صيد من أجلى فكان بين عثمان وعمرو كلام كان ذلك أول ملاحاة كانت بينهما وفى هذه السنة بنى عثمان داره بالزوراء ثم حج عثمان بالناس
فلما دخلت السنة التاسعة والعشرون عزل عثمان أبا موسى الاشعري عن البصرة وكان عاملا عليها سبع سنين وعزل عثمان بن أبى العاص عن فارس وولى ذلك كله عبد الله بن عامر بن كريز وهو يومئذ بن خمس وعشرين سنة فقدم البصرة ثم خرج عبد الله بن عامر إلى فارس على مقدمته عبيد الله بن معمر التيمى فقتل عبيد الله وفتح إصطخر الثانية عنوة فقتل وسبى فكان ذلك إصطخر الآخرة وقد قيل في هذه السنة فتح سارية بن زنيم الدئلى أصبهان صلحا وعنوة بأهل البصرة بعثه بن عامر وضاق مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم على الناس فكلموا

(2/249)


عثمان في توسعته فأمر بتوسعته فكان عثمان يركب على راحلته ويقوم على العمال وهم يعملون حتى يجئ وقت الصلاة فيترك ويصلى بهم وربما قال في المسجد ونام فيه حتى جعل أعمدته من حجارة وفرش فيها الرضراض وبناه بالحجارة المنقوشة والساج وجعل له ستة أبواب ثم نقضت حلوان الصلح فافتتحها بن عامر عنوة ورجم عثمان امرأة من جهينة أدخلت على زوجها فولدت في ستة أشهر من يوم أدخلت عليه فأمر بها عثمان فرجمت فدخل على على عثمان فقال له إن الله يقول حمله وفصله ثلثون شهرا فأرسل عثمان في طلبها فوجدوها قد رجمت فاعترف الرجل بالغلام وكان من أشبه الناس به وفى السنة الثلاثين زاد عثمان النداء الثاني على الزوراء حيث كثر الناس وانتقضت أذربيجان فغزاها سعيد بن العاص ففتحها ثم غزا جرجان ففتحها
ومات الطفيل بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف وسقط خاتم رسول الله صلى الله عليه وسلم في بئر أريس على ميلين من المدينة وكانت

(2/250)


من أقل تلك الآبار ماء فطلب فلم يوجد إلى الساعة وغزا بن عامر في هذه السنة جور فافتتحها وأصاب بها غنائم كثيرة وافتتح الكاريان والفنسجان من دارابجرد ولم يكونا أدخلا في علم عثمان بن أبى العاص ثم افتتح بن عامر أردشير خرة عنوة فقتل وسبى وهرب يزدجرد فاتبعه بن عامر مجاشع بن مسعود السلمي حتى نزل على السيرجان وبعث راشد بن عمرو الجديدى ففتح هرمز ووجه بن عامر زياد بن الربيع الحارثى إلى سجستان فافتتح زالق وناشروذ ثم بعث زياد بن الربيع إبراهيم بن بسام مولى بنى ليث حتى حاصر مدينة زرنج فصالحوه على ألف وصيف

(2/251)


مع كل وصيف جام من ذهب ومات مسعود بن الربيع وكان من أهل بدر ومات الحصين بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف أخو الطفيل بن الحارث ثم حج عثمان بالناس وصلى بمنى أربعا وفى السنة الحادية والثلاثين فتحت أرمينية الآخرة وأميرها حبيب بن مسلمة الفهري وذلك أن عثمان كتب إلى حبيب بن مسلمة أن سر من الشام في جيش إلى أرمينية فمضى حبيب بن مسلمة من ناحية درب الحدث فافتتح خلاط وسراج ووادى المطامير ومات أبو سفيان بن حرب وهو بن ثمان وثمانين سنة ثم خرج بن عامر إلى خراسان وعلى مقدمته الاحنف بن قيس فلقى أهل هراة فهزمهم وافتتح أبر شهر صلحا وقد قيل عنوة ثم افتتح طوس
وما حولها ثم صالح أهل سرخس على مائة ألف وخمسين ألفا

(2/252)


وبعث أبو عامر الاسود بن كلثوم العدوى إلى بيهق فافتتحها وقتل بها وبعث أهل مرو يطلبون الصلح فصالحهم بن عامر على ألفى ألف ومائتي ألف وكان الذي صالحه ماهويه بن أوزمهر مرزبان مرو ثم بعث بن عامر الاحنف بن قيس إلى مرو الروذ والفارياب والطالقان وافتتح طخارستان وقتل منهم ثلاثة عشر نفسا ثم خرج الاحنف إلى بلخ فصالحوه على أربعمائة ألف درهم ثم أتى خوارزم فلم يطقها فرجع وبعث بن عامر خليد بن عبد الله بن زهير الحنفي إلى باذغيس وهراة فافتتحها ثم ارتدوا بعد وغزا عبد الله بن سعد بن أبى سرح أرض الروم في ناحية المصيصة وغنم ثم رجع وحج بالناس عثمان وفى السنة الثانية والثلاثين مات عبد الله بن مسعود بالمدينة ودفن بالبقيع وصلى عليه عثمان بن عفان ومات عبد الرحمن بن عوف وهو بن خمس

(2/253)


وسبعين سنة ومات العباس بن عبد المطلب وهو بن خمس وثمانين سنة لان العباس ولد قبل الفيل بثلاثة سنين ومات عبد الله بن زيد بن عبد ربه الذي أرى النداء ومات أبو طلحة الانصاري زيد بن سهل وغزا معاوية غزوة مضيق القسطنطينية ومعه امرأته عاتكة بنت قرظة بن عبد عمرو بن نوفل بن عبد مناف وقد قيل إن اسمها فاختة وفيها غزا سعيد بن العاص طبرستان
وفى السنة الثالثة والثلاثين مات المقداد بن عمرو بن ثعلبة على ثلاثة أميال من المدينة وحمل على أعناق الرجال إلى المدينة وصلى عليه عثمان بن عفان ودفن بالبقيع وغزا معاوية ملطية وقرطبة من أرض الروم وجمع قارن جمعا كثيرا بباذغيس وهراة وأقبل في أربعين ألفا وقام

(2/254)


بأمر الناس عبد الله بن خازم السلمي فلقى قارن وهزم أصحابه وأصابوا سبيا كثيرا ثم بعث بن عامر عبد الرحمن بن سمرة بن حبيب إلى سجستان فصالحه صاحب زرنج فأقام عبد الرحمن بها وتحرك أهل إفريقية فزحف إليهم عبد الله بن سعد بن أبى سرح فكانت إفريقية الثانية وغزا معاوية حصن المرأة من بلاد الروم من ناحية ملطية وحج بالناس عثمان وفى السنة الرابعة والثلاثين مات مسطح بن أثاثة من أهل بدر وغزا عبد الله بن سعد بن أبى صرح الصوارى من أرض مصر وقاتل منهم مقتلة عظيمة وذلك أن المسلمين وعدوهم جميعا كانوا في البحر فالتقوا فاقتتلوا قتالا شديدا من غير رمى بالسهم ولا طعن بالرمح إنما كان الضرب بالسيف أو الطعن بالخنجر حتى قتل من أرض الروم خلق كثير وهزم الله الروم منكوبين وانصرف المسلمون غانمين ومات

(2/255)


عبادة بن الصامت بالرملة وهوالن اثنتين وسبعين سنة ومات عاقل بن البكير من بنى سعد بن الليث من أهل بدر ومات أبو عبس بن
جبر بالمدينة وهو من أهل بدر وحج عثمان بالناس وفى السنة الخامسة والثلاثين خرج جماعة من أهل مصر إلى عثمان يشكون بن أبى سرح ويتكلمون منه فكتب إليه عثمان كتابا وهدده فيه فأبى بن أبى السرح أن يقبل من عثمان وضرب بعض من أتاه من قبل عثمان متظلما وقتل رجلا من المتظلمة فخرج من أهل مصر سبعمائة رجل فيهم أربعة من الرؤساء عبد الرحمن بن عديس البلوى وعمرو بن الحمق الخزاعي وكنانة بن بشر بن عتاب الكندي وسودان بن حمران المرادي فساروا حتى قدموا المدينة ونزلوا مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وشكوا إلى أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم في مواقيت الصلاة ما صنع بهم بن أبى سرح فقام طلحة بن عبيد الله إلى عثمان بن عفان وكلمه الكلام الشديد وارسلت إليه عائشة قدم عليك أصحاب محمد وسألوك

(2/256)


عزل هذا الرجل فأبيت ذلك بواحدة وهذا قد قتل منهم رجلا فأنصفهم من عاملك وكان عثمان يحب قومه ثم دخل عليه على بن أبى طالب فقال سألوك رجلا مكان رجل وقد ادعوا قبله دما فاعزله عنهم واقض بينهم فان وجب عليه حق فأنصفهم منه فقال لهم عثمان اختاروا رجلا أوليه عليكم مكانه فأشار الناس عليه بمحمد بن أبى بكر فقالوا لعثمان استعمل علينا محمد بن أبى بكر فكتب عهده وولاه مصر فخرج محمد بن أبى بكر واليا على مصر بعهده ومعه عدة من المهاجرين والانصار ينظرون فيما بين أهل مصر وبين بن أبى سرح فلما بلغوا مسيرة ثلاثة ليال من المدينة إذا هم بغلام أسود على
بعير له يخبط البعير خبطا كأنه رجل يطلب أو يطلب فقالوا له ما قصتك وما شأنك كأنك هارب أو طالب قال أنا غلام أمير المؤمنين وجهنى إلى عامل مصر قالوا هذا عامله معنا قال ليس هذا أريد ومضى فأخبر محمد بن أبى بكر بأمره فبعث في طلبه أقواما فردوه فلما جاؤوا به قال له محمد غلام من أنت فأقبل مرة يقول أنا غلام أمير المؤمنين ومرة يقول أنا غلام مروان فعرفه رجل منهم أنه لعثمان فقال له محمد بن أبى بكر لمن أرسلت قال إلى عامل مصر قال بماذا قال برسالة قال أمعك كتاب قال

(2/257)


لا ففتشوه فلم يجدوا معه كتابا وكتان معه إداوة قد يبست وفيها شئ يتقلقل فحركوه ليخرج فلم يخرج فشقوا الاداوة فإذا فيها كتاب من عثمان إلى بن أبى سرح فجمع محمد بن أبى بكر من كان معه من المهاجرين والانصار وغيرهم ثم فك الكتاب بحضرتهم فإذا فيه إذا أتاك محمد بن أبى بكر وفلان وفلان فاحتل لقتلهم وأبطل كتابه وقر على عملك واحبس من يجئ إلى يتظلم منك حتى يأتيك رأيي في ذلك إن شاء الله فلما قرؤوا الكتاب فزعوا وأزمعوا ورجعوا إلى المدينة وختم محمد بن أبى بكر الكتاب بخواتم جماعة من المهاجرين معه ودفع الكتاب إلى رجل منهم وانصرفوا إلى المدينة فلما قدموها جمع محمد بن أبى بكر عليا وطلحة والزبير وسعدا وكان بها من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم فك الكتاب بحضرتهم عليه خواتم من معه من المهاجرين وأخبرهم بقصة الغلام فلم يبق أحد من المدينة إلا حنق على عثمان وقام أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم
فلحقوا بمنازلهم ما منهم أحد إلا هو مغتم وكانت هذيل وبنو زهرة في قلوبها ما فيها على عثمان لحال بن مسعود وكانت بنو مخزوم قد حنقت على عثمان لحال عمار بن ياسر وكانت بنو غفار وأحلافها

(2/258)


ومن غضب لابي ذر في قلوبهم ما فيها وأجلب عليه محمد بن أبى بكر من بنى تيم وأعانه على ذلك طلحة بن عبيد الله وعائشة فلما رأى ذلك على وصح عنده الكتاب بعث إلى طلحة والزبير وسعد وعمار ونفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كلهم بدريون ثم جاء معهم حتى دخل على عثمان ومعه الكتاب والغلام والبعير فقال له هذا الغلام غلامك قال نعم قال والبعير بعيرك قال نعم قال فأنت كتبت هذا الكتاب قال لا وحلف بالله أنه ما كتب هذا الكتاب ولا أمر به فقال له على فالخاتم خاتمك قال نعم قال على فكيف يخرج غلامك على بعيرك بكتاب عليه خاتمك لا تعلم به فحلف عثمان بالله ما كتبت هذا الكتاب ولا أمرت به ولا وجهت هذا الغلام قط إلى مصر وأما الخط فعرفوا أنه خط مروان فلما شكوا في أمر عثمان سألوه أن يدفع إليهم مروان فأبى وكان مروان عنده في الدار وكان خشي عليه القتل فخرج من عنده على وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلموا أن عثمان لا يحلف باطلا ثم قالوا لا نسكت إلا أن يدفع إلينا مروان حتى نبحث ونتعرف منه ذلك الكتاب وكيف يؤمر بقتل رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بغير حق فان يك عثمان كتب ذلك عزلناه وإن يك مروان كتبه على لسان عثمان نظرنا

(2/259)


ما يكون في أمر مروان ولزموا بيوتهم وفشا الخبر في المسلمين من أمر الكتاب وفقد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عثمان وخرج من الكوفة عدى بن حاتم الطائي والاشتر مالك بن الحارث النخعي في مائتي رجل وخرج من البصرة حكيم بن جبلة العبدي في مائة رجل حتى قدموا المدينة يريدون خلع عثمان وحوصر عثمان قبل هلال ذي القعدة بليلة وضيق عليه المصريون والبصريون وأهل الكوفة بكل حيلة ولم يدعوه يخرج ولا يدخل إليه أحد إلا أن يأتيه المؤذن فيقول الصلاة وقد منعوا المؤذن أن يقول يا أمير المؤمنين فكان إذا جاء وقت الصلاة بعث أبا هريرة يصلى بالناس وربما أمر بن عباس بذلك فصعد يوما عثمان على السطح فسمع بعض الناس يقول ابتغوا إلى قتله سبيلا فقال والله ما أحل الله ولا رسوله قتلى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث كفر بعد إسلام أو زنا بعد إحصان أو قتل نفس بغير نفس وما فعلت من ذلك شيئا ثم قال لا أخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمته بإراقة محجمة دم حتى ألقاه يا معشر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم

(2/260)


أحبكم إلى من كف عنا لسانه وسلاحه ثم أشرف غليهم فقال أفيكم على قالوا لا قال أفيكم سعد قالوا لا فقال أذكركم بالله هل تعلمون أن رومة لم يكن يشرب منها أحد إلا بشئ فاتبعتها من مالي وجعلتها للغنى والفقير وابن السبيل فقالوا نعم قال فاسقوني منها ثم قال ألا أحد يبلغ عليا فيسقينا ماء فبلع ذلك عليا فبعث إليه بثلاث قرب مملوءة فما كادت تصل إليه حتى خرج في سببها عدة من بنى هاشم
وبنى أمية حتى وصل الماء إليه ثم قال عثمان والله لو كنت في أقصى داري ما طلبوا غيرى ولو كنت أدناهم ما جازوني إلى غيرى سنجتمع نحن وهم عند الله وسترون بعدي أمورا تتمنون أنى عشت فيهم ضعف أمرى والله ما أرغب في إمارتهم ولولا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لي إذا ألبسك الله قميصا وأرادوك على خلعه فلا تخلعه لحبست في بيتي وتركتكم وإمارتكم ووالله لو فعلت ما تركوني وإنهم قد خدعوا وغروا والله لو أقتل لمت لقد كبر سنى ورق عظمي وجاوزت أسنان أهل بيتي وهم على هذا لا يريدون اللهم فشتت

(2/261)


أمرهم وخالف بين كلمتهم وانتقم لي منهم واطلبهم لي طلبا حثيثا وقد استجيب دعاءه في كل ذلك ثم أمر عثمان بن عفان عبد الله بن عباس على الحج فحج بالناس فأمره وبعث إلى الاشتر فدعاه فقال يا أشتر ما يريد الناس قال ثلاث ليس من إحداهن بد إما أن تخلع أمرهم وتقول هذا أمركم فاختاروا له من شئتم وإما أن تقص من نفسك فان أبيتهما فالقوم قاتلوك قال عثمان أما أن أخلع لهم أمرهم فما كنت لاخلع سربالا سربلنيه الله والله لان أقدم فتضرب عنقي أحب إلى من أن أخلع أمة محمد صلى الله عليه وسلم بعضها على بعض وأما أن أقص من نفسي فوالله لقد علمتم أنى لم آت شيئا يجب على القصاص فيه وأما أن تقتلوني فوالله إن تقتلوني لا تتحابون بعدي ولا تقتلون بعدي عدوا جميعا ولتختلفن حتى تصيروا هكذا يقوم لا يجرمنكم شقاقي ان يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح الآية ثم أرسل إلى

(2/262)


عبد الله بن سلام فجاءه فقال الكف الكف ثم جاءه زيد بن ثابت فقال يا أمير المؤمنين هذه الانصار بالباب فقال عثمان إن شاؤوا أن يكونوا أنصار الله منكم وإلا فلا ثم جاءه عبد الله بن الزبير فقال يا أمير المؤمنين اخرج فقاتلهم فان معك من قد نصر الله بأقل منهم فلم يعرج على قول بن الزبير ثم قال ائتونى برجل منهم أقرأ عليه كتاب الله فأتوه بصعصعة بن صوحان وكان شابا فقال ما وجدتم أحدا تأتوني به غير هذا الشاب فتكلم صعصعة بكلام فقال عثمان اذن للذين يقتلون بانهم ظلموا وان الله على نصرهم لقدير فلما اشتد بعثمان الامر أصبح صائما يوم الجمعة وقال إني رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام فقال لي يا عثمان إنك تفطر عندنا الليلة ثم قال على للحسن والحسين اذهبا بسيفكما حتى تقفا على باب عثمان ولا تدعا أحدا يصل إليه وبعث الزبير ابنه وبعث طلحة ابنه وبعث عدة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أبناءهم يمنعون الناس أن يدخلوا على عثمان ورماه الناس بالسهام حتى خضب الحسن بالدماء وتخضب محمد بن

(2/263)


طلحة وشج قنبر مولى على ثم أخذ محمد بن أبى بكر بيد جماعة وتسور الحائط من غير أن يعلم به أحد من دار رجل من الانصار حتى دخلوا على عثمان وهو قاعد والمصحف في حجره ومعه امرأته والناس فوق السطح لا يعلم أحد بدخولهم فقال عثمان لمحمد بن أبى بكر والله لو رآك أبوك لساءه مكانك منى فرجع محمد وتقدم إليه سودان بن رومان المرادي ومعه مشقص فوجأه حتى قتله وهو صائم ثم خرجوا
هاربين من حيث دخلوا وذلك يوم الجمعة لثمان عشرة ليلة مضت من ذي الحجة وكان تمام حصاره خمسة وأربعين يوما وكانت امرأته تقول إن شئتم قتلتموه وإن شئتم تركتموه فإنه كان يختم القرآن كل ليلة في ركعة ثم صعدت إلى الناس تخبرهم وهمر الناس عليه فدخلوا وأول من دخل عليه الحسن والحسين فزعين وهما لا يعلمان بالكائنة وكانا مشغولين على الباب ينصرانه ويمنعان الناس عنه فلما دخلوا وجدوا عثمان مذبوحا فانكبوا عليه يبكون ودخل الناس فوجا فوجا

(2/264)


وبلغ الخبر على بن أبى طالب وطلحة والزبير وسعدا فخرجوا مذهلين كادت عقولهم تذهب لعظم الخبر الذي أتاهم حتى دخلوا على عثمان فوجدوه مقتولا واسترجعوا وقال على لابنيه كيف قتل أمير المؤمنين وأنتما على الباب قالا لم نعلم قال فرفع يده ولطم الحسن وضرب صدر الحسين وشتم محمد بن طلحة وعبد الله بن الزبير ثم خرج وهو غضبان يسترجع فلقيه طلحة بن عبيد الله فقال ما لك يا أبا الحسين فقال على يقتل أمير المؤمنين رجل من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم من غير أن تقوم عليه بينة ولا حجة فقال له طلحة لو دفعه مروان إليهم لم يقتلوه فقال على لو خرج مروان إليكم لقتلتموه قبل أن يثبت عليه حكومة ثم أتى على منزله يسترجع فاشتغل الناس بعضهم ببعض وفزعوا ولم يتوهموا بأن هذه الكائنة تكون ثم حمل على سريره بين المغرب والعشاء وصلى عليه جبير بن مطعم ودلته في قبره نائلة بنت الفرافصة وأم البنين بنت عيينة بن حصن بن بدر الفزاري ودفن ليلة السبت لاثنتي عشرة ليلة بقيت من ذي الحجة وكانت
خلافته اثنتي عشرة سنة إلا اثنى عشر يوما وقتل يوم قتل عثمان من قريش عبد الله بن وهب بن زمعة الاسدي وعبد الله بن عبد الرحمن بن العوام والمغيرة بن الاخنس بن شريق الثقفى

(2/265)


وقتل معهم غلام لعثمان أسود أربعة أنفس وكان عمال عثمان حين قتل على البصرة عبد الله بن عامر بن كريز وعلى الكوفة سعد بن أبى وقاص وعلى الشام معاوية بن أبى سفيان وعلى مصر محمد بن أبى حذيفة وعلى مكة عبد الله بن الحضرمي وعلى الطائف القاسم بن ربيعة الثقفى وعلى صنعاء يعلى بن منبه وعلى الجند عبد الله بن أبى ربيعة استخلاف على بن أبى طالب رضي الله تعالى عنه بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان أبو الحسن الهاشمي وأمه فاطمة بنت أسد بن هشام بن عبد مناف وهاشم أخو هشام ومن زعم أنه أسد بن هاشم بن عبد مناف فقد وهم أخبرنا محمد بن إسحاق الثقفى ثنا قتيبة بن سعيد ثنا حاتم بن إسماعيل

(2/266)


عن يزيد بن أبى عبيد عن سلمة بن الاكوع قال كان على قد تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في خيبر وكان به رمد فقال أنا أتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج فلحق بالنبي صلى الله عليه وسلم فلما كان مساء الليلة التي فتحها الله في صباحها قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم لاعطين الراية أو ليأخذن الراية غدا رجل يحبه الله ورسوله يفتح الله عليه فإذا نحن بعلي وما نرجوه فقالوا هذا على فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم ففتح الله عليه قال أبو حاتم لما كان من أمر من عثمان ما كان قعد على في بيته وأتاه الناس يهرعون إليه كلهم يقولون أمير المؤمنين على حتى دخلوا عليه داره وقالوا نبايعك فإنه لا بد من أمير وأنت أحق فقال على ليس ذلك إليكم إنما ذلك لاهل بدر فمن رضى به أهل بدر فهو خليفة فلم يبق أحد من أهل بدر إلا أتى عليا يطلبون البيعة وهو يأبى عليهم فجاء الاشتر مالك بن الحارث النخعي إلى على فقال له ما يمنعك أن تجيب هؤلاء إلى البيعة فقال لا أفعل إلا عن ملا وشورى وجاء أهل مصر فقالوا ابسط يدك نبايعك فوالله لقد قتل عثمان وكان قتله لله رضى فقال على كذبتم والله ما كان قتله لله رضى لقد قتلتموه بلا قود ولا أحد ولا غيره وهرب مروان

(2/267)


فطلب فلم يقدر عليه فلما رأى ذلك على منهم خرج إلى المسجد وصعد المنبر وحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال يا أيها الناس رضيتم منى أن أكون عليكم أميرا فكان أول من صعد إليه المنبر طلحة فبايعه بيده وكان إصبع طلحة شلاء فرآه أعرابي يبايع فقال يد شلاء وأمر لا يتم فتطير على منها وقال ما أخلفه أن يكون كذلك ثم بايعه الزبير وسعد وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم بلغ عليا أن سعدا وابن عمر ومحمد بن مسلمة يذكرون هنات فقام على خطيبا فحمد الله وأثنى عليه فقال أيها الناس إنكم بايعتموني على ما بايعتم عليه أصحابي
فإذا بايعتموني فلا خيار لكم على وعلى الامام الاستقامة وعلى الرعية التسليم وهذه بيعة عامة فمن ردها رغب عن دين المسلمين واتبع غير سبيلهم ولم تكن بيعته إياى فلتة وليس أمرى وأمركم واحدا أريد الله وتريدونني لانفسكم وأيم الله لانصحن الخصم ولانصفن المظلوم وقد أكثر الناس في قتل عثمان فمنهم من قد زعم أنه قتل ظالما ومنهم من قد زعم أنه قتل مظلوما وكان الاكثار في ذلك على طلحة والزبير قالت قريش أيها الرجلان إنكما قد وقعتما في ألسن الناس في أمر عثمان فيما وقعتما فيه فقام طلحة في الناس فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال أيها الناس ما قلنا

(2/268)


في عثمان أمس إلا نقول لكم فيه اليوم مثله أنه خلف الدنيا بالتوبة ومال عليه قوم فقتلوه وأمره إلى الله ثم قام الزبير فحمد اتلله وأثنى عليه بما هو أهله وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال يا أيها الناس إن الله اختار من كل شئ شيئا واختار من الناس محمدا صلى الله عليه وسلم أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون واختار من الشهور رمضان وأنزل فيه القرآن وفرض فيه الصيام واختار من الايام يوم الجمعة فجعله عيدا لاهل الاسلام واختار من البلدان هذين الحرمين مكة والمدينة فجعل بمكة البيت الحرام وجعل بالمدينة حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعل ما بين قبره ومنبره روضة من رياض الجنة واختار من الشورى التسليم كما اختار هذه الاشياء فأذهبت الشورى بالهوى والتسليم بالشك وقد تشاورنا فرضينا
عليا وأما إن قتل عثمان فأمره إلى الله فلما رأى على اختلاف الناس في قتل عثمان صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أيها الناس أقبلوا على بأسماعكم وأبصاركم إن الناس بين حق وباطل فلئن عي أمر الباطل لقديما ما فعل وإن يكن الحق قد غاب فلعل وإني أخاف أن أكون أنا وأنتم قد أصبحنا في فتنة وما علينا فيها إلا الاجتهاد الناس اثنان وثلاثة لا سادس لهم ملك

(2/269)


طار بجناحيه أو نبي أخذ الله بيده أو عامل مجتهد أو مؤمل يرجو أو مقصر في النار وإن الله أدب هذه الامة بأدبين بالسيف والسوط لا هوادة عند السلطان فيهما فاستتروا واستغفروا الله فأصلحوا ذات بينكم ثم نزل وعمد إلى بيت المال وأخرج ما فيه وفرقه على المسلمين ثم بعث إلى سعد بن أبى وقاص وعبد الله بن عمر ومحمد بن مسلمة فقال لقد بلغني عنكم هنات فقال سعد صدقوا لا أبايعك ولا أخرج معك حيث تخرج حتى تعطيني سيفا يعرف المؤمن من الكافر وقال له بن عمر أنشدك الله والرحم أن تحملني على ما لا أعرف والله لا أبايع حتى يجتمع المسلمون على من جمعهم الله عليه وقال محمد بن مسلمة إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرني إذا اختلف أصحابه ألا أدخل فيما بينهم وأن أضرب بسيفي صخر أحد فإذا انقطع أقعد في بيتي حتى يأتيني يد خاطئة أو منية قاضية وقد فعلت ذلك ثم دعا على أسامة بن زيد وأراده على البيعة فقال أسامة أما البيعة فانني أبايعك أنت أحب الناس إلى وآثرهم عندي وأما القتال فانى عاهدت

(2/270)


رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا أقاتل رجلا يشهد أن لا إله إلا الله فلما رآهم على مختلفين قال أخرجوني من هذه البيعة واختاروا لانفسكم من أحببتم فسكتوا وقاموا وخرجوا فدخل عليه المغيرة بن شعبة فقال يا أمير المؤمين إني مشير عليك بخلال ثلاث فافعل أيها شئت فقال ما هي يا أعو فقال إني أرى من الناس بعض التثاقل فيك فأرى أن تأتي بحمل ظهر فتركبه وتركض في الارض هاربا من الناس فانهم إذا رأوا ذلك منك ابتاعوا جمالا أظهر من جمالك وخيولا ثم ركضوا في أثرك حتى يدركوك حيث ما كنت ويقلدوك هذا الامر على اجتماع منهم شئت أو أبيت فان لم تفعل هذا فأقر معاوية على الشام كله واكتب إليه كتابا بذلك تذكر فيه من شرفه وشرف آبائه وأعلمه أنك ستكون له خيرا من عمر وعثمان واردد عمرو بن العاص على مصر واذكر في كتابك شرفه وقدمه فإنه رجل يقع الذكر منه موقعا فإذا ثبت الامر أذنت لهما حينئذ في القدوم عليك تستخبرهما عن البلاد والناس ثم تبعث بعاملين وتقرهما عندك فان أبيت فاخرج من هذه البلاد فانها ليست ببلاد كراع وسلاح فقال على أما ما ذكرت من فرارى من الناس فطيف أفر منهم وقد بايعوني وما أمر معاوية وعمرو بن العاص فلا يسألني الله عن إقرارهما ساعة واحدة في سلطاني وما كنت متخذ المضلين عضدا وأما خروجي من هذه البلاد إلى غيرها فانى ناظر في ذلك فخرج من عنده المغيرة ثم عاد وهو عازم على الخروج إلى الشام واللحوق بمعاوية فقال له

(2/271)


يا أمير المؤمنين أشرت عليك بالامس في رأيي بمعاوية وعمرو إن الرأي أن تعاجلهم بالنزع فقد عرف السامع من غيره وتستقبل أمرك ثم خرج من عنده فلقيه بن عباس خارجا وهو داخل فلما انتهى إليه قال رأيت المغيرة خارجا من عندك فيم جاءك قال جاءني أمس برأى واليوم برأى وأخبره بالرأيين فقال بن عباس أما أمس فقد نصحك وأما اليوم فقد غشك قال فما الرأي قال بن عباس كان الرأي قبل اليوم قال على على ذلك قال كان الرأي أن تخرج إلى مكة حتى تدخلها دارا من دورها وتغلق عليك بابك فان الناس لم يكونوا ليدعوك وإن قريشا كانت تضرب الصعب والذلول في طلبك لانها لا تجد غيرك فأما اليوم فان بنى أمية يستحسنون الطلب بدم صاحبهم ويشبهون على الناس بأن يلزموك شعبة من أمره ويلطخونك من ذلك ببعض اللطخ فهم على بالنهوض إلى الشام ليزور أهلها وينظر ما رأى معاوية وما هو صانع فجاءه أبو أيوب الانصاري فقا له يا أمير المؤمنين لو أقمت بهذه البلاد لانها الدرع الحصينة ومهاجرة للنبي صلى الله عليه وسلم وبها قبره ومنبره ومادة الاسلام

(2/272)


فان استقامت لك العرب كنت فيها كمن كان وإن تشعب عليك قوم رميتهم بأعدائهم وإن ألجئت حينئذ إلى المسير سرت وقد أعذرت فقال على إن الرجال والاموال بالعراق ولن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا ثم أخذ بما أشار عليه أبو أيوب الانصاري وعزم على المقام بالمدينة وبعث العمال على الامصار فبعث عثمان بن حنيف على البصرة أميرا وعمارة بن حسان بن شهاب على الكوفة وعبيد الله
بن عباس على اليمن وقيس بن سعد على مصر وسهل بن حنيف على الشام فأما سهل بن حنيف فإنه خرج حتى إذا كان بتبوك لقيه خيل من أهل الشام فقالوا له من أنت قال أمير قالوا على أي شئ قال على الشام قالوا إن كان عثمان بعثك فحى هلا بك وإن كان بعثك غيره فارجع قال ما سمعتم بالذي كان قالوا بلى ولكن ارجع إلى بلدك فرجع إلى على وإذا القوم أصحاب وأما قيس بن سعد فإنه انتهى إلى أيلة فلقيه طلائع فقالوا له من أنت فقال أنا من الاصحاب الذين قتلوا وشردوا من البلاد فأنا أطلب مدينة آوى إليها فقالوا من أنت قال أنا قيس بن سعد بن عبادة فقالوا امض بنا فمضى قيس حتى دخل مصر وأظهر لهم حاله وأخبرهم أنه ولى على مصر فافترق عليه أهل مصر فرقا فرقة

(2/273)


دخلت في الجماعة وبايعت وفرقة أمسكت واعتزلت وفرقة قالت إن قيد من قتله عثمان فنحن معه وإلا فلا فكتب قيس بن سعد بجميع ما رأى من أهل مصر إلى على وأما عبيد الله بن عباس فإنه خرج منطلقا إلى اليمن لم يعانده أحد ولم يصده عنها صاد حتى دخلها فضبطها لعلي وأما عمارة بن حسان بن شهاب فإنه أقبل عامدا إلى الكوفة حتى إذا كان بزبالة لقيه طليحة بن خويلد الاسدي وهو خارج إلى المدينة يطلب دم عثمان فقال طليحة من أنت قال أنا عمارة بن حسان بن شهاب قال ما جاء بك قال بعثت إلى الكوفة أميرا قال ومن بعثك قال أمير المؤمنين على قال الحق بطيتك فان القوم لا يريدون بأميرهم أبى موسى الاشعري
بدلا فرجع عمارة إلى على وأخبره الخبر وأقام طليحة بزبالة وأما عثمان بن حنيف فإنه مضى يريد البصرة وعليها عبد الله بن عامر بن كريز وبلغ أهل البصرة قتل عثمان فقام بن عامر فصعد المنبر وخطب وقال إن خليفتكم قتل مظلوما وبيعته في أعناقكم ونصرته ميتا كنصرته حيا واليوم ما كان أمس وقد بايع الناس عليا ونحن طالبون بدم عثمان فأعدوا للحرب عدتها فقال له حارثة بن قدامة يا بن عامر إنك لم تملكنا عنوة وقد قتل عثمان بحضرة المهاجرين والانصار وبايع الناس عليا فان أقرك أطعناك وإن عزلك عصيناك فقال بن عامر موعدك الصبح فلما أمسى تهيأ للخروج وهيأ مراكبه

(2/274)


وما يحتاج إليه واتخذ الليل جملا يريد المدينة واستخلف عبد الله بن عامر الحضرمي على البصرة فأصبح الناس يتشاورون في بن عامر وأخبروا بخروجه فلما قدم بن عامر المدينة أتى طلحة والزبير فقالا له لا مرحبا بك ولا أهلا تركت العراق والاموال وأتيت المدينة خوفا من على ووليتها غيرك واتخذت الليل جملا فهلا أقمت حتى يكون لك بالعراق فئة قال بن عامر فأما إذا قلتما هذا فلكما على مائة ألف سيف وما أردتما من المال ثم أتت أم كلثوم بنت على أباها وتحت عمر بن الخطاب فقالت له إن عبد الله بن عمر رجل صالح وأنا أتكفل ما يجئ منه لك فلما كان من قدوم بن عامر المدينة جاء بن إليها فقال يا أماه نك قد كفلت في وأنا أريد الخروج إلى العمرة الساعة ولست بداخل في شئ يكرهه أبوك غير أنى ممسك حتى يجتمع الناس
فان شئت فأذنى وإن شئت فابعثيني إلى أبيك قالت لا بل اذهب في حفظ الله وتحت كنفه وانطلق بن عمر معتمرا فلما أصبح الناس أتوا عليا فقالوا قد حدث البارحة حدث هو أشد من طلحة والزبير ومعاوية قال على وما ذاك قالوا خرج بن عمر إلى الشام فأتى على السوق وجعل يعد طلابا ليرد بن عمر فسمعت

(2/275)


أم كلثوم بذلك فركبت بغلتها حتى أتت أباها فقالت إن الامر على غير ما بلغك وحدثته بما ذكر لها بن عمر فطابت نفس على بذلك فما انصرفوا من السوق حتى جاءهم بعض القدام من العمرة وأخبروه أنهم رأوا بن عمر وآخر معه على حمارين محرمين بكساءين ثم كتب على غلى معاوية يسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله على أمير المؤمنين إلى معاوية بن أبى سفيان سلام عليك فانى أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو أما بعد فإنه قد بلغك ما كان من مصاب عثمان وما اجتمع الناس عليه من بيعتى فادخل في السلام كما دخل الناس وإلا فأذن بحرب كما يؤذن أهل الفرقة والسلام وبعث كتابه مع سبرة الجهني والربيع بن سبرة فلما قدم سبرة بكتاب على ودفعه إلى معاوية جعل يتردد في الجواب مدة فلما طال ذلك عليه دعا معاوية رجلا من عبس يدعى قبيصة فدفع إليه طومارا مختوما عنوانه من معاوية بن أبى سفيان إلى على بن أبى طالب وقال له إذا دخلت المدينة فاقبض على أسفل الطومار وأبرزه وأوصاه بما يقول ويعثه مع سبرة رسول على فقدما المدينة فرفع العبسي الطومار كما أمر معاوية فخرج الناس ينظرون إليه وعلموا حينئذ أن معاوية معترض
معاند فلما دخلا على على دفع إليه العبسي الطومار ففض عن خاتمه فلم يجد في جوفه شيئا فقال لسبرة ما وراءك قال تركت قوما لا يرضون إلا بالقود وقد تركت ستين ألف شيخ يبكون تحت قميص عثمان

(2/276)


فقال على أمنى يطلبون دم عثمان ث م كتب إلى أبى موسى الاشعري وهو على الكوفة بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله على أمير المؤمنين إلى عبد الله بن قيس الاشعري سلام عليك فانى أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو أما بعد فإنه قد بلغك ما كان من مصاب عثمان وما اجتمع الناس عليه من بيعتى فادخل فيما دخل فيه الناس ورغب أهل ملكك في السمع والطاعة واكتب إلى بما كان منك ومنهم إن شاء الله والسلام عليك ورحمة الله وبركاته وبعث الكتاب مع معبد الاسلمي فلما قدم معبد الكوفة دعا أبو موسى الاشعري الناس إلى طاعة على فأجابوه طائعين وكتب إلى على بن أبى طالب بسم الله الرحمن الرحيم لعبد الله على أمير المؤمنين من عبد الله بن قيس سلام عليك فانى أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو أما بعد فقد قرأت كتابك ودعوت من قبلى المسلمين فسمعوا وأطاعوا والسلام عليك ورحمة الله وبركاته ودفع كتابه إلى معبد وكانت عائشة خرجت معتمرة فلما قضت عمرتها نزلت على باب المسجد واجتمع إليها الناس فقالت أيها الناس إن الغوغاء من أهل الامصار وعبيد أهل المدينة اجتمعوا على هذا الرجل المقتول بالامس ظلما واستحلوا البلد الحرام وسفكوا الدم الحرام فقال عبد الله بن عامر ها أنا ذا أول طالب بدمه فكان أول من انتدب لذلك
ولما كثر الاختلاف بالمدينة استأذن طلحة والزبير عليا في العمرة

(2/277)


فقال لهما ما العمرة تريدان وقد قلت لكما قبل بيعتكما لي أيكما شاء بايعته فأبيتما إلا بيعتى وقد أذنت لكما فاذهبا راشدين فخرجا إلى مكة وتبعهما عبد الله بن عامر بن كريز فلما لحقهما قال لهما ارتحلا فقد بلغتما حاجتكما فاجتمعوا مع عائشة بمكة وبها جماعة من بنى أمية ثم جمع معاوية أهل الشام على محاربة على والطلب بالقود من الدم عثمان واحتال في قيس بن سعد بن عبادة وكان واليا على مصر وكتب إلى على كتابا يمرغ فيه معاوية فلما قرأ على الكتاب عزل قيسا وولى عليها محمد بن أبى بكر وخرج قسطنطين بن هرقل بالمراكب يريد المسلمين فسلط الله عليهم ريحا قاصفا فغرقهم ونجا قسطنطين بن هرقل حتى انتهى إلى سقلية فصنعت الروم حماما فلما دخلوه قتلوه فيه وقالوا له قتلت رجالنا ثم حج بالناس عبد الله بن عباس أمره على على الحج فلما انصرف أجمع طلحة والزبير على المسير بعائشة فقال طلحة ما لنا أمر أبلغ في استمالة الناس إلينا من شخوص بن عمر معنا وكان من أمره في عثمان وخلافه له على ما يعلمه من يعلمه فأتاه طلحة

(2/278)


فقال يا أبا عبد الرحمن إن عائشة قصدت الاصلاح بين الناس فاشخص معنا فان لنا بك أسوة فقال بن عمر أتخدعونني لتخرجوني كما تخرج الارنب من جحرها إن الناس إنما يخدعون بالوصيف والوصيفة والدنانير والدراهم ولست من أولئك قد تركت
هذا الامر عيانا وأنا أدعى إليه في عافية فاطلبوا لامركم غيرى فقال طلحة يغنى الله عنك وقدم يعلى بن أمية من اليمن وقد كان عاملا عليها بأربعمائة من الابل فدعاهم إلى الحملان فقال له الزبير دعنا من إبلك هذه ولكن أقرضنا من هذا المال فأعطاه ستين ألف دينار وأعطى طلحة أربعين ألف دينار فتجهزوا وأعطوا من خف معهم فلما دخلت السنة السادسة والثلاثون تشاوروا في مسيرهم فقال الزبير عليكم بالشام بها الاموال والرجال وقال بن عامر البصرة فان غلبتهم عليها فلكم الشام إن معاوية قد سبقكم إلى الشام وهو بن عم عثمان وإن البصرة لي بها صنائع ولاهلها في طلحة هوى وكانت عائشة تقول نقصد المدينة فقالوا لها

(2/279)


يا أم المؤمنين دعى المدينة فان من معك لا يقرنون لتلك الغوغاء واشخصى معنا إلى البصرة فان أصلح الله هذا الامر كان الذي نريد وإلا فقد بلغنا ويقضى الله فيه ما أحب وكلموا حفصة ابنة عمر أن تخرج معهم فقالت رأيي تبع لرأى عائشة فأتاها عبد الله بن عمر فناشدها الله أن تخرج فقعدت وبعث إلى عائشة أن أخى حال بيني وبين الخروج فقالت يغفر الله لابن عمر ثم نادى منادى طلحة والزبير من كان عنده مركب وجهاز وإلا فهذا جهاز ومركب فحملوا على ستمائة ناقة سوى من كان له مركب وكانوا نحو ألف نفس وتجهزوا بالمال وشيعهم نساء النبي صلى الله عليه وسلم وكان كلهن بمكة حاجات إلا أم سلمة فانها سارت إلى المدينة فلما بلغوا ذات
عرق ودعت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وبكين وبكى الناس فما رأوا بكاء أكثر من ذلك اليوم وسمى يوم النحيب وجعلن يدعون على قتلة عثمان الذين سفكوا في حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم الدم الحرام ثم انصرفن ومضت عائشة وهى تقول اللهم إنك تعلم أنى لا أريد إلا الاصلاح فأصلح بينهم وبعثت أم الفضل حين خرجت عائشة ومن معها من مكة إلى على رجلا من جهينة قالت اقتل في كل مرحلة بعيرا وعلى ثمنه

(2/280)


وهذه مائة دينار وكسوة وكتبت معه أما بعد فان طلحة والزبير وعائشة خرجوا من مكة يريدون البصرة فقدم المدينة وأعطى عليا الكتاب فدعى على محمد بن أبى بكر فقال له ألا ترى إلى أختك خرجت مع طلحة والزبير فقال محمد بن أبى بكر إن الله معك ولن يخذلك والناس ناصروك ثم قام على فحمد الله وأثنى عليه ثم قال يا أيها الناس تهيؤا للخروج إلى قتال أهل الفرقة فانى سائر إن شاء الله إن الله بعث رسولا صادقا بكتاب ناطق وأمر واضح لا يهلك عنه إلا هالك وإن في سلطان الله عصمة أمركم فأعطوه طاعتكم وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الاسلام ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها انهضوا إلى هؤلاء الذين يريدون تفريق جماعتكم لعل الله يصلح بكم ذات البين وبعث على الحسين بن على وعمار بن ياسر إلى الكوفة لاستنفارهم فلما قدموا الكوفة قام أبو موسى الاشعري في الناس وكان واليا عليها وأخبرهم بقدوم الحسن واستنفاره إياهم إلى أمير المؤمنين

(2/281)


على إصلاح البين وقدم زيد بن صوحان من عند عائشة معه كتابان من عائشة إلى أبى موسى والى الكوفة وإذا في كل كتاب منهما بسم الله الرحمن الرحيم من عائشة أم المؤمنين إلى عبد الله بن قيس الاشعري سلام عليك فانى أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو أما بعد فإنه قد كان من قتل عثمان ما قد علمت وقد خرجت مصلحة بين الناس فمر من قبلك بالقرار في منازلهم والرضا بالعافية حتى يأتيهم ما يحبون من صلاح أمر المسلمين فان قتلة عثمان فارقوا الجماعة وأحلوا بأنفسهم البوار فلما قرأ الكتابين وثب عمار بن ياسر فقال أمرت عائشة بأمر وأمرنا بغيره أمرت أن تقر في بيتها وأمرنا أن نقاتل حتى لا تكون فتنة فهو ذا تأمرنا بما أمرت وركبت ما أمرنا به ثم قال هذا بن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم فاخرجوا إليه ثم انظروا في الحق ومن الحق معه ثم قام الحسن بن على فقال يا أيها الناس أجيبوا دعوة أميركم وسيروا إلى إخوانكم لعل الله يصلح بينكم ثم قام هند بن عمرو البجلي فقال إن أمير المؤمنين قد دعانا وأرسل إلينا ابنه فاتبعوا قوله وانتهوا إلى أمره فقام حجر بن عدى الكندي فقال أيها الناس أجيبوا أمير المؤمنين وانفروا خفافا وثقالا بأموالكم وأنفسكم ثم قال الحسن أ

(2/282)


يها الناس إني غاد فمن شاء منكم فليخرج معي على الظهر ومن شاء فليخرج في الماء فأجابوه وخرج معه تسعة آلاف نفس بعضهم على البر وبعضهم على الماء وساروا حتى بلغوا ذا قار وخرج على من
المدينة معه ستمائة رجل وخلف على المدينة سهل بن حنيف فالتقى هو وابنه الحسن مع من خرج معه من الكوفة بذي قار فخرجوا جميعا إلى البصرة ولم يدخل على الكوفة وكتب إلى المدينة إلى سهل بن حنيف أن يقدم عليه ويولى على المدينة أبا حسن المازني والتقى مع طلحة والزبير وعائشة بالجلحاء على فرسخين من البصرة وذلك لخمس خلون من جمادى الآخرة وكان على كثيرا ما يقول يا عجب كل العجب من جمادى ورجب فكان من أمرهم ما كان وقتل بن جرموز الزبير ثم أتى عليا يخبره فقال على سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول قاتل بن صفية بالنار فقال بن جرموز إن قتلنا معكم فنحن في النار وإن قاتلناكم فنحن في النار ثم بعج بطنه بسيفه فقتل نفسه وأما طلحة فرماه مروان بن الحكم بسهم من ورائه فأثبته فيه وقتله وحمله إلى البصرة فمات بها

(2/283)


فقبر طلحة بالبصرة وقتل الزبير بوادي السباع وكان كعهب بن سور قد علق المصحف في عنقه ثم يأتي هؤلاء فيذكرهم ويأتي هؤلاء فيذكرهم حتى قتل وكان على ينادى مناديه لا تقتل مدبرا ولا تذفف على جريح ومن أغلق بابه فهو آمن ومن طرح السلاح فهو آمن ولم يقتل بعد آن واحدا فلما اطمأن الناس بعث على بعائشة مع نساء من أهل العراق إلى المدينة وأقام بالبصرة خمسة عشر يوما ثم خرج إلى الكوفة وولى على البصرة عبد الله بن عباس وولى الولاة في البلدان وكتب إلى
المدن بالقرار والطاعة ثم إن أبا مسلم الخولاني قال لمعاوية على ما تقاتل عليا وهو بن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وله من القدم والسابقة ما ليس لك وإنما أنت رجل من الطلقاء فقال له معاوية أجل والله ما نقاتل عليا وأنا لست أدعى في الاسلام مثل الذي له ولكن أقاتله على دم أمير المؤمنين عثمان بن عفان وأنا أطلبه بدمه فقال أبو مسلم إني

(2/284)


أستخرل لك عن ذلك فركب راحلته وانتهى إلى الكوفة ثم نزل عن راحلته وأتى عليا ماشيا والناس عنده ولا يعرفه أحد فقال من قتل عثمان فقال على الله قتل عثمان وأما معه فخرج أبو مسلم ولم يتكلم ومضى حتى انتهى إلى راحلته فركبها ولحق بالشام فانتهى إلى معاوية وهو يثقل فقيل له هذا أبو مسلم قد جاء فعانقه معاوية وسأله عن سفره وخاف أن يكون قد جاء بشئ مما يكره فقال أبو مسلم والله لتقاتلن عليا أو لنقاتلنه فإنه قد أقر بقتل أمير المؤمنين عثمان فقام معاوية فرحا وصعد المنبر واجتمع إليه الناس وحمد الله وأثنى عليه وقام أبو مسلم خطيبا وحرض الناس على قتال على فصح خروج أهل الشام قاطبة على على وطلبهم إياه بدم عثمان ثم إن حجر بن الادبر قدم على على فقال يا أمير المؤمنين الجماعة والعدد والمال مع الاشعث بن قيس بأذربيجان فابعث إليه فليقدم فكتب إليه على بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله على أمير المؤمنين إلى الاشعث بن قيس أما بعد فإذا أتاك كتابي هذا فاقدم واحمل ما غللت من المال فكتب إليه الاشعث بن قيس أما بعد
فقد جاءني كتابك بأن أقدم عليك وأحمل ما غللت من مال الله

(2/285)


فما أنت وذاك والسلام ثم قال الاشعث والله لادعنه بحال مضيعة ولافسدن عليه الكوفة ثم ارتحل من أذربيجان وهو يريد معاوية وبلغ ذلك عليا وشق عليه خروجه إلى معاوية فقال حجر بن الادبر يا أمير المؤمنين ابعثنى إلى الاشعث بن قيس فأنا أعرف به وأرفق وإن هو خوشن لم يجب أحدا قال له على سر إليه فسار حجر إليه فأدركه بشهرزور فقال له حجر يا أبا محمد أنشدك الله أن تأتي معاوية وتدع بن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال الاشعث أوما سمعت كتابه إلى فقال حجر إنك إن أتيت معاوية أقبلنا جميعا إلى الشام وأنشدك الله ألا نظرت إلى أيتام قومك وأياماهم فانى لا آمن أن يفتضحوا غدا قال فما تريد يا حجر قال تنحدر معي إلى الكوفة فإنك شيخ العرب وسيدها والمطاع في قومك وسيصير إليك الامر فلم يزل به حجر حتى قال ليصرفوا صدور الركائب إلى الكوفة فتقدم على على فسر على بمجيئه فقال مرحبا وأهلا بأبي محمد على عجلته فقال أمير المؤمنين إن هذا ليس بيوم عتاب ثم أقام مع على بالكوفة وحج بالناس عبد الله بن عباس بأمر على ولاه فلما دخلت السنة السابعة والثلاثون كتب معاوية إلى على بن أبى طالب أما بعد فان الله اصطفى محمدا صلى الله عليه وسلم بعلمه وجعله الامين على وحيه والرسول إلى

(2/286)


خلقه واختار له من المسلمين أعوانا فكانوا في منازلهم عنده على
قدر فضائلهم في الاسلام كان أفضلهم في الاسلام وأنصحهم لله ولرسوله الخليفة بعده وخليفة خليفته المظلوم المقتول رحمة الله عليهم وقد ذكر لي أنك تنتفى من دمه فان كنت صادقا فأمكنا ممن قتله حتى نقتله به ونحن أسرع إليك إجابة وأطوعهم طاعة وإى فإنه ليس لك ولا لاحد من أصحابك عندنا إلا السيف والذي لا إله غيره لنطلبن قتلة عثمان في الجبال والرمال حتى يقتلهم الله أو تلحق أرواحنا بعثمان والسلام فكتب إليه على بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله على أمير المؤمنين إلى معاوية بن أبى سفيان أما بعد فان أخا خولان قدم على بكتاب منك يذكر فيه محمد صلى الله عليه وسلم وما أنعم الله عليه من الهدى والحمد لله على ذلك وأما ما ذكرت من ذكر الخلفاء فلعمري إن مقامهم في الاسلام كان عظيما وإن المصاب بهم لجرح عظيم في الاسلام وأما ما ذكرت من قتلة عثمان فانى قد نظرت في هذا الامر فلم يسعنى دفعهم إليك وقد كان أبوك أتاني حين ولى الناس أبا بكر فقال لي يا على أنت أحق الناس بهذا الامر بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهات يدك حتى أبايعك

(2/287)


فلم أفعل مخافة الفرقة في الاسلام فأبوك أعرف بحقى منك فان كنت تعرف من حقى ما كان يعرفه أبوك فقد قصدت رشدك وإن لم تفعل فسيغنى الله عنك والسلام فلما قرأ معاوية الكتاب تهيأ هو ومن معه على المسير إلى على ثم سار يريد العراق وسار على من العراق وصلى الظهر بين القنطرة والجسر ركعتين وبعث على مقدمته شريح بن هانئ وزياد بن النضر
بن مالك أمر أحدهما أن يأخذ على شط دجلة والآخر على شط الفرات معهما أكثر من عشرة آلاف نفس واستخلف على الكوفة أبا مسعود الانصاري ثم أخذ على طريق الفرات وجعل يقول إذا سمعتموني أقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو كما أقول وإذا لم أقل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فانما الحرب خدعة فالتقى على وأهل الشام بصفين لسبع بقين من المحرم فقام على خطيبا في الناس فقال الحمد لله الذي لا يبرم ما نقض وإن أبرم أمرا لم ينقضه الناقضون مع أن الله وله الحمد لو شاء لم يختلف اثنان من خلقه ولا تنازعت الامة في شئ من أمره ولا جحد المفضول ذا الفضل فضله ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد وقد ساقتنا وهؤلاء المقادير حتى جمعت بيننا في هذا المكان فنحن من ربنا بمنظر ومستمع ولو

(2/288)


شاء الله لجعل الانتقام وكان منه التغيير حتى يتبين أهل الباطل ويعلم أهل الحق أين مصيره ولكنه جعل الدنيا دار الاعمال وجعل الآخرة هي دار القرار ليجزى الذين اساءوا الآية ألا إنكم تلقون عدوكم غدا فأطيلوا الليلة القيام وأكثروا فيها تلاوة القرآن وسلوه النصر وعليكم بالجد والحزم وكونوا صادقين ثم قعد فوثب الناس إلى سيوفهم يهيؤنها وإلى رماحهم يثقفونها وإلى نبالهم يريشونها ثم جعل على مقدمته شريح بن هانئ الحارثى والاشتر وعلى الميمنة الاشعث بن قيس وعلى الميسرة عبد الله بن عباس وعلى الرجالة عبد الله بن بديل بن ورقاء وعلى الساقة زياد بن النضر وعلى ميمنة الرجالة سليمان بن صرد الخزاعي
ثم قام معاوية خطيبا في أهل الشام واجتمع الناس فقال الحمد لله الذي دنا في علوه وعلا في دنوه وظهر وبطن فارتفع فوق كل منظر أولا وآخرا وظاهرا وباطنا يقضى فيفصل ويقدر فيغفر ويفعل ما يشاء وإذا أراد أمرا أمضاه وإذا عزم على أمر قضاه لا يؤامر أحدا فيما يملك ولا يسئل عما يفعل وهم يسئلون والحمد لله رب العالمين على ما أحببنا وكرهنا ثم كانت من قضاء الله أن ساقتنا المقادير إلى

(2/289)


هذه الرقعة من الارض ولقت بيننا وبين أهل العراق فنحن من الله بمنظر ومستمع وقد قال الله ولو شاء الله ما اقتتلوا الآية فانظروا يا لاهل الشام فانما تلقون غدا العدو فكونوا على إحدى ثلاث خلال إما قوما تطلبون ما عند الله بقتالكم قوما بغوا عليكم وإما قوما تطلبون بدم الخليفة عثمان فإنه خليفتكم وصهر نبيكم وإما قوما تدفعون عن نسائكم وذراريكم وعليكم بتقوى الله والصبر الجميل نسأل الله لنا ولكم النصر وأن يفرغ علينا وعليكم الصبر وأن يفتح بيننا وبين قومنا بالحق وهو خير الفاتحين فأجابه أهل الشام طب نفسا نموت معك ونحيى معك ثم جعل معاوية أبا الاعور عمرو بن سفيان السلمي على مقدمته وحبيب بن مسلمة الفهري على ميمنته وبسر بن أرطاة على ميسرته ومسلم بن عقبة على رجالة العسكر فلما كان الغد اقتتلوا قتالا شديدا فحجز بينهم الليل حتى قاتلوا ثلاثة أيام فقتل من أصحاب على بالمبارزة هاشم بن عتبة بن أبى وقاص ة عمار بن ياسر وعبد الله بن بديل بن ورقاء وعمار بن حنظلة الكندي وبشر بن زهير ومالك بن كعب العامري وطالب بن كلثوم الهمداني والمرتفع

(2/290)


بن وضاح الزبيدي وشريح بن طارق البكري وأسلم بن يزيد الحارثى والحارث بن اللجاج الحكمى وعائذ بن كريب الهلالي وواصل بن ربيعة الشيباني وعائذ بن مسروق الهمداني ومسلم بن سعيد الباهلى ومحارب بن ضرار المرادي وسليمان بن الحارث الجعفي وشرحبيل بن يزيد الحضرمي وقتل من أصحاب معاوية في المبارزة شرحبيل بن منصور وعبد الرزاق بن خالد العبسي وشريح بن الحارث الكلابي وصالح بن المغيرة الجمحي وحريث بن الصباح الحميري والحارث بن وداعة الحميري وروق بن الحارث العكي والمطاع بن المطلب القينى وجلهمة بن هلال الكلبي والوضاح بن أزهر السكسكي ووازع بن سلامان الغساني والمهاجر بن حنظلة الجعفي وعبد الله بن جرير العكي ومالك بن وديعة القرشي سوى من قتل من الفريقين من غير براز ولما قتل عمار أتى عبد الله بن عمرو معاوية فقال قتل عمار فقال عمرو بن العاص قتل عمار فما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لعمار تقتلك الفئة الباغية فقال معاوية أنحن قتلناه إنما قتله أهل العراق جاؤوا به فطرحوه في سيوفنا ورماحنا وقد قيل إنه قتل بصفين سبعون ألفا من أهل العراق خمسة وعشرون ألفا

(2/291)


ومن أهل الشام خمسة وأربعون ألفا فلما اشتدت البلاء بالفريقين وكثر بينهم القتلى قال عمرو بن العاص لمعاوية إن هذا الامر لا يزداد إلا شدة فهل لك إلى أمر لا يزداد القوم به إلا فرقة إن أعطونا اختلفوا وإن منعونا
اختلفوا فقال معاوية ما هو فقال المصاحف نرفعها وندعوهم بما فيها فانهم لا يقاتلون إلا على ما قد علمت فقال معاوية افعل ما رأيت فأمر بالمصاحف فرفعت في الرماح ثم جعلوا ينادون ندعوكم إلى كتاب الله والحكم بما فيه فسر الناس به وكرهوا القتال وأجابوا إلى الصلح وأنابوا إلى الحكومة وقالوا لعلي إن القوم يدعونك إلى الحق وإلى كتاب الله فان كرهنا ذلك فنحن إذا مثلهم فقال على ويحكم ما ذلك يريدون ولا يفعلون ثم مشى الناس بعضهم إلى بعض وأجابوا الصلح والحكومة وتفرقوا إلى دفن قتلاهم ولم يجد على بدا من أن يقبل الحكومة لما رأى من أصحابه فحكم أهل الشام عمرو بن العاص وأراد على أن يحكم بن عباس فقال الاشعث بن قيس وهو يومئذ سيد الناس لا يحكم في هذا الامر رجلان من قريش ولا افترق الفريقان على هذا الجمع على حكومة بعد أن كان من القتال بينهما ما كان إلا وأحد الحكمين منا وتبعه أهل اليمن على ذلك ثم قال الاشعث لا نرضى إلا بأبي موسى الاشعري وكتبوا بينهم كتابي الصلح

(2/292)


بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما تقاضى عليه على بن أبى طالب ومعاوية بن أبى سفيان قاضى على على أهل العراق ومن كان معه من شيعته من المؤمنين وقاضي معاوية على أهل الشام ومن كان معه من شيعته من المسلمين أنا ننزل على حكم الله وكتابه فما وجد الحكمان في كتاب الله فهما يتبعانه وما لم يجدا في كتاب الله فالسنة العادلة تجمعهما وهما آمنان على أموالهما وأنفسهما وأهاليهما والامة أننصار لهما على الذي يقضيان عليه وعلى المؤمنين والمسلمين والطائفتان كلتاهما
عليهما عهد الله وميثاقه أن يفيا بما في هذه الصحيفة على أن بين المسلمين الامن ووضع السلاح وعلى عبد الله بن قيس وعمرو بن العاص عهد الله وميثاقه ليحكما بين الناس بما في هذه الصحيفة على أن الفريقين جميعا يرجعان سنة فإذا انقضت السنة ان أحبا أن يردا ذلك ردا وإن أحبا زادا فيهما ما شاء الله اللهم إنا نستنصرك على من ترك ما في هذه الصحيفة وشهد على الصحيفة فريق عشرة أنفس فشهد من أصحاب على

(2/293)


الاشعث بن قيس وعبد الله بن عباس وسعيد بن قيس الهمداني وحجر بن الادبر الكندي وعبد الله بن الطفيل العامري وعبد الله بن محل العجلي ووقاء بن سمى البجلي وعقبة بن زيد الانصاري ويزيد بن حجية التيمى ومالك بن أوس الرحبي وشهد من الشام أبو الأعور السلمي وحبيب بن مسلمة الفهري والمخارق بن الحارث الزبيدي وعلقمة بن يزيد الحضرمي وسبيع بن يزيد الحضرمي وزمل بن عمرو العذري ويزيد بن الحر العبسي وحمزة بن مالك الهمداني وعبد الرحمن بن الخالد بن الوليد وعتبة بن أبى سفيان وكتب يوم الاربعاء سنة سبع وثلاثين فانصرف على بمن معه من أهل العراق وانصرف معاوية بمن معه إلى الشام فقال عبد الله بن وهب الحرمي وكان من أصحاب على

(2/294)


لا حكم إلا لله فقال على هذه كلمة حق أريد بها باطل فلما دخل على
الكوفة خرج من كان يقول لا حكم إلا لله ونزلوا بحروراء وهم قريب من اثنى عشر ألفا فسموا الحرورية ومناديهم ينادى أمير القتال شبث بن ربعى التميمي والامر بعد الفتح شورى والبيعة لله ومات خباب بن الارت بالكوفة فخرج على من صفين وولى على سهل بن حنيف فارس فأخرجه أهل فارس فوجه زيادا فرضوا وصالحوه وأدوا إليه الخراج ثم إن الخوارج اجتمعت على ويد بن حصين وقالوا له أنت سيدنا وشيخنا وعامل عمر بن الخطاب على الكوفة تول أمرنا وجهروا به فقال ما كنت لافعلها فلما أبى عليهم ذلك ذهبوا إلى يزيد بن عاصم المحاربي فعرضوا عليه أمرهم فأبى عليهم ذلك ثم ذهبوا إلى سعد بن وائل التميمي فأبى عليهم فأتوا عبد الله بن وهب الراسبي واجتمعوا عنده بقرب النهروان وخرج إليهم على في جمعية فلما أتاهم حمد الله وأثنى عليه ثم قال إنكم أيها القوم قد علمتم وعلم الله أنى كنت

(2/295)


للحكومة كارها حتى أشرتم على بها وغلبتمونى عليها والله بيني وبينكم شهيد ثم كتبنا بيننا وبينهم كتابا وأنتم على ذلك من الشاهدين فقالت طائفة من القوم صدقت ورجعوا إلى الجماعة وبقيت طائفة منهم على قولهم فقال على هل انبئكم بالاخسرين اعمالا الذين ضل سعيهم في الحيوة الدنيا وهم يحسبون انهم يحسنون صنعا منهم أهل النهروان ورب الكعبة ثم إنهم عبروا الجسر إلى على ليحاربوه فلما عبروا الجسر نادى على في العسكر استقبلوهم فاستقبلوهم والتقطوهم بالرماح فكان مع على جمعية يسيرة إنما جاء على أن يردهم بالكلام
وقد كانت الخوارج قريبا من حمسة آلاف فلما فرغوا من قتلهم قال على اطلبوا لي المخدع فكلبوه فلم يجدوه فقال اطلبوا المخدع فوالله ما كذبت ولا كذبت ثم دعا ببغلته البيضاء فركبها وجعل يقلب القتلى حتى أتى على فضاء من الارض فقال قلبوا هؤلاء فإذا هم برجل ليس له ساعد بين جنبيه ثدى فيه شعرات إذا مدت امتدت وإذا تركت قلصت فقال على الله أكبر سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يخرج قوم فيهم رجل مخدع اليد ولولا أن تنكلوا عن العمل لانبأتكم بما وعد الله

(2/296)


الذين يقاتلونهم على لسان محمد صلى الله عليه وسلم ثم حج بالناس عبد الله بن عباس فلما دخلت السنة الثامنة والثلاثون اجتمعوا لميعادهم مع الحكمين بأذرح وحضر فيهم من أهل المدينة سعد بن أبى وقاص وعبد الله بن الزبير وابن عمر ولم يخرج على بنفسه ووافى معاوية في أهل الشام وكان بينه وبين أبى موسى الاشعري ما كان وافترق الناس ورجعوا إلى أوطانهم وندم عبد الله بن عمر على حضوره أذرح فأحرم من بيت المقدس تلك السنة ورجع إلى مكة واستشار معاوية أصحابه في محمد بن أبى بكر وكان واليا على مصر فأجمعوا على المسير إليه فخرج عمرو بن العاص في أربعة آلاف فيهم أبو الأعور السلمي ومعاوية بن حديج فالتقوا بالمسناة وقاتلوا قتالا شديدا وقتل كنانة بن بشر بن عتاب التجيبي وانهزم محمد بن أبى بكر وقاتل حتى قتل وقد قيل إنه أدخل في جوف حمار ميت

(2/297)


ثم أحرق بالنار فلما بلغ عليا سرور معاوية بقتله قال لقد حزنا عليه بقدر سرورهم بقتله ثم ولى على الاشتر على مصر ومات صهيب بن سنان فلما بلغ معاوية خبر مسير الاشتر إلى مصر قال إنه ليأتي وعامة أهل مصر أهل اليمن وهو يماني وكتب إلى دهقان بالعريش إن احتلت في الاشتر فلك على أن أخرج خراجك عشرين سنة فقدم ا لاشتر على امرأة من حمير يقال لها ليلى بنت النعمان فتلطف له الدهقان وسأله أي الشراب أحب إليك قال العسل قال عندي عسل من عسل برقة لم ير مثله ثم قدمته إليه فسقته منه فمات من ساعته فبلغ ذلك معاوية فقال إن لله جنودا في العسل ومات صفوان بن بيضاء في رمضان وكان قد شهد بدرا ومات سهل بن حنيف بالكوفة وصلى عليه وحج بالناس قثم بن العباس فلما دخلت السنة التاسعة والثلاثون استعمل على يزيد بن حجية التميمي على الري ثم كتب إليه بعد مدة أن اقدم فقدم على على فقال له أين ما غللت من مال الله قال ما غللت فخفقه بالدرة خفقات وحبسه في داره فلما كان في بعض الليالي

(2/298)


قرب يزيد البواب وما حله ولحق بالرقة وأقام بها حتى أتاه إذن معاوية فلما بلغ عليا لحوقه معاوية قال اللهم إن يزيد أذهب بمال المسلمين ولحق بالقوم الظالمين اللهم فاكفنا مكره وكيده ثم وجه معاوية خيلا فيهم الضحاك بن قيس الفهري وسفيان بن عوف الدابرى فأغار سفيان على الانبار وفيها مسلحة لعلي فلما بلغ
عليا خروجهم خرج من بيته والناس في المسجد فلما رأوه صاحوا قال اسكتوا اسكتوا فلما سكتوا قال شاهدت الوجوه شاهدت الوجوه إن قلت نعم قلتم لا وإن قلت لا قلتم نعم إن استنفرتكم في الحر قلتم الحر شديد فإذا جاء الشتاء نفرنا وإذا جاء الشتاء واستنفرتكم قلتم البرد شديد وإذا كان الصيف نفرنا إن عدوكم يجد من الهناء ما تجدون ولكن لا أرى لمن لا يطاع وددت أن لي بجماعتكم ألف فارس ثم بعث معاوية بسر بن أرطاة أحد بنى عامر بن لؤي في جيش من أهل الشام إلى المدينة وعليها أبو أيوب الانصاري فهرب منه

(2/299)


أبو أيوب ولحق عليا بالكوفة ولم يقاتله أحد بالمدينة حتى دخلها فصعد منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعل ينادى يا أهل المدينة والله لولا ما عهد إلى أمير المؤمنين معاوية ما تركت فيها محتلما إلا قتلته فبايع أهل المدينة معاوية وأرسل إلى بنى سلمة ما لكم عندي أمان حتى تأتوني بجابر بن عبد الله فدخل جابر بن عبد الله على أم سلمة وقال يا أماه إني خشيت على دمى وهذه بيعة ضلالة فقالت أرى ان تبايع فخرج جابر بن عبد الله فبايع بسر بن أرطاة لمعاوية كارها ثم خرج بسر حتى أتى مكة فخافه أبو موسى الاشعري وكان والى مكة لعلي وتنحى عن مكة حتى دخلها ثم مضى إلى اليمن وعليها عبيد الله بن عباس بن عبد المطلب عامل عللا فلما سمع به عبيد الله هرب واستخلف على اليمن عبد الله بن عبد المدان وكانت ابنته تحت عبيد الله بن عباس فلما قدم بسر اليمن قتل عبد الله بن
عبد المدان وأخذ ابنين لعبيد الله بن عباس بن عبد المطلب من أحسن الصبيان صغيرين كأنهما درتان ففعل بهما ما فعل فلما حضر الموسم بعث على على الحج عبد الله بن عباس وبعث

(2/300)


معاوية يزيد بن شجرة الرهاوي فاجتمعا بمكة وتنازعا وأبى كل واحد منهما أن يسلم لصاحبه إقامة الحج فاجتمع الناس على شيبة بن عثمان بن أبى طلحة فحج بالناس شيبة بن عثمان فلما دخلت السنة الاربعون وبلغ الخبر عليا بما فعل بسر بن أرطاة بالسمن وما كان من أمر بنى عبيد الله بن عباس بن عبد المطلب خطبهم وقال لقد خفت أن يظهر مولى القوم عليكم وما يظهرون عليكم بأن يكونوا بالحق أولى منكم ولكن بصلحهم في بلادهم وفسادكم في بلادكم واجتماعهم على باطلهم وتفرقكم عن حقكم وأدائهم الامانة وخيانتكم والله والله لو استعملت فلانا لخان وغدر ثلاثا ولو بعثه معاوية لم يخنه ولا غدره اللهم قد مللتهم وملوني وسئمتهم وسئموني وكرهتهم وكرهوني فأرخى منهم وأرحهم منى وأبدلني بمن هو خير لي منهم وأبدلهم بمن هو شر لهم منى

(2/301)


ثم كان قتل على بن أبى طالب وكان السبب في ذلك أن عبد الرحمن بن ملجم المرادي أبصرلا امرأة من بنى تيم الرباب يقال لها قطام وكانت من أجمل أهل زمانها وكانت ترى رأى الخوارج فولع بها فقالت لا أتزوج بك إلا على ثلاثة آلاف وقتل على لن أبى طالب فقال لها لك ذلك
فتزوجها وبنى بها فقالت له يا هذا قد عرفت الشرط فخرج عبد الرحمن بن ملجم ومعه سيف مسلول حتى أتى مسجد الكوفة وخرج على من داره وأتى المسجد وهو يقول أيها الناس الصلاة الصلاة أيها الناس الصلاة الصلاة وكانت تلك ليلة الجمعة لسبع عشرة خلت من رمضان فصادفه عبد الرحمن بن ملجم من خلفه ثم ضربه بالسيف ضربة من قرنه إلى جبهته وأصاب السيف الحائط فثلم فيه ثم ألقى السيف من يده وأقبل الناس عليه فجعل بن ملجم يقول للناس إياكم والسيف فإنه مسموم وقد سمه شهرا فأخذوه ورجع على بن أبى طالب إلى داره ثم أدخل عليه عبد الرحمن بن ملجم فقالت له أم كلثوم بنت على يا عدو الله قتلت أمير المؤمنين فقال لم أقتل إلا أباك فقالت إني لارجو أن لا يكون على أمير المؤمنين من بأس فقال عبد الرحمن بن ملجم فلم تبكين إذا فوالله سممته شهرا فان أخلفني أبعده الله وأسحقه فقال على

(2/302)


احبسوه وأطيبوا طعامه وألينوا فراشه فان أعش فعفو أو قصاص وإن أمت فألحقوه بي أخاصمه عند رب العالمين فمات على بن أبى طالب غداة يوم الجمعة فأخذ عبد الله بن جعفر والحسن بن على ومحمد بن الحنفية عبد الرحمن بن ملجم فقطعوا يديه ورجليه فلم يجزع ولم يتكلم ثم كحلوا عينيه بملمول محمى ثم قطعوا لسانه وأحرقوه بالنار وكان لعلي يوم مات اثنتان وستون سنة وكانت خلافته خمس سنين وثلاثة أشهر واختلفوا في موضع قبره ولم يصح عندي شئ من ذلك فأذكره وقد قيل إنه دفن بالكوفة في قصر الامارة عند مسجد الجماعة وهو
بن ثلاث وستين ثم قام الحسن بعد دفن أبيه خطيبا في الناس فحمد الله وأثنى عليه

(2/303)


ثم قال والله لقد مات فيكم رجل ما سبقه الاولون ولا يدركه الآخرون لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليبعثه بالبعث ويعطيه الراية فما يرجع حتى يفتح الله عليه يقاتل جبرائيل عن يمينه وميكائيل عن يساره ولا ترك بيضاء ولا صفراء إلا سبعمائة درهم فضلت من عطائه أراد أن يبتاع بها خادما وكان لعلي بن أبى طالب خمسة وعشرون ولدا من الولد الحسن والحسين ومحسن وأم كلثوم الكبرى وزينب الكبرى وهؤلاء الخمسة من فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان له من غيرها محمد بن على وعبيد الله وعمر وأبو بكر ويحيى وجعفر والعباس وعبد الله ورقية ورملة وأم الحسن وأم كلثوم الصغرى وزينب الصغرى وجمانة وميمونة وخديجة وفاطمة وأم الكرا وأم سلمة عنهم أجمعين ذكر البيان بان من ذكرناهم كانوا خلفاء ومن بعدهم كانوا ملوكا أخبرنا أحمد بن على بن المثنى بالموصل ثنا على بن الجعد الجوهري ثنا حماد بن سلمة عن سعيد بن جمهان عن سفينة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم يكون ملكا قال

(2/304)


أمسك خلافة أبى بكر سنتين وعمر عشرا وعثمان اثنتي عشرة وعلى
ستا قال على بن الجعد فقلت لحماد بن سلمة سفينة القائل أمسك قال نعم قال أبو حاتم ولى أهل الكوفة بعد على بن أبى طالب الحسن بن على ولما اتصل الخبر بمعاوية ولى أهل الشام معاوية بن أبى سفيان واسم أبى سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف وأم معاوية هند بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس فكان معاوية نافذ الامور بالشام والاردن وفلسطين ومصر وكان الحسن بن على يمشى الامور بالعراق إلى أن دخلت سنة إحدى وأربعين فاحتال معاوية في الحسن بن على وتلطف له وخوفه هراقه دماء المسلمين وهتك حرمهم وذهاب أموالهم إن لم يسلم الامر لمعاوية فاختار الحسن ما عند الله على ما في الدنيا وسلم الامر إلى معاوية يوم الاثنين لخمس ليال بقين من ربيع الاول سنة إحدى وأربعين واستوى الامر لمعاوية حينئذ وسميت هذه السنة سنة الجماعة وبقى معاوية في إمارته تلك إلى أن مات يوم الخميس لثمان بقين من رجب سنة ستين وقد قيل إن معاوية مات

(2/305)


للنصف من رجب من هذه السنة وكان له يوم توفى ثمان وسبعون سنة وصلى عليه بن قيس الفهري وقد قيل إن يزيد بن معاوية هو الذي صلى عليه وكانت مدة معاوية تسع عشرة سنة وثلاثة أشهر واثنتين وعشرين ليلة وكان معاوية يخضب بالحناء والكتم وكان نقش خاتمه لا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم وقبره بدمشق خارج باب الصغير في المقبرة محوط عليه قد زرته مرارا عند قصرى رمادة أبى الدرداء
يزيد بن معاوية أبو خالد ثم تولى يزيد بن معاوية بن أبى سفيان يوم الخميس من شهر رجب في اليوم الذي مات فيه أبوه وكنية يزيد أبو خالد وكان ليزيد بن معاوية يوم ولى أربع وثلاثون وشهر كانت أمه ميسون بنت بحدل بن الانيف بن ولجة بن قنافة الكلبي وكان نقش خاتمه آمنت بالله مخلصا ولما بايع أهل الشام يزيد بن معاوية واتصل الخبر بالحسين بن على جمع شيعته واستشارهم وقالوا إن الحسن لما سلم الامر لمعاوية

(2/306)


سكت وسكت معاوية فالآن قد مضى معاوية ونحب أن نبايعك فبايعته الشيعة ووردت على الحسين كتب أهل الكوفة من الشيعة يستقدمونه إياها فأنفذ الحسين بن على مسلم بن عقيل إلى الكوفة لاجل البيعة على أهلها فخرج مسلم بن عقيل من المدينة معه قيس بن مسهر الصيداوي يريدان الكوفة ونالهما في الطريق تعب شديد وجهد جهيد لانهما أخذا دليلا تنكب بهما الجادة فكاد مسلم بن عقيل أن يموت عطشا إلى أن سلمه الله ودخل الكوفة فلما نزلها دخل دار المختار بن أبى عبيد واختلفت إليه الشيعة يبايعونه أرسالا ووالى الكوفة يومئذ النعمان بن بشير ولاه يزيد بتن معاوية الكوفة ثم تحول مسلم بن عقيل من دار المختار إلى دار هانئ بن عروة وجعل الناس يبايعونه في دار هانئ حتى بايع ثمانية عشر ألف رجل من الشيعة فلما اتصل الخبر بيزيد بن معاوية أن مسلما يأخذ البيعة بالكوفة للحسين بن على كتب يزيد بن معاوية إلى عبيد الله بن زياد وهو إذ ذلك بالبصرة وأمره
بقتل مسلم بن عقيل أو بعثه إليه فدخل عبيد الله بن زياد الكوفة حتى نزل القصر واجتمع إليه أصحابه وأخبر عبيد الله بن زياد أن مسلم بن عقيل في دار هانئ بن عروة فدعا هانئا وسأله فأقر به فهشم عبيد الله وجه هانئ بقضيب كان في يده حتى تركه وبه رمق

(2/307)


ثم ركب مسلم بن عقيل في ثلاثة آلا ف فارس يريد عبيد الله بن زياد فلما قرب من قصر عبيد الله نظر فإذا معه مقدار ثلاثمائة فارس فوقف يلتفت يمنة ويسرة فإذا أصحابه يتخلفون عنه حتى بقى معه عشرة أنفس فقال يا سبحان الله غرنا هؤلاء بكتبهم ثم أسلمونا إلى أعدائنا هكذا فولى راجعا فلما بلغ طرف الزقاق التفت فلم ير خلفه أحدا وعبيد الله بن زياد في القصر متحصن يدبر في أمر مسلم بن عقيل فمضى مسلم بن عقيل على وجهه وحده فرأى امرأة على باب دارها فاستسقاها ماء وسألها مبيتا فأجابته إلى ما سأل وبات عندها وكانت للمرأة بن فذهب الابن وأعلم عبيد الله بن زياد أن مسلما في دار والدته فأنفذ عبيد الله بن زياد إلى دار المرأة محمد بن الاشعث بن قيس في ستين رجلا من قيس فجاءوا حتى أحاطوا بالدار فجعل مسلم يحاربهم عن نفسه حتى كل ومل فآمنوه فأخذوه وأدخلوه على عبيد الله فأصعد القصر وهو يقرأ ويسبح ويكبر ويقول اللهم احكم بيننا وبين قوم غزونا وكذبونا ثم خذلونا حتى دفعنا إلى ما دفعنا إليه ثم أمر عبيد الله بضرب رقبة مسلم بن عقيل فضرب رقبة مسلم بن عقيل بكير بن حمران الاحمري على طرف الجدار فسقطت جثته ثم أتبع رأسه جسده ثم أمر عبيد الله

(2/308)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية