صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : تاريخ قضاة الأندلس
المؤلف : النباهي
مصدر الكتاب : الوراق

[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

وتقدم بعده الفقيه أبو عامر يحيى بن عبد الرحمن بن ربيع الأشعري، شقيق القاضي بقرطبة أبي سليمان المتقدم الذكر. وكان أبو عامر هذا صدر علماء زمانه بالأندلس، وقدوة رواته. أخذ عن أبي بكر بن الجد، وابن زرقون، وابن بشكوال، وغيرهم. وله تآليف في علم الكلام جليلة، نبيلة. واستمرت ولايته بها، إلى أن نقله أمير المؤمنين الغالب بالله أبو عبد الله بن نصر رحمه الله! إلى قضاء الجماعة بحضرته من غرناطة. وكان من أعلم القضاة عدالة، وصرامة، ونبلا، وفضلا. وقد تقدمت الإشارة إلى ما وقع بينه وبين القاضي أبي الوليد بن أبي القاسم بن رشد، من المنافرة والمهاجرة، بسبب إنكاره الأخذ في العلوم القديمة، والركون إلى مذاهب الفلاسفة. وكان أبو عامر ممن قرأ الفقه وأصوله، وعلم الكلام وغيره. أكثر عمره بقرطبة وإشبيلية، ومالقة، وغرناطة. وبقي متوليا خطة القضاء، ومع الأمراء، إلى أن أصابته الزمانة التي أقعدته عن ذلك؛ فعاد إلى مالقة. فلزم بها منزله، إلى أن توفي في شهر بيع الأول من عام 639. ذكره ابن الزبير.
ذكر القاضي محمد بن غالب الأنصاري
وتلاه محمد بن إبراهيم بن محمد بن غالب الأنصاري. وكان من الفقهاء الفضلاء، وممن اجتمع له العلم، والمال، وحسن الخلق، وتمام الخلق. وتوفي إثر ولايته.
ذكر القاضي محمد بن أضحى الهمداني
وتقدم بعده محمد بن أضحى الهمداني، من البيت الشهير بالأندلس. وكان عدلا نزيها، فقيها نبيلا. ولم تطل مدة حياته؛ فاخترمته المنية لحدثان ولايته. وهو من ذرية أبي الحسن بن أضحى، مؤلف كتاب قوت النفوس، وإنس الجلوس، القاضي كان في غرناطة أيضا في حدود 640. وفي كتاب الرازي من الإشارة بأصالة بيت بني أضحى ما يغنى عن الإطالة. وخلفه فيهما كان يتولاه من الحكم كاتبه محمد بن سعيد العنسي. وبيت بني سعيد أيضا بقلعة يحصب، المنسوبة حتى الآن إليهم، بكورة البيرة؛ وانتماؤهم إلى عمار بن ياسر الصحابي رضي الله عنه! شهير، إلى ما نجح منهم من الأماثل الأمجاد، وأرباب الرحل إلى البلاد؛ لاكن هذا القاضي قعدت به دماثة أخلاقه، ولين جانبه، وعن رتبة من كان قبله؛ فأخر لعشرة أشهر من ولايته
ذكر القاضي أبي القاسم عبد الرحمن بن ربيع
الأشعري
وتقدم بدله أبو القاسم عبد الرحمن بن أبي عامر يحيى بن عبد الرحمن بن ربيع الأشعري، ولد قاضي الجماعة المتقدم الذكر. وكان على سنن سلفه من التفنن في المعارف، والإشتداد على أهل العتو والفساد، كاتبا بارعا، شاعرا مطبوعا. كتب عن سلطانه، أيام استدعائه من بالمغرب، وتحريك القبائل إلى الجهاد، غير ما كتاب، بما يشحذ العزائم، ويوقظ النائم. وتمادت ولايته إلى أن توفي، بعد مضي سبعة أعوام من زمان تقديمه.
ذكر القاضي أبي بكر محمد الأشبرون
وخلفه في خطة القضاء صاحبه أبو بكر محمد بن فتح بن أحمد الأنصاري الإشبيلي الأشبرون، بعد توليته حسبة السوق والشرطة معا، لما كان عليه من المضاء والصرامة، والقوة، والاكتفاء. ولبث موليا ذلك كله وناظرا فيه، إلى وفاة السلطان الغالب بالله أبي عبد لله؛ وكانت وفاته رحمه الله! آخر جمادى الثانية من عام 671! وصار الأمر إلى ولده السلطان الثاني أبي عبد الله أيضا، المدعو بالفقيه ممهد الدولة النصرية، وبديع مآثرها، ومقيم رسوم الملك فيها فأفرد أبا بكر بالقضاء، وقصر نظره على الأحكام الشرعية؛ فذهب من الشدة في استخلاص الحقوق كل مذهب. وكان مع ذلك حسن الأخلاق، حلو الشمائل، باقيا على طبيعة بلده. ولم ينتقل على حالته، إلى أن توفي، وذلك في حدود عام 698. ذكره القاضي أبو عامر ابن محمد بن ربيع في كتابه؛ فقال فيه: كان فقيها عارفا بالشروط، دريا بالأحكام. وكان يتولى الخطبة بحمراء غرناطة؛ لا أعلمه حدث، إذ لم يكن يشتغل بذلك.
ذكر القاضي غالب بن حسن بن سيد بونة
ومن القضاة الفقهاء الفضلاء، غالب بن حسن بن أحمد بن سيد بونة. ذكره ابن الزبير فقال: يكنى أبا تمام. روى عن أبيه، وأبي عبد الله بن مزين، وصحب قرينه الشيخ الصالح أبا أحمد بن سيد بونة، ولازمه، وانتفع بصحبته. وكان يحدث بكثير من فضائله وكراماته. وكان أبو تمام شيخا فاضلا، ومقرئا مباركا. ولي القضاء. وكانت وفاته سنة 651. بحضرة غرناطة. انتهى.

(1/69)


ذكر القاضي أحمد بن الحسن الجذامي
ومن القضاة برية، في منتصف المائة السابعة، الفقيه أبو العباس أحمد بن الحسن بن يحيى بن الحسن الجذامي. ولي القضاء بالجانب الغربي من أعمالها؛ فكان مشكورا في قصد سيرته، وحسن هديه، فقيه البأس والبذل، صاحب رأي ونظر في المسائل، بصيرا بالأحكام. صحبه القاضي أبو القاسم بن أحمد بن السكوت، وانتفع به، واقتدى بهديه في كثير من أنحائه. وكان لا يرى بالاقتصار على الرواية: وعليكم بالعمل، وإياكم من الأخذ في الجدل!. كان يكثر من إنشاد هذين البيتين:
أرى الذي يروي ولاكنه ... يجهل ما يروي وما يكتب
كصخرة تتبع أمواهها ... تسقي الأراضي وهي لا تشرب
ذكر القاضي أبي علي بن الناظر
ومن القضاة، وصدور الرواة، الشيخ أبو علي الحسين بن عبد العزيز بن محمد بن أبي الأحوص القرشي الفهري، من أهل غرناطة، وأصله من بلنسية؛ يكنى أبا علي، ويعرف بابن الناظر. ارتحل عن غرناطة لغرض عن له بها؛ فلم يقض؛ فأنف من ذلك، فاستقر بمالقة، مقريئا ومحدثا، واقتصر على الخطبة بقصبتها، بضعا وعشرين سنة. ثم خرج من مالقة، فارا إلى غرناطة، لتغيير كان سببه فتنة الخلاف بها، ودساس الفزاري، المقتول بعد بغرناطة على كفره وتسرعه لإضلال غيره. فولى قضاء المرية؛ ثم قضاء بسطة؛ ثم ولي قضاء مالقة، عند ذهاب الفتنة، وخروج بني أشقيلولة عنها. وكان من أهل المعرفة،والدراية، والرواية الواسعة، والثقة، والعدالة؛ جال في البلاد، وأكثر من لقاء الرجال؛ فأخذ بغرناطة عن الأستاذ أبي محمد الكواب، وبإشبيلية عن المقرئ أبي الحسن بن جابر الدباج. ولازم في العربية والأدب الأستاذ أبا علي الشلوبين: أخذ عنه أكثر كتاب سيبويه. وروى عن الوزير سهل بن مالك الأزدي، وعن القاضي أبي القاسم بن بقي، وببلنسية عن أبي الربيع بن سالم، وبمرسية عن أبي العباس بن عياش، وبجزيرة شقر عن الخطيب أبي بكر بن وضاح، وبمالقة عن الحاج أبي محمد عطية، وعن أبي القاسم بن الطيلسان، وعن غير من سمي. وكتب إليه بالإجازة آخرون. وروى عنه الجم الغفير: منهم الأستاذ أبو جعفر أحمد بن إبراهيم بن الزبير الثقفي، والخطيب الأستاذ أبو محمد بن أبي السداد الباهلي، وآخر من روى عنه بالأندلس شيخنا المقرئ أبو محمد عبد الله بن أيوب التجيبي. وله مصنفات في الحديث والقراءات. وتوفي القاضي أبو علي مؤخرا عن قضاء مالقة في الرابع عشر لجمادى الأولى سنة 699 غفر الله لنا وله!
ذكر القاضي الحسن بن الحسن الجذامي النباهي

(1/70)


وتقدم بعد قاضيا بمالقة من أهلها الحسن بن محمد بن الحسن الجذامي النباهي. وكان رجلا صليبا في الحق، متعززا بالله، قويا في ذاته، لا تأخذه في الله لومة لائم، رفيقا مع ذلك بالمساكين، شفيقا على الضعفاء، ومبغضبا في أهل الأهواء. وأول يوم قعد فيه للحكم، تقدم إليه رجلان في الطلب بدين ترتب لأحدهما قبل الآخر؛ وأقر المطلوب ببقائه في ذمته، وزعم أنه في الوقت غير قادر على أدائه؛ ولم تقم له بينة على صحته دعواه، ولا حضره حميل به؛ فتوجه عليه السجن. فحين شاهد أسباب ذلك، قال يخاطب القاضي: أصلحك الله! أيجمل بك، ويحسن عندك استفتاح عملك بسجن مثلي من الضعفاء؟ ولى صبية أصاغر لا كاسب لهم، ولا كافل غيري. فإن حبستني عنهم، لم يبعد تلفهم جوعا وعطشا! فارفق بساحتي، وانظر لحالتي! فأمر القاضي بإحضار مقدار العدد المطلوب من مال نفسه، وأذن في دفعه لمطالبه، وخلى سبيل الغريم يمضى لشأنه. وكان قد أصاب الماشية بكورة رية من الغضب والنهب، أيام فتنة الخلاف بها، ما صار داعية لتغلب الحرام عليها؛ فرد شهادة كل من ثبت فيه لديه أنه أكل من ذلك اللحم المغصوب؛ وهو عالم بعينه، سواء كان مشتريا له من الغاصب أو أكله دون عوض. ورد شهادة الولد إذا كانت مع والده؛ فاشتد في أحواله. وفي أثناء ذلك، وسيق له رجل، شهدت البينة بأنه وجد في خربة بحذاء مقتول؛ وقربه. وسأل الرجل حين اعذر له؛ فذكر أنه كان مختارا عليها لمنزله؛ فرام أولياء الدم الأخذ لهم بالقسامة في المسألة، على ما رواه ابن الحكم في مثل النازلة، ورواه ابن وهب عن مالك؛ فأجرى النظر القضية، وتوقف عن الفصل، وعقد النية على ترك الولاية ما بقي من مدة حياته، واستعفى على الفور من الحكم بين الناس. وقد كان القلق وقع به من أولى الامر، فاعفى على الأثر. فكانت مدة ولايته القضاء نحو شهر. وهو أعظم الله أجره! ممن أصيب في ذاته وماله، بسبب إنكاره على إبراهيم الفزاري، ولي بني أشقيلولة أيام ثورتهم برية، وامتعاضه لما أظهره لهم من البدعة وادعاه النبوة، وعند ذلك فر من مالقة أبو جعفر بن الزبير، وأتبع ليقتل؛ فأفلت، ولاذ بأمير المسلمين، السلطان، المؤيد المنصور، أبي عبد الله المدعو بالفقيه رحمه الله وأرضاه! فحاول على الفزاري حتى تحصل في حكمه، وأمر بقتله وصلبه؛ فقتل بغرناطة على كفره، هو وبعض أصحابه.
وقد أشار إلى ما نبهنا عليه الشيخ القاضي الرواية المحدث، الوزير المشاور، أبو عامر بن عبد الله بن قاضي الجماعة أبي عامر بن ربيع، في كتابه المسمى ب تنظيم الدر في ذكر علماء الدهر.
والذي وقع في الكتاب المسمى بعد اسم أبي علي بن الحسن، من أوله إلى آخره، ما هو نصه: الحسن بن محمد الجذامي من أهل مالقة، من أعيانها وجلة بيوتها، يعرف بالنباهي، ويكنى أبا علي. أخذ بمالقة عن شيوخها. وكان رحمه الله! صالحا، فاضلا، دينا، صليبا في الحق، فامتحن في الله تعالى، وقيامه بالحق، بالضرب والنفي عن بلده نفعه الله! واستقر بمدينة فاس، تحت تكرمه ومبرة، يتولى عقد الوثائق، ويحترف بها. وكان من جلة العدول. ثم عاد إلى بلده مالقة، عند خروج بني أشقيلولة منها، وأقام بها بقية عمره، يتعيش من فائد بقايا أملاكه بها. ودعى إلى الخطابة بجامعها الأعظم؛ فأبى. وقضى أياما يسيرة، واستعفى. توفي رحمه الله! في حدود سنة 700.
ذكر القاضي أبي جعفر المزدغي
وبعض قضاة فاس بعده
ومن أهل المغرب؛ الشيخ الفقيه أبو جعفر أحمد بن المزدغي. ولي القضاء بحضرة فاس، بعد تمنع، واباية، وعزم عليه من الخليفة؛ فسار فيه بأجمل سيرة من العدل، والفضل، والاشتداد على أهل الجاه. وامتدت ولايته، إلى أن توفي عام 669. فولى مكانه أبو عبد الله بن عمران، ثم استعفى لزمان قريب، فتقدم بدله بفاس شيخ طلبتها إذ ذاك، وخطيب خلافتها، الفقيه أبو عبد الله محمد بن أبي الصبر أيوب؛ وكان في زمانه واحد قطره عدالة، وجلالة، وصلاحا، وفضلا، وهو أيضا ممن لم يأخذ على القضاء أجرا، ونجا فيما يختص به الجراية منحى سحنون بن سعيد في وقته، وطلب أن يكون رزق وزعته من بيت المال، لا من قبل أرباب الخصومات، فأمضى ذلك كله. وكان معظما عند سلطانه، كبير الشأن في زمانه. قال عبد الرحمن بن محمد الزليجي وقد ذكره في كتابه: توفي عام 687.

(1/71)


ذكر القاضي محمد بن يعقوب المرسي
ومن القضاة بتلك البلاد، محمد بن يعقوب المرسي، نزيل تونس، يكنى أبا عبد الله. ولي قضاء الجماعة بها، وقد كان ولي قبل ذلك قضاء باجة. وكان عالما، زاهدا، ورعا،فاضلا، محمودا، مشكورا. توفي تقديرا بعد 690.
ذكر القاضي أبي عبد الله بن عبد الملك المراكشي
ومنهم محمد بن محمد بن سعيد بن عبد الملك الأنصاري الأوسي المراكشي؛ يكنى أبا عبد الله، ويعرف بابن عبد الملك. ذكره الأستاذ أبو جعفر بن الزبير وقال فيه: روى عن الكاتب الجليل أبي الحسن بن محمد الزغبي، وصحبة كثيرا. وروى عن غيره. ثم وصفه بأنه كان نبيل الأغراض، عارفا بالتأريخ والأسانيد، نقادا لها، بعيد التصرف أديبا بارعا، شارعا مجيدا، ذا معرفة بالعربية واللغة والعروض. وألف كتابا جمع فيه بين كتابي ابن القطان وابن المواق على كتاب الأحكام لعبد الحق، مع زيادات نبيلة من قبله؛ وكتابا آخر سماه بالذيل والتكملة لكتاب الصلة وولى قضاء مراكش مدة؛ ثم أخر عنها، لعارض سببه ما كان في خلقه من حدة أثمرت مناقشة موثور وجد سبيلا، فنال منه. توفي بتلمسان الجديدة أواخر محرم عام 703. ومن شعره:
لله مراكش الغراء من بلد ... وحبذا أهلها السادات من سكن
إن حلها نازح الأوطان مغترب ... أنسوه بالأنس عن أهل وعن وطن
عن الحديث بها أو العيان لها ... ينشا التحاسد بين العين والأذن
انتهى حاصل ما قاله ابن الزبير في صلته. قال المولف رضي الله عنه!: وأوقفني ولده، صاحبنا الفقيه أبو عبد الله، على كثير من المكتوبات الصادرة عن أبيه القاضي أبي عبد الله، ما بين منظوم ومنثور. ومن ذلك قوله رحمه الله!:
يا عاذلي! دع الملامة أو سلا ... عن صادق في الحب مثلي هل سلا؟
كيف السلو ولي بحكم البين في ... مراكش جسم وقلب في سلا
هيهات! أسلو عهد حل لي بها ... أسلا ابن حجر عهد جازة ما سلا
وافى إليى على العباد كتابه ... فبمهجتي أفدي كتابا أرسلا
أوردت من مرآه روضا مونقا ... ووردت من فحواه ماء سلسلا
طرس كنحر معذر أبدت به ... صدغاه وشي الحسن حين تسلسلا
أأحبتي رحماكم في موقف ... ألقي يد استسلامه واستبسلا؟
أأحبتي رحماكم في نازح ... بكم إليكم في الدنو توسلا؟
أحللتم هجري وخللتم أنني ... وصلى الحرام كما علمتم بسلا
إن أعلن الشكوى فما أشكو سوى ... بين نعيم الأنس جور البسلا
حسبي أدكار قد أثار صبابتي ... ولما ترقرق في التنائي أرسلا
ولواعج طي الظلوع بشيها ... دمع تتابع مرة واسترسلا
فعن أدمعي عن زفرتي عن لوعتي ... أروى الحديث معنعنا ومسلسلا
من لي بتيسير المسير إليكم ... فأصمم العزم الذي لن يكسلا
وأصارم القربى وأهجر موطنا ... وأجوب حومات أنعي عن سلا
فلو القضاء أتاح ما علمته ... ما كنت ممن في البدار ترسلا
حتى أحل مثابة الفضل الذي ... لسواه قلبي بعده ما استرسلا
فاكون في رأي كذائن حنظل ... كره العبير وعافه فاستعملا
أو ينعم الله الكريم برجعة ... يروي بها خبر السرور مسلسلا
وحكى عنه ولده المذكور أنه قصد أيام شبيبته عبور البحر، برسم الجواز إلى الأندلس؛ فبلغ منها الجزيرة الخضراء، وحضر بها صلاة جمعة واحدة، وأقام بها ثلاثة أيام، جلائل في نواحيها، آخذا عن أهلها؛ ثم قال: حصل لنا الغرض من مشاهدة بعد البلاد الأندلسية، والكون بها؛ والحمد لله على ذلك! وعاد قافلا إلى أرضه. ولما توفي قافلا جرى بعد ابنه المسمى تحامل في متروكه لتبعة تسلطت على نشبه، أدته إلى الجلاء عن وطنه؛ فاستقر بمالقة، وأقام بها زمانا، لا يهتدي لمكان فضله إلا من عثر عليه جزافا. ولم ينتقل عن حالته من الخشنة، والانقباض، والعكوف على النظر في العلوم، إلى أن توفي في ذي العقدة من عام 743.

(1/72)


ذكر القاضي أبي العباس الغبريني
ومنهم الفقيه أبو العباس أحمد بن أحمد الغبريني ولي القضاء بمواضع عدة، أخرها مدينة بجاية. فكان في حكمه شديدا، مهيبا ذا معرفة بأصول الفقه، وحفظ لفروعه؛ وقيام على النوازل، وتحقيق للمسائل. ولما ولي خطة القضاء، ترك حضور الولائم، ودخول الحمام، وسلك طريق اليأس من مداخلة الناس. ومن أناشيده:
لا تنكحن سرك المكنون خاطبه ... وأجعل لميته بين الحشا جدثا
ولا تقل نفثة المصدور راحته ... كم نافث روحه من صدره نفثا
وهذا القاضي ممن ذكره عبد الرحمن الزليجي في تأريخه، وقال عنه: توفي عام 704.
ذكر القاضي أبي عبد الله بن عبد المهيمن
الحضرمي
ومنهم محمد بن عبد المهيمن بن محمد بن علي بن محمد الحضرمي؛ يكنى أبا عبد الله، ويعرف بنسبته. وكان في قطره كبير القدر. ولي القضاء بسبتة. ولقرابته من رؤسائها بني الغزفي، وذلك عام 683؛ فقام بالأحكام أجمل قيام، مستعينا بحسن النظر وفضل الجاه وعز النزاهة. فكان مجلسه يغص بعمائم العلماء، وهم كأنما على رؤوسهم الطير هيبة له، وتأدبا معه. وكان في باب القبول شديدا على الشهداء؛ فيذكر أن أحد الظلمة عرض له كتاب رسم في قضية نزلت به؛ فنقده القاضي ومطل في تخليصه؛ فتحيل على أن كتب بحائط مجلس القاضي ما نصه:
بسبتة قاض حضرمي إذا انتسب ... وفي حضرموت الشؤم واللوم بالنسب
فمن شؤمه لا يثبت العقد عنده ... ومن لومه يرمي أولى الفضل بالريب
فلما وقعت عين القاضي على المكتوب وتفهمه، أمر بإزالته، وأمسك عن عنانه، وأخذ في إصلاح شأنه، وترك البحث عن ناظم البيتين وكاتبهما بخط يده. واستمرت أيام ولايته إلى أن تصير أمر بلده إلى الإيالة النصرية، في أواخر عام 705؛ فصرف إلى غرناطة مع سائر أقاربه بني العزفي فوصلها، وأقام بها وابنه الكاتب البارع، أبو محمد عبد المهيمن؛ ثم أذن له في الانتقال إلى وطنه؛ فعاد إليه، وقد أحدث منه السن، وأقعده الكبر؛ فلم يبرح بعد عنه إلى أن توفي غرة صفر من عام 712.
ذكر القاضي أبي إسحاق الغافقي
ومنهم إبراهيم بن أحمد بن عيسى بن الغافقي الاشبيلي؛ يكنى أبا إسحاق، ويعرف أيضا بنسبته إلى غافق؛ أستاذ الطلبة، وإمام الحلبة. خرج عن بلده إشبيلية، عند تغلب الروم عليها، وذلك سنة 646؛ فلازم الشيخ أبا الحسن بن أبي الربيع، وتصدر بعد وفاته للأفراء في مكانه، فأخذ عنه الكبير والصغير. ولي القضاء بسبتة نيابة، ثم استقلالا؛ وكان واحد عصره، وفريد قطره، وعمدة طلبته الموثوقين بما استفيد في مجلسه من فنون العلوم. أخذ علم العربية على صدر النجاة ابن أبي الربيع المذكور، والقرءات عن الأستاذ أبي الحسن بن الخضار؛ وروى عن المسند المسن أبي عبد الله محمد بن عبد الله بن سليمان، والأديب الفرضي أبي الحكم مالك بن المرحل المالقي، والقاضي أبي عبد الله بن قاضي الجماعة أبي موسى عمران بن عمران، إلى أمم من أهل المشرق والمغرب والأندلس. ودون في علم العربية وغيرها كتبا نافعة. وتوفي قاضيا رحمه الله! آخر شهر ذي القعدة من عام 716. وعليه اعتمد شيخنا الولي المقرئ أبو القاسم بن يحيى بن محمد الوازر والي درهم في قراءة القرآن، والتلفظ والأداء، وعلى الخطيب الصوفي أبي جعفر الزيات، من أهل بلش مالقة، على كثرة من لقيه من حملة كتاب الله وقرائه بالمشرق والمغرب. وعلى الغافقي أيضا كان في تعلم العربية اعتماد شيخ النحاة بحضرة غرناطة، الأستاذ أبي عبد الله محمد بن علي الخولاني، المشتهر بقيرى رحم الله جميعهم وكافي صنيعهم!
ذكر القاضي محمد بن محمد اللخمي القرطبي

(1/73)


ومنهم محمد بن محمد اللخمي المعروف بالقرطبي، من أهل سبتة، والقاضي بها. وكان من جلة الحكام الصدور والأعلام؛ خطب بمسجد بلده، ودرس به الفقه وغيره. وكان قائما على المذهب، منقطع القرين في حفاظه. وكان من شأنه، إذا أتى المسجد للحكم فيه بين الناس، يتركع ويتضرع إلى الله تعالى، ويلح في الدعاء، ويسأله أن يحمله على الحق ويعينه عليه، ويرشده للصواب؛ وإذا فرغ من الحكم، يتركع، ويستقبل الله تعالى يسأله العفو والمغفرة عما عسى أن يكون صدر عنه، مما تلحقه تبعة في الآخرة. أخذ عن الشيوخ الجلة أبي الحسن بن أبي الربيع، وابن الخضار، وابن الطيب وغيرهم. وتوفي ببلده قاضيا مشكورا، وهو على سن عالية؛ وذلك صدر ربيع الآخر من عام 723.
ذكر القاضي محمد بن منصور التلمساني
ومن القضاة بمدينة تلمسان، الشيخ الفقيه أبو عبد الله محمد بن منصور بن علي بن هديمة القرشي، كبير قطره في عصره نباهة، وجاهة، وقوة في الحق، وصرامة. وكان أثيرا لدى سلطانه؛ قلده مع قضائه كتابة سره، وأنزله من خواصه فوق منزلة وزرائه؛ فصار يشاوره في تدبير ملكه؛ فقلما كان يجري شيئا من أمور السلطنة إلا عن مشورته، وبعد استطلاع نظره. وكان أصيل الرأي، مصيب العقل، مذكرا لسلطانه بالخير، معينا عليه، كاتبا بليغا ينشئ الرسائل المطولة في المعاني الشاردة، ذا حظ وافر من علم العربية واللغة والتأريخ. شرح رسالة محمد بن عمر بن خميس الحجري التي استفتح أولها بقوله:
عجبا لها أيذوق طعم وصالها ... من ليس يأمل أن يمر ببالها
وأنا الفقيد إلى تعلة ساعة ... منها وتمنعني زكاة جمالها
إلى آخر الرسالة. من نظم ونثر، شرحا حسنا، أتى فيه بفنون العلم وضروب الأدب، بما دل على براعته. وكان جميل الأخلاق، جم المشاركة، مفيد المجالسة، مرددا لقول الأستاذ أبي إسماعيل الطغرائي في معرض النصيحة والتنبيه والتذكرة:
لا تطمحن إلى المراتب قبل أن ... تتكامل الأدوات والأسباب
إن الثمار تمر قبل بلوغها ... طمعا وهن إذا بلغن عذاب
وتوفي صدر سنة 736، قبل هلاك سلطانه، ودخول أهل فاس إلى بلده بأشهر تغمدنا الله وإياه برحمته!
ذكر القاضي محمد بن علي الجزولي
ابن الحاج
ومن القضاة بحضرة فاس، محمد بن علي بن عبد الزراق الجزولي، المعروف بابن الحاج؛ يكنى أبا عبد الله. وهو أحد أعلام المغرب تفننا في المعارف، وفضلا، وعقلا. وكان محافظا على الزتبة، مقيما للأبهة، جميل الهيئة، حمولا لمكاره السلطنة، صبورا على الرحلة، خطيبا بليغا مفلقا، كاتبا بارعا مرسلا، ريان من الأدب، سريع القلب، منقاد البديهة، مهما تناول القرطاس وكتب، أتى على الفور بعجب. رحل إلى المشرق، ولقي أعلامها. ودخل الأندلس، وأقام منها بمالقة زمانا، وروى عن أشياخها. وصحب بها الخطيب المدرس أبا عثمان بن عيسى الحميري. ثم عاد إلى وطنه؛ فتولى خطة القضاء بفاس. وتقلد أزمتها مع الخطابة مدة طويلة، إلى أن انتزعت منه، وأضعف قواه الهرم؛ فاستبدل بالفقيه المتفنن الحافظ أبي عبد الله محمد بن أحمد المقري بفتح الميم، منسوب إلى مقرة موضع من عمله إطرابلس ولزم هو منزله، تحت عناية ورفد جراية، إلى وفاته رحمه الله وغفر لنا وله!
ذكر القاضي أبي إسحق إبراهيم التسولي
شارح الرسالة
ومنهم الشيخ الفقيه أبو إسحاق إبراهيم بن أبي يحيى التسولي التازي، تولى خطة القضاء، واستعمل في السفارة؛ فحمدت حالته، وشكرت سيرته. وكان صدر فقهاء وقته مشاركة في الفنون، وقياما على الفقه. شرح كتاب الرسالة لأبي محمد بن أبي زيد شرحا ممتعا حسنا؛ وقيد على المدونة مجلس الشيخ أبي الحسن الصغير قاضي الجماعة بفاس، وضم أجوبته في نوازله في سفر. وكان مع ذلك فارسا شجاعا، جميل الصورة، نبيه المشاورة، فاره المركب، وجيها عند الملوك: صحبهم وحضر مجالسهم. وفلج بآخر عمره، فالتزم منزله بفاس، يزوره السلطان، فمن دونه. وتعرفت أنه نقل إلى داره من تازة بلده؛ فتوفي بها في حدود 749 نفعنا الله به وغفر لنا وله!
ذكر القاضي أبي تمام غالب بن سيد بونة
الخزاعي

(1/74)


ومن الشيوخ السراة، المذكورين بالأندلس في القضاة، أبو تمام غالب بن حسن بن غالب بن حسن بن أحمد بن يحيى بن سيد بونة الخزاعي. تقدم ذكر جده؛ ولنذكر الآن نبذة من التنبيه على سيره، والتعريف بسلفه. فنقول: أصلهم، على ما تقرر، من بونة التي بإفريقية، وهي المسماة ببلد العناب. وانتقل جده إلى الأندلس؛ فاستوطن منها وادي آش من عمل دانية إلى أن استولى العدو على تلك الجهات؛ فخرج قومه من مدينة آش إلى غرناطة؛ فبنوا بخارجها الربض المعروف بالبيازين، ونشروا مذهبهم في الإرادة؛ وانضم إليهم من تبعهم من أهل المشرق. وتقدم الفقيه أبو تمام شيخا لهم، وقاضيا فيهم، وخطيبا بهم؛ فقام بالأعباء، سالكا سنن الصالحين من الإيثار والتسديد بين قومه، مكبا على العبادة والخفوق على الجهاد. وله رواية عن والده أبي علي، وعن الخطيب أبي الحسن بن فضيلة وغيرهما. وله تأليف في منع سماع اليراعة المسماة بالشبابة وعلى ذلك درج جمهورهم. مولده في ذي القعدة من عام 653؛ ووفاته في شوال من عام 733.
وأما الشيخ أبو أحمد، الصوفي الكبير، الولي الشهير، فهو جعفر بن عبد الله بن محمد بن سيد بونة. قرأ ببلنسية وغيرها. قال ابن الأبار: وكان يحفظ نصف المدونة أو أكثر، ويؤثر الحديث والفقه والتمييز على غيره من العلوم. ورحل إلى المشرق؛ فأدى فريضة الحج ولقي جلة من الفضلاء، أشهرهم وأكبرهم في باب الزهد والورع؛ وسنى الأحوال، ورفيع المقامات، الشيخ الصالح أبو مدين شعيب بن الحسين مقيم بجاية؛ فصحبة كثيرا، وانتفع به، وارتوى من ذلاله. توفي رحمه الله وأرضاه! عن غير عقب من الذكور، وذلك في شهر شوال سنة 624.
ذكر القاضي محمد بن محمد بن هشام
وتقدم أيضا بغرناطة لتنفيذ الأحكام محمد بن محمد بن هشام؛ استقضاه السلطان أبو عبد الله المدعو بالفقيه، لقصة رفعت من شأنه؛ وذلك أن هذا الرجل نشأ في الدجن ببلاد الروم من شرق الأندلس. ثم هاجر منها؛ فاستقر بوادي آش؛ فأقرأ العلم بها، وصحح ما كان قد تحمله من فنون العلم. فلما توفي قاضي البلدة، أيام خلاف بني أشقيلولة بها، عرض عليه قضاؤها؛ فتمنع وأبي لمكان الفتنة، إلا أن يكون التقديم من قبل أمير المسلمين المحق بالخلافة، السلطان أبي عبد الله المذكور. فأعرض عنه، وقدم غيره. فلم يرض الناس به؛ فدعت الرؤساء المذكورين الضرورة إلى طلب التقديم من حيث ذكر. فأنفذ لهم المطلوب. ولما ذهبت الفتنة، وتملك السلطان المدينة، تحقق فضل ابن هشام وصلابته في الحق؛ فنقله إلى مدينة المرية وعند وفاة أبي بكر الأشبرون، استقدمه من هنالك، وقلده القضاء بحضرته. فحسنت به الحال، واقتضيت الحقوق إلى آخر مدة مستقضيه رحمه الله! وكانت صدر شعبان من عام 701. وافضى الأمر إلى ولده أبي عبد الله محمد، ثالث الأمراء من بني نصر؛ فجرى على منهاج أبيه في الاغتباط بقاضيه؛ فأقره على ما كان يتولاه، وزاد في التنويه. فظهرت الخطة بواحدها وصدر رجالها؛ وبقي يتولاه إلى أن توفي، وذلك عام 704. ذكره القاضي أبو عامر يحيى بن ربيع في مزيده وقال فيه: كان فقيها عارفا، أديبا، كاتبا بارعا، فاضلا، لين الجانب، سمحا، دريا بالأحكام، عدلا، نزيها؛ وتولى الخطبة بجامع الحمراء.
قال المؤلف رضي الله عنه! لله در محمد بن هشام في إصراره على الاباية من القضاء في الفتنة الأشقيلولية! فإنه جرى في تمنعه على منهاج السداد، وأخذ لنفسه الواجب في الاحتياط. وقد تقدم صدر هذا الكتاب أن الداعي إلى العمل، إذا كان غير عدل، لم يجز لأحد إعانته على أموره، لأنه مقعد في فعله؛ فيجب عليه أن يصبر على المكروه، ولا يلى العمل معه؛ وإن كان عدلا، جاز، وقد تستحب له الإعانة. والله الموفق للصواب!
ذكر القاضي أبي جعفر أحمد بن فركون

(1/75)


وولي بعد ابن هشام قضاء الجماعة الشيخ الفقيه أبو جعفر أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد ابن أحمد القرشي، المعروف بابن فركون، أحد صدور الفقهاء بهذا القطر الأندلسي اطلاعا بالمسائل، وحفظا للنوازل، وقوة على حمل أعباء القضاء، وتفننا في المعارف. وكان رحمه الله! منشرح الصدر، مثلا في حسن العهد بمن عرفه ولو مرة في الدهر، مفيد المجالسة، رائق المحاضرة، مترفقا بالضعيف في أقضيته، كثير الاحتياط عند الاشتباه، دقيق النظر، مهتديا لاستخراج غريب الفقه وغوامض نكت العلم، رائق الأبهة، موصوفا بالنزاهة والعدالة، شديد الوقار، مشغلا عند المواجهة والتجلة، مع التحلي بالفضل، والخلق الرحب، والدعابة الحلوة. طال يوما بين يديه قعود رجل اسمه أحمد بن معاوية، دعا إليه في حق وقع الفصل فيه؛ فاستأذنه في الذهاب؛ فقال: يا سيدي! ينصرف أحمد؟ فقال: لا ينصرف! فأقام ذلك الرجل وجلا حتى نبه على أن القاضي إنما قصد التورية. قرأ على المدرس المتفنن أبي الحسن الأبلح، وأكثر الأخذ عن المقرئ أبي عبد الله محمد بن إبراهيم الطائي المعروف بمستقور وغيرهم. وكان خطيبا. بليغا، كاتبا ناظما ناثرا، بصيرا بعقود الشروط، سابقا في علم الفرائض. قضى بمواضع منها رندة، ومالقة، والمرية، وسار فيها بسيرة عادلة سنية. واستمر قضاؤه مع الخطابة بحضرة غرناطة إلى أول الدولة الإسماعيلية؛ فصرف عن ذلك، لما كان له في مشايعه المخلوع عن السلطنة من الأمور التي حقت عليه الخمول، بعد استقرار ذائلها الأمير أبي الوليد بالملك رحمة الله عليه! ومولد القاضي أبي جعفر المذكور في عام 649، ووفاته في السادس من ذي القعدة عام 729.
ذكر القاضي أبي بكر يحيى بن مسعود
المحاربي وابنه أبي يحيى
وتقدم بعده لقضاء الجماعة الوزير الفقيه أبو بكر يحيى بن مسعود بن علي بن أحمد بن إبراهيم بن عبد الله بن مسعود المحاربي الغرناطي، من أهل الأصالة والجزالة والجلالة. وكان رحمه الله! سامي الهمة، ماضي العزيمة، شديد الشكيمة، ولي القضاء بجهات شتى، منها مدينة المرية، وصدرت عنه في مدة حصار الروم لها جملة أقوال وأفعال لا تصدر إلا من حزماء الرجال. ثم نقل إلى قضاء الجماعة بالحضرة؛ فاشتهر بالمضا والاشتداد على أهل الجاه، وإقامة الحدود، وإخافة الشهود. وكان لا يخط بعقد علامة بثبوته عنده إلا بعد شهادة أربعة من العدول؛ وقصر أصحابه ذلك وقالوا: ألا ترى، لو أن رجلا دفع إلى آخر حقا كان له عليه، وطلبه أن يشهد به، فأشهد عدلين، وأبى أن يشهد غيرهما، وأراد صاحبه الاستكثار من البينة، فإنه لا يلزمه أن يشهد له أكثر من شاهدين عدلين، على ما قاله القاضي أبو الوليد بن رشد، ورواه غيره لقوله تعالى " واستشهد شهيدين من رجالكم. " قالوا: وإن كان قصد القاضي من الإكثار من الشهداء التوثق لتحصل البراءة المتحققه له ولغيره، فقد يجمع أربعة من الضعفاء في رسم واحد. فلزم إذا مرتكب هذا النظر الإمساك عن خطاب مثل هذا الرسم، إلى غير ذلك من المضار المتعلقة به فلم يثن الشيخ أبا بكر بن مسعود شيء من هذا كله من غرضه، واستمر على ذلك مدة قضائه. وكان له من أخيه أبي الحسن، وزير الدولة الإسماعيلية وعميد البلدة، ردء كثير على إنقاذ الأحكام، ومصادمة أساطين الرجال. ونفر بعض أهل المدينة عند التخاصم عنده، تقيه من تعاظم شدته واتصال عبوسته؛ وجرى له في ذلك مع القاضي بربض البيازين كلام حاصله أن طلب منه الاقتصار بالنظر على جهته، رفعا للتشويش عن الخصوم. والمنصوص جواز قاضيين في بلد واحد وأكثر، كل مستقل ومختص بناحيته، وإنما الممنوع شرط الاتفاق في كل حكم، لاختلاف الأغراض، وتعذر الاجتماع. وقد تقدم الشبيه على ذلك عند التكلم في شروط القضاء. ثم إذا تنازع الخصمان في الاختيار، حيث قلنا بالجواز، وازدحم متداعيان، فالقرعة.
قرأ على الأستاذ أبي جعفر بن الزبير، وابن الطلاع، وابن أبي الأحوص، واستعمل في الرسالة إلى ملك المغرب عام 727، وأقام بظهر سلا؛ ثم طرقه المرض، فتوفى هنالك يوم الخميس سابع ذي قعدة من العام المذكور. ودفن بالجبانة المعروفة بشلة، خارج رباط الفتح. ومولده لست خلت من شوال عام 653.

(1/76)


وكان رحمه الله! قد ترك نائبا عنه فيما كان يتولاه من القضاء بغرناطة ولده الفقيه أبا يحيى. فحين بلغه أنه توفي بحيث ذكر، استقل بعده ولده بالولاية، واستكملت له ألقاب الخطة، وجرى على طريقة أبيه من الجزالة والصرامة، في استخلاص الحقوق، ونصر المظلوم، وقهر الظلوم. وكان في نفسه شجاعا، فارسا، مقدما، جليل الهيئة، نبيه الشارة، رائق الأبهة، يبرز عند القتال في مصاف صدور الأبطال؛ فيحسن دفاعه، ويجمل عناده. ولما ضايقت الروم مدينة المرية، وكان أبوه الشيخ أبو بكر ممن شمله الحصار بها، كما تقدم، شق أبو يحيى محلة العدو ليلا، وتحيل وصل إلى سور البلد، وأعلى حرسته باسمه، فسر المسلمون بتخلصه، وانتفع هنالك أبوه. وبقي هذا القاضي متوليا خطة القضاء نيابة واستقلالا نحوا من خمسة أعوام. ثم نقل قاضيا إلى مدينة المرية، فأقام بها.
وكان أيضا نائب الشيخ أبي بكر، ومشاوره في أحكامه ونوازله، شيخ الفقهاء بقطره في وقته، العابد الشيخ الفاضل أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أحمد بن محمد بن قطبة الدوسي. وكان رحمه الله! لمكانه في المعرفة والعدالة أهلا للاستقلال بأعباء الحكومة.
ذكر القاضي محمد بن يحيى بن بكر الأشعري
وخلفه في الأحكام بحضرة غرناطة الأستاذ محمد بن يحيى بن أحمد بن محمد بن بكر ابن سعد الأشعري المالقي، من ذرية بلج بن يحيى بن خالد بن عبد الرحمن بن يزيد بن أبي بردة واسمه عامر بن أبي موسى واسمه عبد الله بن قيس صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم! ذكره ابن حزم في جملة من دخل الأندلس من المغرب؛ يكنى أبا عبد الله، ويعرف بابن بكر. هذا نص ما وقع إثر اسمه عند ذكره في الكتاب المسمى ب عائد الصلة وتحققنا من غيره صحة معناه. ولنذكر الآن نبذا من أنبئه وسيره في قضائه.

(1/77)


فنقول أولا: كان شيخنا هذا أبو عبد الله رحمه الله وأرضاه! ممن جمع له بين الدراية والرواية؛ لازم من قبل سن التكليف صهره الشيخ الفقيه الوزير أبا القاسم بن محمد ابن الحسن، وقرأ عليه بمنزله القرآن، وتأدب معه، واختص بالأستاذ الخطيب أبي محمد عبد الواحد بن أبي السداد الباهلي الأموي، وأخذ عن الرواية أبي عبد الله محمد بن عباس الخزرجي بن السكوت، والخطيب الولي أبي الحسن بن فضيلة، والأستاذ أبي الحسن ابن اللباد المدني. ورحل إلى مدينة سبتة؛ فأخذ بها عن عميد الشرفاء أبي علي بن أبي التقي طاهر بن ربيع، وأبي فارس عبد العزيز الهواري، وأبي إسحاق التلمساني، وأبي عبد الله ابن الخضار، والمقرئ أبي القاسم بن عبد الرحيم، والأستاذ أبي بكر بن عبيدة. وأجازه من أهل المشرق الإمام شرف الدين عبد المؤمن بن خلف الدمياطي بالدال المهملة، والرواية المتحدث أبو المعالي أحمد بن إسحاق القوصي، إلى جماعة من المصريين والشاميين وغيرهم. وعاد إلى بلده مالقة، وقد صار سباق الحلبات معرفة بالأصول، والفروع، والعربية، واللغة والتفسير، والقراءات، مبرزا في علم الحديث تأريخا، وإسنادا، ونسخا، وتصحيحا، وضبطا، حافظا للألقاب والأسماء والكنى؛ فتصدر في فنون العلم. وكان كثير النصيحة، حريصا على الإفادة؛ فنفع وأدب، وخرج وهذب، حتى صار أصحابه على هيئة متميزة من لباس واقتصاد، وجد واجتهاد. وكثيرا ما كان يقول لفتيان الطلبة ما قاله الجنيد بن محمد، وهو: يا معشر الشباب! جدوا قبل أن تبلغوا مبلغي! فتضعفوا وتقصروا كما قصرت! وكان الجنيد وقت الشاخة لا يلحقه الشباب في العبادة. ومن تلك النسبة أيضا كان شيخنا أبو عبد الله بن بكر؛ فإنه لم يكن في الغالب يأكل إلا عند حاجة، ولا ينام إلا عن غلبته، ولا يتكلم بغير العلم إلا عن ضرورة. وبقي كذلك زمانا، يدرس بالمسجد القريب من منزله سكناه احتسابا. ثم تقدم ببلاده للوزارة، ناظرا في أمور العقد والحل، ومصالح الكافة. ثم ولي القضاء به؛ فأظهر من الجزالة والشدة ما ملأ به وجدا صدور الحسدة، ونسبوا إليه أمورا حملت على إخراجه من مالقة، وإمكانه بغرناطة؛ فبقي بها يسيرا، وتقدم منها بالمسجد الجامع خطيبا. ثم ولي قضاء الجماعة؛ فقام بالوظائف، وصدع بالحق، وبهرج العدول؛ فزيف منهم ما ينيف على الثلاثين عددا، استهدف بذلك إلى محادة ومناسبة ومعادلة خاض ثبجها وصادم تيارها غير مبال بقيل أو قال؛ فأصبح في عمله، مع كتبة الوثائق بغرناطة، أشبه القضاة بيحيى بن معمر في طلبه قرطبة، إذ بلغ من مناقشته أن سجل في يوم واحد بالسخطة على تسعة عشر رجلا منهم وجرت لابن بكر في هذا الباب حكايات يطول ذكرها، إلى أن استمرت الحال على ما أراده. وعزم عليه أميره في إلحاق بعض من أسخطه بالعدالة؛ فلم يجد في قناته مغمزا؛ فسلم له في نظره.
ولم يزل مع ذلك ملازما أيام قضائه للاقراء مع التعليم: درس العربية، والأصول، والفقه، وإقراء القرآن، والحساب، والفرائض؛ وعقد مجالس الحديث شرحا وسماعا، وربما نحا في بعض أحكامه أنحاء مصعب بن عمران أحد القضاة قديما بقرطبة؛ فكان لا يقلد مذهبا، ويقضي بما يراه صوابا. وسيأتي بسط الكلام في هذه المسألة بعد، بحول الله. وإن قلنا عن القاضي ابن بكر إنه كان في شدائد أحكامه أشبه علماء وقته بسحنون ابن سعيد، لم يكن في ذلك ببعيد؛ فإنه أدب الناس على الحلف بالإيمان اللازمة، وأنكر سوء الحال في الملابس، وفرق مجتمعات أرباب البدع، وشدد أهل الأهواء بالسجن والأدب، على سبيل في ذلك كله من اتباع السنة وإطراح الهواء له، وخفض الجناح لأهل الخير.

(1/78)


وكان في خطبه وصلاته كثير الخشوع، لا يتمالك من سمع صوته في الغالب من إرسال الدموع؛ يقرأ في الصبح بما فوق المفصل؛ فيحسبه المصلى خلفه كأنما قرأ بآية واحدة، لحسن قراءته، وطيب نغمته، وصدق نيته؛ وإذا ذكر شيء؛ من أمور الآخرة، ظهر على وجهه الاصفرار؛ ثم يغلبه البكاء، ويتمكن منه الانفعال. فكان، في معاملته لأصحابه، على مذهب الفرج بن كنانة، لا يرى زلة لصديقه، ولا يعدل في حاجته إليه عن طريقه؛ وقلما كان يتخلف في يوم من أيامه عن عيادة مريض، أو شهود جنازة، أو تفقد محتاج، أو زيارة منكوب. ومن ذلك ما حدثني به قريبنا وقريبه الشيخ الرواية المحدث الحاج أبو القاسم بن عبد الله، وهو أنه لما اعتقل بدار الإشراف من الحضرة، على ما نسب إليه من المسامحة في إضاعة مال الجباية، أيام كانت أشغال السلطنة لنظره، أن زاره القاضي أبو عبد الله يوما في محبسه. قال: فذكرته بعادته من مشاركته لأصحابه ولإخوانه وله ابن عوانة. قال: فاستعبر، واستغفر، وأقام معي هنيئة ساكتا مفكرا؛ ثم تناول القرطاس، وكتب يخاطب الأمير بما نصه:

(1/79)


الحمد لله! مولاي أمدك الله بتوفيقه، وحملك من الرشاد على أوضح طريقه! أسلم عليك وأسائلكم، حققت رجاء الآملين وسائلكم، ولا خاب من قصد لديكم قاصدكم وسائلكم! ما كان من حديثي الذي لم يزل ذا قدم صدق في خدمة الإيالة الإسماعيلية وبنيها، وخاصتها وذويها، وادا لأودائها. نائبا عن متاربها، يرفع لنصحها في كل ميدان خدمة لواء، ويؤم أولياءها ثقة وأعداءها مقتا ولواء، ويجر من نصحها من حسن الطوية رداء، إلى أن تحمل من عدوى الجوار داء، وجعل لصاحب الجريمة، من أخذ بالجريرة غير ناره، وكوى لعجز جاره، وتارة عدوه ولم يقم له هو ولي بثأره. فهل عثر البحاث البدعي في نواحي عمله وفي خفيات سره، على مقربة خبر. أو أتى البحاث السريع في هزجه ورمله بأثارة علم تكشف العمى وتضئ الطريق لأولى البصر؟ حنانيك أعد النظر فما هي إلا القيت يقرقر زجاجة، من قضابها لغيرك فيما اخبث حاجة. وإن كان وقع لما ألقاه في الأمر شيء من الباس، وحضر لما زينه وأعانه عليه قوم آخرون من الناس، فما بنا من ظهور الحق لديك اياس، وحاشاك أن يخفض للجوار بحضرة عهدك الكريم كبير أناس. فأعرض عما تسوله شياطين الأنس وتحلية، وتعده من الأباطيل وتمنيه، وعد عما يزخرفه كل خف مزق القول منها فيستند كل نقل روايته إلى أصل غير ثابت؛ فيربط قياس رؤيته بما اطمع خضراء الدمن نابت، قد غمس في آل القاضي يمين طعمه، وجزاه على غموس اليمين فرط هلعه. فما ينطق لسانه إلا بما يجعل في كفه من الصامت، واعتمد مشورة ناصح لك بإلغاء نصحه حذر الوشاة فتخافت. وإذا حضرك الغاوون المستبغون، وألقوا من حبال كيدهم وعصى مكرهم ما هم ملقون؛ فتعوذ بالله من شر ما يشركون، واستحضر من الحق كلمة تلقف ما يافكون، ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا. ثم اسمع من لسان الحال، وهو أفصح من لسان المقال، حجة من اعتاد سيلان الفضائل من يديك، ومثله جاثيا للاحتكام لديك، أليس من قواعد الحكم نظر حال المدعى وحال المدعى عليه، ومن يليق به ما عزى له ومن لا يناط به ما نسب إليه؟ هل يستويان مثلا، أو يتقاربان قولا، ويتقارنان عملا، أو يتباعدان بعد المشرقين، ويتباينان فوق ما بين عطاردين؟ فمن الذي يتلو الآيات ويردد واعظها، ويسرد الأحاديث ويسمع مواعظها، ويطرد في الاسحار الهجوع، ويرسل في مجالس الخير الدموع، ويتعبد مع العابدين، ويتقلب مع الساجدين؟ أم هو كذا وكذا وكيت وكيت مما يكثر عند التعداد، ولا يحمل في مثله استعمال القلم والمداد؟ فعلى من تحمل اليمين والكذب، أعلى من ألفه الجد أم على من غلب عليه اللعب؟ فإن غير هذا أو غير هذا لأمر ما وقيل هما في الثناء سيان، وعند النداء سميان، وقد ظهر للمدعى في صكوك الحساب رجحان، وهذا ديوان العمل فيه شهادة فلان على خط المطلوب وفلان، فادرا هذه الشبهة المشوهة والحجة الداحضة المموهة. فإن اضطراب المذاهب في العمل بالكتاب، وتفرق أربابها على أشتات الطرق والشعاب، فمنهم من أهمله جملة في كل الأمور ومنهم من أعمله في بعضها وهو القول المشهور! يا للعجب إذا كانت شهادة العدول ترد بالاستبعاد، بدعوى فيما يقدر على تحصيله بيسير العثرات والاحاد! وعند التأمل بإنصاف، وتجنب الميل والانحراف، يبدو من أحوال هذه القضية قرائن توجب فض ذلك المكتوب، وتؤذن ببراءة المحبوس من العدد المطلوب، وإن كان من جد هذا القول ليس من أهل التحبير، ولا ممن عرف بجودة البيان وبلاغة التعبير، فإنه ذو عسرة جاد بما وجد، وحليف وجد عصر بلالة طبعه شدة ما به من الكمد، أبقاك الله وكتب لك سداد الرأي وسعادة الأبد، وعزا ونعيما لا يحصرهما حد، ولا ينتهيان إلى أمد! وصلى الله على سيدنا محمد وآله صلاة دائمة ما دام ثناؤه في الألسن وثراه في الخلد! قال الشيخ أبو القاسم: وختم الكتاب بعد ما علقه لأعجمي له ودفعه لمن بلغه. فما تم النهار إلا والبشير قد وصلني بالإعتاب، ورفع التوجه من العتاب. والحمد لله على ما منح من ذلك!

(1/80)


قال المؤلف أدام الله سعادته! وهذا المرسوم الفريد، إن كان شيخنا أبو عبد الله بن بكر قد أتى به على البديهة، إنه لأغرب من الخطبة التي قام بها منذر ابن سعيد بين يدي الخليفة الناصر، حين أرتج على محمد بن عبد البر وحيل بينه وبين ما رواه، وانقطع القول بأمير الكلام أبي علي القالي. وإن كان الشيخ قد جدد قديما ما أظهره وأعده، قصد مناظرة أخيه؛ فلقد أحسن في عمله ما شاء، وأجاد الإبداع والإنشاد.
ويقرب من هذا النمط ما حدثنا به صاحبنا الخطيب أبو جعفر الشقوري عن القاضي أبي عبد الله المذكور، أنه كان قاعدا يوما بين يديه، في مجلس قضائه من حضرة غرناطة مهدها الله تعالى! وإذا بامرأة قد رفعت له بطاقة مضمنها: يا سيدي رضى الله عنكم! إنما محبتها في الرجل الذي طلقها وهي تريد من يكلمه في ارتجاعه لها وردها إليه. قال: فتناول القلم، وكتب على ظهر البطاقة أحرفا، ودفعها إلي؛ فإذا هي: الحمد لله! من وقف على ما في القلوب فليصخ لسماعه إصاخة مغيث، وليشفع لتلك المرأة عند مفارقها تأسيا بشفاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم! لبريرة في مغيث! والله تعالى يسلم لنا العقل والدين، ويسلك بنا سبيل المهتدين! ومن نصائحه لطلبته: أوصيكم، بعد تقوى الله العظيم، بثلاث خصال: ألا تكتبوا خطا دقيقا؛ فإنه يضر بأبصاركم، ويقل انتفاع الغير به بعدكم؛ وإذا خططتم أحدا، فلا حظوا تخطيطه أن يكون الشخص المخطط غير خلي من المعنى الواقع في اسمه، توخيا منكم للصدق، وتحريا عن التجاوز المحض؛ ولا يكن همكم بكتب الشيوخ لكم على ما قرأتم. وليكن همكم أن تكونوا من الديانة والدراية بمثابة من يقبل قوله فيما يدعيه ولا يكذب فيه إلى غير ذلك من خطبه ومواعظه وأدبه.
وكان في أقضيته لا يرى الحكم بمجرد التدمية، إذا لم يقترن بها لشيء من اللوث، ويرخص للرجل في متابعته لزوجته بالأدب، ويوجبه على الصلاة، بخلاف ما ذهب إليه ابن أبي زيد في نوادره، ويردد ما ورد في الصحيح: ألا كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته! وكان لا يوسع للناشر عن رأي الفرار بعد الدخول ويجبرها على الرجوع، إلى أن أحدثت له بمالقة، أيام قضائه بها، مع رجل من أهلها يعرف بعبد الله الوردي؛ فأمسك عن ذلك. وكان يأخذ بمذهب الليث بن سعد في كراء الأرض بالجزء مما تنبت، ويحذر من الركون إلى مقالات محمد بن عمر الرازي المعروف بابن خطيب الرأي في المباحث، وينكر عليه ما قرره آخر محمله من الأراء وقوله في الأربعين: أما الكافر، فهو على قول الأكثر من الأمة يبقي مخلدا في النار؛ وهذا القول من ابن الخطيب فيه ما فيه؛ فإن المخالف في تخليد الكافر في النار هو من القلة والشذوذ، بحيث لا يلتفت إليه، ولا يعد كلامه قولا في المسألة. وكان يقول: من لم يتمرن في عقود الشروط، ولا أخذ نفسه بالتفقد في كتب التوثيق، لا ينبغي له أن يكون قاضيا، وإن كان قويا فائقا في سائر العلوم! وإن ذهبنا إلى تقدير ما تلقيناه من شيخنا القاضي أبي عبد الله في مجالسه العلمية من نكت النوازل وطرف المسائل، طال بنا القول، وأدرك فريضتنا العول! وفيما ذكرناه العناية الكافية. وبالجملة، فما كان إلا كما ذكر بقي بن مخلد عن محمد بن بشير حيث قال: ما كان يقاس إلا بمن تقدم من صدور هذه الأمة. ومن تلك الطبقة كان محمد بن بكر عند من عرفه واستمر على عمله من الاجتهاد، والرغبة في الجهاد، إلى أن فقد رحمه الله! في مصاف المسلمين، يوم المناجزة الكبرى بظاهر طريف، شهيدا محرضا، يشحد البصائر، ويدمن الأبطال، ويشير على الأمير أن يكثر من قول: حسبنا الله ونعم الوكيل! وقد كتف دابته التي كان عليها راكبا، وهو رابط الجأش، مجتمع القوى، وأنشأ عليه بالركوب وقال له: انصرف! هذا يوم الفرح! يشير، والله أعلم، إلى قوله تعالى في الشهداء: " فرحين بما آتاهم الله من فضله " ؛ وذلك ضحى الإثنين السابع من جمادى الأولى عام 741، عن غير عقب من الذكور. ومولده في أواخر شهر ذي الحجة من عام 673.
ذكر القاضي عثمان بن منظور

(1/81)


ومن القضاة بمالقة، أيام ابن بكر بغرناطة، شيخنا أبو عمر عثمان بن محمد بن يحيى بن محمد بن منظور الإشبيلي، أحد بيوت النباهة بالأندلس. ذكره صاحب كتاب العائد فقال فيه: كان رحمه الله! صدرا في علماء بلده، أستاذا ممتعا، من أهل النظر والتحقيق، ثاقب الذهن، أصيل البحث، مضطلعا بالمشكلات، مشاركا في الفقه والعربية، إلى أصول وقراءات وطب ومنطق. قرأ كثيرا، ثم تلاحق بأصحابه. ثم غبر في وجوه السوابق. لازم الأستاذ أبا محمد الباهلي، وانتفع به. وقرأ على الأستاذ أبي بكر بن الفخار، وتزوج زينب ابنة الفقيه المشاور أبي علي بن الحسن؛ فاستقرت عنده كتب والدها. فاستعان بها على العلم، والتبحر في المسائل. وقيد بخطه الكثير، واجتهد، وصنف، وقرأ ببلده محترفا بضاعة التوثيق؛ فعظم به الانتفاع. وولي القضاء بآش، وملتماس، وقمارش، ثم ببلده مالقة. وتوفي بها مصروفا عن القضاء، دون عقب، في يوم الثلاثاء الخامس والعشرين لذي حجة عام 735؛ ولم يخلف ببلده مثله في وقته مشاركة في الفنون، وجودة نظر، وثقوب ذهن. وخرج عليه طائفة من الطلبة.
وولي بعده بقيد الحياة بمكانه من خطة القضاء صاحبه، المنتفع به قبل ذلك قراءة علية وسكونا إليه، محمد بن محمد بن إبراهيم بن الحاج، المدعو بأبي البركات البلفيقي، حسبما يأتي الكلام عليه بعد بحول الله تعالى.
ذكر القاضي أبي عبد الله محمد بن عياش
واستقضى بعد ابن بكر، من أصحابه الآخذين عنه، الفقيه الزاهد أبو عبد الله محمد بن محمد بن عياش الخزرجي؛ استدعاه أمير المسلمين أبو الحجاج لحضرته، وقلده قضاء الجماعة بها؛ فأقام الرسم ثلاثة أيام حسبة، كما تقدم في اسمه، وأفصح رابع يومه بالاستعفاء؛ فترك لشأنه.
ذكر القاضي أبي جعفر أحمد بن برطال
واستقدم على أثره من مالقة أيضا أبو جعفر أحمد بن محمد بن علي بن أحمد الأموي، المعروف بابن برطال، أحد المترددين للقاضي أبي عبد الله بن بكر أيام كونه ببلده. فولى قضاء الجماعة بغرناطة والخطبة. قال صاحب عائد الصلة: على قصور في المعارف؛ ولذلك يقول الشيخ نسيج وحده أبو البركات:
إن تقديم ابن برطال دعا ... طالبي العلم إلى ترك الطلب
حسبوا الأشياء عن أسبابها ... فإذا الأشياء من غير سبب
فأعنته الدربة وأنجدته الخطة على تنفيذ الأحكام؛ فلم يؤثر عنه فيها أحدوثه، واستظهر بجزالة أمضت حكمه وانقباض عافاه من الهوادة. فرضيت سيرته، واستقامت طريقته. وصير إلى مالقة بعد ذلك. فتوفي بها أيام الطاعون الكبير، وذلك في منصف ليلة الجمعة خامس صفر من عام 750: خرجت جنازته في اليوم لليلة وفاته، صحبه ركب من الأموات يزيد على الألف، منهم شيخنا المقريء الولي أبو القاسم بن يحيى بن درهم، والأستاذ الواعظ أبو عبد الله أحمد المعروف بالقطان رحمة الله عليهم!
ذكر القاضي أبي القاسم الخضر بن أبي العافية
ومنهم الخضر بن أحمد بن أبي العافية الأنصاري، يكنى أبا القاسم ويعرف بابن أبي العافية، من أهل غرناطة. وكان رحمه الله! من صدور القضاة، وجهابذة النحاة، وأهل النظر والعكوف على الطلب، حتى صار مضطلعا بنوازل الأحكام، مهتديا لاستخراج غرائب النصوص. نسخ بيده الكثير، وقيد من المسائل، فعرف فضله، وبهر نبله، واستشاره القضاة في المشكلات، واستظهروا بنظره عند المهمات. وكان بصيرا بعقد الشروط، ظريف الخط، بارع الأدب، مكثرا من النظم؛ ومن ذلك قوله:
لي دين على الليالي قديم ... ثابت الرسم منذ خمسين حجة
أبعاد وبالحكم بعد عليها ... أم لها عن تقادم العهد حجة
وتوفي رحمه الله! قاضيا ببرجة؛ وسيق إلى غرناطة. فدفن بباب إلبيرة عصر يوم الأربعاء آخر يوم من ربيع الأول عام 745.

(1/82)


وقد أجابه على بيتيه المذكورين طائفة من الأفاضل بقطع من الشعر الرائق. وإنهما لمن نمط الظريف. ولقائل إن يقول: بل هما من الكلام الضعيف المنقود على مثل الفقيه، فإنه إن كان قد أراد بالدين الذي زعمه على الليالي، ما نواه من التوبة! وحدثني بنحو هذا الغرض عنه بعض الأصحاب، وذكر لي أنه أخبره بذلك عن نفسه أيام حياته. فالملام إذا متوجه عليه لأجل تفريطة وانحلال عزيمته. وبيان ذلك أن التوبة فرض بإجماع الأمة في كل وقت وعلى كل حال من كل ذنب أو تقصير، في كمال أو غفلة؛ وحالها حال الشيء الذي يتاب منه، فإن كان الواقع حراما، كانت التوبة على الفور إلى تمام المقامات فمن أخرها زمانا، عصى بالتأخير فيحتاج إلى توبة من تأخير التوبة. وكذلك يلزم على تأخير كل ما يجب تقديمه. فعلى هذا التقدير، تأخير الشيخ التوبة مدة من خمسين سنة وإصراره على الذنب ذنبان مضافان إلى الخطيئة. وإن كان إنما أراد الملحة والتورية بالديون التي تكلم عليها الفقهاء في باب المعاملات من غير التفات منه لغرض معين، فكان من حقه أن يأتي بما يطابق أقوال العلماء، ولم يقل أحد منهم بإلزام الغرامة لمدين بعد مرور خمسين سنة من تأريخ الرسم المطلوب بمضمنه. ولذلك قلت في معرض الجواب منبها على هذا الوجه:
قل لمن ألزم الليالي دينا ... وهو في العرف قد تجاوز نهجه
مقتضى الفقه رفض ما تدعيه ... فاتق الله حيثما تتوجه
ولو أتى الناظم بعشرين بدل الخمسين، لكان أقرب إلى محل الخلاف. وإن كان الأصل بقاء الدين في ذمة المديان؛ لكنه قال يشهد العرف للمدين فيكون القول قوله في الدفع. وهذا قد يتضح العرف فيه فيتفق عليه. وقد يختلف فيه لكون العرف لم يتضح. وهذه المسألة تفتقر إلى بسط. ونحن نورد من الكلام عليها في هذا الموضع ما أمكن، إذ هو وقت الاحتياج إلى البيان. فنقول والله الموفق للصواب! فمن مثل ما اتضح فيه العرف، ما ذكر في المدونة أن ما يباع على النقد كالصرف، وما يباع في الأسواق كاللحم، والفواكه، والخضر، والحنطة، والزيت ونحوه، وقد انقلب به المبتاع، فالقول قوله إنه قد دفع الثمن مع يمينه يصدق المشتري هنا في دفع الثمن لشهادة العادة له بصدقه. قال المازري: وهذا لم يختلف فيه لا تضاح العادة الدالة عليه. وهكذا ذكر ابن رشد أنه لا اختلاف في أن القول هنا قول المبتاع. قال أبو إسحاق التونسي: ما كان من الأشياء عادتها أن تقبض قبل دفع السلعة أو معها معا؛ فإذا قبض المشتري السلعة، كان القول قوله مع يمينه أنه دفع الثمن لدعواه المعادة. وقال ابن محرز: إن لم ينقلب به، وكان قائما مع بائعه، فقد اختلف في ذلك؛ فروى أشهب عن مالك: القول قول رب الطعام مع يمينه. وقال ابن القاسم: القول قول المبتاع. قال ابن القاسم: وذلك إذا كانت عادة الناس في ذلك الشيء أخذ ثمنه قبل قبضه أو معه. قال ابن محرز: فقد نبه ابن القاسم رحمه الله! على المعنى الذي ينبغي أن يعتمد عليه في هذا الأصل، وهو العادة؛ فمن ادعى المعتاد كان القول قوله مع يمينه في جميع الأشياء المشتراة على اختلافها من دور، ورقيق، وبز، وطعام، وغير ذلك؛ ومن مثل هذا أيضا إذا باع سلعة، وادعى بعد طول أنه لم يقبض ثمنها، فإن القول قول المبتاع مع يمينه.

(1/83)


لا كن اختلف في حد الطول؛ فقال ابن حبيب: أما الرقيق، والدواب، والربع، والعقار، فالبائع مصدق وإن تفرقا ما لم يطل، فإن مضى عام أو عامان، فالقول قول المبتاع، وليس يباع مثل هذا على التقاضي. وأما البز وشبهه من التجارات، فما يباع على التقاضي والآجال؛ فإن قام ما لم يطل، فزعم أنه لم يقبض الثمن، حلف وصدق؛ وإن قام بعد طول مثل عشر سنين، فأقل منها مما لا يبتاع ذلك إلى مثله، صدق المبتاع ويحلف. وساوى ابن القاسم بين البز وغيره ما عدا الحنطة والزيت ونحو ذلك، وجعل القول في ذلك قول البائع، ولو بعد عشرين سنة، حتى تجاوز الحد الذي لا يجوز البيع إليه. قال المازري: والتحقيق أن هذا الطول غير محدود، ولا مقدر، لا بحسب ما تجري به العادة في سائر الجهات، وفي أجناس التجارات؛ فلا معنى للرجوع إلى هذه الروايات، لأنها مبنية على شهادة بعادة. ومن هذا أيضا ما قالوا إن القول قول المكترى في دفع الكراء إذا طال الأمر بعد انقضاء أمد الكراء، حتى يجاوز الحد الذي جرى العرف بتأخير الكراء إليه. ومن مثل هذا أيضا، دعوى الزوج دفع الصداق إلى الزوجة: فقد قال مالك وابن القاسم: إن الزوج يصدق في الدفع إذا اختلف في ذلك بعد البناء. ومن مثل هذا أيضا، ما قالوا في أن رب الدين، إذا حضر على قسمة تركة المديان، ولم يقم بدينه، ولا عذر له بمنعه من القيام، فلا شيء له. ومن مثل هذا أيضا ما قال مالك في الوسى: يدعى دفع المال إلى اليتيم إنه لا يصدق إلا إن يكون رجلا ادعى على وليه أنه لم يدفع إليه ماله بعد زمان طويل، قد خرج فيه عن حال الولاية، حتى إذا طال الزمان، وهلك الشهود، قال: فلان وليى، ولم يدفع إلي مالي؛ فليس هذا بالذي أريد! قال ابن رشد هذا، كما قال من أن ولي اليتيم يصدق مع يمينه في دفع مال اليتيم إليه إذا أنكر القبض وقد طالت المدة، لأن طول المدة دليل على صدقه لأن العرف يشهد له؛ فيكون القول قوله، كما يكون القول المكترى في دفع الكراء إذا طال الأمر بعد انقضاء أمد الكراء، حتى يجاوز الحد الذي جرى العرف بتأخير الكراء إليه. قال القاضي أبو بكر ابن يبقى بن زرب: إذا قام على وصية بعد انطلاقه من الولاية بأعوام كثيرة كالعشرة والثمان، يدعي أنه لم يدفع إليه ماله؛ فلا شيء له قبله يريد من المال ويحلف، لقد دفع إليه. قال: وإذا لم يكن في حد ذلك سنة، يرجع إليها فالذي يوجبه النظر أن يكون القول قول اليتيم إنه ما قبض حتى يمضي من المدة ما يغلب على الظن معها كذبه في أنه لم يقبض ويصدق وليه في أنه دفع. وهذه المسألة، وإن لم تكن من الديون، فإنها تشارك الديون في أن الوصي لا يصدق في الدفع إلى اليتيم مع الزمان القريب. والأصل في هذا كله شهادة العرف والعادة. فإذا شهد العرف للمديان ورجح قوله، صدق في الدفع مع يمينه؛ وإن لم يشهد له العرف، فالقول قول رب الدين في أنه لم يقبض، وقيام رب الدين بعد طول الزمان به ودعواه عدم القبض مما يوهن دعواه ويكذبه؛ فيكون القول قول المديان في الدفع مع يمنيه لشهادة العرف به. ومقدار الطول التحقيق فيه ما قاله الإمام أبو عبد الله المازري إنه غير مقدر، ولا محدود، إلا بحسب ما تجري به العادة في سائر الجهات وفي أجناس التجارات. والله أعلم! وفي هذا القدر كفاية.
ذكر القاضي أبي محمد عبد الله بن يحيى
الأنصاري

(1/84)


ومن القضاة، عبد الله بن يحيى بن محمد بن أحمد بن زكرياء الأنصاري الأوسي، من أهل غرناطة؛ وأصله من مرسية، من بيت جود وفضل يكنى أبا محمد. كان ممن ولى القضاء وهو دون عشرين سنة، وتصرف فيه بقية عمره بالجهات الأندلسية؛ فأظهر نزاهة وعدالة، وأكثر مع ذلك من القراءة والإجتهاد، حتى صار من أهل القيام، والإحكام، والتقدم في عقد الشروط، والإمامة في علم الفرائض والعدد، وما يرجع إليه، عن الأستاذ أبي عبد الله بن الرقام. وروى عن أبي جعفر بن الزبير، والقاضي أبي عبد الله بن هشام، والخطيب أبي الحسن بن فضيلة. وكان في قضائه على طريقة حسنة من دماثه أخلاق، وسلامة أغراض، وتثبت في المشكلات، والأمور المشتبهات؛ وكثيرا ما كان يطيل الجلوس في آخر النهار، خشية أن يأتي محتاج ضعيف، أو شاك ملهوف من مكان بعيد؛ فلا يوجد. وإذا بان له وجه الحق في الحكومة، أنفذ دون استراب في شيء منه، أخذ فيه بمذهب ابن مخلد من الأستيناء، حتى يصير الفريقان إلى التصالح، احتياطا لنفسه ولغيره. مولده منتصف شهر جمادى الآخر عام 675. وتوفي وهو قاض ببسطة، في التاسع عشر في شهر رمضان عام 745.
ذكر القاضي أبي بكر محمد بن أحمد بن شبرين
ومنهم محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد الجذامي نزيل غرناطة، وأصله من إشبيلية، من حصن شلب من كورة باجة غربي صقعها؛ يكنى أبا بكر، ويعرف بابن شبرين. وانتقل أبوه عن إشبيلية عند تغلب العدو عليها، وذلك عام 646: فاحتل رندة، ثم غرناطة، ثم انتقل إلى سبتة، وبها ولد ابنه أبو بكر هذا. ثم عاد عند الحادثة التي كانت بها في أواخر عام 705 إلى غرناطة؛ فارتسم بها في الكتابة السلطانية. ثم تولى القضاء بكثير من الجهات. وكان رحمه الله! فريد دهره في حسن السمت، وجمال الرواء، وبراعة الخط، وطيب المجالسة، من أهل الدين والفضل والعدالة، غابة في حسن العهد ومجاملة العشرة، أشد الناس اقتدارا على نظم الشعر والكتب الرائق. قرأ على جده لأمه الأستاذ أبي بكر بن عبيدة الإشبيلي، وعلى الأستاذ أبي إسحاق الغافقي. وكانت له رحلة إلى مدينة تونس، لقي بها قاض الجماعة الشيخ الإمام أبا إسحاق إبراهيم بن عبد الرفيع وغيره؛ فاتسع بذلك نطاق روايته. ومن شعره:
لي همة كلما حاولت أمسكها ... على المذلة في أرجا أراضيها
قالت: ألم تك أرض الله واسعة ... حتى يهاجر عبد المؤمن فيها
وله في برد غرناطة:
رعى الله من غرناطة متبوءا ... يسر كئيبا أبو يجير طريدا
تبرم منها صاحبي بعد ما رأى ... مسارحها بالبرد عدن جليدا
هي الثغر صان الله من أهلت به ... وما خير ثغر لا يكون برودا
توفي، عن غير عقب من الذكور، ثالث شعبان من عام747.
ذكر القاضي أبي إسحاق إبراهيم بن يحيى
بن زكرياء
ومنهم أبو إسحاق إبراهيم بن يحيى شقيق الفقيه القاضي محمد بن زكرياء المتقدم الذكر. وكان من سراة القضاة، طرفا في الخير والاقتصاد والتعزز والانقباض، بارعا في الخط؛ أخذ بحظ من النظم والنثر، واستعمل في القضاء؛ فسار فيه بأجمل سيرة وأحمد طريقة. قرأ على أبيه؛ ثم تحول إلى الأستاذ أبي جعفر بن الزبير، وأخذ بسبتة عن أبي إسحاق الغافقي، وصحب صوفية وقته كأبي عبد الله التونسي، وأبي جعفر بن الزيات، وأبي الطاهر بن صفوان. وكتب بالدار السلطانية؛ فكان زين أخدانه، وصدر إخوانه. مولده في الثالث والعشرين لشعبان من عام 751.
ذكر القاضي أبي بكر محمد بن عبيد الله
بن منظور القيسي

(1/85)


ومن أعلام القضاة، الشيخ الفقيه أبو بكر محمد بن عبيد الله بن محمد بن يوسف بن يحي بن عبيد الله بن منظور القيسي المالقي، وأصله من إشبيلية، من البيت الأثيل المشهور؛ ويكفي من التعريف بقدم إصالته الكتاب المسمى ب الروض المنظور، في وصاف بني منظور. وكان هذا القاضي رحمه الله! جم التواضع، كثير البر. مبذول البشر، قويا مع ذلك على الحكم، بصيرا بعقد الشروط، مترفقا بالضعيف. ولي القضاء بجهات شتى من الأندلس، فحمدت سيرته، وشكرت طريقته؛ ثم تقدم ببلده مالقة قاضيا وخطيبا بقصبتها. وكان سريع العبرة، كثير الخشية، جاريا على سنن أسلافه من الفضل وإيثار البذل. قرأ على الأستاذ أبي محمد بن أبي السداد الباهلي، ولازمه، وانتفع به وسمع على غيره. وأجازه ابن الزبير، وابن عقيل الرندى، وأبي عمرو الطنجي، وغيرهم. وله تآليف، سمعت عليه بعضها، وناولني سائرها؛ منها نفحات النسوك، وعيون التبر المسبوك، في أشعار الخلفاء والوزراء والملوك؛ وكتاب السجم الواكفة، والظلال الوارفة، في الرد على ما تضمنه المظنون به من اعتقادات الفلاسفة؛ وكتاب البرهان والدليل، في خواص سور التنزيل. وأنشدني لنفسه من لفظه:
ما للعطاس ولا للفأل من أثر ... فثق بدينك بالرحمان واصطبر
فسلم الأمر فالأحكام ماضية ... تجري على السنن المربوط بالقدر
وتوفي ببلده مالقة؛ وقبر بها شهيدا بالطاعون، وذلك منتصف شهر صفر من عام 750. وعقبه مستعمل في خطة القضاء على الطريقة المثلى من المبرة وكثرة الحشمة تولاه الله تعالى!
ذكر القاضي أبي عبد الله محمد بن أحمد
الطنجالي
ومهم قريبنا وصاحبنا، الخطيب أبو عبد الله محمد بن شيخنا الخطيب أبي جعفر أحمد ابن شيخنا أيضا الولي الكبير الشهيد أبي عبد الله محمد بن أحمد بن يوسف الهاشمي الطنجالي، أحد أماثل قطره، وذوي الأصالة والجلالة من أهله. تقدم قاضيا ببلده مالقة، وقد نجمت بن بواكي الوباء الأكبر، وذلك صدر عام 750، بعد تمنع منه واباية. فلم يوسعه الأصحاب عذرا في التوقف، وشرطوا له عونهم اياه، كالذي جرى للحارث بن مسكين بمصر مع إخوانه في الله تعالى. وما كان إلا أن ولي الطنجالي وحمى وطيس الطاعون الأعظم الذي حسبت ظهوره في زماننا هذا أنه من علامات نبوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم! فقد ثبت عنه في الحديث الصحيح أنه قال لعوف بن مالك في غزوة تبوك: اعدد ستا بين يدي الساعة: موتى؛ ثم فتح بيت المقدس؛ ثم موتان يأخذ فيكم كعقاص الغنم؛ ثم استفاضة المال؛ حتى يعطى الرجل مائة دينار، فيظل ساخطا؛ ثم فتنة لا يبقى بيت من العرب إلا دخلته، ثم هدنة تكون بينكم وبين بني الأصفر، فيغدرون، فيأتونكم تحت ثمانين غاية، تحت كل غاية إثنا عشر ألفا! ه نص. والغاية هي الراية؛ وبنو الأصفر هم الروم.
ولا يبعد أن تكون المهادنة المشار إليها هذه التي نحن فيها في الأندلس منذ اثنين وثلاثين سنة، أولها هلاك ملك النصارى المسمى بالفنش بن هرانده بن شانجه، وهو بظاهر جبل الفتح حاصرا له، وذلك عاشر المحرم من عام 750 والى هلم. وقلما يعلم أنه جرى بين الملتين مثلها في طول المدة واستصحاب المسالمة. والله أعلم بالمراد من ذلك كله، في الحديث الذي أوردناه، هل هو ما ذكرناه ونبهنا عليه، أم غيره! وعلى كل تقدير، والله تعالى يلطف بالساكن في هذه الجزيرة المنعطفة من البحر الزاخر، والعدو الكافر، ويجعل عافية من بها إلى خير!

(1/86)


والعقاص المذكور في الحديث هو داء يصيب الغنم، فتموت بإذن الله. والطاعون سئل عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم! فقال: رجس أرسل على بني إسرائيل! وقيل إنه أول ما بدأ بهم في الأرض، ومات به منهم عشرون ألفا. وقيل: سبعون ألفا في ساعة واحدة. وقيل إنهم عذبوا به. وفي الحديث أيضا سئل عليه السلام! عن الطاعون؛ فقال: غدة كغدة البعير، تخرج في المراق والآباط. قال أبو عمر: قال غير واحد: وقد تخرج في الأيدي، والأصابع، وحيث ما شاء الله من البدن. وما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم! حق وإنه الغالب. وقال الخليل: الوباء الطاعون. وقال غيره: كل مرض يشتمل الكثير من الناس في جهة من الجهات، فهو طاعون. وعن عياض: أصله القروح في الجسد؛ والوباء عموم المرض: فسمى لذلك طاعونا، تشبيها بالهلاك. وقيل فيه غير ما ذكر. وقد شاهدنا منه غرائب يقصر اللسان عن بيان جملة أجزائها. ومنها انتهى عدد الأموات في تلك الملحمة الوبائية بمالقة إلى ما يزيد في اليوم على الألف، بقي بعد ذلك أشهرا حتى خلت الدور، وعمرت القبور، وخرج أكثر الفقهاء والفضلاء والزعماء، وذهب كل من كان قد شرط للقاضي أبي عبد الله إعانته على ما تولاه.
وكان من لطف الله تعالى بمن بقي حيا من الضعفاء بمالقة كون القاضي لهم بقيد الحياة، إذ كان قبل ذلك، على تباين طبقاتهم، قد هرعوا إليه بأموالهم، وقلدوه تفريق صدقاتهم؛ فاستقر لنظره من الذهب، والفضة، والحلي، والذخيرة، وغير ذلك، ما تضيق عنه بيوت أموال الملوك؛ فأرفد جملة من الطلبة وفقراء البلدة، وتفقد سائر الغربة، وصار يعد كل يوم تهيئة مائة قبر حفرا، وأكفانهم برسم من يضطر إليها من الضعفاء فشمل النفع به الأحياء والأموات. بقي هو وغيره من أهل القطر على ذلك زمانا، مشاركة بالأموال ومساهمة في المصايب والنوازل، إلى أن خف الوباء، وقل عدد الذاهبين به والمسالمين بسببه؛ فأخذ بالجد التام في صرف الأوقات إلى إمكانها، ووضع العهود في مسمياتها؛ فانتشع بذلك الفل، وذهب على أكثرهم القل. والله لطيف بعباده.
وكان هذا الرجل المترجم به جلدا، قويا في نفسه، بدنا، طوالا هاشميا خلقا وخلقا، نبيها، نزيها، خطيبا، مهيبا، أصيل الرأي، رصين العقل، قائما على عقد الشروط وعلم الحساب والفرائض على طريقة جده وسميه الولي أبي عبد الله. ولما من الله سبحانه برفع ما كان نزل بالناحية المالقية من الطاعون، واستروح من بقي بها من الخلائق روح الحياة، وكادت النفوس أن ترجع إلى مألوفاتها، وتقوم ببعض معتاداتها، نهض بنفسه القاضي أبو عبد الله إلى أمير المسلمين السلطان المؤيد أبي الحجاج رحمه الله وأرضاه! فورد عليه، وهو بحضرته، وطلب منه الإنعام عليه بالإعفاء من القضاء؛ فأنزله بمنزلة التجلة، وراجعه بعد ذلك بما حاصله: حوائجك كلها مقضية لدينا، إلا ما كان الآن من الإعفاء؛ فارجع إلى بلدك، واكتب إلينا إن شئت من هنالك بما يظهر لك، بعد تقديم الاستخارة. ولعل العمل أن يقع بموافقة إرادتك، إن شاء الله! فارتحل عنه شاكرا فعله، وداعيا بالخير له، هو وكل من بلغه عن السلطان ما قابل به مستعفيه. هذا من التلفظ الجميل، والفضل الجزيل. ثم كتب من بلده مالقة، يخبر باستمرار عزيمته على ما نواه أولا من الخروج عن القضاء، والاقتصار على الخطة. فوصله الجواب بإسعاف غرضه.

(1/87)


وتقدم الشيخ أبو القاسم بن سلمون الكناني قاضيا في مكانه. فأظهر السرور بذلك كله. ولما قدم ابن سلمون على مالقة، تلقاه، وحياه، وحضر عن اختياره، تخلقا منه وتواضعا في جملة الفقهاء وعامة أهل المصر بالقبة الكبرى من المسجد الجامع، عند قراءة رسوم الولاية، على العادة المعتادة هنالك. ثم انتقل القاضي الجديد، إثر الفراغ من الغرض المطلوب، بالاجتماع إلى مجلس الحكومة؛ فمال إليه الحاضرون، وتبعوه بجملتهم، وتركوا صاحبهم القديم، كأن لم يشعروا به، كالذي جرى ليحيى بن معمر بقرطبة مع أصحابه، إذ الناس ناس والزمان زمان. ولم يثبت إذ ذاك مع الطنجالي أحد من القوم غيري، وغير الخطيب أبي عبد الله بن حفيد الأمين. فتأملت، أثناء ما دار بيننا من الكلام في الموطن، وجه صاحبنا القاضي؛ فإذا هو على هيئة المتخشع، لمفارقته المألوف قبل من أيمة الخطة، وتكاتف الحاشية، وترادف الوزعة. فتذكرت عند ذلك الحكاية التي نقلها الحسن بن محمد بن أبي محمد بن أسد، وقد أثبتها ابن بشكوال أيضا في صلته. وهي أن السلطان كان قد تخيره لقراءة الكتب الواردة عليه بالفتوح بالمسجد الجامع من قرطبة على الناس، لفصاحته، وجهارة صوته؛ فتولى له ذلك مدة قوته ونشاطه؛ فلما بدن، وتثاقل، استعفاه؛ فأعفاه، ونصب سواه. فكان يقول عند ذكره الولاية والعزل: ما وليت لبني أمية ولاية قط غير قراءة كتب الفتوح على المنبر! فكنت أنصب فيه، واتحمل الكلفة دون رزق ولا صلة. ولقد كسلت منذ أعفيت عنها، وخامرني ذل العزلة! ولم تكن نفس الخطيب أبي عبد الله المستعفى عن القضاء بتلك المنزلة الموحدة؛ ولاكنه ظهر لي إذ ذاك، لأجل ما تخيلت من انفعاله، أن كتبت له، عند حلوله بمنزله، بالأبيات المثبوتة بعد على جهة التسلية، والتغبيط بالتخلية. والمنظوم هو ما نصه:
لك الله با بدر السعادة والبشر ... نشرت بأعلى راية الفخر
ولا سيما لما وليت أمورها ... فرويتها من عذب نائلك الغمر
ودارت قضاياها عليك بأسرها ... على حين لا بد يمين على بشر
فقمت بها خير القيام مصمما ... على مثل تصميم المهندة السمر
فسر بك الإسلام يا ابن حماية ... وأمست بك الأحكام باسمه الثغر
تعيد عليك الحمد ألسن حالها ... وتحفظ ما يرضيك من سور الشكر
ولكنك استعفيت عنها تورعا ... وتلك سبيل الصالحين كما تدرى
جريت على نهج السلامة في الذي ... تخيرته فابشر بأمنك في الحشر
وحقق بأن الدين ولاك خطة ... من العز لا تنفك عنها مدى العمر
تزيد على مر الجديدين جدة ... وتسرى النجوم الزاهرات ولا تسر
ومن لاحظ الأحوال وازن بينها ... ولم ير للدنيا الدينة من خطر
وأمسى لأنواع الولاية نابذا ... فقير نكير أن تواجه من نكر
فيهنيك يهنيك الذي أنت أهله ... من الزهد فيها والتوقي من الوزر
ولا تكترث من تاركيك فإنهم ... حصى والحصى لا ترتقي مرتقى البدر
ومن عامل الأعوام بالله مخلصا ... له فيهم نال الجزيل من الأجر
بقيت لربع الفضل تحيى رسومه ... وخار لك الرحمان في كل ما يجرى
وكان شيخنا أبو عبد الله بن بكر يتوهم في أبي عبد الله الطنجالي السودد وهو صبي. وسمعته يقول، وقد دخل عليه في مجلس إقرائه بمالقة: هذا هاشمي، أشعري، إذ كانت والدته أمة العزيز بنت القاضي أبي عامر بن محمد بن ربيع الأشعري. وربما قصد الشيخ بمقالته الوصف بالمذهب الأشعري والتورية. والطنجاليون ينتسبون من أولاد هاشم بن عبد مناف إلى جعفر بن عقيل بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم، وبنو هاشم آل رسول الله صلى الله عليه وسلم! وما فوق غالب غير آل. وما بينهما قولان.

(1/88)


وكان من الأسباب الحاملة للقاضي أبي عبد الله على الاستعفاء من الحكم، ترادف النوازل المشتبهات عليه، بعد انصراف الطاعون، واختلاف من عاش بعده من الفقهاء، عند الأخذ معهم فيما يشكل عليه من المسائل. وكان يكره مخالفة من جملتهم، ويحذر موافقة بعضهم. وطمع في الشيخ الصالح أبي عبد الله بن عياش بقية أن يسمعه بحظ من نظره وإرشاده؛ فنفر عن ذلك كل النفور، وراجعه فيما قاله ابن فروخ لأبن غانم. ونصه: ولم أقبلها أميرا! أقبلها وزيرا؟ وأخبرني مع ذلك كله صاحبنا بأنه رأى في المنام ما يقتضى قرب وفاته من قراض مدة حياته؛ فجعل النظر لنفسه. فتوفي رحمه الله! بعد استعفائه، واجتهاده في طلب التخلص من تبعات قضائه، وذلك صدر عام 753، عن غير عقب من الذكور. وفجع به والده الخطيب أبو جعفر نفعه الله وأعظم أجره! وقولنا في الأبيات فابشر بأمنك في الحشر، وهو بفتح الشين، يقال بشرت بكذا، أبشر بكسر الشين في الماضي، وفتحها في المستقبل، إذا سررت به واستبشرت. فالأمر منه إبشر بكسر الهمزة وفتح الشين، نحو الأمر من علم يعلم وهمزته همزة وصل، لأنه أمر من فعل ثلاثي بعد حرف المضارعة منه ساكن؛ فتجتلب له همزة الوصل، لتعذر الابتداء بالساكن، وتكون الهمزة مكسورة، لأن ثالث المضارع مفتوح كإعلم وإجعل. فعلى هذا تقدير سقوط الهمزة من البيت الذي هو:
جريت على نهج السلامة في الذي ... تخيرته فابشر بأمنك في الحشر
جار على القياس في سقوط همزة الوصل في الدرج والاعتراض في ذلك. ويكون معنى فابشر بامنك في الحشر أي اسرر واستبشر. قال الجوهري رحمه الله! بشرت الرجل ابشره بالضم بشرا وبشورا من البشرى وكذلك الإبشار والتبشير ثلاث لغات. والاسم البشارة، والبشارة بالكسر والضم في الباء. يقال بشرته بمولود فأبشر إبشارا أي سر. وتقول أبشر بخير بقطع الألف. ومنه قوله تعالى: " وأبشر بالجنة " وبشرت بكذا أبشر أي استبشرت. قال الشاعر:
فإذا رأيت الباهتين إلى العلى ... غبرا أكفهم بقاع معجل
فأعنهم وابشر بما بشروا به ... وإذا هم نزلوا بضنك فانزل
وأتاني أمر بشرت به أي سررت به. وبشرني فلان بوجه حسن أي لقيني وهو حسن البشر أي طلق الوجه. والبشارة المطلقة لا تكون إلا في الخير، وإنما تكون في الشر إذا كانت مقيدة كقوله تعالى: " فبشرهم بعذاب أليم! " وتباشر القوم أي بشر بعضهم بعضا. وتباشير الأمر أوائله، وكذلك أوائل كل شيء. والبشير المبشر. والمبشرات الرياح التي تبشر بالغيث. والبشر الحميل والمرأة بشرة ه. وإذا بنينا على أنه يقال بشر بمولود أو خير بتخفيف الشين، فأبشر إبشارا أي سر، فالمضارع منه يبشر بضم الياء وكسر الشين. والأمر منه أبشر بقطع الألف كقوله تعالى: " أبشروا بالجنة! " فعلى هذا تكون همزته همزة قطع؛ فسقوطها في الدرج ممنوع في النثر، اتفاقا؛ وكذلك في الشعر عند الخليل وجل أهل البصرة؛ وأما أهل الكوفة فقالوا. بجوازه في الشعر، وإن كان فيه خروج من أصل إلى فرع، ولأن الشعر محل الضرورة، وشبهوه بالمقصور، وقالوا: والضروارات تبيح المحذورات.
ذكر القاضي أبي عبد الله محمد بن عبد السلام
المنستيري

(1/89)


ومن القضاة بحضرة تونس، وصدور علمائها في زمانه، الشيخ الفقيه المدرس، أبو عبد الله محمد بن عبد السلام المنستيري، منسوب لقري بظاهرها. وهو ممن برع في المعقولات، وقام على حفظ المنقولات؛ وعلم، وفهم، وأدب، وهذب، وصنف كتبا، منها شرحه لمختصر أبي عمرو عثمان بن عمر بن الحاجب الفقهي، المتداول لهذا العهد بأيدي الناس. وكان رحمه الله! في أقضيته على نحو ما وصف به. وكيع في كتابه للقاضي إسماعيل بن إسحاق، حيث قال: وأما شدائده في القضاء، وحسن مذهبه فيه، وسهولة الأمر عليه فيما كان يلتبس على غيره، فشئ شهرته تغنى عن ذكره، إلى ما عرف به في قطره من القوة على أمر الناس، والاستخفاف بسخطهم، وملامتهم في حق الله، وحفظ ما يرجع لرسوم القضاء. ومن ذلك عمله في العقد الذي شهد فيه جملة من أعلام المغرب، أيام كونهم بتونس عند دخولها في الأيالة المرينية؛ فرد شهادتهم وعوتب على ذلك؛ فقال: أو ليس قد فروا من الزحف، مع توفر الأسباب المانعة لهم شرعا عن الوقوع في معرة الأدبار! ويشير إلى الكائنة الشنعاء التي كانت لهم بظاهر طريف مع الروم عام 741.
ومن أخباره أنه، لما تغلب الشيخ أبو محمد عبد الله بن تافرجين على مدينة تونس دون قصبتها، عند خروج السلطان أبي الحسن أمير المسلمين عنها، بقصد مدافعة وفود العرب العادية على أرضها، فهزمت جيوشه، واستقر هو ومن بقي معه من جنده محصورا بداخل القيروان. فجاء قي أثناء ذلك يوم الجمعة؛ فقال المتغلب على الأمر للخطيب بالمسجد الجامع بتونس: اخطب بدعوة الأمير أبي العباس بن أبي دبوس من الموحدين! وكان في المسجد القاضي ابن عبد السلام؛ فاقل: والسلطان المريني؟ فراجعه الشيخ بأنه في حكم الحصار داخل القيروان بحيث لا يستطيع الدفاع عن نفسه. قال: فتلزم إذا مناصرته، والعمل على الوفاء بما شرط له عند مبايعته! فرد عليه بأن الأخبار تواترت بعد ذلك بتلفه، وانتزاع ملكه. فقال الخطيب وقال على تقدير صحة هذا النقل: الفرع زال بزوال الأصل. انظروا ما يصلح بكم لخطبتكم! وارتفعت الأصوات والمراجعات؛ فقطع القاضي الكلام بمبادرته إلى الخروج، وهو يقول: ولم يثبت لدينا ما يوجب العدول عن طاعة السلطان أبي الحسن، واستصحاب الحال حجة لنا وعلينا! وكاد وقت صلاة الجمعة أن يفوت؛ فوجه عند ذلك المتغلب على المدينة إلى القاضي ثقة، يخبره باستمرار الأمر في الخطبة على ما كانت عليه؛ فدعا الخطيب وتمت الصلاة على الرسم المتقدم؛ وحصلت السلامة للقاضي بحسن نيته، وعد مخالفة فقهاء مدينته جزاه الله وأياهم خير جزائه! وحدثني بهذه الحكاية غير واحد من الثقات الأثبات، منهم صاحبنا الفقيه المتفنن الأصيل أبو زيد عبد الرحمن بن محمد بن خلدون الخضرمي.

(1/90)


وأخبرني كذلك عن هذا القاضي رحمه الله! بما حاصله: إن الأمير أبا يحيى استحضره مع الجملة من صدور الفقهاء للمبيت بدار الخلافة، والمثول بين يديه، ليلة الميلاد الشريف النبوي، إذ كان قد أراد إقامة رسمه على العادة الغربية، من الاحتفال في الأطعمة، وتزيين المحل، بحضور الأشراف، وتخير القوالين للأشعار المقرونة بالأصوات المطربة؛ فحين كمل المقصود من المطلوب، وقعد السلطان على أريكة ملكه، ينظر في ترتيبه، والناس على منازلهم، بين قاعد وقائم، هز المسمع طره، وأخذ يهنئهم بألحانه؛ وتبعه صاحب يراعة بعادته من مساعدته، تزحزح القاضي أبو عبد الله عن مكانه، وأشار بالسلام على الأمير، وخرج من المجلس؛ فتبعه الفقهاء بجملتهم إلى مسجد القصر؛ فناموا به. فظن السلطان أنهم خرجوا لقضاء حاجاتهم؛ فأمر أحد وزرائه بتفقدهم والقيام بخدمتهم، إلى عودتهم وأعلم الوزير الموجه لما ذكر القاضي بالغرض المأمور به؛ فقال له: أصلحك الله! هذه الليلة المباركة التي وجب شكر الله عليها، وجمعنا السلطان أبقاه الله! من أجلها، لو شهدها نبينا المولود فيها صلوات الله وسلامه عليه! لم يأذن لنا في الاجتماع على ما نحن فيه، من مسامحة بعضنا لبعض في اللهو، ورفع قناع الحياء بمحضر القاضي والفقهاء! وقد وقع الاتفاق من العلماء على أن المجاهرة بالذنب محظورة، إلا أن تمس إليها حاجة كالإقرار بما يوجب الحد أو الكفارة. فليسلم لنا الأمير أصلحه الله! في القعود بمسجده هذا إلى الصباح! وإن كنا في مطالبة أخر من تبعات رياء، ودسائس أنفس، وضروب غرور، لا كنا، كما شاء الله، في مقام الاقتداء لطف الله بنا أجمعين بفضله! فعاد عند ذلك الوزير المرسل للخدمة الموصوفة إلى الأمير أبي يحيى، وأعلمه بالقصة؛ فأقام يسيرا، وقام من مجلسه، وأرسل إلى القاضي من ناب عنه في شكره، وشكر أصحابه، ولم يعد إلى مثل ذلك العمل بعد. وصار في كل ليلة يأمر في صبيحة الليلة المباركة بتفريق طعام على الضعفاء، وإرفاق الفقراء، شكرا لله.
وكان هذا القاضي رحمه الله مشتغلا بالعلم وتدريسه، قلما يفتر في كثرة أوقاته عن نظره واجتهاده. حضرت مجلس إقرائه بتونس عند وصولي إليها في الموكب الغربي؛ فالفيته يتكلم في الباب الثاني من كتاب المعالم للفقيه ابن الخطيب الداني، إلى أن بلغ إلى مناظرة أبي الحسن الأشعري لأستاذه أبي علي الجبائي، المنصوصة في الباب التاسع، حيث سأله عن ثلاثة إخوة، أحدهم كان مؤمنا والثاني كان كافرا، والثالث كان صغيرا، ماتوا كلهم؛ فكيف حالهم؟ فقال الجبائي: أما المؤمن، ففي الدرجات؛ وأما الكافر ففي الدركات؛ وأما الصغير فمن أهل السلامة! فقال الأشعري: إن أراد الصغير أن يذهب إلى درجات المؤمن، هل يؤذن له فيها؟ فقال الجبائي: لا لأنه يقال له: إن أخاك المؤمن إنما وصل إلى تلك الدرجات بسبب طاعته الكثيرة، وليس لك تلك الطاعة! فقال أبو الحسن: فإن قال ذلك الصغير: التقصير ليس مني، لأنك لا أبقيتني ولا أقدرتني على الطاعة؟ فقال الجبائي: يقول الله تبارك وتعالى! " كنت أعلم " أنك لو بقيت وصرت مستحقا للعقاب فراعيت مصلحتك. قال أبو الحسن: فإن قال الكافر: يا إلاه العالمين! كيف علمت حاله علمت حالي! فلم رعيت مصلحته دوني! فانقطع الجبائي. وهذه المناظرة دالة على أن الله سبحانه يخص برحمته من يشاء، وأن أفعاله غير معللة بشيء من الأغراض.
انتهى ما تيسر من نبذ أخبار القاضي أبي عبد الله بن عبد السلام، سمي مالك ابن أنس وشبيهه نحلة وحمرة وشقرة رضي الله عنهما ورحمهما! توفي في أوائل الطاعون النازل ببلده قبل عام 750. واحتمله طلبته إلى قبره، وهم حفاة، مزدحمون على نعشه نفعهم الله واياه بفضله!
ذكر القاضي أبي البركات المعروف بابن الحاج البلفيقي

(1/91)


ومن مشاهير القضاة الشيخ أبو البركات، وهو محمد بن محمد بن إبراهيم بن محمد ابن خلف السلمي، من ذرية العباس بن مرداس المعروف في بلده بابن الحاج، وفي غيره بالبلفيقي. وبلفيق حصن من عمل مدينة المرية. وبيته بيت دين وفضل. ذكر ابن الأبار جده الأعلى أبا إسحاق، وأطنب في الثناء عليه بالخير والصلاح. وكان هذا الشيخ المترجم عنه ممن نشأ على طهارة وعفاف؛ واجتهد في طلب العلم صغيرا وكبيرا، وعبر البحر إلى بجاية؛ فأدرك بها المدرس المعمر أبا علي منصور بن أحمد بن عبد الحق المشدالي، وحضر مجالسه العلمية، وأخذ عنه وعن غيره من أهلها؛ ثم إنه أتى إلى مراكش، وتجول فيما بينها من البلاد. وأثار السكنى بسبتة على طريقة جده إبراهيم الأقرب إليه، إذ كان أيضا قد استوطنها. ثم عاد إلى الأندلس؛ فأقام منها بمالقة، واختص بخطيبها الشيخ الولي أبي عبد الله الطنجالي، وروى عنه وعن غيره، وقيد الكثير بخطه، ودام في ابتداء طلبه التشبيه بالقاضي أبي بكر بن العربي، في لقاء العلماء ومصاحبة الأدباء، والأخذ في المعارف كلها، والتكلم في أنواعها والإكثار من ملح الحكايات، وطرف الأخبار، وغرائب الآثار، حتى صار حديثه مثلا في الأقطار؛ وهو مع ذلك، على شدة انطباعه، وكثرة ردعته، سريع العبرة عند ذكر الآخرة، قريب الدمعة. وكان كثير الضبط لحاله، مهتما بالنظر في تثمير ماله، آخذا في نفقته بقول سحنون بن سعيد: ما أحب أن يكون عيش الرجل إلا على قدر ذات يده؛ ولا يتكلف أكثر مما في وسعه! وكان يميل إلى القول بتفضيل الغني على الفقير، ويبرهن على صحة ذلك، ويقول: وبخصوص في البلاد الأندلسية، لضيق حالها، واتساع نطاق مدنها، ولا سيما في حق القضاة؛ فقد شرط كثير من العلماء في القاضي أن يكون غنيا، ليس بمديان ولا محتاج. ومن كلامه رحمه الله! من اقتصر على التعييش من مرافق الملوك، ضاع هو ومن له، وشمله القل، وخامره الذل. اللهم! إلا من كان من القوة بالله قد بلغ من الزهد في الدنيا إلى الحد الذي يكسبه الراحة بالخروج عن متاعها، وترك شهوتها، قليلها وكثيرها، مالها وجاهها. بأمر آخر! ومن لنا بالعون على تحصيل هذا المقام، ولا سيما في هذا الزمان، ولم نسمع ممن قاربه من الولاة المتقدمين بالأندلس إلا ما حكى عن إبراهيم بن أسلم، وقد أراد الحكم المستنصر بالله رياضته؛ فقطع عنه جرايته؛ فكتب إليه عند ذلك:
تزيد على الإفلال نفسي نزاهة ... وتأنس بالبلوى وتقوى مع الفقر
فمن كان يخشى صرف دهر فإنني ... أمنت بفضل الله من نوب الدهر
فلما قرأ الحكم بيتيه، أمر برد الجراية، وحملها إليه. فأعرض عنها، وتمنع من قبولها، وقال: إني، والحمد لله! تحت جراية من إذا أعصيته، لم يقطع عني جرايته! فليفعل الأمير ما أحب! فكان الحكم بعد ذلك يقول: لقد أكسبنا ابن أسلم بمقالته مخزاة عظم منا موقعها، ولم يسهل علينا المقارضة بها! وتولى الشيخ أبو البركات القضاء في بلاد عديدة، منها مالقة: تقدم بها بعد شيخنا أبي عمرو بن منظور، وذلك صدر عام 735؛ ثم نقل إلى قضاء الجماعة بحضرة غرناطة والخطابة بها. وكان مستوفيا لشروط الخطبة وجوبا وكمالا من صورة وهيئة، وطيب نغمة، وكثرة خشوع، وتوسط إنشاء. وشهر بالصرامة في أحكامه، والنزاهة أيام نظره. ثم تأخر عن قضاء الحضرة، وأقام بها مدة، إلى أن صير إلى مدينة المرية! ثم أعيد إلى قضاء الجماعة، واستعمل في السفارة بين الملوك؛ فصحبه السداد، ورافقه الإسعاد، وكان في أطواره سريع التكوين، طامعا في الوصول إلى مقام التمكين، كثير الانتقال من قطر إلى قطر، ومن عمل إلى عمل، من غير استقرار منزل أو محل واحد. ولذلك قال في أبياته التي أولها:
إذا تقول: فدتك النفس في حالي ... يفنى زماني في حل وترحال

(1/92)


وكان التكلم بالشعر من أسهل شيء عليه، في كثير مراجعاته، وفنون مخاطباته. وله منه ديوان كبير، يحتوي من ضروب الأدب على جد وهزل، وسمين وجزل، سماه ب العذب والاجاج؛ وكتاب وسمه ب المؤتمن في أنباء من لقيه من أبناء الزمن. واستقر أخيرا بمدينة المرية قاضيا وخطيبا، إلى أن توفي بها في شهر رمضان عام 773، عن بنت من أمته، لا غير من الأولاد، وأربع زوجات، وعاصب بعيد. وكان، أيام حياته، ممن اكتسب المال الجم، وتمتع من النساء بما لم يتأت في قطره لأمثاله من الفقهاء. وهو من أصحابنا القدماء، الذين ورثنا ودهم، وشكرنا عهدهم رحمه الله وغفر له وأرضاه! ومن شعره في المجبنات، وهو النمط البديع:
ومصفرة الخدين مطوية الحشا ... على الجبن والمصفر يؤذن بالخوف
لها بهجة كالشمس عند طلوعها ... ولاكنها في الحين تغرب في الجوف
وقوله:
إذا ما كتمت السر عمن أوده ... توهم أن الود غير حقيق
ولم أخف عنه السر من ضنة به ... ولاكنني أخشى صديق صديق
وقوله:
قالوا: تغربت عن أهل وعن وطن ... فقلت: لم يبق لي أهل ولا وطن
مضى الأحبة والأهلون كلهم ... وليس لي بعدهم سكنى ولا سكن
أفرغت دمعي وحزني بعدهم فأنا ... من بعد ذلك لا دمع ولا حزن
وقوله:
رعى الله إخوان الخيانة إنهم ... كفونا مؤنات البقاء على العهد
ولو قربوا كنا أسارى حقوقهم ... نراوح ما بين النسيئة والنقد
وقوله يعتذر لبعض الطلبة، وقد استدبره لبعض حلق العلم بسبتة:
إن كنت أبصرتك لا أبصرت ... بصيرتي في الحق برهانها
لا غرو إني لا أشاهدكم ... فالعين لا تبصر إنسانها
وقوله:
يلومونني بعد العذار على الهوى ... ومثلي في حبي له لا يفند
يقولون: أمسك عنه قد ذهب الصبا ... وكيف أرى الإمساك والخيط أسود
وقوله:
وإني لخير من زماني وأهله ... على أنني للشر أول سائق
لحى الله عصرا قد تقدمت أهله ... فتلك لعمر الله إحدى البوائق
ذكر القاضي أبي القاسم بن سلمون
ومن الرواة القضاة، الشيخ الفقيه المحدث الفاضل أبو القاسم سلمون بن علي بن عبد الله بن علي بن سلمون الكناني البياسي الأصل، الغرناطي المولد والنشأة. ومن أهل بلنسية محمد بن أحمد بن سلمون، أحد أشياخ القاضي أبي العباس الغماز. وكان صاحبنا أبو القاسم هذا المذكور أولا رحمه الله! فقيها جليلا، فاضلا، أصيلا، بصيرا بعقد الشروط والأحكام. وله فيها تقييد مفيد. أخذ عن جملة من الشيوخ أولهم الأستاذ أبو جعفر بن الزبير. وأجازه من أهل المغرب والمشرق والأندلس عدد كثير يزيد على المائة، حسبما تضمنه برنامج روايته: منهم ابن الغماز البلنسي قاضي الجماعة بتونس بعد خروجه من الأندلس وهو أحمد بن محمد الخزرجي؛ والشيخ الراوية شرف الدين أبو محمد بن أحمد بن خلف الدمياطي صاحب دار الحديث بالبلاد المصرية في زمانه؛ ومنهم تاج الدين أبو الحسن علي بن أحمد بن عبد الحسن الغرابي وغراب الذي ينسب إليها بلدة في أرض واسط؛ والشيخ الفقيه المعمر أبو علي منصور بن أحمد بن عبد الحق المشدالي، وقاضي القضاة بالديار المصرية زين الدين أبو عبد الله محمد بن إبراهيم ابن جماعة الكناني؛ وغيرهم. وكان هذا الشيخ أبو القاسم في قضائه موصوفا بالفضل والعدل، مترفقا بالضعفاء، متغاضيا عن زلات الفقهاء. تقدم بجهات شتى من الأندلس؛ ثم ولى قضاء الجماعة بحضرة غرناطة؛ فحمدت سيرته، وشكرت مداراته. وكان في نفسه هينا، لينا، آخذا بمقتضى قول عيسى بن مسكين، القاضي بالقيروان أيام أبي الأغلب، وهو: قارب الناس في عقولهم، تسلم من غوائلهم! وفي تقلب الأحوال، علم جواهر الرجال! توفي رحمه الله! ليلة الإثنين الثالث عشر لجمادى الأولى عام 767. وولد بغرناطة في صفر عام 688. وعقبه لهذا العهد بحالة نباهة؛ من أولاده من هو مستول في خطة القضاء تولاهم الله، وخار لنا ولهم بمنه وفضله!
ذكر القاضي أبي عمرو عثمان بن موسى الجاني

(1/93)


ومن القضاة بمدينة ملى من أرض الحبشة، الشيخ الفقيه أبو عمرو عثمان بن موسى الجاني، منسوب لبطن من بطون السودان. تردد إلى أرض مصر؛ فقرأ بها، وأخذ عن أشياخها. أخبرني الفقيه أبو العباس أحمد بن إبراهيم بن محمد الساحلي الغرناطي أنه لقيه ببلده، وأنه كان من أهل الفضل والعدل، والقيام على العلم، والصرامة في الحكم. قال الساحلي: ومن ذلك نازلة حدثت له في أحكام الدماء؛ فتحرى فيها الحق المخلص بين يدي الله. وهي أن أحد بني عم سلطانه ترتبت قبله المطالبة بدم قتيل كان قد أشهد العدول، وهو جريح، بأن دمه عنده، وتوفي إثر الشهادة عن عصبة من ولد وإخوة؛ فقاموا طالبين من السلطان النظر لهم في صاحبهم؛ فاستحضره عن أمره بمجلس الحكم الشرعي، وأعذر له فيما استظهر به أولياء دم القتيل. فادعى الدفع في ذلك، وتأجل آجالا وسع فيها عليه. وانفرضت الأيام، وقهرته الأحكام؛ فشكى بالقاضي لسلطانه، وسأل منه الأخذ مع الفقهاء في قضيته؛ وقد كان صانعهم بجهده، واستظهر بإثبات عداوته بينه وبين من رماه بدمه. فجمعهم الأمير بحضرته، وأخذ معهم في نازلة ابن عمه؛ فوقع الاتفاق منهم على الأخذ بمذهب الشافعي، أنه لا يقسم بمجرد قول المصاب: دمي عند فلان. واستدلوا بالحديث الثابت في الصحيح الذي نصه: لو يعطي الناس بدعواهم، لأدعى ناس دماء رجال وأموالهم. قالوا: وبخصوص في هذه النازلة، لما اقترن بها من الأسباب المرجحة للانتقال عن المذهب، وذكروا مسألة عبد الله بن سهل وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم! وداه من عنده بأنه ثقة. فمال السلطان إلى موافقتهم، وأن تكون الغرامة من قبله؛ ولاكنه قال لقاضيه: ما عندك فيما اجتمع عليه أصحابك؟ فقال له: أمدك الله بإرشاده، وأراك الحق حقا، وأعانك على اتباعه! أنت مالكي المذهب، وأهل بلادك كذلك، والانتقال من مذهب إلى مذهب آخر لا يسوغ إلا بعد شروط لم يحصل في نازلتها منها شرط واحد! وحديث القسامة أصل من أصول الشرع، وركن من أركان مصالح العباد: وبه أخذ جل الأئمة والسلف من الصحابة والتابعين، وفقهاء الأمصار. والذي يجمل بك، أيها الملك، إمرار الحق بوجهه، ولو كان على نفسك، فضلا عن ابن عمك! قال: فأخذ برأي قاضيه، وأمر بابن عمه؛ فدفع بذمته إلى أصحابه؛ فقتلوه بالقسامة. قال المخبر: فحسب الناس ما صدر في النازلة عن الأمير والقاضي من المناقب الشريفة، والمآثر الحميدة، والأفعال الدالة على تعظيم الشريعة.
ذكر القاضي أبي عبد الله المقري التلمساني
وقد تقدم الإلمام بطرف من التنبيه على الفقيه أبي عبد الله محمد بن محمد بن أحمد المقري التلمساني، أحد قضاة بحضرة فاس أيام خلافة أبي عنان رحمه الله ومهدها! وكان هذا الفقيه رحمه الله! في غزارة الحفظ، وكثرة مادة العلم، عبرة من العبر، وآية من آيات الله الكبر؛ قلما تقع مسألة إلا ويأتي بجميع ما للناس فيها من الأقوال ويرجح ويعلل، ويستدرك ويكمل؛ قاضيا ماضيا، عدلا جذلا؛ قرأ ببلده على المدرس أبي موسى عمران المشدالي صهر أبي علي ناصر الدين، وعلى غيره؛ وقام بوظائف القضاء أجمل قيام. ثم إنه كره الحكم بين الناس، وتبرم من حمل أمانته، ورام الفرار عنه بنفسه؛ فتنشب في انتظامه، وتوجه عليه الإنكار من سلطانه. ثم إنه ترك، بعد عناء شديد، لشأنه. وقد سألته يوما عن حالة بيتي أبي عمران بن عبد الرحمن، وهما:
حالي مع الدهر في تقلبه ... كطائر ضم رجله شرك
همته في فكاك مهجته ... يروم تخليصها فتشتبك
وتوفي رحمه الله! على إثر ذلك وهو محمود السيرة، مشكور الطريقة.
ذكر القاضي أبي عبد الله محمد الفشتالي

(1/94)


وولي بعده الشيخ الفقيه أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عبد الله الفشتالي. وبيت قومه بفاس البيت المعمور بالجود والصلاح والخير. وكان هو رحمه الله! أحد أعلام قطره الغربي نبلا، وفضلا، وسكونا، وعقلا. وحين بلغ إلى مراده من الخطة ببلده نحا في سيره منحى القاضي أبي عبد الله بن علي بن عبد الرزاق من المحافظة على الرتبة، وإقامة رسوم الأئمة، والصبر على مكاره السلطنة، والميل إلى الأخذ بالترفق في الحكومة. فسكن الناس إلى ولايته، ووثقوا بحسن نظره، ودانوا بإثرته. وقد كان ولي قبل تقدمه بفاس القضاء أيضا بإطرابلس، وتجول في نواحي إفريقية، ثم إنه، عند تجول البلاد، أم قطره وقد صلب الدهر شطره، فاستقصى به، وتصدر لإقرار العلم وبثه. وكان على شدة وقاره، وتعاظم قاره، كثير النزول للطلبة، والحرص على الإفادة، والصبر عند المباحثة. وكان من عادته تقديم دول الفقه على التفسير. وذهب إلى عكس هذا الترتيب الشيخ الرحال أبو إسحاق الحسناوي، أحد جلساء القاضي عند إقرائه في آخرين؛ فجرت بين الطلبة إذ ذاك بفاس في المسألة مراجعات ومخاطبات وقفت على بعضها؛ فرأيت فيها من تخلق القاضي وتجمله ما ليس بنكير على رجاحة عقله، وسعة صدره تغمدنا الله وإياهم برحمته! فقد أصبحوا جميعا بعد الحياة، وعصارة العيش، رباطا!
ذكر القاضي أبي القاسم الشريف الغرناطي

(1/95)


ومن أعلام القضاة بالأندلس، وصدور النجاة، الشيخ الفقيه الأستاذ المتفنن الشريف المعظم أبو القاسم محمد بن أحمد بن محمد بن محمد بن عبد الله الحسني النسبة، السبتى النشأة. وكان رحمه الله! نسيج وحده براعة وجلالة، وفريد عصره بلاغة وجزالة؛ إلى الشيم السنية التي التزم إهداءها، والسير الحسنة التي لا ينازع في شرف منتهاها. ارتحل عن بلده سبتة، وقد تملأ من العلوم، وبرع في طريقتي المنثور والمنظوم؛ فطلع على الأندلس طلوع الصباح عقب السرى، وخلص إليها خلوص الخيال مع سنة الكرى؛ فانتظم في الحين في سلك كتبتها، وأمسى وهو صدر طلبتها؛ لما كان قد حصل له من الأخذ بأطراف الطلب، والاستيلاء على غاية الأدب؛ ورئيس الكتاب يومئذ الشيخ العلامة أبو الحسن بن الجياب، الشهير التشيع لأهل البيت الكريم، الموسوم بالشم الرضية، والقلب السليم؛ وكان رحمه الله! مع أدوات كماله، وما خص به في وقته من سني أحواله، وصالح أعماله، ممن شغف بالمذاكرة في الفنون الأدبية، وغوامض أسرار العربية، والرسائل السلطانية، والمسائل البيانية. فألفى من ذلك كله لدى الشريف، الخليق بصنوف التشريف، ما شاءه من معنى رقاق، ولفظ رقراق، وطبع بالمعارف دفاق. فجذبه الشيخ إليه، وتلقاه براحيته، وذهب إلى مقارضته بالقريض، ومساجلته في الطويل والعريض. فقلما كان بها رسم الكتابة إذ ذاك يفنن عن أدب يعتبر، ونتف طرف تبعثر، وقسطاس يوزن به ما يقل من المقال ويكثر؛ ثم صرف إلى الاستعمال في الخطط القاضوية صرف الاستظهار، وبمعارفه الباهرة الأنوار، وأحكامه القاضية بتأمين الأوطان وتأميل الأوطار؛ فتقدم بذلك بجهات شتى، منها رية، وحلبة الطلبة بها سوابق غايات، وخوافق رايات. وكانت ولايته عليهم حلة نشرها الفضل من صوانها. ودرة أكثرها العدل لأوانها. أنزل أماثلهم من رعايته منازل الإكرام، واختص منهم بمصاحبة الزاهد أبي عبد الله بن عياش، أحد العلماء الأعلام؛ فتفقه معه في أحكامه، ونوازل أيامه، وأخذ نفسه بالاشتداد في نصرة المظلوم، والضرب على يد الظلوم؛ وله في هذا الباب أخبار مأثورة، وحكايات مشهورة؛ وعند ابتداء الفقهاء، بالمسجد الجامع مجلس إقراء، افتتحه أولا بالتمهيد، وختمه بعلم الخليل، وحبره بالتوحيد والتعليل. وكان في إقرائه سريع الجواب، متبحرا في علم الإعراب، فصيح اللسان، بارع البنان؛ فظفرت أيدي الطلبة منه بالكنز المذخور، المروية جواهر معارفه بدور الشذور؛ وحصل الناس بولايته على طريقة عادلة من الشرع، واعتضد منها الأصل بالفرع. ولما جرى في ميدانها ملء عنانه، وشاع في الآفاق ما شاع من سمو شأنه وعدل قضائه، وفصل مضائه، نقل من مالقة إلى غرناطة حضرة الملك، وواسطة السلك أيد الله سلطانها، ومهد بعزته أوطانها! فتقدم بها لتنفيذ الأحكام، بعد أن ولي وادي آش بأيام. فهنيت منه الخطة الشرعية بسيد مضطلع بأعباء القضاء، قد شمخ من عز النزاهة بأنف، وأمد من نور العقل ببرهان غير خلف؛ ثم إن القدر جرى بتأخيره عن الخطة؛ من غير موجب سخطه. فكان في حالته كالبدر خسف عند الاستقبال، وأدركه السوار بعد تناهي الكمال:
إذا تم أمر دنا نقصه ... توقع زوالا إذا قيل تم
وليست عوامل التأخير والتقديم، بمستنكر دخولها على كل وال في الحديث والقديم؛ فقد عزل عمر بن الخطاب رضي الله عنه! زياد بن أبي سفيان دون باس، وقال له: كرهت أن أحمل فضل عقلك على الناس! وعزل أيضا شرحبيل بن حسنة، فقال له: أعن سخطة عزلتني؟ قال: لا! ولاكن وجدت من هو مثلك في الصلاح، وأقوى منك على العمل! قال: يا أمير المؤمنين! إن عز لك عيب! فأخبر الناس بعذري! ففعل عمر ذلك. وكان صرف الشريف أبي القاسم عن قضاء الحضرة، والخطابة بها، في شهر شعبان من 747؛ فانقطع إلى تدريس العلم، وإظهار عيونه، والاشتغال بإقرار فنونه. وكان بينه وبين شيخنا إمام البلغاء أبي الحسن بن الجياب ما تقدمت الإشارة إليه، من المصادقة؛ فصدرت عنه في أثناء تلك المدة بدائع من المخاطبات، وضروب المفاكهات، منها قول الشيخ يرقب خطة القضاء التي كأنها تركت صاحبه، وأهملت جانبه:
لا مرحبا بالناشز الفارك ... إذ جهلت رفعة مقدارك
لو أنها قد أوتيت رشدها ... ما برحت تعشو إلى نارك

(1/96)


أقسمت بالنور المبين الذي ... منه بدت مشكاة أنوارك
ومظهر الحكم الحكيم الذي ... يتلو علينا طيب أخبارك
ما ألفت مثلك كفؤا ولا ... أوت إلى أكرم من دارك
وهذه القطعة قد بلغت الغاية من البراعة، وتمكن البلاغة، وإن كان في طي ما تضمنته من وصف الخطة الشرعية بالناشز الفارك، وبأنها لم تؤت رشدها ما فيه. ثم إن الولاية حنت إليه، ووقفت مرادها عليه، فعاد إليها، والعود أحمد. واستمر قيامه بها، إلى أن هلك السلطان أبو الحجاج مستقضيه، مأموما به، في الركعة الثانية من صلاة الفطر عام 755 رحمه الله وأرضاه! عدا عليه شقي كأنه وحشي، فضربه بظهره، وهو ساجد لربه. وولي الأمر بعد ولده الخليفة المؤيد المنصور أبو عبد الله أبقاه الله ووقاه! فجدد ولايته، وأكد رعايته؛ وقد كانت رحى الوقيعة دارت على القاضي الخطيب، وهو في محرابة حين الكائنة؛ فعركته، ولم تتركه، إلا وقد أشفى على التلف؛ فعوجل بإخراج الدم، وعند ذلك تنفس عنه بعض ما وجده من الألم. وكان له في المجالس الملكية، والمجتمعات الجمهورية، من جلالة الأبهة وملازمة التؤدة، وإمساك النفس عن المسارعة عند المخالفة إلى المراجعة، ما لم يكن لغيره من أهل طبقته؛ فإذا خلا بمنزله، أدخل عليه في خاصة أصحابه. رأيته؛ فكأنه من تنزله، وتبدله، بمثابة أصاغر طلبته. وكثيرا ما كان يباشر خدمة الواردين عليه بذاته، دون وزعته، اقتداء بالأئمة الماضين من قبله فمن كلامهم: ليس ينقص من الرجل الشريف أن يخدم ضيفه، ولا أن يتصاغر لسلطانه، وأن يتواضع لشيخه! ولقد بتنا معه ليلة بحشه من خارج الحضرة، في أناس منهم الشريف أبو عبد الله بن راجح السوسي، والأستاذ أبو علي الزواوي، والوزير أبو عبد الله بن الخطيب اللوشي، فمالت ذبالة الشمعة في أثناء الليل إلى الذبول؛ فذهب أحد الحاضرين ليقويها؛ فأمسكه القاضي، وبادر هو بنفسه لها؛ فأذكى نارها، وقوى نورها، وقال: هم السراج أن يخمد ليلة عند عمر بن عبد العزيز رحمه الله! فوثب إليه رجاء بن حيوة ليصلحه؛ فاقسم عليه عمر بن عبد العزيز؛ فجلس. فقام هو؛ فأصلحه. فقال رجل: أتقوم، يا أمير المؤمنين! قال: قمت، وأنا عمر بن عبد العزيز! ورجعت، وأنا عمر بن عبد العزيز! ثم قال لنا: واضطربت عمامة هشام بن عبد الملك. فأهوى الأبرش الكلبي إلى تعديلها. فقال له هشام: مه! فأنا لا نتخذ الإخوان خولا! وجرى بين الأصحاب المذكورين في تلك الليلة من المحاورة بطرف العلم، وقطع الشعر، مالا يرجع في الحسن إلى حصر.
ومن ذلك أنشده ابن راجح، في أبيات لابن مامة:
ألا رب من يدعي صديقا ولو ترى ... مقالته بالغيب ساءك ما يفرى
مقالته كالشهد ما كان شاهدا ... وبالغيب مطرور على ثغرة النحر
يسرك باديه وتحت أديمه ... نهيمه غش تفتري عقب الظهر
وذكر لنا عن صاحبه العلامة في زمانه بالمغرب، الرئيس أبي محمد عبد المهيمن الحضرمي السبتي، أنه سمعه ينشد بتونس، وقد مر به قوم من أعيان جند فاس، بعد إهماله لتخلفه عن سلطانه، أيام تنشبه بالقيروان وحصاره:
يا أيها الناس سيروا إن قصدكم ... أن تصحبوا ذات يوم لا تسيرون
حثوا المطي وأرخوا من أزمتها ... قبل الممات وأقضوا ما تقضون
كنا أناسا كما كنتم فغيرنا ... دهر فأنتم كما كنا تكونون
وهذه الأبيات أول شعر قيل في العرب على ما نقله ابن إسحاق. وذكر ابن هشام أنها وجدت مكتوبة في حجر باليمن، وقالها من قالها لحكمة صريحة، وموعظة صحيحة. وأنشدنا القاضي الشريف في تلك الليلة لنفسه، يصف أقداس سانية حشه:
ومترعة يعل الروض منها ... إذا علت من الماء الفرات
بدا دولا بها فلكا وراحت ... بدائرة كواكب سائرات
إذا ما الروض قابلهن كانت ... عليه بكل سعد طالعات
تراها إن شعاع الشمس لاقى ... بياض الماء مشرقة الأيات
أوعجب أنها دارت بنوء ... غزير وهي تغرب خاويات

(1/97)


النوء العرب سقوط نجم من نجوم المنازل الثمانية والعشرين؛ وهو مغيبها بالغرب مع طلوع الفجر وطلوع مقابله بالمشرق. وعندهم أنه لا بد أن يكون مع أكثرها نوء من مطر، أو رياح عواصف، وشبهها؛ فمنهم من يجعله لذلك الساقط، ومنهم من يجعله للطالع، لأنه هو الذي ناء أي نقص؛ فينسبون المطر إليه؛ وجاء الشرع بالنهي عن اعتقاد ذلك ثم أنشدنا القاضي من نظمه:
يا أيها الراكب المزجي ركائبه ... يحثها السير بين القار والأكم
أبلغ بسبتة أقواما ودونهم ... عرض الفلا وذميل الأنيق الرسم
ولج ذي ثبج طام كأن به ... أعلام لبنان أو كثبان ذي سلم
ألوكة من غريب داره قدم ... مرماه لا صدد منهم ولا أمم
إني بأندلس آوى إلى كنف ... للمجد رحب وظل للعلى عمم
وإن غرناطة الغرا حللت بها ... فصرت من ريب هذا الدهر في حرم
ليست لأخرى فلا ربع بها وجبا ... رهط واخفر ما للمجد من ذمم
وأنكرتني مغانيها وما عرفت ... إلا بقومي في أيامنا القدم
لولا المغرب من آل النبي بها ... وهن ما بين من طيب ومن كرم
وفتية من بني الزهراء قد كرموا ... لهم أوامر من ود ومن رحم
لقلت لا جادها صوب الحيا أبدا ... إلا بناقع سم أو عبيط دم
ليسفحن عليها الدمع من جزع ... يوما ولا أقر عن السن من ندم
ما ضرني أن نبابى أو بنا وطني ... منها ولي شرف البطحاء والحرم
ومن الجزء المحتوي على طائفة من شعره، الذي وسمه ب جهد المقل، قوله:
ظفرت بلثمها فبدا احمرار ... بوجنتها يزيد القلب وجدا
فاغراها بي الواشي فظلت ... تلوم ولم أكن ممن تعدا
فما كانت سوى قبل ففيها ... جنين أقاحيا وغرسن وردا
وقوله:
مهفهف القد بديع الحلا ... يعطي بجيد للرشا الخاذل
رمى بنبل اللحظ في مهجة ... غادرها بشغل شاغل
وانعطف الصدغان في خده ... رد كلامين على نابل
والبيت الأخير مبني على قسيم امرئ القيس حيث قال: نظمتهم سلكي ومخلوجة. ونظمه كله رائق المعنى، صريح الدلالة، صحيح المبنى؛ وليست المعارف؛ وإن تعددت طرقها وعزت ثمرتها، متعذرا إدراكها، ولا سيما على من جد في طلبها؛ وإنما الصعب العسير معالجة الأخلاق بترك عوائدها، والتثني عن سفسافها؛ ومجموع الأدوية المتخذة لأصلاح فاسدها يرجع إلى العقل الذي عليه مدار الأعمال كلها. ولذلك قال العلماء حسبما تقدم عند التكلم في خصال القضاء: إذا اجتمع منها في الرجل العقل والورع قدم. قال ابن حبيب: فإنه بالعقل يسأل، وبالورع يقف، وإذا طلب العلم وجده، وإذا طلب العقل لم يجده. وكان قد حصل منه للشريف الموصوف زيادة لشرفة وفنون معارفه الحظ الوافر الكبير، والقدر الذي يقصر عن نعت محاسنه التعبير، بحيث صار المثل يضرب به في كظم الغيظ، وترك حظوط النفس، وكثرة التقاضي عن النظر للمساوي، إلى غير ذلك من سيره السنية، وسمائله الحسنية. هذا ما تيسر بحسب الوضع من التنبيه على صفاته والتعريف ببعض كمالاته.
وأما مشيخته، فقرأ ببلده سبتة القرآن على والده المنقطع لإقراء كتاب الله ومدارسته، أبي العباس رحمه الله! وأكثر من ملازمة الأستاذ الشهيد أبي عبد الله ابن هاني والأخذ عنه؛ فانتفع به وتأدب بأدبه؛ وقرأ على القاضي الإمام أبي إسحاق الغافقي وروى عن أبي عبد الله الغماري وعن القاضي أبي عبد الله القرطبي وعن الخطيب بن رئيس وابن حريث وغيرهم. وله جملة تصانيف منها: رفع الحجب المستورة، عن محاسن المقصورة شرح فيه مقصورة حازم بما لاغاية بعده في المحاسن. ومنها رياضة الآن في شرح قصيدة الخزرجي، أبدع في ذلك غاية الإبداع. وقيد على كتاب التسهيل لابن مالك تقييدا مفيدا وبدائع جمة أثيرة.

(1/98)


وناب عنه في أقضيته، أيام أسفاره في معرض الرسالة إلى ملوك المغرب وفي غير ذلك، وليه الشيخ الفقيه القاضي أبو عبد الله محمد بن فرج بن جذام اللخمي، أحد أماثيل بلده نباهة قدر، وسلامة صدر، لم ينتقل عن ذلك إلى أن توفي في آخر عام 757. فخلفه في النيابة بمجلس الحكم الشرعي صاحبه الفقيه الأجل، القاضي الأنوى الأكمل، أبو جعفر أحمد ويدعى بأبي بكر بن شيخنا الأستاذ الحافظ الخطيب الشهير أبي القاسم محمد بن أحمد بن جزى الكلبي، ذو البيت الأصيل، والمجد الرفيع الأثيل؛ فنهض بأعباء القضاء. ثم إنه اشتغل بعد وفاة القاضي الشريف بخطبته واستقرت أزمتها في يده؛ ثم صرف عنها إلى غيرها؛ وهو لهذا العهد بقيد الحياة تولاه الله! ومولد الشريف السمى بسبتة سادس ربيع الأول المبارك الذي من عام 697؛ وفاته بغرناطة ضحى يوم الخميس الحادي والعشرين لشهر شعبان من عام 760؛ وبنوه من بعده في الأندلس بحال نباهة واستعمال في القضاء والكتابة.
ومن الحديث الثابت في الصحيح عن أنس بن مالك أنه قال: قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثلاث وستين سنة، وأبو بكر وهو ابن ثلاث وستين سنة، وعمر وهو ابن ثلاث وستين سنة ووافق أن كانت وفاة الشريف أبي القاسم على حسب ولادته وهو ابن ثلاث وستين سنة؛ وتلك من جملة كراماته تغمدنا الله وإياه برحمته! وقد كمل الغرض المقصود من هذا الباب. وقد ذكرت فيه من أعلام الرجال ما عولت عليه، وادتنى المذاكرة إليه. وإلى الله تعالى أبرأ من الاحاطة فربما أغفلت، أضعاف ما نقلت؛ وفيما جلبته من الأنباء، وأدرجته من الأخبار طي الأسماء، ما يحمل الناظر فيه على الاعتبار، وإيثار سير الفضلاء والأخيار، بحول الله! ولا اعتراض علينا من أهل الحق فيما أثبتناه من الحكايات، وضروب المقالات، إذ حاصل مجموعها مناقب ومواعظ، يأخذ منها على قدر همته السامع والواعظ، مع أنه قد ثبت من الأئمة المتكلمين في هذا الشأن أنهم قالوا: ينبغي للقاضي أن يحفظ فضائل أهل العدل ومآثرهم، وينافسهم على ذلك، وأن يأخذ نفسه بسيرهم، وحفظ أحكامهم ورسائلهم ومواعظهم، مع علمه بالفقه والحديث؛ فإن ذلك قوة له على ما قلده الله. ومن المروى عن محمد بن الحسن أنه كان يقول: سمعت جعفر الخلدي يقول: سئل الجنيد: ما للمريدين في مجازات الحكايات؟ فقال: الحكايات جند من جنود الله، يقوي بها قلوب المريدين! قيل له: فهل في ذلك شاهد؟ فقال: نعم! قوله عز وجل: كلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك. ومعنى تثبيت الفؤاد في الآية عند المفسرين لها أي نقوى نفسك فيما نلقاه ونجعل لك أسوة بمن تقدمك. وتكلم أبو الفضل الرازي في كتابه على المسألة؛ فأتى بنحو ما ذكرناه؛ ثم قال: وذلك أن الإنسان إذا ابتلى ببلية ومحنة، ورأى له مشاركا، خف ذلك على قلبه، كما يقال: المصيبة، إذا عمت، خفت. وفي الوجيز: قيل لمحمد بن سعيد ماذا الترديد للقصص في القرآن؟ فقال: ليكون لمن قرأ ما تيسر منه حظ في الاعتبار. وعن إبراهيم بن عبد الله أنه قال: سمعت حماد بن عبد الرحمن يقول: العلم دراية ورواية، وخبر وحكاية. ولما رجوناه من الانتفاع بذلك كله، أشفعنا القول في هذا الباب، وجلبنا من الأنباء ما فيه عبرة لأولي الألباب جعلنا الله من الذين يسمعون القول، فيتبعون أحسنه؛ وصرف عنا فتن القضاء ومحنة، بمنه وفضله. والحمد لله! لا حول ولا قوة إلا بالله! وهذا في كتاب القضاة إلى القضاء، وصفة من بلغ منهم رتبة الاجتهاد، وحكم القاصر عن تلك المنزلة في استنباط الأحكام، وكيفية الاستخلاف، وفيمن يجوز له التقليد، ومن لا يجوز له من الناس: والكلام فيما ذكرناه يرجع على القريب إلى فصول، الأول منها في كتب القضاة ونبذ من المسائل المتصلة بذلك.

(1/99)


والذي جرى أولا به بالعمل، إذا أتى القاضي كتاب من قاض آخر، يسأل الذي جاءه بالكتاب إحضار صاحبه إن كان في عمالته؛ ثم إذا أحضره، سأله البينة على كتاب القاضي أنه من قبله. قال سحنون بن سعيد: ولينظر القاضي المكتوب إليه الكتاب. فإن كان القاضي الذي كتبه قد ثبت عنده أنه من أهل الاستحقاق للقضاء، لفهمه ومعرفته بأحكام من مضى وآثارهم، مع فهمه في دينه، وورعه وانتباهه وفطنته، غير مخدوع في عقله، فإذا كان كذلك، نظر في كتابه وعمل بما يجب فيه وإلا فلا. قال صاحب الجواهر الثمينة، وقد أتى فيها من صفات القاضي العدل بنحو ما تقدم: فإن عرفه بأنه ليس من أهل ذلك، لم يقبله. وفي سماع يحيى: وإن لم يكن قاضي الكورة موثوقا به، وفي الكورة رجال يوثق بهم، كتب إليهم سرا ليسألوا له عمن شهد عنده من أهل تلك الكورة؛ فإن كتبوا له أنه مشهور بالعدالة، معروف بالصلاح، أجاز شهادته، وإلا تركها حتى يعدل عنه من يرضى. وقال أشهب: إذا كتب إليه غير العدل: أن بينه فلان تثبت عندي، فلا يقبل كتابه لأنه ممن لا تجوز شهادته وإن لم يعرف حاله؛ فروى ابن حبيب عن أصبغ: إن جاءه بكتاب قاض لا يعرفه بعدالة ولا سخطة، فان كان من قضاة الأمصار الجامعة مثل المدينة، ومكة، والعراق، والشام، ومصر، والقيروان، والأندلس، فلينفذه؛ وإن لم يعرفه، وليحمل مثل هؤلاء على الصحة. وأما قضاة الكور الصغار، فلا ينفذه حتى يسأل عنه العدول وعن حاله.
وإذا كتب قاض إلى قاض بكتاب فيه أمر من الأقضية، وفيه اختلاف بين الفقهاء والمكتوب إليه، لا يرى ذلك الرأي. فإن كتب إليه أنه قد ذكر بما في كتابه وأنفذه، جاز له ذلك وأنفذه؛ هذا وإن لم يكن قطع فيه بحكم وإنما كتب بما ثبت عنده، فلا ينبغي أن يعمل فيه برأي الذي كتبه، وليعمل فيه برأيه. قال سحنون: وإذا كتب بأمر، فرأى هو خلافه، فلا ينفذه، لأن ذلك لم يفد شيئا؛ فلا ينفذ هذا ما ليس بصواب عنده. وقال ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون مثله. وقال ابن القاسم وأشهب في الإمام البين العدالة يأمر رجلا بإقامة حد في رجم، أو حرابة، أو قتل، أو قطع في سرقة، ولا يعلم ذلك إلا بقول الإمام؛ فعليه طاعته. قال أشهب. فإن لم يعرف بالعدالة، فلا يطيعه في ذلك إلا أن يرى أنه قد قضى في ذلك بحق؛ فعليه طاعته. وقال ابن القاسم: إذا اتضح أنه حكم بحق وعلم، وأنه كشف عن البينة وعدلوا. قال أشهب: وإذا لم يدر ما قضى به أبحق أم بهوى، فلا يجيبه. قال ابن الماجشون وهو عبد الملك بن عبد العزيز، وابن الماجشون معناه بالفارسية الورد: ولا تطع الجائر ولا تخدمه ولا تصدقه. وقد تقدم صدر كتابنا هذا ما رواه ابن وهب عن مالك في هذه المسألة. وما ذهب إليه في مثلها الأبهري والله المرشد للصواب! فرعان: أحدها: على القاضي الغائب أن يختار البينة التي تحمل كتابه، إذا كان ممن يرى بذلك؛ ويلزم القاضي المكتوب إليه قبوله، ويقول الشاهد: إن هذا كتابه إلينا مختوما. وقال أبو حنيفة، والشافعي، وأبو ثور: إذا لم يقرأه عليهما القاضي، لم يجز، ولا يعمل القاضي المكتوب إليه بما فيه. وروى عن مالك مثله. قال الشيخ أبو الحسن بن خلف بن بطال: وحجتهم أنه لا يجوز أن يشهد الشاهد إلا بما يعلم، لقوله تعالى " وما شهدنا إلا بما علمنا " . وحجة من أجاز ذلك أن الحاكم، إذا أقر أنه كتابه، فقد أقر بما فيه، وليس الشاهدان على ما ثبت عند الحاكم فيه، وإنما الغرض منها أن يعلم القاضي المكتوب إليه أن هذا كتاب القاضي الكاتب له، وقد يثبت عند القاضي من أمور الناس ما لا يحبون أن يعلمه كل أحد، مثل الوصايا التي يتخوف الناس فيها، ويذكرون ما فرطوا فيه، ولهذا يجوز عند مالك أن يشهدوا على الوصية المختومة، وعلى الكتاب المدرج، ويقولوا للحاكم: نشهد على إقراره بما في هذا الكتاب. وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم! يكتب إلى عماله، ولا يقرؤها على رسوله. وفيها الأحكام والسنن.

(1/100)


واختلفوا كذلك إذا انكسر ختم الكتاب. فقال أبو حنيفة: وزجر لا يقبله الحكم. وقال أبو يوسف: يقبله، ويحكم به، إذا شهدت البينة؛ وهو قول الشافعي. واحتج الطحاوي لأبي يوسف؛ فقال: كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم! إلى الروم كتابا، وأراد أن يبعثه غير مختوم، حتى قيل: إنهم لا يقرؤون إلا أن يكون مختوما! فاتخذ الخاتم من أجل ذلك. فدل أن كتاب القاضي حجة. وإن لم يكن مختوما. وخاتمه أيضا حجة؛ والمنقول عن مالك أنه لا يجوز كتاب قاض إلى قاضي إلا بشاهدين أشهدهما بما فيه. قال ابن القاسم: وإن لم يكن فيه خاتمه، أو كان بطابع، فانكسر. وقال ابن الماجشون: وإذا شهد العدلان أن هذا كتاب القاضي، أمضاه. وقال أشهب: ليس قولهم وشهادتهم أن هذا كتاب قاض بشئ، حتى يشهدوا أنه أشهدهم. ولا يضر إن لم يختمه، إذ لو شهدوا أن هذا خاتمه، ولو شهدوا أن الكتاب كتابه إلى هذا القاضي، لم ينتفع بذلك، لأن الختم يستشعر، فلا يعرف، والكتاب يعرف بعينه. ومن كتاب القاضي أبي عبد الله بن الحاج: ضرب عمر بن الخطاب في التعزير معن بن زائدة مائة سوط حيث نقش على خاتمه، وأخذ منه مالا وحبسه. ثم كلم في أمره فقال: ذكرتني الطعن، وكنت ناسيا! فضرب مائة؛ ثم حبس. ولذلك والله أعلم! قال مالك فيما روى عنه ابن نافع: كان من أمر الناس القديم إجازة الخواتم حتى أن القاضي ليكتب للرجل الكتاب فيما يزيد على ختمه؛ فيجاز له. ثم اتهم الناس. فصار لا يقبل إلا بشاهدين. وقال ابن كنانة، وعن مطرف وابن الماجشون: ولا ينفذ قاض كتاب قاض في الأحكام إلا بعدلين، ولا ينفذه بشهادتهما أنه خط القاضي، كما لا يجوز الشهادة على الخط في الحدود. ولا بأس إذا كاتبه في شيء يسأله عنه من عدالة شاهد أو أمر يستخبره من أمر الخصوم أن يقبل كتابه بغير شهود، إذا عرف خطه، ما لم يكن في قضية قاطعه، أو كتاب هو ابتدأه به؛ فلا ينفذه إلا بعدلين.

(1/101)


وأما كتابه إلى قاضي الجماعة، أو إلى فقيه يسأله ويسترشده ويخبره، فهذا يقبله إذا عرف خطه، أو أتى به رسوله أو من يثق به، إلا أن يأتيه به الخصم الذي له المسألة؛ فلا يقبله إلا بعدلين. وإذا كان له من يكاتبه في نواحي عمله، في أمور الناس وتنفيذ الأقضيه وغير ذلك، فلا يقبل الكتاب، يأتيه منهم بالثقة يحمله، وبالشاهد الواحد، وبمعرفة الخاتم لقرب المسافة واستدراك ما يخشى فوته. وإذا افترق العملان، فلا بد من البينة؛ وقاله أصبغ. ولسحنون نحوه في أمنائه بخلاف كتاب قضاته. وفي الكتاب المقنع: قال من أثق به: رأيت العمل عند القضاة أن يكتبوا إلى أمنائهم، أو إلى من أحبوا أن يتعرفوا من قبلهم، عدالة بشهود ووضع شهادات، ليعلموا في صحتها من قبلهم، إذا لم يكن المكتوب إليهم حكاما، أن يبعثوا إليهم كتبهم مع الطالب بغير إشهاد عليها، لا يقبلوها منهم إلا بعدلين من الشهود. وقال ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون: لا يجوز إشهاد الأمناء بما أمرهم القاضي بإنقاذه إلا أن يثبت إشهاد القاضي على أصل الحكم، أو على أمره لأمنائه بإنفاذه ذلك، وعلى أنهم أنفذوه ورفعوه إليه؛ ويثبت ذلك كله بشهادة غير الأمناء. وذكر ابن عبدوس عن ابن القاسم: إذا شهد شاهدان على أن الأمناء أشهدوهم قبل عزل القاضي، على ما أتاهم من القاضي بما ثبت عندهم من إنفاذ القاضي لمن أنفذه، أنه يكون بمنزله ما يشهد القاضي على ما يأتيه من القضاة، وما يثبت عنده من إنفاذها. قال القاضي أبو الأصبغ بن سهل: رأيت قضاة شرق الأندلس كتب بعضهم إلى بعض في الأحكام بالخاتم، ومعرفة الخط، وإن لم يكتب للقاضي منه بخط يده إلا العنوان لا غير، وإن كان حامله هو المكتوب له في الكتاب، ويسلمونه إليه مختوما؛ وهو عندي مما لا يجوز العمل به، ولا إنفاذه، لا سيما إذا كان حامله صاحب الحكومة. وقد ذكر ابن حبيب عن ابن القاسم وغيره: إذا كان حامل الكتاب صاحب القضية، لم يجر فيما هو أخف من هذا في تحمله من عند الأمين، أو من عند الفقيه وشبهه. فكيف في نفس الحكومة ومن قاضي بلده إلى قاضي بلدة أخرى؟ هذا لا يجوز عند أحد، والقضاء به مفسوخ؛ والله أعلم! وأما إذا تحمل الكتاب شاهدان، وشهدا به عند المكتوب إليه، وأثنى عليهما بخير، وأن لم تكن تعديلا بينا وزكى أحدهما، ولم يزك الآخر، أو توهم فيهما الصلاح، وكان الختم والخط مشهورين معروفين عند المكتوب إليه؛ فأنا لا أستحسن إجازة مثل هذا أو إنفاذه له، لتعذر موافقة العدول عن الطالب، ولما قد جرى به العمل في صدر السلف الصالح من إجازة الخاتم. والله أعلم بالصواب! ومن هذا الأصل: إن محمد بن شماخ، قاضي غافق، خاطب صاحب الأحكام بقرطبة محمد بن الليث بخطاب أدرج فيه إليه كتاب عيسى بن عتبة فقيه مكناسة، وعقد استرعاء بملك بغل بعث فيه ثبت استحقاقه عند ابن عتبة فقيه مكناسة على عين البغل وعين مستحقه؛ وقال ابن شماخ في كتابه إلى صاحب الأحكام: ثبت عندي كتاب الفقيه ابن عتبة مستخلف قاضي الجوف، المدرج في طي كتابي إليك. ولم يسم القاضي الذي استخلفه من هو، ولا سمي ابن عتبة ولا كناه، ولا أن ثبوته كان عنده على عين البغل ومستحقه؛ وشاور صاحب الأحكام في ذلك؛ فأفتى ابن عتاب وابن القطان وابن مالك أن إعمال خطاب ابن شماخ هذا واجب، وأن الحكم فيه نظر منه محمول على الإكمال؛ وفي اتفاقهم على الجواب عجب، وفيه من الضعف ما فيه؛ وقد كانوا يختلفون فيما هو أصح من هذا في النظر؛ وما جوابهم هذا إلا مسامحة. والله أعلم!

(1/102)


قلت: والذي استقر عليه العمل لهذا العهد، بالأندلس والمغرب، ما تعرفناه عن كثير من بلاد المشرق من الاقتصار على معرفة الخطوط بالشهادة عليها؛ فإذا أثبت عند الحاكم المكتوب إليه أن الخطاب هو بخط يد القاضي الذي خاطبه به، وكتب اسمه فيه قبله، إن كان عنده من أهل القبول، وأمضاه، وحكم بمقتضاه. وما استأهل المتأخرون الأخذ بذلك على ما فيه، ورأوا العدول عن إلزام شهيدين لكل ذي كتاب، يروم الاستظهار به في غير مصره بأن القاضي أشهدهما بما فيه، وأنه كتابه، والخطاب خطابه، على ما تقدم تقريره، إلا لما يلحق في ذلك من المشاق التي يتعذر مع وجودها التوصل في الغالب إلى الشيء المطلوب؛ فليس كل طالب يقدر على استصحاب عدلين يتحملان الشهادة له على القاضي بكتابه، ويلازمانه من البلد الذي هو به إلى البلد الذي يكون فيه مطلوب، ولا سيما عند تباعد الأقطار، وما حدث في هذه الأزمنة من تكاثر القواطع، وترادف الأعذار. فأجروا المسألة مجرى الشهادة على خط الشاهد الغائب أو الميت، إذا لم يستنكر الناظر في المرسوم شيئا. وكان قد تحقق عدالة الرجل المشهود على خطه وقبول شهادته أيام وضعها في المكتوبات بيده، وكأنهم لاحظوا استحسان الرجوع عند الضرورة إلى ما كان عليه أمر القضاة في القديم من إجازة الخواتم، والخط في التوثق كالخاتم وأشد منه عند التأمل. وفي كتاب الإمام محمد بن إسماعيل البخاري عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم! بعث بكتابه رجلا. قال الخطابي عند شرحه فيه من الفقه أن الرجل الواحد يجزئ حمله كتاب الحاكم إلى حاكم آخر، إذا لم يشك الحاكم في الكتاب ولا أنكره، كما لم ينكر كسرى كتاب النبي صلى الله عليه وسلم! ولا شك فيه وليس من شرطه أن يحمله شاهدان. قال القاضي أبو عبد الله محمد بن أحمد بن الحاج، وقد ذكر المسألة: كما يصنع اليوم القضاة والحكام على شاهدين في ذلك، لإدخال الناس من الفساد، واستعمال الخطوط، ونقش الخواتم؛ فاحتيط لتحصين الدماء والأموال. قال غيره: وأول من طلب البينة على كتاب القاضي ابن أبي ليلى، وسوار بن عبد الله؛ وتعرفت عن الترتيب في مكاتبات القضاة بالبلاد المشرقية أنه يجري على طريق المسامحة، من غير ارتباط في هذه الأزمنة إلى عادة. والذي أخذت به لنفسي من ذلك أني، مهما كتبت على عقد بالثبوت لمن يروم السفر به، سألت عن الرفقة المصاحبة له؛ فإن كان فيها أحد من أهل الخير، استدعيته وأشهدته على عين العقد المختوم بالشهادة، بما أرى فيه من الثبوت عندي؛ فإن الخطاب الذي فيه أسمى هو بخط يدي، استبلاغا في الاحتياط، وطمعا في الخروج عن الخلاف، وإذا تعذر ذلك سلكت من التسهيل للضرورة مسالك الجمهور.
وقد كنت أخذت في هذه المسألة مع شيخنا القاضي أبي عبد الله بن عياش؛ فمال إلى التسليم، وأشار بإيثار التسديد، وإن كان رحمه الله! يستضعف العمل بإجازة الشهادة على خطوط القضاة، لما يؤدي إليه من الحكم بها في الحدود والأنكحة، وبعير ذلك من العمال، وبخصوص إذا أتى بالمرسوم صاحب حكومة والمتكلم بالخصومة؛ فكثيرا ما كان يتوقف على إمضاء الحكم، ويذهب ما ذهب إليه في مثلها ابن سهل، ومن تقدمه من الأئمة، ويقول عن الشهادة على الخط إنها على الجملة من العظائم، وإحدى المسائل التي حملته على الاستعفاء من القضاء، إذا لم يقدر على إزالتها، ولا سهل عليه في كل النوازل تحمل عهدتها. وقد وقع التعريف بهذا الرجل الفاضل عند وضع اسمه فيما تقدم من هذا المجموع.
ومن أخباره إني كنت قاعدا يوما معه بمجلس القضاء من مالقة، زمان ولايته بها؛ فأتاه أحد الفقهاء بعقد عليه خطاب قاض معروف الخط، معلوم الولاية. فقال له: أبقاكم الله! يشهد عليكم بأعمال هذا الخط؟ فقال: يشهد بثبوت ذلك الرسم من وجه آخر ذكره؛ ثم أشار إلى أن القاضي، الذي قد كان خاطبه به، ليس هو عنده من أهل الاستحقاق للقضاء في عدالته، وورعه، ونزاهته؛ فظهر له أن يأخذ فيه بما رواه يحيى في مسألة قاضي الكورة، إذا لم يكن موثوقا به. وقد تقدم الكلام في ذلك.

(1/103)


تنبيه على جواز المسامحة في الخطاب، إذا وقع فيه الغلط: قال عبد السلام بن سعيد الملقب بسحنون: ولو كتب قاض إلى قاضي البصرة، وسماه، فأخطأ باسمه أو اسم أبيه ونسبه، لنفذ ذلك، إذا نسبه إلى المصر الذي هو عليه، وشهدت البينة بذلك، وليس كل من كتب كتابا يعنونه؛ فإذا شهدت بينة أنه كتبه قلبه، ولم ينظر في اسمه، وإذا كان الكتاب لرجلين، فحضر أحدهما: فإني أقبل البينة والكتاب، وأنفذ الحكم للحاضر؛ فإذا حضر الغائب، أنفذت له الحكم، ولا أعيد البينة وإذا أمكن تعيين الخطاب، فهو من الصواب؛ والاطلاق سائغ، لا سيما عند شدود الغريم. فقد سئل مالك عن الرجل يثبت حقه عند القاضي، أيعطيه كتابا إلى أي الآفاق كان، ولا يسمى فيه أحدا، لا قاضيا بعينه، ولا بلدا بعينه. قال: نعم! أرى ذلك يجوز، إذا ثبت عند القاضي الذي يرفع إليه الكتاب أنه كتاب القاضي الذي كتبه وبعث به مثل الرجل يطالب غريمه لا يدري بأي الآفاق هو، أو أين يلقاه، أو العبد الآبق، وما يشبهه. وقاله ابن القاسم وأصبغ عنه. قال سحنون: وإذا جاء بكتاب قاض إلى قاض، وأن فلانا له من الدين على فلان كذا وكذا، لم يجز ذلك، حتى ينسبه إلى أبيه، وإلى فخذه الذي هو منها، أو ينسبه إلى تجارة يعرف بها مشهورة.
الفرع الثاني، إذا كتب قاض بما ثبت عنده، ثم مات الكاتب قبل أن يصل الكتاب إلى المكتوب إليه، فإنه ينفذه، ويبنى عليه إذا بلغه، ويبنى عليه الحكم. قال أشهب المجموعة: قال مالك: وإن عزل الكاتب، فلينفذ بهذا، إن كان ممن تجوز كتابته لعدالته. ومثله عن ابن القاسم، وسواء مات أحدهما، أو عزلا، أو أحدهما، إذا كان الذي كتبه هو وال. وبه أقول، ولا أعلم فيه خلافا بين أهل العلم. ومثله في كتاب ابن حبيب، عن ابن الماجشون، ومطرف، وابن عبد الحكم، وأصبغ. قال: وجميع أصحابنا. ومن كتاب ابن المواز: وإذا تظلم المحكوم عليه من كتاب الأول، وسأل الثاني أن يستأنف النظر فيه أو في بعضه، فليس له ذلك إلا بأمر بين؛ وكذلك لو ولي قاض آخر مكان القاضي، لكان مثل ما قيل في المكتوب إليه. قال القاضي أبو الوليد بن رشد: لما كان الأصل أن القاضي ينفذ ما ثبت عنده من قضاء أحكام البلد، وأن كانوا على كتاب إلى قاضي مصر، وقد حج قاضي مصر، وأمره بالخروج إليها، لم يكن له أن يسمع من بينة أحد في دعوى على من بمصر، حتى يصير إليها. قال القاضي أبو الأصبغ، وقد نقل ما ذكرناه: ونزلت من هذا المعنى مسألة، سألت عنها ابن عتاب شيخنا: وكذلك القاضي يحل بغير بلده، وقد كان ثبت عنده ببلده حق لرجل؛ فسأله الذي له الحق أن يخاطب له من موضع احتلاله قاضي موضع مطلوبه، بما كان ثبت عنده ببلده؟ فقال لي: لا يحوز ذلك! قلت: فإن فعل؟ قال: يبطل! ثم قال لي: وليس يبعد أن ينفذ ذلك! قلت: فإن الحق الثابت عنده ببلده على من هو بموضع احتلاله، فأعلم قاضي ذلك الموضع مشافهة بما ثبت عنده، هل يكون كمخاطبته أياه بذلك من بلده؟ فقال لي: ليس مثله! فقلت له: وما الفرق؟ فقال لي: هو في إخباره هنا بما ثبت عنده طالب فضول وما الذي يدعوه إلى ذلك. قلت: وما يمنع من إخباره له ويشهد عند المخبر بذلك، وينفذه كما يشهد عنده بما يجري في مجلسه من إقرار وإنكار، ويقضى به؟ فقال: ليس مثله. ولاكن إن أشهد هذا القاضي المخبر بذلك شاهدين في منزله، وشهدا بذلك عند قاضي الموضع، نفذ وجاز!.
قال ابن سهل: رأيت فقهاء طليطلة يجيزون بإخبار القاضي المحتل بذلك البلد قاضي البلدة وينفذ، ويرونه كمخاطبته أياه. وفي ذلك كله من الاضطراب مالا خفاء به. فجواب أصبغ، في إجازته القاضي أن يسمع من البينة في غير عمله، يخالف ما ذهب إليه ابن عبد الحكم في المسألة، وقرره صاحب النوادر من أن القاضي، إذا كان في غير عمله، فليس له أن يسمع من بينة أحد، ولا يشهد على كتابه إلى قاضي بلد آخر إلا ببلده.

(1/104)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية