صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : تاريخ الطبري
مصدر الكتاب : الإنترنت
[ ترقيم الكتاب موافق للمطبوع ]

بأيديكم وتنكلوا عن عدوكم وتزولوا عن مصافكم لا يرضى الله فعلكم ولا تقدموا من الناس صغيرا أو كبيرا الا يقول فضحت ربيعة الذمار وحاصت عن القتال وأتيت من قبلها العرب فإياكم ان تتشاءم بكم العرب والمسلمون اليوم وانكم ان تمضوا مقبلين مقدمين وتصيروا محتسبين فإن الاقدام لكم عادة والصبر منكم سجية واصبروا ونيتكم أن تؤجروا فإن ثواب من نوى ما عند الله شرف الدنيا وكرامة الآخرة ولن يضيع الله أجر من أحسن عملا فقام رجل فقال ضاع والله أمر ربيعة حين جعلت إليك أمورها تأمرنا ألا نزول ولا نحول حتى تقتل أنفسنا وتسفك دماءنا ألا ترى الناس قد انصرف جلهم فقام إليه رجال من قومه فنهروه وتناولوه بألسنتهم فقال لهم خالد أخرجوا هذا من بينكم فإن هذا إن بقى فيكم ضركم وإن
خرج منكم لم ينقصكم هذا الذى لا ينقص العدد ولا يملا البلد برحك الله من خطيب قوم كرام كيف جنبت السداد واشتد قتال ربيعة وحمير وعبيدالله بن عمر حتى كثرت بينهم القتلى فقتل سمير بن الريان بن الحارث العجلى وكان من أشد الناس بأسا * قال أبو مخنف حدثنى جعفر بن أبى القاسم العبدى عن يزيد بن علقمة عن زيد بن بدر العبدى أن زياد بن خصفة أتى عبد القيس يوم صفين وقد عبيت قبائل حمير مع ذى الكلاع وفيهم عبيدالله بن عمر بن الخطاب لبكر بن وائل فقوتلوا قتالا شديدا خافوا فيه الهلاك فقال زياد بن خصفة يا عبد القيس لا بكر بعد اليوم فركبنا الخيول ثم مضينا فواقفناهم فما لبثنا الا قليلا حتى أصيب ذو الكلاع وقتل عبيدالله بن عمر رضى الله عنه فقالت همدان قتله هانئ بن خطاب الارحبي وقالت حضر موت قتله مالك بن عمرو التنعى وقالت بكر بن وائل قتله محرز بن الصحصح من بنى عائش بن مالك بن تيم الله بن ثعلبة وأخذ سيفه ذا الوشاح فأخذ به معاوية بالكوفة بكر بن وائل فقالوا إنما قتله رجل منا من أهل البصرة يقال له محرز بن الصحصح فبعث إليه بالصرة فأخذ منه السيف وكان رأس النمر بن قاسط عبد الله ابن عمرو من بنى تميم * قال هشام بن محمد الذى قتل عبيدالله بن عمر رضى الله عنه محرز بن الصحصح وأخذ سيفه ذا الوشاح سيف عمرو في ذلك قول كعب

(4/25)


ابن جعيل التغلبي ألا إنما تبكى العيون لفارس * بصفين أجلت خيله وهو واقف يبدل من أسماء أسياف وائل * وكان فتى لو أخطأته المتالف تركن عبيدالله بالقاع مسندا * تمج دم الخرق العروق الذوارف وهى أكثر من هذا وقتل منهم يومئذ بشر بن مرة بن شرحبيل والحارث بن شرحبيل وكانت أسماء ابنة عطارد بن حاجب التميمي تحت عبيدالله بن عمر ثم
خلف عليها الحسن بن على قال أبو مخنف حدثنى ابن أخى غياث بن لقيط البكري أن عليا حيث انتهى إلى ربيعة تبارت ربيعة بينها فقالوا إن أصيب على فيكم وقد لجأ إلى رايتكم افتضحتم وقال لهم شقيق بن ثور يا معشر ربيعة لا عذر لكم في العرب إن وصل إلى على فيكم وفيكم رجل حى وإن منعتموه فمجد الحياة اكتسبتموه فقاتلوا قتالا شديدا حين جاءهم على لم يكونوا قاتلوا مثله ففى ذلك قال على لمن راية سوداء يخفق ظلها * إذا قيل قدمها حضين تقدما يقدمها في الموت حتى يزيرها * حياض المنايا تقطر الموت والدما أذقنا ابن حرب طعننا وضرابنا * بأسيافنا حتى تولى وأحجما جزى الله قوما صابروا في لقائهم * لدا الموت قوما ما أعف وأكرما وأطيب أحبارا وأكرم شيمة * إذا كان أصوات الرجال تغمغما ربيعة أعنى أنهم أهل نجدة * وبأس إذا لاقوا جشيما عرمرما مقتل عمار بن ياسر قال أبو مخنف حدثنى عبد الملك بن أبى حر الحنفي أن عمار بن ياسر خرج إلى الناس فقال اللهم إنك تعلم أنى لو أعلم أن رضاك في أن أقذف بنفسى في هذا البحر لفعلته اللهم إنك تعلم أنى لو أعلم أن رضاك في أن أضع ظبة سيفى في صدري ثم أنحنى عليها حتى تخرج من ظهرى لفعلت وإنى لا أعلم اليوم عملا هو أرضى لك من جهاد هؤلاء الفاسقين ولو أعلم أن عملا من الاعمال هو أرضى لك منه لفعلته * قال أبو مخنف حدثنى الصقعب بن زهير الازدي قال سمعت عمارا يقول والله إنى لارى

(4/26)


قوما ليضربنكم ضربا يرتاب منه المبطلون وايم الله لو ضربونا حتى يبلغوا بنا سعفات هجر لعلمنا أنا على الحق وأنهم على الباطل * حدثنا محمد بن عباد بن موسى قال حدثنا محمد بن فضيل قال حدثنا مسلم الاعور عن حبة بن جوين العرنى قال انطلقت أنا
وابو مسعود إلى حذيفة بالمدائن فدخلنا عليه فقال مرحبا بكما ما خلفتما من قبائل العرب أحدا أحب إلى منكما فأسندته إلى أبى مسعود فقلنا يا أبا عبد الله حدثنا فإنا نخاف الفتن فقال عليكما بالفتنة التى فيها ابن سمية انى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول تقتله الفئة الباغية الناكبة عن الطريق وان آخر رزقه ضياح من لبن قال حبة فشهدته يوم صفين وهو يقول ائتونى بآخر رزق لى من الدنيا فأتى بضياح من لبن في قدح أروح له حلقة حمراء فما أخطأ حذيفة مقياس شعرة فقال اليوم ألقى الا حبه محمدا وحزبه والله لو ضربونا حتى يبلغوا بنا سعفات هجر لعلمنا انا على الحق وأنهم على الباطل وجعل يقول الموت تحت الاسل والجنة تحت البارقة * حدثنى محمد عن خلف قال حدثنا منصور بن أبى نويرة عن أبى محنف وحدثت عن هشام بن الكلبى عن أبى مخنف قال حدثنى مالك بن أعين الجهنى عن زيد ابن وهب الجهنى أن عمار بن ياسر رحمه الله قال يومئذ أين من يبتغى رضوان الله عليه ولا يؤوب إلى مال ولا ولد فأتته عصابة من الناس فقال أيها الناس اقصدوا بنا نحو هؤلاء الذين يبغون دم ابن عفان ويزعمون انه قتل مظلوما والله ما طلبتهم بدمه ولكن القوم ذاقوا الدنيا فاستحبوها واستمرؤها وعلموا أن الحق إذا لزمهم حال بينهم وبين ما يتمرغون فيه من دنياهم ولم يكن للقوم سابقة في الاسلام يستحقون بها طاعة الناس والولاية عليهم فخدعوا أتباعهم أن قالوا إمامنا قتل مظلوما ليكونوا بذلك جبابرة ملوكا وتلك مكيدة بلغوا بها ما ترون ولولا هي ما تبعهم من الناس رجلان اللهم إن تنصرنا فطالما نصرت وإن تجعل لهم الامر فادخر لهم بما أحدثوا في عبادك العذاب الاليم ثم مضى ومضت تلك العصابة التى أجابته حتى دنا من عمرو فقال يا عمرو بعت دينك بمصر تبا لك تبا طالما بغيت في الاسلام عوجا وقال لعبيد الله بن عمر بن الخطاب صرعك الله

(4/27)


بعت دينك من عدو الاسلام وابن عدوه قال لا ولكن أطلب بدم عثمان بن عفان رضى الله عنه قال له أشهد على علمي فيك أنك لا تطلب بشئ من فعلك وجه الله عز وجل وأنك إن لم تقتل اليوم تمت غدا فانظر إذا أعطى الناس على قدر نياتهم ما نيتك * حدثنى موسى بن عبد الرحمن المسروقى قال أخبرنا عبيد بن الصباح عن عطاء بن مسلم عن الاعمش عن أبى عبد الرحمن السلمى قال سمعت عمار ابن ياسر بصفين وهو يقول لعمرو بن العاص لقد قاتلت صاحب هذه الراية ثلاثا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذه الرابعة ما هي بأبر ولا أتقى * حدثنا أحمد ابن محمد قال حدثنا الوليد بن صالح قال حدثنا عطاء بن مسلم عن الاعمش قال قال أبو عبد الرحمن السلمى كنا مع على بصفين فكنا قد وكلنا بفرسه رجلين يحفظانه ويمنعانه من أن يحمل فكان إذا حانت منهما غفلة يحمل فلا يرجع حتى يخضب سيفه وإنه حمل ذات يوم فلم يرجع حتى انثنى سيفه فألقاه إليهم وقال لولا أنه انثنى ما رجعت فقال الاعمش هذا والله ضرب غير مرتاب فقال أبو عبد الرحمن سمع القوم شيئا فأدوه وما كانوا بكذابين قال ورأيت عمارا لا يأخذ واديا من أودية صفين إلا تبعه من كان هناك من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ورايته جاء إلى المرقال هاشم بن عتبة وهو صاحب راية على فقال يا هاشم أعورا وجبنا لاخير في أعور لا يغشى البأس فإذا رجل بين الصفين قال هذا والله ليخلفن إمامه وليخذلن جنده وليصرن جهده اركب يا هاشم فركب ومضى هاشم يقول أعور يبغى أهله محلا * قد عالج الحياة حتى ملا لابد أن يفل أو يفلا وعمار يقول تقدم يا هاشم الجنة تحت ظلال السيوف والموت في أطراف الاسل وقد فتحت أبواب السماء وتزينت الحور العين اليوم ألقى الا حبه محمدا وحزبه فلم يرجعا وقتلا قال يفيد لك عليهما من كان هناك من أصحاب رسول الله
صلى الله عليه وسلم أنهما كانا علما فلما كان الليل قلت لادخلن إليهم حتى أعلم هل بلغ منهم قتل عمار ما بلغ منا وكنا إذا توادعنا من القتال تحدثوا الينا وتحدثنا إليهم

(4/28)


فركبت فرسى وقد هدأت الرجل ثم دخلت فإذا أنا بأربعة يتسايرون معاوية وأبو الاعور السلمى وعمرو بن العاص وعبد الله بن عمر وهو خير الاربعة فأدخلت فرسى بينهم مخافة أن يفوتنى ما يقول أحد الشقين فقال عبد الله لابيه يا أبت قتلتم هذا الرجل في يومكم هذا وقد قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال قال وما قال قال ألم تكن معنا ونحن نبنى المسجد والناس ينقلون حجرا حجرا ولبنة لبنة وعمار ينقل حجرين حجرين ولبنتين لبنتين فغشى عليه فأتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل يمسح التراب عن وجهه ويقول ويحك يا ابن سمية الناس ينقلون حجرا حجرا ولبنة لبنة وأنت تنقل حجرين حجرين ولبنتين لبنتين رغبة منك في الاجر وأنت ويحك مع ذلك تقتلك الفئة الباغية فدفع عمرو صدر فرسه ثم جذب معاوية إليه فقال يا معاوية أما تسمع ما يقول عبد الله قال وما يقول فأخبره الخبر فقال معاوية إنك شيخ أخرق ولا تزال تحدث بالحديث وأنت تدحض في بولك أو نحن قتلنا عمارا إنما قتل عمارا من جاء به فخرج الناس من فساطيطهم وأخبيتهم يقولون إنما قتل عمارا من جاء به فلا أدرى من كان أعجب هو أو هم (قال أبو جعفر) وقد ذكر أن عمارا لما قتل قال على لربيعة وهمدان أنتم درعى ورمحي فانتدب له نحو من اثنى عشر ألفا وتقدمهم على على بغلته فحمل وحملوا معه حملة رجل واحد فلم يبق لاهل الشأم صف إلا انتقض وقتلوا كل من انتهوا إليه حتى بلغوا معاوية وعلى يقول أضربهم ولا أرى معاويه * الجاحظ العين العظيم الحاويه ثم نادى معاوية فقال على علام تقتل الناس بيننا هلم أحاكمك إلى الله فأينا قتل صاحبه استقامت له الامور فقال له عمرو أنصفك الرجل فقال معاوية ما أنصفت
وإنك لتعلم أنه لم يبارزه رجل قط إلا قتله قال له عمرو وما يجمل بك إلا مبارزته فقال معاوية طمعت فيها بعدى قال هشام عن أبى مخنف قال حدثنى عبد الله بن عبد الرحمن بن أبى عمرة عن سليمان الحضرمي قال قلت لابي عمرة ألا تراهم ما أحسن هيئتهم يعنى أهل الشأم ولا ترانا ما أقبح رعيننا فقال عليك نفسك فأصلحها ودع الناس فان فيهم ما فيهم

(4/29)


خبر هاشم بن عتبة المرقال وذكر ليلة الهرير قال أبو مخنف وحدثني أبو سلمة أن هاشم بن عتبة الزهري دعا الناس عند المساء ألا من كان يريد الله والدار الآخرة فإلى فأقبل إليه ناس كثير فشد في عصابة من أصحابه على أهل الشأم مرارا فليس من وجه يحمل عليه إلا صبر له وقاتل فيه قتالا شديدا فقال لاصحابه لا يهولنكم ما ترون من صبرهم فوالله ما ترون فيهم الا حمية العرب وصبرها تحت راياتها وعتد مراكزها وإنهم لعلى الضلال وانكم لعلى الحق يا قوم اصبروا وصابروا واجتمعوا وامشوا بنا إلى عدونا على تؤدة رويدا ثم اثبتوا وتناصروا واذكروا الله ولا يسأل رجل أخاه ولا تكثروا الالتفات واصمدوا صمدهم وجاهدوهم محتسبين حتى يحكم الله بيننا وبينهم وهو خير الحاكمين ثم انه مضى في عصابة معه من القراء فقاتل قتالا شديدا هو وأصحابه عند المساء حتى رأوا بعض ما يسرون به قال فانهم لكذلك إذ خرج عليهم فتى شاب وهو يقول أنا ابن أرباب الملوك غسان * والدائن اليوم بدين عثمان إنى أتانى خبر فأشجان * أن عليا قتل ابن عفان ثم يشد فلا ينثنى حتى يضرب بسيفه ثم يشتم ويلعن ويكثر الكلام فقال له هاشم ابن عتبة يا عبد الله ان هذا الكلام بعده الخصام وإن هذا القتال بعده الحساب فاتق الله فانك راجع إلى الله فسائلك عن هذا الموقف وما أردت به قال فانى أقاتلكم
لان صاحبكم لا يصلى كما ذكر لى وأنتم لا تصلون أيضا وأقاتلكم أن صاحبكم قتل خليفتنا وأنتم أردتموه على قتله فقال له هاشم وما أنت وابن عفان إنما قتله أصحاب محمد وأبناء أصحابه وقراء الناس حين أحدث الاحداث وخالف حكم الكتاب وهم أهل الدين وأولى بالنظر في أمور الناس منك ومن أصحابك وما أظن أمر هذه الامة وأمر هذا الدين أهمل طرفة عين فقال له أجل والله لا أكذب فان الكذب يضر ولا ينفع قال فان أهل هذا الامر أعلم به فخله وأهل العلم به قال ما أظنك والله إلا نصحت لى قال وأما قولك إن صاحبنا لا يصلى فهو أول من صلى وأفقه خلق الله في دين الله وأولى بالرسول وأما كل من ترى معى فكلهم قارئ

(4/30)


لكتاب الله لينام الليل تهجدا فلا يغوينك عن دينك هؤلاء الاشقياء المغرورون فقال الفتى يا عبد الله إنى أظنك امرءا صالحا فتخبرني هل تجد لى من توبة فقال نعم يا عبد الله تب إلى الله يتب عليك فانه يقبل التوبة عن عباده ويهفو عن السيآت ويحب المتطهرين قال فجشر والله الفتى الناس راجعا فقال له رجل من أهل الشأم خدعك العراقى خدعك العراقى قال لا ولكن نصح لى وقاتل هاشم قتالا شديدا هو وأصحابه وكان هاشم يدعى المرقال لانه كان يرقل في الحرب فقاتل هو وأصحابه حتى أبروا على من يليهم وحتى رأوا الظفر وأقبلت إليهم عند المغرب كتيبة لتنوخ فشدوا على الناس فقاتلهم وهو يقول أعور يبغى أهله محلا * قد عالج الحياة حتى ملا يتلهم بذى الكعوب تلا فزعموا انه قتل يومئذ تسعة أو عشرة ويحمل عليه الحارث بن المنذر التنوخى فطعنه فسقط وأرسل إليه على أن قدم لواءك فقال لرسوله انظر إلى بطني فإذا هو قد شق فقال الانصاري الحجاج بن غزية
فإن تفخروا بابن البديل وهاشم * فنحن قتلنا ذا الكلاع وخوشبا ونحن تركنا بعد معترك اللقا * أخاكم عبيد الله لحما ملحبا ونحن أحطنا بالبعير وأهله * ونحن سقيناكم سماما مقشبا هشام عن أبى مخنف قال حدثنى مالك بن أعين الجهنى عن زيد بن وهب الجهنى أن عليا مر على جماعة من أهل الشأم فيها الوليد بن عقبة وهم يشتمونه فخبر بذلك فوقف فيمن يليهم من أصحابه فقال انهدوا إليهم عليكم السكينة والوقار وقار الاسلام وسيما الصالحين فوالله لاقرب قوم من الجهل قائدهم ومؤذنهم معاوية وابن النابغة وأبو الاعور السلمى وابن أبى معيط شارب الخمر المجلود حدا في الاسلام وهم أولى من يقومون فينقصوننى ويجذبونني وقبل اليوم ما قاتلوني وأنا إذ ذاك أدعوهم إلى الاسلام وهم يدعونني إلى عبادة الاصنام الحمد لله قديما عاداني الفاسقون فعبدهم الله ألم يفتحوا إن هذا لهو الخطب الجليل أن فساقا كانوا غير مرضيين وعلى الاسلام وأهله متخوفين

(4/31)


خدعوا شطر هذه الامة وأشربوا قلوبهم حب الفتنة واستمالوا أهواءهم بالافك والبهتان قد نصبوا لنا الحرب في إطفاء نور الله عز وجل اللهم فافضض خدمتهم وشتت كلمتهم وأبسلهم بخطاياهم فإنه لا يذل من واليت ولا يعز من عاديت * قال أبو مخنف حدثنى نمير بن وعلة عن الشعبى أن عليا مر بأهل راية فرآهم لا يزولون عن موقفهم فحرض عليهم الناس وذكر أنهم غسان فقال إن هؤلاء لن يزولوا عن موقفهم دون طعن دراك يخرج منهم النسم وضرب يفلق منه الهام ويطيح العظام وتسقط منه المعاصم والاكف وحتى يصدع جباههم بعمد الحديد وتنتشر حواجبهم على الصدور والاذقان أين أهل الصبر وطلاب الاجر فثاب إليه عصابة من المسلمين فدعا ابنه محمدا فقال امش نحو أهل هذه الراية مشيا رويدا على هينتك حتى إذا أشرعت في صدورهم الرماح فأمسك حتى يأتيك رأيى ففعل وأعد على
مثلهم فلما دنا منهم فأشرع بالرماح في صدورهم أمر على الذين أعد فشدوا عليهم وأنهض محمدا بمن معه في وجوههم فزالوا عن مواقفهم وأصابوا منهم رجالا ثم اقتتل الناس بعد المغرب قتالا شديدا فما صلى أكثر الناس إلا إيماء * قال أبو مخنف حدثنى أبو بكر الكندى أن عبد الله بن كعب المرادى قتل يوم صفين فمر به الاسود بن قيس المرادى فقال يا أسود قال لبيك وعرفه بآخر رمق فقال عز والله على بمصرعك أما والله لو شهدتك لآسيتك ولدافعت عنك ولو عرفت الذى أشعرك لاحببت ألا يتزايل حتى أقتله أو ألحق بك ثم نزل إليه فقال أما والله إن كان جارك ليأمن بوائقك وإن كنت من الذاكرين الله كثيرا أوصني رحمك الله فقال أوصيك بتقوى الله عز وجل وأن تناصح أمير المؤمنين وتقاتل معه المحلين حتى تظهر أو تلحق بالله قال وأبلغه عنى السلام وقل له قاتل عن المعركة حتى تجعلها خلف ظهرك فانه من أصبح غدا والمعركة خلف ظهره كان العالي ثم لم يلبث أن مات فأقبل الاسود إلى على فأخبره فقال رحمه الله جاهد فينا عدونا في الحياة ونصح لنا في الوفاة * قال أبو مخنف حدثنى محمد بن إسحاق مولى بنى المطلب أن عبد الرحمن بن حنبل الجمحى هو الذى أشار على على بهذا الرأى يوم صفين

(4/32)


قال هشام حدثنى عوانة قال جعل ابن حنبل يقول يومئد إن تقتلوني فأنا ابن حنبل * أنا الذى قد قلت فيكم نعثل رجع الحديث إلى حديث أبى مخنف قال أبو مخنف فاقتتل الناس تلك الليلة كلها حتى الصباح وهى ليلة الهرير حتى تقصفت الرماح ونفد النبل وصار الناس إلى السيوف وأخذ على يسير فيما بين الميمنة والميسرة ويأمر كل كتيبة من القراء أن تقدم على التى تليها فلم يزل يفعل ذلك بالناس ويقوم بهم حتى أصبح والمعركة كلها خلف ظهره والاشتر في ميمنة
الناس وابن عباس في الميسرة وعلى في القلب والناس يقتتلون من كل جانب وذلك يوم الجمعة وأخذ الاشتر يزحف بالميمنة ويقاتل فيها وكان قد تولاها عشية الخميس وليلة الجمعة إلى ارتفاع الضحى وأخذ يقول لاصحابه ازحفوا قيد هذا الرمح وهو يزحف بهم نحو أهل الشام فإذا فعلوا قال ازحفوا فاد هذا القوس فإذا فعلوا سألهم مثل ذلك حتى مل أكثر الناس الاقدام فلما رأى ذلك الاشتر قال أعيذكم بالله أن ترضعوا الغنم سائر اليوم ثم دعا بفرسه وترك رايته مع حيان بن هوذة النخعي وخرج يسير في الكتائب ويقول من يشترى نفسه من الله عز وجل ويقاتل مع الاشتر حتى يظهر أو يلحق بالله فلا يزال رجل من الناس قد خرج إليه وحيان ابن هوذة * قال أبو مخنف عن أبى جناب الكلبى عن عمارة بن ربيعة الجرمى قال مر بى والله الاشتر فأقبلت معه واجتمع إليه ناس كثير فأقبل حتى رجع إلى المكان الذى كان به الميمنة فقام بأصحابه فقال شدوا شدة فدى لكم عمى وخالى ترضون بها الرب وتعزون بها الدين إذا شددت فشدوا ثم نزل فضرب وجه دابته ثم قال لصاحب رايته قدم بها ثم شد على القوم وشد معه أصحابه فضرب أهل الشام حتى انتهى بهم إلى عسكرهم ثم إنهم قاتلوه عند العسكر قتالا شديدا فقتل صاحب رايته وأخذ على لما رأى من الظفر من قبله يمده بالرجال * حدثنى عبد الله بن أحمد قال حدثنى أبى قال حدثنى سليمان قال حدثنى عبد الله عن جويرية قال قال عمرو بن العاص يوم صفين لوردان تدرى ما مثلى ومثلك مثل الاشقر إن تقدم عقر وإن

(4/33)


تأخر نحر لئن تأخرت لاضربن عنقك ائتونى بقيد فوضعه في رجليه فقال أما والله يا أبا عبد الله لاوردنك حياض الموت ضع يدك على عاتقي ثم جعل يتقدم وينظر إليه أحيانا ويقول لاوردنك حياض الموت رجع الحديث إلى حديث أبى مخنف
فلما رأى عمرو بن العاص أن أمر أهل العراق قد اشتد وخاف في ذلك الهلاك قال لمعاوية هل لك في أمر أعرضه عليك لا يزيدنا إلا اجتماعا ولا يزيدهم إلا فرقة قال نعم قال نرفع المصاحف ثم نقول ما فيها حكم بيننا وبينكم فإن أبى بعضهم أن يقبلها وجدت فيهم من يقول بلى ينبغى أن نقبل فتكون فرقة تقع بينهم وإن قالوا بلى نقبل ما فيها رفعنا هذا القتال عنا وهذه الحرب إلى أجل أو إلى حين فرفعوا المصاحف بالرماح وقالوا هذا كتاب الله عز وجل بيننا وبينكم من لثغور أهل الشام بعد أهل الشام ومن لثعور أهل العراق بعد أهل العراق فلما رأى الناس المصاحف قد رفعت قالوا نجيب إلى كتاب الله عز وجل وننيب إليه ما روى من رفعهم المصاحف ودعائهم إلى الحكومة قال أبو مخنف حدثنى عبد الرحمن بن جندب الازدي عن أبيه أن عليا قال عباد الله امضوا على حقكم وصدقكم قتال عدوكم فإن معاوية وعمرو بن العاص وابن أبى معيط وحبيب بن مسلمة وابن أبى سرح والضحاك بن قيس ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن أنا أعرف بهم منكم قد صحبتهم أطفالا وصحبتهم رجالا فكانوا شر أطفال وشر رجال ويحكم إنهم ما رفعوها ثم لا يرفعونها ولا يعلمون بما فيها وما رفعوها لكم إلا خديعة ودهنا ومكيدة فقالوا له ما يسعنا أن ندعى إلى كتاب الله عز وجل فنأبى أن نقبله فقال لهم فإنى إنما قاتلتهم ليدينوا بحكم هذا الكتاب فإنهم قد عصوا الله عز وجل فيما أمرهم ونسوا عهده ونبذوا كتابه فقال له مسعر بن فدكى التميمي وزيد بن حصين الطائى ثم السنبسى في عصابة معهما من القراء الذين صاروا خوارج بعد ذلك يا على أجب إلى كتاب الله عز وجل إذ دعيت إليه والا ندفعك برمتك إلى القوم أو نفعل كما فعلنا بابن عفان إنه علينا أن

(4/34)


نعمل بما في كتاب الله عز وجل فقبلناه والله لتفلنها أو لنفعلنها بك قال قال
فاحفظوا عنى نهيى اياكم واحفظوا مقالتكم لى أما أنا فان تطيعوني تقاتلوا وإن تعصوني فاصنعوا ما بدالكم قالوا له أما لا فابعث إلى الاشتر فليأتك * قال أبو مخنف حدثنى فضيل بن خديج الكندى عن رجل من النخع أنه رأى إبراهيم بن الاشتر دخل على مصعب بن الزبير قال كنت عند على حين أكرهه الناس على الحكومة وقالوا ابعث إلى الاشتر فليأتك قال فأرسل على إلى الاشتر يزيد بن هانئ السبيعى أن ائتنى فأتاه فبلغه فقال قل له ليس هذه الساعة التى ينبغى لك أن تزيلني فيها عن موقفي إنى قد رجوت أن يفتح لى فلا تعجلنى فرجع يزيد بن هانئ إلى على فأخبره فما هو إلا أن انتهى الينا فارتفع الرهج وعلت الاصوات من قبل الاشتر فقال له القوم والله ما نراك إلا أمرته أن يقاتل قال من أين ينبغى أن تروا ذلك رأيتموني ساررته أليس إنما كلمته على رؤسكم علانية وأنتم تسمعوني قالوا فابعث إليه فليأتك وإلا والله اعتزلناك قال له ويحك يا يزيد قل له أقبل إلى فان الفتنة قد وقعت فأبلغه ذلك فقال له الرفع المصاحف قال نعم قال أما والله لقد ظننت حين رفعت أنها ستوقع اختلافا وفرقة إنها مشورة ابن العاهرة ألا ترى ما صنع الله لنا أينبغي أن أدع هؤلاء وأنصرف عنهم وقال يزيد بن هانئ فقلت له أتحب أنك ظفرت ههنا وأن أمير المؤمنين بمكانه الذى هو به يفرج عنه أو يسلم قال لا والله سبحان الله قال فانهم قد قالوا لترسلن إلى الاشتر فليأتينك أو لنقتلنك كما قتلنا ابن عفان فأقبل حتى انتهى إليهم فقال يا أهل العراق يا أهل الذل والوهن حين علوتم القوم ظهرا وظنوا أنكم لهم قاهرون رفعوا المصاحف يدعونكم إلى ما فيها وقد والله تركوا ما أمر الله عز وجل به فيها وسنة من أنزلت عليه صلى الله عليه وسلم فلا تجيبوهم أمهلوني عدو الفرس فانى قد طمعت في النصر قالوا إذا ندخل معك في خطيئتك قال فحدثوني عنكم وقد قتل أماثلكم وبقى أراذلكم متى كنتم محقين أحين كنتم تقاتلون وخياركم يقتلون فأنتم الآن إذا أمسكتم عن القتال مبطلون أم الآن أنتم
محقون فقتلا كم الذين لا تنكرون فضلهم فكانوا خيرا منكم في النار إذا قالوا دعنا

(4/35)


منك يا أشتر قاتلناهم في الله عز وجل وندع قتالهم لله سبحانه إنا لسنا مطيعيك ولا صاحبك فاجتنبنا فقال خدعتم والله فانخدعتم ودعيتم إلى وضع الحرب فأجبتم يا أضحاب الجباه السود كنا نظن صلواتكم زهادة في الدنيا وشوقا إلى لقاء الله عز وجل فلا أرى فراركم الا إلى الدنيا من الموت ألا قبحا يا أشباه النيب الجلالة وما أنتم برائين بعدها عزا أبدا فابعدوا كما بعد القوم الظالمين فسبوه فسبهم فضربوا وجه دابته بسياطهم وأقبل يضرب بسوطه وجوه دوابهم وصاح بهم على فكفوا وقال للناس قد قبلنا أن تجعل القرآن بيننا وبينهم حكما فجاء الاشعث بن قيس إلى على فقال له ما أرى الناس إلا قد رضوا وسرهم أن يجيبوا القوم إلى ما دعوهم إليه من حكم القرآن فان شئت أتيت معاوية فسألته ما يريد فنظرت ما يسأل قال ائته إن شئت فسله فأتاه فقال يا معاوية لاى شى رفعتم هذه المصاحف قال لنرجع نحن وأنتم إلى ما أمر الله عز وجل به في كتابه تبعثون منكم رجلا ترضون به ونبعث منا رجلا ثم نأخذ عليهما أن يعملا بما في كتاب الله لا يعدوانه ثم نتبع ما اتفقا عليه فقال له الاشعث بن قيس هذا الحق فانصرف إلى على فأخبره بالذى قال معاوية فقال الناس فانا قد رضينا وقبلنا فقال أهل الشأم فإنا قد اخترنا عمرو بن العاص فقال الاشعث وأولئك القوم الذين صاروا خوارج بعد فإنا قد رضينا بأبى موسى الاشعري قال على فإنكم قد عصيتموني في أول الامر فلا تعصوني الآن إنى لا أرى أن أولى أبا موسى فقال الاشعث وزيد بن حصين الطائى ومسعر بن فدكى لا نرضى إلا به فانه ما كان يحذرنا وقعنا فيه قال على فانه ليس لى بثقة قد فارقني وخذل الناس عنى ثم هرب منى حتى آمنته بعد أشهر ولكن هذا ابن عباس نوليه ذلك قالوا ما نبالي أنت كنت أم ابن عباس لا نريد إلا رجلا هو منك ومن معاوية سواء ليس
إلى واحد منكم بأدنى منه إلى الآخر فقال على فانى أجعل الاشتر * قال أبو محنف حدثنى أبو جناب الكلبى أن الاشعث قال وهل سعر الارض غير الاشتر * قال أبو محنف عن عبد الرحمن بن جندب عن أبيه أن الاشعث قال وهل نحن إلا في حكم الاشتر قال على وما حكمه قال حكمه أن يضرب بعضنا بعضا بالسيوف حتى

(4/36)


يكون ما أردت وما أراد قال فقد أبيتم إلا أبا موسى قالوا نعم قال فاصنعوا ما أردتم فبعثوا إليه وقد اعتزل القتال وهو يعرض فأتاه مولى له فقال إن الناس قد اصطلحوا فقال الحمد لله رب العالمين قال قد جعلوك حكما قال إنا لله وإنا إليه راجعون وجاء أبو موسى حتى دخل العسكر وجاء الاشتر حتى أتى عليا فقال الزنى بعمرو بن العاص فوالله الذى لا إله الا هو لئن ملات عينى منه لاقتلنه وجاء الاحنف فقال يا أمير المؤمنين إنك قد رميت بحجر الارض وبمن حارب الله ورسوله أنف الاسلام وإنى قد عجمت هذا الرجل وحلبت أشطره فوجدته كليل الشفرة قريب القعر وإنه لا يصح لهؤلاء القوم إلا رجل يدنو منهم حتى يصير في أكفهم ويبعد حتى يصير بمنزلة النجم منهم فان أبيت أن تجعلني حكما فاجعلني ثانيا أو ثالثا فانه لن يعقد عقدة إلا حللتها ولن يحل عقدة أعقدها إلا عقدت لك أخرى أحكم منها فأبى الناس إلا أبا موسى والرضى بالكتاب فقال الاحنف فإن أبيتم إلا أبا موسى فأدفئوا ظهره بالرجال فكتبوا بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما تقاضى عليه على أمير المؤمنين فقال عمرو اكتب اسمه واسم أبيه هو أميركم فأما أميرنا فلا وقال له الاحنف لا تمح اسم إمارة المؤمنين فإنى أتخوف إن محوتها ألا ترجع إليك أبدا لا تمحها وإن قتل الناس بعضهم بعضا فأبى ذلك على مليا من النهار ثم إن الاشعث ابن قيس قال امح هذا الاسم برحه الله فمحى وقال على الله أكبر سنة بسنة ومثل بمثل والله إنى لكاتب بين يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية إذ
قالوا لست رسول الله ولا نشهد لك به ولكن اكتب اسمك واسم أبيك فكتبه فقال عمرو بن العاص سبحان الله ومثل هذا أن نشبه بالكفار ونحن مؤمنون فقال على يا ابن النابغة ومتى لم تكن للفاسقين وليا وللمسلمين عدوا وهل تشبه إلا أمك التى وضعت بك فقام فقال لا يجمع بينى وبينك مجلس أبدا بعد هذا اليوم فقال له على واني لارجو أن يطهر الله عز وجل مجلسي منك ومن أشباهك وكتب الكتاب * حدثنى على بن مسلم الطوسى قال حدثنا حبان قال حدثنا مبارك عن الحسن قال أخبرني الاحنف أن معاوية كتب إلى على أن امح هذا الاسم إن أردت أن

(4/37)


يكون صلح فاستشار وكانت له قبة يأذن لبنى هاشم فيها ويأذن لى معهم قال ما ترون فيما كتب به معاوية أن امح هذا الاسم قال مبارك يعنى أمير المؤمنين قال برحه الله فان رسول الله صلى الله عليه وسلم حين وادع أهل مكة كتب محمد رسول الله فأبوا ذلك حتى كتب هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله فقلت له أيها الرجل مالك ما لرسول الله صلى الله عليه وسلم وإنا والله ما حابيناك ببيعتنا وإنا لو علمنا أحدا من الناس أحق بهذا الامر منك لبايعناه ثم قاتلناك وإنى أقسم بالله لئن محوت هذا الاسم الذى بايعت عليه وقاتلنهم لا يعود إليك أبدا قال وكان والله كما قال قال قلما وزن رأيه برأى رجل إلا رجح عليه (رجع الحديث إلى حديث أبى مخنف) وكتب الكتاب بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما تقاضى عليه على بن أبى طالب ومعاوية ابن أبى سفيان قاضى على على أهل الكوفة ومن معهم من شيعتهم من المؤمنين والمسلمين وقاضي معاوية على أهل الشأم ومن كان معهم من المؤمنين والمسلمين أنا ننزل عند حكم الله عز وجل وكتابه ولا يجمع بيننا غيره وأن كتاب الله عز وجل بيننا من فاتحته إلى خاتمته نحيى ما أحيا ونميت ما أمات فما وجد الحكمان في كتاب الله عز وجل وهما أبو موسى الاشعري عبد الله بن قيس وعمرو بن العاص القرشى
عملا به وما لم يجدا في كتاب الله عز وجل فالسنة العادلة الجامعة غير المفرقة وأخذ الحكمان من على ومعاوية ومن الجندين من العهود والميثاق والثقة من الناس أنهما آمنان على أنفسهما وأهلهما والامة لهما أنصار على الذى يتقاضيان عليه وعلى المؤمنين والمسلمين من الطائفتين كلتيهما عهد الله وميثاقه أنا على ما في هذه الصحيفة وأن قد وجبت قضيتهما على المؤمنين فان الامن والاستقامة ووضع السلاح بينهم أينما ساروا على أنفسهم وأهليهم وأموالهم وشاهدهم وغائبهم وعلى عبد الله بن قيس وعمرو بن العاص عهد الله وميثاقه أن يحكما بين هذه الامة ولا يرداها في حرب ولا فرقة حتى يعصيا وأجل القضاء إلى رمضان وإن أحبا أن يؤخرا ذلك أخراه على تراض منهما وإن توفى أحد الحكمين فان أمير الشيعة يختار مكانه ولا يألو من أهل المعدلة والقسط وإن مكان قضيتهما الذى يقضيان فيه مكان عدل بين أهل

(4/38)


الكوفة واهل الشأم وإن رضيا وأحبا فلا يحضرهما فيه إلا من أرادا ويأخذ الحكمان من أراد من الشهود ثم يكتبان شهادتهما على ما في هذه الصحيفة وهم أنصار على من ترك ما في هذه الصحيفة وأراد فيه إلحادا وظلما اللهم إنا نستنصرك على من ترك ما في هذه الصحيفة، شهد من أصحاب على الاشعث بن قيس الكندى وعبد الله بن عباس وسعيد بن قيس الهمداني وورقاء بن سمى البجلى وعبد الله بن محل العجلى وحجر بن عدى الكندى وعبد الله بن الطفيل العامري وعقبة بن زياد الحضرمي ويزيد بن حجية التيمى ومالك بن كعب الهمداني ومن أصحاب معاوية أبو الاعور السلمى عمرو بن سفيان وحبيب بن مسلمة الفهرى والمخارق بن الحارث الزبيدى وزمل بن عمرو العذري وحمزة بن مالك الهمداني وعبد الرحمن بن خالد المخزومى وسبيع بن يزيد الانصاري وعلقمة بن يزيد الانصاري وعتبة بن أبى سفيان ويزيد بن الحر العبسى * قال أبو مخنف حدثنى أبو جناب الكلبى عن عمارة
ابن ربيعة الجرمى قال لما كتبت الصحيفة دعى لها الاشتر فقال لا صحبتني يمينى ولا نفعتنى بعدها شمالى إن خط لى في هذه الصحيفة اسم على صلح ولا موادعة أو لست على بينة من ربى من ضلال عدوى أو لستم قد رأيتم الظفر لو لم تجمعوا على الجور فقال له الاشعث بن قيس إنك والله ما رأيت ظفرا ولا جورا هلم إلينا فانه لا رغبة بك عنا فقال بلى والله لرغبة بى عنك في الدنيا للدنيا والآخرة للآخرة ولقد سفك الله عز وجل بسيفي هذا دماء رجال ما أنت عندي خير منهم ولا أحرم دما قال عمارة فنظرت إلى ذلك الرجل وكأنما قصع على أنفه الحمم يعنى الاشعث * قال أبو مخنف عن أبى جناب قال خرج الاشعث بذلك الكتاب يقرأه على الناس ويعرضه عليهم فيقرؤنه حتى مر به على طائفة من بنى تميم فيهم عروة بن أدية وهو أخو أبى بلال فقرأه عليهم ففال عروة بن أدية تحكمون في أمر الله عز وجل الرجال لا حكم الا لله ثم شد بسيفه فضرب به عجز دابته ضربة خفيفة واندفعت الدابة وصاح به أصحابه أن املك يدك فرجع فغضب للاشعث قومه وناس كثير من أهل اليمن فمشى الاحنف بن قيس السعدى ومعقل بن قيس الرياحي ومسعر بن فدكى وناس كثير من بنى تميم فتنصلوا

(4/39)


إليه واعتذروا فقبل وصفح * قال أبو مخنف حدثنى أبو زيد عبد الله الاودى أن رجلا من أو دكان يقال له عمرو بن أوس قاتل مع على يوم صفين فأسره معاوية في أسارى كثير فقال له عمرو بن العاص اقتلهم فقال له عمرو بن أوس إنك خالي فلا تقتلني وقامت إليه بنو أود فقالوا هب لنا أخانا فقال دعوه لعمري لئن كان صادقا فلنستغنين عن شفاعتكم ولئن كان كاذبا لتأتين شفاعتكم من ورائه فقال له من أين أنا خالك فوالله ما كان بيننا وبين أود مصاهرة قال فان أخبرتك فعرفته فهو أمانى عندك قال نعم قال لست تعلم أن أم حبيبة ابنة أبى سفيان زوج النبي صلى الله عليه وسلم قال بلى قال فإنى ابنها وأنت أخوها فأنت خالي فقال معاوية لله أبوك
ما كان في هؤلاء واحد يفطن لها غيره ثم قال للاوديين أيستغنى عن شفاعتكم خل سبيله * قال أبو مخنف حدثنى نمير بن وعلة الهمداني عن الشعبى أن أسارى كان أسرهم على يوم صفين كثير فخلى سبيلهم فأتوا معاوية وإن عمرا ليقول له وقد أسر أيضا أسارى كثيرة اقتلهم فما شعروا إلا بأسرائهم قد خلى سبيلهم فقال معاوية يا عمرو لو أطعناك في هؤلاء الاسرى وقعنا في قبيح من الامر ألا ترى قد خلى سبيل أسارانا وأمر بتخلية سبيل من في يديه من الاسارى * قال أبو مخنف حدثنى اسماعيل ابن يزيد عن حميد بن مسلم عن جندب بن عبد الله أن عليا قال للناس يوم صفين لقد فعلتم فعلة ضعضعت قوة وأسقطت منة وأوهنت وأورثت وهنا وذلة ولما كنتم الاعلين وخاف عدوكم الاجتياح واستحر بهم القتل ووجدوا ألم الجراح رفعوا المصاحف ودعوكم إلى ما فيها ليفتؤوكم عنهم ويقطعوا الحرب فيما بينكم وبينهم ويتربصون ريب المنون خديعة ومكيدة فأعطيتموهم ما سألوا وأبيتم الا أن تدهنوا وتجوزوا وايم الله ما أظنكم بعدها توافقون رشدا ولا تصيبون باب حزم (قال أبو جعفر) فكتب كتاب القضية بين على ومعاوية فيما قيل يوم الاربعاء لثلاث عشرة خلت من صفر سنة 37 من الهجرة على أن يوافي على موضع الحكمين بدومة الجندل في شهر رمضان ومعاوية مع كل واحد منهما أربعمائة من أصحابه وأتباعه * فحدثني عبد الله بن أحمد قال حدثنى أبى قال حدثنى سليمان بن يونس

(4/40)


ابن يزيد عن الزهري قال قال صعصعة بن صوحان يوم صفين حين رأى الناس يتبارون ألا اسمعوا واعقوا تعلمن والله لئن ظهر على ليكونن مثل أبى بكر وعمر رضى الله عنهما وإن ظهر معاوية لا يقر لقائل بقول حق قال الزهري فأصبح أهل الشأم قد نشروا مصاحفهم ودعوا إلى ما فيها فهاب أهل العراقين فعند ذلك حكموا الحكمين فاختار أهل العراق أبا موسى الاشعري واختار أهل
الشأم عمرو بن العاص فتفرق أهل صفين حين حكم الحكمان فاشترطا أن يرفعا ما رفع القرآن ويخفضا ما خفض القرآن وأن يختارا لامة محمد صلى الله عليه وسلم وأنهما يجتمعان بدومة الجندل فان لم يجتمعا لذلك اجتمعا من العام المقبل بأذرح فلما انصرف على خالفت الحرورية وخرجت وكان ذلك أول ما ظهرت فأذنوه بالحرب وردوا عليه إن حكم بنى آدم في حكم الله عز وجل وقالوا لا حكم إلا لله سبحانه وقاتلوا فلما اجتمع الحكمان بأذرح وافاهم المغيرة بن شعبة فيمن حضر من الناس فأرسل الحكمان إلى عبد الله بن عمر بن الخطاب وعبد الله بن الزبير في إقبالهم في رجال كثير ووافى معاوية بأهل الشأم وأبى على وأهل العراق أن يوافوا فقال المغيرة بن شعبة لرجال من ذوى الرأى من قريش أترون أحدا من الناس برأى يبتدعه يستطيع أن يعلم أيجتمع الحكمان أم يتفرقان قالوا لا نرى أحدا يعلم ذلك قال فوالله إنى لاظن سأعلمه منهما حين أخلو بهما وأراجعهما فدخل على عمرو بن العاص وبدأ به فقال يا أبا عبد الله أخبرني عما أسألك عنه كيف ترانا معشر المعتزلة فانا قد شككنا في الامر الذى قد تبين لكم من هذا القتال ورأينا أن نستأنى ونتثبت حتى تجتمع الامة قال أراكم معشر المعتزلة خلف الابرار وأمام الفجار فانصرف المغيرة ولم يسأله عن غير ذلك حتى دخل على أبى موسى فقال له مثل ما قال لعمرو فقال أبو موسى أراكم أثبت الناس رأيا فيكم بقية المسلمين فانصرف المغيرة ولم يسأله عن غير ذلك فلقى الذين قال لهم ما قال من ذوى الرأى من قريش فقال لا يجتمع هذان على أمر واحد فلما اجتمع الحكمان وتكلما قال عمرو بن العاص يا أبا موسى رأيت أول ما نقضى به من الحق أن نقضى لاهل الوفاء بوفائهم وعلى أهل الغدر بغدرهم قال أبو موسى وما ذاك قال ألست تعلم أن معاوية

(4/41)


وأهل الشأم قد وفوا وقدموا للموعد الذى واعدناهم إياه قال بلى قال عمرو اكتبها
فكتبها أبو موسى قال عمرو يا أبا موسى أأنت على أن نسمى رجلا يلى أمر هذه الامة فسم لى فإن أقدر على أن أتابعك فلك على أن أتابعك وإلا فلى عليك أن تتابعنى قال أبو موسى أسمى لك عبد الله بن عمر وكان ابن عمر فيمن اعتزل قال عمرو إنى اسمى لك معاوية بن أبى سفيان فلم يبرحا مجلسهما حتى استبا ثم خرجا إلى الناس فقال أبو موسى إنى وجدت مثل عمرو مثل الذين قال الله عز وجل (واتل عليهم نبأ الذى آتيناه آياتنا فانسلخ منها) فلما سكت أبو موسى تكلم عمرو فقال أيها الناس إنى وجدت مثل أبى موسى كمثل الذى قال الله عز وجل (مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا) وكتب كل واحد منهما مثله الذى ضرب لصاحبه إلى الامصار قال ابن شهاب فقام معاوية عشية في الناس فأثنى على الله جل ثناؤه بما هو أهله ثم قال أما بعد فمن كان متكلما في الامر فليطلع لنا قرنه قال ابن عمر فأطلقت حبوتى فأردت أن أقول يتكلم فيه رجال قاتلوا أباك على الاسلام ثم خشيت أن أقول كلمة تفرق الجماعة أو يسفك فيها دم أو أحمل فيها على غير رأى فكان ما وعد الله عز وجل في الجنان أحب إلى من ذلك فلما انصرف إلى المنزل جاءني حبيب بن مسلمة فقال ما منعك أن تتكلم حين سمعت الرجل يتكلم قلت أردت ذلك ثم خشيت أن أقول كلمة تفرق بين جميع أو يسفك فيها دم أو أحمل فيها على غير رأى فكان ما وعد الله عز وجل من الجنان أحب إلى من ذلك قال: قال حبيب فقد عصمت (رجع الحديث إلى حديث أبى مخنف) قال أبو مخنف حدثنى فضيل بن خديج الكندى قال قيل لعلى بعد ما كتبت الصحيفة إن الاشتر لا يقر بما في الصحيفة ولا يرى إلا قتال القوم قال على وأنا والله ما رضيت ولا أحببت أن ترضوا فإذا أبيتم إلا أن ترضوا فقد رضيت فإذا رضيت فلا يصلح الرجوع بعد الرضا ولا التبديل بعد الاقرار إلا أن يعصى الله عز وجل ويتعدى كتابه فقاتلوا من ترك أمر الله عز وجل وأما الذى
كرتم من تركه أمرى وما أنا عليه فليس من أولئك ولست أخافه على ذلك ياليت

(4/42)


فيكم مثله اثنين يا ليت فيكم مثله واحدا يرى في عدوى ما أرى إذا لخفت على مؤنتكم ورجوت أن يستقيم لى بعض أودكم وقد نهيتكم عما أتيتم فعصيتموني وكنت أنا وأنتم كما قال أخو هوازن وهل أنا إلا من غزية إن غوت * غويت وإن ترشد غزية أرشد فقالت طائفة ممن معه ونحن ما فعلنا يا أمير المؤمنين إلا ما فعلت قال نعم فلم كانت إجابتكم إياهم إلى وضع الحرب عنا وأما القضية فقد استوثقنا لكم فيها وقد طمعت ألا تضلوا إن شاء الله رب العالمين فكان الكتاب في صفر والاجل رمضان إلى ثمانية أشهر إلى أن يلتقى الحكمان ثم إن الناس دفنوا قتلاهم وأمر على الاعور فناد في الناس بالرحيل * قال أبو مخنف حدثنى عبد الرحمن بن جندب عن أبيه قال لما انصرفنا من صفين أخذنا غير طريقنا الذى أقبلنا فيه أخذنا على طريق البر على شاطئ الفرات حتى انتهينا إلى هيت ثم أخذنا على صندوداء فخرج الانصاريون بنو سعد بن حرام فاستقبلوا عليا فعرضوا عليه النزول فبات فيهم ثم غدا وأقبلنا معه حتى إذا جزنا النخيلة ورأينا بيوت الكوفة إذا نحن بشيخ جالس في ظل بيت على وجهه أثر المرض فأقبل إليه على ونحن معه حتى سلم عليه وسلمنا معه فرد ردا حسنا ظننا أن قد عرفه قال له على أرى وجهك منكفئا فمن مه أمن مرض قال نعم قال فلعلك كرهته قال ما أحب أنه بغيرى قال أليس احتسابا بالخير فيما أصابك منه قال بلى قال فأبشر برحمة ربك وغفران ذنبك من أنت يا عبد الله قال أنا صالح بن سليم قال ممن قال أما الاصل فمن سلامان طيئ وأما الجوار والدعوة ففى بنى سليم بن منصور فقال سبحان الله ما أحسن اسمك واسم أبيك واسم أدعيائك واسم من اعتزيت إليه هل شهدت معنا غزاتنا هذه قال لا
والله ما شهدتها ولقد أردتها ولكن ما ترى من أثر لحب الحمى خذلني عنها فقال ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم، خبرني ما تقول الناس فيما كان بيننا وبين أهل الشام قال فيهم المسرور فيما كان بينك وبينهم

(4/43)


وأولئك أغشاء الناس وفيهم المكبوت الآسف بما كان من ذلك وأولئك نصحاء الناس لك فذهب لينصرف فقال قد صدقت جعل الله ما كان من شكواك حطا لسيئاتك فان المرض لا أجر فيه ولكنه لا يدع على العبد ذنبا إلا حطه وإنما أجر في القول باللسان والعمل باليد والرجل وإن الله جل ثناؤه ليدخل بصدق النية والسريرة الصالحة عالما جما من عباده الجنة قال ثم مضى على غير بعيد فلقيه عبد الله ابن وديعة الانصاري فدنا منه وسلم عليه وسايره فقال له ما سمعت الناس يقولون في أمرنا قال منهم المعجب به ومنهم الكاره له كما قال عز وجل ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك فقال له فما قول ذوى الرأى فيه قال أما قولهم فيه فيقولون إن عليا كان له جمع عظيم ففرقه وكان له حصن حصين فهدمه فحتى متى يبنى ما هدم وحتى متى يجمع ما فرق فلو أنه كان مضى بمن أطاعه إذ عصاه من عصاه فقاتل حتى يظفر أو يهلك إذا كان ذلك الحزم فقال على أنا هدمت أم هم هدموا أنا فرقت أم هم فرقوا أما قولهم إنه لو كان مضى بمن أطاعه إذ عصاه من عصاه فقاتل حتى يظفر أو يهلك إذا كان ذلك الحزم فوالله ما غبى عن رأيى ذلك وإن كنت لسخيا بنفسى عن الدنيا طيب النفس بالموت ولقد هممت بالاقدام على القوم فنظرت إلى هذين قد ابتدرانى يعنى الحسن والحسين ونطرت إلى هذين قد استقدمانى يعنى عبد الله بن جعفر ومحمد بن على فعلمت أن هذين إن هلكا انقطع نسل محمد صلى الله عليه وسلم من هذه الامة فكرهت ذلك وأشفقت على هذين أن يهلكا وقد علمت أن لولا مكاني
لم يستقدما يعنى محمد بن على وعبد الله بن جعفر وايم الله لئن لقيتهم بعد يومى هذا لالقينهم وليسوا معى في عسكر ولا دار ثم مضى حتى إذا جزنا بنى عوف إذا نحن عن أيماننا بقبور سبعة أو ثمانية فقال على ما هذه القبور فقال قدامة بن العجلان الازدي يا أمير المؤمنين إن خباب بن الارت توفى بعد مخرجك فأوصى بأن يدفن في الظهر وكان الناس إنما يدفنون في دورهم وأفنيتهم فدفن بالظهر رحمه الله ودفن الناس إلى جنبه فقال على رحم الله خبابا فقد أسلم راغبا وهاجر طائعا وعاش مجاهدا وابتلى في جسمه أحوالا وان الله لا يضيع أجر من أحسن عملا ثم جاء

(4/44)


حتى وقف عليهم فقال السلام عليكم يا أهل الديار الموحشة والمحال المقفرة من المؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات أنتم لنا سلف فارط ونحن لكم تبع بكم عما قليل لاحقون اللهم اغفر لنا ولهم وتجاوز بعفوك عنا وعنهم وقال الحمد لله الذى جعل منها خلقكم وفيها معادكم منها يبعثكم وعليها يحشركم طوبى لمن ذكر المعاد وعمل للحساب وقنع بالكفاف ورضى عن الله عز وجل ثم أقبل حتى حاذى سكة الثوريين ثم قال خشوا ادخلوا بين هذه الابيات * قال أبو مخنف حدثنى عبد الله بن عاصم الفائشى قال مر على بالثوريين فسمع البكاء فقال ما هذه الاصوات فقيل له هذا البكاء على قتلى صفين فقال أما إنى أشهد لمن قتل منهم صابرا محتسبا بالشهادة ثم مر بالفائشيين فسمع الاصوات فقال مثل ذلك ثم مضى حتى مر بالشباميين فسمع رجة شديدة فوقف فخرج إليه حرب بن شرحبيل الشبامى فقال على أيغلبكم نساؤكم ألا تنهونهن عن هذا الرنين فقال يا أمير المؤمنين لو كانت دارا أو دارين أو ثلاثا قدرنا على ذلك ولكن قتل من هذا الحى ثمانون ومائة قتيل فليس دار إلا وفيها بكاء فأما نحن معشر الرجال فانا لا نبكى ولكن نفرح لهم ألا نفرح لهم بالشهادة قال على رحم الله قتلاكم وموتاكم وأقبل يمشى معه وعلى راكب فقال له على ارجع
ووقف ثم قال له ارجع فإن مشى مثلك مع مثلى فتنة للوالى ومذلة للمؤمن ثم مضى حتى مر بالناعطبين وكان جلهم عثمانية فسمع رجلا منهم يقال له عبد الرحمن بن يزيد من بنى عبيد من الناعطيين يقول والله ما صنع على شيئا ذهب ثم انصرف في غير شئ فلما نظروا إلى على أبلسوا فقال وجوه قوم ما رأوا الشأم العام ثم قال لاصحابه قوم فارقاهم آنفا خير من هؤلاء ثم أنشأ يقول أخوك الذى إن أجرضتك ملمة * من الدهر لم يبرح لبثك واجما وليس أخوك بالذى إن تشعبت * عليك الامور ظل يلحاك لائما ثم مضى فلم يزل يذكر الله عز وجل حتى دخل القصر * قال أبو مخنف حدثنا أبو جناب الكلبى عن عمارة بن ربيعة قال خرجوا مع على إلى صفين وهم متوادون أحباء فرجعوا متباغضين أعداء ما برحوا من عسكرهم بصفين حتى فشا فيهم التحكيم

(4/45)


ولقد أقبلوا يتدافعون الطريق كله ويتشاتمون ويضطربون بالسياط يقول الخوارج يا أعداء الله أدهنتم في أمر الله عز وجل وحكمتم وقال الآخرون فارقتم إمامنا وفرقتم جماعتنا فلما دخل على الكوفة لم يدخلوا معه حتى أتوا حروراء فنزل بها منهم اثنا عشر ألفا ونادى مناديهم إن أمير القتال شبت بن ربعى التميمي وأمير الصلاة عبد الله بن الكواء اليشكرى والامر شورى بعد الفتح والبعة ؟ لله عز وجل والامر بالمعروف والنهى عن المنكر بعثة على جعدة بن هبيرة إلى خراسان (وفى هذه السنة) بعث على جعدة بن هبيرة فيما قيل إلى خراسان ذكر الخبر عن ذلك ذكر على بن محمد قال أخبرنا عبد الله بن ميمون عن عمرو بن شجيرة عن جابر عن الشعبى قال بعث على بعد ما رجع من صفين جعدة بن هبيرة المخزومى إلى خراسان
فانتهى إلى أبر شهر وقد كفروا وامتنعوا فقدم على على فبعث خليد بن قرة اليربوعي فحاصر أهل نيسابور حتى صالحوه وصالحه أهل مرو وأصاب جاريتين من أبناء الملوك نزلتا بأمان فبعث بهما إلى على فعرض عليهما الاسلام وأن يزوجهما قالتا زوجنا ابنيك فأبى فقال له بعض الدهاقين ادفعهما إلى فانه كرامة تكرمني بها فدفعهما إليه فكانتا عنده يفرش لهما الديباج ويطعمهما قى آنية الذهب ثم رجعتا إلى خراسان اعتزال الخوارج عليا وأصحابه ورجوعهم بعد ذلك (وفى هذه السنة) اعتزل الخوارج عليا وأصحابه وحكموا ثم كلمهم على فرجعوا ودخلوا الكوفة ذكر الخبر عن اعتزالهم عليا قال أبو مخنف في حديثه عن أبى جناب عن عمارة بن ربيعة قال ولما قدم على الكوفة وفارقته الخوارج وثبت إليه الشيعة فقالوا في أعناقنا بيعة ثانية نحن أولياء من واليت وأعداء من عاديت فقالت الخوارج استبقتم أنتم وأهل الشأم إلى الكفر

(4/46)


كفرسي رهان بايع أهل الشأم معاوية على ما أحبوا وكرهوا وبايعتم أنتم عليا على أنكم أولياء من والى وأعداء من عادى فقال لهم زياد بن النضر والله ما بسط على يده فبايعناه قط إلا على كتاب الله عز وجل وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ولكنكم لما خالفتموه جاءته شيعته فقالوا نحن أولياء من واليت وأعداء من عاديت ونحن كذلك وهو على الحق والهدى ومن خالفه ضال مضل وبعث على ابن عباس إليهم فقال لا تعجل إلى جوابهم وخصومتهم حتى آتيك فخرج إليهم حتى أتاهم فأقبلوا يكلمونه فلم يصبر حتى راجعهم فقال ما نقمتم من الحكمين وقد قال الله عز وجل (إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما) فكيف بأمة محمد صلى الله عليه وسلم فقالت الخوارج قلنا أما
ما جعل حكمه إلى الناس وأمر بالنظر فيه والاصلاح له فهو إليهم كما أمر به وما حكم فأمضاه فليس للعباد أن ينظروا فيه حكم في الزانى مائة جلدة وفى السارق بقطع يده فليس للعباد أن ينظروا في هذا قال ابن عباس فإن الله عز وجل يقول (يحكم به ذوا عدل منكم) فقالوا له أو تجعل الحكم في الصيد والحدث يكون بين المرأة وزوجها كالحكم في دماء المسلمين وقالت الخوارج قلنا له فهذه الآية بيننا وبينك، أعدل عندك ابن العاص وهو بالامس يقاتلنا ويسفك دماءنا فإن كان عدلا فلسنا بعدول ونحن أهل حربه وقد حكمتم في أمر الله الرجال وقد أمضى الله عز وجل حكمه في معاوية وحزبه أن يقتلوا أو يرجعوا وقبل ذلك ما دعوناهم إلى كتاب الله عز وجل فأبوه ثم كتبتم بينكم وبينه كتابا وجعلتم بينكم وبينه الموادعة والاستفاضة وقد قطع عز وجل الاستفاضة والموادعة بين المسلمين وأهل الحرب منذ نزلت براءة إلا من أقر بالجزية وبعث على زياد بن النضر إليهم فقال انظر بأى رؤسهم هم أشد إطاقة فنظر فأخبره أنه لم يرهم عند رجل أكثر منهم عند يزيد بن قيس فخرج على في الناس حتى دخل إليهم فأتى فسطاط يزيد بن قيس فدخله فتوضأ فيه وضلى ركعتين وأمره على أصبهان والرى ثم خرج حتى انتهى إليهم وهم يخاصمون ابن عباس فقال انته عن كلامهم ألم أنهك رحمك الله ثم تكلم فحمد الله عز وجل وأثنى عليه ثم قال اللهم إن هذا مقام من أفلح فيه كان أولى بالفلح يوم القيامة ومن نطق

(4/47)


فيه وأوعث فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا ثم قال لهم من زعيمكم قالوا ابن الكواء قال على فما أخرجكم علينا قالوا حكومتكم يوم صفين قال أنشدكم بالله أتعلمون أنهم حيث رفعوا المصاحف فقلتم نجيبهم إلى كتاب الله قلت لكم إنى أعلم بالقوم منكم إنهم ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن إنى صحبتهم وعرفتهم أطفالا ورجالا فكانوا شر أطفال وشر رجال امضوا على حقكم وصدقكم فانما رفع
القوم هذه المصاحف خديعة ودهنا ومكيدة فرددتم على رأيى وقلتم لا بل نقبل منهم فقلت لكم اذكروا قولى لكم ومعصيتكم إياى فلما أبيتم إلا الكتاب اشترطت على الحكمين أن يحييا ما أحيا القرآن وأن يميتا ما أمات القرآن فان حكما بحكم القرآن فليس لنا أن نخالف حكما يحكم بما في القرآن وإن أبيا فنحن من حكمهما برآء قالوا له فخبرنا أتراه عدلا تحكيم الرجال في الدماء فقال إنا لسنا حكمنا الرجال إنما حكمنا القرآن وهذا القرآن انما هو خط مسطور بين دفتين لا ينطق انما يتكلم به الرجال قالوا فخبرنا عن الاجل لم جعلته فيما بينك وبينهم قال ليعلم الجاهل ويتثبت العالم ولعل الله عز وجل يصلح في هذه الهدنة هذه الامة أدخلوا مصركم رحمكم الله فدخلوا من عند آخرهم * قال أبو مخنف حدثنى عبد الرحمن ابن جندب الازدي عن أبيه بمثل هذا وأما الخوارج فيقولون قلنا صدقت قد كنا كما ذكرت وفعلنا ما وصفت ولكن ذلك كان منا كفرا فقد تبنا إلى الله عز وجل منه فتب كما تبنا نبايعك وإلا فنحن مخالفون فبايعنا على وقال ادخلوا فلنمكث ستة أشهر حتى يجبى المال ويسمن الكراع ثم نخرج إلى عدونا ولسنا نأخذ بقولهم وقد كذبوا وقدم معن بن يزيد بن الاحنس السلمى في استبطاء إمضاء الحكومة وقال لعلى إن معاوية قد وفى فف أنت لا يلفتنك عن رأيك أعاريب بكر وتميم فأمر على بامضاء الحكومة وقد كانوا افترقوا من صفين على أن يقدم الحكمان في أربعمائة أربعمائة إلى دومة الجندل * وزعم الواقدي أن سعدا قد شهد مع من شهد الحكمين وأن ابنه عمر لم يدعه حتى أحضره أذرح فندم فأحرم من بيت المقدس بعمرة

(4/48)


اجتماع الحكمين بدومة الجندل (وفى هذه السنة) كان اجتماع الحكمين ذكره الخبر عن اجتماعهما
* قال أبو مخنف حدثنى المجالد بن سعيد عن الشعبى عن زياد بن النضر الحارثى أن عليا بعث أربعمائة رجل عليهم شريح بن هانئ الحارثى وبعث معهم عبد الله ابن عباس وهو يصلى بهم ويلى أمورهم وأبو موسى الاشعري معهم وبعث معاوية عمرو بن العاص في أربعمائة من أهل الشأم حتى توافوا بدومة الجندل بأذرح قال فكان معاوية إذا كتب إلى عمرو جاء الرسول وذهب لا يدرى بما جاء به ولا بما رجع به ولا يسأله أهل الشأم عن شئ وإذا جاء رسول على جاؤا إلى ابن عباس فسألوه ما كتب به اليك أمير المؤمنين فان كتم ظنوا به الظنون فقالوا ما نراه كتب إلا بكذا وكذا فقال ابن عباس أما تعقلون أما ترون رسول معاوية يجئ لا يعلم بما جاء به ويرجع لا يعلم ما رجع به ولا يسمع لهم صياح ولا لغط وأنتم عندي كل يوم تظنون الظنون قال وشهد جماعتهم تلك عبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومى وعبد الرحمن بن عبد يغوث الزهري وأبو جهم بن حذيفة العدوى والمغيرة بن شعبة الثقفى وخرج عمر بن سعد حتى أتى أباه على ماء لبنى سليم بالبادية فقال يا أبت قد بلغك ما كان بين الناس بصفين وقد حكم الناس أبا موسى الاشعري وعمرو بن العاص وقد شهدهم نفر من قريش فاشهدهم فانك صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحد الشورى ولم تدخل في شئ كرهته هذه الامة فاحضر فانك أحق الناس بالخلافة فقال لا أفعل إنى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول انه يكون فتنة خير الناس فيها الخفى التقى والله لا أشهد شيئا من هذا الامر أبدا والتقى الحكمان فقال عمرو بن العاص يا أبا موسى ألست تعلم أن عثمان رضى الله عنه قتل مظلوما قال أشهد ألست تعلم ان معاوية وآل معاوية أولياؤه قال بلى قال فان الله عز وجل قال (ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا) فما يمنعك من معاوية ولى عثمان يا أبا موسى

(4/49)


وبيته في قريش كما قد علمت فإن تخوفت أن يقول الناس ولى معاوية وليست له سابقة فان لك بذلك حجة تقول إنى ولى عثمان الخليفة المظلوم والطالب بدمه الحسن السياسة الحسن التدبير وهو أخو أم حبيبة زوجة النبي صلى الله عليه وسلم وقد صحبه فهو أحد الصحابة ثم عرض له بالسلطان فقال إن ولى أكرمك كرامة لم يكرمها خليفة فقال أبو موسى يا عمرو اتق الله عز وجل فأما ما ذكرت من شرف معاوية فان هذا ليس على الشرف يولاه أهله ولو كان على الشرف لكان هذا الامر لآل أبرهة بن الصباح إنما هو لاهل الدين والفضل مع أنى لو كنت معطيه أفضل قريش شرفا أعطيته على بن أبى طالب وأما قولك ان معاوية ولى دم عثمان رضى الله عنه فوله هذا الامر فانى لم أكن لاوليه معاوية وأدع المهاجرين الاولين وأما تعريضك لى بالسلطان فوالله لو خرج لى من سلطانه كله ما وليته وما كنت لارتشى في حكم الله عز وجل ولكنك إن شئت أحيينا اسم عمر بن الخطاب رضى الله عنه * قال أبو مخنف حدثنى أبو جناب الكلبى أنه كان يقول قال أبو موسى أما والله لئن استطعت لاحيين اسم عمر ابن الخطاب رضى الله عنه فقال له عمرو إن كنت تحب بيعة ابن عمر فما يمنعك من ابني وأنت تعرف فضله وصلاحه فقال إن ابنك رجل صدق ولكنك قد غمسته في هذه الفتنة * قال أبو مخنف حدثنى محمد بن اسحاق عن نافع مولى ابن عمر قال قال عمرو بن العاص إن هذا الامر لا يصلحه الا رجل له ضرس يأكل ويطعم وكانت في ابن عمر غفلة فقال له عبد الله بن الزبير افطن فانتبه فقال عبد الله بن عمر لا والله لا أرشو عليها شيئا أبدا وقال يا ابن العاص إن العرب أسندت إليك أمرها بعدما تقارعت بالسيوف وتناجزت بالرماح فلا تردنهم في فتنة * قال أبو مخنف حدثنى النضر ابن صالح العبسى قال كنت مع شريح بن هانئ في غزوة سجستان فحدثني أن عليا أوصاه بكلمات إلى عمرو بن العاص قال قل له إذا أنت لقيته إن عليا يقول لك إن
أفضل الناس عند الله عز وجل من كان العمل بالحق أحب إليه وإن نقصه وكرثه من الباطل وإن حن إليه وزاده يا عمرو والله إنك لتعلم أين موضع الحق فلم تجاهل

(4/50)


ان أوتيت طمعا يسيرا كنت به لله وأوليائه عدوا فكأن والله ما أوتيت قد زال عنك ويحك فلا تكن للخائنين خصيما ولا للظالمين ظهيرا أما إنى أعلم بيومك الذى أنت فيه نادم وهو يوم وفاتك تمنى أنك لم تظهر لمسلم عداوة ولم تأخذ على حكم رشوة قال فبلغته ذلك فتمعر وجهه ثم قال متى كنت أقبل مشورة على أو أنتهى إلى أمره أو أعتد برأيه فقلت له وما يمنعك يا ابن النابغة أن تقبل من مولاك وسيد المسلمين بعد نبيهم مشورته فقد كان من هو خير منك أبو بكر وعمر رضى الله عنهما يستشيرانه ويعملان برأيه فقال إن مثلى لا يكلم مثلك فقلت له وبأى أبويك ترغب عنى أبأبيك الوشيظ أم بأمك النابغة قال فقام عن مكانه وقمت معه * قال أبو مخنف حدثنى أبو جناب الكلبى أن عمرا وأبا موسى حيث التقيا بدومة الجندل أخذ عمرو يقدم أبا موسى في الكلام يقول إنك صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنت أسن منى فتكلم وأتكلم فكان عمرو قد عود أبا موسى أن يقدمه في كل شئ اغتزى بذلك كله أن يقدمه فيبدأ بخلع على قال فنظر في أمرهما وما اجتمعا عليه فأراده عمرو على معاوية فأبى وأراده على ابنه فأبى وأراد أبو موسى عمرا على عبد الله بن عمر فأبى عليه فقال له عمرو خبرني ما رأيك قال رأيى أن نخلع هذين الرجلين ونجعل الامر شورى بين المسلمين فيختار المسلمون لانفسهم من أحبوا فقال له عمرو فان الرأى ما رأيت فأقبلا إلى الناس وهم يجتمعون فقال يا أبا موسى أعلمهم بأن رأينا قد اجتمع واتفق فتكلم أبو موسى فقال إن رأيى ورأى عمر وقد اتفق على أمر نرجو أن يصلح الله عز وجل به أمر هذه الامة فقال عمرو صدق وبر يا أبا موسى تقدم فتكلم فتقدم أبو موسى ليتكلم فقال له ابن عباس ويحك والله انى
لاظنه قد خدعك إن كنتما قد اتفقتما على أمر فقدمه فليتكلم بذلك الامر قبلك ثم تكلم أنت بعده فان عمرا رجل غادر ولا آمن أن يكون قد أعطاك الرضا فيما بينك وبينه فإذا قمت في الناس خالفك وكان أبو موسى مغفلا فقال له إنا قد اتفقنا فتقدم أبو موسى فحمد الله عز وجل وأثنى عليه ثم قال يا أيها الناس إنا قد نظرنا في أمر هذه الامة فلم نر أصلح لامرها ولا ألم لشعثها من أمر قد جمع رأيى ورأى عمرو

(4/51)


عليه وهو أن نخلع عليا ومعاوية وتستقبل هذه الامة هذا الامر فيولوا منهم من أحبوا عليهم وإنى قد خلعت عليا ومعاوية فاستقبلوا أمركم وولوا عليكم من رأيتموه لهذا الامر أهلا ثم تنحى وأقبل عمرو بن العاص فقام مقامه فحمد الله وأثنى عليه وقال إن هذا قد قال ما سمعتم وخلع صاحبه وأنا أخلع صاحبه كما خلعه وأثبت صاحبي معاوية فإنه ولى عثمان بن عفان رضى الله عنه والطالب بدمه وأحق الناس بمقامه فقال أبو موسى مالك لا وفقك الله غدرت وفجرت انما مثلك كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث قال عمرو انما مثلك كمثل الحمار يحمل أسفارا وحمل شريح بن هانئ على عمرو فقنعه بالسوط وحمل على شريح ابن لعمرو فضربه بالسوط وقام الناس فحجزوا بينهم وكان شريح بعد ذلك يقول ما ندمت على شئ ندامتي على ضرب عمرو بالسوط ألا أكون ضربته بالسيف آتيا به الدهر ما أتى والتمس أهل الشأم أبا موسى فركب راحلته ولحق بمكة قال ابن عباس قبح الله رأى أبى موسى حذرته وأمرته بالرأى فما عقل فكان أبو موسى يقول حذرني ابن عباس غدرة الفاسق ولكني اطمأننت إليه وظننت أنه لن يؤثر شيئا على نصيحة الامة ثم انصرف عمرو وأهل الشأم إلى معاوية وسلموا عليه بالخلافة ورجع ابن عباس وشريح بن هانئ إلى على وكان إذا صلى الغداة يقنت فيقول اللهم العن معاوية وعمرا وأبا الاعور السلمى وحبيبا وعبد الرحمن بن خالد والضحاك بن
قيس والوليد فبلغ ذلك معاوية فكان إذا قنت لعن عليا وابن عباس والاشتر وحسنا وحسينا (وزعم الواقدي) ان اجتماع الحكمين كان في شعبان سنة 38 من الهجرة ذكر ما كان من خبر الخوارج عند توجيه على الحكم للحكومة وخبر يوم النهر قال أبو مخنف عن أبى المغفل عن عون بن أبى جحيفة أن عليا لما أراد أن يبعث أبا موسى للحكومة أتاه رجلان من الخوارج زرعة بن البرج الطائى وحرقوص ابن زهير السعدى فدخلا عليه فقالا له لا حكم الا لله فقال على لا حكم إلا لله فقال له حرقوص تب من خطيئتك وارجع عن قضيتك واخرج بنا إلى عدونا نقاتلهم

(4/52)


حتى نلقى ربنا فقال لهم على قد أردتكم على ذلك فعصيتموني وقد كتبنا بيننا وبينهم كتابا وشرطنا شروطا وأعطينا عليها عهودنا ومواثيقنا وقد قال الله عز وجل (وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الايمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا إن الله يعلم ما تفعلون) فقال له حرقوص ذلك ذنب ينبغى أن تتوب منه فقال على ما هو ذنب ولكنه عجز من الرأى وضعف من الفعل وقد تقدمت إليكم فيما كان منه ونهيتكم عنه فقال له زرعة بن البرج أما والله يا على لئن لم تدع تحكيم الرجال في كتاب الله عز وجل قاتلتك أطلب بذلك وجه الله ورضوانه فقال له على بؤسا لك ما أشقاك كأنى بك قتيلا تسفى عليك الريح قال وددت أن قد كان ذلك فقال له على لو كنت محقا كان في الموت على الحق تعزية عن الدنيا إن الشيطان قد استهواكم فاتقوا الله عز وجل إنه لا خير لكم في دنيا تقاتلون عليها فخرجا من عنده يحكمان * قال أبو مخنف فحدثني عبد الملك بن أبى حرة الحنفي أن عليا خرج ذات يوم يخطب فانه لفى خطبته إذ حكمت المحكمة في جوانب المسجد فقال على الله أكبر كلمة حق يراد بها باطل إن سكتوا عممناهم وإن
تكلموا حججناهم وإن خرجوا علينا قاتلناهم فوثب يزيد بن عاصم المحاربي فقال الحمد لله غير مودع ربنا ولا مستغنى عنه اللهم إنا نعوذ بك من إعطاء الدنية في ديننا فان إعطاء الدنية في الدين ادهان في أمر الله عز وجل وذل راجع بأهله إلى سخط الله يا على أبالقتل تخوفنا أما والله إنى لارجو أن نضربكم بها عما قليل غير مصفحات ثم لتعلمن أينا أولى بها صليا ثم خرج بهم هو وإخوة له ثلاثة هو رابعهم فأصيبوا مع الخوارج بالنهر وأصيب أحدهم بعد ذلك بالنخيلة * قال أبو مخنف حدثنى الاجلح بن عبد الله عن سلمة بن كهيل عن كثير بن بهز الحضرمي قال قام على في الناس يخطبهم ذات يوم فقال رجل من جانب المسجد لا حكم إلا لله فقام آخر فقال مثل ذلك ثم توالى عدة رجال يحكمون فقال على الله أكبر كلمة حق يلتمس بها باطل أما إن لكم عندنا ثلاثا ما صحبتمونا لا نمنعكم مساجد الله أن تذكروا فيها اسمه ولا نمنعكم الفئ ما دامت أيديكم مع أيدينا ولا نقاتلكم حتى تبدؤنا ثم رجع

(4/53)


إلى مكانه الذى كان فيه من خطبته * قال أبو مخنف وحدثنا عن القاسم بن الوليد أن حكيم بن عبد الرحمن بن سعيد البكائى كان يرى رأى الخوارج فأتى عليا ذات يوم وهو يخطب فقال " ولقد أوحى اليك والى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين " فقال على " فاصبر إن وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون " * حدثنا أبو كريب قال حدثنا ابن إدريس قال سمعت إسماعيل ابن سميع الحنفي عن أبى رزين قال لما وقع التحكيم ورجع على من صفين رجعوا مباينين له فلما انتهوا إلى النهر أقاموا به فدخل على في الناس الكوفة ونزلوا بحروراء فبعث إليهم عبد الله بن عباس فرجع ولم يصنع شيئا فخرج إليهم على فكلمهم حتى وضع الرضا بينه وبينهم فدخلوا الكوفة فأتاه رجل فقال ان الناس قد تحدثوا أنك رجعت لهم عن كفرك فخطب الناس في صلاة الظهر فذكر أمرهم فعابه
فوثبوا من نواحى المسجد يقولون لا حكم إلا لله واستقبله رجل منهم واضع أصبعه في أذنيه فقال " ولقد أوحى اليك والى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين " فقال على " فاصبر ان وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون " * حدثنا أبو كريب قال حدثنا ابن ادريس قال سمعت ليث بن أبى سليم يذكر عن أصحابه قال جعل على يقلب بيديه يقول بيديه هكذا وهو على المنبر فقال حكم الله عز وجل ينتظر فيكم مرتين ان لكم عندنا ثلاثا لا نمنعكم صلاة في هذا المسجد ولا نمنعكم نصيبكم من هذا الفئ ما كانت أيديكم مع أيدينا ولا نقاتلكم حتى تقاتلونا * قال أبو مخنف عن عبد الملك بن أبى حرة أن عليا لما بعث أبا موسى لانفاد الحكومة لقيت الخوارج بعضها بعضا فاجتمعوا في منزل عبد الله بن وهب الراسبى فحمد الله عبد الله ابن وهب وأثنى عليه ثم قال أما بعد فوالله ما ينبغى لقوم يؤمنون بالرحمن وينيبون إلى حكم القرآن أن يكون هذه الدنيا التى الرضا بها والركون بها والايثار اياها عناء وتبار آثر عندهم من الامر بالمعروف والنهى عن المنكر والقول بالحق وان من وضر فإنه من يمن ويضر في هذه الدنيا فإن ثوابه يوم القيامة رضوان الله عز وجل والخلود في جناته فاخرجوا بنا اخواننا من هذه القرية الظالم أهلها إلى بعض كور

(4/54)


الجبال أو إلى بعض هذه المدائن منكرين لهذه البدع المضلة فقال له حرقوص بن زهير إن المتاع بهذه الدنيا قليل وإن الفراق لها وشيك فلا تدعونكم زينتها وبهحتها إلى المقام بها ولا تلفتنكم عن طلب الحق وانكار الظلم فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون فقال حمزة بن سنان الاسدي يا قوم ان الرأى ما رأيتم فولوا أمركم رجلا منكم فإنه لابد لكم من عماد وسناد وراية تحفون بها وترجعون إليها فعرضوها على زيد بن حصين الطائى فأبى وعرضوها على حرقوص بن زهير فأبى وعلى حمزة ابن سنان وشريح بن أوفى العبسى فأبيا وعرضوها على عبد الله بن وهب فقال
هاتوها أما والله لا اخذها رغبة في الدنيا ولا أدعها فرقا من الموت فبايعوها لعشر خلون من شوال وكان يقال له ذو الثفنات ثم اجتمعوا في منزل شريح بن أوفى العبسى فقال ابن وهب اشخصوا بنا إلى بلدة نجتمع فيها لانفاد حكم الله فإنكم أهل الحق قال شريح يخرج إلى المدائن فننزلها ونأخذ بأبوابها ونخرج منها سكانها ونبعث إلى اخواننا من أهل البصرة فيقدمون علينا فقال زيد بن حصين انكم ان خرجتم مجتمعين اتبعتم ولكن اخرجوا وحدانا مستخفين فأما المدائن فإن بها من يمنعكم ولكن سيروا حتى تنزلوا جسر النهروان وتكاتبوا اخوانكم من أهل البصرة قالوا هذا الرأى وكتب عبد الله بن وهب إلى من بالبصرة منهم يعلمهم ما اجتمعوا عليه ويحثهم على اللحاق بهم وسير الكتاب إليهم فأجابوه أنهم على اللحاق به فلما عزموا على المسير تعبدوا ليلتهم وكانت ليلة الجمعة ويوم الجمعة وساروا يوم السبت فخرج شريح بن أوفى العبسى وهو يتلو قول الله تعالى (فخرج منها خائفا يترقب قال رب نجنى من القوم الظالمين ولما توجه تلقاء مدين قال عسى ربى أن يهدين سواء السبيل) وخرج معهم طرفة بن عدى بن حاتم الطائى فاتبعه أبوه فلم يقدر عليه فانتهى إلى المدائن ثم رجع فلما بلغ ساباط لقيه عبد الله بن وهب في نحو عشرين فارسا فأراد عبد الله قتله فمنعه عمرو بن مالك النبهاني وبشر بن زيد البولانى وأرسل عدى إلى سعد بن مسعود عامل على على المدائن يحذره أمرهم فحذر وأخذ أبواب المدائن وخرج في الخيل واستخلف بها ابن أخيه المختار

(4/55)


ابن أبى عبيد وسار في طلبهم فأخبر عبد الله بن وهب خبره فرابأ طريقه وسار على بغداد ولحقهم سعد بن مسعود بالكرخ في خمسمائة فارس عند المساء فانصرف إليهم عبد الله في ثلاثين فارسا فاقتتلوا ساعة وامتنع القوم منهم وقال أصحاب سعد لسعد ما تريد من قتال هؤلاء ولم يأتك فيهم أمر خلهم فليذهبوا واكتب
إلى أمير المؤمنين فان أمرك باتباعهم اتبعتهم وان كفاكهم غيرك كان في ذلك عافية لك فأبى عليهم فلما جن عليهم الليل خرج عبد الله بن وهب فعبر دجلة إلى أرض جوخى وسار إلى النهروان فوصل إلى أصحابه وقد أيسوا منه وقالوا إن كان هلك ولينا الامر زيد بن حصين أو حرقوص بن زهير وسار جماعة من أهل الكوفة يريدون الخوارج ليكونوا معهم فردهم أهلوهم كرها منهم القعقاع بن قيس الطائى عم الطرماح بن حكيم وعبد الله بن حكيم بن عبد الرحمن البكائى وبلغ عليا أن سالم بن ربيعة العبسى يريد الخروج فأحضره عنده ونهاه فانتهى ولما خرجت الخوارج من الكوفة أتى عليا أصحابه وشيعته فبايعوه وقالوا نحن أولياء من واليت وأعداء من عاديت فشرط لهم فيه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاءه ربيعة بن أبى شداد الخثعمي وكان شهد معه الجمل وصفين ومعه راية خثعم فقال له بايع على كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ربيعة على سنة أبى بكر وعمر قال له على ويلك لو أن أبا بكر وعمر عملا بغير كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكونا على شئ من الحق فبايعه فنظر إليه على وقال أما والله لكأنى بك وقد نفرت مع هذه الخوارج فقتلت وكأني بك وقد وطئتك الخيل بحوافرها فقتل يوم النهر مع خوارج البصرة وأما خوارج البصرة فانهم اجتمعوا في خمسمائة رجل وجعلوا عليهم مسعر بن فدكى التميمي فعلم بهم ابن عباس فأتبعهم أبا الاسود الدؤلى فلحقهم بالجسر الاكبر فتواقفوا حتى حجز بينهم الليل وأدلج مسعر بأصحابه وأقبل يعترض الناس وعلى مقدمته الاشرس بن عوف الشيباني وسار حتى لحق بعبد الله بن وهب بالنهر فلما خرجت الخوارج وهرب أبو موسى إلى مكة ورد على ابن عباس إلى البصرة قام في الكوفة فخطبهم فقال الحمد لله وان

(4/56)


أتى الدهر بالخطب الفادح والحدثان الجليل وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا
رسول الله أما بعد فان المعصية تورث الحسرة وتعقب الندم وقد كنت أمرتكم في هذين الرجلين وفى هذه الحكومة أمرى ونحلتكم رأى لو كان لقصير أمر ولكن أبيتم إلا ما أردتم فكنت أنا وأنتم كما قال أخو هوازن أمرتهم أمرى بمنعرج اللوى * فلم يستبينوا الرشد إلا ضحى الغد ألا إن هذين الرجلين اللذين اخترتموها حكمين قد نبذا حكم القرآن وراء ظهورهما وأحييا ما أمات القرآن واتبع كل واحد منهما هواه بغير هدى من الله فحكما بغير حجة بينة ولا سنة ماضية واختلفا في حكمهما وكلاهما لم يرشد فبرئ الله منهما ورسوله وصالح المؤمنين استعدوا وتأهبوا للسير إلى الشأم وأصبحوا في معسكركم إن شاء الله يوم الاثنين ثم نزل وكتب إلى الخوارج بالنهر بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله على أمير المؤمنين إلى زيد بن حصين وعبد الله بن وهب ومن معهما من الناس أما بعد فان هذين الرجلين اللذين ارتضينا حكمهما قد خالفا كتاب الله واتبعا أهواءهما بغير هدى من الله فلم يعملا بالسنة ولم ينفذا للقرآن حكما فبرئ الله ورسوله منهما والمؤمنون فإذا بلغكم كتابي هذا فأقبلوا فانا سائرون إلى عدونا وعدوكم ونحن على الامر الاول الذى كنا عليه والسلام وكتبوا إليه أما بعد فانك لم تغضب لربك إنما غضبت لنفسك فان شهدت على نفسك بالكفر واستقبلت التوبة نظرنا فيما بيننا وبينك وإلا فقد نابذناك على سواء ان الله لا يحب الخائنين فلما قرأ كتابهم أيس منهم فرأى أن يدعهم ويمضى بالناس إلى أهل الشأم حتى يلقاهم فيناجزهم * قال أبو مخنف عن المعلى بن كليب الهمداني عن جبر بن نوف أبى الوداك الهمداني ان عليا لما نزل بالنخيلة وأيس من الخوارج قام فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد فانه من ترك الجهاد في الله وادهن في أمره كان على شفا هلكة الا أن يتداركه الله بنعمة فاتقوا الله وقاتلوا من حاد الله وحاول أن يطفئ نور الله قاتلوا الخاطئين الضالين القاسطين المجرمين
الذين ليسوا بقراء للقرآن ولا فقهاء في الدين ولا علماء في التأويل ولا لهذا الامر

(4/57)


بأهل في سابقة الاسلام والله لو ولوا عليكم لعملوا فيكم بأعمال كسرى وهرقل تيسروا وتهيؤا للمسير إلى عدوكم من أهل المغرب وقد بعثنا إلى إخوانكم من أهل البصرة ليقدموا عليكم فإذا قدموا فاجتمعتم شخصنا إن شاء الله ولا حول ولا قوة إلا بالله وكتب على إلى عبد الله بن عباس مع عتبة بن الاخنس بن قيس من بنى سعد ابن بكر أما بعد فانا قد خرجنا إلى معسكرنا بالنخيلة وقد أجمعنا على المسير إلى عدونا من أهل المغرب فاشخص بالناس حتى يأتيك رسولي وأقم حتى يأتيك أمرى والسلام فلما قدم عليه الكتاب قرأه على الناس وأمرهم بالشخوص مع الاحنف بن قيس فشخص معه منهم ألف وخمسمائة رجل فاستقلهم عبد الله بن عباس فقام في الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد يا أهل البصرة فانه جاءني أمر أمير المؤمنين يأمرنى بإشخاصكم فأمرتكم بالنفير إليه مع الاحنف بن قيس ولم يشخص معه منكم الا ألف وخمسمائة وأنتم ستون ألفا سوى أبنائكم وعبدانكم ومواليكم ألا انفروا مع جارية بن قدامة السعدى ولا يجعلن رجل على نفسه سبيلا فإنى موقع بكل من وجدته متخلفا عن مكتبه عاصيا لامامه وقد أمرت أبا الاسود الدؤلى بحشركم فلا يلم رجل جعل السبيل على نفسه إلا نفسه فخرج جارية فعسكر وخرج أبو الأسود فحشر الناس فاجتمع إلى جارية ألف وسبعمائة ثم أقبل حتى وافاه على بالنحيلة فلم يزل بالنخيلة حتى وافاه هذان الجيشان من البصرة ثلاثة آلاف ومائتا رجل فجمع إليه رؤوس أهل الكوفة ورؤوس الاسباع ورؤوس القبائل ووجوه الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال يا أهل الكوفة أنتم إخوانى وأنصاري وأعواني على الحق وصحابتي على جهاد عدوى المحلين بكم أضرب المدبر وأرجو تمام طاعة المقبل وقد بعثت إلى أهل البصرة فاستنفرتهم إليكم فلم يأتنى منهم إلا ثلاثة آلاف ومائتا رجل فأعينوني بمناصحة جلية
خلية من الغش إنكم..مخرجنا إلى صفين بل استجمعوا بأجمعكم وإنى أسألكم أن يكتب لى رئيس كل قوم ما في عشيرته من المقاتلة وأبناء المقاتلة الذين أدركوا القتال وعبدان عشيرته ومواليهم ثم يرفع ذلك إلينا فقام سعيد بن قيس الهمداني فقال يا أمير المؤمنين سمعا وطاعة وودا ونصيحة أنا أول الناس جاء بما سألت وبما

(4/58)


طلبت وقام معقل بن قيس الرياحي فقال له نحوا من ذلك وقام عدى بن حاتم وزياد بن خصفة وحجر بن عدى وأشراف الناس والقبائل فقالوا مثل ذلك ثم إن الرؤس كتبوا من فيهم ثم رفعوهم إليه وأمروا أبناءهم وعبيدهم ومواليهم أن يخرجوا معهم وألا يتخلف منهم عنهم أحد فرفعوا إليه أربعين ألف مقاتل وسبعة عشر ألفا من الابناء ممن أدرك وثمانية آلاف من مواليهم وعبيدهم وقالوا يا أمير المؤمنين أما من عندنا من المقاتلة وأبناء المقاتلة ممن قد بلغ الحلم وأطاق القتال فقد رفعنا إليك منهم ذوى القوة والجلد وأمرناهم بالشخوص معنا ومنهم ضعفاء وهم في ضياعنا وأشياء مما يصلحنا وكانت العرب سبعة وخمسين ألفا من أهل الكوفة ومن مواليهم ومماليكهم ثمانية آلاف وكان جميع أهل الكوفة خمسة وستين ألفا وثلاثة آلاف ومائتي رجل من أهل البصرة وكان جميع من معه ثمانية وستين ألفا ومائتي رجل.
قال أبو مخنف عن أبى الصلت التيمى إن عليا كتب إلى سعد بن مسعود الثقفى وهو عامله على المدائن أما بعد فانى قد بعثت إليك زياد بن خصفة فأشخص معه من قبلك من مقاتلة أهل الكوفة وعجل ذلك إن شاء الله ولا قوة إلا بالله قال وبلغ عليا أن الناس يقولون لو سار بنا إلى هذه الحرورية فبدأنا بهم فإذا فرغنا منهم وجهنا من وجهنا ذلك إلى المحلين فقام في الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد فانه قد بلغني قولكم لو أن أمير المؤمنين سار بنا إلى هذه الخارجة التى خرجت عليه فبدأنا بهم فإذا فرغنا منهم وجهنا إلى المحلين وإن غير هذه الخارجة
أهم إلينا منهم فدعوا ذكرهم وسيروا إلى قوم يقاتلونكم كيما يكونوا جبارين ملوكا ويتخذوا عباد الله خولا فتنادى الناس من كل جانب سر بنا يا أمير المؤمنين حيث أحببت قال فقام إليه صيفي بن فسيل الشيباني فقال يا أمير المؤمنين نحن حزبك وأنصارك نعادي من عاديت ونشايع من أناب إلى طاعتك فسر بنا إلى عدوك من كانوا وأينما كانوا فانك إن شاء الله لن تؤتى من قلة عدد ولا ضعف نية أتباع وقام إليه محرز بن شهاب التميمي من بنى سعد فقال يا أمير المؤمنين شيعتك كقلب رجل واحد في الاجماع على نصرتك والجد في جهاد عدوك فأبشر بالنصر

(4/59)


وسر بنا إلى أي الفريقين أحببت فإنا شيعتك الذين نرجو في طاعتك وجهاد من خالفك صالح الثواب ونخاف في خذلانك والتخلف عنك شدة الوبال * حدثنى يعقوب قال حدثنى إسماعيل قال أخبرنا أيوب عن حميد بن هلال عن رجل من عبد القيس كان من الخوارج ثم فارقهم قال دخلوا قرية فخرج عبد الله بن خباب صاحب رسول الله ذعرا يجر رداءه فقالوا لم ترع فقال والله لقد ذعرتموني قالوا أأنت عبد الله بن خباب صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال نعم قالوا فهل سمعت من أبيك حديثا يحدث به عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ذكر فتنة القاعد فيها خير من القائم والقائم فيها خير من الماشي والماشي فيها خير من الساعي قال فإن أدركتم ذلك فكن يا عبد الله المقتول قال أيوب ولا أعلمه إلا قال ولا تكن يا عبد الله القاتل قال نعم قال فقدموه على ضفة النهر فضربوا عنقه فسال دمه كأنه شراك نعل وبقروا بطن أم ولده عما في بطنها * قال أبو مخنف عن عطاء عن عجلان عن حميد بن هلال أن الخارجة التى أقبلت من البصرة جاءت حتى دنت من إخوانها بالنهر فخرجت عصابة منهم فإذا هم برجل يسوق بامرأة على حمار فعبروا إليه فدعوه فتهددوه وأفزعوه وقالوا له من أنت قال أنا عبد الله
ابن خباب صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أهوى إلى ثوبه يتناوله من الارض وكان سقط عنه لما أفزعوه فقالوا له أفزعناك قال نعم قالوا له لا روع عليك فحدثنا عن أبيك بحديث سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم لعل الله ينفعنا به قال حدثنى أبى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن فتنة تكون يموت فيها قلب الرجل كما يموت فيها بدنه يمسى فيها مؤمنا ويصبح فيها كافرا ويصبح فيها كافرا ويمسى فيها مؤمنا فقالوا لهذا الحديث سألناك فما تقول في أبى بكر وعمر فأثنى عليهما خيرا قالوا ما تقول في عثمان في أول خلافته وفى آخرها قال إنه كان محقا في أولها وفى آخرها قالوا فما تقول في على قبل التحكيم وبعده قال إنه أعلم بالله منكم وأشد توقيا على دينه وأنفذ بصيرة فقالوا إنك تتبع الهوى وتوالى الرجال على أسمائها لا على أفعالها والله لنقتلنك قتله ما قتلناها أحدا فأخذوه فكتفوه ثم

(4/60)


أقبلوا به وبامرأته وهى حبلى متم حتى نزلوا تحت نخل مواقر فسقطت منه رطبة فأخذها أحدهم فقذف بها في فمه فقال أحدهم بغير حلها وبغير ثمن فلفظها وألقاها من فمه ثم أخذ سيفه فأخذ يمينه فمر به خنزير لاهل الذمة فضربه بسيفه فقالوا هذا فساد في الارض فأتى صاحب الخنزير فأرضاه من خنزيره فلما رأى ذلك منهم ابن خباب قال لئن كنتم صادقين فيما أرى فما على سنكم بأس إنى لمسلم ما أحدثت في الاسلام حدثا ولقد آمنتموني قلم لاروع عليك فجاءوا به فأضجعوه فذبحوه وسال دمه في الماء وأقبلوا إلى المرأة فقالت إنى إنما أنا امرأة ألا تتقون الله فبقروا بطنها وقتلوا ثلاث نسوة من طيئ وقتلوا أم سنان الصيداوية فبلغ ذلك عليا ومن معه من المسلمين من قتلهم عبد الله ابن خباب واعتراضهم الناس فبعث إليهم الحارث بن مرة العبدى ليأتيهم فينظر فيما بلغه عنهم ويكتب به إليه على وجهه ولا يكتمه فخرج حتى انتهى إلى النهر ليسائلهم فخرج القوم إليه فقتلوه وأتى الخبر أمير المؤمنين والناس فقام إليه الناس فقالوا
يا أمير المؤمنين علام تدع هؤلاء وراءنا يخلفوننا في أموالنا وعيالنا سر بنا إلى القوم فإذا فرغنا مما بيننا وبينهم سرنا إلى عدونا من أهل الشأم وقام إليه الاشعث بن قيس الكندى فكلمه بمثل ذلك كان الناس يرون أن الاشعث يرى رأيهم لانه كان يقول يوم صفين أنصفنا قوم يدعون إلى كتاب الله فلما أمر على بالمسير إليهم علم الناس أنه لم يكن يرى رأيهم فأجمع على ذلك فنادى بالرحيل وخرج فعبر الجسر فصلى ركعتين بالقنطرة ثم نزل دير عبد الرحمن ثم دير أبى موسى ثم أخذ على قرية شاهى ثم على دباها ثم على شاطئ الفرات فلقيه في مسيره ذلك منجم أشار عليه بسير وقت من النهار وقال له إن سرت في غير ذلك الوقت لقيت أنت وأصحابك ضرا شديدا فخالفه وسار في الوقت الذى نهاه عن السير فيه فلما فرغ من النهر حمد الله وأثنى عليه ثم قال لو سرنا في الساعة التى أمرنا بها المنجم لقال الجهال الذين لا يعلمون سار في الساعة التى أمره بها المنجم فظفر * قال أبو مخنف حدثنى يوسف بن يزيد عن عبد الله بن عوف قال لما أراد على المسير إلى أهل النهر من الانبار قدم قيس ابن سعد بن عبادة وأمره أن يأتي المدائن فينزلها حتى يأمره بأمره ثم جاء مقبلا

(4/61)


إليهم ووافاه قيس وسعد بن مسعود الثقفى بالنهر وبعث إلى أهل النهر ادفعوا إلينا قتلة إخواننا منكم نقتلهم بهم ثم أنا تارككم وكاف عنكم حتى ألقى أهل الشأم فلعل الله يقلب قلوبكم ويردكم إلى خير مما أنتم عليه من أمركم فبعثوا إليه فقالوا كلنا قتلتهم وكلنا نستحل دماءهم ودماءكم * قال أبو مخنف فحدثني الحارث بن حصيرة عن عبد الرحمن بن أبى الكنود أن قيس بن سعد بن عبادة قال لهم عباد الله أخرجوا إلينا طلبتنا منكم وادخلوا في هذا الامر الذى منه خرجتم وعودوا بنا إلى قتال عدونا وعدوكم فإنكم ركبتم عظيما من الامر تشهدون علينا بالشرك والشرك ظلم عظيم وتسفكون دماء المسلمين وتعدونهم مشركين فقال عبد الله بن شجرة السلمى أن الحق
قد أضاء لنا فلسنا نتابعكم أو تأتونا بمثل عمر فقال ما نعلمه فينا غير صاحبنا فهل تعلمونه فيكم وقال نشدتكم بالله في أنفسكم أن تهلكوها فإنى لارى الفتنة قد غلبت عليكم وخطبهم أبو أيوب خالد بن زيد الانصاري فقال عباد الله إنا وإياكم على الحال الاولى التى كنا عليها ليست بيننا وبينكم فرقة فعلام تقاتلوننا فقالوا إنا لو بايعناكم اليوم حكمتم غدا قال فإنى أنشدكم الله أن تعجلوا فتنة العام مخافة ما يأتي في قابل * قال أبو مخنف حدثنى مالك بن أعين عن زيد بن وهب أن عليا أتى أهل النهر فوقف عليهم فقال أيتها العصابة التى أخرجها عداوة المراء واللجاجة وصدها عن الحق الهوى وطمح بها النزق وأصبحت في اللبس والخطب العظيم إنى نذير لكم أن تصبحوا تلفيكم الامة غدا صرعى بأثناء هذا النهر وبأهضام هذا الغائط بغير بينة من ربكم ولا برهان بين ألم تعلموا أنى نهيتكم عن الحكومة وأخبرتكم أن طلب القوم إياها منكم دهن ومكيدة لكم ونبأتكم أن القوم ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن وأنى أعرف بهم منكم عرفتهم أطفالا ورجالا فهم أهل المكر والغدر وأنكم إن فارقتم رأيى جانبتم الحزم فعصيتموني حتى إذا أقررت بأن حكمت فلما فعلت شرطت واستوثقت فأخذت على الحكمين أن يحييا ما أحيا القرآن وأن يميتا ما أمات القرآن فاختلفا وخالفا حكم الكتاب والسنة فنبذنا أمرهما ونحن على أمرنا الاول فما الذى بكم ومن أين أتيتم قالوا إنا حكمنا فلما حكمنا أثمنا وكنا بذلك كافرين وقد تبنا

(4/62)


فإن تبت كما تبنا فنحن منك ومعك وإن أبيت فاعتزلنا فإنا منابذوك على سواء إن الله لا يحب الخائنين فقال على أصابكم حاصب ولا بقى منكم وابر أبعد إيمانى برسول الله صلى الله عليه وسلم وهجرتي معه وجهادي في سبيل الله أشهد على نفسي بالكفر لقد ضللت إذا وما أنا من المهتدين ثم انصرف عنهم * قال أبو مخنف حدثنى أبو سلمة الزهري وكانت أمه بنت أنس بن مالك أن عليا قال لاهل
النهر يا هؤلاء إن أنفسكم قد سولت لكم فراق هذه الحكومة التى أنتم ابتدأتموها وسألتموها وأنا لها كاره وأنبأتكم أن القوم سألوكموها مكيدة ودهنا فأبيتم على إباء المخالفين وعدلتم عنى عدول النكداء العاصين حتى صرفت رأيى إلى رأيكم وأنتم والله معاشر أخفاء الهام سفهاء الاحلام فلم آت لا أبا لكم حراما والله ما خبلتكم عن أموركم ولا أخفيت شيئا من هذا الامر عنكم ولا أوطأتكم عشوة ولا دنيت لكم الضراء وإن كان أمرنا لامر المسلمين ظاهرا فاجمع رأى ملئكم على أن اختاروا رجلين فأخذنا عليهما أن يحكما بما في القرآن ولا يعدواه فتاها وتركا الحق وهما يبصرانه وكان الجور هواهما وقد سبق استيثاقنا عليهما في الحكم بالعدل والصد للحق بسوء رأيهما وجور حكمهما والثقة في أبدينا لانفسنا حين خالفا سبيل الحق وأتيا بما لا يعرف فبينوا لنا بماذا تستحلون قتالنا والخروج من جماعتنا ان ختار الناس رجلين أن تضعوا اسيافكم على عواتقكم ثم تستعرضوا الناس تضربون رقابهم وتسفكون دماءهم ان هذا لهو الخسران المبين والله لو قتلتم على هذا دجاجة لعظم عند الله قتلها فكيف بالنفس التى قتلها عند الله حرام فتنادوا لا تخاطبوهم ولا تكلموهم وتهيؤا للقاء الرب الرواح الرواح إلى الجنة فخرج على فعبأ الناس فجعل على ميمنته حجر بن عدى وعلى ميسرته شبث بن ربعى أو معقل بن قيس الرياحي وعلى الخيل أبا أيوب الانصاري وعلى الرجالة أبا قتادة الانصاري وعلى أهل المدينة وهم سبعمائة أو ثمانمائة رجل قيس ابن سعد بن عبادة قال وعبأت الخوارج فجعلوا على ميمنتهم زيد بن حصين الطائى وعلى الميسرة شريح بن أوفى العبسى وعلى خيلهم حمزة بن سنان الاسدي

(4/63)


وعلى الرجالة حرقوص بن زهير السعدى قال وبعث على الاسود بن يزيد المرادى في ألفى فارس حتى أتى حمزة بن سنان وهو في ثلثمائة فارس من خيلهم ورفع
على راية أمان مع أبى أيوب فناداهم أبو أيوب من جاء هذه الراية منكم ممن لم يقتل ولم يستعرض فهو آمن ومن انصرف منكم إلى الكوفة أو إلى المدائن وخرج من هذه الجماعة فهو آمن إنه لا حاجة لنا بعد أن نصيب قتلة إخواننا منكم في سفك دمائكم فقال فروة بن نوفل الاشجعى والله ما أدرى على أي شئ نقاتل عليا لا أرى إلا أن أنصرف حتى تنفذ لى بصيرتي في قتاله أو اتباعه وانصرف في خمسمائة فارس حتى نزل البندنيجين والدسكرة وخرجت طائفة أخرى متفرقين فنزلت الكوفة وخرج إلى على منهم نحو من مائة وكانوا أربعة آلاف فكان الذين بقوا مع عبد الله ابن وهب منهم ألفين وثمانمائة وزحفوا إلى على وقدم على الخيل دون الرجال وصف الناس وراء الخيل صفين وصف المرامية أمام الصف الاول وقال لاصحابه كفوا عنهم حتى يبدأوكم فانهم لو قد شدوا عليكم وجلهم رجال لم ينتهوا اليكم إلا لاغبين وأنتم رادون حامون وأقبلت الخوارج فلما أن دنوا من الناس نادوا يزيد ابن قيس فكان يزيد پن قيس على اصبهان فقالوا يا يزيد بن قيس لا حكم إلا لله وإن كرهت إصبهان فناداهم عباس بن شريك وقبيصة بن ضبيعة العبسيان يا أعداء الله أليس فيكم شريح بن أوفى المسرف على نفسه هل أنتم إلا أشباهه قالوا وما حجتكم على رجل كانت فيه فتنة وفينا توبة ثم تنادوا الرواح الرواح إلى الجنة فشدوا على الناس والخيل أمام الرجال فلم تثبت خيل المسلمين لشدتهم وافترقت الخيل فرقتين فرقة نحو الميمنة وأخرى نحو الميسرة وأقبلوا نحو الرجال فاستقبلت المرامية وجوههم بالنبل وعطفت عليهم الخيل من الميمنة والميسرة ونهض إليهم الرجال بالرماح والسيوف فوالله ما لبثوهم أن أناموهم ثم إن حمزة بن سنان صاحب خيلهم لما رأى الهلاك نادى أصحابه أن انزلوا فذهبوا لينزلوا فلم يتقاروا حتى حمل عليهم الاسود ابن قيس المرادى وجاءتهم الخيل من نحو على فأهمدوا في الساعة * قال أبو مخنف فحدثني عبد الملك بن مسلم بن سلام بن ثمامة الحنفي عن حكيم بن سعد قال ما هو إلا

(4/64)


أن لقينا أهل البصرة فما لبثناهم فكأنما قيل لهم موتوا فماتوا قبل أن تشتد شوكتهم وتعظم نكايتهم * قال أبو مخنف فحدثني أبو جناب إن أيوب أتى عليا فقال يا أمير المؤمنين قتلت زيد بن حصين قال فما قلت له وما قال لك قال طعنته بالرمح في صدره حتى نجم من ظهره قال وقلت له أبشر يا عدو الله بالنار قال ستعلم أينا أولى بها صليا فسكت على عليها * قال أبو مخنف عن أبى جناب إن عليا قال له هو أولى لها صليا قال وجاء عائذ بن حملة التميمي فقال يا أمير المؤمنين قتلت كلابا قال أحسنت أنت محق قتلت مبطلا وجاء هانئ بن خطاب الارحبي وزياد بن خصفة يحتجان في قتل عبد الله بن وهب الراسبى فقال لهما كيف صنعتما فقالا يا أمير المؤمنين لما رأيناه عرفناه وابتدرناه فطعناه برمحينا فقال على لا تختلفا كلا كما قاتل وشد جيش بن ربيعة أبو المعتمر الكنانى على حرقوص بن زهير فقتله وشد عبد الله ابن زحر الخولانى على عبد الله بن شجرة السلمى فقتله ووقع شريح بن أوفى إلى جانب جدار فقاتل على ثلمة فيه طويلا من نهار وكان قتل ثلاثة من همدان فأخذ يرتجز ويقول قد علمت جارية عبسية * ناعمة في أهلها مكفيه أنى سأحمى ثلمتى العشيه فشد عليه قيس بن معاوية الدهنى فقطع رجله فجعل يقاتلهم ويقول القرم يحمى شوله معقولا ثم شد عليه قيس بن معاوية فقتله فقال الناس اقتتلت همدان يوما ورجل * اقتتلوا من غدوة حتى الاصل ففتح الله لهمدان الرجل وقال شريح
أضربهم ولو أرى أبا حسن * ضربته بالسيف حتى يطمئن وقال: أضربهم ولو أرى عليا * ألبسته أبيض مشرفيا قال أبو مخنف حدثنى عبد الملك بن أبى حرة أن عليا خرج في طلب ذى الثدية

(4/65)


ومعه سليمان بن ثمامة الحنفي أبو جبرة والريان بن صبرة بن هوذة فوجده الريان ابن صبرة بن هوذة في حفرة على شاطئ النهر في أربعين أو خمسين قتيلا قال فلما استخرج نظر إلى عضده فإذا لحم مجتمع على منكبه كثدي المرأة له حلمة عليها شعرات سود فإذا مدت امتدت حتى تحاذى طول يده الاخرى ثم تترك فتعود إلى منكبه كثدي المرأة فلما استخرج قال على الله أكبر والله ما كذبت ولا كذبت أما والله لو لا أن تنكلوا عن العمل لاخبرتكم بما قضى الله على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم لمن قاتلهم مستبصرا في قتالهم عارفا للحق الذى نحن عليه قال ثم مر وهم صرعى فقال بؤسا لكم لقد ضركم من غركم فقالوا يا أمير المؤمنين من غرهم قال الشيطان وانفس بالسوء أمارة غرتهم بالآماني وزينت لهم المعاصي ونبأتهم انهم ظاهرون قال وطلب من به رمق منهم فوجدناهم أربعمائة رجل فأمر بهم على فدفعوا إلى عشائرهم وقال احملوهم معكم فداووهم فإذا برؤا فوافوا بهم الكوفة وخذوا ما في عسكرهم من شئ قال وأما السلاح والدواب وما شهدوا به عليه الحرب فقسمه بين المسلمين وأما المتاع والعبيد والاماء فانه حين قدم رده على أهله وطلب عدى بن حاتم ابنه طرفة فوجده فدفنه ثم قال الحمد لله الذى ابتلاني بيومك على حاجتى اليك ودفن رجال من الناس قتلاهم فقال أمير المؤمنين حين بلغه ذلك ارتحلوا إذا أتقتلونهم ثم تدفنونهم فارتحل الناس * قال أبو مخنف عن مجاهد عن المحل بن خليفة أن رجلا منهم من بنى سيدوس يقال له العيرار بن الاخنس كان يرى رأى الخوارج إليهم فاستقبل وراء المدائن عدى بن حاتم ومعه الاسود بن
قيس والاسود بن يزيد المراديان فقال له العيزار حين استقبله أسالم غانم أم ظالم آثم فقال عدى لا بل سالم غانم فقال له المراديان ما قلت هذا إلا لشر في نفسك وإنك لنعرفك يا عيزار برأى القوم فلا تفارقنا حتى نذهب بك إلى أمير المؤمنين فنخبره خبرك فلم يكن بأوشك أن جاء على فأخبراه خبره وقالا يا أمير المؤمنين إنه يرى رأى القوم قد عرفناه بذلك فقال ما يحل لنادمه ولكنا نحبسه فقال عدى ابن حاتم يا أمير المؤمنين ادفعه إلى وأنا أضمن أن لا يأتيك من قبله مكروه

(4/66)


فدفعه إليه * قال أبو مخنف حدثنى عمران بن حدير عن أبى مجلز عن عبد الرحمن ابن جندب بن عبد الله إنه لم يقتل من أصحاب على إلا سبعة * قال أبو مخنف عن نمير بن وعلة الساعي عن أبى درداء قال كان على لما فرغ من أهل النهروان حمد الله وأثنى عليه ثم قال ان الله قد أحسن بكم وأعز نصركم فتوجهوا من فوركم هذا إلى عدوكم قالوا يا أمير المؤمنين نفدت نبالنا وكلت سيوفنا ونصلت أسنة رماحنا وعاد أكثرها قصدا فارجع إلى مصرنا فلنستعد بأحسن عدتنا ولعل أمير المؤمنين يزيد في عدتنا عدة من هلك منا فانه أوفى لنا على عدونا وكان الذى تولى ذلك الكلام الاشعث بن قيس فأقبل حتى نزل النخيلة فأمر الناس أن يلزموا عسكرهم ويوطنوا على الجهاد أنفسهم وأن يقلوا زيارة نسائهم وأبنائهم حتى يسيروا إلى عدوهم فأقاموا فيه أياما ثم تسللوا من معسكرهم فدخلوا الا رجالا من وجوه الناس قليلا وترك العسكر خاليا فلما رأى ذلك دخل الكوفة وانكسر عليه رأيه في المسير * قال أبو مخنف عمن ذكره عن زيد بن وهب أن عليا قال للناس وهو أول كلام قال لهم بعد النهر أيها الناس استعدوا للمسير إلى عدو في جهاده القربة إلى الله ودرك الوسيلة عنده حيارى في الحق جفاة عن الكتاب نكب عن الدين يعمهون في الطغيان ويعكسون في غمرة الكلال فأعدوا لهم ما استطعتم من قوة
ومن رباط الخيل وتوكلوا على الله وكفى بالله وكيلا وكفى بالله نصيرا قال فلاهم نفروا ولا تيسروا فتركهم أياما حتى إذا أيس من أن يفللوا دعا رؤساءهم ووجوههم فسألهم عن رأيهم وما الذى ينظرهم فمنهم المع ل ومنهم المكره وأقلهم من نشط فقام فيهم خطيبا فقال عباد الله ما لكم إذا أمرتكم أن تنفروا اثاقلتم إلى الارض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة وبالذل والهوان من العز أو كلما ندبتكم إلى الجهاد دارت أعينكم كانكم من الموت في سكرة وكأن قلوبكم مألوسة فأنتم لا تعقلون وكأن أبصاركم كمه فأنتم لا تبصرون لله أنتم ما أنتم إلا أسود الشرى في الدعة وثعالب رواغة حين تدعون إلى البأس ما أنتم لى بثقة سجيس الليالى ما أنتم يركب يصال بكم ولاذى عز يعتصم إليه لعمر الله لبئس حشاش الحرب أنتم انكم

(4/67)


تكادون ولا تكيدون ويتنقص أطرافكم ولا تتحاشون ولا ينام عنكم وأنتم في غفلة ساهون ان أخا الحرب اليقظان ذو عقل وبات لذل من وادع وغلب المتجادلون والمغلوب مقهور ومسلوب ثم قال أما بعد فان لى عليكم حقا وان لكم على حقا فأما حقكم على فالنصيحة لكم ما صحبتكم وتوفير فيئكم عليكم وتعليمكم كيما لا تجهلوا وتأديبكم كى تعلموا وأما حقى عليكم فالوفاء بالبيعة والنصح لى في الغيب والمشهد والاجابة حين أدعوكم والطاعة حين آمركم فان يرد الله بكم خيرا انتزعوا عما أكره وتراجعوا إلى ما أحب تنالوا ما تطلبون وتدركوا ما تأملون * وكان غير أبى مخنف يقول كانت الوقعة بين على وأهل النهر سنة 38 وهذا القول عليه أكثر أهل السير * ومما يصححه أيضا ما حدثنى به عمارة الاسدي قال حدثنا عبيدالله بن موسى قال أخبرنا نعيم قال حدثنى أبو مريم أن شبث بن ربعى وابن الكواء خرجا من الكوفة إلى حروراء فأمر على الناس أن يخرجوا بسلاحهم فخرجوا إلى المسجد حتى امتلا بهم فأرسل إليهم بئس ما صنعتم حين تدخلون
المسجد بسلاحكم اذهبوا إلى جبانة مراد حتى يأتيكم أمرى قال أبو مريم فانطلقنا إلى جبانة مراد فكنا بها ساعة من نهار ثم بلغنا أن القوم قد رجعوا وهم زاحفون قال فقلت أنطلق أنا حتى أنظر إليهم فانطلقت حتى أتخلل صفوفهم حتى انتهيت إلى شبث بن ربعى وابن الكواء وهما واقفان متوركان على دابتيهما وعندهما رسل على وهم يناشدونهما الله لما رجعا بالناس ويقولون لهم نعيذكم بالله أن تعجلوا بفتنة العام خشية عام قابل فقام رجل إلى بعض رسل على فعقر دابته فنزل الرجل وهو يسترجع فحمل سرجه فانطلق به وهم يقولون ما طلبنا إلا منابذتهم وهم يناشدونهم الله فمكنا ساعة ثم انصرفوا إلى الكوفة كأنه يوم فطر أو أضحى قال وكان على يحدثنا قبل ذلك أن قوما يخرجون من الاسلام يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية علامتهم رجل محدج اليد قال وسمعت ذلك منه مرارا كثيرة قال وسمعه نافع المخدج أيضا حتى رأيته يتكره طعامه من كثرة ما سمعه يقول وكان نافع معنا يصلى في المسجد بالنهار ويبيت فيه بالليل وقد كنت كسوته برنسا فلقيته

(4/68)


من الغد فسألته هل كان خرج مع الناس الذين خرجوا إلى حروراء فقال خرجت أريدهم حتى إذا بلغت إلى بنى سعد لقيني صبيان فنزعوا سلاحي وتلعبوا بى فرجعت حتى إذا كان الحول أو نحوه خرج أهل النهر وسار على إليهم فلم أخرج معه وخرج أخى أبو عبد الله قال فأخبرني أبو عبد الله أن عليا سار إليهم حتى إذا كان حذاءهم على شط النهروان أرسل إليهم يناشدهم الله ويأمرهم أن يرجعوا فلم تزل رسله تختلف إليهم حتى قتلوا رسوله فلما رأى ذلك نهض إليهم فقاتلهم حتى فرغ منهم ثم أمر أصحابه أن يلتمسوا المخدج فالتمسوه فقال بعضهم ما نجده حتى قال بعضهم لا ما هو فيهم ثم إنه جاء رجل فبشره وقال يا أمير المؤمنين قد وجدناه تحت قتيلين في ساقية فقال اقطعوا يده المخدجة وأتوني بها فلما أتى بها أخذها ثم رفعها وقال
والله ما كذبت ولا كذبت (قال أبو جعفر) فقد أنبأ أبو مريم بقوله فرجعت حتى إذا كان الحول أو نحوه خرج أهل النهر أن الحرب التى كانت بين على وأهل حروراء كانت في السنة التى بعد السنة التى كان فيها إنكار أهل حروراء على على التحكيم وكان ابتداء ذلك في سنة 37 على ما قد ثبت قبل وإذا كان كذلك وكان الامر على ما روينا من الخبر عن أبى مريم كان معلوما أن الوقعة كانت بينه وبينهم في سنة 38 وذكر على بن محمد عن عبد الله بن ميمون عن عمرو بن شجيرة عن جابر عن الشعبى قال بعث على بعد ما رجع من صفين جعدة بن هبيرة المخزومى وأم جعدة أم هانئ بنت أبى طالب إلى خراسان فانتهى إلى أبرشهر وقد كفروا وامتنعوا فقدم على على فبعث خليد بن قرة اليربوعي فحاصر أهل نيسابور حتى صالحوه وصالحه أهل مرو (وحج) بالناس في هذه السنة أعنى سنة 37 عبد الله بن عباس وكان عامل على على اليمن ومحاليفها وكان على مكة والطائف قثم بن العباس وعلى المدينة سهل بن حنيف الانصاري وقيل كان عليها تمام بن العباس وكان على البصرة عبد الله بن العباس وعلى قضائها أبو الاسود الدؤلى وعلى مصر محمد بن أبى بكر وعلى خراسان خليد بن قرة اليربوعي وقيل أن عليا لما شخص إلى صفين استخلف على الكوفة أبا مسعود الانصاري * حدثنى إحمد بن ابراهيم الدورقى قال حدثنا عبد الله بن

(4/69)


ادريس قال سمعت ليثا ذكر عن عبد العزيز بن رفيع أنه لما خرج على إلى صفين استخلف على الكوفة أبا مسعود الانصاري عقبة بن عمرو وأما الشام فكان بها معاوية بن أبى سفيان ثم دخلت سنة ثمان وثلاثين ذكر ما كان فيها من الاحداث فما كان فيها مقتل محمد بن أبى بكر بمصر وهو عامل عليها وقد ذكرنا سبب تولية
على اياه مصر وعزل قيس بن سعد عنها ونذكر الآن سبب قتله وأين قتل وكيف كان أمره ونبدأ بذكر من تتمة حديث الزهري الذى قد ذكرنا أوله قبل وذلك ما حدثنا عبد الله عن يونس عن الزهري قال لما حدث قيس بن سعد بمجئ محمد ابن أبى بكر وأنه قادم عليه أميرا تلقاه وخلابه وناجاه فقال انك جئت من عند امرئ لا رأى له وليس عزلكم اياى بمانعي أن أنصح لكم وأنا من أمركم هذا على بصيرة وإنى في ذلك على الذى كنت أكايد به معاوية وعمرا وأهل الشام خربتا فكايدهم به فانك إن تكايدهم بغيره تهلك ووصف قيس بن سعد المكايدة التى كان يكايدهم بها واغتشه محمد بن أبى بكر وخالف كل شئ أمره به فلما قدم محمد بن أبى بكر وخرج قيس قبل المدينة بعث محمد أهل مصر إلى خربتا فاقتتلوا فهزم محمد بن أبى بكر فبلغ ذلك معاوية وعمرا فسارا بأهل الشام حتى افتتحا مصر وقتلا محمد بن أبى بكر ولم تزل في حيز معاوية حتى ظهر وقدم قيس بن سعد المدينة فأخافه مروان والاوسود بن أبى البخترى حتى إذا خاف أن يؤخذ أو يقتل ركب راحلته وظهر إلى على فكتب معاوية إلى مروان والاسود يتغيظ عليهما ويقول أمددتما عليا بقيس بن سعد ورأيه ومكايدته فوالله لو أنكما أمددتماه بمائة ألف مقاتل ما كان بأغيظ إلى من إخراجكما قيس ابن سعد إلى على فقدم قيس بن سعد على على فلما باثه الحديث وجاءهم قتل محمد بن أبى بكر عرف أن قيس بن سعد كان يوازى أمورا عظاما من المكايدة وأن من كان يشير عليه بعزل قيس بن سعد لم ينصح له * وأما ما قال في ابتداء أمر محمد

(4/70)


ابن أبى بكر في مصيره إلى مصر وولايته إياها أبو مخنف فقد تقدم ذكرنا له ونذكر الآن بقية خبره في روايته ما روى من ذلك عن يزيد بن ظبيان الهمداني قال ولما قتل أهل خربتا ابن مضاهم الكلبى الذى وجهه إليهم محمد بن أبى بكر خرج معاوية بن حديج الكندى ثم السكوني فدعا إلى الطلب بدم عثمان فأجابه
ناس آخرون وفسدت مصر على محمد بن أبى بكر فبلغ عليا وثوب أهل مصر على محمد بن أبى بكر واعتمادهم إياه فقال ما لمصر الا أحد الرجلين صاحبنا الذى عزلناه عنها يعنى قيسا أو مالك بن الحارث يعنى الاشتر قال وكان على حين انصرف من صفين رد الاشتر على عمله بالجزيرة وقد كان قال لقيس بن سعد أقم معى على شرطتي حتى نفرغ من أمر هذه الحكومة ثم اخراج إلى آذربيجان فان قيسا مقيم مع على على شرطته فلما انقضى أمر الحكومة كتب على إلى مالك بن الحارث الاشتر وهو يومئذ بنصيبين أما بعد فانك ممن استظهرته على إقامة الدين وأقمع به نخوة الاثيم وأشد به الثغر المخوف وكنت وليت محمد بن أبى بكر مصر فخرجت عليه بها خوارج وهو غلام حدث ليس بذى تجربة للحرب ولا بمجرب للاشياء فاقدم على للننظر في ذلك فيما ينبغى واستخلف على عملك أهل الثقة والنصيحة من أصحابك والسلام فأقبل مالك إلى على حتى دخل عليه فحدثه حديث أهل مصر وخبره خبر أهلها وقال ليس لها غيرك اخرج رحمك الله فانى إن لم أوصك اكتفيت برأيك واستعن بالله على ما أهمك فاخلط الشدة باللبن وارفق ما كان الرفق أبلغ واعتزم بالشدة حين لا يغنى عنك إلا الشدة قال فخرج الاشتر من عند على فأتى رحله فتهيأ للخروج إلى مصر وأتت معاوية عيونه فأخبروه بولاية على الاشتر فعظم ذلك عليه وقد كان طمع في مصر فعلم أن الاشتر إن قدمها كان أشد عليه من محمد ابن أبى بكر فبعث معاوية إلى الجايستار رجل من أهل الخراج فقال له ان الاشتر قد ولى مصر فان أنت كفيتنيه لم آخذ منك خراجا ما بقيت فاحتل له بما قدرت عليه فخرج الجايستار حتى أتى القلزم وأقام به وخرج الاشتر من العراق إلى مصر فلما انتهى إلى القلزم استقبله الجايستار فقال هذا منزل وهذا طعام وعلف

(4/71)


وأنا رجل من أهل الخراج فنزل به الاشتر فأتاه الدهقان بعلف وطعام حتى إذا
طعم أتاه بشربة من عسل قد جعل فيها سما فسقاه إياه فلما شربها مات وأقبل معاوية يقول لاهل الشأم ان عليا وجه الاشتر إلى مصرفا فادعوا الله أن يكفيكموه قال فكانوا كل يوم يدعون الله على الاشتر وأقبل الذى سقاه إلى معاوية فأخبره بمهلك الاشتر فقام معاوية في الناس خطيبا فحمد الله وأثنى عليه وقال أما بعد فانه كانت لعلى ابن أبى طالب يدان يمينان قطعت إحداهما يوم صفين يعنى عمار بن ياسر وقطعت الاخرى اليوم يعنى الاشتر * قال أبو مخنف حدثنى فضيل بن خديج عن مولى للاشتر قال لما هلك الاشتر وجدنا في ثقله رسالة على إلى أهل مصر بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله على أمير المؤمنين إلى أمة المسلمين الذين غضبوا لله حين عصى في الارض وضرب الجور بأرواقه على البر والفاجر فلا حق يستراح إليه ولا منكر يتناهى عنه سلام عليكم فإنى أحمد الله إليكم الذى لا إله إلا هو أما بعد فقد بعثت إليكم عبدا من عبيدالله لا ينام أيام الخوف ولا ينكل عن الاعادي حذار الدوائر أشد على الكفار من حريق النار وهو مالك بن الحارث أخو مذحج فاسمعوا له وأطيعوا فإنه سيف من سيوف الله لا نابى الضريبة ولا كليل الحد فإن أمركم أن تقدموا فأقدموا وان أمركم أن تنفروا فانفرو افانه لا يقدم ولا يحجم الا بأمرى وقد آثرتكم به على نفسي لنصحه لكم وشدة شكيمته على عدوكم عصمكم الله بالهدى وثبتكم على اليقين والسلام.
قال ولما بلغ محمد بن أبى بكر أن عليا قد بعث الاشتر شق عليه فكتب على إلى محمد بن أبى بكر عند مهلك الاشتر وذلك حين بلغه موجدة محمد ابن أبى بكر لقدوم الاشتر عليه بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله على أمير المؤمنين إلى محمد بن أبى بكر سلام عليك أما بعد فقد بلغني موجدتك من تسريحي الاشتر إلى عملك وإنى لم أفعل ذلك استبطاء لك في الجهاد ولا ازديادا منى لك في الجد ولو نزعت ما تحت يدك من سلطانك لوليتك ما هو أيسر عليك في المؤنة وأعجب إليك ولاية منه إن الرجل الذى كنت وليته مصر كان لنا نصيحا وعلى عدونا شديدا
وقد استكمل أيامه ولاقى حمامه ونحن عنه راضون فرضى الله عنه وضاعف له

(4/72)


الثواب وأحسن له المآب اصبر لعدوك وشمر للحرب وادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وأكثر ذكر الله والاستعانة به والخوف منه يكفك ما أهمك ويعنك على ما ولاك أعاننا الله وإياك على ما لا ينال الا برحمته والسلام عليك فكتب إليه محمد بن أبى بكر جواب كتابه بسم الله الرحمن الرحيم لعبدالله على أمير المؤمنين من محمد بن أبى بكر سلام عليك فإنى أحمد الله إليك الذى لا إله غيره أما بعد فإنى قد انتهى إلى كتاب أمير المؤمنين ففهمته وعرفت ما فيه وليس أحد من الناس بأرضى منى برأى أمير المؤمنين ولا أجهد على عدوه ولا أرأف بوليه منى وقد خرجت فعسكرت وآمنت الناس إلا من نصب لنا حربا وأظهر لنا خلافا وأنا متبع أمر أمير المؤمنين وحافظه وملتجى إليه وقائم به والله المستعان على كل حال والسلام عليك * قال أبو مخنف حدثنى أبو جهضم الازدي رجل من أهل الشأ عن عبد الله بن حوالة الازدي أن أهل الشأم لما انصرفوا من صفين كانوا ينتظرون ما يأتي به الحكمان فلما انصرفا وتفرقا بايع أهل الشأم معاوية بالخلافة ولم يزدد الا قوة واختلف الناس بالعراق على على فما كان لمعاوية هم إلا مصر وكان لاهلها هائبا خائفا لقربهم منه وشدتهم على من كان على رأى عثمان وقد كان على ذلك علم أن بها قوما قد ساءهم قتل عثمان وخالفوا عليا وكان معاوية يرجو أن يكون إذا ظهر عليها ظهر على حرب على لعظم خراجها قال فدعا معاوية من كان معه من قريش عمرو بن العاص وحبيب بن مسلمة وبسر بن أبى أرطاة والضحاك بن قيس وعبد الرحمن بن خالد بن الوليد ومن غيرهم أبا الاعور عمرو بن سفيان السلمى وحمزة بن مالك الهمداني وشرحبيل ابن السمط الكندى فقال لهم أتدرون لم دعوتكم انى قد دعوتكم لامر مهم أحب أن يكون الله قد أعان عليه فقال القوم كلهم أو من قال منهم ان الله لم يطلع على
الغيب أحدا وما يدرينا ما تريد فقال عمرو بن العاص أرى والله أمر هذه البلاد الكثير خراجها والكثير عددها وعدد أهلها أهمك أمرها فدعوتنا إذا لتسألنا عن رأينا في ذلك فان كنت لذلك دعوتنا وله جمعتنا فاعزم وأقدم ونعم الرأى رأيت ففى افتتاحها عزك وعز أصحابك وكبت عدوك وذل أهل الخلاف عليك

(4/73)


قال له معاوية مجيبا أهمك يا ابن العاص ما أهمك وذلك لان عمرو بن العاص كان صالح معاوية حين بايعه على قتال على بن أبى طالب على ان له مصر طعمة ما بقى فأقبل معاوية على أصحابه فقال إن هذا يعنى عمرا قد ظن ثم حقق ظنه قالوا له لكنا لا ندرى قال معاوية فان أبا عبد الله قد أصاب قال عمرو وأنا أبو عبد الله قال إن أفضل الظنون ما أشبه اليقين ثم ان معاوية حمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد فقد رأيتم كيف صنع الله بكم في حربكم عدوكم جاؤكم وهم لا يرون الا انهم سيقيضون بيضتكم ويخربون بلادكم ما كانوا يرون ألا أنكم في أيديهم فردهم الله بغيظهم لم ينالوا خيرا مما أحبوا وحاكمناهم إلى الله فحكم لنا عليهم ثم جمع لنا كلمتنا وأصلح ذات بيننا وجعلهم أعداء متفرقين يشهد بعضهم على بعض بالكفر ويسفك بعضهم دم بعض والله انى لارجو ان يتم لنا هذا الامر وقد رأيت أن تحاول أهل مصر فكيف ترون ارتئاء نالها فقال عمرو قد أخبرتك عما سألتنى عنه وقد أشرت عليك بما سمعت فقال معاوية إن عمرا قد عزم وصرم ولم يفسر فكيف لى أن أصنع قال له عمرو فإنى أشير عليك كيف تصنع أرى أن تبعث جيشا كثيفا عليهم رجل حازم صارم تأمنه وتثق به فيأتى مصر حتى يدخلها فانه سيأتيه من كان من أهلها على رأينا فيظاهره على من بها من عدونا فإذا اجتمع بها جندك ومن بها من شيعتك على من بها من أهل حربك رجوت أن يعين الله بنصرك ويظهر فلجك قال له معاوية هل عندك شئ دون هذا يعمل
به فيما بيننا وبينهم قال ما أعلمه قال بلى فإن غير هذا عندي أرى أن نكاتب من بها من شيعتنا ومن بها من أهل عدونا فأما شيعتنا فأمرهم بالثبات على أمرهم ثم أمنيهم قدومنا عليهم وأما من بها من عدونا فندعوهم إلى صلحنا ونمنيهم شكرنا ونخوفهم حربنا فان صلح لنا ما قبلهم بغير قتال فذاك ما أحببنا وإلا كان حربهم من وراء ذلك كله انك يا ابن العاص امرؤ بورك لك في العجلة وأنا امرؤ بورك لى في التؤدة قال فاعمل بما أراك الله فو الله ما أرى أمرك وأمرهم يصير إلا إلى الحرب العوان قال فكتب معاوية عند ذلك إلى مسلمة بن مخلد الانصاري والى معاوية بن خديج الكندى

(4/74)


وكانا قد خالفا عليا بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإن الله قد ابتعثكما لامر عظيم أعظم به أجركما ورفع به ذكركما وزينكما به في المسلمين طلبكما بدم الخليفة المظلوم وغضبكما لله إذ ترك حكم الكتاب وجاهدتما أهل البغى والعدوان فأبشروا برضوان الله وعاجل نصر أولياء الله والمواساة لكما في الدنيا وسلطاننا حتى ينتهى في ذلك ما يرضيكما ونؤدى به حقكما إلى ما يصير أمركما إليه فاصبروا وصابروا عدوكما وادعوا المدبر إلى هداكما وحفظكما فإن الجيش قد أضل عليكما فانقشع كل ما تكرهان وكان كل ما تهويان والسلام عليكما وكتب هذا الكتاب وبعث به مع مولى له يقال له سبيع فخرج الرسول بكتابه حتى قدم عليهما مصر ومحمد بن أبى بكر أميرها وقد ناصب هؤلاء الحرب بها وهو غير متخون بها يوم الاقدام عليه فدفع كتابه إلى مسلمة بن مخلد وكتاب معاوية بن حديج فقال مسلمة امض بكتاب معاوية إليه حتى يقرأه ثم القنى به حتى أجيبه عنى وعنه فانطلق الرسول بكتاب معاوية بن خديج إليه فأقرأه إياه فلما قرأه قال إن مسلمة بن مخلد قد أمرنى أن أرد إليه الكتاب إذا قرأته لكى يجيب معاوية عنك وعنه قال قل له فليفعل ودفع إليه الكتاب فأتاه ثم كتب مسلمة عن نفسه وعن معاوية بن خديج أما بعد
فإن هذا الامر الذى بذلنا له أنفسنا واتبعنا أمر الله فيه أمر نرجو به ثواب ربنا والنصر ممن خالفنا وتعجيل النقمة لمن سعى على امامنا وطأطأ الركض في جهادنا ونحن بهذا الحيز من الارض قد نفينا من كان به من أهل البغى وأنهضنا من كان به من أهل القسط والعدل وقد ذكرت المواساة في سلطانك ودنياك وبالله إن ذلك لامر ماله نهضنا ولا اياه أردنا فإن يجمع الله لنا ما نطلب ويؤتنا ما تمنينا فإن الدنيا والآخرة لله رب العالمين وقد يؤتيهما الله معا عالما من خلقه كما قال في كتابه ولا خلف لموعوده قال (فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة والله يحب المحسنين) عجل علينا خيلك ورجلك فإن عدونا قد كان علينا حربا وكنا فيهم قليلا فقد أصبحوا لنا هائبين وأصبحنا لهم مقرنين فإن يأتنا الله بمدد من قبلك يفتح الله عليكم ولا حول ولا قوة إلا بالله وحسبنا الله ونعم الوكيل والسلام عليك

(4/75)


قال فجاءه هذا الكتاب وهو يومئذ بفلسطين فدعا النفر الذين سماهم في الكتاب فقال ماذا ترون قالوا الرأي أن تبعث جندا من قبلك فإنك تفتتحها بإذن الله قال معاوية فتجهز يا أبا عبد الله إليها يعنى عمرو بن العاص قال فبعثه في ستة آلاف رجل وخرج معاوية وودعه وقال له عند وداعه اياه أوصيك يا عمرو بتقوى الله والرفق فإنه يمن وبالمهل والتؤدة فإن العجلة من الشيطان وبأن تقبل ممن أقبل وأن تعفو عمن أدبر فإن قبل فنها ونعمت وإن أبى فإن السطوة بعد المعذرة أبلغ في الحجة وأحسن في العاقبة وادع الناس إلى الصلح والجماعة فإذا أنت ظهرت فليكن أنصارك آثر الناس عندك وكل الناس فأول حسنا قال فخرج عمرو يسير حتى نزل أداني أرض مصر فاجتمعت العثمانية إليه فأقام بهم وكتب إلى محمد بن أبى بكر أما بعد فتنح عنى بدمك يا ابن أبى بكر فإنى لا أحب أن يصيبك منى ظفر إن الناس بهذه البلاد قد اجتمعوا على خلافك ورفض أمرك وندموا على اتباعك
فهم مسلموك لو قد التقت حلقتا البطان فاخرج منها فإنى لك من الناصحين والسلام وبعث إليه عمرو أيضا بكتاب معاوية إليه أما بعد فإن غب البغى والظلم عظيم الوبال وإن سفك الدم الحرام لا يسلم صاحبه من النقمة في الدنيا ومن التبعة الموبقة في الآخرة وإنا لا نعلم أحدا كان أعظم على عثمان بغيا ولا أسوأ له عيبا ولا أشد عليه خلافا منك سعيت عليه في الساعين وسفكت دمه في السافكين ثم أنت تظن أنى عنك نائم أو ناس لك حتى تأتى فتأمر على بلاد أنت فيها جارى وجل أهلها أنصارى يرون رأيى ويرقبون قولى ويستصرخوني عليك وقد بعثت إليك قوما حناقا عليك يستسقون دمك ويتقربون إلى الله بجهادك وقد أعطوا الله عهدا ليمثلن بك ولو لم يكن منهم إليك ما عدا قتلك ما حذرتك ولا أنذرتك ولاحببت أن يقتلوك بظلمك وقطيعتك وعدوك على عثمان يوم يطعن بمشاقصك بين خششائه وأوداجه ولكن أكره أن أمثل بقرشي ولن يسلمك الله من القصاص أبدا ؟ أينما كنت والسلام قال فطوى محمد كتابيهما وبعث بهما إلى على وكتب معهما أما بعد فإن ابن العاص قد نزل أداني أرض مصر واجتمع إليه أهل البلد جلهم

(4/76)


ممن كان يرى رأيهم وقد جاء في جيش لجب خراب وقد رأيت ممن قبلى بعض الفشل فإن كان لك في أرض مصر حاجة فأمدني بالرجال والاموال والسلام عليك فكتب إليه على أما بعد فقد جاءني كتابك تذكر ان بن العاص قد نزل بأدانى أرض مصر في لجب من جيشه خراب وأن من كان بها على مثل رأيه قد خرج إليه وخروج من يرى رأيه إليه خير لك من إقامتهم عندك وذكرت أنك قد رأيت في بعض ممن قبلك فشلا فلا تفشل وإن فشلوا حصن قريتك واضممم اليك شيعتك واندب إلى القوم كنانة بن بشر المعروف بالنصيحة والنجدة والبأس فإنى نادب إليك النابغي على الصعب والذلول فاصبر لعدوك وامض على بصيرتك
وقاتلهم على نيتك وجاهدهم صابرا محتسبا وإن كانت فئتك أقل الفئتين فإن الله قد يعز القليل ويخذل الكثير وقد قرأت كتاب الفاجر بن الفاجر معاوية والفاجر بن الكافر م مرو والمتحابين في عمل المعصية والمتوافقين المرتفين في الحكومة المنكرين في الدنيا قد استمتعوا بخلاقهم كما استمتع الذين من قبلهم بخلاقهم فلا يهلك إرعادهما وإبراقهما وأجبهما إن كنت لم تجبهما بما هما أهله فإنك تجد مقالا ما شئت والسلام قال أبو مخنف فحدثني محمد بن يوسف بن ثابت الانصاري عن شيخ من أهل المدينة قال كتب محمد بن أبى بكر إلى معاوية بن أبى سفيان جواب كتابه أما بعد فقد أتانى كتابك تذكرني من أمر عثمان أمرا لا أعتذر اليك منه وتأمرني بالتنحي عنك كأنك لى ناصح وتخوفني المثلة كأنك شفيق وأنا أرجو أن تكون لى الداثرة عليكم فأجتاحكم في الوقعة وإن تؤتوا النصر ويكن لكم الامر في الدنيا فكم لعمري من ظالم قد نصرتم وكم من مؤمن قد قتلتم ومثلتم به وإلى الله مصيركم ومصيرهم وإلى الله مرد الامور وهو أرحم الراحمين والله المستعان على ما تصفون والسلام وكتب محمد إلى عمرو بن العاص أما بعد فقد فهمت ما ذكرت في كتابك يا ابن العاص زعمت أنك تكره أن يصيبني منك ظفر وأشهد أنك من المبطلين وتزعم أنك لى نصيح وأقسم أنك عندي ظنين وتزعم أن أهل البلد قد رفضوا رأيى وأمري وندموا على اتباعى فأولئك لك وللشيطان الرجيم أولياء فحسبنا الله رب العالمين

(4/77)


وتوكلنا على الله رب العرش العظيم والسلام * قال أقبل عمرو بن العاص حتى قصد مصر فقام محمد بن أبى بكر في الناس فحمد الله وأثنى عليه وصلى على رسوله ثم قال أما بعد معاشر المسلمين والمؤمنين فان القوم الذين كانوا ينتهكون الحرمة وينعشون الضلال ويشبون نار الفتنة ويتسلطون بالجبرية قد نصبوا لكم العداوة وساروا اليكم بالجنود عباد الله فمن أراد الجنة والمغفرة فليخرج إلى هؤلاء القوم فليجاهدهم
في الله انتدبوا إلى هؤلاء القوم رحمكم الله مع كنانة بن بشر قال فانتدب معه نحو من ألفى رجل وخرج محمد في ألفى رجل واستقبل عمرو بن العاص كنانة وهو على مقدمة محمد فأقبل عمرو نحو كنانة فلما دنا من كنانة سرح الكتائب كتيبة بعد كتيبة فجعل كنانة لا تأتيه كتيبة من كتائب أهل الشام إلا شد عليها بمن معه فيضربها حتى يقربها بعمرو بن العاص ففعل ذلك مرارا فلما رأى ذلك عمرو بعث إلى معاوية ابن خديج السكوني فأتاه في مثل الدهم فأحاط بكنانة وأصحابه واجتمع أهل الشأم عليهم من كل جانب فلما رأى ذلك كنانة بن بشر نزل عن فرسه ونزل أصحابه وكنانة يقول وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها وسنجزي الشاكرين فضاربهم بسيفه حتى استشهد رحمه الله وأقبل عمرو بن العاص نحو محمد بن أبى بكر وقد تفرق عنه أصحابه لما بلغهم قتل كنانة حتى بقى وما معه أحد من أصحابه فلما رأى ذلك محمد خرج يمشى في الطريق حتى انتهى إلى خربة في ناحية الطريق فأوى إليها وجاء عمرو بن العاص حتى دخل الفسطاط وخرج معاوية بن حديج في طلب محمد حتى انتهى إلى علوج في قارعة الطريق فسألهم هل مر بكم أحد تنكرونه فقال أحدهم لا والله إلا أنى دخلت تلك الخربة فإذا أنا برجل فيها جالس فقال ابن خديج هو هو ورب الكعبة فانطلقوا يركضون حتى دخلوا عليه فاستخرجوه وقد كاد يموت عطشا فأقبلوا به نحو فسطاط مصر قال ووثب أخوه عبد الرحمن بن أبى بكر إلى عمرو بن العاص وكان في جنده فقال أتقتل أخى صبرا ابعث إلى معاوية بن خديج فانهه فبعث إليه عمرو بن العاص يأمره أن يأتيه بمحمد بن أبى بكر فقال معاوية

(4/78)


أكذاك قتلتم كنانة بن بشر وأخلى أنا عن محمد بن أبى بكر هيهات أكفاركم خير من أولئكم أم لكم براءة في الزبر فقال لهم محمد اسقوني من الماء قال له معاوية بن
حديج لا سقاه الله إن سقاك قطرة أبدا إنكم منعتم عثمان أن يشرب الماء حتى قتلموه صانما محرما فتلقاه الله بالرحيق المختوم والله لاقتلنك يا ابن أبى بكر فيسقيك الله الحميم والغساق قال له محمد يا ابن اليهودية النساجة ليس ذلك اليك وإلى من ذكرت إنما ذلك إلى الله عز وجل يسقى أولياءه ويظمئ أعداءه أنت وضرباؤك ومن تولاه أما والله لو كان سيفى في يدى ما بلغتم منى هذا قال له معاوية أتدرى ما أصنع بك أدخلك في جوف حمار ثم أحرقه عليك بالنار فقال له محمد إن فعلتم بى ذلك فطال ما فعل ذلك بأولياء الله وانى لاجو هذه النار التى تحرقني بها أن يجعلها الله على بردا وسلاما كما جعلها على خليله ابراهيم وأن يجعلها عليك وعلى أوليائك كما جعلها على نمرود وأوليائه ان الله يحرقك ومن ذكرته قبل وإمامك يعنى معاوية وهذا وأشار إلى عمرو بن العاص بنار تلظى عليكم كلما خبت زادها الله سعيرا قال له معاوية انى انما أقتلك بعثمان قال له محمد وما أنت وعثمان إن عثمان عمل بالجور ونبذ حكم القرآن وقد قال الله تعالى (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون) فنقمنا ذلك عليه فقتلناه وحسنت أنت له ذلك ونظراؤك فقد برأنا الله ان شاء الله من ذنبه وأنت شريكه في إثمه وعظم ذنبه وجاعلك على مثاله قال فغضب معاوية فقدمه فقتله ثم ألقاه في جيفة حمار ثم أحرقه بالنار فلما بلغ ذلك عائشة جزعت عليه جزعا شديدا وقنتت عليه في دبر الصلاة تدعو على معاوية وعمرو ثم قبضت عيال محمد إليها فكان القاسم بن محمد بن أبى بكر في عيالها (وأما الواقدي) فإنه ذكر لى أن سويد بن عبد العزيز حدثه عن ثابت بن عجلان عن القاسم بن عبد الرحمن أن عمرو بن العاص خرج في أربعة آلاف فيهم معاوية ابن حديج وأبو الاعور السلمى فالتقوا بالمسناة فاقتتلوا قتالا شديدا حتى قتل كنانة بن بشر بن عتاب التجيبى ولم يجد محمد بن أبى بكر مقاتلا فانهزم فاختبأ عند جبلة بن مسروق فدل عليه معاوية بن حديج فأحاط به فخرج محمد فقاتل حتى قتل

(4/79)


(قال الواقدي) وكانت المسناة في صفر سنة 38 وأذرح في شعبان منها في عام واحد (رجع الحديث إلى حديث أبى مخنف) وكتب عمرو بن العاص إلى معاوية عند قتله محمد بن أبى بكر وكنانة بن بشر أما يعد فإنا لقينا محمد بن أبى بكر وكنانة بن بشر في جموع جمة من أهل مصر فدعوناهم إلى الهدى والسنة وحكم الكتاب فرفضوا الحق وتوركوا في الضلال فجاهدناهم واستنصرنا الله عليهم فضرب الله وجوههم وأدبارهم ومنحونا أكتافهم فقتل الله محمد بن أبى بكر وكنانة بن بشر وأماثل القوم والحمد لله رب العالمين والسلام عليك (وفيها) قتل محمد بن أبى حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس ذكر الخبر عن مقتله اختلف أهل السير في وقت مقتله فقال الواقدي قتل في سنة 36 قال وكان سبب قتله أن معاوية وعمرا سارا إليه وهو بمصر قد ضبطها فنزلا بعين شمس فعالجا الدخول فلم يقدرا عليه فخدعا محمد بن أبى حذيفة على أن يخرج في ألف رجل إلى العريش فخرج وخلف الحكم بن الصلت على مصر فلما خرج محمد بن أبى حذيفة إلى العريش تحصن وجاء عمرو فنصب المجانيق حتى نزل في ثلاثين من أصحابه فأخذوا فقتلوا قال وذاك قبل أن يبعث على إلى مصر قيس بن سعد * وأما هشام بن محمد الكلبى فإنه ذكر أن محمد بن أبى حذيفة إنما أخذ بعد أن قتل محمد بن أبى بكر ودخل عمرو بن العاص مصر وغلب عليها وزعم أن عمرا لما دخل هو وأصحابه مصر أصابوا محمد بن أبى حذيفة فبعثوا به إلى معاوية وهو بفلسطين فحبسه في سجن له فمكث فيه غير كثير ثم إنه هرب من السجن وكان ابن خال معاوية فأرى معاوية الناس أنه قد كره انفلاته فقال لاهل الشأم من يطلبه قال وقد كان معاوية يحب فيما يرون أن ينجو فقال رجل من خثعم يقال له عبد الله بن عمرو بن ظلام وكان
رجلا شجاعا وكان عثمانيا أنا أطلبه فخرج في حاله حتى لحقه بأرض البلقاء بحوران وقد دخل في غار هناك فجاءت حمر تدخله وقد أصابها المطر فلما رأت الحمر الرجل في الغار فزعت فنفرت فقال حصادون كانوا قريبا من الغار والله إن لنفر هذه الحمر

(4/80)


من الغار لشأنا فذهبوا لينظروا فإذا هم به فخرجوا ويوافقهم عبد الله بن عمرو بن ظلام الخثعمي فسألهم عنه ووصفه لهم فقالوا له ها هوذا في الغار قال فجاء حتى استخرجه وكره أن يرجعه إلى معاوية فيخلى سبيله فضرب عنقه * قال هشام عن أبى مخنف قال وحدثني الحارث بن كعب بن فقيم عن جندب عن عبد الله بن فقيم عن الحارث بن كعب.
يستصرخ من قبل محمد بن أبى بكر إلى على ومحمد يومئذ أميرهم فقام على في الناس وقد أمر فنودى الصلاة جامعة فاجتمع الناس فحمد الله وأثنى عليه وصلى على محمد صلى الله عليه وسلم ثم قال أما بعد فان هذا صريخ محمد بن أبى بكر وإخوانكم من أهل مصر قد سار إليهم ابن النابغة عدو الله وولى من عادى الله فلا يكونن أهل الضلال إلى باطلهم والركون إلى سبيل الطاغوت أشد اجتماعا منكم على حقكم هذا فإنهم قد بدأوكم وإخوانكم بالغزو فاعجلوا إليهم بالمؤاساة والنصر عباد الله إن مصر أعظم من الفأم أكثر خيرا وخير أهلا فلا تغلبوا على مصر فان بقاء مصر في أيديكم عز لكم وكبت لعدوكم اخرجوا إلى الجرعة ببن الحيرة والكوفة فوافونى بها هناك غدا ان شاء الله قال فلما كان من الغد خرج يمشى فنزلها بكرة فأقام بها حتى انتصف النهار يومه ذلك فلم يوافه منهم رجل واحد فرجع فلما كان من العشى بعث إلى أشراف الناس فدخلوا عليه القصر وهو حزين كئيب فقال الحمد لله على ما قضى من أمرى وقدر من فعلى وابتلاني بكم أيتها الفرقة ممن لا يطيع إذا أمرت ولا يجيب إذا دعوت لا أبا لغيركم ما تنتظرون بصبركم والجهاد على حقكم الموت والذل لكم
في هذه الدنيا على غير الحق فوالله لئن جاء الموت وليأتين ليفرقن بينى وبينكم وأنا لصحبتكم قال وبكم غير ضنين لله أنتم لا دين يجمعكم ولا حمية تحميكم إذا أنتم سمعتم بعدوكم يرد بلادكم ويشن الغارة عليكم أو ليس عجبا أن معاوية يدعو الجفاة الطغام فيتبعونه على غير عطاء ولا معونة ويجيبونه في السنة المرتين والثلاث إلى أي وجه شاء وأنا أدعوكم وأنتم أولو النهى وبقية الناس على المعونة وطائفة منكم على العطاء فتقومون عنى وتعصونني وتختلفون على فقام إليه مالك بن كعب

(4/81)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية