صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : تاريخ الطبري
مصدر الكتاب : الإنترنت
[ ترقيم الكتاب موافق للمطبوع ]

أؤمر خالدا على حرب العراق حين أمرنى بصرف أصحابي وترك ذكره (قال أبو جعفر) وإلى آزرميدخت انتهى شأن أبى بكر وأحد شقى السواد في سلطانه ثم مات وتشاغل أهل فارس فيما بينهم عن إزالة المسلمين عن السواد فيما بين ملك أبى بكر إلى قيام عمر ورجوع المثنى مع أبى عبيد إلى العراق والجمهور من جند أهل العراق بالحيرة والمسالح بالسيب والغارات تنتهى بهم إلى شاطئ دجلة ودجلة حجاز بين العرب والعجم فهذا حديث العراق في إمارة أبى بكر من مبتدئه إلى منتهاه (رجع الحديث إلى حديث ابن اسحاق) وكتب أبو بكر إلى خالد وهو بالحيرة يأمره أن يمد أهل الشام بمن معه من أهل القوة ويخرج فيهم ويستخلف على ضعفة الناس رجلا منهم فلما أتى خالدا كتاب أبى بكر بذلك قال خالد هذا عمل الاعيسر بن أم شملة يعنى عمر بن الخطاب حسدني أن يكون فتح العراق على يدى فسار خالد بأهل القوة من الناس ورد الضعفاء والنساء إلى المدينة مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر عليهم عمير بن سعد الانصاري واستخلف خالد على من أسلم بالعراق من ربيعة وغيرهم المثنى بن حارثة الشيباني ثم سار حتى نزل على عين التمر فاغار على أهلها فأصاب منهم ورابط حصنا بها فيه مقاتلة كان كسرى وضعهم فيه حتى استنزلهم فضرب أعناقهم وسبى من عين التمر ومن أبناء تلك المرابطة سبايا كثيرة فبعث بها إلى أبى بكر فكان من تلك السبايا أبو عمرة مولى شبان وهو أبو عبد الاعلى بن أبى عمرة وأبو عبيد مولى المعلى من الانصار من بنى زريق وأبو عبد الله مولى زهرة وخير مولى أبى داود الانصاري ثم أحد بنى مازن بن النجار ويسار وهو جد محمد بن اسحاق مولى قيس بن مخرمة بن المطلب بن عبد مناف وأفلح مولى أبى أيوب الانصاري ثم أحد بنى مالك بن النجار وحمران بن أبان مولى عثمان بن عفان وقتل خالد ابن الوليد هلال بن عقة بن بشر النمري وصلبه بعين التمر ثم أراد السير مفوزا من
قراقر وهو ماء لكلب إلى سوى وهو ماء لبهراء بينهما خمس ليال فلم يهتد خالد الطريق فالتمس دليلا فدل على رافع بن عميرة الطائى فقال له خالد انطلق بالناس فقال له رافع انك لن تطيق ذلك بالخيل والاثقال والله ان الراكب المفرد ليخافها على نفسه وما يسلكها

(2/608)


إلا مغرورا انها لخمس ليال جياد لا يصاب فيها ماء مع مضلتها فقال له خالد ويحك إنه والله إن لى بد من ذلك انه قد أتتنى من الامير عزمة بذلك فمر بأمرك قال استكثروا من الماء من استطاع منكم أن يصر أذن ناقته على ماء فليفعل فإنها المهالك إلا ما دفع الله ابغنى عشرين جزورا عظاما سمانا مسان فأتاه بهن خالد فعمد إليهن رافع فظمأهن حتى إذا أجهدهن عطشا أوردهن فشربن حتى إذا تملان عمد إليهن فقطع مشافرهن ثم كعمهن لئلا يجتررن ثم أخلى أدبارهن ثم قال لخالد سر فسار خالد معه مغذا بالخيول والاثقال فكلما نزل منزلا اقتط أربعا من تلك الشوارف فأخذ ما في أكراشها فسقاه الخيل ثم شرب الناس مما حملوا معهم من الماء فلما خشى خالد على أصحابه في آخر يوم من المفازة قال لرافع بن عميرة وهو أرمد ويحك يا رافع ما عندك قال أدركت الرى إن شاء الله فلما دنا من العلمين قال للناس انظروا هل ترون شجيرة من عوسج كقعدة الرجل قالوا ما نراها قال إنا لله وإنا إليه راجعون هلكتم والله إذا وهلكت لا أبا لكم أنظروا فطلبوا فوجدوها قد قطعت وبقيت منها بقية فلما رآها المسلمون كبروا وكبر رافع بن عميرة ثم قال احفروا في أصلها فحفروا فاستخرجوا عينا فشربوا حتى روى الناس فاتصلت بعد ذلك لخالد المنازل فقال رافع والله ما وردت هذا الماء قط إلا مرة واحدة وردته مع أبى وأنا غلام فقال شاعر من المسلمين لله عينا رافع أنى اهتدى * فوز من قراقر إلى سوى خمسا إذا ما سارها الجيش بكى * ما سارها قبلك إنسى يرى
فلما انتهى خالد إلى سوى أغار على أهله وهم بهراء قبيل الصبح وناس منهم يشربون خمرا لهم في جفنة قد اجتمعوا عليها ومغنيهم يقول ألا عللاني قبل جيش أبى بكر * لعل منايانا قريب وما ندرى ألا عللاني بالزجاج وكررا * على كميت اللون صافية تجرى ألا عللاني من سلافة قهوة * تسلى هموم النفس من جيد الخمر أظن خيول المسلمين وخالدا * ستطرقكم قبل الصباح من البسر

(2/609)


فهل لكم في السير قبل قتالهم * وقبل خروج المحصنات من الخدر فيزعمون أن مغنيهم ذلك قتل تحت الغارة فسال دمه في تلك الجفنة ثم سار خالد على وجهه ذلك حتى أغار على غسان بمرح راهط ثم سار حتى نزل على قناة بصرى وعليها أبو عبيدة بن الجراح وشرحبيل بن حسنة ويزيد بن أبى سفيان فاجتمعوا عليها فرابطوها حتى صالحت بصرى على الجزية وفتحها الله على المسلمين فكانت أول مدينة من مدائن الشام فتحت في خلافة أبى بكر ثم ساروا جميعا إلى فلسطين مددا لعمرو بن العاصى وعمرو مقيم بالعربات من غور فلسطين وسمعت الروم بهم فانكشفوا عن جلق إلى أجنادين وعليهم تذارق أخو هرقل لابيه وأمه وأجنادين بلد بين الرملة وبيت جبرين من أرض فلسطين وسار عمرو بن العاصى حين سمع بأبى عبيدة بن الجراح وشرحبيل بن حسنة ويزيد بن أبى سفيان حتى لقيهم فاجتمعوا باجنادين حتى عسكروا عليهم * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة بن الزبير أنه قال كان على الروم رجل منهم يقال له القبقلار وكان هرقل استخلفه على أمراء الشأم حين سار إلى القسطنطينية وإليه انصرف تذارق بمن معه من الروم فأما علماء الشأم فيزعمون إنما كان على الروم تذارق والله أعلم * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة
عن محمد بن إسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة قال لما تدانى العسكران بعث القبقلار رجلا عربيا قال فحدثت أن ذلك الرجل رجل من قضاعة من تزيد ابن حيدان يقال له ابن هزارف فقال ادخل في هؤلاء القوم فأقم فيهم يوما وليلة ثم ائتنى بخبرهم قال فدخل في الناس رجل عربي لا ينكر فأقام فيهم يوما وليلة ثم أتاه فقال له ما وراءك قال بالليل رهبان وبالنهار فرسان ولو سرق ابن ملكهم قطعوا يده ولو زنى رجم لاقامة الحق فيهم فقال له القبقلار لئن كنت صدقتني لبطن الارض خير من لقاء هؤلاء على ظهرها ولوددت أن حظى من الله أن يخلى بينى وبينهم فلا ينصرني عليهم ولا ينصرهم على قال ثم تزاحف الناس فاقتتلوا فلما رأى القبقلار ما رأى من قتال المسلمين قال للروم لفوا رأسي بثوب قالوا له لم

(2/610)


قال يوم البئيس لا أحب أن أراه ما رأيت في الدنيا يوما أشد من هذا قال فاحتز المسلمون رأسه وإنه لملفف وكانت اجنادين في سنة ثلاث عشر لليلتين بقيتا من جمادى الاولى وقتل يومئذ من المسلمين جماعة منهم سلمة بن هشام بن المغيرة وهبار ابن الاسود بن عبد الاسد ونعيم بن عبد الله النحام وهشام بن العاصى بن وائل وجماعة أخر من قريش قال ولم يسم لنا من الانصار أحد أصيب بها وفيها توفى أبو بكر لثمان ليال بقين أو سبع بقين من جمادى الاخرة (رجع الحديث إلى حديث أبى زيد) عن على بن محمد بإسناده الذى قد مضى ذكره قال وأتى خالد دمشق فجمع له صاحب بصرى فسار إليه هو وأبو عبيدة فلقيهم أدرنجار فظفر بهم وهزمهم فدخلوا حصنهم وطلبوا الصلح فصالحهم على كل رأس دينار في كل عام وجريب حنطة ثم رجع العدو للمسلمين فتوافت جنود المسلمين والروم باجنادين فالتقوا يوم السبت لليلتين بقيتا من جمادى الاولى سنة ثلاث عشرة فظهر المسلمون وهزم الله المشركين وقتل خليفة هرقل واستشهد رجال من المسلمين ثم رجع هرقل
للمسلمين فالتقوا بالواقوصة فقاتلوهم وقاتلهم العدو وجاءتهم وفاة أبى بكر وهم ومصافون وولاية أبى عبيدة وكانت هذه الوقعة في رجب * وحدثني أبو زيد عن على بن محمد بإسناده الذى قد مضى ذكره قالوا توفى أبو بكر وهو ابن ثلاث وستين سنة في جمادى الآخرة يوم الاثنين لثمان بقين منه قالوا وكانت سبب وفاته أن اليهود سمته في أرزة ويقال في جذيذة وتناول معه الحارث بن كلدة منها ثم كف وقال لابي بكر أكلت طعاما مسموما سم سنة فمات بعد سنة ومرض خمسة عشر يوما فقيل له لو أرسلت إلى الطبيب فقال قد رأني قالوا فما قال لك قال أنى أفعل ما أشاء (قال أبو جعفر) ومات عتاب بن أسيد بمكة في اليوم الذى مات فيه أبو بكر وكانا سما جميعا ثم مات عتاب بمكة * وقال غير من ذكرت في سبب مرض أبى بكر الذى توفى فيه ما حدثنى الحارث قال حدثنا ابن سعد قال أخبرنا محمد بن عمر قال حدثنى أسامة ابن زيد الليثى عن محمد بن حمزة عن عمرو عن أبيه قال وأخبرنا محمد بن عبد الله عن الزهري عن عروة عن عائشة قال وأخبرنا عمر بن عمران عن عبد الله بن

(2/611)


عبد الرحمن بن أبى بكر الصديق عن عمر بن الحسين مولى آل مطعون عن طلحة بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبى بكر قالوا كان أول ما بدأ مرض أبى بكر به أنه اغتسل يوم الاثنين لسبع خلون من جمادى الآخرة وكان يوما باردا فحم خمسة عشر يوما لا يخرج إلى الصلاة وكان يأمر عمر بن الخطاب أن يصلى بالناس ويدخل الناس يعودونه وهو يثقل كل يوم وهو نازل في داره التى قطع له رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاه داره عثمان بن عفان اليوم وكان عثمان ألزمهم له في مرضه وتوفى أبو بكر مسى ليلة الثلاثاء لثمان بقين من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة من الهجرة وكانت خلافته سنتين وثلاثة أشهر وعشر ليال قال وكان أبو معشر يقول كانت خلافته سنتين وأربعة أشهر الا أربع ليال فتوفى وهو ابن
ثلاث وستين سنة مجتمع على ذلك في الروايات كلها استوفى سن النبي صلى الله عليه وسلم وكان أبو بكر ولد بعد الفيل بثلاث سنين * حدثنا ابن حميد قال حدثنا جرير عن يحيى بن سعيد قال قال سعيد بن المسيب استكمل أبو بكر بخلافته سن رسول الله صلى الله عليه وسلم فتوفى وهو بسن النبي صلى الله عليه وسلم * حدثنا أبو كريب قال حدثنا أبو نعيم عن يونس بن أبى اسحاق عن أبى السفر عن عامر عن جرير قال كنت عند معاوية فقال توفى النبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثلاث وستين سنة وتوفى أبو بكر وهو ابن ثلاث وستين سنة وقتل عمر وهو ابن ثلاث وستين سنة * وحدثنا أبو الاحوص عن أبى اسحاق عن عامر بن سعيد عن جرير قال قال معاوية قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثلاث وستين وقتل عمر وهو ابن ثلاث وستين وتوفى أبو بكر وهو ابن ثلاث وستين وقال على بن محمد في خبره الذى ذكرت عنه كانت ولاية أبى بكر سنتين وثلاثة أشهر وعشرين يوما ويقال عشرة أيام

(2/612)


ذكر الخبر عمن غسله والكفن الذى كفن فيه أبو بكر رحمه الله ومن صلى عليه والوقت الذى صلى عليه فيه والوقت الذى توفى فيه رحمة الله عليه * حدثنى الحارث عن ابن سعد قال أخبرنا محمد بن عمر قال حدثنى مالك عن أبى الرحال عن أبيه عن عائشة قالت توفى أبو بكر رحمه الله بين المغرب والعشاء * حدثنا ابن حميد قال حدثنا يحيى بن واضح عن محمد بن عبد الله عن عطاء وابن أبى مليكة أن أسماء بنت عميس قال لى أبو بكر غسليني قلت لا أطيق ذلك قال يعينك عبد الرحمن بن أبى بكر يصب الماء * حدثنى الحارث عن محمد بن سعد قال أخبرنا معاذ بن معاذ ومحمد بن عبد الله الانصاري قالا حدثنا الاشعث عن
عبد الواحد بن صبرة عن القاسم بن محمد أن أبا بكر الصديق أوصى أن تغسله امرأته أسماء فإن عجزت أعانها ابنه محمد قال ابن سعد قال محمد بن عمر وهذا الحديث وهل وإنما كان لمحمد يوم توفى أبو بكر ثلاث سنين * حدثنا ابن وكيع قال حدثنا ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن ابن أبى مليكة عن عائشة سألها أبو بكر في كم كفن النبي صلى الله عليه وسلم قالت في ثلاثة أثواب قال اغسلوا ثوبي هذين وكانا ممشقين وابتاعوا لى ثوبا آخر قلت يا أبه إنا موسرون قال أي بنية الحى أحق بالجديد من الميت انما هما للمهلة والصديد * حدثنى العباس بن الوليد قال أخبرنا أبى قال حدثنا الاوزاعي قال حدثنى عبد الرحمن بن القاسم أن أبا بكر توفى عشاء بعدما غابت الشمس ليلة الثلاثاء ودفن ليلا ليلة الثلاثاء * حدثنا أبو كريب قال حدثنا غنام عن هشام عن أبيه أن أبا بكر مات ليلة الثلاثاء ودفن ليلا * حدثنى أبو زيد عن على بن محمد بإسناده الذى قد مضى ذكريه أن أبا أبكر حمل على السرير الذى حمل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وصلى عليه عمر في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ودخل قبره عمر وعثمان وطلحة وعبد الرحمن بن أبى بكر وأراد عبد الله أن يدخل قبره فقال له عمر كفيت (قال أبو جعفر) وكان أوصى

(2/613)


فيما حدثنى الحارث عن ابن سعد قال أخبرنا محمد بن عمر قال حدثنا أبو بكر بن عبد الله بن أبى سبرة عن عمر بن عبد الله يعنى ابن عروة أنه سمع عروة والقاسم ابن محمد يقولان أوصى أبو بكر عائشة أن يدفن إلى جنب النبي صلى الله عليه وسلم فلما توفى حفر له وجعل رأسه عنه كتفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وألصقوا اللحد بلحد النبي صلى الله عليه وسلم فقبر هنالك * قال الحارث حدثنى ابن سعد قال وأخبرنا محمد بن عمر قال حدثنى ابن عثمان عن عامر بن عبد الله بن الزبير قال جعل رأس أبى بكر عند كتفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ورأس عمر عند
حقوى أبى بكر * حدثنى على بن مسلم الطوسى قال حدثنا ابن أبى فديك قال أخبرني عمرو بن عثمان بن هانئ عن القاسم بن محمد قال دخلت على عائشة رضى الله تعالى عنها فقلت يا أمه اكشفي لى عن قبر النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبيه فكشفت لى عن ثلاثة قبور لا مشرفة ولا لاطئة مبطوحة ببطحاء العرصة الحمراء قال فرأيت قبر النبي صلى الله عليه وسلم مقدما وقبر أبى بكر عند رأسه وعمر رأسه عند رجل النبي صلى الله عليه وسلم * حدثنى الحارث عن ابن سعد قال أخبرنا محمد بن عمر قال حدثنا أبو بكر بن عبد الله بن سبرة عن عمرو بن أبى عمرو عن المطلب بن عبد الله بن حنطب قال جعل قبر أبى بكر مثل قبر النبي صلى الله عليه وسلم مسطحا ورش عليه الماء وأقامت عليه عائشة النوح * حدثنى يونس قال أخبرنا ابن وهب قال أخبرنا يونس بن يزيد عن ابن شهاب قال حدثنى سعيد بن المسيب قال لما توفى أبو بكر رحمه الله أقامت عليه عائشة النوح فأقبل عمر بن الخطاب حتى قام ببابها فنهاهن عن البكاء على أبى بكر فأبين أن ينتهين فقال عمر لهشام بن الوليد ادخل فأخرج إلى ابنة أبى قحافة أخت أبى بكر فقالت عائشة لهشام حين سمعت ذلك من عمر إنى أحرج عليك بيتى فقال عمر لهشام ادخل فقد أذنت لك فدخل هشام فأخرج أم فروة أخت أبى بكر إلى عمر فعلاها الدرة فضربها ضربات فتفرق النوح حين سمعوا ذلك وتمثل في مرضه فيما حدثنى أبو زيد عن على بن محمد بإسناده الذى توفى فيه

(2/614)


وكل ذى إبل موروث * وكل ذى سلب مسلوب وكل ذى غيبة يؤب * وغالب الموت لا يؤب وكان آخر ما تكلم به رب توفنى مسلما وألحقني بالصالحين ذكر الخبر عن صفة جسم أبى بكر رحمه الله
* حدثنى الحارث عن ابن سعد قال أخبرنا محمد بن عمر قال حدثنا شعيب عن طلحة بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبى بكر الصديق عن أبيه عن عائشة رضى الله تعالى عنها أنها نظرت إلى رجل من العرب مر وهى في هودجها فقالت ما رأيت رجلا أشبه بأبى بكر من هذا فقلنا لها صفى أبا بكر فقالت رجل أبيض نحيف خفيف العارضين أحنى لا يستمسك إزاره يسترخى عن حقويه معروق الوجه غائر العينين ناتئ الجبهة عارى الاشاجع * وأما على بن محمد فإنه قال في حديثه الذى ذكرت إسناده قيل أنه كان أبيض يخالطه صفرة حسن القامة نحيفا أحنى رقيقا عتيقا أقنى معروق الوجه غائر العينين حمش الساقين ممحوص الفخذين يخضب بالحناء والكتم وكان أبو قحافة حين توفى حيا بمكة فلما نعى إليه قال رزء جليل ذكر نسب أبى بكر واسمه وما كان يعرف به * حدثنى أبو زيد قال حدثنا على بن محمد بإسناده الذى قد مضى ذكره أنهم أجمعوا على أن اسم أبى بكر عبد الله وأنه إنما قيل له عتيق عن عتقه قال وقال بعضهم قيل له ذلك لان النبي صلى الله عليه وسلم قال له أنت عتيق من النار * حدثنى الحارث عن ابن سعد عن محمد بن عمر قال حدثنا إسحق بن يحيى بن طلحة عن معاوية بن إسحق عن أبيه عن عائشة أنها سئلت لم سمى أبو بكر عتيقا فقالت نظر إليه النبي صلى الله عليه وسلم يوما فقال هذا عتيق الله من النار واسم أبيه عثمان وكنيته أبو قحافة قال أبو بكر عبد الله بن عثمان بن عامر بن عمرو ابن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤى بن غالب بن فهر بن مالك وأمه أم الخير بنت صخر بن عامر بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة (وقال الواقدي)

(2/615)


اسمه عبد الله بن أبى قحافة واسمه عثمان بن عامر وأمه أم الخير واسمها سلمى بنت صخر بن عامر بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة وأما هشام فإنه قال فيما حدثت
عنه أن اسم أبى بكر عتيق بن عثمان بن عامر * وحدثني يونس قال أخبرنا ابن وهب قال أخبرني ابن لهيعة عن عمارة بن غزية قال سألت عبد الرحمن بن القاسم عن اسم أبى بكر الصديق فقال عتيق وكانوا إخوة ثلاثة بنى أبى قحافة عتيق ومعتق وعتيق ذكر أسماء نساء أبى بكر الصديق رحمه الله * حدث على بن محمد عمن حدثه ومن ذكرت من شيوخه قال تزوج أبو بكر في الجاهلية قتيلة ووافقه على ذلك الواقدي والكلبي قالوا وهى قتيلة ابنة عبد العزى ابن عبد بن أسعد بن جابر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤى فولدت له عبد الله وأسماء وتزوج ايضا في الجاهلية أم رومان بنت عامر بن عميرة بن ذهل ابن ذهمان بن الحارث بن غنم بن مالك بن كنانة وقال بعضهم هي أم رومان بنت عامر بن عويمر بن عبد شمس بن عتاب بن أذينة بن سبيع بن دهمان بن الحارث ابن غنم بن مالك بن كنانة فولدت له عبد الرحمن وعائشة فكل هؤلاء الاربعة من أولاده ولدوا من زوجتيه اللتين سميناهما في الجاهلية وتزوج في الاسلام أسماء بنت عميس وكانت قبله عند جعفر بن أبى طالب وهى أسماء بنت عميس ابن معد بن تيم بن الحارث بن كعب بن مالك بن قحافة بن عامر بن ربيعة بن عامر بن مالك بن نسر بن وهب الله بن شهران بن عفرس بن حلف بن أفتل وهو خثعم فولدت له محمد بن أبى بكر وتزوج أيضا في الاسلام حبيبة بنت خارجة ابن زيد بن أبى زهير من بنى الحارث بن الخزرج وكانت نسأ حين توفى أبو بكر فولدت له بعد وفاته جارية سميت أم كلثوم ذكر أسماء قضاته وكتابه وعماله على الصدقات * حدثنا محمد بن عبد الله المخرمى قال حدثنا أبو الفتح نصر بن المغيرة قال

(2/616)


قال سفيان وذكره عن مسعر لما ولى أبو بكر قال له أبو عبيدة أنا أكفيك المال يعنى الجزاء وقا عمر أنا أكفيك القضاء فمكث عمر سنة لا يأتيه رجلان وقال على بن محمد عن الذين سميت قال بعضهم جعل أبو بكر عمر قاضيا في خلافته فمكث سنة لم يخاصم إليه أحد قال وقالوا كان يكتب له زيد بن ثابت ويكتب له الاخبار عثمان بن عفان رضى الله تعالى عنه وكان يكتب له من حضر وقالوا كان عامله على مكة عتاب بن أسيد وعلى الطائف عثمان بن أبى العاصى وعلى صنعاء المهاجر ابن أبى أمية وعلى حضرموت زياد بن لبيد وعلى خولان يعلى بن أمية وعلى زبيد ورمع أبو موسى الاشعري وعلى الجند معاذ بن جبل وعلى البحرين العلاء بن الحضرمي وبعث جرير بن عبد الله إلى نجران وبعث بعبد الله بن ثور أحد بنى الغوث إلى ناحية جرش وبعث عياض بن غنم الفهرى إلى دومة الجندل وكان بالشأم أبو عبيدة وشرحبيل بن حسنة ويزيد بن أبى سفيان وعمرو بن العاصى كل رجل منهم على جند وعليهم خالد بن الوليد (قال أبو جعفر) وكان رضى الله عنه سخيا لينا عالما بأنساب العرب وفيه يقول حفاف بن ندبة وندبة أمه وأبوه عمير بن الحارث في مرثيته أبا بكر أبلج ذو عرف وذو منكر * مقسم المعروف رحب الفناء للمجد في منزله باديا * حوض رفيع لم يخنه الازاء والله لا يدرك أيامه * ذو مئزر حاف ولا ذو رداء من يسع كى يدرك أيامه * يجتهد الشد بأرض فضاء وكان فيما ذكر الحارث عن ابن سعد عن عمرو بن الهيثم أبى قطن قال حدثنا الربيع عن حيان الصائغ قال كان نقش خاتم أبى بكر رحمه الله نعم القادر الله قالوا ولم يعش أبو قحافة بعد أبى بكر إلا ستة أشهر وأياما وتوفى في المحرم سنة أربع عشرة بمكة وهو ابن سبع وتسعين سنة وعقد أبو بكر في مرضته التى توفى فيها لعمر بن الخطاب عقد الخلافة من بعده وذكر أنه لما أراد العقد له دعا عبد الرحمن
ابن عوف فيما ذكر ابن سعد عن الواقدي عن ابن أبى سبرة عن عبد المجيد بن سهيل عن أبى سلمة بن عبد الرحمن قال لما نزل بأبى بكر رحمه الله الوفاة دعا عبد الرحمن

(2/617)


ابن عوف فقال أخبرني عن عمر فقال يا خليفة رسول الله هو والله أفضل من رأيك فيه من رجل ولكن فيه غلظة فقال أبو بكر ذلك لانه يرانى رقيقا ولو أفضى الامر إليه لترك كثيرا مما هو عليه ويا أبا همد قد رمقته فرأيتني إذا غضبت على الرجل في الشئ أرانى الرضا عنه وإذا لنت له أرانى الشدة عليه لا تذكر يا أبا محمد مما قلت لك شيئا قال نعم ثم دعا عثمان بن عفان فقال يا أبا عبد الله أخبرني عن عمر قال أنت أخبر به فقال أبو بكر على ذاك يا أبا عبد الله قال اللهم علمي به أن سريرته خير من علانيته وأن ليس فينا مثله قال أبو بكر رحمه الله رحمك الله يا أبا عبد الله لا تذكر مما ذكرت لك شيئا قال أفعل فقال له أبو بكر لو تركته ما عدوتك وما أدرى لعله تاركه والخيرة له ألا يلى من أموركم شيئا ولوددت أنى كنت خلوا من أموركم وأنى كنت فيمن مضى من سلفكم يا أبا عبد الله لا تذكرن مما قلت لك من أمر عمر ولا مما دعوتك له شيئا * حدثنا ابن حميد قال حدثنا يحيى ابن واضح قال حدثنا يونس بن عمرو عن أبى السفر قال أشرف أبو بكر على الناس من كنيفه وأسماء ابنة عميس ممسكته موشومة اليدين وهو يقول أترضون بمن استخلف عليكم فإنى والله ما ألوت من جهد الرأى ولا وليت ذا قرابة وإنى قد استخلفت عمر بن الخطاب فاسمعوا له وأطيعوا فقالوا سمعنا وأطعنا * حدثنى عثمان ابن يحيى عن عثمان القرقسانى قال حدثنا سفيان بن عيينة عن اسماعيل عن قيس قال رأيت عمر بن الخطاب وهو يجلس والناس معه وبيده جريدة وهو يقول أيها الناس اسمعوا وأطيعوا قول خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه يقول إنى لم الكم نصحا قال ومعه مولى لابي بكر يقال له شديد معه الصحيفة التى فيها
استخلاف عمر (قال أبو جعفر) وقال الواقدي حدثنى إبراهيم بن أبى النضر عن محمد بن إبراهيم بن الحارث قال دعا أبو بكر عثمان خاليا فقال له اكتب بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما عهد أبو بكر بن أبى قحافة إلى المسلمين أما بعد قال ثم أغمى عليه فذهب عنه فكتب عثمان أما بعد فإنى قد استخلفت عليكم عمر بن الخطاب ولم الكم خيرا منه ثم أفاق أبو بكر فقال اقرأ علي فقرأ عليه فكبر أبو بكر

(2/618)


وقال أراك خفت إن يختلف الناس إن افتلتت نفسي في غشيتي قال نعم قال جزاك الله خيرا عن الاسلام وأهله وأقرها أبو بكر رضى الله تعالى عنه من هذا الموضع * حدثنا يونس بن الاعلى قال حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير قال حدثنا الليث بن سعد قال حدثنا علوان عن صالح بن كيسان عن عمر بن عبد الرحمن ابن عوف عن أبيه أنه دخل على أبى بكر الصديق رضى الله تعالى عنه في مرضه الذى توفى فيه فأصابه مهتما فقال له عبد الرحمن أصبحت والحمد لله بارئا فقال أبو بكر رضى الله تعالى عنه أتراه قال نعم قال إنى وليت أمركم خيركم في نفسي فكلكم ورم أنفه من ذلك يريد أن يكون الامر له دونه ورأيتم الدنيا قد أقبلت ولما تقبل وهى مقبلة حتى تتخذوا ستور الحرير ونضائد الديباج وتألموا الاضظجاع على الصوف الاذرى كما يألم أحدكم أن ينام على حسك والله لان يقدم أحدكم فتضرب عنقه في غير حد خير له من أن يخوض في غمرة الدنيا وأنتم أول ضال بالناس عدا فتصدونهم عن الطريق يمينا وشمالا يا هادى الطريق إنما هو الفجر أو البحر قلت له خفض عليك رحمك الله فإن هذا يهيضك في أمرك إنما الناس في أمرك بين رجلين إما رجل رأى ما رأيت فهو معك وإما رجل خالفك فهو مشير عليك وصاحبك كما تحب ولا نعلمك أردت إلا خيرا ولم تزل صالحا مصلحا وأنك لا تأسى على شئ من الدنيا قال أبو بكر رضى الله تعالى
عنه أجل إنى لا آسى على شئ من الدنيا إلا على ثلاث فعلتهن وددت أنى تركتهن وثلاث تركتهن وددت أنى فعلتهن وثلاث وددت أنى سألت عنهن رسول الله صلى الله عليه وسلم فأما الثلاث اللاتى وددت أنى تركتهن فوددت أنى لم أكشف بيت فاطمة عن شئ وإن كانوا قد غلقوه على الحرب ووددت إنى لم أكن حرقت الفجاءة السلمى وأنى كنت قتلته سريحا أو خليته نجيحا ووددت أنى يوم سقيفة بنى ساعدة كنت قذفت الامر في عنق أحد الرجلين عمر وأبا عبيدة فكان أحدهما أميرا وكنت وزيرا وأما اللاتى تركتهن فوددت أنى يوم أتيت بالاشعث ابن قيس أسيرا كنت ضربت عنقه فانه تخيل إلى أنه لا يرى شرا إلا أعان عليه ووددت

(2/619)


أنى حين سيرت خالد بن الوليد إلى أهل الردة كنت أقمت بذى القصة فان ظفر المسلمون ظفروا وإن هزموا كنت بصدد لقاء أو مددا وودت انى كنت إذ وجهت خالد بن الوليد إلى الشام كنت وجهت عمر بن الخطاب إلى العراق فكنت قد بسطت يدى كلتيهما في سبيل الله ومد يديه ووددت أنى كنت سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن هذا الامر فلا ينازعه أحد ووددت أنى كنت سألته هل للانصار في هذا الامر نصيب ووددت أنى كنت سألته عن ميراث ابنة الاخ والعمة فان في نفسي منهما شيئا قال لى يونس قال لنا يحيى ثم قدم علينا علوان بعد وفاة الليث فسألته عن هذا الحديث فحدثني به كما حدثنى الليث بن سعد حرفا حرفا وأخبرني أنه هو حدث به الليث بن سعد وسألته عن اسم أبيه فأخبرني أنه علوان ابن داود * وحدثني محمد بن اسماعيل المرادى قال حدثنا عبد الله بن صالح المصرى قال حدثنى الليث عن علوان بن صالح عن صالح بن كيسان عن حميد بن عبد الرحمن ابن عوف أن أبا بكر الصديق رضى الله تعالى عنه قال ثم ذكر نحوه ولم يقل فيه عن أبيه (قال أبو جعفر) وكان أبو بكر قبل أن يشتغل بأمور المسلمين تاجرا
وكان منزله بالسنح ثم تحول إلى المدينة * فحدثني الحارث قال حدثنا ابن سعد قال أخبرنا محمد بن عمر قال حدثنا أبو بكر بن عبد الله بن أبى سبرة عن مروان عن أبى سعيد بن المعلى قال سمعت سعيد بن المسيب قال وأخبرنا موسى بن محمد بن ابراهيم عن أبيه عن عبد الرحمن بن صبيحة التميمي عن أبيه قال وأخبرنا عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال وأخبرنا محمد بن عبد الله عن الزهري عن عروة عن عائشة قال وأخبرنا أبو قدامة عثمان بن محمد عن أبى وجزة عن أبيه قال وغير هؤلاء أيضا قد حدثنى ببعضه فدخل حديث بعضهم في حديث بعض قالوا قالت عائشة كان منزل أبى بالسنح عند زوجته حبيبة ابنة خارجة بن زيد بن أبى زهير من بنى الحارث بن الخزرج وكان قد حجر عليه حجرة من سعف فما زاد على ذلك حتى تحول إلى منزله بالمدينة فأقام هنالك بالسنح بعدما بويع له ستة أشهر يغدو على رجليه إلى المدينة وربما ركب على فرس له وعليه إزار ورداء ممشق فيوافى المدينة فيصلى

(2/620)


الصلوات بالناس فإذا صلى العشاء رجع إلى أهله بالسنح فكان إذا حضر صلى بالناس وإذا لم يحضر صلى بهم عمر بن الخطاب قال فكان يقيم يوم الجمعة صدر النهار بالسنح يسبغ رأسه ولحيته ثم يروح لقدر الجمعة فيجمع بالناس وكان رجلا تاجرا فكان يغدو كل يوم إلى السوق فيبيع ويبتاع وكانت له قطعة غنم تروح عليه وربما خرج هو بنفسه فيها وربما كفيها فرعيت له وكان يحلب للحى أغنامهم فلما بويع له بالخلافة قالت جارية من الحى الآن لا تحلب لنا منائح دارنا فسمعها أبو بكر فقال بلى لعمري لاحلبنها لكم وإنى لارجو أن لا يغيرنى ما دخلت فيه عن خلق كنت عليه فكان يحلب لهم فربما قال للجارية من الحى يا جارية أتحبين أن أرعى لك أو أصرح فربما قالت ارع وربما قالت صرح فأى ذلك قالته فعل فمكث كذلك بالسنح ستة أشهر ثم نزل إلى المدينة فأقام بها ونظر في أمره فقال لا والله
ما تصلح أمور الناس التجارة وما يصلحهم الا التفرغ لهم والنظر في شأنهم ولا بد لعيالي مما يصلحهم فترك التجارة واستنفق من مال المسلمين ما يصلحه ويصلح عياله يوما بيوم ويحج ويعتمر وكان الذى فرضوا له في كل سنة ستة آلاف درهم فلما حضرته الوفاة قال ردوا ما عندنا من مال المسلمين فانى لا أصيب من هذا المال شيئا وإن أرضى التى بمكان كذا وكذا للمسلمين بما أصبت من أموالهم فدفع ذلك إلى عمر ولقوحا وعبدا صيقلا وقطيفة ما تساوى خمسة دراهم فقال عمر لقد أتعب من بعده وقال على بن محمد فيما حدثنى أبو زيد عنه في حديثه عن القوم الذين ذكرت روايته عنهم قال أبو بكر انظروا كم أنفقت منذ وليت من بيت المال فاقضوه عنى فوجدوا مبلغه ثمانية آلاف درهم في ولايته * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق عن الزهري عن القاسم بن محمد عن أسماء ابنة عميس قالت دخل طلحة بن عبيد الله على أبى بكر فقال استخلفت على الناس عمر وقد رأيت ما يلقى الناس منه وأنت معه فكيف به إذا خلا بهم وأنت لاق ربك فسائلك عن رعيتك فقال أبو بكر وكان مضطجعا أجلسوني فأجلسوه فقال لطلحة أبالله تفرقنى أو أبالله تخوفنى إذا لقيت الله ربى فسائلني قلت استخلفت على أهلك خير أهلك

(2/621)


حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق عن محمد بن عبد الرحمن بن الحصين بمثل ذلك (قال أبو جعفر) قد تقدم ذكرنا وقت عقد أبى بكر لعمر بن الخطاب الخلافة ووقت وفاة أبى بكر وأن عمر صلى عليه وأنه دفن ليلة وفاته قبل أن يصبح الناس فأصبح عمر صبيحة تلك الليلة فكان أول ما عمل وقال فيما ذكر ما حدثنا أبو كريب قال حدثنا أبو بكر بن عياش عن الاعمش عن جامع بن شداد عن أبيه قال لما استخلف عمر صعد المنبر فقال إنى قائل كلمات فأمنوا عليهن فكان أول منطق نطق به حين استخلف فيما حدثنى أبو السائب قال حدثنا ابن فضيل عن عياض
عن ضرار عن حصين المرى قال قال عمر إنما مثل العرب مثل جمل آنف اتبع قائده فلينظر قائده حيث يقود وأما أنا فورب الكعبة لاحملنهم على الطريق * حدثنا عمر قال حدثنى على عن عيسى بن يزيد عن صالح بن كيسان قال كان أول كتاب كتبه عمر حين ولى إلى أبى عبيدة يوليه على جند خالد أوصيك بتقوى الله الذى يبقى ويفنى ما سواه الذى هدانا من الضلالة وأخرجنا من الظلمات إلى النور وقد استعملتك على جند خالد بن الوليد فقم بأمرهم الذى يحق عليك لا تقدم المسلمين إلى هلكة رجاء غنيمة ولا تنزلهم منزلا قبل أن تستريده لهم وتعلم كيف ما أتاه ولا تبعث سرية إلا في كثف من الناس وإياك والقاء المسلمين في الهلكة وقد أبلاك الله بى وأبلاني بك فغمض بصرك عن الدنيا وأله قلبها عنك وإياك أن تهلكك كما أهلكت من كان قبلك فقد رأيت مصارعهم * حدثنى عمر عن على بن محمد باسناده عن النفر الذين ذكرت روايتهم عنهم في أول ذكرى أمر أبى بكر أنهم قالوا قدم بوفاة أبى بكر إلى الشام شداد بن أوس بن ثابت الانصاري ومحمية بن جزء ويرفأ فكتموا الخبر الناس حتى ظفر المسلمون وكانوا بالياقوصة يقاتلون عدوهم من الروم وذلك في رجب فأخبروا أبا عبيدة بوفاة أبى بكر وولايته حرب الشأم وضم عمر إليه الامراء وعزل خالد بن الوليد * فحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق قال لما فرغ المسلمون من أجنادين ساروا إلى فحل من أرض الاردن وقد اجتمعت فيها رافضة الروم والمسلمون على أمرائهم وخالد على مقدمة الناس فلما نزلت الروم

(2/622)


بيسان بثقوا أنهارها وهى أرض سبخة فكانت وحلا ونزلوا فحل وبيسان بين فلسطين وبين الاردن فلما غشيها المسلمون ولم يعلموا بما صنعت الروم وحلت خيولهم ولقوا فيها عناء ثم سلمهم الله وسميت بيسان ذات الردغة لما لقى المسلمون فيها ثم نهضوا إلى الروم وهم بفحل فاقتتلوا فهزمت الروم ودخل المسلمون فحل
ولحقت رافضة الروم بدمشق فكانت فحل في ذى القعدة سنة ثلاث عشرة على ستة أشهر من خلافة عمر وأقام تلك الحجة للناس عبد الرحمن بن عوف ثم ساروا إلى دمشق وخالد على مقدمة الناس وقد اجتمعت الروم إلى رجل منهم يقال له باهان بدمشق وقد كان عمر عزل خالد بن الوليد واستعمل أبا عبيدة على جميع الناس فالتقى المسلمون والروم فيما حول دمشق فاقتتلوا قتالا شديدا ثم هزم الله الروم وأصاب منهم المسلمون ودخلت الروم دمشق فغلقوا أبوابها وخيم المسلمون عليها فرابطوها حتى فتحت دمشق وأعطوا الجزية وقد قدم الكتاب على أبى عبيدة بإمارته وعزل خالد فاستحى أبو عبيدة أن يقرأ خالدا الكتاب حتى فتحت دمشق وجرى الصلح على يدى خالد وكتب الكتاب باسمه فلما صالحت دمشق لحق باهان صاحب الروم الذى قاتل المسلمين بهرقل وكان فتح دمشق في سنة أربع عشر في رجب وأظهر أبو عبيدة إمارته وعزل خالد وقد كان المسلمون التقوا هم والروم ببلد يقال له عين فحل بين فلسطين والاردن فاقتتلوا به قتالا شديدا ثم لحقت الروم بدمشق * وأما سيف فيما ذكر السرى عن شعب عنه عن أبى عثمان عن خالد وعبادة فإنه ذكر في خبره أن البريد قدم على المسلمين من المدينة بموت أبى بكر وتأمير أبى عبيدة وهم باليرموك وقد التحم القتال بينهم وبين الروم وقص من خبر اليرموك وخبر دمشق غير الذى اقتصه ابن إسحاق وأنا ذاكر بعض الذى اقتص من ذلك (كتب إلى السرى) عن شعيب عن سيف عن محمد عن إبى عثمان عن أبى سعيد قال لما قام عمر رضى عن خالد بن سعيد والوليد ابن عقبة فأذن لهما بدخول المدينة وكان أبو بكر قد منعهما لفرتهما التى فراها وردهما إلى الشأم وقال ليبلغني عنكما عناء ابلكما بلاء فانضما إلى أي أمرائنا

(2/623)


أحببتما فلحق بالناس فأبليا وأغنيا
خبر دمشق من رواية سيف (كتب إلى السرى) عن شعيب عن سيف عن أبى عثمان عن خالد وعبادة قالا لما هزم الله جند اليرموك وتهافت أهل الواقوصة وفرغ من المقاسم والانفال وبعث بالاخماس وسرحت الوفود استخلف أبو عبيدة على اليرموك بشير بن كعب بن أبى الحميرى كيلا يغتال بردة ولا تقطع الروم على مواده وخرج أبو عبيدة حتى ينزل بالصفر وهو يريد اتبع الفالة ولا يدرى يجتمعون أو يفترقون فأتاه الخبر بأنهم أرزوا إلى فحل وأتاه الخبر بأن المدد قد أتى أهل دمشق من حمص فهو لا يدرى أبدمشق يبدأ أم بفحل من بلاد الاردن فكتب في ذلك إلى عمر وانتظر الجواب وأقام بالصفر فلما جاء عمر فتح اليرموك أقر الامراء على ما كان استعملهم عليه أبو بكر إلا ما كان من عمرو بن العاصى وخالد بن الوليد فإنه ضم خالدا إلى أبى عبيده وأمر عمرا بمعونة الناس حتى يصير الحرب إلى فلسطين ثم يتولى حربها * وأما ابن إسحاق فإنه قال أمر خالد وعزل عمر إياه ما حدثنا محمد بن حميد قال حدثنا سلمة عنه قال إنما نزع عمر خالدا في كلام كان خالد تكلم به فيما يزعمون ولم يزل عمر عليه ساخطا ولامره كارها في زمان أبى بكر كله لوقعته بابن نوير وما كان يعمل به في حربه فلما استخلف عمر كان أول ما تكلم به عزله فقال لا يلى لى عملا أبدا فكتب عمر إلى أبى عبيدة إن خالد أكذب نفسه فهو أمير على ما هو عليه وإن هو لم يكذب نفسه فأنت الامير على ما هو عليه ثم انزع عمامته عن رأسه وقاسمه ماله نصفين فلما ذكر أبو عبيدة ذلك لخالد قال أنظرني أستشر أختى في أمرى ففعل أبو عبيدة فدخل خالد على أخته فاطمة بنت الوليد وكانت عند الحارث بن هشام فذكر لها ذلك فقالت والله لا يحبك عمر أبدا وما يريد إلا أن تكذب نفسك ثم ينزعك فقبل رأسها وقال صدقت والله فتم على أمره وأبى أن يكذب نفسه فقام بلال مولى أبى بكر إلى

(2/624)


أبى عبيدة فقال ما أمرت به في خالد قال أمرت أن أنزع عمامته وأقاسمه ماله فقاسمه ماله حتى بقيت نعلاه فقال أبو عبيدة إن هذا لا يصلح إلا بهذا فقال خالد أجل ما أنا بالذى أعصى أمير المؤمنين فاصنع ما بدا لك فأخذ نعلا وأعطاه نعلا ثم قدم خالد على عمر المدينة حين عزله * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق عن محمد بن عمر بن عطاء عن سليمان بن يسار قال كان عمر كلما مر بخالد قال يا خالد أخرج مال الله من تحت استك فيقول والله ما عندي من مال فلما أكثر عليه عمر قال له خالد يا أمير المؤمنين ما قيمة ما أصبت في سلطانكم أربعين الف درهم فقال عمر قد أخذت ذلك منك بأربعين ألف درهم قال هو لك قال قد أخذته ولم يكن لخالد مال إلا عدة ورقيق فحسب ذلك فبلغت قيمته ثمانين ألف درهم فناصفه عمر ذلك فأعطاه أربعين ألف درهم وأخذ المال فقيل له يا أمير المؤمنين لو رددت على خالد ماله فقال إنما أنا تاجر للمسلمين والله لا أرده عليه أبدا فكان عمر يرى أنه قد اشتفى من خالد حين صنع به ذلك (رجع الحديث) إلى حديث سيف عن أبى عثمان عن خالد وعبادة قالا ولما جاء عمر الكتاب عن أبى عبيدة بالذى ينبغى أن يبدأ به كتب إليه أما بعد فابدؤا بدمشق فانهدوا لها فإنها حصن الشأم وبيت مملكتهم واشغلوا عنكم أهل فحل بخيل تكون بإزائهم في نحورهم وأهل فلسطين وأهل حمص فإن فتحها الله قبل دمشق فذاك الذى نحب وإن تأخر فتحها حتى يفتح الله دمشق فلينزل بدمشق من يمسك بها ودعوها وانطلق أنت وسائر الامراء حتى تغيروا على فحل فإن فتح الله عليكم فانصرف أنت وخالد إلى حمص ودع شرحبيل وعمرا وأخلهما بالاردن وفلسطين وأمير كل بلد وجند على الناس حتى يخرجوا من إمارته فسرح أبو عبيدة إلى فحل عشرة قواد أبا الاعور السلمى وعبد عمرو ابن يزيد بن عامر الجرشى وعامر بن حثمة وعمرو بن كليب من يحصب وعمارة
ابن الصعق بن كعب وصيفى بن علبة بن شامل وعمرو بن الحبيب بن عمرو ولبدة ابن عامر بن خثعمة وبشر بن عصمة وعمارة بن محش قائد الناس ومع كل رجل خمسة قواد وكانت الرؤساء تكون من الصحابة حتى لا يجدوا من يحتمل ذلك

(2/625)


منهم فساروا من الصفر حتى نزلوا قريبا من فحل فلما رأت الروم أن الجنود تريدهم بثقوا المياه حول فحل فاردغت الارض ثم وحلت واغتم المسلمون من ذلك فحبسوا عن المسلمين بها ثمانين ألف فارس وكان أول محصور بالشأم أهل فحل ثم أهل دمشق وبعث أبو عبيدة ذا الكلاع حتى كان بين دمشق وحمص ردءا وبعث علقمة بن حكيم ومسروقا فكانا بين دمشق وفلسطين والامير يزيد ففصل وفصل بأبى عبيدة من المرج وقدم خالد بن الوليد وعلى مجنبتيه عمرو وأبو عبيدة وعلى الخيل عياض وعلى الرجل شرحبيل فقدموا على دمشق وعليهم بسطاس بن نسطوس فحصروا أهل دمشق ونزلوا حواليها فكان أبو عبيدة على ناحية وعمرو على ناحية ويزيد على ناحية وهرقل يومئذ بحمص ومدينة حمص بينه وبينهم فحاصروا أهل دمشق نحوا من سبعين ليلة حصارا شديدا بالزحوف والترامى والمجانيق وهم معتصمون بالمدينة يرجون الغياث وهرقل منهم قريب وقد استمدوه وذو الكلاع بين المسلمين وبين حمص على رأس ليلة من دمشق كأنه يريد حمص وجاءت خيول هرقل مغيثة لاهل دمشق فأشجتها الخيول التى مع ذى الكلاع وشغلتها عن الناس فأرزوا ونزلوا بإزائه وأهل دمشق على حالهم فلما أيقن أهل دمشق أن الامداد لا تصل إليهم فشلوا ووهنوا وأبلسوا وازداد المسلمون طمعا فيهم وقد كانوا يرون أنها كالغارات قبل ذلك إذا هجم البرد قفل الناس فسقط النجم والقوم مقيمون فعند ذلك انقطع رجاؤهم وندموا على دخول دمشق وولد للبطريق الذى على أهل دمشق مولود فصنع عليه فأكل القوم وشربوا وغفلوا
عن مواقفهم ولا يشعر بذلك أحد من المسلمين إلا ما كان من خالد فإنه كان لا ينام ولا ينيم ولا يخفى عليه من أمورهم شئ عيونه ذاكية وهو معنى بما يليه قد اتخذ حبالا كهيئة السلاليم وأوهاقا فلما أمسى من ذلك اليوم نهد ومن معه من جنده الذين قدم بهم عليهم وتقدمهم هو والقعقاع بن عمرو ومذعور بن عدى وأمثاله من أصحابه في أول يومه وقالوا إذا سمعتم تكبيرنا على السور فارقوا الينا وانهدوا للباب فلما انتهى إلى الباب الذى يليه هو وأصحابه المتقدمون رموا بالحبال الشرف

(2/626)


وعلى ظهورهم القرب التى قطعوا بها خندقهم فلما ثبت لهم وهقان تسلق فيهما القعقاع ومذعور ثم لم يدعا أحبولة إلا اثبتاها والاوهاق بالشرف وكان المكان الذى اقتحموا منه احصن مكان يحيط بدمشق أكثره ماء وأشده مدخلا وتوافوا لذلك فلم يبق ممن دخل معه أحد إلا رقى أو دنا من الباب حتى إذا استووا على السور حدر عامة أصحابه وانحدر معهم وخلف من يحمى ذلك المكان لمن يرتقى وأمرهم بالتكبير فكبر الذين على رأس السور فنهد المسلمون إلى الباب ومال إلى الحبال بشر كثير فوثبوا فيها وانتهى خالد إلى أول من يليه فأنامهم وانحدر إلى الباب فقتل البوابين وثار أهل المدينة وفزع سائر الناس فأخذوا مواقفهم ولا يدرون ما الشأن وتشاغل أهل كل ناحية بما يليهم وقطع خالد بن الوليد ومن معه أغلاق الباب بالسيوف وفتحوا للمسلمين فأقبلوا عليهم من داخل حتى ما بقى مما يلى باب خالد مقاتل إلا أنيم ولما شد خالد على من يليه وبلغ منهم الذى أراد عنوة أرز من افلت إلى أهل الابواب التى تلى غيره وقد كان المسلمون دعوهم إلى المشاطرة فأبوا وأبعدوا فلم يفجأهم إلا وهم يبوحون لهم بالصلح فأجابوهم وقبلوا منهم وفتحوا لهم الابواب وقالوا ادخلوا وامنعونا من أهل ذلك الباب فدخل أهل كل باب يصلح مما يليهم ودخل خالد مما يليه عنوة فالتقى خالد والقواد في وسطها هذا
استعراضا وانتهابا وهذا صلحا وتسكينا فأجروا ناحية خالد مجرو الصلح فصار صلحا وكان صلح دمشق على المقاسمة الدينار والعقار ودينار على كل رأس فاقتسموا الاسلاب فكان أصحاب خالد فيها كأصحاب سائر القواد وجرى على الديار ومن بقى في الصلح جريب من كل جريب أرض ووقف ما كان للملوك ومن صوب معهم فيئا وقسموا لذى الكلاع ومن معه ولابي الاعور ومن معه ولبشير ومن معه وبعثوا بالبشارة إلى عمر وقدم على أبى عبيدة كتاب عمر بأن اصرف جند العراق إلى العراق وأمرهم بالحث إلى سعد بن مالك فأمر على جند العراق هاشم ابن عتبة وعلى مقدمته القعقاع بن عمرو وعلى مجنبتيه عمرو بن مالك الزهري وربعي بن عامر وضربوا بعد دمشق نحو سعد فخرج هاشم نحو العراق في جند

(2/627)


العراق وخرج القواد نحو فحل وأصحاب هاشم عشرة آلاف إلا من أصيب منهم فأتموهم بأناس ممن لم يكن منهم ومنهم قيس والاشتر وخرج علقمة ومسروق إلى إيلياء فنزلا على طريقها وبقى بدمشق مع يزيد بن أبى سفيان من قواد أهل اليمن عدد منهم عمرو بن شمر بن غزية وسهم بن المسافر بن هزمة ومشافع بن عبد الله بن شافع وبعث يزيد دحية بن خليفة الكلبى في خيل بعد ما فتح دمشق إلى تدمر وأبا الزهراء القشيرى إلى البثنية وحوران فصالحوهما على صلح دمشق ووليا القيام على فتح ما بعثا إليه وقال محمد بن اسحاق كان فتح دمشق في سنة أربعة عشر في رجب وقال أيضا كانت وقعة فحل قبل دمشق وانما صار إلى دمشق رافضة فحل واتبعهم المسلمون إليها وزعم أن وقعة فحل كانت سنة ثلاثة عشر في ذى القعدة منها حدثنا بذلك ابن حميد قال حدثنا سلمة عنه (وأما الواقدي) فانه زعم أن فتح دمشق كان في سنة أربعة عشر كما قال ابن اسحاق وزعم أن حصار المسلمين لها كان ستة أشهر وزعم أن وقعة اليرموك كانت في سنة
خمسة عشر وزعم أن هرقل جلا في هذه السنة بعد وقعة اليرموك في شعبان من أنطاكية إلى قسطنطينية وانه لم يكن بعد اليرموك وقعة (قال أبو جعفر) وقد مضى ذكر ما روى عن سيف عمن روى عنه ان وقعة اليرموك كانت في سنة ثلاثة عشر وأن المسلمين ورد عليهم البريد بوفاة أبى بكر باليرموك في اليوم الذى هزمت الروم في آخره وأن عمر أمرهم بعد فراغهم من اليرموك بالمسير إلى دمشق وزعم أن فحل كانت بعد دمشق وأن حروبا بعد ذلك كانت بين المسلمين والروم سوى ذلك قبل شخوص هرقل إلى قسطنطينية سأذكرها إن شاء الله في مواضعها (وفى هذه السنة) أعنى سنة ثلاثة عشر وجه عمر بن الخطاب أبا عبيد بن مسعود الثقفى نحو العراق وفيها استشهد في قول الواقدي وأما ابن اسحاق فانه قال كان يوم الجسر جسر أبى عبيد بن مسعود الثقفى في سنة أربعة عشر (ذكر أمر فحل من رواية سيف) (قال أبو جعفر) ونذكر الآن أمر فحل إذ كان وإن كان في الخبر الذى

(2/628)


فيه من الاختلاف ما ذكرت من فتوح جند الشأم ومن الامور التى تستنكر وقوع مثل الاختلاف الذى ذكرته في وقته لقرب بعض ذلك من بعض فاما ما قال ابن اسحاق من ذلك وقص من قصته فقد تقدم ذكريه قبل وأما السرى فانه فيما كتب به إلى عن شعيب عن سيف عن أبى عثمان يزيد بن أسيد الغساني وأبى حارثة العتبى قالا خلف الناس بعد فتح دمشق يزيد بن أبى سفيان في خيله في دمشق وساروا نحو فحل وعلى الناس شرحبيل بن حسنة فبعث خالدا على المقدمة وأبا عبيدة وعمرا على مجنبتيه وعلى الخيل ضرار بن الازور وعلى الرجل عياض وكرهوا أن يصمدوا لهرقل وخلفهم ثمانون ألفا وعلموا أن من بإزاء فحل جنة الروم وإليهم ينظرون وأن الشام بعدهم سلم فلما انتهوا إلى أبى الاعور قدموه إلى
طبرية فحاصرهم ونزلوا على فحل من الاردن وقد كان أهل فحل حين نزل بهم أبو الاعور وتركوه وأرزوا إلى بيسان فنزل شرحبيل بالناس فحل والروم بيسان وبينهم وبين المسلمين تلك المياه والاوحال وكتبوا إلى عمر بالخبر وهم يحدثون أنفسهم بالمقام ولا يريدون أن يريموا فحل حتى يرجع جواب كتابهم من عند عمر ولا يستطيعون الاقدام على عدوهم في مكانهم لما دونهم من الاوحال وكانت العرب تسمى تلك الغزوة فحل وذات الردغة وبيسان وأصاب المسلمون من ريف الاردن أفضل مما فيه المشركون مادتهم متواصلة وخصبهم رغد فاغترهم القوم وعلى القوم سقلار بن مخراق ورجوا أن يكونوا على غرة فأتوهم والمسلمون لا يأمنون مجيئهم فهم على حذر وكان شرحبيل لا يبيت ولا يصبح إلا على تعبية فلما هجموا على المسلمين غافصوهم فلم يناظروهم واقتتلوا بفحل كأشد قتال اقتتلوه قط ليلتهم ويومهم إلى الليل فأظلم الليل عليهم وقد حاروا فانهزموا وهم حيارى وقد أصيب رئيسهم سقلار بن مخراق والذى يليه فيهم نسطورس وظفر المسلمون أحسن ظفر وأهنأه وركبوهم وهم يرون أنهم على قصد وجدد فوجدوهم حيارى لا يعرفون مأخذهم فاسلمتهم هزيمتهم وحيرتهم إلى الوحل فركبوه ولحق أوائل المسلمين بهم وقد وحلوا فركبوهم وما يمنعون يد لامس فوخزوهم بالرماح فكانت

(2/629)


الهزيمة في فحل وكان مقتلهم في الرداغ فأصيب الثمانون ألفا لم يفلت منهم إلا الشريد وكان الله يصنع للمسلمين وهم كارهون كرهوا البثوق فكانت عونا لهم على عدوهم وأناة من الله ليزدادوا بصيرة وجدا واقتسموا ما أفاء الله عليهم وانصرف أبو عبيدة بخالد من فحل إلى حمص وصرفوا سمير بن كعب معهم ومضوا بذى الكلاع ومن معه وخلفوا شرحبيل ومن معه (ذكر بيسان)
ولما فرغ شرحبيل من وقعة فحل نهد في الناس ومعه عمرو إلى أهل بيسان فنزلوا عليهم وأبو الاعور والقواد معه على طبرية وقد بلغ أفناء أهل الاردن ما لقيت دمشق وما لقى سقلار والروم بفحل وفى الردغة ومسير شرحبيل إليهم ومعه عمرو بن العاصى والحارث بن هشام وسهيل بن عمرو يريد بيسان وتحصنوا بكل مكان فسار شرحبيل بالناس إلى أهل بيسان فحصروهم أياما ثم إنهم خرجوا عليهم فقاتلوهم فأناموا من خرج إليهم وصالحوا بقية أهلها فقبل ذلك على صلح دمشق (طبرية) وبلغ أهل طبرية الخبر فصالحوا أبا الاعور على أن يبلغهم شرحبيل ففعل فصالحوهم وأهل بيسان على صلح دمشق على أن يشاطروا المسلمين المنازل في المدائن وما أحاط بها مما يصلها فيدعون لهم نصفا ويجتمعون في النصف الآخر وعن كل رأس دينار كل سنة وعن كل جريب أرض جريب بر أو شعير أي ذلك حرث وأشياء في ذلك صالحوهم عليها ونزلت القواد وخيولهم فيها وتم صلح الاردن وتفرقت الامداد في مدائن الاردن وقراها وكتب إلى عمر بالفتح (ذكر خبر المثنى بن حارثة وأبى عبيد بن مسعود) (كتب إلى السرى) عن شعيب عن سيف عن عمر عن محمد بن عبد الله بن سواد وطلحة بن الاعلم وزياد بن سرجس الاحمري باسنادهم قالوا أول ما عمل به عمر أن ندب الناس مع المثنى بن حارثة الشيباني إلى أهل فارس قبل صلاة الفجر من

(2/630)


الليلة التى مات فيها أبو بكر رضى الله عنه ثم أصبح فبايع الناس وعاد فندب الناس إلى فارس وتتابع الناس على البيعة ففرغوا في ثلاث كل يوم يندبهم فلا ينتدب أحد إلى فارس وكان وجه فارس من أكره الوجوه إليهم وأثقلها عليهم لشدة سلطانهم وشوكتهم وعزهم وقهرهم الامم قالوا فلما كان اليوم الرابع عاد فندب
الناس إلى العراق فكان أول منتدب أبو عبيد بن مسعود وسعد بن عبيد الانصاري حليف بنى فزارة هرب يوم الجسر فكانت الوجوه تعرض عليه بعد ذلك فيأبى إلا العراق ويقول إن الله عز وجل اعتد على فيها بفرة فلعله أن يرد على فيها كرة وتتابع الناس (كتب إلى السرى) ابن يحيى عن شعيب عن سيف عن سهل بن يوسف عن القاسم بن محمد قال وتكلم المثنى بن حارثة فقال يا أيها الناس لا يعظمن عليكم هذا الوجه فإنا قد تبحبحنا ريف فارس وغلبناهم على خير شقى السواد وشاطرناهم ونلنا منهم واجترأ من قبلنا عليهم ولها إن شاء الله ما بعدها وقام عمر رحمه الله في الناس فقال إن الحجاز ليس لكم بدار إلا على النعجة ولا يقوى عليه أهله إلا بذلك أين الطراء المهاجرون عن موعود الله سيروا في الارض التى وعدكم الله في الكتاب أن يورثكموها فإنه قال (ليظهره على الدين كله) والله مظهر دينه ومعز ناصره ومولى أهله مواريث الامم اين عباد الله الصالحون فكان أول منتدب أبو عبيد بن مسعود ثم ثنى سعد بن عبيد أو سليط بن قيس فلما اجتمع ذلك البعث قيل لعمر أمر عليهم رجلا من السابقين من المهاجرين والانصار قال لا والله لا أفعل إن الله إنما رفعكم بسبقكم وسرعتكم إلى العدو فإذا جبنتم وكرهتم اللقاء فأولى بالرياسة منكم من سبق إلى الدفع وأجاب إلى الدعاء والله لا أؤمر عليهم الا أولهم انتدابا ثم دعا أبا عبيد وسليطا وسعدا فقال أما انكما لو سبقتماه لوليتكما ولادركتما بها إلى مالكما من القدمة فأمر أبا عبيد على الجيش وقال لابي عبيد اسمع من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وأشركهم في الامر ولا تجتهد مسرعا حتى تتبين فانها الحرب والحرب لا يصلحها الا الرجل المكيث الذى يعرف الفرصة والكف وقال رجل من الانصار قال عمر رضى الله عنه لابي عبيد إنه لم يمنعنى

(2/631)


أن أؤمر سليطا الا سرعته إلى الحرب وفى التسرع إلى الحرب ضياع إلا عن بيان
والله لولا سرعته لامرته ولكن الحرب لا يصلحها إلى المكيث (كتب إلى السرى) ابن يحيى عن شعيب بن إبراهيم عن سيف بن عمر عن المجالد عن الشعبى قال قدم المثنى بن حارثة على أبى بكر سنة ثلاثة عشر فبعث معه بعثا قد كان ندبهم ثلاثا فلم ينتدب له أحد حتى انتدب له أبو عبيد ثم سعد بن عبيد وقال أبو عبيد حين انتدب أنا لها وقال سعد أنا لها لفعلة فعلها وقال سليط فقيل لعمر أمر عليهم رجلا له صحبة فقال عمر إنما فضل الصحابة بسرعتهم إلى العدو وكفايتهم من أبى فإذا فعل فعلهم قوم واثاقلوا كان الذين ينفرون خفافا وثقالا أولى بها منهم والله لا أبعث عليهم إلا أولهم انتدابا فامر أبا عبيد وأوصاه بجنده (كتب إلى السرى) ابن يحيى عن شعيب بن إبراهيم عن سيف بن عمر عن سهل عن القاسم ومبشر عن سالم قال كان أول بعث بعثه عمر بعث أبى عبيد ثم بعث يعلى بن أمية إلى اليمن وأمره بإجلاء أهل نجران لوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه بذلك ولوصية أبى بكر رحمه الله بذلك في مرضه وقال ائتهم ولا تفتنهم عن دينهم ثم أجلهم من أقام منهم على دينه وأقرر المسلم وامسح أرض كل من تجلى منهم ثم خيرهم البلدان وأعلمهم إنا نجليهم بأمر الله ورسوله أن لا يترك بجزيرة العرب دينان فليخرجوا من أقام على دينه منهم ثم نعطيهم أرضا كأرضهم إقرارا لهم بالحق على أنفسنا ووفاء بذمتهم فيما أمر الله من ذلك بدلا بينهم وبين جيرانهم من أهل اليمن وغيرهم فيما صار لجيرانهم بالريف خبر النمارق (كتب إلى السرى) ابن يحيى عن شعيب عن سيف عن سهل ومبشر بإسنادهما ومجالد عن الشعبى قالوا فخرج أبو عبيد ومعه سعد بن عبيد وسليط ابن قيس أخو بنى عدى بن النجار والمثنى بن حارثة أخو بنى شيبان ثم أحد بنى هند (كتب إلى السرى) عن شعيب عن سيف عن مجالد وعمرو عن الشعبى

(2/632)


وأبى روق قالوا كانت بوران بنت كسرى كلما اختلف الناس بالمدائن عدلا بين الناس حتى يصطلحوا فلما قتل الفرخزاذ بن البندوان وقدم رستم فقتل آزرميدخت كانت عدلا إلى أن استخرجوا يزدجر فقدم أبو عبيد والعدل بوران وصاحب الحرب رستم وقد كانت بوران أهدت للنبى صلى الله عليه وسلم فقبل وكانت ضدا على شيرين سنة ثم إنها تابعته واجتمعا على أن رأس وجعلها عدلا (كتب إلى السرى) بن يحيى عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة وزياد باسنادهم قالوا لما قتل سياوخش فرخزاذ بن البندوان وملكت آزرميدخت اختلف أهل فارس وتشاغلوا عن المسلمين غيبة المثنى كلها إلى أن رجع من المدينة فبعثت بوران إلى رستم بالخبر واستحثته بالسير وكان على فرج خراسان فاقبل في الناس حتى نزل المدائن لا يلقى جيشا لآزرميدخت الا هزمه فاقتتلوا بالمدائن فهزم سياوخش وحصر وحصرت آزرميدخت ثم افتتحها فقتل سياوخش وفقأ عين آزرميدخت ونصب بوران ودعته إلى القيام بأمر أهل فارس وشكت إليه تضعضعهم وإدبار أمرهم على أن تملكه عشر حجج ثم يكون الملك في آل كسرى إن وجدوا من غلمانهم أحد والا ففى نسائهم فقال رستم أما أنا فسامع مطيع غير طالب عوضا ولا ثوابا وإن شرفتموني وصنعتم إلى شيئا فأنتم أولياء ما صنعتم إنما أنا سهمكم وطوع أيديكم فقالت بوران اغد على فغدا عليها ودعت مراذبة فارس وكتبت له بأنك على حرب فارس ليس عليك الا الله عز وجل عن رضى منا وتسليم لحكمك وحكمك جائز فيهم ما كان حكمك في منع أرضهم وجمعهم عن فرقتهم وتوجته وأمرت أهل فارس أن يسمعوا له ويطيعوا فدانت له فارس بعد قدوم أبى عبيد وكان أول شئ أحدثه عمر بعد موت أبى بكر من الليل أن نادى الصلاة جامعة ثم ندبهم فتقرفوا على غير إجابة من أحد ثم ندبهم في اليوم الرابع فأجاب أبو عبيد في اليوم الرابع أول الناس
وتتابع الناس وانتخب عمر من أهل المدينة ومن حولها ألف رجل أمر عليهم أبا عبيد فقيل له استعمل عليهم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقال لا ها الله ذا يا أصحاب النبي لا أندبكم فتنكلون وينتدب غيركم فأؤمركم عليهم إنكم إنما

(2/633)


فضلتم بتسرعكم إلى مثلها فإن نكلتم فضلوكم بل أؤمر عليكم أولكم انتدابا وعجل المثنى وقال النجاء حتى يقدم عليك أصحابك فكان أول شئ أحدثه عمر في خلافته مع بيعته بعثه أبا عبيد ثم بعث أهل نجران ثم ندب أهل الردة فأقبلوا سراعا من كل أوب فرمى بهم الشأم والعراق وكتب إلى أهل اليرموك بأن عليكم أبا عبيدة ابن الجراح وكتب إليه انك على الناس فإن أظفرك الله فاصرف أهل العراق إلى العراق ومن أحب من أمدادكم إذا هم قدموا عليكم فكان أول فتح أتاه اليرموك على عشرين ليلة من متوفى أبى بكر وكان في الامداد إلى اليرموك في زمن عمر قيس بن هبيرة ورجع مع أهل العراق ولم يكن منهم وإنما غزا حين أذن عمر لاهل الردة في الغزو وقد كانت فارس تشاغلت بموت شهربراز عن المسلمين فملكت شاه زنان حتى اصطلحوا على سابور بن شهربراز بن أردشير بن شهريار فثارت به آزرميدخت فقتلته والفرخزاذ وملكت ورستم بن الفرخزاذ بخراسان على فرجها فأتاه الخبر عن بوران وقدم المثنى الحيرة من المدينة في عشر ولحقه أبو عبيد بعد شهر فأقام المثنى بالحيرة خمس عشرة ليلة وكتب رستم إلى ردهاقين للسواد ان يثوروا بالمسلمين ودس في كل رستاق رجلا ليثور بأهله فبعث جابان إلى البهقباذ الاسفل وبعث نرسى إلى كسكر ووعدهم يوما وبعث جندا لمصادمة المثنى وبلغ المثنى ذلك فضم إليه مسالحه وحذر وعجل جابان فثار ونزل النمارق وتوالوا على الخروح فخرج نرسى زندورد وثار أهل الرساتيق من أعلى الفرات إلى أسفله وخرج المثنى في جماعة حتى ينزل حفان لئلا يؤتى من خلفه بشئ يكرهه وأقام
حين قدم عليه أبو عبيد فكان أبو عبيد على الناس فأقام بخفان أياما ليستجم أصحابه وقد اجتمع إلى جابان بشر كثير وخرج أبو عبيد بعد ماجم الناس وظهرهم وتعبى فجعل المثنى على الخيل وعلى ميمنته والق بن جيدارة وعلى ميسرته عمرو بن الهيثم ابن الصلت بن حبيب السلمى وعلى مجنبتى جشنس ماه ومردانشاه فنزلوا على جابان بالنمارق فاقتتلوا قتالا شديدا فهزم الله أهل فارس وأسرجا بان أسره مطر ابن فضة التيمس وأسر مردانشاه أسره أكتل بن شماخ العكلى فأما أكتل فإنه

(2/634)


ضرب عنق مردانشاه وأما مطر بن فضة فإن جابان خدعه حتى تفلت منه بشئ فخلى عنه فأخذه المسلمون فأتوا به أبا عبيد وأخبروه أنه الملك وأشاروا عليه بقتله فقال إنى أخاف الله أن أقتله وقد آمنه رجل مسلم المسلمون في التواد والتناصر كالجسد ما لزم بعضهم فقد لزمهم كلهم فقالوا له إنه الملك قال وإن كان لا أغدر فتركه (كتب إلى السرى) ابن يحيى عن شعيب عن سيف عن الصلت ابن بهرام عن أبى عمران الجعفي قال ولت حربها فارس رستم عشر سنين وملكوه وكان منجما عالما بالنجوم فقال له قائل ما دعاك إلى هذا الامر وأنت ترى ما ترى قال الطمع وحب الشرف فكاتب أهل السواد ودس إليهم الرؤساء فثاروا بالمسلمين وقد كان عهد إلى القوم أن الامير عليكم أول من ثار فثار جابان في فرات بادقلى وثار الناس بعده وأرز المسلمون إلى المثنى بالحيرة فصمد لخفان ونزل خفان حتى قدم عليه أبو عبيد وهو الامير على المثنى وغيره ونزل جابان النمارق فسار إليه أبو عبيد من خفان فالتقوا بالنمارق فهزم الله أهل فارس وأصابوا منهم ما شاءوا وبصر مطر بن فضة وكان ينسب إلى أمه وأبى برجل عليه حلى فشدا عليه فأخذاه أسيرا فوجداه شيخا كبيرا فزهد فيه وأبى ورغب مطر في فدائه فاصطلحا على أن سلبه لابي وأن إساره لمطر فلما خلص مطر به قال إنكم معاشر العرب وأهل وفاء
فهل لك أن تؤمنى وأعطيك غلامين أمر دين خفيفين في عملك وكذا وكذا قال نعم قال فأدخلني على ملككم حتى يكون ذلك بمشهد منه ففعل فأدخله على أبى عبيد فتم له على ذلك فأجاز أبو عبيد فقام أبى وأناس من ربيعة فأما أبى فقال أسرته أنا وهو على غير أمان وأما الآخرون فعرفوه وقالوا هذا الملك جابان وهو الذى لقينا بهذا الجمع فقال ما ترونى فاعلا معاشر ربيعة أيؤمنه صاحبكم وأقتله أنا معاذ الله من ذلك وقسم أبو عبيد الغنائم وكان فيها عطر كثير ونفل وبعث بالاخماس مع القاسم السقاطية بكسكر (كتب إلى السرى) ابن يحيى عن شعيب بن إبراهيم عن سيف بن عمر عن

(2/635)


محمد وطلحة وزياد قالوا وقال أبو عبيد حين انهزموا وأخذوا نحو كسكر ليلجؤا إلى نرسى وكان نرسى ابن خالة كسرى وكانت كسكر قطيعة له وكان النرسيان له يحميه لا يأكله بشر ولا يغرسه غيرهم أو ملك فارس إلا من أكرموه بشئ منه وكان ذلك مذكورا من فعلهم في الناس وأن ثمرهم هذا حمى فقال له رستم وبوران اشخص إلى قطيعتك فاحمها من عدوك وعدونا وكن رجلا فلما انهزم الناس يوم النمارق ووجهت الفالة نحو نرسى ونرسى في عسكره نادى أبو عبيد بالرحيل وقال للمجردة اتبعوهم حتى تدخلوهم عسكر نرسى أو تبيدوهم فيما بين النمارق إلى بارق إلى درتا وقال عاصم بن عمرو في ذلك لعمري وما عمرى على بهين * لقد صبحت بالخزي أهل النمارق بأيدى رجال هاجروا نحو ربهم * يجوسونهم ما بين درتا وبارق قتلناهم ما بين مرج مسلح * وبين الهوافى من طريق البذارق ومضى أبو عبيدة حين ارتحل من النمارق حتى ينزل على نرسى بكسكر ونرسى يومئذ بأسفل كسكر والمثنى في تعبيته التى قاتل فيها جابان ونرسى على مجنبتيه ابنا
خاله وهما ابنا خال كسرى بندويه وتيرويه ابنا بسطام وأهل باروسما ونهر جوبر والزوابى معه إلى جنده وقد أتى الخبر بوران ورستم بهزيمة جابان فبعثوا إلى الجالنوس وبلغ ذلك نرسى وأهل كسكر وباروسما ونهر جوبر والزاب فرجوا أن يلحق قبل الوقعة وعاجلهم أبو عبيد فالتقوا أسفل من كسكر بمكان يدعى السقاطية فاقتتلوا في صحارى ملس قتالا شديدا ثم إن الله هزم فارس وهرب نرسى وغلب على عسكره وأرضه وأخرب أبو عبيد ما كان حول معسكرهم من كسكر وجمع الغنائم فرأى من الاطعمة شيئا عظيما فبعث فيمن يليه من العرب فانتقلوا ما شاؤا وأخذت خزائن نرسى فلم يكونوا بشئ مما خزن أفرح منهم بالنرسيان لانه كان يحميه ويمالئه عليه ملوكهم فاقتسموه فجعلوا يطعمونه الفلاحين وبعثوا بخمسه إلى عمر وكابوا إليه ان الله أطعمنا مطاعم كانت الاكاسرة يحمونها وأحببنا أن تروها ولتذكروا إنعام الله وإفضاله وأقام أبو عبيد وسرح المثنى

(2/636)


إلى باروسما وبعث والقا إلى الزوابى وعاصما إلى نهر جوبر فهزموا من كان تجمع وأخرجوا وسبوا وكان مما أخرب المثنى وسبى أهل زندورد وبسريسى وكان أبو زعبل من سبى زندورد وهرب ذلك الجند إلى الجالنوس فكان ممن أسر عاصم أهل بيتيق من نهر جوبر وممن أسر والق أبو الصلت وخرج فروخ وفرونداذ إلى المثنى يطلبان الجزاء والذمة دفعا غن أرضهم فأبلغهما أبا عبيد أحدهما باروسما والآخر نهر جوبر فأعطياه عن كل رأس أربعة فروخ عن باروسما وفرونداذ عن نهر جوبر ومثل ذلك الزوابى وكسكر وضمنا لهم الرجال عن التعجيل ففعلوا وصاروا صلحا وجاء فروخ وفرونداذ إلى أبى عبيد بآنية فيها أنواع أطعمة فارس من الالوان والاخبصة وغيرها فقالوا هذه كرامة أكرمناك بها وقرى لك قال أأكرمتم الجند وقريتموهم مثله قالوا لم يتيسر ونحن فاعلون وإنما يتربصون
بهم قدوم الجالنوس وما يصنع فقال أبو عبيد فلا حاجة لنا فيما لا يسع الجند فرده وخرج ابو عبيد حتى ينزل بباروسما فبلغه مسير الجالنوس (كتب إلى السرى) عن شعيب عن سيف عن النضر بن السرى الضبى قال فأتاه الاندرزغر بن الخوكبذ بمثل ما جاء به فروخ وفرونداذ فقال لهم أأكرمتم الجند بمثله وقريتموهم قالوا لا فرده وقال لا حاجة لنا فيه بئس المرء أبو عبيد إن صحب قوما من بلادهم اهرقوا دماءهم دونه أو لم يهريقوا فاستأثر عليهم بشئ يصيبه لا والله لا يأكل مما أفاء الله عليهم إلا مثل ما يأكل أوساطهم (قال أبو جعفر) وقد حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق بنحو من حديث سيف هذا عن رجاله في توجيه عمر المثنى وأبا عبيد بن مسعود إلى العراق في حرب من بها من الكفار وحروبهم ومن حاربهم بها غير أنه قال لما هزم جالنوس وأصحابه ودخل أبو عبيد باروسما نزل هو وأصحابه قرية من قراها فاشتملت عليهم فصنع لابي عبيد طعام فأتى به فلما رآه قال ما أنا بالذى آكل هذا دون المسلمين فقالوا له كل فإنه ليس من أصحابك أحد إلا وهو يؤتى في منزله بمثل هذا أو أفضل فأكل فلما رجعوا إليه سألهم عن طعامهم فأخبروه بما جاءهم من الطعام (كتب إلى السرى) ابن

(2/637)


يحيى عن شعيب بن إبراهيم عن سيف بن عمر عن محمد وطلحة وزياد بإسنادهم قالوا وقد كان جابان ونرسى استمدا بوران فأمدتهما بالجالنوس في جند جابان وأمر أن يبدأ بنرسى ثم يقاتل أبا عبيد بعد فبادره أبو عبيد فنهض في جنده قبل أن يدنو فلما دنا استقبله أبو عبيد فنزل الجالنوس بباقسياثا من باروسما فنهد إليه أبو عبيد في المسلمين وهو على تعبيته فالتقوا على باقسياثا فهزمهم المسلمون وهرب الجالنوس وأقام أبو عبيد قد غلب على تلك البلاد (كتب إلى السرى) بن يحيى عن شعيب عن سيف عن النضر بن السرى والمجالد بنحو من وقعة باقسياثا (كتب
إلى السرى) ابن يحيى عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة ومجالد وزياد والنضر بإسنادهم قالوا أتاه أولئك الدهاقين المتربصون جميعا بما وسع الجند وهابوا وخافوا على أنفسهم وأما النضر ومجالد فإنهما قالا قال أبو عبيد ألم أعلمكم أنى لست آكلا إلا ما يسع من معى ممن أصبتم بهم قالوا لم يبق أحد إلا وقد أتى بشبعه من هذا في رحالهم وأفضل فلما راح الناس عليه سألهم عن قرى أهل الارض فأخبروه وإنما كانوا قصروا اولا تربصا ومخافة عقوبة أهل فارس وأما محمد وطلحة وزياد فإنهم قالوا فلما علم قبل منهم وأكل وأرسل إلى قوم كانوا يأكلون معه أضيافا عليه يدعوهم إلى الطعام وقد أصابوا من نزل فارس ولم يروا أنهم أتوا أبا عبيد بشئ فظنوا أنهم يدعون إلى مثل ما كانوا يدعون إليه من غليظ عيش أبى عبيد وكرهوا ترك ما أتوا به من ذلك فقالوا له قل للامير إنا لا نشتهى شيئا مع شئ أتتنا به الدهاقين فأرسل إليهم إنه طعام كثير من أطعمة الاعاجم لتنظروا أين هو مما أتيتم به انه قرو ونجم وجوزل وشواء وخردل فقال في ذلك عاصم ابن عمرو وأضيافه عنده إن تك ذا قرو ونجم وجوزل * فعند ابن فروخ شواء وخردل وقرو رقاق كالصحائف طويت * على مزع فيها بقول وجوزل وقال أيضا صبحنا بالبقايس رهط كسرى * صبوحا ليس من خمر السواد

(2/638)


صبحناهم بكل فتى كمى * وأجرد سابح من خيل عاد ثم ارتحل أبو عبيد وقدم المثنى وسار في تعبيته حتى قدم الحيرة وقال النضر ومجالد ومحمد وأصحابه تقدم عمر إلى أبى عبيد فقال إنك تقدم على أرض المكر والخديعة والخيانة والجبرية تقدم على قوم قد جرؤا على الشر فعلموه وتناسوا الخير فجهلوه
فانظر كيف تكون واخزن لسانك ولا تفشين سرك فان صاحب السر ما ضبطه متحصن لا يؤتى من وجه يكرهه وإذا ضيعه كان بمضيعة وقعة القرقس ويقال لها القس قس الناطف ويقال لها الجسر ويقال لها المروحة (قال أبو جعفر الطبري رحمه الله) كتب إلى السرى بن يحيى عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة وزياد باسنادهم قالوا ولما رجع الجالنوس إلى رستم ومن أفلت من جنوده قال رستم أي العجم أشد على العرب فيما ترون قالوا بهمن جاذويه فوجهه ومعه فيلة ورد الجالنوس معه وقال له قدم الجالنوس فان عاد لمثلها فاضرب عنقه فأقبل بهمن جاذويه ومعه درفش كابيان راية كسرى وكانت من جلود النمر عرض ثمانية أذرع في طول اثنى عشر ذراعا وأقبل أبو عبيد فنزل المروحة موضع البرج والعاقول فبعث إليه بهمن جاذويه إما أن تعبروا الينا وندعكم والعبور وإما أن تدعونا نعبر اليكم فقالوا الناس لا تعبر يا أبا عبيد ننهاك عن العبور وقالوا له قل لهم فليعبروا وكان من أشد الناس عليه في ذلك سليط فلج أبو عبيد وترك الرأى وقال لا يكونوا أجرأ على الموت منا بل نعبر إليهم فعبروا إليهم وهم في منزل ضيق المطرد والمذهب فاقتتلوا يوما وأبو عبيد فيما بين الستة والعشرة حتى إذا كان من آخر النهار واستبطأ رجل من ثقيف الفتح ألف بين الناس فتصافحوا بالسيوف وضرب أبو عبيد الفيل وخبط الفيل أبا عبيد وقد أسرعت السيوف في أهل فارس وأصيب منهم ستة آلاف في المعركة ولم يبق ولم ينتظر إلا الهزيمة فلما خبط أبو عبيد وقام عليه الفيل جال المسلمون جولة ثم

(2/639)


تموا عليها وركبهم أهل فارس فبادر رجل من ثقيف من الجسر فقطعه فانتهى الناس إليه والسيوف تأخذهم من خلفهم فتهافتوا في الفرات فأصابوا يومئذ من
المسلمين أربعة آلاف من بين غريق وقتيل وحمى المثنى الناس وعاصم والكلج الضبى ومذعور حتى عقدوا الجسر وعبروهم ثم عبروا آثارهم فأقاموا بالمروحة والمثنى جريح والكلج ومذعور وعاصم وكانوا حماة الناس مع المثنى وهرب من الناس بشر كثير على وجوههم وافتضحوا في أنفسهم واستحيوا مما نزل بهم وبلغ عمر عن بعض من أوى إلى المدينة فقال عباد الله اللهم إن كل مسلم في حل منى أنا فئة كل مسلم يرحم الله أبا عبيد لو كان عبر فاعتصم بالخيف أو تحيز الينا ولم يستقتل لكنا له فئة وبينا أهل فارس يحاولون العبور أتاهم الخبر أن الناس بالمدائن قد ثاروا برستم ونقضوا الذى بينهم وبينه فرقتين الفهلوج على رستم وأهل فارس على الفيرزان وكان بين وقعة اليرموك والجسر أربعون ليلة وكان الذى جاء بالخبر عن اليرموك جرير بن عبد الله الحميرى والذى جاء بالخبر عن الجسر عبد الله بن زيد الانصاري وليس بالذى رأى الرؤيا فانتهى إلى عمر وعمر على المنبر فنادى عمر الخبر يا عبد الله بن زيد قال أتاك الخبر اليقين ثم صعد إليه المنبر فأسر ذلك إليه وكانت اليرموك في أيام من جمادى الاخرة والجسر في شعبان (كتب إلى السرى) ابن يحيى عن شعيب عن سيف عن المجالد وسعيد بن المرزبان قالا واستعمل رستم على حرب أبى عبيد بهمن جاذويه وهو ذو الحاجب ورد معه الجالنوس ومعه الفيلة فيها فيل أبيض عليه النخل وأقبل في الدهم وقد استقبله أبو عبيد حتى انتهى إلى بابل فلما بلغه انحاز حتى جعل الفرات بينه وبينه فعسكر بالمروحة ثم إن أبا عبيد ندم حين نزلوا به وقالوا إما أن تعبروا الينا وإما أن نعبر فحلف ليقطعن الفرات إليهم وليمحصن ما صنع فناشده سليط بن قيس ووجوه الناس وقالوا إن العرب لم تلق مثل جنود فارس مذ كانوا وإنهم قد حفلوا لنا واستقبلونا من الزهاء والعدة بما لم يلقنا به أحد منهم وقد نزلت منزلا لنا فيه مجال وملجأ ومرجع من فرة إلى كرة فقال لا أفعل جبنت والله وكان الرسول

(2/640)


فيما بين ذى الحاجب وأبى عبيد مردانشاه الخصى فأخبرهم ان أهل فارس قد عيروهم فازداد أبو عبيد محكا ورد على أصحابه الرأى وجبن سليطا فقال سليط أنا والله أجرأ منك نفسا وقد أشرنا عليك الرأى فستعلم (كتب إلى السرى) ابن يحيى عن شعيب عن سيف عن النضر بن السرى عن الاغر العجلى قال أقبل ذو الحاجب حتى وقف على شاطئ الفرات بقس الناطف وأبو عبيد معسكر على شاطئ الفكرات بالمروحة فقال إما أن تعبروا الينا وإما أن نعبر اليكم فقال أبو عبيد بل نعبر اليكم فقعد ابن صلوبا الجسر للفريقين جميعا وقبل ذلك ما قد رأت دومة امرأة أبى عبيد رؤيا وهى بالمروحة ان رجلا نزل من السماء بإناء فيه شراب فشرب أبو عبيد وجبر في أناس من أهله فأخبرت بها أنا عبيد فقال هذه الشهادة وعهد أبو عبيد إلى الناس فقال ان قتلت فعلى الناس جبر فان قتل فعليكم فلان حتى أمر الذين شربوا من الاناء على الولاء من كلامه ثم قال ان قتل أبو القاسم فعليكم المثنى ثم نهد بالناس فعبروا وعبروا إليهم وعضلت الارض بأهلها وألحم الناس الحرب فلما نظرت الخيول إلى الفيلة عليها النخل والخيل عليها التجافيف والفرسان عليهم الشعر رأت شيئا منكرا لم تكن ترى مثله فجعل المسلمون إذا حملوا عليهم لم تقدم خيولهم وإذا حملوا على المسلمين بالفيلة والجلاجل فرقت بين كراديسهم لا تقوم لها الخيل إلا على نفار وخزقهم الفرش بالنشاب وعض المسلمين الالم وجعلوا لا يصلون إليهم فترجل أبو عبيد وترجل الناس ثم مشوا إليهم فصافحوهم بالسيوف فجعلت الفيلة لا تحمل على جماعة إلا دفعتهم فنادى أبو عبيد احتوشوا الفيلة وقطعوا بطنها واقلبوا عنها أهلها وواثب هو الفيل الابيض فتعلق ببطانة فقطعه ووقع الذين عليه وفعل القوم مثل ذلك فما تركوا فيلا إلا حطوا رحله وقتلوا أصحابه وأهوى الفيل لابي عبيد فنفح مشفره بالسيف فاتقاه الفيل بيده
وأبو عبيد يتجرثمه فأصابه بيده فوقع فخبطه الفيل وقام عليه فلما بصر الناس بأبى عبيد تحت الفيل خشعت أنفس بعضهم وأخذ اللواء الذى كان أمره بعده فقاتل الفيل حتى تنحى عن أبى عبيد فاجتره إلى المسلمين وأحرزوا شلوه وتجرثم

(2/641)


الفيل فاتقاه الفيل بيده دأب أبى عبيد وخبطه الفيل وقام عليه وتتابع سبعة من ثقيف كلهم يأخذ اللواء فيقاتل حتى يموت ثم أخذ اللواء المثنى وهرب الناس فلما رأى عبد الله بن مرثد الثقفى ما لقى أبو عبيد وخلفاؤه وما يصنع الناس بادرهم إلى الجسر فقطعه وقال يا أيها الناس موتوا على ما مات عليه أمراؤكم أو تظفروا وحاز المشركون المسلمين إلى الجسر وخشع ناس فتواثبوا في الفرات فعرق من لم يصبر وأسرعوا فيمن صبر وحمى المثنى وفرسان من المسلمين الناس ونادى يا أيها الناس إنا دونكم فاعبروا على هينتكم ولا تدهشوا فانا لن نزايل حتى نراكم من ذلك الجانب ولا تغرقوا أنفسكم فعبروا الجسر وعبد الله بن مرثد قائم عليه يمنع الناس من العبور فأخذوه فأتوا به المثنى فضربه وقال ما حملك على الذى صنعت قال ليقاتلوا ونادى من عبر فجاؤا بعلوج فضموا إلى السفينة التى قطعت سفائنها وعبر الناس وكان آخر من قتل عند الجسر سليط بن قيس وعبر المثنى وحمى جانبه فاضطرب عسكره ورامهم ذو الحاجب فلم يقدر عليهم فلما عبر المثنى ارفض عنه أهل المدينة حتى لحقوا بالمدينة وتركها بعضهم ونزلوا البوادى وبقى المثنى في قلة (كتب إلى السرى) عن شعيب عن سيف عن رجل عن أبى عثمان النهدي قال هلك يومئذ أربعة آلاف بين قتيل وغريق وهرب ألفان وبقى ثلاثة آلاف وأتى ذا الحاجب الخبر باختلاف فارس فرجع بجنده وكان ذلك سببا لارفضاضهم عنه وجرح المثنى وأثبت فيه حلق من درعه هتكهن الرمح (كتب إلى السرى) عن شعيب عن سيف عن مجالد وعطية نحوا منه (كتب إلى السرى) عن شعيب عن سيف عن مجالد وعطية
والنضر ان أهل المدينة لما لحقوا بالمدينة وأخبروا عمن سار في البلاد استحياء من الهزيمة اشتد على عمر ذلك ورحمهم وقال الشعبى قال عمر اللهم كل مسلم في حل منى أنا فئة كل مسلم من لقى العدو ففظع بشئ من أمره فأنا له فئة يرحم الله أبا عبيد لو كان انحاز إلى لكنت له فئة وبعث المثنى بالخبر إلى عمر مع عبد الله بن زيد وكان أول من قدم على عمر * وحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن اسحاق بنحو خبر سيف هذا في أمر أبى عبيد وذى الحاجب وقصة حربهما الا أنه قال وقد كانت

(2/642)


رأت دومة أم المختار بن أبى عبيد أن رجلا نزل من السماء معه اناء فيه شراب من الجنة فيما يرى النائم فشرب منه أبو عبيد وجبر بن أبى عبيد وأناس من أهله وقال أيضا فلما رأى أبو عبيد ما يصنع الفيل قال هل لهذه الدابة من مقتل قالوا نعم إذا قطع مشفرها ماتت فشد على الفيل فضرب مشفرها فقطعه وبركت عليه الفيل فقتلته وقال أيضا فرجعت الفرس ونزل المثنى بن حارثة أليس وتفرق الناس فلحقوا بالمدينة فكان أول من قدم المدينة بخبر الناس عبد الله بن زيد بن الحصين الخطمى فاخبر الناس * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن اسحاق عن عبد الله بن أبى بكر عن عمرة ابنة عبد الرحمن عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت سمعت عمر بن الخطاب حين قدم عبد الله بن زيد فنادى الخبر يا عبد الله بن زيد وهو داخل المسجد وهو يمر على باب حجرتي فقال ما عندك يا عبد الله بن زيد قال أتاك الخبر يا أمير المؤمنين فلما انتهى إليه أخبره خبر الناس فما سمعت برجل حضر أمرا فحدث عنه كان أثبت خبرا منه فلما قدم فل الناس ورأى عمر جزع المسلمين من المهاجرين والانصار من الفرار قال لا تجزعوا يا معشر المسلمين أنا فئتكم إنما انحزتم إلى * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق عن محمد بن عبد الرحمن بن الحصين وغيره أن معاذا القارئ أخا بنى النجار كان ممن شهدها ففر يومئذ فكان إذا قرأ هذه
الآية (ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير) بكى فيقول له عمر لا تبك يا معاذ أنا فئتك وإنما انحزت إلى خبر أليس الصغرى (قال أبو جعفر) كتب إلى السرى بن يحيى عن شعيب بن إبراهيم عن سيف ابن عمر عن محمد بن نويرة وطلحة وزياد وعطية قالوا وخرج جابان ومردانشاه حتى أخذا بالطريق وهم يرون أنهم سيرفضون ولا يشعرون بما جاء ذا الحاجب من فرقة أهل فارس فلما ارفض أهل فارس وخرج ذو الحاجب في آثارهم وبلغ

(2/643)


المثنى فعلة جابان ومردانشاه استخلف على الناس عاصم بن عمرو وخرج في جريدة خيل يريدهما فظنا أنه هارب فاعترضاه فأخذهما أسيرين وخرج أهل أليس على أصحابهما فأتوه بهم أسراء وعقد لهم بها ذمة وقدمهما وقال أنتما غررتما أميرنا وكذبتماه واستفززتماه فضرب أعناقهما وضرب أعناق الاسراء ثم رجع إلى عسكره وهرب أبو محجن من أليس ولم يرجع مع المثنى وكان جرير بن عبد الله وحنظلة ابن الربيع ونفر استأذنوا خالدا من سوى فأذن لهم فقدموا على أبى بكر فذكر له جرير حاجته فقال أعلى حالنا واخره بها فلما ولى عمر دعاه بالبينة فأقامها فكتب له عمر إلى عماله السعاة في العرب كلهم من كان فيه أحد ينسب إلى بجيلة في الجاهلية وثبت عليه في الاسلام يعرف ذلك فاخرجوه إلى جرير ووعدهم جرير مكانا بين العراق والمدينة ولما أعطى جرير حاجته في استخراج بجيلة من الناس فجمعهم فأخرجوا له وأمرهم بالموعد ما بين مكة والمدينة والعراق فتتاموا قال لجرير أخرج حتى تلحق بالمثنى فقال بل الشأم قال بل العراق فان أهل الشأم قد قووا على عدوهم فأبى حتى أكرهوا فلما خرجوا له وأمرهم بالموعد عوضه لاكراهه
واستصلاحا له فجعل له ربع خمس ما أفاء الله عليهم في غزاتهم هذه له ولمن اجتمع إليه ولمن أخرج له إليه من القبائل وقال اتخذونا طريقا فقدموا المدينة ثم فصلوا منها إلى العراق ممدين للمثنى وبعث عصمة بن عبد الله من بنى عبد بن الحارث الضبى فيمن تبعه من بنى ضبة وقد كان كتب إلى أهل الردة فلم يواف شعبان أحد الا رمى به المثنى البويب (كتب إلى السرى) عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة وزياد باسنادهم قالوا وبعث المثنى بعد الجسر فيمن يليه من الممدين فتوافوا إليه في جمع عظيم وبلغ رستم والفيرزان ذلك وأتتهم العيون به وبما ينتظرون من الامداد واجتمعا على أن يبعثا مهران الهمذانى حتى يريا من رأيهما فخرج مهران في الخيول وأمراه بالحيرة وبلغ المثنى الخبر وهو معسكر بمرج السباخ بين القادسية وخفان في الذين

(2/644)


أمدوه من العرب عن خبر بشير وكنانة وبشير يومئذ بالحيرة فاستبطن فرات بادقلى وأرسل إلى جرير ومن معه إنا جاءنا أمر لم نستطع معه المقام حتى تقدموا علينا فعجلوا اللحاق بنا وموعدكم البويب وكان جرير ممدا له وكتب إلى عصمة ومن معه وكان ممدا له بمثل ذلك وإلى كل قائد أظله بمثل ذلك وقال خذوا على الجوف فسلكوا القادسية والجوف وسلك المثنى وسط السواد فطلع على النهرين ثم على الخورنق وطلع عصمة على النجف ومن سلك معه طريقه وطلع جرير على الجوف ومن سلك معه طريقه فانتهوا إلى المثنى وهو على البويب ومهران من وراء الفرات بإزائه فاجتمع عسكر المسلمين على البويب مما يلى موضع الكوفة اليوم وعليهم المثنى وهم بازاء مهران وعسكره فقال المثنى لرجل من أهل السواد ما يقال للرقعة التى فيها مهران وعسكره قال بسوسيا فقال اكدى مهران وهلك نزل منزلا
هو البسوس وأقام بمكانه حتى كاتبه مهران إما أن تعبروا الينا وإما أن نعبر اليكم فقال المثنى اعبروا فعبر مهران فنزل على شاطئ الفرات معهم في الملطاط فقال المثنى لذلك الرجل ما يقال لهذه الرقعة التى نزلها مهران وعسكره قال شوميا وذلك في رمضان فنادى في الناس انهدوا لعدوكم فتناهدوا وقد كان المثنى عبى جيشه فجعل على مجنبتيه مذعورا والنسير وعلى المجردة عاصما وعلى الطلائع عصمة واصطف الفريقان وقام المثنى فيهم خطيبا فقال إنكم صوام والصوم مرقة ومضعفة وإنى أرى من الرأى أن تفطروا ثم تقووا بالطعام على قتال عدوكم قالوا نعم فأفطروا فابصر رجلا يستوفز ويستنتل من الصف فقال ما بال هذا قالوا هو ممن فر من الزحف يوم الجسر وهو يريد أن يستقتل فقرعه بالرمح وقال لا أبا لك الزم موقفك فإذا أتاك قرنك فأغنه عن صاحبك ولا تستقتل قال انى بذلك لجدير فاستقر ولزم الصف (كتب إلى السرى) عن شعيب عن سيف عن أبى اسحاق الشيباني بمثله (كتب إلى السرى) عن شعيب عن سيف عن عطية وعن سفيان الاحمري عن المجالد عن الشعبى قالا قال عمر حين استجم جمع بجيلة اتخذونا طريقا فخرج سروات بجيلة ووفدهم نحوه وخلفوا الجمهور فقال أي الوجوه أحب اليكم قالوا

(2/645)


الشأم فان اسلافنا بها فقال بل العراق فان الشأم في كفاية فلم يزل بهم ويأبون عليه حتى عزم على ذلك وجعل لهم ربع خمس ما أفاء الله على المسلمين إلى نصيبهم من الفئ فاستعمل عرفجة على من كان مقيما على جديلة من بجيلة وجرير على من كان من بنى عامر وغيرهم وقد كان أبو بكر ولاه قتال أهل عمان في نفر واقفله حين غزا في البحر فولاه عمر عظم بجيلة وقال اسمعوا لهذا وقال للآخرين اسمعوا لجرير فقال جرير لبجيلة تقرون بهذا وقد كانت بجيلة غضبت على عرفجة في امرأة منهم وقد أدخل علينا ما أدخل فاجتمعوا فأتوا عمر فقالوا أعفنا من عرفجة فقال
لا أعفيكم من أقدمكم هجرة وإسلاما وأعظمكم بلاء واحسانا قالوا استعمل علينا رجلا منا ولا تستعمل علينا نزيعا فينا فظن عمر انهم ينفونه من نسبه فقال انظروا ما تقولون قالوا نقول ما تسمع فارسل إلى عرفجة فقال ان هؤلاء استعفوني منك وزعموا انك لست منهم فما عندك قال صدقوا وما يسرنى انى منهم أنا امرؤ من الازد ثم من بارق في كهف لا يحصى عدده وحسب غير مؤتشب فقال عمر نعم الحى الازد يأخذون نصيبهم من الخير والشر قال عرفجة انه كان من شأني ان الشر تفاقم فينا ودارنا واحدة فأصبنا الدماء ووتر بعضنا بعضا فاعتزلتهم لما خفتهم فكنت في هؤلاء أسودهم وأقودهم فحفظوا على لامر دار بينى وبين دهاقينهم فحسدوني وكفروني فقال لا يضرك فاعتزلهم اذكرهوك واستعمل جريرا مكانه وجمع له بجيلة وأرى جريرا وبجيلة انه يبعث عرفجة إلى الشأم فحبب ذلك إلى جرير العراق وخرج جرير في قومه ممدا للمثنى بن حارثة حتى نزل ذاقار ثم ارتفع حتى إذا كان بالجل والمثنى بمرج السباخ أتى المثنى الخبر عن حديث بشير وهو بالحيرة أن الاعاجم قد بعثوا مهران ونهض من المدائن شاخصا نحو الحيرة فارسل المثنى إلى جرير وإلى عصمة بالحث وقد كان عهد إليهم عمر ألا يعبروا بحرا ولا جسرا إلا بعد ظفر فاجتمعوا بالبويب فاجتمع العسكران على شاطئ البويب الشرقي وكان البويب مغيضا للفرات أيام المدود أزمان فارس يصب في الجوف والمشركون بموضع دار الرزق والمسلمون بموضع السكون (كتب إلى السرى)

(2/646)


ابن يحيى عن شعيب بن ابراهيم عن سيف بن عمر عن عطية والمجالد باسنادهما قالا وقدما على عمر غزاة بنى كنانة والازد في سبعمائة جميعا فقال أي الوجوه أحب اليكم قالوا الشأم أسلافنا أسلافنا فقال ذلك قد كفيتوه العراق العراق ذروا بلدة قد قلل الله شوكتها وعددها واستقبلوا جهاد قوم قد حووا فنون
العيش لعل الله أن يورثكم بقسطكم من ذلك فتعيشوا مع من عاش من الناس فقال غالب بن فلان الليثى وعرفجة البارقى كل واحد منهما لقومه وقاما فيهم يا عشيرتاه أجيبوا أمير المؤمنين إلى ما يرى وامضوا له ما يسكنكم قالوا إنا قد أطعناك وأجبنا أمير المؤمنين إلى ما رأى وأراد فدعا لهم عمر بخير وقاله لهم وأمر على بنى كنانة غالب بن عبد الله وسرحه وأمر على الازد عرفجة ابن هرثمة وعامتهم من بارق وفرحوا برجوع عرفجة إليهم فخرج هذا في قومه وهذا في قومه حتى قدما على المثنى (كتب إلى السرى) عن شعيب عن سيف عن محمد وعمرو باسنادهما قالا وخرج هلال بن علفة التيمى فيمن اجتمع إليه من الرباب حتى أتى عمر فأمره عليهم وسرحه فقدم على المثنى وخرج ابن المثنى الجشمى جشم سعد حتى قدم عليه فوجهه وأمره على بنى سعد فقدم على المثنى (كتب إلى السرى) عن شعيب عن سيف عن المجالد عن الشعبى وعطية باسنادهما قالا وجاء عبد الله بن ذى السهمين في أناس من خثعم فأمره عليهم ووجهه إلى المثنى فخرج نحوه حتى قدم عليه (كتب إلى السرى) عن شعيب عن سيف عن محمد وعمرو باسنادهما قالا وجاء ربعى في أناس من بنى حنظلة فأمره عليهم وسرحهم وخرجوا حتى قدم بهم على المثنى فرأس بعده ابنه شبث بن ربعى وقدم عليه أناس من بنى عمرو فأمر عليهم ربعى بن عامر بن خالد العنود وألحقه بالمثنى وقدم عليه قوم من بنى ضبة فجعلهم فرقتين فجعل على إحدى الفرقتين ابن الهوبر وعلى الاخرى المنذر بن حسان وقدم عليه قرط بن جماح في عبد القيس فوجهه وقالوا جميعا اجتمع الفيرزان ورستم على أن يبعثا مهران لقتال المثنى واستأذنا بوران وكانا إذا أرادا شيئا دنوا من حجابها حتى يكلماها به فقالا

(2/647)


بالذى رأيا وأخبراها بعدد الجيش وكانت فارس لا يكثرون البعوث حتى كان من
أمر العرب ما كان فلما أخبراها بكثرة عدد الجيش قالت ما بال أهل فارس لا يخرجون إلى العرب كما كانوا يخرجون قبل اليوم ومالكما لا تبعثان كما كانت الملوك تبعث قبل اليوم قالا ان الهيبة كانت مع عدونا يومئذ وإنها فينا اليوم فمالاتهما وعرفت ما جاءاها به فمضى مهران في جنده حتى نزل من دون الفرات والمثنى وجنده على شاطئ الفرات والفرات بينهما وقدم أنس بن هلال النمري ممدا للمثنى في أناس من النمر نصارى وجلاب جلبوا خيلا وقدم ابن مردى الفهر التغلبي في أناس من بنى تغلب نصارى وجلاب جلبوا خيلا وهو عبد الله بن كليب بن خالد وقالوا حين رأوا نزول العرب بالمجم نقاتل مع قومنا وقال مهران إما أن تعبروا إلينا وأما أن نعبر اليكم فقال المسلمون اعبروا الينا فارتحلوا من بسوسيا إلى شوميا وهى موضع دار الرزق (كتب إلى السرى) عن شعيب عن سيف عن عبيد الله ابن محفز عن أبيه عن العجم لما أذن لهم في العبور نزلوا شوميا موضع الرزق فتعبوا هنالك فأقبلوا إلى المسلمين في صفوف ثلاثة من كل صف فيل ورجلهم أمام فيلهم وجاؤا ولهم زجل فقال المثنى للمسلمين ان الذى تسمعون فشل فالزموا الصمت وائتمروا همسا فدنوا من المسلمين وجاؤهم من قبل نهر بنى سليم نحو موضع نهر بنى سليم فلما دنوا زحفوا وصف المسلمين فيما بين نهر بنى سليم اليوم وما وراءها (كتب إلى السرى) عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة قالا وكان على مجنبتى المثنى بشير بسرين أبى رهم وعلى مجردته المعنى وعلى الرجل مسعود وعلى الطلائع قبل ذلك اليوم النسير وعلى الردء مذعور وكان على مجنبتى مهران بن الآزاذبه مرزبان الحيرة ومردانشاه ولما خرج المثنى طاف في صفوفه يعهد إليهم عهده وهو على فرسه الشموس وكان يدعى الشموس من لين عريكته وطهارته فكان إذا ركبه قاتل وكان لا يركبه إلا لقتال يودعه ما لم يكن قتال فوقف على الرايات راية يحضضهم ويأمرهم بأمره ويهزهم بأحسن ما فيهم
تحضيضا لهم ولكلهم يقول إنى لارجو أن لا تؤتى العرب اليوم من قبلكم والله

(2/648)


ما يسرنى اليوم لنفسي شئ إلا وهو يسرنى لعامتكم فيجيبونه بمثل ذلك وأنصفهم المثنى في القول والفعل وخلط الناس في المكروه والمحبوب فلم يستطع أحد منهم أن يعيب له قولا ولا عملا ثم قال إنى مكبر ثلاثا فهيؤا ثم احملوا مع الرابعة فلما كبر أول تكبيرة أعجلهم أهل فارس وعاجلوهم فخالطوهم مع أول تكبيرة وركدت حربهم مليا فرأى المثنى خللا في بعض صفوفه فأرسل إليهم رجلا وقال إن الامير يقرأ عليكم السلام ويقول لا تفضحوا المسلمين اليوم فقالوا نعم واعتدلوا وجعلوا قبل ذلك يرونه وهو يمد لحيته لما يرى منهم فاعتنوا بأمر لم يجئ به أحد من المسلمين يومئذ فرمقوه فرأوه يضحك فرحا والقوم بنو عجل فلما طال القتال واشتد عمد المثنى إلى أنس بن هلال فقال يا أنس إنك امرؤ عربي وإن لم تكن على ديننا فإذا رأيتنى قد حملت على مهران فاحمل معى وقال لابن مردى الفهر مثل ذلك فأجابه فحمل المثنى على مهران فأزاله حتى دخل في ميمنته ثم خالطوهم واجتمع القلبان وارتفع الغبار والمجنبات (تقتتل ؟) لا يستطيعون أن يفرغوا لنصر أميرهم لا المشركون ولا المسلمون وارتث مسعود يومئذ وقواد من قواد المسلمين وقد كان قال لهم إن رأيتمونا أصبنا فلا تدعوا ما أنتم فيه فإن الجيش ينكشف ثم ينصرف الزموا مصافكم واغنوا غناء من يليكم وأوجع قلب المسلمين في قلب المشركين وقتل غلام من التغلبيين نصراني مهران واستوى على فرسه فجعل المثنى سلبه لصاحب خيله وكذلك إذا كان المشرك في خيل رجل فقتل وسلب فهو للذى هو أمير على من قتل وكان له قائدان أحدهما جرير فاقتسما سلاحه والآخر ابن الهوبر (كتب إلى السرى) عن شعيب عن سيف عن عبيد الله بن محفز عن أبيه محفز بن ثعلبة قال جلب فتية من بنى تغلب أفراسا فلما التقى الزحفان يوم البويب
قالوا نقاتل العجم مع العرب فأصاب أحدهم مهران يومئذ ومهران على فرس له ورد مجفف بتجفاف أصفر بين عينيه هلال وعلى ذنبه أهلة من شبه فاستوى على فرسه ثم انتمى أنا الغلام التغلبي أنا قتلت المرزبان فأتاه جرير وابن الهوبر في قومهما فأخذا برجله فأنزلاه (كتب إلى السرى) عن شعيب عن سيف

(2/649)


عن سعيد بن المرزبان أن جريرا والمنذر اشتركا فيه فاختصما في سلاحه فتقاضيا إلى المثنى فجعل سلاحه بينهما والمنطقة والسوارين بينهما وأفنوا قلب المشركين (كتب إلى السرى) عن شعيب عن سيف عن أبى روق قال والله ان كنا لنأتي البويب فنرى فيما بين موضع السكون وبنى سليم عظاما بيضا تلولا تلوح من هامهم وأوصالهم يعتبر بها قال وحدثني بعض من شهدها أنهم كانوا يحزرونها مائة ألف وما عفى عليها حتى دفنها أدفان البيوت (كتب إلى السرى) عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة قالا وقف المثنى عند ارتفاع الغبار حتى أسفر الغبار وقد فنى قلب المشركين والمجنبات قد هز بعضها بعضا فلما رأوه وقد أزال القلب وأفنى أهله قويت المجنبات مجنبات المسلمين على المشركين وجعلوا يردون الاعاجم على أدبارهم وجعل المثنى والمسلمون في القلب يدعون لهم بالنصر ويرسل عليهم من يذمرهم ويقول إن المثنى يقول عاداتكم في أمثالهم انصروا الله ينصركم حتى هزموا القوم فسابقهم المثنى إلى الجسر فسبقهم وأخذ الاعاجم فافترقوا بشاطئ الفرات مصعدين ومصوبين واعتورتهم خيول المسلمين حتى قتلوهم ثم جعلوهم جثا فما كانت بين العرب والعجم وقعة كانت أبقى رمة منها ولما ارتث مسعود بن حارثة يومئذ وكان صرع قبل الهزيمة فتضعضع من معه فرأى ذلك وهو دنف قال يا معشر بكر بن وائل ارفعوا رايتكم رفعكم الله لا يهولنكم مصرعي وقاتل أنس بن هلال النمري يومئذ حتى ارتث ارتثه المثنى وضمه وضم مسعودا
إليه وقاتل قرط بن جماح العبدى يومئذ حتى دق قنى وقطع أسيافا وقتل شهربراز من دهاقين فارس وصاحب مجردة مهران قال ولما فرغوا جلس المثنى للناس من بعد الفراغ يحدثهم ويحدثونه وكلما جاء رجل فتحدث قال له أخبرني عنك فقال له قرط بن جماح قتلت رجلا فوجدت منه رائحة المسك فقلت مهران ورجوت أن يكون إياه فإذا هو صاحب الخيل شهربراز فو الله ما رأيته إذ لم يكن مهران شيئا فقال المثنى قد قاتلت العرب والعجم في الجاهلية والاسلام والله لمائة من العجم في الجاهلية كانوا أشد على من ألف من العرب ولمائة اليوم

(2/650)


من العرب أشد على من ألف من العجم إن الله أذهب مصدوقتهم ووهن كيدهم فلا يروعنكم زهاء ترونه ولا سواد ولا قسى فج ولا نبال طوال فإنهم إذا أعجلوا عنها أو فقدوها كالبهائم أينما وجهتموها اتجهت وقال ربعى وهو يحدث المثنى لما رأيت ركود الحرب واحتدامها قلت تترسوا بالمجان فإنهم شادون عليكم فاصبروا لشدتين وأنا زعيم لكم بالظفر في الثالثة فأجابوني والله فوفى الله كفالتي وقال ابن ذى السهمين محدثا قلت لاصحابي إنى سمعت الامير يقرأ ويذكر في قراءته الرعب فما ذكره إلا لفضل عنده اقتدوا برايتكم وليحم راجلكم خيلكم ثم احملوا فما لقول الله من خلف فأنجز الله لهم وعده وكان كما رجوت وقال عرفجة محدثا حزنا كتيبة منهم الفرات ورجوت أن يكون الله تعالى قد أذن في غرقهم وسلى عنها بها مصيبة الجسر فلما دخلوا في حد الاحراج كروا علينا فقاتلناهم قتالا شديدا حتى قال بعض قومي لو أخرت رايتك فقلت على إقدامها وحملت بها على حاميتهم فقتلته فولوا نحو الفرات فما بلغه منهم أحد فيه الروح * وقال ربعى ابن عامر بن خالد كنت مع أبى يوم البويب قال وسمى البويب يوم الاعشار أحصى مائة رجل قتل كل رجل منهم عشرة في المعركة يومئذ وكان عروة بن زيد الخيل
من أصحاب التسعة وغالب في بنى كنانة من أصحاب التسعة وعرفجة في الازد من أصحاب التسعة وقتل المشركون فيما بين السكون اليوم إلى شاطئ الفرات ضفة البويب الشرقية وذلك أن المثنى بادرهم عند الهزيمة الجسر فأخذه عليهم فأخذوا يمنة ويسرة وتبعهم المسلمون إلى الليل ومن الغد إلى الليل وندم المثنى على أخذه بالجسر وقال لقد عجزت عجزة وقى الله شرها بمسابقتي إياهم إلى الجسر وقطعه حتى أحرجتهم فإنى غير عائد فلا تعودوا ولا تقتدوا بى أيها الناس فإنها كانت منى زلة لا ينبغى إحراج أحد إلا من لا يقوى على امتناع ومات أناس من الجرحى من أعلام المسلمين منهم خالد بن هلال ومسعود بن حارثة فصلى عليهم المثنى وقدمهم على الاسنان والقران وقال والله إنه ليهون على وجدى أن شهدوا البويب اقدموا وصبروا ولم يجزعوا ولم ينكلوا وأن كان في الشهادة كفارة لتجوز

(2/651)


الذنوب (كتب إلى السرى) عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة وزياد قالوا وقد كان المثنى وعصمة وجرير أصابوا في أيام البويب على الظهر نزل مهران غنما ودقيقا وبقرا فبعثوا بها إلى عيالات من قدم من المدينة وقد خلفوهن بالقوادس وإلى عيالات أهل الايام قبلهم وهم بالحيرة وكان دليل الذين ذهبوا بنصيب العيالات الذين بالقوادس عمرو بن عبد المسيح بن بقيلة فلما رفعوا للنسوة فرأين الخيل يصايجن وحسبنها غارة فقمن دون الصبيان بالحجارة والعمد فقال عمرو هكذا ينبغى لنساء هذا الجيش وبشروهن بالفتح وقالوا هذا أوله وعلى الخيل التى أتتهم بالنزل النسير وأقام في خيله حامية لهم ورجع عمرو بن عبد المسيح فبات بالحيرة وقال المثنى يومئذ من يتبع الناس حتى ينتهى إلى السيب فقام جرير ابن عبد الله في قومه فقال يا معشر بجيلة انكم وجميع من شهد هذا اليوم في السابقة والفضيلة والبلاء سواء وليس لاحد منهم في هذا الخمس غدا من النفل مثل الدى
لكم منه ولكم ربع خمسه نفلا من أمير المؤمنين فلا يكونن أحد أسرع إلى هذا العدو ولا أشد عليه منكم للذى لكم منه ونية إلى ما ترجون فإنما تنتظرون إحدى الحسنيين الشهادة والجنة والغنيمة والجنة ومال المثنى على الذين ارادوا أن يستقتلوا من منهزمة يوم الجسر ثم قال أين المستبسل بالامس وأصحابه انتدبوا في آثار هؤلاء القوم إلى السيب وأبلغوا من عدوكم ما تغيظونهم به فهو خير لكم وأعظم أجرا واستغفروا الله إن الله غفور رحيم (كتب إلى السرى) عن شعيب عن سيف عن حمزة بن على بن محفز عن رجل من بكر بن وائل قال كان أول الناس انتدب يومئذ للمثنى واتبع آثارهم المستبسل وأصحابه وقد كان أراد الخروج بالامس إلى العدو ومن صف المسلمين واستوفز واستنتل فأمر المثنى أن يعقد لهم الجسر ثم أخرجهم في آثار للقوم واتبعتهم بجيلة وخيول من المسلمين تغذ من كل فارس فانطلقوا في طلبهم حتى بلغوا السيب ولم يبق في العسكر جسري الا خرج في الخيل فأصابوا من البقر والسبي وسائر الغنائم شيئا كثيرا فقسمه المثنى عليهم وفضل أهل البلاد من جميع القبائل ونفل بجيلة يومئذ ربع الخمس بينهم بالسوية

(2/652)


وبعث بثلاثة أرباعه مع عكرمة وألقى الله الرعب في قلوب أهل فارس وكتب القواد الذين قادوا الناس في الطلب إلى المثنى وكتب عاصم وعصمة وجرير إن الله عز وجل قد سلم وكفى ووجه لنا ما رأيت وليس دون القوم شئ فتأذن لنا في الاقدام فأذن لهم فأغاروا حتى بلغوا ساباط وتحصن أهل ساباط منهم واستباحوا القريات دونها وراماهم أهل الحصن بساباط عن حصنهم وكان أول من دخل حصنهم ثلاثة قواد عصمة وعاصم وجرير وقد تبعتهم أوزاع من الناس كلهم ثم انكفؤا راجعين إلى المثنى (كتب إلى السرى) عن شعيب عن سيف عن عطية بن الحارث قال لما أهلك الله مهران استمكن المسلمون من الغارة على
السواد فيما بينهم وبين دجلة فمخروها لا يخافون كيدا ولا يلقون فيها مانعا وانتقضت مسالح العجم فرجعت إليهم واعتصموا بساباط وسرهم أن يتركوا ما وراء دجلة وكانت وقعة البويب في رمضان سنة ثلاث عشرة قتل الله عليه مهران وجيشه وأفعموا جنبتى البويب عظاما حتى استوى وما عفى عليها إلا التراب أزمان الفتنة وما يثار هنالك شئ إلا وقعوا منها على شئ وهو ما بين السكون ومرهبة وبنى سليم وكان مغيضا للفرات أزمان الاكاسرة يصب في الجوف وقال الاعور العبدى الشنى هاجت لاعور دار الحى أحزانا * واستبدلت بعد عبد القيس خفانا وقد أرانا بها والشمل مجتمع * إذ بالنخيلة قتلى جند مهرانا أزمان سار المثنى بالخيول لهم * فقتل الزحف من فرس وجيلانا سما لمهران والجيش الذى معه * حتى أبادهم مثنى ووحدانا (قال أبو جعفر) وأما ابن إسحاق فإنه قال في أمر جرير وعرفجة والمثنى وقتال المثنى مهران غير ما قص سيف من أخبارهم والذى قال في أمرهم ما حدثنا محمد بن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق قال لما انتهت إلى عمر بن الخطاب مصيبة أصحاب الجسر وقدم عليه فلهم قدم عليه جرير بن عبد الله البجلى من اليمن في ركب من بجيلة وعرفجة بن هرثمة وكان عرفجة يومئذ سيد بجيلة وكان حليفا لهم من الازد فكلمهم عمر فقال لهم إنكم قد علمتم ما كان من المصيبة في إخوانكم بالعراق فسيروا

(2/653)


إليهم وأنا أخرج إليكم من كان منكم في قبائل العرب فأجمعهم إليكم قالوا نفعل يا أمير المؤمنين فأخرج لهم قيس كبة وسحمة وعرينة وكانوا في قبائل بنى عامر ابن صعصعة وأمر عليهم عرفجة بن هرثمة فغضب من ذلك جرير بن عبد الله البجلى فقال لبجيلة كلموا أمير المؤمنين فقالوا له استعملت علينا رجلا ليس منا فأرسل إلى عرفجة فقال ما يقول هؤلاء قال صدقوا يا أمير المؤمنين لست منهم ولكني رجل
من الازد كنا أصبنا في الجوهلية دما في قومنا فلحقنا بجيلة فبلغنا فيهم من السود دما بلغك فقال له عمر فاثبت على منزلتك ودافعهم كما يدفعونك قال لست فاعلا ولا سائرا معهم فسار عرفجة إلى البصرة بعد أن نزلت وترك بجيلة وأمر عمر على بجيلة جرير بن عبد الله فسار بهم مكانه إلى الكوفة وضم إليه عمر قومه من بجيلة فأقبل جرير حتى إذا مر قريبا من المثنى بن حارثة كتب إليه المثنى أن أقبل إلى فانما أنت مدد لى فكتب إليه جرير إنى لست فاعلا إلا أن يأمرنى بذلك أمير المؤمنين أنت أمير وأنا أمير ثم سار جرير نحو الجسر فلقيه مهران بن باذان وكان من عظماء فارس عند النخيلة قد قطع إليه الجسر فاقتتلا قتالا شديدا وشد المنذر بن حسان بن ضرار الضبى على مهران فطعنه فوقع عن دابته فاقتحم عليه جرير فاحتز رأسه فاختصما في سلبه ثم اصطلحا فيه فأخذ جرير السلاح وأخذ المنذر بن حسان منطقته قال وحدثت أن مهران لما لقى جريرا قال إن تسألوا عنى فإنى مهران * إنا لمن أنكرني ابن باذان قال فأنكرت ذلك حتى حدثنى من لا أتهم من أهل العلم أنه كان عربيا نشأ مع أبيه باليمن إذ كان عاملا لكسرى قال فلم أنكر ذلك حين بلغني وكتب المثنى إلى عمر يمحل بجرير فكتب عمر إلى المثنى إنى لم أكن لاستعملك على رجل من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم يعنى جريرا وقد وجه عمر سعد بن أبى وثاص إلى العراق في ستة آلاف أمره عليهم وكتب إلى المثنى وجرير بن عبد الله أن يجتمعا إلى سعد بن أبى وقاص وأمر سعدا عليهما فسار سعد حتى نزل شراف وسار المثنى وجرير حتى نزلا عليه فتشابها سعد واجتمع إليه الناس ومات المثنى بن حارثة

(2/654)


رحمه الله (رجع الحديث) إلى حديث سيف خبر الخنافس
(كتب إلى السرى) عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة وزياد باسنادهم قالوا ومخر المثنى السواد وخلف بالحيرة بشير بن الخصاصية وأرسل جريرا إلى ميسان وهلال بن علفة التيمى إلى دست ميسان وأذكى المسالح بعصمة بن فلان الضبى وبالكلج الضبى وبعرفجة البارقى وأمثالهم في قواد المسلمين فبدأ فنزل اليس قرية من قرى الانبار وهذه الغزاة تدعى غزاة الانبار الآخرة وغزاة اليس الآخرة وألز رجلان المثنى أحدهما أنبارى والآخر حيرى يدله كل واحد منهما على سوق فاما الانباري فدله على الخنافس وأما الحيرى فدله على بغداد فقال المثنى أيتهما قبل صاحبتها فقالوا بينهما أيام قال أيهما أعجل قالوا سوق الخنافس سوق يتوافى إليها الناس ويجتمع بها ربيعة وقضاعة يخفرونهم فاستعد لها المثنى حتى إذا ظن أنه موافيها يوم سوقها ركب نحوهم فأغار على الخنافس يوم سوقها وبها خيلان من ربيعة وقضاعة وعلى قضاعة رومانس بن وبرة وعلى ربيعة السليل بن قيس وهم الخفراء فانتسف السوق وما فيها وسلب الخفراء ثم رجع عوده على بدئه حتى يطرق دهاقين الانبار طروقا في أول النهار يومه فتحصنوا منه فلما عرفوه نزلوا إليه فأتوه بالاعلاف والزاد وأتوه بالادلاء على بغداد فكان وجه إلى سوق بغداد فصبحهم والمسلمون يمخرون السواد والمثنى بالانبار ويشنون الغارات فيما بين أسفل كسكر وأسفل الفرات وجسور مثقب إلى عين التمر وما والاها من الارض في أرض الفلاليج والعال (كتب إلى السرى) عن شعيب عن سيف عن عبيد الله بن محفز عن أبيه قال قال رجل من أهل الحيرة للمثنى ألا ندلك على قرية يأتيها تجار مدائن كسرى والسواد ويجتمع بها في كل سنة مرة ومعهم فيها الاموال كبيت المال وهذه أيام سوقهم فان أنت قدرت أن تغير عليهم وهم لا يشعرون أصبت فيها ما لا يكون غناء للمسلمين وقووا به على عدوهم دهرهم قال وكم بين مدائن

(2/655)


كسرى وبينها قال بعض يوم أو عامة يوم قال فكيف لى بها قالوا نأمرك إن أردتها أن تأخذ طريق البر حتى تنتهى إلى الخنافس فان أهل الانبار سيضربون إليها ويخبرون عنك فيأمنون ثم تعوج على أهل الانبار فتأخذ الدهاقين بالادلاء فتسير سواد ليلتك من الانبار حتى تأتيهم صبحا فتصبحهم غارة فخرج من أليس حتى أتى الخنافس ثم عاج حتى رجع على الانبار فلما أحسه صاحبها تحصن وهو لا يدرى من هو وذلك ليلا فلما عرفه نزل إليه فأطعمه المثنى وخوفه واستكتمه وقال انى أريد أن أغير فابعث معى الادلاء إلى بغداد حتى أغير منها إلى المدائن قال أنا أجئ معك قال لا أريد أن تجئ معى ولكن ابعث معى من هو أدل منك فزودهم الاطعمة والاعلاف وبعث معهم الادلة فساروا حتى إذا كانوا بالنصف قال لهم المثنى كم بينى وبين هذه القرية قالوا أربعة أو خمسة فراسخ فقال لاصحابه من ينتدب للحرس فانتدب له قوم فقال لهم أذكرا حرسكم ونزل وقال أيها الناس أقيموا وأطعموا وتوضؤا وتهيؤا وبعث الطلائع فحبسوا الناس ليسبقوا الاخبار فلما فرغوا أسرى إليهم آخر الليل فعبر إليهم فصبحهم في أسواقهم فوضع فيه السيف فقتل وأخذوا ما شاؤا وقال المثنى لا تأخذوا إلا الذهب والفضة ولا تأخذوا من المتع إلا ما يقدر الرجل منكم على حمله على دابتة وهرب أهل الاسواق وملا المسلمون أيديهم من الصفراء والبيضاء والحر من كل شئ ثم خرج كارا حتى نزل بنهر السيلحين بالانبار فنزل وخطب الناس وقال أيها الناس انزلوا وقضوا أوطاركم وتأهبوا للسير واحمدوا الله وسلوه العافية ثم انكشفوا قبيضا ففعلوا فسمع همسا فيما بينهم ما أسرع القوم في طلبنا فقال تناجوا بالبر والتقوى ولا تتناجوا بالاثم والعدوان انظروا في الامور وقدروها ثم تكلموا إنه لم يبلغ النذير مدينتهم بعد ولو بلغهم لحال الرعب بينهم وبين طلبكم إن للغارات روعات تنتشر عليها يوما إلى الليل ولو طلبكم المحامون من رأى العين ما أدركوكم وأنتم على العراب حتى تنتهوا إلى عسكركم
وجماعتكم ولو أدركوكم لقاتلتهم لاثنتين التماس الاجر ورجاء النصر فثقوا بالله وأحسنوا به الظن فقد نصركم الله في مواطن كثيرة وهم أعد منكم وسأخبركم عنى

(2/656)


وعن انكماشي والذى أريد بذلك أن خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر أوصانا أن نقلل العرجة ونسرع الكرة في الغارات ونسرع في غير ذلك الاوبة وأقبل بهم ومعهم أدلاؤهم يقطعون بهم الصحارى والانهار حتى انتهى بهم إلى الانبار فاستقبلهم دهاقين الانبار بالكرامة واستبشروا بسلامته وكان موعده الاحسان إليهم إذا استقام لهم من أمرهم ما يحبون (كتب إلى السرى) عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة وزياد قالوا لما رجع المثنى من بغداد إلى الانبار سرح المضارب العجلى وزيدا إلى الكباث وعليه فارس العناب التغلبي ثم خرج في آثارهم فقدم الرجلان الكباث وقد ارفضوا وأخلوا الكباث وكان أهله كلهم من بنى تغلب فركبوا آثارهم يتبعونهم فأدركوا أخرياتهم وفارس العناب يحميهم فحماهم ساعة ثم هرب وقتلوا في أخرياتهم وأكثروا ورجع المثنى إلى عسكره بالانبار والخليفة عليهم فرات بن حيان فلما رجع المثنى إلى الانبار سرح فرات بن حيان وعتيبة بن النهاس وأمرهما بالغارة على أحياء من تغلب والنمر بصفين ثم اتبعهما وخلف على الناس عمرو بن أبى سلمى الهجيمى فلما دنوا من صفين افترق المثنى وفرات وعتيبة وفر أهل صفين وعبروا الفرات إلى الجزيرة وتحصنوا وأرمل المثنى وأصحابه من الزاد حتى أقبلوا على رواحلهم الا ما لا بد منه فأكلوها حتى أخفافها وعظامها وجلودها ثم أدركوا عيرا من أهل دبا وحوران فقتلوا العلوج وأصابوا ثلاثة نفر من بنى تغلب خفراء وأخذوا العير وكان ظهرا فاضلا وقال لهم دلوني فقال أحدهم آمنونى على أهلى ومالى وأدلكم على حى من تغلب عدوت من عندهم اليوم فآمنه المثنى وسار معه يومه حتى إذا كان العشى هجم على القوم فإذا النعم صادرة
عن الماء وإذا القوم جلوس بأفنية البيوت فبث غارته فقتلوا المقاتلة وسبوا الذرية واستاقوا الاموال وإذا هم بنو ذى الرويحلة فاشترى من كان بين المسلمين من ربيعة السبايا بنصيبه من الفئ وأعتقوا سبيهم وكانت ربيعة لا تسبى إذ العرب يتسابون في جاهليتهم وأخبر المثنى أن جمهور من سلك البلاد قد انتجعوا الشط شاطئ دجلة فخرج المثنى على مقدمته في غزواته هذه بعد البويب كلها حذيفة بن محصن الغلفانى

(2/657)


وعلى مجنبتيه النعمان بن عوف بن النعمان مطر الشيبانيان فسرح في أدبارهم حذيفة واتبعه فأدركوهم بتكريت دوينها من حيث طلبوهم يخوضون الماء فأصابوا ما شاؤا من النعم حتى أصاب الرجل خمسا من النعم وخمسا من السبى وخمس المال وجاء به حتى ينزل على الناس بالانبار وقد مضى فرات وعتيبة في وجوههما حتى أغاروا على صفين وبها النمر وتغلب متساندين فأغاروا عليهم حتى رموا بطائفة منهم في الماء فناشدوهم فلم يقلعوا عنهم وجعلوا ينادونهم الغرق الغرق وجعل عتيبة وفرات يذمرون الناس وينادونهم تغريق بتحريق يذكرونهم يوما من أيامهم في الجاهلية أحرقوا فيه قوما من بكر بن وائل في غيضة من الغياض ثم انكفؤا راجعين إلى المثنى وقد غرقهم ولما تراجع الناس إلى عسكرهم بالانبار وتوافى بها البعوث والسرايا انحدر بهم المثنى إلى الجزيرة فنزل بها وكانت تكون لعمر رحمه الله العيون في كل جيش فكتب إلى عمر بما كان في تلك الغزاة وبلغه الذى قال عتيبة وفرات يوم بنى تغلب والماء فبعث اليهما فسألهما فأخبراه أنهما قالا ذلك على وجه أنه مثل وانهما لم يفعلا ذلك على وجه طلب ذحل الجاهلية فاستحلفهما فحلفا انهما ما أرادا بذلك إلا المثل وإعزاز الاسلام فصدقهما وردهما حتى قدما على المثنى ذكر الخبر عما هيج أمر القادسية
(كتب إلى السرى) عن شعيب عن سيف عن محمد بن عبد الله بن سواد بن نويرة عن عزيز بن مكنف التميمي ثم الاسيدى وطلحة بن الاعلم الحنفي عن المغيرة ابن عتيبة بن النهاس العجلى وزياد بن سرجس الاحمري عن عبد الرحمن بن ساباط الاحمري قالوا جميعا قال أهل فارس لرستم والفيرزان وهما على أهل فارس أين يذهب بكما لم يبرح بكما الاختلاف حتى وهنتما أهل فارس وأطمعتما فيهم عدوهم وأنه لم يبلغ من خطركما أن يقركما فارس على هذا الرأى وإن تعرضاها للهلكة ما بعد بغداد وساباط وتكريت إلا المدائن والله لتجتمعان أو لنبدأن بكما قبل أن يشمت

(2/658)


بنا شامت (كتب إلى السرى) عن شعيب عن سيف عن عبيد الله بن محفز عن أبيه قال قال أهل فارس لرستم والمسلمون يمخرون السواد ما تنتظرون والله إلا أن ينزل بنا ونهلك والله ما جر هذا الوهن علينا غيركم يا معشر القواد لقد فرقتم بين أهل فارس وثبطتموهم عن عدوهم والله لولا إن في قتلكم هلاكنا لعجلنا لكم القتل الساعة ولئن لم تنتهوا لنهلكنكم ثم نهلك وقد اشتفينا منكم (كتب إلى السرى) عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة وزياد قالوا فقال الفيرزان ورستم لبوران ابنة كسرى اكتبى لنا نساء كسرى وسراريه ونساء آل كسرى وسراريهم ففعلت ثم أخرجت ذلك إليهم في كتاب فارسلوا في طلبهن فلم يبق منهن امرأة إلا أتوا بها فأخذوهن بالرجال ووضعوا عليهن العذاب يستدلونهن على ذكر من ابناء كسرى فلم يوجد عندهن منهم أحد وقلن أو من قال منهن لم يبق إلا غلام يدعى يزدجرد من ولد شهريار بن كسرى وأمه من أهل بادوريا فأرسلوا إليها فأخذوها به وكانت قد أنزلته في أيام شيرى حين جمعهن في القصر الابيض فقتل الذكور فواعدت أحواله ثم دلته إليهم في زبيل فسألوها عنه وأخذوها به فدلتهم عليه فأرسلوا إليه فجاؤا به فملكوه وهو ابن إحدى وعشرين سنة واجتمعوا عليه واطمأنت فارس
واستوثقوا وتبارى الرؤساء في طاعته ومعونته فسمى الجنود لكل مسلحة كانت لكسرى أو موضع ثغر فسمى جند الحيرة والانبار والمسالح والابلة وبلغ ذلك من أمرهم واجتماعهم على يزجرد المثنى والمسلمين فكتبوا إلى عمر بما ينتظرون ممن بين ظهرانيهم فلم يصل الكتاب إلى عمر حتى كفر أهل السواد من كان له منهم عهد ومن لم يكن له منهم عهد فخرج المثنى على حاميته حتى نزل بذى قار وتنزل الناس بألطف في عسكر واحد حتى جاءهم كتاب عمر أما بعد فاخرجوا من بين ظهرى الاعاجم وتفرقوا في المياه التى تلى الاعاجم على حدود أرضكم وأرضهم ولا تدعوا في ربيعة أحدا ولا مضر ولا حلفائهم أحدا من أهل النجدات ولا فارسا إلا اجتلبتموه فإن جاء طائعا وإلا حشرتموه احملوا العرب على الجد إذ جد العجم فلتلقوا جدهم بجدكم فنزل المثنى بذى قار ونزل الناس بالجل وشراف إلى غضى

(2/659)


وغضى حيان البصرة فكان جرير بن عبد الله بغضى وسبرة بن عمرو العنبري ومن أخذ إخذهم فيمن معه إلى سلمان فكانوا في أمواه العراق من أولها إلى آخرها مسالح بعضهم ينظر إلى بعض ويغيث بعضهم بعضا إن كان كون وذلك في ذى القعدة سنة ثلاث عشرة * حدثنا السرى عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة وزياد باسنادهم قالوا كان أول ما عمل به عمر حين بلغه أن فارس قد ملكوا يزدجرد أن كتب إلى عمال العرب على الكور والقبائل وذلك في ذى الحجة سنة ثلاثة عشر مخرجه إلى الحج وحج سنواته كلها لا تدعوا أحدا له سلاح أو فرس أو نجدة أو رأى إلا انتخبتموه ثم وجهتموه إلى والعجل العجل فمضت الرسل إلى من أرسلهم إليهم مخرجه إلى الحج ووافاه أهل هذا الضرب من القبائل التى طرقها على مكة والمدينة فأما من كان من أهل المدينة على النصف ما بينه وبين العراق فوافاه بالمدينة مرجعه من الحج وأما من كان أسفل من ذلك فانضموا إلى المثنى فأما من وافى عمر
باسنادهم قالوا كان أول ما عمل به عمر حين بلغه أن فارس قد ملكوا يزدجرد أن كتب إلى عمال العرب على الكور والقبائل وذلك في ذى الحجة سنة ثلاثة عشر مخرجه إلى الحج وحج سنواته كلها لا تدعوا أحدا له سلاح أو فرس أو نجدة أو رأى إلا انتخبتموه ثم وجهتموه إلى والعجل العجل فمضت الرسل إلى من أرسلهم إليهم مخرجه إلى الحج ووافاه أهل هذا الضرب من القبائل التى طرقها على مكة والمدينة فأما من كان من أهل المدينة على النصف ما بينه وبين العراق فوافاه بالمدينة مرجعه من الحج وأما من كان أسفل من ذلك فانضموا إلى المثنى فأما من وافى عمر فإنهم أخبروه عمن وراءهم بالحث وقال أبو معشر فيما حدثنى الحارث عن ابن سعد عنه وقال ابن اسحاق فيما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عنه الذى حج بالناس سنة ثلاثة عشر عبد الرحمن بن عوف وقد حدثنى المقدى عن اسحاق الفروى عن عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال استعمل عمر على الحج عبد الرحمن بن عوف في السنة التى ولى فيها فحج بالناس ثم حج سنيه كله بعد ذلك بنفسه وكان عامل عمر في هذه السنة على ما ذكر على مكة عتاب بن أسيد وعلى الطائف عثمان بن أبى العاص وعلى اليمن يعلى بن منية وعلى عمان واليمامة حذيفة بن محصن وعلى البحرين العلاء ابن الحضرمي وعلى الشأم أبو عبيدة بن الجراح وعلى فرج الكوفة وما فتح من أرضها المثنى بن حارثة وكان على القضاء فيما ذكر علي بن أبي طالب وقيل لم يكن لعمر في أيامه قاض
__________
(تم - بعون الله تعالى - الجزء الثاني، ويليه - إن شاء الله تعالى - الجزء الثالث) (وأوله: السنة الرابعة من الهجرة) [ * ]

(2/660)


فهرس الجزء لثاني من تاريخ الامم والملوك

(2/661)


تاريخ الطبري - الطبري ج 3
تاريخ الطبري
الطبري ج 3

(3/)


تاريخ الامم والملوك للامام أبي جعفر محمد بن جرير الطبري الجزء الثالث [ قوبلت هذه الطبعة على النسخة المطبوعة ] [ بمطبعة " بريل " بمدينة ليدن في سنة 1879 م ] راجعه وصححه وضبطه نخبة من العلماء الاجلاء منشورات مؤسسة الاعلمي للمطبوعات بيروت - لبنان ص.
ب 7120

(3/1)


بسم الله الرحمن الرحيم ثم دخلت سنة أربعة عشرة ففي أول يوم من المحرم سنة أربعة عشرة فيما كتب إلى به السري عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة وزياد بإسنادهم خرج عمر حتى نزل على ماء يدعى صرارا فعسكر به ولا يدري الناس ما يريد أيسير أم يقيم وكانوا إذا أرادوا أن يسألوه عن شئ رموه بعثمان أو بعبد الرحمن بن عوف وكان عثمان يدعى في إمارة عمر رديفا قالوا والرديف بلسان العرب الذي بعد الرجل والعرب تقول ذلك للرجل الذي يرجونه بعد رئيسهم وكانوا إذا لم يقدر هذان على علم شئ مما يريدون ثلثوا بالعباس فقال عثمان لعمر ما بلغك ما الذي تريد فنادى الصلاة جامعة فاجتمع الناس إليه فأخبرهم الخبر ثم نظر ما يقول الناس فقال العامة سر وسر بنا معك فدخل معهم في رأيهم
وكره أن يدعهم حتى يخرجهم منه في رفق فقال استعدوا وأعدوا فإني سائر إلا أن يجئ رأى هو أمثل من ذلك ثم بعث إلى أهل الرأى فاجتمع إليه وجوه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وأعلام العرب فقال أحضروني الرأى فإني سائر فاجتمعوا جميعا وأجمع ملؤهم على أن يبعث رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقيم ويرميه بالجنود فإن كان الذي يشتهي من الفتح فهو الذي يريد ويريدون وإلا أعاد رجلا وندب جندا آخر وفي ذلك ما يغيظ العدو ويرعوى المسلمون ويجئ نصر الله بإنجاز موعود الله فنادى عمر الصلاة جامعة فاجتمع الناس إليه وأرسل إلى علي عليه السلام وقد استخلفه على المدينة فأتاه والى طلحة وقد بعثه على المقدمة فرجع إليه وعلى المجنبتين الزبير وعبد الرحمن بن عوف فقام في الناس فقال إن الله عزوجل قد جمع على الاسلام أهله فألف بين القلوب وجعلهم فيه إخوانا والمسلمون فيما بينهم كالجسد لا يخلو منه شئ من شئ أصاب غيره وكذلك يحق على المسلمين

(3/2)


أن يكونوا أمرهم شورى بينهم بين ذوى الرأى منهم فالناس تبع لمن قام بهذا الامر ما اجتمعوا عليه ورضوا به لزم الناس وكانوا فيه تبعا لهم ومن أقام بهذا الامر تبع لاولى رأيهم ما رأوا لهم ورضوا به لهم من مكيدة في حرب كانوا فيه تبعا لهم يا أيها الناس إني إنما كنت كرجل منكم حتى صرفني ذوو الرأى منكم عن الخروج فقد رأيت أن أقيم وأبعث رجلا وقد أحضرت هذا الامر من قدمت ومن خلفت وكان علي عليه السلام خليفته على المدينة وطلحة على مقدمته بالاعوص فأحضرهما ذلك (كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن محمد بن إسحاق عن صالح بن كيسان عن عمر بن عبد العزيز قال لما انتهى قتل أبي عبيد بن مسعود إلى عمر واجتماع أهل فارس على رجل من آل كسرى نادى في المهاجرين والانصار وخرج حتى أتى صرارا وقدم طلحة بن عبيد الله حتى يأتي الاعوص
وسمى لميمنته عبدالرحمن بن عوف ولميسرته الزبير بن العوام واستخلف عليا رضى الله عنه على المدينة واستشار الناس فكلهم أشار عليه بالسير إلى فارس ولم يكن استشار في الذي كان حتى نزل بصرار ورجع طلحة فاستشار ذوى الرأى فكان طلحة ممن تابع الناس وكان عبدالرحمن ممن نهاه فقال عبدالرحمن فما فديت أحدا بأبي وأمي بعد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قبل يومئذ ولا بعده فقلت يا بأبي وأمي اجعل عجزها بي وأقم وابعث جندا فقد رأيت قضاء الله لك في جنودك قبل وبعد فإنه إن يهزم جيشك ليس كهزيمتك وإنك إن تقتل أو تهزم في أنف الامر خشيت أن لا يكبر المسلمون وأن لا يشهدوا أن لا إله إلا الله أبدا وهو في ارتياد من رجل وأتى كتاب سعد على حفف مشورتهم وهو على بعض صدقات نجد فقال عمر فأشيروا علي برجل فقال عبدالرحمن وجدته قال من هو قال الاسد في براثنه سعد بن مالك ومالاه أولو الرأى (كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن خليد بن زفر عن أبيه قال كتب المثنى إلى عمر باجتماع فارس على يزدجرد وببعوثهم وبحال أهل الذمة فكتب إليه عمر أن تنح إلى البر وادع من يليك وأقم منهم قريبا على حدود أرضك وأرضهم حتى يأتيك أمرى وعاجلتهم الاعاجم

(3/3)


فزاحفتهم الزحوف وثار بهم أهل الذمة فخرج المثنى بالناس حتى ينزل العراق ففرقهم فيه من أوله إلى آخره فأقاموا ما بين غضى إلى القطقطانة مسالحه وعادت مسالح كسرى وثغوره واستقر أمر فارس وهم في ذلك هائبون مشفقون والمسلمون متدفقون قد ضروا بهم كالاسد ينازع فريسته ثم يعاود الكر وأمراؤهم يكفكفونهم لكتاب عمر وإمداد المسلمين (كتب إلي السري) بن يحيى عن شعيب بن إبراهيم عن سيف بن عمر عن سهل بن يوسف عن القاسم بن محمد قال قد كان أبو بكر استعمل سعدا على صدقات هوازن بنجد فأقره عمر وكتب إليه فيمن كتب إليه من العمال
حين استنفر الناس أن ينتخب أهل الخيل والسلاح ممن له رأي ونجدة فرجع إليه كتاب سعد بمن جمع الله له من ذلك الضرب فوافق عمر وقد استشارهم في رجل فأشاروا عليه به عند ذكره (كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة بإسنادهما قالا كان سعد بن أبي وقاص على صدقات هوازن فكتب إليه عمر فيمن كتب إليه بانتخاب ذوي الرأي والنجدة ممن كان له سلاح أو فرس فجاءه كتاب سعد إني قد انتخبت لك ألف فارس (مؤد) ؟ كلهم له نجدة ورأي وصاحب حيطة يحوط حريم قومه ويمنع ذمارهم إليهم انتهت أحسابهم ورأيهم فشأنك بهم ووافق كتابه مشورتهم فقالوا قد وجدته قال فمن قالوا الاسد عاديا قال من قالوا سعد فانتهى إلى قولهم فأرسل إليه فقدم عليه فأمره على حرب العراق وأوصاه فقال يا سعد سعد بنو وهيب لا يغرنك من الله إن قيل خال رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحب رسول الله فإن الله عزوجل لا يمحو السيئ بالسيئ ولكنه يمحو السيئ بالحسن فإن الله ليس بينه وبين أحد نسب إلا طاعته فالناس شريفهم ووضيعهم في ذات الله سواء الله ربهم وهم عباده يتفاضلون بالعافية ويدركون ما عنده بالطاعة فانظر الامر الذي رأيت النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عليه منذ بعث إلى أن فارقنا فالزمه فانه الامر هذه عظتي إياك إن تركتها ورغبت عنها حبط عملك وكنت من الخاسرين ولما أراد أن يسرحه دعاه فقال إني قد وليتك حرب العراق فاحفظ وصيتي فإنك تقدم على أمر شديد كريه لا يخلص منه إلا

(3/4)


الحق فعود نفسك ومن معك الخير واستفتح به وأعلم أن لكل عادة عتادا فعتاد الخير الصبر فالصبر الصبر على ما أصابك أو نابك يجتمع لك خشية الله واعلم أن خشية الله تجتمع في أمرين في طاعته واجتناب معصيته وإنما أطاعه من أطاعه ببغض الدنيا وحب الآخرة وعصاه من عصاه بحب الدنيا وبغض الآخرة وللقلوب
حقائق ينشئها الله إنشاء منها السر ومنها العلانية فأما العلانية فأن يكون حامده وذامه في الحق سواء وأما السر فيعرف بظهور الحكمة من قلبه على لسانه وبمحبة الناس فلا تزهد في التحبب فان النبيين قد سألوا محبتهم وإن الله إذا أحب عبدا حببه وإذا أبغض عبدا بغضه فاعتبر منزلتك عند الله تعالى بمنزلتك عند الناس ممن يشرع معك في أمرك ثم سرحه فيمن اجتمع إليه بالمدينة من نفير المسلمين فخرج سعد بن أبي وقاص من المدينة قاصدا العراق في أربعة آلاف ثلاثة ممن قدم عليه من اليمن والسراة وعلى أهل السروات حميضة بن النعمان بن حميضة البارقي وهم بارق وألمع وغامد وسائر إخوتهم في سبعمائة من أهل السراة وأهل اليمن ألفان وثلاثمائة منهم النخع بن عمرو وجميعهم يومئذ أربعة آلاف مقاتلتهم وذراريهم ونساؤهم وأتاهم عمر في عسكرهم فأرادهم جميعا على العراق فأبوا إلا الشأم وأبى إلا العراق فسمح نصفهم فأمضاهم نحو العراق وأمضى النصف الآخر نحو الشأم (كتب إلى السري) عن شعيب عن سيف عن حنش النخعي عن أبيه وغيره منهم أن عمر أتاهم في عسكرهم فقال إن الشرف فيكم يا معشر النخع لمتريع سيروا مع سعد فنزعوا إلى الشأم وأبى إلا العراق وأبوا الا الشأم فسرح نصفهم إلى الشام ونصفهم إلى العراق (كتب إلى السري) عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة والمستنير وحنش قالوا وكان فيهم من حضرموت والصدف ستمائة عليهم شداد بن ضمعج وكان فيهم ألف وثلثمائة من مذحج على ثلاثة رؤساء عمرو بن معديكرب على بني منبه وأبو سبرة بن ذؤيب على جعفى ومن في حلف جعفى من إخوة جزء وزبيدة وأنس الله ومن لفهم ويزيد بن الحارث الصدائي على صداء وجنب ومسلية في ثلثمائة هؤلاء شهدوا من مذحج فيمن خرج من المدينة مخرج سعد منها وخرج معه من

(3/5)


قيس عيلان ألف عليهم بشر بن عبدالله الهلالي (كتب إلي السري) عن شعيب
عن سيف عن عبيدة عن إبراهيم قال خرج أهل القادسية من المدينة وكانوا أربعة آلاف ثلاثة آلاف منهم من أهل اليمن وألف من سائر الناس (كتب إلى السري) عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة وسهل عن القاسم قالوا وشيعهم عمر من صرار إلى الاعوص ثم قام في الناس خطيبا فقال إن الله تعالى إنما ضرب لكم الامثال وصرف لكم القول ليحيى بها القلوب فان القلوب ميتة في صدورها حتى يحييها الله من علم شيئا فلينتفع به وإن للعدل أمارات وتباشير فأما الامارات فالحياء والسخاء والهين واللين وأما التباشير فالرحمة وقد جعل الله لكل أمر بابا ويسر لكل باب مفتاحا فباب العدل الاعتبار ومفتاحه الزهد والاعتبار ذكر الموت بتذكر الاموات والاستعداد له بتقديم الاعمال والزهد أخذ الحق من كل أحد قبله حق وتأدية الحق إلى كل أحد له حق ولا تصانع في ذلك أحدا واكتف بما يكفيك من الكفاف فان من لم يكفه الكفاف لم يغنه شئ إني بينكم وبين الله وليس بيني وبينه أحد وإن الله قد ألزمني دفع الدعاء عنه فأنهوا شكاتكم إلينا فمن لم يستطع فإلى من يبلغناها نأخذ له الحق غير متعتع وأمر سعد بالسير وقال إذا انتهيت إلى زرود فانزل بها وتفرقوا فيما حولها واندب من حولك منهم وانتخب أهل النجدة والرأي والقوة والعدة (كتب إلي السري) عن شعيب عن سيف عن محمد بن سوقة عن رجل قال مرت السكون مع أول كندة مع حصين بن نمير السكوني ومعاوية بن خديج في أربعمائة فاعترضهم فإذا فيهم فتية دلم سباط مع معاوية ابن خديج فأعرض عنهم ثم أعرض ثم أعرض حتى قيل له مالك ولهؤلاء قال إني عنهم لمتردد وما مر بي قوم من العرب أكره إلي منهم ثم أمضاهم فكان بعد يكثر أن يتذكرهم بالكراهية وتعجب الناس من رأي عمر وكان منهم رجل يقال له سودان ابن حمران قتل عثمان بن عفان رضى الله عنه وإذا منهم حليف لهم يقال له خالد ابن ملجم قتل علي بن أبي طالب رحمه الله وإذا منهم معاوية بن خديج فنهض في
قوم منهم يتبع قتلة عثمان يقتلهم وإذا منهم قوم يقرون قتلة عثمان (كنب إلى

(3/6)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية