صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

وخشوع الأبصار استعارة للنظر إلى أسفل من الذل كما قال تعالى ( ينظرون من طرف خفي ) وقال ( خشعا أبصارهم يخرجون من الأجداث كأنهم جراد منتشر ) . وأصل الخشوع : ضهور الطاعة أو المخافة على الإنسان
والرهق : الغشيان أي التغطية بساتر وهو استعارة هنا لأن الذل لا تغشى
وجملة ( ذلك اليوم الذي كانوا يوعدون ) فذلكه لما تضمنته السورة في أول أغراضها من قوله ( بعذاب واقع ) إلى قوله ( في يوم كان مقداره ) الآيات وهي مفيدة مع ذلك تأكيد جملة ( حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون ) . وفيها محسن رد العجز على الصدر
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة نوح
بهذا الاسم سميت هذه السورة في المصاحف وكتب التفسير وترجمها البخاري في كتاب التفسير من صحيحه بترجمة ( سورة إنا أرسلنا نوحا ) . ولعل ذلك كان الشائع في كلام السلف ولم يترجم لها الترمذي في جامعه
وهي مكية بالاتفاق
صلى الله عليه و سلم عليه الصلاة و السلام وعدت الثالثة والسبعين في ترتيب نزول السور نزلت بعد نزول أربعين آية من سورة النحل وقبل سورة الطور
وعد العادون بالمدينة ومكة آيها ثلاثين آية وعدها أهل البصرة والشام تسعا وعشرين آية وعدها أهل الكوفة ثمانا وعشرين آية
أغراضها
أعظم مقاصد السورة ضرب المثل للمشركين بقوم نوح وهم أول المشركين الذين سلط عليهم عقاب في الدنيا وهو أعظم عقاب أعني الطوفان . وفي ذلك تمثيل لحال النبي صلى الله عليه و سلم مع قومه بحالهم
وفيها تفصيل كثير من دعوة نوح عليه السلام إلى توحيد الله ونبذ عبادة الأصنام وإنذاره قومه بعذاب أليم واستدلاله لهم ببدائع صنع الله تعالى وتذكيرهم بيوم البعث
وتصميم قومه على عصيانه وعلى تصلبهم في شركهم
وتسمية الأصنام التي كانوا يعبدونها
ودعوة نوح على قومه بالاستئصال
وأشارت إلى الطوفان
ودعاء نوح بالمغفرة له وللمؤمنين وبالتبار للكافرين كلهم
وتخلل ذلك إدماج وعد المطيعين بسعة الأرزاق وإكثار النسل ونعيم الجنة
( إنا أرسلنا نوحا إلى قومه أن أنذر قومك من قبل أن يأتيهم عذاب أليم [ 1 ] ) افتتاح الكلام بالتوكيد للاهتمام بالخبر إذ ليس المقام لرد إنكار منكر ولا دفع شك عن متردد في هذا الكلام . وكثيرا ما يفتتح بلغاء العرب أول الكلام بحرف التوكيد لهذا الغرض وربما جعلوا ( إن ) داخلة على ضمير الشأن في نحو قوله تعالى ( إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم أن لا تعلوا علي ) الآية
وذكر نوح عليه السلام مضى في سورة آل عمران . وتقدم أن هذا الاسم غير عربي وأنه مشتق من مادة النوح
و ( أن أنذر قومك ) إلى آخره هو مضمون ما أرسل به نوح إلى قومه ف ( أن ) تفسيرية لأنها وقعت بعد ( أرسلنا ) . وفيه معنى القول دون حروفه . ومعنى ( من قبل أن يأتيهم عذاب أليم ) أنه يخوفهم غضب الله تعالى عليهم إذ عبدوا الأصنام ولم يتقوا الله ولم يطيعوا ما جاءهم به رسوله فأمره الله أن ينذرهم عذابا يأتيهم من الله ليكون إنذاره مقدما على حلول العذاب . وهذا يقتضي أنه أمر بأن يعلمهم بهذا العذاب وأن الله وقته بمدة بقائهم بعد الشرك بعد إبلاغ نوح إليهم ما أرسل به في مدة يقع الإبلاغ في مثلها فحذف متعلق فعل ( أنذر ) لدلالة ما يأتي بعده من قوله ( أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون )
وحرف ( من ) زائد للتوكيد أي قبل أن يأتيهم عذاب فهي قبلية مؤكدة وتأكيدها باعتبار تحقيق ما أضيف إليه ( قبل )
و ( قوم نوح ) هم الناس الذين كانوا عامرين الأرض يومئذ إذ لا يوجد غيرهم على الأرض كما هو ظاهر حديث الشفاعة وذلك صريح ما في التوراة
والقوم : الجماعة من الناس الذين يجمعهم موطن واحد أو نسب واحد برجالهم ونسائهم وأطفالهم
وإضافة ( قوم ) إلى ضمير ( نوح ) لأنه أرسل إليهم فلهم مزيد اختصاص به ولأنه واحد منهم وهم بين أبناء له وأنسباء فإضافتهم إلى ضميره تعريف لهم إذ لم يكن لهم اسم خاص من أسماء الأمم الواقعة من بعد
وعدل عن أن يقال له : أنذر الناس إلى قوله ( أنذر قومك ) إلهابا لنفس نوح ليكون شديد الحرص على ما فيه نجاتهم من العذاب فإن فيهم أبناءه وقرابته وأحبته وهم عدد تكون بالتوالد في بني آدم في مدة ستمائة سنة من حلول جنس الإنسان على الأرض . ولعل عددهم يوم أرسل نوح إليهم لا يتجاوز بضعة آلاف

(1/4568)


( قال يا قوم إني لكم نذير مبين [ 2 ] أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون [ 3 ] يغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى [ 3 ] ) لم تعطف جملة ( قال يا قوم ) بالفاء التفريعية على جملة ( أرسلنا نوحا إلى قومه ) لأنها في معنى البيان لجملة ( أنذر قومك ) لدلالتها على أنه أنذر قومه بما أمره الله أن يقوله لهم وإنما أدمج فيه فعل قول نوح للدلالة على أنه أمر أن يقول فقال تنبيها على مبادرة نوح لإنذار قومه في حين بلوغ الوحي إليه من الله بأن ينذر قومه
ولك أن تجعلها استئنافا بيانيا لجواب سؤال السامع أن يسأل ماذا فعل نوح حين أرسل الله إليه ( أن أنذر قومك ) وهما متقاربان
وافتتاح دعوته قومه بالنداء لطلب إقبال أذهانهم ونداؤهم بعنوان : أنهم قومه تمهيد لقبول نصحه إذ لا يريد الرجل لقومه إلا ما يريد لنفسه . وتصدير دعوته بحرف التوكيد لأن المخاطبين يترددون في الخبر
صلى الله عليه و سلم عليه الصلاة و السلام والنذير : المنذر غير جار على القياس وهو مثل بشير ومثل حكيم بمعنى محكم وأليم بمعنى مؤلم وسميع بمعنى مسمع في قول عمرو بن معد يكرب :
" أمن ريحانة الداعي السميع وقد تقدم في أول سورة البقرة عند قوله ( ولم عذاب أليم ) . وحذف متعلق ( نذير ) لدلالة قوله ( أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون ) عليه . والتقدير : إني لكم نذير بعذاب أليم إن لم تعبدوا الله ولم تتقوه ولم تطيعوني
والمبين : يجوز أن يكون من أبان المتعدي الذي مجرده بان أي موضح أو من أبان القاصر الذي هو مرادف بان المجرد أي نذير واضح لكم أني نذير لأني لا أجتني من دعوتكم فائدة من متاع لدنيا وإنما فائدة ذلك لكم وهذا مثل قوله في سورة الشعراء ( وما أسألكم عليه من أجر إن أجرس إلا على رب العامين فاتقوا الله وأطيعون )
وتقديم ( لكم ) على عامله وهو ( نذير ) للاهتمام بتقديم ما دلت عليه اللام من كون النذارة لفائدتهم لا لفائدته
فجمع في صدر دعوته خمسة مؤكدات وهي : النداء وجعل المنادى لفظ ( يا قوم ) المضاف إلى ضميره وافتتاح كلامه بحرف التأكيد واجتلاب لام التعليل وتقديم مجرورها
و ( أن ) في ( أن اعبدوا ) تفسيرية لأن وصف ( نذير ) فيه معنى القول دون حروفه وأمرهم بعبادة الله لأنهم أعرضوا عنها ونسوها بالتمحض لأصنامهم وكان قوم نوح مشركين كما دل عليه قوله تعالى في سورة يونس ( فأجمعوا أمركم وشركاءكم ) . وبذلك كان تمثيل حال المشركين من العرب بحال قوم نوح تمثيلا تاما
واتقاء الله اتقاء غضبه فهذا من تعليق الحكم باسم الذات . والمراد : حال من أحوال الذات من باب ( حرمت عليكم الميتة ) أي أكلها أي بأن يعلموا أنه لا يرضى لعباده الكفر به . وطاعتهم لنوح هي امتثالهم لما دعاهم إليه من التوحيد وقد قال المفسرون : لم يكن في شريعة نوح إلا الدعوة إلى التوحيد فليس في شريعته أعمال تطلب الطاعة فيها لكن لم تخل شريعة إلهية من تحريم الفواحش مثل قتل الأنفس وسلب الأموال فقوله ( يغفر لكم من ذنوبكم ) ينصرف بادئ ذي بدء إلى ذنوب الإشراك اعتقادا وسجودا
وجزم ( يغفر لكم من ذنوبكم ) في جواب الأوامر الثلاثة ( اعبدوا الله واتقوه وأطيعون ) أي إن تفعلوا ذلك يغفر الله لكم من ذنوبكم . وهذا وعد بخير الآخرة
وحرف ( من ) زائد للتوكيد ) وهذا من زيادة ( من ) في الإيجاب على رأي كثير من أيمة النحو مثل الخفش وأبي علي الفارسي وابن جني من البصريين وهو قول الكسائي وجميع نحاة الكوفة . فيفيد أن الإيمان يجب ما قبله في شريعة نوح مثل شريعة الإسلام
ويجوز أن تكون ( من ) للتبعيض عند من أثبت ذلك وهو اختيار التفتزاني أي يغفر لكم بعض ذنوبكم أي ذنوب الإشراك وما معه فيكون الإيمان في شرع نوح لا يقتضي مغفرة جميع الذنوب السابقة وليس يلزم تماثل الشرائع في جميع الأحكام الفرعية ومغفرة الذنوب من تفاريع الدين وليست من أصوله . وقال ابن عطية : معنى التبعيض : مغفرة الذنوب السابقة دون ما يذنبون من بعد . وهذا يتم ويحسن إذا قدرنا أن شريعة نوح تشمل على أوامر ومنهيات عملية فيكون ذكر ( من ) التبعيضية اقتصادا في الكلام بالقدر المحقق

(1/4569)


وأما قوله ( يؤخركم إلى أجل مسمى ) فهو وعد بخير دنيوي يستوي الناس في رغبته وهو طول البقاء فإنه من النعم العظيمة لأن في جبلة الإنسان حب البقاء في الحياة على ما في الحياة من عوارض ومكدرات . وهذا ناموس جعله الله تعالى في جبلة الإنسان لتجري أعمال الناس على ما يعين على حفظ النوع . قال المعري :
وكل يريد العيش والعيش حتفه ... ويستعذب اللذات وهي سمام والتأخير : ضد التعجيل وقد أطلق التأخير على التمديد والتوسيع من أجل الشيء
وقد أشعر وعده إياهم بالتأخير أنه تأخير مجموعهم أي مجموع قومه لأنه جعل جزاء لكل من عبد الله منهم واتقاه وأطاع الرسول فدل على أنه أنذرهم في خلال ذلك باستئصال القوم كلهم وأنهم كانوا على علم بذلك كما أشار إليه قوله ( أن أنذر قومك من قبل أن يأتيهم عذاب أليم ) كما تقدم آنفا وكما يفسره قوله تعالى في سورة هود ( ويصنع الفلك وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه ) أي سخروا من الأمر الذي يصنع الفلك للوقاية منه . وهو أمر الطوفان فتعين أن التأخير المراد هنا هو عدم استئصالهم . والمعنى : ويؤخر القوم كلهم إلى أجل مسمى وهو آجال إشخاصهم وهي متفاوتة
صلى الله عليه و سلم عليه الصلاة و السلام والأجل المسمى : هو الأجل المعين بتقدير الله عند خلقه كل أحد منه فالتنوين في ( أجل ) للنوعية أي الجنس وهو صادق على آجال متعددة بعدد أصحابها كما قال تعالى ( ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل العمر ) ومعنى ( مسمى ) أنه محدد معين وهو ما في قوله تعالى ( وأجل مسمى عنده ) في سورة الأنعام
فالأجل المسمى : هو عمر كل واحد المعين له في ساعة خلقه المشار إليه في الحديث " أن الملك يؤمر بكتب أجل المخلوق عندما ينفخ فيه الروح " واستعيرت التسمية للتعيين لشبه عدم الاختلاط بين أصحاب الآجال
والمعنى : ويؤخركم فلا يعجل بإهلاككم جميعا فيؤخر كل أحد إلى أجله المعين له على تفاوت آجالهم
فمعنى هذه الآية نظير معنى آية سورة هود ( وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعا حسنا إلى أجل مسمى ) وهي على لسان محمد صلى الله عليه و سلم
( إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر لو كنتم تعلمون [ 4 ] ) يحتمل أن تكون هذه الجملة تعليلا لقوله ( ويؤخركم إلى أجل مسمى ) أي تعليلا للربط الذي بين الأمر وجزائه من قوله ( أن اعبدوا الله ) إلى قوله ( ويؤخركم ) الخ لأن الربط بين الأمر وجوابه يعطي بمفهومه معنى : إن لا تعبدوا الله ولا تتقوه ولا تطيعوني لا يغفر لكم ولا يؤخركم إلى أجل مسمى فعلل هذا الربط والتلازم بين هذا الشرط المقدر وبين جزائه بجملة ( إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر ) أي أن الوقت الذي عينه الله لحلول العذاب بكم إن لم تعبدوه ولم تطيعون إذا جاء إبانه باستمراركم على الشرك لا ينفعكم الإيمان ساعتئذ كما قال تعالى ( فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين ) فيكون هذا حثا على التعجيل بعبادة الله وتقواه
فالأجل الذي في قوله ( إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر ) غير الأجل الذي في قوله ( ويؤخركم إلى أجل مسمى ) ويناسب ذلك قوله عقبه ( لو كنتم تعلمون ) المقتضي أنهم لا يعلمون هذه الحقيقة المتعلقة بآجال الأمم المعينة لاستئصالهم وأما عدم تأخير آجال الأعمار عند حلولها فمعلوم للناس مشهور في كلام الأولين . وفي إضافة ( أجل ) إلى اسم الجلالة في قوله ( إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر ) إيماء إلى أنه ليس الأجل المعتاد بل هو أجل عينه الله إنذارا لهم ليؤمنوا بالله . ويحتمل أن تكون الجملة استئنافا بيانيا ناشئا عن تحديد غاية تأخيرهم إلى أجل مسمى فيسأل السامع في نفسه عن علة تنهية تأخيرهم بأجل آخر فيكون أجل الله غير الأجل الذي في قوله ( إلى أجل مسمى )
وإضافته إلى الله إضافة كشف أي الأجل الذي عينه الله وقدره لكل أحد
وبهذا تعلم أنه لا تعارض بين قوله ( ويؤخركم إلى أجل مسمى ) وبين قوله ( إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر ) إما لاختلاف المراد بلفظي ( الأجل ) في قوله ( إلى أجل مسمى ) وقوله ( إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر ) وإما لاختلاف معنيي التأخير في قوله ( إذا جاء لا يؤخر ) فانفكت جهة التعارض

(1/4570)


أما مسألة تأخير الآجال والزيادة في الأعمار والنقص منها وتوحيد الأجل عندنا واضطراب أقوال المعتزلة في هل للإنسان أجل واحد أو أجلان فتلك قضية أخرى ترتبط بأصلين : أصل العلم الإلهي بما سيكون وأصل تقدير الله للأسباب وترتب مسبباتها عليها
فأما ما في علم الله فلا يتغير قال تعالى ( وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب ) أي في علم الله والناس لا يطلعون على ما في علم الله
وأما وجود الأسباب كلها كأسباب الحياة وترتب مسبباتها عليها فيتغير بإيجاد الله مغيرات لم تكن موجودة إكراما لبعض عباده أو إهانة لبعض آخر . وفي الحديث " صدقة المرء المسلم تزيد في العمر " . وهو حديث حسن مقبول . وعن علي عن النبي صلى الله عليه و سلم " من سره أن يمد في عمره فليتق الله وليصل رحمه " . وسنده جيد فآجال الأعمار المحددة بالزمان أو بمقدار قوة الأعضاء وتناسب حركتها قابلة للزيادة والنقص . وآجال العقوبات الإلهية المحددة بحصول الأعمال المعاقب عليها بوقت قصير أو فيه مهلة غير قابلة للتأخير وهي ما صدق قوله ( إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر ) وقد قال الله تعالى ( يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب ) على أظهر التأويلات فيه وما في علم الله من ذلك لا يخالف ما يحصل في الخارج
صلى الله عليه و سلم عليه الصلاة و السلام فالذي رغب نوح قومه فيه هو سبب تأخير آجالهم عند الله فلو فعلوه تأخرت آجالهم وبتأخيرها يتبين أن قد تقرر في علم الله أنهم يعملون ما يدعوهم إليه نوح وأن آجالهم تطول وإذ لم يفعلوه فقد كشف للناس أن الله علم أنهم لا يفعلون ما دعاهم إليه نوح وأن الله قاطع آجالهم وقد أشار إلى هذا المعنى قول النبي صلى الله عليه و سلم " اعملوا فكل ميسر إلى ما خلق إليه " وقد استعصى فهم هذا على كثير من الناس فخلطوا بين ما هو مقرر في علم الله وما أظهره قدر الله في الخارج الوجودي
وفي إقحام فعل ( كنتم ) قبل ( تعلمون ) إيذان بأن عملهم بذلك المنتفي لوقوعه شرطا لحرف ( لو ) محقق انتفاؤه كما بيناه في قوله تعالى ( أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم ) في سورة يونس
وجواب ( لو ) محذوف دل عليه قوله ( لا يؤخر ) . والتقدير : لأيقنتم أنه لا يؤخر
( قال رب إني دعوت قومي ليلا ونهارا [ 5 ] فلم يزدهم دعائي إلا فرارا [ 6 ] ) جرد فعل ( قال ) هنا من العاطف لأنه حكاية جواب نوح عن قول الله له ( أنذر قومك ) عومل معاملة الجواب الذي يتلقى به الأمر على الفور على طريقة المحاورات التي تقدمت في قوله تعالى ( قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ) في سورة البقرة تنبيها على مبادرة نوح بإبلاغ الرسالة إلى قومه وتمام حرصه في ذلك كما أفاده قوله ( ليلا ونهارا ) وحصول يأسه منهم فجعل مراجعته ربه بعد مدة مستفادة من قوله ( ليلا ونهارا ) بمنزلة المراجعة في المقام الواحد بين المتحاورين . ولك أن تجعل جملة ( قال رب ) الخ مستأنفة استئنافا بيانيا لأن السامع يترقب معرفة ماذا أجاب قوم نوح دعوته فكان في هذه الجملة بيان ما يترقبه السامع مع زيادة مراجعة نوح ربه تعالى
وهذا الخبر مستعمل في لازم معناه وهو الشكاية والتمهيد لطلب النصر عليهم لأن المخاطب به عالم بمدلول الخبر . وذلك ما سيفضي إليه بقوله ( وقال نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا ) الآيات
وفائدة حكاية ما ناجى به نوج ربه إظهار توكله على الله وانتصار الله له والإتيان على مهمات من العبرة بقصته بتلوين لحكاية أقواله وأقوال قومه وقول الله له . وتلك ثمان مقالات هي : 1 - ( أن أنذر قومك ) الخ
2 - ( قال يا قوم إني لكم نذير مبين ) الخ
3 - ( قال رب إني دعوت قومي ) الخ
4 - ( فقلت استغفروا ربكم ) الخ
5 - ( قال نوح رب إنهم عصوني ) الخ
6 - ( ولا تزد الظالمين إلا ضلالا ) الخ
7 - ( وقال نوح رب لا تذر على الأرض ) الخ
8 - ( رب اغفر لي ) الخ
وجعل دعوته مظروفة في زمني الليل والنهار للدلالة على عدم الهوادة في حرصه على إرشادهم وأنه يترصد الوقت الذي يتوسم أنهم في أقرب إلى فهم دعوته منهم في غيره من أوقات النشاط وهي أوقات النهار ومن أوقات الهدو وراحة البال وهي أوقات الليل

(1/4571)


ومعنى ( لم يزدهم دعائي إلا فرارا ) أن دعائي لهم بأن يعبدوا الله وبطاعتهم لي لم يزدهم ما دعوتهم إليه إلا بعدا منه فالفرار مستعار لقوة الإعراض أي فلم يزدهم دعائي إياهم قربا مما أدعوهم إليه
واستثناء الفرار من عموم الزيادات استثناء منقطع . والتقدير : فلم يزدهم دعائي قربا من الهدى لكن زادهم فرارا كما في قوله تعالى حكاية عن صالح عليه السلام ( فما يزيدونني غير تخسير )
وإسناد زيادة الفرار إلى الدعاء مجاز لأن دعاءه إياهم كان سببا في تزايد إعراضهم وقوة تمسكهم بشركهم
وهذا من الأسلوب المسمى في علم البديع تأكيد المدح بما يشبه الذم أو تأكيد الشيء بما يشبه ضده وهو هنا تأكيد إعراضهم المشبه بالابتعاد بصورة تشبه ضد الإعراض
ولما كان فرارهم من التوحيد ثابتا لهم من قبل كان قوله ( لم يزدهم دعاءي إلا فرارا ) من تأكيد الشيء بما يشبه ضده
وتصدير كلام نوح بالتأكيد لإرادة الاهتمام بالخير
( وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا استكبارا [ 7 ] ) ( كلما ) مركبة من كلمتين كلمة ( كل ) وهي اسم يدل على استغراق أفراد ما تضاف هي إليه وكلمة ( ما ) المصدرية وهي حرف يفيد أن الجملة بعده في تأويل مصدر . وقد يراد بذلك المصدر زمان حصوله فيقولون ( ما ) ظرفية مصدرية لأنها نائبة عن اسم الزمان
صلى الله عليه و سلم عليه الصلاة و السلام والمعنى : أنهم لم يظهروا مخيلة من الإصغاء إلى دعوته ولم يتخلفوا عن الإعراض والصدود عن دعوته طرفة عين فلذلك جاء بكلمة ( كلما ) الدالة على شمول كل دعوة من دعواته مقترنة بدلائل الصد عنها وقد تقدم عند قوله تعالى ( كلما أضاء لهم مشوا فيه )
وحذف متعلق ( دعوتهم ) لدلالة ما تقدم عليه من قوله ( أن اعبدوا الله )
والتقدير : كلما دعوتهم إلى عبادتك وتقواك وطاعتي فيما أمرتهم به
واللام في قوله ( لتغفر ) لام التعليل أي دعوتهم بدعوة التوحيد فهو سبب المغفرة فالدعوة إليه معللة بالغفران
ويتعلق قوله ( كلما دعوتهم ) بفعل ( جعلوا أصابعهم ) على أنه ظرف زمان
وجملة ( جعلوا أصابعهم ) خبر ( إن ) والرابط ضمير ( دعوتهم )
وجعل الأصابع في الآذان يمنع بلوغ أصوات الكلام إلى السامع
وأطلق اسم الأصابع على الأنامل على وجه المجاز المرسل بعلاقة البعضية فإن الذي يجعل في الأذن الأنملة لا الأصبع كله فعبر عن الأنامل بالأصابع للمبالغة في إرادة سد المسامع بحيث لو أمكن لأدخلوا الأصابع كلها وتقدم في قوله تعالى ( يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق ) في سورة البقرة
واستغشاء الثياب : جعلها غشاء أي غطاء على أعينهم تعضيدا لسد آذانهم بالأصابع لئلا يسمعوا كلامه ولا ينظروا إشاراته وأكثر ما يطلق الغشاء على غطاء العينين قال تعالى ( وعلى أبصارهم غشاوة ) . والسين والتاء في ( استغشوا ) للمبالغة
فيجوز أ يكون جعل الأصابع في الآذان واستغشاء الثياب هنا حقيقة بأن يكون ذلك من عادات قوم نوح إذا أراد أحد أن يظهر كراهية لكلام من يتكلم معه أن يجعل إصبعيه في أذنيه ويجعل من ثوبه ساترا لعينيه
ويجوز أن يكون تمثيلا لحالهم في الإعراض عن قبول كلامه ورؤية مقامه بحال من يسك سمعه بأنملتيه ويحجب عينيه بطرف ثوبه
وجعلت الدعوة معللة بمغفرة الله لهم لأنها دعوة إلى سبب المغفرة وهو الإيمان بالله وحده وطاعة أمره على لسان رسوله
وفي ذلك تعريض بتحميقهم وتعجب من خلقهم ذ يعرضون عن الدعوة لما فيه نفعهم فكان مقتضى الرشاد أن يسمعوها ويتدبروها
والإصرار : تحقيق العزم على فعل وهو مشتق من الصر وهو الشد على شيء والعقد عليه وتقدم عند قوله تعالى ( ولم يصروا على ما فعلوا ) في سورة آل عمران
وحذف متعلق ( أصروا ) لظهوره أي أصروا على ما هم عليه من الشرك
( واستكبروا ) مبالغة في تكبروا أي جعلوا أنفسهم أكبر من أن يأتمروا لواحد منهم ( قالوا ما نراك إلا بشرا مثلنا وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادئ الرأي وما نرى لكم علينا من فضل )
وتأكيد ( استكبروا ) بمفعوله المطلق للدلالة على تمكن الاستكبار . وتنوين ( استكبارا ) للتعظيم أي استكبارا شديدا لا يفله حد الدعوة

(1/4572)


( ثم إني دعوتهم جهارا [ 8 ] ثم إني أعلنت لهم وأسررت لهم إسرارا [ 9 ] فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا [ 10 ] يرسل السماء عليكم مدرارا [ 11 ] ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا [ 12 ] ) ارتقى في شكواه واعتذاره بأن دعوته كانت مختلفة الحالات في القول من جهر وإسرار فعطف الكلام ب ( ثم ) التي تفيد في عطفها الجمل أن مضمون الجملة المعطوفة أهم من مضمون المعطوف عليها لأن اختلاف كيفية الدعوة ألصق بالدعوة من أوقات إلقائها لأن الحالة أشد ملابسة بصاحبها من ملابسة زمانه . فذكر أنه دعاهم جهارا أي علنا
وجهار : اسم مصدر جهر وهو هنا وصف لمصدر ( دعوتهم ) أي دعوة جهارا
وارتقى فذكر أنه جمع بين الجهر والإسرار لأن الجمع بين الحالتين أقوى في الدعوة وأغلظ من إفراد إحداهما . فقوله ( أعلنت لهم ) تأكيد لقوله ( دعوتهم جهارا ) ذكر ليبنى عليه عطف ( وأسررت لهم إسرارا )
والمعنى : أنه توخى ما يضنه أوغل إلى قلوبهم من صفات الدعوة فجهير حينما يكون الجهر أجدى مثل مجامع العامة وأسر للذين يظنهم متجنبين لوم قومهم عليهم في التصدي لسماع دعوته وبذلك تكون ضمائر الغيبة في قوله ( دعوتهم ) وقوله ( أعلنت لهم وأسررت ) موزعة على مختلف الناس
وانتصب ( جهارا ) بالنيابة عن المفعول المطلق المبين لنوع الدعوة
وانتصب ( إسرارا ) على أنه مفعول مطلق مفيد للتوكيد أي إسرارا خفيا
صلى الله عليه و سلم عليه الصلاة و السلام ووجه توكيد الإسرار أن إسرار الدعوة كان في حال دعوته سادتهم وقادتهم لأنهم يمتعضون من إعلان دعوتهم بمسمع من أتباعهم
وفصل دعوته بفاء التفريع فقال ( فقلت استغفروا ربكم ) فهذا القول هو الذي قال لهم ليلا ونهارا وجهارا وإسرارا
ومعنى ( استغفروا ربكم ) آمنوا إيمانا يكون استغفارا لذنبكم فإنكم إن فعلتم غفر الله لكم
وعلل ذلك لهم بأن الله موصوف بالغفران صفة ثابتة تعهد الله بها لعباده المستغفرين فأفاد التعليل بحرف ( إن ) وأفاد ثبوت الصفة لله بذكر فعل ( كان ) . وأفاد كمال غفرانه بصيغة المبالغة بقوله ( غفارا )
وهذا وعد بخير الآخرة ورتب عليه وعدا بخير الدنيا بطريق جواب الأمر وهو ( يرسل السماء عليكم ) الآية
وكانوا أهل فلاحة فوعدهم بنزول المطر الذي به السلامة من القحط وبالزيادة في الأموال
والسماء : هنا المطر ومن أسماء المطر السماء . وفي حديث الموطأ والصحيحين عن زيد بن خالد الجهني : أنه قال " صلى لنا رسول الله صلى الله عليه و سلم صلاة الصبح بالحديبية على إثر سماء كانت من الليل " الحديث . وقال معاوية بن مالك بن جعفر :
إذا نزل السماء بأرض قوم ... رعيناه وإن كانوا غضابا والمدرار : الكثيرة الدر والدرور وهو السيلان يقال : درت السماء بالمطر وسماء مدرار
ومعنى ذلك : أن يتبع بعض الأمطار بعضا
ومدرار زنة مبالغة وهذا الوزن لا تلحقه علامة التأنيث إلا نادرا كما في قول سهل بن مالك الفزاري :
" أصبح يهوى حرة معطارة فلذلك لم تلحق التاء هنا مع أن اسم السماء مؤنث
والإرسال : مستعار للإيصال والإعطاء وتعديته ب ( عليكم ) لأنه إيصال من علو كقوله ( وأرسل عليهم طيرا أبابيل )
و ( أموال ) : جمع مال وهو يشمل كل مكسب يبذله المرء في اقتناء ما يحتاج إليه
والمراد بالجنات في قوله ( ويجعل لكم جنات ) النخيل والأعناب لأن الجنات تحتاج إلى السقي
وإعادة فعل يجعل بعد واو العطف في قوله ( ويجعل لكم أنهارا ) للتوكيد اهتماما بشأن المعطوف لأن الأنهار قوام الجنات وتسقي المزارع والأنعام
وفي هذا دلالة على أن الله يجازي عباده الصالحين بطيب العيش قال تعالى ( من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ) وقال ( ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ) وقال ( وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا )
( ما لكم لا ترجون لله وقارا [ 13 ] وقد خلقكم أطوارا [ 14 ] ) بدل خطابه مع قومه من طريقة النصح والأمر إلى طريقة التوبيخ بقوله ( ما لكم لا ترجون لله وقارا )

(1/4573)


وهو استفهام صورته صورة السؤال عن أمر ثبت لهم في حال انتفاء رجائهم توقير الله
والمقصود أنه لا شيء يثبت لهم صارف عن توقير الله فلا عذر لكم في عدم توقيره
وجملة ( لا ترجون ) في موضع الحال من ضمير المخاطبين وكلمة ( ما لك ) ونحوها تلازمها حال بعدها نحو ( فما لهم عن التذكرة معرضين )
وقد اختلف في معنى قوله ( ما لكم لا ترجون لله وقارا ) في تعلق معمولاته بعوامله على أقوال : بعضها يرجع إلى إبقاء معنى الرجاء على معناه المعروف وهو ترقب الأمر وكذلك معنى الوقار على المتعارف وهو العظمة المقتضية للإجلال وبعضها يرجع إلى تأويل معنى الرجاء وبعضها إلى تأويل معنى الوقار ويتركب من الحمل على الظاهر ومن التأويل أن يكون التأويل في كليهما أو أن يكون التأويل في أحدهما مع إبقاء الآخر على ظاهر معناه
فعلى حمل الرجاء على المعنى المتعارف الظاهر وحمل الوقار كذلك . قال ابن عباس وسعيد بن جبير وأبو العالية وعطاء بن أبي رباح وبن كيسان : ما لكم لا ترجون ثوابا من الله ولا تخافون عقابا أي فتعبدوه راجين أن يثيبكم على عبادتكم وتوقيركم إياه . وهذا التفسير ينحو إلى أن يكون في الكلام اكتفاء أي ولا تخافون عقابا . وإن نكتة الاكتفاء بالتعجب من عدم رجاء الثواب : أن ذلك هو الذي ينبغي أن يقصده أهل الرجاء والتقوى . وإلى هذا المعنى قال صاحب الكشاف : إذ صدر بقوله : ما لكم لا تكونون على حال تأملون فيها تعظيم الله إياكم في دار الثواب
وهذا يقتضي أن يكون الكلام كناية تلويحية عن حثهم على الإيمان بالله الذي يستلزم رجاء ثوابه وخوف عقابه لأن من رجا تعظيم الله إياه آمن به وعبده وعمل الصالحات
صلى الله عليه و سلم عليه الصلاة و السلام وعلى تأويل معنى الرجاء قال مجاهد والضحاك : معنى ( لا ترجون ) لا تبالون لله عظمة . قال قطرب : هذه لغة حجازية لمضر وهذيل وخزاعة يقولون : لم أرج أي لم أبال وقال الوالبي والعوفي عن ابن عباس : معنى ( لا ترجون ) لا تعلمون وقال مجاهد أيضا : لا ترون وعن ابن عباس أنه سأله عنها نافع بن الأزرق فأجابه أن الرجاء بمعنى الخوف وأنشد قول أبي ذؤيب : إذا لسعته النحل لم يرج لسعها وحالفها في بيت نوب عواسل أي لم يخف لسعها واستمر على اشتيار العسل . قال الفراء : إنما يوضع الرجاء موضع الخوف لأن مع الرجاء طرفا من الخوف من الناس ومن ثم استعمل الخوف بمعنى العلم كقوله تعالى ( فإن خفتم أن لا يقيما حدود الله ) الآية . والمعنى : لا تخافون عظمة الله وقدرته بالعقوبة
وعلى تأويل الوقار قال قتادة : الوقار : العاقبة أي ما لكم لا ترجون لله عاقبة أي عاقبة الإيمان أي أن الكلام كناية عن التوبيخ على تركهم الإيمان بالله وجعل أبو مسلم الأصفهاني : الوقار بمعنى الثبات قال : ومنه قوله تعالى ( وقرن في بيوتكن ) أي اثبتن ومعناه : ما لكم لا تثبتون وحدانية الله
وتتركب من هذين التأويلين معان أخرى من كون الوقار مسندا في التقرير إلى فاعله أو إلى مفعوله وهي لا تخفى
وأما قوله ( لله ) فالأظهر أنه متعلق ب ( ترجون ) ويجوز في بعض التأويلات الماضية أن يكون متعلقا ب ( وقارا ) : إما تعلق فاعل المصدر بمصدره فتكون اللام في قوله ( لله ) لشبه الملك أي الوقار الذي هو تصرف الله في خلقه إن شاء أن يوقركم أي يكرمكم بالنعيم وأما تعلق مفعول المصدر أي أن توقروا الله وتخشوه ولا تتهاونوا بشأنه تهاون من لا يخافه فتكون اللام لام التقوية
وجملة ( وقد خلقكم أطوارا ) حال من ضمير ( لكم ) أو ضمير ( ترجون ) أي في حال تحققكم أنه خلقكم أطوارا
فأما أنه خلقهم فموجب للاعتراف بعظمته لأنه مكونهم وصانعهم فحق عليهم الاعتراف بجلاله

(1/4574)


وأما كون خلقهم أطوارا فلأن الأطوار التي يعلمونها دالة على رفقه بهم في ذلك التطور فذلك تعريض بكفرهم النعمة ولأن الأطوار دالة على حكمة الخالق وعلمه وقدرته فإن تطور الخلق من طور النطفة إلى طور الجنين إلى طور خروجه طفلا إلى طور الصبا إلى طور بلوغ الأشد إلى طور الشيخوخة وطور الموت على الحياة وطور البلى على الأجساد بعد الموت كل ذلك والذات واحدة فهو دليل على تمكن الخالق من كيفيات الخلق والتبديل في الأطوار وهم يدركون ذلك بأدنى التفات الذهن فكانوا محقوقين بأن يتوصلوا به إلى معرفة عظمة الله وتوقع عقابه لأن الدلالة على ذلك قائمة بأنفسهم وهل التصرف فيهم بالعقاب والإثابة إلا دون التصرف فيهم بالكون والفساد
والأطوار : جمع طور بفتح فسكون والطور : التارة وهي المرة من الأفعال أو من الزمان فأريد من الأطوار هنا ما يحصل في المرات والأزمان من أحوال مختلفة لأنه لا يقصد من تعدد المرات والأزمان إلا تعدد ما يحصل فيها فهو تعدد بالنوع لا بالتكرار كقول النابغة :
فإن أفاق لقد طالت عمايته ... والمرء يخلق طورا بعد أطوار وانتصب ( أطوارا ) على الحال من ضمير المخاطبين أي تطور خلقهم لأن ( أطوارا ) صار في تأويل أحوالا في أطوار
( ألم تروا كيف خلق الله سبع سماوات طباقا [ 15 ] وجعل القمر فيهن نورا وجعل الشمس سراجا [ 16 ] ) إن كان هذا من حكاية كلام نوح عليه السلام لقومه كما جرى عليه كلام المفسرين كان تخلصا من التوبيخ والتعريض إلى الاستدلال عليهم بآثار وجود الله ووحدانيته وقدرته مما في أنفسهم من الدلائل إلى ما في العالم منها لما علمت من إيذان قوله ( وقد خلقكم أطوارا ) من تذكير بالنعمة وإقامة للحجة فتخلص منه لذكر حجة أخرى فمان قد نبههم على النظر في أنفسهم أولا لأنها أقرب ما يحسونه ويشعرون به ثم على النظر في العالم وما سوي فيه من العجائب الشاهدة على الخالق العليم القدير
وإن كان من خطاب الله تعالى للأمة وهو ما يسمح به سياق السورة من الاعتبار بأحوال الأمم الماضية المساوية لأحوال المشركين كان هذا الكلام اعتراضا للمناسبة
والهمزة في ( ألم تروا للاستفهام التقريري ) مكنى به عن الإنكار عن عدم العلم بدلائل ما يرونه
صلى الله عليه و سلم عليه الصلاة و السلام والرؤيا بصرية . ويجوز أن تكون علمية أي ألم تعلموا فيدخل فيه المرئي من ذلك . وانتصب ( كيف ) على المفعول به ل ( ترو ) ف ( كيف ) هنا مجردة عن الاستفهام متمحضة للدلالة على الكيفية أي الحالة
والمعنى : ألستم ترون هيئة وحالة خلق الله السماوات
والسماوات : هنا هي مدارات بمعنى الكواكب فإن لكل كوكب مدارا قد يكون هو سماؤه
وقوله ( سبع سماوات ) يجوز أن يكون وصف ( سبع ) معلوما للمخاطبين من قوم نوح أو من أمة الدعوة الإسلامية بأن يكونوا علموا ذلك من قبل ؛ فيكون مما شمله فعل ( ألم تروا ) . ويجوز أن يكون تعليما للمخاطبين على طريقة الإدماج ولعلهم كانوا سلفا للكلدانيين في ذلك
و ( طباقا ) : بعضها أعلى من بعض وذلك يقتضي أنها منفصل بعضها عن بعض وأن بعضها أعلى من بعض سواء كانت متماسة أو كان بينها ما يسمى بالخلاء
وقوله ( وجعل القمر فيهن نورا ) صالح لاعتبار القمر من السماوات أي الكواكب على الاصطلاح القديم المبني على المشاهدة لأن ظرفي ( في ) تكون لوقوع المحوي في حاوية مثل الوعاء وتكون لوقوع الشيء بين جماعته كما في حديث الشفاعة " وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها " وقول النميري :
تضوع مسكا بطن نعمان أن مشت ... به زينب في نسوة خفرات والقمر كائن في السماء المماسة للأرض وهي المسماة بالسماء الدنيا والله أعلم بأبعادها
وقوله ( وجعل الشمس سراجا ) هو بتقدير : وجعل الشمس فيهن سراجا والشمس من الكواكب
والإخبار عن القمر بأنه نور مبالغة في وصفه بالإنارة بمنزلة الوصف بالمصدر . والقمر ينير ضوءه الأرض إنارة مفيدة بخلاف غيره من نجوم الليل فإن إنارتها لا تجدي البشر
والسراج : المصباح الزاهر نوره الذي يوقد بفتيلة في الزيت يضيء التهابها المعدل بمقدار بقاء مادة الزيت تغمرها

(1/4575)


والإخبار عن الشمس من التشبيه البليغ وهو تشبيه والقصد منه تقريب المشبه من إدراك السامع فإن السراج كان أقصى ما يستضاء به في الليل وقل من العرب من يتخذوه وإنما كانوا يرونه في أديرة الرهبان أو قصور الملوك وأضرابهم قال امرؤ القيس :
يضي سناه أو مصابيح راهب ... أمال الذبال بالسليط المفتل ووصفوا قصر غمدان بالإضاءة على الطريق ليلا
ولم يخبر عن الشمس بالضياء كما في آية سورة يونس ( هو الذي جعل الشمس ضياء ) والمعنى واحد وهو الإضاءة فلعل إيثار السراج هنا لمقاربة تعبير نوح في لغته مع ما فيه من الرعاية على الفاصلة لأن الفواصل التي قبلها جاءت على حروف صحيحة ولو قيل ضياء لصارت الفاصلة همزة والهمزة قريبة من حروف العلة فيثقل الوقف عليها
وفي جعل القمر نورا إيماء إلى أن ضوء القمر ليس من ذاته فإن القمر مظلم ووفي جعل القمر نورا إيماء إلى أن ضوء القمر ليس من ذاته فإن القمر مظلم وإنما يضيء بانعكاس أشعة الشمس على ما يستقبلها من وجهه بحسب اختلاف ذلك الاستقبال من تبعض وتمام وهو أثر ظهوره هلالا ثم اتساع استنارته إلى أن يصير بدرا ثم ارتجاع ذلك وفي تلك الأحوال يضيء على الأرض إلى أن يكون المحاق . وبعكس ذلك جعلت الشمس سراجا لأنها ملتهبة وأنوارها ذاتية فيها صادرة عنها إلى الأرض وإلى القمر مثل أنوار السراج تملأ البيت وتلمع أواني الفضة ونحوها مما في البيت من الأشياء المقابلة
وقد اجتمع في قوله ( وجعل القمر فيهن نورا وجعل الشمس سراجا ) استدلال وامتنان
( والله أنبتكم من الأرض نباتا [ 17 [ ثم يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجا [ 18 ] ) أنشأ الاستدلال بخلق السماوات حضور الأرض في الخيال فأعقب نوح به دليله السابق استدلالا بأعجب ما يرونه من أحوال ما على الأرض وهو حال الموت وإقبار ومهد لذلك ما يتقدمه من إنشاء الناس
وأدمج في ذلك تعليمهم بأن الإنسان مخلوق من عناصر الأرض مثل النبات وإعلامهم بأن بعد الموت حياة أخرى
وأطلق على معنى : أنشأكم فعل ( أنبتكم ) للمشابهة بين إنشاء الإنسان وإنبات النبات من حيث إن كليهما تكوين كما قال تعالى ( وأنبتها نباتا حسنا ) أي أنشأها وكما يقولون : زرعك الله للخير ويزيد وجه الشبه هنا قربا من حيث إن إنشاء الإنسان مركب من عناصر الأرض وقيل التقدير : أنبت أصلكم أي آدم عليه السلام قال تعالى ( كمثل آدم خلقه من تراب )
صلى الله عليه و سلم عليه الصلاة و السلام ونباتا : اسم من أنبت عومل معاملة المصدر فوقع مفعولا مطلقا ل ( أنبتكم ) للتوكيد ولم يجر على قياس فعله فيقال : إنباتا لأن نباتا أخف فلما تسنى الإتيان به لأنه مستعمل فصيح لم يعدل عنه إلى الثقيل كمالا في الفصاحة بخلاف قوله بعده ( إخراجا ) فإنه لم يعدل عنه إلى : خروجا لعدم ملاءمته لألفاظ الفواصل قبله المبنية على ألف مثل ألف التأسيس فكما تعد مخالفتها في القافية عيبا كذلك تعد المحافظة عليها في الأسجاع والفواصل كمالا
وقد أدمج الإنذار بالبعث في خلال الاستدلال ولكونه أهم رتبة في الاستدلال عليهم بأصل الإنشاء عطفت الجملة ب ( ثم ) الدالة على التراخي الرتبي في قوله ( ثم يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجا ) لأن المقصود من الجملة هو فعل ( يخرجكم ) وأما قوله ( ثم يعيدكم ) فهو تمهيد له
وأكد يخرجكم بالمفعول المطلق لرد إنكارهم البعث
( والله جعل لكم الأرض بساطا [ 19 ] لتسلكوا منها سبلا فجاجا [ 20 ] ) هذا استدلال وامتنان ولذلك علق بفعل ( جعل ) مجرور بلام التعليل وهو ( لكم ) أي لأجلكم
والبساط : ما يفرش للنوم عليه والجلوس من ثوب أو زريبة فالإخبار عن الأرض ببساط تشبيه بليغ أي كالبساط . ووجه الشبه تناسب سطح الأرض في تعادل أجزاءه بحيث لا يوجع أرجل الماشين ولا يقض جنوب المضطجعين وليس المراد أن الله جعل حجم الأرض كالبساط لأن حجم الأرض كروي وقد نبه على ذلك بالعلة الباعثة في قوله ( لكم ) والعلة الغائبة في قوله ( لتسلكوا منها سبلا ) وحصل من مجموع العلتين الإشارة إلى جميع النعم التي تحصل للناس من تسوية سطح الأرض مثل الحرث والزرع وإلى نعمه خاصة وهي السير في الأرض وخصت بالذكر لأنها أهم لاشتراك كل الناس في الاستفادة منها

(1/4576)


والسبل : جمع سبيل وهو الطريق أي لتتخذوا لأنفسكم سبلا من الأرض تهتدون بها في أسفاركم
والفجاج : جمع فج والفج : الطريق الواسع وأكثر ما يطلق على الطريق بين جبلين لأنه يكون أوسع من الطريق المعتاد
( قال نوح رب إنهم عصوني واتبعوا من لم يزده ماله وولده إلا خسارا [ 21 ] ومكروا مكرا كبارا [ 22 ] وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا [ 23 ] ) هذه الجملة بدل من جملة ( قال رب إني دعوت قومي ) بدل اشتمال لأن حكاية عصيان قومه إياه مما اشتملت عليه حكاية أنه دعاهم فيحتمل أن تكون المقالتان في وقت واحد جاء فيه نوح إلى مناجاة ربه بالجواب عن أمره له بقوله ( انذر قومك من قبل أن يأتيهم عذاب أليم ) فتكون إعادة فعل ( قال ) من قبيل ذكر عامل المبدل منه في البدل كقوله تعالى ( تكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا ) للربط بين كلاميه لوط الفصل بينهما
ويحتمل أن تكون المقالتان في وقتين جمعها القرآن حكاية لجوابيه لربه فتكون إعادة فعل ( قال ) لما ذكرنا مع الإشارة إلى تباعد ما بين القولين
ويجوز أن تكون الجملة مستأنفة استئنافا بيانيا لأن ما سبقها من قوله ( قال ربي إني دعوت قومي ) إلى هنا مما يشير عجبا في حال قومه المحكي بحيث يتساءل السامع عن آخر أمرهم فابتدئ ذكر ذلك بهذه الجملة وما بعدها إلى قوله ( أنصارا ) . وتأخير هذا بعد عن قوله ( قال ربي إني دعوت قومي ليلا ونهارا ) ارتقاء في التذمر منهم لأن هذا حكاية حصول عصيانهم بعد تقديم الموعظة إليهم بقوله ( يرسل السماء عليكم مدرارا ) إلى قوله ( سبلا فجاجا )
وإظهار اسم ( نوح ) مع القول الثاني دون إضمار لبعد معاد الضمير لو تحمله الفعل وهذا الخبر مستعمل في لازم معناه كما تقدم في قوله ( قال رب ) الخ . وتأكيد الخبر ب ( إن ) للاهتمام بما استعمل فيه من التحسر والاستنصار
ثم ذكر أنهم أخذوا بقول الذين يصدونهم عن قبول دعوة نوح أي اتبعوا سادتهم وقادتهم . وعدل عن التعبير عنهم بالكبراء ونحوه إلى الموصول لما تؤذن به الصلة من بطرهم نعمة الله عليهم بالأموال والأولاد . فقلبوا النعمة عندهم موجب خسار وضلال
وأدمج في الصلة أنهم أهل أموال وأولاد إيماء إلى أن ذلك سبب نفاذ قولهم في قومهم وائتمار القوم بأمرهم : فأموالهم إذا أنفقوها لتأليف أتباعهم قال تعالى ( إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله ) وأولادهم أرهبوا بهم من يقاومهم
صلى الله عليه و سلم عليه الصلاة و السلام والمعنى : واتبعوا أهل الأموال والأولاد التي لم تزدهم تلك الأموال والأولاد إلا خسارا لأنهم استعملوها في تأييد الكفر والفساد فزادتهم خسارا إذ لو لم تكن لهم أموال ولا أولاد لكانوا أقل ارتكابا للفساد قال تعالى ( وذرني والمكذبين أولي النعمة ومهلهم قليلا )
والخسار : مستعار لحصول الشر من وسائل شأنها أن تكون سبب خير كخسارة التاجر من حيث أراد الربح فإذا كان هؤلاء خاسرين فالذين يتبعونهم يكونون مثلهم في الخسارة وهم يحسبون أنهم أرشدوهم إلى النجاح
وما صدق ( من ) فريق من القوم أهل مال وأولاد ازدادوا بذلك بطرا دون الشكر وهم سادتهم ولذلك أعيد عليه ضمير الجمع في قوله ( ومكروا ) وقوله ( وقالوا ) وقوله ( وقد أضلوا كثيرا )
وقرأ نافع وابن عامر وعاصم وأبو جعفر ( وولده ) بفتح الواو وفتح اللام وقرأه ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي ويعقوب وخلف ( وولده ) بضم الواو وسكون اللام فأما الولد بفتح الواو وفتح اللام فاسم يطلق على الواحد من الأولاد وعلى الجمع فيكون اسم جنس وأما ولد بضم فسكون فقيل : هو لغة في ولد فيستوي فيه الواحد والجمع مثل الفلك . وقيل : هو جمع ولد مثل أسد جمع أسد
والمكر : إخفاء العمل أو الرأي الذي يراد به ضر الغير أي مكروا بنوح والذين آمنوا معه بإضمار الكيد لهم حتى يقعوا في الضر قيل كانوا يدبرون الحيلة على قتل نوح وتحريش الناس على أذاه وأذى أتباعه
و ( كبارا ) : مبالغة أي كبيرا جدا وهو وارد بهذه الصيغة في ألفاظ قليلة مثل طوال أي طويل جدا وعجاب أي عجيب وحسان وجمال أي جميل وقراء لكثير القراءة ووضاء أي وضيء . قال عيسى بن عمر : هي لغة يمانية

(1/4577)


( وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ) الخ أي قال بعضهم لبعض : ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر هذه أصنام قوم نوح وبهذا تعلم أن أسماءها غير جارية على اشتقاق الكلمات العربية وفي واو ( ود ) لغتان للعرب منهم من يضم الواو وبه قرأ نافع وأبو جعفر . ومنهم من يفتح الواو وكذلك قرأ الباقون
وروى البخاري عن ابن عباس : " ود وسواع وغوث ويعوق ونسر : أسماء رجال صالحين من قوم نوح فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أنصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابا وسموها بأسمائهم ففعلوا فلم تعبد حتى إذا هلك أولئك وتنسخ العلم عبدت " وعن محمد بن كعب : هي أسماء أبناء خمسة لآدم عليه السلام وكانوا عبادا . وعن الماوردي أن ( ودا ) أول صنم معبود
والآية تقتضي أن هذه الأنصاب عبدت قبل الطوفان وقد قال بعض المفسرين : كانوا أصناما بين زمن آدم وزمن نوح
ولا يلتئم هذا مع حدوث الطوفان إذ لا بد أن يكون جرفها وخلص البشر من الإشراك بعد الطوفان ومع وجود هذه الأسماء في قبائل العرب إلى زمن البعثة المحمدية فقد كان في دومة الجندل بلاد كلب صنم اسمه " ود " . قيل كان على صورة رجل وكان من صفر ورصاص وكان على صورة امرأة وكان لهذيل صنم اسمه " سواع " وكان لمراد وغطيف " بغين معجمة وطاء مهملة " بطن من مراد بالجوف عند سبأ صنم اسمه " يغوث " وكان أيضا لغطفان وأخذته " أنعم وأعلى " وهما من طيء وأهل جرش من مذحج فذهبوا به إلى مراد فعبدوه ثم إن بني ناجية راموا نزعه من أعلى وأنعم ففروا به إلى الحصين أخي بني الحارث من خزاعة . قال أبو عثمان النهدي : رأيت يغوث من رصاص وكانوا يحملونه على جمل أحرد " بالحاء المهملة أي يخبط بيديه إذا مشى " ويسيرون معه ولا يهيجونه حتى يكون هو الذي يبرك فإذا برك نزلوا وقالوا قد رضي لكم المنزل فيضربون عليه بناء ينزلون حوله
وكان يغوث على صورة أسد
وكان لهمدان صنم اسمه " يعوق " وهو على صورة فرس وكان لكهلان من سبأ ثم توارثه بنوه حتى صار إلى همدان
وكان لحمير ولذي الكلاع منهم صنم اسمه " نسر " على صورة النسر من الطير . وهذا مروي في صحيح البخاري عن ابن عباس . وقال : صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح إلى العرب اه . فيجوز أن تكون انتقلت بأعيانها ويجوز أن يكون العرب سموا عليها ووضعوا لها صورا
صلى الله عليه و سلم عليه الصلاة و السلام ولقد اضطر هذا بعض المفسرين إلى تأويل نظم الآية بأن معاد ضمير ( قالوا ) إلى مشركي العرب وأن ذكر ذلك في أثناء قصة قوم نوح بقصد التنظير أي قال العرب بعضهم لبعض : لا تذرن آلهتكم ودا وسواعا ويغوث ويعوق ونسرا كما قال قوم نوح لأتباعهم ( لا تذرن آلهتكم ) ثم عاد بالذكر بعد ذلك إلى قوم نوح وهو تكلف بين وتفكيك لأجزاء نظم الكلام . فالأحسن ما رآه بعض المفسرين وما نريده بيانا : أن أصنام قوم نوح قد دثرت وغمرها الطوفان وأن أسماءها بقيت محفوظة عند الذين نجوا مع نوح من المؤمنين فكانوا يذكرونها ويعظون ناشئتهم بما حل بأسلافهم من جراء عبادة تلك الأصنام فبقيت تلك الأسماء يتحدث بها العرب الأقدمون في أثارات عملهم وأخبارهم فجاء عمر بن لحي الخزاعي الذي أعاد للعرب عبادة الأصنام فسمى لهم الأصنام بتلك الأسماء وغيرها فلا حاجة بالمفسر إلى التطوع إلى صفات الأصنام التي كانت لها هذه الأسماء عند العرب ولا إلى ذكر تعيين القبائل التي عبدت مسميات هذه الأسماء
ثم يحتمل أن يكون لقوم نوح أصنام كثيرة جمعها قوم كبراءهم : لا تذرن ألهتكم ثم خصوا بالذكر أعظمها وهي هذه الخمسة فيكون ذكرها من عطف الخاص على العام للاهتمام به كقوله تعالى ( من كان عدو الله وملائكته ورسله وجبريل وميكال ) . ويحتمل أن لا يكون لهم غير تلك الأصنام الخمسة فيكون ذكرها مفصلة بعد الإجمال للاهتمام بها ويكون العطف من قبيل عطف المرادف
ولقصد التوكيد أعيد فعل النهي ( ولا تذرن ) ولم يسلك طريق الإبدال والتوكيد اللفظي قد يقرن بالعاطف كقوله تعلى ( وما أدراك ما يوم الدين ثم ما أدراك ما يوم الدين )

(1/4578)


ونقل عن الآلوسي في طرة تفسيره لهذه الآية هذه الفقرة " قد أخرج الإفرنج في حدود الألف والمائتين والستين أصناما وتماثيل من أرض الموصل كانت منذ نحو من ثلاثة آلاف سنة " . وتكرير ( لا ) النافية في قوله ( ولا سواعا ولا يغوث ) لتأكيد النفي الذي في قوله ( ولا تذرن آلهتكم ) وعدم إعادة ( لا ) مع قوله ( ويعوق ونسرا ) لأن الاستعمال جار على أن لا يزاد في التأكيد على ثلاث مرات
وقرأ نافع وأبو جعفر ( ودا ) بضم الواو . وقرأها غيرهما بفتح الواو وهو اسم عجمي يتصرف فيه لسان العرب كيف شاؤا
( وقد أضلوا كثيرا ) عطف على ( وقالوا لا تذرن آلهتكم ) أي أضلوا بقولهم هذا وبغيره من تقاليد الشرك كثيرا من الأمة بحيث ما آمن مع نوح إلا قليل
( ولا تزد الظالمين إلا ضلالا [ 24 ] ) يجوز أن تكون هذه الجملة تتمة كلام نوح متصلة بحكاية كلامه السابق فتكون الواو عاطفة جزء جملة مقولة لفعل ( قال ) على جزئها الذي قبلها عطف المفاعيل بعضها على بعض كما تقول قال امرؤ القيس " قفا نبك " . ختم نوح شكواه إلى الله بالدعاء على الضالين المتحدث عنهم بأن يزيدهم الله ضلالا
ولا يريبك عطف الإنشاء على الخبر لأن منع عطف الإنشاء على الخبر على الإطلاق غير وجيه والقرآن طافح به
ويجوز أن تكون جملة ( ولا تزد الظالمين إلا ضلالا ) غير متصلة بحكاية كلامه في قوله ( قال نوح رب إنهم عصوني ) بل هو حكاية كلام آخر له صدر في موقف آخر فتكون الواو عاطفة جملة مقولة قول على جملة مقولة قول آخر أي نائبة عن فعل قال كما تقول : قال امرؤ القيس : قفا نبك و : ألا عم صباحا أيها الطلل البالي وقد نحا هذا المعنى من يأبون عطف الإنشاء على الخبر
والمراد ب ( الظالمين ) : قومه الذين عصوه فكان مقتضى الظاهر التعبير عنهم بالضمير عائدا على قومي من قوله ( دعوت قومي ليلا ونهارا ) فعدل عن الإضمار إلى الإظهار على خلاف مقتضى الظاهر لما يؤذن به وصف ( الظالمين ) من استحقاقهم لحرمان من عناية الله بهم لظلمهم أي إشراكهم بالله فالظلم هنا الشرك ( إن الشرك لظلم عظيم )
والضلال مستعار لعدم الاهتداء إلى طرائق المكر الذي خشي نوح غائلته في قوله ( ومكروا مكرا كبارا ) أي حل بيننا وبين مكرهم ولا تزدهم إمهالا في طغيانهم علينا إلا أن تضللهم عن وسائله فيكون الاستثناء من تأكيد الشيء بما يشبه ضده أو أراد إبهام طرق النفع عليهم حتى تنكسر شوكتهم وتلين شكيمتهم نظير قول موسى عليه السلام ( ربنا أطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم )
صلى الله عليه و سلم عليه الصلاة و السلام وليس المراد بالضلال الضلال عن طريق الحق والتوحيد لظهور أنه ينافي دعوة نوح قومه إلى الاستغفار والإيمان بالبعث فكيف يسأل الله أن يزيدهم منه
ويجوز أن يكون الضلال أطلق على العذاب المسبب عن الضلال أي في عذاب يوم القيامة وهو عذاب الإهانة والآلام
ويجوز أن تكون جملة معترضة وهي من كلام الله تعالى لنوح فنكون الواو اعتراضية ويقدر قول محذوف : وقلنا لا تزد الظالمين . والمعنى : ولا تزد في دعائهم فإن ذلك لا يزيدهم إلا ضلالا فالزيادة منه تزيدهم كفرا وعنادا . وبهذا يبقى الضلال مستعملا في معناه المشهور في اصطلاح القرآن فصيغة النهي مستعملة في التأييس من نفع دعوته إياهم . وأعلم الله نوحا أنه مهلكهم بقوله ( أغرقوا فأدخلوا نارا ) الآية وهذا في معنى قوله ( وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن فلا تبتأس بما كانوا يفعلون واصنع الفلك بأعيننا ووحينا ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون )
ألا ترى إن ختام كلتا الآيتين متحد المعنى من قوله هنا ( أغرقوا ) وقوله في الآية الأخرى ( إنهم مغرقون )
( مما خطيئتهم أغرقوا فأدخلوا نارا فلم يجدوا لهم من دون الله أنصارا [ 25 ] ) جملة معترضة بين مقالات نوح عليه السلام وليست من حكاية قول نوح فهي إخبار من الله تعالى لرسوله محمد صلى الله عليه و سلم بأنه قدر النصر لنوح والعقاب لمن عصوه من قوله قبل أن يسأله نوح استئصالهم فإغراق قوم نوح معلوم للنبي صلى الله عليه و سلم وإنما قصد إعلامه بسببه

(1/4579)


والغرض من الاعتراض بها التعجيل بتسلية رسول الله صلى الله عليه و سلم على ما يلاقيه من قومه مما يماثل ما لاقاه نوح من قومه على نحو قوله تعالى ( ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون )
ويجوز أن تكون متصلة بجملة ( ولا تزد الظالمين إلا ضلالا ) على الوجه الثاني المتقدم فيها من أن تكون من كلام الله تعالى الموجه إلى نوح بتقدير : وقلنا لا تزد الظالمين إلا ضلالا وتكون صيغة المضي في قوله ( أغرقوا ) مستعملة في تحقق الوعد لنوح بإغراقهم وكذلك قوله ( فأدخلوا نارا )
وقدم ( مما خطيئاتهم ) على عامله بإفادة القصر أي أغرقوا فأدخلوا نارا من أجل مجموع خطيئاتهم لا لمجرد استجابة دعوة نوح التي ستذكر عقب هذا ليعلم أن الله لا يقر عباده على الشرك بعد أن يرسل إليهم رسولا وإنما تأخر عذابهم إلى ما بعد دعوة نوح لإظهار كرامته عند ربه بين قومه ومسرة له وللمؤمنين معه وتعجيلا لما يجوز تأخيره
و ( من ) تعليلية و ( ما ) مؤكدة لمعنى التعليل
وجمع الخطيئات مراد بها الإشراك وتكذيب الرسول وأذاه وأذى المؤمنين معه والسخرية منه حين توعدهم بالطوفان وما ينطوي عليه ذلك كله من الجرائم والفواحش
وقرأ الجمهور ( خطيئاتهم ) بصيغة جمع خطيئة بالهمزة . وقرأه أبو عمرو وحده ( خطاياهم ) جمع خطية بالياء المشددة مدغمة فيها الياء المنقلبة عن همزة للتخفيف
وفي قوله ( أغرقوا فأدخلوا نارا ) محسن الطباق لأن بين النار والغرق المشعر بالماء تضادا
وتفريع ( فلم يجدوا لهم من دون الله أنصارا ) تعريض بالمشركين من العرب الذين كانوا يزعمون أن الأصنام تشفع لهم وتدفع عنهم الكوارث يعني في الدنيا لأنهم لا يؤمنون بالبعث أي كما لم تنصر الأصنام عبدتها من قوم نوح كذلك لا تنصركم أصنامكم
وضمير ( يجدوا ) عائد إلى ( الظالمين ) من قوله ( ولا تزد الظالمين إلا ضلالا ) وكذلك ضمير ( لهم )
والمعنى : فلم يجدوا لأنفسهم أنصارا دون عذاب الله
( وقال نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا [ 26 ] إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا [ 27 ] ) عطف على ( قال نوح ربي إنهم عصوني ) أعقبه بالدعاء عليهم بالإهلاك والاستئصال بأن لا يبقي منهم أحدا أي لا تبق منهم أجدا على الأرض
وأعيد فعل ( قال ) لوقوع الفصل بين أقوال نوح بجملة ( مما خطيئاتهم ) الخ أوبها وبجملة ( ولا تزد الظالمين إلا ضلالا )
وقرنت بواو العطف لتكون مستقلة فلا تتبع جملة ( إنهم عصوني ) للإشارة إلى أن دعوة نوح حصلت بعد شكايته بقوله ( إنهم عصوني )
صلى الله عليه و سلم عليه الصلاة و السلام وديار : اسم مخصوص بالوقوع في النفي يعم كل إنسان وهو اسم من وزن فيعال مشتق من اسم الدار فعينه واو لأن عين دار مقدرة واوا فأصل ديار : ديوار فلما اجتمعت الواو والياء واتصلتا وسبقت إحداهما بالسكون قلبت الواو ياء ثم أدغمت بالياء الزائدة كما فعل بسيد وميت . ومعنى ديار : من يحل بدار القوم كناية عن إنسان
ونظير ( ديار ) في العموم والوقوع في النفي أسماء كثيرة في كلام العرب أبلغها أبن السكيت في إصلاح المنطق إلى خمسة وعشرين وزاد كراع النمل سبعة فبلغت اثنين وثلاثين اسما وزاد ابن مالك في التسهيل ستة فصارت ثمانية وثلاثين
ومن أشهرها : آحد وديار وعريب وكلها بمعنى الإنسان ولفظ ( بد ) بضم الموحدة وتشديد الدال المهملة وهو المفارقة
وجملة ( إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ) تعليل لسؤاله أن لا يترك الله على الأرض أحدا من الكافرين يريد أنه خشي أن يضلوا بعض المؤمنين وأن يلدوا أبناء ينشأون على كفرهم
والأرض يجوز أن يراد بها جميع الكرة الدنيوية وأن يراد أرض معهودة للمتكلم والمخاطب كما في قوله تعالى ( قال اجعلني على خزائن الأرض ) يعني أرض مصر في سورة يوسف
ويحتمل أن يكون البشر يومئذ منحصرين في قوم نوح ويجوز خلافه وعلى هذه الاحتمالات ينشأ احتمال أن يكون الطوفان قد غمر جميع الكرة الأرضية واحتمال أن يكون طوفانا قاصرا على ناحية كبيرة من عموم الأرض والله أعلم . وقد تقدم ذلك عند تفسير قوله تعالى ( فأنجيناه والذين معه في الفلك ) في سورة الأعراف

(1/4580)


وخبر ( إنك ) مجموع الشرط مع جوابه الواقع بعد ( إن ) لأنه إذا اجتمع مبتدأ وشرط رجح الشرط على المبتدأ فأعطي الشرط الجواب ولم يعط المبتدأ خبرا لدلالة جملة الشرط وجوابه عليه
وعلم نوح أنهم لا يلدون إلا فاجرا كفارا بأن أولادهم ينشأون فيهم فيلقنونهم دينهم ويصدون نوحا عن أن يرشدهم فحصل له علم بهذه القضية بدليل التجربة
والمعنى : ولا يلدوا إلا من يصير فاجرا كفارا عند بلوغه سن العقل
والفاجر : المتصف بالفجور وهو العمل الشديد الفساد
والكفار : مبالغة في الموصوف بالكفر أي إلا من يجمع بين سوء الفعل وسوء الاعتقاد قال تعالى ( أولئك هم الكفرة الفجرة )
وفي كلام نوح دلالة على أن المصلحين يهتمون بإصلاح جيلهم الحاضر ولا يهملون تأسيس أسس إصلاح الأجيال الآتية إذ الأجيال كلها سواء في نظرهم الإصلاحي . وقد انتزع عمر بن الخطاب من قوله تعالى ( والذين جاءوا من بعدهم ) دليلا على إبقاء أرض سواد العراق غير مقسومة بين الجيش الذي فتح العراق وجعلها خراجا لأهلها قصدا لدوام الرزق منها لمن سيجيء من المسلمين
( رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنا وللمؤمنين والمؤمنات ولا تزد الظالمين إلا تبارا [ 28 ] ) جعل الدعاء لنفسه ووالديه خاتمة مناجاته فابتدأ بنفسه ثم بأقرب الناس به وهما والداه ثم عمم أهله وذويه المؤمنين فدخل أولاده وبنوه والمؤمنات من أزواجهم وعبر عنهم بمن دخل بيته كناية عن سكناهم معه فالمراد بقوله ( دخل بيتي ) دخول مخصوص وهو الدخول المتكرر الملازم . ومنه سميت بطانة المرء دخيلته ودخلته ثم عمم المؤمنين والمؤمنات ثم عاد بالدعاء على الكفرة بأن يحرمهم الله النجاح وهو على حد قوله المتقدم ( ولا تزد الظالمين إلا ضلالا )
والتبار : الهلاك والخسار فهو تخصيص للظالمين من قومه بسؤال استئصالهم بعد أن شملهم وغيرهم بعموم قوله ( لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا ) حرصا على سلامة المجتمع الإنساني من شوائب المفاسد وتطهيره من العناصر الخبيثة
ووالداه : أبوه وأمه وقد ورد اسم أبيه في التوراة " لمك " وأما أمه فقد ذكر الثعلبي أن اسمها شمخى بنت آنوش
وقرأ الجمهور ( بيتي ) بسكون ياء المتكلم . وقرأه حفص عن عاصم بتحريكها
واستثناء ( إلا تبارا ) منقطع لأن التبار ليس من الزيادة المدعو بنفيها فإنه أراد لا تزدهم من الأموال والأولاد لأن في زيادة ذلك لهم قوة لهم على أذى المؤمنين . وهذا كقول موسى عليه السلام ( ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك ) الآية . وهذا من تأكيد الشيء بما يشبه ضده كقوله ( فلم يزدهم دعائي إلا فرارا )
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة الجن
صلى الله عليه و سلم عليه الصلاة و السلام سميت في كتب التفسير وفي المصاحف التي رأيناها ومنها لكوفي المكتوب بالقيروان في القرن الخامس ( سورة الجن ) . وكذلك ترجمها الترمذي في كتاب التفسير من جامعه وترجمها البخاري في كتاب التفسير ( سورة قل أوحي ألي )
واشتهر على ألسنة المكتبين والمتعلمين في الكتاتيب القرآنية باسم ( قل أوحي )
ولم يذكرها في الإتقان في عداد السور التي لها أكثر من اسم ووجه التسميتين ظاهر
وهي مكية بالاتفاق
ويظهر أنها نزلت في حدود سنة عشر من البعثة . ففي الصحيحين وجامع الترمذي من حديث ابن عباس أنه قال : انطلق رسول الله صلى الله عليه و سلم في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ بنخلة وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر وأنه استمع فريق من الجن إلى قراءته فرجعوا إلى طائفتهم فقالوا ( إنا سمعنا قرآنا عجبا ) وأنزل اله على نبيه ( قل أوحي ألي أنه أستمع نفر من الجن )
وذكر ابن إسحاق أن نزول هذه السورة بعد سفر رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى الطائف يطلب النصرة من ثقيف أي وذلك يكون في سنة عشر بعد البعثة وسنة ثلاث قبل الهجرة
وقد عدت السورة الأربعين في نزول السور نزلت بعد الأعراف وقبل يس
واتفق أهل العدد على عد آيها ثمانا وعشرين
أغراضها

(1/4581)


إثبات كرامة للنبي صلى الله عليه و سلم بأن دعوته بلغت إلى جنس الجن وإفهامهم فهم معان من القرآن الذي استمعوا للنبي صلى الله عليه و سلم وفهم ما يدعوا إليه من التوحيد والهدى وعلمهم بعظمة الله وتنزيهه عن الشريك والصاحبة والولد
وإبطال عبادة ما يبعد من الجن
وإبطال الكهانة وبلوغ علم الغيب إلى غير الرسل الذين يطلعهم الله على ما يشاء
وإثبات أن لله خلقا يدعون الجن وأنهم أصناف منهم الصالحون ومنهم دون ذلك بمراتب وتضليل الذين يقولون على الله ما لم يقله والذين يعبدون الجن والذين ينكرون البعث وأن الجن لا يفلتون من سلطان الله تعالى
وتعجبهم من الإصابة برجوم الشهب المانعة من استراق السمع وفي المراد من هذا المنع والتخلص من ذلك إلى ما أوحى الله إلى رسوله صلى الله عليه و سلم من في شأن القحط الذي أصاب المشركين لشركهم ولمنعهم مساجد الله وإنذارهم بأنهم سيندمون على تألبهم على النبي صلى الله عليه و سلم ومحاولتهم منهم العدول عن الطعن في دينهم
( قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا [ 1 ] يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا [ 2 ] ) افتتاح السورة بالأمر بالقول يشير إلى أن ما سيذكر بعده حدث غريب وخاصة بالنسبة للمشركين الذين هم مظنة التكذيب به كما يقتضيه قوله ( كما ظننتم أن لن يبعث الله أحدا ) حسبما يأتي
أمر الله رسوله صلى الله عليه و سلم بأن يعلم المسلمين وغيرهم بأن اله أوحى إليه وقوع حدث عظيم في دعوته أقامه الله تكريما لنبيه وتنويها بالقرآن وهو أن سخر بعض من النوع المسمى جنا لاستماع القرآن وألهمهم أو علمهم فهم ما سمعوه واهتداءهم إلى مقدار إرشاده إلى الحق والتوحيد وتنزيه الله والإيمان بالبعث والجزاء فكانت دعوة الإسلام في أصولها بالغة إلى عالم من العوالم المغيبة لا علاقة لموجوداته بالتكاليف ولا بالعقائد بل هو عالم مجهول أهله على ما جبلوا عليه من خير أو شر لا يعدوا أحدهم في مدة الدنيا جبلته فيكون على معيارها مصيره الأبدي في الحياة الآخرة ولذلك لم يبعث إليهم بشرائع
وقد كشف الله لهذا الفريق منهم حقائق من عقيدة الإسلام وهديه ففهموه
صلى الله عليه و سلم عليه الصلاة و السلام هذا العالم هو عالم الجن وهو بحسب ما يستخلص من ظواهر القرآن ومن صحاح الأخبار النبوية وحسنها نوع من المجردات أعني الموجودات اللطيفة غير الكثيفة الخفيفة عن حاسة البصر والسمع منتشرة في أمكنة مجهولة ليست على سطح الأرض ولا في السماوات بل هي في أجواء غير محصورة وهي من مقولة الجوهر من الجواهر المجردات أي ليست أجساما ولا جسمانيات بل هي موجودات روحانية مخلوقة من عنصر ناري ولها حياة واردة وإدراك خاص بها لا يدرى مداه . وهذه المجردات النارية جنس من أجناس الجواهر تحتوي على الجن وعلى الشياطين فهما نوعان لجنس المجردات النارية لها إدراكات خاصة وتصرفات محدودة وهي مغيبة عن الأنظار ملحقة بعالم الغيب لا تراها الأبصار ولا تدركها أسماع الناس إلا إذا أوصل الله الشعور بحركاتها وإرادتها إلى البشر على وجه المعجزة خرقا للعادة لأمر قضاه الله وأراده
وبتعاضد هذه الدلائل وتناصرها وإن كان كل واحد منها لا يعدوا أنه ظني الدلالة وهي ظواهر القرآن أو ظني المتن والدلالة وهي الأحاديث الصحيحة حصل ما يقتضي الاعتقاد بوجود موجودات خفية تسمى الجن فتفسر بذلك معاني آيات من القرآن وأخبار من السنة
وليس ذلك مما يدخل في أصول عقيدة الإسلام ولذلك لم نكفر منكري وجود موجودات معينة من هذا النوع إذ لم تثبت حقيقتها بأدلة قطعية بخلاف حال من يقول : إن ذكر الجن لم يذكر في القرآن بعد علمه بآيات ذكره
وأما ما يروى في الكتب من أخبار جزئية في ظهورهم للناس وإتيانهم بأعمال عجيبة فذلك من الروايات الخيالية
وإنا لم نلق أحدا من إثبات العلماء الذين لقيناهم من يقول : إنه رأي أشكالهم أو آثارهم وما نجد تلك القصص إلا على ألسنة الذين يسرعون إلى التصديق بالأخبار أو تغلب عليهم التخيلات
وإن كان فيهم من لا يتهم بالكذب ولكنه مما يضرب له مثل قول المعري :
" ومثلك من تخيل ثم خالا

(1/4582)


فظهور الجن للنبي صلى الله عليه و سلم تارات كما في حديث الجني الذي تفلت ليفسد عليه صلاته وهو من معجزاته مثل رؤيته الملائكة ورؤيته الجنة والنار في حائط القبلة وظهور الشيطان لأبي هريرة في حديث زكاة الفطر
وقد مضى ذكر الجن عند قوله ( وجعلوا لله شركاء الجن ) في سورة الأنعام وقوله ( ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والأنس ) في سورة الأعراف
والذين أمر الرسول صلى الله عليه و سلم بأن يقول لهم أنه أوحي إليه بخبر الجن : هم جميع الناس الذين كان النبي صلى الله عليه و سلم يبلغهم القرآن من المسلمين والمشركين أراد الله إبلاغهم هذا الخبر لما له من دلالة على شرف هذا الدين وشرف كتابه وشرف من جاء به وفيه إدخال مسرة على المسلمين وتعريض بالمشركين إذ كان الجن قد أدركوا شرف القرآن وفهموا مقاصده وهم لا يعرفون لغته ولا يدركون بلاغته فأقبلوا عليه والذين جاء بلسانهم وأدركوا خصائص بلاغته أنكروه وأعرضوا عنه
وفي الإخبار عن استماع الجن للقرآن بأنه أوحي إليه ذلك إيماء إلى أنه ما علم بذلك إلا بإخبار الله إياه بوقوع هذا الاستماع فالآية تقتضي أن الرسول صلى الله عليه و سلم لم يعلم بحضور الجن لاستماع القرآن قبل نزول هذه الآية
وأما آية الأحقاف ( وإذا صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن ) الآيات فتذكير بما في هذه الآية أو هي إشارة إلى قصة أخرى رواها عبد الله بن مسعود وهي في صحيح مسلم في أحاديث القراءة في الصلوات ولا علاقة لها بهذه الآية
وقوله ( أنه أستمع نفر من الجن ) في موضع نائب فاعل ( أوحي ) أي أوحي إلي استماع نفر . وتأكيد الخبر الموحى بحرف ( أن ) للاهتمام به ولغرابته
وضمير ( أنه ) ضمير الشأن وخبره جملة ( استمع نفر من الجن ) وفي ذلك زيادة اهتمام بالخبر الموحى به
ومفعول ( استمع ) محذوف دل عليه ( إنأ سمعنا قرآنا ) أي استمع القرآن نفر من الجن
صلى الله عليه و سلم عليه الصلاة و السلام والنفر : الجماعة من واحد إلى عشرة وأصله في اللغة لجماعة من البشر فأطلق على جماعة من الجن على وجه التشبيه إذ ليس في اللغة لفظ آخر كما أطلق رجال في قوله ( يعوذون برجال من الجن ) على شخوص الجن . وقولهم ( إنا سمعنا قرآنا عجبا ) قالوه لبعض منهم لم يحضر لاستماع القرآن ألهمهم الله أن ينذروهم ويرشدوهم إلى الصلاح قال تعالى في سورة الأحقاف ( وإذا صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتابا ) الآيات
ومعنى القول هنا : إبلاغ مرادهم إلى من يريدون أن يبلغوه إليهم من نوعهم بالكيفية التي يتفاهمون بها إذ ليس للجن ألفاظ تجري على الألسن فيما يظهر فالقول هنا مستعار للتعبير عما في النفس مثل قوله تعالى ( قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم ) فيكون ذلك تكريما لهذا الدين أن جعل الله له دعاة من الثقلين
ويجوز أن يكون قولا نفسيا أي خواطر جالت في مدركاتهم جولان القول الذي ينبعث عن إرادة صاحب الإدراك به إبلاغ مدركاته لغيره فإن مثل ذلك يعبر عنه بالقول كما في بيت النابغة يتحدث عن كلب صيد :
قالت له النفس إني لا أرى طمعا ... وإن مولاك لم يسلم ولم يصد ومنه قوله تعالى ( ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول )
وتأكيد الخبر ب ( أن ) لأنهم أخبروا به فريقا منهم يشكون في وقوعه فأتوا بكلامهم بما يفيد تحقيق ما قالوه وهو الذي يعبر عن مثله في العربية بحرف ( إن )
ووصف القرآن بالعجب وصف بالمصدر للمبالغة في قوة المعنى أي يعجب منه ومعنى ذلك أنه بديع فائق في مفاده
وقد حصل لهم العلم بمزايا القرآن بانكشاف وهبهم الله إياه . قال المازري في شرح صحيح مسلم " لا بد لمن آمن عند سماع القرآن أن يعلم حقيقة الإعجاز وشروط المعجزة . وبعد ذلك يقع العلم بصدق الرسول ؛ فإما أن يكون الجن قد علموا ذلك أو علموا من كتب الرسل المتقدمة ما دلهم على أنه هو النبي الأمي الصادق المبشر به " اه . وأنا أقول حصل للجن علم جديد بذلك بإلهام من الله لأدلة كانوا لا يشعرون بها إذ لم يكونوا مطالبين بمعرفتها وأن فهمهم للقرآن من قبيل الإلهام خلقه الله فيهم على وجه خرق العادة كرامة للرسول صلى الله عليه و سلم وللقرآن

(1/4583)


والإيمان بالقرآن يقتضي الإيمان بمن جاء به وبمن أنزله ولذلك قالوا ( ولن نشرك بربنا أحدا )
وقد حصل لهؤلاء النفر من الجن شرف المعرفة بالله وصفاته وصدق رسوله صلى الله عليه و سلم وصدق القرآن وما احتوى عليه ما سمعوه منه فصاروا من خيرة المخلوقات وأكرموا بالفوز في الحياة الآخرة فلم يكونوا ممن ذرأ الله لجهنم من الجن والإنس
ومتعلق ( استمع ) محذوف دل عليه قوله بعده ( فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا )
والرشد : بضم الراء وسكون الشين " أو يقال بفتح الراء وفتح الشين " هو الخير والصواب والهدى . واتفقت القراءات العشر على قراءته بضم فسكون
وقولهم ( ولن نشرك بربنا أحدا ) أي ينتفي ذلك في المستقبل . وهذا يقتضي أنهم كانوا مشركين ولذلك أكدوا نفي الإشراك بحرف التأييد فكما أكد خبرهم عن القرآن والثناء عليه ب ( إن ) أكد خبرهم عن إقلاعهم عن الإشراك ب ( لن )
( وأنه تعالى جد ربنا ما اتخذ صاحبة ولا ولدا [ 3 ] ) هذا محكي عن كلام الجن قرأه الجمهور بكسر همزة ( إنه ) على اعتباره معطوفا على قولهم ( إنا سمعنا قرآنا عجبا ) إذ يجب كسر همزة ( إن ) إذا حكيت بالقول
وقرأه ابن عامر وحمزة والكسائي وحفص وأبو جعفر وخلف بفتح الهمزة على أنه معطوف على الضمير المجرور بالباء في قوله ( فآمنا به ) أي آمنا بأنه تعالى جد ربنا . وعدم إعادة الجار مع المعطوف على المجرور بالحرف مستعمل وجوزه الكوفيون على أنه حرف الجر كثير حذفه مع ( أن ) فلا ينبغي أن يختلف في حذفه هنا على التأويل
قال في الكشاف : ( أنه استمع ) بالفتح لأنه فاعل أوحي " أي نائب الفاعل " ( وإنا سمعنا ) بالكسر لأنه مبتدأ محكي بعد القول ثم تحمل عليها البواقي فما كان من الوحي فتح وما كان من قول الجن كسر وكلهن من قولهم إلا الثنتين الأخريين : ( وأن المساجد لله ) ( وأنه لما قام عبد الله ) ومن فتح كلهن فعطفا على محل الجار والمجرور في ( آمنا به ) كأنه قيل : صدقناه وصدقنا أنه تعالى جد ربنا وأنه كان يقول سفيهنا وكذلك البواقي اه
صلى الله عليه و سلم عليه الصلاة و السلام والتعالي : شدة العلو جعل شديد العلو كالمتكلف العلو لخروج علوه عن غالب ما تعارفه الناس فأشبه التكلف والجد : بفتح الجيم العظمة والجلال وهذا تمهيد وتوطئة لقوله ( ما اتخذ صاحبة ولا ولدا ) لأن اتخاذ الصاحبة للافتقار إليها لأنسها وعونها والالتذاذ بصحبتها وكل ذلك من آثار الاحتياج والله تعالى الغني المطلق وتعالى جده بفناه المطلق والولد يرغب فيه للاستعانة والأنس به مع ما يقتضيه من انفصاله من أجزاء والديه وكل ذلك من الافتقار والانتقاص
وضمير ( إنه ) ضمير شأن وخبره جملة ( تعالى جد ربنا )
وجملة ( ما اتخذ صاحبة ) إلى آخرها بدل اشتمال من جملة ( تعالى جد ربنا )
وتأكيد الخبر ب ( ان ) سواء كانت مكسورة أو مفتوحة لأنه مسوق إلى فريق يعتقدون خلاف ذلك من الجن
والاقتصار في بيان تعالي جد الله على انتفاء الصاحبة عنه والولد ينبئ بأنه كان شائعا في علم الجن ما كان يعتقده المشركون أن الملائكة بنات الله من سروات الجن وما اعتقاد المشركين إلا ناشئ عن تلقين الشيطان وهو من الجن ولأن ذلك مما سمعوه من القرآن مثل قوله تعالى ( سبحانه أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة ) في سورة الأنعام
وإعادة ( لا ) النافية مع المعطوف للتأكيد للدلالة على أن المعطوف منفي باستقلاله لدفع توهم نفي المجموع
وضمير الجماعة في قوله ( ربنا ) عائد إلى كل متكلم مع تشريك غيره فعلى تقدير أنه من كلام الجن فهو قول كل واحد منهم عن نفسه ومن معه من بقية النفر
( وإنه كان يقول سفيهنا على الله شططا [ 4 ] ) قرأه الجمهور بكسرة همزة ( وإنه ) . وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وحفص وأبو جعفر وخلف بفتح الهمزة كما تقدم في قوله ( وأنه تعالى جد ربنا ) فقد يكون إيمانهم بتعالي الله عن أن يتخذ صاحبة وولدا ناشئا على ما سمعوه من القرآن وقد يكون ناشئا عن إدراكهم ذلك بأدلة نظرية
والسفيه : هنا جنس وقيل : أرادوا به إبليس أي كان يلقنهم صفات الله بما لا يليق بجلاله أي كانوا يقولون على الله شططا بل نزول القرآن بتسفيههم في ذلك

(1/4584)


والشطط : مجاوزة الحد وما يخرج عن العدل والصواب وتقدم في قوله تعالى ( ولا تشطط ) في سورة ص . والمراد بالشطط إثبات ما نفاه قوله ( ولن نشرك بربنا أحدا ) وقوله ( ما اتخذ صاحبة ولا ولدا ) . وضمير ( وإنه ) ضمير الشأن
والقول فيه وفي التأكيد ب ( إن ) مكسورة أو مفتوحة كالقول في قوله ( وإنه تعالى جد ربنا ) الخ
( وإنا ظننا أن لن الإنس والجن على الله كذبا [ 5 ] ) قرأ همزة ( أن ) بالكسر الجمهور وأبو جعفر وقرأها بالفتح ابن عامر وحفص وحمزة والكسائي وخلف
فعلى قراءة كسر ( إن ) هو من المحكي بالقول ومعناه الاعتذار عما اقتضاه قولهم ( فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا ) من كونهم كانوا مشركين لجهلهم وأخذهم قول سفهائهم يحسبونهم لا يكذبون على الله
والتأكيد ب ( إن ) لقصد تحقيق عذرهم فيما سلف من الإشراك وتأكيد المظنون ب ( لن ) المفيدة لتأييد النفي يفيد أنهم كانوا متوغلين في حسم ظنهم بمن ضللوهم ويدل على أن الظن هنا بمعنى اليقين وهو يقين مخطئ
وعلى قراءة الفتح هو عطف على المجرور بالباء في قوله ( فآمنا به ) فالمعنى : وآمنا فإنما ظننا ذلك فأخطأنا في ظننا
وفي هذه الآية إشارة إلى خطر التقليد في العقيدة وأنها لا يجوز فيها الأخذ بحسن الظن بالمقلد بفتح اللام بل يتعين النظر واتهام رأي المقلد حتى ينهض دليله
وقرأ الجمهور ( تقول ) بضم القاف وسكون الواو . وقرأه يعقوب بفتح القاف والواو مشددة من التقول وهو نسبة كلام إلى من يقله وهو في معنى الكذب وأصله تتقول بتائين فعلى هذه القراءة يكون ( كذبا ) مصدرا مؤكدا لفعل ( تقول ) لأنه مرادفه
( وإنه كان رجال من الأنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا [ 6 ] ) قرأ الجمهور همزة ( وإنه ) بالكسر . وقرأها ابن عامر وحمزة والكسائي وحفص وأبو جعفر وخلف بفتح الهمزة عطفا على المجرور بالباء والمقصود منه هو قوله ( فزادوهم رهقا ) وأما قوله ( كان رجال من الإنس ) الخ فهو تمهيد لما بعده
وإطلاق الرجال على الجن عن طريق التشبيه والمشاكلة لوقوعه مع رجال من الإنس فإن الرجل اسم للذكر البالغ من بني آدم
والتأكيد ب ( إن ) مكسورة أو مفتوحة راجع إلى ما تفرع على خبرها من قولهم ( فزادوهم رهقا )
صلى الله عليه و سلم عليه الصلاة و السلام والعوذ : الالتجاء إلى ما ينجي من شيء يضر قال تعالى ( وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين ) فإذا حمل العوذ على حقيقته كان المعنى أنه كان رجال يلتجئون إلى الجن ليدفع الجن عنهم بعض الأضرار فوقع تفسير ذلك بما كان يفعله المشركون في الجاهلية إذا سار أحدهم في مكان قفر ووحش أو تعزب في الرعي كانوا يتوهمون أن الجن تسكن القفر ويخافون تعرض الجن والغيلان لهم وعبثها بهم في الليل فكان الخائف يصيح بأعلى صوته : يا عزيز هذا الوادي إني أعوذ بك من السفهاء الذين في طاعتك فيخال أن الجني الذي بالوادي يمنعه قالوا : وأول من سن ذلك لهم قوم من أهل اليمن ثم بنو حنيفة ثم فشا ذلك في العرب وهي أوهام وتخيلات
وزعم أهل هذا التفسير أن معنى ( فزادوهم رهقا ) أن الجن كانوا يحتقرون الإنس بهذا الخوف فكانوا يكثرون من التعرض لهم والتخيل إليهم فيزدادون بذلك مخافة
والرهق : الذل
والذي أختاره في معنى الآية أن العوذ هنا هو الالتجاء إلى الشيء والالتفاف حوله . وأن المراد أنه كان قوم من المشركين يعبدون الجن اتقاء شرها . ومعنى ( فزادوهم رهقا ) فزادتهم عبادتهم إياهم ضلالا . والرهق : يطلق على الإثم
( وإنهم ظنوا كما ظننتم أن لن يبعث الله أحدا [ 7 ] ) قرأ الجمهور ووافقهم أبو جعفر بكسر همزة ( وإنهم ) . وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وحفص وخلف بفتح الهمزة على اعتبار ما تقدم في قوله تعالى ( وإنه تعالى جد ربنا )
والمعنى : أن رجالا من الإنس ظنوا أن الله لا يبعث أحدا أو أنا آمنا بأنهم ظنوا كما ظننتم الخ أي آمنا بأنهم أخطأوا في ظنهم
والتأكيد ب ( إن ) المكسورة أو المفتوحة للاهتمام بالخبر لغايته . والبعث يحتمل بعث الرسل ويحتمل بعث الأموات للحشر أي حصل لهم مثلما حصل لكم من إنكار إرسال الرسل
والإخبار عن هذا فيه تعريض بالمشركين بأن فساد اعتقادهم تجاوز عالم الإنس إلى عالم الجن

(1/4585)


وجملة ( كما ظننتم ) معترضة بين ( ظنوا ) ومعموله فيجوز أن تكون من القول المحكي يقول الجن بعضهم لبعض يشبهون كفارهم بكفار الإنس
ويجوز أن تكون من كلام الله تعالى المخاطب به المشركون الذي أمر رسوله بأن يقوله لهم وهذا الوجه يتعين إذا جعلنا القول في قوله تعالى ( فقالوا إنا سمعنا ) عبارة عما جال في نفوسهم على أحد الوجهين السابقين هنالك
و ( أن ) من قوله ( أن لن يبعث ) مخففة من الثقيلة واسمها ضمير شأن محذوف
وجملة ( لن يبعث الله أحدا ) خبره . والتعبير بحرف تأييد النفي للدلالة على أنهم كانوا غير مترددين في إحالة وقوع البعث
( وإنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا [ 8 ] وإنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا [ 9 ] ) قرأ الجمهور ووافقهم أبو جعفر بكسر الهمزة . وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وحفص وخلف بفتح الهمزة عطفا على المجرور بالباء فيكون من عطفه على المجرور بالباء هو قوله ( فمن يستمع الآن يجد له شهبا رصدا )
والتأكيد ب ( إن ) في قولهم ( وإنا لمسنا السماء ) لغرابة الخبر باعتبار ما يليه من قوله ( وإنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع ) الخ
واللمس : حقيقة الجس باليد ويطلق مجازا على اختبار أمر لأن إحساس اليد أقوى إحساس فشبه به الاختبار عن طريق الاستعارة كما أطلق مرادفه وهو المس على الاختبار في قول يزيد بن الحكم الكلابي :
مسسنا من الآباء شيئا فكلنا ... إلى نسب في قومه غير واضع أي اختبرنا نسب آبائنا وآبائكم فكنا جميعا كرام الآباء
وملئت : مستعمل في معنى كثر فيها . وحقيقة الملء غمر فراغ المكان أو الإناء بما يحل فيه فأطلق هنا على كثرة الشهب والحراس على وجه الاستعارة
والحرس : اسم جمع للحراس ولا واحد له من لفظه مثل خدم وإنما يعرف الواحد منه بالحرسي . ووصف بشديد وهو مفرد نظرا إلى لفظ حرس كما يقال : السلف الصالح ولو نظر إلى ما يتضمنه من الآحاد لجاز أن يقال : شداد . والطوائف من الحرس أحراس
والشهب : جمع شهاب وهو القطعة التي تنفصل عن بعض النجوم فتسقط في الجو أو في الأرض أو البحر وتكون مضاءة عند انفصالها ثم يزول ضوؤها ببعدها عن مقابلة شعاع الشمس وتسمى الواحد منها عند علماء الهيئة نيزكا باسم الرمح القصير وقد تقدم الكلام عليها في أول سورة الصافات
صلى الله عليه و سلم عليه الصلاة و السلام والمعنى : إننا اختبرنا حال السماء لاستراق السمع فوجدناها كثيرة الحراس من الملائكة وكثيرة الشهب للرجم فليس في الآية ما يؤخذ منه أن الشهب لم تكن قبل بعث النبي صلى الله عليه و سلم كما ظنه الجاحظ فإن العرب ذكروا تساقط الشهب في بعض شعرهم في الجاهلية . كما قال في الكشاف وذكر شواهد من الشعر الجاهلي
نعم يؤخذ منها أن الشهب تكاثرت في مدة الرسالة المحمدية حفظا للقرآن من دسائس الشياطين كما دل عليه قوله عقبه ( وإنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا ) وسيأتي بيان ذلك
وهذا الكلام توطئة وتمهيد لقولهم بعده ( وإنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع ) إلى آخره إذ المقصود أن يخبروا من لا خبر عنده من نوعهم بأنهم قد تبينوا سبب شدة حراسة السماء وكثرة الشهب فإن المخبرين " بفتح الباء " يشاهدونه
وقوله ( وإنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع ) الخ قرأه بكسر الهمزة الذين قرأوا بالكسر قوله ( وإنا لمسنا السماء ) وبفتح الهمزة الذين قرأوا بالفتح وهذا من تمام قولهم ( وإنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا ) . وغنما أعيد معه كلمة ( وإنا ) للدلالة على أن الخبر الذي تضمنه هو المقصود وأن ما قبله للتوطئة له فإعادة ( وإنا ) توكيد لفظي
وحقيقة القعود الجلوس وهو ضد القيام أي هو جعل النصف الأسفل مباشرا للأرض مستقرا عليها وانتصاف النصف الأعلى . وهو هنا مجاز في ملازمة المكان زمنا طويلا لأن ملازمة المكان من لوازم القعود ومنه قوله تعالى ( واقعدوا لهم كل مرصد )
والمقاعد : جمع مقعد وهو مفعل للمكان الذي يقع فيه القعود وأطلق هنا على مكان الملازمة فإن القعود يطلق على ملازمة الحصول كما في قول امرؤ القيس :
" فقلت يمين الله أبرح قاعدا

(1/4586)


واللام في قوله ( للسمع ) لام العلة أي لأجل السمع أي لأن نسمع ما يجري في العالم العلوي من تصاريف الملائكة بالتكوين والتصريف ولعل الجن منساقون إلى ذلك بالجبلة كما تنساق الشياطين إلى الوسوسة وضمير ( منها ) للسماع
و ( من ) تبعيضية أي من ساحاتها وهو متعلق ب ( نقعد ) وليس المجرور حالة من ( مقاعد ) مقدما على صاحبه لأن السياق في الكلام على حالهم في السماع فالعناية بمتعلق فعل القعود أولى ونظيره قول كعب :
يمشي القراد عليها ثم يزلقه ... منها لبان وأقرب زهاليل فقوله ( منها ) متعلق بفعل ( يزلقه ) وليس حالا من ( لبان )
واعلم أنه قد جرى على قوله تعالى ( مقاعد للسمع ) مبحث في مباحث فصاحة الكلمات نسبه ابن الأثير في المثل السائر إلى ابن سنان الخفاجي فقال : إنه قد يجيء من الكلام ما معه قرينه فأوجب قبحه كقول الرضي في رثاء الصابي :
أعزز علي بأن أراك وقد خلا ... عن جانبيك مقاعد العواد فإن إيراد هذه اللفظة أي ( مقاعد ) في هذا الموضع صحيح إلا أنه يوافق ما يكره ذكره لا سيما وقد أضافه إلى من يحتمل إضافته " أي ما يكره " إليه وهم العواد . ولو انفرد لكان الأمر فيه سهلا . قال ابن الأثير : هذه اللفظة المعيبة في شعر الرضي قد جاءت في القرآن فجاءت حسنة مرضية في قوله تعالى ( تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال ) وقوله ( وانا كنا نقعد منها مقاعد للسمع ) ألا ترى أنها في هاتين الآيتين غير مضافة إلى من تقبح إضافتها إليه ولو قال الشاعر بدلا من مقاعد العواد مقاعد الزيارة لزالت تلك الهجنة اه . وأقوال : إن لمصطلحات الناس في استعمال الكلمات أثر في وقع الكلمات عند الأفهام
والفاء التي فرعت ( من يستمع الآن يجد له شهابا رصدا ) تفريع على محذوف دل عليه فعل ( كنا ) وترتب الشرط وجزائه عليه . وتقديره : كنا نقعد منها " أي من السماء " مقاعد للسمع فنستمع أشياء فمن يستمع الآن لا يتمكن من السماع
وكلمة ( الآن ) مقابل كلمة ( كنا ) أي كان ذلك ثم انقضى
وجيء بصيغة الشرط وجوابه في التفريع لأن الغرض تحذير إخوانهم من التعرض للاستماع لأن المستمع يتعرض لأذى الشهب
والجن لا تنكف عن ذلك لأنهم منساقون إليه بالطبع مع ما ينالهم من أذى الرجم والاحتراق شأن انسياق المخلوقات إلى ما خلقت له مثل تهافت الفراش على النار لاحتمال ضعف القوة المفكرة في الجن بحيث يغلب عليها الشهوة ونحن نرى البشر يقتحمون الأخطار والمهالك تبعا للهوى مثل مغامرات الهواة في البحار والجبال والثلوج
ووقوع ( شهابا ) في سياق الشرط يفيد العموم لأن سياق الشرط بمنزلة سياق النفي في إفادة عموم النكرة
صلى الله عليه و سلم عليه الصلاة و السلام والرصد : اسم جمع راصد وهو الحافظ للشيء وهو وصف ل ( شهابا ) أي شهبا راصدة ووصفها بالرصد استعارة شبهت بالحراس الراصدين . وهذا إشارة إلى انقراض الكهانة إذ الكاهن يتلقى من الجني أنباء مجملة بما يتلقفه الجني من خبر الغيب تلقف اختطاف ناقصا فيكمله الكاهن بحدسه بما يناسب مجاري أحوال قومه وبلده . وفي الحديث " فيزيد على تلك الكلمة مائة كذبة "
وأما اتصال نفوس الكهان بالنفوس الشيطانية فيجوز أن يكون من تناسب بين النفوس ومعظمه أوهام . وسئل رسول الله صلى الله عليه و سلم عن الكهان فقال " ليسوا بشيء "
أخرج البخاري عن ابن عباس قال " كان الجن يستمعون الوحي " أي وحي الله إلى الملائكة بتصاريف الأمور " فلما بعث رسول الله صلى الله عليه و سلم منعوا قالوا : ما هذا إلا لأمر حدث فضربوا في الأرض يتحسسون السبب فلما وجدوا رسول الله قائما يصلي بمكة قالوا : هذا الذي حدث في الأرض فقالوا لقومهم : ( إنا سمعنا قرآنا عجبا ) الآية وأنزل على نبيه ( قل أوحي أنه استمع نفر من الجن ) وإنما أوحي إليه قول الجن اه
ولعل كيفية حدوث رجم الجن بالشهب كان بطريقة تصريف الوحي إلى الملائكة في مجار تمر على مواقع انقضاض الشهب حتى إذا اتصلت قوى الوحي بموقع أحد الشهب انفصل الشهاب بقوة ما يغطه من الوحي فسقط مع مجرى الوحي ليحرسه من اقتراب المسترق حتى يبلغ إلى الملك الموحى إليه فلا يجد في طريقه قوة شيطانية أو جنية إلا أحرقها وبخرها فهلكت أو استطيرت وبذلك بطلت الكهانة وكان ذلك من خصائص الرسالة المحمدية

(1/4587)


( وإنا لاندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا [ 10 ] ) قرأه الجمهور وأبو جعفر بكسر الهمزة وهو ظاهر المعنى . وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وحفص وخلف بفتحها عطفا على المجرور بالباء كما تقدم فيكون المعنى : وآمنا بأنا انتفى علمنا بما يراد بالذين في الأرض أي الناس أي لأنهم كانوا يسترقون علم ذلك فلما حرست السماء انقطع علمهم بذلك . هذا توجيه القراءة بفتح همزة ( أنا ) ومحاولة غير هذا تكلف
وهذه نتيجة ناتجة عن قولهم ( وإنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع ) الخ لأن ذلك السمع كان لمعرفة ما يجري به الأمر من الله للملائكة ومما يخبرهم به مما يريد إعلامهم به فكانوا على علم من بعض ما يتلقفونه فلما منعوا السمع صاروا لا يعلمون شيئا من ذلك فأخبروا إخوانهم بهذا عساهم أن يعتبروا بأسباب هذا التغير فيؤمنوا بالوحي الذي حرسه الله من أن يطلع عليه أحد قبل الذي يوحى به إليه والذي يحمله إليه
فحاصل المعنى : إنا الآن لا ندري ماذا أريد بأهل الأرض من شر أو خير بعد أن كنا نتجسس الخبر في السماء
وهذا تمهيد لما سيقولونه من قولهم ( وإنا منا الصالحون ) ثم قولهم ( وإنا ظننا أن لن نعجز الله في الأرض ) ثم قولهم ( وإنا لما سمعنا الهدى آمنا به ) إلى قوله ( فكانوا لجهنم حطبا )
ومفعول ( ندري ) هو ما دل عليه الاستفهام بعده من قوله ( أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا ) وهو الذي علق فعل ( ندري ) عن العمل . والاستفهام حقيقي وعادة المعربين لمثله أن يقدروا مفعولا يستخلص من الاستفهام تقديره : لا ندري جواب هذا الاستفهام وذلك تقدير معنى لا تقدير إعراب . هذا هو تفسير الآية على المعنى الأكمل وهي من قبيل قوله تعالى ( وما أدري ما يفعل بي ولا بكم )
وليس المراد منها فيما نرى أنهم ينفون أن يعلموا ماذا أراد الله بهذه الشهب فإن ذلك لا يناسب ما تقدم من أنهم آمنوا بالقرآن إذ قالوا ( إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد فآمنا به ) وقولهم ( فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا ) فذلك صريح في أنهم يدرون أن الله أراد بمن في الأرض خيرا بهذا الدين وبصرف الجن عن استراق السمع
وتكرير ( إن ) واسمها للتأكيد لكون هذا الخبر معرضا لشك السامعين من الجن الذين لم يختبروا حراسة السماء
والرشد : إصابة المقصود النافع وهو وسيلة للخير فلهذا الاعتبار جعل مقابلا للشر وأسند فعل إرادة الشر إلى المجهول ولم يسند إلى الله تعالى مع أن مقابلة أسند إليه بقوله ( أم أراد بهم ربهم رشدا ) جريا على واجب الأدب مع الله تعالى في تحاشي إسناد الشر إليه
( وإنا منا الصالحون ومنا دون ذلك كنا طرائق قددا [ 11 ] ) صلى الله عليه و سلم عليه الصلاة و السلام قرأ الجمهور وأبو جعفر بكسر الهمزة . وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وحفص وخلف بفتحها وهو من قول الجن
وقراءة فتح الهمزة عطف على المجرور بالباء أي آمنا بأنا منا الصالحون أي أيقنا بذلك وكنا في جهالة عن ذلك
ظهرت عليهم آثار التوفيق فعلموا أنهم أصبحوا فريقين فريق صالحون وفريق ليس بصالحين وهم يعنون بالصالحين أنفسهم وبمن دون الصلاح بقية نوعهم فلما قاموا مقام دعوة إخوانهم إلى اتباع طريق الخير لم يصارحوهم بنسبتهم إلى الإفساد بل ألهموا وقالوا منا الصالحون ثم تلطفوا فقالوا : ومنا دون ذلك الصادق بمراتب متفاوتة في الشر والفساد ليتطلب المخاطبون دلائل التمييز بين الفريقين على أنهم تركوا لهم احتمال أن يعنى بالصالحين الكاملون في الصلاح فيكون المعني بمن دون ذلك من هم دون مرتبة الكمال في الصلاح وهذا من بليغ العبارات في الدعوة والإرشاد إلى الخير
ودون : اسم بمعنى ( تحت ) وهو ضد فوق ولذلك كثر نصبه على الظرفية المكانية أي في مكان منحط من الصالحين
والتقدير : ومنا فريق في مرتبة دونهم
وظرفية ( دون ) مجازية . ووقع الظرف هنا ظرفا مستقرا في محل الصفة لموصوف محذوف تقديره : فريق كقوله تعالى ( وما منا إلا له مقام معلوم ) ويطرد حذف الموصوف إذا كان بعض اسم مجرور بحرف ( من ) مقدم عليه وكانت الصفة ظرفا كما هنا أو جملة كقول العرب : منا ظعن ومنا مقام
وقوله ( كنا طرائق قددا ) تشبيه بليغ شبه تخالف الأحوال والقائد بالطرائق تفضي كل واحدة منها إلى مكان لا تفضي إليه الأخرى

(1/4588)


وطرائق : جمع طريقة والطريقة هي الطريق ولعلها تختص بالطريق الواسع الواضح لأن التاء للتأكيد مثل دار ودارة ومثل مقام ومقامة ولذلك شبه بها أفلاك الكواكب في قوله تعالى ( ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق ) ووصفت بالمثلى في قوله ( ويذهبا بطريقتكم المثلى )
ووصف ( طرائق ) ب ( قددا ) وهو اسم جمع قدة بكسر القاف وتشديد الدال والقدة : القطعة من جلد ونحوه المقطوعة طولا كالسير شبهت الطرائق في كثرتها بالقدد المقتطعة من الجلد يقطعها صانع حبال القد كانوا يقيدون بها الأسرى
والمعنى : أنهم يدعون إخوتهم إلى وحدة الاعتقاد باقتفاء هدى الإسلام فالخبر مستعمل في التعريض بذم الاختلاف بين القوم وأن على القوم أن يتحدوا ويتطلبوا الحق ليكون اتحادهم على الحق
وليس المقصود منه فائدة الخبر لأن المخاطبين يعلمون ذلك والتوكيد ب ( إن ) متوجهة إلى المعنى التعريضي
( وإنأ ظننا أن لن نعجز الله في الأرض ولن نعجزه هربا [ 12 ] ) قرأ الجمهور وأبو جعفر بكسر همزة ( وإنا ) . وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وحفص وخلف بفتحها عطفا على المجرور في قوله ( فآمنا به ) . والتقدير : وآمنا بأن لن نعجز الله في الأرض . وذكر فعل ( ظننا ) تأكيد لفظي لفعل ( آمنا ) المقدر بحرف العطف لأن الإيمان يقين وأطلق الظن هنا على اليقين وهو إطلاق كثير
لما كان شأن الصلاح أن يكون مرضيا عند الله تعالى وشأن ضده بعكس ذلك كما قال تعالى ( والله لا يحب الفساد ) أعقبوا لتعريض الإقلاع عن ضد الصلاح بما يقتضي أن الله قد أعد لغير الصالحين عقابا فأيقنوا أن عقاب الله لا يفلت من أحد استحقه . وقدموه على الأمر بالإيمان الذي في قوله ( وإنا لما سمعنا الهدى ) الآية لأن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح والتخلية مقدمة على التحلية وقد استفادوا علم ذلك مما سمعوا من القرآن ولم يكونوا يعلمون ذلك من قبل إذ يكونوا مخاطبين بتعليم في أصول العقائد فلما ألهمهم الله لاستماع القرآن وعلموا أصول العقائد حذروا إخوانهم اعتقادا الشرك ووصف الله بما يليق به لأن الاعتقاد الباطل لا يقره الإدراك المستقيم بعد تنبيهه لبطلانه وقد جعل الله هذا النفر من الجن نذيرا لإخوانهم ومرشدا إلى الحق الذي أرشدهم إليه القرآن وهذا لا يقتضي أن الجن مكلفون بشرائع الإسلام
وأما قوله تعالى ( ولقد ذرأنا لجنهم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ) الآية فقد أشار إلى أن عقابهم على الكفر والإشراك أو أريد بالجن الشياطين فإن الشياطين من جنس الجن
والإعجاز : جعل الغير عاجزا أي غير قادر عن أمر بذكر مع ما يدل على العجز وهو هنا كناية عن الإفلات والنجاة كقول إياس بن قبيصة الطائي :
ألم تر أن الأرض رحب فسيحة ... فهل تعجزني بقعة من بقاعها صلى الله عليه و سلم عليه الصلاة و السلام أي لا تفوتني ولا تخرج عن مكنتي
وذكر ( في الأرض ) يؤذن بأن المراد بالهرب في قوله ( ولن نعجزه هربا ) الهرب من الرجم بالشهب أي لا تطمعوا أن تسترقوا السمع فإن رجم الشهب في السماء لا يخطئكم فابتدأوا الإنذار من عذاب الدنيا استنزالا لقومهم
ويجوز أن يكون ( نعجز ) الأول بمعنى مغالب كقوله تعالى ( فما هم بمعجزين ) أي لا يغلبون قدرتنا ويكون ( في الأرض ) مقصودا به تعميم الأمكنة كقوله تعالى ( وما أنتم بمعجزين في الأرض ) أي في مكان كنتم . والمراد : أنا لا نغلب الله بالقوة . ويكون ( نعجز ) الثاني بمعنى الإفلات ولذلك بين ب ( هربا ) والهرب مجاز في الانفلات مما أراد الله إلحاقه بهم من الرجم والاحتراق
والظن هنا مستعمل في اليقين بقرينة تأكيد المضنون بحرف ( لن ) الدال على تأييد النفي وتأكيده
( وإن لما سمعنا الهدى آمنا به فمن يؤمن بربه فلا يخاف بخسا ولا رهقا [ 13 ] ) قرأ الجمهور وأبو جعفر بكسر الهمزة . وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وحفص وخلف بفتحها عطفا على المجرور في قوله ( فآمنا به )
والمقصود بالعطف قوله ( فمن يؤمن بربه فلا يخاف بخسا ولا رهقا ) وأما جملة ( لما سمعنا الهدى آمنا به ) فتوطئة لذلك

(1/4589)


بعد أن ذكروا قومهم بعذاب الله في الدنيا أو اطمأنوا بتذكر ذلك في نفوسهم عادوا إلى ترغيبهم في الإيمان بالله وحده وتحذيرهم من الكفر بطريق المفهوم . وأريد بالهدى القرآن إذ هو المسموع لهم ووصفوه بالهدى للمبالغة في أنه هاد
ومعنى ( يؤمن بربه ) أي بوجوده وانفراده بالإلهية كما يشعر به إحضار اسمه بعنوان الرب إذ الرب هو الخالق فما لا يخلق لا يعبد
وجملة ( فمن يؤمن بربه فلا يخاف بخسا ولا رهقا ) يجوز أن تكون من القول المحكي عن الجن . ويجوز أن تكون كلاما من الله موجها للمشركين وهي معترضة بين الجملتين المتعاطفتين
والبخس : الغبن في الأجر ونحوه
والرهق : الإهانة أي لا يخشى أن يبخس في الجزاء على إيمانه ولا أن يهان . وفهم منه أن من لا يؤمن يهان بالعذاب . والخلاف في كسر همزة ( إنا ) وفتحها كالخلاف في التي قبلها
وجملة ( فلا يخاف بخسا ولا رهقا ) جواب لشرط ( من ) جعلت بصورة الجملة الاسمية فقرنت بالفاء مع أن ما بعد الفاء فعل وشأن جواب الشرط أن لا يقترن بالفاء إلا إذا كان غير صالح لأن يكون فعل الشرط فكان اقترانه بالفاء وهو فعل مضارع مشيرا إلى إرادة جعله خبر مبتدأ محذوف بحيث تكون الجملة اسمية والاسمية تقترن بالفاء إذا وقعت جواب شرط فكان التقدير هنا : فهو لا يخاف ليكون دالا على تحقيق سلامته من خوف البخس والرهق وليدل على اختصاصه بذلك دون غيره الذي لا يؤمن بربه فتقدير المسند إليه قبل الخبر الفعلي يقتضي التخصيص تارة والتقوي أخرى وقد يجتمعان كما تقدم في قوله تعالى ( الله يستهزئ بهم ) . واجتمعا هنا كما أشار إليه في الكشاف بقوله : فكان دالا على تحقيق أن المؤمن ناج لا محالة وأنه هو المختص بذلك دون غيره . وكلام الكشاف اقتصر على بيان مزية الجملة الاسمية وهو يقتضي توجيه العدول عن جزم الفعل لأجل ذلك
وقد نقول : إن العدول عن تجريد الفعل من الفاء وعن جزمه لدفع إيهام أن تكون ( لا ) ناهية فهذا العدول صراحة في إرادة الوعد دون احتمال إرادة النهي
وفي شرح الدماميني على التسهيل أن جواب الشرط إذا كان فعلا منفيا ب ( لا ) يجوز الاقتران بالفاء وتركه . ولم أره لغيره وكلام الكشاف يقتضي أن الاقتران بالفاء واجب إلا إذا قصدت مزية أخرى
( وإنا منا المسلمون ومنا القاسطون ) قرأ الجمهور وأبو جعفر بكسر الهمزة . وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وحفص وخلف بفتحها وهو من قول الجن وهو عطف على المجرور بالباء . والمقصود بالعطف قوله ( فمن أسلم فأولئك تحروا رشدا ) وما قبله توطئة له أي أصبحنا بعد سماع القرآن منا المسلمون أي الذين اتبعوا ما جاء به الإسلام مما يليق بحالهم ومنا القاسطون أي الكافرون المعرضون وهذا تفصيل لقولهم ( وإنا منا الصالحون ومنا دون ذلك ) لأن فيه تصريحا بأن دون ذلك هو ضد الصلاح
والظاهر أن من منتهى ما حكي عن الجن من المدركات التي عبر عنها بالقول وما عطف عليه
( فمن أسلم فأولئك تحروا رشدا [ 14 ] وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا [ 15 ] ) صلى الله عليه و سلم عليه الصلاة و السلام الظاهر أن هذا خارج عن الكلام المحكي عن الجن وأنه كلام من جانب الله تعالى لموعظة المشركين من الناس فهو في معنى التذييل . وإنما قرن بالفاء لتفريعه على القصة لاستغلال العبرة منها فالتفريع تفريع كلام على كلام وليس تفريع معنى الكلام على معنى الكلام الذي قبله
والتحري : طلب الحرا بفتحتين مقصورا واويا وهو الشيء الذي ينبغي أن يفعل يقال : بالحري أن تفعل كذا وأحرى أن تفعل
والرشد : الهدى والصواب وتنوينه للتعظيم
والمعنى : أن من آمن بالله فقد توخى سبب النجاة وما يحصل به الثواب لأن الرشد سبب ذلك
والقاسط : اسم فاعل قسط من باب ضرب قسطا بفتح القاف وقسوطا بضمها أي جار فهو كالظلم يراد به ظلم المرء نفسه بالإشراك . وفي الكشاف : أن الحجاج قال لسعيد بن جبير حين أراد قتله ما تقول في ؟ قال : قاسط عادل فقال القوم ما أحسن ما قال ! حسبوا أنه وصفه بالقسط " بكسر القاف " والعدل فقال الحجاج : يا جهلة إنه سماني ظالما مشركا وتلا لهم قوله تعالى ( وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا ) وقوله تعالى ( ثم الذين كفروا بربهم يعدلون ) اه

(1/4590)


وشبه حلول الكافرين في جهنم بحلول الحطب في النار على طريقة التمليح والتحقير أي هم لجهلهم كالحطب الذي لا يعقل كقوله تعالى ( فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة )
وإقحام فعل ( كانوا ) لتحقيق مصيرهم إلى النار حتى كأنهم كانوا كذلك من زمن مضى
( وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا [ 16 ] لنفتنهم فيه ومن يعرض عن ذكر ربه نسلكه عذابا صعدا [ 17 ] ) أتفق القراء العشرة على فتح همزة ( أن لو استقاموا ) فجملة ( أن لو استقاموا ) معطوفة على جملة ( أنه استمع نفر من الجن ) والواو من الحكاية لا من المحكي فمضمونها شأن ثان مما أوحي إلى النبي صلى الله عليه و سلم وأمره الله أن يقوله للناس . والتقدير : وأوحي إلي أنه لو استقام القاسطون فأسلموا لما أصابهم الله بإمساك الغيث
و ( أن ) مخففة من الثقيلة وجيء ب ( أن ) المفتوحة الهمزة لأن ما بعدها معمول لفعل ( أوحي ) فهو في تأويل المصدر واسمها محذوف وهو ضمير الشأن وخبره ( لو استقاموا ) إلى آخر الجملة . وسبك الكلام : أوحي إلي إسقاء الله إياهم ماء في فرض استقامتهم
وضمير ( استقاموا ) يجوز أن يعود إلى القاسطين بدون اعتبار القيد بأنهم من الجن وهو من عود الضمير إلى اللفظ مجردا عن ما صدقه كقولك : عندي درهم ونصفه أي نصف درهم آخر
ويجوز أن يكون عائدا إلى غير مذكور في الكلام ولكنه معروف من المقام إذ السورة مسوقة للتنبيه على عناد المشركين وطعنهم في القرآن فضمير ( استقاموا ) عائد إلى المشركين وذلك كثير في ضمائر الغيبة التي في القرآن وكذلك أسماء الإشارة كما تنبهنا إليه ونبهنا عليه ولا يناسب أن يعاد على القاسطين من الجن إذ لا علاقة للجن بشرب الماء
والاستقامة على الطريقة : استقامة السير في الطريق وهي السير على بصير بالطريق دون اعوجاج ولا اغترار ببنيات الطريق
والطريقة : الطريق ولعلها خاصة بالطريق الواسع الواضح كما تقدم آنفا في قوله ( كنا طرائق قددا )
والاستقامة على الطريقة تمثيل لهيئة المتصف بالسلوك الصالح والاعتقاد الحق بهيئة السائر سيرا مستقيما على طريقة ولذلك فالتعريف في ( الطريقة ) للجنس لا للعهد
وقوله ( لأسقيناهم ماء غدقا ) : وعد بالجزاء على الاستقامة في الدين جزاءا حسنا في الدنيا يكون عنوانا على رضى الله تعالى وبشارة بثواب الآخرة قال تعالى ( من عمل صالحا من ذكرا أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون )
صلى الله عليه و سلم عليه الصلاة و السلام وفي هذا إنذار بأنه يوشك أن يمسك عنهم المطر فيقعوا في القحط والجوع وهو ما حدث عليهم بعد هجرة النبي صلى الله عليه و سلم إلى المدينة ودعائه عليهم بسنين كسني يوسف فإنه دعا بذلك في المدينة في القنوت كما في حديث الصحيحين عن أبي هريرة وقد بينا ذلك في سورة الدخان . وقد كانوا يوم نزول هذه الآية في بحبوة من العيش وفي نخيل وجنات فكان جعل ترتب الإسقاء على الاستقامة على الطريقة كما اقتضاه الشرط بحرف ( لو ) مشيرا إلى أن المراد : لأدمنا عليهم الإسقاء بالماء الغدق وإلى أنهم ليسوا بسالكين سبيل الاستقامة فيوشك أن يمسك عنهم الري ففي هذا إنذار بأنهم إن استمروا على اعوجاج الطريقة أمسك عنهم الماء . وبذلك يتناسب التعليل بالإفتان في قوله ( لنفتنهم فيه ) مع الجملة السابقة إذ يكون تعليلا لما تضمنه معنى إدامة الإسقاء فإنه تعليل للإسقاء الموجود حين نزول الآية وليبس تعليلا للإسقاء المفروض في جواب ( لو ) لأن جواب ( لو ) منتف فلا يصلح لأن يعلل به وإنما هم مفتونون بما هم فيه من النعمة فأراد الله أن يوقظ قلوبهم بأن استمرار النعمة عليهم فتنة لهم فلا تغرنهم . فلام التعليل في قوله ( لنفتنهم فيه ) ظرف مستقر في موضع الحال من ( ماء غدقا ) وهو الماء الجاري لهم في العيون ومن السماء تحت جناتهم وفي زروعهم فهي حال متقاربة
وبهذا التفسير تزول الحيرة في استخلاص معنى الآية وتعليلها
والغدق : بفتح الغين المعجمة وفتح الدال الماء الغزير الكثير
وجملة ( لنفتنهم فيه ) إدماج فهي معترضة بين جملة ( وأن لو استقاموا على الطريقة ) الخ وبين جملة ( ومن يعرض عن ذكر ربه ) الخ

(1/4591)


ثم اكدت الكناية عن الإنذار المأخوذة من قوله ( وأن لو استقاموا على الطريق لأسقيناهم ) الآية بصريح الإنذار بقوله ( ومن يعرض عن ذكر ربه نسلكه عذابا صعدا ) أي فإن أعرضوا أنقلب حالهم إلى العذاب فسلكنا بهم مسالك العذاب
والسلك : حقيقته الإدخال وفعله قاصر ومتعد يقال : سلكه فسلك قال الأعشى :
" كما سلك السكي في الباب فيتق أي أدخل المسمار في الباب نجار
وتقدم عند قوله تعالى ( كذلك نسلكه في قلوب المجرمين ) في سورة الحجر
واستعمل السلك هنا في معنى شدة وقوع الفعل على طريق الاستعارة وهي استعارة عزيزة . والمعنى : نعذبه عذابا لا مصرف عنه
وانتصب ( عذابا ) على نزع الخافض وهو حرف الظرفية وهي ظرفية مجازية تدل على أن العذاب إذا حل به يحيط به إحاطة الظرف بالمظروف
والعدول عن الإضمار إلى الإظهار في قوله ( عن ذكر ربه ) دون أن يقول : عن ذكرنا أو عن ذكري لاقتضاء الحال الإيماء إلى وجه بناء الخبر فإن المعرض عن ربه الذي خلقه وأنشأه ودبره حقيق بأن يسلك عذابا صعدا
والصعد : الشاق الغالب وكأنه جاء من مصدر صعد كفرح إذا علا وأرتفع أي صعد على مفعوله وغلبه كما يقال : علاه بمعنى تمكن منه ( وأن لا تعلوا على الله )
وقرأ الجمهور ( نسلكه ) بنون العظمة ففيه التفات . وقرأه عاصم وحمزة والكسائي ويعقوب وخلف يسلكه بياء الغائب فالضمير المستتر يعود إلى ربه
( وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا [ 18 ] ) اتفق القراء العشرة على فتح الهمزة في ( وأن المساجد لله ) فهي معطوفة على مرفوع ( أوحي إلي أنه أستمع نفر من الجن ) ومضمونها مما أوحي به إلى النبي صلى الله عليه و سلم وأمر بأن يقوله . والمعنى : قل أوحي إلي أن المساجد لله فالمصدر المنسبك مع ( أن ) واسمها وخبرها نائب فاعل ( أوحي )
والتقدير : أوحي إلي اختصاص المساجد بالله أي بعبادته لأن بناءها إنما كان ليعبد الله فيها وهي معالم التوحيد
وعلى هذا الوجه حمل سيبويه الآية وتبعه أبو علي بالحجة
وذهب الخليل أن الكلام على حذف لام جر قبل ( أن ) فالمجرور مقدم على متعلقه للاهتمام . والتقدير : ولأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا
واللام في قوله ( الله ) للاستحقاق أي الله مستحقها دون الأصنام والأوثان فمن وضع الأصنام في مساجد الله فقد اعتدى على الله
والمقصود هنا هو المسجد الحرام لأن المشركين كانوا وضعوا فيه الأصنام وجعلوا الصنم ( هبل ) على سطح الكعبة قال تعالى ( ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها ) يعني بذلك المشركين من قريش
صلى الله عليه و سلم عليه الصلاة و السلام وهذا توبيخ للمشركين على اعتدائهم على حق الله وتصرفهم فيما ليس لهم أن يغيروه قال تعالى ( وهم يصدون عن المسجد الحرام وما كانوا أولياءه ) وإنما عبر في هذه الآية وفي آية ( ومن أظلم ممن منع مساجد الله ) بلفظ ( مساجد ) ليدخل الذين يفعلون مثل فعلهم معهم في هذا الوعيد ممن شاكلهم ممن غيروا المساجد أو لتعظيم المسجد الحرام . كما جمع ( رسلي ) في قوله ( فكذبوا رسلي فكيف كان نكير ) على تقدير أن يكون ضمير ( كذبوا ) عائد إلى ( الذين كفروا ) في قوله ( وقال الذين كفروا للحق لما جاءهم إن هذا إلا سحر مبين ) أي كذبوا رسولي
ومنه قوله تعالى ( وقوم نوح لما كذبوا الرسل أغرقناهم ) يريد نوحا وهو أول رسول فهو مقصود بالجمع
وفرع على اختصاص كون المساجد بالله النهي عن أن يدعوا مع الله أحدا وهذا إلزام لهم بالتوحيد بطريق القول بالموجب لأنهم كانوا يزعمون أنهم أهل بيت الله فعبادتهم غير الله منافية بزعمهم ذلك
( وإنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا [ 19 ] قال إنما أدعوا ربي ولا أشرك به أحدا [ 20 ] ) قرأ نافع وحده وأبو بكر عن عاصم بكسر الهمزة . وقرأه بقية العشرة في رواياتهم المشهورة بالفتح
ومآل القراءتين سواء في كون هذا خارجا عما صدر عن الجن وفي كونه مما أوحى الله به

(1/4592)


فكسر الهمزة على عطف الجملة على جملة ( أوحي إلي ) والتقدير : وقل أنه لما قام عبد الله يدعوه بأن همزة ( إن ) إذا وقعت في محكي في القول تكثر ولا يليق أن يجعل من حكاية مقالة الجن لأن ذلك قد انقضى وتباعد ونقل الكلام إلى أغراض أخرى ابتداء من قوله ( وأن المساجد لله )
وأما الفتح فعلى اعتباره معطوف على جملة ( إنه استمع نفر ) أي وأوحي إلي أنه لما قام عبد الله أي أوحى الله إلي اقتراب المشركين من أن يكونوا لبدا على عبد الله لما قام يدعو ربه
وضمير ( إنه ) ضمير الشأن وجملة ( لما قام عبد الله ) إلى آخرها خبره
وضمير ( كادوا يكونون ) عائدان إلى المشركين المنبئ عنهم المقام غيبة وخطابا ابتداء من قوله ( وأن لو استقاموا على الطريقة ) إلى قوله ( فلا تدعو مع الله أحدا )
و ( عبد الله ) هو محمد صلى الله عليه و سلم وضع الاسم الظاهر موضع المضمر إذ مقتضى الظاهر أن يقال : وأنه لما قمت تدعو الله كادوا يكونون عليك أو لما قمت أدعو الله كادوا يكونون علي . ولكن عدل إلى الاسم الظاهر لقصد تكريم النبي صلى الله عليه و سلم بوصف ( عبد الله ) لما في هذه الإضافة من التشريف مع وصف ( عبد ) كما تقدم غير مرة منها عند قوله ( سبحان الذي أسرى بعبده )
و ( لبدا ) بكسر اللام وفتح الموحدة اسم جمع : لبدة وهي ما تلبد بعضه على بعض ومنه لبدة الأسد للشعر المتراكم في رقبته
والكلام على التشبيه أي كاد المشركون يكونون مثل اللبد متراصين مقتربين منه يستمعون قراءته ودعوته إلى توحيد الله . وهو التفاف غيض وغضب وهم بالأذى كما يقال : تألبوا عليه
ومعنى ( قام ) : اجتهد في الدعوة إلى الله كقوله تعالى ( إذ قاموا فقالوا ربنا رب السماوات والأرض ) في سورة الكهف وقال النابغة :
بأن حصنا وحيا من بني أسد ... قاموا فقالوا حمانا من غير مقروب وقد تقدم عن قوله تعالى ( ويقيمون الصلاة ) في أول سورة البقرة
ومعنى قيام النبي صلى الله عليه و سلم إعلانه بالدعوة وظهور دعوته قال جزء بن كليب الفقعسي :
فلا تبغينها يا بن كوز فإنه ... غذا الناس مذ قام النبي الجواريا أي قام يعبد الله وحده كما دل عليه بيانه بقوله بعده ( قال إنما أدعو ربي ولا أشرك به أحدا ) فهم لما لم يعتادوا دعاء غير الأصنام تجمعوا لهذا الحدث العظيم عليهم وهو دعاء محمد صلى الله عليه و سلم الله تعالى
وجملة ( قل إنما أدعو ربي ولا أشرك بربي أحدا ) بيان لجملة ( يدعوه )
وقرأ الجمهور ( قال ) بصيغة المضي . وقرأه حمزة وعاصم وأبو جعفر ( قل ) بدون ألف على صيغة الأمر فتكون الجملة استئنافا . والتقدير : أوحي إلي أنه لما قام عبد الله إلى آخره قل إنما أدعو ربي فهو من تمام ما أوحي به إليه
و ( إنما أدعو ربي ) يفيد قصرا إلى أدعو غيره أي لا أعبد غيره دونه
وعطف عليه ( ولا أشرك به أحدا ) تأكيدا لمفهوم القصر وأصله أن لا يعطف فعطفه لمجرد التشريك للعناية باستقلاله بالإبلاغ
صلى الله عليه و سلم عليه الصلاة و السلام ( قل إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا [ 21 ] قل إني لن يجيرني من الله أحد ولن أجد من دونه ملتحدا [ 22 ] إلا بلاغا من الله ورسالاته ) هذا استئناف ابتدائي وهو انتقال من ذكر ما أوحي به إلى النبي صلى الله عليه و سلم إلى توجيه خطاب مستأنف إليه فبعد أن حكي في هذه السورة ما أوحى الله إلى رسوله صلى الله عليه و سلم مما خفي عليه من الشؤون المتعلقة به من اتباع متابعين وإعراض معرضين انتقل إلى تلقينه ما يرد على الذين أظهروا له العناد والتورك
ويجوز أن يكون ( قل ) إني لا أملك الخ تكريرا لجملة ( قل إنما أدعو ربي ) على قراءة حمزة وعاصم وأبي جعفر
والضر : إشارة إلى ما يتوركون به من طلب إنجاز ما يتوعدهم بن من النصر عليهم
وقوله ( ولا رشدا ) تتميم
وفي الكلام احتباك لأن الضر يقابله النفع والرشد يقابله الضلال فالتقدير : لا أملك لكم ضرا ولا نفعا ولا ضلالا ولا رشدا
والرشد بفتحتين : مصدر رشد والرشد بضم فسكون : الاسم وهو معرفة الصواب وقد تقدم قريبا في قوله ( يهدي إلى الرشد )

(1/4593)


وتركيب لا أملك لكم معناه : لا أقدر قدرة لأجلكم على ضر ولا نفع وقد تقدم عند قوله تعالى ( وما أملك لك من الله من شيء ) في سورة الممتحنة وتقدم أيضا في سورة الأعراف
وجملتا ( قل إني لن يجيرني ) إلى ( ملتحدا ) معترضتان بين المستثني منه والمستثنى وهو اعتراض رد لما يحاولونه منه أن يترك ما يؤذيهم فلا يذكر القرآن إبطال معتقدهم وتحقير أصنامهم قال تعالى ( وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا أئت بقرآن غير هذا أو بدله قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن اتبع إلا ما يوحى إلي إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم )
والملتحد : اسم مكان الالتحاد والالتحاد : المبالغة في اللحد وهو العدول إلى مكان غير الذي هو فيه والأكثر أن يطلق ذلك على اللجأ أي العياذ بمكان يعصمه . والمعنى : لن أجد مكانا يعصمني
و ( من دونه ) حال من ( ملتحدا ) أي ملتحدا كائنا من دون الله أي بعيدا عن الله غير داخل من ملكوته فإن الملتحد مكان فلما وصف بأنه من دون الله كان المعنى أنه مكان من غير الأمكنة في ملك الله وذلك متعذر ولهذا جاء لنفي وجدانه حرف ( لن ) الدال على تأييد النفي
و ( من ) في قوله ( من دونه ) مزيدة جارة للظرف وهو ( دون )
وقوله ( إلا بلاغا من الله ورسالاته ) استثناء منقطع من ( ضرا ) و ( رشدا ) وليس متصلا لأن الضر والرشد المنيفين في قوله ( لا أملك لكم ضرا ولا رشدا ) هما الضر والرشد الواقعان في النفس بالإلجاء
ويجوز أن يكون مع ذلك استثناء من ( ملتحدا ) أي بتأويل ( ملتحدا ) بمعنى : مخلص أو مأمن
وهذا الاستثناء من أسلوب تأكيد الشيء بما يشبه ضه
والبلاغ : اسم مصدر بلغ أي أوصل الحديث أو الكلام ويطلق على الكلام المبلغ من إطلاق المصدر على المفعول مثل ( هذا خلق الله )
ومن ابتدائية صفة ( بلاغا ) أي بلاغا كائنا من جانب الله أي إلا كلاما أبلغه من القرآن الموحى من الله
ورسالاته : جمع رسالة : وهي ما يرسل من كلام أو كتاب فالرسالات بلاغ خاص بألفاظ مخصوصة فالمراد منها هنا تبليغ القرآن
( ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدا [ 23 ] ) لما كان قوله ( قال إنما أدعو ربي ولا أشرك به أحدا ) إلى هنا كلاما متضمنا أنهم أشركوا وعاندوا الرسول صلى الله عليه و سلم حين دعاهم إلى التوحيد واقترحوا عليه ما توهموه تعجيزا له من ضروب الاقتراح أعقب ذلك بتهديدهم ووعيدهم بأنهم إن داموا على عصيان الله ورسوله سيلقون نار جهنم لأن كل من يعصي الله ورسوله كانت له نار جهنم
و ( من ) شرطية وجواب الشرط قوله ( فإن له نار جهنم )
( حتى إذا رأوا ما يوعدون فسيعلمون من أضعف ناصرا وأقل عددا [ 24 ] ) صلى الله عليه و سلم عليه الصلاة و السلام كانوا إذا سمعوا آيات الوعد بنصر الرسول صلى الله عليه و سلم والمسلمين في الدنيا والآخرة وآيات الوعيد للمشركين بالانهزام وعذاب الآخرة وعذاب الدنيا استسخروا من ذلك وقالوا : وما نحن بمعذبين ويقولون : متى هذا الوعد إن كنتم صادقين وقالوا : ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب فهم مغرورون بالاستدراج والإمهال فلذلك عقب وعيدهم بالغاية المفادة من ( حتى ) فالغاية هنا متعلقة بمحذوف يدل عليه الكلام من سخرية الكفار من الوعيد واستضعافهم المسلمين في العدد والعدد فإن ذلك يفهم منه أنهم لا يزالون يحسبون أنهم غالبون فائزون حتى إذا رأوا ما يوعدون تحققوا إخفاق آمالهم
و ( حتى ) هنا ابتدائية وكلما دخلت ( حتى ) في جملة مفتتحة ب ( إذا ) ف ( حتى ) للابتداء وما بعدها جملة ابتدائية . وذهب الأخفش وابن مالك إلى أن ( حتى ) في مثله جارة وأن ( إذا ) في محل جر وليس ببعيد
و ( إذا ) اسم زمان للمستقبل مضمن معنى الشرط وهو في محل نصب بالفعل الذي في جوابه وهو ( فسيعلمون )
وعلى رأي الأخفش وابن مالك ( إذا ) محل جر ب ( حتى ) . واقتران جملة ( سيعلمون ) بالفاء دليل على أن ( إذا ) ضمن معنى الشرط واقتران الجواب بسين الاستقبال يصرف الفعل الماضي بعد ( إذا ) إلى زمن الاستقبال . وجيء بالجملة المضاف إليها ( إذا ) فعلا ماضيا للتنبيه على تحقيق وقوعه

(1/4594)


وفعل ( سيعلمون ) معلق عن العمل بوقوع الاستفهام بعده وهو استعمال كثير في التعليق لأن الاستفهام بما فيه من الإبهام يكون كناية عن الغرابة بحيث يسأل الناس عن تعيين الشيء بعد البحث عنه
وضعف الناصر وهن لهم من جهة وهن أنصارهم وقلة العدد وهن لهم من جانب أنفسهم وهذا وعيد لهم بخيبة غرورهم بالأمن من غلب المسلمين في الدنيا فإنهم كانوا يقولون : نحن جميع منتصر . وقالوا : نحن أكثر أموالا وأولادا
( قل إن أدري أقريب ما توعدون أم يجعل له ربي أمدا [ 25 ] عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا [ 26 ] إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا [ 27 ] ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم ) كان المشركون يكثرون أن يسألوا رسول الله صلى الله عليه و سلم متى هذا الوعد وعن الساعة أيان مرساها وتكررت نسبة ذلك إليهم في القرآن فلما قال الله تعالى ( حتى إذا رأوا ما يوعدون فسيعلمون من أضعف ناصرا ) الآية علم أنهم سيعيدون ما اعتادوا قوله من السؤال عن وقت الوعيد فأمر الله رسوله صلى الله عليه و سلم أن يعيد عليهم ما سبق من جوابه
فجملة ( قل إن أدري أقريب ما توعدون ) مستأنفة استئنافا بيانيا لأن القول المأمور بأن يقوله جواب لسؤالهم المقدر
والأمد : الغاية وأصله في الأمكنة . ومنه قول ابن عمر في حديث الصحيحين " أن رسول الله صلى الله عليه و سلم سابق بين الخيل التي لم تضمر وجعل أمدها ثنية الوداع " أي غاية المسابقة " . ويستعار الأمد لمدة من الزمان معينة قال تعالى ( فطال عليهم الأمد ) وهو كذلك هنا . ومقابلته ب ( قريب ) يفيد أن المعنى أن يجعل له أمدا بعيدا
وجملة ( عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا ) في موضع العلة لجملة ( إن أدري أقريب ما توعدون ) الآية
وعالم الغيب : خبر مبتدأ محذوف أي هو عالم الغيب والضمير المحذوف عائد إلى قوله ( ربي ) . وهذا الحذف من قبيل حذف المسند إليه حذفا اتبع فيه الاستعمال إذا كان الكلام قد اشتمل على ذكر المسند إليه وصفاته كما نبه عليه السكاكي في المفتاح
والغيب : مصدر غاب إذا استتر وخفي عن الأنظار وتعريفه تعريف الجنس وإضافة صفة ( عالم ) إلى ( الغيب ) تفيد العلم بكل الحقائق المغيبة سواء كانت ماهيات أو أفرادا فيشمل المعنى المصدري للغيب مثل علم الله بذاته وصفاته ويشمل الأمور الغائبة بذاتها مثل الملائكة والجن . ويشمل الذوات المغيبة عن علم الناس مثل الوقائع المستقبلة التي يخبر عنها أو التي لا يخبر عنها فإيثار المصدر هنا لأنه اشتمل لإحاطة علم الله بجميع ذلك
وتقدم ذلك عند قوله تعالى ( الذين يؤمنون بالغيب ) في سورة البقرة
وتعريف المسند مع تعريف المسند إليه المقدر يفيد القصر أي هو عالم الغيب لا أنا
صلى الله عليه و سلم عليه الصلاة و السلام وفرع على معنى تخصيص الله تعالى بعلم الغيب جملة ( فلا يظهر على غيبه أحدا ) فالفاء لتفريع حكم على حكم والحكم المفرع إتمام للتعليل وتفصيل لأحوال عدم الاطلاع على غيبه
ومعنى ( لا يظهر على غيبه أحدا ) : لا يطلع ولا ينبئ به وهو أقوى من يطلع لأن ( يظهر ) جاء من الظهور وهو المشاهدة ولتضمينه معنى : يطلع عدي بحرف ( على )
ووقوع الفعل في حيز النفي يفيد العموم وكذلك وقوع مفعوله وهو نكرة في حيزه يفيد العموم
وحرف ( على ) مستعمل في التمكن من الاطلاع على الغيب وهو كقوله تعالى ( وأظهره الله عليه ) فهو استعلاء مجازي
واستثني من هذا النفي من ارتضاه ليطلعه على بعض الغيب أي على غيب أراد إظهاره من الوحي فإنه من غيب الله وكذلك ما أراد الله أن يؤيد به رسوله صلى الله عليه و سلم من إخبار بما سيحدث أو إطلاع على ضمائر بعض الناس
فقوله ( ارتضى ) مستثنى من عموم ( أحدا ) . والتقدير : إلا أحدا ارتضاه أي اختاره للاطلاع على شيء من الغيب لحكمة أرادها الله تعالى

(1/4595)


والإتيان بالموصول والصلة في قوله ( إلا من ارتضى من رسول ) لقصد ما تؤذن به الصلة من الإيماء إلى تعليل الخبر أي يطلع الله بعض رسله لأجل ما أراده الله من الرسالة إلى الناس فيعلم من هذا الإيمان أن الغيب الذي يطلع الله عليه الرسل هو من نوع ما له تعلق بالرسالة وهو غيب ما أراد الله إبلاغه إلى الخلق أن يعتقدوه أو يفعلوه وما له تعلق بذلك من الوعد والوعيد من أمور الآخرة أو أمور الدنيا وما يؤيد به الرسل عن الإخبار بأمور مغيبة كقوله تعالى ( غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين )
والمراد بهذا الإطلاع المحقق المفيد علما كعلم المشاهدة . فلا تشمل الآية ما قد يحصل لبعض الصالحين من شرح صدر بالرؤيا الصادقة ففي الحديث " الرؤيا الصالحة من الرجل الصالح جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوءة أو بالإلهام " قال النبي صلى الله عليه و سلم " قد كان يكون في الأمم قبلكم محدثون فإن يكن في أمتي منهم أحد فإن عمر بن الخطاب منهم " رواه مسلم . قال مسلم : قال ابن وهب : تفسير محدثون : ملهمون
وقد قال مالك في الرؤيا الحسنة : أنها تسر ولا تغر يريد لأنها قد يقع الخطأ في تأويلها
و ( من رسول ) بيان لإبهام ( من ) الموصولة فدل على ما صدق ( من ) جماعة من الرسل أي إلا الرسل الذين ارتضاهم أي اصطفاهم
وشمل ( رسول ) كل مرسل من الله تعالى فيشمل الملائكة المرسلين إلى الرسل لإبلاغ وحي إليهم مثل جبريل عليه السلام . وشمل الرسل من البشر المرسلين إلى الناس بإبلاغ أمر الله تعالى إليهم من شريعة أو غيرها مما به صلاحهم
وهنا أربعة ضمائر غيبة : الأول ضمير ( فإنه ) وهو عائد إلى الله تعالى
والثاني الضمير المستتر في ( يسلك ) وهو لا محالة عائد إلى الله تعالى كما عاد إليه ضمير ( فإنه )
والثالث والرابع ضميرا ( من بين يديه ومن خلفه ) وهما عائدان إلى ( رسول ) أي فإن الله يسلك أي يرسل للرسول رصدا من بين يدي الرسول صلى الله عليه و سلم ومن خلفه رصدا أي ملائكة يحفظون الرسول صلى الله عليه و سلم من إلقاء الشياطين إليه ما يخلط عليه ما أطلعه الله عليه من غيبة
والسلك حقيقته : الإدخال كما في قوله تعالى ( كذلك نسلكه في قلوب المجرمين ) في سورة الحجر
وأطلق السلك على الإيصال المباشر تشبيها له بالدخول في الشيء بحيث لا مصرف له عنه كما تقدم آنفا في قوله ( ومن يعرض عن ذكر ربه نسلكه عذابا صعدا ) أي يرسل إليه ملائكة متجهين إليه لا يبتعدون عنه حتى يبلغ أليه ما أوحي إليه من الغيب كأنهم شبه اتصالهم به وحراستهم إياه بشيء داخل في أجزاء جسم . وهذا من جملة الحفظ الذي حفظ الله به ذكره في قوله ( إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون )
والمراد ب ( من ين يديه ومن خلفه ) الكناية عن جميع الجهات ومن تلك الكناية ينتقل إلى كناية أخرى عن السلامة من التغيير والتحريف
والرصد : اسم جمع كما تقدم آنفا في قوله ( يجد له شهابا رصدا ) . وانتصب ( رصدا ) على أنه مفعول به لفعل ( يسلك )
صلى الله عليه و سلم عليه الصلاة و السلام ويتعلق ( ليعلم ) بقوله ( يسلك ) أي يفعل الله ذلك ليبلغ الغيب إلى الرسول كما أرسل إليه لا يخالطه شيء مما يلبس عليه الوحي فيعلم الله أن الرسل أبلغوا ما أوحي إليهم كما بعثه من دون تغيير فلما كان علم الله بتبليغ الرسول الوحي مفرعا ومسببا عن تبليغ الوحي كما أنزل الله جعل المسبب علة وأقيم مقام السبب إيجازا في الكلام لأن علم الله بذلك لا يكون إلا على وفق ما وقع وهذا كقول إياس بن قبيصة :
وأقبلت والخطي يخطر بيننا ... لأعلم من جبانها من شجاعها أي ليظهر من هو شجاع ومن هو جبان فأعلم ذلك . وهذه العلة هي المقصد الأهم من اطلاع من ارتضى من رسول على الغيب وذكر هذه العلة لا يقتضي انحصار علل الاطلاع فيها
وجيء بضمير الإفراد في قوله ( من بين يديه ومن خلفه ) مراعاة للفظ ( رسول ) ثم جيء له بضمير الجمع في قوله ( أن قد أبلغوا ) مراعاة لمعنى رسول وهو لجنس أي الرسل على طريقة قوله الله تعالى السابق آنفا ( فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدا )
والمراد : ليعلم الله أن قد أبلغوا رسالات الله أدوا الأمانة علما يترتب عليه جزاؤهم الجزيل

(1/4596)


وفهم من قوله ( أن قد أبلغوا رسالات ربهم ) أن الغيب المتحدث عنه في هذه الآية هو الغيب المتعلق بالشريعة وأصولها من البعث والجزاء لأن الكلام المستثنى منه هو نفي علم الرسول صلى الله عليه و سلم بقرب ما يوعدون به أو بعده وذلك من علائق الجزاء والبعث
ويلحق به ما يوحى به إلى الأنبياء الذين ليسوا رسلا لأن ما يوحى إليهم لا يخلو من أن يكون تأييدا لشرع سابق كأنبياء بني إسرائيل والحواريين أو أن يكون لإصلاح أنفسهم وأهليهم مثل آدم وأيوب
واعلم أن الاستثناء من النفي ليس بالمقتض أن يثبت للمستثنى جميع نقائض أحوال الحكم الذي للمستثنى منه بل قصارى ما يقتضيه أنه كالنقض في المناظرة يحصل بإثبات جزئي من جزئيات ما نفاه الكلام المنقوص فليس قوله تعالى ( إلا من ارتضى من رسول ) بمقتض أن الرسول يطلع على جميع غيب الله وقد بين النوع المطلع عليه بقوله ( ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم )
وقرأ رويس عن يعقوب ( ليعلم ) بضم الياء وفتح اللام مبنيا للمفعول على أن ( أن قد أبلغوا ) نائب عن الفاعل والفاعل المحذوف حذف للعلم به أي ليعلم الله أن قد أبلغوا
( وأحاط بما لديهم وأحصى كل شيء عددا [ 28 ] ) الواو واو الحال أو اعتراضية لأن مضمونها تذييل لجملة ( ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم ) أي أحاط بجميع ما لدى الرسل من تبليغ وغيره وأحاط بكل شيء مما عدا ذلك فقوله ( وأحاط بما لديهم ) تعميم بعد تخصيص ما قبله بعلمه بتبليغهم ما أرسل إليهم وقوله ( وأحصى كل شيء عددا ) تعميم أشمل بعد تعميم ما
وعبر عن العلم بالإحصاء على طريق الاستعارة تشبيها لعلم الأشياء بمعرفة الأعداد لأن معرفة الأعداد أقوى وقوله ( عددا ) ترشيح للاستعارة
والعدد : بالفك اسم لمعدود وبالإدغام مصدر عد فالمعنى هنا : وأحصى كل شيء معدودا وهو نصب على الحال بخلاف قوله تعالى ( وعدهم عدا ) . وفرق العرب بين المصدر والمفعول لأن المفعول أوغل في الاسمية من المصدر فهو أبعد عن الإدغام لأن الأصل في الإدغام للأفعال
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة المزمل
ليس لهذه السورة إلا أسم ( سورة المزمل ) عرفت بالإضافة لهذا اللفظ الواقع في أولها فيجوز أن يراد حكاية اللفظ ويجوز أن يراد به النبي صلى الله عليه و سلم موصوفا بالحال الذي نودي به في قوله تعالى ( يا أيها المزمل )
قال ابن عطية : هي في قول الجمهور مكية إلا قوله تعالى ( إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ) إلى نهاية السورة فذلك مدني . وحكى القرطبي مثل هذا عن الثعلبي
وقال في الإتقان : إن استثناء قوله ( إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ) إلى آخر السورة يرده ما أخرجه الحاكم عن عائشة " نزل بعد نزول صدر السورة بسنة وذلك حين فرض قيام الليل في أول الإسلام قبل فرض الصلوات الخمس " اه
يعني وذلك كله بمكة أي فتكون السورة كلها مكية فتعين أن قوله ( قم الليل ) أمر به في مكة
صلى الله عليه و سلم عليه الصلاة و السلام والروايات تظاهرت على أن قوله ( إن ربك يعلم أنك تقوم ) إلى آخر السورة نزل مفصولا عن نزول ما قبله بمدة مختلف في قدرها فقالت عائشة " نزل بعد صدر السورة بسنة " . ومثله روى الطبري عن ابن عباس وقال الجمهور : نزل صدر السورة بمكة ونزل ( إن ربك يعلم ) إلى آخرها بالمدينة أي بعد نزول أولها بسنين
فالظاهر أن الأصح أن نزول ( إن ربك يعلم ) إلى آخر السورة نزل بالمدينة لقوله تعالى ( وآخرون يقاتلون في سبيل الله ) إن لم يكن ذلك إنباء بمغيب على وجه المعجزة
وروى الطبري عن سعيد بن جبير " قال لما أنزل الله على نبيه صلى الله عليه و سلم يا أيها المزمل " مكث النبي صلى الله عليه و سلم على هذا الحال عشر سنين يقوم الليل كما أمره الله وكانت طائفة من أصحابه يقومون معه فأنزل الله بعد عشر سنين ( إن ربك يعلم أنك تقوم ) إلى ( وأقيموا الصلاة ) اه أي نزلت الآيات الأخيرة في المدينة بناء على أن مقام النبي صلى الله عليه و سلم بمكة كان عشر سنين وهو قول جم غفير

(1/4597)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية