صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

أتبع الموصول السابق بموصولات معطوف بعضها على بعض كما تعطف الصفات للموصوف الواحد فكذلك عطف هذه الصلات وموصولاتها أصحابها متحدون وهم الذين آمنوا بالله وحده وقد تقدم نظيره عند قوله تعالى ( الذين يؤمنون بالغيب ) ثم قوله ( والذين يؤمنون بما أنزل إليك ) الآية في سورة البقرة
والمقصود من ذلك : هو الاهتمام بالصلات فيكرر الاسم الموصول لتكون صلته معتنى بها حتى كأن صاحبها المتحد منزل منزلة ذوات . فالمقصود : ما عند الله خير وأبقى للمؤمنين الذين هذه صفاتهم أي أتبعوا إيمانهم بها . وهذه صفات للمؤمنين باختلاف الأحوال العارضة لهم فهي صفات متداخلة قد تجتمع في المؤمن الواحد إذا وجدت أسبابها وقد لا تجتمع إذا لم توجد بعض أسبابها مثل ( وأمرهم شورى بينهم )
وقرأ الجمهور ( كبائر ) بصيغة الجمع . وقرأه حمزة والكسائي وخلف " كبير " بالإفراد فكبائر الإثم : الفعلات الكبيرة من جنس الإثم وهي الآثام العظيمة التي نهى الشرع عنها نهيا جازما وتوعد فاعلها بعقاب الآخرة مثل القذف والاعتداء والبغي . وعلى قراءة " كبيرة الإثم " مراد به معنى كبائر الإثم لأن المفرد لما أضيف إلى معرف بلام الجنس من إضافة الصفة إلى الموصوف كان له حكم ما أضيف هو إليه
والفواحش : جمع فاحشة وهي : الفعلة الموصوفة بالشناعة والتي شدد الدين في النهي عنها وتوعد عليها بالعذاب أو وضع لها عقوبات في الدنيا للذي يظهر عليه من فاعليها . وهذه مثل قتل النفس والزنى والسرقة والحرابة . وتقدم عند قوله ( وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا ) في سورة الأعراف
وكبائر الإثم والفواحش قد تدعو إليها القوة الشاهية . ولما كان كثير من كبائر الإثم والفواحش متسببا على القوة الغضبية مثل القتل والجراح والشتم والضرب أعقب الثناء على الذين يجتنبونها فذكر أن من شيمتهم المغفرة عند الغضب أي إمساك أنفسهم عن الاندفاع مع داعية الغضب فلا يغول الغضب أحلامهم
وجيء بكلمة ( إذا ) المضمنة معنى الشرط والدالة على تحقق الشرط لأن الغضب طبيعة نفسية لا تكاد تخلو عنه نفس أحد على تفاوت . وجملة ( وإذا ما غضبوا هم يغفرون ) عطف على جملة الصلة
وقدم المسند إليه على الخبر الفعلي في جملة ( هم يغفرون ) لإفادة التقوي
وتقييد المسند ب ( إذا ) المفيدة معنى الشرط للدلالة على تكرر الغفران كلما غضبوا
والمقصود من هذا معاملة المسلمين بعضهم مع بعض فلا يعارضه قوله الآتي ( والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون ) لأن ذلك في معاملتهم مع أعداء دينهم
( والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلوة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقنهم ينفقون [ 38 ] ) هذا موصول آخر وصلة أخرى . ومدلولهما من أعمال الذين آمنوا التي يدعوهم إليها إيمانهم والمقصود منها ابتداء هم الأنصار كما روي عن عبد الرحمان ابن زيد . ومعنى ذلك أنهم من المؤمنين الذين تأصل فيهم خلق الشورى
وأما الاستجابة لله فهي ثابتة لجميع من آمن بالله لأن الاستجابة لله هي الاستجابة لدعوة النبي صلى الله عليه و سلم فإنه دعاهم إلى الإسلام مبلغا عن الله فكأن الله دعاهم إليه فاستجابوا لدعوته . والسين والتاء في ( استجابوا ) للمبالغة في الإجابة أي هي إجابة لا يخالطها كراهية ولا تردد
ولام له للتقوية يقال : استجاب له كما يقال : استجابه فالظاهر أنه أريد منه استجابة خاصة وهي إجابة المبادرة مثل أبي بكر وخديجة وعبد الله بن مسعود وسعد بن أبي وقاص ونقباء الأنصار أصحاب ليلة العقبة
وجعلت ( وأمرهم شورى بينهم ) عطفا على الصلة . وقد عرف الأنصار بذلك إذ كان التشاور في الأمور عادتهم فإذا نزل بهم مهم اجتمعوا وتشاوروا وكان من تشاورهم الذي أثنى الله عليهم به هو تشاورهم حين ورد إليهم نقباؤهم وأخبروهم بدعوة محمد صلى الله عليه و سلم بعد أن آمنوا هم به ليلة العقبة فلما أبلغوهم ذلك اجتمعوا في دار أبي أيوب الأنصاري فأجمع رأيهم على الإيمان به والنصر له
وإذ قد كانت الشورى مفضية إلى الرشد والصواب وكان من أفضل آثارها أن اهتدى بسببها الأنصار إلى الإسلام أثنى الله بها على الإطلاق دون تقييد بالشورى الخاصة التي تشاور بها الأنصار في الإيمان وأي أمر أعظم من أمر الإيمان
صلى الله عليه و سلم عليه الصلاة و السلام

(1/3878)


والأمر : اسم من أسماء الأجناس العامة مثل : شيء وحادث . وإضافة اسم الجنس قد تفيد العموم بمعونة المقام أي جميع أمورهم متشاور فيها بينهم
والإخبار عن الأمر بأنه شورى من قبيل الإخبار بالمصدر للمبالغة . والإسناد مجاز عقلي لأن الشورى تسند للمتشاورين وأما الأمر فهو ظرف مجازي للشورى ألا ترى أنه يقال : تشاورا في كذا قال تعالى ( وشاورهم في الأمر ) فاجتمع في قوله ( وأمرهم شورى ) مجاز عقلي واستعارة تبعية ومبالغة
والشورى مصدر كالبشرى والفتيا وهي أن قاصد عمل يطلب ممن يظن فيه صواب الرأي والتدبير أن يشير عليه بما يراه في حصول الفائدة المرجوة من عمله وتقدم الكلام عليها عند قوله تعالى ( وشاوروهم في الأمر ) في سورة آل عمران
وقوله ( بينهم ) ظرف مستقر هو صفة ب ( شورى ) . والتشاور لا يكون إلا بين المتشاورين فالوجه أن يكون هذا الظرف إيماء إلى أن الشورى لا ينبغي أن تتجاوز من يهمهم الأمر من أهل الرأي فلا يدخل فيها من لا يهمه الأمر وإلى أنها سر بين المتشاورين قال بشار :
" ولا تشهد الشورى أمرا غير كاتم وقد كان شيخ الإسلام محمود ابن الخوجة أشار في حديث جرى بيني وبينه إلى اعتبار هذا الإيماء إشارة بيده حين تلا هذه الآية ولا أدري أذلك استظهار منه أم شيء تلقاه من بعض الكتب أو بعض أساتذته وكلا الأمرين ليس ببعيد عن مثله
وأثنى الله عليهم بإقامة الصلاة فيجوز أن يكون ذلك تنويها بمكانة الصلاة بأعمال الإيمان ويجوز أن يكون المراد إقامة خاصة فإذا كانت الآية نازلة في الأنصار أو كان الأنصار المقصود الأول منها فلعل المراد مبادرة الأنصار بعد إسلامهم بإقامة الجماعة إذ سألوا النبي صلى الله عليه و سلم أن يرسل إليهم من يقرأهم القرآن ويؤمهم في الصلاة فأرسل إليهم مصعب بن عمير وذلك قبل الهجرة
وأثنى عليهم بأنهم ينفقون مما رزقهم الله وللأنصار الحظ الأوفر من هذا الثناء وهو كقوله فيهم ( ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ) . وذلك أن الأنصار كانوا أصحاب أموال وعمل فلما آمنوا كانوا أول جماعة من المؤمنين لهم أموال يعينون بها ضعفاء المؤمنين منهم ومن المهاجرين الأولين قبل هجرة النبي صلى الله عليه و سلم . فأما المؤمنون من أهل مكة فقد صادرهم المشركون أموالهم لأجل إيمانهم قال النبي صلى الله عليه و سلم ( وهل ترك لنا عقيل من دار )
وقوله ( ومما رزقناهم ينفقون ) إدماج للامتنان في خلال المدح وإلا فليس الإنفاق من غير ما يرزقه المنفق
( والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون [ 39 ] ) هذا موصول رابع وصلته خلق أراده الله للمسلمين والحظ الأول منه للمؤمنين الذين كانوا بمكة قبل أن يهاجروا فإنهم أصابهم بغي المشركين بأصناف الأذى من شتم وتحقير ومصادرة الأموال وتعذيب الذوات فصبروا عليه
والبغي : الاعتداء على الحق فمعنى أصابته إياهم أنه سلط عليهم أي بغي غيرهم عليهم وهذه الآية مقدمة لقوله في سورة الحج ( أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق ) فإن سورة الحج نزلت بالمدينة . وإنما أثنى الله عليهم بأنهم ينتصرون لأنفسهم تنبيها على أن ذلك الانتصار ناشئ على ما أصابهم من البغي فكان كل من السبب والمسبب موجب الثناء لأن الانتصار محمدة دينية إذ هو لدفع البغي اللاحق بهم لأجل أنهم مؤمنون فالانتصار لأنفسهم رادع للباغين عن التوغل في البغي على أمثالهم وذلك الردع عون على انتشار الإسلام إذ يقطع ما شأنه أن يخالج نفوس الراغبين في الإسلام من هواجس خوفهم من أن يبغى عليهم
وبهذا تعلم أن ليس بين قوله هنا ( والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون ) وبين قوله آنفا ( وإذا ما غضبوا هم يغفرون ) تعارض لاختلاف المقامين كما علمت آنفا
وعن إبراهيم النخعي : كان المؤمنون يكرهون أن يستذلوا وكانوا إذا قدروا عفوا
وأدخل ضمير الفصل بقوله ( هم ينتصرون ) الذي فصل بين الموصول وبين خبره لإفادة تقوي الخبر أي لا ينبغي أن يترددوا في الانتصار لأنفسهم
وأوثر الخبر الفعلي هنا دون أن يقال : منتصرون لإفادة معنى تجدد الانتصار كلما أصابهم البغي
وأما مجيء الفعل مضارعا فلأن المضارع هو الذي يجيء معه ضمير الفصل
صلى الله عليه و سلم عليه الصلاة و السلام

(1/3879)


( وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين [ 40 ] ) هذه جمل ثلاث معترضة الواحدة تلو الأخرى بين جملة ( والذين إذا أصابهم البغي ) الخ وجملة ( ولمن انتصر بعد ظلمة ) . وفائدة هذا الاعتراض تحديد الانتصار والترغيب في العفو ثم ذم الظلم والاعتداء وهذا انتقال من الإذن في الانتصار من أعداء الدين إلى تحديد أجرائه بين الأمة بقرينة تفريع ( فمن عفا وأصلح ) على جملة ( وجزاء سيئة سيئة مثلها ) إذ سمي ترك الانتصار عفوا وإصلاحا ولا عفو ولا إصلاح مع أهل الشرك
وبقرينة الوعد بأجر من الله على ذلك العفو ولا يكون على الإصلاح مع أهل الشرك أجر
و ( سيئة ) صفة لمحذوف أي فعلة تسوء من عومل بها . ووزن ( سيئة ) فيعلة مبالغة في الوصف مثل : هينة فعينها ياء ولامها همزة لأنها من ساء فلما صيغ منها وزن فيعلة التقت ياءان فأدغمتا أي أن المجازي يجازي من فعل معه فعلة تسوءه بفعلة سيئة مثل فعلته في السوء وليس المراد بالسيئة هنا المعصية التي لا يرضاها الله فلا إشكال في إطلاق السيئة على الأذى الذي يلحق بالظالم
ومعنى ( مثلها ) أنها تكون بمقدارها في متعارف الناس فقد تكون المماثلة في الغرض والصورة وهي المماثلة التامة وتلك حقيقة المماثلة مثل القصاص من القاتل ظلما بمثل ما قتل به ومن المعتدي بجراح عمد وقد تتعذر المماثلة التامة فيصار إلى المشابهة في الغرض أي مقدار الضر وتلك هي المقاربة مثل تعذر المشابهة التامة في جزاء الحروب مع عدو الدين إذ قد يلحق الضر بأشخاص لم يصيبوا أحدا بضر ويسلم أشخاص أصابوا الناس بضر فالمماثلة في الحرب هي انتقام جماعة من جماعة بمقدار ما يشفي نفوس الغالبين حسبما اصطلح عليه الناس
ومن ذلك أيضا إتلاف بعض الحواس بسبب ضرب على الرأس أو على العين فيصار إلى الدية إذ لا تضبط إصابة حاسة الباغي بمثل ما أصاب به حاسة المعتدى عليه . وكذلك إعطاء قيم المتلفات من المقومات إذ يتعسر أن يكلف الجاني بإعطاء مثل ما أتلفه
ومن مشاكل المماثلة في العقوبة مسألة الجماعة يتمالؤون على قتل أحد عمدا أو على قطع بعض أعضائه ؛ فإن اقتص من واحد منهم كان ذلك إفلاتا لبقية الجناة من عقوبة جرمهم وإن اقتص من كل واحد منهم كان ذلك زيادة في العقوبة لأنهم إنما جنوا على واحد
فمن العلماء من لم يعتد بتلك الزيادة ونظر إلى أن كل واحد منهم جنى على المجني عليه فاستحق الجزاء بمثل ما ألحقه بالمجني عليه وجعل التعدد ملغى وراعى في ذلك سد ذريعة أن يتحيل المجرم على التنصل من جرمه بضم جماعة إليه وهذا قول مالك والشافعي أخذا من قضاء عمر بن الخطاب وقوله : لو اجتمع على قتله أهل صنعاء لاقتصصت منهم
ومنهم من عدل عن الزيادة مطلقا وهو قول داود الظاهري ومنهم من عدل عن تلك الزيادة في القطع ولم يعدل عنها في القتل ولعل ذلك لأن عمر بن الخطاب قضى به في القتل ولم يؤثر عن أحد في القطع . وربما ألغى بعضهم الزيادة إذا كان طريق ثبوت الجناية ضعيفا مثل القسامة مع اللوث عند من يرى القصاص بها فإن مالكا لم ير أن يقتل بالقسامة أكثر من رجل واحد
واعلم أن المماثلة في نحو هذا تحقق بقيمة الغرم كما اعتبرت في الديات وأورش الجنايات
وجملة ( إنه لا يحب الظالمين ) في موضع العلة لكلام محذوف دل عليه السياق فيقدر : أنه يحب العافين كما قال ( والعافين عن الناس والله يحب المحسنين ) . ونصره على ظالمه موكول إلى الله وهو لا يحب الظالمين أي فيؤجر الذين عفوا وينتصر لهم على الباغين لأنه لا يحب الظالمين فلا يهمل الظالم دون عقاب ( ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا ) . وقد استفيد حب الله العافين من قوله ( إنه لا يحب الظالمين ) وعلى هذا فما صدق الظالمين : هم الذين أصابوا المؤمنين بالبغي
ويجوز أيضا أن يكون التعليل بقوله ( إنه لا يحب الظالمين ) منصرفا لمفهوم جملة ( وجزاء سيئة سيئة مثلها ) أي دون تجاوز المماثلة في الجزاء كقوله ( وان عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ) فيكون ما صدق ( الظالمين ) : الذين يتجاوزون الحد في العقوبة من المؤمنين على أن يكون تحذيرا من مجاوزة الحد كقول النبي صلى الله عليه و سلم " من حام الحمى يوشك أن يقع فيه "

(1/3880)


صلى الله عليه و سلم عليه الصلاة و السلام وقد شملت هذه الآية بموقعها الاعتراضي أصول الإرشاد إلى ما في الانتصار من الظالم وما في العفو عنه من صلاح الأمة ففي تخويل حق انتصار المظلوم من ظالمه ردع للظالمين عن الإقدام على الظلم خوفا من أن يأخذ المظلوم بحقه فالمعتدي يحسب لذلك حسابه حين ألهم بالعدوان
وفي الترغيب في عفو المظلوم عن ظالمه حفظ آصرة الأخوة الإسلامية بين المظلوم وظالمه كيلا تنثلم في آحاد جزئياتها بل تزداد بالعفو متانة كما قال تعالى ( ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم )
على أن الله تعالى لم يهمل جانب ردع الظالم فأنبأ بتحقيق أنه بمحل من غضب الله عليه إذ قال ( إنه لا يحب الظالمين ) ولا ينحصر ما في طي هذا من هول الوعيد
وتنشأ على معنى هذه الآية مسألة غراء تجاذبتها أنظار السلف بالاعتبار وهي : تحليل المظلوم ظالمه من مظلمته . قال أبو بكر بن المعري في الأحكام : روى ابن القاسم وابن وهب عن مالك وسئل عن قول سعيد بن المسيب : لا أحلل أحدا فقال : ذلك يختلف . فقلت : الرجل يسلف الرجل فيهلك ولا وفاء له قال : أرى أن يحلله وهو أفضل عندي لقول الله تعالى ( الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه ) وإن كان له فضل يتبع فقيل له : الرجل يظلم الرجل فقال : لا أرى ذلك وهو عندي مخالف للأول لقول الله تعالى ( إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ) ويقول تعالى ( ما على المحسنين من سبيل ) فلا أرى أن تجعله من ظلمه في حل
قال ابن العربي فصار في المسألة ثلاثة أقوال : أحدها : لا يحلله بحال قال ابن المسيب . والثاني : يحلله قاله ابن سيرين زاد القرطبي وسليمان بن يسار الثالث : إن كان مالا حلله وإن كان ظلما لم يحلله وهو قول مالك
وجه الأول : أن لا يحل ما حرم الله فيكون كالتبديل لحكم الله
ووجه الثاني : أنه حقه فله أن يسقطه
ووجه الثالث : أن الرجل إذا غلب على حقك فمن الرفق به أن تحلله وإن كان ظالما فمن الحق أن لا تتركه لئلا يغتر الظلمة ويسترسلوا في أفعالهم القبيحة
وذكر حديث مسلم عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت قال خرجت " أنا وأبي لطلب العلم في هذا الحي من الأنصار قبل أن يهلكوا فكان أول من لقينا أبو اليسر صاحب رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال له أبي : أرى في وجهك سنعة من غضب فقال : أجل كان لي على فلان دين فأتيت أهله وقلت : أثم هو ؟ قالوا : لا فخرج ابن له فقلت له : أين أبوك ؟ فقال سمع صوتك فدخل أريكة أمي . فقلت : اخرج إلي فخرج . فقلت : ما حملك على أن اختبأت مني ؟ قال : خشيت والله أن أحدثك فأكذبك وأنت صاحب رسول الله صلى الله عليه و سلم . وكنت والله معسرا . قال : فأتى بصحيفته فمحاها بيده قال : إن وجدت قضاء فاقض وإلا فأنت في حل "
( ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل [ 41 ] ) يجوز أن تكون عطفا على جملة ( فمن عفا واصلح ) فيكون عذرا للذين لم يعفوا ويجوز أنها عطف على جملة ( هم ينتصرون ) وما بين ذلك اعتراض كما علمت فالجملة : إما مرتبطة بغرض انتصار المسلم على ظالمه من المسلمين تكملة لجملة ( فمن عفا وأصلح فأجره على الله ) وإما مرتبطة بغرض انتصار المؤمنين من بغي المشركين عليهم وهو الانتصار بالدفاع سواء كان دفاع جماعات وهو الحرب فيكون هذا تمهيدا للإذن بالقتال الذي شرع من بعد أم دفاع الآحاد أن تمكنوا منه فقد صار المسلمون بمكة يومئذ ذوي قوة يستطيعون بها الدفاع عن أنفسهم آحادا كما قيل في عز الإسلام بإسلام عمر بن الخطاب
واللام في ( ولمن انتصر ) موطئة للقسم و ( من ) شرطية أو اللام لام ابتداء و ( من ) موصولة . وإضافة ( ظلمه ) من إضافة المصدر إلى مفعوله أي بعد كونه مظلوما
ومعنى ( بعد ظلمه ) التنبيه على أن هذا الانتصار بعد ان تحقق أنهم ظلموا : فأما في غير الحروب فمن يتوقع أن أحدا سيعتدي عليه ليس له أن يبادر أحدا بأذى قبل أن يشرع في الاعتداء عليه ويقول : ظننت أنه يعتدي علي فبادرته بالأذى اتقاء لاعتدائه المتوقع لأن مثل هذا يثير التهارج والفساد فنبه الله المسلمين على تجنبه مع عدوهم إن لم تكن بينهم حرب
صلى الله عليه و سلم عليه الصلاة و السلام

(1/3881)


وأما حال المسلمين بعضهم مع بعض فليس من غرض الآية فلو أن أحدا ساوره أحد ببادئ عمل من البغي فهو مرخص له أن يدافعه عن إيصال بغيه إليه قبل أن يتمكن منه ولا يمهله حتى يوقع به ما عسى أن لا يتداركه فاعله من بعد وذلك مما يرجع إلى قاعدة أن ما قارب الشيء يعطى حكم حصوله أي مع غلبة ظنه بسبب ظهور بوادره وهو ما قال فيه الفقهاء : " يجوز دفع صائل بما أمكن "
ومحل هذه الرخصة هو الحالات التي يتوقع فيها حصول الضر حصولا يتعذر أو يعسر رفعه وتداركه . ومعلوم أن محلها هو الحالة التي لم يفت فيها فعل البغي فأما إن فات فإن حق الجزاء عليه يكون بالرفع للحاكم ولا يتولى المظلوم الانتصاف بنفسه وليس ذلك مما شملته هذه الآية ولكنه مستقرى من تصاريف الشريعة ومقاصدها ففرضناه هنا لمجرد بيان مقصد الآية لا لبيان معناها
والمراد بالسبيل موجب المؤاخذة باللائمة بين القبائل واللمز بالعدوان والتبعة في الآخرة على الفساد في الأرض بقتل المسالمين سمي ذلك سبيلا على وجه الاستعارة لأنه أشبه الطريق في إيصاله إلى المطلوب وكثر إطلاق ذلك حتى ساوى الحقيقة
والفاء في قوله : ( فأولئك ما عليهم من سبيل ) فاء جواب الشرط فإن جعلت لام ( لمن انتصر ) لام الابتداء فهو ظاهر وإن جعلت اللام موطئة للقسم كان اقتران ما بعدها بفاء الجواب ترجيحا للشرط على القسم عند اجتماعهما والأعرف أن يرجح الأول منهما فيعطى جوابه ويحذف جواب الثاني وقد يقال : إن ذلك في القسم الصريح دون القسم المدلول باللام الموطئة
وجيء باسم الإشارة في صدر جواب الشرط لتمييز الفريق المذكور أتم تمييز وللتنبيه على أن سبب عدم مؤاخذتهم هو أنهم انتصروا بعد أن ظلموا ولم يبدأوا الناس بالبغي
( إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق أولئك لهم عذاب أليم [ 42 ] ) استئناف بياني فإنه لما جرى الكلام السابق كله على الإذن للذين بغي عليهم أن ينتصروا ممن بغوا عليهم ثم عقب بأن أولئك ما عليهم من سبيل كان ذلك مثار سؤال سائل عن الجانب الذي يقع عليه السبيل النفي عن هؤلاء
والقصر المفاد ب ( إنما ) تأكيد لمضمون جملة ( فأولئك ما عليهم من سبيل ) لأنه كان يكفي لإفادة معنى القصر أن يقابل نفي السبيل عن الذين انتصروا بعد ظلمهم بإثبات أن السبيل على الظالمين لأن إثبات الشيء لأحد ونفيه عمن سواه يفيد معنى القصر وهو الأصل في إفادة القصر بطريق المساواة أو الإطناب كقول السمؤال أو غيره :
تسيل على حد الظبات نفوسنا ... وليست على غير الظبات تسيل وأما طرق القصر المعروفة في علم المعاني فهي من الإيجاز فلما أوردت أداة القصر هنا حصل نفي السبيل عن غيرهم مرة أخرى بمفاد القصر فتأكد حصوله الأول الذي حصل بالنفي ونظيره قوله تعالى ( ما على المحسنين من سبيل ) إلى قوله ( إنما السبيل على الذين يستأذنوك وهم أغنياء ) في سورة براءة
والمراد ب ( السبيل ) عين المراد به في قوله ( فأولئك ما عليهم من سبيل ) بقرينة أنه أعيد معرفا باللام بعد أن ذكر منكرا فإن إعادة اللفظ النكرة معرفا بلام التعريف يفيد أن المراد به ما ذكر أولا . وهذا السبيل الجزاء والتبعة في الدنيا والآخرة
وشمل عموم ( الذين يظلمون ) وعموم ( الناس ) كل ظالم وبمقدار ظلمه يكون جزاؤه . ويدخل ابتداء فيه الظالمون المتحدث عنهم وهم مشركو أهل مكة والناس المتحدث عنهم وهم المسلمون يومئذ
والبغي في الأرض : الاعتداء على ما وضعه الله في الأرض من الحق الشامل لمنافع الأرض التي خلقت للناس مثل تحجير الزرع والأنعام المحكي في قوله تعالى ( وقالوا هذه أنعام وحرث حجر لا يطعمها إلا من نشاء بزعمهم ) ومثل تسييب السائبة وتبحير البحيرة والشامل لمخالفة ما سنه الله في فطرة البشر من الأحوال القويمة مثل العدل وحسن المعاشرة فالبغي عليها بمثل الكبرياء والصلف وتحقير الناس المؤمنين وطردهم عن مجامع القوم بغي في الأرض بغير الحق
والأرض : أرض مكة أو جميع الكرة الأرضية وهو الأليق بعموم الآية كما قال تعالى ( وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ) وقال : ( ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ) فكل فساد وظلم يقع في جزء من الأرض فهو بغي مظروف في الأرض
صلى الله عليه و سلم عليه الصلاة و السلام

(1/3882)


و ( بغير الحق ) متعلق ب ( يبغون ) وهو لكشف حالة البغي لإفادة مذمته إذ لا يكون البغي إلا بغير الحق فإن مسمى البغي هو الاعتداء على الحق وأما الاعتداء على المبطل لأجل باطله فلا يسمى بغيا ويسمى اعتداء قال تعالى ( فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم ) ويقال : استعدى فلان الحاكم على خصمه أي طلب منه الحكم عليه
وجملة ( أولئك لهم عذاب أليم ) بيان لجملة ( إنما السبيل على الذين يظلمون ) إن أريد ب ( السبيل ) في قوله ( ما عليهم من سبيل ) سبيل العقاب في الآخرة أو بدل اشتمال منها إن أريد ب ( السبيل ) هنالك ما يشمل الملام في الدنيا أي السبيل الذي عليهم هو أن لهم عذابا أليما جزاء ظلمهم وبغيهم
وحكم هذه الآية يشمل ظلم المشركين للمسلمين ويشمل ظلم المسلمين بعضهم بعضا ليتناسب مضمونها مع جميع ما سبق
وجيء باسم الإشارة للتنبيه على أنهم أحرياء بما يذكر بعد اسم الإشارة لأجل ما ذكر قبله مع تمييزهم أكمل تمييز بهذا الوعيد
( ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور [ 43 ] ) عطف على جملة ( ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل ) وموقع هذه الجملة موقع الاعتراض بين جملة ( إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ) وجملة ( ومن يضلل الله فما له من ولي من بعده )
وهذه الجملة تفيد بيان مزية المؤمنين الذين تحملوا الأذى من المشركين وصبروا عليه ولم يؤاخذوا به من آمن ممن آذوهم مثل أخت عمر بن الخطاب قبل إسلامه ومثل صهره سعيد بن زيد فقد قال " لقد رأيتني وأن عمر لموثقي على الإسلام قبل أن يسلم عمر " فكان في صبر سعيد خير دخل به عمر في الإسلام ومزية المؤمنين الذين يصبرون على ظلم إخوانهم ويغفرون لهم فلا ينتصفون منهم ولا يستعدون عليهم على نحو ما تقدم في مسألة التحلل عند قوله تعالى ( فمن عفا وأصلح فأجره على الله )
واللام الداخلة على ( من ) لام ابتداء و ( من ) موصولة . وجملة ( إن ذلك لمن عزم الأمور ) خبر عن ( من ) الموصولة ولام ( لمن عزم الأمور ) لام الابتداء التي تدخل على خبر ( إن ) وهي من لامات الابتداء
وقد اشتمل هذا الخبر على أربعة مؤكدات هي : اللام وإن ولام الابتداء والوصف بالمصدر في قوله ( عزم الأمور ) تنويها بمضمونه وزيد تنويها باسم الإشارة في قوله ( إن ذلك ) فصار فيه خمسة اهتمامات
والعزم : عقد النية على العمل والثبات على ذلك والوصف بالعزم مشعر بمدح الموصوف لأن شأن الفضائل أن يكون عملها عسيرا على النفوس لأنها تعاكس الشهوات ومن ثم وصف أفضل الرسل بأولي العزم
والأمور : جمع أمر . والمراد به هنا : الخلال والصفات وإضافة ( عزم ) إلى ( الأمور ) من إضافة الصفة إلى الموصوف أي من الأمور العزم
ووصف ( الأمور ) ب ( العزم ) من الوصف بالمصدر للمبالغة في تحقق المعنى فيها وهو مصدر بمعنى اسم الفاعل أي الأمور العازمة العازم أصحابها مجازا عقليا
والإشارة ب ( ذلك ) إلى الصبر والغفران المأخوذين من ( صبر وغفر ) والمتحملين لضمير ( من ) الموصولة فيكون صوغ المصدر مناسبا لما معه من ضمير والتقدير : إن صبره وغفره لمن عزم الأمور
وهذا ترغيب في العفو والصبر على الأذى وذلك بين الأمة الإسلامية ظاهر وأما مع الكافرين فتعتريه أحوال تختلف بها أحكام الغفران وملاكها أن تترجح المصلحة في العفو أو في المؤاخذة
( ومن يضلل الله فما له من ولي من بعده ) بعد أن حكي أصنافا من كفر المشركين وعنادهم وتكذيبهم ثم ذكرهم بالآيات الدالة على انفراد الله تعالى بالإلهية وما في مطاويها من النعم وحذرهم من الغرور بمتاع لدنيا الزائل أعقبه بقوله ( ومن يضلل الله فما له من ولي من بعده ) وهو معطوف على قوله ( إنما السبيل على الذين يظلمون الناس )
والمعنى : أن فيما سمعتم هداية لمن أراد الله له أن يهتدي وأما من قدر الله عليه بالضلال فما له من ولي غير الله يهديه أو ينقذه فالمراد نفي الولي الذي يصلحه ويرشده كقوله ( من يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا ) فالمراد هنا ابتداء معنى خاص من الولاية
صلى الله عليه و سلم عليه الصلاة و السلام

(1/3883)


وإضلال الله المرء : خلقه غير سريع للاهتداء أو غير قابل له وحرمانه من تداركه إياه بالتوفيق كلما توغل في الضلالة فضلاله من خلق الله وتقدير الله له والله دعا الناس إلى الهداية بواسطة رسله وشرائعه قال تعالى ( والله يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ) أي يدعو كل عاقل ويهدي بعض من دعاهم
و ( من ) شرطية والفاء في ( فما له من ولي ) رابطة للجواب . ونفي الولي كناية عن نفي أسباب النجاة عن الضلالة وعواقب العقوبة عليها لأن الولي من خصائصه نفع مولاه بالإرشاد والانتشال فنفي الولي يدل بالالتزام على احتياج إلى نفعه مولاه وذلك يستلزم أن مولاه في عناء وعذاب كما دل عليه قوله عقبه ( وترى الظالمين لما رأوا العذاب ) الآية . فهذه كناية تلويحية وقد جاء صريح هذا المعنى في قوله ( ومن يضلل الله فما له من هاد ) في سورة الزمر وقوله ( ومن يضلل الله فما له من سبيل ) الآتي في هذه السورة
وضمير ( بعده ) راجع إلى اسم الجلالة أي من بعد الله كقوله تعالى ( فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون ) في سورة الجاثية
ومعنى ( بعد ) هنا معنى ( دون ) أو ( غير ) استعير لفظ ( بعد ) لمعنى ( دون ) لأن ( بعد ) موضوع لمن يخلف غائبا في مكانه أو في عمله فشبه ترك الله الضال في ضلاله بغيبة الولي الذي يترك مولاه دون وصي ولا وكيل لمولاه وتقدم في قوله تعالى ( فبأي حديث بعده يؤمنون ) في سورة الأعراف وقوله ( فماذا بعد الحق إلا الضلال ) في سورة يونس
و ( من ) زائدة للتوكيد . ومن مواضع زيادتها أن تزاد قبل الظروف غير المتصرفة قال الحريري " وما منصوب على الظرف لا يخفضه سوى حرف "
( وترى الظالمين لما رأوا العذاب يقولون هل إلى مرد من سبيل [ 44 ] ) عطف على جملة ( ومن يضلل الله فما له من ولي من بعده ) وهذا تفصيل وبيان لما أجمل في الآيتين المعطوف عليهما وهما قوله ( ويعلم الذين يجادلون في آياتنا ما لهم من محيص ) وقوله ( ومن يضلل الله فما له من ولي من بعده )
والمعنى : أنهم لا يجدون محيصا ولا وليا فلا يجدون إلا الندامة على ما فات فيقولوا ( هل إلى مرد من سبيل )
والاستفهام بحرف ( هل ) إنكاري في معنى النفي فلذلك أدخلت ( من ) الزائدة على ( سبيل ) لأنه نكرة في سياق النفي
والمرد : مصدر ميمي للرد والمراد بالرد : الرجوع يقال : رده إذا أرجعه
ويجوز أن يكون ( مرد ) بمعنى الدفع أي هل إلى رد العذاب عنا الذي يبدو لنا سبيل حتى لا نقع فيه فهو في معنى ( إن عذاب ربك لواقع ما له من دافع ) في سورة الطور
والخطاب في ( ترى ) لغير معين أي تناهت حالهم في الظهور فلا يختص به مخاطب أو الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم تسلية له على ما لاقاه منهم من التكذيب
والمقصود : الإخبار بحالهم أولا والتعجيب منه ثانيا فلم يقل : والظالمون لما رأوا العذاب يقولون وإنما قيل ( وترى الظالمين ) للاعتبار بحالهم
ومجيء فعل ( رأوا العذاب ) بصيغة الماضي للتنبيه على تحقيق وقوعه فالمضي مستعار للاستقبال تشبيها للمستقبل بالماضي في التحقق والقرينة فعل ( ترى ) الذي هو مستقبل إذ ليست الرؤية المذكورة بحاصلة في الحال فكأنه قيل : لما يرون العذاب
وجملة ( يقولون ) حال من ( الظالمين ) أي تراهم قائلين فالرؤية مقيدة بكونها في حال قولهم ذلك أي في حال سماع الرائي قولهم
( وتراهم يعرضون عليها خاشعين من الذل ينظرون من طرف خفي ) أعيد فعل ( ترى ) للاهتمام بهذه الرؤية وتهويلها كما أعيد فعل ( تلاقوا ) في قول وداك بن ثميل المازني :
رويدا بني شيبان بعض وعيدكم ... تلاقوا غدا خيلي على سفوان
تلاقوا جيادا لا تحيد عن الوغى ... إذا ظهرت في المأزق المتداني والعرض : أصله إظهار الشيء وإراءته للغير ولذلك كان قول العرب : عرضت البعير على الحوض معدودا عند علماء اللغة وعلماء المعاني من قبيل القلب في التركيب ثم تتفرع عليه إطلاقات عديدة متقاربة دقيقة تحتاج إلى تدقيق
صلى الله عليه و سلم عليه الصلاة و السلام

(1/3884)


ومن إطلاقاته قولهم : عرض الجند على الأمير وعرض الأسرى على الأمير وهو امرارهم ليرى رأيه في حالهم ومعاملتهم وهو إطلاقه هنا على طريق الاستعارة استعير لفظ ( يعرضون ) لمعنى : يمر بهم مرا عاقبته التمكن منهم والحكم فيهم فكأن جهنم إذا عرضوا عليها تحكم بما أعد الله لهم من حريقها ويفسره قوله في سورة الأحقاف ( ويوم يعرض الذين كفروا على النار أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها ) الآية
وقد تقدم إطلاق له آخر عند قوله تعالى ( ثم عرضهم على الملائكة ) في سورة البقرة
وبني فعل ( يعرضون ) للمجهول لأن المقصود حصول الفعل لا تعيين فاعله . والذين يعرضون الكافرين على النار هم الملائكة كما دلت عليه آيات أخرى
وضمير ( عليها ) عائد إلى العذاب بتأويل أنه النار أو جهنم أو عائد إلى جهنم المعلومة من المقام
وانتصب ( خاشعين ) على الحال من ضمير الغيبة في ( تراهم ) لأنها رؤية بصرية
والخشوع : التطامن وأثر انكسار النفس من استسلام واستكانة فيكون للمخافة وللمهابة وللطاعة وللعجز عن المقاومة
والخشوع مثل الخضوع إلا أن الخضوع لا يسند إلا إلى البدن فيقال : خضع فلان ولا يقال : خضع بصره إلا على وجه الاستعارة كما في قوله تعالى ( فلا تخضعن بالقول ) وأما الخشوع فيسند إلى البدن كقوله تعالى ( خاشعين لله ) في آخر سورة آل عمران . ويسند إلى بعض أعضاء البدن كقوله تعالى ( خشعا أبصارهم ) في سورة القمر وقوله ( وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا ) في سورة طه
والمراد الخشوع في هذه الآية ما يبدو عليهم من أثر المذلة والمخافة
فقوله ( من الذل ) متعلق ب ( خاشعين ) وتعلقه به يغني عن تعليقه ب ( ينظرون ) ويفيد ما لا يفيده تعليقه به
و ( من ) للتعليل أي خاشعين خشوعا ناشئا عن الذل أي ليس خشوعهم لتعظيم الله والاعتراف له بالعبودية لأن ذلك الاعتقاد لم يكن من شأنهم في الدنيا
وجملة ( ينظرون من طرف خفي ) في موضع الحال من ضمير ( خاشعين ) لأن النظر من طرف خفي حالة للخاشع الذليل والمقصود من ذكرها تصوير حالتهم الفظيعة
وفي قريب من هذا المعنى قول النابغة يصف سبايا :
ينظرن شزرا إلى من جاء عن عرض ... بأوجه منكرات الرق أحرار وقول جرير :
فغض الطرف إنك من نمير ... فلا كعبا بلغت ولا كلابا والطرف : أصله مصدر وهو تحريك جفن العين يقال : طرف من باب ضرب أي حرك جفنه وقد يطلق على العين من تسمية الشيء بفعله ولذلك لا يثنى ولا يجمع قال تعالى ( لا يرتد إليهم طرفهم ) . ووصفه في هذه الآية ب ( خفي ) يقتضي أنه أريد به حركة العين أي ينظرون نظرا خفيا أي لا حدة له فهو كمسارقة النظر وذلك من هول ما يرونه من العذاب فهم يحجمون عن مشاهدته للروع الذي يصيبهم منها ويبعثهم ما في الإنسان من حب الاطلاع على أن يتطلعوا لما يساقون إليه كحال الهارب الخائف ممن يتبعه فتراه يمعن في الجري ويلتفت وراءه الفينة بعد الفينة لينظر هل اقترب منه الذي يجري وراءه وهو في تلك الالتفاتة أفات خطوات من جريه لكن حب الاطلاع يغالبه
و ( من ) في قوله ( من طرف خفي ) للابتداء المجازي . والمعنى : ينظرون نظرا منبعثا من حركة الجفن الخفية
وحذف مفعول ( ينظرون ) للتعميم أي ينظرون العذاب وينظرون أهوال الحشر وينظرون نعيم المؤمنين من طرف خفي
( وقال الذين أمنوا إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيمة ألا إن الظالمين في عذاب مقيم [ 45 ] ) يترجح أن الواو للحال لا للعطف والجملة حال من ضمير الغيبة في ( تراهم ) أي تراهم في حال الفظاعة الملتبسين بها وتراهم في حال سماع الكلام الذام لهم الصادر من المؤمنين إليهم في ذلك المشهد . وحذفت " قد " مع الفعل الماضي لظهور قرينة الحال
وهذا قول المؤمنين يوم القيامة إذ كانوا يومئذ مطمئنين من الأهوال شاكرين ما سبق من إيمانهم في الدنيا عارفين بربح تجارتهم ومقابلين بالضد حالة الذين كانوا يسخرون بهم في الدنيا إذ كانوا سببا في خسارتهم يوم القيامة
والظاهر : أن المؤمنين يقولون هذا بمسمع من الظالمين فيزيد الظالمين تلهيبا لندامتهم ومهانتهم وخزيهم
صلى الله عليه و سلم عليه الصلاة و السلام

(1/3885)


فهذا الخبر مستعمل في إظهار المسرة والبهجة بالسلامة مما لحق الظالمين أي قالوه تحدثا بالنعمة واغتباطا بالسلامة يقوله كل أحد منهم أو يقوله بعضهم لبعض
وإنما جيء بحرف ( إن ) مع أن القائل لا يشك في ذلك والسامع لا يشك فيه للاهتمام بهذا الكلام إذ قد تبينت سعادتهم في الآخرة وتوفيقهم في الدنيا بمشاهدة ضد ذلك في معانديهم
والتعريف في ( الخاسرين ) تعريف الجنس أي لا غيرهم . والمعنى : أنهم الأكملون في الخسران وتسمى " أل " هذه دالة على معنى الكمال وهو مستفاد من تعريف الجزءين المفيد للقصر الادعائي حيث نزل خسران غيرهم منزلة عدم الخسران . فالمعنى : لا خسران يشبه خسرانهم فليس في قوله ( إن الخاسرين ) إظهار في مقام الإضمار كما توهم وقد تقدم نظيره في قوله ( قل إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ) في سورة الزمر
والخسران : تلف مال التاجر واستعير هنا لانتفاء الانتفاع بما كان صاحبه يعده للنفع فإنهم كانوا يأملون نعيم أنفسهم والأنس بأهليهم حيثما اجتمعوا فكشف لهم في هذا الجمع عن انتفاء الأمرين أو لأنهم كانوا يحسبون أن لا يحيوا بعد الموت فحسبوا أنهم لا يلقون بعده ألما ولا توحشهم فرقة أهليهم فكشف لهم ما خيب ظنهم فكانوا كالتاجر الذي أمل الربح فأصابه الخسران
وقوله ( يوم القيامة ) يتعلق بفعل ( خسروا ) لا بفعل ( قال )
وجملة ( ألا إن الظالمين في عذاب مقيم ) تذييل للجمل التي قبلها من قوله ( وترى الظالمين لما رأوا العذاب ) الآيات . لأن حالة كونهم في عذاب مقيم أعم من حالة تلهفهم على أن يردوا إلى الدنيا وذلهم وسماعهم الذم
وإعادة لفظ ( الظالمين ) إظهار في مقام الإضمار اقتضاه أن شأن التذييل أن يكون مستقل الدلالة على معناه لأنه كالمثل . وليست هذه الجملة من قول المؤمنين إذ لا قبل للمؤمنين بأن يحكموا هذا الحكم على أن أسلوب افتتاحه يقتضي أنه كلام من بيده الحكم يوم القيامة وهو ملك يوم الدين فهو كلام من جانب الله أي وهم مع الندم وذلك الذل والخزي بسماع ما يكرهون في عذاب مستمر
وافتتحت الجملة بحرف التنبيه لكثرة ذلك في التذييلات لأهميتها
والمقيم : الذي لا يرتحل . ووصف به العذاب على وجه الاستعارة شبه المستمر الدائم بالذي اتخذ دار إقامة لا يبرحها
( وما كان لهم من أولياء ينصرونهم من دون الله ) عطف على جملة ( إلا إن الظالمين في عذاب مقيم ) أي هم في عذاب دائم لا يجدون منه نصيرا . وهو رد لمزاعمهم أن آلهتهم تنفعهم عند الله
وجملة ( ينصرونهم ) صفة ل ( أولياء ) للدلالة على أن المراد هنا ولاية خاصة وهي ولاية النصر كما كان قوله سابقا ( ومن يضلل الله فما له من ولي من بعده ) مرادا به ولاية الإرشاد
و ( من ) زائدة في النفي لتأكيد نفي الولي لهم
وقوله ( من دون الله ) صفة ثانية ل ( أولياء ) وهي صفة كاشفة
و ( من ) زائدة لتأكيد تعلق ظرف ( دون ) بالفعل
( ومن يضلل الله فما له من سبيل [ 46 ] ) تذييل لجملة ( وما كان لهم من أولياء ينصرونهم ) وتقدم آنفا الكلام على نظيره وهو ( ومن يضلل فما له من ولي من بعده )
و ( سبيل ) نكرة في سياق النفي فيعم كل سبيل مخلص من الضلال ومن آثاره والمقصود هنا ابتداء هو سبيل الفرار من العذاب المقيم كما يقتضيه السياق . وبذلك لم يكن ما هنا تأكيدا لما تقدم من قوله ( ومن يضلل فما له من ولي من بعده )
( استجيبوا لربكم من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله ما لكم من ملجإ يومئذ وما لكم من نكير [ 47 ] ) بعد أن قطع خطابهم عقب قوله ( فما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا ) بما تخلص به إلى الثناء على فرق المؤمنين وما استتبع ذلك من التسجيل على المشركين بالضلالة والعذاب ووصف حالهم الفظيع عاد الكلام إلى خطابهم بالدعوة الجامعة لما تقدم طلبا لتدارك أمرهم قبل الفوات فاستؤنف الكلام استئنافا فيه معنى النتيجة للمواعظ المتقدمة لأن ما تقدم من الزواجر يهيئ بعض النفوس لقبول دعوة الإسلام

(1/3886)


والاستجابة : إجابة الداعي والسين والتاء للتوكيد . وأطلقت الاستجابة على امتثال ما يطالبهم به النبي صلى الله عليه وسلم تبليغا عن الله تعالى على طريقة المجاز ن استجابة النداء تستلزم الامتثال للمنادي فقد كثر إطلاقها على إجابة المستنجد
صلى الله عليه و سلم عليه الصلاة و السلام والمعنى : أطيعوا ربكم وامتثلوا أمره من قبل أن يأتي يوم العذاب وهو يوم القيامة لأن الحديث جار عليه
واللام في ( لربكم ) لتأكيد تعدية الفعل إلى المفعول مثل : حمدت له وشكرت له . وتسمى لام التبليغ ولام التبيين . وأصله استجابة قال كعب الغنوي :
وداع دعا يا من يجيب إلى الندا ... فلم يستجبه عند ذاك مجيب ولعل أصله استجاب دعاءه له أي لأجله له كما في قوله تعالى ( ألم نشرح لك صدرك ) فاختصر لكثرة الاستعمال فقالوا : استجاب له وشكر له وتقدم في قوله ( فليستجيبوا لي ) في سورة البقرة
والمرد : مصدر بمعنى الرد وتقدم آنفا في قوله ( هل إلى مرد من سبيل ) . و ( لا مرد له ) صفة ( يوم ) . والمعنى : لا مرد لإثباته بل هو واقع و ( له ) خبر ( لا ) النافية أي لا مرد كائنا له ولام ( له ) للاختصاص
و ( من ) في قوله ( من الله ) ابتدائية وهو ابتداء مجازي ومعناه : حكم الله به فكأن اليوم جاء من لدنه
ويجوز تعليق المجرور بفعل ( يأتي ) . ويجوز أن يتعلق بالكون الذي في خبر ( لا ) . والتقدير على هذا : لا مرد كائنا من الله له وليس متعلقا ب ( مرد ) على أنه متمم معناه إذ لو كان كذلك كان اسم ( لا ) شبيها بالمضاف فكان منونا ولم يكن مبنيا على الفتح وما وقع في الكشاف مما يوهم هذا مؤول بما سمعت ولذلك سماه صلة ولم يسمعه متعلقا
وجملة ( ما لكم من ملجأ يومئذ ) مستأنفة
والملجأ : مكان الملجأ واللجأ : المصبر والانحياز إلى الشيء فالملجأ : المكان الذي يصير إليه المرء للتوقي فيه ويطلق مجازا على الناصر وهو المراد هنا أي ما لكم من شيء يقيكم من العذاب
والنكير : اسم مصدر أنكر أي ما لكم إنكار لما جوزيتم به أي لا يسعكم إلا الاعتراف دون تنصل
( فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظا إن عليك إلا البلاغ ) الفاء للتفريع على قوله ( استجيبوا لربكم ) الآية وهو جامع لما تقدم كما علمت إذ أمر الله نبيه بدعوتهم للإيمان من قوله في أول السورة ( وكذلك أوحينا إليك قرءانا عربيا لتنذر أم القرى ومن حولها ) ثم قوله ( فلذلك فادع واستقم ) . وما تخلل ذلك واعترضه من تضاعيف الأمر الصريح والضمني إلى قوله ( استجيبوا لربكم ) . الآية . ثم فرع على ذلك كله إعلام الرسول صلى الله عليه وسلم بمقامه وعمله إن أعرض معرضون من الذين يدعوهم وبمعذرته فيما قام به وأنه غير مقصر وهو تعريض بتسليته على ما لاقاه منهم والمعنى : فإن أعرضوا بعد هذا كله فما أرسلناك حفيظا عليهم ومتكفلا بهم إذ ما عليك إلا البلاغ
وإذ قد كان ما سبق من الأمر بالتبليغ والدعوة مصدرا بقوله أوائل السورة ( والذين اتخذوا من دونه أولياء الله حفيظ عليهم وما أنت عليهم بوكيل ) لا جرم ناسب أن يفرع على تلك الأوامر بعد تمامها مثل ما قدم لها فقال ( فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظا إن عليك إلا البلاغ )
وهذا الارتباط هو نكتة الالتفات من الخطاب الذي في قوله ( استجيبوا لربكم ) الآية إلى الغيبة في قوله هنا ( فإن أعرضوا ) وإلا لقيل : فإن أعرضتم
والحفيظ تقدم في صدر السورة وقوله ( فما أرسلناك عليهم حفيظا ) ليس هو جواب الشرط في المعنى ولكنه دليل عليه وقائم مقامه إذ المعنى : فإن أعرضوا فلست مقصرا في دعوتهم ولا عليك تبعة صدهم إذ ما أرسلناك حفيظا عليهم بقرينة قوله ( إن عليك إلا البلاغ )
وجملة ( إن عليك إلا البلاغ ) بيان لجملة ( فما أرسلناك عليهم حفيظا ) باعتبار أنها دالة على جواب الشرط المقدر
و ( إن ) الثانية نافية . والجمع بينها وبين ( إن ) الشرطية في هذه الجملة جناس تام
والبلاغ : التبليغ وهو اسم مصدر وقد فهم من الكلام أنه قد أدى ما عليه من البلاغ لأن قوله ( فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظا ) دل على نفي التبعة عن النبي صلى الله عليه وسلم من إعراضهم وأن الإعراض هو الإعراض عن دعوته فاستفيد أنه قد بلغ الدعوة ولولا ذلك ما أثبت لهم الإعراض

(1/3887)


( وإنا إذا أذقنا الإنسان منا رحمة فرح بها وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم فإن الإنسان كفور [ 48 ] ) صلى الله عليه و سلم عليه الصلاة و السلام تتصل هذه الجملة بقوله ( فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظا إن عليك إلا البلاغ ) لما تضمنته هذه من التعريض بتسلية الرسول صلى الله عليه وسلم على ما لاقاه من قومه كما علمت ويؤذن بهذا الاتصال أن هاتين الجملتين جعلتا آية واحدة هي ثامنة وأربعون في هذه السورة فالمعنى : لا يحزنك إعراضهم عن دعوتك فقد أعرضوا عن نعمتي وعن إنذاري بزيادة الكفر فالجملة معطوفة على جملة ( فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظا ) وابتداء الكلام بضمير الجلالة المنفصل مسندا إليه فعل دون أن يقال : وإذا أذقنا الإنسان إلخ مع أن المقصود وصف هذا الإنسان بالبطر بالنعمة وبالكفر عند الشدة لأن المقصود من موقع هذه الجملة هنا تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم عن جفاء قومه وإعراضهم فالمعنى : أن معاملتهم ربهم هذه المعاملة تسليك عن معاملتهم إياك على نحو قوله تعالى ( يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك ) ولهذا لا تجد نظائر هذه الجملة في معناها مفتتحا بمثل هذا الضمير لأن موقع تلك النظائر لا تماثل موقع هذه وإن كان معناهما متماثلا فهذه الخصوصية خاصة بهذه الجملة
ولكن نظم هذه الآية جاء صالحا لإفادة هذا المعنى ولإفادة معنى آخر مقارب له وهو أن يكون هذا حكاية خلق للناس كلهم مرتكز في الجبلة لكن مظاهره متفاوتة بتفاوت أفراده في التخلق بالآداب الدينية فيحمل ( الإنسان ) في الموضعين على جنس بني آدم ويحمل الفرح على مطلقه المقول عليه بالتشكيك حتى يبلغ مبلغ البطر وتحمل السيئة التي قدمتها أيديهم على مراتب السيئات إلى أن تبلغ مبلغ الإشراك ويحمل وصف ( كفور ) على ما يشمل اشتقاقه من الكفر بتوحيد الله والكفر بنعمة الله
ولهذا اختلفت محامل المفسرين للآية . فمنهم من حملها على خصوص الإنسان الكافر بالله مثل الزمخشري والقرطبي والطيبي ومنهم من حملها على ما يعم أصناف الناس مثل الطبري والبغوي والنسفي وابن كثير . ومنهم من حملها على إرادة المعنيين على أن أولهما هو المقصود والثاني مندرج بالتبع وهذه طريقة البيضاوي وصاحب الكشف ومنهم من عكس وهي طريقة الكواشي في تلخيصه
وعلى الوجهين فالمراد ب ( الإنسان ) في الموضع الأول والموضع الثاني معنى واحد وهو تعريف الجنس المراد به الاستغراق أي إذا أذقنا الناس وأن الناس كفورون ويكون استغراقا عرفيا أريد به أكثر جنس الإنسان في ذلك الزمان والمكان لأن أكثر نوع الإنسان يومئذ مشركون وهذ هو المناسب لقوله ( فإن الإنسان كفور ) أي شديد الكفر قويه ولقوله ( بما قدمت أيديهم ) أي من الكفر
وإنما عدل عن التعبير بالناس إلى التعبير بالإنسان للإيماء إلى أن هذا الخلق المخبر به عنهم هو من أخلاق النوع لا يزيله إلا التخلق بأخلاق الإسلام فالذين لم يسلموا باقون عليه وذلك أدخل في التسلية لأن اسم الإنسان اسم جنس يتضمن أوصاف الجنس المسمى به على تفاوت في ذلك وذلك لغلبة الهوى . وقد تكرر ذلك في القرآن مرارا كقوله ( إن الإنسان خلق هلوعا ) وقوله ( إن الإنسان لربه لكنود ) وقوله ( وكان الإنسان أكثر شيء جدلا ) . وتأكيد الخبر بحرف التأكيد لمناسبة التسلية بأن نزل السامع الذي لا يشك في وقوع هذا الخبر منزلة المتردد في ذلك لاستعظامه إعراضهم عن دعوة الخير فشبه بالمتردد على طريقة المكنية وحرف التأكيد من روادف المشبه به المحذوف
والإذاقة : مجاز في الإصابة
والمراد بالرحمة : أثر الرحمة وهو النعمة فالتقدير : وإنا إذا رحمنا الإنسان فأصبناه بنعمة بقرينة مقابلة الرحمة بالسيئة كما قوبلت بالضراء في قوله ( ولئن أذقناه رحمة منا من بعد ضراء مسته ) في سورة فصلت
والمراد بالفرح : ما يشمل الفرح المجاوز حد المسرة إلى حد البطر والتجبر على نحو ما استعمل في آيات كثيرة مثل قوله تعالى ( إذ قال له قومه لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين ) لا الفرح الذي في مثل قوله تعالى ( فرحين بما آتاهم الله من فضله )

(1/3888)


وتوحيد الضمير في ( فرح ) لمراعاة لفظ الإنسان وإن كان معناه جمعا كقوله ( فقاتلوا التي تبغي ) أي الطائفة التي تبغي فاعتد بلفظ طائفة دون معناه مع أنه قال قبله ( اقتتلوا ) . ولذلك جاء بعده ( وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم ) بضميري الجماعة ثم عاد فقال ( فإن الإنسان كفور )
صلى الله عليه و سلم عليه الصلاة و السلام واجتلاب ( إذا ) في هذا الشرط لأن شأن ( إذا ) أن تدل على تحقق كثرة وقوع شرطها وشأن ( إن ) أن تدل على ندرة وقوعه ولذلك اجتلب ( إن ) في قوله ( وإن تصبهم سيئة ) لأن إصابتهم بالسيئة نادرة بالنسبة لإصابتهم بالنعمة على حد قوله تعالى ( فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه )
ومعنى قوله ( وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم ) تقدم بسطه عند قوله آنفا ( وما أصابكم من مصيبة فيما كسبت أيديكم )
والحكم الذي تضمنته جملة ( فإن الإنسان كفور ) هو المقصود من جملة الشرط كلها ولذلك أعيد حرف التأكيد فيها بعد أن صدرت به الجملة المشتملة على الشرط ليحيط التأكيد بكلتا الجملتين وقد أفاد ذلك أن من عوارض صفة الإنسانية عروض الكفر بالله لها لأن في طبع الإنسان تطلب مسالك النفع وسد منافذ الضر مما ينجر إليه من أحوال لا تدخل بعض أسبابها في مقدوره ومن طبعه النظر في الوسائل الواقية له بدلائل العقل الصحيح ولكن من طبعه تحريك خياله في تصوير قوي تخوله تلك الأسباب فإذا أملي عليه خياله وجود قوى متصرفة في النواميس الخارجة عن مقدوره خالها ضالته المنشودة فركن إليها وآمن بها وغاب عنه دليل الحق إما لقصور تفكيره عن دركه وانعدام المرشد إليه أو لغلبة هواه الذي يملي عليه عصيان المرشدين من الأنبياء والرسل والحكماء الصالحين إذ لا يتبعهم إلا القليل من الناس ولا يهتدي بالعقل من تلقاء نفسه إلا الأقل مثل الحكماء فغلب على نوع الإنسان الكفر بالله على الإيمان به كما بيناه آنفا في قوله ( وإنا إذا أذقنا الإنسان منا رحمة فرح بها )
ولذلك عقب هذا الحكم على النوع بقوله ( لله ملك السماوات والأرض يخلق ما يشاء ) . ولم يخرج عن هذا العموم إلا الصالحون من نوع الإنسان على تفاوت بينهم في كمال الخلق وقد استفيد خروجهم من آيات كثيرة كقوله ( لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات )
وقد شمل وصف ( كفور ) ما يشمل كفران النعمة وهما متلازمان في الأكثر
( لله ملك السماوات والأرض يخلق ما يشاء ) استئناف بياني لأن ما سبقه من عجيب خلق الإنسان الذي لم يهذبه الهدي الإلهي يثير في نفس السامع سؤالا عن فطر الإنسان على هاذين الخلقين اللذين يتلقى بهما نعمة ربه وبلاءه وكيف لم يفطر على الخلق الأكمل ليتلقى النعمة بالشكر والضر بالصبر والضراعة وسؤالا أيضا عن سبب إذاقة الإنسان النعمة مرة والبؤس مرة فيبطر ويكفر وكيف لم يجعل حاله كفافا لا لذات له ولا بلايا كحال العجماوات فكان جوابه : أن الله المتصرف في السماوات والأرض يخلق فيهما ما يشاء من الذوات وأحوالها . وهو جواب إجمالي إقناعي يناسب حضرة الترفع عن الدخول في المجادلة عن الشؤون الإلهية
وفي قوله ( يخلق ما يشاء ) من الإجمال ما يبعث المتأمل المنصف على تطلب الحكمة في ذلك فإن تطلبها انقادت له كما أومأ إلى ذلك تذييل هذه الجملة بقوله ( إنه عليم قدير ) فكأنه يقول : عليكم بالنظر في الحكمة في مراتب الكائنات وتصرف مبدعها فكما خلق الملائكة على أكمل الأخلاق في جميع الأحوال وفطر الدواب على حد لا يقبل كمال الخلق كذلك خلق الإنسان على أساس الخير والشر وجعله قابلا للزيادة منهما على اختلاف مراتب عقول أفراده وما يحيط بها من الاقتداء والتقليد وخلقه كامل التمييز بين النعمة وضدها ليرتفع درجات وينحط دركات مما يختاره لنفسه ولا يلائم فطر الإنسان على فطرة الملائكة حالة عالمه المادي إذ لا تأهل لهذا العالم لأن يكون سكانه كالملائكة لعدم الملاءمة بين عالم المادة وعالم الروح . ولذلك لما تم خلق الفرد الأول من الإنسان وآن أوان تصرفه مع قرينته بحسب ما بزغ فيهما من القوى لم يلبث أن نقل من عالم الملائكة إلى عالم المادة كما أشار إليه قوله تعالى ( قال اهبطا منها جميعا )

(1/3889)


ولكن الله لم يسد على النوع منافذ الكمال فخلقه خلقا وسطا بين الملكية والبهيمية إذ ركبه من المادة وأودع فيه الروح ولم يخله عن الإرشاد بواسطة وسطاء وتعاقبهم في العصور وتناقل إرشادهم بين الأجيال فإن اتبع إرشادهم التحق بأخلاق الملائكة حتى يبلغ المقامات التي أقامته في مقام الموازنة بين بعض أفراده وبين الملائكة في التفاضل
صلى الله عليه و سلم عليه الصلاة و السلام وقد أشار إلى ذلك قوله تعالى ( قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى ) وقوله ( وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم )
( يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور [ 49 ] أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشاء عقيما ) بدل من جملة ( يخلق ما يشاء ) بدل اشتمال لأن خلقه ما يشاء يشتمل على هبته لمن يشاء ما يشاء
وهذا الإبدال إدماج مثل جامع لصور إصابة المحبوب وإصابة المكروه فإن قوله ( ويجعل من يشاء عقيما ) هو من المكروه عند غالب البشر ويتضمن ضربا من ضروب الكفران وهو اعتقاد بعض النعمة سيئة في عادة المشركين من تطيرهم بولادة البنات لهم وقد أشير إلى التعريض بهم في ذلك بتقديم الإناث على الذكور في ابتداء تعداد النعم الموهوبة على عكس العادة في تقديم الذكور على الإناث حيثما ذكرا في القرآن في نحو ( إنا خلقناكم من ذكر وأنثى ) وقوله ( فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى ) فهذا من دقائق هذه الآية
والمراد : يهب لمن يشاء إناثا فقط ويهب لمن يشاء الذكور فقط بقرينة قوله : ( أو يزوجهم ذكرانا وإناثا )
وتنكير ( إناثا ) لأن التنكير هو الأصل في أسماء الأجناس وتعريف ( الذكور ) باللام لأنهم الصنف المعهود للمخاطبين فاللام لتعريف الجنس وإنما يصار إلى تعريف الجنس لمقصد أي يهب ذلك الصنف الذي تعهدونه وتتحدثون به وترغبون فيه على حد قول العرب : أرسلها العراك وتقدم في أول الفاتحة . و ( أو ) للتقسيم
والتزويج قرن الشيء بشيء آخر فيصيران زوجا . ومن مجازه إطلاقه على إنكاح لرجل امرأة لأنهما يصيران كالزوج والمراد هنا : جعلهم زوجا في الهبة أي يجمع لمن يشاء فيهب له ذكرانا مشفعين بإناث فالمراد التزويج بصنف آخر لا مقابلة كل فرد من الصنف بفرد من الصنف الآخر
والضمير في ( يزوجهم ) عائد إلى كلا من الإناث والذكور . وانتصب ( ذكرانا وإناثا ) على الحال من ضمير الجمع في ( يزوجهم )
والعقيم : الذي لا يولد له من رجل أو امرأة وفعله عقم من باب فرح وعقم من باب كرم . وأصل فعله أن يتعدى إلى المفعول بقال عقمها الله من باب ضرب ويقال عقمت المرأة بالبناء للمجهول أي عقمها عاقم لأن سبب العقم مجهول عندهم . فهو مما جاء متعديا وقاصرا فالقاصر بضم القاف وكسرها والمتعدي بفتحها والعقيم : فعيل بمعنى مفعول فلذلك استوى فيه المذكر والمؤنث غالبا وربما ظهرت التاء نادرا قالوا : رحم عقيمة
( إنه عليم قدير [ 50 ] ) جملة في موضع العلة للمبدل منه وهو ( يخلق ما يشاء ) فموقع ( إن ) هنا موقع فاء التفريع
والمعنى : أن خلقه ما يشاء ليس خلقا مهملا عريا عن الحكمة لأنه واسع العلم لا يفوته شيء من المعلومات فخلقه الأشياء يجري على وفق علمه وحكمته
وهو ( قدير ) نافذ القدرة فإذا علم الحكمة في خلق شيء أراده فجرى على قدره . ولما جمع بين وصفي العلم والقدرة تعين أن هنالك صفة مطوية وهي الإرادة لأنه إنما تتعلق قدرته بعد تعلق إرادته بالكائن
وتفصيل المعنى : أنه عليم بالأسباب والقوى والمؤثرات التي وضعها في العوالم وبتوافق آثار بعضها وتخالف بعض وكيف تتكون الكائنات على نحو ما قدر لها من الأوضاع وكيف تتظاهر فتأتي الآثار على نسق واحد وتتمانع فينقص تأثير بعضها في آثاره بسبب ممانعة مؤثرات أخرى وكل ذلك من مظاهر علمه تعالى في أصل التكوين العالمي ومظاهر قدرته في الجري على وفاق علمه
( وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء إنه علي حكيم [ 51 ] ) صلى الله عليه و سلم عليه الصلاة و السلام

(1/3890)


عطف على ما سبق من حكاية ترهاتهم عطف القصة على القصة وهو عود إلى إبطال شبه المشركين التي أشار إليها قوله تعالى ( كذلك يوحي إليك وإلى الذين من قبلك الله العزيز الحكيم ) وقوله تعالى ( كبر على المشركين ما تدعوهم إليه ) وقد أشرنا إلى تفصيل ذلك فيما تقدم ويزيده وضوحا قوله عقبه ( وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ) . وهذه الآية تبطل الشبهة الثانية فيما عددناه من شبهاتهم في كون القرآن وحيا من الله إلى محمد صلى الله عليه وسلم إذ زعموا أن محمدا صلى الله عليه وسلم لو كان مرسلا من الله لكانت معه ملائكة تصدق قوله أو لأنزل عليه كتاب جاهز من السماء يشاهدون نزوله قال تعالى ( وقالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا ) وقال ( وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا ) إلى أن قال ( ولن نؤمن لك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه )
وإذ قد كان أهم غرض هذه السورة إثبات كون القرآن وحيا من الله إلى محمد صلى الله عليه وسلم كما أوحي من قبله للرسل كان العود إلى ذلك من قبيل رد العجز على الصدر
فبين الله للمكذبين أن سنة الله في خطاب رسله لا تعدو ثلاثة أنحاء من الخطاب منها ما جاء به القرآن فلم يكن ذلك بدعا مما جاءت به الرسل الأولون وما كان الله ليخاطب رسله على الأنحاء التي اقترحها المشركون على النبي صلى الله عليه وسلم فجيء بصيغة حصر مفتتحة بصيغة الجحود المفيدة مبالغة النفي وهي ( وما كان لبشر أن يكلمه الله ) أي لم يتهيأ لأحد من الرسل أن يأتيه خطاب من الله بنوع من هذه الثلاثة
ودل ذلك على انتفاء أن يكون إبلاغ مراد الله تعالى لأمم الرسل بغير أحد هذه الأنواع الثلاثة أعني خصوص نوع إرسال رسول بدلالة فحوى الخطاب فإنه إذا كان الرسل لا يخاطبهم الله إلا بأحد هذه الأنحاء الثلاثة فالأمم أولى بأن لا يخاطبوا بغير ذلك من نحو ما سأله المشركون من رؤية الله يخاطبهم أو مجيء الملائكة إليهم بل لا يتوجه إليهم خطاب الله إلا بواسطة رسول منهم يتلقى كلام الله بنحو من الأنحاء الثلاثة وهو مما يدخل في قوله ( أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء ) فإن الرسول يكون ملكا وهو الذي يبلغ الوحي إلى الرسل والأنبياء
وخطاب الله الرسل والأنبياء قد يكون لقصد إبلاغهم أمرا يصلحهم نحو قوله تعالى ( يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلا ) وقد يكون لإبلاغهم شرائع للأمم مثل معظم القرآن والتوراة أو إبلاغهم مواعظ لهم مثل الزبور ومجلة لقمان
والاستثناء في قوله ( إلا وحيا ) استثناء من عموم أنواع المتكلم التي دل عليها الفعل الواقع في سياق النفي وهو ( ما كان لبشر أن يكلمه الله )
فانتصاب ( وحيا ) على الصفة لمصدر محذوف دل عليه الاستثناء والتقدير : إلا كلاما وحيا أي موحى به كما تقول : لا أكلمه إلا جهرا أو إلا إخفاتا لأن الجهر والإخفات صفتان للكلام
والمراد بالتكلم بلوغ مراد الله إلى النبي سواء كان ذلك البلوغ بكلام يسمعه ولا يرى مصدره أو بكلام يبلغه إليه الملك عن الله تعالى أو بعلم يلقى في نفس النبي يوقن بأنه مراد الله بعلم ضروري يجعله الله في نفسه
وإطلاق الكلام على هذه الثلاثة الأنواع : بعضه حقيقة مثل ما يسمعه النبي كما سمع موسى وبعضه مجاز قريب من الحقيقة وهو ما يبلغه إلى النبي فإنه رسالة بكلام وبعضه مجاز محض وهو ما يلقى في قلب النبي مع العلم فإطلاق فعل ( يكلمه ) على جميعها من استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه على طريقة استعمال المشترك في معانيه
وإسناد فعل ( يكلمه ) إلى الله إسناد مجازي عقلي
وبهذا الاعتبار صار استثناء الكلام الموصوف بأنه وحي استثناء متصلا
وأصل الوحي : الإشارة الخفية ومنه ( فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا ) . ويطلق على ما يجده المرء في نفسه دفعة كحصول معنى الكلام في نفس السامع قال عبيد بن الأبرص :
وأوحى إلي الله أن قد تآمروا ... بإبل أبي أوفى فقمت على رجل صلى الله عليه و سلم عليه الصلاة و السلام

(1/3891)


وهذا الإطلاق هو المراد هنا بقرينة المقابلة بالنوعين الآخرين . ومن هنا أطلق الوحي على ما فطر الله عليه الحيوان من الإلهام المتقن الدقيق كقوله ( وأوحى ربك إلى النحل ) . فالوحي بهذا المعنى نوع من أنواع إلقاء كلام الله إلى الأنبياء وهو النوع الأول في العد فأطلق الوحي على الكلام الذي يسمعه النبي بكيفية غير معتادة وهذا الإطلاق من مصطلح القرآن وهو الغالب في إطلاقات الكتاب والسنة ومنه قول زيد بن ثابت " فعلمت أنه يوحى إليه ثم سري عنه " فقرأ ( غير أولي الضرر ) ولم يقل فنزل عليه جبريل
والوحي بهذا المعنى غير الوحي الذي سيجيء في قوله ( أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء ) . والمراد بالوحي هنا : إيقاع مراد الله في نفس النبي يحصل له به العلم بأنه من عند الله فهو حجة للنبي لمكان العلم الضروري وحجة للأمة لمكان العصمة من وسوسة الشيطان وقد يحصل لغير الأنبياء ولكنه غير مطرد ولا منضبط مع أنه واقع وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم " قد كان فيما مضى قبلكم من الأمم محدثون فإن يكن في أمتي منهم أحد فعمر بن الخطاب " قال ابن وهب " محدثون : ملهمون "
ومن هذا الوحي مرائي الأنبياء فإنها وحي وهي ليست بكلام يلقى إليهم ففي الحديث " إني أريت دار هجرتكم وهي في حرة ذات نخل فوقع في وهلي أنها اليمامة أو هجر فإذا هي طابة "
وقد تشتمل الرؤيا على إلهام وكلام مثل حديث " رأيت بقرا تذبح ورأيت والله خير ) . في رواية رفع اسم الجلالة أي رأيت هذه الكلمة وقد أول النبي صلى الله عليه وسلم رؤياه البقر التي تذبح بما أصاب المسلمين يوم أحد وأما " والله خير " فهو ما أتى الله به بعد ذلك من الخير
ومن الإلهام مرائي الصالحين فإنها جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوءة
وليس الإلهام بحجة في الدين لأن غير المعصوم لا يوثق بصحة خواطره إذ ليس معصوما من وسوسة الشيطان . وبعض أهل التصوف وحكماء الإشراق يأخذون به في خاصتهم ويدعون أن أمارات تميز لهم بين صادق الخواطر وكاذبها ومنه قول قطب الدين الشيرازي في ديباجة شرحه على المفتاح " إني قد ألقي إلي على سبيل الإنذار من حضرة الملك الجبار بلسان الإلهام لا كوهم من الأوهام " إلى أن قال " ما أورثني التجافي عن دار الغرور " . ومنه ما ورد في قول النبي صلى الله عليه وسلم " إن روح القدس نفث في روعي أن نفسا لن تموت حتى تستوفي أجلها ورزقها " على أحد تفسيرين فيه ولا ريب في أنه المراد هنا لأن ألفاظ هذا الحديث جرت على غير الألفاظ التي يحكى بها نزول الوحي بواسطة كلام جبريل عليه السلام
والنوع الثاني : أن يكون الكلام من وراء حجاب يسمعه سامعه ولا يرى مصدره بأن يخلق الله كلاما في شيء محجوب عن سامعه وهو ما وصف الله هنا بقوله ( أو من وراء حجاب )
والمعنى : أو محجوبا المخاطب " بالفتح " عن رؤية مصدر الكلام فالكلام كأنه من وراء حجاب وهذا مثل تكليم الله تعالى موسى في البقعة المباركة من الشجرة ويحصل علم المخاطب بأن ذلك الكلام من عند الله أول مرة بآية يريه الله إياها يعلم أنها لا تكون إلا بتسخير الله كما علم موسى ذلك بانقلاب عصاه حية ثم عودها إلى حالتها الأولى وبخروج يده من جيبه بيضاء كما قال تعالى ( آية أخرى لنريك من آياتنا الكبرى اذهب إلى فرعون إنه طغى ) . ثم يصير بعد ذلك عادة يعرف بها كلام الله
واختص بهذا النوع من الكلام في الرسل السابقين موسى عليه السلام وهو المراد من قوله تعالى ( قال يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالتي وبكلامي ) وليس الوحي إلى موسى منحصرا في هذا النوع فإنه كان يوحى إليه الوحي الغالب لجميع الأنبياء والرسل وقد حصل هذا النوع من الكلام لمحمد صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء فقد جاء في حديث الإسراء : أن الله فرض عليه وعلى أمته خمسين صلاة ثم خفف الله منها حتى بلغت خمس صلوات وأنه سمع قوله تعالى ( أتممت فريضتي وخففت عن عبادي )
صلى الله عليه و سلم عليه الصلاة و السلام

(1/3892)


وأشارت إليه سورة النجم بقوله تعالى ( فاستوى وهو بالأفق الأعلى ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى فأوحى إلى عبده ما أوحى ما كذب الفؤاد ما رأى أفتمارونه على ما يرى ) . والقول بأنه سمع كلام الله ليلة أسري به إلى السماء مروي عن علي ابن أبي طالب وابن مسعود وابن عباس وجعفر بن محمد الصادق والأشعري والواسطي وهو الظاهر لأن فضل محمد صلى الله عليه وسلم على جميع المرسلين يستلزم أن يعطيه الله من أفضل ما أعطاه رسله عليهم السلام جميعا
النوع الثالث : أن يرسل الله الملك إلى النبي فيبلغ إليه كلاما يسمعه النبي ويعيه وهذا هو غالب ما يوجه إلى الأنبياء من كلام الله تعالى قال تعالى في ذكر زكريا ( فنادى الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب أن الله يبشرك بيحيى ) وقال في إبراهيم ( وناديناه أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا ) وهذا الكلام يأتي بكيفية وصفها النبي صلى الله عليه وسلم للحارث ابن هشام وقد سأل رسول الله " كيف يأتيك الوحي ؟ فقال : أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشده عبي فيفصم عني وقد وعيت عنه " أي عن جبريل " ما قال وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول "
فالرسول في قوله تعالى ( أو يرسل رسولا ) : هو الملك جبريل أو غيره وقوله ( فيوحي بإذنه ما يشاء ) سمى هذا الكلام وحيا على مراعاة الإطلاق القرآني الغالب كما تقدم نحو قوله " وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى علمه شديد القوى " وهو غير المراد من قوله ( إلا وحيا ) بقرينة التقسيم والمقابلة
ومن لطائف نسج هذه الآية ترتيب ما دل على تكليم الله الرسل بدلالات فجيء بالمصدر أولا في قوله ( إلا وحيا ) وجيء بما يشبه الجملة ثانيا وهو قوله ( من وراء حجاب ) وجيء بالجملة الفعلية ثالثا بقوله ( ويرسل رسولا )
وقرأ نافع ( أو يرسل ) برفع ( يرسل ) على الخبرية والتقدير : أو هو مرسل رسولا . وقرأ ( فيوحي ) بسكون الياء بعد كسرة الحاء
وقرأ الباقون ( أو يرسل ) بنصب الفعل على تقدير ( أن ) محذوفة دل عليها العطف على المصدر فصار الفعل المعطوف في معنى المصدر فاحتاج إلى تقدير حرف السبك . وقرأوا ( فيوحي ) بفتحة على الياء عطفا على ( يرسل )
وما صدق ( ما يشاء ) كلام أي فيوحي كلاما يشاؤه الله فكانت هذه الجملة في معنى الصفة ل ( كلاما ) المستثنى المحذوف والرابط هو ( ما يشاء ) لأنه في معنى : كلاما فهو كربط الجملة بإعادة لفظ ما هي له أو بمرادفه نحو ( الحاقة ما الحاقة ) . والتقدير : أو إلا كلاما موصوفا بأن الله يرسل رسولا فيوحي بإذنه كلاما يشاؤه فإن الإرسال نوع من الكلام المراد في هذه الآية
والآية صريحة في أن هذه الأنواع الثلاثة أنواع لكلام الله الذي يخاطب به عباده . وذكر النوعين : الأول والثالث صريح في أن إضافة الكلام المنوع إليها إلى الله أو إسناده إليه حيثما وقع في ألفاظ الشريعة نحو قوله تعالى ( حتى يسمع كلام الله ) وقوله ( قال يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالتي وبكلامي ) وقوله ( وكلم الله موسى تكليما ) يدل على أنه كلام له خصوصية هي أنه أوجده الله إيجادا بخرق العادة ليكون بذلك دليلا على أن مدلول ألفاظه مراد لله تعالى ومقصود له كما سمي الروح الذي تكون به عيسى روح الله لأنه تكون على سبيل خرق العادة فالله خلق الكلام الذي يدل على مراده خلقا غير جار على سنة الله في تكوين الكلام ليعلم الناس أن الله أراد إعلامهم بأنه أراد مدلولات ذلك الكلام بآية أنه خرق فيه عادة إيجاد الكلام فكان إيجادا غير متولد من علل وأسباب عادية فهو كإيجاد السماوات والأرض وإيجاد آدم في أنه غير متولد من علل وأسباب فطرية
صلى الله عليه و سلم عليه الصلاة و السلام

(1/3893)


واعلم أن حقيقة الإلهية لا تقتضي لذاتها أن يكون الله متكلما كما تقتضي أنه واحد حي عالم قدير مريد ومن حاول جعل صفة الكلام من مقتضى الإلهية على تنظير الإله بالملك بناء على أن الملك يقتضي مخاطبة الرعايا بما يريد الملك منهم فقد جاء بحجة خطابية بل الحق أن الذي اقتضى إثبات كلام الله هو وضع الشرائع الإلهية أي تعلق إرادة الله بإرشاد الناس إلى اجتناب ما يخل باستقامة شؤونهم بأمرهم ونهيهم وموعظتهم ووعدهم ووعيدهم من يوم نهي آدم عن الأكل من الشجرة وتوعده بالشقاء إن أكل منها ثم من إرسال الرسل إلى الناس وتبليغهم إياهم أمر الله ونهيه بوضع الشرائع وذلك من عهد نوح بلا شك أو من عهد آدم إن قلنا إن آدم بلغ أهله أمر الله ونهيه
فتعين الإيمان بأن الله آمر وناه وواعد وموعد ومخبر بواسطة رسله وأنبيائه وأن مراده ذلك أبلغه إلى الأنبياء بكلام يلقى إليهم ويفهمونه وهو غير متعارف لهم قبل النبوءة وهو متفاوت الأنواع في مشابهة الكلام المتعارف
ولما لم يرد في الكتاب والسنة وصف الله بأنه متكلم ولا إثبات صفة له تسمى الكلام ولم تقتض ذلك حقيقة الإلهية ما كان ثمة داع إلى إثبات ذلك عند أهل التأويل من الخلف من أشعرية وماتريدية إذ قالوا : إن الله متكلم وان له صفة تسمى الكلام وبخاصة المعتزلة إذ قالوا إنه متكلم ونفوا صفة الكلام وأمر المعتزلة أعجب إذ أثبتوا الصفات المعنوية لأجل القواطع من آيات القرآن وأنكروا صفات المعاني تورعا وتخلصا من مشابهة القول بتعدد القدماء بلا داع وقد كان لهم في عدم إثبات صفة المتكلم مندوحة لانتفاء الداعي إلى إثباتها خلافا لما دعا إلى إثبات غيرها من الصفات المعنوية وقد حكى فخر الدين في تفسير هذه السورة إجماع الأمة على أن الله تعالى متكلم
وقصارى ما ورد في القرآن إسناد فعل الكلام إلى الله أو إضافة مصدره إلى اسمه وذلك لا يوجب أن يشتق منه صفة لله تعالى فإنهم لم يقولوا لله صفة نافخ الأرواح لأجل قوله تعالى ( ونفخت فيه من روحي ) فالذي حدا مثبتي صفة الكلام لله هو قوة تعلق هذا الوصف بصفة العلم فخصوا هذا التعلق باسم خاص وجعلوه صفة مستقلة مثل ما فعلوا في صفة السمع والبصر
هذا واعلم أن مثبتي صفة الكلام قد اختلفوا في حقيقتها فذهب السلف إلى أنها صفة قديمة كسائر صفات الله . فإذا سئلوا عن الألفاظ التي هي الكلام : أقديمة هي أم حادثة ؟ قالوا : قديمة وتعجب منهم فخر الدين الرازي ونبزهم ولا أحسبهم إلا أنهم تحاشوا عن التصريح بأنها حادثة لئلا يؤدي ذلك دهماء الأمة إلى اعتقاد حدوث صفات الله أو يؤدي إلى إبطال أن القرآن كلام الله لأن تبيان حقيقة معنى الإضافة في قولهم : كلام الله دقيق جدا يحتاج مدركه إلى شحذ ذهنه بقواعد العلوم والعامة على بون من ذلك
واشتهر من أهل هذه الطريقة أحمد بن حنبل رحمه الله زمن فتنة خلق القرآن . وكان فقهاء المالكية في زمن العبيديين ملتزمين هذه الطريقة . وقال الشيخ أبو محمد ابن أبي زيد في الرسالة " وإن القرآن كلام الله ليس بمخلوق فيبيد ولا صفة لمخلوق فينفد " . وقد نقشوا على إسطوانة من أساطين الجامع بمدينة سوسة هذه العبارة " القرآن كلام الله وليس بمخلوق " وهي ماثلة إلى الآن
قال فخر الدين : واتفق أني قلت يوما لبعض الحنابلة : لو تكلم الله بهذه الحروف ؛ إما أن يتكلم بها دفعة واحدة أو على التعاقب والأول باطل لأن التكلم بها دفعة واحدة لا يفيد هذا النظم المركب على التعاقب والتوالي والثاني باطل لأنه لو تكلم الله بها على التوالي كانت محدثة فلما سمع مني هذا الكلام قال " الواجب علينا أن نقر ونمر " يعني نقر بأن القرآن قديم ونمر على هذا الكلام على وفق ما سمعناه قال : فتعجبت من سلامة قلب ذلك القائل
صلى الله عليه و سلم عليه الصلاة و السلام

(1/3894)


ومن الغريب جدا ما يعزى إلى محمد بن كرام وأصحابه الكرامية من القول بأن كلام الله حروف وأصوات قائمة بذاته تعالى وقالوا : لا يلزم أن كل صفة لله قديمة ونسب مثل هذا إلى الحشوية وأما المعتزلة فأثبتوا لله أنه متكلم ومنعوا أن تكون له صفة تسمى الكلام والذي دعاهم إلى ذلك هو الجمع بين ما شاع في القرآن والسنة وعند السلف من إسناد الكلام إلى الله وإضافته إليه وقالوا : إن اشتقاق الوصف لا يستلزم قيام المصدر بالموصوف وتلك طريقتهم في صفات المعاني كلها وزادوا فقالوا : معنى كونه متكلما أنه خالق الكلام
وأما الأشعري وأصحابه فلم يختلفوا في أن الكلام الذي نقول : إنه كلام الله المركب من حروف وأصوات المتلو بألسنتنا المكتوب في مصاحفنا إنه حادث وليس هو صفة الله تعالى وإنما صفة الله مدلول ذلك الكلام المركب من الحروف والأصوات من المعاني من أمر ونهي ووعد ووعيد . وتقريب ذلك عندي أن الكلام الحادث الذي خلقه الله دال على مراد الله تعالى وأن مراد الله صفة لله
قال أبو بكر الباقلاني عن الشيخ : ان كلام الله الأزلي مقروء بألسنتنا محفوظ في قلوبنا مسموع بآذاننا مكتوب في مصاحفنا غير حال في شيء من ذلك كما أن الله معلوم بقلوبنا مذكور بألسنتنا معبود في محاريبنا وهو غير حال في شيء من ذلك . والقراءة والقارئ مخلوقان كما أن العلم والمعرفة مخلوقان والمعلوم والمعروف قديمان ا ه . يعني أن الألفاظ المقروءة والمكتوبة دوال وهي مخلوقة والمدلول وهو كون الله مريدا لمدلولات تلك التراكيب هو وصف الله تعالى ليصح أن الله أراد من الناس العمل بالمدلولات التي دلت عليها تلك التراكيب . وقد اصطلح الأشعري على تسمية ذلك المدلول كلاما نفسيا وهو إرادة المعاني التي دل عليها الكلام اللفظي وقد استأنس لذلك بقول الأخطل :
إن الكلام لفي الفؤاد وإنما ... جعل اللسان على الفؤاد دليلا وأما أبو منصور الماتريدي فنقل الفخر عنه كلاما مزيجا من كلام الأشعري وكلام المعتزلة والبعض نقل عنه مثل قول السلف . وسبب اختلاف النقل عنه هو أن الماتريدي تابع في أصول الدين أبا حنيفة . وقد اضطرب أتباعه في فهم عبارته الواقعة في العقيدة المنسوبة إليه المسماة : الفقه الأكبر ( إن صح عزوها إليه ) إذ كانت عبارة يلوح عليها التضارب ولعله مقصود . وتأويلها بما يوافق كلام الأشعري هو التحقيق
وتحقيق هذا المقام بوجه واضح قريب أن نقول : إن ثبوت صفة الكلام لله هو مثل ثبوت صفة الإرادة وصفة القدرة له تعالى في الأزل وهو أشبه باتصافه بالإرادة فكما أن معنى ثبوت صفة الإرادة لله انه تعالى متى تعلق علمه بإيجاد شيء لم يكن موجودا أو بإعدام شيء كان موجودا أنه لا يحول دون تنفيذ ما تعلق علمه يإيجاده أو إعدامه حائل ولا يمنعه منه مانع ومتى تعلق علمه بإبقاء المعدوم في حالة العدم أو الموجود في حالة الوجود لا يكرهه على ضد ذلك مكره . فكذلك ثبوت الكلام لله معناه أنه كلما تعلق علمه بأن يأمر أو ينهى أحدا لم يحل حائل دون إيجاد ما يبلغ مراده إلى المأمورين أو المنهيين وكلما تعلق علمه بأن يترك توجيه أمر أو نهي إلى الناس لم يكرهه مكره على أن يأمرهم أو ينهاهم
وكما أن للإرادة تعلقا صلاحيا أزليا وتعلقا تنجيزيا حادثا حين تتوجه الإرادة إلى إيجاد بواسطة القدرة . كذلك نجد لكلام الله تعلقا صلاحيا أزليا وتعلقا تنجيزيا حين اقتضاء علم الله توجيه أمره أو نهيه أو نحوهما إلى بعض عباده
فالكلام الذي ينطق به الرسول وينسبه إلى الله تعالى هو حادث وهو أثر التعلق التنجيزي الحادث والكلام الذي نعتقد أن الله أراده وأراد من الناس العمل به هو الصفة الأزلية القديمة ولها التعلق الصلاحي القديم . وفي الرسالة الخاقانية للعلامة عبد الحكيم السلكوتي نقل عن بعض العلماء بأن لكلام الله تعلقا تنجيزيا حادثا وهذا من التحقيق بمكان
والتحقيق : أن ذلك الكلام الأزلي يتنوع إلى أنواع المدلولات من أمر ونهي وخبر ووعد ووعيد ونحو ذلك
صلى الله عليه و سلم عليه الصلاة و السلام

(1/3895)


وخلاصة معنى الآية أن الله قد يخلق في نفس جبريل أو غيره من الملائكة علما بمراد الله على كيفية لا نعلمها وعلما بأن الله سخره إبلاغ مراده إلى النبي والملك يبلغ إلى النبي ما أمر بتبليغه للآمر التسخيري بألفاظ معينة ألقاها الله في نفس الملك مثل ألفاظ القرآن أو بألفاظ من صنعة الملك كالتي حكى الله عن زكريا بقوله ( فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب أن الله يبشرك بيحيى )
أو يخلق في سمع النبي كلاما يعلم علم اليقين أنه غير صادر إليه من متكلم فيوقن أنه من عند الله بدلالة المعجزة أول مرة وبدلالة تعوده بعد ذلك . وهذا مثل الكلام الذي كلم الله به موسى ألا ترى إلى قوله تعالى ( أن يا موسى إني أنا الله رب العالمين وأن ألق عصاك ) الآية فقرن خطابه الخارق للعادة بالمعجزة الخارقة للعادة ليوقن موسى أن ذلك كلام من عند الله
أو يخلق في نفس النبي علما قطعيا بأن الله أراد منه كذا كما يخلق في نفس الملك في الحالة المذكورة أولا
فعلى هذه الكيفيات يأتي الوحي للأنبياء ويختص القرآن بمزية أن الله تعالى يخلق كلاما يعيه الملك ويؤمر بإبلاغه بنصه دون تغيير إلى محمد صلى الله عليه وسلم
والقول في موقع جملة ( إنه علي حكيم ) كالقول في جملة ( إنه عليم قدير ) السابقة وإنما أؤثر هنا صفة ( العلي الحكيم ) لمناسبتهما للغرض لأن العلو في صفة ( العلي ) علو عظمة فائقة لا تناسبها النفوس البشرية التي لم تحظ من جانب القدس بالتصفية فما كان لها أن تتلقى من الله مراده مباشرة فاقتضى علوه أن يكون توجيه خطابه إلى البشر بوسائط يفضي بعضها إلى بعض لأن ذلك كما يقول الحكماء : استفادة القابل من المبدإ تتوقف عن المناسبة بينهما
وأما وصف ( الحكيم ) فلأن معناه المتقن للصنع العالم بدقائقه وما خطابه البشر إلا لحكمة إصلاحهم ونظام عالمهم وما وقوعه على تلك الكيفيات الثلاث إلا من أثر الحكمة لتيسير تلقي خطابه ووعيه دون اختلال فيه ولا خروج عن طاقة المتلقين
وانظر ما تقدم عند قوله تعالى ( ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه ) في سورة الأعراف وعند قوله ( فأجره حتى يسمع كلام الله ) في سورة براءة
( وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا ) عطف على جملة ( وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا ) الآية وهذا دليل عليهم أن القرآن أنزل من عند الله أعقب به إبطال شبهتهم التي تقدم لإبطالها قوله ( وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا ) الآية أي كان وحينا إليك مثل كلامنا الذي كلمنا به من قبلك على ما صرح به في قوله تعالى ( إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده ) . والمقصود من هذا هو قوله ( ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان )
والإشارة إلى سابق في الكلام وهو المذكور آنفا في قوله ( وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا ) الآية أي ومثل الذي ذكر من تكليم الله وحينا إليك روحا من أمرنا فيكون على حد قول الحارث بن حلزة :
مثلها تخرج النصيحة للقوم ... فلاة من دونها أفلاء أي مثل نصيحتنا التي نصحناها للملك عمرو بن هند تكون نصيحة الأقوام بعضهم لبعض لأنها نصيحة قرابة ذوي أرحام
ويجوز أن تكون الإشارة إلى ما يأتي من بعد وهو الإيحاء المأخوذ من ( أوحينا إليك ) أي مثل إيحائنا إليك أوحينا إليك أي لو أريد تشبيه إيحائنا إليك في رفعة القدر والهدى ما وجد له شبيه إلا نفسه على طريقة قوله تعالى ( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) كما تقدم في سورة البقرة . والمعنى : إن ما أوحينا إليك هو أعز وأشرف وحي بحيث لا يماثله غيره
وكلا المعنيين صالح هنا فينبغي أن يكون كلاهما محملا للآية على نحو ما ابتكرناه في المقدمة التاسعة من هذا التفسير . ويؤخذ من هذه الآية أن النبي محمد صلى الله عليه وسلم قد أعطي أنواع الوحي الثلاثة وهو أيضا مقتضى الغرض من مساق هذه الآيات
صلى الله عليه و سلم عليه الصلاة و السلام

(1/3896)


والروح : ما به حياة الإنسان وقد تقدم عند قوله تعالى ( ويسألونك عن الروح ) في سورة الإسراء . وأطلق الروح هنا مجازا على الشريعة التي بها اهتداء النفوس إلى ما يعود عليهم بالخير في حياتهم الأولى وحياتهم الثانية شبهت هداية عقولهم بعد الضلالة بحلول الروح في الجسد فيصير حيا بعد أن كان جثة
ومعنى ( من أمرنا ) مما استأثرنا بخلقه وحجبناه عن الناس فالأمر المضاف إلى الله بمعنى الشأن العظيم كقولهم : أمر أمر فلان أي شأنه وقوله تعالى ( بإذن ربهم من كل أمر )
والمراد بالروح من أمر الله : ما أوحي به إلى النبي صلى الله عليه وسلم من الإرشاد والهداية سواء كان بتلقين كلام معين مأمور بإبلاغه إلى الناس بلفظه دون تغير وهو الوحي القرآني المقصود منه أمران : الهداية والإعجاز أم كان غير مقيد بذلك بل الرسول مأمور بتبليغ المعنى دون اللفظ وهو ما يكون بكلام غير مقصود به الإعجاز أو بإلقاء المعنى إلى الرسول بمشافهة الملك وللرسول في هذا أن يتصرف من ألفاظ ما أوحي إليه بما يريد التعبير به أو برؤيا المنام أو بالإلقاء في النفس كما تقدم
واختتام هذه السورة بهذه الآية مع افتتاحها بقوله ( كذلك يوحي إليك ) الآية فيه محسن رد العجز على الصدر
وجملة ( ما كنت تدري ما الكتاب ) في موضع الحال من ضمير ( أوحينا ) أي أوحينا إليك في حال انتفاء علمك بالكتاب والإيمان اي أفضنا عليك موهبة الوحي في حال خلوك عن علم الكتاب وعلم الإيمان . وهذا تحد للمعاندين ليتأملوا في حال الرسول صلى الله عليه وسلم فيعلموا أن ما أوتيه من الشريعة والآداب الخلقية هو من مواهب الله تعالى التي لم تسبق له مزاولتها ويتضمن امتنانا عليه وعلى أمته المسلمين
ومعنى عدم دراية الكتاب : عدم تعلق علمه بقراءة كتاب أو فهمه
ومعنى انتفاء دراية الإيمان : عدم تعلق علمه بما تحتوي عليه حقيقة الإيمان الشرعي من صفات الله وأصول الدين وقد يطلق الإيمان على ما يرادف الإسلام كقوله تعالى ( وما كان الله ليضيع إيمانكم ) وهو الإيمان الذي يزيد وينقص كما في قوله تعالى ( ويزداد الذين أمنوا إيمانا ) فيزاد في معنى عدم دراية الإيمان انتفاء تعلق علم الرسول صلى الله عليه وسلم بشرائع الاسلام . فانتفاء درايته بالإيمان مثل انتفاء درايته بالكتاب أي انتفاء العلم بحقائقه ولذلك قال ( ما كنت تدري ) ولم يقل : ما كنت مؤمنا
وكلا الاحتمالين لا يقتضي أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن مؤمنا بوجود الله ووحدانية إلهيته قبل نزول الوحي عليه إذ الأنبياء والرسل معصومون من الشرك قبل النبوءة فهم موحدون لله ونابذون لعبادة الأصنام ولكنهم لا يعلمون تفاصيل الإيمان وكان نبينا صلى الله عليه وسلم في عهد جاهلية قومه يعلم بطلان عبادة الأصنام وإذ قد كان قومه يشركون مع الله غيره في الإلهية فبطلان إلهية الأصنام عنده تمحضه لإفراد الله بالإلهية لا محالة
وقد أخبر بذلك عن نفسه فيما رواه أبو نعيم في دلائل النبوءة عن شداد بن أوس وذكره عياض في الشفاء غير معزو : " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لما نشأت " أي عقلت " بغضت إلي الأوثان وبغض إلي الشعر ولم أهم بشيء مما كانت الجاهلية تفعله إلا مرتين فعصمني الله منهما ثم لم أعد "
وعلى شدة منازعة قريش إياه في أمر التوحيد فإنهم لم يحاجوه بأنه كان يعبد الأصنام معهم
وفي هذه الآية حجة للقائلين بأن رسول صلى الله عليه وسلم لم يكن متعبدا قبل نبوءته بشرع
وإدخال ( لا ) النافية في قوله ( ولا الإيمان ) تأكيد لنفي درايته إياه أي ما كنت تدري الكتاب ولا الإيمان للتنصيص على أن المنفي دراية كل واحد منهما
وقوله ( ولكن جعلناه نورا ) عطف على جملة ( ما كنت تدري ما الكتاب ) . وضمير ( جعلناه ) عائد إلى الكتاب في قوله ( ما كنت تدري ما الكتاب ) . والتقدير : وجعلنا الكتاب نورا . وأقحم في الجملة المعطوفة حرف الاستدراك للتنبيه على أن مضمون هذه الجملة عكس مضمون جملة ( ما كنت تدري ما الكتاب )
صلى الله عليه و سلم عليه الصلاة و السلام

(1/3897)


والاستدراك ناشئ على ما تضمنته جملة ( ما كنت تدري ما الكتاب ) لأن ظاهر نفي دراية الكتاب أن اتنفاءها مستمر فاستدرك بأن الله هداه بالكتاب وهدى به أمته فالاستدراك واقع في المحز . والتقدير : ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ثم هديناك بالكتاب ابتداء وعرفناك به الإيمان وهديت به الناس ثانيا فاهتدى به من شئنا هدايته أي وبقي على الضلال من لم نشأ له الاهتداء كقوله تعالى ( يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا )
وشبه الكتاب بالنور لمناسبة الهدي به لأن الإيمان والهدى والعلم تشبه بالنور والضلال والجهل والكفر تشبه بالظلمة قال تعالى ( يخرجهم من الظلمات إلى النور ) . وإذا كان السائر في الطريق في ظلمة ظل عن الطريق فإذا استنار له اهتدى إلى الطريق فالنور وسيلة الاهتداء ولكن إنما يهتدي به من لا يكون له حائل دون الاهتداء وإلا لم تنفعه وسيلة الاهتداء ولذلك قال تعالى ( نهدي به من نشاء من عبادنا ) أي نخلق بسببه الهداية في نفوس الذين أعددناهم للهدى من عبادنا
فالهداية هنا هداية خاصة وهي خلق الإيمان في القلب
( وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم [ 52 ] صراط الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض ) أي نهدي به من نشاء بدعوتك وواسطتك فلما أثبت الهدي إلى الله وجعل الكتاب سببا لتحصيل الهداية عطف وساطة الرسول في إيصال ذلك الهدي تنويها بشأن الرسول صلى الله عليه وسلم
فجملة ( وإنك لتهدي ) عطف على جملة ( نهدي به من نشاء من عبادنا ) . وفي الكلام تعريض بالمشركين إذ لم يهتدوا به وإذ كبر عليهم ما يدعوهم إليه مع أنه يهديهم إلى صراط مستقيم
والهداية في قوله ( وإنك لتهدي ) هداية عامة . وهي : إرشاد الناس إلى طريق الخير فهي تخالف الهداية في قوله ( نهدي به من نشاء )
وحذف مفعول ( لتهدي ) للعموم أي لتهدي جميع الناس أي ترشدهم إلى صراط مستقيم وهذا كقوله ( وهديناه النجدين فلا اقتحم العقبة )
وتأكيد الخبر ب ( إن ) للاهتمام به لأن الخبر مستعمل في تثبيت قلب النبي صلى الله عليه وسلم بالشهادة له بهذا المقام العظيم فالخبر مستعمل في لازم معناه على أنه مستعمل أيضا للتعريض بالمنكرين لهديه فيكون في التأكيد ملاحظة تحقيقه وإبطال إنكارهم
فكما أن الخبر مستعمل في لازمين من لوازم معناه فكذلك التأكيد ب ( إن ) مستعمل في غرضين من أغراضه وكلا الأمرين مما ألحق باستعمال المشترك في معنييه
وتنكير ( صراط ) للتعظيم مثل تنكير " عظم " في قول أبي خراش :
فلا وأبي الطير المربة في الضحى ... على خالد لقد وقعن على عظم ولأن التنكير أنسب بمقام التعريض بالذين لم يأبهوا بهدايته
وعدل عن إضافة ( صراط ) إلى اسم الجلالة ابتداء لقصد الإجمال الذي يعقبه التفصيل بأن يبدل منه بعد ذلك ( صراط الله ) ليتمكن بهذا الأسلوب المعنى المقصود فضل تمكن على نحو قوله ( اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم )
وإجراء وصف اسم الجلالة باسم الموصول وصلته للإيماء إن سبب استقامة الصراط الذي يهدي إليه النبي بأنه صراط الذي يملك ما في السماوات وما في الأرض فلا يعزب عنه شيء مما يليق بعباده فلما أرسل إليهم رسولا بكتاب لا يرتاب في أن ما أرسل لهم فيه صلاحهم
( ألا إلى الله تصير الأمور [ 53 ] ) تذييل وتنهية للسورة بختام ما احتوت عليه من المجادلة والاحتجاج بكلام قاطع جامع منذر بوعيد للمعرضين فاجع ومبشر بالوعد لكل خاشع
وافتتحت الجملة بحرف التنبيه لاسترعاء أسماع الناس
وتقديم المجرور لإفادة الاختصاص أي إلى الله لا إلى غيره
والمصير : الرجوع والانتهاء واستعير هنا لظهور الحقائق كما هي يوم القيامة فيذهب تلبيس الملبسين ويهن جبروت المتجبرين ويقر بالحق من كان فيه من المعاندين وهذا كقوله تعالى ( وإلى الله عاقبة الأمور ) وقوله ( وإليه يرجع الأمر كله ) . والأمور : الشؤون والأحوال والحقائق وكل موجود من الذوات والمعاني
وقد أخذ هذا المعنى الكميت في قوله :
" فالآن صرت إلى أمية والأمور إلى مصائر وفي تنهية السورة بهذه الآية محسن حسن الختام
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة الزخرف
صلى الله عليه و سلم عليه الصلاة و السلام

(1/3898)


سميت في المصاحف العتيقة والحديثة ( سورة الزخرف ) وكذلك وجدتها في جوء عتيق من مصحف كوفي الخط مما كتب في أواخر القرن الخامس وبذلك ترجم لها الترمذي في كتاب التفسير من جامعة وسميت كذلك في كتب التفسير
وسماها البخاري في كتاب التفسير من صحيحه ( سورة حم الزخرف ) وإضافة كلمة حم إلى الزخرف على نحو ما بيناه في تسمية سورة ( حم المؤمن ) روى الطبرسي عن الباقر أنه سماها كذلك
ووجه التسمية أن كلمة ( وزخرفا ) وقعت فيها ولم تقع في غيرها من سور القرآن فعرفوها بهذه الكلمة
وهي مكية : وحكى ابن عطية الاتفاق على أنها مكية وأما ما روى عن قتادة وعبد الرحمان بن زيد بن أسلم أن آية ( واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون ) نزلت بالمسجد الأقصى فإذا صح لم يكن منافيا لهذا لأن المراد بالمكي ما أنزل قبل الهجرة
وهي معدودة السور الثانية والستين في ترتيب نزول السور نزلت بعد سورة فصلت وقبل سورة الدخان
وعدت آيها عند العادين من معظم الأمصار تسعا وثمانين وعدها أهل الشام ثمانيا وثمانين
أغراضها
أعظم ما اشتملت عليه هذه السورة من الأغراض : التحدي بإعجاز القرآن لأنه آية صدق الرسول صلى الله عليه وسلم فيما جاء به والتنويه به عدة مرات وأنه أوحى الله به لتذكيرهم وتكرير تذكيرهم وإن أعرضوا كما أعرض من قبلهم عن رسلهم
وإذ قد كان باعثهم على الطعن في القرآن تعلقهم بعبادة الأصنام التي نهاهم القرآن عنها كان من أهم أغراض السورة التعجيب من حالهم إذ جمعوا بين الاعتراف بأن الله خالقهم والمنعم عليهم وخالق المخلوقات كلها . وبين اتخاذهم آلهة يعبدونها شركاء لله حتى إذا انتقض أساس عنادهم اتضح لهم ولغيرهم باطلهم
وجعلوا بنات لله مع اعتقادهم أن البنات أحط قدرا من الذكور فجمعوا بذلك بين الإشراك والتنقيص
وإبطال عبادة كل ما دون الله على تفاوت درجات المعبودين في الشرف فإنهم سواء في عدم الإلهية للألوهية ولبنوة الله تعالى
وعرج على إبطال حججهم ومعاذيرهم وسفه تخييلاتهم وترهاتهم
وذكرهم بأحوال الأمم السابقين مع رسلهم وأنذرهم بمثل عواقبهم وحذرهم من الاغترار بإمهال الله وخص بالذكر رسالة إبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام . وخص إبراهيم بأنه جعل كلمة التوحيد باقية في جمع من عقبه وتوعد المشركين وأنذرهم بعذاب الآخرة بعد البعث الذي كان إنكارهم وقوعه من مغذيات كفرهم وإعراضهم لاعتقادهم أنهم في مأمن بعد الموت
وقد رتبت هذه الأغراض وتفاريعها على نسخ بديع وأسلوب رائع في التقديم والتأخير والأصالة والاستطراد على حسب دواعي المناسبات التي اقتضتها البلاغة وتجديد نشاط السامع لقبول ما يلقى إليه . وتخلل في خلاله من الحجج والأمثال والمثل والقوارع والترغيب والترهيب شيء عجيب مع دحض شبه المعاندين بأفانين الإقناع بانحطاط ملة كفرهم وعسف معوج سلوكهم
وأدمج في خلال ذلك ما في دلائل الوحدانية من النعم على الناس والإنذار والتبشير
وقد جرت آيات هذه السورة على أسلوب نسبة الكلام إلى الله تعالى عدا ما قامت القرينة على الإسناد إلى غيره
( حم [ 1 ] ) تقدم القول في نظائره ومواقعها قبل ذكر القرآن وتنزيله
( والكتاب المبين [ 2 ] إنا جعلناه قرءانا عربيا لعلكم تعقلون [ 3 ] ) أقسم بالكتاب المبين وهو القرآن على أن القرآن جعله الله عربيا واضح الدلالة فهو حقيق بأن يصدقوا به لو كانوا غير مكابرين ولكنهم بمكابرتهم كانوا كمن لا يعقلون . فالقسم بالقرآن تنويه بشأنه وهو توكيد لما تضمنه جواب القسم إذ ليس القسم هنا برافع لتكذيب المنكرين إذ لا يصدقون بأن المقسم هو الله تعالى فإن المخاطب بالقسم هم المنكرون بدليل قوله ( لعلكم تعقلون ) . وتفريع ( أفنضرب عنكم الذكر صفحا ) عليه . وتوكيد الجواب ب ( إن ) زيادة توكيد للخبر أن القرآن من جعل الله
صلى الله عليه و سلم عليه الصلاة و السلام

(1/3899)


وفي جعل المقسم به القرآن بوصف كونه مبينا وجعل جواب القسم أن الله جعله مبينا تنويه خاص بالقرآن إذ جعل المقسم به هو المقسم عليه وهذا ضرب عزيز بديع لأنه يومئ إلى أن المقسم على شأنه بلغ غاية الشرف فإذا أراد المقسم أن يقسم على ثبوت شرف له لم يجد ما هو أولى بالقسم به للتناسب بين القسم والمقسم عليه . وجعل صاحب الكشاف من قبيله قول أبي تمام :
وثناياك إنها اغريض ... ولآل تؤم وبرق وميض إذ قدر الزمخشري جملة " إنها اغريض " جواب القسم وهو الذي تبعه عليه الطيبي والقزويني في شرحيهما للكشاف وهو ما فسر به التبريزي في شرحه لديوان أبي تمام ولكن التفتزاني أبطل ذلك في شرح الكشاف وجعل جملة " إنها اغريض " استئنافا " أي اعتراضا " لبيان استحقاق ثناياها أن يقسم بها وجعل جواب القسم قوله بعد أبيات ثلاثة :
لتكادني غمار من الأح ... داث لم أدر أيهن أخوض والنكت والخصوصيات الأدبية يكفي فيها الاحتمال المقبول فإن قوله قبله :
وارتكاض الكرى بعينيك في الن ... وم فنونا وما بعيني غموض يجوز أن يكون قسما ثانيا فيكون البيت جوابا له
وإطلاق اسم الكتاب على القرآن باعتبار أن الله أنزله ليكتب وأن الأمة مأمورون بكتابته وإن كان نزوله على الرسول صلى الله عليه وسلم لفظا غير مكتوب
وفي هذا إشارة إلى أنه سيكتب في المصاحف والمراد ب ( الكتاب ) ما نزل من القرآن قبل هذه السورة وقد كتبه كتاب الوحي
وضمير ( جعلناه ) عائد إلى الكتاب أي إنا جعلنا الكتاب المبين قرآنا والجعل : الإيجاد والتكوين وهو يتعدى إلى مفعول واحد
والمعنى : أنه مقروء دون حضور كتاب فيقتضي أنه محفوظ في الصدور ولولا ذلك لما كانت فائدة للإخبار بأنه مقروء لأن كل كتاب صالح لأن يقرأ . والإخبار عن الكتاب بأنه قرآن مبالغة في كون هذا الكتاب مقروءا أي ميسرا لأن يقرأ لقوله ( ولقد يسرنا القرآن للذكر ) وقوله ( إن علينا جمعه وقرآنه ) . وقوله ( إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون )
فحصل بهذا الوصف أن الكتاب المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم جامع لوصفين : كونه كتابا وكونه مقروءا على السنة الأمة . وهذا مما اختص به كتاب الإسلام
و ( عربيا ) نسبة إلى العرب وإذ قد كان المنسوب كتابا ومقروءا فقد اقتضى أن نسبته إلى العرب نسبة الكلام واللغة إلى أهلها أي هو مما ينطق العرب بمثل ألفاظه وبأنواع تراكيبه
وانتصب ( قرآنا ) على الحال من مفعول ( جعلناه )
ومعنى جعله ( قرآنا عربيا ) تكوينه على ما كونت عليه لغة العرب وأن الله بباهر حكمته جعل هذا الكتاب قرآنا بلغة العرب لأنها أشرف اللغات وأوسعها دلالة على عديد المعاني وأنزله بين أهل تلك اللغة لأنهم أفهم لدقائقها ولذلك اصطفى رسوله من أهل تلك اللغة لتتظاهر وسائل الدلالة والفهم فيكونوا المبلغين مراد الله إلى الأمم . وإذا كان هذا القرآن بهاته المثابة فلا يأبى من قبوله إلا قوم مسرفون في الباطل بعداء عن الإنصاف والرشد ولكن الله أراد هديهم فلا يقطع عنهم ذكره حتى يتم مراده ويكمل انتشار دينه فعليهم أن يراجعوا عقولهم ويتدبروا إخلاصهم فإن الله غير مؤاخذهم بما سلف من إسرافهم إن هم ثابوا إلى رشدهم
والمقصود بوصف الكتاب بأنه عربي غرضان : أحدهما التنويه بالقرآن ومدحه بأنه منسوج على منوال أفصح لغة وثانيهما التورك على المعاندين من العرب حين لم يتأثروا بمعانيه بأنهم كمن يسمع كلاما بلغة غير لغته وهذا تأكيد لما تضمنه الحرفان المقطعان المفتتحة بهما السورة من معنى التحدي بأن هذا كتاب بلغتكم وقد عجزتم عن الإتيان بمثله
وحرف ( لعل ) مستعار لمعنى الإرادة وتقدم نظيره في قوله ( لعلكم تتقون ) في أوائل سورة البقرة
والعقل : الفهم
والغرض : التعريض بأنهم أهملوا التدبر في هذا الكتاب وأن كماله في البيان والإفصاح نستأهل العناية به لا الإعراض عنه فقوله ( لعلكم تتقون ) مشعر بأنهم لم يعقلوا
والمعنى : أنا يسرنا فهمه عليكم لعلكم تعقلون فأعرضتم ولم تعقلوا معانيه لأنه قد نزل مقدار عظيم لو تدبروه لعقلوا فهذا الخبر مستعمل في التعريض على طريقة الكناية
( وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم [ 4 ] )

(1/3900)


عطف على جملة ( إنا جعلناه قرأنا عربيا ) فهو زيادة في الثناء على هذا الكتاب ثناء ثانيا للتنويه بشأنه رفعة وإرشادا
صلى الله عليه و سلم عليه الصلاة و السلام وأم الكتاب : أصل الكتاب . والمراد ب ( أم الكتاب ) علم الله تعالى كما في قوله ( وعنده أم الكتاب ) في سورة الرعد لأن الأم بمعنى الأصل والكتاب هنا بمعنى المكتوب أي المحقق الموثق وهذا كناية عن الحق الذي لا يقبل التغيير لأنهم كانوا إذا أرادوا أن يحققوا عهدا على طول مدة كتبوه في صحيفة قال الحارث بن حلزة :
حذر الجور والتطاخي وهل ين ... قض ما في المهارق الأهواء و ( علي ) أصله المرتفع وهو هنا مستعار لشرف الصفة وهي استعارة شائعة
وحكيم : أصله الذي الحكمة من صفات رأيه فهو هنا مجاز لما يحوي الحكمة بما فيه من صلاح أحوال النفوس والقوانين المقيمة لنظام الأمة
ومعنى كون ذلك في علم الله : أن الله علمه كذلك وما علمه الله لا يقبل الشك . ومعناه : أن ما اشتمل عليه القرآن من المعاني هو من مراد الله وصدر عن علمه
ويجوز أيضا أن يفيد هذا شهادة بعلو القرآن وحكمته على حد قولهم في اليمين ( الله يعلم ) و ( علم الله )
وتأكيد الكلام ب ( إن ) لرد إنكار المخاطبين إذ كذبوا أن يكون القرآن موحى به من الله
و ( لدينا ) ظرف مستقر هو حال من ضمير ( إنه ) أو من ( أم الكتاب ) والمقصود : زيادة تحقيق الخبر وتشريف المخبر عنه
وقرأ الجمهور في ( أم الكتاب ) بضم همزة ( أم ) . وقرأه حمزة والكسائي بكسر همزة ( أم الكتاب ) في الوصل اتباعا لكسرة ( في ) فلو وقف على ( في ) لم يكسر الهمزة
( أفنضرب عنكم الذكر صفحا إن كنتم قوما مسرفين [ 5 ] ) الفاء لتفريع الاستفهام الإنكاري على جملة ( إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون ) أي أتحسبون أن إعراضكم عما نزل من هذا الكتاب يبعثنا على أن نقطع عنكم تجدد التذكير بإنزال شيء آخر من القرآن . فلما أريدت إعادة تذكيرهم وكانوا قد قدم إليهم من التذكير ما فيه هديهم لو تأملوا وتدبروا وكانت إعادة التذكير لهم موسومة في نظرهم بقلة الجدوى بين لهم أن استمرار إعراضهم لا يكون سببا في قطع الإرشاد عنهم لأن الله رحيم بهم مريد لصلاحهم لا يصده إسرافهم في الإنكار عن زيادة التقدم إليهم بالمواعظ والهدي
والاستفهام إنكاري أي لا يجوز أن نضرب عنكم الذكر صفحا من جراء إسرافكم
والضرب حقيقته قرع جسم بآخر وله إطلاقات أشهرها : قرع البعير بعصا وهو هنا مستعار لمعنى القطع والصرف أخذا من قولهم : ضرب الغرائب عن الحوض أي أطردها وصرفها لأنها ليست لأهل الماء فاستعاروا الضرب للصرف والطرد وقال طرفة :
أضرب عنك الهموم طارقها ... ضربك بالسيف قونس الفرس والذكر : التذكير والمراد به القرآن
والصفح : الإعراض بصفح الوجه وهو جانبه وهو أشد الإعراض عن الكلام لأنه يجمع ترك استماعه وترك النظر إلى المتكلم
وانتصب ( صفحا ) على النيابة عن الظرف أي في مكان صفح كما يقال : ضعه جانبا ويجوز أن يكون ( صفحا ) مصدر صفح عن كذا إذا أعرض فينتصب على المفعول المطلق لبيان نوع الضرب بمعنى الصرف والإعراض
والإسراف : الإفراط والإكثار وأغلب إطلاقه على الإكثار من الفعل الضائر . ولذلك قيل " لا سرف في الخير " والمقام دال على أنهم أسرفوا في الإعراض عن القرآن
وقرأ نافع وحمزة والكسائي وأبو جعفر وخلف ( إن كنتم ) بكسر همزة ( إن ) فتكون ( إن ) شرطية ولما كان الغالب في استعمال ( إن ) الشرطية أن تقع في الشرط الذي ليس متوقعا وقوعه بخلاف " إذا " التي هي للشرط المتيقن وقوعه فالإتيان ب ( إن ) في قوله ( إن كنتم قوما مسرفين ) لقصد تنزيل المخاطبين المعلوم إسرافهم منزلة من يشك في إسرافه لأن توفر الأدلة على صدق القرآن من شأنه أن يزيل إسرافهم وفي هذا ثقة بحقية القرآن وضرب من التوبيخ على إمعانهم في الإعراض عنه
وقرأه ابن كثير وابن عامر وعاصم وأبو عمرو ويعقوب بفتح الهمزة على جعل ( أن ) مصدرية وتقدير لام التعليل محذوفا أي لأجل إسرافكم أي لا نترك تذكيركم بسبب كونكم مسرفين بل لا نزال نعيد التذكير رحمة بكم

(1/3901)


وإقحام ( قوما ) قبل ( مسرفين ) للدلالة على أن هذا الإسراف صار طبعا لهم وبه قوام قوميتهم كما قدمناه عند قوله تعالى ( لآيات لقوم يعقلون ) في سورة البقرة
صلى الله عليه و سلم عليه الصلاة و السلام ( وكم أرسلنا من نبي في الأولين [ 6 ] وما يأتيهم من نبي إلا كانوا به يستهزءون [ 7 ] فأهلكنا أشد منهم بطشا ومضى مثل الأولين [ 8 ] ) لما ذكر إسرافهم في الإعراض عن الإصغاء لدعوة القرآن وأعقبه بكلام موجه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم تسلية عما يلاقيه منهم في خلال الإعراض من الأذى والاستهزاء بتذكيره بأن حاله في ذلك حال الرسل من قبله وسنة الله في الأمم ووعد للرسول صلى الله عليه وسلم بالنصر على قومه بتذكيره بسنة الله في الأمم المكذبة رسلهم
وجعل للتسلية المقام الأول من هذا الكلام بقرينة العدل عن ضمير الخطاب إلى ضمير الغيبة في قوله ( فأهلكنا أشد منهم ) كما سيأتي ويتضمن ذلك تعريضا بزجرهم عن إسرافهم في الإعراض عن النظر في القرآن
فجملة ( وكم أرسلنا من نبي ) معطوفة على جملة ( إنا جعلناه قرآنا عربيا ) وما بعدها إلى هنا عطف القصة على القصة
و ( كم ) اسم دال على عدد كثير مبهم وموقع ( كم ) نصب بالمفعولية ل ( أرسلنا ) وهو ملتزم تقديمه لأن أصله اسم استفهام فنقل من الاستفهام إلى الإخبار على سبيل الكناية
وشاع استعماله في ذلك حتى صار الإخبار بالكثرة معنى من معاني ( كم ) . والداعي إلى اجتلاب اسم العدد الكثير أن كثرة وقوع هذا الحكم أدخل في زجرهم عن مثله وأدخل في تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم وتحصيل صبره لأن كثرة وقوعه تؤذن بأنه سنة لا تتخلف وذلك أزجر وأسلى
و ( الأولين ) جمع الأول وهو هنا مستعمل في معنى الماضين السابقين كقوله تعالى ( ولقد ضل قبلهم أكثر الأولين ) فإن الذين أهلكوا قد انقرضوا بقطع النظر عمن عسى أن يكون خلفهم من الأمم
والاستثناء في قوله ( إلا كانوا به يستهزئون ) استثناء من أحوال أي ما يأتيهم نبي في حال من أحوالهم إلا يقارن استهزاؤهم إتيان ذلك النبي إليهم
وجملة ( وما يأتيهم من نبي إلا كانوا به يستهزئون ) في موضع الحال من ( الأولين ) وهذا الحال هو المقصود من الإخبار
وجملة ( فأهلكنا أشد منهم بطشا ) تفريع وتسبب عن جملة ( وكم أرسلنا من نبي في الأولين )
وضمير ( أشد منهم ) عائد إلى قوم مسرفين الذين تقدم خطابهم فعدل عن استرسال خطابهم إلى توجيهه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم لأن الغرض الأهم من هذا الكلام هو تسلية الرسول ووعده بالنصر . ويستتبع ذلك التعريض بالذين كذبوه فإنهم يبلغهم هذا الكلام كما تقدم
ويظهر أن تغيير أسلوب الإضمار تبعا لتغيير المواجهة بالكلام لا ينافي اعتبار الالتفات في الضمير لأن مناط الالتفات هو اتحاد مرجع الضميرين مع تأتي الاقتصار على طريقة الإضمار الأولى وهل تغيير توجيه الكلام إلا تقوية لمقتضى نقل الإضمار ولا تفوت النكتة التي تحصل من الالتفات وهي تجديد نشاط السامع بل تزداد قوة بازدياد مقتضياتها
وكلام الكشاف ظاهر في أن نقل الضمير هنا التفات وعلى ذلك قرره شارحوه ولكن العلامة التفتزاني قال " ومثل هذا ليس من الالتفات في شيء " ه . ولعله يرى أن اختلاف المواجهة بالكلام الواقع فيه الضميران طريقة أخرى غير طريقة الالتفات وكلام الكشاف فيه احتمال وخصوصيات البلاغة واسعة الأطراف
والذين هم أشد بطشا من كفار مكة : هم الذين عبر عنهم ب ( الأولين ) ووصفوا بأنهم يستهزئون بمن يأتيهم من نبي
وهذا تركيب بديع في الإيجاز لأن قوله ( فأهلكنا أشد منهم بطشا ) يقتضي كلاما مطويا تقديره : فلا نعجز عن إهلاك المسرفين وهم أقل بطشا
وهذا في معنى قوله تعالى ( وكأين من قرية هي أشد قوة من قريتك التي أخرجتك أهلكناهم فلا ناصر لهم )
والبطش : الإضرار القوي
وانتصب ( بطشا ) على التمييز لنسبة الأشدية
و ( مثل الأولين ) حالهم العجيبة . ومعنى مضى : انقرض أي ذهبوا عن بكرة أبيهم فمضي المثل كناية عن استئصالهم لأن مضي الأحوال يكون بمضي أصحابها فهو في معنى قوله تعالى ( فقطع دابر القوم الذين ظلموا ) . وذكر ( الأولين ) إظهار في مقام الإضمار لتقدم قوله ( في الأولين )
ووجه إظهاره أن يكون الإخبار عنهم صريحا وجاريا مجرى المثل

(1/3902)


( ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم [ 9 ] ) صلى الله عليه و سلم عليه الصلاة و السلام لما كان قوله ( وكم أرسلنا من نبي في الأولين ) موجها إلى الرسول صلى الله عليه وسلم للتسلية والوعد بالنصر عطف عليه خطاب الرسول صلى الله عليه وسلم صريحا بقوله ( ولئن سألتهم ) الآية لقصد التعجيب من حال الذين كذبوه فإنهم إنما كذبوه لأنه دعاهم إلى عبادة إله واحد ونبذ عبادة الأصنام ورأوا ذلك عجبا مع أنهم يقرون لله تعالى بأنه خالق العوالم وما فيها . وهل يستحق العبادة غير خالق العابدين ولأن الأصنام من جملة ما خلق الله في الأرض من حجارة فلو سألهم الرسول صلى الله عليه وسلم في محاجته إياهم عن خالق الخلق لما استطاعوا غير الإقرار بأنه الله تعالى
فجملة ( ولئن سألتهم ) معطوفة على جملة ( وكم أرسلنا من نبي في الأولين ) عطف الغرض وهو انتقال إلى الاحتجاج على بطلان الإشراك بإقرارهم الضمني : أن أصنامهم خالية عن صفة استحقاق أن تعبد
وتأكيد الكلام باللام الموطئة للقسم ولام الجواب ونون التوكيد لتحقيق أنهم يجيبون بذلك تنزيلا لغير المتردد في الخبر منزلة المتردد وهذا التنزيل كناية عن جدارة حالتهم بالتعجيب من اختلال تفكيرهم وتناقض عقائدهم وإنما فرض الكشف عن عقيدتهم في صورة سؤالهم عن خالقهم للإشارة إلى أنهم غافلون عن ذلك في مجرى أحوالهم وأعمالهم ودعائهم حتى إذا سألهم السائل عن خالقهم لم يتريثوا أن يجيبوا بأنه الله ثم يرجعون إلى شركهم
وتاء الخطاب في ( سألتهم ) للنبي صلى الله عليه وسلم وهو ظاهر سياق التسلية أو يكون الخطاب لغير معين ليعم كل مخاطب يتصور منه أن يسألهم
و ( العزيز العليم ) هو الله تعالى . وليس ذكر الصفتين العليتين من مقول جوابهم وإنما حكي قولهم بالمعنى أي ليقولن خلقهن الذي الصفتان من صفاته وإنما هم يقولون : خلقهن الله كما حكي عنهم في سورة لقمان . ( ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله ) . وذلك هو المستقرئ من كلامهم نثرا وشعرا في الجاهلية
وإنما عدل عن الاسم العلي إلى الصفتين زيادة في إفحاهم بأن الذي انصرفوا عن توحيده بالعبادة عزيز عليم فهو الذي يجب أن يرجوه الناس للشدائد لعزته وأن يخلصوا له باطنهم لأنه لا يخفى عليه سرهم بخلاف شركائهم فإنها أذلة لا تعلم وإنهم لا ينازعون وصفه ب ( العزيز والعليم )
وتخصيص هاتين الصفتين بالذكر من بين بقية الصفات الإلهية لأنها مضادة لصفات الأصنام فإن الأصنام عاجزة عن دفع الأيدي
والتقدير : ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله وإن سألتهم : أهو العزيز العليم
( الذي جعل لكم الأرض مهادا وجعل لكم فيها سبلا لعلكم تهتدون [ 10 ] ) هذا كلام موجه من الله تعالى هو تخلص من الاستدلال على تفرده بالإلهية بأنه المنفرد بخلق السماوات والأرض إلى الاستدلال بأنه المنفرد بإسداء النعم التي بها قوام أود حياة الناس . فالجملة استئناف حذف منها المبتدأ والتقدير : هو الذي جعل لكم الأرض مهادا . وهذا الاستئناف معترض بين جملة ( ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ) الآية وجملة ( وجعلوا له من عباده جزءا ) الآية
واسم الموصول خبر لمبتدأ محذوف تقديره : هو الذي جعل لكم وهو من حذف المسند إليه الوارد على متابعة الاستعمال في تسمية السكاكي حيث تقدم الحديث عن الله تعالى فيما قبل هذه الجملة . واجتلاب الموصول للاشتهار بمضمون الصلة فساوى الاسم العلم في الدلالة
وذكرت صلتان فيهما دلالة عللا الانفراد بالقدرة العظيمة . وعلى النعمة عليهم ولذلك أقحم لفظ ( لكم ) في الموضعين ولم يقل : الذي جعل الأرض مهادا وجعل فيها سبلا كما في قوله ( ألم نجعل الأرض مهادا والجبال أوتادا ) لأن ذلك مقام الاستدلال على منكري البعث فسيق لهم الاستدلال بإنشاء المخلوقات العظيمة التي لا تعد إعادة خلق الإنسان بالنسبة إليها شيئا عجيبا

(1/3903)


ولم يكرر اسم الموصول في قوله ( وجعل لكم فيها سبلا ) لأن الصلتين تجتمعان في الجامع الخيالي إذ كلتاهما من أحوال الأرض فجعلهما كجعل واحد . وضمائر الخطاب الأحد عشر الواقعة في الآيات الأربع من قوله ( الذي جعل لكم الأرض مهادا ) إلى قوله ( مقرنين ) ليست من قبيل الالتفات بل هي جارية على مقتضى الظاهر
صلى الله عليه و سلم عليه الصلاة و السلام والمهاد : اسم لشيء يمهد أي يوطأ ويسهل لما يحل فيه وتقدم في قوله ( لهم من جهنم مهاد ) في سورة الأعراف . ووجه الامتنان أنه جعل ظاهر الأرض منبسطا وذلك الانبساط لنفع البشر الساكنين عليها . وهذا لا ينافي أن جسم الأرض كروي كما هو ظاهر لأن كرويتها ليست منفعة للناس
وقرأ عاصم ( مهدا ) بدون ألف بعد الهاء وهو مراد به المهاد
والسبل : جمع سبيل وهو الطريق ويطلق السبيل على وسيلة الشيء كقوله ( يقولون هل إلى مرد من سبيل ) . ويصح إرادة المعنيين هنا لأن في الأرض طرقا يمكن سلوكها وهي السهول وسفوح الجبال وشعابها أي لم يجعل الأرض كلها جبالا فيعسر على الماشين سلوكها بل جعل فيها سبلا سهلة وجعل جبالا لحكمة أخرى ولأن الأرض صالحة لاتخاذ طرق مطروقة سابلة
ومعنى جعل الله تلك الطرق بهذا المعنى : أنه جعل للناس معرفة السير في الأرض واتباع بعضهم آثار بعض حتى تتعبد الطرق لهم وتتسهل ويعلم السائر أي تلك السبل يوصله إلى مقصده
وفي تيسير وسائل السير في الأرض لطف عظيم لأن به تيسير التجمع والتعارف واجتلاب المنافع والاستعانة على دفع الغوائل والأضرار والسير في الأرض قريبا أو بعيدا من أكبر مظاهر المدنية الإنسانية ولأن الله جعل في الأرض معايش الناس من النبات والثمر وورق الشجر والكمأة والفقع وهي وسائل العيش فهي سبل مجازية . وتقدم نظير هذه الآية في سورة طه
والاهتداء : مطاوع هداه فاهتدى . والهداية حقيقتها : الدلالة على المكان المقصود ومنه سمي الدال على الطرائق هاديا وتطلق على تعريف الحقائق المطلوبة ومنه ( إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور ) . والمقصود هنا المعنى الثاني أي رجاء حصول علمكم بوحدانية الله وبما يجب له وتقدم في ( اهدنا الصراط المستقيم )
ومعنى الرجاء المستفاد من ( لعل ) استعارة تمثيلية تبعية مثل حال من كانت وسائل الشيء حاضرة لديه بحال من يرجى لحصول المتوسل إليه
( والذي نزل من السماء ماء بقدر فأنشرنا به بلدة ميتا كذلك تخرجون [ 11 ] ) انتقل من الاستدلال والامتنان بخلق الأرض إلى الاستدلال والامتنان بخلق وسائل العيش فيها وهو ماء المطر الذي به تنبت الأرض ما يصلح لاقتيات الناس
وأعيد اسم الموصول للاهتمام بهذه الصلة اهتماما يجعلها مستقلة فلا يخطر حضورها بالبال عند حظور الصلتين اللتين قبلها فلا جامع بينها وبينهما في الجامع الخيالي . وتقدم الكلام على نظيره في سورة الرعد وغيرها فاعيد اسم الموصول لأن مصداقه هو فاعل جميعها
والإنشاء : الإحياء كما في قوله ( ثم إذا شاء أنشره )
وعن ابن عباس أنه أنكر على من قرأ ( كيف ننشرها ) بفتح النون وضم الشين وتلا ( ثم إذا شاء أنشره ) فأصل الهمزة فيه للتعدية وفعله المجرد نشر بمعنى حيي يقال : نشر الميت برفع الميت قال الأعشى :
حتى يقول الناس مما رأوا ... يا عجبا للميت الناشر وأصل النشر بسط ما كان مطويا وتفرعت من ذلك معاني الإعادة والانتشار
والنشر هنا مجاز لأن الإحياء للأرض مجاز وزاده حسنا هنا أن يكون مقدمة لقوله ( كذلك تخرجون )
وضمير ( فأنشرنا ) التفات من الغيبة إلى التكلم . والميت ضد الحي
ووصف البلدة به مجاز شائع قال تعالى ( وآية لهم الأرض الميتة أحييناها )
وإنما وصفت البلدة وهي مؤنث بالميت وهو مذكر لكونه على زنة الوصف الذي أصله مصدر نحو : عدل وزور فحسن تجريده من علامة التأنيث على أن الموصوف مجازي التأنيث
وجملة ( كذلك تخرجون ) معترضة بين المتعاطفين وهو استطراد بالاستدلال على ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من إثبات البعث بمناسبة الاستدلال على تفرد الله بالإلهية بدلائل في بعضها دلالة على إمكان البعث وإبطال إحالتهم إياه

(1/3904)


والإشارة بذلك إلى الانتشار المأخوذ من ( فأنشرنا ) أي مثل ذلك الانتشار تخرجون من الأرض بعد فنائكم ووجه الشبه هو إحداث الحي بعد موته
والمقصود من التشبيه إظهار إمكان المشبه كقول أبي الطيب :
فإن تفق الأنام وأنت منهم ... فإن المسك بعض دم الغزال وقرأ الجمهور ( تخرجون ) بالبناء للنائب . وقرأه حمزة والكسائي وابن ذكوان عن ابن عامر ( تخرجون ) بالبناء للفاعل والمعنى واحد
صلى الله عليه و سلم عليه الصلاة و السلام ( والذي خلق الأزواج كلها وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون [ 12 ] لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه وتقولوا سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين [ 13 ] وإنا إلى ربنا لمنقلبون [ 14 ] ) هذا الانتقال من الاستدلال والامتنان بخلق وسائل الحياة إلى الاستدلال بخلق وسائل الاكتساب لصلاح المعاش وذكر منها وسائل الإنتاج وأتبعها بوسائل الاكتساب بالأسفار للتجارة
وإعادة اسم الموصول لما تقدم في نظيره آنفا
والأزواج : جمع زوج وهو كل ما يصير به الواحد ثانيا فيطلق على كل منهما أنه زوج للآخر مثل الشفع . وغلب الزوج على الذكر وأنثاه من الحيوان ومنه ( ثمانية أزواج ) في سورة الأنعام وتوسع فيه فأطلق الزوج على الصنف ومنه قوله ( ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين ) . وكلا الإطلاقين يصح أن يراد هنا وفي أزواج الأنعام منافع بألبانها وأصوافها وأشعارها ولحومها ونتاجها
ولما كان المتبادر من الأزواج بادئ النظر أزواج الأنعام وكان من أهمها عندهم الرواحل عطف عليها ما هو منها وسائل للتنقل برا وأدمج معها وسائل السفر بحرا
فقال ( وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون ) فالمراد ب ( ما تركبون ) بالنسبة إلى الأنعام هو الإبل لأنها وسيلة الأسفار قال تعالى ( وآية لهم أنا حملنا ذرياتهم في الفلك المشحون وخلقنا لهم من مثله ما يركبون ) وقد قالوا : الإبل سفائن البر
وجيء بفعل ( جعل ) مراعاة لأن الفلك مصنوعة وليست مخلوقة والأنعام قد عرف أنها مخلوقة لشمول قوله ( خلق الأزواج ) إياها . ومعنى جعل الله الفلك والأنعام مركوبة : أنه خلق في الإنسان قوة التفكير التي ينساق بها إلى استعمال الموجودات في نفعه فاحتال كيف يصنع الفلك ويركب فيها واحتال كيف يروض الأنعام ويركبها
وقدم الفلك على الأنعام لأنها لم يشملها لفظ الأزواج فذكرها ذكر نعمة أخرى ولو ذكر الأنعام لكان ذكره عقب الأزواج بمنزلة الإعادة . فلما ذكر الفلك بعنوان كونها مركوبا عطف عليها الأنعام فصار ذكر الأنعام مترقبا للنفس لمناسبة جديدة وهذا كقول امرئ القيس :
كأني لم أركب جوادا للذة ... ولم أتبطن كاعبا ذات خلخال
ولم أسبأ الراح الكميت ولم أقل ... لخيلي كري كرة بعد إجفال إذ أعقب ذكر ركوب الجواد بذكر تبطن الكاعب للمناسبة ولم يعقبه بقوله : ولم أقل لخيلي كري كرة لاختلاف حال الركوبين ركوب اللذة وركوب الحرب
والركوب حقيقته : اعتلاء الدابة للسير وأطلق على الحصول في الفلك لتشبيههم الفلك بالدابة بجامع السير فركوب الدابة يتعدى بنفسه وركوب الفلك يتعدى ب ( في ) للفرق بين الأصيل والاحق وتقدم عند قوله تعالى ( وقال اركبوا فيها ) في سورة هود
( ومن الفلك والأنعام ) بيان لإبهام ( ما ) الموصولة في قوله ( ما تركبون ) . وحذف عائد الصلة لأنه متصل منصوب وحذف مثله كثير في الكلام . وإذ قد كان مفعول ( تركبون ) هنا مبينا بالفلك والأنعام كان حق الفعل أن يعدى إلى أحدهما بنفسه وإلى الآخر ب ( في ) فغلبت التعدية المباشرة على التعدية بواسطة الحرف لظهور المراد وحذف العائد بناء على ذلك التغليب
واستعمال فعل ( تركبون ) هنا من استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه
والاستواء : الاعتلاء . والظهور : جمع ظهر والظهر من علائق الأنعام لا من علائق الفلك فهذا أيضا من التغليب . والمعنى : على ظهوره وفي بطونه . فضمير ( ظهوره ) عائد إلى ( ما ) الموصولة الصادق بالفلك والأنعام كما هو قضية البيان

(1/3905)


على أن السفائن العظيمة تكون لها ظهور وهي أعاليها المجعولة كالسطوح لتقي الراكبين المطر وشدة الحر والقر . ولذلك فجمع الظهور من جمع المشترك والتعدية بحرف ( على ) بنيت على أن للسفينة ظهرا قال تعالى ( فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك )
وقد جعل قوله ( لتستووا على ظهوره ) توطئة وتمهيدا للإشارة إلى ذكر نعمة الله في قوله ( ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه ) أي حينئذ فإن ذكر النعمة في حال التلبس بمنافعها أوقع في النفس وأدعى للشكر عليها . وأجدر بعدم الذهول عنها أي جعل لكم ذلك نعمة لتشعروا بها فتشكروه عليها فالذكر هنا هو التذكر بالفكر لا الذكر باللسان
صلى الله عليه و سلم عليه الصلاة و السلام وهذا تعريض بالمشركين إذ تقلبوا في نعم الله وشكروا غيره إذ اتخذوا له شركاء في الإلهية وهم لم يشاركوه في الأنعام
وذكر النعمة كناية عن شكرها لأن شكر المنعم لازم للإنعام عرفا فلا يصرف عنه إلا نسيانه فإذا ذكره شكر النعمة
وعطف على ( تذكروا نعمة ربكم ) قوله ( وتقولوا سبحان الذي سخر لنا هذا ) أي لتشكروا الله في نفوسكم وتعلنوا بالشكر بألسنتكم فلقنهم صيغة شكر عناية به كما لقنهم صيغة الحمد في سورة الفاتحة وصيغة الدعاء في آخر سورة البقرة
وافتتح هذا الشكر اللساني بالتسبيح لأنه جامع للثناء إذ التسبيح تنزيه الله عما لا يليق فهو يدل على التنزيه عن النقائص بالصريح ويدل ضمنا على إثبات الكمالات لله في المقام الخطابي
واستحضار الجلالة بطريق الموصولية لما يؤذن به الموصول من علة التسبيح حتى يصير الحمد الذي أفاده التسبيح شكرا لتعليله بأنه في مقابلة التسخير لنا
واسم الإشارة موجه إلى المركوب حينما يقول الراكب هذه المقالة من دابة أو سفينة
والتسخير : التذييل والتطويع . وتسخير الله الدواب هو خلقه إياها قابلة للترويض فاهمة لمراد الراكب وتسخير الفلك حاصل بمجموع خلق البحر صالحا لسبح السفن على مائه وخلق الرياح تهب فتدفع السفن على الماء وخلق حيلة الإنسان لصنع الفلك ورصد مهاب الرياح ووضع القلوع والمجاذيف ولولا ذلك لكانت قوة الإنسان دون أن تبلغ استخدام هذه الأشياء القوية
ولهذا عقب بقوله ( وما كنا له مقرنين ) أي مطيعين أي بمجرد القوة الجسدية أي لولا التسخير المذكور فجملة ( وما كنا له مقرنين ) في موضع الحال من ضمير ( لنا ) أي سخرها لنا في حال ضعفنا بأن كان تسخيره قائما مقام القوة
والمقرن المطيق يقال : أقرن إذا أطاق قال عمرو بن معد يكرب :
لقد علم القبائل ما عقيل ... لنا في النائبات بمقرنينا وختم هذا الشكر والثناء بالاعتراف بأن مرجعنا إلى الله أي بعد الموت بالبعث للحساب والجزاء وهذا إدماج لتلقينهم الإقرار بالبعث . وفيه تعريض بسؤال إرجاع المسافر إلى أهله فإن الذي يقدر على إرجاع الأموات إلى الحياة بعد الموت يرجى لإرجاع المسافر سالما إلى أهله
والانقلاب : الرجوع إلى المكان الذي يفارقه
والجملة معطوفة على جملة التنزيه عطف الخبر على الإنشاء . وفي هذا تعريض بتوبيخ المشركين على كفران نعمة الله بالإشراك وبنسبة العجز عن الإحياء بعد الموت . لأن المعنى : وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون لتشكروا بالقلب واللسان فلم تفعلوا ولملاحظة هذا المعنى أكد الخبر
وفيه تعريض بالمؤمنين بأن يقولوا هذه المقالة كما شكروا لله ما سخر لهم من الفلك والأنعام
وفيه إشارة إلى أن حق المؤمن أن يكون في أحواله كلها ملاحظا للحقائق العالية ناظرا لتقلبات الحياة نظر الحكماء الذين يستدلون ببسائط الأمور على عظيمها
( وجعلوا له من عباده جزءا إن الإنسان لكفور مبين [ 15 ] ) هذا متصل بقوله ( ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ) أي ولئن سألتهم عن خالق الأشياء ليعترفن به وقد جعلوا له مع ذلك الاعتراف جزءا

(1/3906)


فالواو للعطف على جملة ( ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ) . ويجوز كونها للحال على معنى : وقد جعلوا له من عباده جزءا ومعنى الحال تفيد تعجيبا منهم في تناقض آرائهم وأقوالهم وقلبهم الحقائق وهي غبارة في الرأي تعرض للمقلدين في العقائد الضالة لأنهم يلفقون عقائدهم من مختلف آراء الدعاة فيجتمع للمقلد من آراء المختلفين في النظر ما لو اطلع كل واحد من المقتدين بهم على رأي غيره منهم لأبطله أو رجع عن الرأي المضاد له
فالمشركون مقرون بأن الله خالق الأشياء كلها ومع ذلك جعلوا له شركاء في الإلهية وكيف يستقيم أن يكون المخلوق إلها وجعلوا لله بنات والبنوة تقتضي المماثلة في الماهية وكيف يستقيم أن يكون لخالق الأشياء كلها بنات فهن لا محالة مخلوقات له فإن لم يكن مخلوقات لزم أن يكن موجودات بوجوده فكيف تكن بناته . وإلى هذا التناقض الإشارة بقوله ( من عباده ) أي من مخلوقاته أو ليست العبودية الحقة إلا عبودية المخلوق جزءا أي قطعة
صلى الله عليه و سلم عليه الصلاة و السلام والجزء : بعض من كل والقطعة منه . والولد كجزء من الوالد لأنه منفصل منه ولذلك يقال للولد : بضعة . فهم جمعوا بين اعتقاد حدوث الملائكة وهو مقتضى أنها عباد الله وبين اعتقاد إلهيتها وهو مقتضى أنها بنات الله لأن البنوة تقتضي المشاركة في الماهية
ولما كانت عقيدة المشركين معروفة لهم ومعروفة للمسلمين كان المراد من الجزء : البنات لقول المشركين : ان الملائكة بنات الله من سروات الجن أي أمهاتهم سروات الجن أي شريفات الجن فسروات جمع سرية
وحكى القرطبي أن المبرد قال : الجزء هاهنا البنات يقال : أجزأت المرأة إذا ولدت أنثى
وفي اللسان عن الزجاج : أنه قال : أنشدت بيتا في أن معنى جزء معنى الإناث ولا أدري البيت أقديم أم مصنوع وهو :
إن أجزأت حرة يوما فلا عجب ... قد تجزيء الحرة المذكار أحيانا وفي تاج العروس : أن هذا البيت أنشده ثعلب وفي اللسان أنشد أبو حنيفة :
زوجتها من بنات الأوس مجزئة ... للعوسج الرطب في أبياتها زجل ونسبة الماوردي في تفسيره إلى أهل اللغة . وجزم صاحب الكشاف بأن هذا المعنى كذب على العرب وأن البيتين مصنوعان
والجعل هنا معناه : الحكم على الشيء بوصف حكما لا مستند له فكأنه صنع باليد والصنع باليد يطلق عليه الجعل
وجملة ( إن الإنسان لكفور مبين ) تذييل يدل على استنكار ما زعموه بأنه كفر شديد . والمراد ب ( الإنسان ) هؤلاء الناس خاصة
والمبين : الموضح كفره في أقواله الصريحة في كفر نعمة الله
( أم اتخذ مما يخلق بنات وأصفاكم بالبنين [ 16 ] وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلا ظل وجهه مسودا وهو كظيم [ 17 ] ) ( أم ) للإضراب وهو هنا انتقالي لانتقال الكلام من إبطال معتقدهم بنوة الملائكة لله تعالى بما لزمه من انتقاض حقيقة الإلهية إلى إبطاله بما يقتضيه من انتقاص ينافي الكمال الذي تقتضيه الإلهية . والكلام بعد ( أم ) استفهام وهو استفهام إنكاري كما اقتضاه قوله ( وأصفاكم بالبنين ) . ومحل الاستدلال أن الإناث مكروهة عندهم فكيف يجعلون لله أبناء إناثا وهلا جعلوها ذكورا . وليست لهم معذرة عن الفساد المنجر إلى معتقدهم بالطريقتين لأن الإبطال الأول نظري يقيني . والإبطال الثاني جدلي بديهي قال تعالى ( ألكم الذكر وله الأنثى تلك إذا قسمة ضيزى ) . فهذه حجة ناهضة عليهم لاشتهارها بينهم
ولما ادعت سجاح بنت الحارث النبوءة في بني تميم أيام الردة وكان قد ادعى النبوءة قبلها مسيلمة الحنفي والأسود العنسي وطليحة بن خويلد الأسدي قال عطارد بن حاجب التميمي
أضحت نبيئتنا أنثى نطيف بها ... وأصبحت أنبياء الناس ذكرانا

(1/3907)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية