صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

وجملة ( كذلك يبين الله لكم آياته ) تذييل . ومعنى ( كذلك ) كهذا البيان يبين الله فتلك عادة شرعه أن يكون بينا . وقد تقدم القول في نظيره في قوله تعالى ( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) في سورة البقرة
وتقدم القول في معنى ( لعلكم تشكرون ) عند قوله تعالى ( يا أيها الناس اعبدوا ربكم ) في سورة البقرة
( يا أيها الذين أمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون [ 90 ] إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلوة فهل أنتم منتهون [ 91 ] ) استئناف خطاب للمؤمنين تقفية على الخطاب الذي قبله لينظم مضمونه في السلك الذي انتظم فيه مضمون الخطاب السابق وهو قوله ( ولا تعتدوا ) المشير إلى أن الله كما نهى عن تحريم المباح نهى عن استحلال الحرام وأن الله لما أحل الطيبات حرم الخبائث المفضية إلى مفاسد فإن الخمر كان طيبا عند الناس وقد قال الله تعالى ( ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا ) . والميسر كان وسيلة لإطعام اللحم من لا يقدرون عليه . فكانت هذه الآية كالاحتراس عما قد يساء تأويله من قوله ( لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم )
وقد تقدم في سورة البقرة أن المعول عليه من أقوال علمائنا أن النهي عن الخمر وقع مدرجا ثلاث مرات : الأولى حين نزلت آية ( يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما ) وذلك يتضمن نهيا غير جازم فترك شرب الخمر ناس كانوا أشد تقوى . فقال عمر : اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا . ثم نزلت آية سورة النساء ( يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ) فتجنب المسلمون شربها في الأوقات التي يظن بقاء السكر منها إلى وقت الصلاة ؛ فقال عمر : اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا . ثم نزلت الآية هذه . فقال عمر : انتهينا
والمشهور أن الخمر حرمت سنة ثلاث من الهجرة بعد وقعة أحد فتكون هذه الآية نزلت قبل سورة العقود ووضعت بعد ذلك في موضعها هنا . وروي أن هذه الآية نزلت بسبب ملاحاة جرت بين سعد بن أبي وقاص ورجل من الأنصار . روى مسلم عن سعد بن أبي وقاص قال : أتيت على نفر من الأنصار فقالوا : تعال نطعمك ونسقك خمرا وذلك قبل أن تحرم الخمر فأتيتهم في حش وإذا رأس جزور مشوي وزق من خمر فأكلت وشربت معهم فذكرت الأنصار والمهاجرين عندهم فقلت : المهاجرون خير من الأنصار فأخذ رجل من الأنصار لحي جمل فضربني به فجرح بأنفي فأتيت رسول الله فأخبرته فأنزل الله تعالى في ( إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه ) . وروى أبو داود عن ابن عباس قال : ( يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا ا لصلاة وأنتم سكارى ) و ( يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس ) نسختهما في المائدة ( إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان )
صلى الله عليه و سلم عليه الصلاة و السلام فلا جرم كان هذا التحريم بمحل العناية من الشارع متقدما للأمة في إيضاح أسبابه رفقا بهم واستئناسا لأنفسهم فابتدأهم بآية سورة البقرة ولم يسفههم فيما كانوا يتعاطون من ذلك بل أنبأهم بعذرهم في قوله ( قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما ) ثم بآية سورة النساء ثم كر عليها بالتحريم بآية سورة المائدة فحصر أمرهما في أنهما رجس من عمل الشيطان ورجا لهم الفلاح في اجتنابهما بقوله ( لعلكم تفلحون ) وأثار ما في الطباع من بغض الشيطان بقوله ( إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء ) . ثم قال ( فهل أنتم منتهون ) فجاء بالاستفهام لتمثيل حال المخاطبين بحال من بين له المتكلم حقيقة شيء ثم اختبر مقدار تأثير ذلك البيان في نفسه
وصيغة : هل أنت فاعل كذا . تستعمل للحث على فعل في مقام الاستبطاء نبه عليه في الكشاف عند قوله تعالى ( وقيل للناس هل أنتم مجتمعون ) في سورة الشعراء قال : ومنه قول تأبط شرا :
هل أنت باعث دينار لحاجتنا ... أو عبد رب أخا عون بن مخراق

(1/1191)


" دينار اسم رجل وكذا عبد رب . وقوله : أخا عون أو عوف نداء أي يا أخا عون " . فتحريم الخمر متقرر قبل نزول هذه السورة فإن وفد عبد القيس وفدوا قبل فتح مكة في سنة ثمان فكان مما أوصاهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا ينتبذوا في الحنتم والنقير والمزفت والدباء لأنها يسرع الاختمار إلى نبيذها
والمراد بالأنصاب هنا عبادة الأنصاب . والمراد بالأزلام الاستقسام بها لأن عطفها على الميسر يقتضي أنها أزلام غير الميسر
قال في الكشاف : ذكر الأنصاب والأزلام مع الخمر والميسر مقصود منه تأكيد التحريم للخمر والميسر . وتقدم الكلام على الخمر والميسر في آية سورة البقرة وتقدم الكلام على الأنصاب عند قوله تعالى ( وما ذبح على النصب ) والكلام على الأزلام عند قوله ( وأن تستقسموا بالأزلام ) في أول هذه السورة . وأكد في هذه الآية تحريم ما ذبح على النصب وتحريم الاستقسام بالأزلام وهو التحريم الوارد في أول السورة والمقرر في الإسلام من أول البعثة
والمراد بهذه الأشياء الأربعة هنا تعاطيها كل بما يتعاطى به من شرب ولعب وذبح واستقسام
والقصر المستفاد من ( إنما ) قصر موصوف على صفة أي أن هذه الأربعة المذكورات مقصورة على الاتصاف بالرجس لا تتجاوزه إلى غيره وهو ادعائي للمبالغة في عدم الاعتداد بما عدا صفة الرجس من صفات هذه الأربعة . ألا ترى أن الله قال في سورة البقرة في الخمر والميسر ( قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس ) فأثبت لهما الإثم وهو صفة تساوي الرجس في نظر الشريعة لأن الإثم يقتضي التباعد عن التلبس بهما مثل الرجس . وأثبت لهما المنفعة وهي صفة تساوي نقيض الرجس في نظر الشريعة لأن المنفعة تستلزم حرص الناس على تعاطيهما فصح أن للخمر والميسر صفتين . وقد قصر في آية المائدة على ما يساوي إحدى تينك الصفتين أعني الرجس فما هو إلا قصر ادعائي يشير إلى ما في سورة البقرة من قوله ( وإثمهما أكبر من نفعهما ) فإنه لما نبهنا إلى ترجيح ما فيهما من الإثم على ما فيهما من المنفعة فقد نبهنا إلى دحض ما فيهما من المنفعة قبالة ما فيهما من الإثم حتى كأنهما تمحضا للاتصاف ب ( فيهما إثم ) فصح في سورة المائدة أن يقال في حقهما ما يفيد انحصارهما في أنهما ( فيهما إثم ) أي انحصارهما في صفة الكون في هذه الظرفية كالانحصار الذي في قوله ( إن حسابهم إلا على ربي ) أي حسابهم مقصور على الاتصاف بكونه على ربي أي انحصر حسابهم في معنى هذا الحرف . وذلك هو ما عبر عنه بعبارة الرجس
والرجس الخبث المستقذر والمكروه من الأمور الظاهرة ويطلق على المذمات الباطنة كما في قوله ( وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم ) وقوله ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ) . والمراد به هنا الخبيث في النفوس واعتبار الشريعة . وهو اسم جنس فالإخبار به كالإخبار بالمصدر فأفاد المبالغة في الاتصاف به حتى كأن هذا الموصوف عين الرجس . ولذلك أفرد ( رجس ) مع كونه خبرا عن متعدد لأنه كالخبر بالمصدر
صلى الله عليه و سلم عليه الصلاة و السلام ومعنى كونها من عمل الشيطان أن تعاطيها بما تتعاطى لأجله من تسويله للناس تعاطيها فكأنه هو الذي عملها وتعاطاها . وفي ذلك تنفير لمتعاطيها بأنه يعمل عمل الشيطان فهو شيطان . وذلك مما تأباه النفوس
والفاء في ( فاجتنبوه ) للتفريع وقد ظهر حسن موقع هذا التفريع بعد التقدم بما يوجب النفرة منها . والضمير المنصوب في قوله ( فاجتنبوه ) عائد إلى الرجس الجامع للأربعة . و ( لعلكم تفلحون ) رجاء لهم أن يفلحوا عند اجتناب هذه المنهيات إذا لم يكونوا قد استمروا على غيرها من المنهيات . وتقدم القول في نظيره عند قوله تعالى ( يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون ) . وقد بينت ما اخترته في محمل ( لعل ) وهو المطرد في جميع مواقعها وأما المحامل التي تأولوا بها ( لعل ) في آية سورة البقرة فبعضها لا يتأتى في هذه الآية فتأمله

(1/1192)


واجتناب المذكورات هو اجتناب التلبس بها فيما تقصد له من المفاسد بحسب اختلاف أحوالها ؛ فاجتناب الخمر اجتناب شربها ؛ والميسر اجتناب التقامر به والأنصاب اجتناب الذبح عليها ؛ والأزلام اجتناب الاستقسام بها واستشارتها . ولا يدخل تحت هذا الاجتناب اجتناب مسها أو إراءتها للناس للحاجة إلى ذلك من اعتبار ببعض أحوالها في الاستقطار ونحوه أو لمعرفة صورها أو حفظها كآثار من التاريخ ؛ أو ترك الخمر في طور اختمارها لمن عصر العنب لاتخاذه خلا على تفصيل في ذلك واختلاف في بعضه
فأما اجتناب مماسة الخمر واعتبارها نجسة لمن تلطخ بها بعض جسده أو ثوبه فهو مما اختلف فيه أهل العلم ؛ فمنهم من حملوا الرجس في الآية بالنسبة للخمر على معنييه المعنوي والذاتي فاعتبروا الخمر نجس العين يجب غسلها كما يجب غسل النجاسة حملا للفظ الرجس على جميع ما يحتمله . وهو قول مالك . ولم يقولوا بذلك في قداح الميسر ولا في حجارة الأنصاب ولا في الأزلام والتفرقة بين هذه الثلاث وبين الخمر لا وجه لها من النظر . وليس في الأثر ما يحتج به لنجاسة الخمر . ولعل كون الخمر مائعة هو الذي قرب شبهها بالأعيان النجسة فلما وصفت بأنها رجس حمل في خصوصها على معنييه . وأما ما ورد في حديث أنس أن كثيرا من الصحابة غسلوا جرار الخمر لما نودي بتحريم شربها فذلك من المبالغة في التبرؤ منها وإزالة أثرها قبل التمكن من النظر فيما سوى ذلك ألا ترى أن يعضهم كسر جرارها ولم يقل أحد بوجوب كسر الإناء الذي فيه شيء نجس . على أنهم فعلوا ذلك ولم يؤمروا به من الرسول صلى الله عليه وسلم . وذهب بعض أهل العلم إلى عدم نجاسة عين الخمر . وهو قول ربيعة بن أبي عبد الرحمان والليث بن سعد والمزني من أصحاب الشافعي وكثير من البغداديين من المالكية ومن القيروانيين ؛ منهم سعيد بن الحداد القيرواني . وقد استدل سعيد بن الحداد على طهارتها بأنها سفكت في طرق المدينة ولو كانت نجسا لنهوا عنه إذ قد ورد النهي عن إراقة النجاسة في الطرق . وذكر ابن الفرس عن ابن لبابة أنه أقام قولا بطهارة عين الخمر من المذهب . وأقول : الذي يقتضيه النظر أن الخمر ليست نجس العين وأن مساق الآية بعيد عن قصد نجاسة عينها إنما القصد أنها رجس معنوي ولذلك وصفه بأنه من عمل الشيطان وبينه بعد بقوله ( إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة ) ولأن النجاسة تعتمد الخباثة والقذارة وليست الخمر كذلك وإنما تنزه السلف عن مقاربتها لتقرير كراهيتها في النفوس
وجملة ( إنما يريد الشيطان ) بيان لكونها من عمل الشيطان . ومعنى يريد يحب وقد تقدم بيان كون الإرادة بمعنى المحبة عند قوله تعالى ( ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يشترون الضلالة ويريدون أن تضلوا السبيل ) في سورة النساء
وتقدم الكلام على العداوة والبغضاء عند قوله تعالى ( وألقينا بينهم العداوة والبغضاء ) في هذه السورة
صلى الله عليه و سلم عليه الصلاة و السلام وقوله ( في الخمر والميسر ) أي في تعاطيهما على متعارف إضافة الاحكام إلى الذوات أي بما يحدث في شرب الخمر من إثارة الخصومات والإقدام على الجرائم وما يقع في الميسر من التحاسد على القامر والغيظ والحسرة للخاسر وما ينشأ عن ذلك من التشائم والسباب والضرب . على أن مجرد حدوث العداوة والبغضاء بين المسلمين مفسدة عظيمة لأن الله أراد أن يكون المؤمنون إخوة إذ لا يستقيم أمر أمة بين أفرادها البغضاء . وفي الحديث " لا تباغضوا ولا تحاسدوا وكونوا عباد الله إخوانا "
و ( في ) من قوله ( في الخمر والميسر ) للسببية أو الظرفية المجازية أي في مجالس تعاطيهما
وأما الصد عن ذكر الله وعن الصلاة فلما في الخمر من غيبوبة العقل وما في الميسر من استفراغ الوقت في المعاودة لتطلب الربح

(1/1193)


وهذه أربع علل كل واحدة منها تقتضي التحريم فلا جرم أن كان اجتماعها مقتضيا تغليظ التحريم . ويلحق بالخمر كل ما اشتمل على صفتها من إلقاء العداوة والبغضاء والصد عن ذكر الله وعن الصلاة . ويلحق بالميسر كل ما شاركه في إلقاء العداوة والبغضاء والصد عن ذكر الله وعن الصلاة وذلك أنواع القمار كلها أما ما كان من اللهو بدون قمار كالشطرنج دون قمار فذلك دون الميسر لأنه يندر أن يصد عن ذكر الله وعن الصلاة ولأنه لا يوقع في العداوة والبغضاء غالبا فتدخل أحكامه تحت أدلة أخرى
والذكر المقصود في قوله ( عن ذكر الله ) يحتمل أنه من الذكر اللساني فيكون المراد به القرآن وكلام الرسول عليه الصلاة و السلام الذي فيه نفعهم وإرشادهم لأنه يشتمل على بيان أحكام ما يحتاجون إليه فإذا انغمسوا في شرب الخمر وفي التقامر غابوا عن مجالس الرسول وسماع خطبه وعن ملاقاة أصحابه الملازمين له فلم يسمعوا الذكر ولا يتلقوه من أفواه سامعيه فيجهلوا شيئا كثيرا فيه ما يجب على المكلف معرفته . فالسيء الذي يصد عن هذا هو مفسدة عظيمة يستحق أن يحرم تعاطيه ويحتمل أن المراد به الذكر القلبي وهو تذكر ما أمر الله به ونهى عنه فإن ذكر ذلك هو ذكر الله كقول عمر بن الخطاب : أفضل من ذكر الله باللسان ذكر الله عند أمره ونهيه . فالشيء الذي يصد عن تذكر أمر الله ونهيه هو ذريعة للوقوع في مخالفة الأمر وفي اقتحام النهي . وليس المقصود بالذكر في هذه الآية ذكر الله باللسان لأنه ليس شيء منه بواجب عدا ما هو من أركان الصلاة فذلك مستغنى عنه بقوله ( وعن الصلاة )
وقوله ( فهل أنتم منتهون ) الفاء تفريع عن قوله ( إنما يريد الشيطان ) الآية فإن ما ظهر من مفاسد الخمر والميسر كاف في انتهاء الناس عنهما فلم يبق حاجة لإعادة نهيهم عنهما ولكن يستغنى عن ذلك باستفهامهم عن مبلغ أثر هذا البيان في نفوسهم ترفيعا بهم إلى مقام الفطن الخبير ولو كان بعد هذا البيان كله نهاهم عن تعاطيها لكان قد أنزلهم منزلة الغبي ففي هذا الاستفهام من بديع لطف الخطاب ما بلغ به حد الإعجاز
ولذلك اختير الاستفهام ب ( هل ) التي أصل معناها " قد " . وكثر وقوعها في حيز همزة الاستفهام فاستغنوا ب ( هل ) عن ذكر الهمزة فهي لاستفهام مضمن تحقيق الإسناد المستفهم عنه وهو ( أنتم منتهون ) دون الهمزة إذ لم يقل : أتنتهون بخلاف مقام قوله ( وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون ) . وجعلت الجملة بعد ( هل ) اسمية لدلالتها على ثبات الخبر زيادة في تحقيق حصول المستفهم عنه فالاستفهام هنا مستعمل في حقيقته وأريد معها معناه الكنائي وهو التحذير من انتفاء وقوع المستفهم عنه . ولذلك روي أن عمر لما سمع الآية قال " انتهينا ! انتهينا ! " . ومن المعلوم للسامعين من أهل البلاغة أن الاستفهام في مثل هذا المقام ليس مجردا عن الكناية . فما حكي عن عمرو بن معد يكرب من قوله " إلا أن الله تعلى قال ( فهل أنتم منتهون ) فقلنا : لا " إن صح عنه ذلك . ولي في صحته شك فهو خطأ في الفهم أو التأويل . وقد شذ نفر من السلف نقلت عنهم أخبار من الاستمرار على شرب الخمر لا يدرى مبلغها من الصحة . ومحملها إن صحت على أنهم كانوا يتأولون قوله تعالى ( فهل أنتم منتهون ) على أنه نهي غير جازم . ولم يطل ذلك بينهم
صلى الله عليه و سلم عليه الصلاة و السلام

(1/1194)


قيل " إن قدامة بن مظعون ممن شهد بدرا ولاه عمر على البحرين فشهد عليه أبو هريرة والجارود بأنه شرب الخمر وأنكر الجارود وتمت الشهادة عليه برجل وامرأة . فلما أراد عمر إقامة الحد عليه قال قدامة : لو شربتها كما يقولون ما كان لك أن تجلدني . قال عمر : لم قال : لأن الله يقول ( ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ) فقال له عمر : أخطأت التأويل إنك إذا اتقيت الله اجتنبت ما حرم عليك . ويروى أن وحشيا كان يشرب الخمر بعد إسلامه وأن جماعة من المسلمين من أهل الشام شربوا الخمر في زمن عمر وتأولوا التحريم فتلوا قوله تعالى ( ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا ) وأن عمر استشار عليا في شأنهم فاتفقا على أن يستتابوا وإلا قتلوا . وفي صحة هذا نظر أيضا . وفي كتب الأخبار أن عيينة بن حصن نزل على عمرو بن معد يكرب في محلة بني زبيد بالكوفة فقدم له عمرو خمرا فقال عيينة : أو ليس قد حرمها الله . قال عمرو : أنت أكبر سنا أم أنا قال عيينة : أنت . قال : أنت أقدم إسلاما أم أنا قال : أنت . قال : فإني قد قرأت ما بين الدفتين فوالله ما وجدت لها تحريما إلا أن الله قال : ( فهل أنتم منتهون ) فقلنا : لا . فبات عنده وشربا وتنادما فلما أراد عيينة الانصراف قال عيينة بن حصن :
جزيت أبا ثور جزاء كرامة ... فنعم الفتى المزدار والمتضيف
قريت فأكرمت القرى وأفدتنا ... تحية علم لم تكن قبل تعرف
وقلت : حلال أن ندير مدامة ... كلون انعقاق البرق والليل مسدف
وقدمت فيها حجة عربية ... ترد إلى الإنصاف من ليس ينصف
وأنت لنا والله ذي العرش قدوة ... إذا صدنا عن شربها المتكلف
نقول : أبو ثور أحل شرابها ... وقول أبي ثور أسد وأعرف وحذف متعلق ( منتهون ) لظهوره إذ التقدير : فهل أنتم منتهون عنهما أي عن الخمر والميسر لأن تفريع هذا الاستفهام عن قوله ( إنما يريد الشيطان ) يعين أنهما المقصود من الانتهاء
واقتصار الآية على تبيين مفاسد شرب الخمر وتعاطي الميسر دون تبيين ما في عبادة الأنصاب والاستقسام بالأزلام من الفساد لأن إقلاع المسلمين عنهما قد تقرر قبل هذه الآية من حين الدخول في الإسلام لأنهما من مآثر عقائد الشرك ولأنه ليس في النفوس ما يدافع الوازع الشرعي عنهما بخلاف الخمر والميسر فإن ما فيهما من اللذات التي تزجي بالنفوس إلى تعاطيهما قد يدافع الوازع الشرعي فلذلك أكد النهي عنهما أشد مما أكد النهي عن الأنصاب والأزلام
( وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا فإن توليتم فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين [ 92 ] ) عطفت جملة ( وأطيعوا ) على جملة ( فهل أنتم منتهون ) وهي كالتذييل لأن طاعة الله ورسوله تعم ترك الخمر والميسر والأنصاب والأزلام وتعم غير ذلك من وجوه الامتثال والاجتناب . وكرر ( وأطيعوا ) اهتماما بالأمر بالطاعة . وعطف ( واحذروا ) على ( أطيعوا ) أي وكونوا على حذر . وحذف مفعول ( احذروا ) لينزل الفعل منزلة اللازم لأن القصد التلبس بالحذر في أمور الدين أي الحذر من الوقوع فيما يأباه الله ورسوله وذلك أبلغ من أن يقال واحذروهما لأن الفعل اللازم يقرب معناه من معنى أفعال السجايا ولذلك يجيء اسم الفاعل منه على زنة فعل كفرح ونهم
وقوله ( فإن توليتم ) تفريع عن ( أطيعوا واحذروا ) . والتولي هنا استعارة للعصيان شبه العصيان بالإعراض والرجوع عن الموضع الذي كان به العاصي بجامع المقاطعة والمفارقة وكذلك يطلق عليه الإدبار . ففي حديث ابن صياد " ولئن أدبرت ليعقرنك الله " أي أعترضت عن الإسلام

(1/1195)


وقوله ( فاعلموا ) هو جواب الشرط باعتبار لازم معناه لأن المعنى : فإن توليتم عن طاعة الرسول فاعلموا أن لا يضر توليكم الرسول لأن عليه البلاغ فحسب أي وإنما يضركم توليكم ولولا لازم هذا الجواب لم ينتظم الربط بين التولي وبين علمهم أن الرسول عليه الصلاة و السلام ما أمر إلا بالتبليغ . وذكر فعل ( فاعلموا ) للتنبيه على أهمية الخبر كما بيناه عند قوله تعالى ( واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه ) في سورة البقرة
صلى الله عليه و سلم عليه الصلاة و السلام وكلمة ( أنما ) بفتح الهمزة تقيد الحصر مثل ( إنما ) المكسورة الهمزة فكما أفادت المكسورة الحصر بالاتفاق فالمفتوحتها تفيد الحصر لأنها فرع عن المكسورة إذ هي أختها . ولا ينبغي بقاء خلاف من خالف في إفادتها الحصر والمعنى أن أمره محصور في التبليغ لا يتجاوزه إلى القدرة على هدي المبلغ إليهم
وفي إضافة الرسول إلى ضمير الجلالة تعظيم لجانب هذه الرسالة وإقامة لمعذرته في التبليغ بأنه رسول من القادر على كل شيء فلو شاء مرسله لهدى المرسل إليهم فإذا لم يهتدوا فليس ذلك لتقصير من الرسول
ووصف البلاغ ب ( المبين ) استقصاء في معذرة الرسول وفي الإعذار للمعرضين عن الامتثال بعد وضوح البلاغ وكفايته وكونه مؤيدا بالحجة الساطعة
( ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم أتقوا وأحسنوا والله يحب المحسنين [ 93 ] ) هذه الآية بيان لما عرض من إجمال في فهم الآية التي قبلها إذ ظن بعض المسلمين أن شرب الخمر قبل نزول هذه الآية قد تلبس بإثم لأن الله وصف الخمر وما ذكر معها بأنها رجس من عمل الشيطان . فقد كان سبب نزول هذه الآية ما في الصحيحين وغيرهما عن أنس بن مالك والبراء ابن عازب وابن عبس أنه لما نزل تحريم الخمر قال ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : كيف بأصحابنا الذين ماتوا وهم يشربون الخمر أو قال وهي في بطونهم وأكلوا الميسر . فأنزل الله ( ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا ) الآية . وفي تفسير الفخر روى أبو بكر الأصم أنه لما نزل تحريم الخمر قال أبو بكر الصديق : يا رسول الله كيف بإخواننا الذين ماتوا وقد شربوا الخمر وفعلوا القمار وكيف بالغائبين عنا في البلدان لا يشعرون أن الله حرم الخمر وهم يطعمونها . فأنزل الله هذه الآيات
وقد يلوح ببادئ الرأي أن حال الذين توفوا قبل تحريم الخمر ليس حقيقيا بأن يسأل عنه الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم للعلم بأن الله لا يؤاخذ أحدا بعمل لم يكن محرما من قبل فعله وأنه لا يؤاخذ أحدا على ارتكابه إلا بعد أن يعلم بالتحريم فالجواب أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا شديدي الحذر مما ينقص الثواب حريصين على كمال الاستقامة فلما نزل في الخمر والميسر أنهما رجس من عمل الشيطان خشوا أن يكون للشيطان حظ في الذين شربوا الخمر وأكلوا اللحم بالميسر وتوفوا قبل الإقلاع عن ذلك أو ماتوا والخمر في بطونهم مخالطة أجسادهم فلم يتمالكوا أن سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن حالهم لشدة إشفاقهم على إخوانهم . كما سأل عبد الله بن أم مكتوم لما نزل قوله تعالى ( لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم ) فقال : يا رسول الله فكيف وأنا أعمى لا أبصر فأنزل الله ( غير أولي الضرر ) . وكذلك ما وقع لما غيرت القبلة من استقبال بيت المقدس إلى استقبال الكعبة قال ناس : فكيف بإخواننا الذين ماتوا وهم يستقبلون بيت المقدس فأنزل الله تعالى ( وما كان الله ليضيع إيمانكم ) أي صلاتكم فكان القصد من السؤال التثبت في التفقه وأن لا يتجاوزوا التلقي من رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمور دينهم
ونفي الجناح نفي الإثم والعصيان . و ( ما ) موصولة . و ( طعموا ) صلة . وعائد الصلة محذوف . وليست ( ما ) مصدرية لأن المقصود العفو عن شيء طعموه معلوم من السؤال فتعليق ظرفية ما طعموا بالجناح هو على تقدير : في طعم ما طعموه
صلى الله عليه و سلم عليه الصلاة و السلام

(1/1196)


وأصل معنى ( طعموا ) أنه بمعنى أكلوا قال تعالى ( فإذا طعمتم فانتشروا ) . وحقيقة الطعم الأكل والشيء المأكول طعام . وليس الشراب من الطعام بل هو غيره ولذلك عطف في قوله تعالى ( فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه ) . ويدل لذلك استثناء المأكولات في قوله تعالى ( قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله به ) . ويقال : طعم بمعنى أذاق ومصدره الطعم بضم الطاء اعتبروه مشتقا من الطعم الذي هو حاسة الذوق . وتقدم قوله تعالى ( ومن لم يطعمه فإنه مني ) أي ومن لم يذقه بقرينة قوله ( فمن شرب منه ) . ويقال : وجدت في الماء طعم التراب . ويقال تغير طعم الماء أي أسن . فمن فصاحة القرآن إيراد فعل ( طعموا ) هنا لأن المراد نفي التبعة عمن شربوا الخمر وأكلوا لحم الميسر قبل نزول آية تحريمهما . واستعمل اللفظ في معنييه أي في حقيقته ومجازه أو هو من أسلوب التغليب
وإذ قد عبر بصيغة المضي في قوله ( طعموا ) تعين أن يكون ( إذا ) ظرفا للماضي وذلك على أصح القولين للنحاة وإن كان المشهور أن ( إذا ) ظرف للمستقبل والحق أن ( إذا ) تقع ظرفا للماضي . وهو الذي اختاره ابن مالك ودرج عليه ابن هشام في مغني اللبيب . وشاهده قوله تعالى ( ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم ) وقوله ( وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها ) وآيات كثيرة . فالمعنى لا جناح عليهم إذ كانوا آمنوا واتقوا ويؤول معنى الكلام : ليس عليهم جناح لأنهم آمنوا واتقوا فيما كان محرما يومئذ وما تناولوا الخمر وأكلوا الميسر إلا قبل تحريمهما
هذا تفسير الآية الجاري على ما اعتمده جمهور المفسرين جاريا على ما ورد في من سبب نزولها في الأحاديث الصحيحة
ومن المفسرين من جعل معنى الآية غير متصل بآية تحريم الخمر والميسر . وأحسب أنهم لم يلاحظوا ما روي في سبب نزولها لأنهم رأوا أن سبب نزولها لا يقصرها على قضية السبب بل يعمل بعموم لفظها على ما هو الحق في أن عموم اللفظ لا يخصص بخصوص السبب فقالوا : رفع الله الجناح عن المؤمنين في أي شيء طعموه من مستلذات المطاعم وحلالها إذا ما اتقوا ما حرم الله عليهم أي ليس من البر حرمان النفس بتحريم الطيبات بل البر هو التقوى فيكون من قبيل قوله تعالى ( وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ولكن البر من اتقى ) . وفسر به في الكشاف مبتدئا به
وعلى هذا ا لوجه يكون معنى الآية متصلا بآية ( يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ) فتكون استئنافا ابتدائيا لمناسبة ما تقدم من النهي عن أن يحرموا على أنفسهم طيبات ما أحل الله لهم بنذر أو يمين على الامتناع
وادعى بعضهم أن هذه الآية نزلت في القوم الذين حرموا على أنفسهم اللحوم وسلكوا طريق الترهب ؛ ومنهم عثمان بن مظعون ولم يصح أن هذا سبب نزولها . وعلى هذا التفسير يكون ( طعموا ) مستعملا في المعنى المشهور وهو الأكل وتكون كلمة ( إذا ) مستعملة في المستقبل وفعل ( طعموا ) من التعبير عن ا لمستقبل بلفظ الماضي بقرينة كلمة ( إذا ) كما في قوله تعالى ( ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون )
ويعكر على هذا التفسير أن الذين حرموا الطيبات على أنفسهم لم ينحصر تحريمهم في المطعوم والشراب بل يشمل اللباس والنساء اللهم إلا أن يقال : إن الكلام جرى على مراعاة الغالب في التحريم
وقال الفخر : زعم بعض الجهال أن الله تعالى لما جعل الخمر محرمة عندما تكون موقعة للعداوة والبغضاء وصادة عن ذكر الله وعن الصلاة بين في هذه الآية أنه لا جناح على من طعمها إذا لم يحصل معه شيء من تلك المفاسد بل حصل معه الطاعة والتقوى والإحسان إلى الخلق ولا يمكن حمله على أحوال من شرب الخمر قبل نزول آية التحريم لأنه لو كان ذلك لقال ما كان جناح على الذين طعموا كما ذكر في آية تحويل القبلة فقال ( وما كان الله ليضيع إيمانكم ) ولا شك أن ( إذا ) للمستقبل لا للماضي . قال الفخر : وهذا القول مردود بإجماع كل الأمة . وأما قولهم ( إذا ) للمستقبل فجوابه أن الحل للمستقبل عن وقت نزول الآية في حق الغائبين
صلى الله عليه و سلم عليه الصلاة و السلام

(1/1197)


والتقوى امتثال المأمورات واجتناب المنهيات ولذلك فعطف ( وعملوا الصالحات ) على ( اتقوا ) من عطف الخاص على العام للاهتمام به كقوله تعالى ( من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكائل ) ولأن اجتناب المنهيات أسبق تبادرا إلى الأفهام في لفظ التقوى لأنها مشتقة من التوقي والكف
وأما عطف ( وآمنوا ) على ( اتقوا ) فهو اعتراض للإشارة إلى أن الإيمان هو أصل التقوى كقوله تعالى ( فك رقبة أو إطعام إلى قوله ثم كان من الذين آمنوا ) . والمقصود من هذا الظرف الذي هو كالشرط مجرد التنويه بالتقوى والإيمان والعمل الصالح وليس المقصود أن نفي الجناح عنهم مقيد بأن يتقوا ويؤمنوا ويعملوا الصالحات للعلم بأن لكل عمل أثرا على فعله أو على تركه وإذ قد كانوا مؤمنين من قبل وكان الإيمان عقدا عقليا لا يقبل التجدد تعين أن المراد بقوله ( وآمنوا ) معنى وداموا على الإيمان ولم ينقضوه بالكفر
وجملة ( ثم اتقوا وآمنوا ) تأكيد لفظي لجملة ( إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ) وقرن بحرف ( ثم ) الدال على التراخي الرتبي ليكون إيماء إلى الازدياد في التقوى وآثار الإيمان كالتأكيد في قوله تعالى ( كلا سيعلمون ثم كلا سيعلمون ) ولذلك لم يكرر قوله ( وعملوا الصالحات ) لأن عمل الصالحات مشمول للتقوى
وأما جملة ( ثم اتقوا وأحسنوا ) فتفيد تأكيدا لفظيا لجملة ( ثم اتقوا ) . وتفيد الارتقاء في التقوى بدلالة حرف ( ثم ) على التراخي الرتبي . مع زيادة صفة الإحسان . وقد فسر النبي صلى الله عليه و سلم الإحسان بقوله ( أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك ) . وهذا يتضمن الإيمان لا محالة فلذلك استغني عن إعادة ( وآمنوا ) هنا . ويشمل فعل ( وأحسنوا ) الإحسان إلى المسلمين وهو زائد على التقوى لأن منه إحسانا غير واجب وهو مما يجلب مرضاة الله ولذلك ذيله بقوله ( والله يحب المحسنين )
وقد ذهب المفسرون في تأويل التكرير الواقع في هذه الآية طرائق مختلفة لا دلائل عليها في نظم الآية ومرجعها جعل التكرير في قوله ( ثم اتقوا ) على معنى تغاير التقوى والإيمان باختلاف الزمان أو باختلاف الأحوال
وذهب بعضهم في تأويل قوله تعالى ( إذا ما اتقوا ) وما عطف عليه إلى وجوه نشأت عن حمله على معنى التقييد لنفي الجناح بحصول المشروط . وفي جلبها طول
وقد تقدم أن بعضا من السلف تأول هذه الآية على معنى الرخصة في شرب الخمر لمن اتقى الله فيما عد ولم يكن الخمر وسيلة له إلى المحرمات ولا إلى إضرار الناس . وينسب هذا إلى قدامة بن مظعون كما تقدم في تفسير آية تحريم الخمر : وأن عمر بن ا لخطاب وعلي بن أبي طالب لم يقبلاه منه
( يا أيها الذين أمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد تناله أيديكم ورماحكم ليعلم الله من يخافه بالغيب فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم [ 94 ] ) صلى الله عليه و سلم عليه الصلاة و السلام

(1/1198)


لا أحسب هذه الآية إلا تبيينا لقوله في صدر السورة ( غير محلى الصيد وأنتم حرم ) وتخلصا لحكم قتل الصيد في حالة الإحرام وتمهيدا لقوله ( يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ) جرت إلى هذا التخلص مناسبة ذكر المحرمات من الخمر والميسر وما عطف عليهما ؛ فخاطب الله المؤمنين بتنبيههم إلى حالة قد يسبق فيها حرصهم حذرهم وشهوتهم تقواهم . وهي حالة ابتلاء وتمحيص يظهر بها في الوجود اختلاف تمسكهم بوصايا الله تعالى وهي حالة لم تقع وقت نزول هذه الآية لأن قوله ( ليبلونكم ) ظاهر في الاستقبال لأن نون التوكيد لا تدخل على المضارع في جواب القسم إلا وهو بمعنى المستقبل . والظاهر أن حكم إصابة الصيد في حالة الإحرام أو في أرض الحرم لم يكن مقررا بمثل هذا . وقد روي عن مقاتل : أن المسلمين في عمرة الحديبية غشيهم صيد كثير في طريقهم فصار يترامى على رحالهم وخيامهم فمنهم المحل ومنهم المحرم وكانوا يقدرون على أخذه بالأيدي وصيد بعضه بالرماح . ولم يكونوا رأوا الصيد كذلك قط فاختلفت أحوالهم في الإقدام على إمساكه فمنهم من أخذ بيده وطعن برمحه . فنزلت هذه الآية اه . فلعل هذه الآية ألحقت بسورة المائدة إلحاقا لتكون تذكرة لهم في عام حجة الوداع ليحذروا مثل ما حل بهم يوم الحديبية . وكانوا في حجة الوداع أحوج إلى التحذير والبيان لكثرة عدد المسلمين عام حجة الوداع وكثرة من فيهم من الأعراب فذلك يبين معنى قوله ( تناله أيديكم ورماحكم ) لإشعار قوله ( تناله ) بأن ذلك في مكنتهم وبسهولة الأخذ
والخطاب للمؤمنين وهو مجمل بينه قوله عقبه ( يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ) . قال أبو بكر بن العربي : اختلف العلماء في المخاطب بهذه الآية على قولين : أحدهما أنهم المحلون قاله مالك ؛ الثاني أنهم المحرمون قاله ابن عباس وغيره اه . وقال في القبس : توهم بعض الناس أن المراد بالآية تحريم الصيد في حال الإحرام وهذه عضلة إنما المراد به الابتلاء في حالتي الحل والحرمة اه
ومرجع هذا الاختلاف النظر في شمول الآية لحكم ما يصطاده الحلال من صيد الحرم وعدم شمولها بحيث لا يحتاج في إثبات حكمه إلى دليل آخر أو يحتاج . قال ابن العربي في الأحكام : " إن قوله ( ليبلونكم ) الذي يقتضي أن التكليف يتحقق في المحل بما شرط له من أمور الصيد وما شرط له من كيفية الاصطياد . والتكليف كله ابتلاء وإن تفاضل في القلة والكثرة وتباين في الضعف والشدة " . يريد أن قوله ( ليبلونكم الله بشيء من الصيد ) لا يراد به الإصابة ببلوى أي مصيبة قتل الصيد المحرم بل يراد ليكلفنكم الله ببعض أحوال الصيد . وهذا ينظر إلى أن قوله تعالى ( وأنتم حرم ) شامل لحالة الإحرام والحلول في الحرم
وقوله ( ليبلونكم الله بشيء من الصيد ) هو ابتلاء تكليف ونهي كما دل عليه تعلقه بأمر مما يفعل فهو ليس كالابتلاء في قوله ( ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ) وإنما أخبرهم بهذا على وجه التحذير . فالخبر مستعمل في معناه ولازم معناه وهو التحذير . ويتعين أن يكون هذا الخطاب وجه إليهم في حين ترددهم بين إمساك الصيد وأكله وبين مراعاة حرمة الإحرام إذ كانوا محرمين بعمرة في الحديبية وقد ترددوا فيما يفعلون أي أن ما كان عليه الناس من حرمة إصابة الصيد للمحرم معتد به في الإسلام أو غير معتد به . فالابتلاء مستقبل لأنه لا يتحقق معنى الابتلاء إلا من بعد النهي والتحذير . ووجود نون التوكيد يعين المضارع للاستقبال فالمستقبل هو الابتلاء . وأما الصيد ونوال الأيدي والرماح فهو حاضر
والصيد : المصيد لأن قوله من الصيد وقع بيانا لقوله ( بشيء ) . ويغني عن الكلام فيه وفي لفظ ( بشيء ) ما تقدم من الكلام على نظيره في قوله تعالى ( ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ) في سورة البقرة
وتنكير ( شيء ) هنا للتنويع لا للتحقير خلافا للزمخشري ومن تابعه
صلى الله عليه و سلم عليه الصلاة و السلام

(1/1199)


وأشار بقوله ( تناله أيديكم ورماحكم ) إلى أنواع الصيد صغيره وكبيره . فقد كانوا يمسكون الفراخ بأيديهم وما هو وسيلة إلى الإمساك بالأيدي من شباك وحبالات وجوارح لأن جميع ذلك يؤول إلى الإمساك باليد . وكانوا يعدون وراء الكبار بالخيل والرماح كما يفعلون بالحمر الوحشية وبقر الوحش كما في حديث أبي قتادة أنه : رأى عام الحديبية حمارا وحشيا وهو غير محرم فاستوى على فرسه وأخذ رمحه وشد وراء الحمار فأدركه فعقره برمحه وأتى به . . إلخ . وربما كانوا يصيدون برمي النبال عن قسيهم كما في حديث الموطأ " عن زيد البهزي أنه خرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد مكة فإذا ظبي حاقف فيه سهم " الحديث . فقد كان بعض الصائدين يختبئ في قترة ويمسك قوسه فإذا مر به الصيد رماه بسهم . قال ابن عطية : وخص الرماح بالذكر لأنها أعظم ما يجرح به الصيد
وقد يقال : حذف ما هو بغير الأيدي وبغير الرماح للاستغناء بالطرفين عن الأوساط
وجملة ( تناله أيديكم ) صفة للصيد أو حال منه . والمقصود منها استقصاء أنواع الصيد لئلا يتوهم أن التحذير من الصيد الذي هو بجرح أو قتل دون القبض باليد أو التقاط البيض أو نحوه
وقوله ( ليعلم الله من يخافه بالغيب ) علة لقوله ( ليبلونكم ) لأن الابتلاء اختبار فعلته أن يعلم الله منه من يخافه . وجعل علم الله علة للابتلاء إنما هو على معنى ليظهر للناس من يخاف الله من كل من علم الله أنه يخافه فأطلق علم الله على لازمه وهو ظهور ذلك وتميزه لأن علم الله يلازمه التحقق في الخارج إذ لا يكون علم الله إلا موافقا لما في نفس الأمر كما بيناه غير مرة ؛ أو أريد بقوله ( ليعلم الله ) التعلق التنجيزي لعلم الله بفعل بعض المكلفين بناء على إثبات تعلق تنجيزي لصفة العلم وهو التحقيق الذي انفصل عليه عبد الحكيم في الرسالة الخاقانية
وقيل : أطلق العلم على تعلقه بالمعلوم في الخارج . ويلزم أن يكون مراد هذا القائل أن هذا الإطلاق قصد منه التقريب لعموم أفهام المخاطبين . وقال ابن العربي في القبس : " ليعلم الله مشاهدة ما علمه غيبا من امتثال من امتثل واعتداء من اعتدى فإنه عالم الغيب والشهادة يعلم الغيب أولا ثم يخلق المعدوم فيعلمه مشاهدة يتغير المعلوم ولا يتغير العلم "
والباء إما للملابسة أو للظرفية وهي في موضع الحال من الضمير المرفوع في ( يخافه )
والغيب ضد الحضور وضد المشاهدة وقد تقدم في قوله تعالى ( الذين يؤمنون بالغيب ) على أحد وجهين هنالك فتعلق المجرور هنا بقوله ( يخافه ) الأظهر أنه تعلق لمجرد الكشف دون إرادة تقييد أو احتراز كقوله تعالى ( ويقتلون النبيين بغير حق ) . أي من يخاف الله وهو غائب عن الله أي غير مشاهد له . وجميع مخافة الناس من الله في الدنيا هي مخافة بالغيب . قال تعالى ( إن الذين يخشون ربهم بالغيب لهم مغفرة وأجر كبير )
وفائدة ذكره أنه ثناء على الذين يخافون الله أثنى عليهم بصدق الإيمان وتنور البصيرة فإنهم خافوه ولم يروا عظمته وجلاله ونعيمه وثوابه ولكنهم أيقنوا بذلك عن صدق استدلال . وقد أشار إلى هذا ما في الحديث القدسي " إنهم آمنوا بي ولم يروني فكيف لو رأوني " . ومن المفسرين من فسر الغيب بالدنيا . وقال ابن عطية : الظاهر أن المعنى بالغيب عن الناس أي في الخلوة . فمن خاف الله انتهى عن الصيد من ذات نفسه يعني أن المجرور للتقييد أي من يخاف الله وهو غائب عن أعين الناس الذين يتقى إنكارهم عليه أو صدهم إياه وأخذهم على يده أو التسميع به وهذا ينظر إلى ما بنوا عليه أن الآية نزلت في صيد غشيهم في سفرهم عام الحديبية يغشاهم في رحالهم وخيامهم أي كانوا متمكنين من أخذه بدون رقيب أو يكون الصيد المحذر من صيده مماثلا لذلك الصيد
وقوله ( فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم ) تصريح بالتحذير الذي أومأ اليه بقوله ( ليبلونكم ) إذ قد أشعر قوله ( ليبلونكم ) أن في هذا الخبر تحذيرا من عمل قد تسبق النفس إليه
والإشارة بذلك إلى التحذير المستفاد من ( ليبلونكم ) أي بعد ما قدمناه إليكم وأعذرنا لكم فيه فلذلك جاءت بعده فاء التفريع . والمراد بالاعتداء الاعتداء بالصيد وسماه اعتداء لأنه إقدام على محرم وانتهاك لحرمة الإحرام أو الحرم
صلى الله عليه و سلم عليه الصلاة و السلام

(1/1200)


وقوله ( فله عذاب أليم ) أي عقاب شديد في الآخرة بما اجترأ على الحرم أو على الإحرام أو كليهما وبما خالف إنذار الله تعالى وهذه إذا اعتدى ولم يتدارك اعتداءه بالتوبة أو الكفارة فالتوبة معلومة من أصول الاسلام والكفارة هي جزاء الصيد لأن الظاهر أن الجزاء تكفير عن هذا الاعتداء كما سيأتي . روى ابن أبي حاتم عن ابن عباس : " العذاب الأليم أنه يوسع بطنه وظهره جلدا ويسلب ثيابه وكان الأمر كذلك به في الجاهلية " . فالعذاب هو الأذى الدنيوي وهو يقتضي أن هذه الآية قررت ما كان يفعله أهل الجاهلية فتكون الآية الموالية لها نسخا لها . ولم يقل بهذا العقاب أحد من فقهاء الإسلام فدل ذلك على أنه أبطل بما في الآية الموالية وهذا هو الذي يلتئم به معنى الآية مع معنى التي تليها . ويجوز أن يكون الجزاء من قبيل ضمان المتلفات ويبقى إثم الاعتداء فهو موجب العذاب الأليم . فعلى التفسير المشهور لا يسقطه إلا التوبة وعلى ما نقل عن ابن عباس يبقى الضرب تأديبا ولكن هذا لم يقل به أحد من فقهاء الإسلام والظاهر أن سلبه كان يأخذه فقراء مكة مثل جلال البدن ونعالها
( يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما ليذوق وبال أمره عفا الله عما سلف ومن عاد فينتقم الله منه والله عزيز ذو انتقام [ 95 ] ) استئناف لبيان آية ( ليبلونكم الله بشيء من الصيد ) أو لنسخ حكمها أن كانت تضمنت حكما لم يبق به عمل . وتقدم القول في معنى ( وأنتم حرم ) في طالع هذه السورة
واعلم أن الله حرم الصيد في حالين : حال كون الصائد محرما وحال كون الصيد من صيد الحرم ولو كان الصائد حلالا ؛ والحكمة في ذلك أن الله تعالى عظم شأن الكعبة من عهد إبراهيم عليه السلام وأمره بأن يتخذ لها حرما كما كان الملوك يتخذون الحمى فكانت بيت الله وحماه وهو حرم البيت محترما بأقصى ما يعد حرمة وتعظيما فلذلك شرع الله حرما للبيت واسعا وجعل الله البيت أمنا للناس ووسع ذلك الأمن حتى شمل الحيوان العائش في حرمه بحيث لا يرى الناس للبيت إلا أمنا للعائذ به وبحرمه . قال النابغة :
والمؤمن العائذات الطير يمسحها ... ركبان مكة بين الغيل فالسند فالتحريم لصيد حيوان البر ولم يحرم صيد البحر إذ ليس في شيء من مساحة الحرم بحر ولا نهر . ثم حرم الصيد على المحرم بحج أو عمرة لأن الصيد إثارة لبعض الموجودات الآمنة . وقد كان الإحرام يمنع المحرمين القتال ومنعوا التقاتل في الأشهر الحرم لأنها زمن الحج والعمرة فألحق مثل الحيوان في الحرمة بقتل الإنسان أو لأن الغالب أن المحرم لا ينوي الإحرام إلا عند الوصول إلى الحرم فالغالب أنه لا يصيد إلا حيوان الحرم
والصيد عام في كل ما شأنه أن يصاد ويقتل من الدواب والطير لأكله أو الانتفاع ببعضه . ويلحق بالصيد الوحوش كلها . قال ابن الفرس : والوحوش تسمى صيدا وإن لم تصد بعد كما يقال : بئس الرمية الأرنب وإن لم ترم بعد . وخص من عمومه ما هو مضر وهي السباع المؤذية وذوات السموم والفأر وسباع الطير . ودليل التخصيص السنة
وقصد القتل تبع لتذكر الصائد أن في حال إحرام وهذا مورد الآية فلو نسى أنه محرم فهو غير متعمد ولو لم يقصد قتله فأصابه فهو غير متعمد . ولا وجه ولا دليل لمن تأول التعمد في الآية بأنه تعمد القتل مع نسيان أنه محرم
وقوله ( وأنتم حرم ) حرم جمع حرام بمعنى محرم مثل جمع قذال على قذل والمحرم أصله المتلبس بالإجرام بحج أو عمرة . ويطلق المحرم على الكائن في الحرم . قال الراعي :
" قتلوا ابن عفان الخليفة محرما

(1/1201)


أي كائنا في حرم المدينة . فأما الإحرام بالحج والعمرة فهو معلوم وأما الحصول في الحرم فهو الحلول في مكان الحرم من مكة أو المدينة . وزاد الشافعي الطائف في حرمة صيده لا في وجوب الجزاء على صائده . فأما حرم مكة فيحرم صيده بالاتفاق . وفي صيده الجزاء . وأما حرم المدينة فيحرم صيده ولا جزاء فيه ومثله الطائف عند الشافعي
صلى الله عليه و سلم عليه الصلاة و السلام وحرم مكة معلوم بحدود من قبل الإسلام وهو الحرم الذي حرمه إبراهيم عليه السلام ووضعت بحدوده علامات في زمن عمر بن الخطاب . وأما حرم المدينة فقال النبي صلى الله عليه وسلم " المدينة حرم من ما بين عير أو عائر " جبل " إلى ثور . قيل هو جبل ولا يعرف ثور إلا في مكة . قال النووي : أكثر الرواة في كتاب البخاري ذكروا عيرا وأما ثور فمنهم من كنى عنه فقال : من عير إلى كذا ومنهم من ترك مكانه بياضا لأنهم اعتقدوا ذكر ثور هنا خطأ . وقيل : إن الصواب إلى أحد كما عند أحمد والطبراني . وقيل : ثور جبل صغير وراء جبل أحد
وقوله ( ومن قتله منكم ) الخ ( من ) اسم شرط مبتدأ و ( قتله ) فعل الشرط و ( منكم ) صفة لاسم الشرط أي من الذين آمنوا . وفائدة إيراد قوله ( منكم ) أعرض عن بيانها المفسرون . والظاهر أن وجه إيراد هذا الوصف التنبيه على إبطال فعل أهل الجاهلية فمن أصاب صيدا في الحرم منهم كانوا يضربونه ويسلبونه ثيابه كما تقدم آنفا
وتعليق حكم الجزاء على وقوع القتل يدل على أن الجزاء لا يجب إلا إذا قتل الصيد فأما لو جرحه أو قطع منه عضوا ولم يقتله فليس فيه جزاء ويدل على أن الحكم سواء أكل القاتل الصيد أو لم يأكله لأن مناط الحكم هو القتل
وقوله ( متعمدا ) قيد أخرج المخطئ أي في صيده . ولم تبين له الآية حكما لكنها تدل على أن حكمه لا يكون أشد من المتعمد فيحتمل أن يكون فيه جزاء آخر أخف ويحتمل أن يكون لا جزاء عليه وقد بينته السنة . قال الزهري : نزل القرآن بالعمد وجرت السنة في الناسي والمخطئ أنهما يكفران . ولعله أراد بالسنة العمل من عهد النبوة والخلفاء ومضى عليه عمل الصحابة . وليس في ذلك أثر عن النبي صلى الله عليه وسلم
وقال مالك وأبو حنيفة والشافعي وجمهور فقهاء الأمصار : إن العمد والخطأ في ذلك سواء وقد غلب مالك فيه معنى الغرم أي قاسه على الغرمز والعمد والخطأ في الغرم سواء فلذلك سوى بينهما . ومضى بذلك عمل الصحابة
وقال أحمد بن حنبل وابن عبد الحكم من المالكية وداود الظاهري وابن جبير وطاووس والقاسم بن محمد وسالم بن عبد الله وعطاء ومجاهد : لا شيء على الناسي . وروي مثله عن ابن عباس
وقال مجاهد والحسن وابن زيد وابن جريج : إن كان متعمدا للقتل ناسيا إحرامه فهو مورد الآية فعليه الجزاء . وأما المتعمد للقتل وهو ذاكر إحرامه فهذا أعظم من أن يكفر وقد بطل حجه وصيده جيفة لا يؤكل
والجزاء العوض عن عمل فسمى الله ذلك جزاء لأنه تأديب وعقوبة إلا أنه شرع على صفة الكفارات مثل كفارة القتل وكفارة الظهار . وليس القصد منه الغرم إذ ليس الصيد بمنتفع به أحد من الناس حتى يغرم قاتله ليجبر ما أفاته عليه . وإنما الصيد ملك الله تعالى أباحه في الحل ولم يبحه للناس في حال الإجرام فمن تعدى عليه في تلك الحالة فقد فرض الله على المتعدي جزاء . وجعله جزاء ينتفع به ضعاف عبيده
وقد دلنا على أن مقصد التشريع في ذلك هو العقوبة قوله عقبه ( ليذوق وبال أمره ) . وإنما سمي جزاء ولم يسم بكفارة لأنه روعي فيه المماثلة فهو مقدر بمثل العمل فسمي جزاء والجزاء مأخوذ فيه المماثلة والموافقة قال تعالى ( جزاء وفاقا )

(1/1202)


وقد أخبر أن الجزاء مثل ما قتل الصائد وذلك المثل من النعم وذلك أن الصيد إما من الدواب وإما من الطير وأكثر صيد العرب من الدواب وهي الحمر الوحشية وبقر الوحش والأروى والظباء ومن ذوات الجناح النعام والإوز وأما الطير الذي يطير في الجو فنادر صيده لأنه لا يصاد إلا بالمعراض وقلما أصابه المعراض سوى الحمام الذي بمكة وما يقرب منها فمماثلة الدواب للأنعام هينة . وأما مماثلة الطير للأنعام فهي مقاربة وليست مماثلة ؛ فالنعامة تقارب البقرة أو البدنة والإوز يقارب السخلة وهكذا . وما لا نظير له كالعصفور فيه القيمة . وهذا قول مالك والشافعي ومحمد بن الحسن . وقال أبو حنيفة وأبو يوسف : المثل القيمة في جميع ما يصاب من الصيد . والقيمة عند مالك طعام . وقال أبو حنيفة : دارهم . فإذا كان المصير إلى القيمة ؛ فالقيمة عند مالك طعام يتصدق به أو يصوم عن كل مد من الطعام يوما ولكسر المد يوما كاملا . وقال أبو حنيفة : يشتري بالقيمة هديا إن شاء وإن شاء اشترى طعاما وإن شاء صام عن كل نصف صاع يوما
صلى الله عليه و سلم عليه الصلاة و السلام وقد اختلف العلماء في أن الجزاء هل يكون أقل مما يجزئ في الضحايا والهدايا . فقال مالك : لا يجزئ أقل من ثني الغنم أو المعز لأن الله تعالى قال ( هديا بالغ الكعبة ) . فما لا يجزئ أن يكون هديا من الأنعام لا يكون جزاء فمن أصاب من الصيد ما هو صغير كان مخيرا بين أن يعطي أقل ما يجزي من الهدي من الأنعام وبين أن يعطي قيمة ما صاده طعاما ولا يعطي من صغار الأنعام
وقال مالك في الموطأ : وكل شيء فدي ففي صغاره مثل ما يكون في كباره . وإنما مثل ذلك مثل دية الحر الصغير والكبير بمنزلة واحدة . وقال الشافعي وبعض علماء المدينة : إذا كان الصيد صغيرا كان جزاؤه ما يقاربه من صغار الأنعام لما رواه مالك في الموطأ عن أبي الزبير المكي أن عمر بن الخطاب قضى في الأرنب بعناق وفي اليربوع بجفرة . قال الحفيد ابن رشد في كتاب بداية المجتهد : وذلك ما روي عن عمر وعثمان وعلي وابن مسعود اه . وأقول : لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك شيء فأما ما حكم به عمر فلعل مالكا رآه اجتهادا من عمر لم يوافقه عليه لظهور الاستدلال بقوله تعالى ( هديا بالغ الكعبة ) . فإن ذلك من دلالة الإشارة ورأى في الرجوع إلى الإطعام سعة على أنه لو كان الصيد لا مماثل له من صغار الأنعام كالجرادة والخنفساء لوجب الرجوع إلى الإطعام فليرجع إليه عند كون الصيد أصغر مما يماثله مما يجزئ في الهدايا . فمن العجب قول ابن العربي : إن قول الشافعي هو الصحيح وهو اختيار علمائنا . ولم أدر من يعنيه من علمائنا فإني لا أعرف للمالكية مخالفا لمالك في هذا . والقول في الطير كالقول في الصغير وفي الدواب وكذلك القول في العظيم من الحيوان كالفيل والزرافة فيرجع إلى الإطعام
ولما سمى الله هذا جزاء وجعله مماثلا للمصيد دلنا على ان من تكر منه قتل الصيد وهو محرم وجب عليه جزاء لكل دابة قتلها خلافا لداود الظاهري فإن الشيئين من نوع واحد لا يماثلهما شيء واحد من ذلك النوع ولأنه قد تقتل أشياء مختلفة النوع فكيف يكون شيء من نوع مماثلا لجميع ما قتله

(1/1203)


وقرأ جمهور القراء ( فجزاء مثل ما قتل ) بإضافة ( جزاء ) إلى ( مثل ) ؛ فيكون ( جزاء ) مصدرا بدلا عن الفعل ويكون ( مثل ما قتل ) فاعل المصدر أضيف إليه مصدره . ( ومن النعم ) بيان المثل لا ل ( ما قتل ) . والتقدير : فمثل ما قتل من النعم يجزئ جزاء ما قتله أي يكافئ ويعوض ما قتله . وإسناد الجزاء إلى المثل إسناد على طريقة المجاز العقلي . ولك أن تجعل الإضافة بيانية أي فجزاء هو مثل ما قتل والإضافة تكون لأدنى ملابسة . ونظيره قوله تعالى ( فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا ) . وهذا نظم بديع على حد قوله تعالى ( ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ) أي فليحرر رقبة . وجعله صاحب الكشاف من إضافة المصدر إلى المفعول أي فليجز مثل ما قتل . وهو يقتضي أن يكون النعم هو المعوض لا العوض لأن العوض يتعدى إليه فعل " جزى " بالباء ويتعدى إلى المعوض بنفسه . تقول : جزيت ما أتلفته بكذا درهما ولا تقول : جزيت كذا درهما بما أتلفته فلذلك اضطر الذين قدروا هذا القول إلى جعل لفظ ( مثل ) مقحما . ونظروه بقولهم " مثلك لا يبخل " كما قال ابن عطية وهو معاصر للزمخشري . وسكت صاحب الكشاف عن الخوض في ذلك وقرر القطب كلام الكشاف على لزوم جعل لفظ ( مثل ) مقحما وأن الكلام على وجه الكناية يعني نظير ( ليس كمثله شيء ) وكذلك ألزمه إياه التفتزاني واعتذر عن عدم التصريح به في كلامه بأن الزمخشري بصدد بيان الجزاء لا بصدد بيان أن عليه جزاء ما قتل . وهو اعتذار ضعيف . فالوجه أن لا حاجة إلى هذا التقدير من أصله . وقد اجترأ الطبري فقال : أن لا وجه لقراءة الإضافة وذلك وهم منه وغفلة عن وجوه تصاريف الكلام العربي
وقرأ عاصم وحمزة ويعقوب والكسائي وخلف ( فجزاء مثل ) بتنوين ( جزاء ) . ورفع ( مثل ) على تقدير : فالجزاء هو مثل على أن الجزاء مصدر أطلق على اسم المفعول أي فالمجزي به المقتول مثل ما قتله الصائد
صلى الله عليه و سلم عليه الصلاة و السلام وقوله تعالى ( يحكم به ذوا عدل منكم ) جملة في موضع الصفة ل ( جزاء ) أو استئناف بياني أي يحكم بالجزاء أي بتعيينه . والمقصد من ذلك أنه لا يبلغ كل أحد معرفة صفة المماثلة بين ا لصيد والنعم فوكل الله أمر ذلك إلى الحكمين . وعلى الصائد أن يبحث عمن تحققت فيه صفة العدالة والمعرفة فيرفع الأمر إليهما . ويتعين عليهما أن يجيباه إلى ما سأل منهما وهما يعينان المثل ويخيرانه بين أن يعطي المثل أو الطعام أو الصيام ويقدران له ما هو قدر الطعام إن اختاره
وقد حكم من الصحابة في جزاء الصيد عمر مع عبد الرحمان بن عوف وحكم مع كعب بن مالك وحكم سعد بن أبي وقاص مع عبد الرحمان بن عوف وحكم عبد الله بن عمر مع ابن صفوان
ووصف ( ذوا عدل ) بقوله ( منكم ) أي من المسلمين للتحذير من متابعة ما كان لأهل الجاهلية من عمل في صيد الحرم فلعلهم يدعون معرفة خاصة بالجزاء
وقوله ( هديا بالغ الكعبة ) حال من ( مثل ما قتل ) أو من الضمير في ( به ) . والهدي ما يذبح أو ينحر في منحر مكة . والمنحر : منى والمروة . ولما سماه الله تعالى ( هديا ) فله سائر أحكام الهدي المعروفة . ومعني ( بالغ الكعبة ) أنه يذبح أو ينحر في حرم الكعبة وليس المراد أنه ينحر أو يذبح حول الكعبة
وقوله ( أو كفارة طعام مساكين ) عطف على ( فجزاء ) وسمى الإطعام كفارة لأنه ليس بجزاء إذ الجزاء هو العوض وهو مأخوذ فيه المماثلة . وأما الإطعام فلا يماثل الصيد وإنما هو كفارة تكفر به الجريمة . وقد أجمل الكفارة فلم يبين مقدار الطعام ولا عدد المساكين . فأما مقدار الطعام فهو موكول إلى الحكمين وقد شاع عن العرب أن المد من الطعام هو طعام رجل واحد فلذلك قدره مالك بمد لكل مسكين . وهو قول الأكثر من العلماء . وعن ابن عباس : تقدير الإطعام أن يقوم الجزاء من النعم بقيمته دراهم ثم تقوم الدراهم طعاما . وأما عدد المساكين فهو ملازم لعدد الأمداد . قال مالك : أحسن ما سمحت إلي فيه أنه يقوم الصيد الذي أصاب وينظر كم ثمن ذلك من الطعام فيطعم مدا لكل مسكين . ومن العلماء من قدر لكل حيوان معادلا من الطعام . فعن ابن عباس : تعديل الظبي بإطعام ستة مساكين والأيل بإطعام عشرين مسكينا وحمار الوحش بثلاثين والأحسن أن ذلك موكول إلى الحكمين

(1/1204)


و ( أو ) في قوله ( أو كفارة طعام مساكين ) وقوله ( أو عدل ذلك ) تقتضي تخيير قاتل الصيد في أحد الثلاثة المذكورة . وكذلك كل أمر وقع ب ( أو ) في القرآن فهو من الواجب المخير . والقول بالتخيير هو قول الجمهور ثم قيل : الخيار للمحكوم عليه لا للحكمين . وهو قول الجمهور من القائلين بالتخيير وقيل : الخيار للحكمين . وقال به الثوري وابن أبي ليلى والحسن . ومن العلماء من قال : إنه لا ينتقل من ا لجزاء إلى كفارة الطعام إلا عند العجز عن الجزاء ولا ينتقل عن ا لكفارة إلى الصوم إلا عند العجز عن الإطعام فهي عندهم على الترتيب . ونسب لابن عباس
وقرأ نافع وابن عامر وأبو جعفر ( كفارة ) بالرفع بدون تنوين مضافا إلى طعام كما قرأ ( جزاء مثل ما قتل ) . والوجه فيه إما أن نجعله كوجه الرفع والإضافة في قوله تعالى ( فجزاء مثل ما قتل ) فنجعل ( كفارة ) اسم مصدر عوضا عن الفعل وأضيف إلى فاعله أي يكفره طعام مساكين ؛ وإما أن نجعله من الإضافة البيانية أي كفارة من طعام كما يقال : ثوب خز فتكون الكفارة بمعنى المكفر به لتصح إضافة البيان فالكفارة بينها الطعام أي لا كفارة غيره فإن الكفارة تقع بأنواع . وجزم بهذا الوجه في الكشاف وفيه تكلف . وقرأه الباقون بتنوين ( كفارة ) ورفع ( طعام ) على أنه بدل من ( كفارة )
وقوله ( أو عدل ذلك صياما ) عطف على ( كفارة ) والإشارة إلى الطعام . والعدل بفتح العين ما عادل الشيء من غير جنسه . وأصل معنى العدل المساواة . وقال الراغب : إنما يكون فيما يدرك بالبصيرة كما هنا . وأما العدل بكسر العين ففي المحسوسات كالموزونات والمكيلات وقيل : هما مترادفان . والإشارة بقوله ( ذلك ) إلى ( طعام مساكين ) . وانتصب ( صياما ) على التمييز لأن في لفظ العدل معنى التقدير
صلى الله عليه و سلم عليه الصلاة و السلام وأجملت الآية الصيام كما أجملت الطعام وهو موكول إلى حكم الحكمين . وقال مالك والشافعي : يصوم عن كل مد من الطعام يوما . وقال أبو حنيفة : عن كل مدين يوما واختلفوا في أقصى ما يصام ؛ فقال مالك والجمهور : لا ينقص عن أعداد الأمداد أياما ولو تجاوز شهرين وقال بعض أهل العلم : لا يزيد على شهرين لأن ذلك أعلى الكفارات . وعن ابن عباس : يصوم ثلاثة أيام إلى عشرة
وقوله ( ليذوق ) متعلق بقوله ( فجزاء ) واللام للتعليل أي جعل ذلك جزاء عن قتله الصيد ليذوق وبال أمره
والذوق مستعار للإحساس بالكدر . شبه ذلك الإحساس بذوق الطعم الكريه كأنهم راعوا فيه سرعة اتصال ألمه بالإدراك ولذلك لم نجعله مجازا مرسلا بعلاقة الإطلاق إذ لا داعي لاعتبار تلك العلاقة فإن الكدر أظهر من مطلق الإدراك . وهذا الإطلاق معتنى به في كلامهم لذلك اشتهر إطلاق الذوق على إدراك الآلام واللذات . ففي القرآن ( ذق إنك أنت العزيز الكريم ) ( لا يذوقون فيها الموت ) . وقال أبو سفيان يوم أحد مخاطبا جثة حمزة " ذق عقق " . وشهرة هذه الاستعارة قاربت الحقيقة فحسن أن تبنى عليها استعارة أخرى في قوله تعالى ( فأذاقها الله لباس الجوع والخوف )
والوبال السوء وما يكره إذا اشتد والوبيل القوي في السوء ( فأخذناه أخذا وبيلا ) . وطعام وبيل : سيء الهضم وكلأ وبيل ومستوبل تستوبله الإبل أي تستوخمه . قال زهير :
" إلى كلأ مستوبل متوخم والأمر : الشأن والفعل أي أمر من قتل الصيد متعمدا . والمعنى ليجد سوء عاقبة فعله بما كلفه من خسارة أو من تعب
وأعقب الله التهديد بما عود به المسلمين من الرأفة فقال ( عفا الله عما سلف ) أي عفا عما قتلتم من الصيد قبل هذا البيان ومن عاد إلى قتل الصيد وهو محرم فالله ينتقم منه
والانتقام هو الذي عبر عنه بالوبال من قبل وهو الخسارة أو التعب ففهم منه أنه كلما عاد وجب عليه ا لجزاء أو الكفارة أو الصوم وهذا قول الجمهور . وعن ابن عباس وشريح والنخعي ومجاهد وجابر بن زيد : أن المتعمد لا يجب عليه الجزاء إلا مرة واحدة فإن عاد حق عليه انتقام العذاب في الآخرة ولم يقبل منه جزاء . وهذا شذوذ

(1/1205)


ودخلت الفاء في قوله ( فينتقم الله منه ) مع أن شأن جواب الشرط إذا كان فعلا أن لا تدخل عليه الفاء الرابطة لاستغنائه عن الربط بمجرد الاتصال الفعلي فدخول الفاء يقع في كلامهم على خلاف الغالب والأظهر أنهم يرمون به إلى كون جملة الجواب اسمية تقديرا فيرمزون بالفاء إلى مبتدأ محذوف جعل الفعل خبرا عنه لقصد الدلالة على الاختصاص أو التقوي فالتقدير : فهو ينتقم الله منه لقصد الاختصاص للمبالغة في شدة ما يناله حتى كأنه لا ينال غيره أو لقصد التقوي أي تأكيد حصول هذا الانتقام . ونظيره ( فمن يؤمن بربه فلا يخاف بخسا ولا رهقا ) فقد أغنت الفاء عن إظهار المبتدإ فحصل التقوي مع إيجاز . هذا قول المحققين مع توجيهه ومن النحاة من قال : إن دخول الفاء وعدمه في مثل هذا سواء وإنه جاء على خلاف الغالب
وقوله ( والله عزيز ذو انتقام ) تذييل . والعزيز الذي لا يحتاج إلى ناصر ولذلك وصف بأنه ذو انتقام أي لأن من صفاته الحكمة وهي تقتضي الانتقام من المفسد لتكون نتائج الأعمال على وفقها
( أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما واتقوا الله الذي إليه تحشرون [ 96 ] ) استئناف بياني نشأ عن قوله ( يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ) فإنه اقتضى تحريم قتل الصيد على المحرم وجعل جزاء فعله هدى مثل ما قتل من النعم فكان السامع بحيث يسأل عن صيد البحر لأن أخذه لا يسمى في العرف قتلا وليس لما يصاد منه مثل من النعم ولكنه قد يشك لعل الله أراد القتل بمعنى التسبب في الموت وأراد بالمثل من النعم المقارب في الحجم والمقدار فبين الله للناس حكم صيد البحر وأبقاه على الإباحة لأن صيد البحر ليس من حيوان الحرم إذ ليس في شيء من أرض الحرم بحر . وقد بينا عند قوله تعالى ( يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ) أن أصل الحكمة في حرمة الصيد على المحرم هي حفظ حرمة الكعبة وحرمها
صلى الله عليه و سلم عليه الصلاة و السلام ومعنى ( أحل لكم صيد البحر ) إبقاء حليته لأنه حلال من قبل الإحرام . والخطاب في ( لكم ) للذين آمنوا . والصيد هنا بمعنى المصيد ليجري اللفظ على سنن واحد في مواقعه في هذه الآيات أي أحل لكم قتله أي إمساكه من البحر
والبحر يشمل الأنهار والأودية لأن جميعها يسمى بحرا في لسان العرب . وقد قال الله تعالى : ( وما يستوي البحران هذا عذب فرات ) الآية . وليس العذب إلا الأنهار كدجلة والفرات . وصيد البحر : كل دواب الماء التي تصاد فيهن فيكون إخراجها منه سبب موتها قريبا أو بعيدا . فأما ما يعيش في البر وفي الماء فليس من صيد البحر كالضفدع والسلحفاة ولا خلاف في هذا . أما الخلاف فيما يؤكل من صيد البحر وما لا يؤكل منه عند من يرى أن منه ما لا يؤكل فليس هذا موضع ذكره لأن الآتية ليست بمثبتة لتحليل أكل صيد البحر ولكنها منبهة على عدم تحريمه في حال الإحرام
وقوله ( وطعامه ) عطف على ( صيد البحر ) . والضمير عائد إلى ( البحر ) أي وطعام البحر وعطفه اقتضى مغايرته للصيد . والمعنى : والتقاط طعامه أو وإمساك طعامه . وقد اختلف في المراد من ( طعامه ) . والذي روي عن جلة الصحابة رضي الله عنهم : أن طعام البحر هو ما طفا عليه من ميتة إذا لم يكن سبب موته إمساك الصائد له . ومن العلماء من نقل عنه في تفسير طعام البحر غير هذا مما لا يلائم سياق الآية . وهؤلاء هم الذين حرموا أكل ما يخرجه البحر ميتا ويرد قولهم ما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال في البحر " هو الطهور ماؤه الحل ميتته " . وحديث جابر في الحوت المسمى العنبر حين وجدوه ميتا وهم في غزوة وأكلوا منه وأخبروا رسول الله وأكل منه رسول الله صلى الله عليه وسلم
وانتصب ( متاعا ) على الحال . والمتاع : ما يتمتع بهز والتمتع : انتفاع بما يلذ ويسر . والخطاب في قوله ( متاعا لكم ) للمخاطبين بقوله ( أحل لكم صيد البحر ) باعتبار كونهم متناولين الصيد أي متاعا للصائدين وللسيارة

(1/1206)


والسيارة : الجماعة السائرة في الأرض للسفر والتجارة مؤنث سيار والتأنيث باعتبار الجماعة . قال تعالى : ( وجاءت سيارة ) . والمعنى أحل لكم صيد البحر تتمتعون بأكله ويتمتع به المسافرون أي تبيعونه لمن يتجرون ويجلبونه إلى الأمصار
وقوله ( وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما ) زيادة تأكيد لتحريم الصيد تصريحا بمفهوم قوله ( لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ) ولبيان أن مدة التحريم مدة كونهم حرما أي محرمين أو مارين بحرم مكة . وهذا إيماء لتقليل مدة التحريم استئناسا للمكلفين بتخفيف وإيماء إلى نعمة اقتصار تحريمه على تلك المدة ولو شاء الله لحرمه أبدا . وفي الموطأ : أن عائشة قالت لعروة بن الزبير : يا بن أختي إنما هي عشر ليال " أي مدة الإحرام " فإن تخلج في نفسك شيء فدعه . تعني أكل لحم الصيد
وذيل ذلك بقوله ( واتقوا الله الذي إليه تحشرون ) . وفي إجراء الوصف بالموصول وتلك الصلة تذكير بأن المرجع إلى الله ليعد الناس ما استطاعوا من الطاعة لذلك اللقاء
والحشر : جمع الناس في مكان
والصيد مراد به المصيد كما تقدم
صلى الله عليه و سلم عليه الصلاة و السلام والتحريم متعلق بقتله لقوله قبله ( لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ) فلا يقتضي قوله ( وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما ) تحريم أكل صيد البر على المحرم إذا اشتراه من بائع أو ناوله رجل حلال إياه لأنه قد علم أن التحريم متعلق بمباشرة المحرم قتله في حال الإصابة . وقد أكل رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحمار الذي صاده أبو قتادة كما في حديث الموطأ عن زيد بن أسلم . وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقسمة الحمار الذي صاده زيد البهزي بين الرفاق وهم محرمون . وعلى ذلك مضى عمل الصحابة وهو قول . وأما ما صيد لأجل المحرم فقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم رد على الصعب بن جثامة حمارا وحشيا أهداه إليه وقال له " إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم " . وقد اختلف الفقهاء في محمل هذا الامتناع . فقيل : يحرم أن يأكله من صيد لأجله لا غير . وهذا قول عثمان بن عفان وجماعة من فقهاء المدينة ورواية عن مالك وهو الأظهر لأن الظاهر أن الضمير في قول النبي صلى الله عليه وسلم : إنما لم نرده عليك إلا أنا حرم " أنه عائد إلى النبي صلى الله عليه وسلم وحده لقوله ( لم نرده ) وإنما رده هو وحده . وقيل : يحرم على المحرم أكل ما صيد لمحرم غيره وهو قول بعض أهل المدينة وهو المشهور عن مالك . وكأن مستندهم في ذلك أنه الاحتياط وقيل : لا يأكل المحرم صيدا صيد في مدة إحرامه ويأكل ما صيد قبل ذلك ونسب إلى علي بن أبي طالب وابن عباس وقيل : يجوز للمحرم أكل الصيد مطلقا وإنما حرم الله قتل الصيد وهو قول أبي حنيفة . والحاصل أن التنزه عن أكل الصيد الذي صيد لأجل المحرم ثابت في السنة بحديث الصعب بن جثامة وهو محتمل كما علمت . والأصل في الامتناع الحرمة لأنه لو أراد التنزه لقال : أما أنا فلا آكله كما قال في حديث خالد بن الوليد في الضب
( جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس والشهر الحرام والهدي والقلائد ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض وأن الله بكل شيء عليم [ 97 ] ) استئناف بياني لأنه يحصل به جواب عما يخطر في نفس السامع من البحث عن حكمة تحريم الصيد في الحرم وفي حال الإحرام بأن ذلك من تعظيم شأن الكعبة التي حرمت أرض الحرم لأجل تعظيمها وتذكير بنعمة الله على سكانه بما جعل لهم من الأمن في علائقها وشعائرها
والجعل يطلق بمعنى الإيجاد فيتعدى إلى مفعول واحد كما في قوله تعالى : ( وجعل الظلمات والنور ) في سورة الأنعام ويطلق بمعنى التصيير فيتعدى إلى مفعولين وكلا المعنيين صالح هنا . والأظهر الأول فإن الله أوجد الكعبة أي أمر خليله بإيجادها لتكون قياما للناس . فقوله ( قياما ) منصوب على الحال وهي حال مقدرة أي أوجدها مقدرا أن تكون قياما . وإذا حمل ( جعل ) على معنى التصيير كان المعنى أنها موجودة بيت عبادة فصيرها الله قياما للناس لطفا بأهلها ونسلهم فيكون ( قياما ) مفعولا ثانيا ل ( جعل ) . وأما قوله ( البيت الحرام ) فلا يصح جعله مفعولا

(1/1207)


والكعبة علم على البيت الذي بناه إبراهيم عليه السلام بمكة بأمر الله تعالى ليكون آية للتوحيد . وقد تقدم ذلك في تفسير قوله تعالى : ( إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة ) في سورة آل عمران . قالوا : إنه علم مشتق من الكعب وهو النتوء والبروز وذلك محتمل . ويحتمل أنهم سموا كل بارز كعبة تشبيها بالبيت الحرام إذ كان أول بيت عندهم وكانوا من قبله أهل خيام فصار البيت مثلا يمثل به كل بارز
وأما إطلاق الكعبة على " القليس " الذي بناه الحبشة في صنعاء وسماه بعض العرب الكعبة اليمانية وعلى قبة نجران التي أقامها نصارى نجران لعبادتهم التي عناها الأعشى في قوله :
فكعبة نجران حتم عليك ... حتى تناخي بأبوابها فذلك على وجه المحاكاة والتشبيه كما سمى بنو حنيفة مسيلمة رحمان
صلى الله عليه و سلم عليه الصلاة و السلام وقوله ( البيت الحرام ) بيلن الكعبة . قصد من هذا البيان التنويه والتعظيم إذ شأن البيان أن يكون موضحا للمبين بأن يكون أشهر من المبين . ولما كان اسم الكعبة مساويا للبيت الحرام في الدلالة على هذا البيت فقد عبر به عن الكعبة في قوله تعالى : ( ولا أمين البيت الحرام ) فتعين أن ذكر البيان للتعظيم فإن البيان يجيء لما يجيء له النعت من توضيح ومدح ونحو ذلك . ووجه دلالة هذا العلم على التعظيم هو ما فيه من لمح معنى الوصف بالحرام قبل التغليب . وذكر البيت هنا لأن هذا الموصوف مع هذا الوصف صارا علما بالغلبة على الكعبة
والحرام في الأصل مصدر حرم إذا منع ومصدره الحرام كالصلاح من صلح فوصف شيء بحرام مبالغة في كونه ممنوعا
ومعنى وصف البيت بالحرام أنه ممنوع من أيدي الجبابرة فهو محترم عظيم المهابة . وذلك يستتبع تحجير وقوع المظالم والفواحش فيه وقد تقدم أنه يقال رجل حرام عند قوله تعالى : ( غير محلي الصيد وأنتم حرم ) في هذه السورة وأنه يقال : شهر حرام عند قوله تعالى ( ولا الشهر الحرام ) فيها أيضا فيحمل هذا الوصف على ما يناسبه بحسب الموصوف الذي يجري عليه وهو في كل موصوف يدل على أنه مما يتجنب جانبه فيكون تجنبه للتعظيم أو مهابته أو نحو ذلك فيكون وصف مدح ويكون تجنبه للتنزه عنه فيكون وصف ذم كما تقول : الخمر حرام
وقرأ الجمهور ( قياما ) بألف بعد الياء . وقرأه ابن عامر ( قيما ) بدون ألف بعد الباء
والقيام في الأصل مصدر قام إذا استقل على رجليه ويستعار للنشاط ويستعار من ذلك للتدبير والإصلاح لأن شأن من يعمل عملا مهما أن ينهض له كما تقدم بيانه عند قوله تعالى ( ويقيمون الصلاة ) في سورة البقرة . ومن هذا الاستعمال قيل للناظر في أمور شيء وتدبيره : هو قيم عليه أو قائم عليه فالقيام هنا بمعنى الصلاح والنفع . وأما قراءة ابن عامر ( قيما ) فهو مصدر ( قام ) على وزن فعل بكسر ففتح مثل شبع . وقد تقدم أنه أحد تأويلين في قوله تعالى : ( ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قيما ) في سورة النساء . وإنما أعلت واوه فصارت ياء لشدة مناسبة الياء للكسرة . وهذا القلب نادر في المصادر التي على وزن فعل من الواوي العين . وإثباته للكعبة من الإخبار بالمصدر للمبالغة وهو إسناد مجازي لأن الكعبة لما جعلها الله سببا في أحكام شرعية سابقة كان بها صلاح أهل مكة وغيرهم من العرب وقامت بها مصالحهم جعلت الكعبة هي القائمة لهم لأنها سبب القيام لهم
والناس هنا ناس معهودون فالتعريف للعهد . والمراد بهم العرب لأنهم الذين انتفعوا بالكعبة وشعائرها دون غيرهم من الأمم كالفرس والروم . وأما ما يحصل لهؤلاء من منافع التجارة ونحوها من المعاملة فذلك تبع لوجود السكان لا لكون البيت حراما إلا إذا أريد التسبب البعيد وهو أنه لولا حرمة الكعبة وحرمة الأشهر في الحج لساد الخوف في تلك الربوع فلم تستطع الأمم التجارة هنالك
صلى الله عليه و سلم عليه الصلاة و السلام

(1/1208)


وإنما كانت الكعبة قياما للناس لأن الله لما أمر إبراهيم بأن ينزل في مكة زوجه وابنه إسماعيل وأراد أن تكون نشأة العرب المستعربة " وهم ذرية إسماعيل " في ذلك المكان لينشأوا أمة أصيلة الآراء عزيزة النفوس ثابتة القلوب لأنه قدر أن تكون تلك الأمة هي أول من يتلقى الدين الذي أراد أن يكون أفضل الأديان وأرسخها وأن يكون منه انبثاث الإيمان الحق والأخلاق الفاضلة . فأقام لهم بلدا بعيدا عن التعلق بزخارف الحياة ؛ فنشأوا على إباء الضيم وتلقوا سيرة صالحة نشأوا بها على توحيد الله تعالى والدعوة إليه ؛ وأقام لهم فيه الكعبة معلما لتوحيد الله تعالى ووضع في نفوسهم ونفوس جيرتهم تعظيمه وحرمته . ودعا مجاوريهم إلى حجة ما استطاعوا وسخر الناس لإجابة تلك الدعوة فصار وجود الكعبة عائدا على سكان بلدها بفوائد التأنس بالوافدين والانتفاع بما يجلبونه من الأرزاق وبما يجلب التجار في أوقات وفود الناس إليه ؛ فأصبح ساكنوه لا يلحقهم جوع ولا عراء . وجعل في نفوس أهله القناعة فكان رزقهم كفافا . وذلك ما دعا به إبراهيم في قوله : ( ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون ) . فكانت الكعبة قياما لهم يقوم به أود معاشهم . وهذا قيام خاص بأهله
ثم انتشرت ذرية إسماعيل ولحقت بهم قبائل كثيرة من العرب القحطانيين وأهلت بلاد العرب . وكان جميع أهلها يدين بدين إبراهيم ؛ فكان من انتشارهم ما شأنه أن يحدث بين الأمة الكثيرة من الاختلاف والتغالب والتقاتل الذي يفضي إلى التفاني فإذا هم قد وجدوا حرمة أشهر الحج الثلاثة وحرمة شهر العمرة وهو رجب الذي سنته مضر " وهم معظم ذرية إسماعيل " وتبعهم معظم العرب . وجدوا تلك الأشهر الأربعة ملجئة إياهم إلى المسالمة فيها فأصبح السلم سائدا بينهم مدة ثلث العام يصلحون فيها شؤونهم ويستبقون نفوسهم وتسعى فيها سادتهم وكبراؤهم وذوو الرأي منهم بالصلح بينهم فيما نجم من ترات وأحن . فهذا من قيام الكعبة لهم لأن الأشهر الحرم من آثار الكعبة إذ هي زمن الحج والعمرة للكعبة
وقد جعل إبراهيم للكعبة مكانا متسعا شاسعا يحيط بها من جوانبها أميالا كثيرة وهو الحرم فكان الداخل فيه آمنا . قال تعالى ( أو لم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم ) . فكان ذلك امنا مستمرا لسكان مكة وحرمها وأمنا يلوذ اليه من عراه خوف من غير سكانها بالدخول إليه عائذا ولتحقيق أمنه أمن الله وحوشه ودوابه تقوية لحرمته في النفوس فكانت الكعبة قياما لكل عربي إذا طرقه ضيم
وكان أهل مكة وحرمها يسيرون في بلاد العرب آمنين لا يتعرض لهم أحد بسوء فكانوا يتجرون ويدخلون بلاد قبائل العرب فيأتونهم بما يحتاجونه ويأخذون منهم ما لا يحتاجونه ليبلغوه إلى من يحتاجونه ولولاهم لما أمكن لتاجر من قبيلة أن يسير في البلاد فتعطلت التجارة والمنافع . ولذلك كان قريش يوصفون بين العرب بالتجار ولأجل ذلك جعلوا رحلتي الشتاء والصيف اللتين قال الله تعالى فيهما ( لإيلاف قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف ) . وبذلك كله بقيت أمة العرب محفوظة الجبلة التي أراد الله أن يكونوا مجبولين عليها فتهيأت بعد ذلك لتلقي دعوة محمد صلى الله عليه وسلم وحملها إلى الأمم كما أراد الله تعالى وتم بذلك مراده
وإذا شئت أن تعدو هذا فقل : إن الكعبة كانت قياما للناس وهم العرب إذ كانت سبب اهتدائهم إلى التوحيد واتباع الحنيفية واستبقت لهم بقية من تلك الحنيفية في مدة جاهليتهم كلها لم يعدموا عوائد نفعها . فلما جاء الإسلام كان الحج إليها من أفضل الأعمال وبه تكفر الذنوب فكانت الكعبة من هذا قياما للناس في أمور أخراهم بمقدار ما يتمسكون به مما جعلت الكعبة له قياما
صلى الله عليه و سلم عليه الصلاة و السلام

(1/1209)


وعطف ( الشهر الحرام ) على ( الكعبة ) شبه عطف الخاص على العام باعتبار كون الكعبة أريد بها ما يشمل علائقها وتوابعها فإن الأشهر الحرم ما اكتسبت الحرمة إلا من حيث هي أشهر الحج والعمرة للكعبة كما علمت . فالتعريف في ( الشهر ) للجنس كما تقدم في قوله تعالى : ( ولا الشهر الحرام ) . ولا وجه لتخصيصه هنا ببعض تلك الأشهر . وكذلك عطف ( الهدي ) و ( القلائد ) . وكون الهدي قياما للناس ظاهر لأنه ينتفع ببيعة للحاج أصحاب المواشي من العرب وينتفع بلحومه من الحاج فقراء العرب فهو قيام لهم
وكذلك القلائد فإنهم ينتفعون بها ؛ فيتخذون من ظفائرها مادة عظيمة للغزل والنسج فتلك قيام لفقرائهم . ووجه تخصيصها بالذكر هنا وإن كانت هي من أقل آثار الحج التنبيه على أن جميع علائق الكعبة فيها قيام للناس حتى أدنى العلائق وهو القلائد فكيف بما عداها من جلال البدن ونعالها وكسوة الكعبة ولأن القلائد أيضا لا يخلو عنها هدي من الهدايا بخلاف الجلال والنعال . ونظير هذا قول أبي بكر " والله لو منعوني عقالا " إلخ...
وقوله ( ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض ) الآية مرتبط بالكلام الذي قبله بواسطة لام التعليل في قوله ( لتعلموا ) . وتوسط اسم الإشارة بين الكلامين لزيادة الربط مع التنبيه على تعظيم المشار اليه وهو الجعل المأخوذ من قوله : ( جعل الله الكعبة ) فتوسط اسم الإشارة هنا شبيه بتوسط ضمير الفصل فلذلك كان الكلام شبيها بالمستأنف وما هو بمستأنف لأن ما صدق اسم الإشارة هو الكلام السابق ومفاد لام التعليل الربط بالكلام السابق فلم يكن في هذا الكلام شيء جديد غير التعليل والتعليل اتصال وليس باستئناف لأن الاستئناف انفصال . وليس في الكلام السابق ما يصلح لأن تتعلق به لام التعليل إلا قوله ( جعل ) . وليست الإشارة إلا للجعل المأخوذ من قوله ( جعل ) . والمعنى : جعل الله الكعبة قياما للناس لتعلموا أن الله يعلم الخ . . أي أن من الحكمة التي جعل الكعبة قياما للناس لأجلها أن تعلموا أنه يعلم . فجعل الكعبة قياما مقصود منه صلاح الناس بادىء ذى بدء لأنه المجعولة عليه ثم مقصود منه علم الناس بأنه تعالى عليم . وقد تكون فيه حكم أخرى لأن لام العلة لا تدل على انحصار تعليل الحكم الخبري في مدخولها لإمكان تعدد العلل للفعل الواحد لأن هذه علل جعلية لا إيجادية وإنما اقتصر على هذه العلة دون غيرها لشدة الاهتمام بها لأنها طريق إلى معرفة صفة من صفات الله تحصل من معرفتها فوائد جمة للعارفين بها في الامتثال والخشية والاعتراف بعجز من سواه وغير ذلك . فحصول هذا العلم غاية من الغايات التي جعل الله الكعبة قياما لأجلها
والمقصود أنه يعلم ما في السماوات وما في الأرض قبل وقوعه لأنه جعل التعليل متعلقا بجعل الكعبة وما تبعها قياما للناس . وقد كان قيامها للناس حاصلا بعد وقت جعلها بمدة وقد حصل بعضه يتلو بعضا في أزمنة متراخية كما هو واضح . وأما كونه يعلم ذلك بعد وقوعه فلا يحتاج للاستدلال لأنه أولى ولأن كثيرا من الخلائق قد علم تلك الأحوال بعد وقوعها
صلى الله عليه و سلم عليه الصلاة و السلام

(1/1210)


ووجه دلالة جعل الكعبة قياما للناس وما عطف عليها على كونه تعالى يعلم ما في السماوات وما في الأرض أنه تعالى أمر ببناء الكعبة في زمن إبراهيم فلم يدر أحد يومئذ إلا أن إبراهيم اتخذها مسجدا ومكة يومئذ قليلة السكان ثم إن الله أمر بحج الكعبة وبحرمة حرمها وحرمة القاصدين اليها ووقت للناس أشهرا القصد منها وهدايا يسوقونها إليها فإذا في جميع ذلك صلاح عظيم وحوائل دون مضار كثيرة بالعرب لولا إيجاد الكعبة كما بيناه آنفا . فكانت الكعبة سبب بقائهم حتى جاء الله بالإسلام . فلا شك أن الذي أمر ببنائها قد علم أن ستكون هنالك أمة كبيرة وأن ستحمد تلك الأمة عاقبة بناء الكعبة وما معه من آثارها . وكان ذلك تمهيدا لما علمه من بعثة محمد صلى الله عليه وسلم فيهم وجعلهم حملة شريعته إلى الأمم وما عقب ذلك من عظم سلطان المسلمين وبناء حضارة الإسلام . ثم هو يعلم ما في الأرض وليس هو في الأرض بدليل المشاهدة أو بالترفع عن النقص فلا جرم أن يكون عالما بما في السماوات لأن السماوات إما أن تكون مساوية للأرض في أنه تعالى ليس بمستقر فيها ولا هي أقرب إليه من الأرض كما هو الاعتقاد الخاص فثبت له العلم بما في السماوات بقياس المساواة ؛ وإما أن يكون تعالى في أرفع المكان وأشرف العوالم فيكون علمه بما في السماوات أحرى من علمه بما في الأرض لأنا أقرب إليه وهو بها أعنى فيتم الاستدلال للفريقين
وأما دلالة ذلك على أنه بكل شيء عليم فلأن فيما ثبت من هذا العلم الذي تقرر من علمه بما في السماوات وما في الأرض أنواعا من المعلومات جليلة ودقيقة ؛ فالعلم بها قبل وقوعها لا محالة فلو لم يكن يعلم جميع الأشياء لم يخل من جهل بعضها فيكون ذلك الجهل معطلا لعلمه بكثير مما يتوقف تدبيره على العلم بذلك المجهول فهو ما دبر جعل الكعبة قياما وما نشأ عن ذلك إلا عن عموم علمه بالأشياء ولولا عمومه ما تم تدبير ذلك المقدر
( اعلموا أن الله شديد العقاب وأن الله غفور رحيم [ 98 ] ما على الرسول إلا البلاغ والله يعلم ما تبدون وما تكتمون [ 99 ] ) استئناف ابتدائي وتذييل لما سبق من حظر الصيد للمحرم وإباحة صيد البحر والامتنان بما جعل للكعبة من النعم عليهم ليطمئنوا لما في تشريع تلك الأحكام من تضييق على تصرفاتهم ليعلموا أن ذلك في صلاحهم فذيل بالتذكير بأن الله منهم بالمرصاد يجازي كل صانع بما صنع من خير أو شر . وافتتاح الجملة ب ( اعلموا ) للاهتمام بمضمونها كما تقدم عند قوله تعالى : ( واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه ) في سورة البقرة . وقد استوفى قوله : ( أن الله شديد العقاب وأن الله غفور رحيم ) أقسام معاملته تعالى فهو شديد العقاب لمن خالف أحكامه وغفور لمن تاب وعمل صالحا . وافتتاح الجملة بلفظ ( اعلموا ) للاهتمام بالخبر كما تقدم عند قوله تعالى ( واعلموا أنكم ملاقوه ) في سورة البقرة
وجملة ( ما على الرسول إلا البلاغ ) معترضة ذيل بها التعريض بالوعيد والوعد . ومضمونها إعذار الناس لأن الرسول قد بلغ إليهم ما أراد الله منهم فلا عذر لهم في التقصير والمنة لله ولرسوله فيما أرشدهم إليه من خير
والقصر ليس بحقيقي لأن على الرسول أمورا أخر غير البلاغ مثل التعبد لله تعالى والخروج إلى الجهاد والتكاليف التي كلفه الله بها مثل قيام الليل فتعين أن معنى القصر : ما عليه إلا البلاغ أي دون إلجائكم إلى الإيمان فالقصر إضافي فلا ينافي أن على الرسول أشياء كثيرة
والإتيان بحرف ( على ) دون ( اللام ) ونحوها مؤذن بأن المردود شيء يتوهم أنه لازم للرسول من حيث إنه يدعي الرسالة عن الله تعالى
وقوله ( والله يعلم ما تبدون وما تكتمون ) عطف على جملة ( اعلموا أن الله شديد العقاب ) . وهي تتميم للتعريض بالوعيد والوعد تذكيرا بأنه لا يخفى عليه شيء من أعمالهم ظاهرها وباطنها
وتقديم المسند إليه على الخبر الفعلي هنا لإفادة تقوي الحكم وليس لإفادة التخصيص لنبو المقام عن ذلك
وذكر ( ما تبدون ) مقصود منه التعميم والشمول مع ( ما تكتمون ) وإلا فالغرض هو تعليمهم أن الله يعلم ما يسرونه أما ما يبدونه فلا يظن أن الله لا يعلمه
صلى الله عليه و سلم عليه الصلاة و السلام

(1/1211)


( قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث فاتقوا الله يا أولي الألباب لعلكم تفلحون [ 100 ] ) لما آذن قوله ( اعلموا أن الله شديد العقاب وأن الله غفور رحيم ) وقوله ( والله يعلم ما تبدون وما تكتمون ) بأن الناس فريقان : مطيعون وعصاة فريق عاندوا الرسول ولم يمتثلوا وهم من بقي من أهل الشرك ومن عاضدهم من المنافقين وربما كانوا يظهرون للقبائل أنهم جمع كثير وأن مثلهم لا يكون على خطأ فأزال الله الأوهام التي خامرت نفوسهم فكانت فتنة أو حجة ضالة يموه بها بعض منهم على المهتدين من المسلمين . فالآية تؤذن بأن قد وجدت كثرة من أشياء فاسدة خيف أن تستهوي من كانوا بقلة من الأشياء الصالحة فيحتمل أن تكون تلك الكثرة كثرة عدد في الناس إذ معلوم في متعارف العرب في الجاهلية وفي أول الإسلام الاعتزاز بالكثرة والإعجاب بها . قال الأعشى :
ولست بالأكثر منهم حصى ... وإنما العزة للكاثر وقال السمؤال أو عبد الملك الحارثي :
" تعيرنا أنا قليل عديدنا وقد تعجب العنبري إذ لام قومه فقال :
لكن قومي وإن كانوا ذوي عدد ... ليسوا من الشر في شيء وإن هانا قال السدي : كثرة الخبيث هم المشركون والطيب هم المؤمنون . وهذا المعنى يناسب لو يكون نزول هذه الآية قبل حجة الوداع حين كان المشركون أكثر عددا من المسلمين ؛ لكن هذه السورة كلها نزلت في عام حجة الوداع فيمكن أن تكون إشارة إلى كثرة نصارى العرب في الشام والعراق ومشارف الشام لأن المسلمين قد تطلعوا يومئذ إلى تلك الأصقاع وقيل : أريد منها الحرام والحلال من المال ونقل عن الحسن
ومعنى ( لا يستوي ) نفي المساواة وهي المماثلة والمقاربة والمشابهة . والمقصود منه إثبات المفاضلة بينهما بطريق الكناية والمقام هو الذي يعين الفاضل من المفضول فإن جعل أحدهما خبيثا والآخر طيبا يعين أن المراد تفضيل الطيب . وتقدم عند قوله تعالى : ( ليسوا سواء ) في سورة آل عمران . ولما كان من المعلوم أن الخبيث لا يساوي الطيب وأن البون بينهما بعيد علم السامع من هذا أن المقصود استنزال فهمه إلى تمييز الخبيث من الطيب في كل ما يلتبس فيه أحدهما بالآخر وهذا فتح لبصائر الغافلين كيلا يقعوا في مهواة الالتباس ليعلموا أن ثمة خبيثا قد التف في لباس الحسن فتموه على الناظرين ولذلك قال ( ولو أعجبك كثرة الخبيث ) . فكان الخبيث المقصود في الآية شيئا تلبس بالكثرة فراق في أعين الناظرين لكثرته ففتح أعينهم للتأمل فيه ليعلموا خبثه ولا تعجبهم كثرته
فقوله ( ولو أعجبك كثرة الخبيث ) من جملة المقول المأمور به النبي صلى الله عليه وسلم أي قل لهم هذا كله فالكاف في قوله : ( أعجبك ) للخطاب والمخاطب بها غير معين بل كل من يصلح للخطاب مثل ( ولو ترى إذ وقفوا على النار ) أي ولو أعجب معجبا كثرة الخبيث . وقد علمت وجه الإعجاب بالكثرة في أول هذه الآية
وليس قوله ( ولو أعجبك كثرة الخبيث ) بمقتض أن كل خبيث يكون كثيرا ولا أن يكون أكثر من الطيب من جنسه فإن طيب التمر والبر والثمار أكثر من خبيثها وإنما المراد أن لا تعجبكم من الخبيث كثرته إذا كان كثيرا فتصرفكم عن التأمل من خبثه وتحدوكم إلى متابعته لكثرته أي ولكن انظروا إلى الأشياء بصفاتها ومعانيها لا بأشكالها ومبانيها أو كثرة الخبيث في ذلك الوقت بوفرة أهل الملل الضالة
والإعجاب يأتي الكلام عليه عند قوله تعالى : ( فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم ) في سورة براءة
وفي تفسير ابن عرفة قال " وكنت بحثت مع ابن عبد السلام وقلت له : هذه تدل على الترجيح بالكثرة في الشهادة لأنهم اختلفوا إذا شهد عدلان بأمر وشهد عشرة عدول بضده فالمشهور أن لا فرق بين العشرة والعدلين وهما متكاملان . وفي المذهب قول آخر بالترجيح بالكثرة . فقوله ( ولو أعجبك كثرة الخبيث ) يدل على أن الكثرة لها اعتبار بحيث إنها ما أسقطت هنا إلا للخبث ولم يوافقني عليه ابن عبد السلام بوجه . ثم وجدت ابن المنير ذكره بعينه . اه

(1/1212)


والواو في قوله ( ولو أعجبك ) واو الحال و ( لو ) اتصالية وقد تقدم بيان معناهما عند قوله تعالى ( فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو افتدى به ) في سورة آل عمران
صلى الله عليه و سلم عليه الصلاة و السلام وتفريع قوله : ( فاتقوا الله يا أولي الألباب ) على ذلك مؤذن بأن الله يريد منا إعمال النظر في تمييز الخبيث من الطيب والبحث عن الحقائق وعدم الاغترار بالمظاهر الخلابة الكاذبة فإن الأمر بالتقوى يستلزم الأمر بالنظر في تمييز الأفعال حتى يعرف ما هو تقوى دون غيره
ونظير هذا الاستدلال استدلال العلماء على وجوب الاجتهاد بقوله تعالى ( فاتقوا الله ما استطعتم ) لأن مما يدخل تحت الاستطاعة الاجتهاد بالنسبة للمتأهل إليه الثابت له اكتساب أداته . ولذلك قال هنا ( يا أولي الألباب ) فخاطب الناس بصفة ليومئ إلى أن خلق العقول فيهم يمكنهم من التمييز بين الخبيث والطيب لاتباع الطيب ونبذ الخبيث . ومن أهم ما يظهر فيه امتثال هذا الأمر النظر في دلائل صدق دعوى الرسول وأن لا يحتاج في ذلك إلى تطلب الآيات والخوارق كحال الذين حكى الله عنهم ( وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا ) الآية وأن يميز بين حال الرسول وحال السحرة والكهان وإن كان عددهم كثيرا
وقوله ( لعلكم تفلحون ) تقريب لحصول الفلاح بهم إذا اتقوا هذه التقوى التي منها تمييز الخبيث من الطيب وعدم الاغترار بكثرة الخبيث وقلة الطيب في هذا
( يا أيها الذين أمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم وإن تسألوا عنها حين ينزل القرءان تبد لكم عفا الله عنها والله غفور حليم [ 101 ] قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كفرين [ 102 ] ) استئناف ابتدائي للنهي عن العودة إلى مسائل سألها بعض المؤمنين رسول الله صلى الله عليه و سلم ليست في شؤون الدين ولكنها في شؤون ذاتية خاصة بهم فنهوا أن يشغلوا الرسول بمثالها بعد أن قدم لهم بيان مهمة الرسول بقوله تعالى ( ما على الرسول إلا البلاغ ) الصالح لأن يكون مقدمة لمضمون هذه الآية ولمضمون الآية السابقة وهي قوله ( قل لا يستوي الخبيث والطيب ) فالآيتان كلتاهما مرتبطتان بآية ( ما على الرسول إلا البلاغ ) وليست إحدى هاتين الآيتين بمرتبطة بالأخرى
وقد اختلفت الروايات في بيان نوع هذه الأشياء المسؤول عنها والصحيح من ذلك حديث موسى بن أنس بن مالك عن أبيه في الصحيحين قال : سأل الناس رسول الله صلى الله عليه و سلم حتى أحفوه بالمسألة فصعد المنبر ذات يوم فقال " لا تسألونني عن شيء إلا بينت لكم " فأنشأ رجل كان إذا لاحى يدعى لغير أبيه فقال : يا رسول الله من أبي قال : أبوك حذافة " أي فدعاه لأبيه الذي يعرف به " والسائل هو عبد الله بن حذافة السهمي كما ورد في بعض روايات الحديث . وفي رواية لمسلم عن أبي موسى : فقام رجل آخر فقال من أبي قال : أبوك سالم مولى شيبة . وفي بعض روايات هذا الخبر في غير الصحيح عن أبي هريرة أن رجلا آخر قام فقال : أين أبي . وفي رواية : أين أنا ؟ فقال : في النار
وفي صحيح البخاري عن ابن عباس قال : كان قوم أي من المنافقين يسألون رسول الله استهزاء فيقول الرجل تضل ناقته : أين ناقتي ويقول الرجل : من أبي ويقول المسافر : ماذا ألقى في سفري فأنزل الله فيهم هذه الآية ( يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم ) . قال الأئمة : وقد انفرد به البخاري . ومحمله أنه رأي من ابن عباس وهو لا يناسب افتتاح الآية بخطاب الذين آمنوا اللهم إلا أن يكون المراد تحذير المؤمنين من نحو تلك المسائل عن غفلة من مقاصد المستهزئين كما في قوله ( يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا ) أو أريد بالذين آمنوا الذين أظهروا الإيمان على أن لهجة الخطاب في الآية خالية عن الإيماء إلى قصد المستهزئين بخلاف قوله : ( لا تقولوا راعنا ) فقد عقب بقوله ( وللكافرين عذاب أليم )
صلى الله عليه و سلم عليه الصلاة و السلام

(1/1213)


وروى الترمذي والدارقطني عن علي بن أبي طالب لما نزلت ( ولله على الناس حج البيت ) قالوا : يا رسول الله في كل عام فسكت فأعادوا . فقال : لا ولو قلت : نعم لوجبت فأنزل الله ( يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم ) قال : هذا حديث حسن غريب . وروى الطبري قريبا منه عن أبي أمامة وعن ابن عباس . وتأويل هذه الأسانيد أن الآية تليت عند وقوع هذا السؤال وإنما كان نزولها قبل حدوثه فظنها الراوون نزلت حينئذ . وتأويل المعنى على هذا أن الأمة تكون في سعة إذا لم يشرع لها حكم فيكون الناس في سعة الاجتهاد عند نزول الحادثة بهم بعد الرسول صلى الله عليه و سلم فإذا سألوا وأجيبوا من قبل الرسول صلى الله عليه و سلم تعين عليهم العمل بما أجيبوا به . وقد تختلف الأحوال والأعصار فيكونون في حرج إن راموا تغييره ؛ فيكون معنى ( إن تبد لكم تسؤكم ) على هذا الوجه أنها تسوء بعضهم أو تسوءهم في بعض الأحوال إذا شقت عليهم . وروى مجاهد عن ابن عباس : نزلت في قوم سألوا رسول الله صلى الله عليه و سلم عن البحيرة والسائبة والوصيلة والحامى . وقال مثله سعيد بن جبير والحسن
وقوله ( أشياء ) تكثير شيء والشيء هو الموجود فيصدق بالذات وبحال الذات وقد سألوا عن أحوال بعض المجهولات أو الضوال أو عن أحكام بعض الأشياء
و ( أشياء ) كلمة تدل على جمع " شيء " والظاهر أنه صيغة جمع لأن زنة شيء " فعل " و " فعل " إذا كان معتل العين قياس جمعه " أفعال " مثل بيت وشيخ . فالجاري على متعارف التصريف أن يكون ( أشياء ) جمعا وأن همزته الأولى همزة مزيدة للجمع . إلا أن ( أشياء ) ورد في القرآن هنا ممنوعا من الصرف فتردد أئمة اللغة في تأويل ذلك وأمثل أقوالهم في ذلك قول الكسائي : إنه لما كثر استعماله في الكلام أشبه " فعلاء " فمنعوه من الصرف لهذا الشبه كما منعوا سراويل من الصرف وهو مفرد لأنه شابه صيغة الجمع مثل مصابيح
وقال الخليل وسيبويه : ( أشياء ) اسم جمع " شيء " وليس جمعا فهو مثل طرفاء وحلفاء فأصله شيئا فالمدة في آخره مدة تأنيث فلذلك منع من الصرف وادعى أنهم صيروه أشياء بقلب مكاني . وحقه أن يقال : شيئاء بوزن " فعلاء " فصار بوزن " لفعاء "
وقوله ( إن تبد لكم تسؤكم ) صفة ( أشياء ) أي إن تظهر لكم وقد أخفيت عنكم يكن في إظهارها ما يسوءكم ولما كانت الأشياء المسؤول عنها منها ما إذا ظهر ساء من سأل عنه ومنها ما ليس كذلك وكانت قبل إظهارها غير متميزة كان السؤال عن مجموعها معرضا للجواب بما بعضه يسوء فلما كان هذا البعض غير معين للسائلين كان سؤالهم عنها سؤالا عن ما إذا ظهر يسوءهم فإنهم سألوا في موطن واحد أسئلة منها : ما سرهم جوابه وهو سؤال عبد الله بن حذافة عن أبيه فأجيب بالذي يصدق نسبه ومنها ما ساءهم جوابه وهو سؤال من سأل أين أبي أو أين أنا فقيل : له في النار فهذا يسوءه لا محالة . فتبين بهذا أن قوله ( إن تبد لكم تسؤكم ) روعي فيه النهي عن المجموع لكراهية بعض ذلك المجموع . والمقصود من هذا استئناسهم للإعراض عن نحو هذه المسائل وإلا فإن النهي غير مقيد بحال ما يسوءهم جوابه بدليل قوله بعده ( عفا الله عنها ) . لأن العفو لا يكون إلا عن ذنب وبذلك تعلم أنه لا مفهوم للصفة هنا لتعذر تمييز ما يسوء عما لا يسوء
وجملة ( وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم ) عطف على جملة ( لا تسألوا ) وهي تفيد إباحة السؤال عنها على الجملة لقوله ( وإن تسألوا ) فجعلهم مخيرين في السؤال عن أمثالها وأن ترك السؤال هو الأولى لهم فالانتقال إلى الإذن رخصة وتوسعة وجاء ب ( إن ) للدلالة على أن الأولى ترك السؤال عنها لأن الأصل في ( إن ) أن تدل على أن الشرط نادر الوقوع أو مرغوب عن وقوعه
صلى الله عليه و سلم عليه الصلاة و السلام

(1/1214)


وقوله ( حين ينزل القرآن ) ظرف . يجوز تعلقه بفعل الشرط وهو ( تسألوا ) ويجوز تعلقه بفعل الجواب وهو ( تبد لكم ) وهو أظهر إذ الظاهر أن حين نزول القرآن لم يجعل وقتا لإلقاء الأسئلة بل جعل وقتا للجواب عن الأسئلة . وتقديمه على عامله للاهتمام والمعنى أنهم لا ينتظرون الجواب عما يسألون عنه إلا بعد نزول القرآن لقوله تعالى ( قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب إلى قوله إن أتبع إلا ما يوحى إلي ) فنبههم الله بهذا على أن النبي يتلقى الوحي من علام الغيوب . فمن سأل عن شيء فلينتظر الجواب بعد نزول القرآن ومن سأل عند نزول القرآن حصل جوابه عقب سؤاله . ووقت نزول القرآن يعرفه من يحضر منهم مجلس النبي صلى الله عليه وسلم فإن له حالة خاصة تعتري الرسول صلى الله عليه وسلم يعرفها الناس كما ورد في حديث يعلى بن أمية في حكم العمرة . ومما يدل لهذا ما وقع في حديث أنس من رواية ابن شهاب في صحيح مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى لهم صلاة الظهر فلما سلم قام على المنبر فذكر الساعة وذكر أن قبلها أمورا عظاما ثم قال : من أحب أن يسألني عن شيء فليسألني عنه فو الله لا تسألونني عن شيء إلا أخبرتكم به ما دمت في مقامي هذا . ثم قال : " لقد عرضت علي الجنة والنار آنفا في عرض هذا الحائط فلم أر كاليوم في الخير والشر " الحديث فدل ذلك على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ذلك الحين في حال نزول وحي عليه . وقد جاء في رواية موسى بن أنس عن أبيه أنس أنه أنزل عليه حينئذ قوله تعالى ( يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء ) الآية . فتلك لا محالة ساعة نزول القرآن واتصال الرسول عليه الصلاة و السلام بعالم الوحي
وقوله : ( عفا الله عنها ) يحتمل أنه تقرير لمضمون قوله ( وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم ) أي أن الله نهاكم عن المسألة وعفا عنكم أن تسألوا حين ينزل القرآن . وهذا أظهر لعوذ الضمير إلى أقرب مذكور باعتبار تقييده ( حين ينزل القرآن ) . ويحتمل أن يكون إخبارا عن عفوه عما سلف من إكثار المسائل وإحفاء الرسول صلى الله عليه وسلم فيها لأن ذلك لا يناسب ما يناسب ما يجب من توقيره
وقوله ( قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين ) استئناف بياني جواب سؤال يثيره النهي عن السؤال ثم الإذن فيه في حين ينزل القرآن أن يقول سائل : إن كان السؤال في وقت نزول القرآن وأن بعض الأسئلة يسوء جوابه قوما فهل الأولى ترك السؤال أو إلقاؤه . فأجيب بتفصيل أمرها بأن أمثالها قد كانت سببا في كفر قوم قبل المسلمين
وضمير ( سألها ) جوز أن يكون عائدا إلى مصدر مأخوذ من الكلام غير مذكور دل عليه فعل ( تسألوا ) أي سأل المسألة فيكون الضمير منصوبا على المفعولية المطلقة . وجرى جمهور المفسرين على تقدير مضاف أي سأل أمثالها . والمماثلة في ضآلة الجدوى . والأحسن عندي أن يكون ضمير ( سألها ) عائدا إلى ( أشياء ) أي إلى لفظه دون مدلوله . فالتقدير : قد سأل أشياء قوم من قبلكم وعدي فعل ( سأل ) إلى الضمير على حذف حرف الجر وعلى هذا المعنى يكون الكلام على طريقة قريبة من طريقة الاستخدام بل هي أحق من الاستخدام فإن أصل الضمير أن يعود إلى لفظ باعتبار مدلوله وقد يعود إلى لفظ دون مدلوله نحو قولك : لك درهم ونصفه أي نصف درهم لا الدرهم الذي أعطيته إياه . والاستخدام أشد من ذلك لأنه عود الضمير على اللفظ مع مدلول آخر
و ( ثم ) في قوله ( ثم أصبحوا بها كافرين ) للترتيب الرتبي كشأنها في عطف الجمل فإنها لا تفيد فيه تراخي الزمان وإنما تفيد تراخي مضمون الجملة المعطوفة في تصور المتكلم عن تصور مضمون الجملة المعطوف عليها فتدل على أن الجملة المعطوفة لم يكن يترقب حصول مضمونها حتى فاجأ المتكلم . وقد مرت الإشارة إلى ذلك عند قوله تعالى : ( ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم ) في سورة البقرة
صلى الله عليه و سلم عليه الصلاة و السلام

(1/1215)


والباء في قوله ( بها ) يجوز أن تكون للسببية فتتعلق ب ( أصبحوا ) أي كانت تلك المسائل سببا في كفرهم أي باعتبار ما حصل من جوابها ويحتمل أن تكون للتعدية فتتعلق ب ( كافرين ) أي كفروا بها أي بجوابها بأن لم يصدقوا رسلهم فيما أجابوا به وعلى هذا الوجه فتقديم المجرور على عامله مفيد للتخصيص أي ما كفروا إلا بسببها أي كانوا في منعة من الكفر لولا تلك المسائل فقد كانوا كالباحث على حتفه بظلفه فهو تخصيص ادعائي أو هو تقديم لمجرد الاهتمام للتنبيه على التحذير منها
وفعل ( أصبحوا ) مستعمل بمعنى صاروا وهو في هذا الاستعمال مشعر بمصير عاجل لا تريث فيه لأن الصباح أول أوقات الانتشار للأعمال
والمراد بالقوم بعض الأمم التي كانت قبل الإسلام سألوا مثل هذه المسائل فلما أعطوا ما سألوا لم يؤمنوا مثل ثمود سألوا صالحا آية فلما أخرج لهم ناقة من الصخر عقروها وهذا شأن أهل الضلالة متابعة الهوى فكل ما يأتيهم مما لا يوافق أهواءهم كذبوا به كما قال الله تعالى ( وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين ) وكما وقع لليهود في خبر إسلام عبد الله بن سلام . وقريب مما في هذه الآية ما قدمناه عند تفسير قوله تعالى ( قل من كان عدوا لجبريل ) في سورة البقرة . فإن اليهود أبغضوا جبريل لأنه أخبر دانيال باقتراب خراب أورشليم وتعطيل بيت القدس حسبما في الإصحاح التاسع من كتاب دانيال . وقد سأل اليهود زكرياء وابنه يحيى عن عيسى وكانا مقدسين عند اليهود فلما شهدا لعيسى بالنبوءة أبغضهما اليهود وأغروا بهما زوجة هيرودس فحملته على قتلها كما في الإصحاح الرابع من إنجيل متى والإصحاح الثالث من مرقس
والمقصود من هذا ذم أمثال هذه المسائل بأنها لا تخلو من أن تكون سببا في غم النفس وحشرجة الصدر وسماع ما يكره ممن يحبه . ولولا أن إيمان المؤمنين وازع لهم من الوقوع في أمثال ما وقع فيه قوم من قبلهم لكانت هذه المسائل محرمة عليهم لأنها تكون ذريعة للكفر
فهذا استقصاء تأويل هذه الآية العجيبة المعاني البليغة العبر الجديرة باستجلائها فالحمد لله الذي من باستضوائها
( ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب وأكثرهم لا يعقلون [ 103 ] ) استئناف ابتدائي جاء فارقا بين ما أحدثه أهل الجاهلية من نقائض الحنيفية وبين ما نوه الله به مما كانوا عليه من شعائر الحج فإنه لما بين أنه جعل الكعبة قياما للناس وجعل الهدي والقلائد قياما لهم بين هنا أن أمورا ما جعلها الله ولكن جعلها أهل الضلالة ليميز الخبيث من الطيب فيكون كالبيان لآية ( قل لا يستوي الخبيث والطيب ) فإن البحيرة وما عطف عليها هنا تشبه الهدي في أنها تحرر منافعها وذواتها حية لأصنامهم كما تهدى الهدايا للكعبة مذكاة فكانوا في الجاهلية يزعمون أن الله شرع لهم ذلك ويخلطون ذلك بالهدايا ولذلك قال الله تعالى ( قل هلم شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرم هذا ) وقال في هذه الآية ( ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب ) . فالتصدي للتفرقة بين الهدى وبين البحيرة والسائبة ونحوهما كالتصدي لبيان عدم التفرقة بين الطواف وبين السعي للصفا والمروة في قوله ( إن الصفا والمروة من شعائر الله ) كما تقدم هنالك . وقد قدمنا ما رواه مجاهد عن ابن عباس : أن ناسا سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البحيرة والسائبة ونحوهما فنزلت هذه الآية
ومما يزيدك ثقة بما ذكرته أن الله افتتح هذه الآية بقوله : ( ما جعل الله ) لتكون مقابلا لقوله في الآية الأخرى ( جعل الله الكعبة ) . ولولا ما توسط بين الآيتين من الآي الكثيرة لكانت هذه الآية معطوفة على الأولى بحرف العطف إلا أن الفصل هنا كان أوقع ليكون به استقلال الكلام فيفيد مزيد اهتمام بما تضمنه
صلى الله عليه و سلم عليه الصلاة و السلام

(1/1216)


والجعل هنا بمعنى الأمر والتشريع لأن أصل ( جعل ) إذا تعدى إلى مفعول واحد أن يكون بمعنى الخلق والتكوين ثم يستعار إلى التقدير والكتب كما في قولهم : فرض عليه جعالة وهو هنا كذلك فيؤول إلى معنى التقدير والأمر بخلاف ما وقع في قوله ( جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس ) . فالمقصود هنا نفي تشريع هذه الأجناس من الحقائق فإنها موجودة في الواقع . فنفي جعلها متعين لأن يكون المراد منه نفي الأمر والتشريع وهو كناية عن عدم الرضا به والغضب على من جعله كما يقول الرجل لمن فعل شيئا : ما أمرتك بهذا . فليس المراد إباحته والتخيير في فعله وتركه كما يستفاد من المقام وذلك مثل قوله ( قل هلم شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرم هذا ) فإنه كناية عن الغضب على من حرموه وليس المراد أن لهم أن يجتنبوه
وأدخلت ( من ) الزائدة بعد النفي للتنصيص على أن النفي نفي الجنس لا نفي أفراد معينة فقد ساوى أن يقال : لا بحيرة ولا سائبة مع قضاء حق المقام من بيان أن هذا ليس من جعل الله وأنه لا يرضى به فهو حرام
والبحيرة بفتح الباء الموحدة وكسر الحاء المهملة فعيلة بمعنى مفعولة أي مبحورة والبحر الشق . يقال : بحر شق . وفي حديث حفر زمزم أن عبد المطلب بحرها بحرا أي شقها ووسعها . فالبحيرة هي الناقة كانوا يشقون أذنها بنصفين طولا علامة على تخليتها أي أنها لا تركب ولا تنحر ولا تمنع عن ماء ولا عن مرعى ولا يجزرونها ويكون لبنها لطواغيتهم أي أصنامهم ولا يشرب لبنها إلا ضيف والظاهر أنه يشربه إذا كانت ضيافة لزيارة الصنم أو إضافة سادنه فكل حي من أحياء العرب تكون بحائرهم لصنمهم . وقد كانت للقبائل أصنام تدين كل قبيلة لصنم أو أكثر
وإنما يجعلونها بحيرة إذا نتجت عشرة أبطن على قول أكثر أهل اللغة . وقيل : إذا نتجت خمسة أبطن وكان الخامس ذكرا . وإذا ماتت حتف أنفها حل أكل لحمها للرجال وحرم على النساء
والسائبة : البعير أو الناقة يجعل نذرا عن شفاء من مرض أو قدوم من سفر فيقول : أجعله لله سائبة . فالتاء فيه للمبالغة في الوصف كتاء نسابة ولذلك يقال : عبد سائبة وهو اسم فاعل بمعنى الانطلاق والإهمال وقيل : فاعل بمعنى مفعول أي مسيب
وحكم السائبة كالبحيرة في تحريم الانتفاع فيكون ذلك كالعتق وكانوا يدفعونها إلى السدنة ليطعموا من ألبانها أبناء السبيل . وكانت علامتها أن تقطع قطعة من جلدة فقار الظهر فيقال لها : صريم وجمعه صرم وإذا ولدت الناقة عشرة أبطن كلهن إناث متتابعة سيبوها أيضا فهي سائبة وما تلده السائبة يكون بحيرة في قول بعضهم . والظاهر أنه يكون مثلها سائبة
والوصيلة من الغنم هي الشاة تلد أنثى بعد أنثى فتسمى الأم وصيلة لأنها وصلت أنثى بأنثى كذا فسرها مالك في رواية ابن وهب عنه فعلى هذه الرواية تكون الوصيلة هي المتقرب بها ويكون تسليط نفي الجعل عليها ظاهرا . وقال الجمهور : الوصيلة أن تلد الشاة خمسة أبطن أو سبعة " على اختلاف مصطلح القبائل " فالأخير إذا كان ذكرا ذبحوه لبيوت الطواغيت وإن كانت أنثى استحيوها أي للطواغيت وإن أتأمت استحيوهما جميعا وقالوا : وصلت الأنثى أخاها فمنعته من الذبح فعلى هذا التأويل فالوصيلة حالة من حالات نسل الغنم وهي التي أبطلها الله تعالى ولم يتعرضوا لبقية أحوال الشاة . والأظهر أن الوصيلة اسم للشاة التي وصلت سبعة أبطن إناثا جمعا بين تفسير مالك وتفسير غيره فالشاة تسيب للطواغيت وما ذكروه من ذبح ولدها أو ابنتها هو من فروع استحقاق تسييبها لتكون الآية شاملة لأحوالها كلها . وعن ابن إسحاق : الوصيلة الشاة تتئم في خمسة أبطن عشرة إناث فما ولدت بعد ذلك فهو للذكور منهم دون النساء إلا أن يموت شيء منها فيشترك في أكله الرجال والنساء
وفي صحيح البخاري عن سعيد بن المسيب : أن الوصيلة من الإبل إذا بكرت الناقة في أول إنتاج الإبل بأنثى ثم تثني بعد بأنثى في آخر العام فكانوا يجعلونها لطواغيتهم . وهذا قاله سعيد من نفسه ولم يروه عن النبي صلى الله عليه وسلم . ووقع في سياق البخاري إيهام اغتر به بعض الشارحين ونبه عليه في فتح الباري . وعلى الوجوه كلها فالوصيلة فعلية بمعنى فاعلة
صلى الله عليه و سلم عليه الصلاة و السلام

(1/1217)


والحامي هو فحل الإبل إذا نتجت من صلبه عشرة أبطن فيمنع من أن يركب أو يحمل عليه ولا يمنع من مرعى ولا ماء . ويقولون : إنه حمى ظهره أي كان سببا في حمايته فهو حام . قال ابن وهب عن مالك كانوا يجعلون عليه ريش الطواويس ويسيبونه فالظاهر أنه يكون بمنزلة السائبة لا يؤكل حتى يموت وينتفع بوبره للأصنام
وقوله ( ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب ) الاستدراك لرفع ما يتوهمه المشركون من اعتقاد أنها من شرع الله لتقادم العمل بها منذ قرون . والمراد بالذين كفروا هنا جميع المشركين فإنهم يكذبون في نسبة هذه الأشياء إلى شعائر الله لأنهم جميعا يخبرون بما هو مخالف لما في الواقع . والكذب هو الخبر المخالف للواقع
والكفار فريقان خاصة وعامة : فأما الخاصة فهم الذين ابتدعوا هذه الضلالات لمقاصد مختلفة ونسبوها إلى الله وأشهر هؤلاء وأكذبهم هو عمرو بن عامر بن لحي بضم اللام وفتح الحاء المهملة وياء مشددة الخزاعي ففي الصحيح قال رسول الله صلى الله عليه وسلم رأيت عمرو بن عامر بن لحي الخزاعي يجر قصبه بضم القاف وسكون الصاد المهملة أي إمعاءه في النار وكان أول من سيب السوائب . ومنهم جنادة بن عوف . وعن مالك أن منهم رجلا من بني مدلج هو أول من بحر البحيرة وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : رأيته مع عمرو في النار . رواه ابن العربي . وفي رواية أن عمرو بن لحي أول من بحر البحيرة وسيب السائبة . وأصح الروايات وأشهرها عن رسول الله : أن عمرو بن لحي أول من سيب السوائب ولم يذكر البحيرة
وأما العامة فهم الذين اتبعوا هؤلاء المضلين عن غير بصيرة وهم الذين أريدوا بقوله : ( وأكثرهم لا يعقلون ) . فلما وصف الأكثر بعدم الفهم تعين أن الأقل هم الذين دبروا هذه الضلالات وزينوها للناس
والافتراء : الكذب . وتقدم عند قوله تعالى ( فمن افترى على الله الكذب من بعد ذلك ) في سورة آل عمران
وفي تسمية ما فعله الكفار من هذه الأشياء افتراء وكذبا ونفي أن يكون الله أمر به ما يدل على أن تلك الأحداث لا تمت إلى مرضاة الله تعالى بسبب من جهتين : إحداهما أنها تنتسب إلى الآلهة والأصنام وذلك إشراك وكفر عظيم . الثانية أن ما يجعل منها لله تعالى مثل السائبة هو عمل ضره أكثر من نفعه لأن في تسييب الحيوان إضرارا به إذ ربما لا يجد مرعى ولا مأوى وربما عدت عليه السباع وفيه تعطيل منفعته حتى يموت حتف أنفه . وما يحصل من در بعضها للضيف وابن السبيل إنما هو منفعة ضئيلة في جانب المفاسد الحافة به
( وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا أو لو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون [ 104 ] ) الواو للحال . والجملة حال من قوله : ( الذين كفروا ) أي أنهم ينسبون إلى الله ما لم يأمر به كذبا وإذا دعوا إلى اتباع ما أمر الله به حقا أو التدبر فيه أعرضوا وتمسكوا بما كان عليه آباؤهم . فحالهم عجيبة في أنهم يقبلون ادعاء آبائهم أن الله أمرهم بما اختلفوا لهم من الضلالات مثل البحيرة والسائبة وما ضاهاهما ويعرضون على دعوة الرسول الصادق بلا حجة لهم في الاولى وبالإعراض عن النظر في حجة الثانية أو المكابرة فيها بعد علمها
والأمر في قوله ( تعالوا ) مستعمل في طلب الإقبال وفي إصغاء السمع ونظر الفكر وحضور مجلس الرسول صلى الله عليه وسلم وعدم الصد عنه فهو مستعمل في حقيقته ومجازه . وتقدم الكلام على فعل ( تعال ) عند الكلام على نظير هذه الآية في سورة النساء
و ( ما أنزل الله ) : هو القرآن . وعطف ( والى الرسول ) لأنه يرشدهم إلى فهم القرآن . وأعيد حرف ( الى ) لاختلاف معنيي الإقبال بالنسبة إلى متعلقي ( تعالوا ) فإعادة الحرف قرينة على إرادة معنيي ( تعالوا ) الحقيقي والمجازي
وقوله ( قالوا حسبنا ) أي كافينا إذا جعلت ( حسب ) اسما صريحا و ( ما وجدنا ) هو الخبر أو كفانا إذا جعلت ( حسب ) اسم فعل و ( ما وجدنا ) هو الفاعل . وقد تقدم ذلك عند قوله تعالى ( وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل ) في سورة آل عمران
و ( على ) في قوله : ( ما وجدنا عليه آباءنا ) مجاز في تمكن التلبس وتقدم في قوله تعالى ( أولئك على هدى من ربهم )
صلى الله عليه و سلم عليه الصلاة و السلام

(1/1218)


وقوله : ( أو لو كان آباؤهم لا يعملون ) الخ تقدم القول على نظيره في سورة البقرة عند قوله ( وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أو لو كان آباؤهم ) الآية
وليس لهذه الآية تعلق بمسألة الاجتهاد والتقليد كما توهمه جمع من المفسرين لأن هذه الآية في تنازع بين أهل ما أنزل الله وأهل الافتراء على الله فأما الاجتهاد والتقليد في فروع الإسلام فذلك كله من اتباع ما أنزل الله . فتحميل الآية هذه المسألة إكراه للآية على هذا المعنى
( يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم تعملون [ 105 ] ) تذييل جرى على مناسبة في الانتقال فإنه لما ذكر مكابرة المشركين وإعراضهم عن دعوة الخير عقبه بتعليم المسلمين حدود انتهاء المناظرة والمجادلة إذا ظهرت المكابرة وعذر المسلمين بكفاية قيامهم بما افترض الله عليهم من الدعوة إلى الخير فأعلمهم هنا أن ليس تحصيل أثر الدعاء على الخير بمسؤولين عنه بل على الداعي بذل جهده وما عليه إذا لم يصغ المدعو إلى الدعوة كما قال تعالى ( إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء )
و ( عليكم ) اسم فعل بمعنى الزموا وذلك أن أصله أن يقال : عليك أن تفعل كذا فتكون جملة من خبر مقدم ومبتدأ مؤخر وتكون ( على ) دالة على استعلاء مجازي كأنهم جعلوا فعل كذا معتليا على المخاطب ومتمكنا منه تأكيدا لمعنى الوجوب فلما كثر في كلامهم قالوا : عليك كذا فركبوا الجملة من مجرور خبر واسم ذات مبتدأ بتقدير : عليك فعل كذا لأن تلك الذات لا توصف بالعلو على المخاطب أي التمكن فالكلام على تقدير . وذلك كتعلق التحريم والتحليل بالذوات في قوله : ( حرمت عليكم الميتة ) وقوله ( أحلت لكم بهيمة الأنعام ) ومن ذلك ما روي " عليكم الدعاء وعلي الإجابة " ومنه قولهم : علي ألية وعلي نذر . ثم كثر الاستعمال فعاملوا ( على ) معاملة فعل الأمر فجعلوها بمعنى أمر المخاطب بالملازمة ونصبوا الاسم بعدها على المفعولية . وشاع ذلك في كلامهم فسماها النحاة اسم فعل لأنها جعلت كالاسم لمعنى أمر مخصوص فكأنك عمدت إلى فعل ( الزم ) فسميته ( على ) وأبرزت ما معه من ضمير فألصقته ب ( على ) في صورة الضمير الذي اعتيد أن يتصل بها وهو ضمير الجر فيقال : عليك وعليكما وعليكم . ولذلك لا يسند إلى ضمائر الغيبة لأن الغائب لا يؤمر بصيغة الأمر بل يؤمر بواسطة لام الأمر
فقوله تعالى ( عليكم أنفسكم ) هو بنصب ( أنفسكم ) أي الزموا أنفسكم أي احرصوا على أنفسكم . والمقام يبين المحروص عليه وهو ملازمة الاهتداء بقرينة قوله ( إذا اهتديتم ) وهو يشعر بالإعراض عن الغير وقد بينه بقوله ( لا يضركم من ضل )
فجملة ( لا يضركم من ضل ) تتنزل من التي قبلها منزلة البيان فلذلك فصلت لأن أمرهم بملازمة أنفسهم مقصود منه دفع ما اعتراهم من الغم والأسف على عدم قبول الضالين للاهتداء وخشية أن يكون ذلك لتقصير في دعوتهم فقيل لهم : عليكم أنفسكم أي اشتغلوا بإكمال اهتدائكم ففعل ( يضركم ) مرفوع
وقوله ( إذا اهتديتم ) ظرف يتضمن معنى الشرط يتعلق ب ( يضركم ) . وقد شمل الاهتداء جميع ما أمرهم به الله تعالى . ومن جملة ذلك دعوة الناس إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فلو قصروا في الدعوة إلى الخير والاحتجاج له وسكتوا عن المنكر لضرهم من ضل لأن إثم ضلاله محمول عليهم
فلا يتوهم من هذه الآية أنها رخصة للمسلمين في ترك الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأن جميع ذلك واجب بأدلة طفحت بها الشريعة . فكان ذلك داخلا في شرط ( إذا اهتديتم )
صلى الله عليه و سلم عليه الصلاة و السلام

(1/1219)


ولما في قوله ( عليكم أنفسكم ) من الإشعار بالإعراض عن فريق آخر وهو المبين ( بمن ضل ) ولما في قوله ( إذا اهتديتم ) من خفاء تفاريع أنواع الاهتداء عرض لبعض الناس قديما في هذه الآية فشكوا في أن يكون مفادها الترخيص في ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . وقد حدث ذلك الظن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم . أخرج الترمذي عن أبي أمية الشعباني أنه قال : سألت عنها أبا ثعلبة الخشني فقال لي : سألت عنها خبيرا سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال " بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر حتى إذا رأيت شحا مطاعا وهوى متبعا ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بخاصة نفسك ودع العوام ) . وحدث في زمن أبي بكر : أخرج أصحاب السنن أن أبا بكر الصديق بلغه أن بعض الناس تأول الآية بسقوط وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال " أيها الناس إنكم تقرؤون هذه الآية ( يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم ) وإنكم تضعونها على غير موضعها وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إن الناس إذا رأوا المنكر ولا يغيرونه يوشك الله أن يعمهم بعقابه وإن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعذاب من عنده " . وعن ابن مسعود أنه قرئت عنده هذه الآية فقال : إن هذا ليس بزمانها إنها اليوم مقبولة " اي النصيحة " ولكن يوشك أن يأتي زمان تأمرون فلا يقبل منكم فحينئذ عليكم أنفسكم " يريد أن لا يجب عليهم قتال لتقبل نصيحتهم "
وعنه أيضا : إذا اختلفت القلوب وألبستم شيعا وذاق بعضكم بأس بعض فامرؤ ونفسه . وعن عبد الله بن عمر أنه قال : إنها " أي هذه الآية " ليست لي ولا لأصحابي لأن رسول الله قال " ألا ليبلغ الشاهد الغائب " فكنا نحن الشهود وأنتم الغيب ولكن هذه الآية لأقوام يجيؤون من بعدنا إن قالوا لم يقبل منهم
فما صدق هذه الآية هو ما صدق قول النبي صلى الله عليه وسلم في تغيير المنكر ( من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان ) فإن معنى الاستطاعة التمكن من التغيير دون ضر يلحقه أو يلحق عموم الناس كالفتنة . فالآية تفيد الإعراض عن ذلك إذا تحقق عدم الجدوى بعد الشروع في ذلك ويلحق بذلك إذا ظهرت الكابرة وعدم الانتصاح كما دل عليه حديث أبي ثعلبة الخشني وكذلك إذا خيف حصول الضر للداعي بدون جدوى كما دل عليه كلام ابن مسعود المذكور آنفا
وقوله ( الى الله مرجعكم جميعا ) عذر للمهتدي ونذارة للضال . وقدم المجرور للاهتمام بمتعلق هذا الرجوع وإلقاء المهابة في نفوس السامعين وأكد ضمير المخاطبين بقوله ( جميعا ) للتنصيص على العموم وأن ليس الكلام على التغليب . والمراد بالإنباء بما كانوا يعملون الكناية عن إظهار أثر ذلك من الثواب للمهتدي الداعي إلى الخير والعذاب للضال المعرض عن الدعوة
والمرجع مصدر ميمي لا محالة بدليل تعديته ب ( إلى ) وهو مما جاء من المصادر الميمية بكسر العين على القليل لأن المشهور في الميمي من يفعل بكسر العين أن يكون مفتوح العين
( يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت تحبسونهما من بعد الصلاة فيقسمان بالله إن ارتبتم لا نشتري به ثمنا ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهادة الله إنا إذا لمن الآثمين [ 106 ] فإن عثر على أنهما استحقا إثما فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم الأوليان فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهدتهما وما اعتدينا إنا إذا لمن الظالمين [ 107 ] ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها أو يخافوا أن ترد أيمن بعد أيمانهم واتقوا الله واسمعوا والله لا يهدي القوم الفاسقين [ 108 ] ) صلى الله عليه و سلم عليه الصلاة و السلام

(1/1220)


استؤنف هذه الآي استئنافا ابتدائيا لشرع أحكام التوثق للوصية لأنها من جملة التشريعات التي تضمنتها هذه السورة تحقيقا لإكمال الدين واستقصاء لما قد يحتاج إلى عمله المسلمون . وموقعها هنا سنذكره
وقد كانت الوصية مشروعة بآية البقرة ( كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية ) . وتقدم القول في ابتداء مشروعيتها وفي مقدار ما نسخ من حكم تلك الآية وما أحكم في موضعه هنالك . وحرص رسول الله صلى الله عليه و سلم على الوصية وأمر بها فكانت معروفة متداولة منذ عهد بعيد من الإسلام . وكانت معروفة في الجاهلية كما تقدم في سورة البقرة . وكان المرء يوصي لمن يوصي له بحضرة ورثته وقرابته فلا يقع نزاع بينهم بعد موته مع ما في النفوس من حرمة الوصية والحرص على إنفاذها حفظا لحق الميت إذ لا سبيل له إلى تحقيق حقه فلذلك استغنى القرآن عن شرع التوثق لها بالإشهاد خلافا لما تقدم به من بيان التوثق في التبايع بآية ( وأشهدوا إذا تبايعتم ) والتوثق في الدين بآية ( يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين ) الخ فأكملت هذه الآية بيان التوثق للوصية اهتماما بها ولجدارة الوصية بالتوثيق لها لضعف الذياد عنها لأن البيوع والديون فيها جانبان عالمان بصورة ما انعقد فيها ويذبان عن مصالحهما فيتضح الحق من خلال سعيهما في إحقاق الحق فيها بخلاف الوصية فإن فيها جانبا واحدا وهو جانب الموصى له لان الموصي يكون قد مات وجانب الموصى له ضعيف إذ لا علم له بما عقد الموصي ولا بما ترك فكانت معرضة للضياع كلها أو بعضها
وقد كان العرب في الجاهلية يستحفظون وصاياهم عند الموت إلى أحد يثقون به من أصحابهم أو كبراء قبيلتهم أو من حضر احتضار الموصي أو من كان أودع عند الموصي خبر عزمه . فقد أوصى نزار بن معد وصية موجزة وأحال أبناءه على الأفعى الجرهمي أن يبين لهم تفصيل مراده منها
وقد حدثت في آخر حياة الرسول عليه الصلاة و السلام حادثة كانت سببا في نزول هذه الآية . ولعل حدوثها كان مقارنا لنزول الآي التي قبلها فجاءت هذه الآية عقبها في هذا الموضع من السورة
ذلك أنه كان في سنة تسع من الهجرة نزلت قضية ؛ هي أن رجلين أحدهما تميم الداري اللخمي والآخر عدي بن بداء كانا من نصارى العرب تاجرين وهما من أهل " دارين " وكانا يتجران بين الشام ومكة والمدينة . فخرج معهما من المدينة بديل بن أبي مريم مولى بني سهم وكان مسلما بتجارة إلى الشام فمرض بديل " قيل في الشام وقيل في الطريق برا أو بحرا " وكان معه في أمتعته جام من فضة مخوص بالذهب قاصدا به ملك الشام فلما اشتد مرضه أخذ صحيفة فكتب فيها ما عنده من المتاع والمال ودسها في مطاوي أمتعته ودفع ما معه إلى تميم وعدي وأوصاهما بأن يبلغاه مواليه من بني سهم . وكان بديل مولى للعاصي بن وائل السهمي فولاؤه بعد موته لابنه عمرو ابن العاصي . وبعض المفسرين يقول : إن ولاء بديل لعمرو بن العاصي والمطلب بن وداعة . ويؤيد قولهم أن المطلب حلف مع عمرو بن العاصي على أن الجام لبديل بن أبي مريم : فلما رجعا باعا الجام بمكة بألف درهم ورجعا إلى المدينة فدفعا ما لبديل إلى مواليه . فلما نشروه وجدوا الصحيفة فقالوا لتميم وعدي : أين الجام فأنكرا أن يكون دفع إليهما جاما . ثم وجد الجام بعد مدة يباع بمكة فقام عمرو ابن العاصي والمطلب بن أبي وداعة على الذي عنده الجام فقال : إنه ابتاعه من تميم وعدي . وفي رواية أن تميما لما أسلم في سنة تسع تأثم مما صنع فأخبر عمرو بن العاصي بخبر الجام ودفع له الخمسمائة الدرهم الصائرة اليه من ثمنه وطالب عمرو عديا ببقية الثمن فأنكر أن يكون باعه . وهذا أمثل ما روي في سبب نزول هذه الآية . وقد ساقه البخاري تعليقا في كتاب الوصايا . ورواه الترمذي في كتاب التفسير وقال : ليس إسناده بصحيح . وهو وإن لم يستوف شروط الصحة فقد اشتهر وتلقى بالقبول وقد أسنده البخاري في تاريخه
صلى الله عليه و سلم عليه الصلاة و السلام

(1/1221)


واتفقت الروايات على أن الفريقين تقاضوا في ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم ونزلت هذه الآية في ذلك فحلف عمرو بن العاصي والمطلب بن أبي وداعة على أن تميما وعديا أخفيا الجام وأن بديلا صاحبه وما باعه ولا خرج من يده . ودفع لهما عدي خمسمائة درهم وهو يومئذ نصراني . وعدي هذا قيل : أسلم وعده ابن حبان وابن منده في عداد الصحابة وقيل : مات نصرانيا ورجح ذلك ابن عطية وهو قول أبي نعيم ويروى عن مقاتل ولم يذكره ابن عبد البر في الصحابة . واحتمل ان يكون نزولها قبل الترافع بين الخصم في قضية الجام وأن يكون نزولها بعد قضاء النبي صلى الله عليه و سلم في تلك القضية لتكون تشريعا لما يحدث من أمثال تلك القضية
و ( بينكم ) أصل " بين " اسم مكان مبهم متوسط بين شيئين يبينه ما يضاف هو اليه وهو هنا مجاز في الأمر المتعلق بعدة أشياء وهو مجرور بإضافة ( شهادة ) إليه على الاتساع . وأصله ( شهادة ) بالتنوين والرفع ( بينكم ) بالنصب على الظرفية
فخرج ( بين ) عن الظرفية إلى مطلق الاسمية كما خرج عنها في قوله تعالى ( لقد تقطع بينكم ) في قراءة جماعة من العشرة برفع ( بينكم )
وارتفع ( شهادة ) على الابتداء وخبره ( اثنان ) . و ( إذا حضر أحدكم الموت ) ظرف زمان مستقبل . وليس في ( إذا ) معنى الشرط والظرف متعلق ب ( شهادة ) لما فيه من معنى الفعل أي ليشهد إذا حضر أحدكم الموت اثنان يعني يجب عليه أن يشهد بذلك ويجب عليهما أن يشهدا لقوله تعالى ( ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا ) . و ( حين الوصية ) بدل من ( إذا حضر أحدكم الموت ) بدلا مطابقا فإن حين حضور الموت هو الحين الذي يوصي فيه الناس غالبا . جيء بهذا الظرف الثاني ليتخلص بهذا البدل إلى المقصود وهو الوصية . وقد كان ا لعرب إذا رأوا علامة الموت على المريض يقولون : أوص وقد قالوا ذلك لعمر بن الخطاب حين أخبر الطبيب أن جرحه في أمعائه
ومعنى حضور الموت حضور علاماته لان تلك حالة يتخيل فيها المرء أن الموت قد حضر عنده ليصيره ميتا وليس المراد حصول الغرغرة لأن ما طلب من الموصي أن يعمله يستدعي وقتا طويلا وقد تقدم عند قوله ( كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا ) في سورة البقرة
وقوله ( اثنان ) خبر عن ( شهادة ) أي الشهادة على الوصية شهادة اثنين فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه فأخذ إعرابه والقرينة واضحة والمقصود الإيجاز . فما صدق ( اثنان ) شاهدان بقرينة قوله ( شهادة بينكم ) وقوله ( ذوا عدل ) . وهذان الشاهدان هما وصيان من الميت على صفة وصيته وإبلاغها إلا أن يجعل الموصي وصيا غيرهما فيكونا شاهدين على ذلك
والعدل والعدالة متحدان أي صاحبا اتصاف بالعدالة
ومعنى ( منكم ) من المؤمنين كما هو مقتضى الخطاب بقوله ( يا أيها الذين آمنوا ) لأن المتكلم إذا خاطب مخاطبه بوصف ثم أتبعه بما يدل على بعضه كان معناه أنه بعض أصحاب الوصف كما قال الأنصار يوم السقيفة : منا أمير ومنكم أمير . فالكلام على وصية المؤمنين . وعلى هذا درج جمهور المفسرين وهو قول أبى موسى الأشعري وابن عباس وسعيد بن المسيب وقتادة والأئمة الأربعة . وهو الذي يجب التعويل عليه وهو ظاهر الوصف بكلمة ( منكم ) في مواقعها في القرآن
وقال الزهري والحسن وعكرمة : معنى قوله ( منكم ) من عشيرتكم وقرابتكم . ويترتب على التفسير الأول أن يكون معنى مقابله وهو ( من غيركم ) أنه من غير أهل ملتكم . فذهب فريق ممن قالوا بالتفسير الأول إلى إعمال هذا وأجازوا شهادة غير المسلم في السفر في الوصية خاصة وخصوا ذلك بالذمي وهو قول أحمد والثوري وسعيد بن المسيب ونسب إلى ابن عباس وأبي موسى . وذهب فريق إلى أن هذا منسوخ بقوله تعالى ( وأشهدوا ذوي عدل منكم ) وهو قول مالك وأبي حنيفة والشافعي ونسب إلى زيد بن أسلم . وقد تم الكلام على الصورة الكاملة في شهادة الوصية بقوله ( ذوا عدل منكم )
وقوله ( أو آخران من غيركم ) الآيات . . تفصيل للحالة التي تعرض في السفر
و ( أو ) للتقسيم لا للتخيير والتقسيم باعتبار اختلاف الحالين : حال الحاضر وحال المسافر ولذلك اقترن به قوله ( أن أنتم ضربتم في الأرض ) فهو قيد لقوله ( أو آخران من غيركم )
صلى الله عليه و سلم عليه الصلاة و السلام

(1/1222)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية