صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : مختصر تفسير البغوي
المؤلف : عبد الله بن أحمد بن علي الزيد
الطبعة : الأولى
الناشر : دار السلام للنشر والتوزيع - الرياض
تاريخ النشر : 1416هـ
عدد الصفحات : 1040
عدد الأجزاء : 1
مصدر الكتاب : موقع الإسلام
http://www.al-islam.com
[ ضمن مجموعة كتب من موقع الإسلام ، ترقيمها غير مطابق للمطبوع ، وغالبها مذيلة بالحواشي ]

[25] قوله عز وجل: { ويوم تشقق السماء بالغمام } ، أي عن الغمام الباء وعن يتعاقبان كما يقال: رميت عن القوس وبالقوس وتشقق بمعنى تتشقق، أدغموا إحدى التاءين في الأخرى، وقرأ أبو عمرو وأهل الكوفة بتخفيف الشين هاهنا، وفي سورة ( ق ) بحذف إحدى التاءين، وقرأ الآخرون بالتشديد، أي تنشق بالغمام وهو غمام أبيض رقيق مثل الضبابة، ولم يكن إلا لبني إسرائيل في تيههم. { ونزل الملائكة تنزيلا } ، قرأ ابن كثير ( وننزل ) بنونين خفيف ورفع اللام، ( الملائكة ) نصب، قال ابن عباس : تشقق السماء الدنيا فينزل أهلها وهم أكثر ممن في الأرض من الجن والإنس، ثم تشقق السماء الثانية فينزل أهلها وهم أكثر ممن في السماء الدنيا، ومن الجن والإنس، ثم كذلك حتى تشقق السماء السابعة وأهل كل سماء يزيدون على أهل السماء التي قبلها، ثم ينزل الكروبيون ثم حملة العرش.

(5/425)


[26] { الملك يومئذ الحق للرحمن } أي الملك الذي هو الملك الحق حقا ملك الرحمن يوم القيامة قال ابن عباس : يريد أن يوم القيامة لا ملك يقضي غيره. { وكان يوما على الكافرين عسيرا } ، شديدا فهذا الخطاب يدل على أنه لا يكون على المؤمن عسيرا، وجاء في الحديث: « إنه يهون يوم القيامة على المؤمنين حتى يكون عليهم أخف من صلاة مكتوبة صلوها في الدنيا » (1) .
[27] { ويوم يعض الظالم على يديه } أراد بالظالم عقبة بن أبي معيط تحسرا على ما فعل { يقول يا ليتني اتخذت } في الدنيا، { مع الرسول سبيلا } ، ليتني اتبعت محمدا صلى الله عليه وسلم واتخذت معه سبيلا إلى الهدى.
[28] { يا ويلتى ليتني لم أتخذ فلانا خليلا } ، يعني أبي بن خلف .
_________
(1) رواه الإمام أحمد في المسند 3 / 75 وقال الهيثمي في المجمع 10 / 337: وإسناده حسن على ضعف في رواية.

(5/426)


[29] { لقد أضلني عن الذكر } ، عن الإيمان والقرآن, { بعد إذ جاءني } يعني الذكر مع الرسول { وكان الشيطان } ، وهو كل متمرد عات من الإنس والجن وكل من صد عن سبيل الله فهو شيطان. { للإنسان خذولا } ، أي تاركا يتركه ويتبرأ منه عند نزول البلاء والعذاب، وحكم هذه الآية عام في حق كل متحابين اجتمعا على معصية الله. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل » (1) .
[30] { وقال الرسول } ، يعني: ويقول الرسول في ذلك اليوم: { يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا } يعني متروكا فأعرضوا عنه، ولم يؤمنوا به ولم يعملوا بما فيه. وقيل: جعلوه بمنزلة الهجر وهو الهذيان, والقول السيئ فزعموا أنه شعر وسحر , وهو النخعي ومجاهد . وقيل: قال الرسول يعني محمدا صلى الله عليه وسلم يشكو قومه إلى الله يا رب: إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا فعزاه الله تعالى فقال:
_________
(1) أخرجه أبو داود في الأدب 7 / 186 والترمذي في الزهد 7 / 49 وقال: هذا حديث حسن غريب وصححه الحاكم 4 / 171 والإمام أحمد 2 / 303 والمصنف في شرح السنة 13 / 70.

(5/427)


[31] { وكذلك جعلنا } ، يعني كما جعلنا لك أعداء من مشركي قومك كذلك جعلنا، { لكل نبي عدوا من المجرمين } ، يعني المشركين. قال مقاتل : يقول: لا يكبرن عليك فإن الأنبياء قبلك قد لقوا هذا من قومهم فاصبر لأمري كما صبروا فإني ناصرك وهاديك، { وكفى بربك هاديا ونصيرا } .

(5/428)


[32] { وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة } كما أنزلت التوراة على موسى والإنجيل على عيسى والزبور على داود، قال الله سبحانه وتعالى. { كذلك } ، فعلنا، { لنثبت به فؤادك } ، يعني أنزلناه متفرقا ليقوى به قلبك فتعيه وتحفظه فإن الكتب أنزلت على ا لأنبياء يكتبون ويقرؤون، وأنزل الله القرآن على نبي أمي لا يكتب ولا يقرأ، ولأن من القرآن الناسخ والمنسوخ، ومنه ما هو جواب لمن سأل عن أمور ففرقناه ليكون أوعى لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأيسر على العامل به. { ورتلناه ترتيلا } ، قال ابن عباس : بيناه بيانا، والترتيل التبيين في ترتل وتثبت. وقال السدي : فصلناه تفصيلا. وقال مجاهد : بعضه في إثر بعض. وقال النخعي والحسن : فرقناه تفريقا آية بعد آية.

(5/429)


[33] { ولا يأتونك } ، يا محمد يعني هؤلاء المشركين، { بمثل } ، يضربونه في إبطال أمرك { إلا جئناك بالحق } ، يعني بما ترد به ما جاؤوا به من المثل وتبطله، فسمى ما يردون من الشبه مثلا، وسمى ما يدفع به الشبه حقا، { وأحسن تفسيرا } ، يعني بيانا وتفصيلا، والتفسير تفعيل من الفسر وهو كشف ما قد غطي، ثم ذكر ما لهؤلاء المشركين فقال:
[34] { الذين } ، أي: هم الذين، { يحشرون على وجوههم } ، فيساقون ويجرون، { إلى جهنم أولئك شر مكانا } ، يعني مكانة ومنزلة، ويقال: منزلا ومصيرا { وأضل سبيلا } ، أخطأ طريقا.
[35] { ولقد آتينا موسى الكتاب وجعلنا معه أخاه هارون وزيرا } ، معينا وظهيرا.
[36] { فقلنا اذهبا إلى القوم الذين كذبوا بآياتنا } ، يعني القبط، { فدمرناهم } ، فيه إضمار، أي: فكذبوهما فدمرناهم، { تدميرا } ، أهلكناهم إهلاكا. 37,

(5/430)


[38] { وقوم نوح لما كذبوا الرسل } ، أي: الرسول، ومن كذب رسولا واحدا فقد كذب جميع الرسل، فلذلك ذكر بلفظ الجمع. { أغرقناهم وجعلناهم للناس آية } ، يعني لمن بعدهم عبرة، { وأعتدنا للظالمين } ، في الآخرة { عذابا أليما } سوى ما حل به من عاجل العذاب. { وعادا وثمود } ، يعني وأهلكنا عادا وثمود، { وأصحاب الرس } ، اختلفوا فيهم، قال وهب بن منبه : كانوا أهل بئر قعودا عليها وأصحاب مواشي يعبدون الأصنام فوجه الله إليهم شعيبا يدعوهم إلى الإسلام فتمادوا في طغيانهم، وفي أذى شعيب عليه السلام فبينما هم حوالي البئر في منازلهم انهارت بهم البئر فخسف الله بهم وبديارهم ورباعهم، فهلكوا جميعا، والرس: البئر وكل ركية لم تطو بالحجارة والآجر فهو رس. وقال قتادة والكلبي : الرس بئر بأرض اليمامة قتلوا نبيهم فأهلكهم الله عز وجل، وقال بعضهم: هم بقية ثمود وقوم صالح، وهم أصحاب البئر التي ذكر الله تعالى في قوله: { وبئر معطلة وقصر مشيد } . وقال سعيد بن جبير : كان لهم نبي يقال له حنظلة بن صفوان فقتلوه فأهلكهم الله تعالى. وقال كعب ومقاتل

(5/431)


والسدي : الرس بئر بأنطاكية قتلوا فيها حبيب النجار، وهم الذين ذكرهم الله في سورة يس. وقيل: هم أصحاب الأخدود ، والرس هو الأخدود الذي حفروه. وقال عكرمة . هم قوم رسوا نبيهم في بئر. وقيل: الرس المعدن وجمعه رساس، { وقرونا بين ذلك كثيرا } ، يعني وأهلكنا قرونا كثيرا بين عاد وأصحاب الرس.
[39] { وكلا ضربنا له الأمثال } ، يعني الأشباه في إقامة الحجة عليهم، فلم نهلكهم إلا بعد الإنذار، { وكلا تبرنا تتبيرا } ، يعني أهلكنا إهلاكا. وقال الأخفش : كسرنا تكسيرا. قال الزجاج : كل شيء كسرته وفتته فقد تبرته.
[40] { ولقد أتوا على القرية التي أمطرت مطر السوء } ، يعني الحجارة وهي قريات قوم لوط "وكانت خمس قرى فأهلك الله أربعا منها وبقيت واحدة ، هي أصغرها وكان أهلها لا يعملون العمل الخبيث { أفلم يكونوا يرونها } ، إذا مروا بهم في أسفارهم فيعتبروا ويتفكروا لأن مدائن قوم لوط كانت على طريقهم عند ممرهم إلى الشام، { بل كانوا لا يرجون } ، لا يخافون، { نشورا } بعثا.

(5/432)


[41] قوله عز وجل: { وإذا رأوك إن يتخذونك } ، يعني ما يتخذونك، { إلا هزوا } ، يعني مهزوءا به، نزلت في أبي جهل كان إذا مر بأصحابه على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال مستهزئا: { أهذا الذي بعث الله رسولا } .
[42] { إن كاد ليضلنا } ، يعني قد قارب أن يضلنا, { عن آلهتنا لولا أن صبرنا عليها } يعني لو لم نصبر عليها لصرفنا عنها، { وسوف يعلمون حين يرون العذاب من أضل سبيلا } ، من أخطأ طريقا.
[43] { أرأيت من اتخذ إلهه هواه } ، وذلك أن الرجل من المشركين كان يعبد الحجر فإذا رأى حجرا أحسن منه طرح الأول وأخذ الآخر، فعبدوه. وقال ابن عباس : أرأيت من ترك عبادة الله وخالقه ثم هوى حجرا فعبده ما حاله عندي، { أفأنت تكون عليه وكيلا } ، يعني حافظا، يقول: أفأنت عليه كفيل تحفظه من اتباع هواه وعبادة من يهوى من دون الله، أي لست كذلك.

(5/433)


[44] { أم تحسب أن أكثرهم يسمعون } ما تقول سماع طالب الأفهام، { أو يعقلون } ، ما يعاينون من الحجة والإعلام، { إن هم } ، ما هم، { إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا } ، لأن البهائم تهتدي لمراعيها ومشاربها وتنقاد لأربابها الذين يتعهدونها، وهؤلاء الكفار لا يعرفون طريق الحق ولا يطيعون ربهم الذي خلقهم، ورزقهم، ولأن الأنعام تسجد وتسبح لله وهؤلاء الكفار لا يفعلون.

(5/434)


[45] قوله عز وجل: { ألم تر إلى ربك كيف مد الظل } ، معناه ألم تر إلى مد ربك الظل وهو ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، جعله ممدودا لأنه ظل لا شمس معه، كما قال في ظل الجنة: { وظل ممدود } لم يكن معه شمس. { ولو شاء لجعله ساكنا } ، أي: دائما ثابتا لا يزول، ولا تذهبه الشمس. قال أبو عبيدة : الظل ما نسخته الشمس، وهو بالغداوة والفيء ما نسخ الشمس، وهو بعد الزوال، سمي فيئا لأنه فاء من جانب المشرق إلى جانب المغرب، { ثم جعلنا الشمس عليه دليلا } ، يعني على الظل. ومعنى دلالتها عليه أنه لو لم تكن الشمس لما عرف الظل ولولا النور لما عرفت الظلمة، والأشياء تعرف بأضدادها.
[46] { ثم قبضناه } ، يعني الظل، { إلينا قبضا يسيرا } ، بالشمس التي تأتي عليه، والقبض جمع المنبسط من الشيء معناه أن الظل يعم جميع الأرض قبل طلوع الشمس، فإذا طلعت الشمس قبض الله الظل جزءا فجزءا قبضا يسيرا أي خفيا.

(5/435)


[47] { وهو الذي جعل لكم الليل لباسا } ، أي سترا تستترون به، يريد أن ظلمته تغشى كل شيء، كاللباس الذي يشتمل على لابسه، { والنوم سباتا } ، راحة لأبدانكم وقطعا لعملكم، وأصل السبت القطع، والنائم مسبوت لأنه انقطع عمله وحركته. { وجعل النهار نشورا } ، أي يقظة وزمانا تنتشرون فيه لابتغاء الرزق وتنتشرون لأشغالكم.

(5/436)


[48] { وهو الذي أرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته } ، يعني المطر { وأنزلنا من السماء ماء طهورا } ، والطهور هو الطاهر في نفسه المطهر لغيره، فهو اسم لما يتطهر به كالسحور اسم لما يتسحر به والفطور اسم لما يفطر به، والدليل عليه ما روينا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في البحر: « هو الطهور ماؤه الحل ميتته » (1) وأراد به المطهر فالماء مطهر لأنه يطهر الإنسان من الحدث والنجاسة، كما قال في آية أخرف: { وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به } فثبت به أن التطهير يختص بالماء ، وذهب أصحاب الرأي إلى أن الطهور هو الطاهر حتى جوزوا إزالة النجاسة بالمائعات الطاهرة، مثل الخل وماء الورد والمرق ونحوها، ولو جاز إزالة النجاسة بها لجاز إزالة الحدث بها، وذهب بعضهم إلى أن الطهور ما يتكرر منه التطهير كالصبور اسم لمن يتكرر منه الصبر والشكور اسم لمن يتكرر منه الشكر، وهو قول مالك حتى جوز الوضوء بالماء الذي توضأ منه مرة.
_________
(1) أخرجه الإمام مالك في الموطأ 1 / 22 وأبو داود في الوضوء بماء البحر 1 / 80 والترمذي فيما جاء في ماء البحر 1 / 224 وقال: ( حديث حسن صحيح ) والنسائي في الطهارة 1 / 50 وابن ماجه في الوضوء بماء البحر 1 / 136 وصححه الحاكم 1 / 140.

(5/437)


[49] قوله عز وجل: { لنحيي به } ، أي: بالمطر، { بلدة ميتا } ، ولم يقل ميتة لأنه رجع به إلى الموضع والمكان، { ونسقيه مما خلقنا أنعاما } ، نسقي من ذلك الماء أنعاما { وأناسي كثيرا } أي بشرا كثيرا، والأناسي جمع إنسي، وقيل: جمع إنسان، وأصله أناسين مثل بستان وبساتين، فجعل الياء عوضا عن النون.

(5/438)


[50] { ولقد صرفناه بينهم } ، يعني المطر مرة ببلد ومرة ببلد آخر. قال ابن عباس : ما من عام بأمطر من عام ولكن الله يصرفه في الأرض. وقرأ هذه الآية. وقيل: المراد من تصريف المطر تصريفه وابلا وطلا ورذاذا ونحوها. وقيل: التصريف راجع إلى الريح. { ليذكروا } أي ليتذكروا ويتفكروا في قدرة الله تعالى، { فأبى أكثر الناس إلا كفورا } ، وكفرانهم هو أنهم إذا مطروا قالوا مطرنا بنوء كذا وكذا. عن زيد بن خالد الجهني أنه قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح بالحديبية في أثر سماء كانت من الليل فلما أنصرف أقبل على الناس فقال: « هل تدرون ماذا قال ربكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم: قال: "أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي، وكافر بالكواكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي مؤمن بالكواكب » (1) .
[51] قوله عز وجل: { ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرا } . رسولا ينذرهم، لكن بعثناك إلى القرى كلها وحملناك ثقل النذارة جميعها لتستوجب بصبرك على ما أعددنا لك من الكرامة والدرجة الرفيعة.
_________
(1) أخرجه مالك في الاستسقاء 1 / 192 والبخاري في الاستسقاء 2 / 522 ومسلم في الإيمان رقم ( 71 ) 1 / 83 والمصنف في شرح السنة 4 / 419.

(5/439)


[52] { فلا تطع الكافرين } فيما يدعونك فيه من موافقتهم ومداهنتهم. { وجاهدهم به } أي: بالقرآن، { جهادا كبيرا } شديدا.
[53] { وهو الذي مرج البحرين } ، أي: خلطهما وأفاض أحدهما في الآخر، وقيل: أرسلهما في مجاريهما وخلاهما كما يرسل الخيل في المرج، وأصل المرج الخلط والإرسال، يقال: مرجت الدابة وأمرجتها إذا أرسلتها في المرعى وخليتها تذهب حيث تشاء، { هذا عذب فرات } ، شديد العذوبة والفرات أعذب المياه، { وهذا ملح أجاج } ، شديد الملوحة. وقيل: أجاج أي مر، { وجعل بينهما برزخا } أي: حاجزا بقدرته لئلا يختلط العذب بالملح ولا الملح بالعذب، { وحجرا محجورا } أي: سترا ممنوعا فلا يبغيان، فلا يفسد الملح العذب.

(5/440)


[54] { وهو الذي خلق من الماء } ، من النطفة، { بشرا فجعله نسبا وصهرا } ، أي: جعله ذا نسب وذا صهر، قيل. النسب ما لا يحل نكاحه والصهر ما يحل نكاحه، فالنسب ما يوجب الحرمة والصهر ما لا يوجبها، وقيل- وهو الصحيح- النسب من القرابة والصهر الخلطة التي تشبه القرابة، وهو السبب المحرم للنكاح، { وكان ربك قديرا } .
[55] { ويعبدون من دون الله } ، يعني هؤلاء المشركين، { ما لا ينفعهم } ، إن عبدوه، { ولا يضرهم } إن تركوه، { وكان الكافر على ربه ظهيرا } ، أي: معينا للشيطان على ربه بالمعاصي. وقال الزجاج : أي يعاون الشيطان على معصية الله لأن عبادتهم الأصنام معاونة للشيطان. وقيل: معناه وكان الكافر على ربه ظهيرا أي هينا ذليلا كما يقال: الرجل جعلني بظهير أي جعلني هينا. ويقال: ظهر به إذا جعله خلف ظهره فلم يلتفت إليه.

(5/441)


[56] { وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا } ، أي: منذرا.
[57] { قل ما أسألكم عليه } ، أي على تبليغ الوحي، { من أجر } ، فتقولوا إنما يطلب محمد أموالنا بما يدعونا إليه فلا نتبعه، { إلا من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا } ، هذا من الاستثناء المنقطع، مجازه: لكن من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا بالإنفاق من ماله في سبيله فعل ذلك، والمعنى: لا أسألكم لنفسي أجرا ولكن لا أمنع من إنفاق المال في طلب مرضاة الله واتخاذ السبيل إلى جنته.
[58] { وتوكل على الحي الذي لا يموت وسبح بحمده } ، أي صل له شكرا على نعمه. وقيل: قل سبحان الله والحمد لله، { وكفى به بذنوب عباده خبيرا } ، عالما بصغيرها وكبيرها فيجازيهم بها.

(5/442)


[59] { الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش الرحمن فاسأل به خبيرا } ، أي بالرحمن، قال الكلبي : يقول فاسأل الخبير بذلك يعني بما ذكرنا من خلق السماوات والأرض والاستواء على العرش: وقيل: الخطاب للرسول والمراد منه غيره لأنه كان مصدقا به، والمعنى: أيها الإنسان لا ترجع في طلب العلم بهذا إلى غيري. وقيل: الباء بمعنى عن أي: فاسأل عنه خبير وهو الله عز وجل. وقيل: جبريل عليه السلام.
[60] { وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن } ، ما نعرف الرحمن إلا رحمن اليمامة، يعنون مسيلمة الكذاب ، كانوا يسمونه رحمن اليمامة. { أنسجد لما تأمرنا } ، قرأ حمزة والكسائي ( يأمرنا ) بالياء أي لما يأمرنا محمد بالسجود له، وقرأ الآخرون بالتاء أي لما تأمرنا أنت يا محمد ، { وزادهم } يعني زادهم قول القائل لهم: ( اسجدوا للرحمن ) { نفورا } عن الدين والإيمان.

(5/443)


[61] قوله عز وجل: { تبارك الذي جعل في السماء بروجا } ، قال الحسن ومجاهد وقتادة : ( البروج ) هي النجوم الكبار سميت بروجا لظهورها، وقال عطية العوفي : بروجا أي: قصورا فيها الحرس، كما قال: { ولو كنتم في بروج مشيدة } ، وقال عطاء عن ابن عباس : هي البروج الاثنا عشر التي هي منازل الكواكب السبعة السيارة، وهي الحمل والثور والجوزاء والسرطان والأسد والسنبلة والميزان والعقرب والقوس والجدي والدلو والحوت، فالحمل والعقرب بيتا المريخ، والثور والميزان بيتا الزهرة، والجوزاء والسنبلة بيتا عطارد، والسرطان بيت القمر والأسد بيت الشمس، والقوس والحوت بيتا المشتري، والجدي والدلو بيتا زحل. وهذه البروج مقسومة على الطبائع الأربع فيكون نصيب كل واحد منها ثلاثة بروج تسمى المثلثات، فالحمل والأسد والقوس مثلثة نارية، والثور والسنبلة والجدي مثلثة أرضية والجوزاء والميزان والدلو مثلثة هوائية والسرطان والعقرب والحوت مثلثة مائية. { وجعل فيها سراجا } ، يعني الشمس كما قال: { وجعل الشمس سراجا } وقرأ حمزة والكسائي ( سرجا ) بالجمع يعني النجوم. { وقمرا منيرا } والقمر

(5/444)


قد دخل في السرج على قراءة من قرأ بالجمع، غير أنه خصه بالذكر لنوع فضيلة، كما قال: { فيهما فاكهة ونخل ورمان } ، خص النخل والرمان بالذكر مع دخولهما في الفاكهة.
[62] { وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة } ، اختلفوا فيها قال ابن عباس والحسن وقتادة : يعني خلفا وعوضا يقوم أحدهما مقام صاحبه، فمن فاته عمله في أحدهما قضاه في الآخر. قال مجاهد : يعني جعل كل واحد منهما مخالفا لصاحبه فجعل هذا أسود وهذا أبيض، وقال ابن زيد وغيره: يعني يخلف أحدهما صاحبه إذا ذهب أحدهما جاء الآخر فهما يتعاقبان في الضياء والظلمة والزيادة والنقصان، { لمن أراد أن يذكر } ، قرأ حمزة بتخفيف الدال والكاف وضمها من الذكر، وقرأ الآخرون بتشديدهما أي يتذكر ويتعظ { أو أراد شكورا } قال مجاهد : أي شكر نعمة ربه عليه فيهما.

(5/445)


[63] قوله عز وجل: { وعباد الرحمن } ، يعني أفاضل العباد. وقيل: هذه الإضافة للتخصيص والتفضيل، وإلا فالخلق كلهم عباد الله. { الذين يمشون على الأرض هونا } ، يعني بالسكينة والوقار متواضعين غير أشرين ولا مرحين، ولا متكبرين، وقال الحسن : علماء وحكماء. وقال محمد بن الحنفية : أصحاب وقار وعفة لا يسفهون، وإن سفه عليهم حلموا، والهون في اللغة الرفق واللين، { وإذا خاطبهم الجاهلون } ، يعني السفهاء بما يكرهون { قالوا سلاما } ، قال مجاهد : سدادا من القول. وقال مقاتل بن حيان : قولا يسلمون فيه من الإثم. وقال الحسن : إن جهل عليهم جاهل حلموا ولم يجهلوا، وليس المراد منه السلام المعروف. وروي عن الحسن : معناه سلموا عليهم، دليله قوله عز وجل. { وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم } ، قال الكلبي وأبو العالية : هذا قبل أن يؤمر بالقتال، ثم نسختها آية القتال: وروي عن الحسن البصري أنه كان إذا قرأ هذه الآية قال: هذا وصف نهارهم، ثم قرأ و { والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما }

(5/446)


قال: هذا وصف ليلهم.
[64] قوله تعالى: { والذين يبيتون لربهم } ، يقال لمن أدرك الليل: بات نام أو لم ينم , يقال: بات فلان قلقا, والمعنى يبيتون لربهم بالليل في الصلاة، { سجدا } ، على وجوههم، { وقياما } ، على أقدامهم. قال ابن عباس : من صلى بعد العشاء الآخرة ركعتين أو أكثر فقد بات لله ساجدا وقائما.
[65] قوله عز وجل: { والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غراما } ، يعني ملحا دائما لازما غير مفارق من عذب به من الكفار، ومنه سمي الغريم لطلبه حقه والحاجة على صاحبه وملازمته إياه. وقيل: غراما هلاكا.
[66] { إنها } ، يعني جهنم، { ساءت مستقرا ومقاما } ، يعني بئس موضع قرار وإقامة.

(5/447)


[67] { والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا } واختلفوا في معنى الإسراف والإقتار، فقال بعضهم: الإسراف النفقة في معصية الله وإن قلت، والإقتار منع حق الله تعالى. وهو قول ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن جريج وقال الحسن في هذه الآية لم ينفقوا في معاصي الله ولم يمسكوا عن فرائض الله. وقال قوم: الإسراف مجاوزة الحد في الإنفاق، حتى يدخل في حد التبذير، والإقتار التقصير عما لا بد منه، وهذا معنى قول إبراهيم لا يجيعهم ولا يعريهم ولا ينفق نفقة يقول الناس قد أسرف، { وكان بين ذلك قواما } ، قصدا وسطا بين الإسراف والإقتار، حسنة بين السيئتين.

(5/448)


[68] قوله عز وجل: { والذين لا يدعون مع الله إلها آخر } ، الآية. « قال رجل: يا رسول الله أي الذنب أكبر عند الله؟ قال: "أن تدعو لله ندا وهو خلقك " قال: ثم أي؟ قال. "أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك "، قال: ثم أي؟ قال: "أن تزاني حليلة جارك » ، فأنزل الله تصديقها: { ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما } . قوله عز وجل ( ومن يفعل ذلك ) ، أي شيئا من هذه الأفعال، ( يلق أثاما ) ، يوم القيامة، قال ابن عباس رضي الله عنهما: إنما يريد جزاء الإثم. وقال أبو عبيدة : الآثام العقوبة. وقال مجاهد : الآثام واد في جهنم.
[69] { يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا } ، قرأ ابن عامر وأبو بكر ( يضاعف ) و ( يخلد ) برفع الفاء والدال على الابتداء وشداد بن عامر ( يضعف ) ، وقرأ الآخرون بجزم الفاء والدال على جواب الشرط.

(5/449)


[70] { إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا } ، قال قتادة : إلا من تاب وآمن بربه وعمل عملا صالحا فيما بينه وبين ربه { فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما } ، فذهب جماعة إلى أن هذا التبديل في الدنيا، قال ابن عباس وسعيد بن جبير والحسن ومجاهد والسدي والضحاك : يبدلهم الله بقبائح أعمالهم في الشرك محاسن الأعمال في الإسلام، فيبدلهم بالشرك إيمانهم وبقتل المؤمنين قتل المشركين، وبالزنا عفة وإحصانا. وقال قوم: يبدل الله سيئاتهم التي عملوها في الإسلام حسنات يوم القيامة، وهو قول سعيد بن المسيب ومكحول ، وقال بعضهم: إن الله عز وجل يمحو بالندم جميع السيئات، ثم يثبت مكان كل سيئة حسنة.

(5/450)


[71] قوله عز وجل: { ومن تاب وعمل صالحا } ، قال بعض أهل العلم هذا في التوبة عن غير ما سبق ذكره في الآية الأولى من القتل والزنا، يعني من تاب من الشرك وعمل صالحا أي: أدى الفرائض ممن لم يقتل ولم يزن، { فإنه يتوب إلى الله } ، أي يعود إليه بالموت { متابا } حسنا يفضل به على غيره ممن قتل وزنا فالتوبة الأولى وهو قوله: ( ومن تاب ) رجوع عن الشرك والثاني رجوع إلى الله للجزاء والمكافأة. وقال بعضهم: هذه الآية أيضا في التوبة عن جميع السيئات. ومعناه: ومن أراد التوبة وعزم عليها فليتب لوجه الله. وقوله: ( يتوب إلى الله ) خبر بمعنى الأمر، أي: ليتب إلى الله. وقيل: معناه فليعلم أن توبته ومصيره إلى الله.

(5/451)


[72] { والذين لا يشهدون الزور } ، قال الضحاك وأكثر المفسرين: يعني الشرك. وقال علي بن طلحة : يعني شهادة الزور. وقال ابن جريج : يعني الكذب. وقال مجاهد : يعني أعياد المشركين. وقيل: النوح، قال قتادة : لا يساعدون أهل الباطل على باطلهم. وقال محمد ابن الحنفية : لا يشهدون اللهو والغناء، قال ابن مسعود : الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء الزرع. وأصل الزور تحسين الشيء ووصفه بخلاف صفته، فهو تمويه الباطل بما يوهم أنه حق، { وإذا مروا باللغو مروا كراما } ، قال مقاتل : إذا سمعوا من الكفار الشتم والأذى أعرضوا وصفحوا، وهي رواية ابن أبي نجيح عن مجاهد ، نظيره قوله: { وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه } ، قال السدي : وهي منسوخة بآية القتال. قال الحسن والكلبي : اللغو المعاصي كلها يعني إذا مروا بمجلس اللهو والباطل مروا كراما مسرعين معرضين. يقال: تكرم فلان عما يشينه إذا تنزه وأكره نفسه عنه.

(5/452)


[73] { والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا } ، لم يقعوا ولم يسقطوا، { عليها صما وعميانا } ، كأنهم صم عمي بل يسمعون ما يذكرون به فيفهمونه ويرون الحق فيه فيتبعونه. قال القتيبي : لم يتغافلوا عنها كأنهم صم لم يسمعوها وعمي لم يروها.

(5/453)


[74] { والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين } ، يعني أولادا أبرارا أتقياء، يقولون: اجعلهم صالحين فتقر أعيننا بذلك. قال القرظي : ليس شيء أقر لعين المؤمن من أن يرى زوجته وأولاده مطيعين لله عز وجل. وقاله الحسن : ووحد القرة لأنها مصدر وأصلها من القر لأن العرب تتأذى من الحر وتستروح إلى البرد وتذكر قرة العين عند السرور وسخنة العين عند الحزن، ويقال: دمع العين عند السرور بارد، وعند الحزن حار. وقال الأزهري : معنى قرة الأعين أن يصادف قلبه من يرضاه فتقر عينه به عن النظر إلى غيره. { واجعلنا للمتقين إماما } يعني أئمة يقتدون في الخير بنا. قال الحسن : نقتدي بالمتقين ويقتدي بنا المتقون. وقال ابن عباس : اجعلنا أئمة هداة، كما قال: { وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا } ، ولا تجعلنا أئمة ضلالة كما قال: { وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار } ، وقيل: هذا من المقرب يعني واجعل المتقين لنا إماما واجعلنا مؤتمين مقتدين بهم، وهو قول مجاهد .

(5/454)


[75] { أولئك يجزون } يعني ينالون، { الغرفة } يعني الدرجة الرفيعة في الجنة والغرفة كل بناء مرتفع عال وقال عطاء : يريد غرف الدر والزبرجد في الجنة، { بما صبروا } ، على أمر الله تعالى وطاعته. وقيل: على أذى المشركين. وقيل: عن الشهوات { ويلقون فيها تحية } أي ملكا وقيل: بقاء دائما، { وسلاما } أي: يسلم بعضهم على بعض. وقال الكلبي : يحيي بعضهم بالسلام، ويرسل الرب إليهم بالسلام. وقيل: سلاما أي سلامة من الآفات .
[76] { خالدين فيها حسنت مستقرا ومقاما } .أي : موضع قرار وإقامة.

(5/455)


[77] { قل ما يعبأ بكم ربي } ، قال مجاهد وابن زيد . أي ما يصنع وما يفعل بكم؟ قال أبو عبيدة يقال : ما عبأت به شيئا أي لم أعده، فوجوده وعدمه سواء، مجازه: أي وزن وأي مقدار لكم عنده، { لولا دعاؤكم } ، إياه، وقيل: لولا إيمانكم، وقيل: لولا عبادتكم، وقيل: لولا دعاؤه إياكم إلى الإسلام، فإذا آمنتم ظهر لكم قدر. وقال قوم: معناها قل ما يعبأ بخلقكم ربي لولا عبادتكم وطاعتكم إياه يعني أنه خلقكم لعبادته، كما قال: { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } . وهذا قول ابن عباس ومجاهد ، وقال قوم: قل ما يعبأ ما يبالي بمغفرتكم لولا دعاؤكم معه آلهة, أو ما يفعل بعذابكم لولا شرككم, كما قال الله تعالى: { ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم } وقيل: ما يعبأ بعذابكم لولا دعاؤكم إياه في الشدائد, كما قال: { فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله } ، وقال: { فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون } . وقيل: { قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم } يقول ما خلقتكم ولي إليكم حاجة إلا أن تسألوني

(5/456)


فأعطيكم وتستغفروني فأغفر لكم. { فقد كذبتم } , أيها الكافرون يخاطب أهل مكة يعني إن الله دعاكم بالرسول إلى توحيده وعبادته فقد كذبتم الرسول ولم تجيبوه. { فسوف يكون لزاما } , هذا تهذيبه لهم أي يكون تكذيبهم لزاما, قال ابن عباس : موتا . وقال أبو عبيدة : هلاكا. وقال ابن زيد : قتالا. والمعنى يكون التكذيب لازما لمن كذب فلا يعطى التوبة حتى يجازى بعمله . وقال ابن جرير : عذابا دائما وهلاكا مقيما يلحق بعضكم ببعض واختلفوا فيه فقال قوم : هو يوم بدر قتل منهم سبعون وأسر سبعون . وقيل: اللزام هو عذاب الآخرة.

(5/457)


( 26 ) سورة الشعراء
[1] { طسم } روى علي بن طلحة الوالبي عن ابن عباس : أنه قسم وهو من أسماء الله تعالى: وقال قتادة : اسم من أسماء القرآن. وقال مجاهد : اسم للسورة. قال محمد بن كعب القرظي : أقسم الله بطوله وسنائه وملكه.
[2] { تلك } ، أي هذه، { آيات الكتاب المبين } .
[3] { لعلك باخع } ، قاتل، { نفسك ألا يكونوا مؤمنين } ، إن لم يؤمنوا ذلك حين كذبه أهل مكة فشق عليه وكان يحرص على إيمانهم، فأنزل الله هذه الآية.

(5/458)


[4] { إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين } ، قال قتادة : لو شاء الله لأنزل عليهم آية يذلون بها فلا يلوي أحد منهم عنقه إلى معصية الله. وقال ابن جريج : معناه لو شاء الله لأراهم أمرا من أمره لا يعمل أحد منهم بعده معصية. وقوله عز وجل: { خاضعين } ولم يقل خاضعة وهي صفة الأعناق، ففيه أقاويل: أحدها: أراد أصحاب الأعناق فحذف الأصحاب وأقام الأعناق مقامهم، لأن الأعناق إذا خضعت فأربابها خاضعون، جعل الفعل أولا للأعناق ثم جعل خاضعين للرجال. وقال الأخفش : رد الخضوع على المضمر الذي أضاف الأعناق إليه. وقال قوم: ذكر الصفة لمجاورتها المذكر، وهو قوله على عادة العرب في تذكير المؤنث إذا أضافوه إلى مذكر، وتأنيث المذكر إذا أضافوه إلى المؤنث. وقيل: أراد فظلوا خاضعين فعبروا بالعنق عن جميع البدن، كقوله: { ذلك بما قدمت يداك } و { ألزمناه طائره في عنقه } . وقال مجاهد : أراد بالأعناق الرؤساء والكبراء، أي فظلت كبراؤهم خاضعين، وقيل: أراد بالأعناق الجماعات، يقال: جاء القوم عنقا عنقا أي جماعات وطوائف. وقيل: إنما قال خاضعين على

(5/459)


وفاق رؤوس الآي ليكون على نسق واحد.
[5] { وما يأتيهم من ذكر } ، وعظ وتذكير، { من الرحمن محدث } ، أي محدث إنزاله، فهو محدث في التنزيل. قال الكلبي : كلما نزل شيء من القرآن بعد شيء فهو أحدث من الأول { إلا كانوا عنه معرضين } ، أي عن الإيمان به.
[6] { فقد كذبوا فسيأتيهم } ، أي. فسوف يأتيهم، { أنباء } ، أخبار وعواقب، { ما كانوا به يستهزئون } .
[7] { أولم يروا إلى الأرض كم أنبتنا فيها من كل زوج } ، صنف وضرب، { كريم } حسن من النبات مما يأكل الناس والأنعام، يقال: نخلة كريمة إذا طاب حملها، وناقة كريمة إذا كثر لبنها. قال الشعبي : الناس من نبات الأرض فمن دخل الجنة فهو كريم، ومن دخل النار فهو لئيم.
[8] { إن في ذلك } ، الذي ذكرت، { لآية } ، دلالة على وجودي وتوحيدي وكمال قدرتي، { وما كان أكثرهم مؤمنين } ، مصدقين أي سبق علمي فيهم أن أكثرهم لا يؤمنون. وقال سيبويه : كان هاهنا صلة مجازه: وما أكثرهم مؤمنين.

(5/460)


[9] { وإن ربك لهو العزيز } ، العزيز بالنقمة من أعدائه، { الرحيم } ، ذو الرحمة بأوليائه.
[10] قوله عز وجل: { وإذ نادى ربك موسى } ، واذكر يا محمد إذ نادى ربك موسى حين رأى الشجرة والنار، { أن ائت القوم الظالمين } ، يعني الذين ظلموا أنفسهم بالكفر والمعصية، وظلموا بني إسرائيل باستعبادهم وسومهم سوء العذاب.
[11] { قوم فرعون ألا يتقون } ، ألا يصرفون عن أنفسهم عقوبة الله بطاعته.
[12] { قال } ، يعني موسى ، { رب إني أخاف أن يكذبون } .
[13] { ويضيق صدري } بتكذيبهم إياي، و { ولا ينطلق لساني } ، قال: هذا للعقدة التي كانت على لسانه ، قرأ يعقوب ( ويضيق ) ، ( ولا ينطلق ) بنصب القافين على معنى وأن يضيق، وقرأ العامة برفعهما ردا على قوله: ( إني أخاف ) ، { فأرسل إلى هارون } ، ليؤازرني ويظاهرني على تبليغ الرسالة.
[14] { ولهم علي ذنب } ، أي دعوى ذنب، وهو قتله القبطي، { فأخاف أن يقتلون } أي يقتلونني به.

(5/461)


[15] { قال } ، الله تعالى { كلا } ، أي لن يقتلوك { فاذهبا بآياتنا إنا معكم مستمعون } ، سامعون ما يقولون ، ذكر معكم بلفظ الجمع، وهما اثنان أجراهما مجرى الجماعة. وقيل: أراد معكما ومع بني إسرائيل نسمع ما يجيبكم فرعون .
[16] { فأتيا فرعون فقولا إنا رسول رب العالمين } ، ولم يقل رسولا رب العالمين لأنه أراد الرسالة أنا ذو رسالة رب العالمين، وقال أبو عبيدة : يجوز أن يكون الرسول بمعنى الاثنين والجمع، تقول العرب: هذا رسولي ووكيلي وهذان وهؤلاء رسولي ووكيلي، كما قال الله تعالى: { وهم لكم عدو } ، وقيل: معناه كل واحد منا رسول رب العالمين.
[17] { أن أرسل } ، أي بأن أرسل، { معنا بني إسرائيل } ، أي إلى فلسطين، ولا تستعبدهم، وكان فرعون استعبدهم أربعمائة سنة، وكانوا في ذلك الوقت ستمائة ألف وثلاثين ألفا، فانطلق موسى إلى مصر وهارون بها فأخبره بذلك.
[18] { قال ألم نربك فينا وليدا } ، صبيا، { ولبثت فينا من عمرك سنين } ، وهو ثلاثون سنة.

(5/462)


[19] { وفعلت فعلتك التي فعلت } ، يعني قتل القبطي، { وأنت من الكافرين } ، قال الحسن والسدي : يعني وأنت من الكافرين بإلهك الذي تدعيه، ومعناه: على ديننا هذا الذي تعيبه. وقال أكثر المفسرين: معنى قوله وأنت من الكافرين يعني من الجاحدين لنعمتي وحق تربيتي، يقول ربيناك فينا فكافأتنا أن قتلت منا نفسا وكفرت بنعمتنا. وهذا رواية العوفي عن ابن عباس : إن فرعون لم يكن يعلم ما الكفر بالربوبية.

(5/463)


[20] { قال } ، موسى { فعلتها إذا } ، أي فعلت ما فعلت حينئذ، { وأنا من الضالين } ، أي من الجاهلين، لم يأت من الله شيئا. وقيل: من الجاهلين بأن ذلك يؤدي إلى قتله. وقيل: من الضالين عن طريق الصواب من غير تعمد. وقيل. من المخطئين.
[21] { ففررت منكم لما خفتكم } ، إلى مدين، { فوهب لي ربي حكما } ، يعني النبوة، وقال مقاتل : يعني العلم والفهم، { وجعلني من المرسلين } .

(5/464)


[22] { وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل } ، اختلفوا في تأويلها فحملها بعضهم على الإقرار وبعضهم على الإنكار، فمن قال هو إقرار قال عدها موسى نعمة منه عليه حيث رباه، ولم يقتله كما قتل سائر غلمان بني إسرائيل، ولم يستعبده كما استعبد بني إسرائيل، مجازه: بلى وتلك نعمة لك علي أن عبدت بني إسرائيل، وتركتني فلم تستعبدني. ومن قال : هو إنكار قال قوله: وتلك نعمة هو على طريق الاستفهام أي: أو تلك نعمة؟ حذف ألف الاستفهام، كقوله: { فهم الخالدون } ؟ يقول: تمن علي أن ربيتني وتنسى جنايتك على بني إسرائيل بالاستعباد والمعاملات القبيحة؟ أو يريد: كيف تمن علي بالتربية وقد استعبدت قومي، ومن أهين قومه ذل، فتعبيدك بني إسرائيل قد أحبط إحسانك إلي، وقيل: معناه تمن علي بالتربية. وقوله: { أن عبدت بني إسرائيل } أي باستعبادك بني إسرائيل وقتلك أولادهم، دفعت إليك حتى ربيتني وكفلتني ولو لم تستعبدهم وتقتلهم كان لي من أهل من يربيني ولم يلقوني في اليم، فأي نعمة لك علي؟ قوله : { عبدت } أي اتخذتهم عبيدا، يقال: عبدت فلانا وأعبدته وتعبدته واستعبدته، أي اتخذته عبدا.

(5/465)


[23] { قال فرعون وما رب العالمين } ، يقول: أي شيء رب العالمين الذي تزعم أنك رسوله إلي يستوصفه إلهه الذي أرسله إليه مما هو سؤال عن جنس الشيء، والله منزه عن الجنسية، فأجابه موسى عليه السلام يذكر أفعاله التي يعجز عن الإتيان بمثلها.
[24] { قال رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين } ، إنه خالقهما. قال أهل المعاني: أي كما توقنون هذه الأشياء التي تعاينونها فأيقنوا أن إله الخلق هو الله عز وجل، فلما قال موسى ذلك تحير فرعون في جواب موسى .
[25] { قال لمن حوله } ، من أشراف قومه استبعادا لقول موسى ، { ألا تستمعون } ، وذلك أنهم كانوا يعتقدون أن آلهتهم ملوكهم، فزادهم موسى في البيان.
[26] { قال ربكم ورب آبائكم الأولين } .
[27] { قال } ، يعني فرعون ، { إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون } ، يتكلم بكلام لا نعقله ولا نعرف صحته، وكان عندهم أن من لا يعتقد ما يعتقدون ليس بعاقل، فزاد موسى في البيان.

(5/466)


[28] { قال رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون } .
[29] { قال } ، فرعون حين لزمته الحجة وانقطع عن الجواب تكبرا عن الحق: { لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين } ، من المحبوسين.
[30] { قال } له موسى حين توعده بالسجن { أولو جئتك } أي: وإن جئتك، { بشيء مبين } ، بآية مبينة، ومعنى الآية أتفعل ذلك وإن أتيتك بحجة بينة؟ وإنما قال ذلك موسى لأن من أخلاق الناس السكون إلى الإنصاف والإجابة إلى الحق بعد البيان.
[31] { قال } ، له فرعون , { فأت به } فإنا لن نسجنك حينئذ، { إن كنت من الصادقين } . 32,
[33] { فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين } ، فقال وهل غيرها، { ونزع } ، موسى ، { يده فإذا هي بيضاء للناظرين } .
[34] { قال } فرعون . { للملإ حوله إن هذا لساحر عليم } .
[35] { يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره فماذا تأمرون } .
[36] { قالوا أرجه وأخاه وابعث في المدائن حاشرين } .

(5/467)


[37] { يأتوك بكل سحار عليم } .
[38] { فجمع السحرة لميقات يوم معلوم } ، وهو يوم الزينة. وروي عن ابن عباس قال: وافق ذلك اليوم يوم السبت في أول يوم من السنة وهو يوم النيروز.
[39] { وقيل للناس هل أنتم مجتمعون } ، لتنظروا إلى ما يفعل الفريقان ولمن تكون الغلبة.

(5/468)


[40] { لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين } ، لموسى ، وقيل: إنما قالوا ذلك على طريق الاستهزاء، وأرادوا بالسحرة موسى وهارون وقومهما.
[41] { فلما جاء السحرة قالوا لفرعون أئن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين } .
[42] { قال نعم وإنكم إذا لمن المقربين } .
[43] { قال لهم موسى ألقوا ما أنتم ملقون } .
[44] { فألقوا حبالهم وعصيهم وقالوا بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون } .
[45] { فألقى موسى عصاه فإذا هي تلقف ما يأفكون } .
[46] { فألقي السحرة ساجدين } .
[47] { قالوا آمنا برب العالمين } .
[48] { رب موسى وهارون }
[49] { قال آمنتم له قبل أن آذن لكم إنه لكبيركم الذي علمكم السحر فلسوف تعلمون لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم أجمعين }

(5/469)


[50] { قالوا لا ضير } لا ضرر, { إنا إلى ربنا منقلبون }
[51] { إنا نطمع أن يغفر لنا ربنا خطايانا أن كنا أول المؤمنين } من أهل زماننا.
[52] { وأوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي إنكم متبعون } , يتبعكم فرعون وقومه ليحولوا بينكم وبين الخروج من مصر.
[53] { فأرسل فرعون في المدائن حاشرين } ، يحشرون الناس يعني الشرط ليجمعوا السحرة. وقيل: حتى يجمعوا له الجيش.
[54] { إن هؤلاء لشرذمة قليلون } ، عصابة { قليلون } , والشرذمة القطعة من الناس غير الكثير، وجمعها شراذم.
[55] { وإنهم لنا لغائظون } ، يقال غاظه وأغاظه وغيظه إذا أغضبه، والغيظ والغضب واحد، يقول: أغضبونا لمخالفتهم ديننا، وخروجهم من أرضنا بغير إذن منا.

(5/470)


[56] { وإنا لجميع حاذرون } قال أهل التفسير: حاذرون أي مؤدون ومقوون، أي: ذوو أداة وقوة مستعدون شاكون في السلاح، ومعنى حذرون أي خائفون شرهم. وقال الزجاج : الحاذر المستعد، والحذر المستيقظ. وقال الفراء : الحاذر الذي يحذرك الآن، والحذر المخوف. وكذلك لا تلقاه إلا حذرا. والحذر اجتناب الشيء خوفا منه.
[57] { فأخرجناهم من جنات } ، وفي القصة البساتين كانت ممتدة على حافتي النيل، { وعيون } ، أنهار جارية.
[58] { وكنوز } ، يعني الأموال الظاهرة من الذهب والفضة، قال مجاهد : سماها كنوزا لأنه لم يعط حق الله منها وما لم يعط حق الله منها فهو كنز وإن كان ظاهرا { ومقام كريم } ، أي مجلس حسن، قال المفسرون: أراد مجالس الأمراء والرؤساء التي كانت تحفها الأتباع. وقال مجاهد وسعيد بن جبير : هي المنابر.
[59] { كذلك } ، كما وصفنا، { وأورثناها } ، بهلاكهم، { بني إسرائيل } ، وذلك أن الله تعالى رد بني إسرائيل إلى مصر بعدما أغرق فرعون وقومه فأعطاهم جميع ما كان لفرعون وقومه من الأموال والمساكن.

(5/471)


[60] { فأتبعوهم مشرقين } ، يعني لحقوهم في وقت إشراق الشمس، وهو إضاءتها أي أدرك قوم فرعون موسى وأصحابه وقت شروق الشمس.

(5/472)


[61] { فلما تراءى الجمعان } ، يعني تقابلا بحيث يرى كل فريق صاحبه { قال أصحاب موسى إنا لمدركون } , يعني سيدركنا قوم فرعون ولا طاقة لنا بهم.
[62] { قال } ، موسى ثقة بوعد الله إياه { كلا } لن يدركونا ، { إن معي ربي سيهدين } ، يدلني على طريق النجاة.
[63] { فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق } ، يعني فضربه فانفلق فانشق، { فكان كل فرق } ، قطعة من الماء، { كالطود العظيم } ، كالجبل الضخم.
[64] { وأزلفنا } يعني وقربنا، { ثم الآخرين } ، يعني قوم فرعون، يقول: قدمناهم إلى البحر وقربناهم إلى الهلاك، وقال أبو عبيدة : وأزلفنا: جمعنا، ومنه ليلة المزدلفة أي ليلة الجمع.
[65] { وأنجينا موسى ومن معه أجمعين } .
[66] { ثم أغرقنا الآخرين } ، فرعون وقومه. وقال سعيد بن جبير : كان البحر ساكنا قبل ذلك فلما ضربه موسى بالعصا اضطرب فجعل يمد ويجزر.

(5/473)


[67] { إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين } ، أي من أهل مصر، قيل. لم يكن آمن من أهل مصر إلا آسية امرأة فرعون وحزقيل المؤمن، ومريم بنت مأمويا التي دلت على عظام يوسف عليه السلام.
[68] { وإن ربك لهو العزيز الرحيم } ، العزيز في الانتقام من أعدائه، الرحيم بالمؤمنين حين أنجاهم.
[69] قوله: { واتل عليهم نبأ إبراهيم } .
[70] { إذ قال لأبيه وقومه ما تعبدون } ، أي شيء تعبدون.
[71] { قالوا نعبد أصناما فنظل لها عاكفين } ، يعني نقيم على عبادتها. قال بعض أهل العلم: إنما قال: ( فنظل ) لأنهم كانوا يعبدونها بالنهار، دون الليل، يقال: ظل يفعل كذا إذا فعل بالنهار.
[72] { قال هل يسمعونكم } ، أي هل يسمعون دعاءكم، { إذ تدعون } قال ابن عباس : يسمعون لكم؟
[73] { أو ينفعونكم } ، قيل: بالرزق، { أو يضرون } ، إن تركتم عبادتها.

(5/474)


[74] { قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون } ، معناه إنها لا تسمع قولا ولا تجلب نفعا ولا تدفع ضرا لكن اقتدينا بآبائنا, فيه إبطال التقليد في الدين. 75,
[76] { قال أفرأيتم ما كنتم تعبدون }{ أنتم وآباؤكم الأقدمون } ، الأولون .

(5/475)


[77] { فإنهم عدو لي } ، يعني أعدائي ووحده على معنى أن كل معبود لكم عدو لي، فإن قيل: كيف وصف الأصنام بالعداوة وهي جمادات؟ قيل: معناه فإنهم عدو لي لو عبدتهم يوم القيامة، كما قال تعالى: { سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا } ، وقال الفراء هو من المقلوب أراد فإنهم عدو لهم لأن من عاديته فقد عاداك. وقيل: فإنهم عدو لي على معنى إني لا أتوهم ولا أطلب من جهتهم نفعا كما لا يتولى العدو ولا يطلب من جهته النفع، قوله: { إلا رب العالمين } ، اختلفوا في هذا الاستثناء، قيل: هو استثناء منقطع، كأنه قال: فإنهم عدو لي لكن رب العالمين وليي. وقيل: إنهم كانوا يعبدون الأصنام مع الله، فقال إبراهيم : كل من تعبدون أعدائي إلا رب العالمين. وقيل: إنهم غير معبود لي إلا رب العالمين، فإني أعبده. وقال الحسين بن الفضل : معناه إلا من عند رب العالمين، ثم وصف معبوده فقال:
[78] { الذي خلقني فهو يهدين } أي يرشدني إلى طريق النجاة.
[79] { والذي هو يطعمني ويسقين } أي يرزقني ويغذيني بالطعام والشراب، فهو رازقي ومن عنده رزقي.

(5/476)


[80] { وإذا مرضت } أضاف المرض إلى نفسه وإن كان المرض والشفا كله من الله، استعمالا لحسن الأدب كما قال الخضر : { فأردت أن أعيبها } ، وقال: { فأراد ربك أن يبلغا أشدهما } ، { فهو يشفين } ، أي يبرئني من المرض.
[81] { والذي يميتني ثم يحيين } ، أدخل ( ثم ) هاهنا للتراخي أي يميتني في الدنيا ويحييني في الآخرة.
[82] { والذي أطمع } ، أرجو، { أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين } ، أي خطاياي يوم الحساب. قال مجاهد : هو قوله: { إني سقيم } ، وقوله: { بل فعله كبيرهم هذا } ، وقوله لسارة : هذه أختي، وزاد الحسن وقوله للكواكب: { هذا ربي } . وهذا كله احتجاج من إبراهيم على قومه وأخبار أنه لا تصلح الإلهية إلا لمن يفعل هذه الأفعال.
[83] { رب هب لي حكما } قال ابن عباس : معرفة حدود الله وأحكامه. وقال مقاتل : الفهم والعلم.
وقال الكلبي : النبوة، { وألحقني بالصالحين } ، بمن قبلي من النبيين في المنزلة والدرجة.

(5/477)


[84] { واجعل لي لسان صدق في الآخرين } ، أي ثناء حسنا وذكرا جميلا وقبولا عاما في الأمم التي تجيء بعدي، فأعطاه الله ذلك فجعل كل أهل الأديان يتولونه ويثنون عليه. قال القتيبي : وضع اللسان موضع القول على الاستعارة لأن القول يكون به.
[85] { واجعلني من ورثة جنة النعيم } ، أي ممن تعطيه جنة النعيم.
[86] { واغفر لأبي إنه كان من الضالين } ، وقال هذا قبل أن يتبين له أنه عدو الله، كما سبق ذكره في سورة التوبة.
[87] { ولا تخزني } لا تفضحني { يوم يبعثون } . 88,
[89] { يوم لا ينفع مال ولا بنون }{ إلا من أتى الله بقلب سليم } ، أي خالص من الشرك والشك فأما الذنوب فليس يسلم منها أحد، هذا قول أكثر المفسرين، قال سعيد بن المسيب : القلب السليم هو الصحيح، وهو قلب المؤمن لأن قلب الكافر والمنافق مريض. قال الله تعالى: { في قلوبهم مرض } قال ابن عثمان النيسابوري : هو القلب الخالي من البدعة المطمئن على السنة. 90,

(5/478)


[91] { وأزلفت } ، قربت { الجنة للمتقين }{ وبرزت } أظهرت، { الجحيم للغاوين } ، للكافرين. 92,
[93] { وقيل لهم } يوم القيامة، { أين ما كنتم تعبدون }{ من دون الله هل ينصرونكم } ، يمنعونكم من العذاب، { أو ينتصرون } لأنفسهم.
[94] { فكبكبوا فيها } ، قال ابن عباس : جمعوا. وقال مجاهد : دهورا. وقال مقاتل : قذفوا. وقال الزجاج : طرح بعضهم على بعض. وقال القتيبي : ألقوا على رؤوسهم. { هم والغاوون } ، يعني الشياطين، قاله قتادة ومقاتل . وقال الكلبي : كفرة الجن.
[95] { وجنود إبليس أجمعون } ، وهم أتباعه ومن أطاعه من الجن والإنس. ويقال: ذريته.
[96] { قالوا } أي: قال الغاوون للشياطين والمعبودين، { وهم فيها يختصمون } ، مع المعبودين ويجادل بعضهم بعضا.
[97] { تالله إن كنا لفي ضلال مبين } .
[98] { إذ نسويكم } ، نعدلكم, { برب العالمين } فنعبدكم.

(5/479)


[99] { وما أضلنا } أي: ما دعانا إلى الضلال، { إلا المجرمون } . قال مقاتل : يعني الشياطين. وقال الكلبي : إلا ولونا الذين اقتدينا بهم. وقال أبو العالية وعكرمة : يعني إبليس وابن آدم الأول وهو قابيل لأنه أول من سن القتل، وأنواع المعاصي.
[100] { فما لنا من شافعين } ، أي: من يشفع لنا من الملائكة والنبيين والمؤمنين.
[101] { ولا صديق حميم } ، أي قريب يشفع لنا يقوله الكفار حين تشفع الملائكة والنبيون والمؤمنون والصديق هو الصادق في المودة بشرط الدين.
[102] { فلو أن لنا كرة } , أي: رجعة إلى الدنيا, { فنكون من المؤمنين } .
[103] { إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين } .
[104] { وإن ربك لهو العزيز الرحيم } العزيز الذي لا يغالب, فالله عزير وهو في وصف عزته رحيم.

(5/480)


[105] قوله عز وجل: { كذبت قوم نوح المرسلين } قيل للحسن البصري : يا أبا سعيد أرأيت قوله: { كذبت قوم نوح المرسلين } و { كذبت عاد المرسلين } و { كذبت ثمود المرسلين } ، وإنما أرسل إليهم رسول واحد؟ قال: إن الآخر جاء بما جاء به الأول، فإذا كذبوا واحدا فقد كذبوا الرسل أجمعين.
[106] { إذ قال لهم أخوهم } ، في النسب لا في الدين. { نوح ألا تتقون } .
[107] { إني لكم رسول أمين } ، على الوحي.
[108] { فاتقوا الله } ، بطاعته وعبادته، { وأطيعون } ، فيما آمركم به من الإيمان والتوحيد.
[109] { وما أسألكم عليه من أجر إن أجري } ، ثوابي { إلا على رب العالمين } .
[110] { فاتقوا الله } بطاعته وعبادته { وأطيعون } .
[111] { قالوا أنؤمن لك واتبعك الأرذلون } السفلة. وعن ابن عباس قال: الصاغة. وقال عكرمة : الحاكة والأساكفة.

(5/481)


[112] { قال } ، نوح ، { وما علمي بما كانوا يعملون } أي ما أعلم أعمالهم وصنائعهم، وليس علي من دناءة مكاسبهم وأحوالهم شيء إنما كلفت أن أدعوهم إلى الله ولي منهم ظاهر أمرهم.
[113] { إن حسابهم } ، ما حسابهم، { إلا على ربي لو تشعرون } ، لو تعلمون ذلك ما عبتموهم بصنائعهم. قال الزجاج : الصناعات لا تضر في الديانات. وقيل: معناه أي لم أعلم أن الله يهديهم ويضلكم ويوفقهم ويخذلكم.
[114, 115] { وما أنا بطارد المؤمنين }{ إن أنا إلا نذير مبين } .
[116] { قالوا لئن لم تنته يا نوح } ، عما تقول، { لتكونن من المرجومين } ، قال مقاتل والكلبي : من المقتولين بالحجارة. وقال الضحاك : من المشتومين.
[117, 118] { قال رب إن قومي كذبون }{ فافتح } ، فاحكم، { بيني وبينهم فتحا } ، حكما { ونجني ومن معي من المؤمنين } .
[119] { فأنجيناه ومن معه في الفلك المشحون } ، الموقر المملوء من الناس والطير والحيوان كلها.

(5/482)


[120] { ثم أغرقنا بعد الباقين } ، أي أغرقنا بعد إنجاء نوح ، وأهله: من بقي من قومه.
[121] { إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين } .
[122] { وإن ربك لهو العزيز الرحيم } .
[123] قوله عز وجل: { كذبت عاد المرسلين } .
[124] { إذ قال لهم أخوهم } ، يعني في النسب لا في الدين، { هود ألا تتقون } .
[125] { إني لكم رسول أمين } ، على الرسالة، قال الكلبي : أمين فيكم قبل الرسالة فكيف تتهموني اليوم.
[126] { فاتقوا الله وأطيعون } .
[127] { وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين } .
[128] { أتبنون بكل ريع } ، قال الوالبي عن ابن عباس : بكل شرف. وقال الضحاك ومقاتل والكلبي : بكل طريق، وهو رواية العوفي عن ابن عباس ، وعن مجاهد قال: هو الفج بين الجبلين. وعنه أيضا: أنه المنظرة (1) . { آية } ، علامة { تعبثون } ، بمن مر بالطريق، والمعنى: أنهم كانوا يبنون المواضع المرتفعة ليشرفوا على المارة والسابلة فيسخروا منهم ويعبثوا بهم.
_________
(1) بوزن المتربة وهي المرقبة انظر مختار الصحاح ص667 .

(5/483)


[129] { وتتخذون مصانع } ، قال ابن عباس : أبنية. وقال مجاهد : قصورا مشيدة. وعن الكلبي : أنها الحصون. وقال قتادة : مآخذ الماء يعني الحياض، واحدتها مصنعة، { لعلكم تخلدون } ، أي كأنكم تبقون فيها خالدين. والمعنى: أنهم كانوا يستوثقون المصانع كأنهم لا يموتون.
[130] { وإذا بطشتم } ، أخذتم وسطوتم، { بطشتم جبارين } قتلا بالسيف وضربا بالسوط، والجبار الذي يقتل ويضرب على الغضب.
[131] { فاتقوا الله وأطيعون } .
[132] { واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون } ، أي أعطاكم من الخير ما تعلمون ثم ذكر ما أعطاهم فقال:
[133, 134] { أمدكم بأنعام وبنين }{ وجنات وعيون } ، يعني بساتين وأنهار.
[135] { إني أخاف عليكم } ، قال ابن عباس : إن عصيتموني، { عذاب يوم عظيم } .
[136] { قالوا سواء علينا } يعني مستو عندنا، { أوعظت أم لم تكن من الواعظين } ، الوعظ كلام يلين القلب بذكر الوعد والوعيد. قال الكلبي : نهيتنا أم لم تكن من الناهين لنا.

(5/484)


[137] { إن هذا } ، ما هذا، { إلا خلق الأولين } ، قرأ ابن كثير وأبو جعفر وأبو عمرو والكسائي ويعقوب ( خلق ) بفتح الخاء وسكون اللام أي اختلاق الأولين وكذبهم، دليل هذه القراءة قوله تعالى: ( وتخلقون إفكا ) ، وقرأ الآخرون ( خلق ) بضم الخاء واللام، أي عادة الأولين من قبلنا، وأمرهم أنهم يعيشون ما عاشوا ثم يموتون ولا بعث ولا حساب.
[138] { وما نحن بمعذبين } .
[139] { فكذبوه فأهلكناهم إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين } .
[140] { وإن ربك لهو العزيز الرحيم } .
[141- 146] قوله عز وجل: { كذبت ثمود المرسلين }{ إذ قال لهم أخوهم صالح ألا تتقون }{ إني لكم رسول أمين }{ فاتقوا الله وأطيعون }{ وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين }{ أتتركون في ما هاهنا } ، يعني في الدنيا { آمنين } ، من العذاب.

(5/485)


[147, 148] { في جنات وعيون }{ وزروع ونخل طلعها } ثمرها يريد ما يطلع منها من الثمر، { هضيم } قال ابن عباس : لطيف، ومنه هضيم الكشح إذا كان لطيفا. وروى عطية عنه: يا نع نضيج. وقال عكرمة : هو اللين. وقال الحسن : هو الرخو. وقال مجاهد : متهشم متفتت إذا مس، وذلك أنه ما دام رطبا فهو هضيم، فإذا يبس فهو هشيم. وقال الضحاك ومقاتل : قد ركب بعضه بعضا حتى هضم بعضه بعضا، أي كسره. وقال أهل اللغة: هو المنضم بعضه إلى بعض في وعائه قبل أن يظهر. وقال الأزهري : الهضيم هو الداخل بعضه في بعض من النضج والنعومة. وقيل. هضيم أي هاضم يهضم الطعام. وكل هذا للطافته.
[149] { وتنحتون من الجبال بيوتا فارهين } ، وقرئ: ( فرهين ) ، قيل: معناهما واحد. وقيل: فارهين أي حاذقين بنحتها، من قولهم: فره الرجل فراهة فهو فاره، ومن قرأ ( فرهين ) قال ابن عباس : أشرين بطرين. وقال عكرمة : ناعمين. وقال مجاهد : شرهين. قال قتادة : معجبين بصنيعكم. قال السدي : متجبرين. وقال أبو عبيدة : مرحين. وقال الأخفش : فرحين. والعرب تعاقب بين الهاء والحاء مثل مدحته ومدهته. قال الضحاك : كيسين.

(5/486)


[150،151] { فاتقوا الله وأطيعون }{ ولا تطيعوا أمر المسرفين } ، قال ابن عباس : المشركين. وقال مقاتل : هم التسعة الذين عقروا الناقة وهم.
[152] { الذين يفسدون في الأرض } بالمعاصي، { ولا يصلحون } ، لا يطيعون الله فيما أمرهم به.
[153] { قالوا إنما أنت من المسحرين } ، قال مجاهد وقتادة : من المسحورين المخدوعين، أي ممن يسحر مرة بعد مرة. وقال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أي من المخلوقين المعللين بالطعام والشراب، يقال: سحره أي علله بالطعام والشراب، يريد إنك تأكل الطعام والشراب ولست بملك، بل:
[154] { ما أنت إلا بشر مثلنا فأت بآية } ، على صحة ما تقول. { إن كنت من الصادقين } ، أنك رسول الله إلينا.
[155] { قال هذه ناقة لها شرب } ، حظ ونصيب من الماء، { ولكم شرب يوم معلوم } .
[156] { ولا تمسوها بسوء } ، بعقر، { فيأخذكم عذاب يوم عظيم } .
[157] { فعقروها فأصبحوا نادمين } ، على عقرها حين رأوا العذاب.

(5/487)


[158] { فأخذهم العذاب إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين } .
[159] { وإن ربك لهو العزيز الرحيم } .

(5/488)


[160- 165] قوله تعالى: { كذبت قوم لوط المرسلين }{ إذ قال لهم أخوهم لوط ألا تتقون }{ إني لكم رسول أمين }{ فاتقوا الله وأطيعون }{ وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين }{ أتأتون الذكران } ، قال مقاتل : يعني جماع الرجال. { من العالمين } ، يعني من بني آدم.
[166] { وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم } ، قال مجاهد : تركتم أقبال النساء إلى أدبار الرجال، { بل أنتم قوم عادون } ، معتدون مجاوزون الحلال إلى الحرام.
[167] { قالوا لئن لم تنته يا لوط لتكونن من المخرجين } من قريتنا.
[168] { قال إني لعملكم من القالين } ، المبغضين، ثم دعا فقال:
[169] { رب نجني وأهلي مما يعملون } ، من العمل الخبيث.
[170, 171] قال الله تعالى: { فنجيناه وأهله أجمعين }{ إلا عجوزا في الغابرين } ، وهي امرأة لوط بقيت في العذاب والهلاك.

(5/489)


[172] { ثم دمرنا الآخرين } أي: أهلكناهم.
[173] { وأمطرنا عليهم مطرا فساء مطر المنذرين } ، قال وهب بن منبه : الكبريت والنار.
[174] { إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين } .
[175] { وإن ربك لهو العزيز الرحيم } .
[176] قوله عز وجل: { كذب أصحاب الأيكة المرسلين } ، وهم قوم شعيب عليه السلام، قرأ العراقيون: ( الآيكة ) هاهنا وفي ص بالهمزة وسكون اللام وكسر التاء، وقرأ الآخرون: ( ليكة ) بفتح اللام والتاء غير مهموز، جعلوها اسم البلدة، وهو لا ينصرف، ولم يختلفوا في سورة الحجر وق أنهما مهموزان مكسوران، والأيكة: الغيضة من الشجر الملتف.
[177] { إذ قال لهم شعيب } ولم يقل أخوهم لأنه لم يكن من أصحاب الأيكة في النسب، فلما ذكر مدين قال أخاهم شعيبا لأنه كان منهم، وكان الله تعالى بعثه إلى قومه أهل مدين وإلى أصحاب الأيكة. { ألا تتقون } .

(5/490)


[178- 180] { إني لكم رسول أمين }{ فاتقوا الله وأطيعون }{ وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين } ، وإنما كانت دعوة هؤلاء الأنبياء كلهم فيما حكى الله عنهم على صيغة واحدة لاتفاقهم على الأمر بالتقوى والطاعة والإخلاص في العبادة والامتناع من أخذ الأجر على الدعوة وتبليغ الرسالة.
[181] { أوفوا الكيل ولا تكونوا من المخسرين } ، الناقصين لحقوق الناس بالكيل والوزن.

(5/491)


[182- 184] { وزنوا بالقسطاس المستقيم }{ ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين }{ واتقوا الذي خلقكم والجبلة } الخليقة , { الأولين } يعني الأمم المتقدمين، والجبلة: الخلق، يقال: جبل أي خلق.
[185- 188] { قالوا إنما أنت من المسحرين }{ وما أنت إلا بشر مثلنا وإن نظنك لمن الكاذبين }{ فأسقط علينا كسفا من السماء إن كنت من الصادقين }{ قال ربي أعلم بما تعملون } . أي من نقصان الكيل والوزن، وهو مجازيكم بأعمالكم، وليس العذاب إلي وما علي إلا الدعوة.
[189] { فكذبوه فأخذهم عذاب يوم الظلة } ، وذلك أنه أخذهم حر شديد، فكانوا يدخلون الأسراب فإذا دخلوها وجدوها أشد حرا فخرجوا فأظلتهم سحابة وهي الظلة فاجتمعوا تحتها فأمطرت عليهم نارا فاحترقوا، ذكرناه في سورة هود (1) . { إنه كان عذاب يوم عظيم } .
[190] { إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين } .
_________
(1) من آية 84 إلى 95 .

(5/492)


[191] { وإن ربك لهو العزيز الرحيم } .
[192-193] قوله عز وجل: { وإنه } ، يعني القرآن، { لتنزيل رب العالمين }{ نزل به الروح الأمين } ، قرأ أهل الحجاز وأبو عمرو وحفص : ( نزل ) خفيف ( الروح الأمين ) برفع الحاء والنون، أي نزل جبريل بالقرآن. وقرأ الآخرون بتشديد الزاي وفتح الحاء والنون أي: نزل الله به جبريل لقوله عز وجل: { وإنه لتنزيل رب العالمين } .
[194] { على قلبك } ، يا محمد حتى وعيته، { لتكون من المنذرين } ، المخوفين.
[195] { بلسان عربي مبين } ، قال ابن عباس : بلسان قريش ليفهموا ما فيه.
[196] { وإنه } ، أي ذكر إنزال القرآن، قاله أكثر المفسرين، وقال مقاتل : ذكر محمد صلى الله عليه وسلم ونعته، { لفي زبر } ، كتب { الأولين } .

(5/493)


[197] { أولم يكن لهم آية } ، قرأ ابن عامر : ( تكن ) بالتاء آية بالرفع، جعل الآية اسما وخبره: { أن يعلمه } ، وقرأ الآخرون بالياء، ( آية ) نصب، جعلوا الآية خبر يكن، معناه: أولم يكن لهؤلاء المتكبرين علم بني إسرائيل آية، أي علامة ودلالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، لأن العلماء الذين كانوا من بني إسرائيل كانوا يخبرون بوجود ذكره في كتبهم، وهم عبد الله بن سلام وأصحابه. قال ابن عباس : بعث أهل مكة إلى اليهود وهم بالمدينة فسألوهم عن محمد صلى الله عليه وسلم، فقالوا: إن هذا لزمانه وإنا نجد في التوراة نعته وصفته، فكان ذلك آية على صدقه. قوله تعالى: { أن يعلمه } ، يعني يعلم محمد صلى الله عليه وسلم، { علماء بني إسرائيل } ، قال عطية : كانوا خمسة: عبد الله بن سلام وابن يا مين وثعلبة وأسد وأسيد .
[198] { ولو نزلناه } ، يعني القرآن، { على بعض الأعجمين } جمع الأعجمي، وهو الذي لا يفصح ولا يحسن العربية وإن كان عربيا في النسب، والعجمي: منسوب إلى العجم, وإن كان فصيحا. ومعنى الآية: ولو نزلناه على رجل ليس بعربي اللسان.

(5/494)


[199] { فقرأه عليهم } بغير لغة العرب، { ما كانوا به مؤمنين } وقالوا: ما نفقه قولك، نظيره قوله عز وجل: { ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت آياته } ، وقيل: معناه ولو نزلناه على رجل ليس من العرب لما آمنوا به أنفة من اتباعه.
[200] { كذلك سلكناه } ، قال ابن عباس والحسن ومجاهد أدخلنا الشرك والتكذيب { في قلوب المجرمين } .
[201] { لا يؤمنون به } ، أي بالقرآن، { حتى يروا العذاب الأليم } ، يعني عند الموت.
[202] { فيأتيهم } ، يعني العذاب، { بغتة } ، فجأة, { وهم لا يشعرون } به في الدنيا.
[203] { فيقولوا هل نحن منظرون } ، أي لنؤمن ونصدق ، يتمنون الرجعة والنظرة. قال مقاتل : لما أوعد النبي صلى الله عليه وسلم بالعذاب، قالوا: إلى متى توعدنا بالعذاب متى هذا العذاب؟ قال الله تعالى:
[204, 205] { أفبعذابنا يستعجلون }{ أفرأيت إن متعناهم سنين } ، كثيرة في الدنيا يعني كفار مكة ولم نهلكهم.

(5/495)


[206] { ثم جاءهم ما كانوا يوعدون } يعني بالعذاب.

(5/496)


[207] { ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون } ، به في تلك السنين. والمعنى أنهم وإن طال تمتعهم بنعيم الدنيا فإذا أتاهم العذاب لم يغن عنهم طول التمتع شيئا، ويكون كأنهم لم يكونوا في نعيم قط.
[208] { وما أهلكنا من قرية إلا لها منذرون } رسل ينذرونهم.
[209] { ذكرى } محلها نصب أي ينذرونهم، تذكرة، وقيل: رفع أي تلك ذكرى، { وما كنا ظالمين } في تعذيبهم حيث قدمنا الحجة عليهم وأعذرنا إليهم.
[210] { وما تنزلت به الشياطين } ، وذلك أن المشركين كانوا يقولون: إن الشياطين يلقون القرآن على لسان محمد صلى الله عليه وسلم ، فقال جل ذكره: { وما تنزلت به } أي بالقرآن، الشياطين.
[211] { وما ينبغي لهم } ، أن ينزلوا بالقرآن, { وما يستطيعون } ذلك.
[212] { إنهم عن السمع } أي عن استراق السمع من السماء، { لمعزولون } ، أي محجوبون بالشهب مرجومون.

(5/497)


[213] { فلا تدع مع الله إلها آخر فتكون من المعذبين } ، قال ابن عباس رضي الله عنهما يحذر به غيره، يقول: أنت أكرم الخلق علي ولو اتخذت إلها غيري لعذبتك.
[214] { وأنذر عشيرتك الأقربين } عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: « لما نزلت { وأنذر عشيرتك الأقربين } خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى صعد الصفا، فهتف يا صباحاه، فقالوا: من هذا؟ فاجتمعوا إليه فقال: "أرأيتكم إن أخبرتكم أن خيلا تخرج من سفح هذا الجبل أكنتم مصدقي "؟ قالوا: ما جربنا عليك كذبا قال: "فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد" فقال أبو لهب: تبا لك ما جمعتنا إلا لهذا ؟! ثم قال: فنزلت ( تبت يدا أبي لهب وتب ) » (1) .
[215] قوله عز وجل: { واخفض جناحك } يعني ألن جانبك { لمن اتبعك من المؤمنين } .
[216] { فإن عصوك فقل إني بريء مما تعملون } من الكفر وعبادة غير الله.
[217] { وتوكل } ، قرأ أهل المدينة والشام فتوكل بالفاء، وكذلك هو في مصاحفهم، وقرأ الباقون بالواو ( وتوكل ) ، { على العزيز الرحيم } ليكفيك كيد الأعداء.
_________
(1) أخرجه البخاري في التفسير 8 / 737 ومسلم في الإيمان رقم ( 208 ) 1 / 193 والمصنف في شرح السنة 13 / 327 .

(5/498)


[218] { الذي يراك حين تقوم } إلى صلاتك، عن أكثر المفسرين. وقال مجاهد : الذي يراك أينما كنت وقيل : حين تقوم لدعائهم.
[219] { وتقلبك في الساجدين } ، يعني يرى تقلبك في صلاتك في حال قيامك وركوعك وسجودك وقعودك. قال عكرمة وعطية عن ابن عباس : في الساجدين أي في المصلين. وقال مقاتل والكلبي : أي مع المصلين في الجماعة، يقول: يراك حين تقوم وحدك للصلاة ويراك إذا صليت مع المصلين في الجماعة. وقال الحسن : وتقلبك في الساجدين أي تصرفك وذهابك ومجيئك في أصحابك المؤمنين . وقال سعيد بن جبير : يعني وتصرفك في أحوالك كما كانت الأنبياء من قبلك والساجدون. هم الأنبياء. وقال عطاء عن ابن عباس . أراد تقلبك في أصلاب الأنبياء من نبي إلى نبي حتى أخرجك في هذه الأمة.
[220] { إنه هو السميع العليم } .
[221] { هل أنبئكم } ، أخبركم، { على من تنزل الشياطين } ، هذا جواب قولهم: ( تتنزل عليه الشياطين ) . ثم بين فقال:

(5/499)


[222] { تنزل } أي تتنزل، { على كل أفاك } ، كذاب { أثيم } فاجر، قال قتادة : هم الكهنة يسترق الجن السمع ثم يلقون إلى أوليائهم من الإنس. وهو قوله عز وجل.
[223] { يلقون السمع } ، أي يستمعون من الملائكة مستقرين فيلقون إلى الكهنة، { وأكثرهم كاذبون } لأنهم يخلطون به كذبا كثيرا.
[224] قوله عز وجل: { والشعراء يتبعهم الغاوون } ، قال أهل التفسير: أراد شعراء الكفار الذين كانوا يهجون رسول الله صلى الله عليه وسلم و ( الغاوون ) ، هم الرواه الذين يروون هجاء النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين. وقال قتادة ومجاهد : الغاوون هم الشياطين.
[225] { ألم تر أنهم في كل واد } ، من أودية الكلام، { يهيمون } ، حائرون وعن طريق الحق جائرون، والهائم: الذاهب على وجهه لا مقصد له. قال ابن عباس رضي الله عنهما في هذه الآية: في كل لغو يخوضون. وقال مجاهد : في كل فن يفتنون. وقال قتادة : يمدحون بالباطل ويستمعون ويهجون بالباطل، فالوادي مثل لفنون الكلام، كما يقال: أنا في واد وأنت في واد. وقيل: في كل واد يهيمون أي على كل حرف من حروف الهجاء يصوغون القوافي.

(5/500)


[226] { وأنهم يقولون ما لا يفعلون } ، أي: يكذبون في شعرهم يقولون فعلنا وفعلنا وهم كذبة، ثم استثنى شعراء المسلمين الذين كانوا يجيبون شعراء الجاهلية، ويهجون شعراء الكفار، وينافحون عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، منهم حسان بن ثابت وعبد الله بن رواحة وكعب بن مالك ، فقال:

(6/1)


[227] { إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات } عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: « إن الله قد أنزل في الشعر ما أنزل فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه، والذي نفسي بيده لكأنما ترمونهم به نضح النبل » (1) . وعن عائشة قالت: « كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يضع لحسان بن ثابت منبرا في المسجد يقوم عليه قائما يفاخر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو ينافح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم » ، ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إن الله يؤيد حسان بروح القدس، ما ينافح أو يفاخر عن رسول الله » (2) . { وذكروا الله كثيرا } أي لم يشغلهم الشعر عن ذكر الله، { وانتصروا من بعد ما ظلموا } ، قال مقاتل : انتصروا في المشركين لأنهم بدأوا بالهجاء، ثم أوعد شعراء المشركين فقال: { وسيعلم الذين ظلموا } ، أشركوا وهجوا رسول الله صلى الله عليه وسلم { أي منقلب ينقلبون } ، أي مرجع يرجعون بعد الموت. قال ابن عباس رضي الله عنهما: إلى جهنم والسعير. والله أعلم.
_________
(1) أخرجه عبد الرزاق في كتاب الجامع 11 / 263 وصححه ابن حبان ص 494 من موارد الظمآن والبيهقي في السنن 10 / 239 والإمام أحمد في المسند 3 / 456 والمصنف في شرح السنة 12 / 378 .
(2) أخرجه الترمذي في الأدب 8 / 137 وقال: هذا حديث حسن غريب صحيح، وصححه الحاكم 3 / 487 والمصنف في شرح السنة 12 / 377 .

(6/2)


( 27 ) سورة النمل
[1] { طس } قال ابن عباس : هو اسم من أسماء الله تعالى، وقد سبق الكلام في حروف الهجاء. { تلك آيات القرآن } ، أي هذه آيات القرآن، { وكتاب مبين } ، يعني وآيات كتاب مبين.
[2] { هدى وبشرى للمؤمنين } ، يعني هو هدى من الضلالة وبشرى للمؤمنين المصدقين به بالجنة.
[3] { الذين يقيمون الصلاة } ، أي يؤدون الصلاة بأركانها وشروطها، { ويؤتون الزكاة } ، يعطون ما وجب عليهم من زكاة أموالهم لأربابها، { وهم بالآخرة هم يوقنون } .
[4] { إن الذين لا يؤمنون بالآخرة زينا لهم أعمالهم } ، القبيحة حتى رأوها حسنة، { فهم يعمهون } ، أي يترددون فيها متحيرين.
[5] { أولئك الذين لهم سوء العذاب } ، شدة العذاب في الدنيا بالقتل والأسر ببدر، { وهم في الآخرة هم الأخسرون } لأنهم خسروا أنفسهم وأهليهم وصاروا إلى النار.
[6] { وإنك لتلقى القرآن } ، أي تؤتى القرآن، { من لدن حكيم عليم } ، أي وحيا من عند الله الحكيم العليم.

(6/3)


[7] قوله عز وجل: { إذ قال موسى لأهله } ، أي واذكر يا محمد إذا قال موسى لأهله في مسيره من مدين إلى مصر، { إني آنست نارا } ، أي أبصرت نارا، { سآتيكم منها بخبر } ، أي امكثوا مكانكم سآتيكم بخبر عن الطريق أو النار، وكان قد ترك الطريق، { أو آتيكم بشهاب قبس } ، قرأ أهل الكوفة بشهاب بالتنوين جعلوا القبس نعتا للشهاب، وقرأ الآخرون بلا تنوين على الإضافة، وهو إضافة الشيء إلى نفسه، لأن الشهاب والقبس متقاربان في المعنى، وهو العود الذي في أحد طرفيه فيه نار، وليس في الطرف الآخر نار. وقال بعضهم: الشهاب هو شيء ذو نور، مثل العمود، والعرب تسمي كل أبيض ذي نور شهابا، والقبس: القطعة من النار، { لعلكم تصطلون } ، تستدفئون من البرد وكان ذلك في شدة الشتاء.

(6/4)


[8] { فلما جاءها نودي أن بورك من في النار ومن حولها } أي بورك على من في النار أو من في النار، والعرب تقول: باركه الله وبارك فيه وبارك عليه، بمعنى واحد. وقال قوم: البركة راجعة إلى موسى والملائكة، معناه: بورك في من طلب النار، وهو موسى عليه السلام، ومن حولها وهم الملائكة الذين حول النار، ومعناه: بورك فيك يا موسى وفي الملائكة الذين حول النار، وهذا تحية من عند الله عز وجل لموسى بالبركة، كما حيا إبراهيم على ألسنة الملائكة حين دخلوا عليه فقالوا رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت. ومذهب أكثر المفسرين أن المراد بالنار النور، وذكر بلفظ النار لأن موسى حسبه نارا، ومن في النار هم الملائكة، وذلك أن النور الذي رآه موسى كان فيه ملائكة لهم زجل بالتقديس والتسبيح، ومن حولها موسى لأنه كان بالقرب منها، ولم يكن فيها. وقيل: من في النار ومن حولها جميعا الملائكة وقيل: من في النار موسى ومن حولها الملائكة، وموسى وإن لم يكن في النار كان قريبا منها كما يقال: بلغ فلان المنزل إذا قرب منه، وإن لم يبلغه بعد، وذهب بعضهم إلى أن البركة راجعة إلى النار. وروى مجاهد عن ابن عباس أنه قال: معناه

(6/5)


بوركت النار. وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: سمعت أبيا يقرأ: أن بوركت النار ومن حولها، و ( من ) قد يأتي بمعنى ما و ( ما ) قد يكون صلة في الكلام، كقوله: { جند ما هنالك } ، ومعناه: بورك في النار وفيمن حولها وهم الملائكة وموسى عليه السلام، وسمى النار مباركة كما سمى البقعة مباركة فقال: { في البقعة المباركة } ، وروي عن ابن عباس وسعيد بن جبير والحسن في قوله: { بورك من في النار } ، يعني قدس من في النار، وهو الله عنى به نفسه، على معنى أنه نادى موسى منها وأسمعه كلامه من جهتها، ثم نزه الله نفسه وهو المنزه من كل سوء وعيب، فقال جل ذكره. { وسبحان الله رب العالمين } ، ثم تعرف إلى موسى بصفاته، فقال:
[9] { يا موسى إنه أنا الله العزيز الحكيم } ، والهاء في قوله: ( إنه ) عماد وليس بكناية، وقيل: هي كناية عن الأمر والشأن، أي الأمر والشأن أي المعبود أنا، ثم أرى موسى آية على قدرته، فقال:

(6/6)


[10] { وألق عصاك فلما رآها تهتز } ، تتحرك , { كأنها جان } وهي الحية الصغيرة التي يكثر اضطرابها، { ولى مدبرا } ، وهرب من الخوف، { ولم يعقب } ، ولم يرجع، يقال: عقب فلان إذا رجع، وكل راجع معقب. وقال قتادة : ولم يلتفت، فقال الله عز وجل: { يا موسى لا تخف إني لا يخاف لدي المرسلون } ، يريد إذا آمنهم لا يخافون أما الخوف الذي هو شرط الإيمان فلا يفارقهم، قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : « أنا أخشاكم لله » (1) .
_________
(1) قطعة من حديث رواه البخاري في النكاح 9 / 104 ومسلم في الصيام رقم ( 1108 ) 2 / 779.

(6/7)


[11] وقوله: { إلا من ظلم ثم بدل حسنا بعد سوء فإني غفور رحيم } ، واختلف في هذا الاستثناء، قيل: هذا إشارة إلى أن موسى حين قتل القبطي خاف من ذلك، ثم تاب فقال: رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي، فغفر له، قال ابن جريج : قال الله تعالى لموسى : إنما أخفتك لقتلك النفس. وقال: معنى الآية لا يخيف الله الأنبياء إلا بذنب يصيبه أحدهم، فإن أصابه أخافه حتى يتوب، فعلى هذا التأويل يكون الاستثناء صحيحا وتناهى الخبر عن الرسل عند قوله: { إلا من ظلم } ثم ابتدأ الخبر عن حال من ظلم من الناس كافة، وفي الآية متروك استغنى عن ذكره بدلالة الكلام عليه، تقديره: فمن ظلم ثم بدل حسنا بعد سوء فإني غفور رحيم. قال بعض العلماء: ليس هذا باستثناء من المرسلين لأنه لا يجوز عليهم الظلم، بل هو استثناء من المتروك في الكلام، معناه لا يخاف لدي المرسلون، إنما الخوف على غيرهم من الظالمين، إلا من ظلم ثم تاب، وهذا من الاستثناء المنقطع، معناه: لكن من ظلم من سائر الناس فإنه يخاف، فإن تاب وبدل حسنا بعد سوء فإن الله غفور رحيم، يعني يغفر الله له ويزيل الخوف عنه. وقال بعض النحويين: ( إلا هاهنا بمعنى ولا،

(6/8)


يعني: لا يخاف لدي المرسلون ولا من ظلم ثم بدل حسنا بعد سوء يقول: لا يخاف لدي المرسلون ولا المذنبون التائبون كقوله تعالى. { لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم } يعني ولا الذين ظلموا، ثم أراه الله آية أخرى فقال:
[12] { وأدخل يدك في جيبك } ، والجيب حيث جبب من القميص، أي قطع، قال أهل التفسير: كانت عليه مدرعة من صوف لا كم لها ولا أزرار فأدخل يد، في جيبه وأخرجها، فإذا هي تبرق مثل البرق، فذلك قوله: { تخرج بيضاء من غير سوء } ، من غير برص، { في تسع آيات } ، يقول هذه آية مع تسع آيات أنت مرسل بهن، { إلى فرعون وقومه إنهم كانوا قوما فاسقين } .
[13] { فلما جاءتهم آياتنا مبصرة } ، بينة واضحة يبصر بها، { قالوا هذا سحر مبين } ، ظاهر.

(6/9)


[14] { وجحدوا بها } ، أي أنكروا الآيات ولم يقروا أنها من عند الله، { واستيقنتها أنفسهم } ، يعني علموا أنها من عند الله، قوله: { ظلما وعلوا } ، يعني شركا وتكبرا عن أن يؤمنوا بما جاء به موسى ، { فانظر كيف كان عاقبة المفسدين } .
[15] قوله عز وجل: { ولقد آتينا داود وسليمان علما } ، يعني علم القضاء ومنطق الطير والدواب وتسخير الشياطين وتسبيح الجبال، { وقالا الحمد لله الذي فضلنا } ، بالنبوة والكتاب وتسخير الشياطين والجن والإنس { على كثير من عباده المؤمنين } .

(6/10)


[16] { وورث سليمان داود } ، نبوته وعلمه وملكه دون سائر أولاده، وكان لداود تسعة عشر ابنا، وأعطي سليمان ما أعطي داود من الملك، وزيد له تسخير الريح وتسخير الشياطين. وقال مقاتل : كان سليمان أعظم ملكا من داود وأقضى منه، وكان داود أشد تعبدا من سليمان ، وكان سليمان شاكرا لنعم الله تعالى، { وقال يا أيها الناس علمنا منطق الطير } سمى صوت الطير منطقا لحصول الفهم منه، كما يفهم من كلام الناس { وأوتينا من كل شيء } ، يؤتى الأنبياء والملوك، قال ابن عباس : من أمر الدنيا والآخرة. وقال مقاتل : يعني النبوة والملك وتسخير الجن والشياطين والرياح ، { إن هذا لهو الفضل المبين } ، الزيادة الظاهرة على ما أعطي غيرنا.
[17] قوله عز وجل: { وحشر لسليمان } ، وجمع لسليمان ، { جنوده من الجن والإنس والطير } في مسيره، { فهم يوزعون } ، فهم يكفون. وقال مقاتل : يوزعون يساقون، وقال السدي : يوقفون. وقيل: يجمعون. وأصل الوزع الكف والمنع.

(6/11)


[18] قوله عز وجل: { حتى إذا أتوا على وادي النمل } قال كعب : إنه واد بالطائف، وقال قتادة ومقاتل . هو أرض بالشام. { قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم } ولم تقل: ادخلن لأنه لما جعل لهم قولا كالآدميين خوطبوا بخطاب الآدميين، { لا يحطمنكم } ، لا يكسرنكم، { سليمان وجنوده } ، والحطم الكسر، { وهم لا يشعرون } ، فسمع سليمان قولها. ومعنى الآية: إنكم لو لم تدخلوا مساكنكم وطؤوكم ولم يشعروا بكم.

(6/12)


[19] قوله عز وجل: { فتبسم ضاحكا من قولها } قال الزجاج : أكثر ضحك الأنبياء التبسم. وقوله: { ضاحكا } أي متبسما. قيل: كان أوله التبسم وآخره الضحك ثم حمد سليمان ربه على ما أنعم عليه، { وقال رب أوزعني } ، ألهمني ، { أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين } ، أي أدخلني في جملتهم ، وأثبت اسمي مع أسمائهم واحشرني في زمرتهم، قال ابن عباس : يريد مع إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ، ومن بعدهم، من النبيين. وقيل: أدخلني الجنة برحمتك من عبادك الصالحين.
[20] قوله عز وجل: { وتفقد الطير } أي: طلبها وبحث عنها، والتفقد طلب ما فقد، ومعنى الآية. طلب ما فقد من الطير، { فقال ما لي لا أرى الهدهد } ، أي ما للهدهد لا أراه، ثم أدركه الشك في غيبته، فقال: { أم كان من الغائبين } ، يعني أكان من الغائبين، والميم صلة، وقيل: أم بمعنى بل، ثم أوعده على غيبته، فقال:

(6/13)


[21] { لأعذبنه عذابا شديدا أو لأذبحنه } ، لأقطعن حلقه، { أو ليأتيني بسلطان مبين } ، بحجة بينة في غيبته، وعذر ظاهر.
[22] { فمكث غير بعيد } ، أي غير طويل، { فقال أحطت بما لم تحط به } ، والإحاطة العلم بالشيء من جميع جهاته، يقول: علمت ما لم تعلم وبلغت ما لم تبلغه أنت ولا جنودك، { وجئتك من سبإ } اسم البلد أو اسم رجل، { بنبإ } ، بخبر { يقين } ، فقال سليمان : وما ذاك؟ قال:

(6/14)


[23] { إني وجدت امرأة تملكهم } ، وكان اسمها بلقيس بنت شراحيل من نسل يعرب بن قحطان ، وكان أبوها ملكا عظيم الشأن، { وأوتيت من كل شيء } يحتاج إليه الملوك من الآلة والعدة، { ولها عرش عظيم } سرير ضخم كان مضروبا من الذهب مكللا بالدر والياقوت الأحمر والزبرجد الأخضر، وقوله من الياقوت والزمرد عليه سبعة أبيات على كل بيت باب مغلق.
[24] { وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون } .

(6/15)


[25] { ألا يسجدوا } ، قرأ أبو جعفر والكسائي ( ألا يسجدوا ) بالتخفيف وإذا وقفوا يقولون: ألا يأثم يبتدئون. اسجدوا، على معنى: ألا يا هؤلاء اسجدوا، وجعلوه أمرا من عند الله مستأنفا، وحذفوا هؤلاء اكتفاء بدلالة يا عليها، وذكر بعضهم سماعا من العرب ألا يا ارحمونا، يريدون ألا يا قوم وعلى هذا يكون قوله ألا كلاما معترضا من غير القصة إما من الهدهد وإما من سليمان . قال أبو عبيدة : هذا أمر من الله مستأنف يعني يا أيها الناس اسجدوا. وقرأ الآخرون ألا يسجدوا بالتشديد بمعنى: وزين لهم الشيطان أعمالهم لئلا يسجدوا، { لله الذي يخرج الخبء } ، أي الخفي المخبأ، { في السماوات والأرض } ، أي ما خبأت. قال أكثر المفسرين. خبء السماء: المطر، وخبء الأرض: النبات. وفي قراءة عبد الله : ( يخرج الخبء من السماوات والأرض ) ، ومن وفي يتعاقبان تقول العرب: لأستخرجن العلم فيكم يريد منكم. وقيل: معنى الخبء الغيب، يريد يعلم غيب السماوات والأرض، { ويعلم ما تخفون وما تعلنون } ، قرأ الكسائي وحفص عن عاصم بالتاء فيهما لأن أول الآية خطاب على قراءة الكسائي بتخفيف ألا وقرأ الآخرون بالياء.

(6/16)


[26] { الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم } ، أي هو المستحق للعبادة والسجود لا غيره. وعرش ملكة سبأ وإن كان عظيما فهو صغير وحقير في جنب عرشه عز وجل، تم هاهنا كلام الهدهد، فلما فرغ الهدهد من كلامه.
[27] ( قال ) ، سليمان للهدهد { سننظر أصدقت } , فيما أخبرت { أم كنت من الكاذبين } ثم كتب سليمان كتابا من عبد الله سليمان بن داود إلى بلقيس ملكة سبأ: بسم الله الرحمن الرحيم السلام على من اتبع الهدى أما بعد فلا تعلوا علي وأتوني مسلمين، قال ابن جريج : لم يزد سليمان على ما قص الله في كتابه. وقال قتادة : وكذلك كل الأنبياء كانت تكتب جملا لا يطيلون ولا يكثرون، فلما كتب الكتاب طبعه بالمسك وختمه بخاتمه. فقال للهدهد:

(6/17)


[28] { اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم ثم تول عنهم } ، تنح عنهم فكن قريبا منهم، { فانظر ماذا يرجعون } ، يردون من الجواب. وقال ابن زيد : في الآية تقديم وتأخير مجازها: اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم فانظر ماذا يرجعون، ثم تول عنهم، أي انصرف إلي فأخذ الهدهد الكتاب فأتى به إلى بلقيس ، فقرأت الكتاب وتأخر الهدهد غير بعيد فجاءت حتى قعدت على سرير ملكها وجمعت الملأ من قومها.
[29] { قالت } ، لهم بلقيس ، { يا أيها الملأ } ، وهم أشراف الناس وكبراؤهم { إني ألقي إلي كتاب كريم } ، قال عطاء والضحاك : سمته كريما لأنه كان مختوما، وقال قتادة ومقاتل : كتاب كريم أي حسن، وروي عن ابن عباس : كريم أي شريف لشرف صاحبه، وقيل: سمته كريما لأنه كان مصدرا ببسم الله الرحمن الرحيم، ثم بينت الكتاب.
[30] فقالت : { إنه من سليمان } ، وبينت المكتوب فقالت { وإنه بسم الله الرحمن الرحيم } .

(6/18)


[31] { ألا تعلوا علي } ، قال ابن عباس : أي لا تتكبروا علي. وقيل: لا تتعظموا ولا تترفعوا علي. وقيل: معناه لا تمتنعوا علي من الإجابة، فإن ترك الإجابة من العلو والتكبر، { وأتوني مسلمين } ، مؤمنين طائعين. قيل: هو من الإسلام، وقيل: هو من الاستسلام.
[32] { قالت يا أيها الملأ أفتوني في أمري } ، أشيروا علي فيما عرض لي وأجيبوني فيما أشاوركم فيه، { ما كنت قاطعة } ، قاضية وفاصلة، { أمرا حتى تشهدون } أي تحضرون.
[33] { قالوا } ، مجيبين لها، { نحن أولو قوة } ، في القتال, { وأولو بأس شديد } عند الحرب، قال مقاتل : أرادوا بالقوة كثرة العدد وبالبأس الشديد الشجاعة، وهذا تعريض منهم بالقتال إن أمرتهم بذلك ثم قالوا، { والأمر إليك } ، أيتها الملكة في القتال وتركه، { فانظري } ، من الرأي، { ماذا تأمرين } ، تجدين لأمرك مطيعين.

(6/19)


[34] { قالت } ، بلقيس مجيبة لهم عن التعريض للقتال، { إن الملوك إذا دخلوا قرية } ، عنوة، { أفسدوها } خربوها، { وجعلوا أعزة أهلها أذلة } ، أي أهانوا أشرافها وكبراءها، كي يستقيم لهم الأمر تحذرهم مسير سليمان إليهم ودخوله بلادهم، وتناهى الخبر عنها هاهنا، فصدق الله قولها فقال: { وكذلك يفعلون } ، أي كما قالت هي يفعلون.
[35] ثم قالت: { وإني مرسلة إليهم بهدية } ، والهدية هي العطية على طريق الملاطفة، وذلك أن بلقيس كانت امرأة لبيبة قد سيست وساست، فقالت للملأ من قومها: إني مرسلة إليهم أي إلى سليمان وقومه بهدية أصانعه بها عن ملكي وأختبره بها أملك هو أم نبي؟ فإن يكن ملكا قبل الهدية وانصرف، وإن كان نبيا لم يقبل الهدية ولم يرضه منا إلا أن نتبعه على دينه، فذلك قوله تعالى: { فناظرة بم يرجع المرسلون } ، فأهدت إليه، فانطلق الرسول بالهدايا، وأقبل الهدهد مسرعا إلى سليمان فأخبره الخبر كله، ثم رد سليمان الهدية.

(6/20)


[36] كما قال الله تعالى: { فلما جاء سليمان قال أتمدونني بمال فما آتاني الله } ، أعطاني الله من النبوة والدين والحكمة والملك، { خير } ، أفضل، { مما آتاكم بل أنتم بهديتكم تفرحون } ، لأنكم أهل مفاخرة في الدنيا ومكاثرة بها تفرحون بإهداء بعضكم إلى بعض، فأما أنا فلا أفرح بها وليست الدنيا من حاجتي لأن الله تعالى قد مكنني فيها وأعطاني منها ما لم يعط أحدا، ومع ذلك أكرمني بالدين والنبوة، ثم قال للمنذر بن عمرو وأمير الوفد.
[37] { ارجع إليهم } ، بالهدية { فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم } ، لا طاقة لهم، { بها ولنخرجنهم منها } ، أي من أرضهم وبلادهم وهي سبأ، { أذلة وهم صاغرون } ، ذليلون إن لم يأتوني مسلمين، قال وهب وغيره من أهل الكتب: فلما رجعت رسل بلقيس إليها من عند سليمان قالت: قد عرفت والله ما هذا بملك وما لنا به طاقة، فبعثت إلى سليمان : إني قادمة عليك بملوك قومي حتى أنظر ما أمرك وما تدعو إليه من دينك فأقبل سليمان حينئذ على جنوده.

(6/21)


[38] { قال يا أيها الملأ أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين } ، أي مؤمنين، وقال ابن عباس : طائعين، واختلفوا في السبب الذي لأجله أمر سليمان بإحضار عرشها، فقال أكثرهم: لأن سليمان علم أنها إن أسلمت يحرم عليه مالها فأراد يأخذ سريرها قبل أن يحرم عليه أخذه بإسلامها، وقيل: ليريها قدرة الله وعظم سلطانه في معجزة يأتي بها في عرشها، وقال قتادة : لأنه أعجبته صفته لما وصفه الهدهد فأحب أن يراه. قال ابن زيد : أراد أن يأمر بتنكره وتغييره ليختبر بذلك عقلها.
[39] { قال عفريت من الجن } ، وهو المارد القوي، قال ابن عباس : العفريت الداهية. وقال الضحاك - هو الخبيث. وقال الربيع : الغليظ، قال الفراء : القوي الشديد، وقيل. هو صخرة الجني وكان بمنزلة جبل يضع قدمه عند منتهى طرفه، { أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك } ، أي من مجلسك الذي تقضي فيه، قال ابن عباس : وكان له كل غداة مجلس يقضي فيه إلى متسع النهار، { وإني عليه } أي على حمله { لقوي أمين } على ما فيه من الجواهر، فقال سليمان : أريد أسرع من هذا.

(6/22)


[40] فـ { قال الذي عنده علم من الكتاب } ، واختلفوا فيه فقال بعضهم: هو جبريل. وقيل: هو ملك من الملائكة أيد الله به نبيه سليمان . وقال أكثر المفسرين : هو آصف بن برخيا ، وكان صديقا يعلم اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى، وقال محمد بن المنكدر : إنما هو سليمان ، قال له عالم من بني إسرائيل آتاه الله علما وفهما : { أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك } ، قال سليمان : هات، قال أنت النبي ابن النبي، وليس أحد أوجه عند الله منك فإن دعوت الله وطلبت إليه كان عندك، فقال: صدقت ففعل ذلك فجيء بالعرش في الوقت، وقوله تعالى: { قبل أن يرتد إليك طرفك } قال سعيد بن جبير . يعني من قبل أن يرجع إليك أقصى من ترى ، وهو أن يصل إليك من كان منك على مد بصرك. قال قتادة : قبل أن يأتيك الشخص من مد البصر. وقال مجاهد : يعني إدامة النظر حتى يرتد الطرف خاسئا. قال وهب : تمد عينيك فلا ينتهي طرفك إلى مداه، حتى أمثله بين يديك { فلما رآه } ، يعني رأى سليمان العرش، { مستقرا عنده } ، محمولا إليه من مأرب إلى الشام في قدر ارتداد الطرف، {

(6/23)


قال هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر } ، نعمه ، { أم أكفر } ، فلا أشكرها، { ومن شكر فإنما يشكر لنفسه } ، أي يعود نفع شكره إليه وهو أن يستوجب به تمام النعمة ودوامها، لأن الشكر قيد النعمة الموجودة وصيد النعمة المفقودة، { ومن كفر فإن ربي غني } ، عن شكره { كريم } ، بأفضال على من يكفر نعمه.

(6/24)


[41] قوله تعالى: { قال نكروا لها عرشها } ، يقول: غيروا سريرها إلى حال تنكره إذا رأته، قال قتادة ومقاتل : هو أن يزاد فيه وينقص منه، وروي أنه جعل أسفله أعلاه وأعلاه أسفله، وجعل مكان الجوهر الأحمر أخضر ومكان الأخضر أحمر، { ننظر أتهتدي } ، إلى عرشها فتعرفه، { أم تكون من } ، الجاهلين، { الذين لا يهتدون } ، إليه، إنما حمل سليمان على ذلك كما ذكره وهب ومحمد بن كعب وغيرهما: أن الشياطين خافت أن يتزوجها سليمان فتفشي إليه أسرار الجن وذلك أن أمها كانت جنية، وإذا ولدت له ولدا لا ينفكون من تسخير سليمان وذريته من بعده، فأساؤوا الثناء عليها ليزهدوه فيها وقالوا: إن في عقلها شيئا وإن رجلها كحافر الحمار وأنها شعراء الساقين فأراد سليمان أن يختبر عقلها بتنكير عرشها، وينظر إلى قدميها ببناء الصرح.

(6/25)


[42] { فلما جاءت قيل } , لها { أهكذا عرشك قالت كأنه هو } قال مقاتل : عرفته لكنها شبهت عليهم كما شبهوا عليها. وقال عكرمة : كانت حكيمة لم تقل نعم خوفا من أن تكذب، ولم تقل لا خوفا من التكذيب، قالت: كأنه هو فعرف سليمان كمال عقلها حيث لم تقر ولم تنكر وقيل: اشتبه عليها أمر العرش لأنها تركته في بيت خلف سبعة أبواب مغلقة والمفاتيح معها، قيل لها فإنه عرشك فما أغنى عنك إغلاق الأبواب، فقالت: { وأوتينا العلم } بصحة نبوة سليمان بالآيات المتقدمة من أمر الهدية والرسل، { من قبلها } ، من قبل الآية في العرش { وكنا مسلمين } ، منقادين طائعين لأمر سليمان ، وقيل: قوله: { وأوتينا العلم من قبلها } قاله سليمان ، يقول: وأوتينا العلم بالله وبقدرته على ما يشاء من قبل هذه المرأة، وكنا مسلمين، هذا قول مجاهد . وقيل: معناه وأوتينا العلم بإسلامها ومجيئها طائعة من قبل مجيئها وكنا مسلمين طائعين لله.

(6/26)


[43] قوله عز وجل: { وصدها ما كانت تعبد من دون الله } أي منعها ما كانت تعبد من دون الله وهو الشمس أن تعبد الله، أي صدها عبادة الشمس عن التوحيد وعبادة الله، فعلى هذا التأويل يكون ( ما ) في محل الرفع. وقيل: معناه ما صدها عن عبادة الله نقصان عقلها كما قالت الجن: إن في عقلها شيئا بل ما كانت تعبد من دون الله. وقيل: معناه وصدها سليمان ما كانت تعبد من دون الله أي منعها من ذلك وحال بينها وبينه فيكون محل ( ما ) نصبا، { إنها كانت من قوم كافرين } ، هذا استئناف أخبر الله تعالى أنها كانت من قوم يعبدون الشمس، فنشأت بينهم ولم تعرف إلا عبادة الشمس.

(6/27)


[44] قوله : { قيل لها ادخلي الصرح } الآية، وذلك أن سليمان أراد أن ينظر إلى قدميها وساقيها من غير أن يسألها كشفها لما قالت الشياطين: إن رجليها كحافر الحمار وهي شعراء الساقين، أمر الشياطين فبنوا له صرحا أي قصرا من زجاج، وقيل: بيتا من زجاج كأنه الماء بياضا وقيل: الصرح صحن الدار وأجرى تحته الماء فكان الواحد إذا رآه ظنه ماء. وقيل: إنما بنى الصرح ليختبر عقلها وفهمها، فلما جاءت قيل لها: ادخلي الصرح، { فلما رأته حسبته لجة } ، وهي معظم الماء, { وكشفت عن ساقيها } لتخوضه إلى سليمان فنظر سليمان فإذا هي أحسن الناس قدما وساقا إلا أنها كانت شعراء الساقين، فلما رأى سليمان ذلك { قال إنه صرح ممرد } ، مملس مستو, { من قوارير } وليس بماء، ثم إن سليمان دعاها إلى الإسلام وكانت قد رأت حال العرش والصرح فأجابت، { قالت رب إني ظلمت نفسي } ، بالكفر، وقال مقاتل : لما رأت السرير والصرح علمت أن ملك سليمان من الله فقالت: رب إني ظلمت نفسي بعبادة غيرك، { وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين } أي أخلصت له التوحيد، وقيل: إنها

(6/28)


لما بلغت الصرح فظنته لجة، قالت في نفسها إن سليمان يريد أن يغرقني، وكان القتل علي أهون من هذا فقولها: { ظلمت نفسي } تعني بذلك الظن.

(6/29)


[45] قوله عز وجل: { ولقد أرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحا أن } ، أي أن، { اعبدوا الله } ، وحده، { فإذا هم فريقان } ، مؤمن وكافر، { يختصمون } ، في الدين، قال مقاتل واختصامهم ما ذكر في سورة الأعراف: { قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن آمن منهم } ، إلى قوله: { يا صالح ائتنا بما تعدنا إن كنت من المرسلين } .
[46] فـ { قال } ، لهم صالح، { يا قوم لم تستعجلون بالسيئة } ، بالبلاء والعقوبة، { قبل الحسنة } ، العافية والرحمة، { لولا } ، هلا { تستغفرون الله } بالتوبة من كفركم، { لعلكم ترحمون } .

(6/30)


[47] { قالوا اطيرنا } ، أي تشاءمنا، وأصله تطيرنا، { بك وبمن معك } ، قيل: وإنما قالوا ذلك لتفرق كلمتهم. وقيل: لأنه أمسك عنهم المطر في ذلك الوقت وقحطوا فقالوا: أصابنا هذا الضر والشدة من شؤمك وشؤم أصحابك، { قال طائركم عند الله } ، أي ما يصيبكم من الخير والشر عند الله بأمره وهو مكتوب عليكم، سمي طائرا لسرعة نزوله بالإنسان فإنه لا شيء أسرع من قضاء محتوم، قال ابن عباس : الشؤم أتاكم من عند الله لكفركم. وقيل: طائركم أي عملكم عند الله، سمي طائرا لسرعة صعوده إلى السماء. { بل أنتم قوم تفتنون } ، قال ابن عباس : تختبرون بالخير والشر، نظيره قوله تعالى: { ونبلوكم بالشر والخير فتنة } ، وقال محمد بن كعب القرظي : تعذبون.
[48] قوله تعالى: { وكان في المدينة } ، يعني مدينة ثمود وهي الحجر، { تسعة رهط } ، من أبناء أشرافهم، { يفسدون في الأرض ولا يصلحون } ، وهم الذين اتفقوا على عقر الناقة وهم غواة قوم صالح ورأسهم قدار بن سالف ، وهو الذي تولى عقرها كانوا يعملون بالمعاصي.

(6/31)


[49] { قالوا تقاسموا بالله } ، تحالفوا، يقول بعضهم لبعض: احلفوا بالله أيها القوم، وموضع تقاسموا جزم على الأمر، وقال قوم: محله نصب على الفعل الماضي، يعني أنهم تحالفوا وتواثقوا، تقديره: قالوا متقاسمين بالله، { لنبيتنه } ، أي: لنقتلنه بياتا أي ليلا، { وأهله } ، أي قومه الذين أسلموا معه، وقرأ الأعمش وحمزة والكسائي ( لتبيتنه ) و ( لتقولن ) بالتاء فيهما وضم لام الفعل على الخطاب، وقرأ الآخرون بالنون فيهما وفتح لام الفعل، { ثم لنقولن لوليه } ، أي لولي دمه، { ما شهدنا } ما حضرنا، { مهلك أهله } ، أي إهلاكهم، ولا ندري من قتله، ومن فتح الميم فمعناه هلاك أهله، { وإنا لصادقون } ، في قولنا ما شهدنا ذلك.
[50] { ومكروا مكرا } غدروا غدرا حين قصدوا تبييت صالح والفتك به، { ومكرنا مكرا } ، جزيناهم على مكرهم بتعجيل عقوبتهم، { وهم لا يشعرون } .

(6/32)


[51] { فانظر كيف كان عاقبة مكرهم أنا } ، قرأ أهل الكوفة ( أنا ) بفتح الألف ردا على العاقبة، أي أنا دمرناهم، وقرأ الآخرون ( إنا ) بالكسر على الاستئناف، { دمرناهم } ، أي أهلكناهم التسعة. واختلفوا في كيفية هلاكهم، قال ابن عباس رضي الله عنهما: أرسل الله الملائكة تلك الليلة إلى دار صالح يحرسونه فأتى التسعة دار صالح شاهرين سيوفهم فرمتهم الملائكة بالحجارة من حيث يرون الملائكة، فقتلهم. قال مقاتل : نزل في سفح جبل ينظر بعضهم بعضا ليأتوا دار صالح، فجثم عليهم الجبل فأهلكهم، { وقومهم أجمعين } ، أهلكهم الله بالصيحة.
[52] { فتلك بيوتهم خاوية } ، نصب على الحال أي خالية، { بما ظلموا } ، أي بظلمهم وكفرهم، { إن في ذلك لآية } ، لعبرة، { لقوم يعلمون } ، قدرتنا.
[53] { وأنجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون } ، يقال: كان الناجون منهم أربعة آلاف.

(6/33)


[54] قوله تعالى: { ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة } وهي الفعلة القبيحة، { وأنتم تبصرون } ، أي تعلمون أنها فاحشة. وقيل: معناه يرى بعضكم بعضا وكانوا لا يستترون عتوا منهم.
[55] { أئنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم تجهلون } .

(6/34)


[56] { فما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون } من أدبار الرجال.
[57] { فأنجيناه وأهله إلا امرأته قدرناها } ، قضينا عليها وجعلناها بتقديرنا، { من الغابرين } ، أي الباقين في العذاب.
[58] { وأمطرنا عليهم مطرا } ، وهو الحجارة، { فساء } فبئس، { مطر المنذرين } .

(6/35)


[59] قوله تعالى: { قل الحمد لله } ، هذا خطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أن يحمد الله على هلاك كفار الأمم الخالية، وقيل: على جميع نعمه، { وسلام على عباده الذين اصطفى } ، قال مقاتل : هم الأنبياء والمرسلون، دليله قوله عز وجل: { وسلام على المرسلين } ، وقال ابن عباس في رواية أبي مالك: هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم . وقال الكلبي . هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم وقيل: هم المؤمنين من السابقين واللاحقين، { آلله خير أم ما يشركون } ، قرأ أهل البصرة وعاصم : ( يشركون ) بالياء، وقرأ الآخرون بالتاء، يخاطب أهل مكة وفيه إلزام الحجة على المشركين بعد هلاك الكفار، يقول: آلله خير لمن عبده أم الأصنام خير لمن عبدها والمعنى: أن الله نجى من عبده من الهلاك، والأصنام لم تغن شيئا عن عابديها عند نزول العذاب بهم.

(6/36)


[60] { أمن خلق السماوات والأرض } ، معناه آلهتكم خير أم الذي خلق السماوات والأرض، { وأنزل لكم من السماء ماء } ، يعني المطر، { فأنبتنا به حدائق } ، بساتين جمع حديقة، قال الفراء : الحديقة البستان المحاط عليه، فإن لم يكن عليه حائط فليس بحديقة، { ذات بهجة } ، أي منظر حسن والبهجة: الحسن يبتهج به من يراه، { ما كان لكم أن تنبتوا شجرها } ، أي ما ينبغي لكم، لأنكم لا تقدرون عليها. { أإله مع الله } ، استفهام على طريق الإنكار أي هل معه معبود سواه يعينه على صنعه بل ليس معه إله. { بل هم قوم } ، يعني كفار مكة، { يعدلون } يشركون.
[61] { أمن جعل الأرض قرارا } ، لا تميد بأهلها، { وجعل خلالها } ، وسطها { أنهارا } تطرد بالمياه، { وجعل لها رواسي } ، جبالا ثوابت، { وجعل بين البحرين } ، العذب والمالح، { حاجزا } مانعا لئلا يختلط أحدهما بالآخر، { أإله مع الله بل أكثرهم لا يعلمون } ، توحيد ربهم وسلطانه.

(6/37)


[62] { أمن يجيب المضطر } ، المكروب المجهود، { إذا دعاه ويكشف السوء } ، الضر، { ويجعلكم خلفاء الأرض } ، سكانها يهلك قرنا وينشئ آخر. وقيل: يجعل أولادكم خلفاءكم . وقيل : جعلكم خلفاء الجن في الأرض. { أإله مع الله قليلا ما تذكرون } ، قرأ أبو عمرو بالياء والآخرون بالتاء.
[63] { أمن يهديكم في ظلمات البر والبحر } إذا سافرتم، { ومن يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته } أي قدام المطر، { أإله مع الله تعالى الله عما يشركون } .

(6/38)


[64] { أمن يبدأ الخلق ثم يعيده } ، بعد الموت، { ومن يرزقكم من السماء والأرض } ، أي من السماء المطر ومن الأرض النبات، { أإله مع الله قل هاتوا برهانكم } ، حجتكم على قولكم أن مع الله إلها آخر. { إن كنتم صادقين } .
[65] { قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله } ، نزلت في المشركين حيث سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن وقت قيام الساعة، { وما يشعرون أيان } ، متى ، { يبعثون } .

(6/39)


[66] { بل ادارك علمهم } ، قرأ أبو جعفر وابن كثير وأبو عمرو : ( أدرك ) على وزن أفعل أي بلغ ولحق، كما يقال: أدركه علمي إذا لحقه وبلغه، يريد ما جهلوا في الدنيا وسقط علمه عنهم أعلموه في الآخرة. وقال مجاهد : يدرك علمهم، { في الآخرة } ، ويعلمونها إذا عاينوها حين لا ينفعهم علمهم. قال مقاتل : بل علموا في الآخرة حين عاينوها ما شكوا وعموا عنه في الدنيا وهو قوله: { بل هم في شك منها بل هم منها } ، يعني هم اليوم في شك من الساعة وقرأ الآخرون بل ادارك موصولا مشددا مع الألف بعد الدال المشدد، يعني تدارك وتتابع علمهم في الآخرة وتلاحق، وقيل: معناه اجتمع علمهم حين عاينوها في الآخرة أنها كائنة، وهم في شك منها في وقتهم، فيكون بمعنى الأول، وقيل: هو على طريق الاستفهام، معناه: هل تدارك وتتابع علمهم بذلك في الآخرة؟ يعني: لم يتتابع وضل وغاب علمهم به فلم يبلغوه ولم يدركوه، لأن في الاستفهام ضربا من الجحد يدل عليه، قراءة ابن عباس ( بلى ) بإثبات الياء، ( أدارك ) بفتح الألف على الاستفهام، يعني: لم يدرك، وجملة القول فيه أن الله أخبر أنهم إذا بعثوا يوم القيامة يستوي علمهم في الآخرة

(6/40)


وما وعدوا فيها من الثواب والعقاب، وإن كانت علومهم مختلفة في الدنيا، وذكر علي بن عيسى أن معنى ( بل ) هاهنا لو ومعناه لو أدركوا في الدنيا ما أدركوا في الآخرة لم يشكوا بل هم في شك منها، بل هم اليوم في الدنيا في شك من الساعة. { بل هم منها عمون } ، جمع عم وهو الأعمى القلب. قال الكلبي : يقول هم جهلة بها.
[67] { وقال الذين كفروا } ، يعني مشركي مكة، { أئذا كنا ترابا وآباؤنا أئنا لمخرجون } ، من قبورنا أحياء، قرأ أهل المدينة ( إذا ) غير مستفهم ( أئنا ) بالاستفهام، وقرأ ابن عامر والكسائي ( أئنا ) بهمزتين أننا بنونين، وقرأ الآخرون باستفهامها.
[68] { لقد وعدنا هذا } ، أي هذا البعث، { نحن وآباؤنا من قبل } ، أي من قبل محمد وليس ذلك بشيء { إن هذا } ، ما هذا، { إلا أساطير الأولين } ، أحاديثهم وأكاذيبهم التي كتبوها.
[69] { قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المجرمين } .

(6/41)


[70] { ولا تحزن عليهم } ، على تكذيبهم إياك وإعراضهم عنك، { ولا تك في ضيق مما يمكرون } نزلت في المستهزئين الذين اقتسموا أعقاب مكة.
[71] { ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين } .
[72] { قل عسى أن يكون ردف } ، أي دنا وقرب، { لكم } وقيل تبعكم والمعنى ردفكم أدخل فيه اللام كما أدخل في قوله: { لربهم يرهبون } قال الفراء : اللام صلة زائدة كما تقول: نقدته مائة ونقدت له { بعض الذي تستعجلون } من العذاب فحل بهم ذلك يوم بدر.
[73] { وإن ربك لذو فضل على الناس } ، قال مقاتل : على أهل مكة حيث لم يعجل عليهم العذاب , { ولكن أكثرهم لا يشكرون } ، ذلك.
[74] { وإن ربك ليعلم ما تكن } تخفي , { صدورهم وما يعلنون } .
[75] { وما من غائبة } , أي جملة غائبة من مكتوم سر وخفي أمر وشيء غائب , { في السماء والأرض إلا في كتاب مبين } , أي في اللوح المحفوظ.

(6/42)


[76] { إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل } , أي يبين لهم , { أكثر الذي هم فيه يختلفون } من أمر الدين , قال الكلبي : إن أهل الكتاب اختلفوا فيما بينهم فصاروا أحزابا يطعن بعضهم على بعض ، فنزل القرآن ببيان ما اختلفوا فيه .

(6/43)


[77] { وإنه } ، يعني القرآن { لهدى ورحمة للمؤمنين } .
[78] { إن ربك يقضي } , يفصل , { بينهم } , أي بين المختلفين في الدين يوم القيامة , { بحكمه } , الحق , { وهو العزيز } , المنيع فلا يرد له أمر, { العليم } , بأحوالهم فلا يخفى عليه شيء .
[79] { فتوكل على الله إنك على الحق المبين } البين.
[80] { إنك لا تسمع الموتى } ، يعني الكفار، { ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين } ، معرضين، فإن قيل ما معنى قوله: { ولوا مدبرين } ، وإذا كانوا صما لا يسمعون سواء ولوا أو لم يولوا؟ قيل: ذكره على سبيل التأكيد والمبالغة. وقيل: الأصم إذا كان حاضرا فقد يسمع برفع الصوت ويفهم بالإشارة، فإذا ولى لم يسمع ولم يفهم. قال قتادة : الأصم إذا ولى مدبرا ثم ناديته لم يسمع، كذلك الكافر لا يسمع ما يدعى إليه من الإيمان، ومعنى الآية أنهم لفرط إعراضهم عما يدعون إليه كالميت الذي لا سبيل إلى إسماعه، والأصم الذي لا يسمع.

(6/44)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية