صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : مختصر تفسير البغوي
المؤلف : عبد الله بن أحمد بن علي الزيد
الطبعة : الأولى
الناشر : دار السلام للنشر والتوزيع - الرياض
تاريخ النشر : 1416هـ
عدد الصفحات : 1040
عدد الأجزاء : 1
مصدر الكتاب : موقع الإسلام
http://www.al-islam.com
[ ضمن مجموعة كتب من موقع الإسلام ، ترقيمها غير مطابق للمطبوع ، وغالبها مذيلة بالحواشي ]

بسم الله الرحمن الرحيم
كلمة الناشر
الحمد لله الذي أنزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا ، والصلاة والسلام على النبي الأمي وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين . أما بعد :
فهذا اختصار تفسيري اختصره فضيلة الدكتور / عبد الله بن أحمد بن علي الزيد ، حفظه الله ، من تفسير الإمام الحافظ الفقيه المجتهد أبي محمد الحسين بن مسعود الفراء ، البغوي المسمى بـ " معالم التنزيل " .
وتفسيره الكامل الذي منه هذا الاختصار من أجل كتب التفسير بالمأثور ، يسرد فيه التفسير بالقرآن - أي يجمع بين الآيات ذات المعنى الواحد ليوضح معنى الكلمة التي تضمنتها - ويأتي بالأحاديث مع أسانيدها كما يذكر أقوال الصحابة ومن بعدهم من أئمة التفسير وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - عن أي التفاسير أقرب إلى الكتاب والسنة ؟ الزمخشري أم القرطبي أم البغوي أو غير هؤلاء ؟ فأجاب قائلا :
" وأما التفاسير الثلاثة المسئول عنها فأسلمها من البدعة والأحاديث الضعيفة - البغوي " وعنه قال : " تفسيره مختصر من تفسير الثعلبي لكنه صان تفسيره عن الأحاديث الموضوعة والآراء المبتدعة " .

(1/1)


فلما كان تفسيره بهذه المكانة العظمى وأثنى على اختصاره غير واحد من أهل العلم ، أعدنا طبعه من جديد بعد التنسيق مع المختصر .
عملنا في هذا الكتاب :
1 - طبع الكتاب في مجلد واحد لأول مرة بلونين .
2 - وضع المصحف كاملا ، وكذلك أخذ الآيات القرآنية المفسرة برسم المصحف من الحاسب الآلي تجنبا للأخطاء المطبعية .
3 - تصحيح الأخطاء التي نبه عليها فضيلة الدكتور عبدالله الزيد ، فضلا عن الأخطاء التي استدركها أعضاء لجنة البحث العلمي بدار السلام .
4 - تم طباعة الكتاب على ورق شمواه .
ونحن عندما نقدم هذا السفر الجليل بين يدي القارئ الكريم ، نتضرع إلى الله تعالى أن يجعل عملنا هذا خالصا لوجهه الكريم . هذا . . . ونشكر كل من سعى لإخراج هذا العمل في ثوبه الجديد . وفق الله الجميع لما يحبه ويرضاه .
خادم الكتاب والسنة
عبد المالك مجاهد

(1/2)


بسم الله الرحمن الرحيم
تقريظ لفضيلة الشيخ الدكتور صالح بن فوزان آل فوزان
الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب وجعله هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان ، والصلاة والسلام على عبده ورسوله المؤيد بالمعجزات والبرهان ، وعلى آله وأصحابه أولي العلم والعرفان . وبعد :
فإن تفسير الإمام محيي السنة أبي محمد الحسين بن مسعود البغوي تفسير جيد ، شهد العلماء بجودته وإتقانه وتمشيه على مذهب السلف في المنهج والاعتقاد ، إلا أنه طويل بالنسبة لحاجة غالب الناس اليوم ، فالناس اليوم بحاجة إلى تفسير مختصر موثوق .
فلذلك اتجهت همة أخينا الشيخ الدكتور / عبد الله بن أحمد بن علي الزيد إلى اختصار هذا التفسير وتقريبه للناس . وقد اطلعت على نموذج من عمله فوجدته عملا جيدا ومنهجا سديدا ، حيث إنه يختار من هذا التفسير ما يوضح الآيات بأقرب عبارة وأسهلها ، فهو مختصر جيد مفيد . جزى الله أخانا الشيخ / عبد الله على عمله هذا خيرا وغفر الله للإمام البغوي ورحمه ، جزاء ما ترك للمسلمين من علم نافع ومنهج قويم . وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه .
كتبه :
صالح بن فوزان بن عبدالله الفوزان
في ( 13 / 10 / 1413 هـ )

(1/3)


بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
الحمد لله الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا ، ولمن استمسك به هدى ونورا . . . والصلاة والسلام على من أرسله بالهدى والبينات سراجا منيرا ، نبينا محمد بن عبد الله ، وعلى آله وأصحابه الذين حفظوا كتاب ربهم وعملوا على جمعه وضبطه وتدوينه ليصل إلى من بعدهم بصورته التي بها نزل .
وبعد : فإن القرآن الكريم هو المعجزة الكبرى الدالة على صدق رسالة محمد صلى الله عليه وسلم والدعوة العظمى من الله تعالى إلى التوحيد الخالص والطريق المستقيم ، وقد تولى الله حفظه من التحريف والتبديل والتغيير والمعارضة كما قال تعالى : { إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون }
وها هو قد مضى على نزوله أكثر من أربعة عشر قرنا من الزمان ولا يزال كما وعد الله محفوظا كما أنزل لم يتغير فيه عما نزل حرف ولا كلمة ، ولا ترتيب ، وسيبقى كذلك إلى آخر الدهر .

(1/4)


وقد ظهر لي من خلال عملي حاجة الناس إلى تفسير مختصر يجمع بين علمي الرواية والدراية ، يكون في متناول الكل ، يتميز بخلوه من المخالفات الشرعية والعقدية ، وذلك لأن الوقت في هذا العصر أصبح قليلا جدا بسبب تزاحم المعلومات في كل العلوم ، فرأيت من المناسب اختيار تفسير مختصر يلبي حاجة من أراد الاطلاع على معاني كلام الله سبحانه وتعالى . وقد اطلعت على كثير من المختصرات فوجدت بعضها يهتم بجانب واحد من جوانب إعجاز القرآن كمباحث الإعراب ونكت البلاغة ، والبعض الآخر لا يخلو مما يستوجب النظر ، ومنها ما يستطرد لعلوم أخرى لا يحتاج إليها في فهم القرآن .

(1/5)


ولما كان تفسير الإمام البغوي - رحمه الله - المسمى ( معالم التنزيل ) يجمع بين علمي الرواية والدراية مع وضوح العبارة ، وجمعه لكثير من المعاني التي يذكرها المفسرون بأسلوب سهل مقتضب بعيدا عن الألغاز والتعمية مع ما يتميز به من الالتزام بمذهب السلف الصالح في المجال العقدي وما خص به من ثناء العلماء والأئمة ، وما حظي به من القبول لدى الأمة ، فقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - : أي التفاسير أقرب إلى الكتاب والسنة ، الزمخشري ؟ أم القرطبي ؟ أم البغوي ؟ فأجاب في فتواه ( ج 2 - ص 193 ) ما نصه : " أسلمها من البدعة والأحاديث الضعيفة : البغوي " .
وقال محمد رشيد رضا في مقدمة طبعته له عام 1343 هجرية : " هذا التفسير من أشهر كتب التفسير في العناية بما روي عن مفسري السلف وبيان معاني الآيات وأحكامها " .

(1/6)


وهو من أجود التفاسير وأنفعها وأشملها أيضا ، إلا أنه يشتمل على روايات كثيرة وبعض القصص الإسرائيلية والأمور التي يغني بعضها عن بعض ، ولم يسبق حسب علمي أن قام أحد باختصاره ، لذا قمت بهذا العمل لنفسي أولا ، وحرصا مني على تقريبه وتسهيله لمن يرغب في تفسير موثق لإمام من أئمة أهل السنة والجماعة ، أسأل الله الإعانة والتوفيق والسداد والقبول .
منهج البغوي في تفسيره :
1 - من المعلوم أن أحسن طرق التفسير هي تفسير القرآن بالقرآن ، فما أجمل في مكان فإنه قد فسر في موضع آخر ، ثم بالسنة فإنها شارحة للقرآن وموضحة له ، ثم بأقوال الصحابة فإنهم أدرى بذلك حيث إنهم حضروا التنزيل وشاهدوا من القرائن والأحوال ما لم يعلمه غيرهم ، ثم بأقوال التابعين الذين تعلموا على الصحابة وأخذوا عنهم ، وهذا ما اتخذه البغوي منهجا له في تفسيره .
2 - سلك البغوي - رحمه الله - مسلكا متوسطا بلفظ موجز وسهل بعيدا عن الاستطراد والحشو ، جاء في مقدمة تفسيره : ( جمعت بعون الله تعالى وحسن توفيقه فيما سألوا كتابا متوسطا بين الطويل الممل والقصير المخل ) اهـ .

(1/7)


3 - ما ذكره من الأحاديث النبوية الشريفة فغالبها يسوقها بأسانيدها التي اشترط فيها الصحة أو الحسن ، وقد وضح ذلك بقوله : ( ما ذكرت من أحاديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أثناء الكتاب على وفق آية أو بيان حكم فإن الكتاب يطلب بيانه من السنة ، وعليها مدار الشرع وأمور الدين ، فهي من الكتب المسموعة للحفاظ وأئمة الحديث ، وأعرضت عن ذكر المناكير وما لا يليق بحال التفسير ) .
4 - ما ذكره عن الصحابة والتابعين فغالبا يذكره بلا إسناد وذلك لأنه ذكر في مقدمته إسناده إلى كل من يروي عنهم .
5 - يذكر أقوال السلف في تفسير الآية ولا يرجح بعضها على بعض في كثير من الأحيان إشارة منه - رحمه الله - إلى أن معنى الآية قد يحتمل جميع المعاني أو أكثرها ، وهذه ميزة تميز بها تفسير البغوي قلما توجد في غيره .
6 - يتحاشى ذكر المسائل الكلامية ويكتفي بإيراد منهج السلف فيها .
7 - يذكر البغوي بعض الأخبار الإسرائيلية عند تفسير بعض الآيات التي تحكي قصص أهل الكتاب وهو مقل منها بالنسبة لغيره من المفسرين .
8 - يذكر بعضر الأحكام الفقهية والقراءات المشهورة ، وأسباب النزول في تفسيره .
عملي في التفسير :

(1/8)


ما يجده القارئ في هذا المختصر هو كله من كلام البغوي فقد التزمت بنصه التزاما تاما ولم أتصرف فيه بالزيادة إلا ما استدعى السياق إضافته لربط كلام البغوي بعضه ببعض كواو العطف ونحوها ، ليبقى التفسير بأسلوبه السهل الميسر وجماله الناصع مع تمام الترابط والانسجام ، وقد جعلت ما أضفته بين قوسين تمييرا له عن كلام البغوي . . . ومن هذا يعلم أن جميع ما في هذا المختصر هو من كلام البغوي ، فإذا ورد فيه قوله : ( قد روينا أو حدثنا ) أو نحو ذلك فالقائل هو : البغوي ، وقد حرصت على هذا المنهج لما لكلام الإمام البغوي - رحمه الله - من ميزة لدى العلماء تجعل الاطمئنان إليه أكثر والوثوق به أحرى ، وما عملته في الاختصار لا يخرج في الغالب عن أحد الأمور التالية :
1 - استبعاد ما لا ضرورة له في بيان معاني الآيات من الروايات والأسانيد المطولة والأحكام التي لا حاجة لها والاقتصار من سند الحديث عند ذكره على اسم الصحابي الذي روى الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتركت لمن أراد الاستزادة الرجوع إلى الأصل المختصر .

(1/9)


2 - إذا تعددت الأحاديث التي يوردها المؤلف على وفق معاني الآيات الكريمة اقتصرت على ذكر حديث واحد منها وقد أقتصر على موضع الشاهد من الحديث إذا كان يؤدي المعنى المقصود .
3 - جرى تخريج الأحاديث الشريفة التي وردت في المختصر .
4 - الإبقاء ما أمكن على الآيات التي استشهد بها المؤلف على طريقته في تفسير القرآن بالقرآن مع جعلها بين قوسين مختلفين عن أقواس الآيات المفسرة .
5 - تجريد المختصر من الإسرائيليات ما أمكن إلا ما روى منها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو أقره .
6 - عند تعدد ذكر الآثار أكتفي منها بما يكشف معنى الآية .
7 - جرى حذف بعض القراءات وخاصة إذا لم يترتب على المحذوف منها تغير المعنى .
الطبعة التي اعتمدت عليها :

(1/10)


اعتمدت في عملي هذا على الطبعة المستقلة الكاملة لتفسير الإمام البغوي في طبعتها الثانية عام ( 1407 ) هجرية التي حققها الأستاذان خالد عبد الرحمن العك ، ومروان سوار ، وقد قابلت ما أشكل فيها على طبعة عام ( 1343 ) هجرية التي طبعت على حاشية تفسير الإمام ابن كثير . وبعد فراغي من العمل خرجت الطبعة الجديدة التي حققها الإخوة محمد عبدالله النمر ، وعثمان جمعة ضميرية ، وسليمان مسلم الحرش فاستفدت منها في مقابلة بعض العبارات المشكلة وفي بعض التخريجات للأحاديث النبوية الشريفة واكتفيت بذلك عن المقابلة على مخطوطة الكتاب وذلك لأن هذه الأخيرة طبعة مقابلة على مخطوطة الكتاب كما جاء في مقدمتها (1) .
أسأل الله الكريم أن ينفع بعملي هذا وأن يجعله خالصا لوجهه الكريم . وجزى الله خيرا من ينبهني على خطأ يجده فليراسلني على ص . ب ( 340655 ) الرياض ( 11333 ) ، ومن ينتفع بما فيه فيدعو لي من وراء الغيب دعوة خير صادقة ، والله الموفق وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين .
الرياض في ( 22 / 9 / 1422 هجرية )
د . عبدالله بن أحمد بن علي الزيد
_________
(1) وقد جرى إعادة صف الكتاب في هذه الطبعة الثانية التي استدرك فيها كثير مما فات في الطبعة الأولى وجرى تنقيح الطباعة وتدقيقها .

(1/11)


بسم الله الرحمن الرحيم
ترجمة الإمام البغوي
هو الإمام العلامة الحافظ المفسر المحدث الفقيه محيي السنة أبو محمد الحسين بن مسعود الفراء البغوي من أئمة السلف الصالح المتمسكين بالكتاب والسنة .
ولد في بلدة ( بغشور أو : بغ ) وإليها نسبته وهي من بلاد خراسان ، وذلك في أوائل العقد الرابع من القرن الخامس الهجري .
ونشأ البغوي شافعي المذهب غير متعصب لإمامه ولا مندد بغيره من العلماء ، بل سلك مسلك أهل الاختيار والترجيح والتصحيح .
ومنهجه في العقيدة منهج السلف الصالح من الصحابة وتابعيهم فلم يشغل نفسه بنظريات المتفلسفة وخلافات المتكلمين من الجهمية والمعتزلة وغيرهم ، وإنما التزم بمنهج أهل السنة والجماعة ناشرا له ومدافعا عنه .
وقد تنقل البغوي في كثير من البلاد طلبا للعلم إلى أن استقر في ( مروالروذ ) الوطن الثاني للبغوي ، وبقي فيها إلى أن وافته المنية عن نيف وثمانين سنة فيما بين عام ( 510 هـ ) إلى ( 516 هـ ) على خلاف في ذلك .

(1/12)


وقد أجمع علماء أهل السنة على جلالة قدر الإمام البغوي ورسوخ علمه بالكتاب والسنة وعلومهما ، وصفه من ترجم له : بشيخ الإسلام ومحيي السنة وعلامة زمانه وأنه دينا ورعا عابدا حافظا ثبتا ثقة حجة صحيح العقيدة .
وهو من أئمة الحديث الشريف ، واسع المعرفة بمتونه وأسانيده وأحوال رجاله . كما أنه إمام في الفقه والأحكام . وإمام في التفسير وعلوم القرآن الكريم .
وقد خلف مؤلفات كثيرة منها شرح السنة ، ومصابيح السنة ، ومعالم التنزيل وهو أصل هذا المختصر والتهذيب في فقه الإمام الشافعي . وغير ذلك كثير .
وأخذ الإمام البغوي العلم عن أئمة عصره وكبار الحفاظ والمحدثين في زمانه منهم : الإمام أبو علي الحسين بن محمد بن أحمد المروزي المتوفى سنة ( 462 هـ ) ، ومحدث مرو عبد الواحد بن أحمد المليحي الهروي المتوفى سنة ( 463 هـ ) ، والإمام علي بن يوسف الجويني شيخ الحجاز المتوفى ( 463 هـ ) وغيرهم .
وقد روى عنه تلاميذ عدة منهم مجد الدين العطاردي الأصولي والمحدث الطائي الهمذاني وآخرون . رحم الله البغوي رحمة واسعة ورحمنا معه بمنه وكرمه إنه على ذلك قدير .

(1/13)


( 1 ) سورة الفاتحة
ولها ثلاثة أسماء معروفة : فاتحة الكتاب ، وأم القرآن ، والسبع المثاني ، وهي مكية على قول الأكثرين ، وقال مجاهد : مدنية ، وقيل : نزلت مرتين ، مرة بمكة ومرة بالمدينة . والأول أصح أنها مكية لأن الله تعالى من على الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله : { ولقد آتيناك سبعا من المثاني } ، والمراد منها : فاتحة الكتاب ، وسورة الحجر مكية ، فلم يكن يمن عليه بها قبل نزولها .

(1/14)


[1] قوله : { بسم الله } الباء زائدة يخفض ما بعدها ، مثل من وعن ، والمتعلق به محذوف لدلالة الكلام عليه ، تقديره : ابدأ بسم الله أو قل بسم الله ، وأسقطت الألف من الاسم طلبا للخفة لكثرة استعمالها ، فإن قيل : ما معنى التسمية من الله لنفسه ؟ قيل : هو تعليم للعباد كيف يستفتحون القراءة .
قوله تعالى : { الله } قال الخليل وجماعة : هو اسم علم خاص بالله عز وجل لا اشتقاق له كأسماء الأعلام للعباد ، مثل زيد وعمرو ، وقال جماعة : هو مشتق ، ثم اختلفوا في اشتقاقه فقيل : من أله إلاهة أي : عبد عبادة ، وقرأ ابن عباس رضي الله عنهما " ويذرك وإلاهتك " أي : عبادتك . معناه أنه المستحق للعبادة دون غيره ، وقيل : أصله إله ، قال الله عز وجل . { وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق } ، قال المبرد : هو قول العرب : ألهت إلى فلان أي سكنت إليه ، قال الشاعر :

ألهت إليها والحوادث جمة ...

(1/15)


فكأن الخلق يسكنون إليه ويطمئنون بذكره ، يقال : ألهت إليه أي : فزعت إليه . وقيل : أصل الإله ولاه ، فأبدلت الواو بالهمزة مثل وشاح وأشاح ، اشتقاقه من الوله لأن العباد يولهون إليه ، أي يفزعون إليه في الشدائد ويلجؤون إليه في الحوائج كما يوله كل طفل إلى أمه ، وقيل : هو من الوله وهو ذهاب العقل لفقد من يعز عليك .

(1/16)


قوله : { الرحمن الرحيم } قال ابن عباس رضي الله عنهما : هما اسمان رقيقان أحدهما أرق من الآخر ، واختلفوا في آية التسمية فذهب قراء المدينة والبصرة وفقهاء الكوفة إلى أنها ليست من فاتحة الكتاب ، ولا من غيرها من السور والافتتاح بها للتيمن والتبرك ، وذهب قراء مكة والكوفة وأكثر فقهاء الحجاز إلى أنها ليست من الفاتحة وليست من سائر السور ، فإنما كتبت للفصل ، وذهب جماعة إلى أنها من الفاتحة ومن كل سورة إلا سورة التوبة ، واتفقوا على أن الفاتحة سبع آيات والآية الأولى عند من يعدها من الفاتحة { بسم الله الرحمن الرحيم } وابتداء الآية الأخيرة { صراط الذين } ، ومن لا يعدها من الفاتحة قال : ابتداؤها { الحمد لله رب العالمين } وابتداء الآية الآخيرة { غير المغضوب عليهم } .

(1/17)


[2 ، 3] قوله : { الحمد لله } لفظه خبر كأنه يخبر عن المستحق للحمد هو الله عز وجل ، وفيه تعليم الخلق تقديره : قولوا الحمد لله ، والحمد يكون بمعنى الشكر على النعمة ويكون بمعنى الثناء عليه بما فيه من الخصال الحميدة ، يقال : حمدت فلانا على ما أسدى إلي من نعمة ، وحمدته على علمه وشجاعته ، والشكر لا يكون إلا على النعمة ، والحمد أعم من الشكر إذ لا يقال : شكرت فلانا على علمه ، فكل حامد شاكر وليس كل شاكر حامدا .
قوله : { لله } اللام فيه للاستحقاق كما يقال : الدار لزيد . قوله : { رب العالمين }{ الرحمن الرحيم } ، فالرب يكون بمعنى المالك كما يقال لمالك الدار : رب الدار ، ويقال : رب الشيء إذا ملكه ، ويكون بمعنى التربية والإصلاح يقال : رب فلان الضيعة يربها إذا أتمها وأصلحها ، فالله تعالى مالك العالمين ومربيهم ، ولا يقال للمخلوق : هو الرب معرفا ، إنما يقال : رب كذا مضافا ، لأن الألف واللام للتعميم ، وهو لا يملك الكل .

(1/18)


والعالمين : جمع عالم والعالم جمع لا واحد له من لفظه ، واختلفوا في العالمين ، قال ابن عباس : هم الجن والإنس ، لأنهم مكلفون بالخطاب ، قال الله تعالى : { ليكون للعالمين نذيرا } : وقال قتادة ومجاهد والحسن : جميع المخلوقين ، قال الله تعالى : { قال فرعون وما رب العالمين }{ قال رب السماوات والأرض وما بينهما } .

(1/19)


[4] قوله : { مالك يوم الدين } قرأ عاصم والكسائي ويعقوب { مالك } وقرأ الآخرون " ملك " قال قوم : معناهما واحد مثل فرهين وفارهين وحذرين وحاذرين ، ومعناهما الرب ، يقال : رب الدار ومالكها ، وقيل : المالك هو القادر على اختراع الأعيان من العدم إلى الوجود ، ولا يقدر عليه أحد غير الله ، قال ابن عباس ومقاتل والسدي : ملك يوم الدين قاضي يوم الحساب ، وقال قتادة : الدين الجزاء ، ويقع على الجزاء في الخير والشر جميعا ، كما يقال : كما تدين تدان ، قال محمد بن كعب القرظي : ملك يوم لا ينفع فيه إلا الدين ، وقال يمان بن رباب : الدين القهر ، يقال : دنته فدان ، أي : قهرته فذل ، وقيل : الدين الطاعة ، أي : يوم الطاعة ، وإنما خص يوم الدين بالذكر مع كونه مالكا للأيام كلها لأن الأملاك يومئذ زائلة فلا ملك ولا أمر إلا له ، قال الله تعالى : { الملك يومئذ الحق للرحمن } .

(1/20)


[5] قوله : { إياك } ، إيا كلمة ضمير خصت بالإضافة إلى المضمر .
قوله : { نعبد } أي : نوحدك ونطيعك خاضعين ، والعبادة الطاعة مع التذلل والخضوع ، وسمي العبد عبدا لذلته وانقياده يقال : طريق معبد أي : مذلل ، { وإياك نستعين } ، نطلب منك المعونة على عبادتك وعلى جميع أمورنا .

(1/21)


[6] قوله : { اهدنا الصراط المستقيم } ، اهدنا : أرشدنا ، وقال علي وأبي بن كعب : ثبتنا ، كما يقال للقائم : قم حتى أعود إليك ، أي : دم على ما أنت عليه ، وهذا الدعاء من المؤمنين مع كونهم على الهداية ، بمعنى التثبيت وبمعنى طلب مزيد الهداية ، لأن الألطاف والهدايات من الله تعالى لا تتناهى على مذهب أهل السنة .
{ الصراط } : وصراط قرئ بالسين وهو الأصل ، سمي سراطا لأنه يسرط السابلة ، ويقرأ بالزاي وقرأ حمزة بإشمام الزاي وكلها لغات صحيحة ، والاختيار الصاد عند أكثر القراء لموافقة المصحف .
والصراط المستقيم : قال ابن عباس وجابر : هو الإسلام وهو قول مقاتل ، وقال ابن مسعود : هو القرآن وروي عن علي مرفوعا : " الصراط المستقيم كتاب الله " (1) . وقال سعيد بن جبير : طريق الجنة ، وقال سهل بن عبد الله : طريق السنة والجماعة ، وقال بكر بن عبد الله المزني : طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال أبو العالية والحسن : رسول الله وآله وصاحباه ، وأصله في اللغة الطريق الواضح .
_________
(1) أخرجه الطبري في التفسير 1 / 172 وضعفه أحمد شاكر في تعليقه عليه .

(1/22)


[7] { صراط الذين أنعمت عليهم } أي : مننت عليهم بالهداية والتوفيق ، قال عكرمة : مننت عليهم بالثبات على الإيمان والاستقامة وهم الأنبياء عليهم السلام ، وقيل : هم كل من ثبته الله على الإيمان من النبيين والمؤمنين . وقال ابن عباس : هم قوم موسى وعيسى عليهما السلام قبل أن يغيروا دينهم ، وقال عبد الرحمن : هم النبي ومن معه ، وقال أبو العالية : هم الرسول صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر رضي الله عنهما ، وقال عبد الرحمن بن زيدان : رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل بيته ، وقال شهر بن حوشب : هم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل بيته .
قوله : { غير المغضوب عليهم } يعني : غير صراط الذين غضبت عليهم .

(1/23)


{ ولا الضالين } أي : وغير الضالين عن الهدى ، وأصل الضلال الهلاك والغيبوبة ، يقال : ضل الماء في اللبن إذا هلك وغاب ، و " غير " ههنا بمعنى لا ، ولا بمعنى غير ، وقيل : { المغضوب عليهم } هم اليهود والضالون هم النصارى ، لأن الله تعالى حكم على اليهود بالغضب فقال : { من لعنه الله وغضب عليه } [المائدة : 60] وحكم على النصارى بالضلال فقال : { ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل } [المائدة : 77] ، وقال سهل بن عبد الله : غير المغضوب عليهم بالبدعة ولا الضالين عن السنة .
والسنة للقارئ أن يقول بعد فراغه من قراءة الفاتحة " آمين " ، مفصولا عن الفاتحة بسكتة ، وهو مخفف ويجوز ممدودا ومقصورا ، ومعناه اللهم اسمع واستجب .

(1/24)


فصل في فضل فاتحة الكتاب
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « والذي نفسي بيده ما أنزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في القرآن مثلها وإنها لهي السبع المثاني التي آتاني الله عز وجل » ، هذا حديث حسن صحيح (1) .
وعن ابن عباس قال : « بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده جبريل إذ سمع نقيضا من فوقه ، فرفع جبريل بصره إلى السماء فقال : هذا باب فتح من السماء ما فتح قط ، قال : فنزل منه ملك فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : " أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك ، فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة لن تقرأ حرفا منهما إلا أعطيته » ، صحيح (2) .
وعن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج غير تمام » .
_________
(1) رواه الترمذي في فضائل القرآن باب ما جاء في فضل فاتحة الكتاب 8 / 178 - 180 ، وأحمد في المسند 2 / 412 - 413 ، وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما والحاكم وقال الحاكم : صحيح على شرط مسلم . انظر الترغيب والترهيب للمنذري 2 / 367 ، وأخرجه المصنف في شرح السنة 4 / 446 ، 447 .
(2) رواه مسلم في صلاة المسافرين برقم ( 806 ) 1 / 554 ، والنسائي في افتتاح الصلاة 2 / 138 والمصنف في شرح السنة 4 / 466 .

(1/25)


وعن أبي هريرة قال : « سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " قال الله عز وجل : قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين نصفها لي ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأل " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " اقرؤوا يقول العبد { الحمد لله رب العالمين } يقول الله : حمدني عبدي ، يقول العبد : { الرحمن الرحيم } يقول الله : أثنى علي عبدي ، يقول العبد : { مالك يوم الدين } ، يقول الله : مجدني عبدي ، يقول العبد : { إياك نعبد وإياك نستعين } ، يقول الله عز وجل : هذه الآية بيني وبين عبدي ، ولعبدي ما سأل ، يقول العبد : { اهدنا الصراط المستقيم }{ صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين } ، يقول الله : ( فهؤلاء لعبدي ولعبدي ما سأل ) » ، صحيح (1) .
_________
(1) رواه مسلم في الصلاة باب وجوب قراءة الفاتحة رقم ( 395 ) 1 / 296 ، والمصنف في شرح السنة 3 / 47 .

(1/26)


(3) سورة البقرة
[1] { الم } قال الشعبي وجماعة : الم وسائر حروف الهجاء في أوائل السور من المتشابه الذي استأثر الله بعلمه ، وهي سر القرآن ، فنحن نؤمن بظاهرها ونكل العلم فيها إلى الله تعالى ، وفائدة ذكرها طلب الإيمان بها ، قال أبو بكر الصديق : في كل كتاب سر وسر الله في القرآن أوائل السور ، وقال علي : إن لكل كتاب صفوة وصفوة هذا الكتاب حروف التهجي .
وقال جماعة : هي معلومة المعاني ، فقيل : كل حرف منها مفتاح اسم من أسمائه كما قال ابن عباس في { كهيعص } ، الكاف من كافي والهاء من هادي والياء من حكيم والعين من عليم والصاد من صادق ، وقيل في { المص } أنا الله الملك الصادق ، وقال الربيع بن أنس في الم : الألف مفتاح اسمه الله واللام مفتاح اسمه اللطيف والميم مفتاح اسمه المجيد ، وقال محمد بن كعب : الألف آلاء الله واللام لطفه والميم ملكه ، وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال : معنى { الم } أنا الله أعلم ، ومعنى المص أنا الله أعلم وأفصل ، ومعنى { الر } أنا الله أرى ، ومعنى { المر } أنا الله أعلم وأرى . قال الزجاج : وهذا حسن فإن العرب تذكر حرفا من كلمة تريدها كقولهم :

قلت لها قفي فقالت لي قاف (1) ...
_________
(1) هذا الرجز للوليد بن عقبة انظر تفسير الطبري 1 / 212 .

(1/27)


أي : وقفت .
وعن سعيد بن جبير قال : هي أسماء الله تعالى مقطعة لو أحسن الناس تأليفها لعلموا اسم الله الأعظم ، ألا ترى أنك تقول : { المر } ، و : { حم } ، و : { ن } ، فيكون الرحمن ، وكذلك سائرها إلا أنا لا نقدر على وصلها .
وقال قتادة : هذه الحروف أسماء القرآن ، وقال مجاهد وابن زيد : هي أسماء السور ، وبيانه أن القائل إذا قال قرأت { المص } عرف السامع أنه قرأ السورة التي افتتحت بالمص ، وروي عن ابن عباس : أنها أقسام ، وقال الأخفش : إنما أقسم الله بهذه الحروف لشرفها وفضلها لأنها مباني كتبه المنزلة ومبادئ أسمائه الحسنى .
[2] قوله : { ذلك الكتاب } أي : هذا الكتاب وهو القرآن ، وأصل الكتاب الضم والجمع ، وسمي الكتاب كتابا لأنه جمع حرف إلى أحرف .
قوله تعالى : { لا ريب فيه } ، أي : لا شك فيه أنه من عند الله وأنه الحق والصدق ، وقيل : هو خبر بمعنى النهي أي : لا ترتابوا فيه .

(1/28)


قوله تعالى : { هدى للمتقين } أي : هو هدى ، أي : رشد وبيان لأهل التقوى ، وقيل : هو نصب على الحال ، أي : هاديا ، تقديره ، لا ريب فيه في هدايته للمتقين ، والهدى ما يهتدي به الإنسان . للمتقين ، أي : للمؤمنين ، قال ابن عباس : المتقي من يتقي الشرك والكبائر والفواحش ، وهو مأخوذ من الاتقاء ، وأصله الحجز بين شيئين ، ومنه يقال : اتقى بترسه أي : جعله حاجزا بين نفسه وبين ما يقصده . فكأن المتقي يجعل امتثال أمر الله والاجتناب عما نهاه حاجزا بينه وبين العذاب وتخصيص المتقين بالذكر تشريف لهم أو لأنهم هم المنتفعون بالهدى .

(1/29)


[3] : قوله تعالى : { الذين يؤمنون } موضع ( الذين ) خفض ؛ نعتا للمتقين ، يؤمنون يصدقون ، وحقيقة الإيمان التصديق بالقلب ، قال الله تعالى : { وما أنت بمؤمن لنا } أي : بمصدق لنا ، وهو في الشريعة : الاعتقاد بالقلب والإقرار باللسان والعمل بالأركان ، فسمي الإقرار والعمل إيمانا لوجه من المناسبة لأنه من شرائعه ، والإسلام هو الخضوع والانقياد فكل إيمان إسلام وليس كل إسلام إيمانا إذا لم يكن معه تصديق ، وذلك لأن الرجل قد يكون مستسلما في الظاهر غير مصدق في الباطن ويكون مصدقا في الباطن غير منقاد في الظاهر ، والإيمان مأخوذ من الأمان فسمي المؤمن مؤمنا لأنه يؤمن نفسه من عذاب الله ، والله تعالى مؤمن لأنه يؤمن العباد من عذابه .
{ بالغيب } ما كان مغيبا من العيون ، قال ابن عباس : الغيب ههنا كل ما أمرت بالإيمان به فيما غاب عن بصرك من الملائكة والبعث والجنة والنار والصراط والميزان ، وقيل : الغيب ههنا هو الله تعالى ، وقيل : القرآن وقال الحسن : الآخرة ، وقال ابن جريج : الوحي .

(1/30)


قوله : { ويقيمون الصلاة } ، أي : يديمونها ويحافظون عليها في مواقيتها بحدودها وأركانها وهيئاتها ، يقال : قام بالأمر وأقام الأمر إذا أتى به معطيا حقوقه ، أو المراد بها الصلوات الخمس ، ذكر بلفظ الواحد . والصلاة في اللغة : الدعاء ، قال الله تعالى : { وصل عليهم } أي : ادع لهم ، وفي الشريعة اسم لأفعال مخصوصة من قيام وركوع وسجود وقعود ودعاء وثناء .
قوله : { ومما رزقناهم } ، أي : أعطيناهم ، والرزق اسم لكل ما ينتفع به حتى الولد والعبد ، وأصله في اللغة : الحظ والنصيب .
{ ينفقون } : يتصدقون ، قال قتادة : ينفقون في سبيل الله وطاعته ، وأصل الإنفاق : الإخراج عن اليد والملك ، وهذه الآية في المؤمنين من مشركي العرب .

(1/31)


[4] قوله : { والذين يؤمنون بما أنزل إليك } ، يعني : القرآن . { وما أنزل من قبلك } : من التوراة والإنجيل وسائر الكتب المنزلة على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وهذه الآية في المؤمنين من أهل الكتب . قوله : { وبالآخرة } ، أي : بالدار الآخرة ، سميت الدنيا : دنيا لدنوها من الآخرة ، وسميت الآخرة : آخرة لتأخرها وكونها بعد الدنيا { هم يوقنون } ، أي : يستيقنون أنها كائنة ، من الإيقان وهو العلم ، وقيل : الإيقان واليقين علم عن استدلال ، ولذلك لا يسمى الله موقنا ولا علمه يقينا إذ ليس علمه عن استدلال .
[5] قوله : { أولئك } أي : أهل هذه الصفة { على هدى } ، أي : رشد وبيان وبصيرة . { من ربهم وأولئك هم المفلحون } : الناجون والفائزون فازوا بالجنة ونجوا من النار ، ويكون الفلاح بمعنى البقاء ، أي باقون في النعيم المقيم ، وأصل الفلاح : القطع والشق ، ومنه سمي الزارع : فلاحا لأنه يشق الأرض ، فهم المقطوع لهم بالخير في الدنيا والآخرة .

(1/32)


[6] قوله : { إن الذين كفروا } يعني مشركي العرب ، قال الكلبي : يعني اليهود ، والكفر هو الجحود ، وأصله : من الستر ومنه سمي الليل كافرا لأنه يستر الأشياء بظلمته ، وسمي الزارع كافرا لأنه يستر الحب بالتراب ، فالكافر يستر الحق بجحوده ، والكفر على أربعة أنحاء : كفر إنكار ، وكفر جحود ، وكفر عناد ، وكفر نفاق ، فكفر الإنكار هو أن لا يعرف الله أصلا ولا يعترف به ، وكفر به ، وكفر الجحود هو أن يعرف الله بقلبه ولا يعترف بلسانه ككفر إبليس وكفر اليهود ، وكفر العناد هو أن يعرف الله بقلبه ويعترف بلسانه ولا يدين به ككفر أبي طالب ، وأما كفر النفاق فهو أن يقر باللسان ولا يعتقد بالقلب .
وجميع هذه الأنواع سواء في أن من لقي الله تعالى بواحد منها لا يغفر له .

(1/33)


قوله : { سواء عليهم } متساو لديهم { أأنذرتهم } : خوفتهم وحذرتهم ، والإنذار : إعلام مع تخويف وتحذير ، فكل منذر معلم وليس كل معلم منذرا . { أم } : حرف عطف على الاستفهام ، { لم } : حرف جزم لا يلي إلا الفعل ، لأن الجزم يختص بالأفعال . { تنذرهم لا يؤمنون } : وهذه الآية في أقوام حقت عليهم كلمة الشقاوة في سابق علم الله .
ثم ذكر سبب تركهم الإيمان فقال :
[7] { ختم الله } أي : طبع الله { على قلوبهم } فلا تعي خيرا ولا تفهمه ، وحقيقة الختم : الاستيثاق من الشيء كيلا يدخله ما خرج منه ولا يخرج عنه ما فيه ، ومنه الختم على الباب ، قال أهل السنة : أي حكم على قلوبهم بالكفر لما سبق من علمه الأول فيهم ، وقال المعتزلة : جعل على قلوبهم علامة تعرفهم الملائكة بها ، { وعلى سمعهم } ، أي : على موضع سمعهم فلا يسمعون الحق ولا ينتفعون به ، وأراد على أسماعهم كما قال على قلوبهم ، وإنما وحده لأنه مصدر والمصدر لا يثنى ولا يجمع . { وعلى أبصارهم غشاوة } : هذا ابتداء كلام ، غشاوة أي : غطاء فلا يرون الحق .

(1/34)


{ ولهم عذاب عظيم } أي : في الآخرة ، وقيل : القتل والأسر في الدنيا والعذاب الدائم في العقبى ، والعذاب : كل ما يعني الإنسان ويشق عليه ، قال الخليل : العذاب ما يمنع الإنسان عن مراده ، ومنه الماء العذب لأنه يمنع العطش .
[8] قوله : { ومن الناس من يقول آمنا بالله } نزلت في المنافقين وأكثرهم من اليهود ، والناس : جمع إنسان ، وسمي به لأنه عهد إليه فنسي ، كما قال الله تعالى : { ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي } ، وقيل : لظهوره من قولهم أي أبصرت ، وقيل : لأنه يستأنس به . { وباليوم الآخر } أي : بيوم القيامة ، قال الله تعالى : { وما هم بمؤمنين } .

(1/35)


[9] { يخادعون الله } أي : يخالفون الله ، وأصل الخداع في اللغة الإخفاء ، ومنه المخدع للبيت الذي يخفي فيه المتاع ، فالمخادع يظهر خلاف ما يضمر . وقيل : أصل الخداع : الفساد ، معناه : يفسدون ما أظهروا من الإيمان بما أضمروا من الكفر { والذين آمنوا } ، أي ويخادعون المؤمنين بقولهم إذا رأوهم آمنا وهم غير مؤمنين . { وما يخدعون إلا أنفسهم } لأن وبال خداعهم راجع إليهم لأن الله يطلع نبيه صلى الله عليه وسلم على نفاقهم فيفتضحون في الدنيا ويستوجبون العقاب في العقبى ، { وما يشعرون } أي : لا يعلمون أنهم يخدعون أنفسهم وأن وبال خداعهم يعود عليهم .
[10] { في قلوبهم مرض } : شك ونفاق ، وأصل المرض الضعف ، سمي الشك في الدنيا مرضا لأنه يضعف الدين كالمرض يضعف البدن ، { فزادهم الله مرضا } ، لأن الآيات كانت تنزل تترى آية بعد آية ، كلما كفروا بآية ازدادوا كفرا ونفاقا { ولهم عذاب أليم } : مؤلم يخلص وجعه إلى قلوبهم ، { بما كانوا يكذبون } : ما للمصدر ، أي : بتكذيبهم الله ورسوله في السر .

(1/36)


[11] { وإذا قيل لهم } ، يعني : للمنافقين ، وقيل : لليهود ، أي : قال لهم المؤمنون : { لا تفسدوا في الأرض } ، بالكفر وتعويق الناس عن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن ، وقيل : معناه لا تكفروا ، والكفر أشد فسادا في الدين ، { قالوا إنما نحن مصلحون } : يقول هذا القول كذبا كقولهم آمنا وهم كاذبون .
[12] { ألا } : كلمة تنبيه ينبه بها المخاطب ، { إنهم هم المفسدون } أنفسهم بالكفر ، والناس بالتعويق عن الإيمان ، { ولكن لا يشعرون } أي : لا يعلمون أنهم مفسدون ، لأنهم يظنون أن الذي هم عليه من إبطان الكفر صلاح ، وقيل : لا يعلمون ما أعد الله لهم من العذاب .

(1/37)


[13] { وإذا قيل لهم } أي : للمنافقين ، وقيل : لليهود : { آمنوا كما آمن الناس } : عبد الله بن سلام وغيره من مؤمني أهل الكتاب ، وقيل : كما آمن المهاجرون والأنصار ، { قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء } أي : الجهال ، فإن قيل : كيف يصح النفاق مع المجاهرة . بقولهم أنؤمن كما آمن السفهاء ؟ قيل : إنهم كانوا يظهرون هذا القول فيما بينهم لا عند المؤمنين ، فأخبر الله نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بذلك فرد الله عليهم فقال : { ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون } ، أنهم كذلك ، والسفيه خفيف العقل رقيق الحلم ، من قولهم : ثوب سفيه أي : رقيق ، وقيل : السفيه : الكذاب الذي يتعمد بخلاف ما يعلم .

(1/38)


[14] { وإذا لقوا الذين آمنوا } ، يعني : هؤلاء المنافقين إذا لقوا المهاجرين والأنصار : { قالوا آمنا } كإيمانكم { وإذا خلوا } رجعوا ، ويجوز أن يكون من الخلوة ، و { إلى } ، بمعنى : الباء أي : بشياطينهم ، وقيل : إلى بمعنى مع ، كما قال الله تعالى : { ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم } أي : مع أموالكم { شياطينهم } ، أي : رؤسائهم وكهنتهم ، ولا يكون كاهن إلا ومعه شيطان تابع له ، والشيطان : المتمرد العاتي من الجن والإنس ومن كل شيء ، وأصله البعد ، يقال : بئر شطون ، أي : بعيدة العمق ، سمي الشيطان شيطانا لامتداده في الشر وبعده من الخير ، وقال مجاهد : إلى أصحابهم من المنافقين والمشركين ، { قالوا إنا معكم } ، أي : على دينكم { إنما نحن مستهزئون } بمحمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه بما نظهر من الإسلام .

(1/39)


[15] { الله يستهزئ بهم ويمدهم } : يتركهم ويمهلهم ، والمد والإمداد واحد ، وأصله الزيادة إلا أن المد كثيرا ما يأتي في الشر ، والإمداد في الخير ، قال الله تعالى في المد { ونمد له من العذاب مدا } ، وقال في الإمداد : { وأمددناكم بأموال وبنين } ، { وأمددناهم بفاكهة } . { في طغيانهم } أي : في ضلالتهم ، وأصل الطغيان : مجاوزة الحد ، ومنه : طغى الماء { يعمهون } ، أي يترددون في الضلالة متحيرين .

(1/40)


[16] { أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى } : بالإيمان { فما ربحت تجارتهم } أي : استبدلوا الكفر ، أي : ما ربحوا في تجارتهم { وما كانوا مهتدين } : من الضلالة ، وقيل : مصيبين في تجارتهم .

(1/41)


[17] { مثلهم } : شبههم ، وقيل : صفتهم ، والمثل قول سائر في عرف الناس يعرف به منه الشيء ، وهو أحد أقسام القرآن السبعة ، { كمثل الذي } : يعني الذين بدليل سياق الآية { استوقد نارا } : أوقد نارا ، { فلما أضاءت } النار { ما حوله } ، أي : حول المستوقد { ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون } ، قال ابن عباس : نزلت في المنافقين ، يقول : مثلهم في نفاقهم كمثل رجل أوقد نارا في ليلة مظلمة في مفازة فاستدفأ ورأى ما حوله فاتقى مما يخاف ، فبينما هو كذلك إذ طفئت ناره فبقي في ظلمة خائفا متحيرا ، فكذلك المنافقون بإظهار كلمة الإيمان أمنوا على أموالهم وأولادهم وناكحوا المؤمنين ، ووارثوهم وقاسموهم الغنائم ، فذلك نورهم ، فإذا ماتوا عادوا إلى الظلمة والخوف ، وقيل : ذهاب نورهم في القبر ، وقيل : في القيامة حيث يقولون للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم ، وقيل : ذهاب نورهم بإظهار عقيدتهم على لسان النبي صلى الله عليه وسلم ، فضرب النار مثلا ، ثم لم يقل : أطفأ الله نورهم لكن عبر بإذهاب النور عنه ، لأن النار نور وحرارة فيذهب نورهم

(1/42)


وتبقى الحرارة عليهم ، وقال مجاهد : إضاءة النار إقبالهم إلى المسلمين والهدى ، وذهاب نورهم إقبالهم إلى المشركين والضلالة ، وقال عطاء : نزلت في اليهود وانتظارهم خروج النبي صلى الله عليه وسلم واستفتاحهم به على مشركي العرب ، فلما خرج كفروا به .
ثم وصفهم الله فقال :
[18] { صم } أي : هم صم عن الحق لا يقبلونه ، وإذا لم يقبلوا فكأنهم لم يسمعوا ، { بكم } خرس عن الحق لا يقولونه ، أو أنهم لما أبطنوا خلاف ما أظهروا فكأنهم لم ينطقوا بالحق ، { عمي } أي : لا بصائر لهم ، ومن لا بصيرة له كمن لا بصر له ، { فهم لا يرجعون } عن الضلالة إلى الحق .

(1/43)


[19] { أو كصيب } أي : كأصحاب صيب ، وهذا مثل آخر ضربه الله تعالى للمنافقين ، بمعنى : إن شئت مثلهم بالمستوقد ، وإن شئت بأهل الصيب ، والصيب : المطر وكل ما نزل من الأعلى إلى الأسفل فهو صيب ، فعيل من صاب يصوب ، أي : نزل { من السماء } أي : من السحاب ، وقيل : هي السماء بعينها ، والسماء كل ما علاك فأظلك ، وهي من أسماء الأجناس يكون واحدا وجمعا . { فيه } أي : في الصيب ، وقيل : في السماء ، أي : في السحاب { ظلمات } جمع ظلمة { ورعد } : وهو الصوت الذي يسمع من السحاب ، { وبرق } : وهو النار التي تخرج منه { يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق } : جمع صاعقة ، وهي الصيحة التي يموت من يسمعها أو يغشى عليه ، ويقال لكل عذاب مهلك : صاعقة .
قوله : { حذر الموت } ، أي : مخافة الهلاك ، { والله محيط بالكافرين } ، أي : عالم بهم ، وقيل : جامعهم ، قال مجاهد : يجمعهم فيعذبهم ، وقيل : مهلكهم ، دليله قوله تعالى . { إلا أن يحاط بكم } أي تهلكوا جميعا .

(1/44)


[20] { يكاد البرق } ، أي : يقرب ، يقال : كاد يفعل إذا قرب ولم يفعل ، { يخطف أبصارهم } : يختلسها ، والخطف استلاب بسرعة { كلما } متى ما ، { أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا } ، أي : وقفوا متحيرين ، فالله تعالى شبههم في كفرهم ونفاقهم بقوم كانوا في مفازة وسواد في ليلة مظلمة أصابهم مطر فيه ظلمات ، من صفتها أن الساري لا يمكنه المشي فيها ، ورعد من صفته أن يضم السامعون أصابعهم إلى آذانهم من هوله ، وبرق من صفته أن يقرب من أن يخطف أبصارهم ويعميها من شدة توقده ، فهذا مثل ضربه الله للقرآن ، وصنيع الكافرين والمنافقين معه ، فالمطر : القرآن لأنه حياة الجنان كما أن المطر حياة الأبدان ، والظلمات : ما في القرآن من ذكر الكفر والشرك ، والرعد ما خوفوا به من الوعيد ، وذكر النار ، والبرق ما فيه من الهدى والبيان والوعد ، وذكر الجنة ، فالكافرون يسدون آذانهم عند قراءة القرآن مخافة ميل القلب إليه ، لأن الإيمان عندهم كفر ، والكفر موت ، يكاد البرق يخطف أبصارهم أي : القرآن يبهر قلوبهم . وقيل : هذا مثل ضربه الله للإسلام ، فالمطر : الإسلام ، والظلمات : ما فيه من

(1/45)


البلاء والمحن ، والرعد : ما فيه من الوعيد والمخاوف في الآخرة ، والبرق : ما فيه من الوعد ، { يجعلون أصابعهم في آذانهم } يعني : أن المنافقين إذا رأوا في الإسلام بلاء وشدة هربوا حذرا من الهلاك ، والله محيط بالكافرين : جامعهم ، يعني : لا ينفعهم هربهم لأن الله تعالى من ورائهم يجمعهم فيعذبهم ، { يكاد البرق } يعني : دلائل الإسلام تزعجهم إلى النظر لولا ما سبق لهم من الشقاوة { كلما أضاء لهم مشوا فيه } يعني : أن المنافقين إذا أظهروا كلمة الإيمان آمنوا فإذا ماتوا عادوا إلى الظلمة ، وقيل : معناه كلما نالوا غنيمة وراحة في الإسلام ثبتوا وقالوا : إنا معكم ، وإذا أظلم عليهم يعني : رأوا شدة وبلاء تأخروا وقاموا ، أي : وقفوا { ولو شاء الله لذهب بسمعهم } ، أي : بأسماعهم { وأبصارهم } الظاهرة ، كما ذهب بأسماعهم وأبصارهم الباطنة ، وقيل : لذهب بما استفادوا من العز والأمان الذي لهم بمنزلة السمع والبصر { إن الله على كل شيء قدير } : قادر .

(1/46)


[21] قوله تعالى : { يا أيها الناس } ، قال ابن عباس : يا أيها الناس : خطاب أهل مكة ، ويا أيها الذين آمنوا خطاب أهل المدينة ، وهو ههنا عام إلا من حيث إنه لا يدخله الصغار والمجانين { اعبدوا } : وحدوا ، قال ابن عباس : كل ما ورد في القرآن من العبادة فمعناها التوحيد ، { ربكم الذي خلقكم } : والخلق اختراع الشيء على غير مثال سبق { والذين من قبلكم } ، أي وخلق الذين من قبلكم { لعلكم تتقون } : لكي تنجوا من العذاب ، وقيل : معناه كونوا على رجاء التقوى بأن تصيروا في ستر ووقاية من عذاب الله ، وحكم الله من ورائكم يفعل ما يشاء .

(1/47)


[22] { الذي جعل لكم الأرض فراشا } ، أي بساطا ، وقيل : مناما ، وقيل : وطاء ، أي : ذللها ولم يجعلها حزنة لا يمكن القرار عليها ، والجعل ههنا بمعنى : الخلق ، { والسماء بناء } : سقفا مرفوعا ، { وأنزل من السماء } ، أي : من السحاب ، { ماء } ، وهو المطر ، { فأخرج به من الثمرات } : من ألوان الثمرات وأنواع النبات ، { رزقا لكم } : طعاما لكم وعلفا لدوابكم ، { فلا تجعلوا لله أندادا } ، أي : أمثالا تعبدونهم كعبادة الله ، وقال أبو عبيدة : الند الضد ، وهو من الأضداد ، والله تعالى بريء من المثل والضد ، { وأنتم تعلمون } : أنه واحد خالق هذه الأشياء .

(1/48)


[23] { وإن كنتم في ريب } ، أي : وإن كنتم في شك ، لأن الله تعالى علم أنهم شاكون { مما نزلنا } ، يعني : القرآن ، { على عبدنا } : محمد ، { فأتوا } : أمر تعجيز ، { بسورة } ، والسورة قطعة من القرآن معلومة الأول والآخر . { من مثله } ، أي : مثل القرآن ، ومن : صلة ، كقوله تعالى : { قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم } ، وقيل : الهاء في مثله راجعة إلى محمد صلى الله عليه وسلم ، يعني : من مثل محمد صلى الله عليه وسلم أمي لا يحسن الخط والكتابة ، { وادعوا شهداءكم } ، أي : واستعينوا بآلهتكم التي تعبدونها ، { من دون الله } ، وقال مجاهد : ناسا يشهدون لكم ، { إن كنتم صادقين } : أن محمدا صلى الله عليه وسلم تقوله من تلقاء نفسه ، فلما تحداهم عجزوا ، فقال :

(1/49)


[24] { فإن لم تفعلوا } ، فيما مضى { ولن تفعلوا } أبدا فيما بقي ، وإنما قال ذلك لبيان الإعجاز ، وأن القرآن كان معجزة النبي صلى الله عليه وسلم حيث عجزوا عن الإتيان بمثله ، قوله : { فاتقوا النار } ، أي : فآمنوا واتقوا بالإيمان النار ، { التي وقودها الناس والحجارة } ، قال ابن عباس وأكثر المفسرين : يعني حجارة الكبريت لأنها أكثر التهابا ، وقيل : جمع الحجارة ، وهو دليل على عظم تلك النار ، وقيل : أراد بها الأصنام لأن أكثر أصنامهم كانت منحوتة من الحجارة ، كما قال : { إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم } ، { أعدت } : هيئت { للكافرين } .

(1/50)


[25] قوله تعالى : { وبشر الذين آمنوا } ، أي : أخبر ، والبشارة : كل خبر صدق تتغير به بشرة الوجه ، ويستعمل في الخير والشر وفي الخير أغلب ، { وعملوا الصالحات } ، أي : الفعلات الصالحات ، يعني : المؤمنين الذين هم من أهل الطاعات قال معاذ : العمل الصالح الذي فيه أربعة أشياء : العلم والنية والصبر والإخلاص ، { أن لهم جنات } : جمع الجنة ، والجنة : البستان الذي فيه أشجار مثمرة ، سميت بها لاجتنانها وتسترها بالأشجار ، وقال الفراء : الجنة ما فيه النخيل ، والفردوس ما فيه الكرم { تجري من تحتها } أي : من تحت أشجارها ومساكنها { الأنهار } أي : المياه في الأنهار ، لأن النهر لا يجري ، وقيل : من تحتها أي : بأمرهم ، والأنهار جمع نهر ، سمي به لسعته وضيائه ، ومنه النهار { كلما } : متى ما ، { رزقوا } : أطعموا { منها } أي : من الجنة ، { من ثمرة } أي : ثمرة ، ومن : صلة . { رزقا } : طعاما ، { قالوا هذا الذي رزقنا من قبل } قيل : من قبل في الدنيا ، وقيل : الثمار في الجنة متشابهة في اللون مختلفة في الطعم ، فإذا رزقوا ثمرة بعد أخرى ظنوا

(1/51)


أنها الأولى ، { وأتوا به } : رزقا { متشابها } ، قال ابن عباس ومجاهد والربيع : متشابها في الألوان مختلفا في الطعوم ، وقال الحسن وقتادة : متشابها أي : يشبه بعضها بعضا في الجودة ، أي : كلها خيار لا رذالة فيها ، وقال محمد بن كعب : يشبه ثمر الدنيا ، غير أنها أطيب ، وقيل : متشابها في الاسم مختلفا في الطعم ، قال ابن عباس رضي الله تعالى عنه : ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسامي .
قوله تعالى : { ولهم فيها } : في الجنان { أزواج } : نساء وجوار ، يعني : من الحور العين ، { مطهرة } : من الغائط والبول والحيض والنفاس والبصاق والمخاط والمني والولد وكل قذر ، وقيل : مطهرة عن مساوئ الأخلاق { وهم فيها خالدون } ، دائمون لا يموتون فيها ولا يخرجون منها .

(1/52)


[26] قوله تعالى : { إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا } يذكر شبها ، { ما بعوضة } ما : صلة ، أي : مثلا بالبعوضة ، وبعوضة : نصب بدل عن المثل ، والبعوض صغار البق ، سميت بعوضة لأنها كانت بعض البق ، { فما فوقها } ، يعني : الذباب والعنكبوت ، وقال أبو عبيدة : أي : فما دونها ، كما يقال : فلان جاهل ، فيقال : وفوق ذلك ، أي : وأجهل . { فأما الذين آمنوا } : بمحمد والقرآن ، { فيعلمون أنه } ، يعني : المثل هو { الحق } : الصدق { من ربهم وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلا } أي : بهذا المثل ، فلما حذف الألف واللام نصب على الحال والقطع ، ثم أجابهم فقال : { يضل به كثيرا } من الكفار ، وذلك أنهم يكذبون فيزدادون ضلالا ، { ويهدي به } ، أي بهذا المثل { كثيرا } من المؤمنين فيصدقونه ، والإضلال هو الصرف عن الحق إلى الباطل ، وقيل : هو الهلاك ، يقال : ضل الماء في اللبن إذا هلك ، { وما يضل به إلا الفاسقين } : الكافرين ، وأصل الفسق : الخروج ، يقال : فسقت الرطبة إذا خرجت عن

(1/53)


قشرها ، ثم وصفهم فقال :
[27] { الذين ينقضون } : يخالفون ويتركون ، وأصل النقض : الكسر ، { عهد الله } : أمر الله الذي عهد إليهم يوم الميثاق بقوله : { ألست بربكم } ؟ { قالوا بلى } ، وقيل : أراد به العهد الذي أخذه على النبيين وسائر الأمم أن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم في قوله : { وإذ أخذ الله ميثاق النبيين } ، الآية ، وقيل : أراد به العهد الذي عهد إليهم في التوراة أن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم ويبينوا نعته ، { من بعد ميثاقه } : توكيده ، والميثاق : العهد المؤكد ، { ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل } ، يعني : الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وبجميع الرسل عليهم السلام وقيل : أراد به الأرحام ، { ويفسدون في الأرض } : بالمعاصي وتعويق الناس عن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وبالقرآن ، { أولئك هم الخاسرون } : المغبونون .
ثم قال لمشركي العرب على وجه التعجب :
[28] { كيف تكفرون بالله } ؟ بعد نصب الدلائل ووضوح البرهان .

(1/54)


ثم ذكر الدلائل فقال : { وكنتم أمواتا } : نطفا في أصلاب آبائكم ، { فأحياكم } : في الأرحام والدنيا ، { ثم يميتكم } عند انقضاء آجالكم ، { ثم يحييكم } : للبعث ، { ثم إليه ترجعون } ، أي : تردون في الآخرة فيجزيكم بأعمالكم .
[29] قوله تعالى : { هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا } ، لكي تعتبروا وتستدلوا ، وقيل : لكي تنتفعوا ، { ثم استوى إلى السماء } ، قال ابن عباس وأكثر مفسري السلف : أي ارتفع إلى السماء { فسواهن سبع سماوات } : خلقهن مستويات لا فطور فيها ولا صدوع ، { وهو بكل شيء عليم } .

(1/55)


[30] { وإذ قال ربك } ، أي : وقال ربك وإذ زائدة ، وقيل : معناه واذكر إذ قال ربك ، وكذلك كل ما ورد في القرآن من هذا النحو فهذا سبيله ، إذ وإذا : حرفا توقيت إلا أن إذ للماضي وإذا للمستقبل ، وقد يوضع أحدهما موضع الآخر . { للملائكة } ، جمع ملك ، وأراد به الملائكة الذين كانوا في الأرض { إني جاعل في الأرض خليفة } ، أي : بدلا منكم ، والمراد بالخليفة ههنا آدم { قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها } : بالمعاصي ، { ويسفك الدماء } بغير حق { ونحن نسبح بحمدك } ، قال الحسن : نقول : سبحان الله وبحمده هو صلاة الخلق وصلاة البهائم وغيرهما سوى الآدميين { ونقدس لك } ، أي : نثني عليك بالقدس والطهارة عما لا يليق بعظمتك وجلالك ، وقيل : ونطهر أنفسنا لطاعتك ، وقيل : وننزهك ، واللام : صلة ، وقيل : لم يكن هذا من الملائكة على طريق الاعتراض والعجب بالعمل بل على سبيل التعجب وطلب الحكمة فيه ، قال الله { إني أعلم ما لا تعلمون } : من المصلحة فيه ، وقيل : إني أعلم أن في ذريته من يطيعني ويعبدني من الأنبياء والأولياء والصلحاء ، وقيل

(1/56)


: إني أعلم أن فيكم من يعصيني وهو إبليس ، وقيل : إني أعلم أنهم يذنبون وأنا أغفر لهم .

(1/57)


[31] قوله تعالى : { وعلم آدم الأسماء كلها } : سمي آدم لأنه خلق من أديم الأرض ، وقيل : لأنه كان آدم اللون ، فلما خلقه الله عز وجل علمه أسماء الأشياء ، وذلك أن الملائكة قالوا لما قال الله تعالى : { إني جاعل في الأرض خليفة } ليخلق ربنا ما شاء فلن يخلق خلقا أكرم عليه منا وإن كان غيرنا أكرم عليه فنحن أعلم منه لأنا خلقنا قبله ورأينا ما لم يره ، فأظهر الله تعالى فضله عليهم بالعلم ، قال ابن عباس : علمه اسم كل شيء حتى القصعة والقصيعة ، وقيل : اسم ما كان وما يكون إلى يوم القيامة ، وقال الربيع بن أنس : أسماء الملائكة ، وقيل : أسماء ذريته ، وقيل : صنعة كل شيء { ثم عرضهم على الملائكة } إنما قال : { عرضهم } ، ولم يقل عرضها لأن المسميات إذا جمعت من يعقل ومن لا يعقل يكنى عنها بلفظ من يعقل ، كما يكنى عن الذكور والإناث بلفظ الذكور ، وقال مقاتل : خلق الله كل شيء الحيوان والجماد ثم عرض تلك الشخوص على الملائكة ، فالكناية راجعة إلى الشخوص ، فلذلك قال عرضهم { فقال أنبئوني } أخبروني { بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين } ، إني لا أخلق

(1/58)


خلقا إلا وكنتم أفضل وأعلم منه .
فقالت الملائكة إقرارا بالعجز :
[32] { قالوا سبحانك } : تنزيها لك ، { لا علم لنا إلا ما علمتنا } ، معناه : إنك أجل من أن نحيط بشيء من علمك إلا ما علمتنا ، { إنك أنت العليم } بخلقك { الحكيم } في أمرك ، والحكيم له معنيان : أحدهما الحاكم وهو القاضي العدل ، والثاني المحكم للأمر كي لا يتطرق إليه الفساد ، وأصل الحكمة في اللغة : المنع فهي تمنع صاحبها من الباطل .
فلما ظهر عجزهم .

(1/59)


[33] قال الله تعالى : { يا آدم أنبئهم بأسمائهم } ، أخبرهم بأسمائهم فسمى آدم كل شيء وذكر الحكمة التي لأجلها خلق ، { فلما أنبأهم بأسمائهم قال } الله تعالى : { ألم أقل لكم } يا ملائكتي { إني أعلم غيب السماوات والأرض } ، ما كان منهما وما يكون { وأعلم ما تبدون } ، قال الحسن وقتادة : يعني قولهم : أتجعل فيها من يفسد فيها ، { وما كنتم تكتمون } : قولكم لن يخلق الله خلقا أكرم عليه منا ، قال ابن عباس هو : إن إبليس مر على جسد آدم لا روح فيه ، فقال : لأمر ما خلق هذا ، ثم دخل في فيه وخرج من دبره ، وقال : إنه خلق لا يتماسك لأنه أجوف ، ثم قال للملائكة الذين معه : أرأيتم إن فضل هذا عليكم وأمرتم بطاعته ماذا تصنعون ؟ قالوا : نطيع أمر ربنا ، فقال إبليس في نفسه : والله لئن سلطت عليه لأهلكنه ولئن سلط علي لأعصينه ، فقال الله تعالى : { وأعلم ما تبدون } يعني ما تبديه الملائكة من الطاعة ، { وما كنتم تكتمون } يعني إبليس من المعصية .

(1/60)


[34] وقوله تعالى : { وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم } اختلفوا في هذا الخطاب مع الملائكة ، فقال بعضهم : مع الذين كانوا سكان الأرض والأصح أنه مع جميع الملائكة ، لقوله تعالى : { فسجد الملائكة كلهم أجمعون } ، وقوله : { اسجدوا } ، فيه قولان : الأصح أن السجود كان لآدم على الحقيقة وتضمن معنى الطاعة لله عز وجل وامتثال أمره ، وكان ذلك سجود تعظيم وتحية لا سجود عبادة ، كسجود إخوة يوسف له في قوله عز وجل : { وخروا له سجدا } ، ولم يكن فيه وضع الوجه على الأرض إنما كان انحناء فلما جاء الإسلام أبطل ذلك بالسلام ، وقيل : معنى قوله : { اسجدوا لآدم } أي : إلى آدم فكان آدم قبلة والسجود لله تعالى كما جعلت الكعبة قبلة للصلاة والصلاة لله عز وجل ، { فسجدوا } يعني : الملائكة ، { إلا إبليس } ، وكان اسمه عزازيل بالسريانية وبالعربية الحارث ، فلما عصى غير اسمه وصورته ، فقيل : إبليس لأنه أبلس من رحمة الله تعالى ، أي : يئس ، واختلفوا فيه ، فقال ابن عباس وأكثر المفسرين : كان إبليس من الملائكة ، وقال الحسن : كان من الجن ولم يكن من الملائكة لقوله تعالى

(1/61)


: { إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه } ، فهو أصل الجن كما أن آدم أصل الإنس ، ولأنه خلق من النار والملائكة خلقوا من النور ، ولأن له ذرية ولا ذرية للملائكة ، والأول أصح لأن خطاب السجود كان مع الملائكة ، وقوله : { كان من الجن } ، أي من الملائكة الذين هم خزنة الجنة ، وقال سعيد بن جبير : من الذين يعملون في الجنة وقيل : إن فرقة من الملائكة خلقوا من النار سموا جنا لاستتارهم عن الأعين ، وإبليس كان منهم .
قوله : { أبى } أي : امتنع فلم يسجد ، { واستكبر } أي : تكبر عن السجود لآدم ، { وكان } أي : وصار { من الكافرين } ، وقال أكثر المفسرين : وكان في سابق علم الله من الكافرين الذين وجبت لهم الشقاوة . قوله تعالى :

(1/62)


[35] { وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا } : واسعا كثيرا ، { حيث شئتما } : كيف شئتما ومتى شئتما وأين شئتما ، { ولا تقربا هذه الشجرة } ، يعني : بالأكل ، قال بعض العلماء : وقع النهي على جنس من الشجر ، وقال آخرون : على شجرة مخصوصة { فتكونا } : فتصيرا { من الظالمين } ، أي : الضارين أنفسكما بالمعصية ، وأصل الظلم : وضع الشيء في غير موضعه .

(1/63)


[36] { فأزلهما } : استزل { الشيطان } آدم وحواء ، أي : دعاهما إلى الزلة { عنها } عن الجنة { فأخرجهما مما كانا فيه } : من النعيم { وقلنا اهبطوا } : انزلوا إلى الأرض ، يعني : آدم وحواء وإبليس والحية { بعضكم لبعض عدو } أراد العداوة التي بين ذرية آدم والحية ، وبين المؤمنين من ذرية آدم وبين إبليس ، وقوله تعالى : { ولكم في الأرض مستقر } موضع قرار { ومتاع } بلغة ومستمتع { إلى حين } إلى انقضاء آجالكم .

(1/64)


[37] { فتلقى } التلقي : هو قبول عن فطنة وفهم ، وقيل : هو التعلم ، { آدم من ربه كلمات } اختلفوا في تلك الكلمات ، قال سعيد بن جبير ومجاهد والحسن : هي قوله : { ربنا ظلمنا أنفسنا } الآية ، وقال مجاهد ومحمد بن كعب القرظي : هو قوله : لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك رب عملت سوءا وظلمت نفسي فاغفر لي إنك أنت الغفور الرحيم ، لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك رب عملت سوءا وظلمت نفسي فارحمني إنك أنت أرحم الراحمين ، وقال عبيد بن عمير : هي أن آدم قال : يا رب أرأيت ما أتيت ، أشيء ابتدعته من تلقاء نفسي أم شيء قدرته علي قبل أن تخلقني ؟ قال الله تعالى : لا بل شيء قدرته عليكم قبل أن أخلقك ، قال : يا رب فكما قدرته قبل أن تخلقني فاغفر لي ، وقيل : هي ثلاثة أشياء الحياء والدعاء والبكاء . قوله : { فتاب عليه } : فتجاوز عنه { إنه هو التواب } : يقبل توبة عباده { الرحيم } : بخلقه .

(1/65)


[38] قوله تعالى : { قلنا اهبطوا منها جميعا } ، يعني : هؤلاء الأربعة وقيل الهبوط الأول من الجنة إلى السماء الدنيا ، والهبوط الثاني من السماء الدنيا إلى الأرض { فإما يأتينكم } ، أي فإن يأتكم يا ذرية آدم { مني هدى } ، أي : رشد وبيان شريعة ، وقيل : كتاب ورسول ، { فمن تبع هداي فلا خوف عليهم } فيما يستقبلهم { ولا هم يحزنون } على ما خلفوا ، وقيل : لا خوف عليهم في الدنيا ولا هم يحزنون في الآخرة .
[39] { والذين كفروا } : جحدوا { وكذبوا بآياتنا } بالقرآن { أولئك أصحاب النار } : يوم القيامة ، { هم فيها خالدون } : لا يخرجون منها ولا يموتون فيها .

(1/66)


[40] قوله تعالى : { يا بني إسرائيل } يا أولاد يعقوب ، ومعنى إسرائيل : عبد الله { اذكروا } : احفظوا ، والذكر يكون بالقلب ويكون باللسان ، وقيل : أراد به الشكر ، وذكر بلفظ الذكر ، لأن في الشكر ذكرا وفي الكفران نسيانا ، قال الحسن : ذكر النعمة شكرها ، { نعمتي } ، أي : نعمي ، لفظها واحد ومعناها جمع { التي أنعمت عليكم } ، أي : على أجدادكم وأسلافكم ، قال قتادة : هي النعم التي خصت بها بنو إسرائيل : فلق البحر ، وإنجاؤهم من فرعون بإغراقه ، وتظليل الغمام عليهم في التيه ، وإنزال المن والسلوى ، وإنزال التوراة ، في نعم كثيرة لا تحصى ، وقال غيره : هي جميع النعم التي لله عز وجل على عباده ، { وأوفوا بعهدي } : بامتثال أمري { أوف بعهدكم } : بالقبول والثواب { وإياي فارهبون } : فخافوني في نقض العهد .

(1/67)


[41] { وآمنوا بما أنزلت } يعني القرآن ، { مصدقا لما معكم } ، أي : موافقا لما معكم من التوراة في التوحيد والنبوة والأخبار ونعت النبي صلى الله عليه وسلم ، { ولا تكونوا أول كافر به } ، أي : بالقرآن ، يريد من أهل الكتاب ، لأن قريشا كفرت قبل اليهود بمكة ، معناه ولا تكونوا أول من كفر بالقرآن فتتابعكم اليهود على ذلك فتبوءوا بآثامكم وآثامهم ، { ولا تشتروا } ، أي ولا تستبدلوا { بآياتي } : ببيان صفة محمد صلى الله عليه وسلم ، { ثمنا قليلا } أي : عوضا يسيرا من الدنيا ، وذلك أن رؤساء اليهود وعلماءهم كانت لهم مأكلة يصيبونها من سفلتهم وجهالهم يأخذون كل عام منهم شيئا معروفا من زروعهم وضروعهم ونقودهم ، فخافوا أنهم إن بينوا صفة محمد صلى الله عليه وسلم وتابعوه أن تفوتهم تلك المأكلة ، فغيروا نعته وكتموا اسمه ، فاختاروا الدنيا على الآخرة { وإياي فاتقون } فاخشوني .

(1/68)


[42] { ولا تلبسوا الحق بالباطل } ، أي لا تخلطوا الحق الذي أنزلت عليكم من صفة محمد صلى الله عليه وسلم بالباطل الذي تكتبونه بأيديكم من تغيير صفة محمد صلى الله عليه وسلم ، والأكثرون على أنه أراد لا تلبسوا الإسلام باليهودية والنصرانية ، وقال مقاتل : إن اليهود أقروا ببعض صفة محمد صلى الله عليه وسلم وكتموا بعضا ليصدقوا في ذلك ، فقال ولا تلبسوا الحق الذي تغيرون بالباطل ، يعني : بما تكتمونه ، فالحق بيانهم والباطل كتمانهم ، { وتكتموا الحق } ، أي : لا تكتموه ، يعني : نعت محمد صلى الله عليه وسلم ، { وأنتم تعلمون } أنه نبي مرسل .

(1/69)


[43] { وأقيموا الصلاة } ، يعني : الصلوات الخمس بمواقيتها وحدودها ، { وآتوا الزكاة } أدوا زكاة أموالكم المفروضة ، فهي مأخوذة من زكاة الزرع إذا نما وكثر ، وقيل : من تزكى ، أي تطهر ، وكلا المعنيين موجودان في الزكاة لأن فيها تطهير أو تنمية للمال ، { واركعوا مع الراكعين } ، أي صلوا مع المصلين محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، وذكر بلفظ الركوع لأن الركوع ركن من أركان الصلاة ، ولأن صلاة اليهود لم يكن فيها ركوع ، وكأنه قال صلوا صلاة ذات ركوع ، قيل : وإعادته بعد قوله : { وأقيموا الصلاة } لهذا ، أي : صلوا مع الذين في صلواتهم ركوع ، فالأول مطلق في حق الكل ، وهذا في حق أقوام مخصوصين ، وقيل : هذا حث على إقام الصلاة جماعة كأنه قال لهم : صلوا مع المصلين الذين سبقوهم بالإيمان .

(1/70)


[44] { أتأمرون الناس بالبر } ، أي : بالطاعة ، نزلت في علماء اليهود وذلك أن الرجل منهم كان يقول لقريبه وحليفه من المؤمنين إذا سأله عن أمر محمد صلى الله عليه وسلم : اثبت على دينه فإن أمره حق ، وقوله صدق ، وقيل : هو خطاب لأحبارهم حيث أمروا أتباعهم بالتمسك بالتوراة ، ثم خالفوا وغيروا نعت محمد صلى الله عليه وسلم ، { وتنسون أنفسكم } ، أي : تتركون أنفسكم فلا تتبعونه ، { وأنتم تتلون الكتاب } : تقرءون التوراة فيها نعته وصفته ، { أفلا تعقلون } : أنه حق فتتبعون ، والعقل مأخوذ من عقال الدابة ، وهو ما يشد به ركبة البعير فيمنعه عن الشرود ، فكذلك العقل يمنع صاحبه من الكفر والجحود .

(1/71)


[45] { واستعينوا } : على ما يستقبلكم من أنواع البلاء ، وقيل : على طلب الآخرة ، { بالصبر والصلاة } : أراد حبس النفس عن المعاصي ، وقيل : أراد بالصبر : الصبر على أداء الفرائض ، وقال مجاهد : الصبر : الصوم ، ومنه سمي شهر رمضان شهر الصبر ، وذلك لأن الصوم يزهده في الدنيا والصلاة ترغبه في الآخرة ، وقيل : الواو بمعنى " على " أي : واستعينوا بالصبر على الصلاة كما قال الله تعالى : { وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها } ، { وإنها } ، ولم يقل وإنهما ، رد الكناية إلى كل واحد منهما ، أي وإن كل خصلة منهما وقيل : معناه واستعينوا بالصبر وإنه لكبير ، وبالصلاة وإنها لكبيرة ، فحذف أحدهما اختصارا ، { لكبيرة } ، أي : لثقيلة { إلا على الخاشعين } ، يعني : المؤمنين ، وقال الحسن : الخائفين ، وقيل : المطيعين ، وقال مقاتل بن حيان : المتواضعين ، وأصل الخشوع : السكون ، قال الله تعالى : { وخشعت الأصوات للرحمن } ، فالخاشع ساكن إلى طاعة الله تعالى .

(1/72)


[46] { الذين يظنون } : يستيقنون ، فالظن من الأضداد يكون شكا ويقينا ، كالرجاء يكون أمنا وخوفا . { أنهم ملاقو } : معاينوا { ربهم } : في الآخرة ، وهو رؤية الله تعالى ، وقيل : المراد من اللقاء الصيرورة إليه ، { وأنهم إليه راجعون } : فيجزيهم بأعمالهم .
[47] { يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين } ، أي : عالمي زمانكم ، وذلك التفضيل وإن كان في حق الآباء ولكن يحصل به الشرف في حق الأبناء .
[48] { واتقوا يوما } : واخشوا عقاب يوم ، { لا تجزي نفس } . لا تقضي نفس { عن نفس شيئا } أي : حقا لزمها ، وقيل لا تغني ، وقيل لا تكفي شيئا من الشدائد { ولا يقبل منها شفاعة } إذا كانت كافرة { ولا يؤخذ منها عدل } ، أي فداء ، { ولا هم ينصرون } : يمنعون من عذاب الله .

(1/73)


[49] { وإذ نجيناكم } ، أي أسلافكم وأجدادكم فاعتدها منة عليهم ، لأنهم نجوا بنجاتهم ، { من آل فرعون } : أتباعه وأهل دينه ، وفرعون هو الوليد بن مصعب بن الريان ، وكان من القبط { يسومونكم } : يكلفونكم ويذيقونكم { سوء العذاب } : أشد العذاب وأسوأه ، وقيل : يصرفونكم في العذاب مرة هكذا كالإبل السائمة في البرية ، وذلك أن فرعون جعل بني إسرائيل خدما وخولا ، وصنفهم في الأعمال فصنف يبنون ، وصنف يحرثون ويزرعون ، وصنف يخدمونه ، ومن لم يكن منهم في عمل وضع عليه الجزية ، وقيل : تفسير قوله : { يسومونكم سوء العذاب } : ما بعده وهو قوله تعالى : { يذبحون أبناءكم } ، فهو مذكور على وجه البدل من قوله : { يسومونكم سوء العذاب }{ ويستحيون نساءكم } يتركونهن أحياء ، وذلك أن فرعون رأى في منامه كأن نارا أقبلت من بيت المقدس وأحاطت بمصر وأحرقت كل قبطي فيها ، ولم يتعرض لبني إسرائيل ، فهاله ذلك وسأل الكهنة عن رؤياه فقالوا : يولد ولد في بني إسرائيل غلام يكون على يده هلاكك وزوال ملكك ، فأمر فرعون بقتل كل غلام يولد في بني إسرائيل { وفي

(1/74)


ذلكم بلاء من ربكم عظيم } ، قيل : البلاء : المحنة ، أي : في سومهم إياكم سوء العذاب محنة عظيمة ، وقيل : البلاء : النعمة ، أي في إنجائي إياكم منهم نعمة عظيمة ، فالبلاء يكون بمعنى النعمة وبمعنى الشدة ، فالله تعالى قد يختبر على النعمة بالشكر ، وعلى الشدة بالصبر ، قال الله تعالى : { ونبلوكم بالشر والخير فتنة } .

(1/75)


[50] { وإذ فرقنا بكم البحر } ، قيل : معناه فرقنا لكم ، وقيل : فرقنا البحر بدخولكم إياه ، وسمي البحر بحرا لاتساعه ، ومنه قيل للفرس : بحر إذا اتسع في جريه ، وذلك أنه لما دنا هلاك فرعون أمر الله تعالى موسى عليه السلام أن يسير ببني إسرائيل من مصر ليلا وخرج موسى عليه السلام في ستمائة ألف وعشرين ألف مقاتل لا يعدون ابن العشرين لصغره ولا ابن الستين لكبره ، وكانوا يوم دخلوا مصر مع يعقوب اثنين وسبعين إنسانا ما بين رجل وامرأة ، فخرج فرعون في طلب بني إسرائيل ، وعلى مقدمة عسكره هامان في ألف وسبعمائة ألف ، وكان فيهم سبعون ألفا من دهم الخيل سوى سائر الشيات فسارت بنو إسرائيل حتى وصلوا إلى البحر ونظروا فإذا هم بفرعون حين أشرقت الشمس ، فبقوا متحيرين فقالوا : يا موسى كيف نصنع وأين ما وعدتنا ؟ هذا فرعون خلفنا إن أدركنا قتلنا والبحر أمامنا إن دخلناه غرقنا ، قال الله تعالى : { فلما تراءى الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون }{ قال كلا إن معي ربي سيهدين } فأوحى الله إليه { أن اضرب بعصاك البحر } ، فضربه وظهر فيه اثنا عشر طريقا لكل

(1/76)


سبط طريق حتى عبروا البحر سالمين ، فذلك قوله تعالى : { وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم } : من آل فرعون والغرق { وأغرقنا آل فرعون } ، وذلك أن فرعون لما وصل إلى البحر فرآه منفلقا خاض البحر فأمر الله تعالى البحر أن يأخذهم فالتطم وأغرقهم أجمعين ، وذلك بمرأى من بني إسرائيل ، فذلك قوله تعالى : { وأنتم تنظرون } إلى مصارعهم ، وقيل : إلى إهلاكهم .

(1/77)


[51] : { وإذ واعدنا موسى } اسم عبري عرب وهو بالعبرانية الماء والشجر ، وسمي به لأنه أخذ من بين الماء والشجر ، ثم قلبت الشين المعجمة سينا في العربية ، { أربعين ليلة } ، أي : انقضاءها ، ثلاثون من ذي القعدة وعشر من ذي الحجة وذلك أن بني إسرائيل لما أمنوا من عدوهم ودخلوا مصر لم يكن لهم كتاب ولا شريعة ينتهون إليهما فوعد الله موسى ينزل عليهم التوراة ، فقال موسى لقومه : إني ذاهب لميقات ربكم آتيكم بكتاب فيه بيان ما تأتون وما تذرون ، وواعدهم أربعين ليلة ، ثلاثين من ذي القعدة وعشر من ذي الحجة ، واستخلف عليهم أخاه هارون ، فلما أتى الوعد جاء جبريل على فرس ليذهب بموسى إلى ربه ، فلما رآه السامري وكان رجلا صائغا ورأى موضع قدم الفرس تخضر من ذلك ، وكان منافقا أظهر الإسلام ، وكان من قوم يعبدون البقر فصاغ لهم عجلا في ثلاثة أيام فقال السامري : هذا إلهكم وإله موسى ، وكانت بنو إسرائيل قد أخلفوا الوعد فعدوا اليوم مع الليلة يومين ، فلما مضى عشرون يوما ولم يرجع موسى وقعوا في الفتنة ، وقيل : كان موسى قد وعدهم ثلاثين ليلة ثم زيدت العشرة فكانت فتنتهم في تلك العشرة ، فلما مضت الثلاثون

(1/78)


ولم يرجع موسى ظنوا أنه قد مات ، ورأوا العجل وسمعوا قول السامري ، فعكف ثمانية آلاف رجل منهم على العجل يعبدونه ، وقيل : كلهم عبدوه إلا هارون مع اثني عشر ألف رجل وهذا أصح ، وقال الحسن : كلهم عبدوه إلا هارون وحده ، فذلك قوله تعالى : { ثم اتخذتم العجل } ، أي : إلها { من بعده وأنتم ظالمون } : ضارون لأنفسكم بالمعصية واضعون العبادة في غير موضعها .
[52] { ثم عفونا عنكم } : محونا ذنوبكم { من بعد ذلك } : من بعد عبادتكم العجل ، { لعلكم تشكرون } : لكي تشكروا عفوي عنكم وصنيعي إليكم ، قيل : الشكر هو الطاعة بجميع الجوارح في السر والعلانية ، وقال الحسن : شكر النعمة ذكرها .
قوله تعالى :

(1/79)


[53] { وإذ آتينا موسى الكتاب } ، يعني التوراة ، { والفرقان } ، قال مجاهد : هو التوراة أيضا ذكرها باسمين ، قال الكسائي : الفرقان نعت الكتاب ، والواو زائدة ، يعني الكتاب الفرقان ، أي : المفرق بين الحلال والحرام ، وقال يمان بن ريان : أراد بالفرقان انفراق البحر كما قال : { وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم } , { لعلكم تهتدون } : بالتوراة .

(1/80)


[54] { وإذ قال موسى لقومه } الذين عبدوا العجل { يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم } : ضررتم بأنفسكم : { باتخاذكم العجل } : إلها قالوا : فأي شيء نصنع ؟ قال : { فتوبوا } : فارجعوا { إلى بارئكم } : خالقكم ، قالوا : كيف نتوب ؟ قال : { فاقتلوا أنفسكم } ، يعني : ليقتل البريء منكم المجرم ، { ذلكم } ، أي : القتل ، { خير لكم عند بارئكم } ، فلما أمرهم موسى بالقتل ، قالوا : نصبر لأمر الله فجلسوا بالأفنية محتبين ، وقيل لهم : من حل حبوته أو مد طرفه إلى قاتله أو اتقاه بيد أو رجل فهو ملعون مردودة توبته ، وأصلت القوم عليهم الخناجر ، وكان الرجل يرى ابنه وأباه وأخاه وقريبه وصديقه وجاره ، فلم يمكنهم المضي لأمر الله تعالى ، قالوا : يا موسى كيف نفعل ؟ فأرسل الله تعالى عليهم ضبابة وسحابة سوداء لا يبصر بعضهم بعضا فكانوا يقتلونهم إلى المساء فلما كثر القتل دعا موسى وهارون عليهما السلام وبكيا وتضرعا وقالا : يا رب هلكت بنو إسرائيل ، البقية البقية ، فكشف الله تعالى السحابة وأمرهم أن يكفوا عن القتل ، فكشف عن ألوف من القتلى فكان من قتل منهم

(1/81)


شهيدا ومن بقي مكفر عنه ذنوبه ، فذلك قوله تعالى : { فتاب عليكم } , أي : ففعلتم ما أمرتم به فتاب عليكم فتجاوز عنكم ، { إنه هو التواب } : القابل للتوبة ، { الرحيم } بهم .

(1/82)


[55] ، قوله تعالى : { وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة } ، وذلك أن الله تعالى أمر موسى عليه السلام أن يأتيه في ناس من بني إسرائيل يعتذرون إليه من عبادة العجل ، فاختار موسى سبعين رجلا من قومه من خيارهم فقالوا لموسى : اطلب لنا أن نسمع كلام ربنا ، فقال : أفعل ، وسمعوه وهو يكلم موسى يأمره وينهاه ، وأسمعهم الله إني أنا الله لا إله إلا أنا ، فلما فرغ موسى أقبل إليهم فقالوا له : لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة معاينة ، وذلك أن العرب تجعل العلم بالقلب رؤية ، فقال : جهرة ليعلم أن المراد منه العيان ، { فأخذتكم الصاعقة } ، أي : الموت ، وقيل : نار جاءت من السماء فأحرقتهم ، { وأنتم تنظرون } ، أي : ينظر بعضكم لبعض حين أخذكم الموت ، وقيل : تعلمون ، والنظر يكون بمعنى العلم ، فلما هلكوا جعل موسى يبكي ويتضرع ويقول : ماذا أقول لبني إسرائيل إذا أتيتهم وقد هلك خيارهم ؟ لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي ، أتهلكنا بما فعل السفهاء منا ، فلم يزل يناشد ربه حتى أحياهم الله تعالى رجلا رجلا ، بعدما ماتوا يوما وليلة ينظر بعضهم إلى بعض كيف يحيون فذلك قوله

(1/83)


تعالى :
[56] ، { ثم بعثناكم } : أحييناكم, والبعث : إثارة الشيء عن محله ، يقال : بعثت البعير وبعثت النائم فانبعث ، { من بعد موتكم } ، قال قتادة : أحياهم ليستوفوا بقية آجالهم وأرزاقهم ، ولو ماتوا بآجالهم لم يبعثوا إلى يوم القيامة ، { لعلكم تشكرون } .

(1/84)


[57] ، { وظللنا عليكم الغمام } ، في التيه تقيكم حر الشمس والغمام من الغم ، وأصله : التغطية والستر ، سمي السحاب غماما لأنه يغطي وجه الشمس ، وذلك أنه لم يكن لهم في التيه كن يسترهم فشكوا إلى موسى فأرسل الله تعالى غماما أبيض رقيقا أطيب من غمام المطر ، وجعل لهم عمودا من نور يضيء لهم الليل إذ لم يكن لهم قمر ، { وأنزلنا عليكم المن والسلوى } أي : في التيه ، والأكثرون : عن أن المن هو الترنجبين ، وقال مجاهد : هو شيء كالصمغ كان يقع على الأشجار طعمه كالشهد ، وقال وهب : هو الخبز الرقاق ، قال الزجاج : جملة المن من يمن الله به من غير تعب { كلوا } : أي : وقلنا لهم كلوا : { من طيبات } : حلالات ، { ما رزقناكم } ، ولا تدخروا لغد ، ففعلوا فقطع الله ذلك عنهم ، ودود وفسد ما ادخروا ، فقال الله تعالى : { وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون } ، أي : وما بخسوا بحقنا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون باستيجابهم عذابي ، وقطع مادة الرزق الذي كان ينزل عليهم بلا مؤنة في الدنيا ولا حساب في العقبى .

(1/85)


[58] ، قوله تعالى : { وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية } ، سميت القرية قرية لأنها تجمع أهلها ، ومنه المقراة للحوض لأنها تجمع الماء ، قال ابن عباس رضي الله عنهما : هي أريحاء وقيل : بلقاء ، وقال مجاهد : بيت المقدس ، وقال الضحاك : هي الرملة والأردن وفلسطين وتدمر ، وقال مقاتل : إيليا ، وقال ابن كيسان : الشام ، { فكلوا منها حيث شئتم رغدا } : موسعا عليكم { وادخلوا الباب } ، يعني : بابا من أبواب القرية ، وكان لها سبعة أبواب { سجدا } ، أي : ركعا خضعا منحنين ، وقال وهب : فإذا دخلتموه فاسجدوا شكرا لله تعالى ، { وقولوا حطة } ، قال قتادة : حط عنا خطايانا ، أمروا بالاستغفار ، وقال ابن عباس : لا إله إلا الله ، لأنها تحط الذنوب { نغفر لكم خطاياكم } : من الغفر وهو الستر ، فالمغفرة : تستر الذنوب { وسنزيد المحسنين } : ثوابا من فضلنا .

(1/86)


[59] { فبدل } : فغير { الذين ظلموا } : أنفسهم ، وقالوا : { قولا غير الذي قيل لهم } ، وذلك أنهم بدلوا قول الحطة بالحنطة استخفافا بأمر الله تعالى { فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السماء } قيل : أرسل الله عليهم طاعونا فهلك منهم في ساعة واحدة سبعون ألفا ، { بما كانوا يفسقون } : يعصون ويخرجون من أمر الله تعالى .

(1/87)


[60] { وإذ استسقى موسى } : طلب السقيا { لقومه } ، وذلك أنهم عطشوا في التيه فسألوا موسى أن يستسقي لهم ففعل ، فأوحى إليه كما قال : { فقلنا اضرب بعصاك } وكانت من آس الجنة حملها آدم من الجنة فتوارثها الأنبياء حتى وصلت إلى شعيب عليه السلام ، فأعطاها موسى عليه السلام ، قوله تعالى : { الحجر } ، اختلفوا فيه قال وهب : لم يكن حجرا معينا بل كان موسى يضرب أي حجر كان من عرض الحجارة فينفجر عيونا ، لكل سبط عين ، وكانوا اثني عشر سبطا ثم تسيل كل عين في جدول إلى السبط الذي أمر أن يسقيهم ، وقال الآخرون : كان حجرا معينا بدليل أنه عرفه بالألف واللام ، وقال ابن عباس : كان حجرا خفيفا مربعا على قدر رأس الرجل ، كان يضعه في مخلاته فإذا احتاجوا إلى الماء وضعه وضربه بعصاه ، قوله تعالى : { فانفجرت } ، أي : فضرب فانفجرت أي سالت ، { منه اثنتا عشرة عينا } : على عدد الأسباط ، { قد علم كل أناس مشربهم } : موضع شربهم ، لا يدخل سبط على غيره في شربه ، { كلوا واشربوا من رزق الله } ، أي : وقلنا لهم : كلوا من المن والسلوى واشربوا من

(1/88)


الماء فهذا كله من رزق الله يأتيكم بلا مشقة ، { ولا تعثوا في الأرض مفسدين } ، والعثي , أشد الفساد ، يقال : عثى يعثي عثيا ، وعثا يعثوا عثوا ، وعاث يعيث عيثا .
قوله تعالى :

(1/89)


[61] { وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد } ، وذلك أنهم أجمعوا وسئموا من أكل المن والسلوى وإنما قال : على طعام واحد وهما اثنان ، لأن العرب تعبر عن الاثنين بلفظ الواحد كما تعبر عن الواحد بلفظ الاثنين وقيل : كانوا يأكلون أحدهما بالآخر فكانا كطعام واحد { فادع لنا } : فسل لأجلنا { ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها } ، قال ابن عباس : الفوم الخبز ، وقال عطاء : الحنطة ، وقال القتيبي رحمه الله تعالى : الحبوب التي تؤكل كلها ، وقال الكلبي : الثوم ، { وعدسها وبصلها } , { قال } ، لهم موسى عليه السلام : { أتستبدلون الذي هو أدنى } أخس وأردأ { بالذي هو خير } : أشرف وأفضل { اهبطوا مصرا } ، يعني : فإن أبيتم إلا ذلك فانزلوا مصرا من الأمصار ، وقال الضحاك : هو مصر موسى وفرعون ، والأول أصح لأنه لو أراده لم يصرفه ، { فإن لكم ما سألتم } : من نبات الأرض ، { وضربت عليهم } : جعلت عليهم ، وألزموا : { الذلة } والذل والهوان ، قيل : بالجزية {

(1/90)


والمسكنة } : الفقر ، سمي الفقير مسكينا لأن الفقر أسكنه وأقعده عن الحركة ، فترى اليهود وإن كانوا مياسير كأنهم فقراء ، وقيل : الذلة هي فقر القلب فلا ترى في أهل الملل أذل وأحرص على المال من اليهود ، { وباءوا بغضب من الله } : رجعوا ، ولا يقال : باء إلا بالشر ، وقال أبو عبيدة : احتملوا وأقروا به ، ومنه الدعاء أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي ، أي : أقر ، { ذلك } ، أي : الغضب ، { بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله } : بصفة محمد صلى الله عليه وسلم وآية الرجم في التوراة ، ويكفرون بالإنجيل والقرآن ، { ويقتلون النبيين } ، تفرد نافع بهمز النبي وبابه ، فيكون معناه : المخبر ، من أنبأ ينبئ ، والقراءة المعروفة ترك الهمزة ، وله وجهان : أحدهما هو أيضا من الأنباء تركت الهمزة فيه تخفيفا لكثرة الاستعمال ، والثاني : هو بمعنى الرفيع مأخوذ من النبوة ، وهي المكان المرتفع ، فعلى هذا يكون ( النبيين ) على الأصل ، { بغير الحق } , أي بلا جرم { ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون } : يتجاوزون أمري ويرتكبون محارمي .

(1/91)


[62] { إن الذين آمنوا والذين هادوا } ، يعني : اليهود ، سموا به لقولهم إنا هدنا إليك ، أي : ملنا إليك ، وقيل . لأنهم هادوا ، أي : تابوا عن عبادة العجل ، وقيل : لأنهم مالوا عن دين الإسلام وعن دين موسى عليه السلام { والنصارى } ، سموا به لقول الحواريين : نحن أنصار الله ، وقال مقاتل : لأنهم نزلوا قرية يقال لها ناصرة ، وقيل : لاعتزائهم إلى نصرة وهي قرية كان ينزلها عيسى عليه السلام { والصابئين } قرأ أهل المدينة والصابين والصابون بترك الهمزة ، والباقون بالهمزة ، وأصله الخروج ، يقال : صبأ فلان أي خرج من دين إلى دين آخر ، قال عمر بن الخطاب وابن عباس : هم قوم من أهل الكتاب ، قال عمر : تحل ذبائحهم مثل ذبائح أهل الكتاب, وقال ابن عباس : لا تحل ذبائحهم ولا مناكحتهم ، { من آمن بالله واليوم الآخر } ، فإن قيل : كيف يستقيم قوله من آمن بالله وقد ذكر في ابتداء الآية إن الذين آمنوا ؟ قيل : اختلفوا في حكم الآية فقال بعضهم : أراد بقوله : إن الذين آمنوا على التحقيق ثم اختلفوا في هؤلاء المؤمنين ، فقال قوم : هم الذين آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم قبل المبعث وهم طلاب

(1/92)


الدين ، مثل حبيب النجار ، وقس بن ساعدة ، وسلمان الفارسي ، فمنهم من أدرك النبي صلى الله عليه وسلم وتابعه ، ومنهم من لم يدركه ، وقيل : هم المؤمنون من الأمم الماضية ، وقيل هم المؤمنون من هذه الأمة ، والذين هادوا الذين كانوا على دين موسى عليه السلام ولم يبدلوا ، والنصارى الذين كانوا على دين عيسى عليه السلام ولم يغيروا وماتوا على ذلك والصابئون زمن استقامة أمرهم ، من آمن أي : من مات منهم وهو مؤمن لأن حقيقة الإيمان بالوفاة ، ويجوز أن يكون الواو مضمرا ، أي : ومن آمن بعدك يا محمد إلى يوم القيامة .

(1/93)


وقال بعضهم : إن المذكورين بالإيمان في أول الآية على طريق المجاز دون الحقيقة ، ثم اختلفوا فيهم فقال بعضهم : الذين آمنوا بالأنبياء الماضين ولم يؤمنوا بك وقيل : أراد بهم المنافقين الذين آمنوا بألسنتهم ولم يؤمنوا بقلوبهم ، واليهود والنصارى الذين اعتقدوا اليهودية والنصرانية بعد التبديل ، والصابئون بعض أصناف الكفار ، من آمن بالله واليوم الآخر من هذه الأصناف بالقلب واللسان ، { وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم } ، وإنما ذكر بلفظ الجمع لأن ( من ) يصلح للواحد والاثنين والجمع والمذكر والمؤنث { ولا خوف عليهم } : في الدنيا { ولا هم يحزنون } : في الآخرة .

(1/94)


[63] قوله تعالى : { وإذ أخذنا ميثاقكم } : عهدكم يا معشر اليهود { ورفعنا فوقكم الطور } ، وهو الجبل بالسريانية قال ابن عباس : أمر الله تعالى جبلا من جبال فلسطين فانقلع من أصله حتى قام على رؤوسهم ، وذلك أن الله تعالى أنزل التوراة على موسى عليه السلام ، فأمر موسى قومه أن يقبلوها ويعملوا بأحكامها ، فأبوا أن يقبلوها للآصار والأنفال التي هي فيها ، وكانت شريعة ثقيلة ، فأمر الله تعالى جبريل عليه السلام فقلع جبلا على قدر عسكرهم فرفعه فوق رؤوسهم مثل قامة الرجل كالظلة ، وقال لهم : إن لم تقبلوا التوراة أرسلت هذا الجبل عليكم { خذوا } ، أي : قلنا لهم خذوا { ما آتيناكم } : أعطيناكم { بقوة } : بجد واجتهاد ومواظبة ، { واذكروا } : وادرسوا { ما فيه } ، وقيل : احفظوا واعملوا { لعلكم تتقون } ، لكي تنجوا من الهلاك في الدنيا والعذاب في العقبى ، فإن قبلتم وإلا رضختكم بهذا الجبل فلما رأوا أن لا مهرب لهم عنها قبلوا وسجدوا ، وجعلوا يلاحظون الجبل وهم سجود فصار سنة في اليهود لا يسجدون إلا على أنصاف وجوههم ويقولون بهذا السجود رفع العذاب عنا .

(1/95)


[64] { ثم توليتم } : أعرضتم { من بعد ذلك } : من بعدما قبلتم التوراة ، { فلولا فضل الله عليكم ورحمته } يعني بالإمهال والإدراج وتأخير العذاب عنكم ، { لكنتم } لصرتم { من الخاسرين } : من المغبونين بالعقوبة وذهاب الدنيا والآخرة ، وقيل : من المعذبين في الحال كأنه رحمهم بالإمهال .

(1/96)


[65] ، قوله تعالى : { ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت } ، أي : جاوزوا الحد ، وأصل السبت القطع ، قيل : سمي يوم السبت بذلك لأن الله تعالى قطع فيه الخلق ، وقيل : لأن اليهود أمروا فيه بقطع الأعمال والقصة فيه أنهم كانوا زمن داود عليه السلام حرم الله عليهم صيد السمك يوم السبت ، فكان إذا دخل السبت لم يبق حوت في البحر إلا اجتمع ، فإذا مضى السبت تفرقن ولزمن قعر البحر فلا يرى شيء منها ، ثم إن الشيطان وسوس إليهم وقال : إنما نهيتم عن أخذها يوم السبت ، فعمد رجال فحفروا الحياض حول البحر ، وشرعوا منه إليها الأنهار ، فإذا كانت عشية الجمعة فتحوا تلك الأنهار فأقبل الموج بالحيتان إلى الحياض فلا يقدرن على الخروج لبعد عمقها وقلة مائها ، فإذا كان يوم الأحد أخذوها ، وقيل : كانوا يسوقون الحيتان إلى الحياض يوم السبت ولا يأخذونها ، ثم يأخذونها يوم الأحد ، وقيل كانوا ينصبون الحبائل والشخوص يوم الجمعة ، ويخرجونها يوم الأحد ، ففعلوا ذلك زمانا ولم تنزل عليهم عقوبة ، فتجرؤوا على الذنب وقالوا : وقد أحل لنا ، فأخذوا وأكلوا وملحوا وباعوا واشتروا وكثر مالهم ، فلما فعلوا ذلك صار

(1/97)


أهل القرية - وكانوا نحوا من سبعين ألفا - ثلاثة أصناف : صنف أمسك ونهى ، وصنف أمسك ولم ينه ، وصنف انتهك الحرمة ، وكان الناهون اثني عشر ألفا ، فلما أبى المجرمون قبول نصحهم قالوا : والله لا نساكنكم في قرية واحدة ، فقسموا القرية بجدار وعبروا بذلك سنتين ، فلعنهم داود عليه السلام وغضب الله عليهم لإصرارهم على المعصية ، فخرج الناهون ذات يوم من بابهم ولم يخرج من المجرمين أحد ولم يفتحوا بابهم ، فلما أبطؤوا تسوروا عليهم الحائط فإذا هم جميع قردة لها أذناب يتعاوون ، قال قتادة : صار الشبان قردة والشيوخ خنازير ، فمكثوا ثلاثة أيام ثم هلكوا قال الله تعالى : { فقلنا لهم كونوا قردة } : أمر تحويل وتكوين ، { خاسئين } : مبعدين مطرودين والخسأ : الطرد والإبعاد .

(1/98)


[66] { فجعلناها } ، أي : جعلنا عقوبتهم بالمسخ { نكالا } ، أي : عقوبة وعبرة ، والنكال : اسم لكل عقوبة ينكل الناظر من فعل ما جعلت العقوبة جزاء عليه ، ومنه النكول عن اليمين ، وهو الامتناع ، وأصله من النكل وهو القيد { لما بين يديها } ، قال قتادة : أراد بما بين يديها يعني : ما سبق من الذنوب ، أي : جعلنا تلك العقوبة جزاء لما تقدم من ذنوبهم قبل نهيهم عن أخذ الصيد ، { وما خلفها } : ما حضر من الذنوب التي أخذوا بها ، وهي العصيان بأخذ الحيتان ، وقال أبو العالية والربيع : عقوبة لما مضى من ذنوبهم وعبرة لمن بعدهم أن يستنوا بسنتهم ، و ( ما ) الثانية بمعنى : من ، وقيل : جعلناها أي : جعلنا قرية أصحاب السبت عبرة لما بين يديها ، أي : القرى التي كانت مبنية في الحال ، وما خلفها وما يحدث من القرى بعد ليتعظوا { وموعظة للمتقين } : للمؤمنين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، فلا يفعلون مثل فعلهم .

(1/99)


[67] قوله عز وجل : { وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة } : البقرة هي الأنثى من البقر ، يقال : هي مأخوذة من البقر وهي الشق ، سميت به لأنها تبقر الأرض ، أي : تشقها للحراثة ، والقصة فيه أنه كان في بني إسرائيل رجل غني وله ابن عم فقير لا وارث له سواه ، فلما طال عليه موته قتله ليرثه وحمله إلى قرية أخرى وألقاه بفنائهم ، ثم أصبح يطلب ثأره وجاء بناس إلى موسى يدعي عليهم القتل ، فسألهم موسى فجحدوا فاشتبه أمر القتيل على موسى ، قال الكلبي : وذلك قبل نزول قسامة في التوراة ، فسألوا موسى أن يدعو الله ليبين لهم بدعائه ، فأمرهم الله بذبح بقرة ، فقال لهم موسى : { إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة } ، { قالوا أتتخذنا هزوا } ، أي : تستهزئ بنا نحن نسألك عن أمر القتيل وتأمرنا بذبح البقرة ، وإنما قالوا ذلك لبعد ما بين الأمرين في الظاهر ولم يدروا ما الحكمة فيه { قال } موسى : { أعوذ بالله } : أمتنع بالله { أن أكون من الجاهلين } أي : من المستهزئين بالمؤمنين ، وقيل : من الجاهلين بالجواب لا على وفق السؤال ، لأن

(1/100)


الجواب لا على وفق السؤال جهل ، فلما علم القوم أن ذبح البقرة عزم من الله عز وجل استوصفوها ، ولو أنهم عمدوا إلى أدنى بقرة فذبحوها لأجزأت عنهم ، ولكنهم شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم .
[68] { قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي } ، أي : ما سنها { قال } موسى { إنه يقول } ، يعني فسأل الله تعالى فقال إنه يعني : إن الله تعالى يقول : { إنها بقرة لا فارض ولا بكر } ، أي لا كبيرة ولا صغيرة ، والفارض : المسنة التي لا تلد ، والبكر : الفتية الصغيرة التي لم تلد قط ، { عوان } : وسط نصف { بين ذلك } ، أي : بين السنين ، يقال : عونت المرأة تعوينا إذا زادت على الثلاثين { فافعلوا ما تؤمرون } : من ذبح البقرة ولا تكثروا السؤال .

(1/101)


[69] { قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها قال إنه يقول إنها بقرة صفراء فاقع لونها } ، قال ابن عباس : شديدة الصفرة ، وقال قتادة : صاف ، وقال الحسن : الصفراء السوداء ، والأول أصح لأنه لا يقال أسود فاقع ، إنما يقال أصفر فاقع ، وأسود حالك وأحمر قانئ وأخضر ناضر وأبيض بقق للمبالغة ، { تسر الناظرين } : إليها يعجبهم حسنها وصفاء لونها .
[70] { قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي } أسائمة أم عاملة ؟ { إن البقر تشابه علينا } ، ولم يقل تشابهت لتذكير لفظ البقر ، كقوله تعالى : { أعجاز نخل منقعر } ، وقال الزجاج : أي جنس البقر تشابه ، أي : التبس واشتبه أمره علينا فلا نهتدي إليه { وإنا إن شاء الله لمهتدون } : إلى وصفها ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « وايم الله لو لم يستثنوا لما بينت لهم إلى آخر الأبد » (1) .
_________
(1) رواه الإمام الطبري في تفسيره جـ 1 / 275 وابن كثير 1 / 199 وقال هذا حديث غريب من هذا الوجه وأحسن أحواله أن يكون من كلام أبي هريرة .

(1/102)


[71] { قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول } : مذللة بالعمل ، يقال : رجل ذلول بين الذل ودابة ذلولة بينة الذل ، { تثير الأرض } : تقلبها للزراعة ، { ولا تسقي الحرث } ، أي : ليست بسانية ، { مسلمة } : بريئة من العيوب , { لا شية فيها } : لا لون لها سوى لون جميع جلدها ، قال عطاء : لا عيب فيها ، قال مجاهد : لا بياض فيها ولا سواد ، { قالوا الآن جئت بالحق } ، أي : بالبيان التام الشافي الذي لا إشكال فيه ، وطلبوها فلم يجدوا بكمال وصفها إلا مع الفتى فاشتروها بملء مسكها ذهبا { فذبحوها وما كادوا يفعلون } : من غلاء ثمنها ، وقال محمد بن كعب : وما كادوا يجدونها باجتماع أوصافها ، وقيل : ما كادوا يفعلون من شدة اضطرابهم واختلافهم فيها .

(1/103)


[72] قوله عز وجل : { وإذ قتلتم نفسا } : هذا أول القصة ، وإن كان مؤخرا في التلاوة ، واسم القتيل عاميل ، { فادارأتم فيها } قال ابن عباس ومجاهد : معناه فاختلفتم ، وقال الربيع بن أنس : تدافعتم ، أي : يحيل بعضكم على بعض ، من الدرء : وهو الدفع ، فكان كل واحد يدفع عن نفسه ، { والله مخرج } ، أي : مظهر : { ما كنتم تكتمون } ، فإن القاتل كان يكتم القتل .
[73] قوله عز وجل : { فقلنا اضربوه } ، يعني : القتيل ، { ببعضها } أي : ببعض البقرة ففعلوا ذلك فقام القتيل حيا بإذن الله تعالى وأوداجه ، أي : عروق العنق تشخب دما ، وقال : قتلني فلان ثم سقط ومات مكانه فحرم قاتله الميراث { كذلك يحيي الله الموتى } : كما أحيا عاميل ، { ويريكم آياته لعلكم تعقلون } ، قيل : تمنعون أنفسكم من المعاصي .

(1/104)


[74] قوله تعالى : { ثم قست قلوبكم } ، أي يبست وجفت ، جفاف القلب : خروج الرحمة واللين عنه ، وقيل : غلظت ، وقيل : اسودت ، { من بعد ذلك } : من بعد ظهور الدلالات ، قال الكلبي : قالوا بعد ذلك نحن لم نقتله ، فلم يكونوا قط أعمى قلبا ولا أشد تكذيبا لنبيهم منهم عند ذلك ، أي { فهي } : في الغلظة والشدة : { كالحجارة أو أشد قسوة } ، قيل : أو بمعنى الواو ، كقوله : { مائة ألف أو يزيدون } أي : بل يزيدون . وإنما لم يشبهها بالحديد مع أنه أصلب من الحجارة لأن الحديد قابل للين , فإنه يلين بالنار ، وقد لان لداود عليه السلام ، والحجارة لا تلين قط ، ثم فضل الحجارة على القلب القاسي فقال : { وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار } ، قيل : أراد به جميع الحجارة ، وقيل : أراد به الحجر الذي كان يضرب عليه موسى للأسباط ، { وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء } : أراد به عيونا دون الأنهار ، { وإن منها لما يهبط } : ينزل من أعلى الجبل إلى أسفله { من خشية الله } : وقلوبكم لا تلين ولا تخشع

(1/105)


يا معشر اليهود ، فإن قيل : الحجر جماد لا يفهم فكيف يخشى ؟ قيل : الله يفهمه ويلهمه فيخشى بإلهامه ، ومذهب أهل السنة والجماعة أن لله تعالى علما في الجمادات وسائر الحيوانات ، سوى العقلاء لا يقف عليه غير الله ، فلها صلاة وتسبيح وخشية ، كما قال جل ذكره : { وإن من شيء إلا يسبح بحمده } وقال : { والطير صافات كل قد علم صلاته وتسبيحه } وقال : { ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض والشمس والقمر } الآية ، فيجب على المرء الإيمان به ويكل علمه إلى الله سبحانه وتعالى .
قوله عز وجل : { وما الله بغافل } : بساه { عما تعملون } : وعيد وتهديد ، وقيل : بتارك عقوبة ما تعملون ، بل يجازيكم به .

(1/106)


[75] قوله عز وجل : { أفتطمعون } : أفترجون ، يريد محمدا وأصحابه ، { أن يؤمنوا لكم } : تصدقكم اليهود بما تخبرونهم به ؟ { وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله } ، يعني : التوراة ، { ثم يحرفونه } : يغيرون ما فيها من الأحكام ، { من بعد ما عقلوه } : علموه ، غيروا صفة محمد صلى الله عليه وسلم ، وآية الرجم { وهم يعلمون } : أنهم كاذبون .

(1/107)


[76] قوله عز وجل : { وإذا لقوا الذين آمنوا } , قال ابن عباس والحسن وقتادة : يعني : منافقي اليهود الذين آمنوا بألسنتهم إذا لقوا المؤمنين المخلصين ، { قالوا آمنا } : كإيمانكم ، { وإذا خلا } : رجع { بعضهم إلى بعض } ، كعب بن الأشرف وكعب بن أسد ووهب بن يهودا وغيرهم من رؤساء اليهود ، لأمرهم على ذلك ، { قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم } : بما قص الله عليكم في كتابكم أن محمدا حق وقوله صدق , والفتاح : القاص , وقال الكسائي : بما بينه لكم من العلم بصفة محمد صلى الله عليه وسلم ونعته , وقال الواقدي : بما أنزل الله عليكم وأعطاكم { ليحاجوكم به } : ليخاصموكم به ، ويعني : أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ويحتجوا بقولكم عليكم ، فيقولوا : قد أقررتم أنه نبي حق في كتابكم ، ثم لا تتبعونه ؟ . وذلك أنهم قالوا لأهل المدينة حين شاوروهم في اتباع محمد صلى الله عليه وسلم : آمنوا به فإنه حق ، ثم قال بعضهم لبعض : أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به ؟ . ويعني : لتكون لهم الحجة عليكم . { عند ربكم } في الدنيا والآخرة وقيل : إنهم أخبروا

(1/108)


المؤمنين بما عذبهم الله به على الجنايات ، فقال بعضهم لبعض : أتحدثونهم بما أنزل الله عليكم من العذاب ليحاجوكم به عند ربكم ، ليروا الكرامة لأنفسهم عليكم عند الله ، وقال مجاهد : هو قول يهود قريظة ، قال بعضهم لبعض حين قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم : « يا إخوان القردة والخنازير ، فقالوا : من أخبر محمدا بهذا ؟ ما خرج هذا إلا منكم » (1) { أفلا تعقلون }
[77] قوله عز وجل : { أولا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون } : يخفون ، { وما يعلنون } : يبدون ، يعني اليهود .
_________
(1) أخرجه الطبري 2 / 252 تحقيق أحمد شاكر وذكره ابن كثير 1 / 207 تحقيق الوادعي .

(1/109)


[78] وقوله تعالى : { ومنهم أميون } , أي : من اليهود أميون لا يحسنون القراءة والكتابة جمع : أمي ، ومنسوب إلى الأم كأنه باق على ما انفصل من الأم لم يعلم كتابة ولا قراءة ، وروي عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال : « إنا أمة أمية » (1) أي : لا نكتب ولا نحسب ، وقيل : هو منسوب إلى أم القرى وهي مكة ، { لا يعلمون الكتاب إلا أماني } , قرأ أبو جعفر . ( أماني ) ، بتخفيف الياء ، كل القرآن ، حذف إحدى الياءين تخفيفا ، وقراءة العامة بالتشديد ، وهو جمع : أمنية وهي التلاوة ، وقال الله تعالى : { إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته } ، أي : في قراءته ، قال أبو عبيدة : إلا تلاوة وقراءة عن ظهر القلب لا يقرؤونه من كتاب ، وقيل : يعلمونه حفظا وقراءة لا يعرفون معناه ، قال ابن عباس : يعني غير عارفين بمعاني الكتاب ، وقال مجاهد وقتادة : إلا كذبا وباطلا ، قال الفراء : إلا أماني : الأحاديث المفتعلة وأراد بها الأشياء التي كتبها علماؤهم من عند أنفسهم ، ثم أضافوها إلى الله من تغيير نعت النبي صلى الله عليه وسلم وغيره .
_________
(1) رواه البخاري في الصوم باب قول النبي صلى الله عليه وسلم : لا نكتب ولا نحسب 4 / 136 ، ومسلم في الصيام رقم ( 1080 ) 2 / 761 والمصنف في شرح السنة 6 / 228 .

(1/110)


وقال الحسن وأبو العالية : هي من التمني وهي أمانيهم الباطلة التي يتمنونها على الله عز وجل ، مثل قولهم : { لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى } ، وقولهم : { لن تمسنا النار إلا أياما معدودة } ، وقولهم : { نحن أبناء الله وأحباؤه } ، فعلى هذا تكون إلا بمعنى ( لكن ) ، أي لا يعلمون الكتاب لكن يتمنون أشياء لا تحصل لهم ، { وإن هم } ، وما هم { إلا يظنون } ، يعني : وما يظنون إلا ظنا وتوهما لا يقينا قاله قتادة والربيع ، وقال مجاهد : يكذبون .

(1/111)


[79] ، قوله عز وجل : { فويل } ، قال الزجاج : ويل ، كلمة تقولها العرب لكل واقع في هلكة ، وقيل : هو دعاء الكفار على أنفسهم بالويل والثبور ، وقال ابن عباس : شدة العذاب ، وقال سعيد بن المسيب : ويل واد في جهنم لو سيرت فيه جبال الدنيا لانماعت ولذابت من شدة حرها { للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا } ، وذلك أن أحبار اليهود خافوا ذهاب مآكلهم وزوال رياستهم حين قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة ، فاحتالوا في تعويق اليهود عن الإيمان به فعمدوا إلى صفته في التوراة ، وكانت صفته فيها : حسن الوجه حسن الشعر أكحل العينين ربعة القامة فغيروها وكتبوا مكانها : طوال أزرق سبط الشعر ، فإذا سألهم سفلتهم عن صفته قرؤوا ما كتبوه فيجدونه مخالفا لصفته ويكذبونه ، قال الله تعالى : { فويل لهم مما كتبت أيديهم } ، يعني : كتبوه بأنفسهم اختراعا من تغيير نعته صلى الله عليه وسلم ، { وويل لهم مما يكسبون } : من المآكل ، ويقال : من المعاصي .

(1/112)


[80] { وقالوا } ، يعني اليهود { لن تمسنا النار } : لن تصيبنا النار ، { إلا أياما معدودة } : قدرا مقدرا ثم يزول عنا العذاب ، واختلفوا في هذه الأيام ، فقال ابن عباس ومجاهد : كانت اليهود يقولون : مدة الدنيا سبعة آلاف سنة وإنما نعذب بكل ألف سنة يوما واحدا ثم ينقطع العذاب بعد سبعة أيام ، وقال قتادة وعطاء : يعنون أربعين يوما التي عبد فيها آباؤهم العجل ، وقال الحسن وأبو العالية : قالت اليهود : إن ربنا عتب علينا في أمرنا فأقسم الله ليعذبنا أربعين يوما فلن تمسنا النار إلا أربعين يوما تحلة القسم ، فقال الله عز وجل تكذيبا لهم ، { قل } : يا محمد { أتخذتم عند الله } ألف استفهام دخلت على ألف الوصل ، { عهدا } موثقا أن لا يعذبكم إلا هذه المدة { فلن يخلف الله عهده } وعده { أم تقولون على الله ما لا تعلمون } ثم قال :

(1/113)


[81] { بلى } ، وبلى وبل : حرفا استدراك ، ومعناهما نفي الخبر الماضي وإثبات الخبر المستقبل ، { من كسب سيئة } ، يعني الشرك { وأحاطت به خطيئته } والإحاطة : الإحداق بالشيء من جميع نواحيه ، قال ابن عباس وعطاء والضحاك وأبو العالية والربيع وجماعة : هي الشرك يموت عليه ، وقيل : السيئة الكبيرة والإحاطة به أن يصر عليها فيموت غير تائب قاله عكرمة والربيع بن خيثم ، قال الواحدي رحمه الله في تفسيره الوسيط : المؤمنون لا يدخلون في حكم هذه الآية لأن الله تعالى أوعد بالخلود في النار من أحاطت به خطيئته ، وتقدمت منه سيئة وهي الشرك والمؤمن وإن عمل الكبائر لم يوجد منه الشرك ، وقال مجاهد : هي الذنوب تحيط بالقلب كلما عمل ذنبا ارتفعت حتى يغشى القلب ، وهي الرين { فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون }
[82] { والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون }

(1/114)


[83] قوله تعالى : { وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل } : في التوراة والميثاق العهد الشديد ، { لا تعبدون إلا الله وبالوالدين } ، أي : وصيناهم بالوالدين ، { إحسانا } برا بهما وعطفا عليهما ونزولا عند أمرهما فيما لا يخالف أمر الله تعالى ، { وذي القربى } أي : وبذي القرابة ، والقربى مصدر كالحسنى ، { واليتامى } ، جمع يتيم وهو الطفل الذي لا أب له { والمساكين } ، يعني الفقراء ، { وقولوا للناس حسنا } : صدقا وحقا في شأن محمد صلى الله عليه وسلم ، فمن سألكم عنه فاصدقوه وبينوا صفته لا تكتموا أمره ، وقال سفيان الثوري : مروهم بالمعروف وانهوهم عن المنكر ، وقيل : هو اللين في القول والمعاشرة بحسن الخلق ، قرأ حمزة والكسائي ويعقوب ( حسنا ) بفتح الحاء والسين ، أي : قولا حسنا { وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ثم توليتم } أعرضتم عن العهد والميثاق ، { إلا قليلا منكم } ، وذلك أن قوما منهم آمنوا ، { وأنتم معرضون } . كإعراض آبائكم .

(1/115)


[84] قوله عز وجل : { وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون } ، أي : لا تريقون { دماءكم } ، أي : لا يسفك بعضكم دم بعض ، وقيل : لا تسفكوا دماء غيركم فيسفك دماءكم فكأنكم سفكتم دماء أنفسكم ، { ولا تخرجون أنفسكم من دياركم } : لا يخرج بعضكم بعضا من داره ، وقيل : لا تسيئوا جوار من جاوركم فتلجئوهم إلى الخروج بسوء جواركم ، { ثم أقررتم } : بهذا العهد أنه حق وقبلتم ، { وأنتم تشهدون } : اليوم على ذلك يا معشر اليهود وتعترفون بالقبول .

(1/116)


[85] قوله عز وجل : { ثم أنتم هؤلاء } ، يعني : يا هؤلاء ، وهؤلاء للتنبيه ، { تقتلون أنفسكم } ، أي يقتل بعضكم بعضا ، { وتخرجون فريقا منكم من ديارهم تظاهرون عليهم } تتظاهرون والظهير : العون { بالإثم والعدوان } : بالمعصية والظلم ، { وإن يأتوكم أسارى } ، قرأ حمزة ( أسرى ) ، وهما جمع أسير ، ومعناهما واحد ، ( تفدوهم ) : بالمال وتنقذوهم ، وقرأ أهل المدينة وعاصم { تفادوهم } ، أي : تبادلوهم ، أراد مفاداة الأسير بالأسير ، وقيل : معنى القراءتين واحد ، ومعنى الآية : قال السدي : إن الله تعالى أخذ على بني إسرائيل في التوراة أن لا يقتل بعضهم بعضا ولا يخرج بعضهم بعضا من ديارهم ، وأيما عبد أو أمة وجدتموه من بني إسرائيل فاشتروه بما قام من ثمنه وأعتقوه ، وكانت قريظة حلفاء الأوس والنضير حلفاء الخزرج ، وكانوا يقتتلون في حرب سنين ، فيقاتل بنو قريظة مع حلفائهم وبنو النضير مع حلفائهم وإذا غلبوا خربوا ديارهم وأخرجوهم منها ، وإذا أسر رجل من الفريقين جمعوا له حتى يفدوه وإن كان الأسير من عدوهم ، فتعيرهم العرب ويقولون : كيف

(1/117)


تقاتلونهم وتفدونهم ؟ قالوا : إنا أمرنا أن نفديهم ، فيقولون فلم تقاتلوهم ؟ قالوا : إنا نستحي أن تذل حلفاؤنا ، فعيرهم الله تعالى بذلك { وهو محرم عليكم إخراجهم } ، فكأن الله تعالى أخذ عليهم أربعة عهود : ترك القتال وترك الإخراج وترك المظاهرة عليهم مع أعدائهم وفداء أسراهم ، فأعرضوا عن الكل إلا الفداء ، قال الله تعالى : { أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض } ، قال مجاهد يقول : إن وجدته في يد غيرك فديته وأنت تقتله بيدك ، { فما جزاء من يفعل ذلك منكم } : يا معشر اليهود { إلا خزي } : عذاب وهوان ، { في الحياة الدنيا } ، فكان خزي بني قريظة القتل والسبي ، وخزي بني النضير الجلاء والنفي من منازلهم إلى أذرعات وأريحاء من الشام ، { ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب } وهو عذاب النار { وما الله بغافل عما تعملون } .

(1/118)


[86] قوله عز وجل : { أولئك الذين اشتروا } : استبدلوا { الحياة الدنيا بالآخرة فلا يخفف } . يهون { عنهم العذاب ولا هم ينصرون } ، لا يمنعون من عذاب الله عز وجل .

(1/119)


[87] { ولقد آتينا } : أعطينا { موسى الكتاب } : التوراة جملة واحدة ، { وقفينا } : وأتبعنا ، { من بعده بالرسل } : رسولا بعد رسول ، { وآتينا عيسى ابن مريم البينات } : الدلالات الواضحات ، وهي ما ذكر الله في سورة آل عمران والمائدة ، وقيل : أراد الإنجيل ، { وأيدناه } : قويناه { بروح القدس } اختلفوا في روح القدس ، قال الربيع وغيره : أراد الروح الذي لا نفخ فيه ، والقدس هو الله نحو بيت الله وناقة الله ، وقيل : أراد بالقدس : الطهارة ، يعني . الروح الطاهرة ، قال قتادة والسدي والضحاك : روح القدس جبريل عليه السلام ، وقيل : وصف جبريل بالقدس أي بالطهارة ، لأنه لم يقترف ذنبا ، وقال الحسن : القدس هو الله وروحه جبريل , قال الله تعالى : { قل نزله روح القدس من ربك بالحق } ، وقال ابن عباس وسعيد بن جبير : روح القدس هو اسم الله تعالى الأعظم الذي كان يحيي به الموتى ، ويري الناس العجائب ، وقيل : هو الإنجيل جعل له روحا كما جعل القرآن روحا لمحمد صلى الله عليه وسلم ، لأنه سبب لحياة القلوب .

(1/120)


فلما سمعت اليهود ذكر عيسى عليه السلام ، فقالوا : يا محمد لا مثل عيسى كما تزعم عملت ، ولا كما يقص علينا من الأنبياء فعلت ، فأتنا بما أتى به عيسى إن كنت صادقا ، قال الله تعالى : { أفكلما جاءكم } : يا معشر اليهود { رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم } : تكبرتم وتعظمتم عن الإيمان ، { ففريقا } : طائفة { كذبتم } : مثل عيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم ، { وفريقا تقتلون } مثل زكريا ويحيى وشعيب ، وسائر من قتلوا من الأنبياء عليهم السلام .
[88] { وقالوا } ، يعني اليهود ، { قلوبنا غلف } ، جمع أغلف وهو الذي عليه غشاوة ، معناه : عليها غشاوة فلا تسمع ولا تفقه ما يقول ، قال الله عز وجل : { بل لعنهم الله } : طردهم الله وأبعدهم عن كل خير { بكفرهم فقليلا ما يؤمنون } ، قال قتادة : معناه لا يؤمن منهم إلا قليل ، لأن من آمن من المشركين أكثر ممن آمن من اليهود ، أي : فقليلا يؤمنون ، وقال معمر : لا يؤمنون إلا بقليل مما في أيديهم ويكفرون بأكثره ، أي : فقليل يؤمنون .

(1/121)


[89] { ولما جاءهم كتاب من عند الله } ، يعني القرآن { مصدق } : موافق { لما معهم } ، يعني : التوراة ، { وكانوا } يعني : اليهود ، { من قبل } : من قبل مبعث محمد صلى الله عليه وسلم ، { يستفتحون } : يستنصرون ، { على الذين كفروا } : على مشركي العرب ، وذلك أنهم كانوا يقولون إذا أحزنهم أمر ودهمهم عدو : اللهم انصرنا عليهم بالنبي المبعوث في آخر الزمان الذي نجد صفته في التوراة ، فكانوا ينصرون ، وكانوا يقولون لأعدائهم من المشركين : قد أطل زمان نبي يخرج بتصديق ما قلنا فنقتلكم معه قتل عاد وثمود وإرم .
{ فلما جاءهم ما عرفوا } ، يعني محمدا صلى الله عليه وسلم من غير بني إسرائيل وعرفوا نعته وصفته ، { كفروا به } بغيا وحسدا , { فلعنة الله على الكافرين } .

(1/122)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية