صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

[ فتح القدير - الشوكاني ]
الكتاب : فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
المؤلف : محمد بن علي الشوكاني
عدد الأجزاء : 5

قوله : 61 - { ومنهم } هذا نوع آخر بما حكاه الله من فضائح المنافقين وقبائحهم وذلك أنهم كانوا يقولون للنبي صلى الله عليه و سلم على وجه الطعن والذم هو أذن قال الجوهري : يقال رجل أذن : إذا كان يسمع مقال كل أحد يستوي فيه الواحد والجمع ومرادهم أقمأهم الله أنهم إذا آذوا النبي وبسطوا فيه ألسنهم وبلغه ذلك اعتذروا له وقبل ذلك منهم لأنه يسمع كل ما يقال له فيصدقه وإنما أطلقت العرب على من يسمع ما يقال له فيصدقه أنه أذن مبالغة لأنهم سموه بالجارحة التي هي آلة السماع حتى كأن جملته أذن سامعة ونظيره قولهم للربيئة عين وإيذاؤهم له هو قولهم : { هو أذن } لأنهم نسبوه إلى أنه يصدق كل ما يقال له ولا يفرق بين الصحيح والباطل اغترارا منهم بحلمه عنهم وصفحه عن جناياتهم كرما وحلما وتغاضيا ثم أجاب الله عن قولهم هذا فقال : { قل أذن خير لكم } بالإضافة على قراءة الجمهور وقرأ الحسن بالتنوين وكذا قرأ عاصم في رواية أبي بكر عنه كأنه قيل : نعم هو أذن ولكن نعم الأذن هو لكونه أذن خير لكم وليس بأذن في غير ذلك كقولهم رجل صدق يريدون الجودة والصلاح والمعنى أنه يسمع الخير ولا يسمع الشر وقرئ أذن بسكون الذال وضمها ثم فسر كونه أذن خير بقوله : { يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين } أي يصدق بالله ويصدق المؤمنين لما علم فيهم من خلوص الإيمان فتكون اللام في { للمؤمنين } للتقوية كما قال الكوفيون أو متعلقة بمصدر محذوف كما قال المبرد وقرأ الجمهور ورحمة بالرفع عطف على أذن وقرى حمزة بالخفض عطفا على خير والمعنى على القراءة الأولى : هو أنه أذن خير وأنه هو رحمة للمؤمنين وعلى القراءة الثانية : أنه أذن خير وأذن رحمة قال النحاس : وهذا عند أهل العربية بعيد يعني قراءة الجر لأنه قد تباعد بين الإسمين وهذا يقبح في المخفوض والمعنى : أن النبي صلى الله عليه و سلم أذن خير للمنافقين { ورحمة } لهم حيث لم يكشف أسرارهم ولا فضحهم فكأنه قال : هو أذن كما قلتم لكنه أذن خير لكمن لا أذن سوء فسلم لهم قولهم فيه إلا أنه فسره بما هو مدح له وثناء عليه وإن كانوا قصدوا به المذمة والتقصير بفطنته ومعنى { للذين آمنوا منكم } أي الذين أظهروا الإيمان وإن لم يكونوا مؤمنين حقيقة { والذين يؤذون رسول الله } صلى الله عليه و سلم بما تقدم من قولهم : هو أذن ونحو ذلك مما يصدق عليه أنه أذية لرسول الله صلى الله عليه و سلم { لهم عذاب أليم } أي شديد الألم وقرأ ابن أبي عبلة ورحمة للمؤمنين بالنصب على أنها علة لمعلل محذوف : أي ورحمة لكم يأذن لكم

(2/546)


ثم ذكر أن من قبائح المنافقين إقدامهم على الأيمان الكاذبة فقال : 62 - { يحلفون بالله لكم ليرضوكم } والخطاب للمؤمنين وذلك أن المنافقين كانوا في خلواتهم يطعنون على المؤمنين وعلى النبي صلى الله عليه و سلم فإذا بلغ ذلك إلى رسول الله وإلى المؤمنين جاء المنافقون فحلفوا على أنهم لم يقولوا ما بلغ عنهم قاصدين بهذه الأيمان الكاذبة أن يرضوا رسول الله ومن معه من المؤمنين فنعى الله ذلك عنهم وقال : { والله ورسوله أحق أن يرضوه } أي هما أحق بذلك من إرضاء المؤمنين بالأيمان الكاذبة فإنهم لو اتقوا الله وآمنوا به وتركوا النفاق لكان ذلك أولى لهم وإفراد الضمير في يرضوه إما للتعظيم للجناب الإلهي بإفراده بالذكر أو لكون لا فرق بين إرضاء الله وإرضاء رسوله فإرضاء الله إرضاء لرسوله أو المراد : الله أحق أن يرضوه ورسوله كذلك كما قال سيبويه ورجحه النحاس أو لأن الضمير موضوع موضع اسم الإشارة فإنه يشار به إلى الواحد والمتعدد أو الضمير راجع إلى المذكور وهو يصدق عليهما وقال الفراء : المعنى ورسوله أحق أن يرضوه والله افتتاح كلام كما تقول ما شاء الله وشئت وهذه الجملة أعني { والله ورسوله أحق أن يرضوه } في محل نصب على الحال وجواب { إن كانوا مؤمنين } محذوف : أي إن كانوا مؤمنين فليرضوا الله ورسوله

(2/547)


قوله : 63 - { ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله فأن له نار جهنم } قرأ الحسن وابن هرمز ألم تعلموا بالفوقية وقرأ الباقون بالتحتية : والمحاددة وقوع هذا في حد وذلك في حد كالمشاقفة : يقال حاد فلان فلانا : أي صار في حد غيره حده { فإن له نار جهنم } قرأ الجمهور بفتح الهمزة على أنه خبر مبتدأ محذوف : أي فحق أن له نار جهنم وقال الخليل وسيبويه : إن أن الثانية مبدلة من الأولى وزعم المبرد أن هذا القول مردود وأن الصحيح ما قال الجرمي : أن الثانية مكررة للتوكيد لما طال الكلام وقال الأخفش : المعنى فوجوب النار له وأنكره المبرد وقال : هذا خطأ من أجل أن أن المفتوحة المشددة لا يبتدأ بها ويضمر الخبر وقرئ بكسر الهمزة قال سيبويه وهي قراءة جيدة وأنشد :
( وإني إذا ملت ركابي مناخها ... فإني على حظي من الأمر جامح )
وانتصاب خالدا على الحال والإشارة بقوله : { ذلك } إلى ما ذكر من العذاب وهو مبتدأ وخبره { الخزي العظيم } أي الخزي البالغ إلى الغاية التي لا يبلغ إليها غيره وهو الذل والهوان

(2/547)


قوله : 64 - { يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة } قيل : هو خبر وليس بأمر وقال الزجاج : معناه ليحذر فالمعنى على القول الأول : أن المنافقين كانوا يحذرون نزول القرآن فيهم وعلى الثاني : الأمر لهم بأن يحذروا ذلك وأن تنزل في موضع نصب : أي من أن تنزل ويجوز على قول سيبويه أن يكون في موضع خفض على تقدير من وإعمالها ويجوز أن يكون النصب على المفعولين وقد أجاز سيبويه حذرت زيدا وأنشد :
( حذر أمورا لا تضير وآمن ... ما ليس ينجيه من الأقدار )
ومنع من النصب على المفعولية المبرد ومعنى { عليهم } أي على المؤمنين في شأن المنافقين على أن الضمير للمؤمنين والأولى أن يكون الضمير للمنافقين : أي في شأنهم { تنبئهم } أي المنافقين { بما في قلوبهم } مما يسرونه فضلا عما يظهرونه وهم وإن كانوا عالمين بما في قلوبهم فالمراد من إنباء السورة لهم إطلاعهم على أن المؤمنين قد علموا بما في قلوبهم ثم أمر الله رسوله بأن يجيب عليهم فقال : { قل استهزئوا إن الله مخرج ما تحذرون } هو أمر تهديد : أي افعلوا الاستهزاء إن الله مخرج ما تحذرون من ظهوره حتى يطلع عليه المؤمنون إما بإنزال سورة أو بإخبار رسوله بذلك أو نحو ذلك

(2/548)


قوله : 65 - { ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب } أي ولئن سألتهم عما قالوه من الطعن في الدين وثلب المؤمنين بعد أن يبلغ إليه ذلك ويطلعك الله عليه ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب ولم نكن في شيء من أمرك ولا أمر المؤمنين ثم أمره الله يجيب عنهم فقال : { قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون } والاستفهام للتقريع والتوبيخ وأثبت وقوع ذلك منهم ولم يعبأ بإنكارهم لأنهم كانوا كاذبين في الإنكار بل جعلهم كالمعترفين بوقوع ذلك منهم حيث جعل المستهزأ به والباء لحرف النفي فإن ذلك إنما يكون بعد وقوع الاستهزاء وثبوته

(2/548)


ثم قال : 66 - { لا تعتذروا } نهيا لهم عن الاشتغال بالاعتذارات الباطلة فإن ذلك غير مقبول منهم وقد نقل الواحدي عن أئمة اللغة أن معنى الاعتذار محو أثر الذنب وقطعه من قولهم اعتذر المنزل إذا درس واعتذرت المياه إذا انقطعت { قد كفرتم } أي أظهرتم الكفر بما وقع منكم من الاستهزاء المذكور { بعد إيمانكم } أي بعد إظهاركم الإيمان مع كونكم تبطنون الكفر { إن نعف عن طائفة منكم } وهم من أخلص الإيمان وترك النفاق وتاب عنه قال الزجاج : الطائفة في اللغة الجماعة قال ابن الأنباري : ويطلق لفظ الجمع على الواحد عند العرب { نعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين } سبب { أنهم كانوا مجرمين } مصرين على النفاق لم يتوبوا منه قرئ نعذب بالنون وبالتاء الفوقية على البناء للمفعول وبالتحتية على البناء للفاعل وهو الله سبحانه
وقد أخرج ابن إسحاق وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : كان نبتل بن الحارث يأتي رسول الله صلى الله عليه و سلم فيجلس إليه فيسمع منه ثم ينقل حديثه إلى المنافقين وهو الذي قال لهم : إنما محمد أذن من حدثه بشيء صدقه فأنزل الله فيه : { ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن } الآية وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال : اجتمع ناس من المنافقين فيهم خلاس بن سويد بن صامت ومخشي بن حمير ووديعة بن ثابت فأرادوا أن يقعوا في النبي صلى الله عليه و سلم فنهى بعضهم بعضا وقالوا : إنا نخاف أن يبلغ محمدا فيقع بكم فقال بعضهم : إنما محمد أذن نحلف له فيصدقنا فنزل : { ومنهم الذين يؤذون النبي } الآية وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله : { هو أذن } يعني أنه يسمع من كل أحد قال الله تعالى : { أذن خير لكم يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين } يعني يصدق بالله ويصدق المؤمنين وأخرج الطبراني وابن عساكر وابن مردويه عن عمير بن سعد قال : في أنزلت هذه الآية { ويقولون هو أذن } وذلك أن عمير بن سعد كان يسمع أحاديث أهل المدينة فيأتي النبي صلى الله عليه و سلم فيساره حتى كانوا يتأذون بعمير بن سعد وكرهوا مجالسته وقال : { هو أذن } فأنزل فيه وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة قال : ذكر لنا أن رجلا من المنافقين قال : والله إن هؤلاء لخيارنا وأشرافنا ولئن كان ما يقول محمد حقا لهم شر من الحمير فسمعها رجل من المسلمين فقال : والله إن ما يقول محمد لحق ولأنت شر من الحمار فسعى بها الرجل إلى نبي الله صلى الله عليه و سلم فأخبره فأرسل إلى الرجل فدعاه فقال : ما حملك على الذي قلت ؟ فجعل يلتعن ويحلف بالله ما قال ذلك وجعل الرجل المسلم يقول : اللهم صدق الصادق وكذب الكاذب فأنزل الله في ذلك : { يحلفون بالله لكم ليرضوكم } الآية وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي مثله وسمى الرجل المسلم عامر بن قيس من الأنصار وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك { ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله } يقول : يعادي الله ورسوله وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله : { يحذر المنافقون } الآية قال : يقولون القول فيما بينهم ثم يقولون عسى الله أن لا يفشي علينا هذا وأخرج أبو نعيم في الحلية عن شريح بن عبيد أن رجلا قال لأبي الدرداء : يا معشر القراء ما بالكم أجبن منا وأبخل إذا سئلتم وأعظم لقما إذا أكلتم ؟ فأعرض عنه أبو الدرداء ولم يرد عليه بشيء فأخبر بذلك عمر بن الخطاب فانطلق عمر إلى الرجل الذي قال ذلك فقال بثوبه وخنقه وقاده إلى النبي صلى الله عليه و سلم فقال الرجل : إنما كنا نخوض ونلعب فأوحى الله إلى نبيه صلى الله عليه و سلم { ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب } وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن عبد الله بن عمر قال : قال رجل في غزوة تبوك في مجلس يوما : ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء لا أرغب بطونا ولا أكذب ألسنة ولا أجبن عند اللقاء فقال رجل في المجلس : كذبت ولكنك منافق لأخبرن رسول الله صلى الله عليه و سلم فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه و سلم ونزل القرآن قال عبد الله : فأنا رأيته متعلقا بحقب ناقة رسول الله صلى الله عليه و سلم والحجارة تنكبه وهو يقول : يا رسول الله إنما كنا نخوض ونلعب والنبي صلى الله عليه و سلم يقول : { أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون } وأخرجه ابن المنذر وابن أبي حاتم والعقيلي في الضعفاء وأبو الشيخ وابن مردويه والخطيب في رواية مالك عن ابن عمر فقال : رأيت عبد الله بن أبي وهو يشتد قدام النبي صلى الله عليه و سلم والأحجار تنكبه وهو يقول : يا محمد إنما كنا نخوض ونلعب والنبي صلى الله عليه و سلم يقول : { أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون } وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في الآية قال : بينما رسول الله صلى الله عليه و سلم في غزوة إلى تبوك وبين يديه أناس من المنافقين فقالوا : أيرجو هذا الرجل أن تفتح له قصور الشام وحصونها ؟ هيهات هيهات فأطلع الله نبيه على ذلك فقال نبي الله صلى الله عليه و سلم : [ احبسوا علي هؤلاء الركب ] فأتاهم فقال : قلتم كذا قالوا : يا نبي الله إنما كنا نخوض ونلعب فأنزل الله فيهم ما تسمعون وقد روي نحو هذا من طرق عن جماعة من الصحابة وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : { إن نعف عن طائفة } قال : الطائفة الرجل والنفر

(2/549)


قوله : 67 - { المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض } ذكر هاهنا جملة أحوال المنافقين وأن ذكورهم في ذلك كإناثهم وأنهم متناهون في النفاق والبعد عن الإيمان وفيه إشارة إلى نفي أن يكونوا من المؤمنين ورد لقولهم : { ويحلفون بالله إنهم لمنكم } ثم فصل ذلك المجمل ببيان مضادة حالهم لحال المنافقين فقال : { يأمرون بالمنكر } وهو كل قبيح عقلا أو شرعا { وينهون عن المعروف } وهو كل حسن عقلا أو شرعا قال الزجاج : هذا متصل بقوله : { ويحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم } أي ليسوا من المؤمنين ولكن بعضهم من بعض : أي متشابهون في الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف { ويقبضون أيديهم } أي يشحون فيما ينبغي إخراجه من المال في الصدقة والصلة والجهاد فالقبض كناية عن الشح كما أن البسط كناية عن الكرم والنسيان الترك : أي تركوا ما أمرهم به فتركهم من رحمته وفضله لأن النسيان الحقيقي لا يصح إطلاقه على الله سبحانه وإنما أطلق عليه هنا من باب المشاكلة المعروفة في علم البيان ثم حكم عليهم بالفسق : أي الخروج عن طاعة الله إلى معاصيه وهذا التركيب يفيد أنهم هم الكاملون في الفسق

(2/551)


ثم بين مآل حال أهل النفاق والكفر بأنه 68 - { نار جهنم } و { خالدين فيها } حال مقدرة : أي مقدرين الخلود وفي هذه الآية دليل على أن وعد يقال في الشر كما يقال في الخير : { هي حسبهم } أي كافيتهم لا يحتاجون إلى زيادة على عذابها { و } مع ذلك فقد { لعنهم الله } أي طردهم وأبعدهم من رحمته { ولهم عذاب مقيم } أي نوع آخر من العذاب دائم لا ينفك عنهم

(2/552)


قوله : 69 - { كالذين من قبلكم } شبه حال المنافقين بالكفار الذين كانوا من قبلهم ملتفتا من الغيبة إلى الخطاب والكاف محلها رفع على خبرية مبتدأ محذوف : أي أنتم مثل الذين من قبلكم أو محلها نصب : أي فعلتم مثل فعل الذين من قبلكم من الأمم وقال الزجاج : التقدير وعد الله الكفار نار جهنم وعدا كما وعد الذين من قبلكم وقيل المعنى : فعلتم كأفعال الذين من قبلكم في ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فحذف المضاف ثم وصف حال أولئك الكفار الذين من قبلهم وبين وجه تشبيههم بهم وتمثيل حالهم بحالهم بأنهم كانوا أشد من هؤلاء المنافقين والكفار المعاصرين للنبي صلى الله عليه و سلم { قوة وأكثر أموالا وأولادا فاستمتعوا } أي تمتعوا { بخلاقهم } أي نصيبكم الذي قدره الله لهم من ملاذ الدنيا { فاستمتعتم } أنتم { بخلاقكم } أي نصيبكم الذي قدره الله لكم { كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم } أي انتفعتم به كما انتفعوا به والغرض من هذا التمثيل ذم هؤلاء المنافقين والكفار بسبب مشابهتهم لمن قبلهم من الكفار في الاستمتاع بما رزقهم الله وقد قيل : ما فائدة ذكر الاستمتاع بالخلاق في حق الأولين مرة ثم في حق المنافقين ثانيا ثم تكريره في حق الأولين ثالثا ؟ وأجيب : بأنه تعالى ذم الأولين بالاستمتاع بما أوتوا من حظوظ الدنيا وحرمانهم عن سعادة الآخرة بسبب استغرقهم في تلك الحظوظ فلما قرر تعالى هذا عاد فشبه حال المنافقين بحالهم فيكون ذلك نهاية في المبالغة قوله : { وخضتم كالذي خاضوا } معطوف على ما قبله : أي كالفوج الذي خاضوا أو كالخوض الذي خاضوا وقيل : أصله كالذين فحذفت النون والأولى أن يقال : إن الذي اسم موصول مثل من وما يعبر به عن الواحد والجمع يقال : خضت الماء أخوضه خوضا وخياضا والموضع مخاضة وهو ما جاز الناس فيه مشاة وركبانا وجمعها المخاض والمخاوض ويقال : منه خاض القوم في الحديث وتخاوضوا فيه أي تفاوضوا فيه والمعنى : خضتم في أسباب الدنيا واللهو اللعب وقيل في أمر محمد صلى الله عليه و سلم بالتكذيب : أي دخلتم في ذلك والإشارة بقوله : { أولئك } إلى المتصفين بهذه الأوصاف من المشبهين والمشبه بهم { حبطت أعمالهم } أي بطلت والمراد بالأعمال ما عملوه مما هو في صورة طاعة لا هذه الأعمال المذكورة هنا فإنها من المعاصي ومعنى { في الدنيا والآخرة } أنها باطلة على كل حال : أما بطلانها في الدنيا فلأن ما يترتب على أعمالهم فيها لا يحصل لهم بل يصير ما يرجونه من الغنى فقرا ومن العز ذلا ومن القوة ضعفا وأما في الآخرة فلأنهم يصيرون إلى عذاب النار ولا ينتفعون بشيء مما عملوه من الأعمال التي يظنونها طاعة وقربة { وأولئك هم الخاسرون } أي المتمكنون في الخسران الكاملون فيه فيه الدنيا والآخرة

(2/552)


70 - { ألم يأتهم } أي المنافقين { نبأ الذين من قبلهم } أي خبرهم الذي له شأن وهو ما فعلوه وما فعل بهم ولما شبه حالهم بحالهم فيما سلف عن الإجمال في المشبه بهم ذكر منهم ههنا ست طوائف قد سمع العرب أخبارهم لأن بلادهم وهي الشام قريبة من بلاد العرب فالاستفهام للتقرير وأولهم : قوم نوح وقد أهلكوا بالإغراق وثانيهم : قوم عاد وقد أهلكوا بالريح العقيم وثالثهم : قوم ثمود وقد أخذوا بالصيحة ورابعهم : قوم إبراهيم وقد سلط الله عليهم البعوض وخامسهم : أصحاب مدين وهم قوم شعيب وقد أخذتهم الرجفة وسادسهم : أصحاب المؤتفكات وهي قرى قوم لوط وقد أهلكهم الله بما أمطر عليهم من الحجارة وسميت مؤتفكات لأنها انقلبت بهم حتى صار عاليها سافلها والائتفاك الانقلاب { أتتهم رسلهم بالبينات } أي رسل هذه الطوائف الست وقيل : رسل أصحاب المؤتفكات لأن رسولهم لوط وقد بعث إلى كل قرية من قراهم رسولا والفاء في { فما كان الله ليظلمهم } للعطف على مقدر يدل عليه الكلام : أي فكذبوهم فأهلكهم الله فما ظلمهم بذلك لأنه قد بعث إليهم رسله فأنذروهم وحذروهم { ولكن كانوا أنفسهم يظلمون } بسبب ما فعلوه من الكفر بالله وعدم الانقياد لأنبيائه وهذا التركيب يدل على أن ظلمهم لأنفسهم كان مستمرا
وقد أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : { يأمرون بالمنكر } قال : هو التكذيب قال : وهو أنكر المنكر { وينهون عن المعروف } شهادة أن لا إله إلا الله والإقرار بما أنزل الله وهو أعظم المعروف وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله : { ويقبضون أيديهم } قال : لا يبسطونها بنفقة فيحق وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله : { نسوا الله فنسيهم } قال : تركوا الله فتركهم من كرامته وثوابه وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله : { كالذين من قبلكم } قال : صنيع الكفار كالكفار وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس قال : ما أشبه الليلة بالبارحة { كالذين من قبلكم كانوا أشد منكم قوة } إلى قوله : { وخضتم كالذي خاضوا } هؤلاء بنو إسرائيل أشبهناهم والذي نفسي بيده لنتبعنهم حتى لو دخل رجل جحر ضب لدخلتموه وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عنه في قوله : { بخلاقهم } قال : بدينهم وأخرجا أيضا عن أبي هريرة قال الخلاق : الدين وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله : { فاستمتعوا بخلاقهم } قال : بنصيبهم في الدنيا وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله : { وخضتم كالذي خاضوا } قال : لعبتم كالذي لعبوا وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله : { والمؤتفكات } قال : قوم لوط ائتفكت بهم أرضهم فجعل عاليها سافلها

(2/553)


قوله : 71 - { بعضهم أولياء بعض } أي قلوبهم متحدة في التوادد والتحابب والتعاطف بسبب ما جمعهم من أمر الدين وضمهم من الإيمان بالله ثم بين أوصافهم الحميدة كما بين أوصاف من قبلهم من المنافقين فقال : { يأمرون بالمعروف } أي بما هو معروف في الشرع غير منكر ومن ذلك توحيد الله سبحانه وترك عبادة غيره { وينهون عن المنكر } أي عما هو منكر في الدين غير معروف وخصص إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة بالذكر من جملة العبادات لكونهما الركنين العظيمين فيما يتعلق بالأبدان والأموال وقد تقدم معنى هذا { ويطيعون الله } في صنع ما أمرهم بفعله أو نهاهم عن تركه والإشارة بـ { أولئك } إلى المؤمنين والمؤمنات المتصفين بهذه الأوصاف والسين في { سيرحمهم الله } للمبالغة في إنجاز الوعد { إن الله عزيز } لا يغالب { حكيم } في أقواله وأفعاله

(2/554)


ثم ذكر تفصيل ما يدخل تحت الرحمة إجمالا باعتبار الرحمة في الدار الآخرة فقال : 72 - { وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار } والإظهار في موقع الإضمار لزيادة التقرير ومعنى جري الأنهار من تحت الجنات أنها تجري تحت أشجارها وغرقها وقد تقدم تحقيقه في البقرة { ومساكن طيبة } أي منازل يسكنون فيها من الدر والياقوت و { جنات عدن } يقال : عدن بالمكان : إذا أقام به ومنه المعدن قيل هي أعلى الجنة وقيل أوسطها وقيل قصور من ذهب لا يدخلها إلا نبي أو صديق أو شهيد وصف الجنة بأوصاف : الأول : جري الأنهار من تحتها والثاني : أنهم فيها خالدون والثالث : طيب مساكنها والرابع : أنها دار عدن : أي إقامة غير منقطعة هذا على ما هو معنى عدن لغة وقيل هو علم والتنكير في رضوان للتحقير : أي { ورضوان } حقير يستر { من } رضوان { الله أكبر } من ذلك كله الذي أعطاهم الله إياه وفيه دليل على أنه لا شيء من النعم وإن جلت وعظمت يماثل رضوان الله سبحانه وأن أدنى رضوان منه لا يساويه شيء من اللذات الجسمانية وإن كانت على غاية ليس وراءها غاية اللهم ارض عنا رضا لا يشوبه سخط ولا يكدره نكد يا من بيده الخير كله دقه وجله والإشارة بقوله : { ذلك } إلى ما تقدم مما وعد الله به المؤمنين والمؤمنات { هو الفوز العظيم } دون كل فوز مما يعده الناس فوزا
وقد أخرج أبو الشيخ عن الضحاك في قوله : { يأمرون بالمعروف } قال : يدعون إلى الإيمان بالله ورسوله والنفقات في سبيل الله وما كان من طاعة الله { وينهون عن المنكر } عن الشرك والكفر قال : الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضة من فرائض الله كتبها الله على المؤمنين وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس في قوله : { بعضهم أولياء بعض } قال : إخاؤهم في الله يتحابون بجلال الله والولاية لله وقد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه و سلم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الأحاديث ما هو معروف وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن الحسن قال : سألت عمران بن حصين وأبا هريرة عن تفسير قوله تعالى : { ومساكن طيبة في جنات عدن } قالا : على الخبير سقطت سألنا عنها رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال : قصر من لؤلؤة في الجنة في ذلك القصر سبعون دارا من ياقوتة حمراء في كل دار سبعون بيتا من زمردة خضراء في كل بيت سبعون سريرا على كل سرير سبعون فراشا من كل لون على كل فراش امرأة من الحور العين في كل بيت سبعون مائدة في كل مائدة سبعون لونا من كل طعام في كل بيت سبعون وصيفا فيعطى المؤمن من القوة في كل غداة ما يأتي على ذلك كله وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله : { جنات عدن } قال : معدن الرجل الذي يكون فيه وأخرج ابن أبي حاتم عنه قال : معدنهم فيها أبدا وأخرج أبو الشيخ عن سعيد بن جبير في قوله : { ورضوان من الله أكبر } يعني : إذا أخبروا أن الله عنهم راض فهو أكبر عندهم من التحف والتسنيم وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما من حديث أبي سعيد قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : [ إن الله يقول لأهل الجنة : يا أهل الجنة فيقولون لبيك ربنا وسعديك والخير في يديك فيقول : هل رضيتم ؟ فيقولون : ربنا وما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعطه أحدا من خلقك فيقول : ألا أعطيكم أفضل من ذلك ؟ قالوا : يا ربنا وأي شيء أفضل من ذلك ؟ قال : أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدا ]

(2/554)


الأمر للنبي صلى الله عليه و سلم بهذا الجهاد أمر لأمته من بعده وجهاد الكفار يكون بمقاتلتهم حتى يسلموا وجهاد المنافقين يكون بإقامة الحجة عليهم حتى يخرجوا عنه ويؤمنوا بالله وقال الحسن : إن جهاد المنافقين بإقامة الحدود عليهم واختاره قتادة قيل في توجيهه إن المنافقين كانوا أكثر من يفعل موجبات الحدود قال ابن العربي : إن هذه دعوى لا برهان عليها وليس العاصي بمنافق إنما المنافق بما يكون في قلبه من النفاق دائما لا بما تتلبس به الجوارح ظاهرا وأخبار المحدودين تشهد بسياقتها أنهم لم يكونوا منافقين قوله : 73 - { واغلظ عليه } الغلظ : نقيض الرأفة وهو شدة القلب وخشونة الجانب قيل : وهذه الآية نسخت كل شيء من العفو والصلح والصفح

(2/556)


ثم ذكر من خصال المنافقين أنهم يحلفون الأيمان الكاذبة فقال : 74 - { يحلفون بالله ما قالوا }
وقد اختلف أئمة التفسير في سبب نزول هذه الآية فقيل : نزلت في الجلاس بن سويد بن الصامت ووديعة بن ثابت وذلك أنه لما كثر نزول القرآن في غزوة تبوك في شأن المنافقين وذمهم فقالا : لئن كان محمد صادقا على إخواننا الذين هم ساداتنا وخيارنا لنحن شر من الحمير فقال له عامر بن قيس : أجل والله إن محمدا لصادق مصدق وإنك لشر من الحمار وأخبر عامر بذلك النبي صلى الله عليه و سلم وجاء الجلاس فحلف بالله إن عامرا لكاذب وحلف عامر لقد قال وقال : اللهم أنزل على نبيك شيئا فنزلت وقيل : إن الذي سمع ذلك عاصم بن عدي وقيل حذيفة وقيل بل سمعه ولد امرأته : أي امرأة الجلاس واسمه عمير بن سعد فهم الجلاس بقتله لئلا يخبر بخبره وقيل : إن هذه الآية نزلت في عبد الله بن أبي رأس المنافقين لما قال : ما مثلنا ومثل محمد إلا كما قال القائل : سمن كلبك يأكلك و { لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل } فأخبر النبي صلى الله عليه و سلم بذلك فجاء عبد الله بن أبي فحلف أنه لم يقله وقيل : إنه قول جميع المنافقين وأن الآية نزلت فيهم وعلى تقدير أن القائل واحد أو اثنان فنسبة القول إلى جميعهم هي باعتبار موافقة من لم يقل ولم يحلف من المنافقين لمن قد قال وحلف ثم رد الله على المنافقين وكذبهم وبين أنهم حلفوا كذبا فقال : { ولقد قالوا كلمة الكفر } وهي ما تقدم بيانه على اختلاف الأقوال السابقة { وكفروا بعد إسلامهم } أي كفروا بهذه الكلمة بعد إظهارهم للإسلام وإن كانوا كفارا في الباطن والمعنى : أنهم فعلوا ما يوجب كفرهم على تقدير صحة إسلامهم قوله : { وهموا بما لم ينالوا } قيل : هو همهم بقتل رسول الله صلى الله عليه و سلم ليلة العقبة في غزوة تبوك وقيل : هموا بعقد التاج على رأس عبد الله بن أبي وقيل : هو هم الجلاس بقتل من سمعه يقول تلك المقالة فأخبر رسول الله صلى الله عليه و سلم قوله : { وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله } أي وما عابوا وأنكروا إلا ما هو حقيق بالمدح والثناء وهو إغناء الله لهم من فضله والاستثناء مفرغ من أعم العام وهو من باب قول النابغة :
( ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب )
ومن باب قول الشاعر :
( ما نقموا من بني أمية إلا ... أنهم يحلمون إن غضبوا )
فهو من تأكيد المدح بما يشبه الذم وقد كان هؤلاء المنافقون في ضيق من العيش فلما قدم النبي صلى الله عليه و سلم المدينة اتسعت معيشتهم وكثرت أموالهم قوله : { فإن يتوبوا يك خيرا لهم } أي فإن تحصل منهم التوبة والرجوع إلى الحق يكن ذلك الذي فعلوه من التوبة خيرا لهم في الدين والدنيا وقد تاب الجلاس بن سويد وحسن إسلامه وفي ذلك دليل على قبول التوبة من المنافق والكافر
وقد اختلف العلماء في قبولها من الزنديق فمنع من قبولها مالك وأتباعه لأنه لا يعلم صحة توبته إذ هو في كل حين يظهر التوبة والإسلام { وإن يتولوا } أي يعرضوا عن التوبة والإيمان { يعذبهم الله عذابا أليما في الدنيا } بالقتل والأسر ونهب الأموال { و } في { الآخرة } بعذاب النار { وما لهم في الأرض من ولي } يواليهم { ولا نصير } ينصرهم
وقد أخرج ابن إسحاق وابن أبي حاتم عن كعب بن مالك قال : لما نزل القرآن فيه ذكر المنافقين قال الجلاس : والله لئن كان هذا الرجل صادقا لنحن شر من الحمير فسمعها عمير بن سعد فقال : والله يا جلاس إنك لأحب الناس إلي وأحسنهم عندي أثرا وأعزهم علي أن يدخل عليه شيء يكرهه ولقد قلت مقالة لئن ذكرتها لتفضحنك ولئن سكت عنها لتهلكني ولإحداهما أشد علي من الأخرى فمشى إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فذكر له ما قال الجلاس فحلف بالله ما قال ولكن كذب علي عمير فأنزل الله : { يحلفون بالله ما قالوا } الآية وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس نحوه وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن أنس بن مالك قال : [ سمع زيد بن أرقم رجلا من المنافقين يقول والنبي صلى الله عليه و سلم يخطب : إن كان هذا صادقا لنحن شر من الحمير قال زيد : هو والله صادق وأنت شر من الحمار فرفع ذلك إلى النبي صلى الله عليه و سلم فجحد القائل فأنزل الله : { يحلفون بالله ما قالوا } الآية ] وأخرج ابن جرير والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس قال : [ كان رسول الله صلى الله عليه و سلم جالسا في ظل شجرة فقال : إنه سيأتيكم إنسان
ينظر إليكم بعيني شيطان فإذا جاءكم فلا تكلموه فلم يلبثوا أن طلع رجل أزرق فدعاه رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال : علام تشتمني أنت وأصحابك فانطلق الرجل فجاء بأصحابه فحلفوا بالله ما قالوا حتى تجاوز عنهم وأنزل الله : { يحلفون بالله ما قالوا } الآية ] وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة قال : ذكر لنا أن رجلين اقتتلا أحدهما من جهينة والآخر من غفار وكانت جهينة حلفاء الأنصار فظهر الغفاري على الجهني فقال عبد الله بن أبي للأوس : انصروا أخاكم والله ما مثلنا ومثل محمد إلا كما قال القائل : سمن كلبك يأكلك والله { لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل } فسعى بها رجل من المسلمين إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فأرسل إليه فسأله فجعل يحلف بالله ما قاله فأنزل الله : { يحلفون بالله } الآية وفي الباب أحاديث مختلفة في سبب هذه الآية وفيما ذكرناه كفاية وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس في قوله : { وهموا بما لم ينالوا } قال : هم رجل يقال له الأسود بقتل النبي صلى الله عليه و سلم وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله : { وهموا بما لم ينالوا } قال : أرادوا أن يتوجوا عبد الله بن أبي بتاج وأخرج ابن ماجه وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال : قتل رجل على عهد رسول الله صلى الله عليه و سلم فجعل ديته اثني عشر ألفا وذلك قوله : { وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله } قال : بأخذهم الدية

(2/556)


اللام الأولى وهي 75 - { لئن آتانا } الله { من فضله } لام القسم واللام الثانية وهي { لنصدقن } لام الجواب للقسم والشرط ومعنى { لنصدقن } لنخرج الصدقة وهي أعم من المفروضة وغيرها { ولنكونن من الصالحين } أي من جملة أهل الصلاح من المؤمنين القائمين بواجبات الدين التاركين لمحرماته

(2/559)


76 - { فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون } أي لما أعطاهم ما طلبوا من الرزق بخلوا به : أي بما آتاهم من فضله فلم يتصدقوا بشيء منه كما حلفوا به { وتولوا } أي أعرضوا عن طاعة الله وإخراج صدقات ما أعطاهم الله من فضله { و } الحال أنـ { وهم معرضون } في جميع الأوقات قبل أن يعطيهم الله ما أعطاهم من الرزق وبعده

(2/559)


قوله : 77 - { فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه } الفاعل هو الله سبحانه : أي فأعقبهم الله بسبب البخل الذي وقع منهم والإعراض نفاقا كائنا في قلوبهم متمكنا منها مستمرا فيها { إلى يوم يلقون } الله عز و جل وقيل : إن الضمير يرجع إلى البخل : أي فأعقبهم البخل بما عاهدوا الله عليه نفاقا كائنا في قلوبهم إلى يوم يلقون بخلهم : أي جزاء بخلهم ومعنى { فأعقبهم } أن الله سبحانه جعل النفاق المتمكن في قلوبهم إلى تلك الغاية عاقبة ما وقع منهم من البخل والباء في { بما أخلفوا الله ما وعدوه } للسببية : أي بسبب إخلافهم لما وعدوه من التصدق والصلاح وكذلك الباء في { وبما كانوا يكذبون } أي وبسبب تكذيبهم بما جاء به رسول الله صلى الله عليه و سلم

(2/559)


ثم أنكر عليهم فقال : 78 - { ألم يعلموا } أي المنافقون وقرئ بالفوقية خطابا للمؤمنين { أن الله يعلم سرهم ونجواهم } أي جميع ما يسرونه من النفاق وجميع ما يتناجون به فيما بينهم من الطعن على النبي صلى الله عليه و سلم وعلى أصحابه وعلى دين الإسلام { وأن الله علام الغيوب } فلا يخفى عليه شيء من الأشياء المغيبة كائنا ما كان ومن جملة ذلك ما يصدر عن المنافقين

(2/559)


قوله : 79 - { الذين يلمزون المطوعين } الموصول محله النصب أو الرفع على الذم أو الجر بدلا من الضمير في سرهم ونجواهم ومعنى { يلمزون } يعيبون وقد تقدم تحقيقه والمطوعين : أي المتطوعين والتطوع : التبرع والمعنى : أن المنافقين كانوا يعيبون المسلمين إذا تطوعوا بشيء من أموالهم وأخرجوه للصدقة فكانوا يقولون : ما أغنى الله عن هذا ويقولون : ما فعلوا هذا إلا رياء ولم يكن لله خالصا و { في الصدقات } متعلق بيلمزون : أي يعيبونهم في شأنها قوله : { والذين لا يجدون إلا جهدهم } معطوف على المطوعين : أي يلمزون المتطوعين ويلمزون الذين لا يجدون إلا جهدهم وقيل معطوف على المؤمنين : أي يلمزون المتطوعين من المؤمنين ومن الذين لا يجدون إلا جهدهم وقرئ جهدهم بفتح الجيم والجهد بالضم الطاقة وبالفتح المشقة وقيل هما لغتان ومعناهما واحد وقد تقدم بيان ذلك والمعنى : أن المنافقين كانوا يعيبون فقراء المؤمنين الذين كانوا يتصدقون بما فضل عن كفايتهم قوله : { فيسخرون منهم } معطوف على يلمزون : أي يستهزئون بهم لحقارة ما يخرجونه في الصدقة مع كون ذلك جهد المقل وغاية ما يقدر عليه ويتمكن منه قوله : { سخر الله منهم } أي جازاهم على ما فعلوه من السخرية بالمؤمنين بمثل ذلك فسخر الله منهم بأن أهانهم وأذلهم وعذبهم والتعبير بذلك من باب المشاكلة كما في غيره وقيل هو دعاء عليهم بأن يسخر الله بهم كما سخروا بالمسلمين { ولهم عذاب أليم } أي ثابت مستمر شديد الألم
وقد أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والعسكري في الأمثال والطبراني وابن منده والبارودي وأبو نعيم وابن مردويه والبيهقي وابن عساكر عن أبي أمامة الباهلي قال : [ جاء ثعلبة بن حاطب إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال : يا رسول الله ادع الله أن يرزقني مالا قال : ويلك يا ثعلبة قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه قال : يا رسول الله ادع الله أن يرزقني مالا قال : ويحك يا ثعلبة : أما تحب أن تكون مثلي فلو شئت أن يسير ربي هذه الجبال معي ذهبا لسارت فقال : يا رسول الله ادع الله أن يرزقني مالا فوالذي بعثك بالحق إن آتاني الله مالا لأعطين كل ذي حق حقه قال : ويحك يا ثعلبة قليل تطيق شكره خير من كثير لا تطيقه قال : يا رسول الله ادع الله تعالى فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : اللهم ارزقه مالا قال : فاتخذ غنما فنمت كما تنمو الدود حتى ضاقت بها المدينة فتنحى بها فكان يشهد الصلاة بالنهار مع رسول الله صلى الله عليه و سلم ولا يشهدها بالليل ثم نمت كما تنمو الدود فتنحى بها فكان لا يشهد الصلاة بالليل ولا بالنهار إلا من جمعة إلى جمعة مع رسول الله صلى الله عليه و سلم ثم نمت كما تنمو الدود فضاق بها
مكانه فتنحى بها فكان لا يشهد جمعة ولا جنازة مع رسول الله صلى الله عليه و سلم فجعل يتلقى الركبان ويسألهم عن الأخبار وفقده رسول الله صلى الله عليه و سلم فسأله عنه فأخبروه أنه اشترى غنما وأن المدينة ضاقت به وأخبروه خبره فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : ويح ثعلبة بن حاطب ويح ثعلبة بن حاطب ثم إن الله تعالى أمر رسوله أن يأخذ الصدقات وأنزل : { خذ من أموالهم صدقة } الآية فبعث رسول الله صلى الله عليه و سلم رجلين رجلا من جهينة ورجلا من بني سلمة يأخذان الصدقات وكتب لهما أسنان الإبل والغنم كيف يأخذانها ووجوهها وأمرهما أن يمرا على ثعلبة بن حاطب وبرجل من بني سليم فخرجا فمرا بثعلبة فسألا الصدقة فقال : أرياني كتابكما فنظر فيه فقال : ما هذه إلا جزية انطلقا حتى تفرعا ثم مرا إلي فانطلقا وسمع بهما السلمي فاستقبلهما بخيار إبله فقالا : إنما عليك دون هذا فقال ما كنت أتقرب إلى الله إلا بخير مالي فقبلا فلما فرغا مرا بثعلبة فقال : أرياني كتابكما فنظر فيه فقال : ما هذه إلا جزية انطلقا حتى أرى رأيي فانطلقا حتى قدما المدينة فلما رآهما رسول الله صلى الله عليه و سلم قال قبل أن يكلمهما : ويح ثعلبة بن حاطب ودعا للسلمي بالبركة وأنزل الله : { ومنهم من عاهد الله } الثلاث الآيات قال : فسمع بعض أقارب ثعلبة فأتى ثعلبة فقال : ويحك يا ثعلبة أنزل فيك كذا وكذا قال : فقدم ثعلبة على رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال : يا رسول الله هذه صدقة مالي فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : إن الله قد منعني أن أقبل منك فجعل يبكي ويحثي التراب على رأسه فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : هذا عملك بنفسك أمرتك فلم تطعني فلم يقبل منه رسول الله صلى الله عليه و سلم حتى مضى ثم أتى أبا بكر فقال : يا أبا بكر : اقبل مني صدقتي فقد عرفت منزلتي من الأنصار فقال أبو بكر : لم يقبلها رسول الله صلى الله عليه و سلم وأقبلها ؟ فلم يقبلها أبو بكر ثم ولي عمر بن الخطاب فأتاه فقال : يا أبا حفص يا أمير المؤمنين اقبل مني صدقتي قال : ويثقل عليه بالمهاجرين والأنصار وأزواج النبي صلى الله عليه و سلم فقال عمر : لم يقبلها رسول الله صلى الله عليه و سلم ولا أبو بكر أقبلها أنا ؟ فأبى أن يقبلها ثم ولي عثمان فسأله أن يقبل صدقته فقال : لم يقبلها رسول الله صلى الله عليه و سلم ولا أبو بكر ولا عمر وأنا أقبلها منك ؟ فلم يقبلها منه فهلك في خلافة عثمان وفيه نزلت : { الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات } ] قال : وذلك في الصدقة وهذا الحديث هو مروي من حديث معاذ بن رفاعة عن علي بن زيد عن أبي عبد الرحمن القاسم بن عبد الرحمن مولى عبد الله بن يزيد بن معاوية عن أبي أمامة الباهلي وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس في قوله : { ومنهم من عاهد الله } الآية وذلك أن رجلا كان يقال له ثعلبة من الأنصار أتى مجلسا فأشهدهم فقال : لئن آتاني الله من فضله آتيت كل ذي حق حقه وتصدقت منه وجعلت منه للقرابة فابتلاه الله فآتاه من فضله فأخلف ما وعده فأغضب الله بما أخلفه ما وعده فقص الله شأنه في القرآن وأخرج أبو الشيخ عن الحسن أن رجلا من الأنصار هو الذي قال هذا فمات ابن عم له فورث منه مالا فبخل به ولم يف بما عاهد الله عليه فأعقبه بذلك نفاقا في قلبه إلى أن يلقاه قال ذلك : { بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون } وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن مسعود قال : لما نزلت آية الصدقة كنا نتحامل على ظهورنا فجاء رجل فتصدق بشيء كثير فقالوا : مراء وجاء أبو عقيل بنصف صاع فقال المنافقون : إن الله لغني عن صدقة هذا فنزلت : { الذين يلمزون المطوعين } الآية وفي الباب روايات كثيرة وأخرج أبو الشيخ عن قتادة في قوله : { الذين يلمزون المطوعين } أي يطعنون على المطوعين

(2/559)


أخبر الله سبحانه رسوله صلى الله عليه و سلم بأن صدور الاستغفار منه للمنافقين وعدمه سواء وذلك لأنهم ليسوا بأهل لاستغفاره صلى الله عليه و سلم ولا للمغفرة من الله سبحانه لهم فهو كقوله تعالى : { قل أنفقوا طوعا أو كرها لن يتقبل منكم } ثم قال : 80 - { إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم } وفيه بيان لعدم المغفرة من الله سبحانه للمنافقين وإن أكثر النبي صلى الله عليه و سلم من الاستغفار لهم وليس المراد من هذا أنه لو زاد على السبعين لكان ذلك مقبولا كما في سائر مفاهيم الأعداد بل المراد بهذا المبالغة في عدم القبول فقد كانت العرب تجري ذلك مجرى المثل في كلامها عند إرادة التكثير والمعنى : أنه لن يغفر الله لهم وإن استغفرت لهم استغفارا بالغا في الكثرة غاية المبالغ وقد ذهب بعض الفقهاء إلى أن التقييد بهذا العدد المخصوص يفيد قبول الزيادة عليه ويدل لذلك ما سيأتي عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال : [ لأزيدن على السبعين ] وذكر بعضهم لتخصيص السبعين وجها فقال : إن السبعة عدد شريف لأنها عدد السموات والأرضين والبحار والأقاليم والنجوم السيارة والأعضاء وأيام الأسبوع فصير كل واحد من السبعة إلى عشرة لأن الحسنة بعشر أمثالها وقيل : خصت السبعون بالذكر لأنه صلى الله عليه و سلم كبر على عمه الحمزة سبعين تكبيرة فكأنه قال : إن تستغفر لهم سبعين مرة بإزاء تكبيراتك على حمزة وانتصاب سبعين على المصدر كقولهم : ضربته عشرين ضربة ثم علل عدم المغفرة لهم بقوله : { ذلك بأنهم كفروا بالله ورسوله } أي ذلك الامتناع بسبب كفرهم بالله ورسوله { والله لا يهدي القوم الفاسقين } أي المتمردين الخارجين عن الطاعة المتجاوزين لحدودها والمراد هنا الهداية الموصلة إلى المطلوب لا الهداية التي بمعنى الدلالة وإراءة الطريق

(2/562)


ثم ذكر سبحانه نوعا آخر من قبائح المنافقين فقال : 81 - { فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله } المخلفون المتروكون وهم الذين استأذنوا رسول الله صلى الله عليه و سلم من المنافقين فأذن لهم وخلفهم بالمدينة في غزوة تبوك أو الذين خلفهم الله وثبطهم أو الشيطان أو كسلهم أو المؤمنون ومعنى { بمقعدهم } أي بقعودهم يقال : قعد قعودا ومقعدا : أي جلس وأقعده غيره ذكر معناه الجوهري فهو متعلق بفرح : أي فرح المخلفون بقعودهم وخلاف رسول الله منتصب على أنه ظرف لمقعدهم قال الأخفش ويونس : الخلاف بمعنى الخلف : أي بعد رسول الله صلى الله عليه و سلم وذلك أن جهة الإمام التي يقصدها الإنسان تخالفها جهة الخلف وقال قطرب والزجاج : معنى خلاف رسول الله مخالفة الرسول حين سار وأقاموا فانتصابه على أنه مفعول له : أي قعدوا لأجل المخالفة أو على الحال مثل وأرسلها العراك : أي مخالفين له ويؤيد ما قاله الأخفش ويونس قراءة أبي حيوة خلف رسول الله قوله : { وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله } سبب ذلك الشح بالأموال والأنفس وعدم وجود باعث الإيمان وداعي الإخلاص ووجود الصارف عن ذلك وهو ما هم فيه من النفاق وفيه تعريض بالمؤمنين الباذلين لأموالهم وأنفسهم في سبيل الله لوجود الداعي معهم وانتفاء الصارف عنهم { وقالوا لا تنفروا في الحر } أي قال المنافقون لإخوانهم : هذه المقالة تثبيطا لهم وكسرا لنشاطهم وتواصيا بينهم بالمخالفة لأمر الله ورسوله ثم أمر الله رسوله صلى الله عليه و سلم أن يقول لهم : { نار جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون } والمعنى : أنكم أيها المنافقون كيف تفرون من هذا الحر اليسير ونار جهنم التي ستدخلونها خالدين فيها أبدا أشد حرا مما فررتم منه فإنكم إنما فررتم من حر يسير في زمن قصير ووقعتم في حر كثير في زمن كبير بل غير متناه أبد الآبدين ودهر الداهرين
( فكنت كالساعي إلى مثعب ... موائلا من سبل الراعد )
وجواب لو في { لو كانوا يفقهون } مقدر : أي لو كانوا يفقهون أنها كذلك لما فعلوا ما فعلوا

(2/563)


قوله : 82 - { فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا } هذان الأمران معناهما الخبر والمعنى : فسيضحكون قليلا ويبكون كثيرا وإنما جيء بهما على لفظ الأمر للدلالة على أن ذلك أمر محتوم لا يكون غيره وقليلا وكثيرا منصوبان على المصدرية أو الظرفية : أي ضحكا قليلا وبكاء كثيرا أو زمانا قليلا وزمانا كثيرا { جزاء بما كانوا يكسبون } أي جزاء بسبب ما كانوا يكسبونه من المعاصي وانتصاب جزاء على المصدرية : أي يجزون جزاء

(2/564)


83 - { فإن رجعك الله إلى طائفة منهم } الرجع متعد كالرد والرجوع لازم والفاء لتفريع ما بعدها على ما قبلها وإنما قال { إلى طائفة } لأن جميع من أقام بالمدينة لم يكونوا منافقين بل كان فيهم غيرهم من المؤمنين لهم أعذار صحيحة وفيهم من المؤمنين من لا عذر له ثم عفا عنهم رسول الله صلى الله عليه و سلم وتاب الله عليهم كالثلاثة الذين خلفوا وسيأتي بيان ذلك وقيل إنما قال : إلى طائفة لأن منهم من تاب عن النفاق وندم على التخلف { فاستأذنوك للخروج } معك في غزوة أخرى بعد غزوتك هذه { فقل } لهم { لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا } أي قل لهم ذلك عقوبة لهم ولما في استصحابهم من المفاسد كما تقدم في قوله : { لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا } وقرئ بفتح الياء من معي في الموضعين وقرئ بسكونها فيهما وجملة { إنكم رضيتم بالقعود أول مرة } للتعليل : أي لن تخرجوا معي ولن تقاتلوا لأنكم رضيتم بالقعود والتخلف أول مرة وهي غزوة تبوك والفاء في { فاقعدوا مع الخالفين } لتفريع ما بعدها على ما قبلها والخالفين جمع خالف كأنهم خلفوا الخارجين والمراد بهم من تخلف عن الخروج وقيل المعنى : فاقعدوا مع الفاسدين من قولهم : فلان خالف أهل بيته إذا كان فاسدا فيهم من قولك خلف اللبن : أي فسد بطول المكث في السقاء ذكر معناه الأصمعي وقرئ { فاقعدوا مع الخالفين } وقال الفراء : معناه المخالفين
وقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم [ عن عروة أن عبد الله بن أبي قال : لولا أنكم تنفقون على محمد وأصحابه لانفضوا من حوله وهو القائل : { ليخرجن الأعز منها الأذل } فأنزل الله : { استغفر لهم أو لا تستغفر لهم } فقال النبي صلى الله عليه و سلم : لأزيدن على السبعين فأنزل الله : { سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم } ] وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد نحوه وأخرج ابن جرير عن ابن عباس نحوه وأخرج أحمد والبخاري والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن أبي حاتم والنحاس وابن حبان وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية عن ابن عباس قال : سمعت عمر يقول : لما توفي عبد الله بن أبي دعي رسول الله صلى الله عليه و سلم للصلاة عليه فقام عليه فلما وقف قلت : أعلى عدو الله عبد الله بن أبي القائل كذا وكذا والقائل كذا وكذا ؟ أعدد أيامه ورسول الله صلى الله عليه و سلم يتبسم حتى إذا أكثرت قال : يا عمر أخر عني إني قد خيرت قد قيل لي : { استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم } فلو أعلم أني إن زدت على السبعين غفر له لزدت عليها ثم صلى عليه رسول الله صلى الله عليه و سلم ومشى معه حتى قام على قبره حتى فرغ منه فعجبت لي ولجرأتي على رسول الله صلى الله عليه و سلم والله ورسوله أعلم فوالله ما كان إلا يسيرا حتى نزلت هاتان الآيتان : { ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره } فما صلى رسول الله صلى الله عليه و سلم على منافق بعد حتى قبضه الله عز و جل وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله : { فرح المخلفون } الآية قال : عن غزوة تبوك وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه و سلم أمر الناس أن ينبعثوا معه وذلك في الصيف فقال رجال : يا رسول الله الحر شديد ولا نستطيع الخروج فلا تنفروا في الحر فقال الله : { قل نار جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون } فأمره بالخروج وأخرج ابن مردويه عن جابر بن عبد الله نحوه وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : { فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا } قال : هم المنافقون والكفار الذين اتخذوا دينهم هزوا ولعبا يقول الله : فليضحكوا قليلا في الدنيا وليبكوا كثيرا في الآخرة وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله : { فإن رجعك الله إلى طائفة منهم } قال : ذكر لنا أنهم كانوا اثني عشر رجلا من المنافقين وفيهم قيل ما قيل وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : { فاقعدوا مع الخالفين } قال : هم الرجال الذين تخلفوا عن الغزو

(2/564)


قوله : 84 - { مات } صفة لأحد و { أبدا } ظرف لتأبيد النفي قال الزجاج : معنى قوله : { ولا تقم على قبره } أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان إذا دفن الميت وقف على قبره ودعا له فمنع هاهنا منه وقيل معناه : لا تقم بمهمات إصلاح قبره وجملة { إنهم كفروا } تعليل للنهي وإنما وصفهم بالفسق بعد وصفهم بالكفر لأن الكافر قد يكون عدلا في دينه والكذب والنفاق والخداع والجبن والخبث مستقبحة في كل دين

(2/566)


85 - { ولا تعجبك أموالهم وأولادهم إنما يريد الله أن يعذبهم بها في الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون } ثم نهى رسوله عن أن تعجبه أموالهم وأولادهم وهو تكرير لما سبق في هذه السورة وتقرير لمضمونه وقيل : إن الآية المتقدمة في قوم وهذه في آخرين وقيل هذه في اليهود والأولى في المنافقين وقيل غير ذلك وقد تقدم في الآية الأولى جميع ما يحتاج إليه في تفسير هذه الآية

(2/566)


ثم عاد الله سبحانه إلى توبيخ المنافقين فقال : 86 - { وإذا أنزلت سورة } أي من القرآن ويجوز أن يراد بعض السورة وأن يراد تمامها وقيل هي هذه السورة : أي سورة براءة و أن في أن آمنوا بالله مفسرة لما في الإنزال من معنى القول أو مصدرية حذف منها الجار : أي بأن آمنوا وإنما قدم الأمر بالإيمان لأن الاشتغال بالجهاد لا يفيد إلا بعد الإيمان { استأذنك أولو الطول منهم } أي ذوو الفضل والسعة من طال عليه طولا كذا قال ابن عباس والحسن وقال الأصم : الرؤساء والكبراء المنظور إليهم وخصهم بالذكر لأن الذم لهم ألزم إذ لا عذر لهم في القعود { وقالوا ذرنا } أي اتركنا { نكن مع القاعدين } أي المتخلفين عن الغزو من المعذورين كالضعفاء والزمنى

(2/566)


والخوالف : النساء اللاتي يخلفن الرجال في القعود في البيوت جمع خالفة وجوز بعضهم أن يكون جمع خالف وهو من لا خير فيه 87 - { وطبع على قلوبهم } وهو كقوله : { ختم الله على قلوبهم } وقد مر تفسيره { فهم لا يفقهون } شيئا مما فيه نفعهم وضرهم بل هم كالأنعام
وقد أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن عمر قال : لما توفي عبد الله بن أبي بن سلول أتى ابنه عبد الله رسول الله صلى الله عليه و سلم فسأله أن يعطيه قميصه ليكفنه فيه فأعطاه ثم سأله أن يصلي عليه فقام رسول الله صلى الله عليه و سلم فقام عمر فأخذ ثوبه فقال : يا رسول الله أتصلي عليه وقد نهاك الله أن تصلي على المنافقين ؟ فقال : إن ربي خيرني وقال : { استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم } وسأزيد على السبعين فقال : إنه منافق فصلى عليه فأنزل الله : { ولا تصل على أحد منهم مات أبدا } الآية فترك الصلاة عليهم وأخرج ابن ماجه والبزار وابن جرير وابن مردويه عن جابر قال : مات رأس المنافقين بالمدينة فأوصى أن يصلي عليه النبي صلى الله عليه و سلم وأن يكفنه في قميصه فجاء ابنه إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال : إن أبي أوصى أن يكفن في قميصك فصلى عليه وألبسه قميصه وقام على قبره فأنزل الله : { ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره } وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله : { أولو الطول } قال : أهل الغنى وأخرج هؤلاء عن ابن عباس في قوله : { رضوا بأن يكونوا مع الخوالف } قال : مع النساء وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في الآية قال : رضوا بأن يقعدوا كما قعدت النساء وأخرج أبو الشيخ عن قتادة قال : الخوالف النساء

(2/566)


المقصود من الاستدراك بقوله : 88 - { لكن الرسول } إلى آخره الإشعار بأن تخلف هؤلاء غير ضائر فإنه قد قام بفريضة الجهاد من هو خير منهم وأخلص نية كما في قوله : { فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين } وقد تقدم بيان الجهاد بالأموال والأنفس ثم ذكر منافع الجهاد فقال : { وأولئك لهم الخيرات } وهي جمع خير فيشمل منافع الدنيا والدين وقيل المراد به : النساء الحسان كقوله تعالى : { فيهن خيرات حسان } ومفردة خيرة بالتشديد ثم خففت مثل هينة وهينة وقد تقدم معنى الفلاح والمراد به هنا الفائزون بالمطلوب وتكرير اسم الإشارة لتفخيم شأنهم وتعظيم أمرهم

(2/567)


والجنات : البساتين وقد تقدم بيان جري الأنهار من تحتها وبيان الخلود والفوز والإشارة بقوله : 89 - { ذلك } إلى ما تقدم من الخيرات والفلاح وإعداد الجنات الموصوفة بتلك الصفة ووصف الفوز بكونه عظيما يدل على أنه الفرد الكامل من أنواع الفوز وقد أخرج القرطبي في تفسيره عن الحسن أنه قال الخيرات : هن النساء الحسان

(2/567)


قرأ الأعرج والضحاك 90 - { المعذرون } بالتخفيف من أعذر ورواها أبو كريب عن أبي بكر عن عاصم ورواها أصحاب القراءات عن ابن عباس قال في الصحاح : وكان ابن عباس يقرأ : { وجاء المعذرون } مخففة من أعذر ويقول : والله هكذا أنزلت قال النحاس : إلا أن مدارها على الكلبي وهي من أعذر : إذا بالغ في العذر ومنه من أنذر فقد أعذر أي بالغ في العذر وقرأ الجمهور المعذرون بالتشديد ففيه وجهان أحدهما أن يكون أصله المعتذرون فأدغمت التاء في الذال وهم الذين لهم عذر ومنه قول لبيد :
( إلى الحول ثم اسم السلام عليكما ... ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر )
فالمعذرون على هذا : هم المحقون في اعتذارهم وقد روي هذا عن الفراء والزجاج ابن الأنباري وقيل هو من عذر وهو الذي يعتذر ولا عذر له يقال عذر في الأمر : إذا قصر واعتذر بما ليس بعذر ذكره الجوهري وصاحب الكشاف فالمعذرون على هذا : هم المبطلون لأنهم اعتذروا بأعذار باطلة لا أصل لها وروي عن الأخفش والفراء وأبي حاتم وأبي عبيدة أنه يجوز كسر العين لالتقاء الساكنين وضمها للاتباع والمعنى : أنه جاء هؤلاء من الأعراب بما جاءوا به من الأعذار بحق أو بباطل على كلا التفسيرين لأجل أن يأذن لهم رسول الله صلى الله عليه و سلم بالتخلف عن الغزو وطائفة أخرى لم يعتذروا بل قعدوا عن الغزو لغير عذر وهم منافقو الأعراب الذين كذبوا الله ورسوله ولم يؤمنوا ولا صدقوا ثم توعدهم الله سبحانه فقال : { سيصيب الذين كفروا منهم } أي من الأعراب وهم الذين اعتذروا بالأعذار الباطلة والذين لم يعتذروا بل كذبوا الله ورسوله { عذاب أليم } أي كثير الأليم فيصدق على عذاب الدنيا وعذاب الآخرة
وقد أخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله : { وجاء المعذرون من الأعراب } أي أهل العذر منهم وروى ابن أبي حاتم عنه نحو ذلك وأخرج ابن الأنباري في كتاب الأضداد عنه أيضا أنه كان يقول : لعن الله المعذرين ويقرأ بالتشديد كأن الأمر عنده أن المعذر بالتشديد : هو المظهر للعذر اعتلالا من غير حقيقة وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن إسحاق في قوله : { وجاء المعذرون من الأعراب } قال : ذكر لي أنهم نفر من بني غفار جاءوا فاعتذروا منهم خفاف بن إيماء وقيل لهم : رهط عامر بن الطفيل قالوا : إن غزونا معك أغارت أعراب طيئ على أهالينا ومواشينا

(2/568)


لما ذكر سبحانه المعذرون ذكر بعدهم أهل الأعذار الصحيحة المسقطة للغزو وبدأ بالعذر في أصل الخلقة فقال : 91 - { ليس على الضعفاء } وهم أرباب الزمانة والهرم والعمى والعرج ونحو ذلك ثم ذكر العذر العارض فقال : { ولا على المرضى } والمراد بالمرض : كل ما يصدق عليه اسم المرض لغة أو شرعا وقيل إنه يدخل في المرض الأعمى والأعرج ونحوهما ثم ذكر العذر الراجع إلى المال لا إلى البدن فقال : { ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون } أي ليست لهم أموال ينفقونها فيما يحتاجون إليه من التجهز للجهاد فنفى سبحانه عن هؤلاء الحرج وأبان أن الجهاد مع هذه الأعذار ساقط عنهم غير واجب عليهم مقيدا بقوله : { إذا نصحوا لله ورسوله } وأصل النصح إخلاص العمل من الغش ومنه التوبة النصوح قال نفطويه نصح الشيء : إذا خلص ونصح له القول : أي أخلصه له والنصح لله : الإيمان به والعمل بشريعته وترك ما يخالفها كائنا ما كان ويدخل تحته دخولا أوليا نصح عباده ومحبة المجاهدين في سبيله وبذل النصيحة لهم في أمر الجهاد وترك المعاونة لأعدائهم بوجه من الوجوه ونصيحة الرسول صلى الله عليه و سلم : التصديق بنبوته وبما جاء به وطاعته في كل ما يأمر به أو ينهى عنه وموالاة من والاه
ومعاداة من عاداه ومحبته وتعظيم سنته وإحياؤها بعد موته بما تبلغ إليه القدرة وقد ثبت في الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه و سلم [ قال : الدين النصيحة ثلاثا قالوا : لمن ؟ قال : لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم ] وجملة { ما على المحسنين من سبيل } مقررة لمضمون ما سبق : أي ليس على المعذورين الناصحين من سبيل : أي طريق عقاب ومؤاخذة ومن مزيدة للتأكيد وعلى هذا فيكون لفظ { المحسنين } موضوعا في موضع الضمير الراجع إلى المذكورين سابقا أو يكون المراد : ما على جنس المحسنين من سبيل وهؤلاء المذكورون سابقا من جملتهم فتكون الجملة تعليلية وجملة { والله غفور رحيم } تذييلية وفي معى هذه الآية قوله تعالى : { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها } وقوله : { ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج } وإسقاط التكليف عن هؤلاء المعذورين لا يستلزم عدم ثبوت ثواب الغزو لهم الذي عذرهم الله عنه مع رغبتهم إليه لولا حبسهم العذر عنه ومنه حديث أنس عند أبي داود وأحمد وأصله في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : [ لقد تركتم بعدكم قوما ما سرتم من مسير ولا أنفقتم من نفقة ولا قطعتم واديا إلا وهم معكم فيه قالوا : يا
رسول الله وكيف يكونون معنا وهم بالمدينة ؟ فقال : حبسهم العذر ] وأخرجه أحمد ومسلم من حديث جابر

(2/569)


ثم ذكر الله سبحانه من جملة المعذورين من تضمنه قوله : { ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه } والعطف على جملة { ما على المحسنين } أي ولا على الذين إذا ما أتوك إلى آخره من سبيل ويجوز أن تكون عطفا على الضعفاء : أي ولا على إذا ما أتوك إلى آخره حرج والمعنى : أن من جملة المعذورين هؤلاء الذين أتوك لتحملهم على ما يركبون عليه في الغزو فلم تجد ذلك الذي طلبوه منك قيل : وجملة { لا أجد ما أحملكم عليه } في محل نصب على الحال من الكاف في أتوك بإضمار قد : أي إذا ما أتوك قائلا لا أجد وقيل هي بدل من أتوك وقيل جملة معترضة بين الشرط والجزاء والأول أولى وقوله : { تولوا } جواب إذا وجملة { وأعينهم تفيض من الدمع } في محل نصب على الحال : أي تولوا عنك لما قلت لهم لا أجد ما أحملكم عليه حال كونهم باكين و { حزنا } منصوب على المصدرية أو على العلية أو الحالية و { أن لا يجدوا } مفعول له وناصبه { حزنا } وقال الفراء : أن لا بمعنى ليس : أي حزنا أن ليس يجدوا وقيل المعنى : حزنا على أن لا يجدوا وقيل المعنى : حزنا أنهم لا يجدون ما ينفقون لا عند أنفسهم ولا عندك

(2/570)


ثم ذكر الله سبحانه من عليه السبيل من المتخلفين فقال : 93 - { إنما السبيل } أي طريق العقوبة المؤاخذة { على الذين يستأذنونك } في التخلف عن الغزو { و } الحال أنـ { وهم أغنياء } أي يجدون ما يحملهم وما يتجهزون به وجملة { رضوا بأن يكونوا مع الخوالف } مستأنفة كأنه قيل ما بالهم استأذنوا وهم أغنياء وقد تقدم تفسير الخوالف قريبا وجملة { وطبع الله على قلوبهم } معطوفة على { رضوا } أي سبب الاستئذان مع الغنى أمران : أحدهما : الرضا بالصفقة الخاسرة وهي أن يكونوا مع الخوالف والثاني : الطبع من الله على قلوبهم { فهم } بسبب هذا الطبع { لا يعلمون } ما فيه الربح لهم حتى يختاروه على ما فيه الخسر
وقد أخرج ابن أبي حاتم والدارقطني في الإفراد وابن مردويه عن زيد بن ثابت قال : كنت أكتب لرسول الله صلى الله عليه و سلم فنزلت براءة فكنت أكتب ما أنزل عليه فإني لواضع القلم عن أذني إذ أمرنا بالقتال فجعل رسول الله صلى الله عليه و سلم ينظر ما ينزل عليه إذ جاء أعمى فقال : كيف بي يا رسول الله وأنا أعمى ؟ فنزلت : { ليس على الضعفاء } الآية وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة قال : أنزلت هذه الآية في عابد بن عمر المزني وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد قال : نزل من عند قوله : { عفا الله عنك } إلى قوله : { ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم } في المنافقين وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك في قوله : { ما على المحسنين من سبيل } قال : ما على هؤلاء من سبيل بأنهم نصحوا لله ورسوله ولم يطيقوا الجهاد فعذرهم الله وجعل لهم من الأجر ما جعل للمجاهدين ألم تسمع أن الله يقول : { لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر } فجعل الله للذين عذر من الضعفاء وأولي الضرر والذين لا يجدون ما ينفقون من الأجر مثل ما جعل للمجاهدين وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس في قوله : { ما على المحسنين من سبيل } قال { والله } لأهل الإساءة { غفور رحيم } وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله : { ولا على الذين إذا ما أتوك } الآية قال : أمر رسول الله صلى الله عليه و سلم أن ينبعثوا غازين معه فجاءت عصابة من أصحابه فيهم عبد الله بن مغفل المزني فقالوا : يا رسول الله احملنا فقال : والله ما أجد ما أحملكم عليه فتولوا ولهم بكاء وعزيز عليهم أن يجلسوا عن الجهاد ولا يجدون نفقة ولا محملا فأنزل الله عذرهم { ولا على الذين إذا ما أتوك } الآية وأخرج ابن سعد وابن أبي حاتم وابن مردويه عن عبد الله بن مغفل قال : إني لا أجد الرهط الذين ذكر الله { ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم } الآية وأخرج ابن جرير عن محمد بن كعب قال : هم سبعة نفر من بني عمر بن عوف سالم بن عمير ومن بني واقف حرمي بن عمرو ومن بني مازن بن النجار عبد الرحمن بن كعب يكنى أبا ليلى ومن بني المعلى سلمان بن صخر ومن بني حارثة عبد الرحمن بن زيد أبو عبلة ومن بني سلمة عمرو بن غنمة وعبد الله بن عمرو المزني وقد اتفق الرواة على بعض هؤلاء السبعة واختلفوا في البعض ولا يأتي التطويل في ذلك بكثير فائدة وأخرج ابن إسحاق وابن المنذر وأبو الشيخ عن الزهري ويزيد بن رومان وعبد الله بن أبي بكر وعاصم بن عمر بن قتادة وغيرهم أن رجالا من المسلمين أتوا رسول الله صلى الله عليه و سلم وهم البكاءون وهم سبعة نفر من الأنصار وغيرهم ثم ذكروا أسماءهم وفيه فاستحملوا رسول الله وكانوا أهل حاجة قال : { لا أجد ما أحملكم عليه } وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن الحسن قال : كان معقل بن يسار من البكائين الذين قال الله : { ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم } الآية وأخرج ابن أبي حاتم عن أنس بن مالك في قوله : { لا أجد ما أحملكم عليه } قال : الماء والزاد وأخرج ابن المنذر عن علي بن صالح قال : حدثني مشيخة من جهينة قالوا : أدركنا الذين سألوا رسول الله صلى الله عليه و سلم الحملان فقالوا : ما سألناه إلا الحملان على النعال وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن إبراهيم بن أدهم عمن حدثه في قوله : { ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم } قال : ما سألوه الدواب ما سألوه إلا النعال وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن بن صالح في الآية قال : استحملوه النعال وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله : { إنما السبيل على الذين يستأذنونك } قال : هي وما بعدها إلى قوله : { إن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين } في المنافقين

(2/571)


قوله : 94 - { يعتذرون إليكم } إخبار من الله سبحانه عن المنافقين المتعذرين بالباطل بأنهم يعتذرون إلى المؤمنين إذا رجعوا من الغزو وهذا كلام مستأنف وإنما قال : { إليهم } أي إلى المعتذرين بالباطل ولم يقل إلى المدينة لأن مدار الاعتذار هو الرجوع إليهم لا الرجوع إلى المدينة وربما يقع الاعتذار عند الملاقاة قبل الوصول إليها ثم أخبر الله سبحانه رسوله صلى الله عليه و سلم بما يجيب به عليهم فقال : { قل لا تعتذروا لن نؤمن لكم } فنهاهم أولا عن الاعتذار بالباطل ثم علله بقوله : { لن نؤمن لكم } أي لن نصدقكم كأنهم ادعوا أنهم صادقون في اعتذارهم لأن غرض المعتذر أن يصدق فيما يعتذر به فإذا عرف أنه لا يصدق ترك الاعتذار وجملة { قد نبأنا الله من أخباركم } تعليلية للتي قبلها : أي لا يقع منا تصديق لكم لأن الله قد أعلمنا بالوحي ما هو مناف لصدق اعتذاركم وإنما خص الرسول صلى الله عليه و سلم بالجواب عليهم فقال : { قل لا تعتذروا } مع أن الاعتذار منهم كائن إلى جميع المؤمنين لأنه صلى الله عليه و سلم رأسهم والمتولي لما يرد عليهم من جهة الغير ويحتمل أن يكون المراد بالضمير في قوله : { إليكم } هو الرسول صلى الله عليه و سلم على التأويل المشهور في مثل هذا قوله : { وسيرى الله عملكم } أي ما ستفعلونه من الأعمال فيما بعد هل تقلعون عما أنتم عليه الآن من الشر أم تبقون عليه ؟ وقوله : { ورسوله } معطوف على الاسم الشريف ووسط مفعول الرؤية إيذانا بأن رؤية الله سبحانه لما سيفعلونه من خير أو شر هي التي يدور عليها الإثابة أو العقوبة وفي جملة { ثم تردون إلى عالم الغيب } إلى آخرها تخويف شديد لما هي مشتملة عليه من التهديد ولا سيما ما اشتملت عليه من وضع الظاهر موضع المضمر لإشعار ذلك بإحاطته بكل شيء يقع منهم مما يكتمونه ويتظاهرون به وإخباره لهم به ومجازاتهم عليه

(2/573)


ثم ذكر أن هؤلاء المعتذرين بالباطل سيؤكدون ما جاءوا به من الأعذار الباطلة بالحلف عند رجوع المؤمنين إليهم من الغزو وغرضهم من هذا التأكيد هو أن يعرض المؤمنون عنهم فلا يوبخونهم ولا يؤاخذونهم بالتخلف ويظهرون الرضا عنهم كما يفيده ذكر الرضا من بعد وحذف المحلوف عليه لكون الكلام يدل عليه وهو اعتذارهم الباطل وأمر المؤمنين بالإعراض عنهم المراد به تركهم والمهاجرة لهم لا الرضا عنهم والصفح عن ذنوبهم كما تفيده جملة 95 - { إنهم رجس } الواقعة علة للأمر بالإعراض والمعنى : أنهم في أنفسهم رجس لكون جميع أعمالهم نجسة فكأنها قد صيرت ذواتهم رجسا أو أنهم ذوو رجس : أي ذوو أعمال قبيحة ومثله { إنما المشركون نجس } وهؤلاء لما كانوا هكذا كانوا غير متأهلين لقبول الإرشاد إلى الخير والتحذير من الشر فليس لهم إلا الترك وقوله : { ومأواهم جهنم } من تمام التعليل فإن من كان من أهل النار لا يجدي فيه الدعاء إلى الخير والمأوى كل مكان يأوي إليه الشيء ليلا أو نهارا وقد أوى فلان إلى منزله يأوي أويا وإيواء و { جزاء } منصوب على المصدرية أو على العلية والباء في { بما كانوا يكسبون } للسببية

(2/574)


وجملة 96 - { يحلفون لكم } بدل مما تقدم وحذف هنا المحلوف به لكونه معلوما مما سبق والمحلوف عليه لمثل ما تقدم وبين سبحانه أن مقصدهم بهذا الحلف هو رضا المؤمنين عنهم ثم ذكر ما يفيد أنه لا يجوز الرضا عن هؤلاء المعتذرين بالباطل فقال : { فإن ترضوا عنهم } كما هو مطلوبهم مساعدة لهم { فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين } وإذا كان هذا هو ما يريده الله سبحانه من عدم الرضا على هؤلاء الفسقة العصاة فينبغي لكم أيها المؤمنون أن لا تفعلوا خلاف ذلك بل واجب عليكم أن لا ترضوا عنهم على أن رضاكم عنهم لو وقع لكان غير معتد به ولا مفيد لهم والمقصود من إخبار الله سبحانه بعدم رضاه عنهم نهي المؤمنين عن ذلك لأن الرضا على من لا يرضى الله عليه مما لا يفعله مؤمن

(2/574)


قوله : 97 - { الأعراب أشد كفرا ونفاقا } لما ذكر الله سبحانه أحوال المنافقين بالمدينة ذكر حال من كان خارجا عنها من الأعراب وبين أن كفرهم ونفاقهم أشد من كفر غيرهم ومن نفاق غيرهم لأنهم أقسى قلبا وأغلظ طبعا وأجفى قولا وأبعد عن سماع كتب الله وما جاءت به رسله والأعراب : هم من سكن البوادي بخلاف العرب فإنه عام لهذا النوع من بني آدم سواء سكنوا البوادي أو القرى هكذا قال أهل اللغة ولهذا قال سيبويه : إن الأعراب صيغة جمع وليست بصيغة جمع العرب قال النيسابوري : قال أهل اللغة : رجل عربي إذا كان نسبه إلى العرب ثابتا وجمعه عرب كالمجوسي والمجوس واليهودي واليهود فالأعرابي إذا قيل له يا عربي فرح وإذا قيل للعربي يا أعرابي غضب وذلك أن من استوطن القرى العربية فهو عربي ومن نزل البادية فهو أعرابي ولهذا لا يجوز أن يقال للمهاجرين والأنصار أعراب وإنما هم عرب قال : قيل إنما سمي العرب عربا لأن أولاد إسماعيل عليه السلام نشأوا بالعرب وهي من تهامة فنسبوا إلى بلدهم وكل من يسكن جزيرة العرب وينطق بلسانهم فهو منهم وقيل : لأن ألسنهم معربة عما في ضمائرهم ولما في لسانهم من الفصاحة والبلاغة انتهى { وأجدر } معطوف على أشد ومعناه أخلق يقال : فلان جدير بكذا : أي خليق به وأنت جدير أن تفعل كذا والجمع جدر أو جديرون واصله من جدر الحائط وهو رفعه بالبناء والمعنى : أنهم أحق وأخلق بـ { أن لا يعلموا حدود ما أنزل الله } من الشرائع والأحكام لبعدهم عن مواطن الأنبياء وديار التنزيل { والله عليم } بأحوال مخلوقاته على العموم وهؤلاء منهم { حكيم } فيما يجازيهم به من خير وشر

(2/574)


قوله : 98 - { ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرما } هذا تنويع لجنس أو نوعين الأول هؤلاء والثاني { ومن الأعراب من يؤمن بالله } والمغرم الغرامة والخسران وأصل الغرم والغرامة ما ينفقه الرجل وليس بلازم له في اعتقاده ولكنه ينفقه للرياء والتقية وقيل أصل الغرم اللزوم كأنه اعتقد أنه يلزمه لأمر خارج لا تنبعث له النفس و { الدوائر } جمع دائرة وهي الحالة المنقلبة عن النعمة إلى البلية وأصلها ما يحيط بالشيء ودوائر الزمان : نوبه وتصاريفه ودوله وكأنها لا تستعمل إلا في المكروه ثم دعا سبحانه عليهم بقوله : { عليهم دائرة السوء } وجعل ما دعا به عليهم مماثلا لما أرادوه بالمسلمين والسوء بالفتح عند جمهور القراء مصدر أضيفت إليه الدائرة للملابسة كقولك رجل صدق وقرأ أبو عمرو وابن كثير بضم السين وهو المكروه قال الأخفش : أي عليهم دائرة الهزيمة والشر وقال الفراء : { عليهم دائرة السوء } العذاب والبلاء قال : والسوء بالفتح مصدر سوءته سوءا ومساءة وبالضم اسم لا مصدر وهو كقولك دائرة البلاء والمكروه { والله سميع } لما يقولونه { عليم } بما يضمرونه

(2/575)


قوله : 99 - { ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر } هذا النوع الثاني من أنواع الأعراب كما تقدم : أي يصدق بهما { ويتخذ ما ينفق } أي يجعل ما ينفقه في سبيل الله { قربات } وهي جمع قربة ويه ما يتقرب به إلى الله سبحانه تقول منه قربت لله قربانا والجمع قرب وقربات والمعنى : أنه يجعل ما ينفقه سببا لحصول القربات { عند الله و } سببا لـ { صلوات الرسول } أي لدعوات الرسول لهم لأنه صلى الله عليه و سلم كان يدعو للمتصدقين ومنه قوله : { وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم } ومنه قوله صلى الله عليه و سلم : [ اللهم صل على آل أبي أوفى ] ثم إنه سبحانه بين بأن ما ينفقه هذا النوع من الأعراب تقربا إلى الله مقبول واقع على الوجه الذي أرادوه فقال : { ألا إنها قربة لهم } فأخبر سبحانه بقبولها خبرا مؤكدا بإسمية الجملة وحرفي التنبيه والتحقيق وفي هذا من التطييب لخواطرهم والتطمين لقلوبهم ما لا يقادر قدره مع ما يتضمنه من النعي على من يتخذ ما ينفق مغرما والتوبيخ له بأبلغ وجه والمضير في إنها راجع إلى ما في ما ينفق وتأنيثه باعتبار الخبر وقرأ نافع في رواية عنه قربة بضم الراء وقرأ الباقون بسكونها تخفيفا ثم فسر سبحانه القربة بقوله : { سيدخلهم الله في رحمته } والسين لتحقيق الوعد
وقد أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله : { قد نبأنا الله من أخباركم } قال : أخبرنا أنكم لو خرجتم ما زدتمونا إلا خبالا و [ في قوله : { فأعرضوا عنهم } قال : لما رجع النبي صلى الله عليه و سلم قال للمؤمنين : لا تكلموهم ولا تجالسوهم فأعرضوا عنهم كما أمر الله ] وأخرج أبو الشيخ عنه في قوله : { لتعرضوا عنهم } قال : لتجاوزوا عنهم وأخرج أبو الشيخ عنه في قوله : { الأعراب أشد كفرا ونفاقا } قال : من منافقي المدينة { وأجدر أن لا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله } يعني الفرائض وما أمر به من الجهاد وأخرج أبو الشيخ عن الكلبي أن هذه الآية نزلت في أسد وغطفان وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه و سلم قال : [ من سكن البادية جفا ومن اتبع الصيد غفل ومن أتى السلطان افتتن ] وإسناد أحمد هكذا : حدثنا عبد الرحمن بن مهدي حدثنا سفيان عن أبي موسى عن وهب بن منبه عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه و سلم فذكره قال في التقريب : وأبو موسى عن وهب بن منبه مجهول من السادسة ووهم من قال إنه إسرائيل بن موسى وقال الترمذي بعد إخراجه : حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث الثوري وأخرج أبو داود والبيهقي من حديث أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : [ من بدا جفا ومن اتبع الصيد غفل ومن أتى أبواب السلطان افتتن وما ازداد أحد من سلطانه قربا إلا ازداد من الله بعدا ] وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك في قوله : { ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرما } قال : يعني بالمغرم أنه لا يرجو له ثوابا عند الله ولا مجازاة وإنما يعطي من يعطي من الصدقات كرها { ويتربص بكم الدوائر } الهلكات وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد في الآية قال : هؤلاء المنافقون من الأعراب الذين إنما ينفقون رياء اتقاء على أن يغزوا ويحاربوا ويقاتلوا ويرون نفقاتهم مغرما وأخرج ابن جرير وابن المنذر ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله : { ومن الأعراب من يؤمن بالله } قال : هم بنو مقرن من مزينة وهم الذين قال الله : { ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم } الآية وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن عبد الرحمن بن معقل قال : كنا عشرة ولد مقرن فنزلت فينا : { ومن الأعراب من يؤمن بالله } الآية وأخرج ابن جرير وابن المنذر ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله : { وصلوات الرسول } يعني استغفار النبي صلى الله عليه و سلم

(2/575)


لما ذكر سبحانه أصناف الأعراب ذكر المهاجرين والأنصار وبين أن منهم السابقين إلى الهجرة وأن منهم التابعين لهم وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قرأ 100 - { والأنصار } بالرفع عطفا على { والسابقون } وقرأ سائر القراء من الصحابة فمن بعدهم بالجر قال الأخفش : الخفض في الأنصار الوجه لأن السابقين منهم يدخلون في قوله : { والسابقون } وفي الآية تفضيل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار وهم الذين صلوا القبلتين في قول سعيد بن المسيب وطائفة أو الذين شهدوا بيعة الرضوان وهي بيعة الحديبية في قول الشعبي أو أهل بدر في قول محمد بن كعب وعطاء بن يسار ولا مانع من حمل الآية على هذه الأصناف كلها قال أبو منصور البغدادي : أصحابنا مجمعون على أن أفضلهم الخلفاء الأربعة ثم الستة الباقون ثم البدريون ثم أصحاب أحد ثم أهل بيعة الرضوان بالحديبية قوله : { والذين اتبعوهم بإحسان } قرأ عمر بن الخطاب رضي الله عنه : { الذين اتبعوهم } محذوف الواو وصفا للأنصار على قراءته برفع الأنصار فراجعه في ذلك زيد بن ثابت فسأل أبي بن كعب فصدق زيدا فرجع عمر عن القراءة المذكورة كما رواه أبو عبيد وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه ومعنى الذين اتبعوهم بإحسان : الذين اتبعوا السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار وهم المتأخرون عنهم من الصحابة فمن بعدهم إلى يوم القيامة وليس المراد بهم التابعين اصطلاحا وهم كل من أدرك الصحابة ولم يدرك النبي صلى الله عليه و سلم بل هم من جملة من يدخل تحت الآية فتكون من في قوله : { من المهاجرين } على هذا للتبعيض وقيل إنها للبيان فيتناول المدح جميع الصحابة ويكون المراد بالتابعين من بعدهم من الأمة إلى يوم القيامة وقوله : { بإحسان } قيد للتابعين : أي والذين اتبعوهم متلبسين بإحسان في الأفعال والأقوال اقتداء منهم بالسابقين الأولين قوله : { رضي الله عنهم } خبر للمبتدأ وما عطف عليه ومعنى رضاه سبحانه عنهم : أنه قبل طاعاتهم وتجاوز عنهم ولم يسخط عليهم { ورضوا عنه } بما أعطاهم من فضله ومع رضاه عنهم فقد { أعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار } في الدار الآخرة وقرأ ابن كثير { تجري من تحتها الأنهار } بزيادة من وقرأ الباقون بحذفها والنصب على الظرفية وقد تقدم تفسير جري الأنهار من تحت الجنات وتفسير الخلود والفوز

(2/577)


قوله : 101 - { وممن حولكم من الأعراب منافقون } هذا عود إلى شرح أحوال المنافقين من أهل المدينة ومن يقرب منها من الأعراب وممن حولكم خبر مقدم ومن الأعراب بيان وهو في محل نصب على الحال ومنافقون هو المبتدأ قيل : وهؤلاء الذين هم حول المدينة من المنافقين هم جهينة ومزينة وأشجع وغفار وجملة { ومن أهل المدينة مردوا على النفاق } معطوفة على الجملة الأولى عطف جملة على جملة وقيل : إن { من أهل المدينة } عطف على الخبر في الجملة الأولى فعلى الأول يكون المبتدأ مقدرا : أي ومن أهل المدينة قوم مردوا على النفاق وعلى الثاني يكون التقدير : وممن حولكم من الأعراب ومن أهل المدينة منافقون مردوا ولكون جملة مردوا على النفاق مستأنفة لا محل لها وأصل مرد وتمرد اللين والملاسة والتجرد فكأنهم تجردوا للنفاق ومنه غصن أمرد : لا ورق عليه وفرس أمرد : لا شعر فيه وغلام أمرد : لا شعر بوجهه وأرض مرداء : لا نبات فيها وصرح ممرد : مجرد فالمعنى : أنهم أقاموا على النفاق وثبتوا عليه ولم ينثنوا عنه قال ابن زيد : معناه لجوا فيه وأتوا غيره وجملة { لا تعلمهم } مبينة للجملة الأولى وهي مردوا على النفاق : أي ثبتوا عليه ثبوتا شديدا ومهروا فيه حتى خفي أمرهم على رسول الله صلى الله عليه و سلم فكيف سائر المؤمنين ؟ والمراد عدم علمه صلى الله عليه و سلم بأعيانهم لا من حيث الجملة فإن للمنافق دلائل لا تخفى عليه صلى الله عليه و سلم وجملة { نحن نعلمهم } مقررة لما قبلها لما فيها من الدلالة على مهارتهم في النفاق ورسوخهم فيه على وجه يخفى على البشر ولا يظهر لغير الله سبحانه لعلمه بما يخفى وما تجنه الضمائر وتنطوي عليه السرائر ثم توعدهم سبحانه فقال : { سنعذبهم مرتين } قيل المراد بالمرتين : عذاب الدنيا بالقتل والسبي وعذاب الآخرة وقيل : الفضيحة بانكشاف نفاقهم والعذاب في الآخرة وقيل : المصائب في أموالهم وأولادهم وعذاب القبر وقيل : غير ذلك مما يطول ذكره مع عدم الدليل على أنه المراد بعينه والظاهر أن هذا العذاب المكرر هو في الدنيا بما يصدق عليه اسم العذاب وأنهم يعذبون مرة بعد مرة ثم يردون بعد ذلك إلى عذاب الآخرة وهو المراد بقوله : { ثم يردون إلى عذاب عظيم } ومن قال إن العذاب في المرة الثانية هو عذاب الآخرة قال معنى قوله : { ثم يردون إلى عذاب عظيم } أنهم يردون بعد عذابهم في النار كسائر الكفار إلى الدرك الأسفل منها أو أنهم يعذبون في النار عذابا خاصا بهم دون سائر الكفار ثم يردون بعد ذلك إلى العذاب الشامل لهم ولسائر الكفار

(2/578)


ثم ذكر سبحانه حال طائفة من المسلمين وهم المخلطون في دينهم فقال : 102 - { وآخرون اعترفوا بذنوبهم } وهو معطوف على قوله : منافقون : أي وممن حولكم من الأعراب ومن أهل المدينة قوم آخرون ويجوز أن يكون آخرون مبتدأ واعترفوا بذنوبهم صفته وخلطوا عملا صالحا وآخر سيئا خبره والمعنى : أن هؤلاء الجماعة تخلفوا عن الغزو لغير عذر مسوغ للتخلف ثم ندموا على ذلك ولم يعتذروا بالأعذار الكاذبة كما اعتذر المنافقون بل تابوا واعترفوا بالذنب ورجوا أن يتوب الله عليهم والمراد بالعمل الصالح : ما تقدم من إسلامهم وقيامهم بشرائع الإسلام وخروجهم إلى الجهاد في سائر المواطن والمراد بالعمل السيء : هو تخلفهم عن هذه الغزوة وقد أتبعوا هذا العمل السيء عملا صالحا وهو الاعتراف به والتوبة عنه وأصل الاعتراف الإقرار بالشيء ومجرد الإقرار لا يكون في توبة إلا إذا اقترن به الندم على الماضي والعزم على تركه في الحال والاستقبال وقد وقع منهم ما يفيد هذا كما سيأتي بيانه إن شاء الله ومعنى الخلط : أنهم خلطوا كل واحد منهما بالآخر كقولك خلطت الماء باللبن واللبن بالماء ويجوز أن تكون الواو بمعنى الباء كقولك : بعت الشاة شاة ودرهما : أي بدرهم وفي قوله : { عسى الله أن يتوب عليهم } دليل على أنه قد وقع منهم مع الاعتراف ما يفيد التوبة أو أن مقدمة التوبة وهي الاعتراف قامت مقام التوبة وحرف الترجي وهو عسى هو في كلام الله سبحانه يفيد تحقيق الوقوع لأن الإطماع من الله سبحانه إيجاب لكونه أكرم الأكرمين { إن الله غفور رحيم } أي يغفر الذنوب ويتفضل على عباده

(2/579)


قوله : 103 - { خذ من أموالهم صدقة } اختلف أهل العلم في هذه الصدقة المأمور بها فقيل : هي صدقة الفرض وقيل : هي مخصوصة بهذه الطائفة المعترفة بذنوبها لأنهم بعد التوبة عليهم عرضوا أموالهم على رسول الله صلى الله عليه و سلم فنزلت هذه الآية و { من } للتبعيض على التفسيرين والآية مطلقة مبينة بالسنة المطهرة والصدقة مأخوذة من الصدق إذ هي دليل على صدق مخرجها في إيمانه قوله : { تطهرهم وتزكيهم بها } الضمير في الفعلين للنبي صلى الله عليه و سلم : أي تطهرهم وتزكيهم يا محمد بما تأخذه من الصدقة منهم وقيل الضمير في تطهرهم للصدقة : أي تطهرهم هذه الصدقة المأخوذة منهم والضمير في تزكيهم للنبي صلى الله عليه و سلم : أي تزكيهم يا محمد بالصدقة المأخوذة والأول أولى لما في الثاني من الاختلاف في الضميرين في الفعلين المتعاطفين وعلى الأول فالفعلان منتصبان على الحال وعلى الثاني فالفعل الأول صفة لصدقة والثاني حال منه صلى الله عليه و سلم ومعنى التطهير : إذهاب ما يتعلق بهم من أثر الذنوب ومعنى التزكية : المبالغة في التطهير قال الزجاج : والأجود أن تكون المخاطبة للنبي صلى الله عليه و سلم : أي فإنك يامحمد تطهرهم وتزكيهم بها على القطع والاستئناف ويجوز الجزم على جواب الأمر والمعنى : أن تأخذ من أموالهم صدقة تطهرهم وقد قرأ الحسن بجزم تطهرهم وعلى هذه القراءة فيكون { وتزكيهم } على تقدير مبتدأ : أي وأنت تزكيهم بها قوله : { وصل عليهم } : أي ادع لهم بعد أخذك لتلك الصدقة من أموالهم قال النحاس : وحكى أهل اللغة جميعا فيما علمناه أن الصلاة في كلام العرب الدعاء ثم علل سبحانه أمره لرسوله صلى الله عليه و سلم بالصلاة على من يأخذ منه الصدقة فقال : { إن صلاتك سكن لهم } قرأ حفص وحمزة والكسائي { صلاتك } بالتوحيد وقرأ الباقون بالجمع والسكن ما تسكن إليه النفس وتطمئن به

(2/580)


قوله : 104 - { ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده } لما تاب الله سبحانه على هؤلاء المذكورين سابقا قال الله : { ألم يعلموا } أي غير التائبين أو التائبون قبل أن يتوب الله عليهم ويقبل صدقاتهم { أن الله هو يقبل التوبة } لاستغنائه عن طاعة المطيعين وعدم مبالاته بمعصية العاصين وقرئ { ألم تعلموا } بالفوقية وهو إما خطاب للتائبين أو لجماعة من المؤمنين ومعنى { ويأخذ الصدقات } : أي يتقبلها منهم وفي إسناد الأخذ إليه سبحانه بعد أمره لرسوله صلى الله عليه و سلم بأخذها تشريف عظيم لهذه الطاعة ولمن فعلها وقوله : { وأن الله هو التواب الرحيم } معطوف على قوله : { أن الله هو يقبل التوبة عن عباده } مع تضمنه لتأكيد ما اشتمل عليه المعطوف عليه : أي أن هذا شأنه سبحانه وفي صيغة المبالغة في التواب وفي الرحيم مع توسيط ضمير الفصل والتأكيد من التبشير لعباده والترغيب لهم ما لا يخفى

(2/580)


قوله : 105 - { وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون } فيه تخويف وتهديد : أي إن عملكم لا يخفى على الله ولا على رسوله ولا على المؤمنين فسارعوا إلى أعمال الخير وأخلصوا أعمالكم لله عز و جل وفيه أيضا ترغيب وتنشيط فإن من علم أن عمله لا يخفى سواء كان خيرا أو شرا رغب إلى أعمال الخير وتجنب أعمال الشر وما أحسن قول زهير :
( ومهما تكن عند امرئ من خليقة ... وإن خالها تخفى على الناس تعلم )
والمراد بالرؤية هنا العلم بما يصدر منهم من الأعمال ثم جاء سبحانه بوعيد شديد فقال : { وستردون إلى عالم الغيب والشهادة } أي وستردون بعد الموت إلى الله سبحانه الذي يعلم ما تسرونه وما تعلنونه وما تخفونه وما تبدونه وفي تقديم الغيب على الشهادة إشعار بسعة علمه عز و جل وأنه لا يخفى عليه شيء ويستوي عنده كل معلوم ثم ذكر سبحانه ما سيكون عقب ردهم إليه فقال : { فينبئكم } أي يخبركم { بما كنتم تعملون } في الدنيا فيجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته ويتفضل على من يشاء من عباده

(2/581)


قوله : 106 - { وآخرون مرجون لأمر الله } ذكر سبحانه ثلاثة أقسام في المتخلفين : الأول : المنافقون الذين مردوا على النفاق والثاني : التائبون المعترفون بذنوبهم الثالث : الذين بقي أمرهم موقوفا في تلك الحال وهم المرجون لأمر الله من أرجيته وأرجأته : إذا أخرته قرأ حمزة والكسائي ونافع وحفص { مرجون } بالواو من غير همز وقرأ الباقون بالهمزة المضمومة بعد الجيم والمعنى : أنهم مؤخرون في تلك الحال لا يقطع لهم بالتوبة ولا بعدمها بل هم على ما يتبين من أمر الله سبحانه في شأنهم { إما يعذبهم } إن بقوا على ما هم عليه ولم يتوبوا { وإما يتوب عليهم } إن تابوا توبة صحيحة وأخلصوا إخلاصا تاما والجملة في محل نصب على الحال والتقدير { وآخرون مرجون لأمر الله } حال كونهم إما معذبين وإما متوبا عليهم { والله عليم } بأحوالهم { حكيم } فيما يفعله بهم من خير أو شر
وقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وأبو نعيم في المعرفة عن أبي موسى أنه سئل عن قوله : { والسابقون الأولون } فقال : هم الذين صلوا القبلتين جميعا وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه وأبو نعيم عن سعيد بن المسيب مثله وأخرج ابن المنذر وأبو نعيم عن الحسن ومحمد بن سيرين مثله أيضا وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال : هم أبو بكر وعمر وعلي وسلمان وعمار بن ياسر وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه وأبو نعيم في المعرفة عن الشعبي قال : هم من أدرك بيعة الرضوان وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله : { والذين اتبعوهم بإحسان } قال : التابعون وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد قال : هم من بقي من أهل الإسلام إلى أن تقوم الساعة وأخرج أبو الشيخ وابن عساكر عن أبي صخر حميد بن زياد قال : قلت لمحمد بن كعب القرظي : أخبرني عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم وإنما أريد الفتن قال : إن الله قد غفر لجميع أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم وأوجب لهم الجنة في كتابه محسنهم ومسيئهم قلت له : وفي أي موضع أوجب الله لهم الجنة في كتابه ؟ قال : ألا تقرأون قوله تعالى : { والسابقون الأولون } الآية أوجب لجميع أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم الجنة والرضوان وشرط على التابعين شرطا لم يشرطه فيهم قلت : وما اشترط عليهم ؟ قال : اشترط عليهم أن يتبعوهم بإحسان يقول : يقتدون بهم في أعمالهم الحسنة ولا يقتدون بهم في غير ذلك قال أبو صخر : فوالله لكأني لم أقرأها قبل ذلك وما عرفت تفسيرها حتى قرأها علي ابن كعب وأخرج ابن مردويه من طريق الأوزاعي قال : حدثني يحيى بن أبي كثير والقسم ومكحول وعبدة بن أبي لبابة وحسان بن عطية أنهم سمعوا جماعة من أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم يقولون لما أنزلت هذه الآية { والسابقون الأولون } إلى قوله : { ورضوا عنه } قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : [ هذا لأمتي كلهم وليس بعد الرضا سخط ] وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني في الأوسط وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس في قوله : { وممن حولكم من الأعراب } الآية قال : قام رسول الله صلى الله عليه و سلم يوم جمعة خطيبا فقال : قم يا فلان فاخرج فإنك منافق اخرج يا فلان فإنك منافق فأخرجهم بأسمائهم ففضحهم ولم يكن عمر بن الخطاب يشهد تلك الجمعة لحاجة كانت له فلقيهم عمر وهم يخرجون من المسجد فاختبأ منهم استحياء أنه لم يشهد الجمعة وظن الناس قد انصرفوا واختبأوا هم من عمر وظنوا أنه قد علم بأمرهم فدخل عمر المسجد فإذا الناس لم ينصرفوا فقال له رجل : أبشر يا عمر فقد فضح الله المنافقين اليوم فهو العذاب الأول والعذاب الثاني عذاب القبر وأخرج ابن المنذر عن عكرمة في قوله : { وممن حولكم من الأعراب } قال : جهينة ومزينة وأشجع وأسلم وغفار وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله : { مردوا على النفاق } قال : أقاموا عليه ولم يتوبوا كما تاب آخرون وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في الآية قال : ماتوا عليه : عبد الله بن أبي وأبو عامر الراهب والجد بن قيس وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله : { سنعذبهم مرتين } قال : بالجوع والقتل وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي مالك قال : بالجوع وعذاب القبر وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي عن قتادة قال : عذاب في القبر وعذاب في النار وقد روي عن جماعة من السلف نحو هذا في تعيين العذابين والظاهر ما قدمنا وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس في قوله : { وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا } قال : كانوا عشرة رهط تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم في غزوة تبوك فلما حضر رجوع رسول الله صلى الله عليه و سلم أوثق سبعة منهم أنفسهم بسواري المسجد وكان ممر النبي صلى الله عليه و سلم إذا رجع عليهم فلما رآهم قال : من هؤلاء الموثقون أنفسهم ؟ قالوا : هذا أبو لبابة وأصحاب له تخلفوا عنك يا رسول الله حتى تطلقهم وتعذرهم قال : وأنا أقسم بالله لا أطلقهم ولا أعذرهم حتى يكون الله هو الذي يطلقهم رغبوا عني وتخلفوا عن الغزو مع المسلمين فلما بلغهم ذلك قالوا : ونحن لا نطلق أنفسنا حتى يكون الله هو الذي يطلقنا فنزلت : { عسى الله أن يتوب عليهم } وعسى من الله واجب فلما نزلت أرسل إليهم النبي صلى الله عليه و سلم فأطلقهم وعذرهم فجاءوا بأموالهم فقالوا : يا رسول الله هذه أموالنا فتصدق بها عنا واستغفر لنا قال : ما أمرت أن آخذ أموالكم فأنزل الله عز و جل : { خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم } يقول : استغفر لهم { إن صلاتك سكن لهم } يقول : رحمة لهم فأخذ منهم الصدقة واستغفر لهم وكانوا ثلاثة نفر لم يوثقوا أنفسهم بالسواري فأرجئوا سنة لا يدرون أيعذبون أو يتاب عليهم ؟ فأنزل الله عز و جل : { لقد تاب الله على النبي } إلى قوله : { وعلى الثلاثة الذين خلفوا } إلى قوله : { ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم } يعني : إن استقاموا وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك مثله سواء وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل عن مجاهد في قوله : { اعترفوا بذنوبهم } قال : هو أبو لبابة إذ قال لقريظة ما قال وأشار إلى حلقه بأن محمدا يذبحكم إن نزلتم على حكمه والقصة مذكورة في كتب السير وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله : { خلطوا عملا صالحا } قال : غزوهم مع رسول الله صلى الله عليه و سلم { وآخر سيئا } قال : تخلفهم عنه وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله : { وصل عليهم } قال : استغفر لهم من ذنوبهم التي كانوا أصابوها { إن صلاتك سكن لهم } قال : رحمة لهم وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن عبد الله بن أبي أوفى قال : [ كان رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا أتي بصدقة قال : اللهم صل على آل فلان فأتاه أبي بصدقته فقال : اللهم صل على آل أبي أوفى ] وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله : { اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله } قال : هذا وعيد من الله عز و جل وأخرج أحمد وأبو يعلى وابن حبان والحاكم والبيهقي في الشعب وابن أبي الدنيا والضياء في المختارة عن أبي سعيد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : [ لو أن أحدكم يعمل في صخرة صماء ليس لها باب ولا كوة لأخرج الله عمله للناس كائنا ما كان ] وأخرج ابن المنذر عن عكرمة في قوله : { وآخرون مرجون لأمر الله } قال : هم الثلاثة الذين خلفوا وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في الآية قال : هم هلال بن أمية ومرارة بن الربيع وكعب بن مالك من الأوس والخزرج وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله : { إما يعذبهم } يقول : يميتهم على معصية { وإما يتوب عليهم } فأرجأ أمرهم ثم نسخها فقال : { وعلى الثلاثة الذين خلفوا }

(2/581)


لما ذكر الله أصناف المنافقين وبين طرائقهم المختلفة عطف على ما سبق هذه الطائفة منهم وهم الذين اتخذوا مسجدا ضرارا فيكون التقدير : ومنهم الذين اتخذوا على أن الذين متبدأ وخبره منهم المحذوف والجملة معطوفة على ما تقدمها ويجوز أن يكون الموصول في محل نصب على الذم وقرأ المدنيون وابن عامر { الذين اتخذوا } بغير واو فتكون قصة مستقلة الموصول مبتدأ وخبره { لا تقم } قاله الكسائي وقال النحاس : إن الخبر هو { لا يزال بنيانهم الذي بنوا } وقيل الخبر محذوف والتقدير يعذبون وسيأتي بيان هؤلاء البانين لمسجد الضرار و { ضرارا } منصوب على المصدرية أو على العلية { وكفرا وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا } معطوفة على { ضرارا } فقد أخبر الله سبحانه أن الباعث لهم على بناء هذا المسجد أمور أربعة : الأول : الضرار لغيرهم وهو المضاررة الثاني : الكفر بالله والمباهاة لأهل الإسلام لأنهم أرادوا ببنائه تقوية أهل النفاق الثالث : التفريق بين المؤمنين لأنهم أرادوا أن لا يحضروا مسجد قباء فتقل جماعة المسلمين وفي ذلك من اختلاف الكلمة وبطلان الألفة ما لا يخفى الرابع : الإرصاد لمن حارب الله ورسوله : أي الإعداد لأجل من حارب الله ورسوله قال الزجاج : الإرصاد الانتظار وقال ابن قتيبة : الإرصاد الانتظار مع العداوة وقال الأكثرون : هو الإعداد والمعنى متقارب يقال : أرصدت لكذا : إذا أعددته مرتقبا له به وقال أبو زيد : يقال رصدته وأرصدته في الخير وأرصدت له في الشر وقال ابن الأعرابي : لا يقال إلا أرصدت ومعناه ارتقبت والمراد بمن حارب الله ورسوله : المنافقون ومنهم أبو عامر الراهب : أي أعدوه لهؤلاء وارتقبوا به وصولهم وانتظروهم ليصلوا فيه حتى يباهوا بهم المؤمنين وقوله : { من قبل } متعلق باتخذوا : أي اتخذوا مسجدا من قبل أن ينافق هؤلاء ويبنوا مسجد الضرار أو متعلق بحارب : أي لمن وقع منه الحرب لله ولرسوله من قبل بناء مسجد الضرار قوله : { وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى } أي ما أردنا إلا الخصلة الحسنى وهي الرفق بالمسلمين فرد الله عليهم بقوله : { والله يشهد إنهم لكاذبون } فيما حلفوا عليه

(2/585)


ثم نهى الله سبحانه رسوله صلى الله عليه و سلم عن الصلاة في مسجد الضرار فقال : 108 - { لا تقم فيه أبدا } أي في وقت من الأوقات والنهي عن القيام فيه يستلزم النهي عن الصلاة فيه وقد يعبر عن الصلاة بالقيام يقال فلان يقوم الليل : أي يصلي ومنه الحديث الصحيح : [ من قام رمضان إيمانا به واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ] ثم ذكر الله سبحانه علة النهي عن القيام فيه بقوله : { لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه } واللام في { لمسجد } لام القسم وقيل لام الابتداء وفي ذلك تأكيد لمضمون الجملة وتأسيس البناء : تثبيته ورفعه ومعنى تأسيسه على التقوى : تأسيسه على الخصال التي تتقي بها العقوبة
واختلف العلماء في المسجد الذي أسس على التقوى فقالت طائفة : هو مسجد قباء كما روي عن ابن عباس والضحاك والحسن والشعبي وغيرهم وذهب آخرون إلى أنه مسجد النبي صلى الله عليه و سلم والأول : أرجح لما سيأتي قريبا إن شاء الله و { من أول يوم } متعلق بأسس : أي أسس على التقوى من أول يوم من أيام تأسيسه قال بعض النحاة : إن { من } هنا بمعنى منذ : أي منذ أول يوم ابتدئ ببنائه وقوله : { أحق أن تقوم فيه } خبر المبتدأ والمعنى : لو كان القيام في غيره جائزا لكان هذا أولى بقيامك فيه للصلاة ولذكر الله لكونه أسس على التقوى من أول يوم ولكون { فيه رجال يحبون أن يتطهروا } وهذه الجملة مستأنفة لبيان أحقية قيامه صلى الله عليه و سلم فيه : أي كما أن هذا المسجد أولى من جهة المحل فهو أولى من جهة الحال فيه ويجوز أن تكون هذه الجملة في محل نصب على الحال : أي حال كون فيه رجال يحبون أن يتطهروا ويجوز أن تكون صفة أخرى لمسجد ومعنى محبتهم للتطهر : أنهم يؤثرونه ويحرصون عليه عند عروض موجبه وقيل معناه : يحبون التطهر من الذنوب بالتوبة والاستغفار والأول أولى وقيل : يحبون أن يتطهروا بالحمى المطهرة من الذنوب فحموا جميعا وهذا ضعيف جدا ومعنى محبة الله لهم الرضا عنهم والإحسان إليهم كما يفعل المحب بمحبوبه

(2/585)


ثم بين سبحانه أن بين الفريقين بونا بعيدا فقال : 109 - { أفمن أسس بنيانه } والهمزة للإنكار التقريري والبنيان مصدر كالعمران وأريد به المبني أسس دينه على ضد ذلك وهو الباطل والنفاق والموصول مبتدأ وخبره خير وقرئ أسس بنيانه على بناء الفعل للفاعل ونصب بنيانه واختار هذه القراءة أبو عبيدة وقرئ على البناء للمجهول وقرئ أساس بنيانه بإضافة أساس إلى بنيانه وقرى أس بنيانه والمراد : أصول البناء وحكى أبو حاتم قراءة أخرى ويه آساس بنيانه على الجمع ومنه :
( أصبح الملك ثابت الآساس ... بالبهاليل من بني العباس )
والشفا : الشفير والجرف : ما يتجرف بالسيول وهي الجوانب التي تنجرف بالماء والاجتراف : اقتلاع الشيء من أصله وقرئ بضم الراء من جرف وبإسكانها والهار : الساقط يقال هار البناء : إذا سقط وأصله هائر كما قالوا : شاك السلاح وشائك كذا قال الزجاج وقال أبو حاتم : إن أصله هاور قال في شمس العلوم : الجرف ما جرف السيل أصله وأشرف أعلاه فإن انصدع أعلاه فهو الهار اه جعل الله سبحانه هذا مثلا لما بنوا عليه دينهم الباطل المضمحل بسرعة ثم قال : { فانهار به في نار جهنم } وفاعل فانهار ضمير يعود إلى الجرف : أي فانهار الجرف بالبنيان في النار ويجوز أن يكون الضمير في { به } يعود إلى من وهو الباني والمعنى : أنه طاح الباطل بالبناء أو الباني في نار جهنم وجاء بالانهيار الذي هو للجرف ترشيحا للمجاز وسبحان الله ما أبلغ هذا الكلام وأقوى تراكيبه وأوقع معناه وأفصح مبناه

(2/586)


ثم ذكر سبحانه أن بنيانهم هذا موجب لمزيد ريبهم واستمرار ترددهم وشكهم فقال : 110 - { لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم } أي شكا في قلوبهم ونفاقا ومنه قول النابغة :
( حلفت فلم أترك لنفسك ريبة ... وليس وراء الله للمرء مذهب )
وقيل معنى الريب : الحسرة والندامة لأنهم ندموا على بنيانه وقال المبرد : أي حرارة وغيظا وقد كان هؤلاء الذين بنوا مسجد الضرار منافقين شاكين في دينهم ولكنهم ازدادوا بهدم رسول الله صلى الله عليه و سلم نفاقا وتصميما على الكفر ومقتا للإسلام لما أصابهم من الغيظ الشديد والغضب العظيم بهدمه ثم ذكر سبحانه ما يدل على استمرار هذه الريبة ودوامها وهو قوله : { إلا أن تقطع قلوبهم } أي لا يزال هذا إلا أن تتقطع قلوبهم قطعا وتتفرق أجزاء : إما بالموت أو بالسيف والمقصود أن هذه الريبة دائمة لهم ما داموا أحياء ويجوز أن يكون ذكر التقطع تصويرا لحال زوال الريبة وقيل معناه : إلا أن يتوبوا توبة تتقطع بها قلوبهم ندما وأسفا على تفريطهم وقرأ ابن عامر وحمزة وحفص ويعقوب وأبو جعفر بفتح حرف المضارعة وقرأ الجمهور بضمها وروي عن يعقوب أنه قرأ تقطع بالتخفيف والخطاب للنبي صلى الله عليه و سلم : أي إلا أن تقطع يا محمد قلوبهم وقرأ أصحاب عبد الله بن مسعود : ولو تقطعت قلوبهم وقرأ الحسن ويعقوب وأبو حاتم إلى أن تقطع على الغاية أي لا يزالون كذلك إلى أن يموتوا
وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس في قوله : { والذين اتخذوا مسجدا ضرارا } قال : هم أناس من الأنصار ابتنوا مسجدا فقال لهم أبو عامر الراهب : ابنوا مسجدكم واستمدوا بما استطعتم من قوة وسلاح فإني ذاهب إلى قيصر ملك الروم فآتي بجند من الروم فأخرج محمدا وأصحابه فلما فرغوا من مسجدهم أتوا النبي صلى الله عليه و سلم فقالوا : قد فرغنا من بناء مسجدنا فيجب أن تصلي فيه وتدعو بالبركة فأنزل الله { لا تقم فيه أبدا } وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عنه قال : [ لما بنى رسول الله صلى الله عليه و سلم مسجد قباء خرج رجال من الأنصار منهم بجدح جد عبد الله بن حنيف ووديعة بن حزام ومجمع بن جارية الأنصاري فبنوا مسجد النفاق فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم لبجدح : ويلك يا بجدح ما أردت إلى ما أرى فقال : يا رسول الله والله ما أردت إلا الحسنى وهو كاذب فصدقه رسول الله صلى الله عليه و سلم وأراد أن يعذره فأنزل الله تعالى : { والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا لمن حارب الله ورسوله } يعني رجلا يقال له أبو عامر كان محاربا لرسول الله صلى الله عليه و سلم وكان قد انطلق إلى هرقل وكانوا يرصدون إذا قدم أبو عامر أن يصلي فيه وكان قد خرج من المدينة محاربا لله ولرسوله ] وأخرج ابن إسحاق وابن مردويه عنه أيضا قال : دعا رسول الله صلى الله عليه و سلم مالك بن الدخشم فقال مالك لعاصم : أنظرني حتى أخرج إليك بنار من أهلي فدخل على أهله فأخذ سعفات من نار ثم خرجوا يشتدون حتى دخلوا المسجد وفيه أهله فحرقوه وهدموه وخرج أهله فتفرقوا عنه فأنزل الله هذه الآية ولعل في هذه الرواية حذفا بين قوله صلى الله عليه و سلم دعا رسول الله مالك بن الدخشم وبين قوله فقال مالك لعاصم ويبين ذلك ما أخرج ابن إسحاق وابن مردويه عن أبي رهم كلثوم بن الحصين الغفاري وكان من الصحابة الذين بايعوا تحت الشجرة قال : [ أقبل رسول الله صلى الله عليه و سلم حتى نزل بذي أوان : بلد بينه وبين المدينة ساعة من نهار وكان أصحاب مسجد الضرار قد كانوا أتوه وهو يتجهز إلى تبوك فقالوا : يا رسول الله إنا بنينا مسجدا لذي العلة والحاجة والليلة الشاتية والليلة المطيرة وإنا نحب أن تأتينا فتصلي لنا فيه قال : إني على جناح سفر ولو قدمنا إن شاء الله أتيناكم فصلينا لكم فيه فلما نزل بذي أوان أتاه خبر المسجد فدعا رسول الله صلى
الله عليه وسلم مالك بن الدخشم أخا بني سالم بن عوف ومعن بن عدي وأخاه عاصم بن عدي أحد بني العجلان فقال : انطلقا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدماه وحرقاه فخرجا سريعين حتى أتيا بني سالم بن عوف وهم رهط مالك بن الدخشم فقال مالك لمعن : أنظرني حتى أخرج إليك فدخل إلى أهله فأخذ سعفا من النخل فأشعل فيه نارا ثم خرجا يشتدان وفيه أهله فحرقاه وهدماه وتفرقوا عنه ونزل فيهم من القرآن ما نزل : { والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا } ] إلى آخر القصة وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم إن الذين بنوا مسجد الضرار كانوا إثني عشر رجلا وذكرا أسماءهم وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد ومسلم والترمذي والنسائي وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن خزيمة وابن حبان وأبو الشيخ والحاكم وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن أبي سعيد الخدري قال : اختلف رجلان : رجل من بني خدرة وفي لفظ : تماريت أنا ورجل من بني عمرو بن عوف في المسجد الذي أسس على التقوى فقال الخدري : هو مسجد رسول الله صلى الله عليه و سلم وقال العمري : هو مسجد قباء فأتيا رسول الله صلى الله عليه و سلم فسألاه عن ذلك فقال : هو هذا المسجد لمسجد رسول
الله وقال في ذلك خير كثير يعني مسجد قباء وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد والزبير بن بكار في أخبار المدينة وأبو يعلى وابن حبان والطبراني والحاكم في الكنى وابن مردويه عن سهل بن سعد الساعدي نحوه وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وابن المنذر وأبو الشيخ وابن مردويه والخطيب والضياء في المختارة عن أبي بن كعب قال : [ سألت النبي صلى الله عليه و سلم عن المسجد الذي أسس على التقوى قال : هو مسجدي هذا ] وأخرج الطبراني والضياء المقدسي في المختارة عن زيد بن ثابت مرفوعا مثله وأخرج ابن أبي شيبة وابن مردويه والطبراني من طريق عروة بن الزبير عن زيد بن ثابت قال : المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم مسجد النبي صلى الله عليه و سلم قال عروة : مسجد النبي صلى الله عليه و سلم خير منه إنما أنزلت في مسجد قباء وأخرج ابن أبي شيبة وابن مردويه عن ابن عمر قال : المسجد الذي أسس على التقوى : مسجد النبي صلى الله عليه و سلم وأخرج المذكوران عن أبي سعيد الخدري مثله وقد روي عن جماعة غير هؤلاء مثل قولهم وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس أنه مسجد
قباء وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك مثله ولا يخفاك أن النبي صلى الله عليه و سلم قد عين هذا المسجد الذي أسس على التقوى وجزم بأنه مسجده صلى الله عليه و سلم كما قدمنا من الأحاديث الصحيحة فلا يقاوم ذلك قول فرد من الصحابة ولا جماعة منهم ولا غيرهم ولا يصح لإيراده في مقابلة ما قد صح عن النبي صلى الله عليه و سلم ولا فائدة في إيراد ما ورد في فضل الصلاة في مسجد قباء فإن ذلك لا يستلزم كونه المسجد الذي أسس على التقوى على أن ما ورد في فضائل مسجده صلى الله عليه و سلم أكثر مما ورد في فضل مسجد قباء بلا شك ولا شبهة تعم وأخرج أبو داود والترمذي وابن ماجه وأبو الشيخ وابن مردويه عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : نزلت هذه الآية في أهل قباء { فيه رجال يحبون أن يتطهروا } [ بعث رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى عويم بن ساعدة فقال : ما هذا الطهور الذي أثنى الله عليكم ؟ فقالوا : يا رسول الله ما خرج منا رجل ولا امرأة من الغائط إلا غسل فرجه أو قال : مقعدته فقال النبي صلى الله عليه و سلم : هو هذا ] وأخرج أحمد وابن خزيمة والطبراني والحاكم وابن مردويه [ عن عويم بن ساعدة الأنصارى أن النبي صلى الله عليه و سلم أتاهم في مسجد قباء فقال : إن الله قد أحسن عليكم الثناء في الطهور في قصة مسجدكم فما هذا الطهور الذي تتطهرون به ؟ قالوا : والله يا رسول الله ما نعلم شيئا إلا أنه كان لنا جيران من اليهود فكانوا يغسلون أدبارهم من الغائط فغسلنا كما غسلوا ] رواه أحمد عن حسن بن محمد حدثنا أبو أويس حدثنا شرحبيل عن عويم بن ساعدة فذكره وقد أخرجه ابن خزيمة في صحيحه وأخرج ابن ماجه وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الجارود في المنتقى والدارقطني والحاكم وابن مردويه وابن عساكر عن طلحة بن نافع قال : حدثني أبو أيوب وجابر بن عبد الله وأنس بن مالك أن هذه الآية لما نزلت : { فيه رجال يحبون أن يتطهروا } قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : [ يا معشر الأنصار إن الله قد أثنى عليكم خيرا في الطهور فما طهوركم هذا ؟ قالوا : نتوضأ للصلاة ونغتسل من الجنابة قال : فهل مع ذلك غيره ؟ قالوا : لا غير أن أحدنا إذا خرج إلى الغائط أحب أن يستنجي بالماء قال : هو ذاك فعليكموه ] وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبخاري في تاريخه وابن جرير والبغوي في معجمه والطبراني وابن مردويه وأبو نعيم في المعرفة عن محمد بن عبد الله بن سلام عن أبيه قال : [ لما أتى
رسول الله صلى الله عليه و سلم المسجد الذي أسس على التقوى مسجد قباء فقال : إن الله قد أثنى عليكم في الطهور خيرا أفلا تخبروني ؟ يعني قوله تعالى : { فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين } فقالوا : يا رسول الله إنا لنجده مكتوبا علينا في التوراة الاستنجاء بالماء ونحن نفعله اليوم ] وإسناد أحمد في هذا الحديث هكذا : حدثنا يحيى بن آدم حدثني مالك يعني ابن مغول سمعت سيارا أبا الحكم عن شهر بن حوشب عن محمد بن عبد الله بن سلام وقد روي عن جماعة من التابعين في ذكر سبب نزول الآية نحو هذا ولا يخفاك أن بعض هذه الأحاديث ليس فيه تعيين مسجد قباء وأهله وبعضها ضعيف وبعضها لا تصريح فيه بأن المسجد الذي أسس على التقوى هو مسجد قباء وعلى كل حال لا تقاوم تلك الأحاديث المصرحة بأن المسجد الذي أسس على التقوى هو مسجد النبي صلى الله عليه و سلم في صحتها وصراحتها وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : { فانهار به في نار جهنم } قال : يعني قواعده في نار جهنم وأخرج مسدد في مسنده وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه عن جابر بن عبد الله قال : لقد رأيت الدخان يخرج من مسجد الضرار حيث انهار على عهد رسول الله صلى الله عليه و سلم وأخرج ابن المنذر والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس في قوله : { لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم } قال : يعني الشك { إلا أن تقطع قلوبهم } يعني الموت وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن حبيب بن أبي ثابت في قوله : { ريبة في قلوبهم } قال : غيظا في قلوبهم { إلا أن تقطع قلوبهم } قال : إلى أن يموتوا وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان في قوله : { إلا أن تقطع قلوبهم } قال : إلا أن يتوبوا

(2/587)


لما شرح فضائح المنافقين وقبائحهم بسبب تخلفهم عن غزوة تبوك وذكر أقسامهم وفرع على كل قسم منها ما هو لائق به عاد على بيان فضيلة الجهاد والترغيب فيه وذكر الشراء تمثيل كما في قوله : { أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى } مثل سبحانه إثابة المجاهدين بالجنة على بذلهم أنفسهم وأموالهم في سبيل الله بالشراء وأصله الشراء بين العباد هو إخراج الشيء عن الملك بشيء آخر مثله أو دونه أو أنفع منه فهؤلاء المجاهدون باعوا أنفسهم من الله بالجنة التي أعدها للمؤمنين : أي بأن يكونوا من جملة أهل الجنة وممن يسكنها فقد جادوا بأنفسهم وهي أنفس الأعلاق والجود بها غاية الجود :
( يجود بالنفس إن ضن الجبان بها ... والجود بالنفس أقصى غاية الجود )
وجاد الله عليهم بالجنة وهي أعظم ما يطلبه العباد ويتوسلون إليه بالأعمال والمراد بالأنفس هن أنفس المجاهدين وبالأموال ما ينفقونه في الجهاد قوله : 111 - { يقاتلون في سبيل الله } بيان للبيع الذي يقتضيه الاشتراء المذكور كأنه قيل كيف يبيعون أنفسهم وأموالهم بالجنة ؟ فقيل : يقاتلون في سبيل الله ثم بين هذه المقاتلة في سبيل الله بقوله : { فيقتلون ويقتلون } والمراد أنهم يقدمون على قتل الكفار في الحرب ويبذلون أنفسهم في ذلك فإن فعلوا فقد استحقوا الجنة وإن لم يقع القتل عليهم بعد الإبلاء في الجهاد والتعرض للموت بالإقدام على الكفار قرأ الأعمش والنخعي وحمزة والكسائي وخلف بتقديم المبني للمفعول على المبني للفاعل وقرأ الباقون بتقديم المبني للفاعل على المبني للمفعول وقوله : { وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن } إخبار من الله سبحانه أن فريضة الجهاد واستحقاق الجنة بها قد ثبت الوعد بها من الله في التوراة والإنجيل كما وقع في القرآن وانتصاب وعدا وحقا على المصدرية أو الثاني نعت للأول وفي التوراة متعلق بمحذوف : أي وعدا ثابتا فيها قوله : { ومن أوفى بعهده من الله } في هذا من تأكيد الترغيب للمجاهدين في الجهاد والتنشيط لهم على بذل الأنفس والأموال ما لا يخفى فإنه أولا أخبر بأنه قد اشترى منهم أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة وجاء بهذه العبارة الفخيمة وهي كون الجنة قد صارت ملكا لهم ثم أخبر ثانيا بأنه قد وعد بذلك في كتبه المنزلة ثم أخبر بأنه بعد هذا الوعد الصادق لا بد من حصول الموعود به فإنه لا أحد أوفى بعهده من الله سبحانه وهو صادق الوعد لا يخلف الميعاد ثم زادهم سرورا وحبورا فقال : { فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به } أي أظهروا السرور بذلك والبشارة هي إظهار السرور وظهوره يكون في بشرة الوجه ولذا يقال أسارير الوجه : أي التي يظهر فيها السرور وقد تقدم إيضاح هذا والفاء لترتيب الاستبشار على ما قبله والمعنى : أظهروا السرور بهذا البيع الذي بايعتم به الله عز و جل فقد ربحتم فيه ربحا لم يربحه أحد من الناس إلا من فعل مثل فعلكم والإشارة بقوله : { ذلك } إلى الجنة أو إلى نفس البيع الذي ربحوا فيه الجنة ووصف الفوز وهو الظفر بالمطلوب بالعظم يدل على أنه فوز لا فوز مثله

(2/591)


قوله : 112 - { التائبون } خبر مبتدأ محذوف : أي هم التائبون يعني المؤمنون والتائب الراجع : أي هم الراجعون إلى طاعة الله عن الحالة المخالفة للطاعة وقال الزجاج : الذي عندي أن قوله : { التائبون العابدون } رفع بالابتداء وخبره مضمر : أي التائبون ومن بعدهم إلى آخر الآية لهم الجنة أيضا وإن لم يجاهدوا قال : وهذا أحسن إذ لو كانت هذه أوصافا للمؤمنين المذكورين في قوله : { اشترى من المؤمنين } لكان الوعد خاصا بمجاهدين وقد ذهب إلى ما ذهب إليه الزجاج من أن هذا الكلام منفصل عما قبله طائفة من المفسرين وذهب آخرون إلى أن هذه الأوصاف راجعة إلى المؤمنين في الآية الأولى وأنها على جهة الشرط : أي لا يستحق الجنة بتلك المبايعة إلا من كان من المؤمنين على هذه الأوصاف وفي مصحف عبد الله بن مسعود : التائبين العابدين إلى آخرها وفيه وجهان : أحدهما : أنها أوصاف للمؤمنين الثاني : أن النصب على المدح وقيل : إن ارتفاع هذه الأوصاف على البدل من ضمير يقاتلون وجوز صاحب الكشاف أن يكون التائبون مبتدأ وخبره العابدون وما بعده أخبار كذلك : أي التائبون من الكفر على الحقيقة الجامعون لهذه الخصال وفيه من البعد ما لا يخفى والعابدون القائمون بما أمروا به من عبادة الله مع الإخلاص و { الحامدون } الذين يحمدون الله سبحانه على السراء والضراء و { السائحون } قيل : هم الصائمون وإليه ذهب جمهور المفسرين ومنه قوله تعالى : { عابدات سائحات } وإنما قيل للصائم سائح لأنه يترك اللذات كما يتركها السائح في الأرض ومنه قول أبي طالب بن عبد المطلب :
( وبالسائحين لا يذوقون فطرة ... لربهم والراكدات العوامل )
وقال آخر :
( تراه يصلي ليله ونهاره ... يظل كثير الذكر لله سائحا )
قال الزجاج : ومذهب الحسن أن السائحين هاهنا هم الذين يصومون الفرض وقيل : إنهم الذين يديمون الصيام وقال عطاء : السائحون المجاهدون وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : السائحون المهاجرون وقال عكرمة : هم الذين يسافرون لطلب الحديث والعلم وقيل : هم الجائلون بأفكارهم في توحيد ربهم وملكوته وما خلق من العبر والسياحة في اللغة أصلها الذهاب على وجه الأرض كما يسيح الماء وهي مما يعين العبد على الطاعة لانقطاعه عن الخلق ولما يحصل له من الاعتبار بالتفكر في مخلوقات الله سبحانه و { الراكعون الساجدون } معناه المصلون و { الآمرون بالمعروف } القائمون بأمر الناس بما هو معروف في الشريعة { والناهون عن المنكر } القائمون بالإنكار على من فعل منكرا : أي شيئا ينكره الشرع { والحافظون لحدود الله } القائمون بحفظ شرائعه التي أنزلها في كتبه وعلى لسان رسله وإنما أدخل الواو في الوصفين الآخرين وهما { والناهون عن المنكر والحافظون } إلخ لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بمنزلة خصلة واحدة ثم عطف عليه الحافظون بالواو لقربه وقيل : إن العطف في الصفات يجيء بالواو وبغيرها كقوله : { غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب } وقيل : إن الواو زائدة وقيل : هي واو الثمانية المعروفة عند النحاة كما في قوله تعالى : { ثيبات وأبكارا } وقوله : { وفتحت أبوابها } وقوله : { سبعة وثامنهم كلبهم } وقد أنكر واو الثمانية أبو علي الفارسي وناظره في ذلك ابن خالويه { وبشر المؤمنين } الموصوفين بالصفات السابقة
وقد أخرج ابن جرير عن محمد بن كعب القرظي وغيره قالوا : [ قال عبد الله بن رواحة لرسول الله صلى الله عليه و سلم : اشترط لربك ولنفسك ما شئت قال : أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم قالوا : فإذا فعلنا ذلك فما لنا ؟ قال : الجنة قال : ربح البيع لا نقيل ولا نستقيل فنزلت : { إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم } الآية ] وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن جابر بن عبد الله قال : [ أنزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه و سلم وهو في المسجد { إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم } فكبر الناس في المسجد فأقبل رجل من الأنصار ثانيا طرفي ردائه على عاتقه فقال : يا رسول الله أنزلت هذه الآية ؟ قال : نعم فقال الأنصاري : بيع ربيح لا نقيل ولا نستقيل ] وقد أخرج ابن سعد عن عبادة بن الصامت [ أن النبي صلى الله عليه و سلم اشترط في بيعة العقبة على من بايعه من الأنصار : أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأنه رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة والسمع والطاعة ولا ينازعوا في الأمر أهله ويمنعوه مما يمنعون منه أنفسهم وأهليهم قالوا : نعم قال قائل الأنصار : نعم هذا لك يا رسول الله فما لنا ؟
قال : الجنة ] وأخرجه ابن سعد أيضا من وجه آخر وليس في قصة العقبة ما يدل على أنها سبب نزول الآية وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن ابن عباس قال : من مات على هذه التسع فهو في سبيل الله { التائبون العابدون } إلى آخر الآية وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ وابن المنذر عن ابن عباس قال : الشهيد من كان فيه التسع الخصال المذكورة في هذه الآية وأخرج أبو الشيخ عنه قال : العابدون الذين يقيمون الصلاة وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان عنه أيضا قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : [ أول من يدعى إلى الجنة الحمادون الذين يحمدون الله على السراء والضراء ] وأخرج ابن جرير عن عبيد بن عمير قال : [ سئل النبي صلى الله عليه و سلم عن السائحين فقال : هم الصائمون ] وأخرج الفريابي وابن جرير والبيهقي في شعب الإيمان من طريق عبيد بن عمير عن أبي هريرة مرفوعا مثله وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ وابن مردويه وابن النجار من طريق أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعا مثله وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود مرفوعا مثله وقد روي عن أبي هريرة موقوفا وهو أصح من المرفوع من طريقه وحديث عبيد بن عمير مرسل وقد أسنده منطريق أبي هريرة في الرواية الثانية وقد روي من قول جماعة من الصحابة مثل هذا : منهم عائشة عند ابن جرير وابن المنذر ومنهم ابن عباس عند ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ ومنهم ابن مسعود عند هؤلاء المذكورين قبله وروي نحو ذلك عن جماعة من التابعين وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني والحاكم والبيهقي في شعب الإيمان عن أبي أمامة [ أن رجلا استأذن رسول الله صلى الله عليه و سلم في السياحة فقال : إن سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله ] وصححه عبد الحق وأخرج أبو الشيخ عن الربيع في هذه الآية قال : هذه أعمال قال فيها أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم : إن الله قضى على نفسه في التوراة والإنجيل والقرآن لهذه الأمة أن من قتل منهم على هذه الأعمال كان عند الله شهيدا ومن مات منهم عليها فقد وجب أجره على الله وأخرج ابن المنذر عن أبي صالح عن أبي هريرة قال : الشهيد من لو مات على فراشه دخل الجنة قال : وقال ابن عباس من مات وفيه تسع فهو شهيد وقرأ هذه الآية وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : { إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم } يعني بالجنة ثم قال : { التائبون }
إلى قوله : { والحافظون لحدود الله } يعني القائمون على طاعة الله وهو شرط اشترطه الله على أهل الجهاد وإذا وفوا لله بشرطه وفي لهم بشرطهم

(2/592)


لما بين الله سبحانه في أول السورة وما بعده أن البراءة من المشركين والمنافقين واجبة بين سبحانه هنا ما يزيد ذلك تأكيدا وصرح بأن ذلك متحتم ولوكانوا أولي قربى وأن القرابة في مثل هذا الحكم لا تأثير لها وقد ذكر أهل التفسير أن ما كان في القرآن يأتي على وجهين : الأول : على النفي نحو { ما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله } والآخر : على معنى النهي نحو { ما كان لكم أن تؤذوا رسول الله } و 113 - { ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين } وهذه الآية متضمنة لقطع الموالاة للكفار وتحريم الاستغفار لهم والدعاء بما لا يجوز لمن كان كافرا ولا ينافي هذا ماثبت عنه صلى الله عليه و سلم في الصحيح أنه [ قال يوم أحد حين كسر المشركون رباعيته وشجوا وجهه : اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون ] لأنه يمكن أن يكون ذلك قبل أن يبلغه تحريم الاستغفار للمشركين وعلى فرض أنه قد كان بلغه كما يفيده سبب النزول فإنه قبل يوم أحد بمدة طويلة وسيأتي فصدور هذا الاستغفار منه لقومه إنما كان على سبيل الحكاية عمن تقدمه من الأنبياء كما في صحيح مسلم عن عبد الله قال : [ كأني أنظر إلى النبي صلى الله عليه و سلم يحكي نبيا من الأنبياء ضربه قومه وهو يمسح
الدم عن وجهه ويقول : رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون ] وفي البخاري [ أن النبي صلى الله عليه و سلم ذكر نبيا قبله شجه قومه فجعل النبي صلى الله عليه و سلم يخبر عنه بأنه قال : اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون ] قوله : { من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم } هذه الجملة تتضمن التعليل للنهي عن الاستغفار والمعنى أن هذا التبين موجب لقطع الموالاة لمن كان هكذا وعدم الاعتداد بالقرابة لأنهم ماتوا على الشرك وقد قال سبحانه : { إن الله لا يغفر أن يشرك به } فطلب المغفرة لهم في حكم المخالفة لوعد الله ووعيده

(2/595)


قوله : 114 - { وما كان استغفار إبراهيم لأبيه } الآية : ذكر الله سبحانه السبب في استغفار إبراهيم لأبيه أنه كان لأجل وعد تقدم من إبراهيم لأبيه بالاستغفار له ولكنه ترك ذلك وتبرأ منه لما تبين له أنه عدو الله وأنه غير مستحق للاستغفار وهذا يدل على أنه إنما وعده قبل أن يتبين له أنه من أهل النار ومن أعداء الله فلا حاجة إلى السؤال الذي يورده كثير من المفسرين أنه كيف خفي ذلك على إبراهيم فإنه لم يخف عليه تحريم الاستغفار لمن أصر على الكفر ومات عليه وهو لم يعلم ذلك إلا بإخبار الله سبحانه له بأنه عدو الله فإن ثبوت هذه العداوة تدل على الكفر وكذلك لم يعلم نبينا صلى الله عليه و سلم بتحريم ذلك إلا بعد أن أخبره الله بهذه الآية وهذا حكم إنما يثبت بالسمع لا بالعقل وقيل : المراد من استغفار إبراهيم لأبيه دعاؤه إلى الإسلام وهو ضعيف جدا وقيل : المراد بالاستغفار في هذه الآية النهي عن الصلاة على جنائز الكفار فهو كقوله : { ولا تصل على أحد منهم مات أبدا } ولا حاجة إلى تفسير الاستغفار بالصلاة ولا ملجئ إلى ذلك ثم ختم الله سبحانه هذه الآية بالثناء العظيم على إبراهيم فقال : { إن إبراهيم لأواه } وهو كثير التأوه كما تدل على ذلك صيغة المبالغة
وقد اختلف أهل العلم في معنى الأواه فقال ابن مسعود وعبيد بن عمير : إنه الذي يكثر الدعاء وقال الحسن وقتادة : إنه الرحيم بعباد الله وروي عن ابن عباس : أنه المؤمن بلغة الحبشة وقال الكلبي : إنه الذي يذكر الله في الأرض القفر وروي مثله عن ابن المسيب وقيل : الذي يكثر الذكر لله من غير تقييد روي ذلك عن عقبة بن عامر وقيل : هو الذي يكثر التلاوة حكي ذلك عن ابن عباس وقيل : إنه الفقيه قاله مجاهد والنخعي وقيل : المتضرع الخاضع روي ذلك عن عبد الله بن شداد بن الهاد وقيل : هو الذي إذا ذكر خطاياه استغفر لها روي ذلك عن أبي أيوب وقيل : هو الشفيق قاله عبد العزيز بن يحيى وقال : إنه المعلم للخير وقيل : إنه الراجع عن كل ما يكرهه الله قاله عطاء والمطابق لمعنى الأواه لغة أن يقال إنه الذي يكثر التأوه من ذنوبه فيقول مثلا : آه من ذنوبي آه مما أعاقب به بسببها ونحو ذلك وبه قال الفراء وهو مروي عن أبي ذر ومعنى التأوه هو أن يسمع للصدر صوت من تنفس الصعداء قال في الصحاح : وقد أوه الرجل تأويها وتأوه تأوها إذا قال أوه والاسم منه آهة بالمد قال :
( إذا ما قمت أرحلها بليل ... تأوه آهة الرجل الحزين )
و { حليم } الكثير الحلم كما تفيده صيغة المبالغة وهو الذي يصفح عن الذنوب ويصبر على الأذى وقيل الذي لا يعاقب أحدا قط إلا الله
وقد أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن سعيد بن المسيب عن أبيه قال : [ لما حضرت الوفاة أبا طالب دخل النبي صلى الله عليه و سلم وعنده أبو جهل وعبد الله بن أمية فقال النبي صلى الله عليه و سلم : أي عم قل لا إله إلا الله أحاج لك بها عند الله فقال أبو جهل وعبد الله بن أمية : يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب ؟ فجعل رسول الله صلى الله عليه و سلم يعرضها عليه وأبو جهل وعبد الله يعاندانه بتلك المقالة فقال أبو طالب آخر ما كلمهم : هو على ملة عبد المطلب وأبى أن يقول لا إله إلا الله فقال النبي صلى الله عليه و سلم : لأستغفرن لك ما لم أنه عنك فنزلت : { ما كان للنبي } الآية وأنزل الله في أبي طالب { إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء } ] وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والترمذي والنسائي وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان والضياء في المختارة عن علي قال : سمعت رجلا يستغفر لأبويه وهما مشركان فقلت : تستغفر لأبويك وهما مشركان ؟ فقال : أو لم يستغفر إبراهيم لأبيه ؟ فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه و سلم فنزلت : { ما كان للنبي } الآية وأخرج ابن سعد
وابن عساكر عن علي قال : [ أخبرت النبي صلى الله عليه و سلم بموت أبي طالب فبكى فقال : اذهب فغسله وكفنه وواره غفر الله له ورحمه ففعلت وجعل رسول الله صلى الله عليه و سلم يستغفر له أياما ولا يخرج من بيته حتى نزل عليه { ما كان للنبي } الآية ] وقد روي كون سبب نزول الآية استغفار النبي صلى الله عليه و سلم لأبي طالب من طرق كثيرة : منها عن محمد بن كعب عند ابن أبي حاتم وأبي الشيخ مرسل ومنها عن عمرو بن دينار عند ابن جرير وهو مرسل أيضا ومنها عن سعيد بن المسيب عند ابن جرير وهو مرسل أيضا ومنها عن عمر بن الخطاب عند ابن سعد وأبي الشيخ وابن عساكر ومنها عن الحسن البصري عند ابن عساكر وهو مرسل وروي أنها نزلت بسبب زيارة النبي صلى الله عليه و سلم لقبر أمه واستغفاره لها من طريق ابن عباس عند الطبراني وابن مردويه ومن طريق ابن مسعود عند ابن أبي حاتم والحاكم وابن مردويه والبيهقي في الدلائل وعن بريدة عند ابن مردويه وما في الصحيحين مقدم على ما لم يكن فيهما على فرض أنه صحيح فكيف وهو ضعيف غالبه وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله : { وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه } إلى قوله : { كما ربياني صغيرا } قال : ثم استثنى فقال : { ما كان للنبي } إلى قوله : { إلا عن موعدة وعدها إياه } وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله : { فلما تبين له أنه عدو لله } قال : تبين له حين مات وعلم أن التوبة قد انقطعت منه وأخرج الفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وأبو بكر الشافعي في فوائده والضياء في المختارة عن ابن عباس قال : لم يزل إبراهيم يستغفر لأبيه حتى مات فلما مات تبين له أنه عدو الله فتبرأ منه وأخرج ابن مردويه عن جابر [ أن رجلا كان يرفع صوته بالذكر فقال رجل : لو أن هذا خفض صوته ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : دعه فإنه أواه ] وأخرج الطبراني وابن مردويه عن عقبة بن عامر [ أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال لرجل يقال له ذو النجادين : إنه أواه ] وذلك أنه كان يكثر ذكر الله بالقرآن والدعاء وأخرجه أيضا أحمد قال : حدثنا موسى بن لهيعة عن الحارث بن يزيد عن علي بن رباح عن عقبة بن عامر فذكره وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن عبد الله بن شداد بن الهاد قال : قال رجل : يا رسول الله ما الأواه ؟ قال : الخاشع المتضرع الدعاء وهذا إن ثبت وجب المصير إليه وتقديمه على ما ذكره أهل اللغة في معنى الأواه وإسناده عند ابن جرير هكذا : حدثني المثنى حدثني الحجاج بن منهال حدثنا عبد الحميد بن بهرام حدثنا شهر بن حوشب عن عبد الله بن شداد فذكره وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : { إن إبراهيم لأواه حليم } قال : كان من حلمه أنه كان إذا أذاه الرجل من قومه قال له : هداك الله

(2/596)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية