صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

[ روح المعاني - الألوسي ]
الكتاب : روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني
المؤلف : محمود الألوسي أبو الفضل
الناشر : دار إحياء التراث العربي - بيروت
عدد الأجزاء : 30

النكاح بلا صداق وقال الضحاك : من الزيادة على الأربع سنة الله أي سن الله تعالى ذلك سنة فهو مصدر منصوب بفعل مقدر من لفظه والجملة مؤكدة لما قبلها من نفي الحرج وذهب الزمخشري إلى أنه أسم موضوع موضع المصدر كقولهم : تربا وجندلا أي رغما وهوانا وخيبة وكأنه لم تثبت عنده مصدريته وقيل : منصوب بتقدير ألزم ونحوه
قال إبن عطية : ويجوز أن يكون نصبا على الإغراء كأنه قيل : فعليه سنة الله وتعقبه أبو حيان بأنه ليس بجيد لأن عامل الأسم في الإغراء لا يجوز حذفه وأيضا تقدير فعليه سنة الله بضمير الغائب لا يجوز إذ لا يغرى غائب وقولهم عليه رجلا ليتسنى مؤول وهو مع ذلك نادر وأعترض بأن قوله : لأن عامل الأسم في الإغراء لا يجوز حذفه ممنوع وهو خلاف ما يفهم من كتب النحو وبأن ما ذكره في أمر إغراء الغائب مسلم لكن يمكن توجيهه ههنا كما لا يخفى ثم قيل : إن ظاهر كلام إبن عطية يشعر بأن النصب بتقدير ألزم قسيم للنصب على الإغراء وليس كذلك بل هو قسم منه فتدبر
في الذين خلوا أي مضوا من قبل أي من قبلك من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام حيث لم يخرج جل شأنه عليهم في الإقدام على ما أحل لهم ووسع عليهم في باب النكاح وغيره وقد كانت تحتهم المهائر والسراري وكانت لداؤد عليه السلام مائة أمرأة وثلاثمائة سرية ولسليمان عليه السلام ثلثمائة أمرأة وسبعمائة سرية
وأخرج إبن سعد عن محمد بن كعب القرظي أنه كان له عليه السلام ألف أمرأة ولظاهر أنه عني بالمرأة ما يقابل السرية ويحتمل أنه أراد بها الأعم فيوافق ما قبله يروى أن اليهود قاتلهم الله تعالى عابوه وحاشاه من العيب صلى الله تعالى عليه وسلم بكثرة النكاح وكثرة الأزواج فرد الله تعالى عليهم بقوله سبحانه : سنة الله الآية
وقيل : إنه جل وعلا أشار بذلك إلى ما وقع لداؤد عليه السلام من تزوجه أمرأة أوريا وأخرج ذلك إبن المنذر والطبراني عن إبن جريج وأسم تلك الأمرأة عنده اليسية وهذا مما لا يلتفت إليه والقصة عند المحققين لا أصل لها وكان أمر الله قدرا مقدورا 83 أي عن قدر أو ذا قدر ووصفه بمقدور وصف الظل بالظليل والليل بالأليل في قولهم ظل ظليل وليل أليل في قصد التأكيد والمراد بالقدر عند جمع المعنى المشهور للقضاء وهو الإرادة الأزلية المتعلقة بالأشياء على ما هي عليه وجوز كونه بالمعنى المشهور له وهو إيجاد الأشياء على قدر مخصوص وكمية معينة من وجوه المصلحة وغيرها والمعنى الأول أظهر والقضاء والقدر يستعمل كل منهما بمعنى الآخر وفسر الأمر بنحو ما فسر به فيما سبق وجوز أن يراد به الأمر الذي هو واحد الأوامر من غير تأويل ويراد أن أتباع أمر الله تعالى المنزل على أنبيائه عليهم السلام والعمل بموجبه لازم مقضى في نفسه أو هو كالمقضى في لزوم إتباعه ولا يخفى تكلفه وظاهر كلام الإمام إختيار أن الأمر واحد الأمور وفرق بين القضاء والقدر بما لم نقف عليه لغيره فقال ما حاصله القضاء ما يكون مقصودا له تعالى في الأصل والقدر ما يكون تابعا والخير كله بقضاء وما في العالم من الضرر بقدر كالزنا والقتل ثم بنى على ذلك لطيفة وهو أنه لما قال سبحانه : زوجناكها ذيله بأمرا مفعولا لكونه مقصودا أصليا وخيرا مقضيا ولما قال جل شأنه : سنة الله في الذين خلوا إشارة إلى قصة داؤد عليه السلام حيث أفتتن بأمرأة أوريا قال سبحانه : قدرا مقدورا لكون الإفتتان شرا غير مقصود أصلي من خلق المكلف وفيه ما فيه والجملة إعتراض وسط بين الموصولين

(22/27)


الجاريين مجرى الواحد للمسارعة إلى تقرير نفي الحرج وتحقيقه الذين يبلغون رسالات الله صفة للذين خلوا أو هو في محل رفع أو نصب على إضمارهم أو على المدح
وقرأ عبدالله بلغوا فعلا ماضيا وقرأ أبي رسالة على التوحيد لجعل الرسالات المتعددة لإتفاقها في الأصول وكونها من الله تعالى بمنزلة شيء واحد وأن أختلفت أحكامها ويخشونه أي يخافونه تعالى في كل ما يأتون ويذرون لا سيما في أمر تبليغ الرسالة ولا يخشون أحدا إلا الله في وصفهم بقصرهم الخشية على الله تعالى تعريض بما صدر عنه عليه الصلاة و السلام من الإحتراز عن لأئمة الناس من حيث أن إخوانه المرسلين لم تكن سيرتهم التي ينبغي الإقتداء بها ذلك وهذا كالتأكيد لما تقدم من التصريح في قوله سبحانه : وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه وتوهم بعضهم أن منشأ التعريض توصيف الأنبياء بتبليغ الرسالات وحمل الخشية على الخشية في أمر التبليغ لوقوعها في سياقه وفيه ما لا يخفى وكفى بالله حسيبا 93 أي كافيا للمخاوف أو محاسبا على الكبائر والصغائر من أفعال القلب والجوارح فلا ينبغي أن يخشى غيره والإظهار في مقام الإضمار لما في هذا الأسم الجليل ما ليس في الضمير وأستدل بالآية على عدم جواز التقية على الأنبياء عليهم السلام مطلقا وخص ذلك بعض الشيعة في تبليغ الرسالة وجعلوا ما وقع منه صلى الله تعالى عليه وسلم في هذه القصة المشار إليه بقوله تعالى وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه بناء على أن الخشية فيه بمعنى الخوف لا على أن المراد الإستحياء من قول الناس تزوج زوجة إبنه كما قاله إبن فورك من التقية الجائزة حيث لم تكن في تبليغ الرسالة ولا فرق عندهم بين خوف المقالة القبيحة وأساءة الظن وبين خوف المضار في أن كلا يبيح التقية فيما لا يتعلق بالتبليغ ولهم في التقية كلام طويل وهي لأغراضهم ظل ظليل والمتتبع لكتب الفرق يعرف أن قد وقع فيها إفراط وتفريط وصواب وتخليط وأن أهل السنة والجماعة قد سلكوا فيها الطريق الوسط وهو الطريق الأسلم الأمين سالكه من الخطأ والغلط أما الإفراط فللشيعة حيث جوزوا بل أوجبوا على ما حكى عنهم إظهار الكفر لأدنى مخافة أو طمع وأما التفريط فللخوارج والزيدية حيث لا يجوزون في مقابلة الدين مراعاة العرض وحفظ النفس والمال أصلا وللخوارج تشديدات عجيبة في هذا الباب وقد سبوا وطعنوا بريدة الأسلمي أحد أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بسبب أنه رضي الله تعالى عنه كان يحافظ فرسه في صلاته خوفا من أن يهرب
ومذهب أهل السنة أن التقية وهي محافظة النفس أو العرض أو المال من نحو الأعداء بإظهار محظور ديني مشروعة في الجملة
وقسموا العدو إلى قسمين : الأول من كانت عداوته مبنية على إختلاف الدين كالمسلم والكافر ويلحق به من كانت عداوته لإختلاف المذهب إختلافا يجر إلى تكفير أصحاب أحد المذهبين أصحاب المذهب الآخر كأهل السنة والشيعة والثاني من كانت عداوته مبنية على أغراض دنيوية كالمال والمرأة وعلى هذا تكون التقية أيضا قسمين : أما الأول فالتقية ممن كانت عداوته مبنية على إختلاف الدين حقيقة أو حكما وقد ذكروا في ذلك أن من يدعي الإيمان إذا وقع في محل لا يمكن أن يظهر دينه وما هو عليه لتعرض المخالفين وجب عليه أن يهاجر إلى محل يقدر فيه على الإظهار ولا يجوز له أن يسكن هنالك ويكتم دينه بعذر الإستضعاف

(22/28)


فأرض الله تعالى واسعة نعم إن كان له عذر غير ذلك كالعمى والحبس وتخويف المخالف له بقتله أو قتل ولده أو أبيه أو أمه على أي وجه كان القتل تخويفا يظن معه وقوع ما خوف به جاز له السكنى والموافقة بقدر الضرورة ووجب عليه السعي في الحيلة للخروج وإن لم يكن التخويف كذلك كالتخويف بفوات المنفعة أو بلحوق المشقة التي يمكنه تحملها كالحبس مع القوت والضرب القليل الغير المهلك لا يجوز له الموافقة وإن ترتب على ذلك موته كان شهيدا وأما الثاني فألتقية ممن كانت عداوته مبنية على أغراض دنيوية
وقد أختلف العلماء في وجوب الهجرة وعدمه فيه فقال بعضهم : تجب الهجرة لوجوب حفظ المال والعرض
وقال جمع : لا تجب إذا الهجرة عن ذلك المقام مصلحة من المصالح الدنيوية ولا يعود بتركها نقصان في الدين إذ العدو المؤمن كيفما كان لا يتعرض لعدوه الضعيف المؤمن مثله بالسوء من حيث هو مؤمن
وقال بعض الأجلة على طريق المحاكمة : الحق أن الهجرة ههنا قد تجب أيضا وذلك إذا خاف هلاك نفسه أو أقاربه أو الإفراط في هتك حرمته وقال : إنها مع وجوبها ليست عبادة إذ التحقيق أنه ليس كل واجب عبادة يثاب عليها فإن الأكل عند شدة المجاعة والإحتراز عن المضرات المعلومة أو المظنونة في المرض وعن تناول السمومات في حال الصحة وما أشبه ذلك أمور واجبة ولا يثاب فاعلها عليها وفيه بحث وتمام الكلام في هذا المقام يطلب من زبر العلماء الأعلام ولعل لنا عودة إن شاء الله تعالى لذكر شيء من ذلك والله تعالى الهادي لسلوك أقوم المسالك بقي لنا فيما يتعلق بالآية شيء وهو ما قيل : إنه سبحانه وصف المرسلين الخالين عليهم الصلاة والسلام بأنهم لا يخشون أحدا إلا الله وقد أخبر عزوجل عن موسى عليه السلام بأنه قال : إنا نخاف أن يفرط علينا وهل خوف ذلك إلا خشية غير الله تعالى فما وجه الجمع قلت : أجيب بأن الخشية أخص من الخوف
قال الراغب : الخشية خوف يشوبه تعظيم وأكثر ما يكون ذلك عن علم بما يخشى منه وذكر في ذلك عدة آيات منها هذه الآية ونفى الخاص لا يستلزم نفي العام فقد يجتمع مع إثباته وهذا أولى مما قيل في الجواب من أن الخشية أخص من الخوف لأنها الخوف الشديد والمنفي في الآية ههنا هو ذلك لا مطلق الخوف المثبت فيما حكى عن موسى عليه السلام وأجاب آخر بأن المراد بالخشية المنفية الخوف الذي يحدث بعد الفكر والنظر وليس من العوارض الطبيعية البشرية والخوف المثبت هو الخوف العارض بحسب البشرية بادي الرأي وكم قد عرض مثله لموسى عليه السلام ولغيره من إخوانه وهو مما لا نقص فيه كما لا يخفى على كامل وهو جواب حسن وقيل : إن موسى عليه السلام إنما خاف أن يعجل فرعون عليه بما يحول بينه وبين إتمام الدعوة وإظهار المعجزة فلا يحصل المقصود من البعثة فهو خوف لله عزوجل والمراد بما نفى عن المرسلين هو الخوف عنه سبحانه بمعنى أن يخاف غيره جل وعلا فيخل بطاعته أو يقدم على معصيته وأين هذا من ذاك فتأمل تولى الله تعالى هداك
ما كان لمحمد أبا أحد من رجالكم رد لمنشأ خشيته صلى الله تعالى عليه وسلم الناس المعاتب عليها بقوله تعالى : وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه وهو قولهم : إن محمدا عليه الصلاة و السلام تزوج زوجة إبنه زيد بنفي كون زيد إبنه الذي يحرم نكاح زوجته عليه صلى الله تعالى عليه وسلم على أبلغ وجه كما ستعرفه قريبا

(22/29)


إن شاء الله تعالى والرجال جمع رجل بضم الجيم كما هو المشهور وسكونه وهو على ما في القاموس الذكر إذا أحتلم وشب أو هو رجل ساعة يولد وفي بعض ظواهر الآيات والأخبار ما هو مؤيد للثاني نحو قوله تعالى للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وقوله سبحانه : وإن كان رجل يورث كلالة ونحو قوله عليه الصلاة و السلام : فلأولى رجل ذكر والبحث الذي ذكره بعض أجلة المتأخرين فيما ذكر من الأمثلة لا يدفع كون الظاهر منها ذلك عند المنصف وقد يذكر لتأييد الأول قوله تعالى : والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان فإن الرجال فيه للبالغين وفيه بحث نعم ظاهر كلام الزمخشري وهو إمام له قدم راسخة في اللغة وغيرها من العلوم العربية يدل على أن الرجل هو الذكر البالغ وأياما كان فإضافة رجال إلى ضمير المخاطبين بإعتبار الولاد فإن أريد بالرجال الذكور البالغون فالمعنى ما كان محمد أبا أحد من أبنائكم أيها الناس الذكور البالغين الذين ولدتموهم وإن أريد بهم الذكور مطلقا فالمعنى ما كان محمد أبا أحد من أبنائكم الذين ولدتموهم مطلقا كبارا كانوا أو صغارا
والأب حقيقة لغوية في الوالد على ما يفهم من كلام كثير من اللغويين والمراد بالأبوة المنفية هنا الأبوة الحقيقية الشرعية التي يترتب عليها أحكام الأبوة الحقيقية اللغوية من الأرث ووجوب النفقة وحرمة المصاهرة سواء كانت بالولادة أو بالرضاع أو بتبني من يولد مثله لمثله وهو مجهول النسب فحيث نفى كونه صلى الله تعالى عليه وسلم أبا أحد من رجالهم بأي طريق كانت الأبوة ومن المعلوم أن زيدا أحد من رجالهم تحقق نفي كونه عليه الصلاة و السلام أبا له مطلقا أما كونه صلى الله تعالى عليه وسلم ليس أبا له بالولادة فمما لا نزاع فيه ولم يتوهم أحد خلافه ومثله كونه عليه الصلاة و السلام ليس أبا له بالرضاع وأما كونه صلى الله تعالى عليه وسلم ليس أبا له بالتبني مع تحقق تبنيه عليه الصلاة و السلام فلأن الأبوة بالتبني التي نفيت إنما هي الأبوة الحقيقية الشرعية وما كان من التبني لا يستتبعها لتوقفها شرعا على شرائط منها كون المتبني مجهول النسب وذلك منتف في زيد فقد كان معروف النسب فيما بينهم وقد تقدم لك أنه إبن حارثة وتعميم نفي أبوته صلى الله تعالى عليه وسلم لأحد من رجالهم بحيث شمل نفي الأبوة بالولادة والأبوة بالرضاع والأبوة بالتبني مع أنه لا كلام في إنتفاء الأوليين وإنما الكلام في إنتفاء الأخيرة فقط إذ هي التي يزعمها من يقول : تزوج محمد عليه الصلاة و السلام زوجة إبنه للمبالغة في نفي الأبوة بالتبني التي زعموا ترتب أحكام الأبوة الحقيقة عليها بنظم ما خفى في سلك ما لا خفاء فيه أصلا
ولعل هذا هو السر في قوله سبحانه ما كان محمد أبا أحد من رجالكم دون ما كان محمد أبا أحد من الرجال أو ما كان محمد أبا أحد منكم ولعله لهذا أيضا صرح بنفي أبوته صلى الله تعالى عليه وسلم لأحد من رجالهم ليعلم منه نفي بنوة أحد من رجالهم له عليه الصلاة و السلام ولم يعكس الحال بأن يصرح بنفي بنوة أحد من رجالهم له عليه الصلاة و السلام ليعلم نفي أبوته صلى الله تعالى عليه وسلم لأحد من رجالهم ويؤتى بما بعد على وجه ينتظم مع ما قبل وبحمل الأبوة المنفية على الأبوة الحقيقية الشرعية ينحل أشكال في الآية وهو أن سياقها لنفي أبوته عليه الصلاة و السلام لزيد ليرد به على من يعترض على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بتزوجه مطلقته فإن أريد بالأبوة الأبوة الحقيقية اللغوية وهي ما يكون بالولادة لم تلائم السياق ولم يحصل بها الرد المذكور مع أنه هو المقصود إذ لم يكن أحد يزعم ويتوهم أنه صلى الله تعالى عليه وسلم كان أبا زيد بالولادة وإن أريد بها الأبوة المجازية التي تحقق بالتبني ونحوه فنفيها غير صحيح لأنه عليه الصلاة و السلام كان

(22/30)


أبا لزيد مجازا لتبنيه إياه ولم يزل زيد يدعى بإبن محمد صلى الله تعالى عليه وسلم حتى نزل قوله تعالى : أدعوهم لآبايهم فدعوه حينئذ بإبن حارثة ووجه إنحلاله بما ذكرنا من أن المراد بالأبوة الحقيقية الشرعية أن هذه الأبوة تكون بالولادة وبالرضاع وبالتبني بشرطه وهي بأنواعها غير متحققة في زيد أما عدم تحققها بالنوعين الأولين فظاهر وأما عدم تحققها بالنوع الأخير فلأن التبني وإن وقع إلا أن شرطه الذي به يستتبع الأبوة الحقيقية الشرعية مفقود كما علمت وبجعل إضافة الرجال إلى ضمير المخاطبين بإعتبار الولادة يندفع إستشكال النفي المذكور بأنه عليه الصلاة و السلام قد ولد له عدة ذكور فكيف يصح النفي لأن من ولد له عليه الصلاة و السلام ليس مضافا للمخاطبين بإعتبار الولادة بل هو مضاف إليه صلى الله تعالى عليه وسلم بإعتباره ومن خص الرجال بالبالغين قال : لا ينتقص العموم بذلك لأن جميع من ولد له عليه الصلاة و السلام مات صغيرا ولم يبلغ مبلغ الرجال وقيل : لا إشكال في ذلك لأنه عليه الصلاة و السلام لم يكن له إبن يوم نزول الآية لأن السورة مدنية نزلت على ما نقل عن إبن الأثير في تاريخ الكامل السنة الخامسة من الهجرة وفيها تزوج رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بزينب ومن ولد له صلى الله تعالى عليه وسلم من الذكور ممن عدا إبراهيم فإنما ولد بمكة قبل الهجرة وتوفي فيها وإبراهيم وإن ولد بالمدينة لكن ولد السنة الثامنة من الهجرة فلم يكن مولودا يوم النزول بل بعده وهو كما ترى وكما أستشكل النفي بما ذكر أستشكل بالحسن والحسين رضي الله تعالى عنهما فقد كان النبي أبا لهما حقيقة شرعية ولم يرتض بعضهم هنا الجواب بخروجهما بالإضافة لأن لهما نسبة إلى المخاطبين بإعتبار الولادة لدخول علي كرم الله تعالى وجهه فيهم وهما ولداه وأرتضاه آخر بناء على أن الإضافة للإختصاص بإعتبار الولادة ولا إختصاص للحسنين بعلي رضي الله تعالى عنهم بإعتبارها لما أنهما ولدا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أيضا لكن بالواسطة فإن قبل هذا فذاك وإلا فالجواب أما ما قيل من أن المراد بالرجال البالغون ولم يكونا رضي الله تعالى عنهما يوم النزول كذلك فإن الحسن رضي الله تعالى عنه ولد السنة الثالثة من الهجرة والحسين رضي الله تعالى عنه ولد السنة الرابعة منها لخمس خلون من شعبان وقد عقلت به أمه عقب ولادة أخيه بخمسين ليلة أو أقل وكان النزول بعد ولادتهما على ما سمعت آنفا وأما ما قيل من أن المراد بالأب في الآية الأب الصلب ومعلوم أنه صلى الله تعالى عليه وسلم لم يكن اباهما كذلك فتدبر وقيل : ليس المراد من الآية سوى نفي أبوته صلى الله تعالى عليه وسلم لأحد من الرجال بالتبني لتنتفي أبوته عليه الصلاة و السلام لزيد التي يزعمها المعترض كما يدل عليه سوق الآية الكريمة فكأنه قيل : ما كان محمد أبا أحد من رجالكم كما زعمتم حيث قلتم إنه أبو زيد لتبنيه إياه وهي ساكتة عن نفي أبوته صلى الله تعالى عليه وسلم لأحد بالولادة أو بالرضاع وعن إثباتها فلا سؤال بمن ولد له صلى الله تعالى عليه وسلم من الذكور ولا بالحسنين رضي الله تعالى عنهم ولا جواب
وإلى إختيار هذا يميل كلام أبي حيان والله تعالى أعلم وأستدل بعض الشافعية بهذه الآية على أنه لا يجوز أن يقال للنبي عليه الصلاة و السلام أبو المؤمنين حكاه صاحب الروضة ثم قال : ونص الشافعي عليه الرحمة على أنه يجوز أن يقال له صلى الله تعالى عليه وسلبم أبو المؤمنين أي في الحرمة ونحوها وقال الراغب بعد أن قال الأب الوالد ما نصه : ويسمى كل من كان سببا في إيجاد شيء أو أصلاحه أو ظهوره أبا ولذلك سمى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أبا المؤمنين قال الله تعالى : الني أولي بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وفي بعض القراءآت وهو أب لهم وروى أنه عليه الصلاة و السلام قال : لعلي كرم الله تعالى وجهه أنا وأنت أبوا هذه الأمة وإلى هذا أشار صلى الله

(22/31)


تعالى عليه وسلم بقوله كل سبب ونسب منقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي فلا تغفل وعلى جواز الإطلاق قالوا : إن قوله تعالى : ولكن رسول الله إستدراك من نفي كونه عليه الصلاة و السلام أبا أحد من رجالهم على وجه يقتضي حرمة المصاهرة ونحوها إلى إثبات كونه صلى الله تعالى عليه وسلم أبا لكل واحد من الأمةو فيما يرجع إلى وجوب التوفير والتعظيم له صلى الله تعالى عليه وسلم ووجوب الشفقة والنصيحة لهم عليه عليه الصلاة و السلام فإن كل رسول أب لأمته فيما يرجع إلى ذلك وحاصله أنه إستدراك من نفي الأبوة الحقيقية الشرعية التي يترتب عليها حرمة المصاهرة ونحوها إلى إثبات الأبوة المجازية اللغوية التي هي من شأن الرسول عليه الصلاة و السلام وتقتضي التوفير من جانبهم والشفقة من جانبه صلى الله تعالى عليه وسلم وقبل في توجيه الإستدراك أيضا إنه لما نفيت أبوته صلى الله تعالى عليه وسلم لأحد من رجالهم مع إشتهار أن كل رسول أب لأمته ولذا قيل : إن لوطا عليه السلام عني بقوله : هؤلاء بناتي هن أطهر لكم المؤمنات من أمته يتوهم نفي رسالته صلى الله تعالى عليه وسلم بناء على توهم التلازم بين الأبوة والرسالة فأستدرك بإثبات الرسالة تنبيها على أن الأبوة المنفية شيء والمثبتة للرسول شيء آخر وأما قوله سبحانه وخاتم النبيين فقد قيل إنه جيء به ليشير إلى كمال نصحه وشفقته صلى الله تعالى عليه وسلم فيفيد أن أبوته عليه الصلاة و السلام للأمة المشار إليها بقوله تعالى : ولكن رسول الله أبوة كاملة فوق أبوة سائر الرسل عليهم السلام لأممهم وذلك لأن الرسول الذي يكون بعده رسول ربما لا يبلغ في الشفقة غايتها وفي النصيحة نهايتها إتكالا على من يأتي بعده كالوالد الحقيقي إذا علم أن لولده بعده من يقوم مقامه وقيل : إنه جيء به للإشارة إلى إمتداد تلك الأبوة المشار إليها بما قبل إلى يوم القيامة فكأنه قيل : ما كان محمد أبا أحد من رجالكم بحيث تثبت بينه وبينه حرمة المصاهرة ولكن كان أبا كل واحد منكم وأبا أبنائكم وأبناء أبنائكم وهكذا إلى يوم القيامة بحيث يجب له عليكم وعلى من تناسل منكم إحترامه وتوقيره ويجب عليه لكم ولمن تناسل منكم الشفقة والنصح الكامل وقيل : إنه جيء به لدفع ما يتوهم من قوله تعالى : من رجالكم من أنه صلى الله تعالى عليه وسلم يكون أبا أحد من رجاله الذين ولدوا منه عليه الصلاة و السلام بأن يولد له ذكر فيعيش حتى يبلغ مبلغ الرجال وذلك لأن كونه عليه الصلاة و السلام خاتم النبيين يدل على أنه لا يعيش له ولد ذكر حت يبلغ لأنه لو بلغ لكان منصبه أن يكون نبيا فلا يكون هو صلى الله تعالى عليه وسلم خاتم النبيين ويراد بالأب عليه الأب الصلب لئلا يعترض بالحسنين رضي الله تعالى عنهما ودليل الشرطية ما رواه إبراهيم السدي عن أنس قال : كان إبراهيم يعني إبن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قد ملأ المهد ولو بقى لكان نبيا لكن لم يبق لأن نبيكم آخر الأنبياء عليهم السلام وجاء نحوه في روايات أخر
أخرج البخاري من ط ريق محمد بن بشر عن إسماعيل بن أبي خالد قال : قلت لعبدالله بن أبي أوفي رأيت إبراهيم إبن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال : مات صغيرا ولو قضى بعد محمد صلى الله تعالى عليه وسلم نبي عاش إبنه إبراهيم ولكن لا نبي بعده
وأخرج أحمد عن وكيع عن إسماعيل سمعت إبن أبي أوفي يقول : لو كان بعد النبي نبي ما مات إبنه
وأخرج إبن ماجه وغيره من حديث إبن عباس لما مات إبراهيم إبن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وقال :

(22/32)


إن له مرضعا في الجنة ولو عاش لكان صديقا نبيا ولو عاش لأعتقت أخواله من القبط وما أسترق قبطي وفي سنده أبو شيبة إبراهيم بن عثمان الواسطي وهو على ما قال القسطلاني ضعيف ومن طريقه أخرجه إبن منده في المعرفة وقال : إنه غريب وكأن النووي لم يقف على هذا الخبر المرفوع أو نحوه أو وقف عليه ولم يصح عنده فقال في تهذيب الأسماء واللغات : وأما ما روى عن بعض المتقدمين لو عاش إبراهيم لكان نبيا فباطل وجسارة على الكلام على المغيبات ومجازفة وهجوم على عظيم ومثله إبن عبدالبر فقد قال في التمهيد : لا أدري ما هذا فقد ولد نوح عليه السلام غير نبي ولو لم يلد النبي إلا نبيا لكان كل أحد نبيا لأنهم من نوح عليه السلام وأنا أقول : لا يظن بالصحابي الهجوم على الاخبار عن مثل هذا الأمر بالظن فالظاهر أنه لم يخبر إلا عن توقيف من رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وإذا صح حديث إبن عباس رضي الله تعالى عنهما المرفوع أرتفع الخصام لكن الظاهر أن هذا الأمر في إبراهيم خاصة بأن يكون قد سبق في علم الله تعالى أنه لو عاش لجعله جل وعلا نبيا لا لكونه إبن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بل لأمر هو جل شأنه به اعلم والله أعلم حيث يجعل رسالته وحينئذ يرد على الشرطية السابقة أعني قوله لأنه : لو بلغ لكان منصبه أن يكون نبيا منع ظاهر والدليل الذي سيق فيما سبق لا يثبتها لما أن ظاهره الخصوص فيجوز أن يبلغ ولد ذكر له عليه الصلاة و السلام غير إبراهيم ولا يكون نبيا لعدم أهليته للنبوة في علم الله تعالى لو عاش
وقول بعض الأفاضل : ليس مبني تلك الشرطية على اللزوم العقلي والقياس المنطقي بل على مقتضى الحكمة الألهية وهي أن الله سبحانه أكرم بعض الرسل عليهم السلام بجعل أولادهم أنبياء كالخليل عليه السلام ونبينا صلى الله تعالى عليه وسلم أكرمهم عليه وأفضلهم عنده فلو عاش أولاده أقتضى تشريف الله تعالى له وأفضليته عنده ذلك ليس بشيء لأنا نقول : لا يلزم من إكرام الله تعالى بعض رسله عليهم السلام بنبوة الأولاد وكون نبينا صلى الله تعالى عليه وسلم أكرمهم وأفضلهم إقتضاء التشريف والأفضلية نبوة أولاده لو عاشوا وبلغوا ليقال إن حكمة كونه عليه الصلاة و السلام خاتم النبيين لكونها أجل وأعظم منعت من أن يعيشوا فينبؤا ألا ترى أن الله تعالى أكرم بعض الرسل بجعل بعض أقاربهم في حياتهم وبعد مماتهم أنبياء معينين لهم ومؤيدين لشريعتهم غير مخالفين لها في أصل أو فرع كموسى عليه السلام ونبينا عليه الصلاة و السلام أكرمهم وأفضلهم ولم يجعل له ذلك
فإن قيل : إنه عوض صلى الله تعالى عليه وسلم عنه بأن جعل جل شأنه له من أقاربه وأهل بيته علماء أجلاء كأنبياء بني إسرائيل كعلي كرم الله تعالى وجهه كما يرشد إليه قوله صلى الله تعالى عليه وسلم له رضى الله تعالى عنه أنت مني بمنزلة هرون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي قلنا فلم لا يجوز أن يبقى سبحانه له عليه الصلاة و السلام أولادا ذكورا بالغين ويعوضه عن نبوتهم التي منعت عنها حكمة الخاتمية نحو ما عوضه عن نبوة بعض أقاربه التي منعت عنها تلك الحكمة وذلك أقرب لمقتضى التشريف كما لا يخفى وقيل : الملازمة مستفادة من الآية لأنه لولاها لم يكن للإستدراك معنى إذ لكن تتوسط بين متقابلين فلا بد من منافاة بنوتهم له عليه الصلاة و السلام لكونه خاتم النبيين وهو إنما يكون بإستلزام بنوتهم نبوتهم ولا يقدح فيه قوله تعالى : رسول الله كما يتوهم لأنه لو سلم رسالتهم لكانت إما في عصره صلى الله تعالى عليه وسلم وهي تنافي رسالته أو بعده وهي تنافي

(22/33)


خاتميته وفيه أن الملازمة في قوله : ولولا ذلك لم يكن للإستدراك معنى ممنوعة والدليل المذكور لم يثبتها لجواز أن يكون معنى الإستدراك ما ذكرناه أولا على أن فيما ذكره بعد ما لا يخفى وقيل في توجيه الإستدراك إنه لما كان عدم النسل من الذكور يفهم منه أنه لا ينبغي حكمه صلى الله تعالى عليه وسلم ولا يدوم ذكره أستدرك بما ذكر وهو كما ترى
وقال بعض المتأخرين : يجوز أن لا يكون الإستدراك بلكن هنا بمعنى رفع التوهم الناشيء من أول الكلام كما في قولك : ما زيد كريم لكنه شجاع بل بمعنى أن يثبت لما بعدها حكم مخالف لما قبلها نحو ما هذا ساكن لكنه متحرك وما هذا أبيض لكنه أسود وقد جاء كذلك في بعض آي الكتاب الكريم كما في قوله تعالى : ياقوم ليس بي سفاهة ولكني رسول ربي العالمين فإن نفي السفاهة لا يوهم إنتفاء الرسالة ولا إنتفاء ما يلزمها من الهدى والتقوى حتى يجعل إستدراكا بالمعنى الأول فليتأمل
ومن العجيب أن إبن حجر الهيتمي قال في فتاواه الحديثية : إنه لا بعد في إثبات النبوة لإبراهيم إبن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في صغره وقد ثبت في الصغر لعيسى ويحيى عليهما السلام ثم نقل عن السبكي كلاما في حديث كنت نبيا وآدم بين الروح والجسد حاصله أن حقيقته عليه الصلاة و السلام قد تكون من قبل آدم آتاها الله تعالى النبوة بأن خلقها مهيأة لها وأفاضها عليها من ذلك الوقت وصار نبيا ثم قال : وبه يعلم تحقيق نبوة سيدنا إبراهيم في حال صغره وفيه بحث وخبر أنه عليه الصلاة و السلام أدخل يده في قبره بعد دفنه وقال أما والله إنه لنبي إبن نبي في سنده من ليس بالقوي فلا يعول عليه ليتكلف لتأويله والخاتم أسم آلة لما يختم به كالطابع لما يطبع به فمعنى خاتم النبيين الذي ختم النبيون به ومآله آخر النبيين وقال المبرد : خاتم فعل ماض على فاعل وهو في معنى ختم النبيين فالنبيين منصوب على أنه مفعول به وليس بذاك وقرأ الجمهور وخاتم بكسر التاء على أنه أسم فاعل أي الذي ختم النبيين والمراد به آخرهم أيضا وفي حرف إبن مسعود ولكن نبيا ختم النبيين والمراد بالنبي ما هو أعم من الرسول فيلزم من كونه صلى الله تعالى عليه وسلم خاتم النبيين كونه خاتم المرسلين والمراد بكونه عليه الصلاة و السلام خاتمهم إنقطاع حدوث وصف النبوة في أحد من الثقلين بعد تحليله عليه الصلاة و السلام بها في هذه النشأة
ولا يقدح في ذلك ما أجمعت الأمة عليه وأشتهرت فيه الأخبار ولعلها بلغت مبلغ التواتر المعنوي ونطق به الكتاب على قول ووجب الإيمان به وأكفر منكره كالفلاسفة من نزول عيسى عليه السلام آخر الزمان لأنه كان نبيا قبل تحلي نبينا صلى الله تعالى عليه وسلم بالنبوة في هذه النشأة ومثل هذا يقال في بقاء الخضر عليه السلام على القول بنبوته وبقائه ثم أنه عليه السلام حين نزول باق على نبوته السابقة لم يعزل عنها قال لكنه لا يتعبد بها لنسخها في حقه وحق غيره وتكليفه بأحكام هذه الشريعة أصلا وفرعا فلا يكون إليه عليه السلام وحي ولا نصب أحكام بل يكون خليفة لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وحاكما من حكام ملته بين أمته بما علمه في السماء قبل نزوله من شريعته عليه الصلاة و السلام كما في بعض الآثار أو ينظر في الكتاب والسنة وهو عليه السلام لا يقصر عن رتبة الإجتهاد المؤدي إلى إستنباط ما يحتاج إليه أيام مكثه في الأرض من الأحكام وكسره الصليب وقتله الخنزير ووضعه الجزية وعدم قبولها مما علم من شريعتنا صوابيته في قوله

(22/34)


صلى الله تعالى عليه وسلم إن عيسى ينزل حكما عدلا يكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية فنزوله عليه السلام غاية لإقرار الكفار ببذل الجزية على تلك الأحوال ثم لا ي قبل إلا الإسلام لا نسخ لها قاله شيخ الإسلام إبراهيم اللقاني في هداية المريد لجوهرة التوحيد وقوله : أنه عليه السلام حين ينزل باق على نبوته السابقة لم يعزل عنها بحال لكنه لا يتعبد بها إلخ أحسن من قول الخفاجي الظاهر أن المراد من كونه على دين نبينا صلى الله تعالى عليه وسلم إنسلاخه عن وصف النبوة والرسالة بأن يبلغ ما يبلغه عن الوحي وإنما يحكم بما يتلقى عن نبينا عليه الصلاة و السلام ولذا لم يتقدم لأمامة الصلاة مع المهدي ولا أظنه عني بالإنسلاخ عن وصف النبوة والرسالة عزله عن ذلك بحيث لا يصح إطلاق الرسول والنبي عليه عليه السلام فمعاذ الله أن يعزل رسول الله أو نبي عن الرسالة أو النبوة بل أكاد لا أتعقل ذلك ولعله أراد أنه لا يبقى له وصف تبليغ الأحكام عن وحي كما كان له قبل الرفع فهو عليه السلام نبي رسول قبل الرفع وفي السماء وبعد النزول وبعد الموت أيضا وبقاء النبوة والرسالة بعد الموت في حقه وحق غيره من الأنبياء والمرسلين عليهم السلام حقيقة مما ذهب إليه غير واحد فإن المتصف بهما وكذا بالإيمان هو الروح وهي باقية لا تتغير بموت البدن نعم ذهب الأشعري كما قال النسفي إلى أنهما بعد الموت باقيان حكما وما أفاده كلام اللقاني من أنه عليه السلام يحكم بما علم في السماء قبل نزوله من الشريعة قد أفاده السفاريني في البحور الزاخرة وهو الذي أميل له وأما أنه يجتهد ناظرا في الكتاب والسنة فبعيد وإن كان عليه السلام قد أوتي فوق ما أوتي مجتهدو الأمم مما يتوقف عليه الإجتهاد بكثير إذ قد ذهب معظم أهل العلم إلى أنه حين ينزل يصلي وراء المهدي رضي الله تعالى عنه صلاة الفجر وذلك الوقت يضيق عن أستنباط ما تضمنته تلك الصلاة من الأقوال والأفعال من الكتاب والسنة على الوجه المعروف
نعم لا يبعد أن يكون عليه السلام قد علم في السماء بعضا ووكل إلى الإجتهاد والأخذ من الكتاب والسنة في بعض آخر وقيل : إنه عليه السلام يأخذ الأحكام من نبينا صلى الله تعالى عليه وسلم شفاها بعد نزوله وهو في قبره الشريف عليه الصلاة و السلام وأيد بحديث أبي يعلى والذي نفسي بيده لينزلن عيسى إبن مريم ثم لئن قام على قبري وقال يامحمد لأجيبنه
وجوز أن يكون ذلك بالإجتماع معه عليه الصلاة و السلام روحانية ولا بدع في ذلك فقد وقعت رؤيته صلى الله تعالى عليه وسلم بعد وفاته لغير واحد من الكاملين من هذه الأمة والأخذ منه يقظة قال الشيخ سراج الدين بن الملقن في طبقات الأولياء : قال الشيخ عبدالقادر الكيلاني قدس سره : رأيت رسول الله قبل الظهر فقال لي : يابني لم لا تتكلم قلت : ياأبتاه أنا رجل أعجم كيف أتكلم على فصحاء بغداد فقال : أفتح فاك ففتحته فتفل فيه سبعا وقال : تكلم على الناس وأدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة فصليت الظهر وجلست وحضرني خلق كثير فأرتج علي فرأيت عليا كرم الله تعالى وجهه قائما بإزائي في المجلس فقال لي : يا بني لم لا تتكلم قلت : ياأبتاه قد أرتج علي فقال : أفتح فاك ففتحته فتفل فيه ستا فقلت : لم لا تكملها سبعا قال : أدبا مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ثم توارى عني فقلت : غواص الفكر يغوص في بحر القلب على درر المعارف فيستخرجها إلى ساحل الصدر فينادي عليها سمسار ترجمان اللسان فتشتري بنفائس أثمان حسن الطاعة في بيوت أذن الله أن ترفع وقال أيضا في ترجمة الشيخ خليفة بن موسى النهر ملكي : كان كثير الرؤية لرسول الله عليه

(22/35)


الصلاة والسلام يقظة ومناما فكان يقال : إن أكثر أفعاله يتلقاه منه يقظة ومناما ورآه في ليلة واحدة سبع عشرة مرة قال له في إحداهن : يا خليفة لا تضجر مني فكثير من الأولياء مات بحسرة رؤيتي وقال الشيخ تاج الدين بن عطاء الله في لطائف المتن : قال رجل للشيخ أبي العباس المرسي ياسيدي صافحني بكفك هذه فإنك لقيت رجالا وبلادا فقال : والله ما صافحت بكفي هذه إلا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال : وقال الشيخ لو حجب عني رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم طرفة عين ما عددت نفسي من المسلمين ومثل هذه النقول كثير من كتب القوم جدا
وفي تنوير الحلك لجلال الدين السيوطي الذي رد به على منكري رؤيته بعد وفاته في اليقظة طرف معتد به من ذلك وبدأ في الإستدلال على ذلك بما أخرجه البخاري ومسلم وأبو داؤد عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم من رآني في المنام فسيراني في اليقظة ولا يتمثل الشيطان بي ؤأخرج الطبراني مثله من حديث مالك بن عبدالله الخثعمي ومن حديث أبي بكرة وأخرج الدارمي مثله من حديث أبي قتادة
وللمنكرين إختلاف في تأويله فقيل : المراد فسيراني في القيامة فهناك اليقظة الكاملة كما يشير إليه الناس نيام فإذا ماتوا إنتبهوا وتعقب بأنه لا فائدة في هذا التخصيص لأن كل أمته يرونه يوم القيامة من رآه منهم في المنام ومن لم يره وقيل : المراد الرؤية على وجه خاص من القرب والحظوة منه صلى الله تعالى عليه وسلم يوم القيامة أو حصول الشفاعة له أو نحو ذلك ولا يرد عليه ما ذكر وقيل : المراد بمن من آمن به في حياته ولم يره لكونه حينئذ غائبا عنه فيكون الخبر مبشرا له بأنه لا بد أن يراه في اليقظة يعني بعيني رأسه وقيل : بعين قلبه حكاهماالقاضي أبو بكر بن العربي وقال الإمام أبو محمد بن أبي جمرة في تعليقه على الأحاديث التي إنتقاها من صحيح البخاري : هذا الحديث يدل على أن من يراه صلى الله تعالى عليه وسلم في النوم فسيراه في اليقظة وهل هذا على عمومه في حياته وبعد مماته عليه الصلاة و السلام أو هذا كان في حياته وهل ذلك لكل من رآه مطلقا أو خاص بمن فيه الأهلية والإتباع لسنته عليه الصلاة و السلام اللفظ يعطي العموم ومن يدعى الخصوص فيه بغير مخصص منه صلى الله تعالى عليه وسلم فمتعسف وأطال الكلام في ذلك ثم قال : وقد ذكر عن السلف والخلف وهلم جرا ممن كانوا رأوه صلى الله تعالى عليه وسلم في النوم وكانوا ممن يصدقون بهذا الحديث فرأوه بعد ذلك في اليقظة وسألوه عن أشياء كانوا منها متشوشين فأخبرهم بتفريجها ونص لهم على الوجوه التي منها يكون فرجها فجاء الأمر كذلك بلا زيادة ولا نقص إنتهى المراد منه ثم إن رؤيته صلى الله تعالى عليه وسلم يقظة عند القائلين بها أكثر ما تقع بالقلب ثم يترقى الحال إلى أن يرى بالبصر وأختلفوا في حقيقة المرئي فقال بعضهم المرئي ذات المصطفى بجسمه وروحه وأكثر أرباب الأحوال على أنه مثاله وبه صرح الغزالي فقال : ليس المراد أنه يرى جسمه وبدنه بل مثالا له صار ذلك المثال آلة يتأدى بها المعنى الذي في نفسه قال : والآلة تارة تكون حقيقة وتارة تكون خيالية والنفس غير المثال المتخيل فما رآه من الشكل ليس هو روح المصطفى ولا شخصه بل هو مثال له على التحقيق
وفصل القاضي أبو بكر بن العربي فقال : رؤية النبي بصفته المعلومة إدراك على الحقيقة ورؤيته على غير صفته إدراك للمثال وأستحسنه الجلال السيوطي وقال : بعد نقل أحاديث وآثار ما نصه فحصل من مجموع هذا الكلام النقول والأحاديث أن النبي حي بجسده وروحه وأنه يتصرف ويسير حيث شاء في أقطار الأرض وفي الملكوت وهو بهيئته التي كان عليها قبل وفاته لم يتبدل منه شيء وأنه مغيب عن الأبصار كما غيبت الملائكة مع

(22/36)


كونهم أحياء بأجسادهم فإذا أراد الله تعالى رفع الحجاب عمن أراد إكرامه برؤيته رآه على هيئته التي هو عليه الصلاة و السلام عليها لا مانع من ذلك ولا داعي إلى التخصيص برؤية المثال وذهب رحمه الله تعالى إلى نحو هذا في سائر الأنبياء عليهم السلام فقال إنهم أحياء ردت إليهم أرواحهم بعد ما قبضوا وأذن لهم في الخروج من قبورهم والتصرف في الملكوت العلوي والسفلي وهذا الذي ذكره من الخروج من القبور ذكر أخبارا كثيرة تشهد له
منها ما أخرجه إبن حبان في تاريخه والطبراني في الكبير وأبو نعيم في الحلية عن أنس قال : قال رسول الله ما من نبي يموت فيقيم في قبره إلا أربعين صباحا ومنها ما رواه عبدالرزاق في مصنفه عن الثوري عن أبي المقدام عن سعيد بن المسيب قال : ما مكث نبي في الأرض أكثر من أربعين وأبو المقدام هو ثابت بن هرمز شيخ صالح ومنها ما ذكره إمام الحرمين في النهاية ثم الرافعي في الشرح أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال : أنا أكرم على ربي من أن يتركني في قبري بعد ثلاث زاد إمام الحرمين وروى أكثر من يومين
والذي يغلب على الظن أن رؤيته صلى الله تعالى عليه وسلم بعد وفاته بالبصر ليست كالرؤية المتعارفة عند الناس من رؤية بعضهم لبعض وإنما هي جمعية حالية وحالة برزخية وأمر وجداني لا يدرك حقيقته إلا من باشره ولشدة شبه تلك الرؤية بالرؤية البصرية المتعارفة يشتبه الأمر على كثير من الرائين فيظن أنه رآه ببصره الرؤية المتعارفة وليس كذلك وربما يقال إنها رؤية قلبية ولقوتها تشتبه بالبصرية والمرئي إما روحه عليه الصلاة و السلام التي هي أكمل الأرواح تجردا وتقدسا بأن تكون قد تطورت وظهرت بصورة مرئية بتلك الرؤية مع بقاء تعلقها بجسده الشريف الحي في القبر السامي المنيف على حد ما قاله بعضهم من أن جبريل عليه السلام مع ظهوره بين يدي النبي عليه الصلاة و السلام في صورة دحية الكلبي أو غيره لم يفارق سدرة المنتهى وإما جسد مثالي تعلقت به روحه صلى الله تعالى عليه وسلم المجردة القدسية ولا مانع من أن يتعدد الجسد المثالي إلى ما لا يحصى من الأجساد مع تعلق روحه القدسية عليه من الله تعالى ألف ألف صلاة وتحية بكل جسد منها ويكون هذا التعلق من قبيل تعلق الروح الواحدة بأجزاء بدن واحد ولا تحتاج في إدراكاتها وإحساساتها في ذلك التعلق إلى ما تحتاج إليه من الآلات في تعلقها بالبدن في الشاهد و على ما ذكر وجه ما نقله الشيخ صفى الدين بن أبي منصور والشيخ عبدالغفار عن الشيخ أبي العباس الطنجي من أنه رأى السماء والأرض والعرش والكرسي مملوءة من رسول الله وينحل به السؤال عن كيفية رؤية المتعددين له عليه الصلاة و السلام في زمان واحد في أقطار متباعدة
ولا يحتاج معه إلى ما أشار إليه بعضهم وقد سئل عن ذلك فأنشد : كالشمس في كبد السماء وضوؤها يغشى البلاد مشارقا ومغاربا وهذه الرؤية إنما تقع في الأغلب للكاملين الذين لم يخلوا بإتباع الشريعة قدر شعيرة ومتى قويت المناسبة بين رسول الل صلى الله تعالى عليه وسلم وبين أحد من الأمة قوى أمر رؤيته إياه عليه الصلاة و السلام وقد تقع لبعض صلحا الأمة عند الإحتضار لقوة الجمعية حينئذ والرؤية التي تكون يقظة لمن رآه صلى الله تعالى عليه وسلم في المنام إن كانت في الدنيا فهي على نحو رؤية بعض الكاملين إياه صلى الله تعالى عليه وسلم وهي أكمل من الرؤيا وإن كان المرئي فيهما هو رسول الله عليه الصلاة و السلام وآخر مظان تحققها وقت الموت
ولعل الأغلب في حق العامة تحققها فيه وإن كانت في الآخرة فالأمر فيها واضح ويرجح عندي كونها في الآخرة على وجه خاص من القرب والحظوة وما شاكل ذلك أن البشارة في الخبر عليه أبلغ ثم إن الخبر

(22/37)


المذكور فيما مر مذكور في صحيح مسلم بالسند إلى أبي هريرة أنه قال : سمعت رسول الله يقول : من رآني في المنام فسيراني في اليقظة أو لكأنما رآني في اليقظة لا يتمثل الشيطان بي فلا قطع على هذه الرواية بأنه عليه الصلاة و السلام قال : فسيراني فإن كان الواقع في نفس الأمر ذلك فالكلام فيه ما سمعت وإن كان الواقع لكأنما رآني فهو كقوله صلى الله تعالى عليه وسلم في خبر آخر : فقد رآني وفي آخر أيضا فقد رأى الحق والمعنى أن رؤياه صحيحة وما تقدم من أن الأنبياء عليهم السلام يخرجون من قبورهم أي بأجسامهم وأرواحهم كما هو الظاهر ويتصرفون في الملكوت العلوي والسفلي فمما لا أقول به والخبر السابق الذي أخرجه إبن حبان والطبراني وأبو نعيم عن أنس وهو قوله صلى الله تعالى عليه وسلم : ما من نبي يموت فيقيم في قبره إلا أربعين صباحا قد أخرجوه عن الحسن بن سفيان عن هشام بن خالد الأزرق عن الحسن بن يحيى الخشني عن سعيد بن عبدالعزيز عن يزيد بن أبي مالك عن أنس رضي الله تعالى عنه وقال فيه إبن حبان : هو باطل والخشني منكر الحديث جدا يروى عن الثقات مالا أصل له
وفي الميزان عن الدارقطني الخشني متروك ومن ثم حكم إبن الجوزي بوضع الحديث وهو مع ذلك بعض حديث والحديث بتمامه عند الطبراني ما من نبي يموت فيقيم في قبره إلا أربعين صباحا حتى ترد إليه روحه ومررت ليلة أسري بي بموسى وهو قائم يصلي في قبره وهو على هذا لا يدل على أنه بعد الأربعين لا يقيم في قبره بل يخرج منه وإنما يدل على أنه لا يبقى في القبر ميتا كسائر الأموات أكثر من أربعين صباحا بل ترد إليه روحه ويكون حيا وأين هذا من دعوى الخروج من القبر بعد الأربعين والحياة في القبر لا تستلزم الخروج وأنا أقول بها في حق الأنبياء عليهم السلام وقد ألف البيهقي جزا في حياتهم في قبورهم وأورد فيه عدة أخبار
ولا يضرني بعد ظهور أن الحديث السابق لا يدل على الخروج المنازعة في وصفه وبلوغه بماله من الشواهد درجة الحسن والأخبار المذكورة بعد فيما سبق المراد منها كلها إثبات الحياة في القبر بضرب من التأويل والمراد بتلك الحياة نوع من الحياة غير معقول لنا وهي فوق حياة الشهداء بكثير وحياة نبينا صلى الله تعالى عليه وسلم أكمل وأتم من حياة سائرهم عليهم السلام وخبر ما من مسلم يسلم علي إلا رد الله تعالى علي روحي حتى أرد عليه السلام محمول على إثبات إقبال خاص وإلتفات روحاني يحصل من الحضرة الشريفة النبوية إلى عالم الدنيا وتنزل إلى عالم البشرية حتى يحصل عند ذلك رد السلام وفيه توجيهات أخر مذكورة في محلها ثم إن تلك الحياة في القبر وإن كانت يترتب عليها بعض ما يترتب على الحياة في الدنيا المعروفة لنا من الصلاة والأذان والإقامة ورد السلام المسموع ونحو ذلك إلا أنها لا يترتب عليها كل ما يمكن أن يترتب على تلك الحياة المعروفة ولا يحس بها ولا يدركها كل أحد فلو فرض إنكشاف قبر نبي من الأنبياء عليهم السلام لا يرى الناس النبي فيه إلا كما يرون سائر الأموات الذين لم تأكل الأرض أجسادهم وربما يكشف الله تعالى على بعض عباده فيرى ما لا يرى الناس ولولا هذا لأشكل الجمع بين الأخبار الناطقة بحياتهم في قبورهم وخبر أبي يعلى وغيره بسند صحيح كما قال الهيثمي مرفوعا أن موسى نقل يوسف من قبره بمصر ثم إني أقول بعد هذا كله إن ما نسب إلى بعض الكاملين من أرباب الأحوال من رؤية النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بعد وفاته وسؤاله والأخذ عنه لم نعلم وقوع مثله في الصدر الأول وقد وقع إختلاف بين الصحابة رضي الله تعالى عنهم من حين توفي عليه الصلاة و السلام إلى ما شاء الله تعالى في مسائل دينية وأمور دنيوية وفيهم أبو بكر وعلي رضي الله تعالى عنهما

(22/38)


وإليهما ينتهي أغلب سلاسل الصوفية الذين تنسب إليهم تلك الرؤية ولم يبلغنا أن أحدا منهم إدعى أنه رأى في اليقظة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وأخذ عنه ما أخذ وكذا لم يبلغنا أنه صلى الله تعالى عليه وسلم ظهر لمتحير في أمر من أولئك الصحابة الكرام فأرشده وأزال تحيره وقد صح عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه قال في بعض الأمور : ليتني كنت سألت رسول الله عليه الصلاة و السلام عنه ولم يصح عندنا أنه توسل إلى السؤال منه صلى الله تعالى عليه وسلم بعد الوفاة نظير ما يحكى عن بعض أرباب الأحوال وقد وقفت على إختلافهم في حكم الجد مع الإخوة فهل وقفت على أن أحدا منهم ظهر له الرسول فأرشده إلى ما هو الحق فيه وقد بلغك ما عرا فاطمة البتول رضي الله تعالى عنها من الحزن العظيم بعد وفاته صلى الله تعالى عليه وسلم وما جرى لها في أمر فدك فهل بلغك أنه عليه الصلاة و السلام ظهر لها كما يظهر للصوفية قبل لوعتها وهون حزنها وبين الحال لها وقد سمعت بذهاب عائشة رضي الله تعالى عنها إلى البصرة وما كان من وقعة الجمل فهل سمعت تعرضه لها قبل الذهاب وصده إياها عن ذلك لئلا يقع أو تقوم الحجة عليها على أكمل وجه إلى غير ذلك مما لا يكاد يحصي كثرة والحاصل أنه لم يبلغنا ظهوره عليه الصلاة و السلام لأحد من أصحابه وأهل بيته وهم هم مع إحتياجهم الشديد لذلك وظهوره عند باب مسجد قباء كما يحكيه بعض الشيعة إفتراء محض وبهت بحت
وبالجملة عدم ظهوره لأولئك الكرام وظهوره لمن بعدهم مما يحتاج إلى توجيه يقنع به ذوو الأفهام ولا يحسن معنى أن أقول : كل ما يكى عن الصوفية من ذلك كذب لا أصل له لكثرة حاكيه وجلالة مدعيه وكذا لا يحسن مني أن أقول : إنهم إنما رأوا النبي مناما فظنوا ذلك لخفة النوم وقلة وقته يقظة فقالوا : رأينا يقظة لما فيه من البعد ولعل في كلامهم ما يأباه وغاية ما أقول : إن تلك الرؤية من خوارق العادة كسائر كرامات الأولياء ومعجزات الأنبياء عليهم السلام وكانت الخوارق في الصدر الأول لقرب العهد بشمس الرسالة قليلة جدا وأنى يرى النجم تحت الشعاع أو يظهر كوكب وقد إنتشر ضوء الشمس في البقاع فيمكن أن يكون قد وقع ذلك لبعضهم على سبيل الندرة ولم تقتض المصلحة إفشاءه ويمكن أن يقال : إنه لم يقع لحكمه الإبتلاء أو لخوف الفتنة أو لأن في القوم من هو كالمرآة له أو ليهرع الناس إلى كتاب الله تعالى وسنته فيما يهمهم فيتسع باب الإجتهاد وتنتشر الشريعة وتعظم الحجة التي يمكن أن يعقلها كل أحد أو لنحو ذلك
وربما يدعى أنه عليه الصلاة و السلام ظهر ولكن كان متسترا في ظهوره كما روى أن بعض الصحابة أحب أن يرى رسول الله فجاء إلى ميمونة فأخرجت له مرآته فنظر فيها فرأى صورة رسول الله عليه الصلاة و السلام ولم ير صورة نفسه فهذا كالظهور الذي يدعيه الصوفية إلا أنه بحجاب المرأة وليس من باب التخيل الذي قوي بالنظر إلى مرآته عليه الصلاة و السلام وملاحظة أنه كثيرا ما ظهرت فيها صورته حسبما ظنه إبن خلدون
فإن قبل قولي وتوجيهي لذلك الأمر فبها ونعمت وإلا فالأمر مشكل فأطلب لك ما يحله والله سبحانه الموفق للصواب
هذا وقيل يجوز أن يكون عيسى عليه السلام قد تلقى من نبينا عليه الصلاة و السلام أحكام شريعته المخالفة لما كان عليه هو من الشريعة حال إجتماعه معه قبل وفاته في الأرض لعلمه أنه سينزل ويحتاج إلى ذلك وإجتماعه معه كذلك جاء في الأخبار

(22/39)


أخرج إبن عدي عن أنس بينا نحن مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إذ رأينا بردا ويدا فقلنا يارسول الله ما هذا البرد الذي رأينا واليد قال : قد رأيتموه قالوا : نعم قال : ذلك عيسى إبن مريم سلم علي وفي رواية إبن عساكر عنه كنت أطوف مع النبي صلى الله تعالى عليه وسلم حول الكعبة إذ رأيته صافح شيئا ولم أره قلنا : يارسول الله صافحت شيئا ولا نراه قال : ذلك أخي عيسى إبن مريم إنتظرته حتى قضى طوافه فسلمت عليه ومن هنا عد عليه السلام من الصحابة رضي الله تعالى عنهم وقيل : إنه عليه السلام بعد نزوله يتلقى أحكام شريعتنا من الملك بأن يعلمه إياها أو يوقفه عليها لا على وجه الإيحاء بها عليه من جهته عزوجل وبعثته بها ليكون في ذلك رسالة جديدة متضمنة نبوة جديدة وقد دل قوله تعالى : وخاتم النبيين على إنقطاعها بل على نحو تعليم الشيخ ما علمه من الشريعة تلميذه ومجرد الإجتماع بالملك والأخذ عنه وتكليمه لا يستدعي النبوة ومن توهم إستدعاء إياها فقد حادكما قال اللقانيعن الصواب فقد كلمت الملائكة عليهم السلام مريم وأم موسى في قول ورجلا خرج لزيارة أخ له في الله تعالى وبلغته أن الله عزوجل يحبه كحبه لأخيه فيه
وأخرج إبن أبي الدنيا في كتاب الذكر عن أنس قال : قال أبي بن كعب لأدخلن المسجد فلأصلين ولأحمدن الله تعالى بمحامد لم يحمده بها أحد فلما صلى وجلس ليحمد الله تعالى ويثني عليه إذا هو بصوت عال من خلف يقول : اللهم لك الحمد كله ولك الملك كله وبيدك الخير كله وإليك يرجع الأمر كله علانيته وسره لك الحمد إنك على كل شيء قدير أغفر لي ما مضى من ذنوبي وأعصمني فيما بقى من عمري وأرزقني أعمالا زاكية ترضى بها عني وتب علي فأتى رسول الله فقص عليه فقال : ذاك جبريل عليه السلام والأخبار طافحة برؤية الصحابة للملك وسماعهم كلامه وكفى دليلا لما نحن فيه قوله سبحانه : إن الذين قالوا ربنا الله ثم أستقاموا تتنزل عليهم الملائكة أن لا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون الآية فإن فيها نزول الملك على غير الأنبياء في الدنيا وتكليمه إياه ولم يقل أحد من الناس : إن ذلك يستدعي النبوة وكون ذلك لأن النزول والتكليم قبيل الموت غير مفيد كما لا يخفى وقد ذهب الصوفية إلى نحو ما ذكرناه قال حجة الإسلام الغزالي في كتابهالمنقذ من الضلالاثناء الكلام على مدح أولئك السادة : ثم إنهم وهم في يقظتهم يشاهدون الملائكة وأرواح الأنبياء ويسمعون منهم أصواتا ويقتبسون منهم فوائد ثم يترقى الحال من مشاهدة الصور والإمثال إلى درجات يضيق عنها نطاق النطق
وقال تلميذه القاضي أبو بكر بن العربي أحد أئمة المالكية في كتابه قانون التأويل : ذهبت الصوفية إلى أنه إذا حصل للإنسان طهارة النفس وتزكية القلب وقطع العلائق وحسم مواد أسباب الدنيا من الجاه والمال والخلطة بالجنس والإقبال على الله تعالى بالكلية علما دائما وعملا مستمرا كشفت له القلوب ورأى الملائكة وسمع كلامهم وأطلع على أرواح الأنبياء والملائكة وسماع كلامهم ممكن للمؤمن كرامة وللكافر عقوبة
ونسب إلى بعض أئمة أهل البيت أنه قال : إن الملائكة لتزاحمنا في بيوتنا بالركب والظاهر من كلامهم أن الإجتماع بهم والأخذ عنهم لا يكون إلا للكاملين ذوي النفوس القدسية وأن الإخلال بالسنة مانع كبير عن ذلك ويرشد إليه ما أخرجه مسلم في صحيحه عن مطرف قال : قال لي عمران بن حصين قد كان ملك يسلم على حتى أكتويت فترك ثم تركت الكي فعاد ويعلم مما ذكرنا أن مدعيه إذا كان مخالفا لحكم الكتاب والسنة كاذب لا ينبغي أن يصغى إليه ودعواه باطلة مردودة عليه فأين الظلمة من النور والنجس من الطهور ثم أنه لا طريق إلى معرفة كون المجتمع به ملكا بعد خبر الصادق سوى العلم الضروري الذي يخلقه الله تعالى في العبد بذلك ويقطع بعدم كونه

(22/40)


ملكا متى خالف ما ألقاه وأتى به الكتاب أو السنة أو إجماع الأمة ومثله فيما أرى التكلم بما يشبه الهذيان ويضحك منه الصبيان وينبغي لمن وقع له ذلك أن لا يشيعه ويعلن به لما فيه من التعرض للفتنة فقد أخرج مسلم عن مطرف أيضا من وجه آخر قال : بعث إلي عمران بن حصين في مرضه الذي توفي فيه فقال : إني محدثك فإن عشت فأكتم عني وإن مت فحدث بها إن شئت إنه قد سلم عليوفي رواية الحاكم في المستدركأعلم يامطرف أنه كان يسلم على الملايكة عند رأسي وعند البيت وعند باب الحجرة فلما أكتويت ذهب ذلك قال : فلما برأ كلمه قال : أعلم يامطرف أنه عاد إلى الذي كنت أكتم على حتى أموت وكذا ينبغي أن لا يقول لإلقاء الملك عليه إيحاء لما فيه من الإيهام القبيح وهو إيهام وحي النبوة الذي يكفر مدعيه بعد رسول الله بلا خلاف بين المسلمين وأطلق بعض الغلاة من الشيعة القول بالإيحاء إلى الأئمة إلاطهار وهم رضي الله تعالى عنهم بمعزل عن قبول قول أولئك الأشرار
فقد روى أن سديرا الصيرفي سأل جعفرا الصادق رضي الله تعالى عنه فقال : جعلت فداك إن شيعتكم أختلفت فيكم فأكثرت حتى قال بعضهم : إن الإمام ينكت في أذنه وقال آخرون : يوحى إليه وقال آخرون : يقذف في قلبه وقال آخرون : يرى في منامه وقال آخرون : إنما يفتى بكتب آبائه فبأي جوابهم آخذ يجعلني الله تعالى فداك قال : لا تأخذ بشيء مما يقولون ياسدير نحن حجج الله تعالى وأمناؤه على خلقه حلالنا من كتاب الله تعالى وحرامنا منه حكاه محمد بن عبدالكريم الشهرستاني في أول تفسيره مفاتيح الأسرار وقد ظهر في هذا العصر عصابة من غلاة الشيعة لقبوا أنفسهم بالبابية لهم في هذا الباب فصول يحكم بكفر معتقدها كل من أنتظم في سلك ذوي العقول وقد كاد يتمكن عرقهم في العراق لولا همة وإليه النجيب الذي وقع على همته وديانته الإتفاق حيث خذلهم نصره الله تعالى وشتت شملهم وغضب عليهم رضي الله تعالى عنه وأفسد عملهم فجزاه الله تعالى عن الإسلام خيرا ودفع عنه في الدارين ضيما وضيرا وأدعى بعضهم الوحي إلى عيسى عليه السلام بعد نزوله وقد سئل عن ذلك إبن حجر الهيثمي فقال : نعم يوحى إليه عليه السلام وحي حقيقي كما في حديث مسلم وغيره عن النواس بن سمعان وفي رواية صحيحة فبينما هو كذلك إذا وحي الله تعالى ياعيسى إني أخرجت عبادا لي لايد لأحد بقتالهم فحول عبادي إلى الطور وذلك الوحي على لسان جبريل عليه السلام إذ هو السفير بين الله تعالى وأنبيائه لا يعرف ذلك لغيره وخبر لا وحي بعدي باطل وما أشتهر أن جبريل عليه السلام لا ينزل إلى الأرض بعد موت النبي فهو لا أصل له ويرده خبر الطبراني ما أحب أن يرقد الجنب حتى يتوضأ فإني أخاف أن يتوفى وما يحضره جبريل عليه السلام فإنه يدل على أن جبريل ينزل إلى الأرض ويحضر موت كل مؤمن توفاه الله تعالى وهو على طهارة ولعل من نفي الوحي عنه عليه السلام بعد نزوله أراد وحي التشريع وما ذكر وحي لا تشريع فيه فتأمل
وكونه خاتم النبيين مما نطق به الكتاب وصدعت به السنة وأجمعت عليه الأمة فيكفر مدعي خلافه ويقتل أن أصر
ومن السنة ما أخرج أحمد والبخاري ومسلم والنسائي وإبن مردويه عن أبي هريرة أن رسول الله قال : مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى دارا بناه فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية من زواياها فجعل الناس يطوفون به ويتعجبون له ويقولون هلا وضعت هذه اللبنة فإنا اللبنة وأنا خاتم النبيين وصح عن جابر مرفوعا نحو ذا وكذا عن أبي بن كعب وأبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنهم وللشيخ محيي الدين بن عربي

(22/41)


قدس سره كلام في حديث اللبنة قد إنتقده عليه جماعة من الأجلة فعليك بالتمسك بالكتاب والسنة والله تعالى الحافظ من الوقوع في المحنة ونصب رسول على إضمار كان لدلالة كان المتقدمة عليه والواو عاطفة للجملة الإستدراكية على ما قبلها وكون لكن المخففة عند الجمهور للعطف إنما هو عند عدم الواو وكون ما بعدها مفردا وجوز أن يكون النصب بالعطف على أبا أحد وقرأ عبدالوارث عن أبي عمرو لكن بالتشديد فنصب رسول على أنه أسم لكن والخبر محذوف تقديره ولكن رسول الله وخاتم النبيين هو أي محمد صلى الله تعالى عليه وسلم وقال الزمخشري : تقديره ولكن رسول الله من عرفتموه أي لم يعش له ولد ذكر وحذف خبر لكن وأخواتها جائز إذا دل عليه الدليل ومما جاء في لكن قول الشاعر : فلو كنت ضبيا عرفت قرابتي ولكن زنجيا عظيم المشافر أي ولكن زنجيا عظيم المشافر أنت وفيه بحث لا يخفى على ذي معرفة وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما وإبن أبي عبلة بتخفيف لكن ورفع رسولوخاتم أي ولكن هو رسول ا لله إلخ كما قال الشاعر : ولست الشاعر السفاف فيهم ولكن مدرة الحرب العوالي أي ولكن أنا مدرة ؤكان الله بكل شيء أعم من أن يكون موجودا أو معدوما عليما 04 فيعلم سبحانه الأحكام والحكم التي بينت فيما سبق والحكمة في كونه عليه الصلاة و السلام خاتم النبيين
ياأيها الذين آمنوا أذكروا الله بما هو جل وعلا أهله من التهليل والتحميد والتمجيد والتقديس ذكرا كثيرا 14 يعم أغلب الأوقات والأحوال كما قال غير واحد وعن إبن عباس الذكر الكثير أن لا ينسى جل شأنه وروى ذلك عن مجاهد أيضا وقيل : أن يذكر سبحانه بصفاته العلى وأسمائه الحسنى وينزه عما لا يليق به وعن مقاتل هو أن يقال : سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر على كل حال وعن العترة الطاهرة رضي الله تعالى عنهم من قال ذلك ثلاثين مرة فقد ذكر الله تعالى ذكرا كثيرا وفي مجمع البيان عن الواحدي بسنده إلى الضحاك بن مزاحم عن إبن عباس قال : جاء جبريل عليه السلام إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فقال : يامحمد قل سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم عدد ما علم وزنة ما علم وملء ما علم فإنه من قالها كتب له بها ست خصال كتب من الذاكرين الله تعالى كثيرا وكان أفضل من ذكره بالليل والنهار وكن له غرسا في الجنة وتحاتت عنه خطاياه كما تحات ورق الشجرة اليابسة وينظر الله تعالى إليه ومن نظر الله تعالى إليه لم يعذبه كذا رأيته في مدونه فلا تغفل وقال بعضهم : مرجع الكثرة العرف
وسبحوه ونزهوه سبحانه عما لا يليق به بكرة وأصيلا 24 أي أول النهار وآخره وتخصيصهما بالذكر ليس لقصر التسبيح عليهما دون سائر ألأوقات بل لإنافة فضلهما على سائر الأوقات لكونهما تحضرهما ملائكة الليل والنهار وتلتقي فيهما كأفراد التسبيح من بين الأذكار مع إئدراجه فيها لكونه العمدة بينها وقيل : كلا الأمرين متوجه إليهما كقولك : صم وصل يوم الجمعة وبتفسير الذكر الكثير بما يعم أغلب الأوقات لا تبقى حاجة إلى تعلقهما بالأول وعن إبن عباس أن المراد بالتسبيح الصلاة أي بإطلاق الجزء على الكل والتسبيح بكرة صلاة الفجر والتسبيح أصيلا صلاة العشاء وعن قتادة نحو ما روى عن إبن عباس إلا أنه قال : أشار

(22/42)


بهذين الوقتين إلى صلاة الغداة وصلاة العصر وهو أظهر مما روى عن الحبر وتعقب ما روى عنهما بأن فيه تجوزا من غير ضرورة وقد يقال : إن التسبيح على حقيقته لكن التسبيح بكرة بالصلاة فيها والتسبيح أصيلا بالصلاة فيه فتأمل
وجوز أن يكون المراد بالذكر المأمور به تكثير الطاعات والإقبال عليها فإن كل طاعة من جملة الذكر ثم خص من ذلك التسبيح بكرة وأصيلا أي الصلاة في جميع أوقاتها أو صلاة الفجر والعصر أو الفجر والعشاء لفضل الصلاة على غيرها من الطاعات البدنية ولا يخفى بعده هو الذي يصلي عليكم إلخ إستئناف جار مجرى التعليل لما قبله من الأمرين وملائكته عطف على الضمير في يصلي لمكان الفصل المغنى عن التأكيد بالمنفصل لا على هو والصلاة في المشسهوروروى ذلك عن إبن عباسمن الله تعالى رحمة ومن الملائكة إستغفار ومن مؤمني الأنس والجن دعاء ويجوز على رأي من يجوز إستعمال اللفظ في معنيين أن يراد بالصلاة هنا المعنيان الأولان فيراد بها أولا الرحمة وثانيا الإستغفار ومن لا يجوز كأصحابنا يقول بعموم المجاز بأن يراد بالصلاة معنى مجازي عام يكون كلا المعنيين فردا حقيقيا له وهو إما الإعتناء بما فيه خير المخاطبين وصلاح أمرهم فإن كلا من الرحمة والإستغفار فرد حقيقي له وهذا المجاز من الصلاة بمعنى الدعاء وهو إما إستعارة لأن الإعتناء يشبه الدعاء لمقارنة كل منهما لإرادة الخير والأمر المحبوب أو مجاز مرسل لأن الدعاء مسبب عن الإعتناء وأما الترحم والإنعطاف المعنوي المأخوذ من الصلاة المعروفة المشتملة على الإنعطاف الصوري الذي هو الركوع والسجود ولا ريب في أن إستغفار الملائكة عليهم السلام ودعاءهم للمؤمنين ترحم عليهم وأما أن ذلك سبب للرحمة لكونهم مجابي الدعوة كما قيل ففيه بحث ورجح جعل المعنى العام ما ذكر بأنه أقرب لما بعد فإنه نص عليه فيه بقوله تعالى : وكان بالمؤمنين رحيما فدل على أن المراد بالصلاة الرحمة وأعترض بأن رحم متعد وصلى قاصر فلا يحسن تفسيره به وبأنه يستلزم جواز رحم عليه وبأنه تعالى غاير بينهما بقوله سبحانه : أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة للعطف الظاهر في المغايرة وأجيب بأنه ليس المراد بتفسير صلى برحم إلا بيان أن المعنى الموضوع له صلى هو الموضوع له رحم مع قطع النظر عن معنى التعدي واللزوم فإن الرديفين قد يختلفان في ذلك وهو غير ضار فزعم أن ذلك لا يحسن وأنه يلزم جواز رحم عليه ليس في محله على أنه يحسن تعدية صلى بعلى دون رحم لما في الأول من ظهور معنى التحنن والتعطف والعطف لأن الصلاة رحمة خاصة ويكفي هذا القدر من المغايرة وقيل : إن تعدد الفاعل صير الفعل كالمتعدد فكأن الرحمة مرادة من لفظ والإستغفار مراد من آخر فلا حاجة إلى القول بعموم المجاز وليس هناك إستعمال لفظ واحد حقيقة وحكما في معنيين وهو كما ترى ومثله كون ملائكته مبتدأ خبره محذوف لدلالة ما قبل عليه كأنه قيل هو الذي يصلي عليكم وملائكته يصلون عليكم فهناك لفظان حقيقة كل منهما بمعنى وسيأتي إن شاء الله تعالى ما يزيدك علما بأمر الصلاة وسبب نزول الآية ما أخرجه عبد بن حميد وإبن المنذر قال : لما نزلت إن الله وملائكته يصلون على النبي قال أبو بكر رضي الله تعالى عنه : ما أنزل الله تعالى عليك خيرا إلا أشركنا فيه فنزلت هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور أي من ظلمات المعاصي إلى نور الطاعة وقال الطبرسي : من الجهل بالله تعالى إلى معرفته عزوجل فإن الجهل أشبه بالظلمة والمعرفة

(22/43)


أشبه شيء بالنور وقال إبن زيد : أي من الضلالة إلى الهدى وقال مقاتل : من الكفر إلى الإيمان وقيل : من النار إلى الجنة حكاه الماوردي وقيل : من القبور إلى البعث حكاه أبو حيان وليس بشيء واللام متعلقة بيصلي أي يعتني بكم هو سبحانه وملائكته ليخرجكم أو يترحم هو عزوجل وملائكته ليخرجكم بذلك من الظلمات إلى النور وكان بالمؤمنين رحيما 34 إعتراض مقرر لمضمون ما قبله أي كان سبحانه بكافة المؤمنين الذين أنتم من زمرتهم كامل الرحمة ولذا يفعل بكم ما يفعل بالذات وبالواسطة أو كان بكم رحيما على أن المؤمنين مظهر وضع موضع المضمر مدحا لهم وإشعارا بعلة الرحمة وقوله تعالى : تحيتهم يوم يلقونه سلام بيان للأحكام الآجلة لرحمته تعالى بهم بعد بيان آثارها العاجلة من الإخراج المذكور والتحية أن يقال : حياك الله أي جعل لك حياة وذلك إخبار ثم يجعل دعاء ويقال حيا فلان فلانا تحية إذا قال له ذلك وأصل هذا اللفظ من الحياة ثم جعل كل دعاء تحية لكون جميعه غير خارج عن حصول الحياة أو سبب حياة إما لدنيا أو لآخرة
وهو هنا مصدر مضاف إلى المفعول وقع مبتدأ و سلام مراد به لفظه خبره والمراد ما يحييهم الله تعالى به ويقوله لهم يوم يلقونه سبحانه ويدخلون دار كرامته سلام أي هذا اللفظ روى أن الله تعالى يقول : سلام عليكم عبادي أنا عنكم راض فهل أنتم عني راضون فيقولون : بأجمعهم ياربنا إنا راضون كل الرضا وورد أن الله تعالى يقول : السلام عليكم مرحبا بعبادي المؤمنين الذين أرضوني في دار الدنيا بإتباع أمري وقيل : تحييهم الملائكة عليهم السلام بذلك إذا دخلوا الجنة كما قال تعالى : والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم
وقيل : تحييهم عند الخروج من القبور فيسلمون عليهم ويبشرونهم بالجنة وقيل عند الموت
وروى عن إبن مسعود أنه قال : إذا جاء ملك الموت لقبض روح المؤمن قال : ربك يقرئك السلام قيل : فعلى هذا الهاء في يلقونه كناية عن غير مذكور وهو ملك الموت ولا ضرورة تدعو لذلك إذ لا مانع من أن يكون الضمير لله تعالى عليه كما هو كذلك على الأقوال الأخر جميعها ولقاء الله تعالى على ما أشار إليه الإمام عبارة عن الإقبال عليه تعالى بالكلية بحيث لا يعرض للشخص ما يشغله ويلهيه أو يوجب غفلته عنه عزوجل ويكون ذلك عند دخول الجنة وفيها وعند البعث وعند الموت
وقال الراغب : ملاقاة الله تعالى عبارة عن القيامة وعن المصير إليه عزوجل وقال الطبرسي : هي ملاقاة ثوابه تعالى وهو غير ظاهر على جميع الأقوال السابقة بل ظاهر على بعضها كما لا يخفى وعن قتادة في الآية أنهم يوم دخولهم الجنة يحيى بعضهم بعضا بالسلام أي سلمنا وسلمت من كل مخوف والتحية عليه على ما قال الخفاجي مصدر مضاف للفاعل وفي البحر هي عليه مصدر مضاف للمحيي والمحيي لا على جهة العمل لأن الضمير الواحد لا يكون فاعلا مفعولا ولكنه كقوله تعالى : وكنا لكحمهم شاهدين أي للحكم الذي جرى بينهم
وكذا يقال هنا التحية الجارية بينهم هي سلام وقول المحيي في ذلك اليوم سلام إخبار لا دعاء لأنه أبلغ على ما قيل فتدبر وأحرى الأقوال بالقبول عندي أن الله تعالى يسلم عليهم يوم يلقونه إكراما لهم وتعظيما
وأعد لهم أجرا كريما 44 أي وهيأ عزوجل لهم ثوابا حسنا والظاهر أن التهيئة واقعة قبل دخول الجنة والتحية ولذا لم تخرج الجملة مخرج ما قبلها بأن يقال وأجرهم أجر كريم أي ولهم أجر كريم وقيل : هي بعد الدخول والتحية فالكلام بيان لآثار رحمته تعالى الفائضة عليهم بعد دخول الجنة عقيب بيان آثار رحمته

(22/44)


الواصلة إليهم قبل ذلك ولعل إيثار الجملة الفعلية على الأسمية المناسبة لما قبلها للمبالغة في الترغيب والتشويق إلى الموعود ببيان أن الأمر الذي هو المقصد الأقصى من بين سائر آثار الرحمة موجود بالفعل مهيأ لهم مع ما فيه من مراعاة الفواصل ياأيها النبي إنا أرسلناك شاهدا على من بعثت إليهم تراقب أحوالهم وتشاهد أعمالهم وتتحمل عنهم الشهادة بما صدر عنهم من التصديق والتكذيب وسائر ما هم عليه من الهدى والضلال وتؤديها يوم القيامة أداء مقبولا فيما لهم وما عليهم وهو حال مقدرة وإن أعتبر الإرسال أمرا ممتدا لإعتبار التحمل والأداء في الشهادة والإرسال بذلك الإعتبار وإن قارن التحمل إلا أنه غير مقارن للأداء وإن أعتبر الإمتداد
وقيل : بإطلاق الشهادة على التحمل فقط تكون الحال مقارنة والأحوال المذكورة بعد على إعتبار الإمتداد مقارنة ولك أن لا تعتبره أصلا فتكون الأحوال كلها مقدرة ثم إن تحمل الشهادة على من عاصره وأطلع على عمله أمر ظاهر وأما تحملها على من بعده بإعيانهم فإن كان مرادا أيضا ففيه خفاء لأن ظاهر الأخبار أنه عليه الصلاة و السلام لا يعرف أعمال من بعده بإعيانهم روى أبو بكر وأنس وحذيفة وسمرة وأبو الدرداء عنه ليردن على ناس من أصحابي الحوض حتى إذا رأيتهم وعرفتهم أختلجوا دوني فأقول : يارب أصيحابي أصيحابي فيقال لي : إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك نعم قد يقال : إنه عليه الصلاة و السلام يعلم بطاعات ومماض تقع بعده من أمته لكن لا يعلم أعيان الطائعين والعاصين وبهذا يجمع بين الحديث المذكور وحديث عرض الأعمال عليه صلى الله تعالى عليه وسلم كل أسبوع أو أكثر أو أقل وقيل : يجمع بأنه عليه الصلاة و السلام يعلم الأعيان أيضا إلا أنه نسى فقال : أصيحابي ولتعظيم قبح ما أحدثوا قيل له : إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك وقيل : يعرض ما عدا الكفر وهو كما ترى وأما زعم أن التحمل على من بعده إلى يوم القيامة لما أنه حي بروحه وجسده يسير حيث شاء في أقطار الأرض والملكوت فمبني على ما علمت حاله ولعل في هذين الخبرين ما يأباه كما لا يخفى على المتدبر وأشار بعض السادة الصوفية إلى أن الله تعالى قد اطلعه صلى الله تعالى عليه وسلم على أعمال العباد فنظر إليها ولذلك أطلق عليه عليه الصلاة و السلام شاهد قال مولانا جلال الدين الرومي قدس سره العزيز في مثنويه : در نظر بودش مقامات العباد زان سبب نامش خدا شاهد نهاد فتأمل ولا تغفل وقيل : المراد شاهدا على جميع الأمم يوم القيامة بأن أنبياءهم قد بلغوهم الرسالة ودعوهم إلى الله تعالى وشهادته بذلك لما علمه من كتابه المجيد وقيل : المراد شاهدا بأن لا إله إلا الله ومبشرا تبشر الطائعين بالجنة ونذيرا 54 تنذر الكافرين والعاصين بالنار ولعموم الإنذار وخصوص التبشير قيل : مبشرا ونذيرا على صيغة المبالغة دون ومنذرا مع أن ظاهر عطفه على مبشرا يقتضي ذلك وقدم التبشير لشرف المبشرين ولأنه المقصود الأصلي إذ هو صلى الله تعالى عليه وسلم رحمة للعالمين وكأنه لهذا جبر ما فاته من المبالغة بقوله تعالى : وبشر المؤمنين وداعيا إلى الله أي إلى الإقرار به سبحانه وبوحدانيته وبسائر ما يجب الإيمان به من صفاته وأفعاله عزوجل ولعل هذا هو مراد إبن عباس وقتادة من قولهما أي شهادة أن لا إله إلا الله بإذنه أي بتسيهله وتيسيره تعالى وأطلق الأذن على التسهيل مجازا لما أنه من أسبابه لا سيما الأذن من

(22/45)


الله عزوجل ولم يحمل على حقيقته وإن صح هنا أن يأذن الله تعالى شأنه له عليه الصلاة و السلام حقيقة في الدعوة لأنه قد فهم من قوله سبحانه : إنا أرسلناك داعيا أنه مأذون له في الدعوة ومما ذكر يعلم أن بإذنه من متعلقات داعيا وقيدت الدعوة بذلك إيذانا بأنها أمر صعب المنال وخطب في غاية الإعضال لا يتأتى إلا بإسداد من جناب قدسه كيف لا وهو صرف للوجوه عن القبل المعبودة وإدخال للأعناق في قلادة غير معهودة وجوز رجوع القيد للجميع والأول أظهر وسراجا منيرا 64 يستضيء به الضالون في ظلمات الجهل والغواية ويقتبس من نوره أنوار المهتدين إلى مناهج الرشد والهداية وهو تشبيه إما مركب عقلي أو تمثيبل منتزع من عدة أمور أو مفرق وبولغ في الوصف بالإنارة لآن من السرج ما لا يضيء إذا قل سليطه ودقت فتيلته
وقال الزجاج : هو معطوف على شاهدا بتقدير مضاف أي ذا سراج منير وقال الفراء : إن شئت كان نصبا على معنى وتاليا سراجا منيرا وعليهما السراج المنير القرآن وإذا فسر بذلك إحتمل على ما قيل أن يعطف على كاف أرسلناك على معنى أرسلناك والقرآن إما على سبيل التبعية وإما من باب متقلدا سيفا ورمحا وقيل : إنه على تقدير تاليا سراجا يجوز هذا العطف أي إنا أرسلناك وتاليا سراجا كقوله تعالى : يتلو صحفا مطهرة على أنه الجامع بين الآمرين على نحو ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضياء أي ارسلنا بإرسالك تاليا
وجوز أن يراد وجعلناك تاليا وقيل : يجوز أن يراد بذا سراج القرآن وحينئذ يكون التقدير إنا أسرلناك وأنزلنا عليك ذا سراج وتعقب بأن جعل القرآن ذا سراج تعسف والحق أن كل ما قيل كذلك
وبشر المؤمنين عطف على مقدر يقتضيه المقام ويستدعيه النظام كأنه قيل : فراقب أحوال الناس وبشر المؤمنين وجوز عطفه على الخبر السابق عطف القصة على القصة وقيل : هو معطوف عليه ويجعل في معنى الأمر لأنه في معنى أدعهم شاهدا ومبشرا ونذيرا إلخ وبشر المؤمنين منهم بأن لهم من الله فضلا كبيرا 74 أي عطاء جزيلا وهو كما روى عن الحسن وقتادة الجنة وما أوتوا فيها ويؤيده قوله تعالى : والذين آمنوا وعملوا الصالحات في روضات الجنات لهم ما يشاؤن عند ربهم ذلك هو الفضل الكبير وقيل : المعنى فضلا على سائر الأمم في الرتبة والشرف أو زيادة على أجور أعمالهم بطريق التفضل والإحسان
أخرج إبن جرير وإبن عكرمة عن الحسن قال : لما نزل ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر قالوا : يارسول الله قد علمنا ما يفعل بك فماذا يفعل بنا فأنزل الله تعالى وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا ولا تطع الكافرين والمنافقين نهى عن مداراتهم في أمر الدعوة ولين الجانب في التبليغ والمسامحة في الإنذار كنى عن ذلك بالنهي عن طاعتهم مبالغة في النهي والتنفير عن المنهي عنه بنظمها في سلكها وتصويره بصورتها وحمل غير واحد النهي على التهييج والإلهاب من حيث أنه صلى الله تعالى عليه وسلم لم يطعهم حتى ينهى وجعله بعضهم من باب إياك أعني وأسمعي ياجاره فلا تغفل
ودع أذاهم أي لا تبال بإيذائهم إياك بسبب إنذارك إياهم وأصبر على ما ينالك منهم قاله قتادة أذاهم مصدر مضاف للفاعل وقال أبو حيان : الظاهر أنه مصدر مضاف للمفعول لما نهى صلى الله تعالى عليه وسلم عن طاعتهم أمر تبرك إيذائهم وعقوبتهم ونسخ منه ما يخص الكافرين بآية السيف وروى نحوه عن مجاهد والكلبي والأول أولى وتوكل على الله في كل ما تأتي وتذر من الشئون التي من جملتها هذا الشأن فإنه

(22/46)


عزوجل يكفيهم وكفى بالله وكيلا 84 موكولا إليه الأمور في كل الأحوال وإظهار الأسم الجليل في موقع الإضمار لتعليل الحكم وتأكيد إستقلال الإعتراض التذييلي ولما وصف صلى الله تعالى عليه وسلم بنعوت خمسة قوبل كل واحد منها بخطاب بناسبه خلا أنه لم يذكر ما قابل الشاهد صريحا وهو الأمر بالمراقبة ثقة بظهور دلالة المبشر عليه وهو الأمر بالتبشير حسبما ذكر آنفا وقابل النذير بالنهي عن مداراة الكافرين والمنافقين والمسامحة في إنذارهم وقوبل الداعي بإذنه بالأمر بالتوكل عليه من حيث أنه عبارة عن الإستعداد منه تعالى والإستعانة به عزوجل وقوبل السراج المنير بالإكتفاء به تعالى فإن من أيده الله تعالى بالقوة القدسية ورشحه للنبوة وجعله برهانا نيرا يهدي الخلق من ظلمات الغي إلى نور الرشاد حقيق بأن يكتفي به تعالى عمن سواه وجعل الزمخشري مقابل الشاهد وبشر المؤمنين ومقابل الإعراض عن الكافرين والمنافقين المبشر أعني المؤمنين وتكلف في ذلك
وقال الطيبي طيب الله تعالى ثرا : نظير هذه الآية ما روى البخاري : والإمام أحمد عن عطاء بن يسار قال : لقيت عبدالله بن عمرو بن العاص فقلت : أخبرني عن صفة رسول الله في التوراة قال : والله إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن يأايها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وحرزا للمؤمنين أنت عبدي ورسولي سميتك المتوكل ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق ولا يدفع بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويصفح ولن يقبضه الله تعالى حتى يقيم به الملة العوجاء ويفتح به أعينا عميا وآذانا صما وقلوبا غلفا وروى الدارمي نحوه عن عبدالله بن سلام فقوله : حرزا للمؤمنين مقابل لقوله تعالى وداعيا إلى الله بإذنه فإن دعوته إنما حصلت فائدتها فيمن وفقه الله تعالى : بتيسيره وتسهيله فلذلك أمنوا من مكاره الدنيا وشدائد الآخرة فكان صلوات الله تعالى وسلامه عليه بهذا الإعتبار حرزا لهم وقوله سميتك المتوكل إلخ مقابل لقوله وسراجا منيرا فعلم أن قوله تعالى وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا مناسب لقوله تعالى وسراجا منيرا فإن السراج مضيء في نفسه ومنور لغيره فبكونه متوكلا على الله تعالى يكون كاملا في نفسه فهو مناسب لقوله : أنت عبدي ورسولي سميتك المتوكل إلى قوله : يعفو ويصفح وكونه منيرا يفيض الله تعالى عليه يكون مكملا لغيره وهو مناسب لقوله : حتى يقيم به الملة العوجاء إلخ ثم قال ويمكن أن ينزل المراتب على لسان أهل الفرقان فقوله تعالى إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا هو مقام الشريعة ودعوة الناس إلى الإيمان وترك الكفر ونتيجة الإعراض عما سوى الله تعالى والأخذ في السير والسلوك والإلتجاء إلى حريم لطفه تعالى والتوكل عليه عزوجل وقوله سبحانه : وسراجا منيرا هو مقام الحقيقة ونتيجته فناء السالك وقيامه بقيوميته تعالى ولا يخفى تكلف ما قرره في الحديث والله تعالى أعلم بمزاده
ياأيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فمالكم عليهن من عدة تعتدونها عود إلى ذكر النساء والنكاح هنا العقد بالإتفاق وأختلفوا في مفهومه لغة فقيل هو مشترك بين الوطء والعقد إشتراكا لفظيا وقيل : حقيقة في العقد مجاز في الوطء وقيل : بقلبه وقيل هو مشترك بينهما إشتراكا معنويا وهو من افراد المشكك وحقيقته الضم والجمع كما في قوله : ضممت إلى صدري معطر صدرها كما نكحت أم الغلام صبيها ونقل المبرد ذلك عن البصريين وغلام ثعلب الشيخ عمرو الزاهد عن الكوفيين ثم المتبادر من لفظ الضم

(22/47)


تعلقه بالأجسام لا الأقوال لأنها إعراض يتلاشى الأول منها قبل وجود الثاني فلا يصادف الثاني ما ينضم إليه وهذا يقتضي كونه مجازا في العقد وإن أعتبر الضم أعم من ضم الجسم إلى الجسم والقول إلى القول جاز أن يكون النكاح حقيقة في كل من الوطء والعقد وجاز أن يكون مجازا على التفصيل المعروف في إستعمال العام في كل فرد من أفراده وأختار الراغب القول الثاني من الأقوال السابقة وبالغ في عدم قبول الثالث : فقال هو حقيقة في العقد ثم أستعير للجماع ومحال أن يكون في الأصل للجماع ثم أستعير للعقد لأن أسماء الجماع كلها كنايات لإستقباحهم ذكره كإستقباح تعاطيه ومحال أن يستعير من لا يقصد فحشا أسم ما يستفظعونه لما يستحسنه
وأختار الزمخشري الثالث فقال : النكاح الوطء وتسمية العقد نكاحا لملابسته له من حيث أنه طريق له ونظيره تسمية الخمر إثما لأنها سبب في إقتراف الإثم ولم يرد لفظ النكاح في كتاب الله تعالى إلا في معنى العقد لأنه في حق الوطء من باب التصريح به ومن آداب القرآن الكناية عنه بلفظ الملامسة والمماسة والقربان والتغشي والإتيان وأراد على ما قيل إنه في العقد حقيقة شرعية منسي فيه المعنى اللغوي وبحث في قوله لم يرد لفظ النكاح في كتاب الله تعالى إلا في معنى العقد بأنه في قوله تعالى حتى تنكح زوجا غيره بمعنى الوطء وهذا ما عليه الجمهور وخالف في ذلك إبن المسيب وتمام الكلام في موضعه والمس في الأصل معروف وكنى به هنا عن الجماع والعدة هي الشيء المعدود وعدة المرأة المراد بها الأيام التي بإنقضائها يحل لها التزوج أي ياأيها الذين آمنوا إذا عقدتم على المؤمنات وتزوجتموهن ثم طلقتموهن من قبل أن تجامعوهن فما لكم عليهن من عدة بأيام يتربصن فيها بأنفسهن تستوفون عددها على أن تعتدون مطاوع عد يقال عد الدراهم فأعتدها أي أستوفى عددها نحو قولك كلته فأكتلته ووزنته فأتزنته أو تعدونها على أن أفتعل بمعنى فعل وإسناد الفعل إلى الرجال للدلالة على أن العدة حق الأزواج كما أشعر به قوله تعالى فما لكم وأعترض بأن المذكور في كتب الفروع كالهداية وغيرها أنها حق الشرع ولذا لا تسقط لو أسقطها الزوج ولا يحل لها الخروج ولو أذن لها وتتداخل العدتان ولا تداخل في حق العبد وحق الولد أيضا ولذا قال لا يحل لأمريء مؤمن بالله واليوم الآخر أن يسقى ماءه زرع غيره وفرعوا على ذلك أنهما لا يصدقان في إبطالها بإتفاقهما على عدم الوطء
وأجيب بأنه ليس المراد أنها صرف حقهم بل أن نفعها وفائدتها عائدة عليهم لأنها لصيانة مياههم والأنساب الراجعة إليهم فلا ينافي أن يكون للشرع والولد حق فيها يمنع إسقاطها ولو فرض أنها صرف حقهم يجوز أن يقال : إن عدم سقوطها بإسقاطهم لا ينافي ذلك إلا إذا ثبت أن كل حق للعبد إذا أسقطه العبد سقط وليس كذلك فإن بعض حقوق العبد لا تسقط بإسقاطه كالإرث وحق الرجوع الهبة وخيار الرؤية ثم أن في الإستدلال بالحديث على أنها حق الولد تأملا كما لا يخفى وتخصيص المؤمنات مع عموم الحكم للكتابيات للتنبيه على أن المؤمن شأنه أن يتخير لنطفته ولا ينكح إلا مؤمنة وحاصله أنه لبيان الأحرى والأليق بعد ما فصل في البقرة نكاح الكتابيات وفائدة المجيء بثم مع أن الحكم ثابت لمن تزوج أمرأة وطلقها على الفور كثبوته لمن تزوجها وطلقها بعد مدة مديدة إزاحة ما عسى يتوهم أن تراخى الطلاق له دخل في إيجاب العدة لإحتمال الملاقاة والجماع سرا كما أن له دخلا في النسب ويمكن أن تكون الإشارة إلى التراخي الرتبي فإن الطلاق وإن كان مباحا لا كراهة فيه على ما قيل لقوله تعالى لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن غير محبوب كالنكاح من حيث أنه يؤدي إلى قطع الوصلة وحل قيد العصمة المؤدي لقلة التناسل الذي به تكثر الأمة ولهذا ورد

(22/48)


كما أخرج أبو داؤد وإبن ماجه والحاكم والطبراني وإبن عدي عن إبن عمر رضي الله تعالى عنهما مرفوعا أبغض الحلال إلى الله الطلاق ورواه البيهقي مرسلا بدون إبن عمر بل قال العلامة إبن الهمام : ألاصح حظره وكراهته إلا لحاجة لما فيه من كفران نعمة النكاح وللأخبار الدالة على ذلك ويحمل لفظ المباح في الخبر المذكور على ما أبيح في بعض الأوقات أعني أوقات تحقق الحاجة المبيحة وهو ظاهر في رواية لأبي داؤد ما أحل الله شيئا أبغض إليه من الطلاق والفعل لا عموم له في الأزمان والحاجة المبيحة الكبر والريبة مثلا من المبيح عدم إشتهائها بحيث يعجز أو يتضرر بإكراهه نفسه على جماعها مع عدم رضاها بإقامتها في عصمته من غير وطء أو قسم
وأما ما روى عن الحسن السبط رضي الله تعالى عنه وكان قيل له في كثرة تزوجه وطلاقه فقال : أحب الغناء فقد قال تعالى وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته فهو رأي منه إن كان على ظاهره وكل ما نقل عن طلاق الصحابة رضي الله تعالى عنهم فمحمله وجود الحاجة وظاهر الآية يقتضي عدم وجوب العدة بمجرد الخلوة لأنه سبحانه نفى فيها وجوب العدة إذا طلقت قبل الجماع والخلوة ليست جماعا وهي عندنا إذا كانت صحيحة على الوجه المبين في كتب الفروع كالجماع في وجوب العدة فتجب فيه العدة إحتياطا لتوهم الشغل نظرا إلى التمكن الحقيقي بل قالوا هو مثله في جميع أحكامه سوى عشرة نظمها أفضل من عاصرناه من الفقهاء الشيخ محمد الأمين الشامي الشهير بإبن عابدين بقوله : وخلوته كالوطء في غير عشرة مطالبة بالوطء إحصان تحليل وفيء وارث رجعة فقد عنة وتحريم بنت عقد بكر وتغسيل وظاهر قولهم بوجوب العدة فيها أنها واجبة قضاء وديانة وفي الفتح قال العتابي : تكلم مشايخنا في العدة الواجبة بالخلوة الصحيحة أنها واجبة ظاهرا أو حقيقة فقيل : لو تزوجت وهي متيقنة بعدم الدخول حل لها ديانة لا قضاء ولم يتعقبه بشيء وذكره سعدي جلبي في حواشي البيضاوي وقال : ينبغي أن يكون التعويل على هذا القول وتعقب ذلك الشهاب الخفاجي بأنه وإن نقله فقهاؤنا فقد صرحوا بأنه لا يعول عليه ونحن لم نر هذا التصريح فليتبع ثم لا يخفى أن عدم وجوب العدة في الطلاق بعد الخلوة مما يعد منطوقا صريحا في الآية إذا فسر المس بالجماع وليس من باب المفهوم حتى يقال : إنا لا نقول به كما يتوهم فلابد لإثبات وجوب العدة في ذلك من دليل ومن الناس من حمل المس فيها على الخلوة إطلاقا لأسم المسبب إذا المس مسبب عن الخلوة عادة وأعترض بأنه لم يشتهر المس بمعنى الخلوة ولا قرينة في الكلام على إرادته منه وأيضا يلزم عليه أنه لو طلقها وقد وطئها بحضرة الناس عدم وجوب العدة لأنه قد طلقها قبل الخلوة وأجيب عن هذا بأن وجوب العدة في ذلك بالإجماع وبأن العدة إذا وجبت في الطلاق بمجرد الخلوة كانت واجبة فيه بالجماع من باب أولى وكيف لا تجب به ووجوبها بالخلوة لإحتمال وقوعه فيها لا لذاتها وقيل : إن المس لما لم يرد ظاهره وإلا لزمت العدة فيما لو طلقها بعد أن مسها بيده في غير خلوة مع أنها لا تلزم في ذلك بلا خلاف علم أنه كنى به عن معنى آخر من لوازم الإتصال فهو الجماع وما في معناه من الخلوة الصحيحة وفيه نظر لأن عدم صحة إرادة ظاهره لا يوجب إرادة ما يعم الجماع والخلوة لم لا يجوز إرادة الجماع ويرجحها شهرة الكناية

(22/49)


بذلك ونحوه عن الجماع وإطلاقه عليه إما من إطلاق أسم السبب على المسبب أو من إطلاق أسم المطلق على أخص بخصوصه وهو الأوجه على ماذكره العلامة إبن الهمام وبالجملة القول بأن ظاهر الآية يقتضي عدم وجوب العدة بمجرد الخلوة قول متين وحق مبين فتأمل
وفي البحر لأبي حيان الظاهر أن المطلقة إذا راجعها زوجها قبل أن تنقضي عدتها ثم فارقها قبل أن يمسها لا تتم عدتها من الطلقة الأولى لأنها مطلقة قبل الدخول بها وبه قال داؤد وقال عطاء وجماعة : تمضي في عدتها عن طلاقها الأول وهو أحد قولي الشافعي وقال مالك : لا تبنى على العدة من الطلاق الأول وتستأنف العدة من يوم طلقها الطلاق الثاني وهو قول جمهور فقهاء الأمصار والظاهر أيضا أنها لو كانت بائنا غير مبتونة فتزوجها في العدة ثم طلقها قبل الدخول فكالرجعية في قول داؤد ليس عليها عدة لا بقية عدة الطلاق الأول ولا إستئناف عدة للثاني ولها نصف المهر وقال الحسن : وعطاء وعكرمة وإبن شهاب ومالك والشافعي وعثمان البتي وزفر : لها نصف الصداق وتتم بقية العدة الأولى وقال الثوري والأوزاعي وأبو حنيفة وأبو يوسف : لها مهر كامل للنكاح الثاني وعدة مستقبلة جعلوها في حكم المدخول بها لإعتدادها من مائه وفيه أيضا الظاهر أن الطلاق لا يكون إلا بعد العقد فلا يصح طلاق من لم يعقد عليها وهو قول الجمهور من الصحابة والتابعين
وقالت طائفة كثيرة منهم مالك يصح ذلك وعني بطلاق من لم يعقد عليها قول الرجل كل أمرأة أتزوجها فهي طالق أو إن تزوجت فلانة فهي طالق
وقد أخرج جماعة عن إبن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه سئل عن ذلك فقال : هو ليس بشيء فقيل له : إن إبن مسعود كان يقول إن طلق ما لم ينكح فهو جائز فقال : أخطا في هذا وتلا الآية وفي بعض الروايات أنه قال : رحم الله تعالى أبا عبدالرحمن لو كان كما قال لقال الله تعالى : ياايها الذين آمنوا إذا طلقتم المؤمنات ثم نكحتموهن ولكن إنما قال إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن
وفي الدر المنثور عدة أحاديث مرفوعة ناطقة بأن لا طلاق قبل نكاح والمذكور في فروعنا أن ذلك من باب التعليق وشرطه الملك أو الإضافة إليه فإذا قال : إن نكحت أمرأة فهي طالق أو إن نكحتك فأنت طالق وكل أمرأة أنكحها فهي طالق يقع الطلاق إذا نكح لأن ذلك تعليق وفيه إضافة إلى الملك ويكفي معنى الشرط إلا في المعينة بأسم ونسب كما إذا قال : فلانة بنت فلان التي أتزوجها فهي طالق أو بإشارة في الحاضرة كما لو قال : هذه المرأة التي أتزوجها طالق فإنها لا تطلق في الصورتين لتعريفها فلغا الوصف بالتي أتزوجها فصار كأنه قال : فلانة بنت فلان أو هذه المرأة طالق وهي أجنبية ولم توجد الإضافة إلى الملك فلا يقع الطلاق إذا تزوجها فتدبر
وقريء تماسوهن بضم التاء وألف بعد الميم وعن إبن كثير وغيره من أهل مكة تعتدونها بتخفيف الدال ونقلها عن إبن كثير إبن خالويه وأبو الفضل الرازي في اللوامح عنه وعن أهل مكة وقال إبن عطية : روى إبن أبي بزة عن إبن كثير أنه قرأ بتخفيف الدال من العدوان كأنه قال : فمالكم عدة تلزمونها عدوانا وظلما لهن والقراءة الأولى أشهر عنه وتخفيف الدال وهم من إبن أبي بزة وليس بوهم إذ قد نقله عنه جماعة غيره وخرج ذلك على أن تعتدونها من الإعتداء بمعنى الظلم كما في قوله تعالى ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا والمراد تعتدون فيها كقوله : ويوما شهدناه سليما وعامرا قليل سوى طعن الدراك نوافله

(22/50)


أي شهدنا فيه فحذف حرف الجر ووصل الفعل بالضمير وقال أبو حيان : إن الإعتداء يتعدى بعلي فالمراد تعتدون عليهن فيها ونظيره في حذف على قوله : تحن فتبدي ما بها من صبابة وأخفى الذي لولا الأسى لقضائي فإنه أراد لقضي على وجوز أن يكون ذلك على إبدال بالتاء وقيل عليه : إنه تخريج غير صحيح لأن عد يعد من باب نصر كما في كتب اللغة فلا وجه لفتح التاء لو كانت مبدلة من الدال فالظاهر حمله على حذف إحدى الدالين تخفيفا وقرأ الحسن بإسكان العين كغيره وتشديد الدال جمعا بين الساكنين فمتعوهن أي فأعطوهن المتعة وهي في المشهور درع أي قميص وخمار وهو ما تغطى به المرأة رأسها وملحفة وهي ما تلتحف به من قرنها إلى قدمها ولعلها ما يقال له إزار اليوم وهذا على ما في البدائع أدنى ما تكسي به المرأة وتتستر عند الخروج
ويفهم من كلام فخر الإسلام والفاضل البر جندي أنه يعتبر عرف كل بلدة فيما تكسى به المرأة عند الخروج والمفتى به الأشبه بالفقه قول الخصاف إنها تعتبر بحالهما فإن كانا غنيين فلها الأعلى من الثياب أو فقيرين فالأدنى أو مختلفين فالوسط وتجب لمطلقة قبل الوطء والخلوة عند معتبرها لم يسم لها في النكاح تسمية صحيحة من كل وجه مهر ولا تزيد على نصف مهر المثل ولا تنقص عن خمسة دراهم فإن ساوت النصف فهي الواجبة وأن كان النصف أقل منها فالواجب الأقل إلا أن ينقص عن خمسة دراهم فيكمل لها الخمسة وفي البدائع لو دفع لها قيمة المتعة أجبرت على القبول فمعنى الآية على ما سمعت وكان الأمر للوجوب فمتعوهن إن لم يكن مفروضا لهن في النكاح وروى هذا عن إبن عباس وأما المفروض لها فيه إذا طلقت قبل المس فالواجب لها نصف المفروض لا غير
وأما المتعة فهي على ما في المبسوط والمحيط وغيرهما من المعتبرات مستحبة وعلى ما في بعض نسخ القدورىومشى عليه صاحب الدرر غير مستحبة أيضا والأرجح أنها مستحبة وفي قول الشافعي القديم أنها واجبة كما في صورة عدم الفرض وجوز أن تبقى الآية على ظاهرها ويكون المراد ذكر المطلقة قبل المس سواء فرض لها في النكاح أم لم يفرض ويراد بالمتعة العطاء مطلقا فيعم نصف المفروض والمتعة المعروفة في الفقه ويكون الأمر للوجوب أيضا أو يراد بالمتعة معناها المعروف ويحمل الأمر على ما يشمل الوجوب والندب
وأدعى سعيد بن المسيب كما أخرج عبد بن حميد أن الآية منسوخة بآية البقرة وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم قال : فصار لها نصف الصداق ولا متاع لها وأنكر الحسن وأبو العالية النسخ وقالا لها نصف الصداق ولها المتاع
وجاء في رواية أخرى أخرجها عبد بن حميد عن الحسن أيضا أن لكل مطلقة متاعا دخل بها أم لم يدخل بها فرض لها أو لم يفرض وظاهره دعوى الوجوب في الكل وهو خلاف ما عندنا وقد علمت الحكم في صورتين وهو في الصورتين الباقيتين الإستحباب وأما دعوى النسخ فلا يخفى ما فيها والظاهر أن الفاء لتفريع ما بعدها على ما قبلها وقيل : فصيحة أي إذا كان كما ذكر فمتعوهن وسرحوهن أي أخرجوهن من منازلكم إذ ليس لكم عليهن عدة وأصل التسريح أن ترعى الإبل السرح وهو شجر له ثمرة ثم جعل لكل إرسال في الرعى ثم لكل إرسال وإخراج سراحا جميلا 94 مشتملا على كلام طيب عاريا عن أذى ومنع واجب وقيل : السراح الجميل أن لا يطالبوهن بما آتوهن وقال الجبائي هو الطلاق السني وليس بشيء لأن ذاك لعطفه على

(22/51)


التمتيع الواقع بعد الفاء مرتب على الطلاق فيلزم ترتب الطلاق السني على الطلاق والضمير لغير المدخول بهن فلا يمكن أن يكون ذلك طلاقا مرتبا على الطلاق الأول لأن غير المدخول بهن لا يتصور فيها لحوق طلاق بعد طلاق آخر مع أنها إذا طلقت بانت ياأيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن أي مهورهن كما قال مجاهد وغيره وأطلق الأجر على المهر لأنه أجر على الإستمتاع بالبضع وغيره مما يجوز به الإستمتاع وتقييد الإحلال له بإعطائها معجلة كما يفهم من معنى آتيت ظاهرا ليس لتوقف الحل عليه بل لا يثار الأفضل له فإن في التعجيل براءة الذمة وطيب النفس ولذا كان سنة السلف لا يعرف منهم غيره وقال الإمام : من الناس من قال بأن النبي عليه الصلاة و السلام كان يجب عليه إعطاء المهر أولا وذلك لأن المرأة لها الإمتناع من تسليم نفسها إلى أن تأخذ المهر والنبي ما كان يستوفي ما لا يجب له والوطء قبل إيتاء الصداق غير مستحق وإن كان حلالا وكيف والنبي عليه الصلاة و السلام إذا طلب شيئا حرم الإمتناع فلو طلب التمكين قبل إيتاء المهر لزم أن يجب وأن لا يجب وهو محال ولا كذلك أحدنا وفيه بحث لا يخفى وحمل الإيتاء على الإعطاء وما في حكمه كالتسمية في العقد وجعل التقييد لا يثار الأفضل أيضا فإن التسمية أولى من تركها وإن جاز العقد بدونها ولزم مهر المثل خلاف الظاهر
وأستدل أبو الحسن الكرخي من أصحابنا بقوله تعالى إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن على أن النكاح ينعقد بلفظ الإجارة كما ينعقد بلفظ التزويج ويكون لفظ الإجارة مجازا عنه لأن الثابت بكل منهما ملك منفعة فوجد المشترك ورد بأنه لا يلزم من تسمية المهر أجرا صحة النكاح بلفظ الإجارة وما ذكر من التجوز ليس بشيء لأن الإجارة ليست سببا لملك المنفعة حتى يتجوز بها عنه قاله في الهداية وقال بعضهم : إن الإجارة لا تنعقد إلا مؤقتة والنكاح يشترط فيه نفيه فيتضادان فلا يستعار أحدهما للآخر وتعقب بأنه إن كان المتضادان هما العرضين اللذين لا يجتمعان في محل واحد لزمكم مثله في البيع من كونه لا يجامع النكاح مع جواز العقد به عند الأصحاب على أن التحقيق أن التوقيت ليس بمفهوم لفظ الإجارة ولا جزأ منه بل شرط لإعتباره فيكون خارجا عنه فهو مجرد تمليك المنافع بعوض غير أنه إذا وقع مجردا لا يعتبر شرعا على مثال الصلاة فإنها الأقوال والأفعال المعروفة ولو وجدت من غير طهارة لا تعتبر ولا يقال : إن الطهارة جزء مفهوم الصلاة هذا ومثل تقييد إحلال الأزواج بما ذكر على ما قيل تقييد إحلال المملوكة بكونها ممن باشر سباءها وشاهده في قوله تعالى وما ملكت يمينك مما أفاء الله عليك فإن المشتراة لا يتحقق بدء أمرها وما جرى عليها لجواز كون السبي ليس في محله ولذا نكح بعض المتور عين الجواري بعقد بعد الشراء مع القول بعدم صحة العقد على الإماء وأستشكل ذلك بمارية بنت شمعون القبطية رضي الله تعالى عنها فإنها لم تكن مسببة بل أهداها له صلى الله تعالى عليه وسلم أمير القبط جريج بن مينا صاحب الأسكندرية ومصر وأجيب بأن هذا غير وارد لأن هدايا أهل الحرب للإمام لها حكم الفيء وقد يقال : إنه يستشكل بسرية له صلى الله تعالى عليه وسلم أخرى وهي جارية وهبتها له عليه الصلاة و السلام زينب بنت جحش رضي الله تعالى عنها وكان هجرها عليه الصلاة و السلام في شأن صفية بنت حيي ذا الحجة والمحرم وصفر فلما كان شهر ربيع الأول الذي قبض فيه رضي عنها الله عنها ودخل عليها فقالت ما أدري ما أجزيك فوهبتها له وقد عدوها من سراريه صلى الله تعالى عليه

(22/52)


وسلم والجواب المذكور لا يتسنى فيها ولعل الجواب عن ذلك أنه عليه الصلاة و السلام تسراها بيانا للجواز ولا يبعد أنه كان متحققا بدء أمرها وما جرى عليها بحيث كأنه باشر سبيها وشاهده ويحتمل أنها كانت مما أفاء الله تعالى عليه عليه الصلاة و السلام فملكتها زينب ببعض أسباب الملك ثم وهبتها له صلى الله تعالى عليه وسلم
ومع ذلك قد اطلق له عليه الصلاة و السلام حل المملوكة بعد ولم يقيد بحسب الظاهر بكونها مما أفاء الله عليه في قوله تعالى لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج ولو أعجبك حسنهن إلا ما ملكت يمينك
ثم إن هبة هذه الجارية كانت شهرة وفاته صلى الله تعالى عليه وسلم والآية نزلت قبل لأنها نزلت إما سنة الأحزاب وهي السنة الخامسة من الهجرة وإما بعيد الفتح وهو السنة الثامنة منها وعلى هذا يكون ما وقع من أمر مارية متقدما على نزول الآية لأنها أهديت له صلى الله تعالى عليه وسلم السنة السابعة من الهجرة فإنه عليه الصلاة و السلام فيها أرسل رسله إلى الملوك ومنهم حاطب بن أبي بلتعة اللخمي أرسله إلى المقوقس أمير القبط المتقدم ذكره فقدم منه بمارية وبأختها شيرين وبأخ أو بإبن عم لها خصى يقال له مابور وببغلة تسمى دلدلا وبحمار يسمى يعفورا أو عفيرا وبألف مثقال ذهبا وبغير ذلك فتدبر ومثل ما ذكر على ما قيل تقييد القرائب بكونها مهاجرات معه صلى الله تعالى عليه وسلم في قوله سبحانه : وبنات عمك وبنات عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك اللاتي هاجرن معك فهن أفضل من غيرهن والمعية للتشريك في الهجرة لا للمقارنة في الزمان كأسلمت مع سليمان قال أبو حيان : يقال دخل فلان معي وخرج معي أي كان عمله كعملي وإن لم يقترنا في الزمان ولو قلت : خرجنا معا أقتضى المعنيين الإشتراك في الفعل والإقتران في الزمان وهو كلام حسن وحكى الماوردي قولا بأن الهجرة شرط في إحلال الأزواج على الإطلاق وهو ضعيف جدا وقولا آخر بأنها شرط في إحلال قراباته عليه الصلاة و السلام المذكورات وأستدل له بما أخرجه بن سعد وعبد بن حميد والترمذي وحسنه وإبن جرير وإبن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه وإبن مردويه والبيهقي عن أم هانيء فاختة بنت أبي طالب قالت خطبني رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فأعتذرت إليه فعذرني فأنزل الله تعالى ياأيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك إلى قوله سبحانه هاجرن معك قالت فلم أكن أخحل له لأني لم أهاجر معه كنت من الطلقاء وأجيب بأن عدم الحل لفقد الهجرة إنما فهم من قول أم هانيء فلعلها إنما قالت ذلك حسب فهمها إياه من الآية وهو لا ينتهض حجة علينا إلا إذا جاءت به رواية عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لا يقال : إنه أخرج إبن سعد عن أبي صالح مولى أم هانيء قال : خطب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أم هانيء بنت أبي طالب فقالت : يارسول الله إني مؤتمة وبني صغار فلما أدرك بنوها عرضت نفسها عليه عليه الصلاة و السلام فقال : أما الآن فلا إن الله تعالى أنزل على ياأيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك إلىاللاتي هاجرن معك ولم تكن من المهاجرات وهو يدل على أنه نفسه صلى الله تعالى عليه وسلم فهم الحرمة وإلا لتزوجها لأنا نقول بعد تسليم صحة الخبر : لا نسلم أنه صلى الله تعالى عليه وسلم فهم الحرمة وعدم التزوج يجوز أن يكون لكونه خلاف الأفضل ويدل خبر أم هانيء على أن هذه الآية نزلت بعد الفتح فلا تغفل وأدعى بعضهم أن تحريم نكاح غير المهاجرة عليه صلى الله تعالى عليه وسلم كان أولا ثم نسخ وعن قتادة أن معنى هاجرن معك أسلمن معك قيل : وعلى هذا لا يحرم عليه عليه الصلاة و السلام إلا الكافرات وهو في غاية البعد كما لا يخفى والظاهر أن المراد بأزواجك اللاتي أتيت مهورهن

(22/53)


نساؤه صلى الله تعالى عليه وسلم اللاتي كن في عصمته وقد آتاهن مهورهن كعائشة وحفصة وسودة وبما ملكت يمينك مما أفاء الله عليك نحو ريحانة بناء على ما قاله محمد إبن إسحاق أنه صلى الله تعالى عليه وسلم لما فتح قريظة أصطفاها لنفسه فكانت عنده حتى توفيت عنده وهي في ملكه ووافقه في ذلك غيره أخرج الواقدي بسنده إلى أيوب بن بشير قال إنه عليه الصلاة و السلام أرسل بها إلى بيت سلمى بنت قيس أم المنذر فكانت عندها حتى حاضت حيضة ثم طهرت من حيضها فجاءت أم المنذر فأخبرته صلى الله تعالى عليه وسلم فجاءها في منزل أم المنذر فقال لها : إن أحببت أن أعتقك وأتزوجك فعلت وإن أحببت أن تكوني في ملكي أطأك بالملك فعلت فقالت : يارسول الله أحب أن أخف عليك وأن أكون في ملكك فكانت في ملك رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يطؤها حتى ماتت وذهب بعضهم إلى أنه عليه الصلاة و السلام أعتقها وتزوجها وأخرج ذلك الواقدي أيضا عن إبن أبي ذئب عن الزهري ثم قال : وهذا الحديث أثبت عندنا : وروى عنها أنها قالت : لما سبيت بنو قريظة عرض السبي على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فكنت فيمن عرض عليه فأمر بي فعزلت وكان له صفي كل غنيمة فلما عزلت خار الله تعالى لي فأرسل بي إلى منزل أم المنذر بنت قيس أياما حتى قتل الأسرى وفرق السبي فدخل علي صلى الله تعالى عليه وسلم فتجنبت منه حياء فدعاني فأجلسني بين يده فقال : إن أخترت الله ورسوله أختارك رسول الله لنفسه فقلت : إني أختار الله تعالى ورسوله فلما أسلمت أعتقني رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وتزوجني وأصدقني إثنتي عشرة أوقية ذهبا كما كان يصدق نساءه وأعرس بي في بيت أم النذز وكان يقسم لي كما يقسم لنسائه وضرب على الحجاب ولم يذكر إبن الأثير غير القول بإعتاقها وتزوجها ومنهم من ذهب إلى أنها أسلمت فأعتقها عليه الصلاة و السلام فلحقت بأهلها وكانت تحتجب عندهم وتقول : لا يراني أحد بعد رسول الله وحكى لحوقها بأهلها عن الزهري وأدعى بعضهم بقاءها حية بعده عليه الصلاة و السلام وأنها توفيت سنة ست عشرة أيام خلافة عمر رضي الله تعالى عنه وذكر إبن كمال في تفسيره لبيان الموصول صفية وجويرية والمذكور في أكثر المعتبرات في أمرهما أن صفية لما جمع سبي خيبر أخذها دحية وقد قال له : أذهب فخذ جارية ثم أخبر عليه الصلاة و السلام أنها لا تصلح إلا له لكونها بنت سيد قومه فقال لدحية : خذ غيرها وأخذها رسول الله وأعتقها وتزوجها وكان صداقها نفسها وأن جويرية في غزوة بني المصطلق وقعت في سهم ثابت بن قيس بن شماس الأنصاري فكاتبته على نفسها ثم جاءت إلى رسول الله فقالت : يارسول الله أنا جويرية بنت الحرث وكان من أمري مالا يخفى عليك ووقعت في سهم ثابت إبن قيس وإني كاتبت نفسي فجئت أسألك في كتابتي فقال عليه الصلاة و السلام فهل لك إلى ما هو خير : قالت وما هو يارسول الله قال : أؤدي عنك كتابتك وأتزوجك قالت : قد فعلت وقال إبن هشام ويقال إشتراها من ثابت وأعتقها وتزوجها وأصدقها أربعمائة درهم ولا يخفى عليك أنه إذا كان المراد إحلال ما ملكت يمينه حين الملك من حيث أنه ملك له وإن لم يحصل وطء بالفعل يدخل جميع ما ملكه عليه الصلاة و السلام من الجواري حين الملك ولا يضر الإعتاق والتزوج بعد ذلك وحل الوطء بسبب النكاح لا الملك وإن كان المراد إحلال ذلك مع وقوع الوطء لالفعل ووصف الملك قائم لا يصح بيان الموصول إلا بمملوكة وطئها عليه الصلاة و السلام وهي ملكه كريحانة في قول وجارية أصابها في بعض السبي وعدوها من سراريه ولم يذكر المعظم أسمها وعد الجلبي من سراريه عليه الصلاة و السلام جارية سماها زليخة القرظية فلعلها هي

(22/54)


التي لم تسم وكمارية القبطية والجارية التي وهبتها له عليه الصلاة و السلام زينب وقد سمعت الكلام فيهما آنفا والمراد ببنات عمه وبنات عماته بنات القرشيين وبنات القرشيات فإنه يقال للقرشيين قربوا أو بعدوا أعمامه وللقرشيات قربن أو بعدن عماته عليه الصلاة و السلام والمراد ببنات خاله وبنات خالاته بنات بني زهرة ذكورهم وإناثهم وإلى هذا ذهب الطبرسي في مجمع البيان ولم يذكر غيره وإطلاق الأعمام والعمات على أقارب الشخص من جهة أبيه ذكورا وإناثا قربوا أو بعدوا والأخوال والخالات على أقاربه من جهة أمه كذلك شائع في العرف كثير في الإستعمال
واللاتي نكحهن ودخل بهن صلى الله تعالى عليه وسلم من القرشيات ست وكان نكاحه بعضهن قبل نزول الآية بيقين ونكاحه بعضهن الآخر محتمل للقبلية والبعدية كما لا يخفى على من راجع كتب السير وسمع ما قيل في وقت نزول الآية ولم نقف على أنه عليه الصلاة و السلام نكح أحدا من الزهريات أصلا فالمراد بإحلال نكاح أولئك مجرد جوازه وهو لا يستدعي الوقوع وإذا حمل العم على أخي الأب والعمة على أخته والخال على أخي الأم والخالة على أختها أقتضى ظاهر الآية أن يكون له عم وعمة وخال وخالة كذلك وأن يكون لهم بنات وذلك مشهور في شأن العم والعمة وبناتهما فقد ذكر معظم أهل السير عدة أعمام له وعدة بنات لهم كالعباس ومن بناته أم حبيبة تزوجها أسود المخزومي وكان قد خطبها رسول الله على ما قيل فوجد أباها أخاه من الرضاعة كان قد أرضعتهما ثويبة مولاة أبي لهب وكأبي طالب ومن بناته أم هانيء وقد سمعت ما قيل في شأنها وجمانة كانت إحدى المبايعات له صلى الله تعالى عليه وسلم وكانت تحت أبي سفيان بن الحرث عمها وكأبي لهب ومن بناته خالدة تزوجها عثمان بن أبي العاصي الثقفي وولدت له ودرة أسلمت وهاجرت وكانت تحت الحرث إبن نوفل ثم تحت دحية الكلبي وعزة تزوجها أو في بن أمية وكالزبير ومن بناته ضباعة زوجة المقداد بن الأسود وأم الحكم ويقال أنها أخته عليه الصلاة و السلام من الرضاعة وكان يزورها بالمدينة وكحمزة ومن بناته أمامة لما قدم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم من عمرة القضاء أتى بها من مكة وزوجها سلمة بن أم سلمة ومقتضى قول القسطلاني أن حمزة أخوه صلى الله تعالى عليه وسلم من الرضاعة أرضعتهما ثويبة بلبن إبنها مسروح أنها لا تحل له عليه الصلاة و السلام بل ذكر هو أيضا أنها عرضت عليه فقال هي إبنة أخي من الرضاعة وكالحرث ومن بناته أروى زوجة أبي وداعة وكالمقوم ومن بناته من أسمها أروى أيضا زوجة إبن عمها أبي سفيان بن الحرث وذكروا أيضا له صلى الله تعالى عليه وسلم عدة عمات وعدة بنات لهن منهن أميمة ومن بناتها زينب أم المؤمنين وهي التي نزل فيها قوله تعالى : فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها وأم حبيبة وكانت زوجة عبدالرحمن إبن عوف وحمنة وكانت عند مصعب بن عمير ثم عند طلحة أحد الشعرة ومنهن البيضاء ومن بناتها أروى أم عثمان رضي الله تعالى عنه وأم طلحة بنتا كريز بن ربيعة ومنهن عاتكة ومن بناتها قريبة بنت زاد الراكب أبي أمية إبن المغيرة ومنهن صفية ومن بناتها صفية بنت الحرث بن حارثة وأم حبيبة بنت العوام بن خويلد وأما الخال والخالة فلم يشتهر ذكرهما نعم ذكر في الإصابة فريعة بنت وهب الزهرية رفعها النبي وقال : من أراد أن ينظر إلى خالة رسول الله فلينظر إلى هذه وفيها أيضا فاختة بنت عمرو الزهرية خالة النبي
أخرج الطبراني من طريق عبدالرحمن بن عثمان الوقاصي عن إبن المنكدر عن جابر سمعت رسول الله

(22/55)


يقول : وهبت خالتي فاختة بنت عمرو غلاما وأمرتها أن لا تجعله جازرا ولا صائغا ولا حجاما والوقاصي ضعيف
وقال : في صفية بنت عبدالمطلب هي شقيقة حمزة أمهما هالة خالة رسول الله أي هالة بنت وهب كما في المواهب ولم نقف لهذه الخالة على بنت غير صفية عمته عليه الصلاة و السلام وكذا لم نقف على بنات لمن ذكرنا قبلها ووقفنا على خال واحد له عليه الصلاة و السلام وهو عبد يغوث بن وهب ولم نقف على بنت له وإنما وقفنا على إبنين أحدهما الأرقم وله إبن يسمى عبالله وهو صحابي كتب لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ولصاحبيه وكان على بيت المال في خلافة عمر رضي الله تعالى عنه وكان أثيرا عنده حتى أن حفصة روت عنه أنه قال لها : لولا أن ينكر على قومك لأستخلفت عبدالله بن الأرقم وقيل : هو إبن عبد يغوث والأرقم هو عبد يغوث والبخاري على ما قلنا وقد أسلم يوم الفتح وقال بعضهم فيه : خال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ومن الناس من ذكر لعبدالله هذا أخا سماه عبدالرحمن بن الأرقم وأثبت له الصحبة وفي ذلك مقال وثانيهما الأسود وأطلق عليه النبي عليه الصلاة و السلام أسم الخال فقد روى أنه كان أحد المستهزئين به صلى الله تعالى عليه وسلم فقصد جبريل عليه السلام إهلاكه فقال صلى الله تعالى عليه وسلم : ياجبريل خالي فقال : دعه عنك وله إبن هو عبدالرحمن وبنت هي خالدة وكانت من المهاجرات الصالحات وقد أطلق عليها أيضا أسم الخالة
أخرج المستغفري من طريق أبي عمير الجرمي عن معمر عن الزهري عن عبيدالله مرسلا قال : دخل النبي صلى الله تعالى عليه وسلم منزله فرأى عند عائشة أمرأة فقال : من هذه ياعائشة قالت : هذه إحدى خالاتك فقال : أن خالاتي بهذه البلدة لغرائب فقالت : هذه خالدة بنت الأسود بن عبد يغوث فقال : سبحان الذي يخرج الحي من الميت قرأها مثقلة
وأخرج موسى بن إبراهيم عن أبيه عن أبي سلمة عن عائشة موصولا نحوه وفي هذا الخبر وما قبله إطلاق الخال والخالة على قرابة الأم وإن لم يكن الخال أخاها والخالة أختها وبذلك يتأيد ما ذكرناه سابقا فأحفظ ذاك والله تعالى يتولى هداك وإياك أن تظن الأمر فرضيا أو أن الخطاب وإن كان خاصا في الظاهر عام في الحقيقة فيكفي وجود بنات خال وبنات خالات لغيره عليه الصلاة و السلام كما يظن ذلك من يشهد العم بجهله ويصدق الخال عقله هذا وقد كثر السؤال عن حكمة أفراد العم والخال وجمع العمة والخالة حتى أن السبكي على ما قيل صنف جزأ فيه سماه الهمة في أفراد العم وجمع العمة
قال الخفاجي : وقد رأيت لهم فيه كلمات ضعيفة كقول الرازي إن العم والخال على زنة المصدر ولذا لم يجمعا بخلاف العمة والخالة وقيل لم يجمعا ليعما إذا أضيفا والعمة والخالة لا يعمان لتاء الوحدة وهي إن لم تمنع العموم حقيقة تأباه ظاهرا ولا يأبى ذلك قوله تعالى : في سورة النور بيوت أعمامكم وبيوت عماتكم لأنه على الأصل ثم قال : وأحسن منه ما قيل إن أعمامه صلى الله تعالى عليه وسلم العباس وحمزة رضي الله تعالى عنهما أخواه من الرضاع لا تحل له بناتهما وأبو طالب إبنته أم هانيء لم تكن مهاجرة وما أدعى ضعفه فهو كما قال وما زعم أنه أحسن منه إن كان كما نقلناه بهذا المقدار خاليا عن إسقاط شيء حسبما وجدناه في نسختنا فهو مما لا حسن فيه فضلا عن كونه أحسن وإن كان له تتمة فالنظر فيه بعد الإطلاع عليها إليك وأظنه على العلات ليس بشيء

(22/56)


وقال بعض الأجلة المعاصرين من العلماء المحققين لازال سعيد زمانه سابقا بالفضل على أقرانه : يحتمل أن يكون إفراد العم لأنه بمنزلة الأب بل قد يطلق عليه الأب ومنه في قول : وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر والأب لا يكون إلا واحدا فكان الأفراد أنسب بمن ينزل منزلته ويكون جمع العمة على الأصل وإفراد الخال ليكون على وفق العم وجمع الخالة وإن كانت بمنزلة الأم لتكون على وفق العمات ويحتمل أن يكون إفراد المدكر وجمع المؤنث لقلة الذكور وكثرة الإناث وقد ورد في الآثار ما يدل على أن النساء أكثر من الرجال
وقال آخر من أؤلئك الأجلة لا زالت مدارس العلم تزهو به وتشكر فضله : إن ذلك لما فيه من الحسن اللفظي فإن بين العم والعمات والخال والخالات نوعا من الجناس ولأن أعمامه عليه الصلاة و السلام كانوا على ماذكره صاحب ذخائر العقبى إثني عشر عما وعماته كن ستا فلو قيل أعمامك لتوهم أنهم أقل من إثني عشر لأنه جمع قلة وغاية ما يصدق هو عليه تسعة أو عشرة على قول ولو قيل : عمتك لم تتحقق الإشارة إلى قلتهن فلذا أفرد العم وجمعت العمة وقيل : خالك وخالاتك ليوافق ما قبل وأنا أقول : الذي يغلب على ظني في ذلك ما حكاه أبو حيان عن القاضي أبي بكر بن العربي من أن ما ذكر عرف لغوي على معنى أنه جرى عرف اللغويين في مثل ذلك على إفراد العم والخال وجمع العمة والخالة ونحن قد تتبعنا كثيرا من أشعار العرب فلم نر العم مضافا إليه إبن أو بنت بالأفراد أو الجمع إلا مفردا نحو قوله : جاء شقيق عارضا رمحه
إن بنى عمك فيهم رماح وقوله : فتى ليس لإبن العم كالذئب إن رأى
بصاحبه يوما دما فهو آكله وقوله : قالت بنات العم ياسلمي وإن
كان فقيرا معدما قالت وإن وقوله : يابنت عما لا تلومي وأهجعي
فليس يخلو عنك يوما مضجعي إلى ما لا يحصى كثرة وأما أطراد إفراد الخال وجمع العمة والخالة إذا أضيف إليها ما ذكر فلست على ثقة من أمره فإذا كان الأمر في المذكورات كالأمر في العم فليس فوق هذا الجواب جواب والظن بالقاضي أنه لم يحكم بما حكم إلا عن بينة مع أني لا أطلق القول بعدم قبول حكم القاضي بعلمه ولا أفتي به نعم لهذا القاضي حكم مشهور في أمر الحسين رضي الله تعالى عنه ولعن من رضى بقتله لا يرتضيه إلا يزيد زاد الله عزوجل عليه عذابه الشديد وعلى تقدير كون الأمر في العم ومن معه كما قال يحتمل أن يكون الداعي لإفراد العم والخال الرجوع إلى اصل واحد مع ما بين الذكور من جهة العمومة والخؤلة في حق الشخص المدلي بهما من التناصر والتساعد فلذلك ترى الشخص يهرع لدفع بليته إلى ذكور عمومته وخؤلته وذلك التعاضد يجعل المتعدد في حكم الواحد ويقوي هذا الإعتبار هنالك إضافة الفرع كالبنين والبنات إلى ذلك ولعل في الإفراد مع جمع المضاف المذكور إشارة إلى أن البنين والبنات وإن كانوا بنين وبنات لمتعددين في نفس الأمر إلا أنهم في حكم البنين والبنات لواحد وأن كل واحد من الأعمام والأخوال لمزيد شفقته على أبناء وبنات كل كأنه أب لأبناء وبنات كل وهذا الذي ذكرناه لا يوجد في العمات والخالات ولا يرد عليه جمع العم والخال في آية النور كما لا يخفى على من له أدنى نور يهتدي به إذا أشكلت الأمور ويمكن أن يقال في الحكمة ههنا خاصة : أنه لما كان المفرد

(22/57)


أصلا والمجموع فرعه والمذكر أصلا والمؤنث فرعه أتى بالعم والخال المذكرين مفردين وبالعمة والخالة المؤنثين مجموعين فأجتمع في الأولين أصلان وفي الأخيرين فرعان بحكم شبيه الشيء منجذب إليه وإن الطيور على أشباهها تقع وما ألطف هذا الإجتماع في منصة مقام النكاح لما فيه من الإشارة إلى الكفاءة وأن المناسب ضم الجنس إلى جنسه كما يقتضيه بعض الآيات وهو لعمري ألطف من جمع المذكر وإفراد المؤنث ليجتمع في كل أصل وفرع فيوافق ما في النكاح من إجتماع ذكر هو أصل وأنثى هي فرع لخلوه عن الإشارة إلى ذلك الضم المناسب المستحسن عند كل ذي رأي صائب على أن في جمع أصلين في العم موافقة لما في النكاح من جمع الزوجين الذين هما أصلان لما يتولد منهما وإذا أعتبر جمعهما في الخال الذي قرابته من جهة الأم التي لا تعتبر في النسب وافق الجملة ما في النكاح من إجتماع أصل وفرع فلا يفوت ذلك بالكلية على ما في النظم الجليل
وأيضا في الإنتقال من الأفراد إلى الجمع في جانبي العمومة والخؤلة إشارة إلى ما في النكاح من إنتقال كل من الزوج والزوجة من حال الإنفراد إلى حال الإجتماع فلله تعالى در التنزيل هذا ما عندي وهو زهرة ربيع لا تتحمل الفرك ومع هذا قسه إلى ما سمعت عن ساداتنا المعاصرين وأختر لنفسك ما يحلو والله تعالى أعلم بأسرار كتابه
وأمرأة مؤمنة بالنصب عطفا على مفعول أحللنا عند جمع وليس معنى أحللنا إنشاء لا حلال الناجز ولا الأخبار عن إحلال ماض بل إعلام بمطلق الإحلال المنتظم لما سبق ولحق فلا يعكر على ذلك الشرط وهذا كما تقول أبحت لك أن تكلم فلانا إن سلم عليك ولما فيه من البحث قال بعضهم : إنه نصب بفعل يفسره ما قبل أي ويحل لك أمرأة أو وأحللنا لك أمرأة وهو مستقبل لمكان الشرط وقرأ أبو حيوة بالرفع على أنه مبتدأ والخبر محذوف أي وأمرأة مؤمنة أحللناها لك أيضا إن وهبت نفسها للنبي أي ملكته المتعة بها بأي عبارة كانت بلا مهر
وقرأ أبي والحسن والشعبي وعيسى وسلام أن وهبت بفتح الهمزة أي لأن وهبت وقيل : أي وقت أن وهبت أو مدة أن وهبت فتكون أن وما بعدها في تأويل مصدر منصوب على الظرفية وأكثر النحاة لا يجيزونه في غير المصدر الصريح كآتيك خفوق النجم وغير ما المصدرية وجوز أن يكون المصدر بدلا من أمرأة وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما إذ وهبت وإذ ظرف لما مضى وقيل : هي مثلها في قوله تعالى : ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون إن أراد النبي أن يستنكحها أي يتملك المتعة بها بأي عبارة كانت بلا مهر وهذا شرط للشرط الأول في إستيجاب الحل فهبتها نفسها منه لا يوجب له حلها إلا بإرادته نكاحها وهذه الإرادة جارية مجرى قبول الهبة وقال إبن كمال : الإرادة المذكورة عبارة عن القبول ولا وجه لحملها على الحقيقة لأن قوله تعالى : يستنكحها يغني عن الإرادة بمعناه الوضعي وهو يشير إلى أن السين للطلب وكلام بعض الأجلة على هذا حيث قال : إرادة طلب النكاح كناية عن القبول
وقيل : أستفعل هنا بمعنى فعل فالإستنكاح بمعنى النكاح لئلا يتوهم التكرار وفيه نظر وأستظهر صاحب هذا القيل حمل الإرادة على الإرادة المتقدمة على الهبة بناء على أن التركيب يقتضي تقدم هذا الشرط فقد قالوا : إذا أجتمع شرطان فالثاني شرط في الأول متأخر في اللفظ متقدم في الوقوع وهو بمنزلة الحال ومن هنا قال :

(22/58)


الفقهاء : لو قال : إن ركبت إن أكلت فأنت طالق لا تطلق ما لم يتقدم الآكل على الركوب ليتحقق تقييد الحالية
وأستشكل السمين هذه القاعدة بما هنا بناء على أنهم جعلوا ذلك الشرط بمنزلة القبول لإقتضاء الواقع ذلك ثم ذكر أنه عرضه على علماء عصره فلم يجدوا مخلصا منه إلا بأن هذه القاعدة ليست بكلية بل مخصوصة بما لم تقم قرينة على تأخر الثاني كما في نحو إن تزوجتك إن طلقتك فعبدي حرفان الطلاق لا يتقدم التزوج وما نحن فيه من هذا القبيل ثم قال : فمن جعل الشرط الثاني هنا مقدما لم يصب ورأيت في الفن السابع من الأشباه والنظائر النحوية للجلال السيوطي عليه الرحمة كلاما لإبن هشام ذكر فيه أن جعل الآية كالمثال ونظمهما في سلك مسئلة إعتراض الشرط على الشرط هو ما ذهب إليه جماعة منهم إبن مالك وذهب هو إلى أن المثال من مسئلة الإعتراض المذكور دون الآية وأحتج عليه بما أحتج ثم ذكر الخلاف في صحة تركيب ما وقع فيه الإعتراض كالمثال وأن الجمهور على جوازه وهو الصحيح وأن المجيزين أختلفوا في تحقيق ما يقع به مضمون الجواب الواقع بعد الشرطين على ثلاثة مذاهب أحدهما أنه إنما يقع بمجموع أمرين أحدهما حصول كل من الشرطين والآخر كون الشرط الثاني واقعا قبل وقوع الأول ففي المثال لا يقع الطلاق إلا بوقوع الركوب والأكل من تقدم وقوع الأكل على الركوب وذكر أن هذا مذهب الجمهور وثانيهما أنه يقع بحصول الشرطين مطلقا وذكر أنه حكاه له بعض العلماء عن إمام الحرمين وأنه رآه محكيا عن غيره بعد وثالثهما أنه يقع بوقوع الشرطين على الترتيب فإنما تطلق في المثال إذا ركبت أولا ثم أكلت وأبطل كلا من المذهبين الأخيرين وذكر في توجيه التركيب على المذهب الأول مذهبين الأول مذهب الجمهور أن الجواب المذكور للشرط الأول وجواب الثاني محذوف لدلالة الأول وجوابه عليه ولإغناء ذلك عنه وقيامه مقامه لزم في وقوع المعلق على ذلك أن يكون الثاني واقعا قبل الأول ضرورة أن الجواب لا بد من تأخره عن الشرط فكذا الأمر في القائم مقام الشرط والثاني مذهب إبن مالك أن الجواب المذكور للأول والثاني لا جواب له مذكور ولا مقدر لأنه مقيد للأول تقييده بحال واقعة موقعه فالمعنى في المثال إن ركبت آكلة فأنت طالق وفيه أنه خارج عن القياس وأنه لا يطرد في إن قمت إن قعدت فأنت طالق وأن الشرط بعيد عن مذهب الحال لمكان الإستقبال
وبالجملة قد أطال الكلام في هذه المسألة وهي مسئلة شهيرة ذكرها الأصوليون وغيرهم وفيما ذكرنا فيها إكتفاء بأقل اللازم ههنا فتأمل
وأكثر العلماء على وقوع الهبة وأختلفوا في تعيين الواهبة فعن إبن عباس وقتادة وعكرمة هي ميمونة بنت الحرث الهلالية وفي المواهب يقال : إن ميمونة وهبت نفسها للنبي وذلك أن خطبته عليه الصلاة و السلام إنتهت إليها وهي على بعيرها فقالت : البعير وما عليه لله ولرسوله وكان ذلك سنة سبع بعد غزوة خيبر وبنى عليها عليه الصلاة و السلام بسرف على عشرة أميال من مكة وعليه تكون إرادة النكاح سابقة على الهبة فيضعف به قول السمين : وعن علي بن الحسين رضي الله تعالى عنهما والضحاك ومقاتل هي أم شريك غزية بنت جابر بن حكيم الدوسية قال في الصفوة : والأكثرون على أنها هي التي وهبت نفسها للنبي فلم يقبلها فلم تتزوج حتى ماتت وفي الدر المنثور عن منير بن عبدالله الدوسي أنه عليه الصلاة و السلام قبلها وعن عروة والشعبي هي زينب بنت خزيمة من الأنصار كانت تدعى في الجاهلية أم المساكين لإطعامها إياهم وكان ذلك في سنة ثلاث ولم

(22/59)


تلبث عنده إلا قليلا حتى توفيت رضي الله تعالى عنها
وأخرج إبن أبي حاتم وإبن مردويه والبيهقي في السنن عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت : التي وهبت نفسها للنبي خولة بنت حكيم وقد أرجأها عليه الصلاة و السلام فتزوجها عثمان بن مظعون بإذنه وقال بعضهم : يجوز تعدد الواهبات فقد أخرج الشيخان وغيرهما عن عروة بن الزبير قال : كانت خولة بنت حكيم من اللاتي وهبن أنفسهن للنبي فقالت عائشة : أما تستحي المرأة أن تهب نفسها للرجل فلما نزلت ترجى من تشاء منهن قالت عائشة : يارسول الله ما أرى بك إلا يسارع لك في هواك فقوله : من اللاتي وهبن أنفسهن صريح في تعددهن وأنكر بعضهم وقوع الهبة وقيل : إن قوله تعالى : إن وهبت يشير إلى عدم وقوعها وأنها أمر مفروض وكذا تنكير أمرأة فالمراد الأعلام بالإحلال في هذه الصورة أن أتفقت وأنكر بعضهم القبول
أخرج إبن سعد عن إبن أبي عون أن ليلى بنت الحطيم وهبت نفسها للنبي ووهبن نساء أنفسهن فلم نسمع أن النبي قبل منهن أحدا وما أخرجه إبن جرير وإبن أبي حاتم والطبراني وإبن مردويه والبيهقي في السنن عن إبن عباس قال : لم يكن عند رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أمرأة وهبت نفسها له يحتمل نفي القبول ويحتمل نفي الهبة وإيراده صلى الله تعالى عليه وسلم في الموضعين بعنوان النبوة بطريق الإلتفات للتكرمة والإيذان بأنها المناط لثبوت الحكم فيختص به عليه الصلاة و السلام حسب إختصاصها به كما ينطق به قوله تعالى خالصة لك من دون المؤمنين ويتضمن ذلك الإشارة إلى أن هبة من تهب لم تكن حرصا على الرجال وقضاء الوطر بل على الفوز بشرف خدمته صلى الله تعالى عليه وسلم والنزول في معدن الفضل وبذلك يعلم أن قول عائشة : ما في المرأة وهبت نفسها لرجل خير وكذا إعتراضها السابق صادر من شدة غيرتها رضي الله تعالى عنها على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ولا بدع فالمحب غيور وقد قال بعض المحبين : أغار إذا آنست في الحي أنة حذارا وخوفا أن تكون لحبه ونصب خالصة على أنه مصدر مؤكد للجملة قبله وفاعلة في المصادر على ما قال الزمخشري غير كالعافية والكاذبة وأدعى أبو حيان عزتها والكثير على تعلق ذلك بإحلال الواهبة أي خلص لك إحلالها خالصة أي خلوصا وقال الزجاج : هو حال من أمرأة لتخصصها بالوصف أي أحللناها خالصة لك لا تحل لأحد غيرك في الدنيا والآخرة
وقال أبو البقاء : هو حال من ضمير وهبت أو صفة لمصدر محذوف أي هبة خالصة وقريء بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي ذاك خلوص لك وخصوص أو هي أي تلك المرأة أو الهبة خالصة لك لا تتجاوز المؤمنين
وأستدل الشافعية رضي الله تعالى عنهم به على أن النكاح لا ينعقد بلفظ الهبة لأن اللفظ تابع للمعنى وقد خص عليه الصلاة و السلام بالمعنى فيختص باللفظ وقال بعض أجلة أصحابنا في ذلك : إن المراد بالهبة في الآية تمليك المتعة بلا عوض بأي لفظ كان لا تمليكها بلفظ وهبت نفسي فحيث لم يكن ذلك نصا في التمليك بهذا اللفظ لم يصلح لأن يكون مناطا للخلاف في إنعقاد النكاح بلفظ الهبة إيجابا وسلبا ومعنى خلوص الإحلال المذكور له صلى الله تعالى عليه وسلم من دون المؤمنين كونه متحققا في حقه غير متحقق في حقهم إذ لا بد في

(22/60)


الإحلال لهم من مهر المثل
وظاهر كلام العلامة إبن الهمام إعتبار لفظ الهبة حيث قال في الفتح : قد ورد النكاح بلفظ الهبة وساق الآية ثم قال : والأصل عدم الخصوصية حتى يقوم دليلها وقوله تعالى خالصة لك يرجع إلى عدم المهر بقرينة إعقابه بالتعليل بنفي الحرج ليس في ترك لفظ إلى غيره خصوصا بالنسبة إلى أفصح العرب بل في لزوم المال وبقرينة وقوعه في مقابلة المؤتى أجورهن فصار الحاصل أحللنا لك الأزواج المؤتى مهورهن والتي وهبت نفسها لك فلم تأخذ مهرا خالصة هذه الخصلة لك من دون المؤمنين أما هم فقد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم إلخ من المهر وغيره وأبدى صدر الشريعة جواز كونه متعلقا بأحللنا قيدا في إحلال أزواجه له صلى الله تعالى عليه وسلم لإفادة عدم حلهن لغيره صلى الله تعالى عليه وسلم إنتهى وجوز بعضهم كونه قيدا في إحلال الإماء أيضا لإفادة عدم حل إمائه كأزواجه لأحد بعده عليه الصلاة و السلام وبعض آخر كونه قيدا لإحلال جميع ما تقدم على القيود المذكورة أي خلص إحلال ما أحللنا لك من المذكورات على القيود المذكورة خلوصها من دون المؤمنين فإن إحلال الجميع على القيود المذكورة غير متحقق في حقهم بل المتحقق فيه إحلال بعض المعدود على الوجه المعهود وأختاره الزمخشري وأياما كان فقوله تعالى : قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم وما ملكت أيمانهم إعتراض بين المتعلق والمتعلق والأول على جميع الأوجه قوله سبحانه : لكيلا يكون عليك حرج والثاني على الوجه الأخير وهو تعلق خالصة بجميع ما سلف من الإحلالات الأربع قوله تعالى خالصة وهو مؤكد معنى إختصاصه عليه الصلاة و السلام بما أختص به بأن كلا من الإختصاص عن علم وأن هذه الحظوة مما يليق بمنصب الرسالة فحسب فالمعنى أن الله تعالى قد علم ما ينبغي من حيث الحكمة فرضه على المؤمنين في حق الأزواج والإماء وعلى أي حد وصفة ينبغي أن يفرض عليهم ففرضه وأختصك سبحانه بالتنزيه وإختيار ما هو أولى وأفضل في دنياك حيث أحل جل شأنه لك أجناس المنكوحات وزاد لك الواهبة نفسها من غير عوض لئلا يكون عليك ضيق في دينك وهو على الوجه الأول الذي ذكرناه وهو تعلق خالصة بالواهبة خاصة قوله عزوجل : إنا أحللنا وهو الذي أستظهره أبو حيان وأمر الإعتراض عليه في حاله وبعضهم يجعل المتعلق خالصة على سائر الأوجه والتعلق به بإعتبار ما فيه من معنى ثبوت الإحلال وحصوله له صلى الله تعالى عليه وسلم لا بإعتبار إختصاصه به عليه الصلاة و السلام لأن مدار إنتفاء الحرج هو الأول لا الثاني الذي هو عبارة عن عدم ثبوته لغيره صلى الله تعالى عليه وسلم
وقال إبن عطية : إن لكيلا إلخ متعلق بمحذوف أي بينا هذا البيان وشرحنا هذا الشرح لئلا يكون عليك حرج ويظن بك أنك قد أثمت عند ربك عزوجل فلا إعتراض على هذا ولا يخلو عن إعتراض فتدبر ولا تغفل
وكان الله غفورا أي كثير المغفرة فيغفر ما يشاء مما يعسر التحرز عنه وغيره رحيما 05 أي وافر الرحمة ومن رحمته سبحانه أن وسع الأمر في مواقع الحرج ترجى من تشاء منهن أي تؤخر من تشاء من نسائك وتترك مضاجعها وتؤوي إليك من تشاء وتضم إليك من تشاء منهن وتضاجعها وروى هذا عن قتادة
وعن إبن عباس والحسن أي تطلق من تشاء منهن وتمسك من تشاء وقال بعضهم : الإرجاء والإيواء

(22/61)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية