صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

[ روح المعاني - الألوسي ]
الكتاب : روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني
المؤلف : محمود الألوسي أبو الفضل
الناشر : دار إحياء التراث العربي - بيروت
عدد الأجزاء : 30

ثوبته فى كلامهم يدل على قصور تتبعه ومن هنا فالوا المثبت : مقدم على النافى وعن الثانى بأنا لانسلم أنه انما يصار اليه عند أمن الالتباس ولانقل فى ذلك عن النحاة فى الكتب المعتمدة نعم قال بعضهم : شرط حسنه عدم الالتباس مع تضمن نكته وهو هنا كذلك لأن الغاية دلت على أن هذا المجرور ليس بممسوح إذ المسح لم يوجد مغيا فى كلامهم ولذا لم يغى فى آية التيمم وإنما يغيا الغسل ولذا غيى فى الآية حين احتيج اليه فلا يرد أنه لم يغى غسل الوجه لظهور الأمر فيه ولاقول المرتضى : إنه لامانع من تغييه والنكتة فيه الإشارة إلى تخفيف الغسل حتى كأنه مسح وعن الثالث بأنهم صرحوا بوقوعه فى النعت كما سبق من الأمثلة وقوله تعالى : عذاب يومئذ محيط بجر محيط مع أنه نعت للعذاب وفى التوكيد كقوله : ألا بلغ ذوى الزوجات كلهم أن ليس وصل إذا انحلت عرى الذنب بجر كلهم على ماحكاه الفراء وفى العطف كقوله تعالى : وحور عيتن كأمثال اللؤلؤ المكنون على قراءة حمزة والكسائى وفى رواية المفضل عن عاصم فانه مجرور بجوار أكواب وأباريق ومعطوف على ولدان مخلدون وقول النابغة : لم يبق إلا أسير غير منفلت وموثق فى حبال القد مجنوب بجر موثق مع أن العطف على أسير وقد عقد النحاة لذلك بابا على حدة اكثرته ولما فيه من المشاكلة وقد كثر فى الفصيح حتى تعدوا عن اعتباره فى الإعراب إلى التثنية والتأنيث وغير ذلك وكلام ابن الحاجب فى هذا المقام لايعبأ به وعن الرابع بأن لزوم الفصل بالجملة إنما يخل إذا لم تكن جملة وامسحوا برءوسكم متعلقة بجملة المفسولات فإن كان معناها وامسحوا الأيدى بعد الغسل برءوسكم فلا إخلال كما هو مذهب كثير من أهل السنة من جواز المسح ببقية ماء الغسل واليد المبلولة من المغسولات ومع ذلك لم يذهب أحد من الأئمة العربية إلى امتناع الفصل بن الجملتين المتعاطفتين أو معطوف ومعطوف عليه بل صرح الأئمة بالجواز بل نقل أبو البقاء إجماع النحويين على ذلك نعم توسط الأجنبى فى كلام البلغاء يكون لنكة وهى هنا ماأشرنا اليه أو الإيماء إلى الترتيب وكون الآية من قبيل ماذكر من المثال فى حيز المنع وربما تكون كذلك لوكان النظم وامسحوا رءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين والواقع ليس كذلك وقد ذكر بعض أهل السنة أيضا وجها آخر فى التطبيق وهو أن قراءة الجر محمولة على حالة التخفف وقراءة النصب على حال دونه واعترض بأن الماسح على الخف ليس ماسحا على الرجل حقيقة ولاحكما لأن الخف اعتبر مانعا سراية الحدث إلى القدم فهى طاهرة وماحل بالخف أزيل بالمسح فهو على الخف حقيقة وحكما وأيضا المسح على الخف لايجب إلى الكعبين اتفاقا وأجيب بأنه يجوز أن يكون لبيان المحل الذى يجزىء عليه المسح لأنه لايجزىء على ساقه نعم هذا الوجه لايخلو عن بعد والقلب لايميل اليه وإن ادعى الجلال السيوطى أنه أحسن ماقيل فى الآية وللإمامية فى تطبيق القراءتين وجهان أيضا لكن الفرق بينهما وبين ماسبق من الوجهين اللذين عند أهل السنة أن قراءةالنصب التى هى ظاهرة فى الغسل عند أهل السنة وقراءة الجر تعاد اليها وعند الامامية بالعكس الوجه الأول : أن تعطف الأرجل فى قراءة النصب على محل برءوسكم فيكون حكم الرءوس والأرجل كليهما مسحا الوجه الثانى : أن الواو فيه بمعنى مع من قبيل استوى الماء والخشنبة وفى كلا الوجهين بحيث لأهل السنة من وجوه : الأول أن العطف على المحل حلاف الظاهر باجماع الفريقين والظاهر العطف على المغسولات

(6/76)


والعدول عن الظاهر إلى خلافه بل دليل لايجوز وأن استدلوا بقراءة الجر قلنا : إنها لاتصلح دليلا لما علمت والثانى انه عطف وأرجلكم على محل برءوسكم جاز أن نفهم منه معنى الغسل إذ أن من القواعد المقررة فى العلوم العربية أنه إذا اجتمع فعلان متغايران فى المعنى ويكون لكل منهما متعلق جاز حذف أحدهما وعطف على متعلق المذكور كأنه متعلقه ومن ذلك قوله : ياليت بعلك قد غدا متقلدا سيفا ورمحا فأن المراد وحاملا رمحا ومنه قوله : إذا ما الغانيات برزن يوما وزجج الحواجب والعيونا فانه أراد وكحلن العيونا وقوله : تراه كان مولاه يجدع أنفه وعينيه إن مولاه كان كان له وفر أى يفقىء عينيه إلى ملايحصى كثرة والثالث أن جعل الواو بمعنى مع بدون قرينة مما لايكاد يجوز ولا قرينة ههنا على أنه يلزم كما قيل : فعل المسحين معا بالزمان ولاقائل به بالاتفاق بقى لو قال قائل : لاأقنع بهذا المقدار فى الاستدلال على غسل الأرجل بهذه الآية مالم ينضم إليها من خارج مايقوى تطبيق أهل السنة فان كلامهم وكلام الامامية فى ذلك عسى أن يكون فرسا رهان قيل له : إن سنة خير الورى صلى الله عليه و سلم وآثار الأئمة رضى الله تعالى عنهم شاهدة على مايدعيه أهل السنة وهى من طريقهم أكثر من أن تحصى واما من طريق القوم فقد روى العياشى عن على أبى حمزة قال : سألت أبا هريرة عن القدمين فقال تغسلان غسلا
وروى محمد بن النعمان عن أبى بصير عن أبى عبد الله رضى الله تعالى عنه قال : إذا نسي مسح رأسك حتى غسلت رجليك فمسح رأسك ثم أغسل رجليك وهذا الحديث رواه أيضا الكلبى وأبو جعفر الطوسى بأسانيد صحيحة بحيث لايمكن تضعيفها ولا الحمل على التقية لأن المخاطب بذلك شيعى خاص وروى محمد ابن الحسن الصفار عن زيد بن على عن أبيه عن جده أمير المؤمنين كرم الله تعالى وجهه أنه قال : جلست أتوضأ فأقبل رسول الله صلى الله عليه و سلم فلما غسلت قدمى قال : ياعلى خلل بين الأصابع
ونقل الشريف الرضى عن أمير المؤمنين كرم الله تعالى وجهه فى نهج البلاغة حكاية وضوئه صلى الله عليه و سلم وذكر فيه غسل الرجلين وهذا يدل على أن مفهوم الآية كما قال أهل السنة ولم يدع أحد منهم النسخ ليتكلف لاثباته كم ظنه من لاوقوف له ومايزعمه الإمامية من نسبة المسح إلى ابن عباس رضى الله تعالى عنهما وأنس بن مالك وغيرهما كذب مفترى عليهم فان أحدا منهم ماروى عنه بطريق صحيح أنه جوز المسح إلا أن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما فانه قال بطريق التعجب : لانجد فى كتاب الله تعالى إلا المسح ولكنهم أبوا إلا الغسل ومراده أن ظاهر الكتاب يوجب المسح على قراءة الجر التى كانت قراءته ولكن الرسول صلى الله عليه و سلم وأصحابه لم يفعلوا إلا الغسل ففى كلامه هذا إشارة إلى قراءة الجر مؤلة متروكة الظاهر بعمل الرسول صلى الله عليه و سلم والصحابة رضى الله تعالى عنهم ونسبة جواز المسح إلى أبى العالية وعكرمة والشعبى زور بهتان أيضا وكذلك نسبة الجمع بين الغسل والمسح أو التخير بينهما إلى الحسن البصرى عليه الرحمة ومثله نسبة التخير إلى محمد بن جرير الطبرى صاحب التاريخ الكبير

(6/77)


والتفسير الشهير وقد نشر رواة الشيعة هذه الاكاذيب المختلفة ورواها بعض أهل السنة ممن لم يميز الصحيح والسقيم من الأخبار بلا تحقق ولاسند واتسع الخرق على الراقع ولعل محمد بن جرير القائل بالتخيير هو محمد بن جرير بن رستم الشيعى صاحب الايضاح للمترشد فى الامامة لا أبو جعفر محمد بن جرير بن غالب الطبرى الشافعى الذى هو من أعلام أهل السنة والمذكور فى تفسير هذا هو الغسل فقط لاالمسح ولاالجمع ولاالتخيير الذى نسبه الشيعة اليه ولاحجة لهم فى دعوى المسح بما روى عن أمير المؤمنين على كرم الله تعالى وجهه أنه مسح وجهه ويديه ومسح رأسه ورجليه وشرب فضل طهوره قائما وقال : إن الناس يزعمون أن الشرب قائما لايجوز وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه و سلم صنع مثل ماصنعت وهذا وضوء من لم يحدث لأن الكلام فى وضوء المحدث لافى مجرد التنظيف بمسح الأطراف كما يدل عليه مافى الخبر من مسح المغسول اتفاقا وأما ماروى عن عباد بن تميم عن عمه بروايات ضعيفة أنه صلى الله عليه و سلم توضأ ومسح على قدميه فهو كما قال الحفاظ : شاذ منكر لايصلح للاحتجاج مع احتمال حمل القدمين على الخفين ولو مجازا واحتمال اشتباه القدمين المتخففين بدون المتخففين من بعيد ومثل ذلك عند من اطلع على أحوال الرواة مارواه الحسين بن سعيد الأهوازى عن فضالة عن حماد بن عثمان عن غالب بن هذيل قال : سألت أبا جعفر رضى الله تعالى عنه عن المسح على الرجلين فقال : هو الذى نزل به جبريل عليه السلام وما روى عن أحمد ابن محمد قال : سألت أبا الحسن موسى بن جعفر رضى الله تعالى عنه عن المسح على القدمين كيف هو فوضع بكفيه على الأصابع ثم مسحهما إلى الكعبين فقلت له : لو أن رجلا قال : بإصبعين من أصابعه هكذا إلى الكعبين أيجزىء قال : لا إلا بكفه كلها إلى غير ذلك مما روته الامامية فى هذا الباب ومن وقف على أحوال رواتهم لم يعول على خبر من أخبارهم
وقد ذكرنا نبذة من ذلك فى كتابنا النفحات القدسية فى رد الأمامية على أن لنا أن نقول : لو فرض أن حكم الله تعالى المسح على ما يزعمه الإمامية من الآية فالغسل يكفى عنه ولو كان هو الغسل لايكفى عنه فالبغسل يلزم الخروج عن العهدة بيقين دون المسح وذلك لأن الغسل محصل لمقصود المسح من وصول البلل وزيادة وهذا مراد من عبر بأنه مسح وزيادة فلايرد ماقيل : من أن الغسل والمسح متضادان لايجتمعان فى محل واحد كالسواد والبياض وأيضا كان يلزم الشيعة الغسل لأنه الأنسب بالوجه المعقول من الوضوء وهو التنظيف للوقوف بين يدى رب الأرباب سبحانه وتعالى لأنه الأحوط أيضا لكون سنده متفقا عليه للفريقين كما سمعت دون المسح للاختلاف فى سنده وقال بعض المحققين : قد يلزمهم بناءا على قواعدهم أن يجوزوا الغسل والمسح فقط وزعم الجلال السيوطى أنه لاإشكال فى الآية بحسب القراءتين عند المخيرين إلا أنه يمكن أن يدعى لغيرهم وأن ذلك كان مشروعا أولا ثم نسخ بتعيين الغسل وبقيت القراءتان ثابتتين فى الرسم كما نسخ التخيير بين الصوم والفدية بتعيين الصوم وبقى رسم ذلك ثابتا ولايخفى أنه أوهن من بيت العنكبوت وانه لأوهن البيوت
هذا وأمنا قراءة الرفع فلاتصلح فى الاستدلال للفريقين إذ لكل أن يقدر ماشاء ومن ةهنا قال الزمخشرى فيها : أنها على معنى وأرجلكم مغسولة أو ممسوحة لكن ذكر الطيبى أنه لاشك أن تغيير الجملة من الفعلية إلى الاسمية وحذف خبرها يدل على إرادة ثبوتها وظهورها وأن مضمونها مسلم الحكم ثابت لايلتبس وإنما يكون

(6/78)


كذلك إذا جعلت القرينة ماعلم من منطوق القراءتين ومفهومهما وشوهد وتعورف من فعل الرسول صلى الله عليه و سلم وأصحابه رضى الله تعالى عنهم وسمع منهم واشتهر فيما بينهم
وقد قال عطاء : والله ماعلمت أن أحدا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم مسح على القدمين وكل ذلك دافع لتفسيره هذه القراءة بقوله : وأرجلكم مغسولة أو ممسوحة على الترديد لاسيما العدول من الانشائية إلى الاخبارية المشعر بأن القوم كأنهم سارعوا فيه وهو يخبر عنه انتهى فالأولى أن يقدر ماهو عن جنس الغسل عى وجه يبقى معه الانشاء
وبمجموع ماذكرنا يعلم مافى كلام الإمام الرازى قدس الله سره ونقله مما قدمناه فاعرف الرجال بالحق لا الحق بالرجال والله تعالى الهادى إلى سواء السبيل

(6/79)


ثم اعلم أنهم اختلفوا فى أن الآية هل تقتضى وجوب النية أم لا فقال الحنفية : إن ظاهره لايقتضى ذلك والقول بوجوبها يقتضى زيادة فى النص والزيادة فيه تقتضى النسخ ونسخ القرآن بخبر الواحد غير واقع بل غير جائز عند الأكثرين وكذا بالقياس على المذهب المنصور للشافعى رضى الله تعالى عنه كما قاله المروزى فإذن لايصح إثبات النية وقال بعض الشافعية : إن الآية تقتضى الايجاب لأن معنى قوله تعالى : إذا قمتم إذا أردتم القيام وأنتم محدثون والغسل وقع جزاءا لذلك والجزاء مسبب عن الشرط فيفيد وجوب الغسل لأجل إرادة الصلاة وبذلك يثبت المطلوب وقال آخرون وعليه المعول عندهم وجه الاقتضاء أن الوضوء مأمور به وهو ظاهر وكل مأمور به يجب أن يكون عبادة وإلا لما أمر به وكل عبادة لاتصح بدون النية لقوله تعالى : وما أمروا إلا ليعبوا الله مخلصين والاخلاص لايحصل إلا بالنية وقد جعل حالا للعابدين والأحوال شروط فتكون كل عبادة مشروطة بالنية وقاسوا أيضا الوضوء على التعميم فى كونهما طهارتين للصلاة وقد وجبت النية فى المقيس عليه فكذا فى المقيس ولنا القول بموجب العلة يعنى سلمنا أن كل عبادة بنية والوضوء لايقع عبادة بدونها لكن ليس كلامنا فى ذلك بل فى أنه إذا لم ينو حتى لم يقع عبادة سببا للثواب فهل يقع الشرط المعتبر للصلاة حتى تصح به أولا ليس فى الآية ولا فى الحديث المشهور الذى يوردنه فى هذا المقام دلالة على نفيه ولاإثباته فقلنا : نعم لأن الشرط مقصود التحصيل لغيره لالذاته فكيف حصل المقصود وصار كستر العورة ! وباقى شروط الصلاة التى لايفتقر اعتبارها إلى أن ينوى ومن ادعى أنةالبشرط وضوء هو عبادة فعليه البيان والقياس المذكور على التيمم فاسد فان من المتفق عليه أن شرط القياس أن لايكون شرعية حكم الأصل متأخرة عن حكم الفرع وإلا لثبت حكم الفرع بلا دليل وشرعية التيمم متأحرة عن الوضوء فلايقاس الوضوء على التيموم فى حكمه نعم إن قصد الاستدلال بآية التيمم بمعنى أنه لما شرع التيمم بشرط النية ظهر وجوبها فى الوضوء وكان معنى القياس أنه لافارق لم يرد ذلك وذكر بعض المحققين فى الفرق بين الوضوء والتيمم وجهين : الاول أن التيمم ينبىء لغة عن القصد فلا يتحقق بدونه بخلاف الوضوء والثانى أن التراب جعل طهورا فى حالة مخصوصة والماء طهور بنفسه كما يستفاد من قوله تعالى : ماءا طهورا وقوله سبحانه : ليطهركم به فحينئذ يكون القياس فاسدا أيضا
واعترض الوجه الأول بأن النية المعتبرة ليست نية نفس الفعل بل أن ينوى المقصود به الطهارة والصلاة ولو صلاة الجنازة وسجدة التلاوة على مابين فى محله وإذا كان كذلك فانما ينبىء عن قصد غير المعتبر نية

(6/0)


فلا يكون النص بذلك موجبا للنية المعتبرة ومن هنا يعلم مافى استدلال بعض الشافعية بآية الوضوء على وجوب النية فيه السابق آنفا وذلك لأن المفاد بالتركيب المقدر إنما هو وجوب الغسل لأجل إرادة الصلاة مع الحدث لاإيجاب أن يغسل لأجل الصلاة إذ عقد الزاء الواقع طلبا بالشرط يفيد طلب مضمون الجزاء إذا تحقق مضمون الشرط وأن وجوبه اعتبر مسببا عن ذلك فأين طلبه على وجه مخصوص هو فعله على قصد كونه لمضمون الشرط فتأمل فقد خفى هذا على بعض الأجلة حتى لم يكافئه بالجواب والوجه الثانى بانه إن أريد بالحالة المخصوصة حالة الصلاة فهو مبنى على أن الارادة مرادة فى الجملة المعطوفة عليها جملة التيمم
وأنت قد علمت الآن أن لادلالة فيها على اشتراط النية وإن أريد حالة عدم القدرة على استعمال الماء فظاهر أن ذلك لايقتضى إيجاب النية ولانفيها واستفاد كون الماء طهورا بنفسه مما ذكر بأن كون المقصود من إنزاله التطهير به وتسميته طهورا لايفيد اعتباره مطهرا بنفسه أى رافعا للأمر الشرعى بلا نية وهو المطلوب بخلاف إزالته الخبث لأن ذلك محسوس أنه مقتضى طبعه ولاتلازم بين إزالته حسا صفة محسوسة وبين كونه يرتفع عند استعماله اعنبار شرعى والمفاد من ليطهركم كون المقصود من إنزاله التطهير به وهذا يصدق مع اشتراط النية كما قال الشافعى رضى الله تعالى عنه وعدمه كما قلنا ولادلالة للأعم على أخص بخصوصه كما هو المقرر قتدبر
واختلفوا أيضا فى أنها هل تقتضى وجوب الترتيب أم لا فذهب الحنفية إلى الثانى لأن المذكور فيها الواو وهى لمطلق الجمع على الصحيح المعول عليه عندهم والشافعية إلى الأول لأن الفاء فى اغسلوا للتعقيب فتفيد تعقيب القيام إلى الصلاة بغسل الوجه فيلزم الترتيب بين الوجه وغيره فيلزم فى الكل لعدم القائل بالفصل
وأجيب بأنا لانسلم إفادتها تعقيب القيام به بل جملة الأعضاء وتحقيقه أن المعقب طلب الغسل وله متعلقات وصل إلى أولها ذكرا بنفسه وإلى الباقى بواسطة الحرف المشترك فاشتركت كلها فيه من غير إفادة طلب تقديم تعليقه ببعضها على بعض فى الوجود فصار مؤدى التركيب طلب إعقاب غسل جملة الأعضاء وهذا نظير قولك : ادخل السوق فاشتر لنا خبزا ولحما حيث كان المفاد أعقاب الدخول بشراء ماذكر كيفما وقع
وزعم بعضهم أن إفادة النظم للترتيب لأنه لو لم يرد ذلك لأوجب تقديم الممسوح أو تأخيره عن المغسول ولأنهم يقدمون الأهم فالأهم وفيه نظر لأن قصارى ما يدل عليه النظم أولوية الترتيب ونحن لاننكر ذلك وقال آخرون : الدليل على الترتيب فعله صلى الله عليه و سلم فقد توضأ عليه الصلاة و السلام مرتبا ثم قال : هذا وضوء لايقبل الله تعالى الصلاة إلا به وفيه أن الإشارة كانت لوضوء مرتب موالى فيه فلو دل على فرضية الترتيب لدل على فرضية الموالاة ولاقائل بها عند الفريقين نعم أقوى دليل لهم وقوله صلى الله عليه و سلم فى حجة الوداع : ابدأوا بما بدأ الله تعالى به بناءا على أن الأمر للوجوب والعبرة بعموم اللفظ لابخصوص السبب وأجيب عن ذلك بما أجيب إلا أن الاحتياط لايخفى وهذا المقدار يكفى فى الكلام على هذه الآية والزيادة على ذلك ببيان سنن الوضوء ونواقضه ومايتعلق به مما لاتفهمه الآية كما فعل بعض المفسرين فضول لافضل وإظهار علم يلوح من خلاله الجهل وإن كنتم جنبا وأى عند القيام إلى الصلاة فأطهروا أى فاغتسلوا على أتم وجه وقرىء فاطهروا أى فطهروا أبدانكم والمضمضة والاستنشاق هنا فرض كغسل سائر البدن لانه سبحانه أضاف التطهير إلى مسمى الواو وهو جملة بدن كل مكلف فيدخل كل مايمكن الإيصال اليه

(6/80)


إلا مافيه حرج كداخل العينين فيسقط للحرج ولاحرج فى داخل الفم والأنف فيشملهما نص الكتاب من غير معارض كما شملها قوله صلى الله عليه و سلم فيما رواه أبو داود : تحت كل شعرة جنابة فبلوا الشعر وأنقوا البشرة وكونهما من الفطرة كما جاء فى الخبر لاينفى الوجوب لأنها الدين وهو أعم منه وتشعر الآية بأنه لايجب الغسل على الجنب فورا مالم يرد فعل ما لايجوز بدونه ويؤيد ذلك ماصح أنه صلى الله عليه و سلم خرج لصلاة الفجر ناسيا أنه جنب حتى إذا وقف تذكر فانصرف راجعا فاغتسل وخرج ورأسه الشريف يقطر ماءا وإن كنتم مرضى مرضا تخافون به الهلاك أو أزدياده باستعمال الماء
أو على سفر أى مستقرين عليه
أو جاء أحد منكم من الغائط أو لمستم النساء فلم تجدوا ماءا فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه من لابتداء الغاية وقيل : للتبعيض وهو متعلق بامسحوا وقرأ عبد الله فأموا صعيدا وقد تقدم تفسير الآية فى سورة النساء فليراجع ولعل التكرير ليتصل الكلام فى بيان أنواع الطهارة ولئلا يتوهم النسخ على ماقيل بناءا على أن هذه السورة من آخر مانزل مايريد الله بما فرض عليكم من الوضوء إذا قمتم إلى الصلاة والغسل من الجنابة أو بالأمر بالتيمم ليجعل عليكم من حرج أى ضيق فى الامتثال و الجعل يحتمل أن يكون بمعنى الخلق والايجاد فيتعدى لواحد وهو من حرج و من زائدة و عليكم حينئذ متعلق بالجعل وجوز أن يتعلق بحرج وإن كان مصدرا متأخرا ويحتمل أن يكون بمعنى التصيير فيكون عليكم هو المفعول الثانى ولكن يريد أى بذلك ليطهركم أى لينظفكم فالطهارة لغوية أو ليذهب عنكم دنس الذنوب فان الوضوء يكفر الله تعالى به الخطايا فقد أخرج مالك ومسلم وابن جرير عن أبى هريرة رضى الله تعالى عنه أن النبى صلى الله عليه و سلم قال : : إذا توضأ العبد المسلم فغسل من وجهه خرج كل خطيئة نظر اليها بعينيه مع الماء أو مع آخر قطر من الماء فاذا غسل يديه خرج من يديه كل خطيئة بطشتها يداه مع الماء أو آخر قطر الماء فاذا غسل رجليه خرجت كل خطيئة مشتها رجلاه مع الماء أو مع آخر قطر الماء حتى خرج نقيا من الذنوب فالطهارة معنوية بمعنى تكفير الذنوب لابمعنى إزالة النجاسة لأن الحدث ليس نجاسة بلا خلاف وإطلاق ذلك عليه باعتبار أنه نجاسة حكمية بمعنى كونه مانعا من الصلاة لابمعنى كونه بحيث يتنجس الطعام أو الشراب الرطب بملاقاته المحدث أو تفسد الصلاة بحمله وأما تنجس الماء فيما شاع عن الإمام الأعظم رضى اله تعالى عنه وروى رجوعه عنه فلانتقال المانعية والآثام اليه حكما وقيل : المراد تطهير القلب عن دنس التمرد عن طاعة الله تعالى
وجوز أن يكون المراد ليطهركم بالتراب إذا أعوزكم التطهير بالماء والمراد بالتطهير رفع الحدث والمانع الحكمى وأما مانقل عن بعض الشافعية كإمام الحرمين من أن القول : بأن التراب مطهر قول ركيك فمراده به منع الطهارة الحسية فلا يرد عليه أنه مخالف للحديث الصحيح جعلت لى الارض مسجدا وطهورا والإرادة صفة ذات وقد شاع تفسيرها ومفعولها فى الموضعين محذوف كما أشير اليه واللام للعلة وإلى ذلك ذهب بعض المحققين وقيل : هى مزيدة والمعنى مايريد الله أن يجعل عليكم من حرج حتى لايرخص لكم فى التيمم ولكن يريد أن يطهركم وضعف بأن ألا تقدر بعد المزيدة وتعقب بأن هذا مخالف لكلام النحاة فقد قال الرضى :

(6/81)


الظاهر أن بعد اللام الزائدة التى بعد فعل الأمر والإرادة وكذا فى المغنى وغيره ووقوع هذه اللام بعد الأمر والارادة فى القرآن وكلام العرب شائع مقيس وهو من مسائل الكتاب قال فيه : سألته أى الخليل عن معنى أريد لأن يفعل فقال : إنما تريد أن تقول : أريد لهذا كما قال قال تعالى : وأمرت لأن أكون أول المسلمين انتهى واختلف فيه النحاة فقال السيرافى : فيه وجهان : أحدهما مااختاره البصريون أن مفعوله مقدر أى أريد ماأريد لأن تفعل فاللام تعليلية غير زائدة الثانى أنها زائدة لتأكيد المفعول وقال أبو على فى التعليق عن المبرد : إن الفعل دال على المصدر فهو مقدر أى أردت وإرادتى لكذا فحذف إرادتى واللام زائدة وهو تكلف بعيد والمذاهب ثلاثة : أقربها الأول وأسهلها الثانى وهو من بليغ الكلام القديم كقوله : أريد لأنسى ذكرها فكأنما تمثل لى ليلى بكل سبيل البلاغة فيه مما يعرفه الذوق السليم قاله الشهاب وليتم بشرعه ماهو مطهرة لأبدانكم نعمته عليكم فى الدين أو ليتم برخصة إنعامه عليكم بالعزائم لعلكم تشكرون
6
- نعمته بطاعتكم إياه فيما أمركم به ونهاكم عنه ومن لطائف الآية الكريمة كما قال بعض المحققين إنها مشتملة على سبعة أمور كلها مثنى : طهارتان أصل وبدل والأصل اثنان : مستوعب وغير مستوعب وغير المستوعب باعتبار الفعل غسل ومسح وباعتبار المحل محدود وغير محدود وأن آلتهما مائع وجامد وموجبهما حدث أصغر وأكبر وأن المبيح للعدول إلى البدل مرض أو سفر وأن الموعود عليهما التطهير وإتمام النعمة وزاد البعض مثنيات أخر فان غير المحدود وجه ورأس والمحدود يد ورجل والنهاية كعب ومرفق والشكر قولى وفعلى
واذكروا نعمة الله عليكم وهى نعمة الإسلام أو الأعم على إرادة الجنس وأمروا بذلك ليذكرهم المنعم ويرغبهم فى شكره وميثاقه الذى واثقكم به أى عهده الذى أخذه عليكم وقوله تعالى : إذ قلتم سمعنا وأطعنا ظرف لواثقكم به أو لمحذوف وقع حالا من الضمير المجرور فى به أو من ميثاقه أى كائنا وقت قولكم : سمعنا وأطعنا وفائدة التقييد به تأكيد وجوب مراعاته بتذكير قولهم والتزامهم بالمحافظة عليه والمراد به الميثاق الذى أخذه على المسلمين حين بايعهم النبى صلى الله عليه و سلم فى العقبة الثانية سنة ثلاث عشرة من النبوة على السمع والطاعة فى حال اليسر والعسر والمنشط والمكره كماأخرجه البخارى ومسلم من حديث عبادة بن الصامت وقيل : هو الميثاق الواقع فى العقبة الأولى سنة إحدى عشرة أو بيعة الرضوان بالحديبية فاضافة الميثاق اليه تعالى مع صدوره عنه صلى الله عليه و سلم لكون المرجع اليه سبحانه كما نطق به قوله تعالى : إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله
وأخرج ابن جرير وابن حميد عن مجاهد قال : هو الميثاق الذى واثق به بنى آدم حين أخرجهم من صلب أبيهم عليه السلام وفيه بعد واتقوا الله فى نسيان نعمته ونقض مياثقه أو فى كل ماتأتون وتذرون فيدخل فيه ماذكروا دخولا أوليا إن الله عليم بذات الصدور
7
- أى مخفياتها الملابسة لها ملابسة تامة مصححة لاطلاق الصاحب عليها فيجازيكم عليها فما ظنكم بجليات الأعمال والجملة اعتراض وتعليل للامر وإظهار الاسم

(6/82)


الجليل لمامر غير مرة ياأيها أمنوا شروع فى بيان الشرائع المتعلقة لما يجرى بينهم وبين غيرهم اثر مايتعلق بأنفسهم كونوا قوامين لله أى كثيرى القيام له بحقوقه اللازمة وقيل : أى ليكن من عادتكم القيام بالحق فى أنفسكم بالعمل الصالح وفى غيركم بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ابتغاء مرضاة الله تعالى شهداء بالقسط أى بالعدل وقيل : دعاة لله تعالى مبينين عن دينه بالحجج الحقة ولايجرمنكم لايحملنكم شنئان قوم أى شدة بغضكم لهم عاى ألاتعدلوا فلا تشهدوا فى حقوقهم بالعدل أو فتعدوا عليهم بارتكاب مالايحل أعدلوا أيها المؤمنون فى أوليائكم وأعدائكم واقتصر بعضهم على الأعداء بناءا على ماروى أنه لما فتحت مكة كلف الله تعالى المسلمين بهذه الآية أن لايكافئوا كفار مكة بما سلف منهم وأن يعدلوا فى القول والفعل هو راجع إلى العدل الذى تضمنه الفعل وهو إما مطلق العدل فيندرج فيه العدل الذى أشار اليه سبب النزول وإما العدل مع الكفار أقرب للتقوى أى أدخل فى مناسبتها لأن التقوى نهاية الطاعة وهو أنسب الطاعات بها فالقرب بينهما على هذا مناسبة الطاعة للطاعة ويحتمل أن يكون أقربيته على التقوى باعتبار أنه لطف فيها مناسبة إفضاء السبب إلى المسبب وهو بمنزلة الجزء الأخير من العلة واللام مثلها فى قولك : هو قريب لزيد للاختصاص لامكملة فانه بمن أو إلى
وتكلف الراغب فى توجيه الآية فقال : فان قيل : كيف ذكر سبحانه أقرب للتقوى وأفعل إنما يقال فى شييئين اشتركا فى أمر واحد لأحدهما مزية وقد علمنا أن لاشىء من التقوى ومن فعل الخير إلا وهو من العدالة قيل : إن أفعل وإن كان كما ذكرت فقد يستعمل على تقدير بناء الكلام على اعتقاد المخاطب فى الشىء فى نفسه قطعا لكلامه وإظهارا لتبكيته فيقال لمن اعتقده مثلا فى زيد فضلا وإن لم يكن فيه فضل ولكن لايمكنه أن ينكر أن عمرا أفضل منه : اخدم عمرا فهو أفضل من زيد وعلى ذلك جاء قوله تعالى : آلله خيرا أم مايشركون وقد علم أن لاخير فيما يشركون والجملة فى موضع التعليل للأمر بالعدل وصرح لهم به تأكيدا وتشديدا وأمر سبحانه بالتقوى بقوله جل وعلا : وأتقوا الله إثر مابين أن العدل أقرب لها اعتناءا بشأنها وتنبيها على أنها ملاك الأمر كله إن الله حبير بما تعملون
8
- من الأعمال فيجازيكم بذلك وقد تقدم نظير هذه الآية فى النساء ولم يكتف بذلك لمزيد الاهتمام بالعدل والمبالغة فى إطفاء نائرة الغيظ وقيل : لاختلاف السبب فان الأولى نزلت فى المشركين وهذه فى اليهود وذكر بعض المحققين وجها لتقديم القسط هناك وتأخيره هنا وهو أن آية النساء جىء بها فى معرض الاقرار على نفسه ووالديه وأقاربه فبدأ فيها بالقسط الذى هو العدل من غير محاباة نفس ولا والد ولاقرابة والتى هنا جىء بها فى معرض ترك العدواة فبدأ فيها بالقيام لله تعالى لأنه أردع للمؤنين ثم ثنى بالشهادة بالعدل فجىء فى كل معرض بما يناسبه وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات من الواجبات والمندوبات ومن جملتها العدل والتقوى لهم مغفرة وأجر عظيم
9
- جملة مستأنفة مبينة لثانى مفعولى وعد المحذوف كأنه قيل : أى شىء وعده

(6/83)


فقيل مغفرة الخ
ويحتمل أن يكون المفعول متروكا والمعنى قدم لهم وعدا وهو مابين الجملة المذكورة وجوز أن تكون مفعول وعد باعتبار كونه بمعنى كونه بمعنى قال أو المراد حكايته لأنه يحكى بماهو فى معنى القول عند الكوفيين ويحتمل أن يكون القول مقدرا أى وعدهم قائلا ذلك فى حقهم فيكون اخبارا يثبوته لهم وهو أبلغ وقيل : إن هذا القول يقال لهم وتهوينا لسكرات الموت عليهم
والذين كفروا وكذبوا بآيتنا القرآنية التى من جملتها ماتليت من النصوص الناطقة بالأمر بالعدل والتقوى وحمل بعضهم الآيات على المعجزات التى أيد الله تعالى بها نبيه صلى الله عليه و سلم أولئك الموصوفون بما ذكر أصحاب الجحيم
10
- أى ملابسوا النار الشديدة التأجج ملابسة مؤبدة والموصول مبتدأ أول واسم الإشارة مبتدأ ثان ومابعده خبره والجملة خبر الأول ولم يؤت باجملة فى سياق الوعيد كما أتى بالجملة قبلها فى سياق الوعد قطعا لرجائهم وفى ذكر حال الكفرة بعد حال المؤمنين كما هو فى السنة السنية القرآنية وفاءا بحق الدعوة وتطييبا لقلوب المؤمنين بجعل أصحاب النار أعداءهم دونهم
ياأيها الذين امنوا اذكروا نعمت الله عليكم تذكير لنعمة الإنجاء من الشرائر تذكير نعمه إيصال الخير الذى هو نعمة الاسلام ومايتبعها من الميثاق أو تذكير نعمة خاصة بعد تذكير النعمة العامة اعتناءا بشأنها و عليكم متعلق بنعمة الله أو بمحذوف وقع حالا منها وقوله تعالى : إذ هم قوم على الأول ظرف لنفس النعمة وعلى الثانى لما تعلق به الظرف ولايجوز أن يكون ظرفا لاذكروا لتنافى زمنيها فان إذ للمضى و اذكروا لمستقبل أى اذكروا إنعمامه تعالى عليكم أو اذكروا نعمته تعالى كائنة عليكم وقت قصد قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم أى بأن يبطشوا بكم بالقتل والاهلاك يقال : بسط إليه يده إذا بطش به وبسط إليه لسانه إذا شتمه والبسط فى الأصل مطلق المد وإذا استعمل فى اليد واللسان كان كناية عما ذكر وتقديم الجار والمجرور على المفعول الصريح للمسارعة إلى بيان رجوع ضرر البسط وغائلته اليهم حملا لهم من أول الامر على الاعتداد بنعمة دفعه فكف أيديهم عنكم عطف على هم وهو النعمة التى أريد تذكيرها وذكر الهم للايذان بوقوعها عند مزيد الحاجة اليها والفاء للتعقيب المفيد لتمام النعمة وكمالها وإظهار الأيدى لزيادة التقرير وتقديم المفعول الصريح على الأصل أى منع أيديهم أن تمد إليكم عقيب همهم بذلك وعصمكم منهم وليس المراد أنه سبحانه كفها عنكم بعد أن مدوها اليكم وفى ذلك مالايخفى من إكمال النعمة ومزيد اللطف
والآية إشارة إلى ماأخرجه مسلم وغيره من حديث جابر أن المشركين رأوا أن رسول الله صلى الله عليه و سلم وأصحابه رضى الله تعالى عنهم بعسفان قاموا إلى اظهر معا فلما صلوا ندموا إلا كانوا أكبوا عليهم وهموا أن يوقعوا بهم إذا قاموا إلى صلاة العصر فرد الله تعالى كيدهم بأن أنزل صلاة الخوف وقيل : إشارة إلى ماأخرجه أبو نعميم فى الدلائل من طريق عطاء والضحاك وابن عباس رضى الله تعالى عنهما أن عمرو بن أمية الضمرى حيث انصرف من بئر معونة لقى رجلين كلابيين معهما أمان من رسول الله صلى الله عليه و سلم فقتلهما ولم يعلم أن معهما أمانا فوداهما رسول الله صلى الله عليه و سلم ومضى إلى بنى النضير ومعه أبو بكر رضى الله تعالى عنه وعمر وعلى فتلقوه

(6/84)


فقالوا مرحبا ياأبا القاسم لماذا جئت قال رجل من أصحابى قتل رجلين من كلاب معهما أمان منى طلب منى ديتهما فأريد أن تعينونى قالوا : نعم اقعد حتى نجمع لك فقعد تحت الحصن وأبو بكر وعمر وعلى وقد تآمر بنو النضير أن يطرحوا عليه الصلاة و السلام حجرا فجاء جبريل عليه السلام فأخبره فقام ومن معه
وقيل : إشارة إلى ماأخرجه غير واحد من حديث جابر أن النبى صلى الله عليه و سلم نزل منزلا فتفرق الناس فى العضاه يستظلون تحتها فعلق النبى صلى الله عليه و سلم سلاحه بشجرة فجاء أعرابى إلى سيفه فأخذه فسله ثم أقبل على النبى صلى الله عليه و سلم فقال : من يمنعك منى قال : الله تعالى قالها الأعرابى مرتين أو ثلاثا والنبى صلى الله عليه و سلم فى كل ذلك يقول : الله تعالى فشام الأعرابى السيف فدعا النبى صلى الله عليه و سلم أصحابه فأخبرهم بصنيع الأعرابى وهو جالس إلى جنبه لم يعاقبه ولايخفى أن سبب النزول يجوز تعدده وأن القوم قد يطلق على الواحد كالناس فى قوله تعالى : الذين قال لهم الناس وأن ضررالرئيس ونفعه يعودان إلى المرءوس واتقوا الله عطف على اذكروا أى اتقوه فى رعاية حقوق نعمته ولاتخلوا بشكرها أى فى الأعم من ذلك ويدخل هو دخولا أوليا
وعد الله خاصة دون غيره استقلالا أو اشتراكا فليتوكل المؤمنون
11
- فانه سبحانه كاف فى درء المفاسد وجلب المصالح والجملة تذييل مقرر لما قبله وإيثار صيغة أمر الغائب وإسنادها للمؤمنين لايجاب التوكل على المخاطبين بطريق برهانى ولإظهار مايدعوا إلى الامتثال ويزع عن الإخلال مع رعاية الفاصلة وإظهار الأمر الجليل لتعليل الحكم وتقوية استقلال الجملة التذييلية وقد مرت نظائره وهذه الآية كما نقل عن الإمام الشافعى رضى الله تعالى عنه تقرأ سبعا صباحا وسبعا مساءا لدفع الطاعون
ولقد أخذ الله ميثاق بنى إسرائيل كلام مستأنف مشتمل على بيان بعض ماصدر من بنى اسرائيل مسوق لتقرير المؤمنين على ذكر نعمةالله تعالى ومراعاة حق الميثاق وتحذيرهم من نقضه أو لتقرير ماذكر من الهم بالبطش وتحقيقه بناءا على أنه صادرا من أسلافهم ببيان أن الغدر والخيانة فيهم شنشنة أخزمية وإظهار الاسم الجليل هنا لتربية المهابة وتفخيم الميثاق وتهويل الخطب فى نقضه مع مافيه من رعاية حق الاستئناف المستدعى للانقطاع عما قبله والالتفات فى قوله تعالى : وبعثنا منهم اثنى عشر نقيبا للجرى على سنن الكبرياء وتقديم المفعول الغير الصريح على الصريح لمامر غير مرة من الاهتمام والتشويق النقيب قيل : فعيل بمعنى فاعل مشتقا من النقب بمعن التفتيش ومنه فنقبوا فى البلاد وسمى ذلك لتفتيشه عن أحوال القوم وأسرارهم وقيل : بمعنى مفعول كأن القوم اختاروه على علم منهم وتفتيش على أحوالهم
قال الزجاج : وأصله من النقب وهو الثقب الواسع والطريق فى الجبل ويقال : فلان حسن النقيبة أى جميل الخليقة ونقاب : للعالم بالأشياء الذكى القلب الكثير البحث عن الامور وهذا الباب كله معناه التأثير فى الشىء الذى له عمق ومن ذلك نقبت الحائط أى بلغت فى النقب آخره
روى أن بنى اسرائيل لما فرغوا من أمر فرعون أمرهم الله تعالى بالمسير إلى أريحاء أرض الشام وكان يسكنها الجبابرة الكنعانيون وقال سبحانه لهم : إنى كتبتها لكم دارا وقرارا فاخرجوا اليها وجاهدوا من فيها فانى ناصركم وأمر جل شأنه موسى عليه السلام أن يأخذ من كل سبط كفيلا عليهم بالوفاء فيما أمروا به فأخذ عليهم الميثاق

(6/85)


واختار منهم النقباء وسار بهم فلما دنا من أرض كنعان بعث النقباء يتجسون الاخبار ونهاهم أن يحدثوا قومهم فرأوا أجزاما عظاما وبأسا شديدا فهابوا فرجعوا وحدثوا قومهم إلا كالب بن يوقنا من سبط يهوذا ويوشع ابن نون من سبط إفرائيم بن يوسف عليه السلام وعند ذلك بنو إسرائيل لموسى عليه السلام : اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد أن النقباء لما دخلوا على الجبارين وجدوهم يدخل فى كم أحدهم اثنان منهم ولايحمل عنقود عنبهم إلا خمس أنفس بينهم فى خشبة ويدخل فى شطر الزمانة إذا نزع حبها خمس أنفس أو أربع وذكر البغوى أنه لقيهم رجل من أولئك يقال له : عوج بن عنق وكان طوله ثلاثة آلاف وثلثمائة وثلاثة وثلاثين ذراعا وثلث ذراعا وكان يحتجز بالسحاب ويشرب منه ويتناول الحوت من قرار البحر فيشويه بعين الشمس يرفعه اليها ثم يأكله ويروى أن الماء طبق ما على الأرض من جبل وماجاوز ركبتى عوج وعاش ثلاثة آلاف سنة حتى أهلكه الله تعالى على يد موسى عليه السلام وذلك أنه جاء وقور صخرة من الجبل على قدر عسكر موسى عليه السلام وكان فرسخا فى فرسخ وحملها عليهم فبعث الله تعالى الهدهد فقور الصخرة بمنقاره فوقعت فى عنقه فصرعه فأقبل موس عليه السلام وهو مصروع فقتله وكانت أمه عنق إحدى بنات آدم عليه السلام وكان مجلسها جريبا من الأرض فلما لقوا عوجا وعلى رأسه حزمة حطب أخذهم جميعا وجعلهم فى حزمته وانطلق بهم إلى امرأته وقال : انظرى إلى هؤلاء الذين يزعمون أنهم يريدون قتالنا وطرحهم بين يديها وقال : ألا أطحنهم برجلى فقالت امرأته : لابل خل عنهم حتى يخبروا قومهم بما رأوا ففعل انتهى
وأقول : قدشاع أمر عوج عند العامة ونقلوا فيه حكايات شنيعة وفى فتاوى العلامة ابن حجر قال الحافظ العماد بن كثير : قصة عوج وجميع مايحكون عنه هذيان لاأصل له وهو من مختلقات أهل الكتاب ولم يكن قط على عهد نوح عليه السلام ولم يسلم من الكفار أحد وقال ابن القيم من الأمور التى يعرف بها كون الحديث موضوعا أن يكون مما تقوم الشواهد الصحيحة على بطلانه كحديث عوج الطويل وليس العجب من جرأة وضع هذا الحديث وكذب على الله تعالى إنما العجب ممن يدخل هذا الحديث فى كتب العلم من التفسير وغيره ولايبين أمره ثم قال : ولاريب فى أن هذا وأمثاله من وضع زنادقة أهل الكتاب الذين قصدوا الاستهزاء والسخرية بالرسل الكرام عليهم الصلاة والسلام وأتباعهم انتهى
وأورد بن المنذر عن ابن عمر رضى من قصته شيئا عجيبا وتعقبه بعض المصنفين بأن هذا مما يستحى الشخص من نسبته إلى ابن عمر رضى الله تعالى عنهما ومشى صاحب القاموس على أن أخباره موضوعة وأخرج الطبرانى وأبو الشيخ وابن حبان فى كتاب العظمة فيه آثارا قال الحفاظ فى أطلولها المشتمل على غرائب من أحواله : إنه باطل كذب وقال الحافظ السيوطى : والأقرب فى خبر عوج أنه من بقية عاد وأنه كان له طول فى الجملة مائة ذراع أو شبه ذلك وأن موسى عليه الصلاة و السلام قتله بعصاه وهذا هو القدر الذى يحتمل قبوله انتهى ونعم ماقال فان بقاءه فى الطوفان مع كفره الظاهر إذ لم ينقل إيمانه ودعوة نوح عليه السلام التى عمت الأرض مما لايكاد يقبله المنصف وكذا بقاؤه بعد الطوفان مع قوله تعالى : وجعلنا ذريته هم الباقين مما لايسوغه العارف وشيه الحوت بعين الشمس مما لايكاد يعقل على ماذكره الحكماء فقد ذكر الخلخالى أنهم ذهبوا إلى أن الشمس ليست حارة وإلا لكان قلل الجبال أحر من الوهاد لقرب القلل

(6/86)


إلى الشمس وبعد الوهاد عنها بل الحرارة تحدث من وصول شعاع الشمس إلى وجه الأرض وانعكاسه عنه ولذلك يرى الوهاد أحر لتراكم الأشعة المنعكسة فيها فما وصل اليه الشعاع فيها فما وصل اليه الشعاع من وجه الأرض يصير حارا وإلا فلا وذكر نحو ذلك شارح حكمة العين ولايرد على هذا أن بعض الناس روى أن كذا ملائكة ترمى الشمس بالثلج إذا طلعت ولولا ذلك لأحرقت الأرض لأن ذلك مما لم يثبت عند الحافظ وهو إلى الوضع أقرب منه إلى الصحة ثم كان القائل بوجود عوج هذا من الناس لايقول بالطبقة الزمهرية التى هى الطبقة الثالة من طبقات العناصر السبع ولابما فوقها وإلا فكيف يكون الاحتجاز بالسحاب وهو كالرعد والبرق والصاعقة إنما ينشأ من تلك الطبق الباردة التى اليها أثر شعاع الشمس بالانعكاس من وجه الأرض وقد ذكروا أيضا أن فوقها طبقتين : الأولى مايمتزج مع النار وهى التى يتلاشى فيها الأدخنة المرتفعة عن السفل ويتكون فيها الكواكب ذوات الأذناب والينازك والثانية مايقرب من الخلوص إذ لايصل اليه حرارة مافوقه ولابرودة ماتحته من الأرض والماء وهى التى يحدث فيها الشهب فاذا احتجز هذا الرجل بالسحاب وصل رأسه على زعمهم إلى إحدى تينك الطبقتين فكيف يكون حاله مع ذلك البرد والحر ! ولاأظن بشرا كيف كان يقوى على ذلك على أن أصل الاحتجاز مما لايمكن بناءا على كلام الحكماء إذ قد علمت أن منشأ السحب الطبقة الزمهريرية
وفى كتاب نزهة القلوب نقلا عن الحكيم أبى نصر أن غاية ارتفاعها اثنى عشر فرسخا وستمائة ذراع وعن المتقدمين أنها ثمانية عشر فرسخا والفرسخ ثلاثة أميال والميل ثلاثة آلاف وخمسمائة ذراع انتهى
واختلفوا أيضا فى غاية انحطاطها ولم يذكر أحد منهم أنها تنحط إلى مايتصور معه احتجاز الرجل الذى ذكروا من طوله ماذكروا بالسحاب اللهم إلا أن يراد به سحاب لم يبلغ هذا الارتفاع ومع هذا كله قد اخطأوا فى قولهم : ابن عنق وانما هو ابن عوق كنوح كما نص على ذلك فى القاموس وهو أيضا اسم والده لا والدته كما ذكر هناك أيضا فليحفظ
وأخرج ابن حميد زابن جرير عن أبى العالية أنه قال فى الآية : أخذ الله تعالى ميثاق بنى اسرائيل أن يخلصوا له ولايعبدوا غيره وبعث منهم إثنى عشر كفيلا كفلوا عليهم بالوفاء لله تعالى بما واثقوه عليه من العهود فيما أمرهم به ونهاهم عنه واختاره الجبائى والنقباء حينئذ يجوز أن يكونوا رسلا وأن يكونوا رسلا وأن يكونوا رسلا وأن يكونوا قادة كما قال البلخى واختار أبو مسلم أنهم بعثوا أنبياء ليقيموا الدين ويعلموا الأسباط التوراة ويأمروهم بما فرضه الله تعالى عليهم وأخرج الطيبى عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما أنهم كانوا وزراء وصاروا أنبياء بعد ذلك وقال الله أى للنقباء عند الربيع ورجحه السمين للقرب وعند أكثر المفسرين لبنى اسرائيل ورجحه أبو حيان إذ هم المحتاجون إلى ماذكر من الترغيب والترهيب كما ينبىء عنه الالتفات مع مافيه من ترببة وتأكيد مايتضمنه الكلام من الوعد إنى معكم أسمع كلامكم وأرى أعمالكم وأعلم ضمائركم فأجازيكم بذلك وقيل : معكم بالنصرة وقيل : بالعلم والتعميم أولى
لئن أقمتم الصلاة واتيتم الزكاة وامنتم برسلى أى بجميعهم واللام موطئة للقسم المحذوف وتأخير الإيمان عن إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة مع كونهما من الفروع المترتبة عليه لما أنهم كما قال غير واحد كانوا معترفين

(6/87)


بوجوبهما حسبما يراد منهم مع ارتكابهم تكذيب بعض الرسل عليهم الصلاة والسلام ولمراعاة المقارنة بينه وبين قوله تعالى : وعزرتموهم وقال بعضهم : إن جملة وآمنتم برسلى إلى آخره كناية إيمائية عن المجاهدة ونصرة دين الله تعالى ورسله عليهم الصلاة والسلام والانفاق فى سبيله كأنه قيل : لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وجاهدتم فى سبيل الله يدل عليه قوله تعالى : ولاترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين فان المعنى لاترتدوا على أدباركم فى دينكم لمخالفتكم أمر ربكم وعصيانكم نبيكم عليه الصلاة و السلام وإنما وقع الاهتمام بشأن هذه القرينة دون الأولين وأبرزت فى معرض الكناية لأن القوم كانوا يتقاعدون عن القتال ويقولون لموسى عليه السلام إذهب وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون انتهى ولايخلو عن نظر
وقيل : إنما قدم إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة لأنها الظاهر من أحوالهم الدالة على إيمناهم و التعزيز أصل معناه المنع والذب وقيل : التقوية من العزر وهو والازر من واد واحد ولايخفى أن فى التقوية منعا لمن قويته عن غيره فهما متقاربان مم تجوز عن النصرة لما فيها من ذلك وعن التأديب وهو فى الشرع ماكان دون الحد لأنه رادع ومانع عن ارتكاب القبيح ولذا سمى فى الحديث نصرة فقد صح عنه صلى الله عليه و سلم انصر أخاك ظلما أو مظلوما فقال رجل : يارسول الله أنصره إذا كان مظلوما أفرأيت إن كان ظالما كيف أنصره فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : تحجزه أو تمنعه عن الظلم فان ذلك نصره وقال الراغب : التعزيز النصرة مع التعظيم وبالنصرة فقط فسره الحسن ومجاهد وبالتعظيم فقط فسره ابن زيد وأبو عبيدة وقرىء عزرتموهم بالتخفيف وأقرضتم الله أى بالاتفاق فى سبيل الخير وقيل : بالصدق بالصدقات المندوبة وأياما كان فهو استعارة لأنه سبحانه لما وعد بجزائه والثواب عليه شبه بالقرض الذى يقضى بمثله وفى كلام العرب قديما الصالحات قروض قرضا حسنا وهو ما كان عن طيب نفس على ماقال الأخفش وقيل مالايتبعه من ولا أذى وقيل : ماكان من حلال
وذكر غير واحد أن قرضا يحتمل المصدر والمفعول به لاكفرن عنكم سيئاتكم دال على جواب الشرط المحذوف وساد مسده معنى وليس هو الجواب له خلافا لأبى البقاء بل هو جواب القسم فقد تقرر أنه إذا اجتمع شرط وقسم أجيب السابق منهما إلا أن يتقدمه ذو خبر وجوز أن يكون هذا جوابا لما تضمنه قوله تعالى : ولقد أخذنا ميثاق اسرائيل من القسم وقيل : إن جوابه لئن اقمتم فلا تكون اللام موطئة أو تكون ذات وجهين وهو غريب وجملة القسم المشروط وجوابه مفسرة لذلك الميثاق المتقدم
ولأدخلنكم جنات تحرى من تحتها الأنهار عطف على ماقبله داخل معه فى حكمه متأخر عنه فى الحصول ضرورة تقدم التخلية على التحلية فمن كفر أى برسلى أو بشىء مما عدد فى حيز الشرط والفاء للترتيب بيان حكم من كفر على بيان حكم من آمن تقوية للترغيب بالترهيب بعد ذلك الشرط المؤكد المعلق به الوعد العظيم أعنى لأكفرن وقيل : بعد الشرط المؤكد المعلق بالوعد العظيم أعنى أنى معكم بناءا على حمل المعية على المعية بالنصرة والاعانة أو التوفيق للخير فأن الشرط معلق به من حيث المعنى نحو أنا معتن بشأنك إن خدمتنى رفعت محلك وقيل : المراد بعد ماشرطت هذا الوعد وأنعمت هذا الانعام

(6/88)


وقوله تعالى : منكم متعلق بمحذوف وقع حالا من فاعل كفر ولعل تغيير السبك حيث لم يقل وإن كفرتم عطفا على الشرطية السابقة كما قال شيخ الاسلام لاخراج كفر الكل عن حيز الاحتمال وإسقاط من كفر عن رتبة الخطاب ثم ليس المراد بالكفر إحداثه بعد الايمان بل مايعم الاستمرار عليه أيضا كأنه قيل : فمن اتصف بالكفر بعد ذلك إلا أنه قصد بايراد مايدل على الحدوث بيان ترقيتهم فى مراتب الكفر فان الاتصاف بشىء بعد ورده مايوجب الاقلاع عنه وإن كان استمرارا عليه لكن بحسب العنوان فعل جديد وصنع حادث فقد ضل سواء السبيل
12
- أى وسط الطريق وحاقه ضلالا لاشبهة فيه ولاعذر معه بخلاف من كفر قبل ذلك إذ ربما أن يكون له شبهة ويتوهم عذر
فبما نقضهم ميثاقهم أى بسبب نقضهم ميثاقهم المؤكد لابشىء آخر استقلالا وانضماما فالباء سببية و ما مزيدة لتوكيد الكلام وتمكينه فى النفس أو بمعنى شىء كما قال أبو البقاء والجار متعلق بقوله تعالى : لعنهم أى طردناهم وأبعدناهم من رحمتنا عقوبة لهم قاله عطاء وجماعة وعن الحسن ومقاتل أن المعنى مسخناهم قردة وخنازير وعن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما عذبناهم بضرب الجزية عليهم ولايخفى أن ماقاله عطاء أقرب إلى المعنى الحقيقى لأن حقيقة اللعن فى اللفة الطرد والابعاد فاستعماله فى المعنيين الأخيرين مجاز باستعماله فى لازم معناه وهو الحقارة بما ذكر لكنه لاقرينة فى الكلام عليه وتخيص البيان بما ذكر مع أن حقه أن يبين بعد بيان تحقق اللعن والنقض بأن يقال مثلا : فنقضوا ميثاقهم فلعناهم ضرورة تقدم هلية الشىء البسيطة على هليته المركبة كما قال شيخ الاسلام للايذان بأن تحققهما أمر جلى غنى عن البيان وإنما المحتاج إلى ذلك مابينهما من السببية والمسببية وجعلنا قلوبهم قاسية يابسة غليظة تنبو عن قبول الحق ولاتلين قاله ابن عباس رضى الله تعالى عنهما
وقيل : المراد سلبناهم التوفيق واللطف الذى تنشرح به صدورهم حتى وان على قلوبهم ماكانوا يكسبون وهذا كما تقول لغيرك : أفسدت سيفك إذا ترك تعاهده حتى صدىء وجعلت أظافيرك سلاحك إذا لم يقصها وقال الجبائى : المعنى بينا عن حال قلوبهم وماهى عليه من القساوة وحكمنا بأنهم لايؤمنون ولاتنفع فيهم موعظة ولايخفى أنه خلاف الظاهر وما دعا اليه إلا الاعتزال وقرأ حمزة والكسائى قسية وهى إما مبالغة قاسية لكونه على وزن فعيل أو بمعنى ردية من قولهم : درههم قسى إذا كان مغشوشا وهو أيضا من القسوة فأن المغشوش فيه يبس وصلابة وقيل : إن قيس غير عربى بل معرب وقرىء قسية بكسر القاف للاتباع يحرفون الكلام عن مواضعه استئناف لبيان مرتبة قساوة قلوبهم فانه لامرتبة أعظم مما ينشأ عنه الاجتراء على تحريف كلام رب العالمين والافتراء عليه عز و جل والتعبير بالمضارع للحكاية واستحضار الصورة وللدلالة على التجدد والاستمرار وجوز أن يكون حالا من مفعول لعناهم أو من المضاف اليه فى قلوبهم وضعف بما ضعف وجعله حالا من القلوب أو من ضميره فى قاسية كما قيل لايصح لعدم العائد منه إلى ذى الحال وجعل القلوب بمعنى أصحابها مما لايلتفت اليه أصحابها ونسوا حظا أى تركوا نصيبا وافيا واستعمال النسيان بهذا المعنى كثير مما ذكروا به من التوراة : أو مما أمروا به فيها من اتباع محمد صلى الله عليه و سلم

(6/89)


وقيل : حرفوا التوراة فسقطت بشؤم ذلك أشياء منها عن حفظهم وأخرج ابن المبارك وأحمد فى الزهد وعن مسعود قال : إنى لأحسب الرجل ينسى العلم كان يعلمه بالخطيئة يعلمها وفى معنى ذلك قول الشافعى رضى الله تعالى عنه : شكوت إلى وكيع سوء حفظى فأرشدنى إلى ترك المعاصى وأخبرنى بأن العلم نور ونور الله لايهدى لعاصى ولاتزال تطلع على خائنة منهم أى خيانة كما قرىء به على أنها مصدر على وزن فاعلة كالكاذبة واللاغية أو فعلة خائنة أى ذات خيانة وإلى ذلك يشير كلام ابن عباس رضى الله تعالى عنهما أو فرقة خائنة أو نفس خائنة أو شخص خائنة على أنه وصف والتاء للمبالغة لكنها فى فاعل قليلة ومنهم متعلق بمحذوف وقع صفة لها خلا أن من على الوجهين الأولين ابتدائية أى على خيانة أو فعلة ذات خيانة كائنة منهم صادرة عنهم وعلى الأوجه الأخر تبعيضية والمعنى إن الغدر والخيانة عادة مستمرة لهم ولأسلافهم كما يعلم من وصفهم بالتحريف وما معه بحيث لايكادون يتركونها أو يكتمونها فلا تزال ترى ذلك منهم إلا قليلا منهم استثناء من الضمير المجرور فى منهم والمراد بالقليل عبد الله بن سلام وأضرابه الذين نصحوا لله تعالى ورسوله صلى الله عليه و سلم وجعله بعضهم استثناء من خائنة على الوجه الثانى فالمراد بالقليل و من ابتدائية كما مر أى إلا قليلا كائنا منهم وقيل : الاسستثناء من قوله تعالى : وجعلنا قلوبهم قاسية فاعف عنهم واصفح أى إذا تابوا أو بذلوا الجزية كما روى عن الحسن وجعفر ابن مبشر واختاره الطبرى فضمير عنهم راجع إلى مارجع إليه نظائره وعن أبى مسلم أنه عائد على القليل المستثنى أى فاعف عنهم ماداموا على عهدك ولم يخونوك وعلى القوانين فالآية محكمة وقيل : الضمير عائد على مااختاره الطبرى وهى مطلقة إلا أنها نسخت بقوله تعالى : قاتلوا الذين لايؤمنون بالله الآية
وروى ذلك عن قتادة وعن الجبائى أنها منسوخة بقوله تعالى : وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ اليهم على سواء إن الله يحب المحسنين
13
- تعليل للامر وحث على الامتثال وتنبيه على أن العفو على الاطلاق من باب الاحسان
هذا ومن باب الاشارة فى الآيات ياأيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم أمر بالتطهير لمن أراد الوقوف بين الملك الكبير جل شأنه وعظم سلطانه وبدا بالوجه لأنه سبحانه وتعالى نقشه بنقش خاتم صافته وفى الفتوحات لاخلاف فى أن غسل الوجه فرض وحكمه فى الباطن المراقبة والحياء من الله تعالى مطلقا ثم اختلف الحكم فى الظاهر فى أن تحديد غسل الوجه فى الوضوء فى ثلاثة مواضع : منها البياض الذى بين العذار والاذن والثانى ماسدل من اللحية والثالث تخليل اللحية فأما البياض المذكور فمن قائل : بوجوب إمرار الماء عليه ومن قائل : بأنه لايجب وكذلك تخليل اللحية فمن قائل : بوجوبه ومن قائل : بأنه لايجب وحكم ذلك فى الباطن أما غسل الوجه مطلقا غير نظر إلى تحديد الأمر فى ذلك فان فيه ماهو فرض وفيه ماهو ليس بفرض فأما الفرض فالحياء من الله تعالى أن يراك حيث نهاك أو يفقدك حيث أمرك وأما السنة

(6/90)


منه فالحياء من الله تعالى أن تنظر إلى عورتك أو عورة امرأتك وإن كان ذلك قد أبيح لك لكن استعمال الحياء فيها أفضل وألى فما يتعين منه فهو فرض عليك وإلا يتعين ففعلته فهو سنة واستحباب فيراقب الانسان أفعاله ظاهرا وباطنا ويراقب ربه فى باطنه فان وجه قلبه هو المعتبر ووجه الانسان على الحقيقة ذاته يقال : وجه الشىء أى حقيقته وعينه وذاته فالحياء خير كله و الحياء من الإيمان ولايأتى إلا بخير وأما البياض الذى بين العذار والأذن وهو الحد الفاصل بين الوجه والأذن فهو الحد بين ماكلف الانسان من العمل فى وجهه والعمل فى سماعه فالعمل فى ذلك إدخال الحد فى المحدود فالأولى بالانسان أن يصرف حيائه فى سمعه كما صرفه فى بصره فكما أن الحياء غض البصر كما قاله تعالى : قل للمؤمنين أن يغضوا من أبصارهم كذلك يلزم الحياء من الله تعالى أن لايسمع مالايحل له غيبة وسوء قول من متكلم بما لاينبغى فان ذلك البياض هو بين العذار والأذن وهو محل الشبهة وهو أن يقول : أصغيت اليه لأرد عليه وهذا معنى العذار فانه من العذر أى الانسان يعتذر إذا قيل له : لم أصغيت إلى هذا القول بأذنك فيقول : إنى أردت أن أحقق سماع ماقال حتى أنهاه عنه فكنى عنه بالعذار فمن رأى وجوب ذلك عليه غسله ومن لم يرى وجوب ذلك إن شاء غسل وإن شاء ترك وأما غسل ماسترسل من اللحية وتخلليها فهى الأمور العوارض فان اللحية شىء يعرض فى الوجه وليست من أصله فكل مايعرض لك فى وجه ذلك من المسائل فأنت فيها بحكم ذلك العارض فان تعين عليك طهارة ذلك العارض فهو قول من يقول بوجوب غسله وإن لم يتعين عليك طهارته فطهرته استحبابا أو تركته لكونه ماتعين عليك فهو قول من لم يقل بوجوب الطهارة فيه وقد بين أن حكم الباطن يخالف الظاهر بأن فيه وجها إلى الفريضة ووجها إلى السنة والاستحباب فالفرض من ذلك لابد من إتيانه وغير الفرض عمله أولى من تركه وذلك سار فى جميع العبادات انتهى
وقال بعض العارفين : هذا خطاب للمؤمنين بالإيمان العلمى إذا قاموا عن نوم الغفلة وقصدوا صلاة الحضور والمناجاة الحقيقية والتوجه إلى الحق أن يطهروا وجوه قواهم بماء العلم النافع الطاهر المطهر من علم الشرائع والاخلاق والمعاملات الذى يتعلق بإزالة الموانع عن لوث صفات النفس وأول هذا الأيدى فى قوله تعالى : وأيديكم بالقوى والقدر أى طهروا أيضا قواكم وقدركم عن دنس تناول الشهوات والتصرفات فى مواد الرجس إلى المرافق أى قدر الحقوق والمنافع وقال الشيخ الاكبر قدس سره : أجمع الناس على غسل اليدين والذراعين واختلفوا فى إدخال المرافق فى هذا الغسل فمن قائل : بوجوب إدخالهما ومن قائل : بعدم الوجوب لكن لم ينازع بالاستحباب وحكم الباطن فى ذلك أن غسل اليدين والذراعين إشارة إلى غسلهما بالكرم والجود والسخاء والهباة والاعتصام والتوكل فان هذا وشبهه من نعوت اليدين والمعاصم للمناسبة بقى غسل المرافق وهى رؤية الأسباب التى يرتفق العبد ويأنس بها لنفسه فمن راى إدخال المرافق فى نفسه رأى أن الأسباب إنما وضعها الله تعالى حكمة منه فى خلقه فلا يريد أن تعطل حكمة الله تعالى لا على طريق الاعتماد عليها فان ذلك يقدح فى اعتماده على الله تعالى ومن رأى عدم إيجابها فى الغسل رأى سكون النفس إلى الأسباب وأنه لايخلص له مقام الاعتماد على الله تعالى مع وجود رؤية الاسباب ومل من يقول : بأنه لايجب غسلها يقول : يستحب كذلك رؤية الأسباب مستحبة عند الجميع وإن اختلفت أحكامهم فيها فان الله تعالى ربط الحكمة فى وجودها وامسحوا برءوسكم قال بعض العارفين : أى بجهات أرواحكم عن قتام كدورة القلب وغبار تغيره بالتوجه

(6/91)


إلى العالم السفلى ومحبة الدنيا بنور الهدى فان الروح لايتكدر بالتعلق بل يحتجب نوره عن القلب فيسود القلب ويظلم ويكفى فى انتشار نوره صقل الوجه العالى الذى يتوجه اليه فان القلب ذو وجهين : أحدهما إلى الروح والرأس هنا إشارة اليه والثانى إلى النفس وقواها وأحرى بالرجل أن تكون إشارة اليه
وقال الشيخ الأكبر قدس سره بعد أن بين اختلاف العلماء فى القدر الذى يجب مسحه : وأما حكم مسح الرأس فى الباطن فأصله من الرياسة وهى العلو والارتفاع ولما كان أعلا مافى البدن فى ظاهر العين وجميع البدن تحته سمى رأسا فان الرئيس فوق المرءوس وله جهة فوق وقد وصف الله تعالى نفسه بالفوقية على عباده بصفة القهر فقال سبحانه : وهو القاهر فوق عباده فكان الرأس أقرب عضو فى الجسد إلى الحق تعالى لمناسبة الفوقية ثم له الشرف الآخر فى المعنى الذى به رأس على البدن كله وهو أنه محل جميع القوى كلها الحسية والمعنوية فلما كانت له هذه الرياسة من هذه الجهة سمى رأسا ثم إن العقل الذى جعله الله تعالى أشرف مافى الانسان جعل محله اليافوخ وهو أعلى موضع فى الرأس فجعله سبحانه ممايلى جانب الفوقية ولما كان محلا لجميع القوى الظاهرة والباطنة ولكل قوة حكم وسلطان وفخر يورثها ذلك عزة على غيرها وكان محل هذه القوى من الرأس مختلفة فعمت الرأس كله وجب مسح كله فى هذه العبارة لهذه الرياسة السارية فيه كله من جهة هذه القوى بالتواضع والاقناع فيكون لكل قوة مسح مخصوص من مناسبة دعواها وهذا ملحظ من يرى وجوب مسح جميع الرأس ومن رأى تفاوت القوى بالرياسة فان القوة المصورة مثلا لها سلطان على للقوة الخيالية فهى الرئيسة عليها وإن كانت للقوة الخيالية رياسة قال : الواجب عليه مسح بعض الرأس وهو المقسم بالاعلى ثم اختلفوا فى هذا البعض فكل عارف قال بحسب ماأعطاه الله تعالى من الادراك فى مراتب هذه القوى فيمسح بحسب مايرى ومعنى المسح هو التذلل وإزالة الكبرياء والشموخ بالتواضع والعبودية لأن المتوضىء بصدد مناجاة ربه وطلب صلته والعزيز الرئيس إذا دخل على من ولاه تلك العزة ينعزل عن عزته ورياسته بعز من دخل عليه فيقف بين يديه وقوف العبيد فى محل الإذلال لا بصفة الاذلال فمن غلب على خاطره رياسة بعض القوى على غيرها وجب عليه مسح ذلك البعض من أجل الوصلة التى تطلب بهذه العبادة ولهذا لم يشرع مسح الرأس فى التميم لأن وضع التراب على الرأس من علامات الفراق فترى الفاقد حبيبه بالموت يضع التراب على رأسه وتفصيل رياسات القوى معلوم عن أهل هذا الشأن وأما التبعيض فى اليد الممسوح بها واختلافهم فى ذلك فاعمل فيه كما تعمل فى المسموح سواء فان المزيل لهذه الرياسة أسباب مختلفة فى القدرة على ذلك ومحمل ذلك اليد فمن مزيل بصفة القهر ومن مزيل بسياسة وترغيب إلى آخر ماقال : وأرجلكم أشير بها إلى القوى الطبيعية البدنية المنهمكة فى الشهوات والإفراط باللذلت وغسلها بماء علم الاخلاق وعلم الرياضيات حتى ترجع إلى الصفاء الذي يستعد به القلب للحضور والمناجاة
وفى الفتوحات اختلفوا فى صفة طهارتها بعد الاتفاق على أنها من أعضاء الوضوء هل ذلك بالغسل أو بالمسح أو بالتخيير بينهما ومذهبنا التخيير والجمع أولى وما من قول إلا وبه قائل والمسح بظاهر الكتاب والغسل بالسنة ومحتمل الآية بالعدول عن الظاهر منها وأما حكم ذلك فى الباطن فاعلم أن السعى إلى الجماعات وكثرة الخطا إلىالمساجد والثبات يوم الزحف مما تطهر به الأقدام فلتكن طهارة

(6/92)


رجليك بما ذكرناه وأمثاله ولاتتمثل بالنميمة بين الناس ولاتمش مرحا واقصد فى مشيك واغضض من صوتك ومن هذا ماهو فرض بمنزلة المرة الواحدة فى غسل عضو الوضوء الرجل وغيره ومنه ماهو سنة وهو مازاد على الفرض وهو مشيك فيما ندبك الشرع إليه وماأوجبه عليك فالواجب عليك نقل الأقدام إلى مصلاك والمندوب والمستحب والسنة وماشئت فقل من ذلك نقل الأقدام إلى المساجد من قرب وبعد فان ذلك ليس بواجب وإن كان الواجب من ذلك عند بعض الناس مسجدا لابعينه وجماعة لابعينها فعلى هذا يكون غسل رجليك فى الباطن من طريق المعنى واعلم أن الغسل يتضمن المسح فمن غسل فقد أدرج المسح فيه كأندراج نور الكواكب فى نور الشمس ومن مسح لم يغسل إلا فى مذهب من يرى وينقل عن العرب أن المسح لغة فى الغسل فيكون من الألفاظ المترادفة والصحيح فى المعنى فى حكم الباطن أن يستعمل المسح فيما يقتض الخصوص من الأعمال والغسل فيما يقتضى العموم ولهذا كان مذهبنا التخيير بحسب الوقت فان الشخص قد يسعى لفضيلة خاصة فى حاجة شخص بعينه بمنزلة المسح وقد يسعى للملك فى حاجة تعم الرعية فيدخل ذلك الشخص فى هذا العموم فذلك بمنزلة الغسل الذى اندرج فيه المسح انتهى
وإن كننتم جنبا فاطهروا الجنابة غربة العبد عن موطنه الذي يستحقه وليس إلا العبودية وتغريب صفة ربانية عن موطنها وكل ذلك يوجب التطهير وقوله تعالى : وإن كنتم مرضى الخ قد تقدم نظير
وفى الفتوحات اختلف فى حد الأيدى المذكورة فى هذه الطهارة فمن قائل : حدها مثل حد الوضوء ومن قائل : هو الكف فقط وبه أقول ومن قائل : إن الاستحباب إلى المرفقين والفرض الكفان ومن قائل : إن الفرض إلى المناكب والاعتبار فى ذلك أنه لما كان التراب فى الأرض أصل نشأة الإنسان وهو تحقيق عبوديته وذلته أمر بطهارة نفسه من التكبر بالتراب وهو حقيقة عبوديته ويكون ذلك بنظره فى أصل خلقه ولما كان من جملة مايدعيه الاقتدار والعطاء مع أنه مجبول علىالعجز والبخل وهذه الصفات من صفات الأيدى قيل له عند هذه الدعوة ورؤية نفسه فى الاقتدار الظاهر منه والكرم والعطاء : طهر نفسك من هذه الصفة بنظرك فيما جبلت عليه من ضعفك ومن بخلك فقد قال تعالى : خلقكم من ضعف ومن يوق شح نفسه وإذا مسه الخير منوعا فاذا نزظر إلى هذا الأصل زكت نفسه وتطهرت من الدعوى واختلفوا فى عدد الضربات على الصعيد للتيمم فمن قائل : واحدة ومن قائل : اثنتان والقائلون بذلك منهم من قال : ضربة للوجه وضربة لليدين ومنهم من قال : وضربتان لليد وضربتان للوجه ومذهبنا أنه من ضرب واحدة أجزأه ومن ضرب اثنتين إجزأه وحديث الضربة الواحدة أثبت والاعتبار فى ذلك التوجه إلى مايكون به هذه الطهارة فمن غلب التوحيد فى الأفعال قال : بالضربة الواحدة ومن غلب حكم السبب الذى وضعه الله تعالى ونسب الفعل إلى الله تعالى مع تعريته عند مثل قوله تعالى : والله خلقكم وما تعلمون فأثبت ونفى قال : بالضربتين ومن قال : إن ذلك فى كل فعل قال : بالضربتين لكل عضو انتهى
وقد أطال الشيخ قدس سره الكلام فى أنواع الطهارة وأتى فيه بالعجب العجاب مايريد الله ليجعل عليكم من حرج أى ضيق ومشقة بكثرة المجاهدات ولكن يريد ليطهركم من الصفات الخبيثة وعن سهل : الطهارة على سبع أوجه : طهارة العلم من الجهل وطهارة الذكر من النسيان وطهارة اليقين من الشك وطهارة العقل من الحمق وطهارة الظن من التهمة وطهارة الإيمان مما دونه وطهارةالقلب من

(6/93)


الإرادات وقال : إسباغ طهارة الظاهر تورث طهارة الباطن وإتمام الصلاة يورث الفهم عن الله تعالى والطهارة تكون فى اشياء فى صفاء المطعم ومباينة الأنام وصدق اللسان وحشوع السر وكل واحد من هذه الأربع مقابل لما أمر الله تعالى بتطهيره وغسله من الأعضاء الظاهرة
وقال ابن عطاء : البواطن مواضع نظر الحق سبحانه فقد روى عنه صلى الله عليه و سلم إنا الله تعالى لاينظر إلى صوركم ولا إلى أعمالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم فموضع نظر الحق جل وعلا أحق بالطهارة وذلك إنما يكون بإزالة أنواع الخيانات والمخالفات وفنون الوساوس والغش والحقد والرياء والسمعة وغير ذلك من المناهى وليس شىء على العارفين أشد من جمع الهم وطهارة السر وفى إضافة التطهير اليه تعالى مالايخفى من اللطف وليتم نعمته عليكم بالتكميل وقال بعض العارفين : إتمام النعمة لقوم نجاتهم بتقواهم وعلى آخرين نجاتهم عن تقواهم فشتان بين قوم وقوم ولعلكم تشكرون نعمة الكمال بالاستقامة والقيام بحق العدالة عند البقاء بعد الفناء واذكروا نعمةالله عليكم بالهداية إلى طريق الوصول اليه وميثاقه الذي واثقكم به وهو عقود عزائمه المذكورة إذ قلتم سمعنا وأطعنا أى إذا قبلتموها من معدن النبوة بصفاء الفطرة وقال بعضهم : المراد بنعمة الله تعالى هدايته سبحانه السابقة فى الأزل لأهل السعادة وبالميثاق الميثاق الذى واثق الله تعالى به عباده أن لايشتغلوا بغيره عنه سبحانه وقال أبو عثمان : النعم كثيرة وأجلها المعرفة به سبحانه المواثيق كثيرة وأجلها الايمان ياأيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم أى من قوى نفوسكم المحجوبة وصفاتها أن يبسطوا اليكم أيديهم بالاستيلاء والقهر لتحصيل مآربها وملاذها فكف أيديهم عنكم أى فمنعها عنكم بما أراكم من طريق التطهير والتنزيه واتقوا الله واجعلوه سبحانه وقاية فى قهرها ومنعها وعلى الله فليتوكل المؤمنون برؤية الأفعال كلها منه عز و جل ولقد أخذ الله ميثاق بنى إسرائيل وبعثنا منهم اثنى عشر نقيبا وهم فى الأنفس الحواس الخمس الظاهرة والخمس الباطنة والقوة العاقلة النظرية والقوة العملية وذكر غير واحد من سادتنا الصوفية أن النقباء أحد أنواع : الأولياء : نفعنا الله تعالى ببركاتهم ففى الفتوحات : ومنهم النقباء وهم اثنا عشر نقيبا فى كل زمان لايزيدون ولاينقصون على عدد بروج الفلك الإثنى عشر برجا كل نقيب عالم بخاصية كل برج وبما أودع الله تعالى فى مقامه من الأسرار والتأثيرات ومايعطى للنزلاء فيه من الكواكب السيارة والثوابت فان للثوابت حركات وقطعا فى البروج لايشعر به فى الحس لأنه لايظهر ذلك إلا فى آلاف من السنين وأعمار الرصد تقصر عن مشاهدة ذلك واعلم أن الله تعالى قد جعل بأيدى هؤلاء النقباء علوم الشرائع المنزلة ولهم استخراج خبايا النفوس وغوائلها ومعرفة مكرها وخداعها وإبليس مكشوف عندهم يعرفون منه مالايعرفه من نفسه وهم من العلم بحيث إذا رأى أحدهم أثر وطأة شخص فى الأرض علم أنها وطأة سعيد أو شقى مثل العلماء بالآثار والقيافة وبالديار المصرية منهم كثير يخرجون الأثر فى الصخور وإذا رأووا شخصا يقولون : هذا الشخص هو صاحب ذلك الأثر وليسوا بأولياء فما ظنك بما يعطيه الله تعالى لهؤلاء النقباء من علوم الآثار انتهى
وقد عد الشيخ قدس سره فيها أنواعا كثيرة والسلفيون ينكرون أكثر تلك الأسماء ففى بعض فتاوى ابن تيمية وأما الأسماء الدائرة على ألسنة كثير من النساك والعامة مثل الغوث الذى بمكة والأوتاد الأربعة

(6/94)


والأقطاب السبعة والأبدال الاربعين والنجباء الثلثمائة فهى ليست موجودة فى كتاب الله تعالى ولاهى مأثورة عن النبى صلى الله عليه و سلم لا باسناد صحيح ولاضعيف محتمل إلا لفظ الأبدال فقد روى فيهم حديث شامى منقطع الاسناد عن على كرم الله تعالى وجهه مرفوعا إلى النبى صلى الله عليه و سلم أنه قال : إن فيهم يعنى أهل الشام الأبدال أربعين رجلا كلما مات رجل أبدل الله تعالى مكانه رجلا ولاتوجد أيضا فى كلام السلف انتهى وأنا أقول : وما أنا إلا من غزية إن غوت غويت وإن ترشد غزية أرشد وقال الله تعالى : إنى معكم بالتوفيق والإعانة لئن أقمتم للصلاة وتحليتم بالعبادات البدنية وآتيتم الزكاة وتخليم عن الصفات الذميمة من البخل والشح فزهدتم وآثرتم وآمنتم برسلى جميعهم من العقل والالهامات والافكار الصائبة والخواطر الصادقة من الروح والقلب وإمداد الملكوت وعزرتموهم أى وعظتموهم بأن سلطتموهم على شياطين الوهم وقويتموهم ومنعتموهم من الوساس وإلقاء الوهميات والخيالات والخواطر النفسانية وأقرضتم الله قرضا حسنا بأن تبرأتم من الحول والقوة والعلم والقدرة وأسندتم كل ذلك إليه عز شأنه بل ومن الأفعال والصفات جميعها بل ومن الذات بالمحو والفناء وإسلامها إلى باريها جل وعلا لأكفرن عنكم سيآتكم التى هى الحجب والموانع لكم ولأدخلنكم جنات مما عندى تجرى من تحتها الأنهار وهى أنهار علوم التوكل والرضاء والتسليم والتوحيد وتجليات الأفعال والصفات والذات فمن كفر بعد ذلك العهد وبعث النقباء منكم فقد ضل سواء السبيل وهلك مع الهالكين فبما نقضهم ميثاقهم الذى وثقوه لعناهم وطردناهم عن الحضرة وجعلنا قلوبهم قاسية باستيلاء صفات النفس عليها وميلها إلى الامور الأرضية يحرفون الكلم عن مواضعه حيث حجبوا عن أنوار الملكوت والجبروت التى هى كلمات الله تعالى واستبدلوا قوى أنفسهم بها واستعملوا وهمياتهم وخيالاتهم بدل حقائقها ونسوا حظا نصيبا وافرا مما ذكروا به فى العهد اللاحق وهو ماأتوه فى العهد السابق من الكمالات الكامنة فى استعداداتهم الموجودة فيها بالقوة ولاتزال تطلع على خائنة منهم من نقض عهد ومنع أمانة لاستيلاء شيطان النفس عليهم وقساوة قلوبهم إلا قليلا منهم وهو من جره استعداده إلى مافيه صلاحه فاعف عنهم واصفح إن الله يحب المحسنين إلى عباده باللطف والمعاملة الحسنة جعلنا الله تعالى وإياكم من المحسنين
ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم شروع فى بيان قبائح النصارى وجناياتهم إثر بيان قبائح وجنايات إخوانهم اليهود ومن متعلقة بأخذنا وتقديم الجار للاهتمام ولأن ذكر إحدى الطائفتين مما يوقع فى ذهن السامع أن حال الأخرى ماذا كأنه قيل : ومن الطائفة الأخرى أيضا أخذنا ميثاقهم والضمير المجرور راجع إلى الموصول أو عائد على بنى إسرائيل الذين عادت إليهم الضمائر السلبقة وهو نظير قولك : أخذت من زيد ميثاق عمرو أى مثل ميثاقه
وجوز أن يكون الجار متعلقا بمحذوف وقع خبرا لمبتدا محذوف أيضا وجملة أخذنا صفة أى ومن الذين قالوا إنا نصارى قوم أخذنا منهم ميثاقهم وقيل : المبتدأ المحذوف من الموصولة أو الموصوفة ولايخفى أن جواز حذف الموصول وإبقاء صلته لم يذهب اليه سوى الكوفيين وإنما قال سبحانه : قالوا إنا نصارى ولم يقل جلا وعلا ومن النصارى كما هو الظاهر دون إطناب للايماء كما قال بعضهم : إلى أنهم على دين النصرانية بزعمهم

(6/95)


وليسوا عليها فى الحقيقة لعدم عملهم بموجبها ومخالفتهم لما فى الانجيل من التبشير بنبينا صلى الله عليه و سلم وقيل : للاشارة إلى أنهم لقبوا بذلك أنفسهم على معنى أنهم أنصار الله تعالى وأفعالهم تقتضى نصرة الشيطان فيكون العدول عن الظاهر ليتصور تلك الحال فى ذهن السامع ويتقرر أنهم ادعوا نصرة الله تعالى وهم منها بمعزل ونكتة تخصيص هذا الموضع بإسناد النصرانية إلى دعواهم أنه لما كان المقصود فى هذه الآية ذمهم بنقض الميثاق المأخوذ عليهم فى نصرة الله تعالى ناسب ذلك أن يصدر الكلام بما يدل على أنهم لم ينصروا الله تعالى ولم يفوا بما واثقوا عليه من النصرة وماكان حاصل أمرهم إلا التفوه بالدعوى وقولها دون فعلها ولايخفى أن هذا مبنى على على أن وجه تسميتهم نصارى كونهم أنصار الله تعالى وهو وجه مشهور ولهذا يقال لهم أيضا : أنصار وفى غير ما موضع أن عيسى عليه السلام ولد فى سنة أربع وثلثمائة لغلبة الأسكندر فى بيت لحم من المقدس ثم سارت به أمه عليها السلام إلى مصر ولما بلغ اثنتى عشرة سنة عادت به إلى الشام فأقام ببلدة تسمى الناصرة أو نصورية وبها سميت النصارى ونسبوا إليها وقيل : إنهم جمع نصران كندامى وندمان أو جمع نصرى كمهرى ومهارى والنصرانية والنصرانة واحدة النصارى والنصرانية أيضا دينهم ويقال لهم : نصارى وأنصار وتنصر دخل فى دينهم فنسوا على إثر أخذ الميثاق حظا نصيبا وافرا مما ذكروا به فى تضاعيف الميثاق من الإيمان بالله تعالى وغير ذلك من الفرائض وقيل : هو ماكتب عليهم فى الانجيل من الإيمان بالنبى صلى الله عليه و سلم فنبذوه وراء ظهورهم واتبعوا أهواءهم وتفرقوا إلى اثنتين وسبعين فرقة فأغرينا أى ألزمنا وألصقنا وأصله اللصوق يقال : غريت بالرجل غرى إذا لصقت به قاله الأصمعى وقال غيره : غريت به غراءا بالمد وأغريت زيدا بكذا حتى غرى به ومنه الغراء الذي يلصق به الأشياء وقوله تعالى : بينهم ظرف لأغرينا أو متعلق بمحذوف وقع حالا من مفعوله أى أغرينا العدواة والبغضاء كائنة بينهم
قال أبو البقاء : ولاسبيل إلى جعله ظرفا لهما لأن المصدر لايعمل فيما قبله وأنت تعلم أن منهم من أجاز ذلك إذا كان المعمول ظرفا وقوله تعالى : الى يوم القيامة إما غاية للاغراء أو للعدواة والبغضاء أى يتعادون ويتباغضون إلى يوم القيامة حسبما تقتضيه أهوائهم المختلفة وآراؤهم الزائغة المؤدية إلى التفرق إلى الفرق الكثيرة ومنها النسطورية : واليعقوبية والملكانية وقد تقدم الكلام فيهم فضمير بينهم إلى النصارى كما روى عن الربيع واختاره الزجاج والطبرى وعن الحسن وجماعة من المفسرين أنه عائد على اليهود والنصارى وسوف ينبئهم الله بما كانوا يصنعون
14
- فى الدنيا من نقض الميثاق ونسيان الحظ الوافر مما ذكروا به والكلام مساق للوعيد الشديد بالجزاء والعقاب فالإنباء مجاز عن وقوع ذلك وانكشافه لهم لا أن ثمت أخبار حقيقة والنكتة فى التعبير بالإنباء الإنباء بأنهم لايعلمون حقيقة مايعملونه من الأعمال السيئة واستتباعها للعذاب فيكون ترتيب العذاب عليها فى إفادة العلم بحقيقة حالها بمنزلة الإخبار بها والالتفات إلى ذكر الاسم الجليل لما مر مرارا والتعبير عن العمل بالصنع للإيذان برسوخهم فيه وسوف لتأكيد الوعيد ياأهل أهل الكتاب التفات إلى خطاب الفريقين من اليهود والنصارى على أن الكتاب جنس صادق بالواعد

(6/96)


والاثنين وما فوقهما والتعبير عنهم بعنوان أهلية الكتاب للتشنيع فان أهلية الكتاب من موجبات مراعاته والعمل بمقتضاه وبيان مافيه من الأحكام وقد فعلوا وهم يعلمون قد جاءكم رسولنا محمد صلى الله عليه و سلم والتعبير عنه بذلك مع الإضافة إلى ضمير العظمة للتشريف والايذان بوجوب اتباعه عليه الصلاة و السلام يبين لكم حال من رسولنا وإيثار الفعلية للدلالة على تجدد البيان أى حال كونه مبينا لكم على سبيل التدريج حسبما تقتضيه المصلحة كثيرا كنتم تخفون من الكتاب أى التوراة والانجيل وذلك كنعت النبى صلى الله عليه و سلم وآية الرجم وبشارة عيسى بأحمد عليهما الصلاة والسلام وأخرج ابن جرير عن عكرمة أنه قال : إن نبى الله تعالى صلى الله عليه و سلم أتاه اليهود يسألونه عن الرجم فقال عن الرجم فقال عليه الصلاة و السلام : أيكم أعلم فأشاروا إلى ابن صوريا فناشده بالذى أنزل التوراة على موسى عليه الصلاة و السلام والذى رفع الطور وبالمواثيق التى أخذت عليهم حتى أخذه أفكل فقال : إنه لما كثر فينا جلدنا مائة وحلقنا الرءوس فحكم عليهم بالرجم فأنزل الله تعالى هذه الآية وتأخير كثيرا عن الجار والمجرور لما مر غير مرة والجمع بين صيغتى الماضى والمستقبل للدلالة على استمرارهم على الكتم والاخفاء و مما متعلق بمحذوف وقع صفة لكثيرا وما موصولة اسمية ومابعدها صلتها والعائد محذوف ومن الكتاب حال من ذلك المحذوف أى يبين لكم كثيرا من الذى تخفونه على الاستمرار حال كونه من الكتاب الذى أنتم أهله والعاكفون عليه ويعفوا عن كثير أى ولا يظهر كثيرا مما تخفونه إذا لم تدع اليه داعية دينية صيانة لكم عن زيادة الافتضاح وقال الحسن : أى يصفح عن كثير منكم ولايؤاخذه إذا تاب واتبعه وأخرج ابن حميد عن قتادة مثله واعترض أنه مخالف للظاهر لأن الظاهر أن يكون هذا الكثير كالكثير السابق وفيه نظر كما قال الشهاب لأن النكرة إذا أعيدت نكرة فهى متغايرة نعم اختار الأول الجبائى وجماعة المفسرين والجملة معطوفة على الجملة الحالية داخلة فى حكمها قد جاءكم من الله نور عظيم وهو نور الأنوار والنبى المختار صلى الله عليه و سلم وإلى هذا ذهب قتادة واختاره الزجاج وقال أبو على الجبائى : عنى بالنور القرآن لكشفه وإظهاره طرق الهدى واليقين واقتصر على ذلك الزمخشرى وعليه فالعطف فى قوله تعالى : وكتاب مبين لتنزيل المغايرة بالعنوان منزلة المغايرة بالذات وأما على الأول فهو ظاهر وقال الطيبى : إنه أوفق لتكرير قوله سبحانه : قد جاءكم بغير عاطف فعلق به أولا وصف الرسول والثان وصف الكتاب وأحسن منه ماسلكه الراغب حيث قال : بين فى الآية الأولى والثانية النعم الثلاث التى خص بها العباد النبوة والعقل والكتاب وذكر فى الآية الثالثة ثلاثة أحكام يرجع كل واحد إلى نعمة مما تقدم فيهدى به إلى آخره يرجع إلى قوله سبحانه : قد جاءكم رسولنا ويخرجهم الخ يرجع إلى قوله تعالى : قد جاءكم رسولنا ويخرجهم الخ يرجع إلى قوله تعالى : قد جاءكم نور ويديهم يرجع إلى قوله عز شأنه : وكتاب مبين كقوله : هدى للمتقين انتهى
وأنت تعلم أنه لادليل لهذا الإرجاع سوى اعتبار الترتيب اللفظى ولو أرجعت الأحكام الثلاثة إلى الأول لم يمتنع ولايبعد عندى أن يراد بالنور والكتاب المبين النبى صلى الله عليه و سلم والعطف عليه كالعطف على ماقاله الجبائى ولاشك فى صحة إطلاق كل عليه عليه الصلاة و السلام ولعلك تتوقف فى قبوله من باب

(6/97)


العبارة فليكن ذلك من باب الإشارة والجار والمجرور متعلق بجاء و من لابتداء الغاية مجازا أو متعلق بمحذوف وقع حالا من نور وتقديم ذلك على الفاعل للمسارعة إلى بيان كون المجىء من جهته تعالى العالية والتشويق إلى الجائى ولأن فيه نوع طول يخل تقديمه بتجاوب النظم الكريم والمبين من بان اللازم بمعنى ظهر فمعناه الظاهر الإعجاز ويجوز أن يكون من المتعدى فمعناه المظهر ماكان خافيا عليهم
يهدى به الله توحيد الضمير لاتحاد المرجع بالذات أو لكونهما فى حكم الواحد أو لكون المراد يهدى بما ذكر وتقديم المجرور للاهتمام نظرا إلى المقام وإظهار الاسم الجليل لإظهار كمال الاعتناء بأمر الهداية ومحل الجملة الرفع على أنها صفة ثانية لكتاب أو النصب على الحالية منه لتخصيصه بالصفة
وجوز أبو البقاء أن تكون حالا من رسولنا بدلا من يبين وأن تكون حالا من الضمير فى يبين وأن تكون حالا من الضمير فى مبين وأن تكون صفة لنور من اتبع رضوانه أى من علم الله تعالى أنه يريد اتباع رضا الله تعالى بالإيمان به و من موصولة أو موصوفة سبل السلامة أى طرق السلامة من كل مخافة قاله الزجاج فالسلام مصدر بمعنى السلامة
وعن الحسن والسدى أنه أسمه تعالى ووضع المظهر ووضع المظهر موضع المضمر ردا على اليهود والنصارى والواصفين له سبحانه بالنقائص تعالى عما يقولون علوا كبيرا والمراد حينئذ بسبله تعالى شرائعه سبحانه التى شرعها لعباده عز و جل ونصبها قيل : على أنها مفعول ثان ليهدى على إسقاط حرف الجر نحو واختار موسى وقومه
وقيل : إنها بدل من رضوان بدل كل من كل أو بعض من كل أو اشتمال والرضوان بكسر الراء وضمنها لغتان وقد قرىء بهما و السبل بضم الباء والتسكين لغة وقد قرىء به ويخرجهم الضمير المنصوب عائد إلى من والجمع باعتبار المعنى كما أن افراد الضمير المرفوع فى اتبع باعتبار اللفظ
من الظلمات إلى النور أى من فنون الكفر والضلال إلى الإيمان بإذنه أى بارادته أو بتوفيقه
ويهيدهم إلى صراط مستقيم وهو دين الاسلام الموصل إلى الله تعالى كما قاله الحسن وفى إرشاد العقل السليم وهذه الهداية عين الهداية إلى سبل السلام وإنما عطفت عليها تنزيلا للتغاير الوصفى منزلة التغاير الذاتى كما فى قوله : فلما جاء أمرنا نجينا شعيبا والذين آمنوا معه برحمة منا ونجيناهم من عذاب غليظ
وقال الجبائى : المراد بالصراط المستقيم طرق الجنة لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم لاغير المسيح كما يقال : الكرم هو التقوى وأن الله تعالى هو الدهر أى الجالب للحوادث لاغير الجالب فالقصر هنا للمسند اليه على المسند بخلاف قولك : زيد هو المنطلق فان معناه لاغير زيد والقائلون لذلك على ماهو المشهور هم اليعقوبية المدعون بأن الله سبحانه قد يحل فى بدن إنسان معين أو فى روحه
وقيل : لم يصرح بهذا القول أحد من النصارى ولكن لما زعموا أن فيه لاهوتا مع تصريحهم بالوحدة وقولهم : لاإله إلا واحد لزمهم أن الله سبحانه هو المسيح فنسب اليهم لازم قولهم توضيحا لجهلهم وتفضيحا لمعتقدهم وقال الراغب : فان قيل : إن أحدا لم يقل الله تعالى هو المسيح وإن قالوا المسيح هو الله تعالى وذلك أن عندهم أن المسيح من لاهوت وناسوت فيصح أن يقال المسيح هو اللاهوت وهو ناسوت كما صح أن يقال : الانسان

(6/98)


هو حيوان مع تركبه من العناصر ولايصح أن يقال : اللاهوت هو المسيح كما لايصح أن يقال : الحيوان هو الانسان قيل : إنهم قالوا هو المسيح على وجه آخر غير ماذكرت وهو ماروى عن محمد بن كعب القرظى أنه لما رفع عيسى عليه الصلاة و السلام اجتمع طائفة من علماء بنى إسرائيل فقالوا : ماتقولون فى عيسى عليه الصلاة و السلام فقال أحدهم : أو تعلمون أحدا يحيى الموتى إلا الله تعالى فقالوا : لا فقال : أو تعلمون أحدا يبرىء الاكمه والأبرص إلا الله تعالى قالوا : لا قالوا : فما الله تعالى إلا من هذا وصفه أى حقيقة الآليهة فيه وهذا كقولك : الكريم زيد أى حقيقة الكرم فى زيد وعلى هذا قولهم : إن الله هو المسيح انتهى وأنت تعلم أنه مع دعوى أن القائلين بالاتحاد يقولون بانحصار المعبود فى المسيح كماهو ظاهر النظم لايرد شىء قل يا محمد تبكيتا لهم وإظهار لبطلان قولهم الفاسد وإلقاما لهم الحجر وقد يقال : الخطاب لكل من له أهلية ذلك والفاء فى قوله تعالى : فمن يملك من الله شيئا عاطفة على مقدر أو جواب شرط محذوف ومن استفهامية للانكار والتوبيخ والملك الضبط والحفظ التام عن حزم والمراد هنا فمن يمنع أو يستطيع كما فى قوله : أصبحت لاأحمل السلاح ولا أملك رأس البعير إن نفرا و من الله متعلق به على حذف مضاف أى ليس الأمر كذلك أو إن كان كما تزعمون فمن يمنع من قدرته تعالى وإرادته شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن فى الأرض جميعا ومن حق من يكون إلها أن لايتعلق به ولابشأن من شئونه بل بشىء من الموجودات قدرة غيره فضلا عن أن يعجز عن دفع شىء منها عند تعلقها بهلاكه فلما كان عجزه بينا لاريب فيه ظهر كونه بمعزل عما تقولون فيه
والمراد بالإهلاك الإماتة والإعدام مطلقا لا عن سخط وغضب وإظهار المسيح على الوجه الذى نسبوا إليه الألوهية حيث ذكرت معه الصفة فى مقام الاضمار لزيادة التقرير والتنصيص على أنه من تلك الحيثية بعينها داخل تحت قهره تعالى وملكوته سبحانه وقيل : وصفه بذلك للتنبيه على أنه حادث تعلقت به القدرة بلا شبهة لأنه تولد من أم وتخصيص الأم بالذكر مع اندراجها فى عموم المعطوف لزيادة تأكيد عجز المسيح ولعل نظمها فى سلك من فرض إهلاكهم مع تحقق هلاكها قبل لتأكيد التبكيت وزيادة تقرير مضمون الكلام بجعل حالها أنموذجا لحال بقية من فرض إهلاكه وتعميم إرادة الإهلاك مع حصول الغرض بقصرها على عيسى عليه الصلاة و السلام لتهويل الخطب وإظهار كمال العجز ببيان أن الكل تحت قهره وملكوته تعالى لايقدر على دفع ماأريد به فضلا عما أريد بغيره وللايذان بأن المسيح أسوة لسائر المخلوقات فى كونه عرضة للهلاك كما أنه أسوة لهم فى العجز وعدم استحقاق الألوهية قاله المولى أبو السعود و جميعا حال من المتعاطفات وجوز أن يكون حالا من من فقط لعمومها وقوله تعالى : ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما أى مابين طرفى العالم الجسمانى فيتناول ما فى السماوات من الملائكة وغيرها ومافى أعماق الأرض والبحار من المخلوقات قيل : تنصيص على كون الكل تحت قهره تعالى وملكوته إثر الاشارة إلى كون البعض كذلك أى له تعالى وحده ملك جميع الموجودات والتصرف المطلق فيها إيجادا وإعداما وإحياءا وإماتة لا لأحد سواه استقلالا ولا اشتراكا فهو تحقيق لاختصاص الألوهية به تعالى إثر بيان انتفائها عما سواه وقيل : دليل آخر على نفى ألوهية عيسى عليه الصلاة و السلام لأنه لو كان إلها كان

(6/99)


له ملك السموات والارض وما بينهما وقيل : دليل على نفى كونه عليه الصلاة و السلام ابنا ببيان أنه مملوك لدخوله تحت العموم ومن المعلوم أن المملوكية تنافى البنوة وقوله تعالى : يخلق مايشاء جملة مستأنفة مسوقة لبيان بعض أحكام الملك والألوهية على وجه يزيح مااعتراهم من الشبه فى أمر المسيح عليه السلام لولادته من غير أب وخلق الطير وإبراء الاكمه والأبرص وإحياء الموتى و وما نكرة موصوفة محلها النصب على المصدرية أى يخلق أى خلق يشاؤه فتارة يخلق من غير أصل كخلق السماوات والارض مثلا وأخرى من أصل كخلق بعض مابينهما وذلك متنوع أيضا فطورا ينشىء من أصل ليس من جنسه كخلق آدم وكثير من الحيوانات وتارة من أصل يجانسه إما من ذكر وحده كخلق حواء أو من أنثى وحدها كخلق عيسى عليه الصلاة و السلام أو منهما كخلق سائر الناس ويخلق بلا توسط شىء من المخلوقات وقد يخلق بتوسط مخلوق آخر كخلق الطير على يد عيسى عليه السلام معجزة له وإحياء الموتى وإبراء الاكمه والأبرص فينبغى أن ينسب كل ذلك اليه تعالى لا من أجرى على يده قاله غير واحد
وقيل : إن الجملة جىء بها ههنا مبينة لما هو المراد من قوله تعالى : ولله ملك السموات والأرض الخ بحسب اقتضاء المقام و ما نصب على المصدرية أيضا وقيل : يجوز أن تكون موصولة ومحلها النصب على المفعولية أى يخلق الذى يشاء أن يخلقه والجملة مسوقة لبيان أن قدرته تعالى أوسع من عالم الوجود وعلى كل تقدير فقوله سبحانه : والله على كل شىء قدير
17
- تذييل مقرر لمضمون ماقبله وإظهار الاسم الجليل لما مر من التعليل وتقوية استقلال الجملة وقالت اليهود والنصارى نحن أبناؤا الله وأحباؤه حكاية لما صدر من الفريقين من الدعوى الباطلة لأنفسهم وبيان لبطلانها إثر ذكر ماصدر عن أحدهما من الدعوى الباطلة لغيره وبيان بطلانها أى قال كل من الطائفتين هذا القول الباطل ومرادهم بالأبناء المقربون أى نحن مقربون عند الله تعالى قرب الأولاد من والدهم و بالاحياء جمع حبيب بمعنى محب أو محبوب ويجوز أن يكون أرادوا من الأبناء الخاصة كما يقال : أبناء الدنيا وأبناء الآخرة وأن يكون أرادوا أشياع من وصف بالنبوة أى قالت اليهود نحن أشياع ابنه عزير وقالت النصارى : نحن أشياع ابنه المسيح عليهما السلام وأطلق الأبناء على الأشياع مجازا إما تغليبا أو تشبيها لهم بالابناء فى قرب المنزلة وهذا كما يقول أتباع الملك : نحن الملوك وكما أطلق على أشياع أبى خبيب عبد الله بن الزبير الخبيبون فى قوله :
قدنى من نصر الخبيبين قدى
على رواية من رواه بالجمع فقد قال ابن السكيت : يريد أبا خبيب ومن كان معه فحيث جاز جمع خبيب وأشياع أبيه فأولى أن يجوز جمع ابن الله عز اسمه وأشياع الابن بزعم الفريقين فندفع ماقيل : إنهم لايقولون ببنوة أنفسهم ولم يحمل على التوزيع بمعنى أنفسنا الأحباء وأبناؤنا الأبناء بجمع الابنين لمشاكلة الأحباء لأن خطاب بل أنتم بشر يأباه ظاهرا أو يدل وعلى ادعائهم البنوة بأى معنى كان
وقيل : الكلام على حذف المضاف أى نحن أبناء أنبياء الله تعالى وهو خلاف الظاهر وقائل ذلك من اليهود بعضهم ونسب إلى الجميع لما مر غير مرة فقد أخرج ابن جرير والبيهقى فى الدلائل عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما قال : أتى رسول الله صلى الله عليه و سلم نعمان بن آصى وبحرى بن عمرو وشاش

(6/100)


ابن عدى فكلموه وكلمهم رسول الله صلى الله عليه و سلم ودعاهم إلى الله تعالى وحذرهم نقمته فقالوا : ماتخوفنا يا محمد نحن والله أبناء الله وأحباؤه وقالت النصارى ذلك قبلهم فأنزل الله تعالى فيهم هذه الآية وعن الحسن أن النصارى تأولوا مافى الإنجيل من قول المسيح : انى ذاهب الى أبى وأبيكم فقالوا ما قالوا
وعندى أن إطلاق ابن الله على المطيع قد كان فى الزمن القديم ففى التوراة قال الله تعالى لموسى عليه الصلاة و السلام : اذهب إلى فرعون وقل يقول لك رب إسرائيل ابنى بكرى ارسله يعبدنى فان أبيت أن ترسل ابنى بكرى قتلت ابنك بكرك وفيها أيضا فى قصة الطوفان أنه لما نظر بنو الله تعالى إلى بنات الناس وهم حسان جدا شغفوا بهن فنكحوا منهن ماأحبوا واختاروا فولدوا جبابرة فأفسدوا فقال الله تعالى : لاتحل عنايتى على هؤلاء القوم وأريد بأبناء الله تعالى أولاد هابيل وبأبناء الناس أبناء قابيل وكن حسانا جدا فصرفن قلوبهن عن عباده الله تعالى إلى عبادة الأوثان وفى المزامير أنت ابنى سلنى أعطك وفيها أيضا أنت ابنى وحبيبى وقال شعيا فى نبوته عن الله تعالى : تواصوا بى فى أبنائى وبناتى يريد ذكور عباد الله تعالى الصالحين وإناثهم وقال يوحنا الإنجيلى فى الفصل الثانى من الرسالة الأولى انظروا إلى محبة الأب لنا أن أعطانا أن ندعى أبناء وفى الفصل الثالث أيها الأحباء الآن صرنا أبناء الله تعالى فينبغى لنا أن ننزله فى الاجلال على ماهو عليه فمن صح له هذا الرجاء فليزك نفسه بترك الخطيئة والاثم واعلموا أن من لابس الخطيئة فانه لم يعرفه وقال متى : قال المسيح : أحبوا أعدائكم وباركوا على لاعنيكم وأحسنوا إلى من يبغضكم وصلوا على من طردكم كيما تكونوا بنى أبيكم المشرق شمسه على الأخيار والأشرار والممطر على الصديقين والظالمين وقال يوحنا التلميذ فى قصص الحواريين : ياأحبائى إنا أبناء الله تعالى سمانا بذلك وقال بولس الرسول فى رسالته إلى ملك الروم : إن الروح تشهد لأرواحنا أننا أبناء الله تعالى وأحباؤه إلى غير ذلك مما لايحصى كثرة وقد جاء أيضا إطلاق الابن على العاصى ولكن بمعنى الأثر ونحوه ففى الرسالة الخامسة لبولس إياكم والسفه والسب واللعب فان الزانى والنجس كعابد الوثن لانصيب له فى ملكوت الله تعالى واحذروا هذه الشرور فمن أجلها يأتى رجز الله على الأبناء الذين لايطيعونه وإياكم أن تكونوا شركاء لهم فقد كنتم قبل فى ظلمة فاسعوا الآن سعى أبناء النور ومقصود الفريقين ب نحن أبناء الله وأحباؤه هو المعنى المتضمن مدحا وحاصل دعواهم أن لهم فضلا ومزية عند الله تعالى على سائر الخلق فرد سبحانه عليهم ذلك وقال لرسول الله صلى الله عليه و سلم : قل إلزاما لهم وتبكيتا فلم يعذبكم بذنوبكم أى إن صاح مازعمتم فلأى شىء يعذبكم يوم القيامة بالنار أياما بعدد أيام عبادتكم العجل وقد اعترفتم بذلك فى غير ماموطن وهذا ينافى دعواكم القرب ومحبة الله تعالى لكم أو محبتكم له المستلزمة لمحبته لكم كما قيل : ماجزاء من يحب إلا يحب أو فلأى شىء أذنبتم بدليل أنكم ستعذبون وأبناء الله تعالى إنما يطلق إن أطلق فى مقام الافتحار على المطيعين كما نطقت به كتبكم أو إن صح مازعمتم فلم عذبكم بالمسخ الذى لايسعكم إنكاره وعد بعضهم من العذاب البلايا والمحن كالقتل والأسر واعترض ذلك بأنه لايصلح للالزام فان البلايا والمحن قد كثرت فى الصلحاء وقد ورد أشد الناس بلاءا الانبياء عليهم السلام ثم الأمثل فالأمثل وقال الشاعر : ولكنهم أهل الحفائظ والعلا فهم لملمات الزمان خصوم

(6/101)


وقوله تعالى : بل أنتم بشر عطف على مقدر ينسحب عليه الكلام أى ليس الأمر كذلك بل أنتم بشر وإن شئت قدرت مثل هذا فى أول الكلام وجعلت الفاء عاطفة وقوله سبحانه : ممن خلق متعلق بمحذوف وقع صفة بشر أى بشر كائن من جنس من خلقه الله تعالى من غير مزية لكم عليهم
يغفر لمن يشاء أن يغفر له من أولئك المخلوقين وهم المؤمنون به تعالى وبرسله عليهم الصلاة والسلام ويعذب من يشاء أن يعذبه وهم الذين كفروا به سبحانه وبرسله عليهم السلام مثلكم والذى دل على التخصيص قوله تعالى : إن الله لايغر أن يشرك به إن قلنا بعمومه كما هو المعروف المشهور ومن الغريب مافى شرح مسلم للنووى أنه يحتمل أن يكون مخصوصا بهذه الأمة وفيه نظر
هذا وأورد بعض المحققين هنا إشكالا ذكر أنه قوى وهو أنه إذا كان معنى نحن أبناء الله تعالى أشياع بنيه فغاية الأمر أن يكونوا على طريقة الابن تحقيقا للتبعية لكن من أين يلزم أن يكونوا من جنس الأب كما صرح به الزمخشرى فى انتفاء فعل القبائح وانتفاء البشرية والمخلوقية ليحسن الرد عليهم بأنهم بشر ممن خلق نعم ماذكروه فى هذا المقام من استلزام المحبة عدم العصيان والمعاقبة ربما يتمشى لأن من شأن المحب أن لايعصى الحبيب ولايستحق منه المعاقبة ومن هنا قيل : تعصى الإله وأنت تظهر حبه هذا لعمرى فى الفعال بديع لوكان حبك صادقا لأطعته إن المحب لمن يحب مطيع وفيه مناقشة لأن هذا شأن المحبين والاحباء هم المحبون وأجاب عن إشكال إثبات البشرية بأنه ليس إثباتا لمطلق البشرية ليجب أن يكون رد الدعوى بانتفائه بل هو إثبات أنهم بشر مثل سائر البشر ومن جنس سائر المخلوقين منهم العاصى والمطيع والمستحق للمغفرة والعذاب لا كما أدعوا من أنهم الأشياع المخصوصون بمزيد قرب واختصاص لايوجد فى سائر البشر ولذا وصف بشرا بقوله سبحانه ممن خلق حتى لايبعد أن يكون يغفر لمن يشاء أيضا فى موقع الصفة على حذف العائد أى لمن يشاء منهم وأما إشكال الجنسية فقيل فى جوابه : المراد أنكم لو كنتم أشياع بنى الله تعالى لكنتم على صفتهم فى ترك القبائح وعدم استحقاق العذاب لأن من شأن الأشياع والأتباع أن يكونوا على صفة المتبوعين والمتبوعون هنا هم الأبناء بالزعم ومن شأن الأبناء أن يكونوا على صفة الأب فمن شأن الأتباع أن يكونوا على صفة الأب بالواسطة وقيل : كلام من قال : يلزم أن يكونوا من جنس الأب على حذف مضاف أى لو كنتم أشياع بنى الله تعالى لكنتم من جنس أشياع الأب يعنى أهل الله تعالى الذين لايفعلون القبائح ولايستوجبون العقاب
وفى الكشف إن قولهم : نحن أبناء الله تعالى فيه إثبات الابن وأنهم من أشياعه مستوجبون محبة الأب لذلك فينبغى أن يكون الرد مشتملا على هدم القولين فقيل : من أسندتم اليه البنوة لايصلح لها لا مكان القبيح عليه وصدوره هفوة ومؤاخذته بالزلة ودعواكم المحبة كاذبة وإلا لما عذبتم وأيضا إذا بطل أن يكون له تعالى ابن بطل أن يكونوا أشياعه وكذلك المحبة المبنية على ذلك ثم قال : وجاز أن يقال : إنه لابطال أن يكونوا أبناءا حقيقة كما يفهم من ظاهر اللفظ أو مجازا كما فسره الزمخشرى ا ه
وأنت تعلم أن كل ماذكره ليس بشىء كما لايخفى على من له أدنى وتأمل وماذكرناه كاف فى الغرض

(6/102)


نعم ذكر الشهاب عليه الرحمة توجيها لابأس به وهو أن اللائق أن يكون مرادهم بكونهم أبناء الله تعالى أنه لما أرسل اليهم الابن على زعمهم وأرسل لغيرهم رسل عباده دل ذلك على امتيازهم عن سائر الخلق وأن لهم مع الله تعالى مناسبة تامة وزلفى تقتضى كرامة لاكرامة فوقها كما أن الملك أرسل لدعوة قوم أحد جنده ولآخرين ابنه علموا أنه علموا أنه مريد لتقريبهم وأنهم آمنون من كل سوء يطرق غيرهم ووجه الرد أنكم لافرق بينكم وبين غيركم عند الله تعالى فانه لو كان كما زعمتم لما عذبكم وجعل المسخ فيكم وكذا على كونه بمعنى المقربين المراد قرب خاص فيطابقه الرد ويتعانق الجوابان فافهمه انتهى والجواب عن المناقشة التى فعلها البعض يعلم مما أشرنا اليه سابقا فلا تغفل ولله ملك السموات والأرض وما بينهما من تتمة الرد أى كل ذلك له تعالى لاينتمى اليه سبحانه شىء منه إلا بالمملوكية والعبودية والمقهورية تحت ملكوته يتصرف فيه كيف يشاء إيجادا وإعداما إحياءا وإماتة إثابة وتعذيبا فأنى لهؤلاء إدعاء مازعموا ! وربما يقال : إن هذا مع ماتقدم رد لكونهم أبناء الله تعالى بمعنى أشياع بنيه فنفى أولا كونهم أشياعا وثانيا وجود بنين له عز شأنه وإليه المصير
18
- أى الرجوع فى الآخرة لا إلى غيره استقلالا أو اشتراكا فيجازى كلا من المحسن والمسىء بما يستدعيه علمه من غير صارف يثنيه ولاعاطف يلويه
ياأهل الكتاب تكرير للخطاب بطريق الالتفات ولطف فى الدعوة وقيل : الخطاب هنا لليهود خاصة قد جاءكم رسولنا يبين لكم يبين على التدريج حسبما تقتضيه المصلحة الشرائع والأحكام النافعة معادا ومعاشا المقرونة بالوعد والوعيد وحذف هذا المفعول اعتمادا على الظهور إذ من المعلوم أن مايبينه الرسول هو الشرائع والاحكام ويجوز أن ينزل الفعل منزلة اللازم أى يفعل البيان ويبذله لكم فى كل ماتحتاجون فيه من أمور الدين وأما إبقاؤه متعديا مع تقدير المفعول كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب كما قيل فقد قيل فيه : مع كونه تكريرا من غير فائدة يرده قوله سبحانه : على فترة من الرسل فان فتور الارسال وانقطاع الوحى إنما يحوج إلى بيان الشرائع والاحكام لاإلى بيان ماكتموه و على فترة متعلق بجاءكم على الظرفية كما فى قوله تعالى : واتبعوا ماتتلوا الشياطين على ملك سليمان أى جاءكم على حين فتور من الارسال وانقطاع الوحى ومزيد الاحتياج إلى البيان
وجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه حال من ضمير يبين أو من ضمير لكم أى يبين لكم حال من كونه على فترة أو حال كونكم على فترة و من الرسل صفة فترة و من ابتدائية فترة كائنة من الرسل مبتدأة من جهتهم والفترة فعلة من فتر عن عمله يفتر فتورا إذا سكن والاصل فيها الانقطاع عما كان عليه من الجد فى العمل وهى عند جميع المفسرين انقطاع مابين الرسولين
واختلفوا فى مدتها بين نبينا صلى الله عليه و سلم وعيس عليه السلام فقال قتادة : كان بينهما عليهما الصلاة والسلام خمسمائة سنة وستون سنة وقال الكلبى : خمسمائة وأربعون سنة وقال ابن جريج : خمسمائة سنة وقال الضحاك : أربعمائة سنة وبضع وثلاثون سنة وأخرج ابن عساكر عن سلمان رضى الله تعالى عنه أنها ستمائة سنة وقيل كان بين نبينا صلى الله عليه و سلم وأخيه عيسى عليه السلام ثلاثة أنبياءهم المشار اليهم بقوله تعالى : أرسلنا اليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث وقيل بينهما عليهما الصلاة والسلام أربعة : الثلاثة المشار اليهم وواحد من

(6/103)


العرب من بنى عبس وهو خالد بن سنان عليه السلام الذى قال فيه صلى الله عليه و سلم : ذلك نبى ضيعه قومه ولايخفى أن الثلاثة الذين أشارت اليهم الآية رسل عيسى عليه السلام ونسبة إرسالهم اليه تعالى بناءا على أنه كان بأمره عز و جل وسيأتى إن شاء الله تعالى تحقيق ذلك وأما خالد بن سنان العبسى فقد تردد فيه الراغب فى محاضراته وبعضهم لم يثبته وبعضهم قال : إنه كان قبل عيسى عليه الصلاة السلام لأنه ورد فى حديث لانبى بينى وبين عيسى صلى الله تعالى عليه وسلم لكن فى التواريخ إثباته وله قصة فى كتب الآثار مفصلة وذكر أن بنته أتت النبى صلى الله عليه و سلم وآمنت به ونقش الشيخ الأكبر قدس سره له فصا فى كتابه فصوص الحكم وصحح الشهاب أنه عليه السلام من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وأنه قبل عيسى عليهما الصلاة والسلام وعلى هذا فالمراد ببنته الجائية إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم إن صح الخبر بنته بالواسطة لاالبنت الصلبية إذ بقاؤها إلى ذلك الوقت مع عدم ذكر أحد أنها من المعمرين بعيدا جدا وكان بين موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام ألف وسبعمائة سنة فى المشهور لكن لم يفتر فيها الوحى فعن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما أن الله تعالى بعث فيها ألف نبى من بنى إسرائيل سوى من بعث من غيرهم أن تقولوا تعليل لمجىء الرسول بالبيان أى كراهة أن تقولوا كما قدره البصريون أو لئلا تقولوا كما يقدر الكوفيون معتذرين من تفريطكم فى أحكام الدين يوم القيامة ماجاءنا من بشير ولانذير وقد انطمست آثار الشريعة السابقة وانقطعت أخبارها وزيادة من فى الفاعل للمبالغة فى نفى المجىء وتنكير بشير و نذير على ماقال شيخ الاسلام : للتقليل وتعقيب قد جاءكم الخ بهذا يقتضى أن المقدر أو المنوى فيما سبق هو الشرائع والأحكام لاكيفما كانت بل مشفوعة بذكر الوعد والوعيد والفاء فى قوله تعالى : فقد جاءكم بشير ونذير تفصح عن محذوف مابعدها علة له والتقدير هنا لاتعتذروا فقد جاءكم وتسمى الفاء الفصيحة وتختلف عبارة المقدر قبلها فتارة يكون أمرا أو نهيا وتارة يكون شرطا كما فى قوله تعالى : فهذا يوم البعث وقوله الشاعر :
فقد جئنا خراسانا
وتارة معطوفا عليه كما فى قوله تعالى : فانفجرت وقد يصار إلى تقدير القول كما فى الفرقان فى قوله تعالى : فقد كذبوكم وإن شئت قدرت هنا أيضا فقلنا : لاتعتذروا فقد الخ وقد صرح بعض علماء العربية أن حقيقة هذه الفاء أنها تتعلق بشرط محذوف ولاينافى ذلك إضمار القول لأنه إذا ظهر المحذوف لم يكن بد من إضمار ليرتبط بالسابق فيقال : فى البيت مثلا وقلنا أو فقلنا : إن صح ماذكرتم فقد جئنا خراسنا وكذلك مانحن فيه فقلنا : لاتعتذروا فقد جاءكم ثم إنه فى المعنى جواب شرط مقدر سواء صرح بتقديره أم لا لأن الكلام إذا اشتمل على مترتبين أحدهما على الآخر ترتب العلية كان فى معنى الشرط والجزاء فلاتنافى بين النقادير والتقادير المختلفة ولو سلم التنافى فهما وجهان ذكروا أحدهما فى موضع والآخر فى آخر كما حققه فى الكشف وقد مرت الإشارة من بعيد إلى أمر هذه الفاء فتذكر وتنوين بشير و ونذير للتفخيم والله على كل شىء قدير
19
- فيقدر على إرسال الرسل تترى وعلى الارسال بعد الفترة
وإذ قاتل موسى لقومه جملة مستأنفة مسوقة لبيان ما فعلت بنو إسرائيل بعد أخذ الميثاق منهم وتفصيل كيفية نقضهم له مع الاشارة إلى انتفاء فترة الرسل عليهم الصلاة والسلام فيما بينهم و إذ نصب على أنه

(6/104)


مفعول لفعل محذوف خوطب به سيد المخاطبين صلى الله تعالى عليه وسلم بطريق تلوين الخطاب وصرفه عن أهل الكتاب ليعدد عليهم ماسلف من بعضهم من الجنايات أى واذكر لهم يا محمد وقت قول موسى عليه السلام ناصحا ومستميلا لهم باضاتهم اليه ياقوم اذكروا نعمة الله عليكم وتوجيه الامر بالذكر إلى الوقت أبلغ من توجيهه إلى ماوقع فيه وإن كان هو المقصود بالذات كما مرت الاشارة اليه و عليكم متعلق إما بالنعمة إن جعلت مصدر وإما بمحذوف وقع حالا منها إذا جعلت اسما أى اذكروا إنعامه عليكم بالشكر واذكروا نعمته كائنة عليكم وكذا إذا فى قوله تعالى : إذ جعل فيكم أنبياء متعلقة بما تعلق به الجار والمجرور أى اذكروا إنعامه عليكم فى وقت جعله أو اذكروا نعمته تعالى كائنة عليكم فى وقت جعله فيما بينكم من أقربائكم أنبياء وصيغة الكثرة على حقيقتها كما هو الظاهر والمراد بهم موسى وهرون ويوسف وسائر أولاد يعقوب على القول بأنهم كانوا أنبياء أو الأولون والسبعون الذين اختارهم موسى لميقات ربه فقد قال ابن السائب ومقاتل : إنهم كانوا أنبياء
وقال الماوردى وغيره : المراد بهم الأنبياء الذين أرسلوا من بعد فى بنى إسرائيل والفعل الماضى مصروف عن حقيقته وقيل : المراد بهم من تقدم ومن تأخر ولم يبعث من أمة من الأمم مابعث من بنى إسرائيل من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وجعلوكم ملوكا عطف على عطف على جعل فيكم وغير الأسلوب فيه لأنه لكثرة الملوك فيهم أو منهم صاروا كلهم كأنهم ملوك لسلوكهم مسلكهم فى السعة والترفه فلذا تجوز فى إسناد الملك إلى الجميع بخلاف النبوة فانها وإن كثرت لايسلك الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لأنها أمر آلهى يخص الله تعالى به من شاء فلذا لم يتجوز فى إسنادها وقيل : لامجاز فى الإسناد وإنما هو فى لفظ الملوك فان القوم كانوا مملوكين فى أيدى القبط فأنقذهم الله تعالى فسمى ذلك إلا نقاذ ملكا وقيل : لامجاز أصلا بل جعلوا كلهم ملوكا على الحقيقة والملك من كان له بيت وخادم كما جاء عن زيد بن أسلم مرفوعا
وأخرج ابن أبى حاتم عن أبى سعيد الخدرى قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم كانت بنو إسرائيل إذا كان لأحدهم خادم ودابة وامرأة كتب ملكا
وأخرج ابن جرير عن الحسن هل الملك إلا مركب وخادم ودار وأخرج البخارى عن عبد الله بن عمرو أنه سأله رجل فقال : ألسنا من فقراء المهاجرين فقال عبد الله : ألك زوجة تأوى اليها قال : نعم قال : ألك مسكن تسكنه قال : نعم قال : فأنت من الأغنياء قال : فان لى خادما قال : فأنت من الملوك وقيل : الملك من له مسكن واسع فيه ماء جار وقيل : من له مال لايحتاج معه إلى تكلف الأعمال وتحمل المشاق واليه أبو الجبائى وأنت تعلم أن الظاهر هنا القول بالمجاز وماذكر فى معرض الاستدلال محتمل له أيضا وآتكم مالم يؤت من العالمين
20
- من فلق البحر وإغراق العدو وتظليل الغمام وانفجار الحجر وإنزال المن والسلوى وغير ذلك مما آتاهم الله تعالى من الأمور المخصوصة والخطاب لقوم موسى عليه السلام كما هو الظاهر وأل فى العلمين للعهد والمراد عالمى زمانهم أو للاستغراق والتفضيل من وجه لايستلزم التفضيل من جميع الوجوه فانه قد يكون للمفضول ماليس للفاضل وعلى التقديرين لايلزم تفضيلهم على هذه الأمة المحمدية على نبيها أفضل الصلاة وأكمل التحية وإيتاء مالم يؤت أحد وإن لم يلزم منه التفضيل لكن المتبادر من استعماله ذلك ولذا أول بما أول وعن سعيد بن جبير وأبى مالك أن الخطاب

(6/105)


هنا لهذه الامة وهو خلاف الظاهر جدا ولايكاد يرتكب مثله فى الكتاب المجيد لأن الخطابات السابقة واللاحقة لبنى إسرائيل فوجود خطاب فى الأثناء لغيرهم مما يخل بالنظم الكريم وكأن الداعى للقول به ظن لزوم التفضيل مع عدم دافع له سوى ذلك وقد علمت أنه من بعض الظن ياقوم أدخلوا الأرض المقدسة كرر النداء مع الاضافة التشريفية اهتماما بشأن الأمر ومبالغة فى حثهم علىالامتثال به و الأرض المقدسة هى كما روى عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما والسدى وابن زيد بيت المقدس وقال الزجاج : دمشق وفلسطين والأردن وقال مجاهد هى أرض الطور وماحوله وعن معاذ بن جبل هى مابين الفرات وعريش مصر والتقديس التطهير ووصفت تلك الأرض بذلك إما لانها مطهرة من الشرك حيث جعلت مسكن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أو لأنها مطهرة من الآفات وغلبة الجبارين عليها لايخرجها عن أن تكون مقدسة أو لأنها طهرت من القحط والجوع وقيل : سميت مقدسة لأن فيها المكان الذي يتقدس فيه من الذنوب
التى كتب لكم أى قدرها وقسمها لكم أوكتب فى اللوح المحفوظ أنها تكون مسكنا لكم
روى أن الله تعالى أمر الخليل عليه الصلاة و السلام أن يصعد جبل لبنان فما انتهى بصره اليه فهو له ولأولاده فكانت تلك الارض مدى بصره وعن قتادة والسدى أن المعنى التى أمركم الله تعالى بدخولها وفرضه عليكم فالكتب هنا مثله فى قوله تعالى : كتب عليكم الصيام وذهب إلى الاحتمالين الأولين كثير من المفسرين والكتب على أولهما مجاز وعلى ثانيهما حقيقة وقيدوه بان آمنتم وأطعتم لقوله تعالى لهم بعد ماعصوا : فانها محرمة عليهم وقوله سبحانه : ولاترتدوا على أدبار فتنقلبوا خاسرين
21
- فان ترتيب الخيبة والخسران على الارتداد يدل على اشتراط الكتب بالمجاهدة المترتبة على الإيمان قطعا والأدبار جمع دبر وهو ماخلفهم من الأماكن من مصر وغيرها والجار والمجرور حال من فاعل ترتدوا أى لاترجعوا عن مقصدكم منقلبين خوفا من الجبابرة وجوز أن يتعلق بنفس الفعل ويحتمل أن يراد بالارتداد صرف قلوبهم عما كانوا عليه من الاعتقاد صرفا غير محسوس أى لاترجعوا عن دينكم بالعصيان وعدم الوثوق بالله تعالى واليه ذهب أبو على الجبائى وقوله تعالى : فتنقلبوا إما مجزوم بالعطف وهو الأظهر وإما منصوب فى جواب النهى قال الشهاب : على أنه من قبيل لاتكفر تدخل النار وهو ممتنع خلافا للكسائى وفيه نظر لايخفى والمراد بالخسران خسران الدارين قالوا يا موسى إن فيها قوما جبارين شديدى البطش متغلبين لاتتأتى مقاومتهم ولاتجز لهم ناصية والجبار صيغة مبالغة من جبر الثلاثى على القياس لامن أجبره على خلافه كالحساس من الاحساس وهو الذى يقهر الناس ويكرههم كائنا من كان على مايريده كائنا ماكان ومعناه فى البخل مافات اليد طولا وكان هؤلاء القوم من العمالقة بقايا قوم عاد وكانت لهم أجسام ليست لغيرهم أخرج ابن عبد الحكم فى فتوح مصر عن ابن حجيرة قال : استظل سبعون رجلا من قوم موسى عليه السلام فى قحف رجل من العمالقة وأخرج البيهقى فى شعب الايمان عن زيد بن أسلم قال : بلغنى أنه رؤيت ضبع وأولادها رابضة فى فجاج عين رجل منهم إلى غير ذلك من الأخبار وهى عندى كأخبار عوج بن عنق وهى حديث خرافة وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها بقتال غيرنا أو يسبب يخرجهم الله تعالى به فانه لاطاقة لنا باخراجهم منها وهذا امتناع عن القتال على أتم وجه

(6/106)


فان يخرجوا منها بسبب من الاسباب التى لاتعلق لنا بها فانا داخلون
22
- فيها فيها حينئذ وأتوا بهذه الشرطية مع كون مضمونها مفهوما مما تقدم تصريحا بالمقصود وتنصيصا على أن امتناعهم من دخولها ليس إلا لمكانهم فيها وأتوا فى الجزاء بالجملة الاسمية المصدرة بإن دلالة على تقرر الدخول وثباته عند تحقيق الشرط لامحالة وإظهارا لكمال الرغبة فيه وفى الامتثال بلأمر قال رجلان من الذين يخافون أى يخافون الله تعالى وبه قرىء والمراد رجلان من المتقين وهما كما روى ابن عباس رضى الله تعالى عنهما ومجاهد والسدى والربيع يوشع بن نون وكالب بن يوقنا وفى وصفهم بذلك تعريض بأن من عداهما من القوم لايخافونه تعالى بل يخافون العدو وقيل : المراد بالرجلين ماذكر و من الذين يخافون بنو إسرائيل والمراد يخافون العدو ومعنى كون الرجلين منهم أنهما منهم فى النسب لافى الخوف وقيل : فى الخوف أيضا والمراد أنهما لم يمنعهما الخوف عن قول الحق وأخرج ابن المنذر عن ابن جبير أن الرجلين كانا من الجبابرة أسلما وصارا إلى موسى عليه السلام فعلى هذا يكون الذين عبارة عن الجبابرة والواو ضمير بنى إسرائيل وعائد الموصول محذوف أى يخافونهم وقرأ ابن عباس رضى الله تعالى عنهما ومجاهد وسعيد بن جبير يخافون بضم الياء وجعلها الزمخشرى شاهدة على أن الرجلين من الجبارين كأنه قيل : من المخوفين أى يخافهم بنو إسرائيل وفيها احتمالان آخران : الأول أن يكون من الإخافة ومعناه من الذين يخوفون من الله تعالى بالتذكير والموعظة أو يخوفهم وعيد الله تعالى بالعقاب والثانى أن معنى يخافون يهابون ويوقنون ويرجع اليهم لفضلهم وخيرهم ومع هذين الاحتمالين لاترجيح فى هذه القراءة لكونهما من الجبارين وترجيح ذلك بقوله تعالى : أنعم الله عليهما أى بالايمان والتثبيت غير ظاهر أيضا لانه صفة مشتركة بين يوشع وكالب وغيرهما وكونه إنما يليق أن يقال لمن أسلم من الكفار لا لمن هو مؤمن فى حيز المنع والجملة صفة ثانية لرجلين أو اعتراض وقيل : حال بتقدير قد من ضمير يخافون أو من رجلان لتخصيصه بالصفة أو من الضمير المستتر فى الجار والمجرور أى قالا مخاطبين لهم ومشجعين أدخلوا عليهم الباب أى باب مدينتهم وتقديم عليهم عليه للاهتمام به لأن المقصود إنما هو دخول الباب وهم فى بلدهم أى فاجئوهم وضاغطوهم فى المضيق ولاتمهلوهم ليصحروا ويجدوا للحرب مجالا فاذا دخلتموه عليهم من الباب فإنكم غالبون من غير حاجة القتال فنا قد رأيناهم وشاهدناهم أن قلوبهم ضعيفة وإن كانت أجسامهم عظيمة فلا تخشوهم واهجموا عليهم فى المضايق فانهم لايقدرون على الكر والفر وقيل : إنما حكما بالغلبة لما علماها من جهة موسى عليه السلام وقوله : التى كتب الله لكم وقيل : من جهة غلبة الظن وما تبينا من عادة الله تعالى فى نصرة رسله وماعهدا من صنع الله تعالى لموسى عليه السلام فى قهر أعدائه قيل : والأول أنسب بتعليق الغلبة بالدخول وعلى الله تعالى خاصة فتوكلوا بعد ترتيب الأسباب ولاتعتمدوا عليها فانه لاتؤثر من دون إذنه إن كنتم مؤمنين
23
- بالله تعالى والمراد بهذا الالهاب والتهييج وإلا فإيمانهم محقق وقد يراد بالإيمان التصديق بالله تعالى وما يتبعه من التصديق بما وعده أى إن كنتم مؤمنين به تعالى مصدقين لوعده فان ذلك مما يوجب التوكل عليه حتما قالوا غير مبالين بهما وبمقالتهما مخاطبين لموسى عليه السلام إظهارا لاصرارهم

(6/107)


على القول الأول وتصريحا بمخالفتهم له عليه السلام ياموسى انا لن ندخلها أى أرض الجبابرة فضلا عن الدخول عليهم وهم فى بلدهم أبدا أى دهرا طويلا أو فيما يستقبل من الزمان كله مادامو فيها أى فى تلك الأرض وهو بدل من أبدا بدل البعض وقيل : بدل الكل من من الكل أو عطف بيان لوقوعه بين النكرتين ومثله فى الابدال قوله : وأكرم أخاك الدهر مادمتما معا كفى بلممات فرقة وتنائيا فان قوله : مادمتما بدل من الدهر فاذهب أى إذا كان الأمر كذلك فاذهب أنت وربك فقاتلا أى فقاتلاهم وأخرجاهم حتى ندخل الأرض وقالوا ذلك استهانة واستهزاءا به سبحانه وبرسوله عليه الصلاة و السلام وعدم المبالاة وقصدوا ذهابهما حقيقة كما ينبىء عنه غاية جهلهم وقسوة قلوبهم والمقابلة بقوله تعالى : إنا ههنا قاعدون
24
- وقيل : أرادوا إرادتهما وقصدهما كما نقول : كلمته فذهب يجيبنى كأنهم قالوا : فأريد قتالهم واقصداهم وقال البلخى : المراد فاذهب أنت وربك يعينك فالواو للحال و أنت مبتدأ حذف خبره وهو خلاف الظاهر ولايساعده فقاتلا ولم يذكروا أخاه هرون عليهما السلام ولاالرجلين اللذين قالا كأنهم لم يجزموا بذهابهم أو لم يعبأوا بقتالهم وأرادوا بالقعود عدم التقدم لاعدم التأحر أيضا قال موسى عليه السلام لما رأى منهم مارأى من العناد على طريق البث والحزن والشكوى إلى الله تعالى مع رقة القلب التى بمثلها تستجلب الرحمة وتستنزل النصرة فليس القصد إلى الإخبار وكذا كل خبر يخاطب به علام الغيوب يقصد به معنى سوى إفادة الحكم أو لازمه فليس قوله ردا لما أمر الله تعالى به ولااعتذارا عن عدم الدخول رب إنى لاأملك إلا نفسى وأخى هرون عليه السلام وهو عطف على نفسى أى لايجيبنى إلى طاعتك ويوافقنى على تنفيذ أمرك سوى نفسى وأخى ولم يذكر الرجلين اللذين أنعم الله تعالى عليهما وإن كانا يوافقانه إذا دعا لما رأى من تلون القوم وتقلب آرائهم فكأنه يثق بهما ولم يعتمد عليهما
وقيل : ليس القصد إلى القصر بل إلى بيان قلة من يوافقه تشبيها لحاله بحال من لايملك إلا نفسه وأخاه وجوز أن يراد بأخى من يؤاخينى فىالدين فيدخلان فيه ولايتم إلا بالتأويل بكل مؤاخ له فى الدين أو بجنس الأخ وفيه بعد ويجوز فى أخى وجوها أخر من الاعراب : الأول أنه منصوب بالعطف على اسم إن الثانى أنه مرفوع بالعطف على فاعل أملك للفصل الثالث أنه مبتدأ خبره محذوف الرابع أنه معطوف على محل اسم إن البعيد لأنه بعد استكمال الخبر والجمهور علىى جوازه حينئذ الخامس أنه مجرور بالعطف على الضمير المجرور على رأى الكوفيين ثم لايلزم على بعض الوجوه الاتحاد فى المفعول بل يقدر للمعطوف مفعول آخر أى وأخى إلا نفسه فلا يرد ما قيل : إنه يلزم من عطفه على اسم إن أو فاعل أملك أن موسى وهرون علهيما السلام لايملكان إلا نفس موسى عليه السلام فقط وليس المعنى على ذلك كما لايخفى وليس من عطف الجمل بتقدير ولايملك أخى إلا نفسه كما توهم وتحقيقه أن العطف على معمول الفعل لابقتضى إلا المشاركة فى مدلول ذلك ومفهومه الكلى لا الشخصى المعين بمتعلقاته المخصوصة فان ذلك إلى القرائن فافرق بيننا يريد نفسه وأخاه عليهما الصلاة السلام والفاء لترتيب الفرق

(6/108)


والدعاء به على ماقبله وقرىء فافرق بكسر الراء وبين القوم الفاسقين
25
- أى الخارجين عن طاعتك بأن تحكم لنا بما نستحقه وعليهم بما يستحقونه كما هو المروى عن ابن عباس والضحاك رضى الله تعالى عنهم وقال الجبائى : سأل عليه السلام ربه أن يفرق بالتبعيد فى الآخرة بان يجعله وأخاه فى الجنة ويجعلهم فى النار وإلى الأول ذهب أكثر المفسرين ويرجحه تعقيب الدعا بقواه تعالى : قال فإنها فان الفاء فيه لترتيب مابعدها على ماقبلها من الدعاء فكان ذلك إثر الدعاء ونوع من المدعو به وقد أخرج ابن جرير عن السدى قال : إن موسى عليه السلام غضب حين قال له القوم ماقالوا فدعا وكان ذلك عجلة منه عليه السلام عجلها فلما ضرب عليهم التيه ندم فأوحى الله تعالى فلا تأس على الفاسقين والضمير المنصوب عالئد إلى الأرض المقدسة أى فانها لدعائك محرمة عليهم لايدخلونها ولايملكونها والتحريم تحريم منع لاتحريم تعبد ومثله قول امرىء القيس يصف فرسه : جالت لتصر عنى فقلت لها اقصرى
إنى امرؤ صرعى عليك حرام يريد إنى فارس لايمكنك أن تصرعينى وجوز أبو على الجبائى واليه يشير كلام البلخى أن يكون تحريم تعبد والأول أظهر أربعين سنة متعلق بمحرمة فيكون التحريم مؤقتا لامؤبدا فلايكون مخالفا لظاهر قوله تعالى : كتب الله عليكم والمراد بتحريمها عليهم أنه لايدخلها أحد منهم هذه المدة لكن لا بمعنى إن كلهم يدخلونها بعدها بل بعضهم ممن بقى حسبما روى أن موسى عليه السلام سار بمن بقى من بنى إسرائيل إلى الأرض المقدسة وكان يوشع بن نون على مقدمته ففتحها وأقام بها ماشاء الله تعالى ثم قبض عليه السلام وروى ذلك عن الحسن ومجاهد وقيل : لم يدخلها أحد ممن قال : لن ندخلها أبدا وإنما دخلها مع موسى عليه السلام النواشىء من ذرياتهم وعليه فالمؤقت بالأربعين فى الحقيقة تحريمها على ذرياتهم وإنما جعل تحريما عليهم لمابينهما من العلاقة التامة وقوله تعالى : يتيهون فى الأرض استئناف لبيان كيفية حرمانهم وقيل : حال من ضمير عليهم والتيه : الحيرة ويقال : تاه يتيه ويتوه وهو أتوه وأتيه فهو مما تداخل فيه الواو والياء والمعنى يسيرون متحيرين وحيرتهم عدم اهتدائهم للطريق
وقيل : الظرف متعلق ب يتيهون وروى ذلك عن قتادة فيكون التيه مؤقتا والتحريم مطلقا يحتمل التأييد وعدمه وكان مسافة الأرض التى تاهوا فيها ثلاثين سنة فرسخا فى عرض تسعة فراسخ كما قال مقاتل وقيل : اثنى عشر فرسخا فى عرض ستة فراسخ وقيل : ستة فى عرض تسعة وقيل : كان طولها ثلاثين ميلا فى عرض ستة فراسخ وهى مابين مصر والشام وذكر أنهم كانوا ستمائة ألف مقاتل وكانوا يسيرون فيصبحون حيث يمسون ويمسون حيث يصحبون كما قاله الحسن ومجاهد قيل وحكمة ابتلائهم بالتيه أنهم لما قالوا : إنا ههنا قاعدون عوقبوا بما يشبه القعود وكان أربعين سنة لأنها غاية زمن يرعوى فيه الجاهل
وقيل : لأنهم عبدوا العجل أربعين يوما فجعل عقاب كل يوم سنة فى التيه وليس بشىء وكان ذلك من خوارق العادات إذ التحير فى مثل تلك المسافة على عقلاء كثيرين هذه المدة الطويلة مما تحيله العادة ولعل ذلك كان يمحو العلامات التى يستدل بها أو ألقى شبه بعضها على بعض
وقال أبو على الجبائى : إنه كان بتحول الأرض التى هم عليها وقت نومهم ويغنى الله تعالى عن قبوله

(6/109)


وروى أنه كان الغمام يظلهم حر الشمس وينزل عليهم المن والسلوى وجعل معهم حجر موسى عليه السلام يتفجر منه الماء دفعا لعطشهم قيل : ويطلع بالليل عمود من نور يضىء لهم ولايطول شعرهم ولاتبلى ثيابهم كما روى عن الربيع بن أنس وكانت تشب معهم كما روى عن طاوس
وذكر غير واحد من القصاص أنهم كانوا إذا ولد لهم مولود كان عليه ثوب كالظفر يطول بطوله ولايبلى إلى غير ذلك مما ذكروه
والعادة تبعد كثير امنه فلا يقبل إلا ماصح عن الله تعالى ورسوله صلى الله عليه و سلم ولقد سألت بعض أحبار اليهود عن لباس بنى إسرائيل فى التيه فقال : إنهم خرجوا من مصر ومعهم الكثير من ثياب القبط وأمتعتهم وحفظها الله تعالى لكبارهم وصغارهم فذكرت له حديث الظفر فقال لم نظفر به وأنكره فقلت له : هى فضيلة فهلا أثبتها لقومك فقال : لاأرضى بالكذب ثوبا واستشكل معاملتهم بهذه النعم مع معاقبتهم بالحيرة وأجيب بأن تلك المعاقبة من كرمه تعالى وتعذيبهم إنما كان للتأديب كما يضرب الرجل ولده مع محبته له ولايقطع عنه معروفة ولعلهم استغفروا من الكفر إذا كان قد وقع منهم وأكثر المفسرين على أن موسى وهرون عليهما السلام كانا معهم فى التيه لكن لم ينلهما من المشقة مانالهم وكان ذلك لهما روحا وسلامة كالنار لإبراهيم عليه السلام ولعل الرجلين أيضا كانا كذلك
وروى أن هرون مات فى التيه واتهم به موسى عليهما السلام فقالوا : قتله لحبنا له فأحياه الله تعالى بتضرعه فبرأه مما يقولون وعاد إلى مضجعه ومات موسى عليه السلام بعده بسنة وقيل : بستة أشهر ونصف وقيل : بثمانية أعوام ودخل يوشع أريحاء بعده بثلاثة أشهر وقال قتادة : بشهرين وكان قد نبىء قبل بمن بقى من بنى إسرائيل ولم يبق المكلفون وقت الأمر منهم قيل ولايساعده النظم الكريم فانه بعد ماقبل دعوته عليه السلام على بنى إسرائيل وعذبهم بالتيه بعيد أن ينجو من نجا ويقدر وفاة النبيين عليهما السلام فى محل العقوبة ظاهرا وإن كان ذلك لهما منزل روح وراحة وأنت تعلم أن الأخبار بموتهما عليهما السلام بالتيه كثيرة لاسيما الاخبار بموت هرون عليه السلام ولاأرى للاستبعاد محلا ولعل ذلك أنكى لبنى اسرائيل
وقيل : إنهما عليهما السلام لم يكونا مع بنى إسرائيل فى التيه وأن الدعاء وقد أجيب كان بالفرق بمعنى المباعدة فى المكان بالدنيا وأرى هذا القول مما لايكاد يصح فان كثيرا من الآيات كالنص فى وجود موسى عليه السلام معهم فيه كما لايخفى فلا تأس أى فلا تحزن لموتهم أو لما أصابهم فيه من الأسى وهو الحزن على القوم الفسقين
26
- الذين استجيب لك فى الدعاء عليهم لفسقهم فالخطاب لموسى عليه السلام كما هو الظاهر واليه ذهب أجلة المفسرين
وقال الزجاج : إنه النبى صلى الله عليه و سلم والمراد بالقوم الفاسقين معاصروه عليه السلام من بنى إسرائيل كأنه قيل : هذه أفعال أسلافهم فلا تحزن أنت بسبب أفعالهم الخبيثة معك وردهم عليك فانهم ورثوا ذلك عنهم واتل عليهم عطف على مقدر تعلق به قوله تعالى : وإذ قال موسى الخ وتعلقه به قيل : من حيث أنه تمهيد لما سيأتى إن شاء الله تعالى من جنايات بنى إسرائيل بعد ماكتب عليهم ماكتب وجاءتهم الرسل بما جاءتهم به من البينات وقيل : من حيث أن فى الأول الجبن عن القتل وفى هذا الاقدام عليه مع كون كل منهما

(6/110)


معصية وضمير عليهم يعود على بنى اسرائيل كما هو الظاهر إذ هم المحدث عنهم أولا وأمر صلى الله عليه و سلم بتلاوة ذلك عليهم إعلاما لهم بماهو فى غامض كتبهم الأول الذي لاتعلق للرسول عليه الصلاة و السلام بها إلا من جهة الوحى لتقوم الحجة بذلك عليهم وقيل : الضمير عائد على هذه الأمة أى اتل يا محمد على قومك نبأ ابنى آدم هابيل عليه الرحمة وقابيل عليه مايستحقه وكانا باجماع غالب المفسرين ابنى آدم عليه السلام لصلبه
وقال الحسن : كانا رجلين من بنى إسرائيل ويد الله تعالى مع الجماعة وكان من قصتهما ماأخرجه ابن جرير عن ابن مسعود وناس من الصحابة رضى الله تعالى عنه أجمعين أنه كان لايولد لآدم عليه السلام مولود إلا ولد معه جارية فكان يزوج غلام هذا البطن جارية هذا البطن الآحر ويزوج جارية هذا البطن غلام هذا البطن الآخر جعل افتراق البطون بمنزلة افتراق النسب للضرورة إذ ذاك حتى ولد له ابنان يقال لهما هابيل وقابيل وكان قابيل صاحب زرع وهابيل صاحب ضرع وكان قبيل أكبرهما وكانت له أخت واسمها اقليما أحسن من أخت هابيل وأن هابيل طلب أن ينكح أخت قابيل فأبى عليه وقال : هى أختى ولدت معى وهى أحسن من أختك وانا أحق أن أتزوج بها فأمره أبوه أن يزوجها هابيل فأبى فقال لهما : قربا قربانا فمن أيكما قبل تزوجها وإنما أمر بذلك لعلمه أنه لايقبل من قابيل لا أنه لو قبل جاز ثم غاب عليه السرم عنهما آتيا مكة ينظر اليها فقال آدم للسماء : احفظى ولدى بالأمانة فأبت وقال للارض : فأبت وقال للجبال : فأبت فقال لقابيل : فقال نعم تذهب وترجع وتجد أهلك كما يسرك فلما انطلق آدم عليه السلام قربا قربانا فقرب هابيل جذعة وقيل : كبشا وقرب قابيل حزمة سنبل فوجد فيها سنبلة عظيمة ففركها وأكلها فنزلت النار فأكلت قربان هابيل وكان ذلك علامة القبول وكان أكل القربان غير جائز فى الشرع القديم وتركت قربان قابيل فغضب وقال : لأقتلنك فأجابه بما قص الله تعالى بالحق متعلق بمحذوف وقع صفة لمصدر اتل أى اتل تلاوة متلبسة بالحق والصحة أو حال من فاعل اتل أو من مفعوله متلبسا أنت أو نبأهما بالحق والصدق موافقا لما فى زبر الاولين وقوله تعالى : إذ قربا قربانا ظرف لنبأ وعمل فيه لأنه مصدر فى الأصل والظرف يكفى فيه رائحة الفعل وجوز أن يكون متعلقا بمحذوف وقع حالا منه ورد بأنه حينئذ يكون قيدا فى عامله وهو اتل المستقبل و إذ لما مضى فلا يتلاقيان ولذا يتعلق به مع ظهوره وقد يجاب بالفرق بين الوجهين فتأمل
وقيل : إنه بدل من نبأ على حذف المضاف ليصح كونه متلوا أى اتل عليهم نبأهما نبأ ذلك الوقت ورده فى البحر بأن إذ لايضاف اليها إلا الزمان نحو يومئذ وحينئذ ونبأ ليس بزمان وأجيب بالمنع ولافرق بين نبأ ذلك الوقت ونبأ إذ وكل منهما صحيح معنى وإعرابا ودعوى جواز الأول سماعا دون الثانى دون إثباتها خرط القتاد والقربان اسم لما يتقرب به إلى الله تعالى من ذبيحة أو غيرها كالحلوان اسم لما يحلى أى يعطى وتوحيده لما أنه فى الأصل مصدر وقبل : تقديره إذ قرب كل منهما قربانا فتقبل من أحدهما وهو هابيل ولم يتقبل من الآخر لأنه سخط حكم الله تعالى وهو عدم جواز نكاح التوأمة قال استئناف سؤال نشأ من الكلام السابق كأنه قيل : فماذا قال من لم يتقبل قربانه فقيل : قال لاخيه لفرط الحسد على قبول قربانه ورفعة شأنه عند ربه عز و جل كما يدل عليه الكلام الآتى وقيل : على ما سيقع من أخذ أخته الحسناء

(6/111)


لأقتلنك أى والله تعالى لأقتلنك بالنون المشددة وقرىء بالمخففة قال استئناف كالذى قبله أى قال الذى تقبل قربانه لما رأى حسد أخيه إنما يتقبل الله أى القربان والطاعة من المتقين
27
- فى ذلك باخلاص النية فيه لله تعالى لا من غيرهم وليس المراد من التقوى التقوى من الشرك التى هى أول المراتب كما قيل ومراده من هذا الجواب إنك إنما أتيت من قبل نفسك لانسلاخها عن لباس التقوى لامن قبلى فلم تقتلنى ومالك لاتعاتب نفسك ولاتحملها على تقوى الله تعالى التى هى السبب فى القبول ! وهو جواب حكيم مختصر جامع لمعان
وفيه إشارة إلى أن الحاسد ينبغى أن يرى حرمانه من تقصيره ويجتهد فى تحصيل مابه صار المحسود محظوظا لا فى إزالة حظه ونعمته فان اجتهاده فيما ذكر يضره ولاينفعه وقيل : مراده الكناية عن أنه لايمتنع عن حكم الله تعالى بوعيده لأنه متق والمتقى يؤثر الامتثال على الحياة أو الكناية عن أنه لايقتله دفعا لقتله لأنه متق فيكون ذلك كالتوطئة لما بعده ولايخفى بعده وماأنعى هذه الآية على العاملين أعمالهم وعن عامر بن عبد الله أنه بكى حين حضرته الوفاة فقيل له : مايبكيك فقد كنت وكنت قال : إنى أسمع الله تعالى يقول : إنما يتقبل الله من المتقين لئن بسطت إلى يدك لتقتلنى ما أنا بباسط يدى إليك لاقتلك قيل كان هابيل أقوى منه ولكن تحرج عن قتله واستسلم له خوفا من الله تعالى لأن المدافعة لم تكن جائزة فى ذلك الوقت وفى تلك الشريعة كما روى مجاهد وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج قال : كانت بنو إسرائيل قد كتب عليهم إذا الرجل بسط يده إلى الرجل لايمتنع منه حتى يقتله أو يدعه أو تحريا لما هو الأفضل الأكثر ثوابا وهو كونه مقتولا لا قاتلا بالدفع عن نفسه بناءا على جوازه إذ ذاك قال بعض المحققين : وأختلف فى هذا الآن على مابسطه الامام الجصاص فالصحيح من المذهب أنه يلزم الرجل دفع الفساد عن نفسه وغيره وإن أدى إلى القتل ولذا قال ابن عباس رضى الله تعالى عنهما وغيره : إن المعنى فى الآية لئن بسطت إلى يدك على سبيل الظلم والابتداء لتقتلنى ماأنا بباسط يدى اليك على وجه الظلم والابتداء وتكون الآية على ماقاله مجاهد وابن جريج : منسوخة وهل نسخت قبل شريعتنا أم لا فيه كلام والدليل عليه قوله تعالى : فقاتلوا التى تبغى حتى تفىء وغيره من الآيات والأحاديث وقيل إنه لايلزم ذلك بل يجوز واستدل بما أخرجه ابن سعد فى الطبقات عن خباب بن الارت عنه صلى الله عليه و سلم أنه ذكر فتنة القاعد فيها خير من القائم والقائم فيها خير من الماشى والماشى فيها خبر الساعى فان أدركت ذلك فكن عبد الله المقتول ولاتكن عبد الله القاتل وأدلوه بترك القتال فى الفتنة واجتنابها وأول الحديث يدل عليه وأما من منع ذلك الآن مستدلا بحديث إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول فى النار فقد رد بأن المراد به أن يكون كل منهما عزم على قتل أخيه وإن لم يقاتله وتقابلا بهذا القصد انتهى بزيادة
وعن السيد المرتضى أن الآية ليست من محل النزاع لأن اللام الداخلة على فعل القتل لام كى وهى منبئة عن الارادة والغرض ولاشبهة فى قبح ذلك أولا وآخرا لأن الدافع إنما يحسن منه المدافعة للظالم طلبا للتخلص من غير أن يقصد إلى قتله فكأنه قال له : لئن ظلمتنى لم أظلمك وإنما قال سبحانه : ماأنا بباسط يدى فى جواب لئن بسطت للمبالغة فى أنه ليس من شأنه ذلك ولا ممن يتصف به ولذلك أكد النفى

(6/112)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية