صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

[ روح المعاني - الألوسي ]
الكتاب : روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني
المؤلف : محمود الألوسي أبو الفضل
الناشر : دار إحياء التراث العربي - بيروت
عدد الأجزاء : 30

تفسير الألوسي

(1/1)


بسم الله الرحمن الرحيم خطبة المفسر حمدا لمن جعل روح معاني الأكوان تفسيرا لآيات قدرته وصير نقوش أشباح الأعيان بيانا لبينات وحدته وأظهر من غيب هويته قرآنا غدا فرقانه كشافا عن فرق الكتب الألهية الغياهب وأبرز من سجف ألوهيته نروا أشرق على مرايا الكائنات بحسب مزايا الإستعدادات فأتضحت من معالم العوالم المراتب وصلاة وسلاما على أول ذرة أضاءت من الكنز المخفي في ظلمة عماء القدم فأبصرتها عين الوجود وعلة إيجاد كل ذرة برأتها يد الحكيم إذ تردت في هوة العدم فعادت ترفل بأردية كرم وجود مهبط الوحي الشفاهي الذي أرتفع رأس الروح الأمين بالهبوط إلى موطيء أقدامه ومعدن السر الألهي الذي أنقطع فكر الملأ الأعلى دون ذكر الوصول إلى أدنى مقامه فهو النبي الذي أبرزه مولاه من ظهور الكمون إلى حواشي متون الظهور ليكون شرحا لكتاب صفاته وتقريرا ورفعه بتخصيصه من بين العموم بمظهرية سره المستور وأنزل عليه قرآنا عربيا غير ذي عوج ليكون للعالمين نذيرا وشق له من أسمه ليجله فذو العرش محمود وهذا محمد وعلى آله وأصحابه مطالع أنوار التنزيل ومغارب أسرار التأويل الذين دخلوا عكاظ الحقائق بالوساطة المحمدية فما برحوا حتى ربحوا فباعوا نفوسا وشروا نفيسا وقطعوا أسباب العلائق بالهمم الحقيقية فما عرجوا حتى عرجوا فلقوا عزيزا وألقوا خسيسا فهم النجوم المشرقة بنور الهدى والرجوم المحرقة لشياطين الردى رضي الله عنهم وأرضاهم وإلى متبعيهم وأولاهم ما سرحت روح المعاني في رياض القرآن وسبحت أشباح المباني في حياض العرفان أما بعد فيقول عيبة العيوب وذنوب الذنوب أفقر العباد إليه عز شأنه مدرس دار السلطنة العلية ومفتي بغداد المحمية أبو الثناء شهاب الدين السيد محمود الألوسي البغدادي عفي عنه أن العلوم وإن تباينت أصولها وغربت وشرقت فصولها وأختلفت أحوالها وأتهمت وأنجدت أقوالها وتنوعت أبوابها وأشأمت وأعرقت أصحابها وتغايرت مسائلها وأيمنت وأيسرت وسائلها فهي بأسرها مهمة ومعرفتها على العلات نعمة إلا أن أعلاها قدرا وأغلاها مهرا وأسناها مبنى وأسماها معنى وأدقها فكرا وأرقها سرا وأعرقها نسبا وأعرفها أبا وأقومها قيلا وأقواها قبيلا وأحلاها لسانا وأجلاها بيانا وأوضحها سبيلا وأصحها دليلا وأفصحها نطقا وأمنحها رفقا العلوم الدينية والفهوم اللدنية فهي شمس ضحاها وبدر دجاها وخال وجنتها ولعس شفتها ودعج عيونها وغنج جفونها وحبب رضابها وتنهد كعابها ورقة كلامها ولين قوامها على نفسه فليبك من ضاع عمره وليس له منها نصيب ولا سهم فلا ينبغي لعاقل أن يستغرق النهار والليل إلا في غوص بحارها أو يستنهض الرجل والخيل إلا في

(1/2)


سبر أغوارها أو يصرف نفائس الأنفاس إلا في مهور أبكارها أو ينفق بدر الأعمار إلا لتشوف بدر اسرارها إذا كان هذا الدمع يجري صبابة على غير سمي فهو دمع مضيع وإن من ذلك علم التفسير الباحث عما أراده الله سبحانه بكلامه المجيد الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد فهو الحبل المتين والعروة الوثقى والصراط المبين والوزر الأقوى والأوقى وإني ولله تعالى المنة مذ ميطت عني التمائم ونيطت على رأسي العمائم لم أزل متطلبا لإستكشاف سره المكتوم مترقبا لإرتشاف رحيقه المختوم طالما فرقت نومي لجمع شوارده وفارقت قومي لو صال خرائده فلو رأيتني وأنا أصافح بالجبين صفحات الكتاب من السهر وأطالع إن أعوز الشمع يوما على نور القمر في كثير من ليالي الشهر وأمثالي إذ ذاك يرفلون في مطارف اللهو ويرقلون في ميادين الزهو ويؤثرون مسرآت الأشباح على لذات الأرواح ويهبون نفائس الأوقات لنهب خسائس الشهوات وأنا مع حذاثة سني وضيق عطني لا تغرني حالهم ولا تغيرني أفعالهم كأن لبني لمبانتي ووصال سعدي سعادتي حتى وقفت على كثير من حقائقه ووفقت لحل وفير من دقائقه وثقبت والثناء لله تعالى من دره بقلم فكري درأ مثمنا ولا بدع فأنا من فضل الله الشهاب وأبو الثنا وقبل أن يكمل سني عشرين جعلت أصدح به وأصدع وشرعت أدفع كثيرا من إشكالات الأشكال وأدفع وأتجاهر بما ألهمنيه ربي مما لم أظفر به في كتاب من دقائق التفسير وأعلق على ما أغلق مما لم تعلق به ظفر كل ذي ذهن خطير ولست أنا أول من من الله تعالى عليه بذلك ولا آخر من سلك في هاتيك المسالك فكم وكم للزمان ولد مثلي وكم تفضل الفرد عز شأنه على كثير بأضعاف فضلي ألا إنما الأيام أبناء واحد وهذي الليالي كلها أخوات إلا أن رياض هذه الأعصار عراها إعصار وحياض تيك الأمصار أعتراها إعتصار فصار العلم بالعيوق والعلماء أعز من بيض الأنوق والفضل معلق بأجنحة النسور وميت حي الأدب لا يرجي له نشور كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا أنيس ولم يسمر بمكة سامر ولكن الملك المنان أبقى من فضله الكثير قليلا من ذوي العرفان في هذه الأزمان دينهم إقتناص الشوارد وديدنهم إفتضاض أبكار الفوائد يروون فيروون ويقدحون فيورون لكل منهم مزية لا يستتر نورها ومرتبة لا ينتثر نورها طالما أقتطفت من أزهارهم وأقتبست من أنوارهم وكم صدر منهم أودعت علمه صدري وحبر فيهم أفنيت في فوائده حبري ولم أزل مدة على هذه الحال لا أعبأ بما عبالي مما قيل أو يقال كتاب الله لي أفضل مؤانس وسميري إذا أحلولكت ظلمة الحنادس نعم السمير كتاب الله إن له حلاوة هي أحلى من جنى الضرب به فنون المعاني قد جمعن فما تفتر من عجب إلا إلى عجب أمر ونهي وأمثال وموعظة وحكمة أودعت في أفصح الكتب لطائف يجتليها كل ذي بصر وروضة يجتنيها كل ذي أدب وكانت كثيرا ما تحدثني في القديم نفسي إن أحبس في قفص التحرير ما أصطاده الذهن بشبكة الفكر أو أختطفه بان الإلهام في جو حدسي فأتعلل تارة بتشويش البال بضيق الحال وأخرى بفرط الملال لسعة المجال

(1/3)


إلى أن رأيت في بعض ليالي الجمعة من رجب الأصم سنة الألف والمائتين والأثنتين والخمسين بعد هجرة النبي رؤية لا أعدها أضغاث أحلام ولا أحسبها خيالات أوهام إن الله جل شأنه وعظم سلطانه أمرني بطي السموات والأرض ورتق فتقهما على الطول والعرض فرفعت يدا إلى السماء وخفضت الأخرى إلى مستقر الماء ثم أنتبهت من نومتي وأنا مستعظم رؤيتي فجعلت أفتفش لها عن تعبير فرأيت في بعض الكتب أنها إشارة إلى تأليف تفسير فرددت حينئذ على النفس تعللها القديم
وشرعت مستعينا بالله تعالى العظيم
وكأني إن شاء الله تعالى عن قريب عند إتمامه بعون عالم سري ونجواي أنادي وأقول غير مبال بتشنيع جهول : هذا تأويل رؤياي وكان الشروع في الليلة السادسة عشرة من شعبان المبارك من السنة المذكورة وهي السنة الرابعة والثلاثون من سني عمري جعلها الله تعالى بسني لطفه معمورة وقد تشرف الذهن المشتت بتأليفه وأحكمت غرف مغاني المعاني بمحكم ترصيفه زمن خلافة الله الأعظم وظله المبسوط على خليقته في العالم مجدد نظام القواعد المحمدية ومحدد جهات العدالة الإسلامية سورة الحمد الذي أظهره الرحمن في صورة الملك لكسر سورة الكافرين وآية السيف الذي عوده الفاطر الفتح والنصر وأيده بمرسلات الذاريات في كل عصر فويل للمنافقين من نازعات أرواحهم إذا عبس صمصام عزمه المتين حضرة مولانا السلطان إبن السلطان سلطان الثقلين وخادم الحرمين المجدد الغازي محمود خان العدلي بن السلطان عبدالحميد خان أيده الرحمن وأبد ملكه ما دام الدوران آمين وبعد أن أبرمت حبل النية ونشرت مطوى الأمنية وعرا المخاض قريحة الأذهان وقرب ظهور طفل التفسير للعيان جعلت أفكر ما أسمه وبماذا أدعوه إذا وضعته أمه فلم يظهر لي أسم تهتشن له الضمائر وتبتش من سماعه الخواطر فرعضت الحال لدى حضرة وزير الوزراء ونور حديقة البهاء ونور حدقة الوزراء آية الله التي لا تنسخها آيةورب النهي الذي ليس له نهاية وصاحب الأخلاق التي ملك بها القلوب ومعدن الأذواق التي يكاد أن يعلم معها الغيوب مولانا علي رضا باشا لا زال له الرضا غطاء وفراشا فسماه على الفور وبديهة ذهنه تغنى عن الغور روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني فياله أسم ما أسماه نسأل الله تعالى أن يطابقه مسماه وأحمد الله تعالى حمدا غضا وأصلي وأسلم على نبيه النبيه حتى يرضى وقد آن وقت الشروع في المقصود مقدما عليه فوائد يليق أن تكتب بسواد العيون على صفحات الخدود فأقول الفائدة الأولى في معنى التفسير والتأويل وبيان الحاجة إلى هذا العلم وشرفه
أما معناهما فالتفسير تفعيل من الفسر وهو لغة البيان والكشف والقول بأنه مقلوب السفر مما لا يسفر له وجه ويطلق التفسير على التعرية للإنطلاق يقال فسرت الفرس إذا عريته لينطلق ولعله يرجع لمعنى الكشف كما لا يخفى بل كل تصاريف حروفه لا تخلو عن ذلك كما هو ظاهر لمن أمعن النظر
ورسموه بأنه علم يبحث فيه عن كيفية النطق بألفاظ القرآن ومدلولاتها وأحكامها الإفرادية والتركيبية ومعانيها التي تحمل عليها حالة التركيب وتتمات لذلك كمعرفة النسخ وسبب النزول وقصة توضح ما أبهم في القرآن ونحو ذلك
والتأويل من الأول وهو الرجوع والقول بأنه من الأيالة وهي السياسة كأن المؤول للكلام ساس الكلام ووضع المعنى فيه موضعه ليس بشيء وأختلف في الفرق بين التفسير والتأويل فقال أبو عبيدة هما بمعنى وقال الراغب : التفسير أعم وأكثر إستعماله في الألفاظ ومفرداتها في الكتب الألهية وغيرها والتأويل في المعاني والجمل في الكتب الألهية خاصة وقال الماتريدي :

(1/4)


التفسير القطع بأن مراد الله تعالى كذا والتأويل ترجيح أحد المحتملات بدون قطع وقيل التفسير ما يتعلق بالرواية والتأويل ما يتعلق بالدراية
وقيل غير ذلك وعندي أنه إن كان المراد الفرق بينهما بحسب العرف فكل الأقوال فيه ما سمعتها وما لم تسمعها مخالفة للعرف اليوم إذ قد تعارف من غير نكير أن التأويل إشارة قدسية ومعارف سبحانية تنكشف من سجف العبارات للسالكين وتنهل من سحب الغيب على قلوب العارفين والتفسير غير ذلك وإن كان المراد الفرق بينهما بحسب ما يدل عليه اللفظ مطابقة فلا أظنك في مرية من رد هذه الأقوال أو بوجه ما فلا أراك ترضى إلا أن في كل كشف إرجاعا وفي كل إرجاع كشفا فأفهم وإما بيان الحاجة إليه فلأن فهم القرآن العظيم المشتمل على الأحكام الشرعية التي هي مدار السعادة الأبدية وهو العروة الوثقى والصراط المستقيم أمر عسير لا يهتدي إليه إلا بتوفيق من اللطيف الخبير حتى أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم على علو كعبهم في الفصاحة وإستنارة بواطنهم بما أشرق عليها من مشكاة النبوة كانوا كثيرا ما يرجعون إليه بالسؤال عن أشياء لم يعرجوا عليها ولم تصل أفهامهم إليها بل ربما ألتبس عليهم الحال ففهموا غير ما أراده الملك المتعال كما وقع لعدي بن حاتم في الخيط الأبيض والأسود ولا شك أنا محتاجون إلى ما كانوا محتاجين إليه وزيادة وأما بيان شرفه فلان شرف العلم بشرف موضوعه وشرف معلومه وغايته وشدة الإحتياج إليه وهو حائز لجميعها فإن موضوعه كلام الله تعالى وماذا عسى أن يقال فيه ومعلومه مع أنه مراد الله تعالى الدال عليه كلامه جامع للعقائد الحقة والأحكام الشرعية وغيرها وغايته الإعتصام بالعروة الوثقى التي لا إنفصام لها والوصول إلى سعادة الدارين وشدة الإحتياج إليه ظاهرة مما تقدم بل هو رئيس جميع العلوم الدينية لكونها مأخوذة من الكتاب وهي تحتاج من حيث الثبوت أو من حيث الإعتداد إلى علم التفسير وهذا لا ينافي كون الكلام رئيسها أيضا لأن علم التفسير لتوقفه على ثبوت كونه تعالى متكلما يحتاج إلى الكلام والكلام لتوقف جميع مسائله من حيث الثبوت أو الإعتداد على الكتاب يتوقف على التفسير فيكون كل منهما رئيسا للآخر من وجه على أن رياسة التفسير بناء على ذلك الشرف مما لا ينتطح فيه كبشان وأما الآثار الدالة على شرفه فكثيرة أخرج إبن أبي حاتم وغيره من طريق إبن أبي طلحة عن إبن عباس في قوله تعالى : يؤتى الحكمة قال : المعرفة بالقرآن ناسخه ومنسوخة ومحكمة ومتشابهة ومقدمة ومؤخره وحلاله وحرامه وأمثاله وأخرج أبو عبيدة عن الحسن قال : ما أنزل الله آية إلا وهو يحب أن تعلم فيما أنزلت وما أراد بها وأخرج إبن أبي حاتم عن عمرو بن مرة قال : ما مررت بآية لا أعرفها إلا أحزنتني لأني سمعت الله يقول : وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون إلى غير ذلك
الفائدة الثانية فيما يحتاجه التفسير ومعنى التفسير بالرأي وحكم كلام السادة الصوفية في القرآن فأما ما يحتاجه التفسير فأمور الأول علم اللغة لأن به يعرف شرح مفردات الألفاظ ومعلولاتها بحسب الوضع ولا يكفي اليسير إذ قد يكون اللفظ مشتركا وهو يعلم أحد المعنيين والمراد الآخر فمن لم يكن عالما بلغات العرب لا يحل له التفسير كما قاله مجاهد وينكل كما قاله مالك وهذا مما لا شبهة فيه نعم روى عن أحمد أنه سئل عن القرآن يمثل له الرجل ببيت من الشعر فقال ما يعجبني وهو ليس بنص في المنع عن بيان المدلول اللغوي للعارف كما لا يخفى الثاني معرفة الأحكام التي للكلم العربية من جهة أفرادها وتركيبها ويؤخذ ذلك من علم النحو أخرج أبو عبيدة عن الحسن أنه سئل عن الرجل يتعلم العربية يلتمس بها أحسن المنطق ويقيم بها قراءته فقال : حسن فتعلمها فإن الرجل يقرأ الآية فيعيا بوجهها فيهلك فيها وفي قصة الأسود ما يغني عن الإطالة الثالث علم المعاني والبيان والبديع ويعرف بالأول خواص تراكيب الكلام من جهة إفادتها المعنى وبالثاني خواصها من حيث إختلافها وبالثالث وجوه تحسين كلام وهو الركن

(1/5)


الأقوم واللازم الأعظم في هذا الشأن كما لايخفى ذلك على من ذاق طعم العلوم ولو بطرف اللسان الرابع تعيين مبهم وتبيين مجمل وسبب نزول ونسخ ويؤخذ ذلك من علم الحديث الخامس معرفة الإجمال والتبيين والعموم والخصوص والإطلاق والتقييد ودلالة الأمر والنهي وما أشبه هذا وأخذوه من أصول الفقه السادس الكلام فيما يجوز على الله وما يجب له وما يستحيل عليه والنظر في النبوة ويؤخذ هذا من علم الكلام وللاه يقع المفسر في ورطات السابع علم القرا آت لأنه به يعرف كيفية النطق بالقرآن وبالقراآت ترجح بعض الوجوه المحتملة على بعض هذا وعد السيوطي مما يحتاج إليه المفسر علم التصريف وعلم الإشتقاق وأنا أظن أن المهارة ببعض ما ذكرنا يترتب عليهما من الثمرة وعد أيضا علم الفقه ولم يعده غيره ولكل وجهة وعد علم الموهبة أيضا من ذلك قال وهو علم يورثه الله تعالى لمن عمل بما علم وإليه الإشارة بالحديث من عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يعلم ثم قال ولعلك تستشكل علم الموهبة وتقول هذا شيء ليس في قدرة الإنسان تحصيله وليس كما ظننت والطريق في تحصيله إرتكاب الأسباب الموجبة له من العمل والزهد إلى آخر ما قاله وفيه أن علم الموهبة بعد تسليم أنه كسبي إنما يحتاج إليه في الإطلاع على الأسرار لا في أصل فهم معاني القرآن كما يفهمه كلام البرهان وكثير من المفسرين بصدد الثاني والواقفون على الأسرار وقليل ما هم لا يستطيعون التعبير عن كثير مما أفيض عليهم فضلا عن تحريره وإقامة البرهان عليه على أن ذلك تأويل لا تفسير فلعل السيوطي أراد من عبارته معنى آخر يظهر لك بالتدبر فتدبر وأما التفسير بالرأي فالشائع المنع عنه وأستدل عليه بما أخرجه أبو داؤد والترمذي والنسائي من قوله : من تكلم في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ وفي رواية عن أبي داؤد من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار ولا دليل في ذلك أما أو لا فلأن في صحة الحديث الأول مقالا قال في المدخل في صحته نظر وإن صح فإنما أراد به والله تعالى أعلم فقد أخطأ الطريق إذ الطريق الرجوع في تفسير ألفاظه إلى أهل اللغة وفي نحو الناسخ والمنسوخ إلى الأخبار وفي بيان المراد منه إلى صاحب الشرع فإن لم يجد هناك وهنا فلا بأس بالفكرة ليستدل بما ورد على ما لم يرد أو أراد من قال بالقرآن قولا يوافق هواه بأن يجعل المذهب أصلا والتفسير تابعا له فيرد إليه بأي وجه فقد أخطأ فالباء على ذلك سببية أو يقال ذلك في المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله أو في الجزم بأن مراد الله تعالى كذا على القطع من غير دليل وأما الحديث الثاني فله معنيان الأول من قال في مشكل القرآن بما لا يعلم فهو متعرض لسخط الله تعالى والثاني وصحح من قال في القرآن قولا يعلم أن الحق غيره فليتبوأ مقعده من النار وأما ثانيا فلأن الأدلة على جواز الرأي والإجتهاد في القرآن كثيرة وهي تعارض ما يشعر بالمنع فقد قال تعالى ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم وقال تعالى : أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها وقال تعالى : كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب وأخرج أبو نعيم وغيره من حديث إبن عباس القرآن ذلول ذو وجوه فأحملوه على أحسن وجوهه وقد دعا رسول الله لإبن عباس بقوله اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل وقد روى عن علي كرم الله وجهه أنه سئل هل خصكم رسول الله بشيء فقال ما عندنا غير ما في هذه الصحيفة أو فهم يؤتاه الرجل في كتابه إلى غير ذلك مما لا يحصى كثرة والعجب كل العجب مما يزعم أن علم التفسير مضطر إلى النقل في فهم معاني التراكيب ولم ينظر إلى إختلاف التفاسير وتنوعها ولم يعلم أن ماورد عنه في ذلك كالكبريت الأحمر فالذي ينبغي أن يعول عليه أن من كان

(1/6)


متبحرا في علم اللسان مترقيا منه إلى ذوق العرفان وله في رياض العلوم الدينية أو في مرتع وفي حياضها أصفى مكرع يدرك أعجاز القرآن بالوجدان لا بالتقليد وقد غدا ذهنه لما أغلق من دقائق التحقيقات أحسن إقليد فذاك يجوز له أن يرتقى من علم التفسير ذروته ويمتطي منه صهوته وأما من صرف عمره بوساوس أرسطاطاليس وأختار شوك القنافذ على ريش الطواويس فهو بمعزل عن فهم غوامض الكتاب وإدراك ما تضمنه من العجب العجاب وأما كلام السادة الصوفية في القرآن فهو من باب الإشارات إلى دقائق تنكشف عى أرباب السلوك ويمكن التطبيق بينها وبين الظواهر المرادة وذلك من كمال الإيمان ومحض العرفان لا أنهم أعتقدوا أن الظاهر غير مراد أصلا وإنما المراد الباطن فقط إذ ذاك إعتقاد الباطنية الملاحدة توصلوا به إلى نفي الشريعة بالكلية وحاشى سادتنا من ذلك كيف وقد حضوا على حفظ التفسير الظاهر وقالوا لا بد منه أولا إذ لا يطمع في الوصول إلى الباطن قبل أحكام الظاهر ومن إدعى فهم أسرار القرآن قبل إحكام التفسير الظاهر فهو كمن إدعى البلوغ إلى صدر البيت قبل أن يجاوز الباب ومما يؤيد أن للقرآن ظاهرا وباطنا ما أخرجه إبن أبي حاتم من طريق الضحاك عن إبن عباس قال : القرآن ذو شجون وفنون وظهور وبطون لا تنقضي عجائبه ولا تبلغ غايته فمن أوغل فيه برفق نجا ومن أوغل فيه بعنف هوى أخبار وأمثال وحلال وحرام وناسخ ومنسوخ ومحكم ومتشابه وظهر وبطن فظهره التلاوة وبطنه التأويل فجالسوا به العلماء وجانبوا به السفهاء
وقال إبن مسعود : من أراد علم الأولين والآخرين فليتل القرآن ومن المعلوم أن هذا لا يحصل بمجرد تفسير الظاهر وقد قال بعض من يوثق به لكل آية ستون ألف فهم وروى عن الحسن قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : لكل آية ظهر وبطن ولكل حرف حد ولكل حد مطلع قال إبن النقيب أن ظاهرها ما ظهر من معانيها لأهل العلم بالظاهر وباطنها ما تضمنته من الأسرار اتي أطلع الله تعالى عليها أرباب الحقائق ومعنى قوله ولكل حرف حد أن لكل حرف منتهي فيما أراده الله تعالى من معناه ومعنى قوله : ولكل حد مطلع أن لكل غامض من المعاني والأحكام مطلعا يتوصل به إلى معرفته ويوقف عن القدر يكفي بعد ذلك في المقصود كما لايخفى على من لم يركب مطية الجحود المراد به وقيل في رواية لكل آية ظهر وبطن وحد ومطلع والمذكور بوساطة الألفاظ وتأليفاتها وضعا وإفادة وجعلها طرقا إلى إستنباط الأحكام الخمسة هو الظهر وروح الألفاظ أعنى الكلام المعتلى عن المدارك الآلية بجواهر الروح القدسية هو البطن وإليه الإشارة بقول الأمير السابق والحد إما بين الظهر والبطن يرتقى منه إليه وهو المدرك بالجمعية من الجمعية وإما بين البطن والمطلع فالمطلع مكان الأطلاع من الكلام النفسي إلى الأسم المتكلم المشار إليه بقول الصادق لقد تجلى الله تعالى في كتابه لعباده ولكن لا يبصرون والحد بينهما يرتقي به من البطن إليه عند إدراك الرابطة بين الصفة والأسم وإستهلاك صفة العبد تحت تجليات أنوار صفة المتكلم تعالى شأنه وقيل الظهر التفسير والبطن التأويل والحد ما تتناهى إليه الفهوم من معنى الكلام والمطلع ما يصعد إليه منه فيطلع على شهود الملك العلام إنتهى
فلا ينبغي لمن له أدنى مسكة من عقل بل أدنى ذرة من إيمان أن ينكر إشتمال القرآن على بواطن يفيضها المبدأ الفياض على بواطن من شاء من عباده وياليت شعري ماذا يصنع المنكر بقوله تعالى وتفصيلا لكل شيء وقوله تعالى ما فرطنا في الكتاب من شيء ويا الله العجب كيف يقول بإحتمال ديوان المتنبي وأبياته المعاني الكثيرة ولا يقول بإشتمال قرآن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وآياته وهو كلام رب العالمين المنزل على خاتم المرسلين على ما شاء الله تعالى من المعاني المحتجبة وراء سرادقات تلك المباني سبحانك هذا بهتان عظيم بل ما من حادثة ترسم بقلم القضاء في لوح الزمان إلا وفي القرآن العظيم إشارة إليها فهو المشتمل على خفايا الملك والملكوت وخبايا قدس الجبروت
وقد ذكر إبن خلكان في تاريخه أن السلطان صلاح الدين لما فتح مدينة حلب أنشد القاضي محيي الدين قصيدة بائية

(1/7)


أجاد فيها كل الإجادة وكان من جملتها وفحك القلعة الشهباء في صفر مبشر بفتوح القدس في رجب فكان كما قال فسئل القاضي من أين لك هذا فقال أخذته من تفسير إبن برجان في قوله تعالى : ألم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين قال المؤرخ : فلم أزل أتطلب التفسير المذكور حتى وجدته على هذه الصورة وذكر له حسابا طويلا وطريقا في إستخراجه وله نظائر كثيرة ومن المشهور إستنباط إبن الكمال فتح مصر على يد السلطان سليم من قوله تعالى : ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون فالأنصاف كل الإنصاف التسليم للسادة الصوفية الذين هم مركز للدائرة المحمدية ما هم عليه وإتهام ذهنك السقيم فيما لم يصل لكثرة العوائق والعلائق إليه وإذا لم تر الهلال فسلم لأناس رأوه بالأبصار وسيأتي تتمة لهذا البحث إن شاء الله تعالى والله الهادي إلى سواء السبيل الفائدة الثالثة أعلم أن لكتاب الله تعالى أسماء أنهاها شيدلة في البرهان إلى خمسة وخمسين أسما وذكر السيوطي بعد عدها في الإتقان وجوة تسميته بها ولم يذكر غير ذلك وعندي أنها كلها ترجع بعد التأمل الصادق إلى القرآن والفرقان رجوع أسماء الله تعالى إلى صفتي الجمال والجلال فهما الأصل فيها وقد أختلف الناس في تحقيق لفظ القرآن فالمروي عن الشافعي وبه قال جماعة أنه اسم علم غير مشتق خاص بهذا الكلام المنزل على النبي المرسل وهو معرفا غير مهموز عنده كما حكاه عنه البيهقي والخطيب وغيرهما والمنقول عن الأشعري وأقوام أنه مشتق من قرنت الشيء إذا ضممته إليه وسمى به عندهم لقرآن السور والآيات والحروف فيه بعضها ببعض وقال الفراء هو مشتق من القرائن لأن الآيات فيه يصدق بعضها بعضا ويشبه بعضها بعضا وهو على هذين القولين بلا همز أيضا ونونه أصلية وقال الزجاج هذا القول غلط والصواب أن ترك الهمزة فيه من باب التخفيف ونقل حركتها إلى ما قبلها فهو عنده وصف مهموز على فعلان مشتق من القرء بمعنى الجمع ومنه قرأت الماء في الحوض إذا جمعته وسمى به لأنه جمع السور كما قال أبو عبيدة أو ثمرات الكتب السالفة كما قال الراغب أو لأن القاريء يظهره من فيه أخذا من قولهم ما قرأت الناقة سلى قط كما حكى عن قطرب وعند اللحياني وجماعة هو مصدر كالغفران سمى به المقروء تسمية المفعول بالمصدر قال السيوطي : قلت والمختار عندي في هذه المسألة ما نص عليه الشافعي رضي الله تعالى عنه إنتهى وأنا متبري من حولي أقول قول الزجاج أرق من وجه إذ الشائع فيه الهمز وبه قرأ السبعة ما عدا إبن كثير وقد وجه إسقاطها بما مر آنفا ولم يوجه إثباتها وكأن قول السيوطي محض تقليد لإمام مذهبه حيث لم يذكر الدليل ولم يوضح السبيل وعندي أنه في الأصل وصف أو مصدر كما قال الزجاج واللحياني لكنه نقل وجعل علما شخصيا كما ذهب إليه الشافعي ومحققو الأصوليين وعليه لا يعرف القرآن لأن التعريف لا يكون إلا للحاق الكلية ولعل من عرفه بالكلام المنزل للإعجاز بسورة منه أراد تصوير مفهوم لفظ القرآن وكذا من قال كالغزالي أنه ما نقل بين دفتي المصحف تواترا أراد تخصيص الأسم بأحد الأقسام الثلاثة مما نقل بين الدفتين ومما لم ينقل كالمنسوخ تلاوته نحو إنا أنزلنا المال لإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وما نقل ولم يتواتر نحو ثلاثة أيام متتابعات ليعلم أن ذلك هو الدليل وعليه الأحكام من نحو منع التلاوة والمس محدثا وإلا فيرد على الأول إن أريد التمييز أن كونه للإعجاز ليس لازما بينا إذ لا يعرفه إلا الأفراد من العلماء فضلا

(1/8)


عن أن يكون ذاتيا فكيف يصح لتعريف الحقيقة وتمييزها وهو إنما يكون بالذاتيات أو باللوازم البينة وأيضا أن معرفة السورة منه متوقفة على معرفته فيدور ويرد على الثاني مثل ثاني ما ورد على الأول إذ معرفة المصحف موقوفة على معرفة القرآن إذ ليس هو إلا ما كتب فيه القرآن فأخذه في تعريفه دور أيضا هذا وقد قال ساداتنا الصوفية أفاض الله تعالى علينا من فتوحاتهم القدسية : أن القرآن إشارة إلى الذات التي يضمحل بها جميع الصفات فهي المجلي المسمى بالأحدية أنزلها الحق تعالى شأنه على نبيه محمد ليكون مشهد الأحدية من الأكوان ومعنى هذا الإنزال أن الحقيقة الأحدية المتعالية في ذراها ظهرت فيه بكمالها وما أدخر عنه شيء بل أفيض عليه الكل كرما إليها ذاتيا ووصف القرآن في بعض الآيات بالكريم لذلك إذ رأى كرما يضاهي هذا الكرم وأنى تقاس هذه النعمة بسائر النعم وأما القرآن الحكيم فهوية الحقائق الألهية يعرج العبد بالتحقيق بها في الذات شيئا فشيئا على ما أقتضته الحكمة وإلى ذلك أشار الحق تعالى بقوله : ورتلناه ترتيلا وهذا الحكم لا ينقطع أبدا إذ لا يزال العبد في ترق والحق في تجل فسبحان من لا تقيده الأكوان وهو كل يوم في شأن وأما القرآن العظيم في قوله تعالى : ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم فهو إشارة إلى الجملة الذاتية لا بإعتبار النزول ولا بإعتبار المكانة بل مطلق الأحدية الذاتية التي هي في مطلق الهوية الجامعة لجميع المراتب والصفات والشئون والإعتبارات ولهذا قرن بالعظيم وأما السبع المثاني فهو ما ظهر عليه في وجوده من التحقق بالصفات السبع وأما قوله تعالى : الرحمن علم القرآن فهو إشارة إلى أن العبد إذا تجلى عليه الرحمن وجد لذة رحمانية تكسبه معرفة قرآنية فلا يعلم الحق إلا من طريق أسمائه وصفاته وأما الفرقان عندهم فإشارة إلى حقيقة الأسماء والصفات على إختلاف تنوعاتها فباعتباراتها تتميز كل صفة وأسم من غيرها فحصل الفرق في نفس الحق من حيث أسماؤه وصفاته فإن أسمه المنعم غير أسمه المنتقم وصفة الرضا غير صفة الغضب وإليه الإشارة بقوله : سبقت رحمتي غضبي وهي متفاوتة المراتب في الفضل نظرا إلى أعيانها لا بإعتبار أن في شيء منها نقصا أو مفضولية ولهذا حكمت بعضها على بعض كما يشير إليه قوله : أعوذ بمعافاتك من عقوبتك وأعوذ برضاك من سخطك وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك فكانت المعافاة أفضل من العقوبة والرضا أفضل من السخط فأعاذه بالفاضل مما يليه وكذا أعاذه بذاته من ذاته فكما أن الفرق حاصل في الأفعال كذلك في الصفات بل في نفس واحدية الذات التي لا فرق فيها لكن من غريب شؤنها جمعها النقيضين قال أبو سعيد : عرفت الله تعالى بجمعه بين الضدين ولكونه مظهرا للقرآن والفرقان كان خاتم النبيين وإمام المرسلين لأنه ما ترك شيئا يحتاج إليه إلا وقد جاء به فلا يجد الذي يأتي بعده من الكمال شيئا مما ينبغي أن ينبه عليه قال تعالى : ما فرطنا في الكتاب من شيء وقال تعالى : فصلناه تفصيلا إلى غير ذلك من الآيات
وقد يقال القرآن والفرقان إشارتان إلى مقام الجمع والفرق بأقسامها قالوا ولا بد للعبد الكامل منهما فإن من لا تفرقة له لا عبودية له ومن لا جمع له لا معرفة له والجمع عندهم شهود الأشياء بالله تعالى والتبري من الحول والقوة إلا بالله وجمع الجمع الإستهلاك بالكلية والفناء عما سوى الله تعالى وهو المرتبة الأحدية والفرق أنواع فرق أول وهو الإحتجاب بالخلق عن الحق وبقاء رسوم الخليقة بحالها وفرق ثان وهو شهود قيام الخلق بالحق ورؤية الوحدة في الكثرة والكثرة في الوحدة من غير إحتجاب إحداهما عن الأخرى وفرق الوصف وهو ظهور الذات الأحدية بأوصافها في الحضرة الواحدة وفرق الجمع وهو تكثر الواحد بظهوره في المراتب

(1/9)


التي هي ظهور شئون الذات الأحدية وتلك الشئون في الحقيقة إعتبارات محضة لا تحقق لها إلا عند بروز الواحد بصورها وكثيرا ما يطلقون القرآن على العلم اللدني الإجمالي الجامع للحقائق كلها والفرقان على العلم التفصيلي الفارق بين الحق والباطل وكتاب الله تعالى جامع لذلك كله كما لا يخفى على أهله وذكر الشيخ الأكبر قدس سره أن القرآن يتضمن الفرقان والفرقان لايتضمن القرآن لأن تفاصيل المراتب والأسماء المقتضية لها موجودة في الجمع والجمع لا يوجد في التفاصيل ولهذا ما أختص بالقرآن إلا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم فليفهم ونسأل الله تعالى أن يلهمنا رشدنا ويزيل بعلمه جهلنا إنه على ما يشاء قدير الفائدة الرابعة في تحقيق معنى أن القرآن كلام الله تعالى غير مخلوق أعلم أن هذه المسألة من أمهات المسائل الدينية والمباحث الكلامية كم زلت فيها أقدام وضلت عن الحق بهاأقوام وهي وإن كانت مشروحة في كتب المتقدمين مبسوطة في زبر المتأخرين لكني بحول من عز حوله وفضل من غمرنا فضله أوردها في هذا الكتاب ليتذكر أولو الألباب بأسلوب عجيب وتحقيق غريب لا أظنك شنفت سمعك بمثل لأليه ولا نورت بصرك بشبه بدر لياليه فماء ولا كصدى ومرعى ولا كالسعدان وما كل زهر ينبت الروض طيب ولا كل كحل للنواظر أثمد فأقول إن الإنسان له كلام بمعنى التكلم الذي هو مصدر وكلام بمعنى المتكلم به الذي هو الحاصل بالمصدر ولفظ الكلام موضوع لغة لثاني قليلا كان أو كثيرا حقيقة كان أو حكما وقد يستعمل إستعمال المصدر كما ذكره الرضي وكل من المعنيين إما لفظي أو نفسي فالأول من اللفظي فعل الإنسان باللسان وما يساعده من المخارج والثاني منه كيفية في الصوت المحسوس والأول من النفسي فعل قلب الإنسان ونفسه الذي لم يبرز إلى الجوارح والثاني كيفية في النفس إذ لا صوت محسوسا عادة فيها وإنما هو صوت معنوي مخيل أما الكلام اللفظي بمعنييه فمحل وفاق وأما النفسي فمعناه الأول تكلم الإسنان بكلمات ذهنية وألفاظ مخيلة يرتبها في الذهن على وجه إذا تلفظ بها بصوت محسوس كانت عين كلماته اللفظية ومعناه الثاني هو هذه الكلمات الذهنية والألفاظ المخيلة المرتبة ترتيبا ذهنيا منطبقا عليه الترتيب الخارجي
والدليل على أن للنفس كلاما بالمعنيين الكتاب والسنة فمن الآيات قوله تعالى : فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم قال أنتم شر مكانا فإن قال بدل من أسر أو إستئناف بياني كأنه قيل فماذا قال في نفسه في ذلك الأسرار فقيل : قال أنتم شر مكانا وعلى التقديرين فالآية دالة على أن للنفس كلاما بالمعنى المصدري وقولا بالمعنى الحاصل بالمصدر وأثمد من أسر والجملة بعدها وقوله تعالى : أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى وفسر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بما أسره إبن آدم في نفسه وقوله تعالى : وأذكر ربك في نفسك وقوله تعالى : يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا أي يقولون في أنفسهم كما هو الأسرع إنسياقا إلى الذهن والآيات في ذلك كثيرة ومن الأحاديث ما رواه الطبراني عن أم سلمة أنها سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وقد سأله رجل فقال : إني لأحدث نفسي بالشيء لو تكلمت به لأحبطت أجرى فقال لا يلقى ذلك الكلام إلا مؤمن فسمى صلى الله تعالى عليه وسلم ذلك الشيء المحدث به كلاما مع أنه كلمات ذهنية والأصل في الإطلاق الحقيقة ولا صارف عنها وقوله تعالى في الحديث القدسي أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي الحديث وفيه دليل على أن للعبد كلاما نفسيا بالمعنيين وللرب أيضا كلاما نفسيا كذلك ولكن أين التراب من رب الأرباب

(1/10)


فالمعنى الأول للحق تعالى شأنه صفة أزلية منافية للآفة الباطنية التي هي بمنزلة الخرس في التكلم الإنساني اللفظي ليس من جنس الحروف والألفاظ أصلا وهي واحدة بالذات تتعدد تعلقاتها بحسب تعدد المتكلم به وحاصل الحديث من تعلق تكلمه بذكر اسمي تعلق تكملي بذكر أسمهوالتعلق من الأمور النسبية التي لا يضر تجددها وحدوث المتعلق إنما يلزم في التعلق التنجيزي ولا ننكره وأما التعلق المعنوي التقديري ومتعلقه فأزليان ومنه ينكشف وجه صحة نسبة السكوت عن أشياء رحمة غير نسيان كما في الحديث إذ معناه أن تكلمه الأزلي لم يتعلق ببيانها مع تحقق إتصافه أزلا بالتكلم النفسي وعدم هذا التعلق الخاص لا يستدعي إنتفاء الكلام الأزلي كما لا يخفى
والمعنى الثاني له تعالى شأنه كلمات غيبية وهي ألفاظ حكمية مجردة عن المواد مطلقا نسبية كانت أو خيالية أو روحانية وتلك الكلمات أزلية مترتبة من غير تعاقب في الوضع الغيبي العلمي لا في الزمان إذ لا زمان والتعاقب بين الأشياء من توابع كونها زمانية ويقربه من بعض الوجوه وقوع البصر على سطور الصفحة المشتملة على كلمات مرتبة في الوضع الكتابي دفعة فهي مع كونها مترتبة لا تعاقب في ظهورها فجميع معلومات الله الذي هو نور السموات والأرض مكشوفة له أرلا كما هي مكشوفة له فيما لا يزال ثم تلك الكلمات الغيبية المترتبة ترتبا وضعيا أزليا يقدر بينها التعاقب فيما لا يزال والقرآن كلام الله تعالى المنزل بهذا المعنى فهو كلمات غيبية مجردة عن المواد مترتبة في علمه أزلا غير متعاقبة تحقيقا بل تقديرا عند تلاوة الألسنة الكونية الزمانية ومعنى تنزيلها إظهار صورها في المواد الروحانية والخيالية والحسية من الألفاظ المسموعة والذهنية والمكتوبة ومن هنا قال السنيون : القرآن كلام الله تعالى غير مخلوق وهو مكتوب في المصاحف محفوظ في الصدور مقروء بالألسن مسموع بالأذان غير حال في شيء منها وهو في جميع هذه المراتب قرآن حقيقة شرعية معلوم من الدين بالضرورة فقولهم غير حال إشارة إلى مرتبته النفسية الأزلية فإنه من الشئون الذاتية ولم تفارق الذات ولا تفارقها أبدا ولكن الله تعالى أظهر صورها في الخيال والحس فصارت كلمات مخيلة وملفوظة مسموعة ومكتوبة مرئية فظهر في تلك المظاهر من غير حلول إذ هو فرع الإنفصال وليس فليس فالقرآن كلامه تعالى غير مخلوق وإن تنزل في هذه المراتب الحادثة ولم يخرج عن كونه منسوبا إليه أما في مرتبة الخيال فلقوله : أغنى الناس حملة القرآن من جعله الله تعالى في جوفه وأما في مرتبة اللفظ فلقوله تعالى : وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن وأما في مرتبة الكتابة فلقوله تعالى : بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ وقول الإمام أحمد : لم يزل الله متكلما كيف شاء وإذا يشاء بلا كيف إشارة إلى مرتبتين فالأول إلى كلامه في مرتبة التجلي والتنزل إلى مظهر له كقوله : إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة أجنحتها خضعانا لقوله كأنه سلسلة على صفوان الحديث والثاني إلى مرتبة الكلام النفسي إذ الكيف من توابع مراتب التنزلات والكلام النفسي في مرتبة الذات مجرد عن المادة فأرتفع الكيف بإرتفاعها فالحاصل لم يزل الله تعالى متكلما وموصوفا بالكلام من حيث تجلي ومن حيث لا فمن حيث تجليه في مظهر لكلامه كيف وإذا شاء لم يتكلم بما أقتضاه مظهر تجليه فيكون متكلما بلا كيف كما كان ولم يزل والأشعري إذا حققت الحال وجدته قائلا بأن الله تعالى كلاما بمعنى التكلم وكلاما بمعنى المتكلم به وأنه بالمعنى الثاني لم يزل متصفا بكونه أمرا ونهيا وخبرا فإنها أقسام المتكلم به وأن الكلام النفسي بالمعنى الثاني حروفه غير عارضة للصوت في الحق والخلق غير أنها في الحق كلمات غيبية مجردة عن المواد أصلا إذ كان الله تعالى ولم يكن شيء غيره وفي الخلق كلمات مخيلة ذهنية فهي في مادة خيالية فكلمات الكلام النفسي في جنابه تعالى كلمات حقيقية لكنها ألفاظ حكمية ولايشترط اللفظ الحقيقي في كون الكمة حقيقية إذ قد أطلق الفاروق الكلمة على أجزاء مقالته

(1/11)


المخيلة في خبر يوم السقيفة والأصل في الإطلاق الحقيقة فالأجزاء كلمات حقيقية لغوية مع أنها ليست ألفاظا كذلك إذ ليست حروفها عارضة لصوت واللفظ الحقيقي ما كانت حروفه عارضة وهو لكونه صورة اللفظ النفسي الحكمي دال عليه وهو دال في النفس على معناه بلا شبهة ولاإنفكاك فيصدق على اللفظ النفسي بمعناه أنه مدلول اللفظ الحقيقي ومعناه فتفسير المعنى النفسي المشهور عن الأشعري بمدلول اللفظ وحده كما نقله صاحب المواقف عن الجمهور لا ينافي تفسيره بمجموع اللفظ والمعنى كما فسره هو أيضا وذلك بأن يحمل اللفظ في قوله على النفسي وفي قول الجمهور على الحقيقي ولا شك حينئذ أن مجموع النفسي ومعناه من حيث المجموع يصدق عليه أنه مدلول اللفظ الحقيقي وحده لأن اللفظ الحقيقي لكونه صورة النفسي في مرتبة تنزله دال عليه ويدل على أن المراد المجموع قول إمام الحرمين في الأرشاد : ذهب أهل الحق إلى إثبات الكلام القائم بالنفس وهو القول أي المقول الذي يدور في الخلد وهو اللفظ النفسي الدال على معناه بلا إنفكاك نعم عبارة صاحب المواقف غير واضحة في المقصود وله مقاة مفردة في ذلك
ومحصولها كما قال السيد قدس سره أن لفظ المعنى يطلق تارة على مدلول اللفظ وأخرى على الأمر القائم بالغير فالشيخ لما قال الكلام النفسي هو المعنى النفسي فهم الأصحاب منه أن مراده مدلول اللفظ وحده وهو القديم عنده وأما البعرات فإنما تسمى كلاما مجازا لدلالته على ما هو كلام حقيقي حتى صرحوا بأن الألفاظ خاصة حادثة على مذهبه أيضا لكنها ليست كلامه حقيقة وهذا الذي فهموه من كلام الشيخ له لوازم كثيرة فاسدة كعدم إكفار من أنكر كلامية ما بين دفتي المصحف مع أنه علم من الدين ضرورة كونه كلام الله تعالى حقيقة وكعدم المعارضة والتحدي بكلام الله الحقيقي وكعدم كون المقروء والمحفوظ كلامه حقيقة إلى غير ذلك مما لا يخفى على المتفطن في الأحكام الدينية فوجب حمل كلام الشيخ على أنه أراد به المعنى الثاني فيكون الكلام النفسي عنده أمرا شاملا للفظ والمعنى جميعا قائما بذات الله تعالى وهو مكتوب في المصاحف مقروء بالألسن محفوظ في الصدور وهو غير الكتابة والقراءة والحفظ الحادثة وما يقال من أن الحروف والألفاظ مترتبة متعاقبة فجوابه أنذلك الترتب إنما هو في التلفظ بسبب عدم مساعدة الآلة فالتلفظ حادث والأدلة الدالة على الحدوث يجب حملها على حدوثه دون حدوث الملفوظ جمعا ين الأدلة وهذا الذي ذكرناه وإن كان مخالفا لما عليه متأخر وأصحابنا إلا أنه بعد التأمل يعرف حقيقته إنتهى وإعتراضه الدواني بوجوه قال أما أو لا فلان مذهب الشيخ أن كلامه تعالى واحد وليس بأمر ولا نهي ولا خير وإنما يصير أحد هذه الأمور بحسب التعلق وهذه الأوصاف لا تنطبق على الكلام اللفظي وإنما يصح تطبيقه على المعنى المقابل للفظ بضرب من التكلف وأما ثانيا فلان كون الحروف والألفاظ قائمة بذاته تعالى من غير ترتب يفضي إلى كون الأصوات مع كونها أعراضا سيالة موجودة بوجود لا تكون فيه سيالة وهو سفسطة من قبيل أنيقال الحركة توجد في بعض الموضوعات من غير ترتب وتعاقب بين أجزائها وأما ثالثا فلأنه يؤدي إلى أن يكون الفرق بين ما يقوم بالقاريء من الألفاظ وبين ما يقوم بذاته تعالى بإجتماع الأجزاء وعدم إجتماعها بسبب قصور الآلة فنقول هذا الفرق إن أوجب إختلاف الحقيقة فلا يكون القائم بذاته من جنس الألفاظ وإن لم يوجب وكان مايقوم بالقاريء وما يقوم بذاته تعالى حقيقة واحدة والتفاوت بينهما إنما يكون بإجتماعه

(1/12)


وعدمه اللذين هما من عوارض الحقيقة الواحدة كان بعض صفاته الحقيقية مجانسا لصفات المخلوقات
وأما رابعا فلان لزوم ما ذكره من المفاسد وهم فإن تكفير من أنكر كون ما بين الدفتين كلام الله تعالى إنما هو إذا أعتقد أنه من مخترعات البشر أما إذا أعتقد أنه ليس كلام الله بمعنى أنه ليس بالحقيقة صفة قائمة بذاته بل هو دال على الصفة القائمة بذاته لا يجوز تفكيره أصلا كيف وهو مذهب أكثر الأشاعرة ما خلا المصنف وموافقيه وما علم من الدين من كون ما بين الدفتين كلام الله تعالى حقيقة إنما هو بمعنى كونه دالا على ما هو كلام الله تعالى حقيقة لا على أنه صفة قائمة بذاته تعالى وكيف يدعي أنه من ضروريات الدين مع أنه خلاف ما نقله عن الأصحاب وكيف يزعم أن هذا الجم الغفير من الأشاعرة أنكروا ما هو من ضروريات الدين حتى يلزم تكفيرهم حاشاهم عن ذلك وأما خامسا فلأن الأدلة الدالة على النسخ لا يمكن حملها على التلفظ بل ترجع إلى الملفوظ كيف وبعضها مما لا يتعلق النسخ بالتلفظ به كما نسخ حكمه بقى تلاوته إنتهى والجواب أما عن الأول فهو أن الحق عز أسمه له كلام بمعنى التكلم وكلام بمعنى المتكلم به وما هو أمر واحد المعنى الأول وهو صفة واحدة تتعدد تعلقاتها بحسب تعدد المتكلم به من الكتب والكلمات وأنها ليست من جنس الحروف والألفاظ أصلا لا الحقيقية ولا الحكمية وماذكر في الإعتراض ينطبق عليه بلا كلفة والدليل على أن المنعوت بهذه الأوصاف عند الشيخ هو المعنى الأول نقل الإمام أن الكلام الأزلي لم يزل متصفا بكونه أمرا نهيا خبرا ولا شك أن هذه أقسام المتكلم به وكل من كان قائلا بإنقسام الثاني كان المنعوت بالوحدة ذاتا والتعدد تعلقا المعنى الأول عنده جمعا بين الكلامين وأما عن الثاني فهو أن ذلك إنما يلزم إذا أريد من اللفظ الحقيقي وأما إذا أريد النفسي الحكمي فلا ورود له لأن الألفاظ النفسية كلها مجتمعة الأجزاء في الوجود العلمي مع كونها مترتبة كما ذكره هو نفسه وكلام صاحب المواقف محتمل للتأويل كما تقدم فليحمل عليه سعيا بالإصلاح مهما أمكن وأما الثالث فهو أن الإيراد مبني على ظن أن المراد باللفظ الحقيقي مع أنه محتمل لأن يراد النفسي كما يقتضيه ظاهر تشبيهه بالقائم بنفس الحافظ وأما الرابع فهو أن الكلام النفسي عند أهل الحق هو مجموع اللفظ النفسي والمعنى ولكن ظاهر كلام صاحب المواقف يدل على أنه فهم من ظاهر كلام بعض الأصحاب أن مرادهم بالمعنى هو المقابل للفظ مجردا عن اللفظ مطلقا وقد سمعهم يقولون إن الكلام اللفظي ليس كلامه تعالى حقيقة بل مجازا فإذا أنضم قولهم بنفي كونه كلاما حقيقة شرعية إلى قولهم في ظنه أن النفسي هو المعنى المقابل للفظ لزم من هذا ما هو في معنى القول بكون اللفظي من مخترعات البشر ولا يخفى إستلزامه للمفاسد ولكن لم يريدوا بالمجاز الشرعي فإن إطلاق كلام الله تعالى المسموع متواتر فلا يتأتى نفيه لأحد بل المراد أن الكلام إنما يتبادر منه ما هو وصف للمتكلم وقائم به قياما يقتضيه حقيقة الكلام وذات المتكلم في الحق والخلق على الوجه اللائق بكلوأما ما يتلى فهو حروف عارضة للصوت الحادث ولا شك أنه ليس قائما بذاته سبحانه من حيث هو هو بل هو صورة من صور كلامه القديم القائم به تعالى ومظهر تنزلاته فهو دال على الحقيقي القائم فسمى كلاما حقيقة شرعية لذلك وفيه إطلاق لأسم الحقيقة على الصورة فيكون مجازا من هذا الوجه وإلى هذا يشير كلام التفتازاني فلا يلزم شيء من المفاسد وإعتراض صاحب المواقف مبني على ظنه وأما الخامس فهو أن كلام صاحب المواقف ليس نصافي أن الضمير راجع إلى التلفظ بل يحتمل أن يكون راجعا إلى الملفوظ وذلك أنه قال المعنى الذي

(1/13)


في النفس لا ترتب فيه كما هو قائم بنفس الحافظ ولا ترتب فيه وقد مر أن المراد به مجموع اللفظ النفسي والمعنى كما يقتضيه ظاهر التشبيه بالقائم بنفس الحافظ ولا شك أنه لا ترتب فيه أي لا تعاقب فيه في الوجود العلمي وحينئذ فقولهم نعم الترتب إنما يحصل في التلفظ معناه أن الترتب في المعنى النفسي الذي هو مجموع اللفظ النفسي والمعنى إنما يحصل في التلفظ الخارجي لضرورة عدم مساعدة الآلة فقوله : وهو الذي هو حادث أي الملفوظ بالتلفظ الخارجي الذي هو الصورة حادث لا اللفظ النفسي وتحمل الأدلة التي تدل على الحدوث على حدوثه أي الملفوظ بالتلفظ الخارجي وعلى هذا لا ورود للإعتراض أصلا ومنهم من أعترض أيضا بأنهم أشتركوا في المعجزة أن تكون فعل الله تعالى أو ما يقوم مقامه كالنزول فلا يكون القرآن اللفظي الذي هو معجزة قديما صفة له تعالى ولا يخفى أن المعجزة هو القرآن في مرتبة تنزله إلى الألفاظ الحقيقة العربية فكونه لفظا حقيقيا عربيا مجعول بالنص فيكون معجزة بلا شبهة والقديم على ما حقق هو القرآن اللفظي النفسي الذي هو مجموع اللفظ النفسي والمعنى وهذا واضح لمن ساعدته العناية وقد شنع على الشيخ الأشعري في هذا المقام أقوام تشابهت قلوبهم واتحدت أغراضهم وإن أختلفت أساليبهم وها أنا بحوله تعالى راد لإعتراضاتهم بعد نقلها غير هياب ولا وكل وإن أتسع علم أهلها فالبعوضة قد تدمي مقلة الأسد وفضل الله تعالى ليس مقصورا على أحد
فأقول قال تلميذ مولانا الدواني عفيف الدين الإيجي ما حاصله أن هذا الذي تدعيه : إلا شاعرة من أن للكلام معنى آخر يسمى النفسي باطل فإنا إذ قلنا زيد قائم فهناك أربعة أشياء الأول العبارة الصادرة عنه والثاني مدلول هذه العبارة وما وضع له هذه الألفاظ من المعاني المقصودة بها الثالث علمه بثبوت تلك النسبة وإنتفائها
الرابع ثبوت تلك النسبة وإنتفاؤها في الواقع والأخير أن ليسا كلاما إتفاقا والأول لا يمكن أن يكون كلام الله حقيقة على مذهبهم فبقى الثاني وكذا نقول في الأمر والنهي ههنا ثلاثة أمور الأول الإرادة والكراهة الحقيقية الثاني اللفظ الصادر عنه الثالث مفهوم لفظه ومعناه والأول ليس كلاما إتفاقا والثاني كذلك على مذهبهم فبقى الثالث وبه صرح أكثر محققيهم وكونه كلاما نفسيا ثابتا لله تعالى شأنه محكوما عليه بأحكام مختلفة باطل من وجه الأول أنه مخالف للعرف واللغة فإن الكلام فيهما ليس إلا المركب من الحروف الثاني أنه لا يوافق الشرع إذ قد ورد فيما لا يحصى كتابا وسنة أن الله تعالى ينادي عباده ولا ريب أن النداء لا يكون إلا بصوت بل قد صرح به في الأخبار الصحيحة وباب المجاز وإن لم يغلق بعد إلا أن حمل ما يزيد على نحو مائة ألف من الصرائح على خلاف معناه مما لا يقبله العقل السليم الثالث أن ما قالوه من كون هذا المعنى النفسي واحدا يخالف العقل فإنه لا شك أن مدلول اللفظ في الأمر يخالف مدلوله في النهي ومدلول الخبر يخالف مدلول الإنشاء بل مدلول أمر مخصوص غير مدلول أمر آخر وكذا في الخبرولا يرتاب عاقل أن مدلول اللفظ لا يمكن أن يكون غير القرآن وسائر الكتب السماوية فيلزم أن يكون كل واحد مشتملا على ما أشتمل عليه الآخر وليس كذلك وكيف يكون معنى واحد خبرا وإنشاء محتملا للتصديق والتكذيب وغير محتمل وهو جمع بين النفي والإثبات إنتهى
ولا يخفى أن مبنى جميع إعتراضاته على فهمه أن مرادهم بالمعنى النفسي هو مدلول اللفظ وحده أي المعنى المجرد عن مقارنة اللفظ مطلقا ولو حكميا وقد عرفت أنه ليس كذلك بل المراد به مجموع اللفظ النفسي والمعنى وهو الذي يدور

(1/14)


في الخلد وتدل عليه العبارات كما صرح به إمام الحرمين وعليه إذا قال القائل زيد قائم فهناك أربعة أشياء كما ذكر المعترض وشيء خامس تركه وهو المراد وهي هذه الجملة بشرط وجودها في الذهن بألفاظ مخيلة ذهنية دالة على معانيها في النفس وهذا يعنونه بالكلام النفسي فلا محذور ونقول على سبيل التفصيل أما الأول فجوابه أنه إنما تتم المخالفة إذا لم يكن عندهم مجموع اللفظ النفسي والمعنى فحيث كان لا مخالفة لأن الكلام حينئذ مركب من الحروف إلا أنها نفسية غيبية في الحق خيالية في الخلق وأما الثاني فجوابه أن هذا الذي لا يحصى ليس فيه سوى أن الحق سبحانه وتعالى متكلم بكلام حروفه عارضة للصوت لا أنه لا يتكلم إلا به فلا ينتهض ما ذكر حجة على الشيخ بل إذا أمعنت النظر رأيت ذلك حجة له حيث بين أن الله تعالى لا يتكلم بالوحي لفظا حقيقيا إلا على طبق ما في علمه وكلما كان كذلك كان الكلام اللفظي صورة من صور الكلام النفسي ودليلا من أدلة ثبوتها والله يقول الحق وهو يهدي السبيل
وأما الثالث فجوابه أن المنعوت بأنه واحد بالذات تتعدد تعلقاته هو الكلام بمعنى صفة المتكلم ووحدته مما لا شك لعاقل فيها وأما الكلام النفسي بمعنى المتكلم به فليس عنده واحدا بل نص في الإبانة على إنقسامه إلى الخبر والأمر والنهي في الأزل فلا إعتراض وقال النجم سليمان الطوفي : إنما كان الكلام حقيقة في العبارة مجازا في مدلولها لوجهين أحدهما أن المتبادر إلى فهم أهل اللغة من إطلاق الكلام إنما هو العبارة والمبادرة دليل الحقيقة الثاني أن الكلام مشتق من الكلم لتأثيره في نفس السامع والمؤثر فيها إنما هو العبارات لا المعاني النفسية بالفعل نعم هي مؤثرة للفائدة بالقوة والعبارة مؤثرة بالفعل فكانت أولى بأن تكون حقيقة والأخرى مجازا وقال المخالفون : أستعمل لغة في النفسي والعبارة قلنا نعم لكن بالإشتراك أو بالحقيقة فيما ذكرناه وبالمجاز فيما ذكرتموه والأول ممن قالوا الأصل في الأطلاق الحقيقة قلنا والأصل عدم الإشتراكثم أن لفظ الكلام أكثر ما يستعمل في العبارات والكثرة دليل الحقيقةوأما قوله تعالى : يقولون في أنفسهم فمجاز دل على المعنى النفسي بقرينة في أنفسهم ولو أطلق لما فهم إلا العبارة وأما قوله تعالى : وأسروا قولكم الآية فلا حجة فيه لأن الأسرار خلاف الجهر وكلاهما عبارة عن أن يكون أرفع صوتا من الآخر وأما بيت الأخطل فالمشهور أن البيان وبتقدير أن يكون الكلام فهو مجاز عن مادته وهو التصورات المصححة له إذ من لم يتصور ما يقول لا يوجد كلاما ثم هو مبالغة من هذا الشاعر بترجيح الفؤاد على اللسان إنتهى وفيه ما لا يخفى
أما أو لا فلأن ماأدعاه من التبادر إنما هو لكثرة إستعماله في اللفظي لمسيس الحاجة إليه لا لكونه الموضوع له خاصة بدليل إستعماله لغة وعرفا في النفسي والأصل في الإطلاق الحقيقةوقوله والأصل عدم الإشتراك قلنا : نعم إن أردت به الإشتراك اللفظي ونحن لا ندعيه وإنما ندعي الإشتراك المعنوي وذلك أن الكلام في اللغة بنقل النحويين ما يتكلم به قليلا كان أو كثيرا حقيقة أو حكما وأما ثانيا فلأن ما أدعاه من أن المؤثر في نفس السامع إنما هو العبارات لا المعاني النفسية الأمر فيه بالعكس بدليل أن الإنسان إذا سمع كلاما لا يفهم معناه لا تؤثر ألفاظه في نفسه شيئا وقد يتذكر الإنسان في حالة سروه كلاما يحزنه وفي حالة حزنه كلاما يسره فيتأثر بهما ولا صوت ولا حرف هناك وإنما هي حروف وكلمات مخيلة نفسية وهو الذي عناه الشيخ بالكلام النفسي وعلى هذا فالسامع في قولهم لتأثيره في نفس السامع ليس بقيد والتأثير في النفس مطلقا معتبر في وجه التسمية وأما ثالثا فلأن ما قاله في قوله تعالى : يقولون في أنفسهم من أنه مجاز دل على المعنى النفسي فيه بقرينة في أنفسهم ولو اطلق لما فهم إلا العبارة يرده قوله تعالى يقولون بأفواههم وفي آية بألسنتهم ما ليس في قلوبهم إذ لو كان مجرد ذكر في أنفسهم قرينة على كون القول مجازا في النفسي لكان ذكر بأفواههم وبألسنتهم قرينة على كونه مجازا في العبارة واللازم باطل فكذا الملزومنعم التقييد دليل على

(1/15)


أن القول مشترك معنى بين النفسي واللفظي وعين به المراد من فرديه فهو لنا لا علينا وأما رابعا فلأن ما ذكره في قوله تعالى : وأسروا الآية تحكم بحت لأن السر كما قال الزمخشري ما حدث به الرجل نفسه أو غيره في مكان خال ويساعده الكتاب والأثر واللغة كما لا يخفى على المتتبع وأما خامسا فلأن ما ذكره في بيت الأخطل خطل من وجوه أما أولا فعلى تقدير أن يكون المشهور البيان بدل الكلام يكفينا في البيان لأنه إما أسم مصدر بمعنى ما يبين به أو مصدر بمعنى التبيين وعلى الأول هو بمعنى الكلام ولا فرق بينهما إلا في اللفظ وعلى الثاني هو مستلزم للكلام النفسي بمعنى المتكلم به إن كان المراد به التبيين القلبي أعني ترتيب القلب للكلمات الذهنية على وجه إذا عبر عنها باللسان فهم غيره ما قصده منها وأما ثانيا فلأن قوله وبتقدير أن يكون إلخ إقرار بالكلام النفسي من غير شعور
وأما ثالثا فلأن دعوى المجاز تحكم مع كون الأصل في الإطلاق الحقيقة وأما رباعا فلأن دعوى أن ذلك مبالغة من هذا الشاعر خلاف الواقع بل هو تحقيق من غير مبالغة كما يفهم مما سلف فما ذكره هذا الشاعر كلمة حكمة سواء نطق بها على بينة من الأمر أو كانت منه رمية من غير رام فإن معناه موجود في حديث أبي سعيد العينان دليلان والأذنان قمعان واللسان ترجمان إلى أن قالوالقلب ملك فإذا صلح الحديث وفي حديث أبي هريرة القلب ملك وله جنود إلى أن قالوا للسان ترجمان الحديث فما قيل إن هذا الشاعر نصراني عدو الله تعالى ورسوله فيجب أطراح كلام الله تعالى ورسوله تصحيحا لكلامه أو حمله على المجاز صيانة لكلمة هذا الشاعر عنه وأيضا يحتاجون إلى إثبات هذا الشعر والشهرة غير كافية فقد فتش إبن الخشاب دواوين الأخطل العتيقة فلم يجد فيها البيت إنتهى كلام أوهن وأوهى من بيت العنكبوت وأنه لأوهن البيوت أما أو لا فلأن كلام هذا العدو موافق لكلام الحبيب حتى لكلام المنكرين للكلام النفسي حيث أعترفوا به في عين إنكارهم وأما ثانيا فلأنا أغنانا الله تعالى ورسوله من فضله عن إثبات هذا الشعر وأما ثالثا فلأن عدم وجدان إبن الخشاب لا يدل على إنتفائه بالكلية كما لا يخفى والحاصل أن الناس أكثروا القال والقيل في حق هذا الشيخ الجليل وكل ذلك من باب وكم من عائب قولا صحيحا وآفته من الفهم السقيم نعم البحث دقيق لا يرشد إليه إلا توفيق كم أسهر أناسا وأكثر وسواسا وأثار فتنة وأورث محنة وسجن أقواما وأم إماما مرام شط مرمى العقل فيه ودون مداه بيد لا تبيد ولكن بفضل الله تعالى قد أتينا فيه بلب اللباب وخلاصة ما ذكره الأصحاب وقد أندفع به كثير مما أشكل على الأقوام وخفى على إفهام ذوي الأفهام ولا حاجة معه إلى ما قاله المولى المرحوم غنى زاده في التخلص عن هاتيك الشبه مما نصه ثم أعلم أني بعدما حررت البحث بعثني فرط الإنصاف إلى أنه لاينبغي لذي الفطرة السليمة أن يدعي قدم اللفظ لإحتياجه إلى هذه التكلفات وكذا كون الكلام عبارة عن المعنى القديم لركاكة توصيف الذات به كيف ومعنى قصة نوح مثلا ليس بشيء يمكن إتصاف الذات به إلا بتمحل بعيد فالحق الذي لا محيد عنه هو أن المعاني كلها موجودة في العلم الأزلي بوجود علمي قديم لكن لما كان في ماهية بعضها داعية البروز في الخارج بوجود لفظي حادث حسبما يستدعيه حدوث فيما لا يزال أقتضى أزليا إبراز ذلك البعض في الخارج بذلك الوجود الحادث فيما لا يزال فهذا الإقتضاء صفة للذات هو بها في الأزل مسماة بالكلام

(1/16)


النفسي وأثره الذي هو ظهور المعنى القديم باللفظ الحادث إنما يكون فيما لا يزال والمغايرة بينه وبين صفة العلم ظاهرة وهذا هو غاية الغايات في هذا الباب والحمد لله على ما خصني بفهمه من بين أرباب الألباب إنتهى
وفيه أنه غاية الغايات في الجسارة على رب الأرباب وإحداث صفة قديمة ما أنزل الله تعالى بها من كتاب إذ لم يرد في كتاب الله تعالى ولا في سنة نبيه صلى الله تعالى عليه وسلم ولا روى عن صحابي ولا تابعي تسمية ذلك الإقتضاء كلاما بل لا يقتضيه عقل ولا نقل على أنه لا يحتاج إليه عند من أخذت العناية بيديه هذا وإذا سمعت ما تلوناه ووعيت ما حققناه فأسمع الآن تحقيق الحق في كيفية سماع موسى عليه السلام كلام الحق فأقول الذي إنتهى إليه كلام أئمة الدين كالماتريدي والأشعري وغيرهما من المحققين أن موسى عليه السلام سمع كلام الله تعالى بحرف وصوت كما تدل عليه النصوص التي بلغت في الكثرة مبلغا لا ينبغي معه تأويل ولا يناسب في مقابلته قال وقيل فقد قال تعالى : وناديناه من جانب الطور الأيمن
وإذ نادى ربك موسى نودي من شاطيء الوادي الأين إذ ناداه ربه بالوادي المقدس طوى نودي أن بورك من في النار ومن حولها واللائق بمقتضى اللغة والأحاديث أن يفسر النداء بالصوت بل قد ورد إثبات الصوت لله تعالى شأنه في أحاديث لا تحصى وأخبار لا تستقصي
روى البخاري في الصحيح يحشر الله العباد فيناديهم بصوت يسمعه من بعدكما يسمعه من قرب أنا الملك أنا الديان ومن علم أن لله تعالى الحكيم أن يتجلى بما شاء وكيف شاء وأنه منزه في تجليه قريب في تعاليه لا تقيده المظاهر عند أرباب الأذواق إذ له الإطلاق الحقيقي حتى عن قيد الإطلاق زالت عنه إشكالات وأتضحت لديه متشابهات
ومما يدل على ثبوت التجلي في المظهر لله تعالى قول إبن عباس ترجمان القرآن في قوله تعالى : أن بورك من في النار كما في الدر المنثور يعني تبارك وتعالى نفسه كان نور رب العالمين في الشجرة وفي رواية عنه كان الله في النور ونودي من النور وفي صحيح مسلم حجابه النور وفي رواية له حجابه النار ودفع الله سبحانه توهم التقييد بما ينافي التنزيه بقوله : وسبحان الله أي عن التقييد بالصورة والمكان والجهة وإن ناداك منها لكونه موصوفا بصفة رب العالمين فلا يكون ظهوره مقيدا له بل هو المنزه عن التقييد حين الظهور ياموسى إنه أي المنادي المتجلي أنا الله العزيز فلا أتقيد لعزتي ولكني الحكيم فأقتضت حكمتي الظهور والتجلي في صورة مطلوبك فالمسموع على هذا صوت وحرف سمعهما موسى عليه السلام من الله تعالى المتجلي بنوره في مظهر النار لما أقتضته الحكمة فهو عليه السلام كليم الله تعالى بلا واسطة لكن من وراء حجاب مظهر النار وهو عين تجلي الحق تعالى له وأما ما شاع عن الأشعري من القول بسماع الكلام النفسي القائم بذات الله تعالى فهو من باب التجويز والإمكان لا أن موسى عليه السلام سمع ذلك بالفعل إذ هو خلاف البرهان ومما يدل على جواز سماع الكلام النفسي بطريق خرق العادة قوله تعالى في الحديث القدسي ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به الحديث ومن الواضح أن الله تبارك وتعالى إذا كان بتجليه النوري المتعلق بالحروف غيبية كانت أو خيالية

(1/17)


أو حسية سمع العبد على الوجه اللائق المجامع ل ليس كمثله شيء عند من يتحقق معنى الإطلاق الحقيقي صح أن يتعلق سمع العبد بكلام ليس حروفه عارضة لصوت لأنه بالله يسمع إذ ذاك والله سبحانه يسمع السر والنجوى
والإمام الماتريدي أيضا يجوز سماع ما ليس بصوت على وجه خرق العادة كما يدل عليه كلام صاحب التبصرة في كتاب التوحيد فما نقله إبن الهمام عنه من القول بالإستحالة فمراده الإستحالة العاديةفلا خلاف بين الشيخين عند التحقيق ومعنى قول الأشعري أن كلام الله تعالى القائم بذاته يسمع عند تلاوة كل تال وقراءة كل قاريء أن المسموع أو لا وبالذات عند التلاوة إنما هو الكلام اللفظي الذي حروفه عارضة لصوت القاريء بلا شك لكن الكلمات اللفظية صور الكلمات الغيبية القائمة بذات الحق فالكلام النفسي مسموع بعين سماع الكلام اللفظي لأنه صورته لا من حيث الكلمات الغيبية فإنها لا تسمع إلا على طريق خرق العادة وقول الباقلاني إنما تسمع التلاوة دون المتلو والقراءة دون المقروء يمكن حمله على أنه أراد إنما يسمع أو لا وبالذات التلاوة أي المتلو اللفظي الذي حروفه عارضة لصوت التالي لا النفسي الذي حروفه غيبية مجردة عن المواد الحسية والخيالية فلا نزاع في التحقيق أيضا
والفرق بين سماع موسى عليه السلام كلام الله تعالى وسماعنا له على هذا أن موسى عليه السلام سمع من الله عزوجل بلا واسطة لكن من وراء حجاب ونحن إنما نسمعه من العبد التالي بعين سماع الكلام اللفظي المتلو بلسانه العارض حروفه لصوته لا من الله تعالى من وراء حجاب العبد فلا يكون سماعا من الله تعالى بلا واسطة وهذا واضح عند من له قدم راسخة في العرفان وظاهر عند من قال بالمظاهر مع تنزيه الملك الديان وأنت إذا أمنعت النظر في قول أهل السنة القرآن كلام الله عزوجل غير مخلوق وهو مقروء بألسنتنا مسموع بآذاننا محفوظ في صدورنا مكتوب في مصاحفنا غير حال في شيء منها رأيته قولا بالمظاهر ودالا على أن تنزل القرآن القديم القائم بذات الله تعالى فيها غير قادح في قدمه لكونه غير حال في شيء منها مع كون كل منها قرآنا حقيقة شرعية بلا شبهة وهذا عين الدليل على أن تجلي القديم في مظهر حادث لا ينافي قدمه وتنزيهه وليس من باب الحلول ولا التجسيم ولا قيام الحوادث بالقديم ولا ما يشأ كل ذاك من شبهات تعرض لمن لا رسوخ له في هاتيك المسالك وعنه يظهر معنى ظهور القرآن في صورة الرجل الشاحب يلقى صاحبه حين ينشق عنه القبر وظهوره خصما لمن حمله فخالف أمره وخصما دون من حمله فحفظ الأمر بل من أحاط خبرا بأطراف ما ذكرناه وطاف فكره المتجرد عن مخبط الهوى في كعبة حرم ما حققناه أندفع عنه كل إشكال في هذا الباب ورأى أن تشنيع إبن تيمية وإبن القيم وإبن قدامة وإبن قاضي الجبل والطوفي وأبي نصر وأمثالهم صرير باب أو طنين ذباب وهم وإن كانوا فضلاء محققين وأجلاء مدققين

(1/18)


لكنهم كثيرا ما أنحرفت أفكارهم وأختلطت أنظارهم فوقعوا في علماء الأمة وأكابر الأئمة وبالغوا في التعنيف والتشنيع وتجاوزوا في التسخيف والتفظيع ولولا الخروج عن الصدد لوفيتهم الكيل صاعا بصاع ولتقدمت إليهم بما قدموا باعا بباع ولعلمتهم كيف يكون الهجاء بحروف الهجاء ولعرفتهم اإلام ينتهي المراء بلا مراء
في فرس للحم بالحلم ملجم ولي فرس للجهل بالجهل مسرج فمن رام تقويمي فإني مقوم ومن رام تعويجي فإني معوج على أن العفو أقرب للتقوى والأغضاء مبني الفتوة وعليه الفتوى والسادة الذين تكلم فيهم هؤلاء إذا مروا باللغو مروا كراما وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما وحيث تحرر الكلام في الكلام على مذهب أهل السنة وأندفع عنه بفضل الله تعالى كل محنة ومهة فلا بأس بأن نحكي بعض الأقوال كما حكى الله تعالى كثيرا من أقوال ذوي الضلال وبعد أن رسخ الحق في قلبك وتغلغل في سويدائه كلام ربك لا أخشى عليك من سماع باطل لا يزيدك إلا حقا وكاذب لا يورثك إلا صدقا فنقول أما المعتزلة فأتفقوا كافة على أن معنى كونه تعالى متكلما أنه خالق الكلام على وجه لا يعود إليه منه صفة حقيقية كما لا يعود إليه من خلق الأجسام وغيرها صفة حقيقية وأتفقوا أيضا على أن كلام الرب تعالى مركب من الحروف والأصوات وأنه محدث مخلوق ثم أختلفوا فذهب الجبائي وإبنه أبو هاشم إلى أنه حادث في محل ثم زعم الجبائي أن الله تعالى يحدث عند قراءة كل قاريء كلاما لنفسه في محل القراءة وخالفه الباقون وذهب أبو الهذيل بن العلاف وأصحابه إلى أن بعضه في محل وهو قوله كن وبعضه لا في محل كالأمر والنهي والخبر والإستخبار وذهب الحسن بن محمد النجار إلى أن كلام الباري إذا قريء فهو عرض وإذا كتب فهو جسم وذهبت الإمامية والخوارج والحشوية إلى ان كلام الرب تعالى مركب من الحروف والأصوات ثم اختلف هؤلاء فذهب الحشوية إلى أنه قديم أن لي قائم بذات الرب تعالى لكن منهم من زعم أنه من جنس كلام البشر وبعضهم قال لا بل الحرف حرفان والصوت صوتان قديم وحادث والقديم منهما ليس من جنس الحادث وأما الكرامية فقالوا إن الكلام قد يطلق على القدرة على التكلم وقد يطلق على الأقوال والعبارات وعلى كلا التقديرين فهو قائم بذات الله تعالى لكن إن كان بالإعتبار الأول فهو قديم متحد لا كثرة فيه وإن كان بالإعتبار الثاني فهو حادث متكثر وأما الواقفية فقد أجمعوا على أن كلام الرب تعالى كائن بعد أن لم يكن لكن منهم من توقف في إطلاق أسم القديم والمخلوق عليه ومنهم من توقف في إطلاق أسم المخلوق وأطلق أسم الحادث ومن القائلين بالحدوث من قال ليس جوهرا ولا عرضا وذهب بعض المعترفين بالصانع إلى أنه لا يوصف بكونه متكلما لا بكلام ولا بغير كلام والذي اوقع الناس في حيص بيص أنهم رأوا قياسين متعارضي النتيجة وهما كلام الله تعالى صفة له وكل ما هو صفة له فهو قديم فكلام الله تعالى قديم وكلام الله تعالى مركب من حروف مرتبة متعاقبة في الوجود وكل ما هو كذلك فهو حادث فكلام الله تعالى حادث فقوم ذهبوا إلى أن كلامه تعالى حروف وأصوات وهي قديمة ومنعوا أن كل ما هو مؤلف من حروف وأصوات فهو حادث ونسب إليهم أشياء هم برآء منها وآخرون قالوا بحدوث كلامه تعالى وأنه مؤلف من أصوات وحروف وهو قائم بغيره ومعنى كونه متكلما عندهم أنه موجد لتلك الحروف والأصوات في جسم كاللوح أو ملك كجبريل أو غير ذلك فهم منعوا أن المؤلف من الحروف والأصوات صفة الله تعالى وأناس لما رأوا مخالفة الأولين للضرورة الظاهرة

(1/19)


التي هي أشنع من مخالفة الدليل ومخالفة الآخرين فيما ذهبوا إليه للعرف واللغة ذهبوا إلى أن كلامه تعالى صفة له مؤلفة من الحروف والأصوات الحادثة القائمة بذاته تعالى فهم منعوا أن كل ما هو صفة له تعالى فهو قديم وجمع قالوا : كلامه تعالى معنى واحد بسيط قائم بذاته تعالى فهم منعوا أن كلامه تعالى مؤلف من الحروف والأصوات وكثر في حقهم القال والقيل والنزاع الطويل وبعضهم تحير فوقف وحبس ذهنه في مسجد الدهشة وأعتكف وعندى القياسان صحيحان والنتيجتان صادقتان ولكل مقام مقال ولكل كلام أحوال ولا أظنك تحوجني إلى اتفصيل بعد ما وعاه فكرك الجميل بل ولا تكلفني رد هذه الأقوال اشنيعة التي هي لديك إذا أخذت العناية بيديك كسراب بقيعة فليطر شحرور القلم إلى روضة أخرى وليغرد بها بفائدة لعلها أولى من الإطالة وأحرى والله سبحانه وتعالى الموفق للصواب لا رب غيره
الفائدة الخامسة في بيان المراد بالأحرف السبعة التي نزل بها القرآن أقول روى أحد وعشرون صحابيا حديث نزول القرآن على سبعة أحرف حتى نص أبو عبيدة على تواتره وفي مسند أبي يعلى أن عثمان رضي الله عنه قال على المنبر أذكر الله رجلا سمع النبي قال إن القرآن أنزل على سبعة أحرف كلها شاف كاف لما قام فقاموا حتى لم يحصوا فشهدوا بذلك فقال وأنا أشهد معهم وأختلف في معناه على أقوال أحدها أنه من المشكل الذي لا يدري لإشتراك الحرف وفيه أن مجرد الإشتراك لا يستدعي ذلك اللهم إلا أن يكون بالنظر إلى هذا القائل ثانيها أن المراد التكثير لا حقيقة العدد وقد جروا على تكثير الآحاد بالسبعة والعشرات بالسبعين والمآت بسبعمائة وسر التسبيع لا يخفى وإليه جنح عياض وفيه مع عدم ظهور معناه أن حديث أبي كما رواه النسائي أن جبريل وميكائيل أتياني فقعد جبريل عن يميني وميكائيل عن يساري فقال جبريل أقرأ القرآن على حرف فقال ميكائيل أستزده حتى بلغ سبعة أحرف ونحوه من الأحاديث لا سيما حديث أبي بكرة الذي في آخره فنظرت إلى ميكائيل فسكت فعلمت أنه قد إنتهت العدة أقوى دليل على إرادة الإنحصار بل في جمع القلة نوع إشارة إلى عدم الكثرة كما لا يخفى ثالثها إن المراد بها سبع قرآت وفيه أن ذلك لا يوجد في كلمة واحدة إلا نادر والقول أن كلمة تقرأ بوجه أو وجهين إلى سبع يشكل عليه ما قريء على أكثر اللهم إلا أن يقال ورد ذلك مورد الغالب وفيه مالا يخفى حتى قال السيوطي قد ظن كثير من القوم أن المراد بها القرآت السبعة وهو جهل قبيح فتدبر رابعها أن المراد بها سبعة أوجه من المعاني المتفقة على ألفاظ مختلفة نحو أقبل وتعال وهلم وعجل وأسرع وإليه ذهب إبن عيينة وجمع وأيد برواية حتى بلغ سبعة أحرف قال : كلها شاف كاف ما لم تختم آية عذاب برحمة أو رحمة بعذاب وبما حكى أن إبن مسعود أقرأ رجلا إن شجرة الزقوم طعام الأثيم فقال الرجل طعام الأثيم فردها عليه فلم يستقم بها لسانه فقال أتستطيع أن تقول الفاجر قال نعم قال فأفعل وفيه أن ذلك كان رخصة لعسر تلاوته بلفظ واحد على الأميين ثم نسخ والإ لجازت روايته بالمعنى ولذهب التعبد بلفظه ولا تسع الخرق ولفات كثير من الأسرار والأحكام وهذا يستدعي نسخ الحديث وفيه بعد بل لا قائل به خامسها أن المراد بها كيفية النطق بالتلاوة من إدغام وإظهار وتفخيم وترقيق وإشباع ومد وقصر وتشديد وتخفيف وتليين وتحقيق وفيه أن ذلك ليس من الإختلاف

(1/20)


الذي يتنوع فيه اللفظ والمعنى واللفظ الواحد بهذه الصفات باق على وحدته فليس فيه حينئذ جليل فائدة
سادسها أن المراد سبعة أصناف وعليه كثيرون ثم أختلفوا في تعيينها فقيل : محكم ومتشابه وناسخ ومنسوخ وخصوص وعموم وقصص وقيل : إظهار الربوبية وإثبات الوحدانية وتعظيم الألوهية والتعبد لله ومجانبة الإشراك والترغيب في الثواب والترهيب من العقاب وقيل أمر ونهي ووعد ووعيد وإباحة وإرشاد وإعتبار وقيل غير ذلك والكل محتمل بل وأضعاف أمثاله إلا أنه لا مستند له ولا وجه للتخصيص
سابعها أن المراد سبع لغات وإليه ذهب ثعلب وأبو عبيد والأزهري وآخرون وأختاره إبن عطية وصححه البيهقي وأعترض بأن لغات العرب أكثر وأجيب بأن المراد أفصحها وهي لغة قريش وهذيل وتميم والأزد وربيعة وهوازن وسعد بن كبر وأستنكره إبن قتيبة قائلا : لم ينزل القرآن إلا بلغة قريش بدليل وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه وعليه يلتزم كون السبع في بطون قريش وبه جزم أبو علي الأهوازي وليس المراد أن كل كلمة تقرأ على سبع لغات بل أنها مفرقة فيه ولعل بعضها أسعد من بعض وأكثر نصيبا وقيل السبع في مضر خاصة لقول عمر رضي الله عنه : نزل القرآن بلغة مضر وقال بعضهم : إنهم هذيل وكنانة وقيس وضبة وتيم الرباب وأسيد بن خزيمة وقريش وقيل أنزل أولا بلسان قريش ومن جاورهم من الفصحاء ثم أبيح للعرب أن تقرأه بلغاتها دفعا للمشقة ولما كان فيهم من الحمية ولم يقع ذلك بالتشهي بل المرعى فيه السماع من النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وكيفية نزول القرآن على هذه السبع أن جبريل عليه السلام كان يأتي رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم في كل عرضة بحرف إلى أن تمت قال السيوطي بعد نقل هذا القول وذكر ماله وما عليه وبعد هذا كله هو مردود بأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهشام بن حكيم كلاهما قرشي من لغة واحدة وقبيلة واحدة وقد أختلفت قراءتهما ومحال أن ينكر عليه عمر لغته فدل على أن المراد بالأحرف السبعة غير اللغات إنتهى وياليت شعري أدعى أحد من المسلمين أن معنى إنزال القرآن على هذه السبع من لغات هؤلاء العرب أنه أنزل كيفما كان وأنهم هم الذين هذبوه بلغاتهم ورشحوه بكلماتهم بعد الأذن لهم بذلك فإذا لا تختلف أهل قبيلة واحدة في كلمة ولا يتنازع إثنان منهم فيها أبدا أم أن الله تعالى شأنه ظهر كلامه في مرايا هذه اللغات على حسب ما فيها من المزايا والنكات فنزل بها وحيه وأداها نبيه صلى الله تعالى عليه وسلم ووعاها أصحابه فكم صحابي هو من قبيلة وعى كلمة نزلت بلغة قبيلة أخرى وكلاهما من السبع وليس له أن يغير ما وعى بل كثيرا ما يختلف صحابيان من قبيلة في الرواية عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وكل من روايتيهما على غير لغتهما كل ذلك إتباعا لما أنزل الله تعالى وتسليما لما جاء به رسول الله وقد ينفي صحابي غير روايته وبنكر رواية غيره وكل ذلك يدل على أن مرجع السبع الرواية لا الدراية فرد الإمام السيوطي لا أدري ماذا أرد منه وما الذي أسكت عنه فها هوبين يديك فأعمل ما شئت فيه وسلام الله تعالى عليك ومما ذكرناه علمت أن القلب يميل إلى هذا السابع فأفهم وقد حققنا بعض الكلام في هذا المقام في كتابنا الإجوبة العراقية عن الأسئلة الإيرانية فأرجع إليه إن أردته والله سبحانه وتعالى أعلم الفائدة السادسة في جمع القرآن وترتيبه أعلم أن القرآن جمع أولا بحضرة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فقد أخرج الحاكم بسند على شرط الشيخين عن زيد بن ثابت قال كنا عند النبي صلى الله تعالى عليه وسلم نؤلف القرآن في الرقاع وثانيا بحضرة أبي بكر رضي الله تعالى عنه فقد أخرج البخاري في صحيحه عن زيد بن ثابت أيضا قال أرسل إلى أبو بكر مقتل أهل اليمامة فإذا عمر بن الخطاب

(1/21)


عنده فقال أبو بكر إن عمر أتاني فقال إن القتل قد أستحر بقراء القرآن وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء في المواطن فيذهب كثير من القرآن وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن فقلت لعمر كيف نفعل شيئا يفعله رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال عمر : هذا والله خير فلم يزل يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك ورأيت الذي رأى عمر قال زيد قال أبو بكر إنك شاب عاقل لا نتهمك وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فنتبع القرآن فأجمعه فوالله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان اثقل علي مما أمرني به من جمع القرآن قلت كيف تفعلان شيئا لم يفعله رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال هو والله خير فلم يزل أبو بكر يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف وصدور الرجال ووجدت آخر سورة التوبة مع خزيمة الأنصاري لم أجدها مع غيره لقد جاءكم رسول حتى خاتمة براءة فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفاه الله تعالى ثم عند عمر حياته ثم عند حفصة بنت عمر وأخرج إبن أبي داؤد بسند رجاله ثقات مع إنقطاع أن أبا بكر قال لعمر وزيد مع أنه كان حافظا أقعدا على باب المسجد فمن جاءكما بشاهدين على شيء من كتاب الله فأكتباه ولعل الغرض من الشاهدين أن يشهدا على أن ذلك كتب بين يدي رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أو على أنه مما عرض عليه صلى الله تعالى عليه وسلم عام وفاته وإنما أكتفوا في آية التوبة بشهادة خزيمة لأن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم جعل شهادته بشهادة رجلين والقول بأن المراد بالشاهدين الحفظ والكتابة مما لا حجار له وما شاع أن عليا كرم الله وجهه لما توفي رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم تخلف لجمعه فبعض طرقه ضعيف وبعضها موضوع وما صح فمحمول كما قيل على الجمع في الصدر وقيل كان جمعا بصورة أخرى لغرض آخر ويؤيده أنه قد كتب فيه الناسخ والمنسوخ فهو ككتاب علم وقد أخرج إبن أبي داؤد بسند حسن عن عبد خير قال : سمعت عليا يقول أعظم الناس في المصاحف أجرا أبو بكر رضي الله تعالى عنه رحمة الله على أبي بكر هو أول من جمع كتاب الله أي على الوجه الذي تقدم فلا ينافي ما في مختصر القرماني أن أول من جمعه عمر رضي الله تعالى عنه وما روى عن أبي بريدة أنه قال أول من جمع القرآن في مصحف سالم مولى أبي حذيفة أقسم لا يرتدي برداء حتى يجمعه فهو مع غرابته وإنقطاعه محمول على أنه أحد الجامعين بأمر أبي بكر رضي الله تعالى عنه قاله الإمام السيوطي وهي عثرة منه لا يقال لصاحبها لعا لأن سالما هذا قتل في وقعة اليمامة كما يدل عليه كلام الحافظ إبن حجر في إصابته ونص عليه السيوطي نفسه في إتقانه بعد هذا المبحث بأوراق ولا شك أن الأمر بالجمع وقع من الصديق بعد تلك الوقعة وهي التي كانت سببا له كما يدل عليه حديث البخاري الذي قدمناه فسبحان من لا ينسى وما أشتهر أن جامعه عثمان فهو على ظاهره باطل لأنه رضي الله تعالى عنه إنما حمل الناس في سنة خمس وعشرين على القراءة

(1/22)


بوجه واحد بإختيار وقع بينه وبين من شهده من المهاجرين والأنصار لما خشى الفتنة من إختلاف أهل العراق والشام في حروف القرآت فقد روى البخاري عن أنس أن حذيفة بن اليماني قدم على عثمان وكان يغازي أهل الشام في فتح أرمينية وآرذبيجان مع أهل العراق فأفزع حذيفة إختلافهم في القراءة فقال لعثمان أدرك الأمة قبل أن يختلفوا إختلاف اليهود والنصارى فأرسل إلى حفصة أنأرسلي إلينا بالصحف ننسخها ثم نردها إليك فأرسلت بها حفصة إلى عثمان فأمر زيد بن ثابت وعبدالله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبدالرحمن بن الحرث بن هشام فنسخوها في المصاحفوقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة : إذا أختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فأكتبوه بلسان قريش فإنه إنما نزل بلسانهم ففعلوا حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف رد عثمان الصحف إلى حفصة وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا وأمر بما سواه من القرآت في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق قال زيد : ففقدت آية من الأحزاب حين نسخنا المصحف قد كنت أسمع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقرأ بها فألتمسناها فوجدناها مع خزيمة بن ثابت الأنصاري من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه ألحقناها في سورتها في المصحف وقد أرتضى ذلك أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم حتى أن المرتضى كرم الله تعالى وجهه قال على ما أخرج إبن أبي داؤد بسند صحيح عن سويد بن غفلة عنه : لا تقولوا في عثمان إلا خيرا فوالله ما فعل في المصاحف إلا عن ملأ منا وفي رواية لو وليت لعملت بالمصحف الذي عمله عثمان وما نقل عن إبن مسعود أنه قال لما أحرق مصحفه : لو ملكت كما ملكوا لصنعت بمصحفهم كما صنعوا بمصحفي كذب كسوء معاملة عثمان معه التي يزعمها الشيعة حين أخذ المصحف منه وهذا الذي ذكرناه من فعل عثمان هو ما ذكرناه غير واحد من المحققين حتى صرحوا بأن عثمان لم يصنع شيئا فيما جمعه أبو بكر من زيادة أو نقص أو تغيير ترتيب سوى أنه جمع الناس على القراءة بلغة قريش محتجا بأن القرآن نزل بلغتهم
ويشكل عليه ما مر آنفا من قول زيد ففقدت آية من الأحزاب إلخ فإنه بظاهره يستدعي أن في المصاحف العثمانية زيادة لم تكن في هاتيك الصحف والأمر في ذلك هين إذ مثل هذا الزيادة اليسيرة لا توجب مغايرة يعبأ بها ولعلها تشبه مسألة التضاريس ولو كان هناك غيرها لذكر وليس فليس ولا تقدح أيضا في الجمع السابق إذ يحتمل أن يكون سقوطها منه من باب الغفلة وكثيرا ما تعتري السارحين في رياض حظائر قدس كلام رب العالمين فيذكرهم سبحانه بما غفلوا فيتداركون ما أغفلوا وزيد هذا كان في الجمعين ولعله الفرد المعول عليه في البين لكن عراه في أولهما ما عراه وفي ثانيها ذكره من تكفل بحفظ الذكر فتدارك ما نساه
وبعد إنتشار هذه المصاحف بين هذه الأمة المحفوظة لا سيما الصدر الأول الذي حوى من الأكابر ما حوى وتصدر فيه للخلافة الراشدة على المرتضى وهو باب مدينة العلم لكل عالم والأسد الأشد الذي لا تأخذه في الله لومة لائم لا يبقى في ذهن مؤمن إحتمال سقوط شيء بعد من القرآن وإلا لوقع الشك في كثير من ضروريات هذا الدين الواضح البرهان وزعمت الشيعة أن عثمان بل أبا بكر وعمر أيضا حرفوه وأسقطوا كثيرا من آياته وسوره فقد روى الكليني منهم عن هشام بن سالم عن أبي عبدالله أن القرآن الذي جاء به جبريل إلى محمد

(1/23)


سبعة عشر ألف آية وروى محمد بن نصر عنه أنه قال كان في لم يكن أسم سبعين رجلا من قريش بأسمائهم وأسماء آبائهم وروى عن سالم بن سليمة قال قرأ رجل على أبي عبداللهوأنا أسمعه حروفا من القرآن ليس ما يقرأها الناس فقال أبو عبدالله مه عن ذه القرآءات وأقرأ كما يقرأ الناس حتى يقوم القائم فإذا قام القائم فأقرأ كتاب الله على حده وروى عن محمد بن جهم الهلالي وغيره عن أبي عبدالله أن أمة هي أربى من أمة ليس كلام الله بل محرف عن موضعه والمنزل أئمة هي أزكى من أئمتكم وذكر إبن شهر أشب المازندراني في كتاب المثالب له أن سورة الولاية أسقطت بتمامها وكذا أكثر سورة الأحزاب فإنها كانت مثل سورة الأنعام فأسقطوا منها فضائل أهل البيت وكذا أسقطوا لفظ ويلك من قبل لا تحزن أن الله معنا وعن ولاية على من بعد وقفوهم إنهم مسئولون وبعلي بن أبي طالب من بعد وكفى الله المؤمنين القتال وآل محمد من بعد وسيعلم الذين ظلموا إلى غير ذلك فالقرآن الذي بأيدي المسلمين اليوم شرقا وغربا وهو لكرة الإسلام ودائرة الأحكام مركزا أو قطبا أشد تحريفا عند هؤلاء من التوراة والإنجيل واضعف تأليفا منهما وأجمع للأباطيل وأنت تعلم أن هذا القول أو هي من بيت العنكبوت وأنه لأوهن البيوت ولا أراك في مرية من حماقة مدعيه وسفاهة مفتريه ولما تفطن بعض علمائهم لما به جعله قولا لبعض أصحابه قال الطبرسي في مجمع البيان أما الزيادة فيه أي القرآن فمجمع على بطلانها وأما النقصان فقد روى عن قوم من أصحابنا وقوم من حشوية العامة والصحيح خلافه وهو الذي نصره المرتضى وأستوفى الكلام فيه غاية الإستيفاء في جواب المسائل الطرابلسيات وذكر في مواضع أن العلم بصحة نقل القرآن كالعلم بالبلدان والحوادث الكبار والوقائع العظام والكتب المشهورة وأشعار العرب المسطورة فإن الغاية أشتدت والدواعي توفرت على نقله وحراسته وبلغت إلى حد لم تبلغه فيما ذكرناه لأن القرآن مفجر النبوة ومأخذ العلوم الشرعية والأحكام الدينية وعلماء المسلمين قد بلغوا في حفظه وحمايته الغاية حتى عرفوا كل شيء أختلف فيه من إعرابه وقراءته حروفه وآياته فكيف يجوز أن يكون مغيرا أو منقوصا مع العناية الصادقة والضبط الشديد وقال أيضا : أن العلم بتفصيل القرآن وأبعاضه في صحة نقله كالعلم بجملته وجرى ذلك مجرى ما علم ضرورة من الكتب المصنفة ككتاب سيبويه والمزني فإن أهل العناية بهذا الشأن يعلمون من تفصيلها ما يعلمونه من جملتها حتى لو أن مدخلا أدخل في كتاب سيبويه بابا من النحو ليس من الكتاب لعرف وميزانه ملحوق وأنه ليس من أصل الكتاب وكذا القول في كتاب المزني ومعلوم أن العناية بنقل القرآن وضبطه أصدق من العناية بضبط كتاب سيبويه ودواوين الشعراء وذكر أيضا أن القرآن كان على عهد رسول الله مجموعا مؤلفا على ما هو عليه الآن وأستدل على ذلك بأن القرآن كان يدرس ويحفظ جميعه في ذلك الزمان وأنه كان يعرض على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ويتلى عليه وأن جماعة من الصحابة مثل عبدالله بن مسعود وأبي بن كعب وغيرهما ختموا القرآن على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم عدة ختمات وكل ذلك يدل بأدنى تأمل على أنه كان مجموعا مرتبا غير مثبور ولا مبثوث وذكر أن من خالف ذلك من الإمامية والحشوية لا يعتد بخلافهم فإن الخلاف في ذلك مضاف إلى قوم من أصحاب الحديث نقلوا أخبارا ضعيفة ظنوا صحتها لا يرجع بمثلها عن المعلوم المقطوع بصحته إنتهى وهو كلام دعاه إليه ظهور فساد مذهب أصحابه حتى للأطفال والحمد لله على أن ظهر الحق وكفى الله المؤمنين القتال إلا أن الرجل قد دس في الشهد سما وأدخل الباطل في حمى الحق الأحمى أما أولا فلأن نسبة ذلك إلى قوم من حشوية العامة الذين يعي بهم أهل السنة

(1/24)


والجماعة فهو كذب أو سوء فهم لأنهم أجمعوا على قدم وقوع النقص فيما تواترا قرآنا كما هو موجود بين الدفتين اليوم نعم أسقط زمن الصديق ما لم يتواتر وما نسخت تلاوته وكان يقرأه من لم يبلغه النسخ وما لم يكن في العرضة الأخيرة ولو يأل جهدا رضي الله تعالى عنه في تحقيق ذلك إلا أنه لم ينتشر نوره في الآفاق إلا زمن ذي النورين فلهذا نسب إليه كما روى عن حميدة بنت يونس أن في مصحف عائشة رضي الله عنها إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما وعلى الذين يصلون الصفوف الأولوأن ذلك قبل أن يغير عثمان المصاحف فما أخرج أحمد عن أبي قال قال لي رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم : إن الله أمرني أن أقرأ عليك فقرأ علي لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة رسول من الله يتلو صحفا مطهرة فيها كتب قيمة وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة إن الدين عند الله الحنيفية غير المشركة ولا اليهودية ولا النصرانية ومن يفعل ذلك فلن يكفرهوفي رواية ومن يعمل صالحا فلن يكفره وما أختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله وفارقوا الكتاب لما جاءهم أولئك عند الله شر البرية ما كان الناس إلا أمة واحدة ثم ارسل الله النبيين مبشرين ومنذرين يأمرون الناس يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويعبدون الله وحده أولئك عند الله خير البرية جزاؤهم عند ربهم جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي ربه وفي رواية الحاكم فقرأ فيها ولو أن إبن آدم سأل واديا من مال فأعطيه يسأل ثانيا ولو سأل ثانيا فأعطيه يسأل ثالثا ولا يملأ جوف إبن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب وما روى عنه أيضا أنه كتب في مصحفه سورتي الخلع والحفداللهم إنا نستعينك ونستغفرك ونثني عليك ولا نكفرك ونخلع ونترك من يفجرك اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد وإليك نسعى ونحفد نرجو رحمتك ونخشى عذابك إن عذابك بالكفار ملحق فهو من ذلك القبيل ومثله كثير وعليه يحمل ما رواه أبو عبيد عن إبن عمر قال لا يقولن أحدكم قد أخذت القرآن كله وما يدريه ما كله قد ذهب منه قرآن كثير ولكن ليقل قد أخذت منه ما ظهر والروايات في هذا الباب أكثر من أن تحصى إلا أنها محمولة على ما ذكرناه وأين ذلك مما يقوله الشيعي الجسور ومن لم يجعل الله له نورا فماله من نور
وأما ثانيا فلأن قوله إن القرآن كان على عهد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم مجموعا مؤلفا على ما هو عليه الآن إلخ إن أراد به أنه مرتب الآي والسور كما هو اليوم وأنه يقرأه من حفظه في الصدر من الأصحاب كذلك لكنه كان مفرقا في العسب واللخاف فمسلم إلا أنه خلاف الظاهر من سياق كلامه وسباقه وإن أراد أنه كان في العهد النبوي مقروءا كما هو الآن لا غير وكان مرتبا ومجموعا في مصحف واحد غير متفرق في العسب واللخاف فممنوع والدليل الذي أستدل به لا يدل عليه كما لا يخفى ويالله العجب كيف ذكر في هذا المعرض ختمات إبن مسعود وأبي على النبي وجعل ذلك من أدلة مدعاه مع أن مروي كل منهما يخالف مروي الآخر وكلاهما يخالفان ما في المصحف العثماني فالسور مثلا في مصحفنا مائة وأربعة عشرة بإجماع من يعتد به وقيل ثلاثة عشرة يجعب الأنفال وبراءة سورة واحدة وفي مصحف إبن مسعود مائة وإثنتا عشرة سورة لأنه لم يكتب المعوذتين بل صح عنه أنه كان يحكهما من المصاحف ويقول ليستأمن كتاب الله تعالى وإنما أمر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أن يتعوذ بهما

(1/25)


ولهذا عوذ بهما الحسن والحسين ولم يتابعه أحد من الصحابة على ذلك وقد صح أنه قرأهما في الصلاة فالظاهر أنهما غير متواترتين قرآنا عنده والقول بأنه إنما أنكر الكتابة وأراد بالكتاب المصحف ليتم التأويل مستبعد جدا بل لا يصح كما لايخفى وفي مصحف أبي خمسة عشرة لأنه كتب في آخره بعد العصر سورتي الخلع والحفد وجعل سورة الفيل وقريش فيه سورة واحدة وترتيب كل أيضا متغاير ومغاير لترتيب مصحفنا لا سترة عليها فسورة ن في مصحف إبن مسعود بعد الذاريات و لا أقسم بيوم القيامة بعد عم والنازعات بعد الطلاق والفجر بعد التحريم إلى غير ذلك وسورة بني إسرائيل في مصحف أبي بعد الكهف و الحجرات بعد ن و تبارك بعد الحجرات والنازعات بعد الواقعة و ألم نشرح بعد قل هو الله أحد مع إختلاف كثير يظهر لمن رجع إلى الكتب المتقنة في هذا الباب وكأن ران البغض غطى على قلب هذا البعض فقال ما قال ولم يتفكر في حقيقة الحال ولم يبال بوقع النبال قاصدا أن يستر بمنخل مختل كذبه نور ذي النورين الساطع عليه من برح شمس الكونين ومن بدر صحبه مع أن نسبة هذا الجمع إليهما من أوضح الأمور بل أشهر من المشهور وهو شائع أيضا عند الشيعة وليس لهم إلى إنكاره ذريعة ولكن مركب التعصب عثور ومذهب التعسف محذور وإذا حققت ما ذكرناه ووعيت ما عليك تلوناه فأعلم أن ترتيب آية وسوره بتوقيف من النبي أما ترتيب الآي فكونه توقيفيا مما لا شبهة فيه حتى نقل جمع منهم الزركشي وأبو جعفر الأجماع عليه من غير خلاف بين المسلمين والنصوص متظافرة على ذلك
وما يدل بظاهره من الآثار على أنه إجتهادي معارض ساقط عن درجة الإعتبار كالخبر الذي أخرجه إبن ابي داؤد بسنده عن عبدالله بن الزبير عن أبيه قال أتى الحرث بن خزيمة بهاتين الآيتين من آخر سورة براءة فقال أشهد أني سمعتهما من رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ووعيتهما فقال عمر وأنا أشهد لقد سمعتهما ثم قال لو كانت ثلاث آيات لجعلتها سورة على حدة فأنظروا آخر سورة من القرآن فألحقوها في آخرها فإنه معارض بما لا يحصى مما يدل على خلافه بل لإبن أبي داؤد مخرجه خبر يعارضه أيضا فقد أخرج أيضا عن أبي أنهم جمعوا القرآن فلما إنتهوا إلى الآية التي في سورة براءة ثم أنصرفوا صرف الله قلوبهم بأنهم قوم لا يفقهون ظنوا أن هذا آخر ما نزل فقال أبي أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أقرأني بعد هذا آيتين لقد جاءكم رسول إلى آخر السورة
وأما ترتيب السور ففي كونه إجتهاديا أو توقيفيا خلاف والجمهور على الثاني قال أبو بكر الأنباري أنزل الله تعالى القرآن كله إلى سماء الدنيا ثم فرقه في بضع وعشرين فكانت السورة تنزل لأمر يحدث والآية جوابا لمستخبر فيوقف جبريل النبي صلى الله تعالى عليه وسلم على موضع الآية والسورة فمن أواخر فقد أفسد نظم القرآن وقال الكرماني بترتيب السور هكذا هو عند الله تعالى في اللوح المحفوظ وعليه كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يعرض على جبريل كل سنة ما كان يجتمع عنده منه وعرض عليه في السنة التي توفي فيها مرتين وقال الطيبي مثله وهو المروي عن جمع غفير إلا أنه يشكل على هذا ما أخرجه أحمد والترمذي وأبو داؤد والنسائي وإبن حبان والحاكم عن إبن عباس قال قلت لعثمان ما حملكم على أن عمدتم إلى الأنفال وهي من المثاني وإلى براءة وهي من المئين فقرنتم بها ولم تكتبوا بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم ووضعتموها في السبع الطوال فقال عثمان كان

(1/26)


رسول الله ينزل عليه السور ذوات العدد فكان إذا نزل عليه الشيء دعا بعض من كان يكتب فيقول دعوا هؤلاء الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا وكانت الأنفال من أوائل ما نزل بالمدينة وكانت براءة من آخر القرآن نزولا وكانت قصتها شبيهة بقصتها فظننت أنها منها فقبض رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ولم يبين لنا أنها منها فمن أجل ذلك قرنت بينهما ولم أكتب بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم ووضعتهما في السبع الطوال
فهذا يدل على أن الإجتهاد دخل في ترتيب السور ولهذا ذهب البيهقي إلى أن جميع السور ترتيبها توقيفي إلا براءة والأنفال وله أنشرح صدر الإمام السيوطي لما ضاق ذرعا عن الجواب والذي ينشرح له صدر هذا الفقير هو ما أنشرحت له صدور الجمع الغفير من أن ما بين اللوحين الآن موافق لما في الوح من القرآن وحاشا أن يهمل صلى الله تعالى عليه وسلم أمر القرآن وهو نور نبوته وبرهان شريعته فلا بد إما من التصريح بمواضع الآي والسور وإما من الرمز إليهم بذلك وإجماع الصحابة في المآل على هذا الترتيب وعدولهم عما كان أولا من بعضهم على غيره من الأساليب وهم الذين لا تلين قناتهم لباطل ولا يصدهم عن إتباع الحق لوم لائم ولا قول قائل أقوى دليل على أنهم وجدوا ما أفادهم علما ولم يدع عندهم خيالا ولا وهما وعثمان رضي الله تعالى عنه وإن لم يقف على ما يفيده القطع في براءة والأنفال وفعل ما فعل بناء على ظنه إلا أن غيره وقف وقبل ما فعله ولم يتوقف وكم لعمر رضي الله تعالى عنه موافقات لربه أدى إليها ظنه فليكن لعثمان هذه الموافقة التي ظفر غيره بتحقيقها من النصوص أو الرموز فسكت على أن ذلك كان قبل ما فعل عثمان عند التحقيق ولكن لما رفعت الأقلام وجفت الصحف وأجتمعت الكلمة في أيامه وأقتدت المسلمون في سائر الآفاق بإمامه نسب ذلك إليه وقصر من دونهم عليه والسؤال منه وجوابه ليسا قطعيين في الدلالة على الإستقلال لجواز أن يكون السؤال للإستخبار عن سر عدم المخالفة والجواب لإبدائه على ما خطر في البال وبالجملة بعد إجماع الأمة على هذا المصحف لا ينبغي أن يصاخ إلى آحاد الأخبار ولا يشرأب إلى تطلع غرائب الآثار فأفهم ذاك والله سبحانه وتعالى يتولى هداك الفائدة السابعة في بيان وجه إعجاز القرآن
أعلم أن أعجاز القرآن مما لا مرية فيه ولا شبهة تعتريه وأرى الإستدلال هنا عليه مما لا يحتاج إليه والشبه صرير باب أو طنين ذباب وألاهم بالنسبة إلينا بيان وجه الإعجاز والكلام فيه على سبيل الإيجاز فنقول قد اختلف الناس في ذلك فذهب بعض المعتزلة إلى أن وجه إعجازه إشتماله على النظم الغريب والوزن العجيب والأسلوب المخالف لما أستنبطه البلغاء من العرب في مطالعه وفواصله ورد بوجهين ألأول أنا لا نسلم المخالفة فإن كثيرا من آياته على وزن أبيات العرب نحو قوله تعالى ومن تزكى فإنما يتزكى لنفسه وقوله تعالى ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ومثله كثير الثاني أنا لو سلمنا المخالفة لكن لا نسلم أنه لمجردها يكون معجزا وإلا لكانت حماقات مسيلمة إذ هي على وزنه كذلك وذهب الجاحظ إلى أنه إشتماله على البلاغة التي تتقاصر عنها سائر ضروب البلاغات ورد بوجوه الأول أنا إذا نظرنا إلى أبلغ الخطب وأجزل الشعر وقطعنا النظر عن الوزن وقسناه بقصار القرآن كان الأمر في التفاوت ملتبسا والمعجز لا بد أن ينتهي إلى حد لا يبقى معه لبس ولا ريبة الثاني إن القرآن غير خارج عن كلام العرب وما من أحد من بلغائهم إلا وقد كان مقدورا له الإتيان بقليل من مثل ذلك والقادر على البعض قادر على الكل الثالث أن الصحابة أختلفوا في البعض ولو كان منتهيا إلى الإعجاز بلاغة لعرفوه وما أختلفوا الرابع أنهم طلبوا البينة ممن أتى بشيء

(1/27)


منه ولو كانت بلاغته منتهية إلى حد الأعجاز ما طلبوها الخامس أن في كل عصر من تنتهي إليه البلاغة وذلك غير موجب للأعجاز ولا للدلالة على صدق مدعي الرسالة لجواز أن يكون هو من إنتهت إليه وقيل هو إشتماله على الأخبار بالغيب ورد أما أولا فبأن الإصابة في المرة والمرتين ليست من الخوارق والحد الذي يصير به الأخبار خارقا غير مضبوط فإذا لا يمتنع أن يقال ما أشتمل عليه القرآن لم يصل إليه وأما ثانيا فبأنه يلزم أن يكون أخبار المنجمين والكهنة عن الأموار المغيبة مع كثرة إصابتها معجزة وأما ثالثا فبأنه يلزم أن تكون التوراة كذلك لإشتمالها كإشتماله وأما رابعا فبأنه يلزم أن يكون الخالي عن الأخبار بالغيب من القرآن غير معجز وقيل هو كونه مع طوله وإمتداده غير متناقض ولا مختلف وأبطل بوجهين الأول أنا لا نسلم عدم التناقض والإختلاف فيه أما التناقض فقوله تعالى وما علمناه الشعر وما ينبغي له والبحور كلها فيه وقال تعالى : فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون ثم قال وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون وقال تعالى وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى ويستغفروا ربهم إلا أن تأتيهم سنة الأولين أو يأتيهم العذاب قبلا فحصر المانع في أحد السببين وقال وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا فحصر المانع في غيرهما إلى غير ذلك وأما الختلاف فكقوله تعالى كالصوف المنفوش بدل كالعهن المنفوش وقوله تعالى ضربت عليهم المسكنة والذلة بدل قوله الذلة والمسكنة وقوله تعالى النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وهو أب لهم وقوله تعالى في خلق آدم مرة من تراب ومرة من حمأ ومرة من طين ومرة من صلصال على أن فيه تكرارا لفظيا ومعنويا كما في الرحمن وقصة موسى مثلا وتعرضا لإيضاح الواضحات كما في قوله تعالى فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة وقال عثمان : إن في القرآن لحنا ستقيمه العرب بالسنتها الثاني أنا لو سلمنا السلامة من جميع ذلك لكنه ليس بأعجاز إذ هو موجود في كثير من الخطب والشعر ويظهر كليا فيما يكون على مقدار بعض السور القصار بتقدير التحدي بها وقيل هو موافقته لقضية العقل ودقيق المعنى ورد بأنه معتاد في أكثر كلام البلغاء وينتقض أيضا بكلام الرسول الغير المعجز وبالتوراة والإنجيل وقيل إعجازه قدمه وأعترض بأنه يستدعي أن يكون كل من صفاته تعالى كذلك وايضا الكلام القديم مما لا يمكن الوقوف عليه فلا يتصور التحدي به وقال الأستاذ أبو إسحاق الأسفرايني والنظام : إعجازه بصرف دواعي بلغاء العرب عن معارضته وقال المرتضى بسلبهم العلوم التي لا بد منها في المعارضة وأعترض بأربعة أوجه الأول أنه يستلزم أن يكون المعجز الصرفة لا القرآن وهو خلاف ما عليه إجماع المسلمين من قبل الثاني أن التحدي وقع بالقرآن على كل العرب فلو كان الإعجاز بالصرفة لكانت على خلاف المتعاد بالنسبة إلى كل واحد ضرورة تحقق الصرفة بالنسبة إليه فيكون الإتيان بمثل كلام القرآن معتادا له والمعتاد لكل ليس هو الكلام الفصيح بل خلافه فيلزم أن يكون القرآن كذلك وليس كذلك
الثالث أنه يستلزم أن يكون مثل القرآن معتادا من قبل لتحقق الصرفة من بعد فتجوز المعارضة بما وجد من كلامهم مثل القرآن قبلها الرابع وهو خاص بمذهب المرتضى أنه لو كان الإعجاز بفقدهم العلوم لتناطقوا به ولو تناطقوا لشاع إذ العدة جارية بالتحدث بالخوارق فحيث لم يكن دل على فساد الصرفة بهذا الإعتبار وأستدل بعضهم على فساد القول بها بقوله تعالى قل لئن أجتمعت الإنس والجن الآية فإنه يدل على عجزهم مع بقاء قدرهم ولو سلبوا القدرة لم تبق فائدة لإجتماعهم لأنه بمنزلة إجتماع الموتى وليس عجز الموتى مما يحتفل بذكره ولا بأس بإنضمامه إلى

(1/28)


ما ذكرناه وأما الإكتفاء به في الإستدلال فلا أظنك ترضاه وقال الآمدي وغيره الإعجاز بجملته وبالنظر إلى نظمه وبلاغته وإخباره عن الغيب وإرتضاه الكثير وقولهم فيما قبل لا نسلم المخالفة إلخ يجاب عنه بأن ما ذكروه وإن كان على وزن الشعر إلا أنه لا يعد شعرا ولا قائله شاعر لأن الشعر ما قصد وزنه وحيث لا قصد لا شعر وقد يعرض للبلغاء في سرد خطبهم المنجسمة مثل ذلك بل قد يتفق لمن لا يعرف الشعر رأسا من العوام كلمات متزنة نحو قول السيد لعبده مثلا أدخل السوق وأشتر اللحم وأطبخ ولهذا قال الوليد لما قرأ عليه النبي صلى الله تعالى عليه وسلم القرآن فكأنما رق له فأقترح عليه أبو جهل أن يقول فيها ما يبلغ قومه أنه منكر له وكاره ماذا أقول فوالله ما فيكم رجل أعلم بالشعر مني ولا برجزه ولا بقصيده ولا باشعار الجن والله ما يشبه الذي يقول شيئا من هذا ووالله إن لقوله الذي يقوله حلاوة وإن عليه لطلاوة وإنه لمثمر أعلاه ومغدق اسفله وإنه ليعلو ولا يعلى وإنه ليحطم ما تحته وقولهم إنا لو سلمنا إلخ مسلم لكن لا يلزم إن لا يكون مع البلاغة والأخبار بالغيب معجزا ومن هنا يعلم الجواب عن الإعتراض على أن وجه إعجازه بلاغته على أن الأوجه الخمسة التي ذكروها فيه باطلة
أما الأول فلأن التفاوت بين لمن تحدى به من البلغاء ولذا لم يعارض وغيرهم عم عن ذلك لقصوره في الصناعة فلا إعتداد به ولا مضرة لثبوت الإعجاز بعجز اؤلئك ثم قياس أقصر سورة على ما ذكروه عدول عن سواء السبيل وأما الثاني فلأن القدرة على البعض لا تستلزم القدرة على الكل ولهذا نجد الكثير قادرا على بليغ فقرة أو فقرتين أو بيت أو بيتين ولا يقدر على وضع خطبة ولا نظم قصيدة
وأما الثالث فلأن الصحابة لم يختلفوا فيما أختلفوا فيه أنه نازل على النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم من ربه أو أن بلاغته غير معجزة ولكنهم أختلفوا في أنه قرآن وذلك لا يضر فيما نحن بصدده
وأما الرابع فلأن طلب البينة لما قدمناه في الفائدة السادسة أو للوضع والترتيب كما قيل أو لمزيد الإحتياط في الأمر الخطير وأما الخامس فلأن المعجز يظهر في كل زمان من جنس ما يغلب ويبلغ فيه الغاية القصوى ويوقف فيه على الحد المعتاد حتى إذا شوهد ما هو خارج عن الحد علم أنه من عند الله وإلا لم يتحقق عند القوم معجزة النبي ولظنوا أنهم لو كانوا من أهل تلك الصنعة أو متناهين فيها لأمكنهم أن يأتوا بمثلها والبلاغة قد بلغت في ذلك العهد حدها وكان فيها فخارهم حتى علقت السبع بباب الكعبة تحديا بمعارضتها فلما أتى الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم بما عجزوا عن مثله مع كثرة المنازعة والتشاجر والإفتراق علم أن ذلك من عند الله تعالى بلا ريب وإعتراضهم على كون الإخبار بالغيب معجزا مكابرة فإن الإخبار عن الغائبات مع التكرر والإصابة غير معتاد ولا معنى لكونه معجزا غير هذا وما ذكروه من الوجه باطل
أما الأول فلأنه لا يلزم من عدم كون الإصابة في المرة والمرتين من الخوارق أن لا تكون الإصابة في الكرات الكثيرة منها والضابط العرف ولا يخفى أن ما ورد من أخبار الغيب في القرآن مما يعد في نظر أهل العرف كثيرا لا تعتاد الإصابة فيه بجملته وأما الثاني فلأن أخبار المنجمين ما كان كاذبا منها لا إحتجاج وما كان صادقا وتكررت الإصابة فيه كالكسوف والخسوف غير وارد لأنه من الحساب المعتاد لمن يتعاطى

(1/29)


صناعة التنجيم وأخبار القرآن بالغيوب ليست كذلك وأما أخبار الكهنة فالقول فيها كما في السحر
وأما الثالث فلأن ما في التوراة من الأخبار بالغيب إن كان كثيرا خارقا للعادة ووقع التحدي به فهو أيضا معجز وآية صدق لمن أتى به ولا يضرنا إلتزام ذلك وأما الرابع فلأنه لا يرد على من يقول وجه الإعجاز مجموع ما تقدم أصلا ومن يقول وجهه مجرد الأخبار بالغيب يقول بأن الخالي من ذلك غير معجز وإنما الأعجاز في القرآن بجملته ويكفي ذلك في غرضه والإعتراض على كون وجه الإعجاز عدم التناقض والإختلاف مع الطول والإمتداد بوجهيه مدفوع أما الأول فلأن آشتمال القرآن على الشعر قد سبق جوابه فلا يناقض وما علمناه الشعر وأما الآيتان ألاوليتان فقد أجاب عنهما ابن عباس حين سأله رجل عن آيات من هذا القبيل بأن نفي المسألة قبل النفخة الثانية وإثباتها فيما بعد والسدي بأن نفي المسألة عند تشاغلهم بالصعق والمحاسبة والجواز على الصراط وإثباتها فيما عداها وابن مسعود بأن المسألة المنفية طلب بعضهم العفو من بعض والمثبتة على ظاهر معناها فلا منافاة وأما الآيتان الأخريتان فمعنى الأولى منهما وما منع الناس أن يؤمنوا إلا إرادة الله أن تأتيهم سنة الأولين من نحو الخسف أو يأتيهم العذاب قبلا في الآخرة ولا شك أن إرادة الله تعالى مانعة من وقوع ما ينافي المراد فهذا حصر في السبب الحقيقي ومعنى الثانية وما منع الناس أن يؤمنوا إلا إستغراب بعثة البشر رسولا وهو مدلول القول إلتزاما والدال لا يناسب المانعية والمدلول ليس مانعا حقيقيا بل عادى لجواز وجود الإيمان معه فهو حصر في المانع العادي فلا تناقض وسيأتي لهذا إن شاء الله تعالى زيادة تحقيق
وكذا لأمثاله مما يضيق عنه هذا المبحث وأما الإختلاف المذكور فليس هو المنفي في قوله تعالى : ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه إختلافا كثيرا لأن المراد به أحد أمرين الأول الإختلاف المناقض للبلاغة والثاني الإختلاف فيما أخبر عنه من قصص الماضين وسير الأولين مع أمية من جاء به وعدم دراسته للعلوم ومطالعته للكتب ولا شك أنه لم يوجد في القرآن شيء من هذه الإختلافات على أن أمثال بعض ما ذكر من الإختلاف ليس بقرآن لأنه لم يتواتر وأمثال البعض الآخر إختلاف مقال لإختلاف الأحوال والمرجع إلى جوهر واحد وهو التراب في خلق آدم مثلا ومنه تدرجت تلك الأحوال وأي ضرر في ذلك وأما التكرار اللفظي والمعنوي فلا يخلو عن فائدة لا تحصل من غير تكرار كبيان إتساع العبارة وإظهار البلاغة وزيادة التأكيد والمبالغة إلى غير ذلك مما قد أمعن المفسرون في تحقيقه وبيانه وستراه بحوله تعالى وأما ما يتوهم فيه أنه من قبيل إيضاح الواضحات فليس يخلو عن درء إحتمال ورفع خيال فإنه لو لم يقل فيما ذكر من الآية تلك عشرة كاملة لتوهم ولو على بعد أن المراد وتمام سبعة إذا رجعتم بل في ذلك غير هذا أسرار ستأتيك بعون باريك وأما قول عثمان أن في القرآن لحنا إلخ فهو مشكل جدا إذ كيف يظن بالصحابة أولا اللحن في الكلام فضلا عن القرآن وهم هم ثم كيف يظن بهم ثانيا إجتماعهم على الخطأ وكتابته ثم كيف يظن بهم ثالثا عدم التنبه والرجوع ثم كيف يظن بعثمان عدم تغييره وكيف لتقيمه العرب وإذا كان الذين تولوا جمعه لم يقيموه وهم الخيار فكيف يقيمه غيرهم فلعمري إن هذا مما يستحيل عقلا وشرعا وعادة
فالحق إن ذلك لا يصح عن عثمان والخبر ضعيف مضطرب منقطع وقد أجابوا عنه بأجوبة لا أراها تقابل مؤنة نقلها والذي أراه أن رواة هذا الخبر سمعوا شيئا ولم يتقنوه فحرفوه فلزم الإشكال وحل الداء العضال وهو ما روى بالسند عن عبدالله بن عبدالإعلى قال : لما فرغ من المصحف أتى بع عثمان فنظر فيه فقال أحسنتم وأجملتم أرى شيئا سنقيمه بألسنتنا وهذا لا إشكال فيه لأنه عرض عليه عقيب الفراغ من كتابته فرأى فيه ما كتب

(1/30)


على غير لسان قريش ثم وفى بذلك عند العرض والتقويم ولم يترك فيه شيئا ولا أحسبك في مرية من ذلك نعم يبقى ما روى بسند صحيح على شرط الشيخين عن هشام بن عروة عن أبيه قال سألت عائشة رضي الله تعالى عنها عن لحن القرآن عن قوله تعالى إن هذان لساحران وعن قوله والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة وعن قوله تعالى إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون فقالت يا ابن أخي هذا عمل الكتاب أخطأوا في الكتاب وكذا ما روى عن سعيد بن جبير كان يقرأ والمقيمين الصلاة ويقول هو لحن من الكاتب ويجاب عن الأول بأن معنى قولها أخطأوا أي في إختيار الأولى من الأحرف السبعة لجمع الناس عليه لا أن الذي كتبوه من ذلك خطأ لا يجوز فأن ما لا يجوز مردود وإن طالت مدة وقوعه وهذا الذي رأته عائشة وكم لها من رأى رضي الله تعالى عنها وعن الثاني بأن معنى قوله لحن من الكاتب لغة وقراءة له وفي الآية قراءة أخرى وللنحويين في توجيه هذه القرآءات كلام طويل ستسمعه فيما بعد إن شاء الله تعالى وأما الوجه الثاني فلأن من ذهب إلى أن وجه الأعجاز عدم التناقض والإختلاف مع الطول والإمتداد يقول القرآن بجملته معجز لذلك فسلامة كثير من الخطب والشعر من ذلك وظهور ذلك كليا فيما يكون على مقدار بعض السور القصار لا يضره شيئا كما لا يخفى فتدبر
وقد أطال العلماء الكلام على وجه إعجاز القرآن وأتوا بوجوه شتى الكثير منها خواصه وفضائله مثل الروعة التي تلحق قلوب سامعيه وأنه لا يمله تاليه بل يزداد حبا له بالترديد مع أن الكلام يعادي إذا أعيد وكونه آية باقية لا تعدم ما بقيت الدنيا مع تكفل الله تعالى بحفظه والذي يخطر بقلب هذا الفقير أن القرآن بجملته وأبعاضه حتى أقصر سورة منه معجز بالنظر إلى نظمه وبلاغته وإخباره عن الغيب وموافقته لقضية العقل ودقيق المعنى وقد يظهر كلها في آية وقد يستتر البعض كالأخبار عن الغيب ولا ضير ولا عيب فما يبقى كاف وفي الغرض واف
نجوم سماء كلما أنقض كوكب بدا كوكب تأوى إليه كواكب أما بيان كون النظم معجزا فلأن مراتب تأليف الكلام على ما قيل خمس الأولى ضم الحروف المبسوطة بعضها إلى بعض فتحصل الكلمات الثلاث الأسم والفعل والحرف والثانية تأليف هذه الكلمات بعضها إلى بعض فتحصل الجمل المفيدة وهو النوع الذي يتداوله الناس جميعا في مخاطباتهم وقضاء حوائجهم ويقال له المنثور والثالثة ضم ذلك إلى بعض ضما له مباد ومقاطع ومداخل ومخارج ويقال له المنظوم والرابعة أن يعتبر في أواخر الكلام مع ذلك تسجيع ويقال له المسجع والخامسة أن يحصل له مع ذلك وزن ويقال له إن قصد الشعر والمنظوم إما محاورة ويقال له الخطابة وإما مكاتبة ويقال له الرسالة فأنواع الكلام لا تخرج عن هذه الأقسام ولكل من ذلك نظم مخصوص والقرآن جامع لمحاسن الجميع بنظم مكتس أبهى حلل ومتعر عن كل خلل ومشتمل على خواص ما شامها سواه ومزايا ما سامها عند أهل النقد نظم إلا إياه
من كل لفظ تكاد الأذن تجعله ربا ويعبده القرطاس والقلم ويؤيد ذلك أنه لا يصح أن يقال له رسالة أو خطابة أو سجع كما يصح أن يقال هو كلام والبليغ إذا قرع سمعه فصل بينه وبين ما عداه من النظم بلا ترديد وهذا مما لا خفاء فيه على الرجال حتى على الوليد وأما بيان ذلك في البلاغة فهو أن أجناس الكلام مختلفة ومراتبها في البيان متفاوتة فمنها البليغ الرصين الجزل ومنها الفصيح القريب السهل ومنها الجاري الطلق الرسل وهذه أقسام الكلام الفاضل المحمود فالأول أعلاها والثاني أوسطها والثالث أدناها وأقربها وقد حازت بلاغة القرآن من كل قسم من هذه الأقسام أو فرصة وأخذت من كل نوع أعظم شعبة فأنتظم لها

(1/31)


بإنتظام هذه الأوصاف نمط من الكلام يجمع صفتي الفخامة والعذوبة وهما كالمتضادين فكان إجتماع الأمرين فيه مع نبو كل منهما عن الآخر فضيلة ومنزلة جليلة وقد خص بذلك القرآن كما لا يخفى على ذوي الفطر السليمة ومن كان له في علم البلاغة إتقان وأما بيان إعجاز إشتماله على الأخبار بالغيب فلأنه تضمن ما يحكم العرف بكثرته من أخبار القرون الماضية والأمم البادية والشرائع الدائرة مما كان لا يعلم منه القصة الواحدة إلا الفذ من أحبار أهل الكتاب الذي قطع عمره في تعلم ذلك وتتبعه فيورده القرآن على وجهه ويأتي به على نصه ومن المعلوم أن من أتى به أمي لا يقرأ ولا يكتب صلى الله تعالى عليه وسلم مع الأعلام بما في ضمائر كثيرين من غير أن يظهر ذلك منهم بقول أو فعل كقوله تعالى : إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا وقوله تعالى ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله والأعلان بالحوادث المستقبلة في الأعصار الآتية كقوله تعالى : ألم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين وأخبار أقوام في قضايا أنهم لا يفعلونها فما فعلوا ولا قدروا كقوله تعالى خطابا لليهود فتمنوا الموت إن كنتم صادقين ولن يتمنوه أبدا فما تمناه أحد منهم إلى أضعاف مضاعفة من مثل ذلك قد اشتمل القرآن عليها وأختص من بين الكتب بها حتى أن أقصر سورة فيه وهي الكوثر تشير إلى أربعة أخبار عن الغيب مع أنها ثلاث آيات الأول في قوله تعالى إنا أعطيناك الكوثر إذا أريد به كما في بعض الروايات كثرة الإتباع والثاني في قوله وأنحر حيث أريد به كما هو الظاهر الأمر بالنحو فهو إشارة إلى اليسار حتى يمكنه الأقدام عليه والثالث والرابع في قوله تعالى إن شانئك هو الأبتر حيث صرح ورمز بأن شانئك لا أنت أبتر لا عقب له فكان كما أخبر ولا شك عند كل عاقل أن مجموع ما ذكرنا يعجز عنه البشر وأما إعجاز موافقته لقضية العقل ودقيق المعنى فلأنه أشتمل على توحيد الله تعالى وتنزيهه والدعاء إلى طاعته وبيان طرق عبادته من تحليل وتحريم ووعظ وتعليم وأمر بمعروف ونهي عن منكر وإشارة إلى محاسن الأخلاق وزجر عن مساويها واضعا كل شيء منها موضعه الذي لا يرى أولى منه ولا أليق ولا يتصور أحرى من ذاك ولا أخلق جامعا بين الحجة والمحتج له والدليل والمدلول عليه ليكون ذلك أوكد للزوم ما دعا إليه وإمتثال ما أمر به وإجتناب ما نهى عنه مع إشارة أنيقة ورموز دقيقة وأسرار جزيلة وحكم جليلة ستقف إن شاء الله تعالى على الكثير منها بحيث لا تبقى في شك من رد من يقول بأن ذلك معتاد في أكثر كلام البلغاء وأنه ينتقض بالتوراة والأنجيل وبكلام الرسول الغير المعجز فأين الثريا من يد المتناول
وما كل مخضوب البنان بثينة ولا كل مصقول الحديد يماني فهذه الأوجه الأربعة هي الظاهرة في إعجاز القرآن والمشهور عند الجمهور الأقتصار على بلاغته وفصاحته حيث بلغت الرتبة العليا والغاية القصوى التي لم تكد تخفي على أهل هذا الشأن حتى النساء كما يحكى أن الأصمعي وقف متعجبا من أمرأة تنشد شعرا فقالت أتعجب من هذا أين أنت من قوله تعالى وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين فقد جمع أمرين ونهيين وبشارتين أي مع ما فيه مما يدرك بالذوق وبعضهم جعل المدار النظم المخصوص والباقي تابع له قائلا إن الأعجاز المتعلق بالفصاحة والبلاغة لا يتعلق بعنصره الذي هو اللفظ والمعنى فإن الألفاظ ألفاظهم كما قال تعالى قرآنا عربيا بلسان عربي ولا بمعانيه فإن كثيرا منها موجود في الكتب المتقدمة كما قال تعالى :

(1/32)


وإنه لفي زبر الأولين وما فيه من المعارف الألهية وبيان المبدأ والمعاد والأخبار بالغيب فأعجازه ليس براجع إلى القرآن من حيث هو قرآن بل لكونه حاصلا من غير سبق تعليم وتعلم ولكون الأخبار بالغيب إخبارا بما لا يعتاد سواء كان بهذا النظم أو بغيره موردا بالعربية أو بلغة أخرى بعبارة أو إشارة فإذا هو متعلق بالنظم المخصوص الذي هو صورة القرآن وبإختلاف الصور يختلف حكم الشيء وأسمه لا بعنصره كالخاتم والقرط والسوار إذا كان الكل من ذهب مثلا فإن الأسم مختلف والعنصر واحد وكالخاتم المتخذ من ذهب وفضة وحديد يسمى خاتما والعنصر مختلف فظهر أن الأعجاز المختص بالقرآن متعلق بنظمه المخصوص وإعجاز نظمه قد سلف بيانه وأنت تعلم ما فيه وإن كان قريبا إلى الحق وأبعد الأقوال عندي كونه بالصرفة المحضة حتى أن قول المرتضى فيها غير مرتضى كما لا يخفى على من أنصفه ذهنه وأتسع عطنه وأبعد من ذلك كونه بالقدم كما هو قريب ممن هو حديث عهد بما تقدم وسيأتي إن شاء الله تعالى تتمة لهذا الكلام من بيان إختلاف الناس أيضا في تفاوت مراتب الفصاحة والبلاغة في آياته ويتضح لك ما هو الحق الحقيقي بالقبول والله تعالى المبتغي والمسئول ولنقتصر من الفوائد على هذا المقدار وفي السبعة ما لا يحصى من الأسرار وهذا أوان تقبيل شفاه الأقلام حروف سبحان كلام الله تعالى العلام
سورة الفاتحة
أختلف فيها فالأكثرون على أنها مكية بل من أوائل ما نزل الحمد لله من القرآن على قول وهو المروى عن علي وإبن عباس وقتادة وأكثر الصحابة وعن مجاهد أنها مدنية وقد تفرد بذلك حتى عد هفوة منه وقيل نزلت بمكة حين فرضت الصلاة وبالمدينة لما حولت القبلة ليعلم أنها في الصلاة كما كانت وقيل بعضها مكي وبعضها مدني ولا يخفى ضعفه وقد لهج الناس بالإستدلال على مكيتها بآية الحجر ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم وهي مكية لنص العلماء والرواية عن ابن عباس ولها حكم مرفوع لا لأن ما قبلها وما بعدها في حق أهل مكة كما قيل لأنه مبني على أن المكي ما كان في حق أهل مكة والمشهور خلافه والأقوى الإستدلال بالنقل عن الصحابة الذين شاهدوا الوحي التنزيل لأن ذلك موقوف أولا على تفسير السبع المثاني بالفاتحة وهو وإن كان صحيحا ثابتا في الأحاديث إلا أنه قد صح أيضا عن إبن عباس وغيره تفسيرها بالسبع الطوال وثانيا على إمتناع الإمتنان بالشيء قبل إيتائه مع أن الله تعالى قد أمتن عليه صلى الله تعالى عليه وسلم بأمور قبل إيتائه إياها كقوله تعالى إنا فتحنا لك فتحا مبينا فهو قبل الفتح بسنين والتعبير بالماضي تحقيق للوقوع وهذا وإن كان خلاف الظاهر لا سيما مع إيراد اللام وكلمة قد ووروده في معرض المنة والغالب فيها سبق الوقوع وعطف ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به الآية إلا أنه قد خدش الدليل لا يقال إن هذا وذلك لا يدلان إلا على أنها نزلت بمكة وأما على نفي نزولها بالمدينة

(1/33)


أيضا فلا لأنا نقول : النفي هو الأصل وعلى مدعى الإثبات الإثبات وأني به وما قالوا في الجواب عن الإعتراض بأن النزول ظهور من عالم الغيب إلى الشهادة والظهور بها لا يقبل التكرر فإن ظهور الظاهر ظاهر البطلان كتحصيل الحاصل من دعوى أنه كان في كل لفائدة أو أنه على حرف مرة وآخر أخرى لورود مالك وملك أو ببسلمة تارة وتارة بدونها وبه تجمع المذاهب والروايات مصحح للوقوع لا موجب له كما لا يخفى والسورة مهموزة وغير مهموزة بإبدال إن كانت من السور وهو البقية لأن بقية كل شيء بعضه وبدونه إن كانت من سور البناء وهي المنزلة أو سور المدينة لإحاطتها بآياتها أو من التسور وهو العلو والإرتفاع لإرتفاعها بكونها كلام الله تعالى وتطلق على المنزلة الرفيعة كما في قول النابغة : ألم تر أن الله أعطاك سورة ترى كل ملك حولها يتذبذب وحدها قرآن يشتمل على ذي فاتحة وخاتمة وقيل طائفة مستقلة لتخرج آية الكرسي مترجمة توقيفا وقد ثبتت أسماء الجميع بالأحاديث والآثار فمن قال بكراهة أن يقال سورة كذا بل سورة يذكر فيها كذا بناء على ما روى عن أنس وابن عمر من النهي عن ذلك لا يعتد به إذ حديث أنس ضعيف أو موضوع وحديث ابن عمر موقوف عليه وإن روى عنه بسند صحيح والفاتحة في الأصل صفة جعلت إما لأول الشيء لكونه واسطة في فتح الكل والتاء للنقل أو المبالغة ولا إختصاص لها بزنة علامة أو مصدر أطلقت على الأول تسمية للمفعول بالمصدر إشعارا بإصالته كأنه نفس الفتح إذ تعلقه به أولا ثم بواسطته يتعلق بالمجموع لكونه جزءا منه وكذا يقال في الخاتمة فإن بلوغ الآخر يعرض الآخر أولا والكل بواسطته وليس هذا كالأول لقلة فاعلة في المصادر إلا أنه أولى من كونه للآلة أو باعثا لأن هذه ملتبسة بالفعل ومقارنة له والغالب أن لا تتصف الآلة ولا يقارن الباعث على أن الآلة هنا غير مناسبة لإيهام أن يكون البعض غير مقصود وجوزوا أن يكون للنسبة أي ذات فتح مع وجود آخر مرجوحة والكتاب هو المجموع الشخصي وفتح الفاتحة بالقياس إليه لا إلى القدر المشترك بينه وبين أجزائه وهو متحقق في العلم أو اللوح أو بيت العزة فلا ضير في إشتهار السورة بهذا الأسم في الأوائل والإضافة الأولى من إضافة الأسم إلى المسمى وهي مشهورة والثانية بمعنى اللام كما في جزء الشيء لا بمعنى من كما في خاتم فضة لأن المضاف جزئي قاله شيخ الإسلام وهو مذهب بعض في كل وقال إبن كيسان والسيرافي وجمع إضافة الجزء على معنى من التبعيضية بل في اللمع وشرحه إن من المقدرة في الإضافة مطلقا كذلك من غير فرق بين الجزء والجزئي وبعضهم جعل الإضافة في الجزئي بيانية مطلقا وبعضهم خصها بالعموم والخصوص الوجهي كما في المثال وجعلها في المطلق كمدينة بغداد لامية والشهرة لا تساعده
ولهذه السورة الكريمة أسماء أوصلها البعض إلى نيف وعشرين أحدها فاتحة الكتاب لأنها مبدؤه على الترتيب المعهود لا لأنها يفتتح بها في التعليم وفي القراءة في الصلاة كما زعمه الإمام السيوطي ولا لأنها أول سورة نزلت كما قيل أما الأول والثالث فلأن المبدئية من حيث التعليم أو النزول تستدعي مراعاة الترتيب في بقية أجزاء الكتاب من تينك الحيثيتين ولا ريب في أن الترتيب التعليمي والنزولي ليسا كالترتيب المعهود وأما الثاني فلما عرفت

(1/34)


أن ليس المراد بالكتاب القدر المشترك الصادق على ما يقرأ في الصلاة حتى يعتبر في التسمية مبدئيتها له وحكى المرسي أنها سميت بذلك لأنها أول سورة كتبت في اللوح ويحتاج إلى نقل وإن صححنا أن ترتيب القرآن الذي في مصاحفنا كما في اللوح فلربما كتب التالي ثم كتب المتلو وغلبة الظن أمر آخر وثانيهما فاتحة القرآن لما قدمنا حذو القذة بالقذة وثالثها ورابعها أم الكتاب وأم القرآن وحديث لا يقولن أحدكم أم الكتاب وليقل فاتحة الكتاب لا أصل له بل قد ثبت في الصحاح تسميتها به كما لا يخفى على المتتبع وسميت بذلك لأن الإبتداء كتابة أو تلاوة أو نزولا على قول أو صلاة بها وما بعدها تال لها فهي كالأم التي يتكون الولد بعدها ويقال أيضا للراية أم لتقدمها وإتباع الجيش لها ومنه أم القرى أو لإشتمالها كما قال العلامة على مقاصد المعاني التي في القرآن من الثناء على الله تعالى بما هو أهله ومن التعبد بالأمر والنهي ومن الوعيد أما الثناء فظاهر وأما التعبد فأما من الحمد لله لأنه للتعليم فيقدر أمر يفيده والأمر الإيجابي يلزمه النهي عن الضد في الجملة ولا نرى فيه بأسا أو من أهدنا الصراط المستقيم إن أريد به ملة الإسلام أو من تقدير قولوا بسم الله ومن تأخير متعلقه وإما من إياك نعبد فإنه إخبار عن تخصيصه بالعبادة وهي التحقق بالعبودية بإرتسام ما أمر السيد أو نهى فيدل في الجملة على أنهم متعبدون ولا يرد على المعتزلة عدم سبق أمر ونهي أصلا ويجاب عندنا بعد تسليم العدم للأولية بأن راس العبادة التوحيد وفي الصدر ما يرشد إليه لا سيما وقد سبق تكليفه صلى الله تعالى عليه وسلم بالتوحيد وتبليغ السورة وذلك يكفي وأما الوعد والوعيد فمن قوله تعالى أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم أو من يوم الدين أي الجزاء والمجزي أما ما يسر أو ما يضروهما الثواب والعقاب وإنما كانت المقاصد هذه لأن بعثة الرسل وإنزال الكتب رحمة للعباد وإرشادا إلى ما يصلحهم معاشا ومعادا وذلك بمعرفة من يقدر على إيصال النعم إيجادا وإمدادا ثم التوصل إليه بما يربط العتيد ويجلب المزيد عملا وإعتقادا والتنصل عما يفضي به إلى رجع المحصل ومنع المستحصل قلوبا وأجسادا والثناء فرع معرفة المثنى عليه مع الإستحقاق وتدخل المعرفة بصفات الجلال والجمال ومنها ما منه الإرسال والإنزال والتفاوت بين المطيع والمذنب فدخل الإيمان بالله تعالى وصفاته والنبوات والمعاد على الإجمال والتعبد يتمكن به من التوصل والتنصل ويدخل فيه من وجه الإيمان بالنبوات وما يتعلق بها من الكتاب والملائكة إذ الأمر والنهي فرع ثبوت ذلك في الجملة والوعد والوعيد يتضمنان الإيمان بالمعاد ويبعثان على التعبد والناس كابل مائة لا تجد فيها راحلة والأكثرون بعثتهم الرغبة والرهبة وأوسطهم الرجاء والخوف والخواص وقليل ما هم الأنس والهيبة فبالثلاثة تم الإرشاد إلى مصالح المعاش والمعاد ولا أحصر لك وجه الحصر بهذا فلمسلك الذهن إتساع ولك أن ترد الثلاثة إلى إثنين فتدرج الثناء في التعبد إذ لا حكم للعقل ولعله إنما جعله قسيما له تلميحا إلى أن شكر المنعم واجب عقلا مراعاة لمذهب الإعتزال ولم يبال البيضاوي بذلك فعبر بما عبر به من المقال أو لإشتمالها على جملة معانيه من الحكم النظرية والأحكام العملية التي هي سلوك الصراط المستقيم والإطلاع على مراتب السعداء ومنازل الأشقياء والأول

(1/35)


مستفاد من أول السورة إلى قوله يوم الدين والثاني من قوله إياك نعبد وما بعده سلوك الصراط المستقيم مر قوله أهدنا الآية والإطلاع من قوله أنعمت عليهم إلخ وفيه وعد ووعيد فدخلا فيه والأمثال والقصص المقصود بها الإتعاظ وكذا الدعاء والثناء وهذه جملة المعاني القرآنية إجمالا مطابقة وإلتزاما وأبسط من هذا أن يقال إنها مشتملة على أربعة أنواع من العلوم التي هي مناط الدين الأول علم الأصول ومعاقده معرفة الله تعالى وصفاته وإليها الإشارة بقوله رب العالمين الرحمن الرحيم ومعرفة النبوات وهي المرادة بقوله تعالى أنعمت عليهم والمعاد المومى إليه بقوله تعالى مالك يوم الدين
الثاني علم الفروع وأسه العبادات وهو المراد بقوله إياك نعبد وهي بدنية ومالية وهما مفتقران إلى أمور المعاش من المعاملات والمناكحات ولا بد لها من الحكومات فتمهدت الفروع على الأصول الثالث علم ما به يحصل الكمال وهو علم الأخلاق وأجله الوصول إلى الحضرة الصمدانية والسلوك لطريقة الإستقامة في منازل هاتيك الرتب العلية وإليه الإشارة بقوله إياك نستعين إهدنا الصراط المستقيم الرابع علم القصص والأخبار عن الأمم السالفة السعداء والأشقياء وما يتصل بها من الوعد والوعيد وهو المراد بقوله تعالى أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين وإذا إنبسط ذهنك أتيت بأبسط من ذلك وهذان الوجهان يستدعيان حمل الكتاب على المعاني أو تقديرها في التركيب الإضافي والوجه الأول لا يقتضيه ومن هذا رجحه البعض وإن كان أدق وأحلى لا لأنه يشكل عليهما ما ورد من أن الفاتحة تعدل ثلثي القرآن إذ يري له إذا ثبت أن الإجمال لا يساوي التفصيل فزيادة مبانيه منزلة منزلة ثلث آخر من الثواب قاله الشهاب ثم قال : ومن العجب ما قيل هنا من أن ذلك لإشتمالها على دلالة التضمن والإلتزام وهما ثلثا الدلالات إنتهى وأنا أقول الأعجب من هذا توجيهه رحمه الله مع ما رواه الديلمي في الفردوس عن أبي الدرداء فاتحة الكتاب تجزي ما لا يجزي شيء من القرآن ولو أن فاتحة الكتاب جعلت في كفة الميزان وجعل القرآن في الكفة الأخرى لفضلت فاتحة الكتاب على القرآن سبع مرات فأنه لا يتبادر منه إلا الفضل في الثواب فيعارض ظاهره ذلك الخبر على توجيهه وعلى توجيه صاحب القيل لا تعارض نعم أنه بعيد ويمكن التوفيق بين الخبرين وبه يزول الإشكال بأن الأول كان أولا وتضاعف الثواب ثانيا ولا حجر على الرحمة الواسعة أو بأن إختلاف المقال لإختلاف الحال أو بأن ما يعدل الشيء كله يعدل ثلثيه أو بأن القرآن في أحد الخبرين أو فيهما بمعنى الصلاة مثله في قوله تعالى وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا وذلك يختلف بإختلاف مراتب الناس في قراءتهم وصلواتهم فليتدبر وعلى العلات لا يقاسان بما قيل في وجه التسمية بذلك لأنها أفضل السور أو لأن حرمتها كحرمة القرآن كله أو لأن مفزع أهل الإيمان إليها أو لأنها محكمة والمحكمات أم الكتاب ولا أعترض على البعض بعدم الإطراد لأن وجه التسمية لا يجب إطراده ولكني أفوض الأمر إليك وسلام الله تعالى عليك لا يقال إذا كانت الفاتحة جامعة لمعاني الكتاب فلم سقط منها سبعة أحرف الثاء والجيم والخاء والزاي والشين والظاء والفاء لأنا نقول لعل ذلك للإشارة إلى أن الكمال المعنوي لا يلزمه الكمال الصوري ولا ينقصه نقصانه إن الله تعالى لا ينظر إلى صوركم وكانت سبعة موافقة لعدد الآي المشتمل على الكثير من الأسرار وكانت من الحروف الظلمانية التي لم توجد في المتشابه من أوائل السور ويجمعها بعد إسقاط المكرر صراط على حق نمسكه وهي النورانية المشتملة عليها بأسرها الفاتحة للإشارة إلى غلبة الجمال على الجلال المشعر بها تكرر ما يدل على الرحمة في الفاتحة وإنما لم يسقط السبعة الباقية من هذا النوع فتخلص النورانية ليعلم أن الأمر مشوب ولا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون وفي قوله تعالى نبيء عبادي أني أنا الغفور الرحيم وأن عذابي هو العذاب الأليم إشارة وأي إشارة إلى ذلك لمن تأمل حال الجملتين على أن في كون النورانية وهي أربعة عشر حرفا مذكورة

(1/36)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية