صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : تنوير المقباس من تفسير ابن عباس
المؤلف : ينسب لابن عباس رضي الله عنهما
مصدر الكتاب : موقع التفاسير
http://www.altafsir.com
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

ويزيد الله الذين اهتدوا هدى والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير مردا (76) أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالا وولدا (77) أطلع الغيب أم اتخذ عند الرحمن عهدا (78) كلا سنكتب ما يقول ونمد له من العذاب مدا (79) ونرثه ما يقول ويأتينا فردا (80) واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا (81) كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا (82) ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا (83) فلا تعجل عليهم إنما نعد لهم عدا (84) يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا (85) ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا (86) لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا (87) وقالوا اتخذ الرحمن ولدا (88) لقد جئتم شيئا إدا (89) تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا (90) أن دعوا للرحمن ولدا (91) وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا (92)

{ ويزيد الله الذين اهتدوا } بالإيمان { هدى } بالشرائع ويقال يزيد الله الذين اهتدوا بالناسخ هدى المنسوخ { والباقيات الصالحات } والصلوات الخمس { خير عند ربك ثوابا } خير ما يثيب الله به العباد الصلوات { وخير مردا } أفضل مرجعا في الآخرة { أفرأيت الذي كفر بآياتنا } بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن يعني العاص بن وائل السهمي { وقال لأوتين مالا وولدا } لئن كان ما يقول محمد في الآخرة حقا لأعطين مالا وولدا في الآخرة فرد الله عليه وقال { أطلع الغيب } أنظر في اللوح المحفوظ أن له ما يقول { أم اتخذ } اعتقد { عند الرحمن عهدا } بلا إله إلا الله فيكون له ما يقول { كلا } رد عليه لا يكون له ما يقول { سنكتب } سنحفظ { ما يقول } من الكذب { ونمد له } نزيد له { من العذاب مدا } زيادة { ونرثه ما يقول } في الجنة ونعطي غيره من المؤمنين { ويأتينا } يوم القيامة { فردا } وحيدا خاليا من المال والولد والخير نزلت هذه الآية في خباب بن الأرت وصاحبه في خصومة كانت بينهما { واتخذوا } عبدوا أهل مكة { من دون الله آلهة } يعني الأصنام { ليكونوا لهم } يعني الأصنام { عزا } منفعة من عذاب الله { كلا } رد عليهم لا يكون لهم منفعة من عذاب الله { سيكفرون بعبادتهم } سيتبرؤون يعني الأصنام من عبادة الكفار { ويكونون } يعني الأصنام { عليهم } على الكفار { ضدا } عونا بالعذاب { ألم تر } ألم تخبر يا محمد { أنآ أرسلنا الشياطين } سلطنا الشياطين { على الكافرين تؤزهم أزا } تزعجهم إلى معصية الله إزعاجا وتغريهم إغراء { فلا تعجل } فلا تستعجل { عليهم } بالعذاب { إنما نعد لهم عدا } يعني النفس بعد النفس { يوم } وهو يوم القيامة { نحشر المتقين } الكفر والشرك والفواحش { إلى الرحمن } إلى جنة الرحمن { وفدا } ركبانا على النوق { ونسوق المجرمين } المشركين { إلى جهنم وردا } عطاشا { لا يملكون الشفاعة } لا تشفع الملائكة لأحد { إلا من اتخذ } من اعتقد { عند الرحمن عهدا } بلا إله إلا الله { وقالوا } يعني اليهود { اتخذ الرحمن ولدا } عزيرا ابنا { لقد جئتم شيئا إدا } قلتم قولا منكرا عظيما { تكاد السماوات يتفطرن } يتشققن { منه } من قولهم { وتنشق الأرض } تتصدع الأرض { وتخر الجبال } تسير الجبال { هدا } كسرا { أن دعوا } بأن دعوا { للرحمن ولدا } عزيرا ابنا { وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا } عزيرا ابنا .

(1/324)


إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا (93) لقد أحصاهم وعدهم عدا (94) وكلهم آتيه يوم القيامة فردا (95) إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا (96) فإنما يسرناه بلسانك لتبشر به المتقين وتنذر به قوما لدا (97) وكم أهلكنا قبلهم من قرن هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا (98)

{ إن كل من في السماوات والأرض } يقول ما من أحد في السموات والأرض { إلا آتي الرحمن عبدا } إلا مقرا للرحمن بالعبودية مطيعا له غير الكافر { لقد أحصاهم } حفظهم { وعدهم عدا } عالم بعدهم { وكلهم آتيه } يجيء إلى الله { يوم القيامة فردا } وحيدا بلا مال ولا ولد { إن الذين آمنوا } بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن { وعملوا الصالحات } الطاعات فيما بينهم وبين ربهم { سيجعل لهم الرحمن ودا } يحبهم ويحببهم إلى المؤمنين { فإنما يسرناه بلسانك } هونا عليك قراءة القرآن { لتبشر به } بالقرآن { المتقين } الكفر والشرك والفواحش { وتنذر } تخوف { به } بالقرآن { قوما لدا } جدلا بالباطل { وكم أهلكنا قبلهم } قبل قومك يا محمد { من قرن } من القرون الماضية { هل تحس منهم من أحد } هل ترى منهم أحدا بعد الهلاك { أو تسمع لهم ركزا } صوتا بعد ما هلكوا ودرسوا .

(1/325)


طه (1) ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى (2) إلا تذكرة لمن يخشى (3) تنزيلا ممن خلق الأرض والسماوات العلا (4) الرحمن على العرش استوى (5) له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى (6) وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى (7) الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى (8) وهل أتاك حديث موسى (9) إذ رأى نارا فقال لأهله امكثوا إني آنست نارا لعلي آتيكم منها بقبس أو أجد على النار هدى (10) فلما أتاها نودي يا موسى (11) إني أنا ربك فاخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى (12) وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى (13) إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري (14) إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى (15)

وبإسناده عن ابن عباس في قوله تعالى { طه مآ أنزلنا عليك القرآن لتشقى } لتتعب بالقرآن نزلت هذه الآية والنبي صلى الله عليه وسلم كان قبل ذلك يجتهد بصلاة الليل حتى تورمت قدماه فخفف الله عليه بهذه الآية فقال طه يا رجل هذه بلسان مكة أي يا محمد ما أنزلنا عليك القرآن جبريل بالقرآن { إلا تذكرة } عظة { لمن يخشى } لمن يسلم ولم أنزله لتشقى لتتعب نفسك مقدم ومؤخر { تنزيلا } يقول القرآن تكليما { ممن خلق الأرض والسماوات العلى } رفع بعضها فوق بعض { الرحمن على العرش استوى } استقر ويقال امتلأ به ويقال هو من المكتوم الذي لا يفسر { له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما } من الخلق والعجائب { وما تحت الثرى } الذي تحت الأرضين السابعة السفلى لأن الأرضين على الماء والماء على الحوت والحوت على الصخرة والصخرة على قرني الثور والثور على الثرى هو التراب الندي يعلم الله ما تحته { وإن تجهر بالقول } تعلن بالقول الفعل { فإنه يعلم السر } من القول والفعل { وأخفى } من السر ما هو كائن منك لم يك بعد أو يكون يعلم الله ذلك كله { الله لا إله إلا هو } وحده لا شريك له { له الأسمآء الحسنى } الصفات العليا فادعوه بها { وهل أتاك } ما أتاك يا محمد ثم أتاك { حديث موسى } خبر موسى { إذ رأى نارا } عن يساره { فقال لأهله امكثوا } انزلوا مكانكم { إني آنست نارا } إني رأيت نارا { لعلي آتيكم منها } من النار { بقبس } بشعلة مقتبسة وكان في برد شديد من الشتاء { أو أجد على النار } عند النار { هدى } من يدلني على الطريق { فلمآ أتاها } فإذا هي شجرة خضراء تتوقد منها نار بيضاء { نودي ياموسى إني أنا ربك فاخلع نعليك } وكانت نعلاه من جلد حمار ميت { إنك بالواد المقدس } المطهر { طوى } اسم الوادي ويقال قد طوته الأنبياء قبلك ويقال طوى بئر قد طويت بالصخر في ذلك الوادي للذي كانت فيه الشجرة { وأنا اخترتك } بالرسالة إلى فرعون { فاستمع لما يوحى } فاعمل بما تؤمر { إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني } فأطعني { وأقم الصلاة لذكريا } لو نسيت صلاة فصلها حين ذكرتها { إن الساعة آتية } كائنة { أكاد أخفيها } أظهرها ويقال أسرها عن نفسي فكيف أظهرها لغيري { لتجزى كل نفس } برة أو فاجرة { بما تسعى } بما تعمل من الخير والشر .

(1/326)


فلا يصدنك عنها من لا يؤمن بها واتبع هواه فتردى (16) وما تلك بيمينك يا موسى (17) قال هي عصاي أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب أخرى (18) قال ألقها يا موسى (19) فألقاها فإذا هي حية تسعى (20) قال خذها ولا تخف سنعيدها سيرتها الأولى (21) واضمم يدك إلى جناحك تخرج بيضاء من غير سوء آية أخرى (22) لنريك من آياتنا الكبرى (23) اذهب إلى فرعون إنه طغى (24) قال رب اشرح لي صدري (25) ويسر لي أمري (26) واحلل عقدة من لساني (27) يفقهوا قولي (28) واجعل لي وزيرا من أهلي (29) هارون أخي (30) اشدد به أزري (31) وأشركه في أمري (32) كي نسبحك كثيرا (33) ونذكرك كثيرا (34) إنك كنت بنا بصيرا (35) قال قد أوتيت سؤلك يا موسى (36) ولقد مننا عليك مرة أخرى (37) إذ أوحينا إلى أمك ما يوحى (38) أن اقذفيه في التابوت فاقذفيه في اليم فليلقه اليم بالساحل يأخذه عدو لي وعدو له وألقيت عليك محبة مني ولتصنع على عيني (39) إذ تمشي أختك فتقول هل أدلكم على من يكفله فرجعناك إلى أمك كي تقر عينها ولا تحزن وقتلت نفسا فنجيناك من الغم وفتناك فتونا فلبثت سنين في أهل مدين ثم جئت على قدر يا موسى (40) واصطنعتك لنفسي (41)

{ فلا يصدنك عنها } فلا يصرفنك عن الإقرار بها { من لا يؤمن بها واتبع هواه } بالإنكار وعبادة الأصنام { فتردى } فتهلك .
{ وما تلك بيمينك ياموسى قال هي عصاي أتوكؤا عليها } أعتمد عليها إذا عييت { وأهش بها على غنمي } أخبط بها الشجرة لغنمي { ولي فيها مآرب أخرى } حوائج شتى { قال ألقها } من يدك { ياموسى فألقاها } من يده { فإذا هي حية تسعى } تشتد رافعة رأسها فولى موسى هاربا منها { قال } الله له { خذها } يا موسى { ولا تخف سنعيدها } سنجعلها { سيرتها الأولى } عصا كما كانت { واضمم يدك إلى جناحك } أدخل يدك في إبطك { تخرج بيضآء } لها شعاع { من غير سواء } من غير برص { آية أخرى } علامة أخرى مع العصا { لنريك من آياتنا } من علاماتنا { الكبرى } العظمى { اذهب إلى فرعون إنه طغى } علا وتكبر وكفر { قال رب اشرح لي صدري } لين لي قلبي لكي لا أخافه { ويسر لي أمري } هون علي تبليغ الرسالة إلى فرعون { واحلل عقدة من لساني } ابسط رتة من لساني { يفقهوا قولي } لكي يفقهوا كلامي { واجعل لي وزيرا } معينا { من أهلي هارون أخي اشدد به أزري } قو به ظهري { وأشركه } يا رب { في أمري } في تبليغ رسالتي إلى فرعون { كي نسبحك } نصلي لك { كثيرا ونذكرك } بالقلب واللسان { كثيرا إنك كنت بنا بصيرا } عالما { قال } الله له { قد أوتيت } أعطيت { سؤلك } ما سألت { ياموسى } فشرح الله له صدره ويسر أمره وبسط لسانه وجعل هارون له معينا { ولقد مننا عليك مرة أخرى } غير هذا { إذ أوحينآ إلى أمك } ألهمنا أمك { ما يوحى } الذي يلهم { أن اقذفيه في التابوت } أن اطرحي الصبي في التابوت البردي { فاقذفيه في اليم } فاطرحي التابوت في البحر { فليلقه اليم } البحر { بالساحل } على الشط { يأخذه } يرفعه { عدو لي } بالدين يعني فرعون { وعدو له } بالقتل { وألقيت عليك محبة مني } يا موسى كل من رآك أحبك { ولتصنع على عيني } وما صنع بك كان في منظري { إذ تمشي أختك } فدخلت قصر فرعون { فتقول هل أدلكم على من يكفله } يرضعه { فرجعناك } فرددناك { إلى أمك كي تقر عينها } تطيب نفسها { ولا تحزن } على ابنها بالهلاك { وقتلت نفسا } قبطيا { فنجيناك من الغم } من غم القود { وفتناك فتونا } ابتليناك ببلاء مرة بعد مرة { فلبثت } مكثت { سنين } عشر سنين { في أهل مدين ثم جئت على قدر } على مقدوري بالكلام والرسالة إلى فرعون { ياموسى واصطنعتك لنفسي } اصطفيتك لنفسي بالرسالة .

(1/327)


اذهب أنت وأخوك بآياتي ولا تنيا في ذكري (42) اذهبا إلى فرعون إنه طغى (43) فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى (44) قالا ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى (45) قال لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى (46) فأتياه فقولا إنا رسولا ربك فأرسل معنا بني إسرائيل ولا تعذبهم قد جئناك بآية من ربك والسلام على من اتبع الهدى (47) إنا قد أوحي إلينا أن العذاب على من كذب وتولى (48) قال فمن ربكما يا موسى (49) قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى (50) قال فما بال القرون الأولى (51) قال علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى (52) الذي جعل لكم الأرض مهدا وسلك لكم فيها سبلا وأنزل من السماء ماء فأخرجنا به أزواجا من نبات شتى (53) كلوا وارعوا أنعامكم إن في ذلك لآيات لأولي النهى (54)

{ اذهب أنت وأخوك } هارون { بآياتي } باليد والعصا { ولا تنيا في ذكري } لا تضعفا ولا تعجزا ولا تفترا في تبليغ رسالتي إلى فرعون { اذهبآ إلى فرعون إنه طغى } علا وتكبر وكفر { فقولا له قولا لينا } لطيفا لا إله إلا الله ويقال كنياه { لعله يتذكر } يتعظ { أو يخشى } أو يسلم { قالا ربنآ إننا نخاف أن يفرط } أن يعجل { علينآ } بالضرب { أو أن يطغى } بالقتل { قال } الله لهما { لا تخافآ } من الضرب والقتل { إنني معكمآ } معينكما { أسمع } ما يرد عليكما { وأرى } صنعه بكما { فأتياه } يعني فرعون { فقولا إنا رسولا ربك } إليك { فأرسل معنا بني إسرائيل } نذهب بهم إلى أرضهم { ولا تعذبهم } لا تتبعهم بالعمل وذبح الأبناء واستخدام النساء لأنهم أحرار { قد جئناك بآية } بعلامة { من ربك } يعني باليد وهو أول آية أراها الله فرعون { والسلام على من اتبع الهدى } التوحيد { إنا قد أوحي إلينآ أن العذاب } الدائم { على من كذب } بالتوحيد { وتولى } عن الإيمان { قال } فرعون { فمن ربكما ياموسى قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه } شكله للإنسان إنسانا وللبعير ناقة والحمار أتانا وللشاة النعجة { ثم هدى } ثم ألهم الأكل والشرب والجماع { قال } فرعون لموسى { فما بال القرون الأولى } فما خبر القرون الماضية عندك كيف هلكوا { قال } موسى { علمها } علم هلاكها { عند ربي } مكتوب { في كتاب } يعني اللوح المحفوظ { لا يضل ربي } لا يخطئ ولا يذهب عليه أمرهم { ولا ينسى } أمرهم ولا يترك عقوبتهم { الذي جعل لكم الأرض مهدا } فرشا { وسلك } جعل { لكم فيها } في الأرض { سبلا } طرقا تذهبون وتجيئون فيها { وأنزل من السمآء مآء } مطرا { فأخرجنا به } فأنبتنا بالمطر { أزواجا } أصنافا { من نبات شتى } مختلفا ألوانه { كلوا } يعني ما تأكلون { وارعوا } ما ترعون { أنعامكم } من عشبها { إن في ذلك } في اختلافها وألوانها { لآيات } لعلامات { لأولي النهى } لذوي العقول من الناس .

(1/328)


منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى (55) ولقد أريناه آياتنا كلها فكذب وأبى (56) قال أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك يا موسى (57) فلنأتينك بسحر مثله فاجعل بيننا وبينك موعدا لا نخلفه نحن ولا أنت مكانا سوى (58) قال موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى (59) فتولى فرعون فجمع كيده ثم أتى (60) قال لهم موسى ويلكم لا تفتروا على الله كذبا فيسحتكم بعذاب وقد خاب من افترى (61) فتنازعوا أمرهم بينهم وأسروا النجوى (62) قالوا إن هذان لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما ويذهبا بطريقتكم المثلى (63) فأجمعوا كيدكم ثم ائتوا صفا وقد أفلح اليوم من استعلى (64) قالوا يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون أول من ألقى (65) قال بل ألقوا فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى (66) فأوجس في نفسه خيفة موسى (67) قلنا لا تخف إنك أنت الأعلى (68) وألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا إنما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى (69)

{ منها } من الأرض { خلقناكم } يقول خلقناكم من آدم وآدم من تراب والتراب من الأرض { وفيها } وفي الأرض { نعيدكم } يقول نقبركم { ومنها } من الأرض { نخرجكم } يقول من القبور نخرجكم { تارة أخرى } مرة أخرى بعد الموت للبعث { ولقد أريناه } يعني فرعون { آياتنا كلها } اليد والعصا والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم والسنين ونقص من الثمرات { فكذب } بالآيات وقال ليس هذا من الله { وأبى } أن يسلم ولم يقبل الآيات { قال } لموسى { أجئتنا لتخرجنا من أرضنا } مصر { بسحرك ياموسى فلنأتينك بسحر مثله } مثل ما جئتنا به { فاجعل بيننا وبينك } يا موسى { موعدا } أجلا { لا نخلفه } لا نجاوزه { نحن ولا أنت مكانا سوى } غير هذه ويقال سوى أي عدلا ونصفا بيننا وبينك إن قرئت بضم السين { قال } موسى { موعدكم } أجلكم { يوم الزينة } وهو يوم السوق ويقال يوم العيد ويقال يوم النيروز { وأن يحشر } يجمع { الناس } من المدائن { ضحى } ضحوة { فتولى فرعون } فرجع فرعون إلى أهله { فجمع كيده } حيلته وسحرته اثنين وسبعين ساحرا { ثم أتى } الموعدة { قال لهم موسى } للسحرة { ويلكم } ضيق الله عليكم الدنيا { لا تفتروا } لا تختلقوا { على الله كذبا فيسحتكم } فيهلككم { بعذاب } من عنده { وقد خاب } خسر { من افترى } اختلق على الله الكذب { فتنازعوا أمرهم بينهم } فتشاوروا فيما بينهم إن غلب علينا موسى آمنا به { وأسروا } هذا { النجوى } من فرعون ثم { قالوا } بالعلانية { إن هذان لساحران } بلغة بني الحارث ابن كعب وإنما قال هذان على اللغة لا على الإعراب ويقال قال لهم فرعون إن هذا موسى وهارون لساحران { يريدان أن يخرجاكم } يعني موسى وهارون { من أرضكم } مصر { بسحرهما ويذهبا بطريقتكم } بدينكم ورجالكم { المثلى } الأمثل فالأمثل أهل الرأي والشرف { فأجمعوا كيدكم } مكركم وسحرتكم وعلمكم { ثم ائتوا صفا } جميعا { وقد أفلح } فاز { اليوم من استعلى قالوا } يعني السحرة أولا { ياموسى إمآ أن تلقي } عصاك إلى الأرض أولا { وإمآ أن نكون أول من ألقى قال } لهم موسى { بل ألقوا } أنتم أولا فألقوا اثنين وسبعين عصا واثنين وسبعين حبلا { فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه } أرى موسى { من سحرهم أنها تسعى } تمضي { فأوجس في نفسه خيفة موسى } يقول أضمر موسى في قلبه الخوف خاف أن لا يظفر بهم فيقتلون من آمن به { قلنا } لموسى { لا تخف إنك أنت الأعلى } الغالب عليهم { وألق } على الأرض { ما في يمينك } يا موسى { تلقف } تلقم { ما صنعوا } ما طرحوا من العصي والحبال { إنما صنعوا } طرحوا { كيد ساحر } عمل سحر { ولا يفلح } لا يأمن ولا ينجو من عذاب الله ولا يفوز { الساحر حيث أتى } أينما كان .

(1/329)


فألقي السحرة سجدا قالوا آمنا برب هارون وموسى (70) قال آمنتم له قبل أن آذن لكم إنه لكبيركم الذي علمكم السحر فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم في جذوع النخل ولتعلمن أينا أشد عذابا وأبقى (71) قالوا لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات والذي فطرنا فاقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا (72) إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر والله خير وأبقى (73) إنه من يأت ربه مجرما فإن له جهنم لا يموت فيها ولا يحيى (74) ومن يأته مؤمنا قد عمل الصالحات فأولئك لهم الدرجات العلا (75) جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء من تزكى (76) ولقد أوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا لا تخاف دركا ولا تخشى (77) فأتبعهم فرعون بجنوده فغشيهم من اليم ما غشيهم (78) وأضل فرعون قومه وما هدى (79) يا بني إسرائيل قد أنجيناكم من عدوكم وواعدناكم جانب الطور الأيمن ونزلنا عليكم المن والسلوى (80)

{ فألقي السحرة سجدا } فسجدوا من سرعة سجودهم كأنهم ألقوا { قالوا } يعني السحرة { آمنا برب هارون وموسى قال } لهم فرعون { آمنتم له قبل أن ءاذن لكم } قبل أن آمركم به { إنه } يعني موسى { لكبيركم } عالمكم { الذي علمكم السحر فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف } اليد اليمنى والرجل اليسرى { ولأصلبنكم في جذوع النخل } على جذوع النخل { ولتعلمن أينآ أشد عذابا وأبقى } أدوم أنا أو رب موسى وهارون { قالوا } يعني السحرة لفرعون { لن نؤثرك } لن نختار عبادتك وطاعتك { على ما جآءنا من البينات } من الأمر والنهي والكتاب والرسول والعلامات { والذي فطرنا } وعلى عبادة الذي خلقنا { فاقض مآ أنت قاض } فاصنع ما أنت صانع واحكم علينا ما أنت حاكم { إنما تقضي هذه الحياة الدنيآ } تحكم علينا في الدنيا وليس لك علينا سلطان في الآخرة { إنآ آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا } شركنا { ومآ أكرهتنا عليه } ما أجبرتنا عليه { من السحر } من تعلم السحر { والله خير وأبقى } ما عند الله من الثواب والكرامة أفضل وأدوم مما تعطينا من المال { إنه من يأت ربه } يوم القيامة { مجرما } مشركا { فإن له جهنم لا يموت فيها } فيستريح { ولا يحيى } حياة تنفعه { ومن يأته } يوم القيامة { مؤمنا } مصدقا في إيمانه { قد عمل الصالحات } فيما بينه وبين ربه { فأولئك لهم الدرجات العلى } الرفيعة في الجنان ثم بين أن الجنان لهم فقال { جنات عدن } وهي دار الرحمن التي خلقها بيده وبقوته في وسط الجنان والجنان حولها { تجري من تحتها } من تحت شجرها ومساكنها { الأنهار } أنهار الخمر والماء والعسل واللبن { خالدين فيها } مقيمين في الجنة لا يموتون ولا يخرجون { وذلك } الجنان والخلد { جزآء من تزكى } ثواب من وحد وأصلح { ولقد أوحينآ إلى موسى أن أسر } أي سر { بعبادي } أول الليل { فاضرب لهم } بين لهم { طريقا في البحر يبسا } طريقا يابسا جدا { لا تخاف دركا } إدراك فرعون { ولا تخشى } من الغرق { فأتبعهم فرعون } فلحقهم فرعون { بجنوده } بمجموعه { فغشيهم من اليم } فغشي عليهم البحر { ما غشيهم وأضل فرعون } أهلك فرعون { قومه } في البحر { وما هدى } ما نجاهم من الغرق ويقال أضلهم عن دين الله وما دلهم إلى الصواب { يابني إسرائيل } يا أولاد يعقوب { قد أنجيناكم من عدوكم } من فرعون { وواعدناكم جانب الطور } الجبل { الأيمن } يمين موسى بإعطاء الكتاب { ونزلنا عليكم المن والسلوى } في التيه .

(1/330)


كلوا من طيبات ما رزقناكم ولا تطغوا فيه فيحل عليكم غضبي ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى (81) وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى (82) وما أعجلك عن قومك يا موسى (83) قال هم أولاء على أثري وعجلت إليك رب لترضى (84) قال فإنا قد فتنا قومك من بعدك وأضلهم السامري (85) فرجع موسى إلى قومه غضبان أسفا قال يا قوم ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا أفطال عليكم العهد أم أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم فأخلفتم موعدي (86) قالوا ما أخلفنا موعدك بملكنا ولكنا حملنا أوزارا من زينة القوم فقذفناها فكذلك ألقى السامري (87) فأخرج لهم عجلا جسدا له خوار فقالوا هذا إلهكم وإله موسى فنسي (88) أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا (89) ولقد قال لهم هارون من قبل يا قوم إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن فاتبعوني وأطيعوا أمري (90)

{ كلوا من طيبات } من حلالات { ما رزقناكم } من المن والسلوى { ولا تطغوا فيه } لا تكفروا به ويقال لا ترفعوا للغد { فيحل عليكم } فيجب عليكم { غضبي } سخطي وعذابي ويقال ينزل إن قرأت بضم الحاء { ومن يحلل عليه غضبي } يجب عليه غضبي سخطي وعذابي { فقد هوى } فقد هلك { وإني لغفار لمن تاب } من الشرك { وآمن } بالله { وعمل صالحا } خالصا { ثم اهتدى } ثم رأى ثواب عمله حقا ويقال ثم اهتدى إلى السنة والجماعة ومات على ذلك فلما ذهب موسى عليه السلام مع السبعين إلى الميقات تعجل في الميعاد قبل السبعين قال الله له { ومآ أعجلك عن قومك ياموسى قال هم أولاء } يجيئون { على أثري وعجلت إليك رب لترضى } ليزداد رضاك عني { قال } يا موسى { فإنا قد فتنا } ابتلينا { قومك } بعبادة العجل { من بعدك } من بعد انطلاقك إلى الجبل { وأضلهم السامري } وأمرهم بذلك السامري { فرجع } فلما رجع { موسى إلى قومه } مع السبعين سمع صوت الفتنة فصار { غضبان أسفا } حزينا { قال ياقوم ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا } صدقا { أفطال عليكم العهد } أفتجاوزت عنكم المدة { أم أردتم أن يحل عليكم } يجب عليكم { غضب } سخط وعذاب { من ربكم فأخلفتم موعدي } فخالفتم { قالوا } يا موسى { مآ أخلفنا موعدك } ما خالفنا وعدك { بملكنا } بعلمنا متعمدين { ولكنا حملنآ أوزارا } إجراما { من زينة القوم } من حلي آل فرعون فشؤم ذلك حملنا على عبادة العجل { فقذفناها } فطرحنا الحلي في النار { فكذلك ألقى السامري } كما ألقينا { فأخرج لهم } فصاغ لهم السامري من الذهب الذي ألقوا في النار { عجلا جسدا } مجسدا صغيرا بلا روح { له خوار } صوت { فقالوا } أي شيء هذا قال لهم السامري { هاذآ إلهكم وإله موسى فنسي } فترك السامري طاعة الله وأمره ويقال قال السامري ترك موسى الطريق وأخطأ فقال الله { أفلا يرون } يعني السامري وأصحابه { ألا يرجع } أن لا يرد { إليهم قولا } جوابا يعني العجل { ولا يملك لهم } لا يقدر لهم { ضرا } دفع الضرر { ولا نفعا } ولا جر النفع { ولقد قال لهم هارون من قبل } من قبل مجيء موسى عليه السلام { ياقوم إنما فتنتم به } ابتليتم بالخوار وعبادة العجل ويقال أضللتم أنفسكم بعبادة العجل { وإن ربكم الرحمن فاتبعوني } في دينه { وأطيعوا أمري } قولي ووصيتي .

(1/331)


قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى (91) قال يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا (92) ألا تتبعن أفعصيت أمري (93) قال يا ابن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي (94) قال فما خطبك يا سامري (95) قال بصرت بما لم يبصروا به فقبضت قبضة من أثر الرسول فنبذتها وكذلك سولت لي نفسي (96) قال فاذهب فإن لك في الحياة أن تقول لا مساس وإن لك موعدا لن تخلفه وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا لنحرقنه ثم لننسفنه في اليم نسفا (97) إنما إلهكم الله الذي لا إله إلا هو وسع كل شيء علما (98) كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق وقد آتيناك من لدنا ذكرا (99) من أعرض عنه فإنه يحمل يوم القيامة وزرا (100) خالدين فيه وساء لهم يوم القيامة حملا (101) يوم ينفخ في الصور ونحشر المجرمين يومئذ زرقا (102) يتخافتون بينهم إن لبثتم إلا عشرا (103)

{ قالوا لن نبرح عليه } لن نزال على عبادة العجل { عاكفين } مقيمين { حتى يرجع إلينا موسى } فلما رجع موسى { قال } لهارون { ياهرون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا } الطريق { ألا تتبعن } لم لا تتبع وصيتي ولم تناجزهم القتال { أفعصيت } أفتركت { أمري } وصيتي { قال } هارون لموسى { يبنؤم } ذكر أمه لكي يرفق به ويترحم عليه { لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي } ولا بشعر رأسي { إني خشيت } خفت { أن تقول فرقت بين بني إسرآئيل } بالقتل { ولم ترقب قولي } لم تنتظر قدومي فمن ذلك تركت القتال معهم ثم رجع موسى إلى السامري { قال فما خطبك } فما الذي حملك على عبادة العجل { ياسامري قال } السامري { بصرت بما لم يبصروا به } أي رأيت ما لم ير بنو إسرائيل قال له موسى وما رأيت دونهم قال رأيت جبريل على فرس بلقاء أنثى وهي دابة الحياة { فقبضت قبضة من أثر الرسول } من تراب حافر فرس جبريل { فنبذتها } فطرحتها في فم العجل ودبره فخار { وكذلك سولت } زينت { لي نفسي قال } له موسى { فاذهب } يا سامري { فإن لك في الحياة } ما حييت { أن تقول لا مساس } لا تخالط أحدا ولا يخالطك { وإن لك موعدا } أجلا يوم القيامة { لن تخلفه } لن تجاوزه { وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا } أقمت عليه عابدا { لنحرقنه } بالنار ويقال لنبردنه بالمبرد { ثم لننسفنه في اليم نسفا } لنذرينه في البحر ذروا { إنمآ إلهكم الله الذي لا إله إلا هو } بلا ولد ولا شريك { وسع كل شيء علما } علم ربنا بكل شيء { كذلك } هكذا { نقص عليك } يا محمد ننزل عليك جبريل { من أنبآء ما قد سبق } بأخبار الأمم الماضية { وقد آتيناك من لدنا ذكرا } قد أكرمناك بالقرآن فيه خبر الأولين والآخرين { من أعرض عنه } من كفر به { فإنه يحمل يوم القيامة وزرا } شركا { خالدين فيه } مقيمين في عقوبة الوزر { وسآء لهم يوم القيامة حملا } من الذنوب { يوم ينفخ في الصور } النفخة الأخرى { ونحشر المجرمين } المشركين { يومئذ زرقا } عميا { يتخافتون بينهم } يتساورون فيما بينهم في هذا القول ويقول بعضهم لبعض { إن لبثتم } ما مكثتم في القبور { إلا عشرا } عشرة أيام .

(1/332)


نحن أعلم بما يقولون إذ يقول أمثلهم طريقة إن لبثتم إلا يوما (104) ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا (105) فيذرها قاعا صفصفا (106) لا ترى فيها عوجا ولا أمتا (107) يومئذ يتبعون الداعي لا عوج له وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا (108) يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا (109) يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما (110) وعنت الوجوه للحي القيوم وقد خاب من حمل ظلما (111) ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ولا هضما (112) وكذلك أنزلناه قرآنا عربيا وصرفنا فيه من الوعيد لعلهم يتقون أو يحدث لهم ذكرا (113) فتعالى الله الملك الحق ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه وقل رب زدني علما (114) ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما (115)

{ نحن أعلم بما يقولون } في البعث { إذ يقول أمثلهم طريقة } أفضلهم عقلا وأصوبهم رأيا وأصدقهم قولا { إن لبثتم } ما مكثتم في القبور { إلا يوما ويسألونك } يا محمد صلى الله عليه وسلم سألته بنو ثقيف { عن الجبال } من حال الجبال يوم القيامة { فقل } لهم يا محمد { ينسفها ربي نسفا } يقلعها ربي قلعا { فيذرها } فيترك الأرض { قاعا } مستوية { صفصفا } أملس لا نبات فيها { لا ترى فيها عوجا } واديا ولا شقوقا { ولا أمتا } ولا شيئا شاخصا من الأرض ولا نباتا { يومئذ } وهو يوم القيامة { يتبعون الداعي } يسرعون ويقصدون إلى الداعي { لا عوج له } لا يميلون يمينا ولا شمالا { وخشعت الأصوات } ذلك الأصوات { للرحمن } لهيبة الرحمن { فلا تسمع } يا محمد { إلا همسا } إلا وطأ خفيا كوطء الإبل { يومئذ } وهو يوم القيامة { لا تنفع الشفاعة } لا تشفع الملائكة لأحد { إلا من أذن له الرحمن } في الشفاعة { ورضي له قولا } قبل منه لا إله إلا الله { يعلم } الله { ما بين أيديهم } بين أيدي الملائكة من أمر الآخرة { وما خلفهم } من أمر الدنيا { ولا يحيطون به علما } لا يعلمون ما بين أيديهم وما خلفهم شيئا إلا ما علمهم الله يعني الملائكة { وعنت الوجوه } نصبت الوجوه في الدنيا بالسجود ويقال خضعت الوجوه وذلت الوجوه يوم القيامة { للحي } الذي لا يموت { القيوم } القائم الذي لا بدء له { وقد خاب } خسر { من حمل ظلما } شركا { ومن يعمل من الصالحات } من الخيرات فيما بينه وبين ربه { وهو مؤمن } مصدق في إيمانه { فلا يخاف ظلما } ذهاب عمله كله { ولا هضما } ولا نقصان عمله { وكذلك } هكذا { أنزلناه قرآنا عربيا } أنزلنا جبريل بالقرآن على محمد صلى الله عليه وسلم على مجرى لغة العربية { وصرفنا فيه } بينا في القرآن { من الوعيد } أي من الوعد والوعيد { لعلهم يتقون } لكي يتقوا الكفر والشرك والفواحش { أو يحدث لهم ذكرا } ثوابا إن آمنوا ويقال شرفا إن وحدوا ويقال عذابا إن لم يؤمنوا { فتعالى الله الملك الحق } تبرأ عن الولد والشريك { ولا تعجل بالقرآن } ولا تستعجل يا محمد بقراءة القرآن { من قبل إن يقضى إليك وحيه } من قبل أن يفرغ جبريل من قراءة القرآن عليك وكان إذا نزل عليه جبريل بآية لم يفرغ جبريل من آخرها حتى يتكلم رسول الله بأولها مخافة أن ينساها فنهاه الله عن ذلك وقال له { وقل } يا محمد { رب زدني علما } وحفظا وفهما وحكما بالقرآن { ولقد عهدنآ إلى ءادم } أمرنا آدم أن لا يأكل من هذه الشجرة { من قبل } من قبل أكله من الشجرة ويقال من قبل مجيء محمد صلى الله عليه وسلم { فنسي } فترك ما أمر به { ولم نجد له عزما } حزما وعزيمة الرجال .

(1/333)


وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى (116) فقلنا يا آدم إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى (117) إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى (118) وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى (119) فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى (120) فأكلا منها فبدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة وعصى آدم ربه فغوى (121) ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى (122) قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى (123) ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى (124) قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا (125) قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى (126) وكذلك نجزي من أسرف ولم يؤمن بآيات ربه ولعذاب الآخرة أشد وأبقى (127) أفلم يهد لهم كم أهلكنا قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم إن في ذلك لآيات لأولي النهى (128)

{ وإذ قلنا للملائكة } الذين كانوا في الأرض { اسجدوا لآدم } سجدة التحية { فسجدوا إلا إبليس } رئيسهم { أبى } تعظم عن السجود لآدم { فقلنا ياآدم إن هذا عدو لك ولزوجك } حواء { فلا يخرجنكما من الجنة } بطاعتكما له { فتشقى } فتتعب { إن لك ألا تجوع فيها } في الجنة من الطعام { ولا تعرى } من الثياب { وأنك لا تظمأ فيها } لا تعطش فيها { ولا تضحى } ولا يصيبك حر الشمس ويقال لا نعرق { فوسوس إليه الشيطان } بأكل الشجرة { قال ياآدم هل أدلك على شجرة الخلد } من أكل منها خلد ولا يموت { وملك لا يبلى } يبقى في ملك لا يفنى { فأكلا منها } من الشجرة { فبدت لهما سوءاتهما } فظهرت لهما عوراتهما { وطفقا } عمدا { يخصفان } يلزقان { عليهما } على عوراتهما { من ورق الجنة } من ورق التين كلما ألزقا بعضها إلى بعض تساقطت { وعصى ءادم ربه } بأكله من الشجرة { فغوى } ترك طريق الهدى فلم يصب بأكله من الشجرة ما أراده { ثم اجتباه } ثم اصطفاه { ربه } بالتوبة { فتاب عليه } فتجاوز عنه { وهدى } هداه إلى التوبة { قال اهبطا منها } من الجنة { جميعا } لآدم وحواء والحية والطاووس { بعضكم لبعض عدو } الحية لبني آدم وبنو آدم للحية { فإما يأتينكم مني هدى } فحين يأتينكم يا ذرية آدم مني هدى كتاب ورسول { فمن اتبع هداي } كتابي ورسولي { فلا يضل } باتباعه إياهما في الدنيا { ولا يشقى } في الآخرة { ومن أعرض عن ذكري } عن توحيدي ويقال كفر بكتابي ورسولي { فإن له معيشة ضنكا } عذابا شديدا في القبر ويقال في النار { ونحشره يوم القيامة أعمى قال } يقول { رب } يا ربي { لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا } في الدنيا { قال كذلك } هكذا لأنك { أتتك آياتنا } كتابنا ورسولنا { فنسيتها } فتركت العمل والإقرار بها { وكذلك اليوم تنسى } تترك في النار { وكذلك } هكذا { نجزي من أسرف } من أشرك { ولم يؤمن بآيات ربه } يعني الكتاب والرسول { ولعذاب الآخرة أشد وأبقى } أدوم من عذاب الدنيا { أفلم يهد لهم } يبين لأهل مكة { كم أهلكنا قبلهم من القرون } الماضية { يمشون في مساكنهم } منازلهم { إن في ذلك } فيما فعلنا بهم { لآيات } لعلامات { لأولي النهى } لذوي العقول من الناس .

(1/334)


ولولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاما وأجل مسمى (129) فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ومن آناء الليل فسبح وأطراف النهار لعلك ترضى (130) ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خير وأبقى (131) وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقا نحن نرزقك والعاقبة للتقوى (132) وقالوا لولا يأتينا بآية من ربه أولم تأتهم بينة ما في الصحف الأولى (133) ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى (134) قل كل متربص فتربصوا فستعلمون من أصحاب الصراط السوي ومن اهتدى (135)

{ ولولا كلمة سبقت } وجبت { من ربك } بتأخير العذاب عنهم { لكان لزاما } عذابا لهلاكهم { وأجل مسمى } وقت معلوم لهذه الأمة { فاصبر على ما يقولون } يا محمد عما يقولون من الشتم والتكذيب نسختها آية القتال { وسبح بحمد ربك } صل بأمر ربك يا محمد { قبل طلوع الشمس } صلاة الغداة { وقبل غروبها } صلاة الظهر والعصر { ومن آنآء الليل } بعد دخول الليل { فسبح } فصل صلاة المغرب والعشاء { وأطراف النهار } صلاة الظهر والعصر { لعلك ترضى } لكي تعطى الشفاعة حتى ترضى { ولا تمدن عينيك } ولا تنظرن رغبة { إلى ما متعنا به } إلى ما أعطينا من المال { أزواجا } رجالا { منهم } من بني قريظة والنضير { زهرة الحياة الدنيا } زينة الدنيا { لنفتنهم فيه } لنختبرهم فيما أعطيناهم من الزينة { ورزق ربك } الجنة { خير } أفضل { وأبقى } أدوم مما لهم في الدنيا { وأمر أهلك بالصلاة } عند الشدة { واصطبر عليها } اصبر عليها { لا نسألك رزقا } أن تزرق نفسك وأهلك { نحن نرزقك والعاقبة للتقوى } الجنة لمتقي الكفر والشرك والفواحش { وقالوا } يعني أهل مكة { لولا يأتينا } هلا يأتينا محمد { بآية } بعلامة { من ربه أولم تأتهم بينة } بيان { ما في الصحف الأولى } في التوراة والإنجيل أن فيهما صفة محمد صلى الله عليه وسلم ونعته { ولو أنآ أهلكناهم } يعني أهل مكة { بعذاب من قبله } من قبل مجيء محمد عليه الصلاة والسلام إليهم بالقرآن { لقالوا } يوم القيامة { ربنا } يا ربنا { لولا } هلا { أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك } فنطيع رسولك ونؤمن بكتاب { من قبل أن نذل } نقتل يوم بدر { ونخزى } نعذب بعذاب يوم القيامة { قل } لهم يا محمد { كل } كل واحد منا أو منكم { متربص } منتظر لهلاك صاحبه { فتربصوا } فانتظروا { فستعلمون } عند نزول العذاب يوم القيامة { من أصحاب الصراط السوي } العدل { ومن اهتدى } إلى الإيمان منا أو منكم .

(1/335)


اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون (1) ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون (2) لاهية قلوبهم وأسروا النجوى الذين ظلموا هل هذا إلا بشر مثلكم أفتأتون السحر وأنتم تبصرون (3) قال ربي يعلم القول في السماء والأرض وهو السميع العليم (4) بل قالوا أضغاث أحلام بل افتراه بل هو شاعر فليأتنا بآية كما أرسل الأولون (5) ما آمنت قبلهم من قرية أهلكناها أفهم يؤمنون (6) وما أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون (7) وما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام وما كانوا خالدين (8) ثم صدقناهم الوعد فأنجيناهم ومن نشاء وأهلكنا المسرفين (9)

وبإسناد عن ابن عباس في قوله تعالى { اقترب للناس حسابهم } يقول دنا لأهل مكة ما وعد لهم في الكتاب من العذاب { وهم في غفلة } عن ذلك { معرضون } مكذبون به تاركون له { ما يأتيهم } ما يأتي إلى نبيهم جبريل { من ذكر } بذكر يعني القرآن { من ربهم محدث } بآية بعد آية وسورة بعد سورة لكان إتيان جبريل وقراءة محمد صلى الله عليه وسلم واستماعهم محدثا لا القرآن { إلا استمعوه } إلا استمع أهل مكة إلى قراءة محمد عليه الصلاة والسلام والقرآن { وهم يلعبون } يهزؤون بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن { لاهية قلوبهم } غافلة قلوبهم من أمر الآخرة { وأسروا النجوى } أخفوا التكذيب بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن فيما بينهم { الذين ظلموا } هم الذين ظلموا أشركوا أبو جهل وأصحابه يقول بعضهم لبعض { هل هاذآ } ما هذا يعنون محمدا صلى الله عليه وسلم { إلا بشر } آدمي { مثلكم أفتأتون السحر } أفتصدقون بالسحر والكذب { وأنتم تبصرون } وأنتم تعلمون بأنه سحر وكذب { قال } لهم يا محمد { ربي يعلم القول في السمآء والأرض } أي يعلم السر من القول والفعل من أهل السماء والأرض { وهو السميع } لمقالة أبي جهل وأصحابه { العليم } بهم وبعقوبتهم { بل قالوا } قال بعضهم { أضغاث أحلام } أباطيل أحلام كاذبة ما أتانا به محمد صلى الله عليه وسلم { بل افتراه } وقال بعضهم بل اختلق محمد عليه الصلاة والسلام القرآن من تلقاء نفسه { بل هو شاعر } وقال بعضهم بل هو شاعر برواية { فليأتنا بآية } بعلامة { كمآ أرسل الأولون } من الرسل بالآيات إلى قومهم بزعمه فيقول الله { مآ آمنت قبلهم } قبل قومك يا محمد بالآيات { من قرية } من أهل قرية { أهلكناهآ } عند التكذيب بالآيات { أفهم يؤمنون } أفقومك يؤمنون بالآيات بل لا يؤمنون { ومآ أرسلنا قبلك } من الرسل { إلا رجالا } من البشر مثلك { نوحي إليهم } نرسل إليهم الملائكة كما أرسلنا إليك { أهل الذكر } أهل التوراة والإنجيل { إن كنتم لا تعلمون } أن الله لم يرسل الرسول إلا من البشر { وما جعلناهم جسدا } الأنبياء { لا يأكلون الطعام } ولا يشربون الشراب { وما كانوا خالدين } في الدنيا ولكن كانوا يأكلون الطعام ويشربون الشراب ويموتون نزلت فيهم حين قالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق { ثم صدقناهم الوعد } أنجزنا وعد الأنبياء بالنجاة { فأنجيناهم } يعني الأنبياء { ومن نشآء } من آمن بالرسل { وأهلكنا المسرفين } المشركين .

(1/336)


لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم أفلا تعقلون (10) وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة وأنشأنا بعدها قوما آخرين (11) فلما أحسوا بأسنا إذا هم منها يركضون (12) لا تركضوا وارجعوا إلى ما أترفتم فيه ومساكنكم لعلكم تسألون (13) قالوا يا ويلنا إنا كنا ظالمين (14) فما زالت تلك دعواهم حتى جعلناهم حصيدا خامدين (15) وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين (16) لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا إن كنا فاعلين (17) بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ولكم الويل مما تصفون (18) وله من في السماوات والأرض ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون (19) يسبحون الليل والنهار لا يفترون (20) أم اتخذوا آلهة من الأرض هم ينشرون (21) لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا فسبحان الله رب العرش عما يصفون (22)

{ لقد أنزلنآ إليكم } إلى نبيكم { كتابا } جبريل بكتاب { فيه ذكركم } شرفكم وعزكم إن آمنتم به { أفلا تعقلون } أفلا تصدقون بشرفكم وعزكم { وكم قصمنا } أهلكنا { من قرية } أهل قرية { كانت ظالمة } كافرة مشركة أهلها { وأنشأنا } خلقنا { بعدها } بعد هلاكها { قوما آخرين } فسكنوا ديارهم { فلمآ أحسوا بأسنآ } رأوا عذابنا لهلاكهم { إذا هم منها } من بأسنا { يركضون } يهزون ويقال يهربون أيضا قالت لهم الملائكة { لا تركضوا } لا تهزوا ولا تهربوا { وارجعوا إلى مآ أترفتم } أنعمتم { فيه ومساكنكم } منازلكم { لعلكم تسألون } لكي تسألوا عن الإيمان ويقال عن قتل النبي عليه السلام { قالوا } عند القتل والعذاب { ياويلنآ إنا كنا ظالمين } بقتل نبينا { فما زالت تلك } الويل { دعواهم } قولهم { حتى جعلناهم حصيدا } كحصيد السيف { خامدين } ميتين لا يتحركون هذه قصة أهل قرية نحو اليمن يقال لها حضور بعث الله إليهم نبيا فقتلوا ذلك النبي عليه السلام فسلط الله عليهم بختنصر فقتلهم ولم يترك فيهم عينا تطرف { وما خلقنا السمآء والأرض وما بينهما } من الخلق { لاعبين } لاهين بلا أمر ولا نهي ثم نزل في قولهم الملائكة بنات الله { لو أردنآ أن نتخذ لهوا } ويقال زوجة ويقال ولدا { لاتخذناه من لدنآ } من عندنا من الحور العين { إن كنا } ما كنا { فاعلين } ذلك { بل نقذف بالحق } نرمي الحق { على الباطل } ويقال نبين الحق والباطل { فيدمغه } فيهلكه { فإذا هو زاهق } هالك يعني الباطل { ولكم } يا معشر الكفار { الويل } الشدة من العذاب { مما تصفون } مما تقولون الملائكة بنات الله { وله } عبيد { من في السماوات والأرض } من الخلق { ومن عنده } من الملائكة { لا يستكبرون } لا يتعاظمون { عن عبادته } عن طاعته والإقرار بعبوديته { ولا يستحسرون } لا يعيون من عبادة الله { يسبحون الليل والنهار } يصلون لله بالليل والنهار { لا يفترون } لا يملون من عبادة الله والإقرار بالله { أم اتخذوا } أم عبدوا يعني أهل مكة { آلهة من الأرض } في الأرض { هم ينشرون } يحيون ويقال يخلفون { لو كان فيهمآ آلهة } يعني في السماء والأرض إله { إلا الله } غير الله { لفسدتا } لفسد أهلوهما { فسبحان الله رب العرش } السرير { عما يصفون } يقولون على الله من الولد والشريك .

(1/337)


لا يسأل عما يفعل وهم يسألون (23) أم اتخذوا من دونه آلهة قل هاتوا برهانكم هذا ذكر من معي وذكر من قبلي بل أكثرهم لا يعلمون الحق فهم معرضون (24) وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون (25) وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون (26) لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون (27) يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون (28) ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين (29) أولم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما وجعلنا من الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون (30) وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بهم وجعلنا فيها فجاجا سبلا لعلهم يهتدون (31) وجعلنا السماء سقفا محفوظا وهم عن آياتها معرضون (32) وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر كل في فلك يسبحون (33)

{ لا يسأل عما يفعل } لا يسأل الله عما يقول ويأمر ويفعل { وهم يسألون } والعباد يسألون عما يقولون ويعملون { أم اتخذوا } عبدوا { من دونه } من دون الله { آلهة } أصناما { قل } لهم يا محمد { هاتوا برهانكم } حجتكم بعبادتها { هذا } يعني القرآن { ذكر من معي } خبر من هو معي { وذكر من قبلي } خبر من كان قبلي من المؤمنين والكافرين ليس فيه أن لله ولدا وشريكا { بل أكثرهم } كلهم { لا يعلمون الحق } ولا يصدقون بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن { فهم معرضون } مكذبون بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن { ومآ أرسلنا من قبلك } يا محمد { من رسول } مرسل { إلا نوحي إليه أنه } أي قل لقومك حتى يقولوا { لا إله إلا أنا فاعبدون } فوحدوني { وقالوا } يعني أهل مكة { اتخذ الرحمن ولدا } بنات من الملائكة { سبحانه } نزه نفسه عن الولد والشريك { بل عباد مكرمون } بل هم عبيد أكرمهم الله بالطاعة يعني الملائكة { لا يسبقونه } لا يسبق جبريل عن ميكائيل قبل أن يأمره { بالقول } ولا بالفعل { وهم } يعني الملائكة { بأمره يعملون } ويقولون يعني الملائكة { يعلم ما بين أيديهم } من أمر الآخرة { وما خلفهم } من أمر الدنيا { ولا يشفعون } يعني الملائكة يوم القيامة { إلا لمن ارتضى } إلا لمن رضي الله عنه من أهل التوحيد بتوحيده { وهم } يعني الملائكة { من خشيته } من هيبته { مشفقون } خائفون { ومن يقل منهم } يعني من الملائكة ويقال من الخلق { إني إله من دونه } من دون الله { فذلك نجزيه جهنم } فبذلك نجزيه جهنم { كذلك } هكذا { نجزي الظالمين } الكافرين { أولم ير } يعلم { الذين كفروا } جحدوا بمحمد عليه الصلاة والسلام والقرآن { أن السماوات والأرض كانتا رتقا } لم تنزل منها قطرة من مطر ولم ينبت على الأرض شيء من النبات ملتزقا بعضها على بعض { ففتقناهما } ففرقناهما وأبنا بعضهما عن بعض بالمطر والنبات { وجعلنا من المآء كل شيء حي } خلقنا من ماء الذكر والأنثى كل شيء يحتاج إلى الماء { أفلا يؤمنون } بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن يعني أهل مكة { وجعلنا في الأرض رواسي } الجبال الثوابت أوتادا لها { أن تميد بهم } كي لا تميد بهم الأرض { وجعلنا فيها } في الأرض { فجاجا } أودية { سبلا } طرقا واسعة { لعلهم يهتدون } لكي يهتدوا إلى الطرق في الذهاب والمجيء { وجعلنا السمآء سقفا } على الأرض { محفوظا } من السقوط ويقال محفوظا بالنجوم من الشياطين { وهم } يعني أهل مكة { عن آياتها } عن شمسها وقمرها ونجومها { معرضون } مكذبون لا يتفكرون فيها { وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر } سخر الشمر والقمر { كل } كل واحد منهما { في فلك يسبحون } في دوران يدوران في مجراه يذهبون .

(1/338)


وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن مت فهم الخالدون (34) كل نفس ذائقة الموت ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون (35) وإذا رآك الذين كفروا إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي يذكر آلهتكم وهم بذكر الرحمن هم كافرون (36) خلق الإنسان من عجل سأريكم آياتي فلا تستعجلون (37) ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين (38) لو يعلم الذين كفروا حين لا يكفون عن وجوههم النار ولا عن ظهورهم ولا هم ينصرون (39) بل تأتيهم بغتة فتبهتهم فلا يستطيعون ردها ولا هم ينظرون (40) ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون (41) قل من يكلؤكم بالليل والنهار من الرحمن بل هم عن ذكر ربهم معرضون (42) أم لهم آلهة تمنعهم من دوننا لا يستطيعون نصر أنفسهم ولا هم منا يصحبون (43)

{ وما جعلنا } ما خلقنا { لبشر } من الأنبياء { من قبلك الخلد } في الدنيا { أفإن مت } يا محمد { فهم الخالدون } في الدنيا نزلت هذه الآية في قولهم محمدا عليه الصلاة والسلام حتى يموت فنستريح { كل نفس } منفوسة { ذآئقة الموت } تذوق الموت { ونبلوكم } نختبركم { بالشر والخير } بالشدة والرخاء { فتنة } كلاهما ابتلاء من الله { وإلينا ترجعون } بعد الموت فيجزيكم بأعمالكم { وإذا رآك } يا محمد { الذين كفروا } أبو جهل وأصحابه { إن يتخذونك } يا محمد ما يقولون لك { إلا هزوا } سخرية يقول بعضهم لبعض { أهذا الذي يذكر } يعيب { آلهتكم وهم بذكر الرحمن هم كافرون } جاحدون يقولون ما نعرف الرحمن إلا مسيلمة الكذاب { خلق الإنسان } يعني آدم { من عجل } مستعجلا ويقال خلق الإنسان يعني النضر بن الحارث من عجل مستعجلا بالعذاب { سأوريكم آياتي } علامات وحدانيتي في الآفاق ويقال { سأوريكم آياتي } عذابي بالسيف يوم بدر { فلا تستعجلون } بالعذاب قبل الأجل { ويقولون } يعني كفار مكة { متى هذا الوعد } الذي تعدنا يا محمد { إن كنتم صادقين لو يعلم الذين كفروا } بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن ما لهم في العذاب لم يستعجلوا به { حين لا يكفون } يقول حين العذاب لا يقدرون أن يمنعوا { عن وجوههم النار ولا عن ظهورهم } العذاب { ولا هم ينصرون } يمنعون مما يراد بهم من العذاب { بل تأتيهم } الساعة { بغتة } فجأة { فتبهتهم } فتفجؤهم { فلا يستطيعون ردها } دفعها عن أنفسهم { ولا هم ينظرون } يؤجلون من العذاب { ولقد استهزىء برسل من قبلك } يقول استهزأ بهم قومهم كما استهزأ بك قومك يا محمد { فحاق } فوجب ودار ونزل { بالذين سخروا منهم } على الأنبياء { ما كانوا به يستهزئون } من العذاب ويقال نزل بهم العذاب باستهزائهم { قل } يا محمد لأهل مكة { من يكلؤكم } من يحفظكم { بالليل والنهار من الرحمن } من عذاب الرحمن ويقال غير الرحمن من عذابه { بل هم عن ذكر ربهم } عن توحيد ربهم وكتاب ربهم { معرضون } مكذبون به تاركون له { أم لهم آلهة } ألهم آلهة { تمنعهم من دوننا } من عذابنا { لا يستطيعون نصر أنفسهم } صرف العذاب عن أنفسهم يعني الآلهة فكيف عن غيرهم { ولا هم منا يصحبون } من عذابنا يجارون فكيف يجيرون غيرهم .

(1/339)


بل متعنا هؤلاء وآباءهم حتى طال عليهم العمر أفلا يرون أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها أفهم الغالبون (44) قل إنما أنذركم بالوحي ولا يسمع الصم الدعاء إذا ما ينذرون (45) ولئن مستهم نفحة من عذاب ربك ليقولن يا ويلنا إنا كنا ظالمين (46) ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين (47) ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضياء وذكرا للمتقين (48) الذين يخشون ربهم بالغيب وهم من الساعة مشفقون (49) وهذا ذكر مبارك أنزلناه أفأنتم له منكرون (50) ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين (51) إذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون (52) قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين (53) قال لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال مبين (54) قالوا أجئتنا بالحق أم أنت من اللاعبين (55) قال بل ربكم رب السماوات والأرض الذي فطرهن وأنا على ذلكم من الشاهدين (56) وتالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين (57)

{ بل متعنا } أجلنا { هؤلاء } يعني أهل مكة { وآبآءهم } قبلهم { حتى طال عليهم العمر } الأجل { أفلا يرون } أهل مكة { أنا نأتي الأرض } نأخذ الأرض { ننقصها } نفتحها لمحمد { من أطرافهآ } من نواحيها { أفهم الغالبون } أفهم الآن غالبون على محمد صلى الله عليه وسلم { قل } لهم يا محمد { إنمآ أنذركم بالوحي } بما نزل من القرآن { ولا يسمع الصم الدعآء } من يتصامم عن الدعاء إلى الله ويقال لا تقدر أن تسمع الدعاء من يتصامم إن قرأت بضم التاء { إذا ما ينذرون } يخوفون { ولئن مستهم } أصابتهم { نفحة } طرف { من عذاب ربك ليقولن ياويلنآ إنا كنا ظالمين } على أنفسنا كافرين بالله { ونضع الموازين القسط } العدل { ليوم القيامة } في يوم القيامة ميزان لها كفتان ولسان لا يوزن فيها غير الحسنات والسيئات { فلا تظلم نفس شيئا } لا ينقص من حسنات أحد ولا يزاد على سيئات أحد { وإن كان مثقال حبة من خردل } وزن حبة من خردل { أتينا بها } جئنا بها ويقال جزينا بها { وكفى بنا حاسبين } حافظين وعالمين ويقال مجازين { ولقد آتينا } أعطينا { موسى وهارون الفرقان } المخرج من الشبهات ويقال النصر والدولة على فرعون { وضيآء } بيانا من الضلالة { وذكرا } عظة { للمتقين } الكفر والشرك والفواحش { الذين يخشون ربهم } يعملون لربهم { بالغيب } وإن كان غائبا عنهم { وهم من الساعة } من عذاب الساعة { مشفقون } خائفون { وهذا } القرآن { ذكر مبارك } فيه الرحمة والمغفرة لمن آمن به { أنزلناه } أنزلنا جبريل به { أفأنتم } يا أهل مكة { له منكرون } جاحدون { ولقد آتينآ } أعطينا { إبراهيم رشده } يعني العلم والفهم { من قبل } من قبل بلوغه ويقال أكرمناه بالنبوة من قبل موسى وهارون ويقال من قبل محمد صلى الله عليه وسلم { وكنا به عالمين } بأنه أهل لذلك { إذ قال لأبيه } أزر { وقومه } نمروذ ابن كنعان وأصحابه { ما هذه التماثيل } التصاوير { التي أنتم لها عاكفون } عابدون لها { قالوا وجدنآ آبآءنا لها عابدين } فنحن نعبدها { قال } لهم إبراهيم { لقد كنتم أنتم وآبآؤكم } قبلكم { في ضلال مبين } في كفر وخطأ بين { قالوا } لإبراهيم { أجئتنا بالحق } بجد تقول يا إبراهيم { أم أنت من اللاعبين } من المستهزئين بنا { قال } إبراهيم { بل ربكم رب السماوات والأرض الذي فطرهن } خلقهن { وأنا على ذلكم } على ما قلت لكم { من الشاهدين وتالله } والله قال في نفسه { لأكيدن } لأكسرن { أصنامكم بعد أن تولوا } تنطلقوا { مدبرين } ذاهبين إلى العيد فلما ذهبوا إلى عيدهم وتركوا إبراهيم في مدينتهم دخل بيت وثنهم .

(1/340)


فجعلهم جذاذا إلا كبيرا لهم لعلهم إليه يرجعون (58) قالوا من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين (59) قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم (60) قالوا فأتوا به على أعين الناس لعلهم يشهدون (61) قالوا أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم (62) قال بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون (63) فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا إنكم أنتم الظالمون (64) ثم نكسوا على رءوسهم لقد علمت ما هؤلاء ينطقون (65) قال أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئا ولا يضركم (66) أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون (67) قالوا حرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين (68) قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم (69) وأرادوا به كيدا فجعلناهم الأخسرين (70) ونجيناه ولوطا إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين (71) ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة وكلا جعلنا صالحين (72) وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين (73)

{ فجعلهم جذاذا } كسرا { إلا كبيرا لهم } لم يكسره { لعلهم إليه يرجعون } من عيدهم فيعتل به فلما رجعوا إلى بيت وثنهم ودخلوا بين وثنهم { قالوا من فعل هذا بآلهتنآ إنه لمن الظالمين } على آلهتنا { قالوا سمعنا } قال رجل منهم سمعت { فتى يذكرهم } بالكسر ويعيبهم { يقال له إبراهيم قالوا } قال لهم نمروذ { فأتوا به على أعين الناس } بمنظر الناس { لعلهم يشهدون } على فعله ويقال على قوله ويقال على عقوبته { قالوا } قال له نمروذ { ءأنت فعلت هذا } الكسر { بآلهتنا ياإبراهيم قال } إبراهيم { بل فعله كبيرهم هذا } الذي الفأس على عنقه { فاسئلوهم إن كانوا ينطقون } يتكلمون حتى يخبروكم من كسرهم { فرجعوا إلى أنفسهم } بالملامة { فقالوا } فقال لهم ملكهم نمروذ { إنكم أنتم الظالمون } لإبراهيم { ثم نكسوا على رءوسهم } رجعوا إلى قولهم الأول وقال نمروذ { لقد علمت } يا إبراهيم { ما هؤلاء ينطقون } يعني الأصنام فمن ذلك كسرتهم { قال } ابراهيم { أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئا } إن عبدتموه { ولا يضركم } إن تركتموه { أف لكم } قذرا لكم ويقال تبا لكم { ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون } أفليس لكم ذهن الإنسانية أنه لا ينبغي أن يعبد ما لا يضر ولا ينفع { قالوا } قال لهم ملكهم نمروذ { حرقوه } بالنار { وانصروا آلهتكم } انتقموا لآلهتكم { إن كنتم فاعلين } به شيئا فطرحوه في النار { قلنا يانار كوني بردا } باردة من حرك { وسلاما } سليمة من البرد { على إبراهيم } ولو لم يقل سلاما لأحرقه البرد { وأرادوا به كيدا } حرقا { فجعلناهم الأخسرين } الأسفلين { ونجيناه } من النار { ولوطا } نجينا لوطا من الخسف وبلغناهما { إلى الأرض التي باركنا فيها } بالماء والشجر { للعالمين } وهي المقدس وفلسطين والأردن { ووهبنا له } لابراهيم { إسحاق } ولدا { ويعقوب } ولد الولد { نافلة } فضيلة على الولد { وكلا } يعني إبراهيم وإسحاق ويعقوب وأولادهم { جعلنا صالحين } في دينهم مرسلين { وجعلناهم أئمة } قادة في الخير { يهدون بأمرنا } يدعون الخلق إلى أمرنا { وأوحينآ إليهم فعل الخيرات } العمل بالطاعات ويقال الدعاء إلى لا إله إلا الله { وإقام الصلاة } إتمام الصلاة { وإيتآء الزكاة } إعطاء الزكاة { وكانوا لنا عابدين } مطيعين .

(1/341)


ولوطا آتيناه حكما وعلما ونجيناه من القرية التي كانت تعمل الخبائث إنهم كانوا قوم سوء فاسقين (74) وأدخلناه في رحمتنا إنه من الصالحين (75) ونوحا إذ نادى من قبل فاستجبنا له فنجيناه وأهله من الكرب العظيم (76) ونصرناه من القوم الذين كذبوا بآياتنا إنهم كانوا قوم سوء فأغرقناهم أجمعين (77) وداوود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين (78) ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما وسخرنا مع داوود الجبال يسبحن والطير وكنا فاعلين (79) وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم فهل أنتم شاكرون (80) ولسليمان الريح عاصفة تجري بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها وكنا بكل شيء عالمين (81) ومن الشياطين من يغوصون له ويعملون عملا دون ذلك وكنا لهم حافظين (82)

{ ولوطا } أيضا { آتيناه حكما } أعطيناه فهما { وعلما } نبوة { ونجيناه من القرية } من أهل قرية سدوم { التي كانت تعمل } أهلها { الخبائث } يعني اللواطة { إنهم كانوا قوم سوء } سوء في كفرهم { فاسقين } باللواطة { وأدخلناه } ندخله في الآخرة { في رحمتنآ } في جنتنا ويقال أكرمناه في الدنيا بالنبوة { إنه من الصالحين } في دينهم المرسلين { ونوحا } أيضا أكرمناه بالنبوة { إذ نادى } دعا ربه على قومه بالهلاك { من قبل } من قبل لوط { فاستجبنا له } الدعاء { فنجيناه وأهله } ومن آمن به { من الكرب العظيم } يعني الغرق { ونصرناه من القوم } على القوم ويقال نجيناه إن قرأت نصرناه بتشديد الصاد من القوم { الذين كذبوا بآياتنا } بكتابنا ورسولنا نوح { إنهم كانوا قوم سوء } في كفرهم { فأغرقناهم أجمعين } بالطوفان { وداوود وسليمان } أيضا أكرمناهما بالنبوة والحكمة { إذ يحكمان في الحرث } في كرم قوم { إذ نفشت فيه } دخلت فيه ووقعت فيه بالليل { غنم القوم } قوم آخرين { وكنا لحكمهم } لحكم داود وسليمان { شاهدين } عالمين { ففهمناها سليمان } الرفق في القضاء والحكم { وكلا } داود وسليمان { آتينا } أعطينا { حكما } فهما { وعلما } نبوة { وسخرنا مع داوود الجبال يسبحن } مع داود إذا سبح { والطير } أيضا { وكنا فاعلين } إنا فعلنا ذلك بهم { وعلمناه صنعة لبوس } يعني الدروع { لكم لتحصنكم } لتمنعكم { من بأسكم } من سلاح عدوكم { فهل أنتم شاكرون } نعمته بالدروع { ولسليمان } وسخرنا لسليمان { الريح عاصفة } قاصفة شديدة { تجري بأمره } بأمر الله ويقال بأمر سليمان من إصطخر { إلى الأرض التي باركنا فيها } بالماء والشجر وهي الأرض المقدسة والأردن وفلسطين { وكنا بكل شيء } سخرنا له { عالمين ومن الشياطين } سخرنا من الشياطين { من يغوصون له } لسليمان البحر فيخرجون من البحر الجوهر { ويعملون عملا } من البنيان { دون ذلك } دون الغواصة { وكنا لهم } للشياطين { حافظين } من أن يعدو أحد على أحد في زمانه .

(1/342)


وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين (83) فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر وآتيناه أهله ومثلهم معهم رحمة من عندنا وذكرى للعابدين (84) وإسماعيل وإدريس وذا الكفل كل من الصابرين (85) وأدخلناهم في رحمتنا إنهم من الصالحين (86) وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين (87) فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين (88) وزكريا إذ نادى ربه رب لا تذرني فردا وأنت خير الوارثين (89) فاستجبنا له ووهبنا له يحيى وأصلحنا له زوجه إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين (90) والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا وجعلناها وابنها آية للعالمين (91) إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون (92) وتقطعوا أمرهم بينهم كل إلينا راجعون (93) فمن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا كفران لسعيه وإنا له كاتبون (94)

{ وأيوب } واذكر أيوب { إذ نادى ربه } دعا ربه { أني مسني الضر } أني أصابتني الشدة في جسدي فارحمني ونجني { وأنت أرحم الراحمين فاستجبنا له } الدعاء { فكشفنا } فرفعنا { ما به من ضر } من شدة { وآتيناه } أعطيناه { أهله } في الجنة الذين هلكوا في الدنيا { ومثلهم معهم } ولدا في الدنيا مثل ما هلكوا في الدنيا { رحمة } نعمة { من عندنا وذكرى للعابدين } عظة للمؤمنين { وإسماعيل وإدريس } واذكر إسماعيل وإدريس { وذا الكفل كل من الصابرين } على أمر الله والمرازي { وأدخلناهم } ندخلهم في الآخرة { في رحمتنا } في جنتنا { إنهم من الصالحين } من المرسلين غير ذي الكفل لأنه كان رجلا صالحا ولم يكن نبيا { وذا النون } واذكر صاحب الحوت يعني يونس بن متى { إذ ذهب مغاضبا } مصارما من الملك { فظن } يعني فحسب { أن لن نقدر عليه } بالعقوبة { فنادى في الظلمات } في ظلمة البحر وظلمة أمعاء السمك وظلمة بطنها { أن لا إله إلا أنت سبحانك } تبت إليك { إني كنت من الظالمين } على نفسي حيث غضبت على أمرك { فاستجبنا له } الدعاء { ونجيناه من الغم } من غم الظلمات { وكذلك } هكذا { ننجي المؤمنين } عند الدعاء { وزكريآ } واذكر يا محمد زكريا { إذ نادى } دعا { ربه رب لا تذرني } لا تتركني { فردا } وحيدا بلا معين { وأنت خير الوارثين } المعينين { فاستجبنا له } الدعاء { ووهبنا له يحيى } ولدا صالحا { وأصلحنا له زوجه } بالولد { إنهم } يعني الأنبياء ويقال زكريا ويحيى { كانوا يسارعون في الخيرات } يبادرون إلى الطاعات { ويدعوننا رغبا ورهبا } هكذا وهكذا ويقال يعبدوننا رغبا إلى الجنة ورهبا من النار { وكانوا لنا خاشعين } متواضعين مطيعين { والتي } واذكر التي { أحصنت فرجها } حفظت جيب درعها { فنفخنا فيها من روحنا } فنفخ جبريل في جيب درعها بأمرنا { وجعلناها وابنهآ آية } علامة وعبرة { للعالمين } لبني إسرائيل ولدا بلا أب وولادة بلا لمس { إن هذه أمتكم أمة واحدة } دينكم دين واحد مرضي { وأنا ربكم } رب واحد { فاعبدون } أطيعوني { وتقطعوا أمرهم بينهم } تفرقوا فيما بينهم في دينهم يعني اليهود والنصارى والمجوس { كل } كل فرقة { إلينا راجعون فمن يعمل من الصالحات } الطاعات فيما بينه وبين ربه { وهو مؤمن } مصدق في إيمانه { فلا كفران لسعيه } لا ينسى ثواب عمله بل يثاب عليه { وإنا له كاتبون } مجازون ومثيبون ويقال حافظون .

(1/343)


وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون (95) حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون (96) واقترب الوعد الحق فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا يا ويلنا قد كنا في غفلة من هذا بل كنا ظالمين (97) إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون (98) لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها وكل فيها خالدون (99) لهم فيها زفير وهم فيها لا يسمعون (100) إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون (101) لا يسمعون حسيسها وهم في ما اشتهت أنفسهم خالدون (102) لا يحزنهم الفزع الأكبر وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون (103) يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين (104) ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون (105)

{ وحرام } التوفيق { على قرية } على أهل مكة أبي جهل وأصحابه { أهلكناهآ } خذلناها بالكفر { أنهم لا يرجعون } من كفرهم إلى الإيمان ويقال وحرام الرجوع على قرية على أهل مكة أهلكناها يوم بدر بالقتل أنهم لا يرجعون إلى الدنيا { حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج } فحينئذ يخرجون { وهم } يعني يأجوج ومأجوج { من كل حدب } من كل أكمة ومكان مرتفع { ينسلون } يخرجون { واقترب الوعد الحق } دنا قيام الساعة عند خروجهم من السد { فإذا هي شاخصة } ذليلة لا تكاد تطرف { أبصار الذين كفروا } بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن يقولون { ياويلنا } يا حسرتنا { قد كنا في غفلة من هذا } اليوم { بل كنا ظالمين } كافرين بمحمد عليه الصلاة والسلام والقرآن { إنكم } يا أهل مكة { وما تعبدون من دون الله } من الأصنام { حصب جهنم } حطب جهنم بلغة الحبشة { أنتم } يا أهل مكة وما تعبدون من الأصنام { لها واردون } داخلون يعني جهنم { لو كان هؤلاء } الأصنام { آلهة ما وردوها } ما دخلوا النار { وكل } العابد والمعبود { فيها } في النار داخلون { خالدون } مقيمون دائمون { لهم فيها } في جهنم { زفير } صوت كصوت الحمار { وهم فيها } في جهنم يتعاوون { لا يسمعون } صوت الرحمة والشفاعة وصوت الخروج والرخاء ولا يبصرون { إن الذين سبقت } وجبت { لهم منا الحسنى } الجنة يعني عيسى وعزيرا { أولئك عنها } عن النار { مبعدون } منجون { لا يسمعون حسيسها } صوتها { وهم في ما اشتهت } تمنت { أنفسهم خالدون } مقيمون في الجنة { لا يحزنهم الفزع الأكبر } إذا أطبقت النار وذبح الموت بين الجنة والنار { وتتلقاهم الملائكة } على باب الجنة بالبشرى { هذا يومكم الذي كنتم توعدون } في الدنيا نزلت من قوله { إنكم وما تعبدون من دون الله } إلى هاهنا في شأن عبد الله بن الزبعري السهمي الشاعر وخصومته مع النبي صلى الله عليه وسلم لقبل الأصنام { يوم } وهو يوم القيامة { نطوي السمآء } باليمين { كطي السجل } كطي الكتاب { للكتب } الصحيفة { كما بدأنآ أول خلق } أول خلقهم من النطفة { نعيده } نبعثه من التراب { وعدا علينآ } واجبا علينا { إنا كنا فاعلين } نحييهم بعد الموت { ولقد كتبنا في الزبور } في زبور داود { من بعد الذكر } من بعد التوراة ويقال ولقد كتبنا في الزبور في كتب الأنبياء من بعد الذكر اللوح المحفوظ { أن الأرض } أرض الجنة { يرثها عبادي الصالحون } الموحدون ويقال الأرض المقدسة يرثها ينزلها عبادي الصالحون من بني إسرائيل ويقال الصالحون في آخر الزمان .

(1/344)


إن في هذا لبلاغا لقوم عابدين (106) وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين (107) قل إنما يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فهل أنتم مسلمون (108) فإن تولوا فقل آذنتكم على سواء وإن أدري أقريب أم بعيد ما توعدون (109) إنه يعلم الجهر من القول ويعلم ما تكتمون (110) وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين (111) قال رب احكم بالحق وربنا الرحمن المستعان على ما تصفون (112)

{ إن في هذا } القرآن { لبلاغا } لكفاية ويقال عظة بالأمر والنهي { لقوم عابدين } موحدين { ومآ أرسلناك } يا محمد { إلا رحمة } من العذاب { للعالمين } من الجن والإنس من آمن بك ويقال نعمة { قل } يا محمد { إنمآ يوحى إلي } في هذا القرآن { أنمآ إلهكم إله واحد } بلا ولد ولا شريك { فهل أنتم } يا أهل مكة { مسلمون } مقرون مخلصون بالعبادة والتوحيد { فإن تولوا } عن الإيمان والإخلاص { فقل } لهم يا محمد { آذنتكم } أعلمتكم فصرت أنا وأنتم { على سوآء } على بيان علانية بغير سر { وإن أدري } ما أدري { أقريب أم بعيد ما توعدون } من العذاب { إنه يعلم الجهر من القول } والفعل { ويعلم ما تكتمون } ما تسرون من القول والفعل ويعلم بعذابكم متى يكون { وإن أدري } ما أدري { لعله } يعني تأخير العذاب { فتنة } بلية { لكم ومتاع } أجل { إلى حين } حين العذاب { قال } يا محمد { رب احكم بالحق } اقض بيني وبين أهل مكة بالحق بالعدل { وربنا الرحمن المستعان } نستعين به { على ما تصفون } تقولون من الكذب .

(1/345)


يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم (1) يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد (2) ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ويتبع كل شيطان مريد (3) كتب عليه أنه من تولاه فأنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير (4) يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى ثم نخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئا وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج (5)

وبإسناده عن ابن عباس في قوله تعالى { ياأيها الناس } خاص وعام وها هنا عام { اتقوا ربكم } اخشوا ربكم وأطيعوه { إن زلزلة الساعة } قيام الساعة { شيء عظيم } هوله { يوم ترونها } حين ترونها عند النفخة الأولى { تذهل } تشتغل { كل مرضعة } والدة { عمآ أرضعت } عن ولدها { وتضع كل ذات حمل حملها } وتضع الحوامل ما في بطونها من الأولاد { وترى الناس } قياما { سكارى } نشاوى { وما هم بسكارى } بنشاوى من الشراب { ولكن عذاب الله شديد } فمن ذلك تحيروا كأنهم سكارى { ومن الناس } وهو النضر بن الحارث { من يجادل في الله } يخاصم في دين الله وكتابه { بغير علم } بلا علم ولا حجة ولا بيان { ويتبع } يطيع { كل شيطان مريد } متمرد شديد لعين { كتب عليه } قضي عليه على الشيطان { أنه من تولاه } أطاعه { فأنه يضله } عن الهدى { ويهديه } يدعوه { إلى عذاب السعير } إلى ما يجب به عذاب الوقود { ياأيها الناس } يعني أهل مكة { إن كنتم في ريب } في شك { من البعث } بعد الموت فتفكروا في بدء خلقكم فإن إحياءكم ليس بأشد علي من بدئكم { فإنا خلقناكم من تراب } من آدم وآدم من تراب { ثم } خلقناكم بعد ذلك { من نطفة ثم من علقة } من دم عبيط بعد النطفة { ثم من مضغة } من لحم طري بعد العلقة { مخلقة } خلق تمام { وغير مخلقة } وهي السقط { لنبين لكم } في القرآن بدء خلقكم { ونقر في الأرحام } من أن يسقط ويقال نترك في الأرحام { ما نشآء } من الولد { إلى أجل مسمى } إلى وقت معلوم من الشهور { ثم نخرجكم } من الأرحام { طفلا } صغارا { ثم } نترككم { لتبلغوا أشدكم } من ثمان عشرة سنة إلى ثلاثين سنة { ومنكم من يتوفى } يقبض روحه قبل البلوغ { ومنكم من يرد } يرجع { إلى أرذل العمر } إلى حاله الأول بعد الهرم { لكيلا يعلم } حتى لا يعقل { من بعد علم } من بعد علمه الأول { شيئا وترى الأرض هامدة } منكسرة ميتة { فإذآ أنزلنا عليها المآء اهتزت } بالنبات ويقال تحركت واستبشرت بالماء { وربت } انتفخت للنبات { وأنبتت } أخرجت بالماء { من كل زوج بهيج } من كل لون حسن .

(1/346)


ذلك بأن الله هو الحق وأنه يحيي الموتى وأنه على كل شيء قدير (6) وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور (7) ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير (8) ثاني عطفه ليضل عن سبيل الله له في الدنيا خزي ونذيقه يوم القيامة عذاب الحريق (9) ذلك بما قدمت يداك وأن الله ليس بظلام للعبيد (10) ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين (11) يدعو من دون الله ما لا يضره وما لا ينفعه ذلك هو الضلال البعيد (12) يدعو لمن ضره أقرب من نفعه لبئس المولى ولبئس العشير (13) إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار إن الله يفعل ما يريد (14)

{ ذلك } القدرة في تحويلكم وغير ذلك لتقروا وتعلموا { بأن الله هو الحق } بأن عبادة الله هي الحق { وأنه يحيي الموتى } للنشور { وأنه على كل شيء } من الحياة والموت { قدير وأن الساعة آتية } كائنة { لا ريب فيها } لا شك في كينونتها { وأن الله يبعث من في القبور } للجزاء والعقاب { ومن الناس من يجادل في الله } يخاصم في دين الله وكتابه { بغير علم } بلا علم { ولا هدى } بلا حجة { ولا كتاب منير } مبين بما يقول { ثاني عطفه } لاويا عنقه معرضا عن الآيات مكذبا بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن { ليضل عن سبيل الله } عن دين الله وطاعته { له في الدنيا خزي } عذاب قتل يوم بدر صبرا { ونذيقه يوم القيامة عذاب الحريق } عذاب النار ويقال العذاب الشديد { ذلك } القتل يوم بدر صبرا { بما قدمت يداك } بما عملت يداك في الشرك نزل من قوله { ومن الناس من يجادل في الله } إلى ها هنا في شأن النضر بن الحارث { وأن الله ليس بظلام للعبيد } أن يأخذهم بلا جرم { ومن الناس من يعبد الله على حرف } على وجه تجربة وشك وانتظار نعمة نزلت هذه الآية في شأن بني الحلاف منافقي بني أسد وغطفان { فإن أصابه خير } نعمة { اطمأن به } رضي بدين محمد صلى الله عليه وسلم بلسانه { وإن أصابته فتنة } شدة { انقلب على وجهه } رجع إلى دينه الأول الشرك بالله { خسر الدنيا } غبن الدنيا بذهابها { والآخرة } بذهاب الجنة { ذلك } الغبن { هو الخسران المبين } الغبن البين بذهاب الدنيا والآخرة { يدعو } يعبد بنو الحلاف { من دون الله ما لا يضره } إن لم يعبده { وما لا ينفعه } إن عبده { ذلك هو الضلال } الخطأ { البعيد } عن الحق والهدى { يدعو } يعبد بنو الحلاف { لمن ضره أقرب من نفعه } يقول من ضره قريب ونفعه بعيد { لبئس المولى } الرب { ولبئس العشير } الخليل والصاحب يقول من كانت عبادته مضرة على عابده لبئس المعبود هو { إن الله يدخل الذين آمنوا } بمحمد عليه الصلاة والسلام والقرآن { وعملوا الصالحات } الطاعات فيما بينهم وبين ربهم { جنات } بساتين { تجري من تحتها } من تحت أشجارها ومساكنها { الأنهار } أنهار الخمر والماء والعسل واللبن { إن الله يفعل ما يريد } من الشقاوة والسعادة ونزل فيهم أيضا حين قالوا نخاف أن لا ينصر محمد في الدنيا فيذهب ما كان بيننا وبين اليهود من المودة .

(1/347)


من كان يظن أن لن ينصره الله في الدنيا والآخرة فليمدد بسبب إلى السماء ثم ليقطع فلينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ (15) وكذلك أنزلناه آيات بينات وأن الله يهدي من يريد (16) إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة إن الله على كل شيء شهيد (17) ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب ومن يهن الله فما له من مكرم إن الله يفعل ما يشاء (18) هذان خصمان اختصموا في ربهم فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار يصب من فوق رءوسهم الحميم (19) يصهر به ما في بطونهم والجلود (20)

{ من كان يظن } يحسب { أن لن ينصره الله } يعني محمدا صلى الله عليه وسلم بالغلبة { في الدنيا والآخرة } بالعذر والحجة { فليمدد } فليربط { بسبب } بحبل { إلى السمآء } إلى سماء بيته { ثم ليقطع } ليختنق { فلينظر } فليتفكر في نفسه { هل يذهبن كيده } اختناقه { ما يغيظ } غيظه في محمد صلى الله عليه وسلم ويقال فيه وجه آخر من كان يظن أن لن ينصره الله في الدنيا بالرزق والآخرة بالثواب فليمدد بسبب إلى السماء فليربط حبلا إلى سقف بيته ثم ليقطع فلينظر في نفسه هل يذهبن كيده اختناقه ما يغيظه غيظة في رزقه { وكذلك } هكذا { أنزلناه آيات } أنزلنا جبريل بآيات { بينات } بالحلال والحرام { وأن الله يهدي } يرشد إلى دينه { من يريد } من كان أهلا لذلك { إن الذين آمنوا } بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن { والذين هادوا } يهود أهل المدينة { والصابئين } السائحين وهم شعبة من النصارى { والنصارى } يعني نصارى أهل نجران السيد والعاقب { والمجوس } عبدة الشمس والنيران { والذين أشركوا } مشركي العرب { إن الله يفصل } يقضي { بينهم يوم القيامة إن الله على كل شيء } من اختلافهم وأعمالهم { شهيد } عالم { ألم تر } ألم تخبر يا محمد في القرآن { أن الله يسجد له من في السماوات } من الخلق { ومن في الأرض } من المؤمنين { والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدوآب } كل هؤلاء يسجدون لله { وكثير من الناس } وجبت لهم الجنة وهم المؤمنون { وكثير حق عليه العذاب } وجب عليهم عذاب النار وهم الكافرون { ومن يهن الله } بالشقاوة { فما له من مكرم } بالسعادة ويقال { ومن يهن الله } بالنكرة { فما له من مكرم } بالمعرفة { إن الله يفعل ما يشآء } بخلقه من الشقاوة والسعادة والمعرفة والنكرة { هذان خصمان } أهل دينين من المسلمين واليهود والنصارى { اختصموا في ربهم } في دين ربهم فقال كل واحد منهم أنا أولى بالله بدينه فحكم الله بينهم فقال { فالذين كفروا } بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن يعني اليهود والنصارى { قطعت لهم ثياب من نار } قمص وجباب من نار { يصب من فوق رءوسهم } على رؤوسهم { الحميم } الماء الحار .
{ يصهر به } يذاب بالحميم { ما في بطونهم } من الشحوم وغيرها { والجلود } ويذاب به الجلود وغيرها .

(1/348)


ولهم مقامع من حديد (21) كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها وذوقوا عذاب الحريق (22) إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير (23) وهدوا إلى الطيب من القول وهدوا إلى صراط الحميد (24) إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس سواء العاكف فيه والباد ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم (25) وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت أن لا تشرك بي شيئا وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود (26) وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق (27) ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير (28)

{ ولهم مقامع من حديد } حار يضرب على رؤوسهم { كلمآ أرادوا أن يخرجوا منها } من النار { من غم } من غم العذاب { أعيدوا فيها } في النار بضرب المقامع { وذوقوا } فيقال لهم ذوقوا { عذاب الحريق } الشديد { إن الله يدخل الذين آمنوا } بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن { وعملوا الصالحات } الطاعات فيما بينهم وبين ربهم { جنات } بساتين { تجري من تحتها } من تحت شجرها ومساكنها { الأنهار } أنهار الخمر والماء والعسل واللبن { يحلون فيها } يلبسون في الجنة { من أساور من ذهب } أسورة من ذهب { ولؤلؤا ولباسهم فيها } في الجنة { حرير } لا يوصف فضله { وهدوا إلى الطيب من القول } أرشدوا في الدنيا إلى القول الطيب لا إله إلا الله { وهدوا إلى صراط الحميد } ووفقوا للدين المحمود في فعاله ويقال الحميد لمن وحده فهذا قضاء الله فيما بين اليهود والنصارى والمؤمنين في خصومتهم { إن الذين كفروا } بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن أبو سفيان وأصحابه وإنما سماه كافرا لأنه لم يكن مؤمنا يومئذ { ويصدون عن سبيل الله } يصرفون الناس عن دين الله وطاعته { والمسجد الحرام } يصرفون محمدا عليه الصلاة والسلام وأصحابه عام الحديبية عن المسجد الحرام للعمرة { الذي جعلناه } حرما وقبلة { للناس سوآء العاكف فيه والباد } يعني المقيم والغريب سواء شرع { ومن يرد } يمل { فيه بإلحاد بظلم } على أحد { نذقه من عذاب أليم } وجيع نضربه ضربا شديدا لكي لا يعود إلى ظلم أحد ويقال نزلت في شأن عبد الله بن أنس بن حنظل قتل أنصاريا بالمدينة متعمدا وارتد عن الإسلام والتجأ إلى مكة وتزل فيه ومن يرد فيه من يلجأ إليه بالحاد بقتل بظلم بشرك نذقه من عذاب أليم وجيع لا يطعم ولا يسقى ولا يؤوى حتى يخرج من الحرم ثم يقام عليه الحد { وإذ بوأنا لإبراهيم } بينا لإبراهيم { مكان البيت } الحرام بسحابة وقفت على حياله فبنى إبراهيم البيت على حيال السحابة وأوحينا إليه { أن لا تشرك بي شيئا } من الأصنام { وطهر بيتي } مسجدي من الأوثان { للطآئفين } حوله { والقآئمين } المقيمين فيه { والركع السجود } لأهل الصلوات من جملة البلدان من كل وجه { وأذن في الناس } ناد ذريتك { بالحج يأتوك } حتى يجيئوا إليك { رجالا } مشاة على أرجلهم { وعلى كل ضامر } ركبانا على كل إبل مضمر وغيره { يأتين } يجئن { من كل فج عميق } طريق وأرض بعيد { ليشهدوا منافع لهم } منافع الدنيا والآخرة منافع الآخرة بالدعاء والعبادة ومنافع الدنيا بالربح والتجارة { ويذكروا اسم الله } ليذكروا اسم الله { في أيام معلومات } معروفات أيام التشريق { على ما رزقهم من بهيمة الأنعام } على ذبيحة الأنعام { فكلوا منها } من الأضاحي { وأطعموا } أعطوا { البآئس الفقير } الضرير الزمن المحتاج .

(1/349)


ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق (29) ذلك ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه وأحلت لكم الأنعام إلا ما يتلى عليكم فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور (30) حنفاء لله غير مشركين به ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق (31) ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب (32) لكم فيها منافع إلى أجل مسمى ثم محلها إلى البيت العتيق (33) ولكل أمة جعلنا منسكا ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فإلهكم إله واحد فله أسلموا وبشر المخبتين (34) الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم والصابرين على ما أصابهم والمقيمي الصلاة ومما رزقناهم ينفقون (35) والبدن جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها خير فاذكروا اسم الله عليها صواف فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر كذلك سخرناها لكم لعلكم تشكرون (36)

{ ثم ليقضوا تفثهم } ليتموا مناسك حجهم حلق الرأس ورمي الجمار وتقليم الأظفار وغير ذلك { وليوفوا نذورهم } وليتموا ما أوجبوا على أنفسهم { وليطوفوا } الطواف الواجب { بالبيت العتيق } أعتق من كل جبار دخل فيه ويقال من غرق الطوفان زمن نوح ويقال هو أول بيت بني ويقال من طاف حوله فقد عتق { ذلك } الذي ذكرت من المناسك عليهم أن يوفوا ذلك { ومن يعظم حرمات الله } مناسك الحج { فهو خير له عند ربه } بالثواب { وأحلت لكم } رخصت لكم { الأنعام } ذبيحة الأنعام وأكل لحومها { إلا ما يتلى } إلا ما حرم { عليكم } في سورة المائدة مثل الميتة والدم ولحم الخنزير { فاجتنبوا الرجس من الأوثان } فاتركوا شرب الخمر وعبادة الأوثان { واجتنبوا قول الزور } اتركوا قول الباطل والكذب لأنهم كانا يقولون في تلبيتهم في الجاهلية لبيك اللهم لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك فنهاهم الله عن ذلك { حنفآء لله } كونوا مسلمين مخلصين بالتلبية والحج { غير مشركين به } بالله في التلبية والحج { ومن يشرك بالله فكأنما خر } وقع { من السمآء فتخطفه } فتأخذه { الطير } وتذهب به حيث يشاء { أو تهوي } تذهب { به الريح في مكان سحيق } بعيد { ذلك } التباعد لمن اشرك بالله { ومن يعظم شعائر الله } مناسك الحج فيذبح أسمنها وأعظمها { فإنها } يعني ذبيحة أسمنها وأعظمها { من تقوى القلوب } من صفاوة القلوب وإخلاص الرجل { لكم فيها } في الأنعام { منافع } في ركوبها وألبانها { إلى أجل مسمى } إلى حين تقلد وتسمى هديا { ثم محلهآ } منحرها { إلى البيت العتيق } إن كانت للعمرة وإن كانت للحج فإلى منى { ولكل أمة } من المؤمنين { جعلنا منسكا } مذبحا لهم لحجهم وعمرتهم { ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام } على ذبيحة الأنعام { فإلهكم إله واحد } بلا ولد ولا شريك { فله أسلموا } أخلصوا بالعبادة والتوحيد { وبشر المخبتين } المجتهدين المخلصين بالجنة { الذين إذا ذكر الله } أمروا بأمر من قبل الله { وجلت قلوبهم } خافت قلوبهم { والصابرين } وبشر الصابرين أيضا بالجنة { على مآ أصابهم } من المرازي والمصائب { والمقيمي الصلاة } وبشر المقيمين للصلوات الخمس بوضوئها وركوعها وسجودها وما يجب فيها من مواقيتها بالجنة أيضا { ومما رزقناهم } من الأموال { ينفقون } يتصدقون ويؤدون زكاتها { والبدن } يعني البقر والإبل { جعلناها لكم } سخرناها لكم { من شعائر الله } من مناسك الحج لكي تذبحوا { لكم فيها } في الأضاحي { خير } ثواب { فاذكروا اسم الله عليها } على ذبحها { صوآف } خوالص من العيوب ويقال معقولة يدها اليسرى قائمة على ثلاث قوائم وقرئت برفع النون { فإذا وجبت جنوبها } فإذا خرجت لجنبها بعد الذبح { فكلوا منها } من الأضاحي { وأطعموا } أعطوا { القانع } السائل الذي يقنع باليسير { والمعتر } الذي يعترضك ولا يسألك { كذلك } الذي ذكرت لكم { سخرناها } ذللناها { لكم لعلكم تشكرون } لكي تشكروا نعمته ورخصته .

(1/350)


لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم كذلك سخرها لكم لتكبروا الله على ما هداكم وبشر المحسنين (37) إن الله يدافع عن الذين آمنوا إن الله لا يحب كل خوان كفور (38) أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير (39) الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز (40) الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور (41)

{ لن ينال الله } لن يصل إلى الله { لحومها ولا دمآؤها } وكانوا في الجاهلية يضربون لحم الأضاحي على حائط البيت ويتلطخون بدمها فنهاهم الله عن ذلك ويقال لا يقبل الله لحومها ولا دماءها { ولكن يناله التقوى منكم } ولكن يقبل الأعمال الزاكية الطاهرة منكم { كذلك } هكذا { سخرها } ذللها { لكم لتكبروا الله } لتعظموا الله { على ما هداكم } كما هداكم لدينه وسنته { وبشر المحسنين } بالقول والفعل بالجنة ويقال المحسنين بالذبائح { إن الله يدافع عن الذين آمنوا } بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن كفار مكة { إن الله لا يحب كل خوان } خائن { كفور } كافر بالله { أذن للذين يقاتلون } أذن للمؤمنين بالقتال مع كفار مكة { بأنهم ظلموا } ظلمهم كفار مكة { وإن الله على نصرهم } على نصر المؤمنين على عدوهم { لقدير الذين أخرجوا من ديارهم } أخرجهم كفار مكة من منازلهم { بغير حق } بلا حق ولا جرم { إلا أن يقولوا ربنا الله } إلا لقولهم لا إله إلا الله محمد رسول الله { ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض } فدفع بالنبيين عن المؤمنين وبالمؤمنين عن الكافرين وبالمجاهدين عن القاعدين بغير عذر ولولا ذلك { لهدمت صوامع } صوامع الرهبان { وبيع } كنائس اليهود { وصلوات } بيت نار المجوس لأن كل هؤلاء في مأمن المسلمين { ومساجد } للمسلمين { يذكر فيها } في المساجد { اسم الله } بالتكبير والتهليل { كثيرا ولينصرن الله } على عدوه { من ينصره } من ينصر نبيه بالجهاد { إن الله لقوي } بنصرة نبيه ونصرة من ينصر نبيه { عزيز } بالنقمة من أعداء نبيه { الذين إن مكناهم في الأرض } أنزلناهم في أرض مكة { أقاموا الصلاة } أتموا الصلوات الخمس { وآتوا الزكاة } أعطوا زكاة أموالهم { وأمروا بالمعروف } بالتوحيد واتباع محمد صلى الله عليه وسلم { ونهوا عن المنكر } عن الكفر والشرك ومخالفة الرسول { ولله عاقبة الأمور } وإلى الله ترجع عواقب الأمور في الآخرة .

(1/351)


وإن يكذبوك فقد كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وثمود (42) وقوم إبراهيم وقوم لوط (43) وأصحاب مدين وكذب موسى فأمليت للكافرين ثم أخذتهم فكيف كان نكير (44) فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة فهي خاوية على عروشها وبئر معطلة وقصر مشيد (45) أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور (46) ويستعجلونك بالعذاب ولن يخلف الله وعده وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون (47) وكأين من قرية أمليت لها وهي ظالمة ثم أخذتها وإلي المصير (48) قل يا أيها الناس إنما أنا لكم نذير مبين (49) فالذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة ورزق كريم (50) والذين سعوا في آياتنا معاجزين أولئك أصحاب الجحيم (51) وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم (52)

{ وإن يكذبوك } يا محمد قريش { فقد كذبت قبلهم } قبل قومك { قوم نوح } نوحا { وعاد } قوم هود هودا { وثمود } قوم صالح صالحا { وقوم إبراهيم } إبراهيم { وقوم لوط } لوطا { وأصحاب مدين } قوم شعيب شعيبا { وكذب موسى } كذبه قومه القبط { فأمليت للكافرين } فأمهلت للكافرين في كفرهم إلى الأجل { ثم أخذتهم } بالعقوبة { فكيف كان نكير } انظر يا محمد كيف كان تغييري عليهم بالعقوبة { فكأين من قرية } كم من أهل قرية { أهلكناها } بالعذاب { وهي ظالمة } مشركة كافرة أهلها { فهي خاوية } ساقطة { على عروشها } على سقوفها { وبئر معطلة } وكم من بئر معطلة عطلها أربابها ليس عليها أحد { وقصر مشيد } حصين طويل ليس فيه ساكن إن قرئت بنصب الميم ويقال مجصص إن قرئت بضم الميم وتشديد الياء { أفلم يسيروا في الأرض } أفلم يسافر أهل مكة في تجاراتهم { فتكون } فتصير { لهم قلوب يعقلون بهآ } التخويف وما صنع بغيرهم إذا نظروا وتفكروا فيها { أو آذان يسمعون بها } الحق والتخويف { فإنها } يعني النظرة بغير عبرة ويقال كلمة الشرك { لا تعمى الأبصار } من النظر { ولكن تعمى القلوب التي في الصدور } من الحق والهدى { ويستعجلونك } يا محمد { بالعذاب } استعجله النضر بن الحارث قبل أجله { ولن يخلف الله وعده } بالعذاب { وإن يوما } من الذي وعد فيه عذابهم { عند ربك كألف سنة مما تعدون } من سني الدنيا { وكأين من قرية } وكم من أهل قرية { أمليت لها } أمهلتها إلى أجل { وهي ظالمة } مشركة كافرة أهلها { ثم أخذتها } عاقبتها في الدنيا { وإلي المصير } المرجع في الآخرة .
{ قل ياأيها الناس } يا أهل مكة { إنمآ أنا لكم } من الله { نذير } رسول مخوف { مبين } بلغة تعلمونها { فالذين آمنوا } بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن { وعملوا الصالحات } الخيرات فيما بينهم وبين ربهم { لهم مغفرة } لذنوبهم في الدنيا { ورزق كريم } ثواب حسن في الجنة { والذين سعوا في آياتنا } كذبوا بآياتنا بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن { معاجزين } ليسوا بفائتين من عذابنا { أولئك أصحاب الجحيم } أهل النار { ومآ أرسلنا من قبلك } يا محمد { من رسول } مرسل { ولا نبي } محدث ليس بمرسل { إلا إذا تمنى } قرأ الرسول أو حدث النبي { ألقى الشيطان في أمنيته } في قراءة الرسول وحديث النبي { فينسخ الله } يبين الله { ما يلقي الشيطان } على لسان نبيه لكي لا يعمل به { ثم يحكم الله } يبين { آياته } لنبيه لكي يعمل بها { والله عليم } بما يلقي الشيطان على لسان نبيه { حكيم } حكم بنسخه .

(1/352)


ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم وإن الظالمين لفي شقاق بعيد (53) وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم وإن الله لهاد الذين آمنوا إلى صراط مستقيم (54) ولا يزال الذين كفروا في مرية منه حتى تأتيهم الساعة بغتة أو يأتيهم عذاب يوم عقيم (55) الملك يومئذ لله يحكم بينهم فالذين آمنوا وعملوا الصالحات في جنات النعيم (56) والذين كفروا وكذبوا بآياتنا فأولئك لهم عذاب مهين (57) والذين هاجروا في سبيل الله ثم قتلوا أو ماتوا ليرزقنهم الله رزقا حسنا وإن الله لهو خير الرازقين (58) ليدخلنهم مدخلا يرضونه وإن الله لعليم حليم (59) ذلك ومن عاقب بمثل ما عوقب به ثم بغي عليه لينصرنه الله إن الله لعفو غفور (60)

{ ليجعل ما يلقي الشيطان } على لسان نبيه { فتنة } بلية { للذين في قلوبهم مرض } شك وخلاف لكي يعملوا به { والقاسية قلوبهم } من ذكر الله { وإن الظالمين } المشركين الوليد بن المغيرة وأصحابه { لفي شقاق } خلاف ومعاداة { بعيد } عن الحق والهدى { وليعلم } ولكي يعلم تبيان الله { الذين أوتوا العلم } أعطوا العلم بالقرآن والتوراة عبد الله بن سلام وأصحابه { أنه } يعني تبيان الحق هو { الحق من ربك فيؤمنوا به } فيصدقوا بتبيان الله { فتخبت له } فتخلص له وتقبله يعني تبيان الله { قلوبهم وإن الله لهاد } حافظ { الذين آمنوا } بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن { إلى صراط مستقيم } إلى دين قائم يرضاه وهو الإسلام { ولا يزال الذين كفروا } بمحمد عليه الصلاة والسلام والقرآن الوليد بن المغيرة وأصحابه { في مرية منه } في شك من القرآن ولكن انظرهم يا محمد { حتى تأتيهم الساعة } قيام الساعة { بغتة } فجأة { أو يأتيهم عذاب يوم عقيم } لا فرج فيه وهو يوم بدر { الملك } القضاء { يومئذ } يوم القيامة { لله يحكم بينهم } يقضي بين المؤمنين والكافرين { فالذين آمنوا } بمحمد عليه الصلاة والسلام والقرآن { وعملوا الصالحات } الطاعات فيما بينهم وبين ربهم { في جنات النعيم } يكرمون بالتحف { والذين كفروا وكذبوا بآياتنا } بكتابنا ورسولنا { فأولئك لهم عذاب مهين } يهانون به ويقال شديد { والذين هاجروا في سبيل الله } في طاعة الله من مكة إلى المدينة { ثم قتلوا } قتلهم العدو في سبيل الله { أو ماتوا } في سفر أو حضر { ليرزقنهم الله رزقا حسنا } ثوابا حسنا في الجنة لأمواتهم وغنائم حلالا طيبا لأحيائهم { وإن الله لهو خير الرازقين } أفضل المطعمين في الدنيا والآخرة { ليدخلنهم مدخلا يرضونه } لأنفسهم ويقال يقبلونه يعني الجنة { وإن الله لعليم } بثوابهم وكرامتهم { حليم } بتأخير عقوبة من قتلهم { ذلك } هذا قضاء الله فيما بين المؤمنين والكافرين في الآخرة { ومن عاقب } قاتل وليه { بمثل ما عوقب به } بوليه { ثم بغي عليه } ثم تطاول عليه بظلم { لينصرنه الله } يعني المظلوم على الظالم فيقتله ولا يأخذ منه الدية وهو رجل قتل وليه فأخذ من قاتل وليه الدية ثم بغى عليه فقتله أيضا فيقتل ولا يأخذ منه الدية { إن الله لعفو } متجاوز لمن تاب { غفور } لمن مات على التوبة .

(1/353)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية