صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : تفسير مقاتل
المؤلف : مقاتل
مصدر الكتاب : موقع التفاسير
http://www.altafsir.com
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

وقال الذين كفروا للذين آمنوا اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم وما هم بحاملين من خطاياهم من شيء إنهم لكاذبون (12) وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم وليسألن يوم القيامة عما كانوا يفترون (13) ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما فأخذهم الطوفان وهم ظالمون (14) فأنجيناه وأصحاب السفينة وجعلناها آية للعالمين (15)

{ وقال الذين كفروا } يعنى أبا سفيان { للذين آمنوا } نزلت فى عمر بن الخطاب ، وعثمان بن عفان ، وخباب بن الأرت ، رضى الله عنهم ، ختن عمر بن الخطاب ، رضى الله عنه ، على أخته أم جميل { اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم } ، وذلك أن أبا سفيان بن حرب بن أمية ، قال لهؤلاء النفر : اتبعوا ملة آبائنا ، ونحن الكفلاء بكل تبعة من الله تصيبكم ، وأهل مكة علينا شهداء ، فذلك قوله تعالى : { ولنحمل خطاياكم } ، يقول الله عز وجل : { وما هم بحاملين من خطاياهم من شيء إنهم لكاذبون } [ آية : 12 ] فيما يقولون .
{ وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم } ، يعنى وليحملن أوزارهم التى عملوا ، وأوزارا مع أوزارهم ، ح لقولهم للمؤمنين : اتبعوا سبيلنا { مع } ، يعنى إلى أوزارهم التى عملوا لأنفسهم ، { وليسألن يوم القيامة عما كانوا يفترون } [ آية : 13 ] ، من الكذب؛ لقولهم : نحن الكفلاء بكل تبعة تصيبكم من الله عز وجل .
{ ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما } ، يدعوهم إلى الإيمان بالله عز وجل ، فكذبوه ، { فأخذهم الطوفان وهم ظالمون } [ آية : 14 ] ، يعنى الماء طغى على كل شىء ، فأغرقوا .
{ فأنجيناه } ، يعنى نوحا ، عليه السلام ، { وأصحاب السفينة } من الغرق ، { وجعلناهآ } ، يعنى السفينة { آية للعالمين } [ آية : 15 ] ، يعنى لمن بعدهم من الناس .

(3/31)


وإبراهيم إذ قال لقومه اعبدوا الله واتقوه ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون (16) إنما تعبدون من دون الله أوثانا وتخلقون إفكا إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقا فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه واشكروا له إليه ترجعون (17) وإن تكذبوا فقد كذب أمم من قبلكم وما على الرسول إلا البلاغ المبين (18) أولم يروا كيف يبدئ الله الخلق ثم يعيده إن ذلك على الله يسير (19) قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ النشأة الآخرة إن الله على كل شيء قدير (20) يعذب من يشاء ويرحم من يشاء وإليه تقلبون (21) وما أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السماء وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير (22)

{ وإبراهيم إذ قال لقومه اعبدوا الله } ، يعنى وحدوا الله ، { واتقوه } ، يعنى واخشوه ، { ذلكم } ، يعنى عبادة الله ، { خير لكم } من عبادة الأوثان ، { إن كنتم تعلمون } [ آية : 16 ] ، ولكنكم لا تعلمون .
{ إنما تعبدون من دون الله أوثانا } ، يعنى أصناما ، { وتخلقون إفكا } ، يعنى تعملونها بأيديكم ، ثم تزعمون أنها آلهة كذبا وأنتم تنحتونها ، فذلك قوله عز وجل : { والله خلقكم وما تعملون } [ الصافات : 96 ] بأيديكم من الأصنام ، فقال سبحانه : { إن الذين تعبدون من دون الله } من الآلهة ، { لا يملكون } ن يقول : لا يقدرون { لكم رزقا } ، على رزق ، { فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه } ، يعنى وحدوه ، { واشكروا له } ، واشكروا الله فى النعم ، فإن مصيركم إليه ، فذلك قوله تعالى : { إليه ترجعون } [ آية : 17 ] ، أحياء بعد الموت .
{ وإن تكذبوا } ، يعنى كفار مكة يكذبوا محمدا صلى الله عليه وسلم بالعذاب وبالبعث ، { فقد كذب أمم من قبلكم } ، يعنى من قبل كفار مكة كذبوا رسلهم بالعذاب ، { وما على الرسول إلا البلاغ المبين } [ آية : 18 ] ، يقول : وما على النبى صلى الله عليه وسلم إلا ان يبين لكم أمر العذاب .
{ أولم يروا كيف يبديء الله الخلق ثم يعيده } ، كما خلقهم ، يقول : أولم يعلم كفار مكة كيف بدأ الله عز وجل خلق الإنسان من نطفة ، ثم من علقة ، ثم من مضغة ثم عظاما ، ثم لحما ، ولم يكونوا شيئا ، ثم هلكوا ، ثم يعيدهم فى الآخرة { إن ذلك على الله يسير } [ آية : 19 ] ، يقول : إعادتهم فى الآخرة على الله عز وجل هين .
ثم قال للنبى صلى الله عليه وسلم : { قل } لهم : { سيروا في الأرض } ؛ ليعتبروا فى أمر البعث { فانظروا كيف بدأ الخلق } ، يعنى خلق السموات والأرض وما فيها من الخلق؛ لأننهم يعلمون أن الله عز وجل خلق الأشياء كلها ، { ثم } إن { الله ينشىء النشأة الآخرة } ، يعنى بعيد الخلق الأول ، يقول : هكذا يخلق الخلق الآخر ، يعنى البعث بعد الموت كما بدأ الخلق الأول ، إنما ذكر انشأة الآخرة؛ لأنها بعد الخلق الأول ، { إن الله على كل شيء } من البعث وغيره ، { قدير } [ آية : 20 ] .
{ يعذب من يشآء ويرحم من يشآء وإليه تقلبون } [ آية : 21 ] ، يعنى وإليه ترجعون بعد الموت يوم القيامة فيجزيكم بأعمالكم ، { ومآ أنتم بمعجزين } ، يعنى كفار مكة بمعجزين ، يعنى بسابقين الله عز وجل فتفوتوه ، { في الأرض } كنتم ، { ولا في السمآء } ، كنتم أينما كنتم حتى يجزيكم بأعمالكم السيئة ، { وما لكم من دون الله من ولي } ، يعنى من قريب لينفعكم ، { ولا نصير } [ آية : 22 ] ، يعنى ولا مانع يمنعكم من الله عز وجل .

(3/32)


والذين كفروا بآيات الله ولقائه أولئك يئسوا من رحمتي وأولئك لهم عذاب أليم (23) فما كان جواب قومه إلا أن قالوا اقتلوه أو حرقوه فأنجاه الله من النار إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون (24) وقال إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بينكم في الحياة الدنيا ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا ومأواكم النار وما لكم من ناصرين (25) فآمن له لوط وقال إني مهاجر إلى ربي إنه هو العزيز الحكيم (26)

{ والذين كفروا بآيات الله } ، يعنى بالقرآن ، { ولقآئه } ، وكفروا بالبعث ، { أولئك يئسوا من رحمتي } ، يعنى من جنتى ، { وأولئك لهم عذاب أليم } [ آية : 23 ] ، يعنى وجيعا .
ثم ذكر إبراهيم ، عليه السلام ، فى التقديم ، قال : { فما كان جواب قومه } ، يعنى قوم إبراهيم ، عليه السلام ، حين دعاهم إلى الله عز وجل ونهاهم عن عبادة الأصنام ، { إلا أن قالوا اقتلوه أو حرقوه } بالنار ، فقذفوه فى النار ، { فأنجاه الله من النار إن في ذلك لآيات } ، يعنى عز وجل إن فى النار التى لم تحرق إبراهيم ، عليه السلام ، لعبرة { لقوم يؤمنون } [ آية : 24 ] ، يعنى يصدقون بتوحيد الله عز وجل .
{ وقال } لهم إبراهيم ، عليه السلام ، { إنما اتخذتم } الأوثان آلهة ، { من دون الله } عز وجل ، { أوثانا مودة بينكم في الحياة الدنيا } ، يعنى بين الأتباع والقادة مودة على عبادة الأصنام ، { ثم } إذا كان { يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض } ، يقول : تتبرأ القادة من الأتباع ، { ويلعن بعضكم بعضا } ، يقول : ويلعن الأتباع القادة من الأمم الخالية وهذه الأمة ، ثم قال لهم إبراهيم ، عليه السلام : { ومأواكم النار } ، يعنى مصيركم إلى النار ، { وما لكم من ناصرين } [ آية : 25 ] ، يعنى مانعين من العذاب يمنعونكم منه .
{ فآمن له لوط } ، يعنى فصدق بإبراهيم لوط ، عليهما السلام ، وهو أول من صدق بإبراهيم حين رأى إبراهيم لم تضره النار ، { وقال } إبراهيم ، عليه السلام : { إني مهاجر إلى ربي } ، يعنى هجر قومه المشركين من أرض كوثا هو ولوط ، وسارة أخت لوط ، عليهم السلام ، إلى الأرض المقدسة ، { إلى ربي } ، يعنى إلى رضا ربى ، وقال فى الصافات : { إنى ذاهب إلى ربي } ، يعنى إلى رضا ربى ، { سيهدين } [ الصافات : 99 ] ، فهاجر وهو ابن خمس وسبعين سنة ، { إنه هو العزيز الحكيم } [ آية : 26 ] .

(3/33)


ووهبنا له إسحاق ويعقوب وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب وآتيناه أجره في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين (27) ولوطا إذ قال لقومه إنكم لتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين (28) أئنكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل وتأتون في ناديكم المنكر فما كان جواب قومه إلا أن قالوا ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين (29) قال رب انصرني على القوم المفسدين (30) ولما جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا إنا مهلكو أهل هذه القرية إن أهلها كانوا ظالمين (31) قال إن فيها لوطا قالوا نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين (32)

{ ووهبنا له } ، يعنى لإبراهيم ، { إسحاق ويعقوب } ابن إسحاق بالأرض المقدسة ، { وجعلنا في ذريته } ، يعنى ذرية إبراهيم ، { النبوة } ، يعنى إسماعيل ، وإسحاق ، ويعقوب ، عليهم السلام ، { والكتاب } ، يعنى صحف إبراهيم ، { وآتيناه أجره } ، يعنى أعطيناه جزاءه ، { في الدنيا } ، يعنى الثناء الحسن والمقالة الحسنة من أهل اأديان كلها؛ لمضيه على رضوان الله حين ألقى فى النار ، وكسر الأصنام ، ومضيه على ذبح ابنه ، فجميع أهل الأديان يقولون : إبراهيم منا لا يتبرأ منه أحد ، { وإنه } ، يعنى إبراهيم { في الآخرة لمن الصالحين } [ آية : 27 ] ، نظيرها فى النحل .
{ ولوطا إذ قال لقومه إنكم لتأتون الفاحشة } ، يعنى المعصية ، يعنى إتيان الرجال فى أدبارهم ليلا { ما سبقكم بها من أحد من العالمين } [ آية : 28 ] ، فيما مضى قبلكم ، وكانوا لا يأتون إلا الغرباء .
ثم قال عز وجل : { أئنكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل } ، يعنى المسافر ، وذلك أنهم إذا جلسوا فى ناديهم ، يعنى فى مجالسهم رموا ابن السبيل بالحجارة والخذف فيقطعون سبيل المسافر ، فذلك قوله عز وجل : { وتأتون في ناديكم المنكر } ، يعنى فى مجالسكم المنكر ، يعنى الحذف بالحجارة { فما كان جواب قومه } ، أى قوم لوط ، عليه السلام ، حين نهاهم عن الفاحشة والمنكر ، { إلا أن قالوا } للوط ، عليه السلام : { ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين } [ آية : 29 ] ، يعنى بأن العذاب نازل بهم فى الدنيا .
فدعا لوط ربه عز وجل ف { قال رب انصرني على القوم المفسدين } [ آية : 30 ] ، يعنى العاصين ، يعنى بالفساد إتيان الرجال فى أدبارهم ، يقول : رب انصرنى بتحقيق قولى فى العذاب عليهم بما كذبون ، يعنى بتكذيبهم إياى حين قالوا : إن العذاب ليس بنازل بهم فى الدنيا ، فأهلكهم الله عز وجل بالخسف والحصب ، وكان لوط ، عليه السلام ، قد أنذرهم العذاب ، فذلك قوله : { ولقد أنذرهم بطشتنا } [ القمر : 36 ] ، يعنى عذابنا .
{ ولما جآءت رسلنآ } ، يعنى الملائكة { إبراهيم بالبشرى } بالولد ، { قالوا } لإبراهيم : { إنا مهلكوا أهل هذه القرية } ، يعنون قرية لوط ، { إن أهلها كانوا ظالمين } [ آية : 31 ] .
{ قال إن فيها لوطا قالوا نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله } ، يعنى لوطا ، ثم استثنى ، فقال : { إلا امرأته كانت من الغابرين } [ آية : 32 ] ، يعنى الباقين فى العذاب .

(3/34)


ولما أن جاءت رسلنا لوطا سيء بهم وضاق بهم ذرعا وقالوا لا تخف ولا تحزن إنا منجوك وأهلك إلا امرأتك كانت من الغابرين (33) إنا منزلون على أهل هذه القرية رجزا من السماء بما كانوا يفسقون (34) ولقد تركنا منها آية بينة لقوم يعقلون (35)

{ ولمآ أن جآءت رسلنا } الملائكة ، { لوطا } ، وحسب أنهم من الإنس ، { سيء بهم } ، يعنى كرههم لوط لصنيع قومه بالرجال ، { وضاق بهم ذرعا } ، يعنى بضيافة الملائكة ذرعا ، يعنى مخافة عليهم أن يفضحوهم ، { وقالوا } ، وقالت الرسل للوط ، عليه السلام : { لا تخف ولا تحزن } ؛ لأن قومه وعدوه ، فقالوا : معك رجال سحروا أبصارنا ، فستعلم ما تلقى عذابهم ، فقالت الرسل ، { إنا منجوك وأهلك } ، ثم استثنى امرأته ، فذلك قوله عز وجل : { إلا امرأتك كانت من الغابرين } [ آية : 33 ] يعنى من الباقين فى العذابن فهلك قوم لوط ، ثم أهلكت بعد بحجر أصابها فقتلها .
{ إنا منزلون على أهل هذه القرية رجزا } ، يعنى عذابا ، { من السمآء } على قرى لوط ، يعنى الخسف والحصب ، { بما كانوا يفسقون } [ آية : 34 ] ، يعنى يعصون ، { ولقد تركنا منهآ آية } ، يعنى من قرية لوط آية ، { بينة } ، يعنى علامة واضحة ، يعنى هلاكهم ، { لقوم يعقلون } [ آية : 35 ] ، بتوحيد الله عز وجل ، كانت قرية لوط بين المدينة والشام ، وولد للوط بعد هلاك قومه ابنتان ، وكان له ابنتان قبل هلاكهم ، ثم مات لوط ، وكان أولاده مؤمنين من بعده .

(3/35)


وإلى مدين أخاهم شعيبا فقال يا قوم اعبدوا الله وارجوا اليوم الآخر ولا تعثوا في الأرض مفسدين (36) فكذبوه فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين (37) وعادا وثمود وقد تبين لكم من مساكنهم وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل وكانوا مستبصرين (38) وقارون وفرعون وهامان ولقد جاءهم موسى بالبينات فاستكبروا في الأرض وما كانوا سابقين (39) فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون (40)

{ و } أرسلنا { وإلى مدين أخاهم شعيبا } بن نويب بن مدين بن إبراهيم خليل الرحمن ، جل جلاله ، لصلبه ، { فقال ياقوم اعبدوا الله } ، يعنى وحدوا الله ، { وارجوا اليوم آلآخر } ، يعنى واخشوا البعث الذى فيه جزاء الأعمال ، { ولا تعثوا } ، يعنى ولا تسعوا ، { في الأرض مفسدين } [ آية : 36 ] ، يعنى بالمعاصى فى نقصان الكيل والميزان ، وهو الفساد فى الأرض .
{ فكذبوه } بالعذاب حين أوعدهم أنه نازل بهم فى الدنيا ، { فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم } ، يعنى عز وجل فى محلتهم وعسكرهم ، { جاثمين } [ آية : 37 } ، أمواتا خامدين مثل النار إذا أطفئت ، بينما هى تقد إذا هى طفئت ، فشبه أرواحهم فى أجسادهم وهم أحياء مثل النار إذا تقد ، ثم شبه هلاكهم بالنار إذا طفئت ، بينما هم أحياء إذا صاح بهم جبريل ، عليه السلام ، فصعقوا أمواتا أجمعين .
{ و } أهلكنا { وعادا وثمود } ، وهما ابنا عم ، { وقد تبين لكم } يا أهل مكة ، { من مساكنهم } يعنى منازلهم آية فى هلاكهم { وزين لهم الشيطان أعمالهم } السية ، { فصدهم } الشيطان { عن السبيل } ، أى طريق الهدى ، { وكانوا مستبصرين } [ آية : 38 ] فى دينهم يحسبون أنهم على هدى .
{ و } أهلكنا { وقارون وفرعون } ، واسمه فيطوس ، { وهامان } قهرمان فرعون ودستوره ، { ولقد جآءهم موسى بالبينات } ، أخبرهم أن العذاب نازل بهم فى الدنيا ، فكذبوه وادعوا أنه غير نازل بهم فى الدنيا ، { فاستكبروا في الأرض وما كانوا سابقين } [ آية : 39 ] ، يعنى فتكبروا بذنوبهم ، يعنى بتكذيبهم الرسل ، كقوله تعالى : { اعترفوا بذنوبهم } [ التوبة : 102 ] ، يعنى بتكذيبهم الرسل ، وكفروا به ، { فدمدم عليهم ربهم بذنبهم } [ الشمس : 14 ] ، يعنى بتكذيبهم صالحا .
قال عز وجل : { فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا } ، يعنى من الحجارة ، وهم هوم لوط ، { ومنهم من أخذته الصيحة } ، يعنى صيحة جبريل ، عليه السلام ، وهم قوم صالح ، وقوم شعيب ، وقوم هود ، وقوم إبراهيم ، { ومنهم من خسفنا به الأرض } ، يعنى قارون وأصحابه ، { ومنهم من أغرقنا } ، يعنى قوم نوح ، وقوم فرعون ، { وما كان الله ليظلمهم } ، فيعذبهم على غير ذنب ، { ولكن كانوا أنفسهم يظلمون } [ آية : 40 ] ، يخوف كفار مكة بمثل عذاب الأمم الخالية؛ لئلا يكذبوا محمد صلى الله عليه وسلم .

(3/36)


مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتا وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون (41) إن الله يعلم ما يدعون من دونه من شيء وهو العزيز الحكيم (42) وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون (43) خلق الله السماوات والأرض بالحق إن في ذلك لآية للمؤمنين (44) اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون (45)

ثم قال عز وجل : { مثل الذين اتخذوا من دون الله أوليآء } يعنى الآلهة ، وهى الأصنام اللات والعزى ومناة وهبل ، { كمثل العنكبوت } وذلك أن الله عز وجل ضرب مثل الصنم فى الضعف ، يعنى كشبه العنكبوت إذ { اتخذت بيتا وإن أوهن } يعنى أضعف { البيوت } كلها { لبيت العنكبوت } فكذلك ضعف الصنم هو أضعف من بيت العنكبوت { لو } يعنى إن { كانوا يعلمون } [ آية : 41 ] ولكن لا يعلمون .
ثم قال تعالى : { إن الله يعلم ما يدعون من دونه من شيء } يعىن الأصنام { وهو العزيز الحكيم } [ آية : 42 ] يعنى العزيز فى ملكه الحكيم فى أمره .
ثم قال عز وجل : { وتلك الأمثال نضربها للناس } يقول : وتلك الأشباه نبينها لكفار مكة ، فيما ذكر من أمر الصنم ، { وما يعقلهآ إلا العالمون } [ آية : 43 ] يقول : الذين يعقلون عن الله عز وجل الأمثال .
{ خلق الله السماوات والأرض بالحق } لم يخلقهما باطلا لغير شىء خلقهما لأمر هو كائن { إن في ذلك لآية للمؤمنين } [ آية : 44 ] يقول : إن فى خلقهما لعبرة للمصدقين بتوحيد الله عز وجل .
{ اتل ما أوحي إليك من الكتاب } يعنى اقرأ على أهل الكتاب ما أنزل إليك من القرآن ، ثم قال تعالى : { وأقم } يعنى وأتم { الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشآء } يعنى عن المعاصى { والمنكر } يعنى المنكر ما لا يعرف يقول : إن الإنسان ما دام يصلى لله عز وجل ، فقد انتهى عن الفحشاء والمنكر لا يعمل بها ما دام يصلى حتى ينصرف ، ثم قال عز وجل : { ولذكر الله أكبر } يعنى إذا صليت لله تعالى فذكرته فذكرك الله بخير ، وذكر الله إياك أفضل من ذكرك إياه فى الصلاة ، { والله يعلم ما تصنعون } [ آية : 45 ] فى صلاتكم .

(3/37)


ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون (46) وكذلك أنزلنا إليك الكتاب فالذين آتيناهم الكتاب يؤمنون به ومن هؤلاء من يؤمن به وما يجحد بآياتنا إلا الكافرون (47) وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون (48) بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم وما يجحد بآياتنا إلا الظالمون (49) وقالوا لولا أنزل عليه آيات من ربه قل إنما الآيات عند الله وإنما أنا نذير مبين (50) أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون (51)

{ ولا تجادلوا } يعنى النبى صلى الله عليه وسلم وحده { أهل الكتاب } البتة يعنى مؤمنيهم عبد الله بن سلام وأصحابه ، { إلا بالتي هي أحسن } فيها تقديم ، يقول : جادلهم قل لهم بالقرآن وأخبرهم عن القرآن ، نسختها آية السيف فى براءةن فقال تعالى : { قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر } [ التوبة : 29 ] { إلا الذين ظلموا منهم وقولوا } لهم يعنى ظلمة اليهود { آمنا بالذي أنزل إلينا } يعنى القرآن { وأنزل إليكم } يعنى التوراة { و } قولوا لهم : { وإلهنا وإلهكم واحد } ربنا وربكم واحد { ونحن له مسلمون } [ آية : 46 ] يعنى مخلصين بالتوحيد .
{ وكذلك } يعنى وهكذا { أنزلنآ إليك الكتاب } كما أنزلنا التوراة على أهل الكتاب ، ليبن لهم عز وجل يعنى ليخبرهم ، ثم ذكر مؤمنى أهل التوراة عبد الله بن سلام وأصحابه ، فقل سبحانه : { فالذين آتيناهم الكتاب } يعنى أعطيناهم التوراة ، يعنى ابن سلام وأصحابه { يؤمنون به } يصدقون بقرآن محمد صلى الله عليه وسلم أنه من الله عز وجل ، ثم ذكر مسلمى مكة ، فقال : { ومن هؤلاء من يؤمن به } يعنى يصدق بالقرآن محمد صلى الله عليه وسلم أنه من الله جاء ، ثم قال : { وما يجحد بآياتنآ } يعنى آيات القرآن بعد المعرفة ، لأنهم يعلمون أن محمدا صلى الله عليه وسلم نبى ، وأن القرآن حق من الله عز وجل : { إلا الكافرون } [ آية : 47 ] من اليهود .
{ وما كنت } يا محمد { تتلو } يعنى تقرأ { من قبله } يعنى من قبل القرآن { من كتاب ولا تخطه بيمينك } فلو كنت يا محمد نتلوا القرآن أو تخطه ، لقالت اليهود ، إنما كتبه من تلقاء نفسه ، و { إذا لارتاب } يقول : وإذا لشك { المبطلون } [ آية : 48 ] يعنى الكاذبين ، يعنى كفار اليهود إذا لشكوا فيك يا محمد ، إذا لقالوا : إن الذى نجد فى التوراة نعته ، هو أمى لا يقرأ الكتاب ولا يخطه بيده .
ثم ذكر مؤمنى هل التوراة ، فقال : { بل هو } يا محمد { آيات بينات } يعنى علامات واضحات بأنه أمى لا يقرأ الكتاب ولا يخطه بيده ، { في صدور } يعنى فى قلوب { الذين أوتوا العلم } بالتوراة ، يعنى عبد الله بن سلام وأصحابه ، ثم قال عز وجل : { وما يجحد بآياتنآ } يعنى ببعث محمد صلى الله عليه وسلم فى التوراة بأنه أمى لا يقرأ الكتاب ، ولا يخطه بيده ، وهو مكتوب فى التوراة ، فكتموا أمره وجحدوا ، فذلك قوله عز وجل : { إلا الظالمون } [ آية : 49 ] يعنى كفار اليهود .
{ وقالوا لولا أنزل عليه آيات من ربه } قال كفار مكة : هلا أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم آيات من ربه إلينا ، كما كان تجئ إلىقومهم ، فأوحى الله تبارك وتعالى إلى النبى صلى الله عليه وسلم ، قال : { قل } لهم { إنما الآيات عند الله } فإذا شاء أرسلها وليست بيدى ، { وإنمآ أنا نذير مبين } [ آية : 50 ] .
فلما سألوه الآية ، قال الله تعالى : { أولم يكفهم } بالآية من القرآن { أنآ أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم } فيه خبر ما قبلهم ، وما بعدهم ، { إن في ذلك } يعنى عز وجل فى القرآن { لرحمة } لمن آمن به وعمل به ، { وذكرى } يعنى وتذكرة { لقوم يؤمنون } [ آية : 51 ] يعنى يصدقون بالقرآن أنه من الله عز وجل ، فكذبوا بالقرآن فنزل :

(3/38)


قل كفى بالله بيني وبينكم شهيدا يعلم ما في السماوات والأرض والذين آمنوا بالباطل وكفروا بالله أولئك هم الخاسرون (52) ويستعجلونك بالعذاب ولولا أجل مسمى لجاءهم العذاب وليأتينهم بغتة وهم لا يشعرون (53) يستعجلونك بالعذاب وإن جهنم لمحيطة بالكافرين (54) يوم يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم ويقول ذوقوا ما كنتم تعملون (55)

{ قل كفى بالله بيني وبينكم شهيدا } يعنى فلا شاهد أفضل من الله بيننا { يعلم ما في السماوات والأرض والذين آمنوا بالباطل } يعنى صدقوا بعبادة الشيطان { وكفروا بالله } بتوحيد الله { أولئك هم الخاسرون } [ آية : 52 ] .
{ ويستعجلونك بالعذاب } استهزاء وتكذيبا به ، ونزلت فى النضر بن الحارث ، حيث قال : { فأمطر علينا } فى الدنيا { حجارة من السمآء أو ائتنا بعذاب أليم } [ الأنفال : 32 ] يقول : ذلك استهزاء وتكذيبا ، فنزلت فيه : { ولولا أجل مسمى } فى الآخرة { لجآءهم العذاب } الذى استعجلوه فى الدنيا ، { وليأتينهم } العذاب فى الآخرة { بغتة } يعنى فجأة { وهم لا يشعرون } [ آية : 53 ] يعنى لا يعلمون به حتى ينزل بهم العذاب .
ثم قال سبحانه : { يستعجلونك بالعذاب } يعنى النضر بن الحراث ، { وإن جهنم لمحيطة بالكافرين } [ آية : 45 ] . ثم أخبر بمنازلهم يوم القيامة ، فقال تعالى : { يوم يغشاهم العذاب } وهم فى النار { من فوقهم ومن تحت أرجلهم } يعنى بذلك لهم من فوقهم ظل من النار ومن تحتهم ظلل ، يعنى بين طبقتين من نار ، { ويقول } لهم الخزنة : { ذوقوا } جزاء { ما كنتم تعملون } [ آية : 55 ] من الكفر والتكذيب .

(3/39)


يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون (56) كل نفس ذائقة الموت ثم إلينا ترجعون (57) والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنبوئنهم من الجنة غرفا تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها نعم أجر العاملين (58) الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون (59) وكأين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم وهو السميع العليم (60) ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله فأنى يؤفكون (61) الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له إن الله بكل شيء عليم (62) ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء فأحيا به الأرض من بعد موتها ليقولن الله قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعقلون (63)

{ ياعبادي الذين آمنوا } نزلت فى ضعفاء مسلمى أهل مكة إن كنتم فى ضيق بمكة من إظهار الإيمان ، ف { إن أرضي } يعنى أرض الله بالمدينة { واسعة } من الضيق { فإياي فاعبدون } [ آية : 56 ] يعنى فوحدونى بالمدنية علانية .
ثم خوفهم الموت ليهاجروا ، فقال تعالى : { كل نفس ذآئقة الموت ثم إلينا ترجعون } [ آية : 57 ] فى الآخرة بعد الموت فيجزيكم بأعمالكم .
ثم ذكر المهاجرين ، فقال سبحانه : { والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنبوئنهم } يعنى لننزلنهم { من الجنة غرفا تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها } لا يموتون فى الجنة { نعم أجر } يعنى جزاء { العاملين } [ آية : 58 ] لله عز وجل .
ثم نعتهم ، فقال عز وجل : { الذين صبروا } على الهجرة { وعلى ربهم يتوكلون } [ آية : 59 ] يعنى وبالله يثقون فى هجرتهم ، وذلك أن أحدهم كان يقول : بمكة أهاجر إلى المدينة وليس لى بها مال ، ولا معيشة .
فوعظهم الله ليعتبروا ، فقال : { وكأين } يعنى وكم { من دآبة } فى الأرض أو طير { لا تحمل } يعنى لا ترفع { رزقها } معها { الله يرزقها } حيث توجهت { وإياكم } يعنى يرزقكم إن هاجرتم إلى المدينة { وهو السميع العليم } [ آية : 60 ] لقولهم : إنا لا نجد ما ننفق فى المدينة .
ثم قال عز وجل للنبى صلى الله عليه وسلم { ولئن سألتهم } يعنى ولئن سألت كفار مكة { من خلق السماوات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله } وحده خلقهم { فأنى يؤفكون } [ آية : 61 ] يعنى عز وجل من أين تكذبون يعنى بتوحيدى .
ثم رجع إلى الذين رغبهم فى الهجرة ، والذين قالوا : لا نجد ما ننفق ، فقال عز وجل : { الله يبسط } يعنى يوسع { الرزق لمن يشآء من عباده ويقدر له } يعنى ويقتر على من يشاء { إن الله بكل شيء عليم } [ آية : 62 ] من البسط على من يشاء ، والتقتير عليه .
{ ولئن سألتهم } يعنى كفار مكة { من نزل من السمآء مآء } يعنى المطر ، { فأحيا به الأرض من بعد موتها ليقولن الله قل الحمد لله } يفعل ذلك { قل الحمد لله } بإقرارهم بذلك { بل أكثرهم لا يعقلون } [ آية : 63 ] بتوحيد ربهم ، وهم مقرون بأن الله عز وجل خلق الأشياء كلها وحده .

(3/40)


وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون (64) فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون (65) ليكفروا بما آتيناهم وليتمتعوا فسوف يعلمون (66) أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم أفبالباطل يؤمنون وبنعمة الله يكفرون (67) ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بالحق لما جاءه أليس في جهنم مثوى للكافرين (68) والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين (69)

ثم قال تعالى : { وما هذه الحياة الدنيآ إلا لهو ولعب } يعنى وباطلا { وإن الدار الآخرة } يعنى الجنة { لهي الحيوان } يقول : لهى دار الحياة لا موت فيها { لو كانوا يعلمون } [ آية : 64 ] ولكنهم لا يعلمون .
{ فإذا ركبوا في الفلك } يعنى السفن ، يعنى كفار مكة يعظهم ليعتبروا { دعوا الله مخلصين له الدين } يعنى موحدين له بالتوحيد { فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون } [ آية : 65 ] فلا يوحدون كما يوحدونه عز وجل فى البحر .
{ ليكفروا بمآ آتيناهم } يعنى لئلا يكفروا بام أعطيناهم فى البحر من العافية حين سلمهم الله عز وجل من البلاء وأنجاهم من اليم ، { وليتمتعوا } إلى منتهى آجالهم { فسوف يعلمون } [ آية : 66 ] هذا وعيد .
{ أولم يروا } يعنى كفار مكة يعظهم ليعتبروا { أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم } فيقتلون ويسبون فادفع عنهم ، وهم يأكلون رزقى ويعبدون غيرى ، فلست أسلط عليهم عدوهم إذا أسلموا نزلت فى الحارث بن نوفل القرشى ، نظيرها فى « طسم » القصص ، ثم بين لهم ما يعبدون ، فقال سبحانه : { أفبالباطل يؤمنون } ؟ يعنى أفبالشيطان يصدقون ، ثم بين لهما ما يعبدون ، فقال سبحانه : { وبنعمة الله } الذى أطعمهم من جوع ، وآمنهم من خوف { يكفرون } [ آية : 67 ] فلا يؤمنون برب هذه النعمة ، فيوحدونه عز وجل .
ثم قال تعالى ذكره : { ومن أظلم } يقول : فلا أحد أظلم ، { ممن افترى على الله كذبا أو كذب بالحق } يعنى بالتوحيد { لما جآءه } يعنى حين جاءه ، ثم قال تعالى : { أليس في جهنم } يقول : أما لهذا المكذب بالتوحيد فى جهنم { مثوى للكافرين } [ آية : 68 ] بالتوحيد .
{ والذين جاهدوا فينا } يعنى عملوا بالخير لله عز وجل ، مثلها فى آخر الحج ، { لنهدينهم سبلنا } يعنى ديننا { وإن الله لمع المحسنين } [ آية : 69 ] لهم فى العون لهم .

(3/41)


الم (1) غلبت الروم (2) في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون (3) في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون (4) بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم (5) وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون (6) يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون (7)

{ الم } آية : 1 ] { غلبت الروم } [ آية : 2 ] وذلك أه أهل فارس غلبوا البروم { في أدنى الأرض } يعنى الأردن وفلسطين ، ثم قال عز وجل : { وهم } يعن الروم { من بعد غلبهم سيغلبون } [ آية : 3 ] أهل فارس .
{ في بضع سنين } يعنى خمس سنين ، أو سبع سنين إلى تسع { لله الأمر من قبل } حين ظهرت فارس على الروم ، { ومن بعد } ما ظهرت الروم على فارس ، { ويومئذ يفرح المؤمنون } [ آية : 4 ] وذلك أن فارس غلبت الروم ، ففرح بذلك كفار مكة ، فقالوا : إن فارس ليس لهم كتاب ، ونحن منهم ، وقد غلبوا أهل الروم ، وهم أهل كتاب قبلكم ، فنحن أيضا نغلبكم كما غلبت فارس الروم ، فاخطرهم أبو بكر الصديق ، رضى الله عنه ، على أن يظهر الله عز وجل الروم على فارس ، فلما كان يوم بدر غلبت المسلمون كفا مكة ، وأتى المسلمين الخبر بعد ذلك ، والنبى صلى الله عليه وسلم والمؤمنون بالحديبية أن الروم قد غلبوا أهل فارس ، ففرح المسلمون بذلك ، فلذلك قوله تبارك وتعالى : { ويومئذ يفرح المؤمنون } { بنصر الله ينصر من يشآء } فنصر الله عز وجل الروم على فارس ، ونصر المؤمنين على المشركين يوم بدر .
قال أبو محمد : سألت أبا العباس ثعلب عن البضع والنيف ، فقال البضع : من ثلاث إلى تسع ، والنيف : من واحد إلى خمسة ، وربما أدخلت كل واحدة على صاحبتها فتجوز مجازها ، فأخذ أبو بكر الصديق ، رضى الله عنه ، الخطر من صفوان بن أمية ، والنبى صلى الله عليه وسلم بالحديبية مقيم حين صده المشركين عن دخول مكة ، { وهو العزيز } يعنى المنيع فى ملكه { الرحيم } [ آية : 5 ] بالمؤمنين حين نصرهم .
{ وعد الله لا يخلف الله وعده } وذلك أن الله عز وجل وعد المؤمنين في أول السورة أن يظهر الروم على فارس حين قال تعالى : { وهم من بعد غلبهم سيغلبون } على أهل فارس ، وذلك قوله عز وجل { وعد الله لا يخلف الله وعده } بأن الروم تظهر على فارس ، { ولكن أكثر الناس لا يعلمون } [ آية : 6 ] يعن كفار مكة .
{ يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا } يعنى حرفتهم وحيلتهم ، ومتى يدرك زرعهم ، وما يصلحهم في معايشهم لصلاح دنياهم ، { وهم عن الآخرة هم غافلون } [ آية : 7 ] حين لا يؤمنون بها ، ثم وعظهم ليعتبروا .

(3/42)


أولم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى وإن كثيرا من الناس بلقاء ربهم لكافرون (8) أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أشد منهم قوة وأثاروا الأرض وعمروها أكثر مما عمروها وجاءتهم رسلهم بالبينات فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون (9) ثم كان عاقبة الذين أساءوا السوأى أن كذبوا بآيات الله وكانوا بها يستهزئون (10)

{ أولم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السماوات والأرض وما بينهمآ إلا بالحق } يقول سبحانه : لم يخلقهما عبثا لغير شىء خلقهما لأمر هو كائن ، { وأجل مسمى } يقول : السموات والأرض لهما أجل ينتهيان إليه ، يعنى يوم القيامة { وإن كثيرا من الناس } يعنى عز وجل كفار مكة ، { بلقآء ربهم } بالبعث بعد الموت { لكافرون } [ آية : 8 ] .
ثوم خوفهم عز وجل { أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم } يعنى الأمم الخالية ، فكان عاقبتهم العذالب في الدنيا ، { كانوا أشد منهم } من أهل مكة { قوة وأثاروا الأرض وعمروهآ } يعنى عاشوا في الأرض { أكثر مما عمروها } أ : ثر مما عاش فيه كفار مكة ، { وجآءتهم } يعنى الأمم الخالية { رسلهم بالبينات } يعنىأخبرتهم بأمر العذاب ، { فما كان الله ليظلمهم } فيعذبهم على غير ذنب ، { ولكن كانوا أنفسهم يظلمون } [ الآية : 9 ] { ثم كان عاقبة الذين أساءوا } يعنى أشركوا { السواءى } العذاب في الدينا { أن كذبوا بآيات الله } يعنى بأن كذبوا بالعذاب أنه ليس بنازل بهم في الدنيا ، { وكانوا بها } يعنى العذاب { يستهزئون } [ آية : 10 ] تكذيبا به أنه لا يكون .

(3/43)


الله يبدأ الخلق ثم يعيده ثم إليه ترجعون (11) ويوم تقوم الساعة يبلس المجرمون (12) ولم يكن لهم من شركائهم شفعاء وكانوا بشركائهم كافرين (13) ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون (14) فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فهم في روضة يحبرون (15) وأما الذين كفروا وكذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة فأولئك في العذاب محضرون (16) فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون (17) وله الحمد في السماوات والأرض وعشيا وحين تظهرون (18) يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ويحيي الأرض بعد موتها وكذلك تخرجون (19)

ثم قاله سبحانه : { الله يبدأ الخلق ثم يعيده } يقول : الله بدأ الناس فخلقهم ، ثم يعيدهم فى الآخرة بعد الموت أحياء كما كانوا ، { ثم إليه ترجعون } [ آية : 11 ] فى الآخرة ، فجزيهم بأعمالهم .
{ ويوم تقوم الساعة } يعنى يوم القيامة { يبلس } يعنى ييأس { المجرمون } [ آية : 12 ] يعنى كفار مكة من شفاعة الملائكة ، { ولم يكن لهم من شركآئهم } من الملائكة { شفعاء } فيشفعوا لهم { وكانوا بشركآئهم كافرين } [ آية : 13 ] يعنى تبرأت الملائكة ممن كان يعبدها .
{ ويوم تقوم الساعة } يوم القيامة { يومئذ يتفرقون } [ آية : 14 ] بعد الحساب إلى الجنة ، وإلى النار ، فلا يجتمعون أبدا ، ثم أخبرهم بمنزلة الفريقين جميعا ، فقال سبحانه : { فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فهم في روضة يحبرون } [ آية : 15 ] يعنى فى بساتين يكرمون وينعمون فيها وهي الجنة .
{ وأما الذين كفروا } بتوحيد الله عز وجل ، { وكذبوا بآياتنا } يعنى القرآن ، { ولقآء الآخرة } يعنى البعث ، { فأولئك في العذاب محضرون } [ آية : 16 ] { فسبحان الله } يعنى فصلوا لله عز وجل ، { حين تمسون } يعنى صلاة المغرب والصلاة العشاء ، { وحين تصبحون } [ آية : 17 ] يعن صلاة الفجر .
{ وله الحمد في السماوات والأرض } يحمده الملائكة فى السموات ويحمده المؤمنون في الأرض ، { وعشيا } عين صلاة العصر { وحين تظهرون } [ آية : 18 ] يعنى صلاة الأولى ، { يخرج الحي من الميت } يقول : يخرج الناس والدواب والطير من النطف وهى ميتة ، { ويخرج الميت } يعنى النطف { من الحي } يعنى من الناس والدواب والطير ، { ويحيي الأرض } بالماء { بعد موتها } فينبت العشب فذلك حياتها ، ثم قال : { وكذلك } يعنى وهكذا { تخرجون } [ آية : 19 ] يا بنى آدم من الأرض أن الله عز وجل يرسل يوم القيامة ماء الحيوان من السماء السابعة من البحر المسجور على لاأرض بين النفختين فتنبت عظام الخلق ولحومهم وجلودهم كما ينبت العشب من الأرض .

(3/44)


ومن آياته أن خلقكم من تراب ثم إذا أنتم بشر تنتشرون (20) ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون (21) ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين (22) ومن آياته منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون (23) ومن آياته يريكم البرق خوفا وطمعا وينزل من السماء ماء فيحيي به الأرض بعد موتها إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون (24) ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون (25)

{ ومن آياته } يعنى ومن علامات ربكم أنه واحد عز وجل ، وإن لم تره فاعرفوا توحيده بصعنه ، { أن خلقكم من تراب } يعنى آدم صلى الله عليه وسلم خلقه من طين ، { ثم إذآ أنتم بشر } يعنى ذرية آدم بشر ، { تنتشرون } [ آية : 20 ] في الأرض ، يعنى تتبسطون في الأرض ، كقوله سبحانه : { وينشر } [ الشورى : 28 ] يعنى ويبسط رحمته .
{ ومن آياته } يعنى علاماته أن تعرفوا توحيده ، وإن لم تروه { أن خلق لكم من أنفسكم } يعنى بعضكم من بعض { أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم } وبين أزواجكم { مودة } يعنى الحب { إن في ذلك لآيات } ليس بينها وبينه رحم { ورحمة } يعنى إن هذا الذى ذكر لعبرة { لقوم يتفكرون } [ آية : 21 ] فيعتبرون فى توحدي الله عز وجل .
{ ومن آياته } يعنى ومن علامة الرب عز وجل ، أنه واجد فتعرفوا توحيده بصنعه أن { خلق السماوات والأرض } وأنتم تعلمون ذلك ، كقوله سبحانه : { ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله } [ الزمر : 38 ] { واختلاف ألسنتكم } عربى وعجمى وغيره { و } اختلاف { وألوانكم } أبيض وأحمر وأسود { إن في ذلك لآيات } يعنى أن في هذا الذى ذكر لعبرة { للعالمين } [ آية : 22 ] فى توحيد الله عز وجل .
{ ومن آياته } يعنى ومن علامات الرب تعالى أن يعرف توحيده بصنعه ، { منامكم بالليل } يعنى النوم ، ثم قال : { و } ب { والنهار وابتغآؤكم من فضله } يعنى الرزق { إن في ذلك لآيات } يعنى إن في هذا الذي ذكر لعبرة { لقوم يسمعون } [ آية : 23 ] المواعظ ، فيوحدون ربهم عز وجل .
{ ومن آياته } يعنى ومن علاماته أن تعرفوا توحيد الرب جل جلاله بصنعه ، وإن لم تروه { يريكم البرق خوفا } من الصواعق لمن كان بأرض ، نظيرها فى الرعد { وطمعا } فى رحمته ، يعنى المطر { وينزل من السمآء مآء } يعنى المطر { فيحيي به } بالمطر { الأرض } بالنبات { بعد موتها إن في ذلك } يعنى عز وجل فى هذا الذى ذكر { لآيات } يعنى لعبرة { لقوم يعقلون } [ آية : 24 ] عن الله عز وجل ، فيوحدونه .
{ ومن آياته } يعنىعلاماته أن تعرفوا توحيد الله تعالى بصنعه { أن تقوم السمآء والأرض } يعنى السماوات السبع والأرضين السبع؛ قال ابن مسعود : قامتا على غير عمد { بأمره ثم إذا دعاكم } يدعوا إسرافيل صلى الله عليه وسلم من صخرة بيت المقدس في الصور عن أمر الله عز وجل { دعوة من الأرض إذآ أنتم تخرجون } [ آية : 25 ] وفى هذه كله الذى ذكره من صنعه عبرة وتفكرا في توحيد الله عز وجل ، ثم عظم نفسه تعالى ذكره .

(3/45)


وله من في السماوات والأرض كل له قانتون (26) وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه وله المثل الأعلى في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم (27) ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم من ما ملكت أيمانكم من شركاء في ما رزقناكم فأنتم فيه سواء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم كذلك نفصل الآيات لقوم يعقلون (28) بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم بغير علم فمن يهدي من أضل الله وما لهم من ناصرين (29)

{ وله من في السماوات } من الملائكة { و } من فى { والأرض } من الإنس والجن ، ومن يعبد من دون الله عز وجل ، كلهم عبيده وفى ملكه ، قال سبحانه : { كل له قانتون } [ آية : 26 ] يعن كل ما فيها من الخلق لله قانتون ، يعنى مقرون بالعبودية له يعملون أن الله جل جلاله ربهم ، وهو خلقهم ولم يكونوا شيئا ، ثم يعيدهم ، ثم يبعثهم في الآخرة أحياء بعد موتهم كما كانوا . ثم قال عز وجل :
{ وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده } وهو الذى بدأ الخلق ، يعنى خلق آدم ، فبدأ خلقهم ولم يكونوا شيئا ، ثم يعيدهم ، يعنى يبعثهم فى الآخرة أحياء بعد موتهم كما كانوا { وهو أهون عليه } يقول : البعث أيسر عليه عندكم ، يا معشر الكفار في المثل من الخلق الأول ، حين بدأ خلقهم نطفة ، ثم علقة ، ثمم مضغة ، ثم عظما ، ثم لحما ، فذلك قوله عز وجل : { وله المثل الأعلى في السماوات والأرض } فإنه تبارك وتعالى رب واحد لا شريك له ، { وهو العزيز } في ملكه ، لقولهم : إن الله عز وجل لا يقدر على البعث { الحكيم } [ آية : 27 ] في أمر حكم البعث .
{ ضرب لكم مثلا من أنفسكم } نزلت في كفار قريش ، وذلك أنهم كانوا يقولون فى إحرامهم : لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك ، فقال تعالى : { ضرب لكم مثلا من أنفسكم } يقول : وصف لكم يا معشر الأحرار ، من كفار قريش مثالا يعنى شبها من عبيدكم ، { هل لكم } استفهام { من ما ملكت أيمانكم } من العبيد { من شركآء في ما رزقناكم } من الأموال { فأنتم } وعبيدكم { فيه سوآء } في الرزق .
ثم قال : { تخافونهم كخيفتكم أنفسكم } يقول عز وجل : تخافون عبيدكم أن يرثوكم بعد الموت كما تخافون أن يرثكم الأحرار من أوليائكم ، فقالوا : للنبى صلى الله عليه وسلم : لا ، قال لهم النبى صلى الله عليه وسلم : « أفترضون لله عز وجل الشركة فى ملكه وتكرهون الشرك فى أموالكم » ، فسكتوا ولم يجيبوا النبى صلى الله عليه وسلم .
إلا شريكا هو لك تملكه ما ملك ، يعنون الملاكئة ، قال : فكما لا تخافون أن يرثكم عبيدكم ، فكذلك ليس لله عز وجل شريك ، { كذلك نفصل الآيات } يعنى هكذا نبين الآيات { لقوم يعقلون } [ آية : 28 ] عن الله عز وجل الأمثل ، فيوحدونه ، ثم ذكرهم فقال سبحانه :
{ بل اتبع الذين ظلموا أهوآءهم بغير علم } يعلمونه بأن معه شريكا { فمن يهدي من أضل الله } يقول : فمن يهدى إلى توحيد الله من قد أضله الله عز وجل عنه ، { وما لهم من ناصرين } [ آية : 29 ] يعنى مانعين من الله عز وجل .

(3/46)


فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون (30) منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين (31) من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون (32) وإذا مس الناس ضر دعوا ربهم منيبين إليه ثم إذا أذاقهم منه رحمة إذا فريق منهم بربهم يشركون (33) ليكفروا بما آتيناهم فتمتعوا فسوف تعلمون (34) أم أنزلنا عليهم سلطانا فهو يتكلم بما كانوا به يشركون (35) وإذا أذقنا الناس رحمة فرحوا بها وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم إذا هم يقنطون (36)

ثم قال للنبى صلى الله عليه وسلم : إن لم يوحد كفار مكة ربهم ، فوحد أنت ربك يا محمد ، { فأقم وجهك للدين } يعنى فأخلص دينك الإسلام لله عز وجل { حنيفا } يعنى مخلصا { فطرة الله التي فطر الناس عليها } يعنى ملة الإسلام التوحيد الذى خلقهم عليه ، ثم أخذ الميثاق من بنى آدم من ظهورهم ذريتهم ، وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم؟ قالوا : بلى ربنا ، وأقروا له بالربوبية والمعرفة له تبارك وتعالى ، ثم قال سبحانه : { لا تبديل لخلق الله } يقول : لا تحويل لدين الله عز وجل الإسلام { ذلك الدين القيم } يعنى التوحيد وهو الدين المستقيم ، { ولكن أكثر الناس } يعنى كفار مكة { لا يعلمون } [ آية : 30 ] توحيد الله عز وجل .
ثم أمرهم بالإنابة من الكفر وأمرهم بالصلاة ، فقال عز وجل { منيبين إليه } يقول : راجعين إليه من الكفر إلى التوحيد لله تعالى ذكره ، { واتقوه } يعنى واخشوه ، { وأقيموا } يعنى وأتموا { الصلاة ولا تكونوا من المشركين } [ آية : 31 ] يقول : لكفار مكة كونوا من الموحدين لله عز وجل ولا تكونوا : { من الذين فرقوا دينهم } يعنى أهل الأديان فرقوا دينهم الإسلام ، { وكانوا شيعا } يعنى أحزابا فى الدين يهود ونصارى ومجوس وغيره ونحو ذلك ، { كل حزب بما لديهم فرحون } [ آية : 32 ] .
{ وإذا مس الناس ضر } يعنى كفار مكة ضر ، يعنى السنين ، وهو الجوع ، يعنى قحط المطر عليهم سبع سنين ، { دعوا ربهم منيبين إليه } يقول : عز وجل راجعين إليه يدعونه أن يكشف عنهم الضر ، لقوله تعالى حم الدخان : { ربنا اكشف عنا العذاب } [ الدخان : 12 ] يعنى الجوع { إنا مؤمنون } [ الدخان : 12 ] . قال تعالى : { ثم إذآ أذاقهم منه رحمة } يعنى إذا أعطاهم من عنده نعمة ، يعنى المطر { إذا فريق منهم بربهم يشركون } [ آية : 33 ] يقول : تركوا توحيد ربهم فى الرخاء ، وقد وحدوه في الضر .
{ ليكفروا } يعنى لكى يكفروا { بمآ آتيناهم } بالذى أعطيناهم من الخير فى ذهاب الضر عنهم ، وهو الجوع ، ثم قال سبحانه : { فتمتعوا } قليلا إلى آجالكم { فسوف تعلمون } [ آية : 34 ] هذا وعيد ، ثم ذكر شركهم ، فقال : { أم أنزلنا } وأم هاهنا صلة على أهل مكة ، يعنى كفارهم { عليهم سلطانا } يعنى كتابا من السماء ، { فهو يتكلم } يعنى ينطق { بما كانوا به يشركون } [ آية : 35 ] يعنى ينطق بما يقولون من الشرك . ثم ذكرهم أيضا ، فقال سبحانه :
{ وإذآ أذقنا الناس } كفار مكة { رحمة } يعنى أعطينا كفار مكة رحمة ، يعنى المطر { فرحوا بها وإن تصبهم سيئة } بلاء يعنى الجوع أو شدة من قحط سبع سنين { بما قدمت أيديهم } من الذنوب { إذا هم يقنطون } [ آية : 36 ] يعنى إذا هم من المطر آيسون ، ثم وعظهم ليعتبروا .

(3/47)


أولم يروا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون (37) فآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ذلك خير للذين يريدون وجه الله وأولئك هم المفلحون (38) وما آتيتم من ربا ليربو في أموال الناس فلا يربو عند الله وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون (39) الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء سبحانه وتعالى عما يشركون (40) ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون (41)

{ أولم يروا أن الله يبسط الرزق لمن يشآء } وذلك حين مطروا بعد سبع سنين ، { ويقدر } على من يشاء { إن في ذلك لآيات } يقول : إن فى بسط الرزق والفتر لعبرة { لقوم يؤمنون } [ آية : 37 ] يعنى يصدقون بتوحيد الله عز وجل .
{ فآت } يعنى فأعط { ذا القربى حقه } يعنى قرابة النبى صلى الله عليه وسلم وحق القرابة والصلة ، ثم قال سبحانه : { والمسكين } يعنى السائل حقه أن يتصدق عليه ، ثم قال : { وابن السبيل } يعنى حق الضيف نازل عليك أن تحسن إليه { ذلك خير } يقول : إعطاء الحق أفضل { للذين يريدون وجه الله } من الإمساك عنهم ، ثم نعتهم ، عز وجل ، فقال : { وأولئك هم المفلحون } [ آية : 38 ] . ثم قال تعالى : { ومآ آتيتم من ربا } يقول : وما أعطيتم من عطية { ليربو في أموال الناس } يعنى تزدادوا فى أموال الناس ، نزلت في أهل الميسر من أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم ، يقول : أعطيتم من عطية ليلتمس بها الزيادة من الناس ، { فلا يربو عند الله } يقول : فلا تضاعف تلك العطية عند الله ، ولا تزكوا ، ولا إثم فيه ، ثم بين الله عز وجل ما يربوا من النفقة ، فقال عز وجل : { ومآ آتيتم من زكاة } يقول : وما أعطيتم من صدقة { تريدون } بها { وجه الله } ففيه الأضعاف ، فذلك قوله عزو جل : { فأولئك هم المضعفون } [ آية : 39 ] الواحدة عشرة فصاعدا .
ثم أخبر تبارك وتعالى عن صنعه ليعرف توحيد ، فقال تعالى : { الله الذي خلقكم } ولم تكونوا شيئا { ثم رزقكم ثم يميتكم } عند آجالكم { ثم يحييكم } فى الآخرة { هل من شركآئكم } مع الله ، يعنى الملائكة الذين عبدوهم { من يفعل من ذلكم } مما ذكر في هذه الآية من الخلق والرزق والبعث بعد الموت من يفعل من ذلك { من شيء } ثم نزه نفسه جل جلاله عن الشركة ، فقال : { سبحانه وتعالى } يعنى وارتفع { عما يشركون } [ آية : 40 ] ثم أخبرهم عن قحط المطر فى البر ونقص الثمار فى الريف يعنى القرى حيث تجرى فيها لأنهار إنما أصابهم بتركهم التوحيد ، فقال :
{ في البر والبحر } يعنى قحط المطر وقلة النبات في البر ، يعنى حيث لا تجرى الأنهار ، وأهل العمود ، ثم قال : { ظهر الفساد } يعنى قحط المطر ونقص الثمار فى البحر ، يعنى فى الريف يعنى القرى حيث تجرى فيها الأنهار { بما كسبت أيدي الناس } من المعاصى ، يعنى كفار مكة { ليذيقهم } الله الجوع { بعض الذي عملوا } بعنى الكفروالتكذيب في السنين السبع { لعلهم } يعنى لكى { يرجعون } [ آية : 41 ] من الكفر إلى الإيمان .

(3/48)


قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل كان أكثرهم مشركين (42) فأقم وجهك للدين القيم من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله يومئذ يصدعون (43) من كفر فعليه كفره ومن عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون (44) ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات من فضله إنه لا يحب الكافرين (45) ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات وليذيقكم من رحمته ولتجري الفلك بأمره ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون (46) ولقد أرسلنا من قبلك رسلا إلى قومهم فجاءوهم بالبينات فانتقمنا من الذين أجرموا وكان حقا علينا نصر المؤمنين (47)

ثم خوفهم ، فقال سبحانه : { قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل } يعنى قبل كفار مكة من الأمم الخالية { كان أكثرهم مشركين } [ آية : 42 ] فكان عاقبتهم الهلاك فى لدنيا . ثم قال : { فأقم وجهك للدين القيم } يعنى فأخلص دينك للإسلام المستقيم ، فإن غير دين الإسلام ليس بمستقيم { من قبل أن يأتي يوم } يعنى يوم القيامة { لا مرد له } يعنى لا يقدر أحد على رد ذلك اليوم { من الله } عز وجل { يومئذ يصدعون } [ آية : 43 ] يعنى بعد الحساب يتفرقون إلى الجنة وإلى النار .
{ من كفر } الله { فعليه } إثم { كفره ومن عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون } [ أية : 44 ] يعنى يقدمون { ليجزي } يعنى لكى يجزى الله عز وجل في القيامة { الذين آمنوا } بتوحيد الله عز وجل ، { وعملوا الصالحات من فضله إنه لا يحب الكافرين } [ آية : 45 ] بتوحيد الله عز وجل .
{ ومن آياته } يعنى ومن علاماته عز وجل ، وإن لم تروه ، أن تعرفوا توحيده بصنعه عز وجل { أن يرسل الرياح مبشرات } يعنى يستبشر بها الناس رجاء المطر { وليذيقكم من رحمته } يقول : وليعيطم من نعمته يعنى المطر { ولتجري الفلك } في البحر { بأمره ولتبتغوا } في البحر { من فضله } يعنى الرزق كل هذا بالرياح { ولعلكم تشكرون } [ آية : 46 ] رب هذه النعم فتوحدونه .
ثم خوف كفار ممكة لكى لا يكذبوا النبى صلى الله عليه وسلم ، فقال سبحانه : { ولقد أرسلنا من قبلك رسلا إلى قومهم فجآءوهم بالبينات } فأخبروا قومهم بالعذاب أنه نازل بهم فى الدنيا إن لم يؤمنوا ، فكذبوهم بالعذاب أنه غير نازل بهم فى الدنيا ، فعذبهم الله عز وجل ، فلذلك قوله عز وجل : { فانتقمنا } بالعذاب { من الذين أجرموا } يعنى الذين أشركوا { وكان حقا علينا نصر المؤمنين } [ آية : 47 ] يعنى المصدقين للأنبياء ، عليهم السلام ، بالعذاب ، فكان نصرهم أن الله عز وجل أنجاهم من العذاب مع الرس .

(3/49)


الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا فيبسطه في السماء كيف يشاء ويجعله كسفا فترى الودق يخرج من خلاله فإذا أصاب به من يشاء من عباده إذا هم يستبشرون (48) وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم من قبله لمبلسين (49) فانظر إلى آثار رحمة الله كيف يحيي الأرض بعد موتها إن ذلك لمحيي الموتى وهو على كل شيء قدير (50) ولئن أرسلنا ريحا فرأوه مصفرا لظلوا من بعده يكفرون (51) فإنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين (52) وما أنت بهادي العمي عن ضلالتهم إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون (53)

ثم أخبر عن صنعه ليعرف توحيده ، فقال عز وجل : { الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا فيبسطه في السمآء كيف يشآء ويجعله كسفا } يقول : يجعل الريح السحاب قطعا يحمل بعضها على بعض فيضمه ، ثم يبسط السحاب فى السماء كيف يشاء الله تعالى ، إن شاء بسطه عكلى مسيرة يوم ، أو بعض يوم ، أو مسيرة أيام يمطرون ، فذلك قوله عز وجل : { فترى الودق يخرج } يعنى المطر يخرج { من خلاله } يعنى من خلال السحاب { فإذآ أصاب به } يعنى بالمطر { من يشآء من عباده إذا هم يستبشرون } [ آية : 48 ] يعنى إذا هم يفرحون بالمطر عليهم .
{ وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم من قبله } يعنى من قبل نزول المطر في السنين السبع حين قحط عليهم المطر { لمبلسين } [ آية : 49 ] يعنى آيسين من المطر ، { فانظر } يا محمد { إلى آثار رحمة الله } يعنى النبت من آثار المطر { كيف يحيي الأرض بعد موتهآ } بالمطر فتنبت من بعد موتها حين لم يكن فيها نبت ، ثمدل على نفسه ، فقال : { إن ذلك } يقول : إن هذا الذى فعل ما ترون { لمحيي الموتى } فى الآخرة ، فلا تكذبوا بالبعث ، يعنى كفار مكة ، ثم قال تعالى : { وهو على كل شيء قدير } [ آية : 50 ] من البعث وغيره ، ثم وعظهم ليعتبروا ، فقال : عز وجل :
{ ولئن أرسلنا ريحا } على هذا النبت الأخر { فرأوه } النبت { مصفرا } من البرد بعد الخضرة { لظلوا من بعده يكفرون } [ آية : 51 ] برب هذه النعم ، ثم عاب كفار مكة ، فضرب له مثلا ، فقال عز وجل : { فإنك } يا محمد { لا تسمع الموتى } النداء فشبه الكفار بالأموات يقول : فكما لا يسمع الميت النداء ، فكذلك الكفار لا يسمعون الإيمان ولا يفقهون ، ثم قال : { ولا تسمع الصم الدعآء إذا ولوا مدبرين } [ أية : 52 ] فشبهوا أيضا بالصم إذا ولو مدبرين ، يقول : إن الأمم إذا ولى مدبرا ، ثم ناديته لا يسمع الدعاء فكذلك الكافر لا يسمع الإيمان إذا دعى .
{ ومآ أنت } يعنى النبى صلى الله عليه وسلخ { بهاد العمي } للإيمان يقول : عموا عن الإيمان { عن ضلالتهم } يعنى كفرهم الذى هم عليه ، ثم أخبر النبى صلى الله عليه وسلم ، فمن يسمع الإيمان ، فقال سبحانه : { إن تسمع } بالإيمان { إلا من يؤمن بآياتنا } يعنى يصدق بالقرآن أنه جاء من الله عز وجل { فهم مسلمون } [ آية : 53 ] يعنى فهم مخلصون بالتوحيد .

(3/50)


الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة يخلق ما يشاء وهو العليم القدير (54) ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة كذلك كانوا يؤفكون (55) وقال الذين أوتوا العلم والإيمان لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث فهذا يوم البعث ولكنكم كنتم لا تعلمون (56) فيومئذ لا ينفع الذين ظلموا معذرتهم ولا هم يستعتبون (57)

ثم أخبرهم عن اخلق أنفسهم ليتفكر المكذب بالعبث في خلق نفسه ، فقال عز وجل : { الله الذي خلقكم من ضعف } يعنى من نطفة { ثم جعل من بعد ضعف قوة } يعنى شدة تمام خلقه { ثم جعل من بعد قوة ضعفا } يقول : فجعل من بعد قوة الشباب الهرم { و } جلع { وشيبة } يعنى الشمط { يخلق ما يشآء } يعنى هكذا يشاء أن يخلق الإنسان كما وصف خلقه ، ثم قال : { وهو } يعنى الرب نفسه جلا جلاله { العليم } يعنى العالم بالعبث { القدير } [ آية : 54 ] يعنى القادر عليه .
ثم قال عز وجل : { ويوم تقوم الساعة } يعنى يوم القيامة { يقسم } يعنى يحلف { المجرمون ما لبثوا } في القبور { غير ساعة } وذلك أنهم استلقوا ذلك ، يقول الله عز وجل : { كذلك كانوا يؤفكون } [ آية : 55 ] يقول : هكذا كانوا يكذبون بالعبث فى الدنيا ، كما كذبوا أنهم لم يلبثوا فى قبورهم إلا ساعة ، { وقال الذين أوتوا العلم والإيمان } للكفار يوم القيامة : { لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث } فهذا قول مالك الموت لهم فى الآخرة .
ثم قال : { فهذا يوم البعث } الذى كنتم به تكذبون أنه غير كائن { ولكنكم كنتم لا تعلمون } [ آية : 56 ] كم لبثتم في القبور ، { فيومئذ لا ينفع الذين ظلموا } يعنى أشركوا { معذرتهم ولا هم يستعتبون } [ آية : 57 ] في الآخرة فيعتبرون .

(3/51)


ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل ولئن جئتهم بآية ليقولن الذين كفروا إن أنتم إلا مبطلون (58) كذلك يطبع الله على قلوب الذين لا يعلمون (59) فاصبر إن وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون (60)

{ ولقد ضربنا } يعنى وصفنا وبينا ، { للناس في هذا القرآن من كل مثل } يعنى من كل شبه نظيرها في الزمر ، { ولئن جئتهم } يا محمد { بآية } كما سأل كفار مكمة ليقولن الذين كفروا } للنبى صلى الله عليه وسلم { إن أنتم إلا مبطلون } [ أية : 58 ] لقالوا : ما أنت يا محمد إلا كذاب ، وما هذه الآية من الله عز وجل ، كما كذبوا فى انشقاق القمر حين قالوا : هذا سحر .
{ كذلك يطبع الله } يقول : هكذا يختم الله عز وجل بالكفر { على قلوب الذين لا يعلمون } [ آية : 59 ] يتوحيد الله عز وجل ، فلما أخبرهم الله عز وجل بالعذاب أنه نازل بهم فى الدنيا كذبوه ، فأنزل الله تبارك وتعالى : { فاصبر } يا محمد على تكذيبهم إياك بالعذاب ، يعزى نبيه صلى الله عليه وسلم ليصبر ، فقال : فاصبر { إن وعد الله حق } يعنى صدق ، بالعذاب أنه نازل بهم في الدنيا ، فقالوا للنبى صلى الله عليه وسلم : عجل لنا العذاب فى الدنيا إن كنتم صادقا ، هذا قول النضر بن الحارث القرشى من بنى عبدالدار بن قصى ، فأنزل الله تعالى : { ولا يستخفنك } ولا يستفزنك فى تعجيل العذاب بهم { الذين لا يوقنون } [ آية : 60 ] بنزول العذاب عليهم في الدنيا ، فعذبهم الله عز وجل ، ببدر حين قتلهم وضربت الملائكة وجوهم وأدبارهم ، وعجل الله أرواحهم إلى النار ، فهم يعرضون عليها كل يوم طرفى النار ما دامت الدنيا ، فقتل الله النضر بن الحارث ببدر ، وضرب عنقه على بن أبى طالب ، رضى الله عنه .

(3/52)


الم (1) تلك آيات الكتاب الحكيم (2) هدى ورحمة للمحسنين (3) الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم يوقنون (4) أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون (5) ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوا أولئك لهم عذاب مهين (6) وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبرا كأن لم يسمعها كأن في أذنيه وقرا فبشره بعذاب أليم (7)

{ الم } [ آية : 1 ] { تلك آيات الكتاب الحكيم } [ آية : 2 ] يعنى عز وجل المحكم من الباطل .
{ هدى } من الضلالة { ورحمة } من العذاب { للمحسنين } [ آية : 3 ] يعنى للمتقين ، ثم نعتهم ، فقال سبحانه : { الذين يقيمون الصلاة } يعنى يتمون الصلاة ، كقوله سبحانه : { فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة } [ النساء : 103 ] ، { ويؤتون الزكاة } من أموالهم { وهم بالآخرة } يعنى بالبعث الذى فيه جزاء الأعمال { هم يوقنون } [ آية : 4 ] بأنه كائن .
{ أولئك } الذين فعلوا ذلك { على هدى } يعنى بيان { من ربهم وأولئك هم المفلحون } [ آية : 5 ] { ومن الناس } يعنى النضر بن الحارث { من يشتري لهو الحديث } يعنى باطل الحديث ، يقول : باع القرآن بالحديث الباطل حديث رستم وأسفندباز ، وزعم أن القرآن مثل حديث الأولين حديث رستم وأسفندباز ، { ليضل عن سبيل الله } يعنى لكى يستنزل بحديث الباطل عن سبيل الله الإسلام { بغير علم } يعلمه { ويتخذها هزوا } يقول : ويتخذ آيات القرآن استهزاء به مثل حديث رستم وأسفندباز ، وهو الذى قال : ما هذا القرآن إلا أساطير الأولين ، وذلك أن النضر بن الحارث قدم إلى الحيرة تاجرا ، فوجد حديث رستم وأسفندباز ، فاشتراه ، ثم أتى به أهل مكة ، فقال : محمد يحدثكم عن عاد وثمود ، وإنما هو مثل حديث رستم وأسفندباز ، يقول الله تعالى : { أولئك لهم عذاب مهين } [ آية : 6 ] يعنى وجيعا .
ثم أخبر عن النضر ، فقال : عز وجل : { وإذا تتلى عليه آياتنا } يعنى وإذا قرىء عليها لقرآن { ولى مستكبرا } يقول : أعرض متكبرا عن الإيمان بالقرآن يقول : { كأن لم يسمعها } يعنى كأن لم يسمع آيات القرآن { كأن في أذنيه وقرا } يعنى ثقلا كأنه أصم فلا يسمع القرآن { فبشره بعذاب أليم } [ آية : 7 ] فقتل ببدر قتله على بن أبى طالب . عليه السلام .

(3/53)


إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات النعيم (8) خالدين فيها وعد الله حقا وهو العزيز الحكيم (9) خلق السماوات بغير عمد ترونها وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم وبث فيها من كل دابة وأنزلنا من السماء ماء فأنبتنا فيها من كل زوج كريم (10) هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه بل الظالمون في ضلال مبين (11)

{ إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات } فى الآخرة { لهم جنات النعيم } [ آية : 8 ] { خالدين فيها } لا يموتون { وعد الله حقا } يعنى صدقان فإنه منجز لهم ما وعدهم { وهو العزيز } في ملكه { الحكيم } [ آية : 9 ] حكم لهم الجنة .
{ خلق السماوات } السبع { بغير عمد } فيها تقديم { ترونها } يقول : هن قائمات ليس لهن عمد { وألقى في الأرض رواسي } يعنى الجبال { أن تميد بكم } يقول : لئلا تزول بكم الأرض { وبث فيها من كل دآبة } يقول : خلق فى الأرض من كل دابة { وأنزلنا من السمآء مآء } يعنى المطر { فأنبتنا فيها } يقول : فأجرينا بالماء فى الأرض { من كل زوج كريم } [ آية : 10 ] يعنى كل صنف من ألوان النبت حسن .
{ هذا } الذى ذكر { خلق الله } عز وجل وصنعه { فأروني } يعنى كفار مكة { ماذا خلق الذين } تدعون ، يعنى تعبدون { من دونه } يعنى الملائكة نظيرها في سبأ ، والأحقاف ، ثم استأنف الكلام : { بل الظالمون في ضلال مبين } [ آية : 11 ] يعنى فى خسران مبين .

(3/54)


ولقد آتينا لقمان الحكمة أن اشكر لله ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن الله غني حميد (12) وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم (13) ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير (14) وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا واتبع سبيل من أناب إلي ثم إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون (15) يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السماوات أو في الأرض يأت بها الله إن الله لطيف خبير (16) يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور (17) ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحا إن الله لا يحب كل مختال فخور (18) واقصد في مشيك واغضض من صوتك إن أنكر الأصوات لصوت الحمير (19)

{ ولقد آتينا لقمان الحكمة } أعطيناه العلم والفهم من غير نبوة فهذه نعمة ، فقلنا له : { أن اشكر لله } عز وجل ف ينعمة ، فيما أعطاك من الحكمة ، { ومن يشكر } لله تعالى في نعمه ، فيوحده { فإنما يشكر } يعنى فإنما يعمل الخير ، { لنفسه ومن كفر } النعم ، فلم يوحد ربه عز وجل ، { فإن الله غني } عن عبادة خلقه { حميد } [ آية : 12 ] عن خلقه في سلطانه .
{ وإذ قال لقمان لابنه } واسم ابنه أنعم { وهو يعظه } يعنى عز وجل يؤدبه ، { يابني لا تشرك بالله } معه غيره { إن الشرك لظلم عظيم } [ آية : 13 ] كان ابنه وامرأته كفارا ، فما زال بهما حتى أسلما ، وزعموا أن لقمان كان ابن خالة أيوب ، صلى الله عليه .
حدثنا عبيدالله ، قال : حدثنى أبى ، قال : حدثنا سعيد بن بشير ، عن قتادة بن دعامة ، قال : كان لقمان رجلا أفطس من أرض الجبشة ، قال هذيل : لوم أسمع مقاتلا .
{ ووصينا الإنسان بوالديه } سعد بن أبى وقاص بوالديه ، يعنى أباه اسمه مالك ، وأمه حمنة بنت سفيان بن أمة بن عبد شمس بن عبد مناف { حملته أمه } حمنة { وهنا على وهن } يعنى ضعفا على ضعف { وفصاله في عامين أن اشكر لي } يعنى الله عز وجل أن هداه للإسلام { و } اشكر { ولوالديك } النعم فيما أولياك { إلي المصير } [ آية : 14 ] فأجزيك بعملك .
قال تعالى : { وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم } لا تعلم بأن معى شريكا { فلا تطعهما } في الشرك { وصاحبهما في الدنيا معروفا } يعنى بإحسان ، ثم قال لسعد ، رضى الله عنه : { واتبع سبيل من أناب إلي } يعنى دين من أقل إلى ، يعنى النبى صلى الله عليه وسلم ثم قال : { ثم إلي مرجعكم } فى الآخرة { فأنبئكم بما كنتم تعملون } [ آية : 15 ] وقال ابن لقمان أنعم لأبيه : يا أبت ، إنعملت بالخطيئة حيث لا يرانى أحد كيف يعلمه الله ، عز وجل ، فرد عليه لقمان ، عليه السلام :
{ يابني إنهآ إن تك مثقال حبة } يعنى وزن ذرة { من خردل فتكن في صخرة } التى في الأرض السفلى ، وهى خضراء مجوفة لها ثلاث شعب على لون السماء ، { أو } تكن الحبة { في السماوات } السبع { أو في الأرض يأت بها الله } يعنى بتلك الحبة { إن الله لطيف } باستخراجها { خبير } [ آية : 16 ] بمكانها .
{ يابني أقم الصلاة وأمر بالمعروف } يعنى التوحيد { وانه عن المنكر } يعنى الشر الذى لا يعرف { واصبر على مآ أصابك } فيهما من الأذى { إن ذلك من عزم الأمور } [ آية : 17 ] يقول : إن ذلك الصبر على الأذى فى الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر من حق الأمور التى أمر الله عز وجل بها ، وعزم عليها .
{ و } قال لقمان لابنه : { ولا تصعر خدك للناس } يقول : لا تعرض وجهك عن فقراء الناس إذا كلموك فخرا بالخيلاء والعظمة ، { ولا تمش في الأرض مرحا إن الله لا يحب كل مختال فخور } [ آية : 18 ] يعنى عز وجل كل بطر مرح فخور فى نعم الله تعالى لا يأخذها بالشكر .

(3/55)


{ واقصد في مشيك } لا تختل فى مشيتك ، ولا تبطر حيث لا يحل ، { واغضض } يعنى واخفض { من صوتك } يعنى من كلامك بأمر لقمان ابنه بالاقتصاد فى المشى ، والمنطق ، ثم ضرب للصوت الرفيع ، مثلا ، فقال عز وجل { إن أنكر الأصوات لصوت الحمير } [ آية : 19 ] يعنى أقبح الأصواب لصوت الحمير ، لشدة صوتهن تقول العرب : هذا أصوات الحمير ، وهذا صوت الحمير ، وتقول : هذا صوت الدجاجن وهذا أصوات الدجاج ، وتقول : هذا صوت النساء ، وأصوات النساء .

(3/56)


ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السماوات وما في الأرض وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير (20) وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا أولو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير (21)

{ ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السماوات } يعنى الشمس والقمر والنجوم والسحاب والرياح ، { وما في الأرض } يعنى الجبال والأنهار فيها السفن والأشجار والنبت عاما بعام ، ثم قال : { وأسبغ عليكم نعمه } يقول : وأوسع لعيكم نعمه { ظاهرة } يعنى تسوية الخلق والرزق والإسلام ، { وباطنة } يعنى ما ستر من الذنوب من بنى أدم ، فلم يعلم بها أحد ولم يعاقب فيها ، فهذا كله من النعم ، فالحمد لله على ذلك حمدا كثيرا ، ونسأهل تمام النعمة في الدنيا والآخرة ، فإنه ولى كل حسنة ، { ومن الناس } يعنى النضر بن الحارث { من يجادل } يعنى يخاصم { في الله بغير علم } بعلمه حين يزعم أن لله عز وجل البنات ، يعنى الملائكة ، { ولا هدى ولا كتاب منير } [ آية : 20 ] يعنى لا بيان معه من الله عز وجل ، يقول : ولا كتاب مضىء له فيه حدة بأن الملائكة بنات الله عز وجل .
{ وإذا قيل لهم } يعنى للنضر { اتبعوا مآ أنزل الله } من الإيمان بالقرآن { قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه آبآءنا } من الدين ، بقول الله عزو جل { أولو كان } يعنى وإنن كان { الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير } [ آية : 21 ] يعنى الوقود يتبعونه ، يعنى النضر بن الحارث مثله فى سورة الحج ، ثم أخبر عن الموحدين .

(3/57)


ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى وإلى الله عاقبة الأمور (22) ومن كفر فلا يحزنك كفره إلينا مرجعهم فننبئهم بما عملوا إن الله عليم بذات الصدور (23) نمتعهم قليلا ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ (24) ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون (25) لله ما في السماوات والأرض إن الله هو الغني الحميد (26)

{ ومن يسلم وجهه إلى الله } يقول : من يخلص دينه لله ، كقوله تعالى : { ولكل وجهة } [ البقرة : 148 ] يعنى لكل أهل دين ، ثم قال { وهو محسن } في علمه { فقد استمسك } يقول : فقد أخذ { بالعروة الوثقى } التى لا انفصام لها ، لا نقطاع لها { وإلى الله عاقبة الأمور } [ آية : 22 ] يعنى مصير أمور العباد إلى الله عز وجل فى الآخرة ، فيجزيهم بأعمالهم .
{ ومن كفر فلا يحزنك كفره } وذلك أن كفار مكة ، قالوا : فى حم عسق : { افترى على الله كذبا } [ الشورى : 42 ] ، يعنون النبى صلى الله عليه وسلم حين يزعم أن القرآن جاء من الله عز وجل ، فشق على النبى صلى الله عليه وسلم قولهم وأحزنه ، فأنزل الله عز وجل : { ومن كفر } بالقرآن { فلا يحزنك كفره } { إلينا مرجعهم فننبئهم بما عملوا } من المعاصى { إن الله عليم بذات الصدور } [ آية : 23 ] يقول : إن الله عز وجل عالم بما في قلب محمد صلى الله عليه وسلم من الحزن بما قالوا له ، ثم أخبر عز وجل عنهم ، فقال : { نمتعهم قليلا } في الدنيا إلى آجالهم { ثم نضطرهم } نصيرهم { إلى عذاب غليظ } [ آية : 24 ] يعنى شديد لا يفتر عنهم .
{ ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله قل الحمد لله بل } يعنى ولكن { أكثرهم لا يعلمون } [ آية : 25 ] بتوحيد الله عز وجل ، ثم عظم نفسه عز وجل ، فقال : { لله ما في السماوات والأرض } من الخلق ، عبيده ، وفى ملكه ، { إن الله هو الغني } عن عباده خلقه { الحميد } [ آية : 26 ] عند خلقه في سلطانه .

(3/58)


ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله إن الله عزيز حكيم (27) ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة إن الله سميع بصير (28)

{ ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله } يعنى علم الله يقول : لو أن كل شجرة ذات ساق على وجه الأرض بريت أقلاما ، وكانت البحور السبعة مدادا ، فكتب بتلك الأقلام ، وجميع خلق الله عز وجل يكتبون من البحور السبعة ، فكتبوا علم الله تعالى وعجائبه ، لنفدت تلك الأقلام وتلك البحور ، ولم ينفد علم الله وكلماته ولا عجائبه ، { إن الله عزيز } في ملكه { حكيم } [ آية : 27 ] فى أمره ، يخير الناس أن أحدا لا يدرك علمه .
{ ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة } نزلت فى أبى بن خلف ، وأبى الأشدين واسمه أسيد بن كلدة ، ومبنه ونبيه ابنى الحجاج بن السباق بن حذيفة السهمى ، كلهم من قريش ، وذلك أنهم قالوا للنبى صلى الله عليه وسلم : إن الله خلقنا أطوارا ، نطفة ، علقه ، موضغة ، عظاما ، لحما ، ثم تزعم أنا نبعث خلقا جديدا جميعا فى ساعة واحدة ، فقال الله عز وجل : { ما خلقكم } أيها الناس جميعا على الله سبحانه فى القدرة ، إلا كخلق نفس واحدة ، { ولا بعثكم } جميعا على الله تعالى ، إلا كبعث نفس واحدة { إن الله سميع بصير } [ آية : 28 ] لما قالوا من الخلق والبعث .

(3/59)


ألم تر أن الله يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري إلى أجل مسمى وأن الله بما تعملون خبير (29) ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه الباطل وأن الله هو العلي الكبير (30)

{ ألم تر } يا محمد { أن الله يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل } يعنى انتقاض كل واحد منهما من صاحبه حتى يصير أحدهما خمس عشرة ساعة والآخرة سبع ساعات { وسخر الشمس والقمر } لبنى آدم { كل يجري إلى أجل } وهو الأجل ال { مسمى وأن الله بما تعملون } فيهما { خبير } [ آية : 29 ] .
{ ذلك } يقول : هذا الذى ذكر من صنع الله ، والنهار والشمس والقمر { بأن الله } جل جلاله { هو الحق } وغير باطل يدل على توحيده بصنعه ، ثم قال تعالى : { وأن ما يدعون } يعنى يعبدون { من دونه } من الآلهة هو { الباطل } لا تنفعكم عبادتهم وليس بشىء ، ثم عظم نفسه عز وجل ، فقال سبحانه : { وأن الله هو العلي } يعنى الرفيع فوق خلقه { الكبير } [ آية : 30 ] فلا أعظم منه ، ثم ذكر توحيده وصنعه .

(3/60)


ألم تر أن الفلك تجري في البحر بنعمة الله ليريكم من آياته إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور (31) وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر فمنهم مقتصد وما يجحد بآياتنا إلا كل ختار كفور (32)

{ ألم تر أن الفلك } السفن { تجري في البحر } بالرياح { بنعمة الله } يعنى برحمة الله عز وجل { ليريكم من آياته } يعنى من علاماته ، وأنتم فيهن ، يعنى ما ترون من صنعه وعجائبه في البحر والابتغاء فيه الرزق والحلى { إن في ذلك } الذى ترون فى البحر { لآيات } يعنى لعبرة { لكل صبار } على أمر الله عز وجل عند البلاء في البحر { شكور } [ أية : 31 ] لله تعالى فى نعمه حين أنجاه ن أهوال البحر ، ثم قال عز وجل :
{ وإذا غشيهم } في البحر { موج كالظلل } يعنى كالجبال { دعوا الله مخلصين له } يعنى موحدين له { الدين } يقول : التوحيد { فلما نجاهم } من البحر { إلى البر فمنهم مقتصد } يعنى عدل في وفاء العهد في البر ، فيما عاهد الله عز وجل عليه فى البحر من التوحيد ، يعنى المؤمن ، ثم ذكر المشرك الذى وحد الله فى البحر حين دعاه مخلصان ثم ترك التوحيد فى البر ونقض العهد ، فذلك قوله عز وجل : { وما يجحد بآياتنآ } يعنى ترك العهد { إلا كل ختار } يعنى غدار بالعهد { كفور } [ آية : 32 ] لله عز وجل فى نعمة فى تركه التوحيد فى البر .

(3/61)


يا أيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوما لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئا إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور (33)

{ ياأيها الناس اتقوا ربكم } يقول الله تعالى : وحدوا ربكم { واخشوا يوما } يخوفهم يوم القيامة { لا يجزي } يعنى لا يغنى { والد عن ولده } شيئا من المنفعة ، يعنى الكفار { ولا مولود هو جاز } يعنى هو مغن { عن والده شيئا } من المنفعة { ن وعد الله حق } في البعث أنه كائن { إ فلا تغرنكم الحياة الدنيا } عن الإسلام { ولا يغرنكم بالله الغرور } [ أية : 33 ] يعنى الباطل ، وهو الشيطان يعنى به إبليس .

(3/62)


إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير (34)

{ إن الله عنده علم الساعة } « نزلت فى رجل اسمه الوارث بن عمرو بن حارثة بن محارب من أهل البادية آتى النبى صلىلله عليه وسلم ، فقال : إن أرضنا أجدبت فمتى الغيث؟ وتركت امرأتى حبلى فماذا تلد؟ وقد علمت أين ولدت ، فبأى أرض أموت؟ وقد علمت ما عملت اليوم ، فما أعمل غدا؟ ومتى الساعة؟ فأنزل الله تبارك وتعالى فى مسألة المحاربى : { إن الله عنده علم الساعة } يعنى يوم القيامة لا يعلمها غيره ، { وينزل الغيث } يعنى المطر ، { ويعلم ما في الأرحام } ذكرا ، أو أنثى ، أو غير سوى ، { وما تدري نفس } بر ، وفاجر ، { ماذا تكسب غدا } من خير وشر ، { وما تدري نفس بأي أرض تموت } فى سهل ، أو جبل ، فى بر ، أو بحر ، { إن الله عليم خبير } [ آية : 34 ] بهذا كله مما ذكر فى هذه الآية ، فقال النبى صلى الله عليه وسلم : » أين السائل عن الساعة «؟ فقال المحاربى : ها أنذا ، فقرأ عليه النبى صلى الله عليه وسلم هذه الآية » .

(3/63)


الم (1) تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين (2) أم يقولون افتراه بل هو الحق من ربك لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يهتدون (3)

{ الم } [ آية : 1 ] { تنزيل الكتاب } يعنى القرآن { لا ريب فيه } يعنى لا شك فيه أنه نزل { من رب العالمين } [ أية : 2 ] جل وعز ، لقولهم : { أم يقولون } أنه { افتراه } محمد صلى الله عليه وسلم من تلقاء نفسه ، فأكذبهم الله تعالى ، { بل هو الحق } يعنى القرآن { من ربك } ولو لم يكن من ربك لم يكن حقا ، وكان باطلا { لتنذر قوما } يعنى كفار قريش { مآ أتاهم } يقول : لم يأتهم { من نذير } يعنى من رسول { من قبلك } يا محمد { لعلهم } يعنى لكل { يهتدون } [ أية : 3 ] ن الضلالة .

(3/64)


الله الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع أفلا تتذكرون (4) يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون (5) ذلك عالم الغيب والشهادة العزيز الرحيم (6) الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين (7) ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين (8) ثم سواه ونفخ فيه من روحه وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون (9)

{ الله الذي خلق السماوات والأرض } يدل على نفسه عز وجل بصنعه { وما بينهما } يعنى السحاب والرياح والجبال والشمس والقمر والنجوم { في ستة أيام ثم استوى على العرش } قبل خلق السماوات والأرض وقبل كل شيء { ما لكم من دونه من ولي } يعنى من قريب ينفعكم فى الآخرة ، يعنى كفار مكة { ولا شفيع } من الملائكة { أفلا تتذكرون } [ آية : 4 ] فيما ذكر الله عز وجل من صنعه فتوحدونه .
ثم قال عز وجل : { يدبر الأمر } يقول : يفصل القضاء وحده { من السمآء إلى الأرض } فينزل به جبريل صلى الله عليه ، { ثم يعرج } يقول : ثم يصعد الملك { إليه في يوم } واحد من أيام الدنيا { كان مقداره } أي مقدار ذلك اليوم { ألف سنة مما تعدون } [ آية : 5 ] أنتم لأن ما بين السماء والأرض مسيرة خمس مائة عام ، فلذلك مسيرة ألف سنة كل ذلك فى يوم من أيام الدنيا .
{ ذلك } يعنى الذى ذكر من هذه الأشياء { عالم الغيب والشهادة العزيز } فى ملكه { الرحيم } [ آية : 6 ] بخلقه مثلها فى يس : { ذلك تقدير العزيز العليم } [ الأنعام : 96 ] ، ثم قال لنفسه عز وجل : { الذي أحسن كل شيء خلقه } يعنى علم كيف يخلق الأشياء من غير أن يعمله أحد ، { وبدأ خلق الإنسان } يعنى أدم ، عليه السلام ، { من طين } [ أية : 7 ] كان أوله طينا ، فلما نفخ فيه الروح صار لحما ودما .
{ ثم جعل نسله } يعنى ذريةآدم عليه السلام ، { من سلالة } يعنى النطفة التى نسل من الإنسان { من مآء مهين } [ آية : 8 ] يعنى بالماء النطفة ، ويعنى بالمهين الضعيف ، ثم رجع إلى آدم فى التقديم ، فقال تعالى : { ثم سواه } يعنى ثم سوى خلقه { ونفخ فيه من روحه } ، ثم رجع إلى ذرية آدم ، عليه السلام ، فقال سبحانه : { وجعل لكم } يعنى ذرية آدم ، عليه السلامن بعد النطفة { السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون } [ آية : 9 ] يعنى بالقليل أنهم لا يشركون رب هذه النعم فى حسن خلقهم فيوحودنه ، تقول العرب : إنك لقليل الفهم ، يعنى لا يفهم ولا يفقه .

(3/65)


وقالوا أئذا ضللنا في الأرض أئنا لفي خلق جديد بل هم بلقاء ربهم كافرون (10) قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ثم إلى ربكم ترجعون (11) ولو ترى إذ المجرمون ناكسو رءوسهم عند ربهم ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا إنا موقنون (12) ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين (13) فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا إنا نسيناكم وذوقوا عذاب الخلد بما كنتم تعملون (14)

{ وقالوا أإذا ضللنا } يعنى هلكنا { في الأرض } وكنا ترابا { أإنا لفي خلق جديد } إنا لمبعثون خلقا جديدا بعد الموت ، يعنون البعث ، ويعنون كما كنا تكذيبا بالبعث نزلت فى أبى بن خلف ، وأبى الأشدين اسمه أسيد بن كلدة بن خلف الجمحى ، ومنبه ونبيه ابنى الحجاج ، يقول الله عز وجل : { بل } نبعهم ، نظيرها فى ق والقرآن ، ثم قال : { هم بلقآء ربهم } يعنى بالبعث { كافرون } [ آية : 10 ] لا يؤمنون .
{ قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم } يزعمون أنه اسمه عزرائيل ، وله أربعة أجنحة جناح بالمشرق ، وجناح بالمغرب ، وجناح له فى أقصى العالم من حيث تجىء الريح الدبور ، وجناح له فى أقصى العالم من محيث تجىء الريح الصبا ، ورجل له بالمشرق ، ورجله الأخرى بالمغرب ، والخلق بين رجليه ورأسه فى السماء العليا وجسده ، كما بين السماء والأرض ، ووجهه عند ستر الحجب ، { ثم إلى ربكم ترجعون } [ آية : 11 ] بعد الموت أحياء فيجزيكم بأعمالكم .
{ ولو ترى } يا محد { إذ المجرمون } يعنى عز وجل كفار مكة { ناكسوا رءوسهم عند ربهم ربنآ أبصرنا وسمعنا فارجعنا } إلى الدنيا { نعمل صالحا إنا موقنون } [ آية : 12 ] بالبعث . يقول الله جل ثناؤه : { ولو شئنا لآتينا } يعنى لأعطينا { كل نفس } فاجرة { هداها } يعنى بيانها { ولكن حق القول مني } يعنى وجب العذاب منى { لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين } [ آية : 13 ] يعنى كفار الإنس والجن جميعا ، والقول الذى وجب من الله عز وجل لقوله لإبليس يوم عصاه فى السجود لآدم ، عليه السلام : { لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين } [ ص : 85 ] ، فإذا أدخلوا النار قالت الخزنة لهم : { فذوقوا } العذاب { بما نسيتم } يعنى بما تركتم الإيمان ب { لقآء يومكم هاذآ } يعنى البعث { إنا نسيناكم } تقول الخزنة : إنا تركناكم فى العذاب { وذوقوا عذاب الخلد } الذى لا ينقطع { بما كنتم تعملون } [ آية : 14 ] من الكفر والتكذيب .

(3/66)


إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها خروا سجدا وسبحوا بحمد ربهم وهم لا يستكبرون (15) تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ينفقون (16) فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون (17) أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون (18)

{ إنما يؤمن بآياتنا } يقول : يصدق بآياتنا ، يعنى القرآن { الذين إذا ذكروا بها } يعنى وعظوا بها ، يعنى بآياتنا القرآن { خروا سجدا } على وجوههم { وسبحوا بحمد ربهم } وذكروا الله بأمره { وهم لا يستكبرون } [ آية : 15 ] يعنى لا يكتبرون عن السجود كفعل كفار مكة حين تكبروا عن السجود .
{ تتجافى جنوبهم عن المضاجع } نزلت في الأنصار { تتجافى جنوبهم } يعنى كانوا يصلون بن المغرب والعشاء { يدعون ربهم خوفا } من عذابه ، { وطمعا } يعنى ورجاء فى رحمته ، { ومما رزقناهم } من الأموال { ينفقون } [ آية : 16 ] فى طاعة الله عز وجل ، ثم أخبر بما أعد لهم ، فقال عز وجل : { فلا تعلم نفس مآ أخفي لهم } فى جنات عدن مما لم تر عين ، ولم تسمع أذن ، ولم يخطر على قلب قائل { من قرة أعين جزآء بما كانوا يعملون } [ آية : 17 ] به .
{ أفمن كان مؤمنا } وذلك أن الوليد بن عقبة بن أبى معيط من بنى إمية أخو عثمان بن عفان ، رضى الله عنه ، من أمه ، قال لعلى بن أبى طالب ، رضى الله عنه : اسكت فإنك صبى ، وأنا أحد منك سنانا ، وابسط منك لسانا ، وأكثر حشوا فى الكتيبة منك ، قال له على ، عليه السلام : اسكت فأنت فاسق ، فأنزل الله جل ذكره : { أفمن كان مؤمنا } يعنى عليا ، عليه السلام ، { كمن كان فاسقا } يعنى الوليد { لا يستوون } [ آية : 18 ] أن يتوبوا من الفسق ، ثم أخبر بمنازل المؤمنين وفساق الكفار فى الآخرة .

(3/67)


أما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم جنات المأوى نزلا بما كانوا يعملون (19) وأما الذين فسقوا فمأواهم النار كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها وقيل لهم ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون (20) ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلهم يرجعون (21) ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم أعرض عنها إنا من المجرمين منتقمون (22)

{ أما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم } فى الآخرة { جنات المأوى } مأوى المؤمنين ، ويقال : مأوى أرواح الشهداء { نزلا بما كانوا يعملون } [ آية : 19 ] .
{ وأما الذين فسقوا } يعنى عصوا يعنى الكفار { فمأواهم } يعنى عز وجل فمصيرهم { النار كلمآ أرادوا أن يخرجوا منهآ أعيدوا فيها وقيل لهم } وذلك أن جهنم إذا جاشت ألقت الناس فى أعلى النار ، فيريدون الخروج فتلقاهم الملائكة بالمقامع فيضربونهم ، فيهوى أحدهم من الضربة إلى قعرها ، وتقول الخزنة إذا ضربونهم : { ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون } [ آية : 20 ] بالعبث وبالعذاب بأنه ليس كائنا ، ثم قال عز وجل : { ولنذيقنهم } يعنى كفار مكة { من العذاب الأدنى } يعنى الجوع الذى أصابهم فى السنين السبع بمكة حين أكلوا العظام والموتى والجيف الكلاب عقوبة بتكذيبهم النبى صلى الله عليه وسلم ، ثم قال : { دون العذاب الأكبر } يعنى القتل ببدر ، وهو أعظم من العذاب الذى أصابهم من الجوع { لعلهم } يعنى لكى { يرجعون } [ أية : 21 ] من الكفر إلى الإيمان .
{ ومن أظلم } يقول : فلا أحد أظلم { ممن ذكر بآيات ربه } يقول : ممن وعظ بآيات القرآن { ثم أعرض عنهآ } عن الإيمان { إنا من المجرمين منتقمون } [ آية : 22 ] يعنى كفار مكة نزلت فى المطعمين والسمتهزئين من قريش ، انتقم الله عز وجل منهم بالقتل ببدر ، وضرب الملائكة الوجوه والأدبار ، وتعجيل أرواحهم إلى النار .

(3/68)


ولقد آتينا موسى الكتاب فلا تكن في مرية من لقائه وجعلناه هدى لبني إسرائيل (23) وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون (24) إن ربك هو يفصل بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون (25) أولم يهد لهم كم أهلكنا من قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم إن في ذلك لآيات أفلا يسمعون (26)

{ ولقد آتينا موسى الكتاب } يقول : أعطينا موسى صلى الله عليه وسلم التوراة { فلا تكن } يا محمد { في مرية من لقآئه } يقول : لا تكن فى شك من لقاء موسى ، عليه السلام ، التوراة ، فإن الله عز وجل ألقى الكتاب عليه ، يعنى التوراة حقا ، { وجعلناه هدى } يعنى التوراة هدى { لبني إسرائيل } [ آية : 23 ] من الضلالة .
{ وجعلنا منهم } يعنى من بنى إسرائيل { أئمة } يعنى قادة إلى الخير { يهدون بأمرنا } يعنى يدعون الناس إلى أمر الله عز وجل { لما صبروا } يعنى لما صبروا على البلاء حين كلفوابمصر ما لم يطيقوا من العمل فعل ذلك بهم باتباعهم موسى على دين الله عز وجل ، قال تعالى : { وكانوا بآياتنا } يعنى بالآيات التسع { يوقنون } [ آية : 24 ] بأنها من الله عز وجل .
{ إن ربك هو يفصل بينهم } يعنى يقضى بينهم ، يعنى بنى إسرائيل { يوم القيامة فيما كانوا فيه } من الدين { يختلفون } [ آية : 25 ] ثم خوف كفار مكة ، فقال تعالى : { أولم يهد لهم } يعنى يبين لهم { كم أهلكنا } بالعذاب { من قبلهم من القرون } يعنى الأمم الخالية { يمشون في مساكنهم } يقول : يمرون على قراهم ، يعنى قولم لوط ، وصالح ، وهود ، عليهم فيرون هلاكهم { إن في ذلك لآيات } يعنى لعبرة { أفلا يسمعون } [ آية : 26 ] الوعيد بالمواعظ ، ثم وعظهم ليوحدوا .

(3/69)


أولم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجرز فنخرج به زرعا تأكل منه أنعامهم وأنفسهم أفلا يبصرون (27) ويقولون متى هذا الفتح إن كنتم صادقين (28) قل يوم الفتح لا ينفع الذين كفروا إيمانهم ولا هم ينظرون (29) فأعرض عنهم وانتظر إنهم منتظرون (30)

{ أولم يروا أنا نسوق المآء إلى الأرض الجرز } يعنى الملساء ليس فيها نبت { فنخرج به } بالماء { زرعا تأكل منه أنعامهم وأنفسهم أفلا يبصرون } [ آية : 27 ] هذه الأعاجيب فيوحدون ربهم عز وجل ، { ويقولون متى هذا الفتح } يعنى القضاء وهو البعث { إن كنتم صادقين } [ آية : 28 ] وذلك أن المؤمنين قالوا : إن لنا يوما نتنعم فيه ، ونستريح ، فقال كفار مكة : متى هذا الفتح إن كنتم صادقين؟ يعنون النبى صلى الله عليه وسلم وحده ، تكذيبا بالبعث بأنه ليس بكائن ، فإن البعث حقا صدقنا يومئذ ، فأنزل الله تبارك وتعالى :
{ قل } يا محمد { يوم الفتح } يعنى القضاء { لا ينفع الذين كفروا إيمانهم } بالبعث لقولهم للنبى صلى الله عليه وسلم : إن كان البعث الذى تقول حقا صدقنا يومئذ ، فذلك قوله عز وجل : { يوم الفتح لا ينفع الذين كفروا } بالبعث ، لقولهم : إن كان ذلك اليوم حقا صدقنا { إيمانهم ولا هم ينظرون } [ آية : 29 ] يقول : لا يناظر بهم العذاب حتى يقولوا ، فلم نزلت هذه الآية أراد النبى صلى الله عليه وسلم أن يرسل إليهم فيجزيهم وينبؤهم ، فأنزل الله تبارك وتعالى يعزى نبيه صلى الله عليه وسلم إلى مدة .
{ فأعرض عنهم وانتظر } بهم العذاب ، يعنى القتل { إنهم منتظرون } [ آية : 30 ] العذاب ، يعنى القتل ببدر ، فقتلهم الله وضربت الملائكة وجوههم وأدبارهم وعجل الله أرواحهم إلى النار ، ثم إن آية السيف نسخت الإعراض .

(3/70)


يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين إن الله كان عليما حكيما (1) واتبع ما يوحى إليك من ربك إن الله كان بما تعملون خبيرا (2) وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا (3) ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم وما جعل أدعياءكم أبناءكم ذلكم قولكم بأفواهكم والله يقول الحق وهو يهدي السبيل (4) ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم وكان الله غفورا رحيما (5)

{ يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين } وذلك أن عبد الله بن أبى ، وعبد الله بن سعد بن أبى سرح ، وطعمة بن أبيرق ، وهم المنافقون كتبوا مع غلام لطعمة إلى مشركى مكة من قريش إلى أبى سفيان بن حرب ، وعكرمة بن أبى جهل ، وأبى الأعور رأس الأحزاب أن أقدموا علينا فسنكون لكم اعوانا فيما تريدون ، وإن شئتم مكرنا بمحمد صلى الله عليه وسلم حتى يتبع دينكم الذى أنتم عليه ، فكتبوا إليهم : إنا لن نأتيكم حتى تأخذوا العهد والميثاق من محمد ، فإنا نخشى أن يغدر بنا ، ثم نأتيكم فنقول وتقولون ، لعله يتبع ديننا ، فلما جاءهم الكتاب ، انطلق هؤلاء المنافقون حتى أتوا النبى صلى الله عليه وسلم ، فقالوا : أتيناك فى أمر أبى سفيان بن حرب ، وأبى الأعور ، وعكرمة بن أبى جهل ، أن تعطيهم العهد والميثاق على دمائهم وأموالهم ، فيأتون وتكلمهم لعل إلهك يهد قلوبهم ، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك؛ وكان حريصا على أن يؤمنوا أعطاهم الأمان من نفسه ، فكتب المنافقون إلى الكافرين من قريش أنا قد استمكنا من محمد صلى الله عليه وسلم ، ولقد أعطانا وإياكم الذى تريدون ، فأقبلوا على اسم اللات والعزى لعلنا نزيله إلى ما نهواه ، ففرحوا بذلك .
ثم ركب كل رجل منهم راحلة حتى أتوا المدينة ، فلما دخلوا على عبد الله بن أبى ، أنزلهم وأكرمهم ورحب بهم ، وقال : أنا عند الذى يسركم محمد أذن ، ولو قد سمع كلامنا وكلامكم لعله لا يعصينا فيما نأمره ، فأبشروا واستعينوا آلهتكم عليه ، فإنها نعم العون لنا ولكم ، فلما رأوا ذلك منه قالوا : أرسل إلى إخواننا ، فأرسل عبدالله بن أبى إلى طعمة وسعد أن إخواننا من أهل مكة قدموا علينا ، فلما أتاهم الرسول جاءوا فرحبوا بهم ولزم بعضهم بعضا من الفرح وهم قيام ، ثم جلسوا يرون أن يستنزلوا محمدا صلى الله عليه وسلم عن دينه .
فقال عبدالله بن أبى : أما أنا فأقول له ما تسمعون لا أعدوا ذلك ولا أزيد ، أقول : إنا معشر الأنصار لم نزل وإلهنا محمود بخير ، ونحن اليوم أفضل منذ أرسل إلينا محمد ، ونحن كل يوم منه في مزيد ، ونحن نرجو بعد اليوم من إله محمد كل خير ، ولكن لو شاء محمد قبل أمرا كان يكون ما عاش لنا وله ذكر فى الأولين الذين مضوا ، ويذهب ذكره فى الآخرين على أن يقول : إن اللات والعزى فهما شفاعة يوم القيامة ، ولهما ذكر ومنفعة على طاعتهما ، هذا قولى له .
« قال أبو سفيان : نخشى علينا وعليكم الغدر والقتل ، فإن محمدا زعموا أنه لن يبقى بها أحدا منا فى شدة بغضه إيانا ، وإنا نخشى أن يكون يضمر لنا فى نفسه ما كان لقى أصحابه يوم أحد . قال عبدالله بن أبى : إنه إذا أعطى الأمان فإنه لن يغدر ، هو أكرم من ذلك ، وأوفى بالعهد منا ، فلما أصبحوا أتوه فسلمو عليه ، فقال النبى صلى الله عليه وسلم : » مرحبا بأبى سفيان اللهم اهد قلبه « ، فقال أبو سفيان : اللهم يسر الذى هو خير ، فجلسوا فتكلموا وعبدالله بن أبى ، فقالوا : للنبى صلى الله عليه وسلم : ارفض ذكر اللات والعزة ومناة ، حجر يعبد بأرض هذيل ، وقل : إن لهما شفاعة ومنفعة فى الآخرة لمن عبدهما ، فنظر إليه النبى صلى الله عليه وسلم وشق عليه قولهم فقال عمر بن الخطاب ، رضوان الله عليه : ائذن لى يا رسول الله فى قتلهم ، فقال النبى صلى الله عليه وسلم : » إنى قد أعطيتهم العهد والميثاق « ، وقال النبى صلى الله عليه وسلم : » لو شعرت أنكم تأتون لهذا من الحديث لما أعطتهم الأمان « . فقال أبو سفيان : ما بأس بهذا أن قوما استأنسوا إليك يا محمد ورجوا منك أمرا ، فأما إذا قطعت رجاءهم ، فإنه لا ينبغى لك أن تؤذيهم ، وعليك باللين والتؤدة لإخوانك وأصحابك ، فإن هذا من قوم أكرموك ونصروك وأعانوك ولولاهم لكنت مطلوبا مقتولا ، وكنت فى الأرض خائفا لا يقبلك أحد ، فزجرهم عمر بن الخطاب ، رضى الله عنه ، فقال : اخرجوا فى لعنة الله وغضبه فعليكم رجس الله وغضبه وعذابه ما أكثر شركم ، وأقل خيركم وأبعدم من الخير ، وأقربكم من الشر ، فخرجوا من عنده ، فأمر النبى صلى الله عليه وسلم أن يخرجهم من المدينة ، فقال بعضهم لبعض : لا نخرج حتى يعطينا العهد إلى أن نرجع إلى بلادنا ، فأعطاهم النبى صلى الله عليه وسلم ذلك »

(3/71)


، فنزلت فيهم { يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين } يعنى تبارك وتعالى أبا سفيان ، وعكرمة ، وأبا الأعور ، اسمه عمرو بن سفيان ، ثم قال : { والمنافقين } يعنى عبدالله بن أبى ، وعبدالله بن سعد بن أبى سرح ، وطعمة بن أبيرق ، { إن الله كان عليما حكيما } [ آية : 1 ] .
فلما خرجوا من عنده قال النبى صلى الله عليه سلم : ما لهؤلاء؟ عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين { واتبع ما يوحى إليك من ربك } يعنى ما فى القرآن { إن الله كان بما تعملون خبيرا } [ آية : 2 ] .
{ وتوكل على الله } وثق بالله فيما تسمع من الأذى { وكفى بالله وكيلا } [ آية : 3 ] نصارا ووليا ومانعا ، فلا أحد أمنع من الله تعالى ، وإنما نزلت فيها { يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين } من أهل مكة { والمنافقين } من أهل المدينة ، يعنى هؤلاء النفر الستة المسمين ، ودع أذاهم إياك لقولهم للنبى صلى الله عليه وسلم : قل للآلهة شفاعة ومنفعة لمن عبدها { وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا } يعنى مانعا فلا أحد أمنع من الله عز وجل ، ثم قال :
{ ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه } نزلت فى أبى معمر بن أنس الفهرى ، كان رجلا حافظا لما سمع وأهدى الناس بالطريق وكان لبيبا ، فقالت قريش : ما أحفظ أبا معمر ، إلا أنه ذو قلبين ، فكان جميل يقول : إن فى جوفى قلبين أحدهما أعقل من محمد ، فلما كان يوم بدر انهزم وأخذ نعله فى يده ، فقال له سليمان بن الحارث : أين تذهب يا جميل؟ تزعم أن لك قلبين أحدهما أعقل من محمد صلى الله عليه وسلم .

(3/72)


ثم قال : { وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم } يعنى أوس بن الصامت بن قيس الأنصارى من بنى عوف بن الخزرج وامرأته خولة بنت قيس بن ثعلبة بن مالك بن أصرم بن حرامة من بنى عمرو بن عوف بن الخزرج .
ثم قال : { وما جعل أدعيآءكم أبنآءكم } يعنى النبى صلى الله عليه وسلم تبنى زيد بن حارثة اتخذه ولدا ، فقال الناس : زيد بن محمد ، فضرب الله تعالى لذلك مثلا ، فقال : { ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه } { وما جعل أدعيآءكم أبنآءكم } فكما لا يكون للرجل الواحد قلبان ، كذلك لا يكون دعى الرجل ابنه يعنى النبى صلى الله عليه وسلم وزيد بن حارثة بنقرة بن شرحبيل الكلبى ، من بنى عبد ود ، كان النبى صلى الله عليه وسلم تبناه فى الجاهلية وآخى بينه وبين حمزة بن عبدالمطلب ، رضى الله عنهما ، فى الإسلام ، فجعل الفقير أخا الغنى ليعود عليه ، فلما تزوج النبى صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش ، وكانت تحت زيد بن حارثة ، قالت اليهود والمنافقون : تزوج محمد امرأة ابنه ، وهو ينهانا عن ذلك ، فنزلت هذه الآية ، فلذلك قوله سبحانه : { وما جعل أدعيآءكم } يعنى دعى النبى صلى الله عليه وسلم حين ادعى زيدا ولدا ، فقال : هو ابنى { أبنآءكم } يقول : لم يجعل أدعياءكم أبناءكم .
ثم قال : { ذلكم } الذى قلتم زيد بن محمد هو { قولكم بأفواهكم } يقول : إنكم قلتموه بألسنتكم { والله يقول الحق } فيما قال من أمر زيد بن حارثة { وهو يهدي السبيل } [ آية : 4 ] يعنى وهو يدل إلى طريق الحق ، ثم أخبر كيف يقولون فى أمر زيد بن حارثة .
فقال : { ادعوهم لآبآئهم } يقول : قولوا زيد بن حارثة ولا تنسبوه إى غير أبيه { هو أقسط } يعنى أعدل { عند الله } فلما نزلت هذه الآية دعاه المسلمون إلى أبيه ، فقال : زيد أنا بن حارثة معروف نسبى ، فقال تعالى : { فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم } يقول : فإن لم تعلموا لزيد أبا تنسبوه إليه ، فهو أخوكم فى الدين ومولاكم ، يقول فلان مولى فلان { وليس عليكم جناح } يعنى حرج { فيمآ أخطأتم به } قبل النهى ونسبوه إلى غير أبيه { ولكن } الجناح فى { ما تعمدت قلوبكم } بعد النهى { وكان الله غفورا رحيما } { آية : 5 ] غفورا لما كان من قولهم من قبل أن زيد بن محمد صلى الله عليه وسلم رحيما فيما بقى ، فقال رجل من المسلمين في ذلك .

(3/73)


النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا كان ذلك في الكتاب مسطورا (6) وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم وأخذنا منهم ميثاقا غليظا (7) ليسأل الصادقين عن صدقهم وأعد للكافرين عذابا أليما (8)

فأنزل الله تعالى : { النبي أولى بالمؤمنين } في الطاعة له { من أنفسهم } يعنىمن بعضهم لبعض ، فلما نزلت هذه الآية ، قال النبى صلى الله عليه وسلم : « من ترك دينا فعلى ، ومن ترك كلا ، يعنى عيالا ، فأنا أحق به ، ومن ترك مالا للورثة » ثم قال عز وجل : { وأزواجه أمهاتهم } ولا يحل لمسلم أن يتزوج من نساء النبى صلى الله عليه وسلم شيئا أبدا ، ثم قال عز وجل : { وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله } يعنى في المواريث { من المؤمنين } يعنى الأنصار ، ثم قال : { والمهاجرين } الذين هاجروا إليهم بالمدينة ، وذلك أن الله تعالى أراد أنت يحرض المؤمنين على الهجرة بالمواريثا ، فلما نزلت هذه الآية ورث المهاجرون بعضهم بضعا على القرابة ، فإن كان مسلما لم يهاجر لم يرثه اينه ولا أبوه ولا أخوه المهاجر ، إذا مات أحدهما ولم يهاجر الآخر . { إلا أن تفعلوا إلى أوليآئكم معروفا } يعنى إلىأقربائكم أن لهم من الميراث للذين لم يهاجروا من المسلمين ، كانوا بمكة أو بغيرها ، ثم قال : { كان ذلك في الكتاب مسطورا } [ آية : 6 ] يعنى مكتوبا فى اللوح المحفوظ أن المؤمنين أولى ببعض في الميراث من الكفار ، فلما كثر المهاجرون رد الله عز وجل المواريث على أولى الأرحام على كتاب الله فى القسمة إن كان مهاجرا ، أو غير مهاجر ، فقال في آخر الأنفال : { وأولوا الأرحام } من المسلمين { بعضهم أولى ببعض } مهاجر ، وغير مهاجر فى الميراث { في كتاب الله إن الله بكل شيء عليم } [ الأنفال : 75 ] ، فنسخت الآية التى في الأنفال هذه الآية التى فى الأحزاب .
{ وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك } يا محمد { ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم } فكان النبي صلى الله عليه وسلم أولهم في الميثاق وآخرهم فى البعث ، وذلك أن الله تبارك وتعالى خلق آدم ، عليه السلام ، وأخرج منه ذريته ، فأخذ على ذريته من النبين أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا ، وأن يدعوا الناس إلى عبادة الله عز وجلن وأن يصدق بعضهم بعضا ، وأن ينصحوا لقومهم ، فذلك قوله عز وجل : { وأخذنا منهم ميثاقا غليظا } [ آية : 7 ] الذى أخذ عليهم ، فكل نبى بعثه الله عز وجل صدق من كان قبله ، ومن كان بعده من الأنبياء ، عليهم السلام .
يقول عز وجل : { ليسأل الصادقين عن صدقهم } يعنى النبين ، عليهم السلام ، هل بلغوا الرسالة { وأعد للكافرين } بالرسل { عذابا أليما } [ آية : 8 ] يعنى وجيعا .

(3/74)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية