صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : تفسير حقي
المؤلف : حقي
مصدر الكتاب : موقع التفاسير
http://www.altafsir.com
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ولولا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى لقضي بينهم وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم لفي شك منه مريب (14)

{ وما تفرقوا } اى وما تفرق اليهود والنصارى فى الدين الذى دعوا اليه ولم يؤمنوا كما آمن بعضهم فى حال من الاحوال او فى وقت من الاوقات { الا من بعد ما جاءهم العلم } اى الا حال مجيئ العلم او الا وقت مجيئ العلم بحقية ما شاهد وافى رسول الله والقرءآن من دلائل الحقية حسبما وجدوه فى كتابهم او العلم بمبعثه { بغيا بينهم } من بغى بمعنى طلب وحقيقة البغى الاستطالة بغير حق كما فى المفردات اى لابتغاء طلب الدنيا وطلب ملكها وسياستها وجاهها وشهرتها وللحمية الجاهلية لا لأن لهم فى ذلك شبهة { ولولا كلمة سبقت من ربك } وهى العدة بتأخيرة العقوبة { الى اجل مسمى } اى وقت معين معلوم عند الله هو يوم القيامة او آخر اعمارهم المقدرة { لقضى بينهم } لأوقع القضاء بينهم باستئصالهم لاستيجاب جنايتهم لذلك قطعا { وان الذين اوروثوا الكتاب من بعدهم } اى وان المشركين الذين اوتو الكتاب اى القرءآن من بعد ما اوتى اهل الكتاب كتابهم والايراث فى الاصل ميراث دادن { لفى شك منه } اى من القرءآن والشك اعتدال النقيضين عند الانسان وتساويهما { ومريب } موقع فى القلق اى الاضطراب ولذلك لا يؤمنون الا لمحض البغى والمكابرة بعدما علموا بحقيته كدأب اهل الكتابين والريبة قلق النفس واضطرابها ويسمى الشك بالريب لأنه يقلق النفس ويزيل الطمأنينة والظاهر أن شك مريب من باب جد جده اى وصف الشك بمريب بمعنى ذى ريب مبالغة فيه وفى القاموس اراب الامر صار ذا ريب

(13/63)


فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب وأمرت لأعدل بينكم الله ربنا وربكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم لا حجة بيننا وبينكم الله يجمع بيننا وإليه المصير (15)

{ فلذلك } اى فلاجل ما ذكر من التفرق والشك المريب او فلأجل أنه شرع لهم الدين القويم القديم الحقيق بان يتنافس فيه المتنافسون { فادع } الناس كافة الى اقامة ذلك الدين والعمل بموجبه فان كلا من تفرقهم وكونهم فى شك مريب ومن شرع ذلك الدين لهم على لسان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم سبب للدعوة اليه والامر بها وليس المشار اليه ما ذكر من التوصية والامر بالاقامة والنهى عن التفرق حتى يتوهم شائبة التكرار وفيه اشارة الى افتراق اهل الاهواء والبدع ثنتين وسبعين فرقة ودعوتهم الى صراط مستقيم السنة لابطال مذاهبهم وفى الحديث « من انتهر » اى منع بكلام غليظ « صاحب بدعة » سيئة مما هو عليه من سوء الاعتقاد والفحش من القول والعمل « ملأ الله قلبه امنا وايمانا ومن اهان صاحب بدعة آمنه الله يوم القيامة من الفزع الاكبر » وهو حين الانصراف الى النار كما قال ابن السماك ان الخوف المنصرف للمتفرقين قطع نياط قلوب العارفين وقال فى البزازية روى ان ابن المبارك رؤى فى المنام فقيل له ما فعل ربك بك فقال عاتبنى واوقفنى ثلاثين سنة بسبب انى نظرت باللطف يوما الى مبتدع فقال انك لم تعاد عدوى فى الدين فكيف حال القاعد بعد الذكر مع القوم الظالمين { واستقم } عليه وعلى الدعوة اليه { كما امرت } واوحى اليك من عند الله تعالى والمراد الثبات والدوام عليهما لأنه كان مستقيما فى هذا المعنى وفى الحديث « شيبتنى هود واخواتها » فقيل له لم ذلك يا رسول الله فقال « لأن فيها فاستقم كما امرت » وهذا الخطاب له عليه السلام بحسب قوته فى امر الله وقال هو لأمته بحسب ضعفهم استقيموا ولن تحصوا اى لن تطيقوا الاستقامة التى امرت بها فحقيقة الاستقامة لا يطيقها الا الانبياء واكابر الاولياء لانها الخروج من المعهودات ومفارقة الرسوم والعادات والقيام بين يدى الحق على حقيقة الصدق ( قال الكاشفى ) درتبيان آورده كه وليد مغيره بآن حضرت كفت ازدين ودعوى كه دارى رجوع كن تا من نصفى ازاموال خودبتودهم وشيبه وعده كرده كه اكر بدين بدران بازآيى دختر خود درعقد توارم اين آيت نازل شدكه بردعوت خود مقيم ودر دين وملت خودمسنقيم باش { ولا تتبع اهوآءهم } المختلفة الباطلة والضمير للمشركين وكانوا يهوون ان يعظم عليه السلام آلهتهم وغير ذلك وفى الخبر « لكل شىء آفة وآفة الدين الهوى »
هواوهوس رانماند ستيز ... جو بيند سربجه عقل تيز
{ وقل آمنت بما انزل الله من كتاب } اى كتاب كان من الكتب المنزلة لا كالذين آمنوا ببعض منها وكفروا ببعض وذلك فان كلمة ما من الفاظ العموم وفيه اشارة الى وجوب الايمان بجميع الحقائق وان اختلف مظاهرها فان كلها الهام صحيح من الله تعالى { وامرت } بذلك { لأعدل بينكم } بين شريفكم ووضيعكم فى تبليغ الشرآئع والاحكام وفصل القضايا عند المحاكمة والمخاصمة الى فاللام على حقيقتها والمأمور به محذوف او زائدة والباء محذوفة اى امرت بأن اعدل واسوى بين شريفكم ووضيعكم فلا اخص البعض بامر او نهى قوله وقل آمنت الخ تعليم من الله لاستكمال القوة النظرية وقوله وامرت الخ لاستكمال القوة العملية روى أن داود عليه السلام قال ثلاث خصال من كن فيه فهو الفائز القصد فى الغنى والفقر والعدل فى الرضى والغضب والخشية فى السر والعلانية وثلاث من كن فيه اهلكته شح مطاع وهوى متبع واعجاب المرء بنفسه واربع من اعطيهن فقد اعطى خير الدنيا والآخرة لسان ذاكر وقلب شاكر وبدن صابر وزوجة مؤمنة وفى التأويلات النجمية لأعدل بينكم اى لأسوى بين اهل الاهوآء وبين اهل السنة بترك البدعة ولزوم الكتاب والسنة ليندفع الافتراق ويكون الاجتماع { الله ربنا وربكم } اى خالقنا جميعا ومتولى امورنا لا الاصنام والهوى { لنا اعمالنا } لا يتخطانا جزآؤها ثوابا كان او عقابا { ولكم اعمالكم } لا يجاوزكم آثارها لا نستفيد بحسناتكم ولا نتضرر بسيئاتكم { لا حجة بيننا وبينكم } الحجة فى الاصل البرهان والدليل ثم يقال لا حجة بيننا وبينكم اى لا ايراد حجة بيننا ويراد به لا خصومة بيننا بناء على أن ايراد الحجة من الجانبين لازم للخصومة فيكنى بذكر اللازم عن الملزوم فالمعنى لا محاجة ولا خصومة لأن الحق قد ظهر ولم يبق للمحاجة حاجة ولا للمخالفة محمل سوى المكابرة وفيه اشارة الى أنه لا خصومة بالاهدآء والمعصية { الله يجمع بيننا } يوم القيامة { واليه المصير } مرجع الكل لفصل القضاء فيظهر هناك حالنا وحالكم وليس فى الآية الا ما يدل على المتاركة فى المقاولة لا مطلقا حتى لا تكون منسوخة بآية القتال يعنى هذه الآية انما تدل على المتاركة القولية لحصول الاستغناء عن المحاجة القولية معهم لأنهم قد عرفوا صدقه من الحجج وانما كفروا عنادا وبعد ما ظهر الحق وصاروا محجوبين كيف يحتاج الى المحاجة القولية فلا يبقى بعد هذا الا السيف او الاسلام وقد قوتلوا بعد ذلك فعلى العبد قبول الحق بعد ظهوره والمشى خلف النصح بعد اضاءة نوره فان المصير الى الله والدنيا دار عبور وان الحضور فى الآخرة والدنيا دار التفرق والفتور فلا بد من التهيئ للموت قال ابراهيم بن ادهم قدس سره لرجل فى الطواف اعلم انك لا تنال درجة الصالحين حتى تجوز ست عقبات اولاها تغلق باب النعمة وتفتح باب الشدة والثانية تغلق باب العز وتفتح باب الذل والثالثة تغلق باب الراحة وتفتح باب الجهد والرابعة تغلق باب النوم وتفتح باب السهر والخامسة تغلق باب الغنى وتفتح باب الفقر والسادسة تغلق باب الامل وتفتح باب الاستعداد للموت وانشدوا

(13/64)


ان لله عبادا فطنا ... طلقوا النيا وخافوا الفتنا
نظروا فيها فلما علموا ... انها ليس لحى وطنا
جعلوها لجة واتخذوا ... صالح الاعمال فيها سفنا
( وفى المثنوى )
ملك برهم زن تو آدم وارزود ... تبابيابى همجو او ملك خلود
اين جهان خودحبس جانهاى شماست ... هين رويدان سوكه صحراى شماست

(13/65)


والذين يحاجون في الله من بعد ما استجيب له حجتهم داحضة عند ربهم وعليهم غضب ولهم عذاب شديد (16)

{ والذين يحاجون فى الله } اى يخاصمون فى دينه نبيه وهو مبتدأ { من بعد ما استجيب له } اى من بعد ما استجاب له الناس ودخلوا فيه لظهور حجته ووضح محجته والتعبير عن ذلك بالاستجابة باعتبار دعوتهم اليه وفيه اشارة الى أنهم استجابوا له تعالى يوم الميثاق بقولهم بلى حين قال لهم الست بربكم ثم لما نزلوا من عالم الارواح الى عالم الاجسام نسوا الاقرار والعهد فأخذوا فى المحاجة والانكار بخلاف المؤمنين فانهم ثبتوا على التصديق والاقرار ( قال الحافظ )
ازدم صبح ازل تا آخر شام ابد ... دوستى ومهر بريك عهد ويك ميثاق بود
{ حجتهم } متبدأ ثان { داحضة عند ربهم } خبر الثانى والجملة خبر الاول اى زالة زآئلة باطلة
يعنى ناجيز ونابر جاى
بل لا حجة لهم اصلا وانما عبر عن اباطيلهم بالحجة مجاراة معهم على زعمهم الباطل والمجاراة بالفارسية رفتن وباكسى جيزى واراندن { وعليهم غضب } عظيم لمكابرتهم الحق بعد ظهوره { ولهم عذاب شديد } على كفرهم الشديد وضلالهم البعيد لا يعرف كنهه وهو عذاب النار
يقول الفقير وجه الغضب والعذاب ان الدين الحق وما جاء به من القرءآن سبب الرحمة والنعمة فاذا اعرضوا عنهما وجدوا عند الله الغضب والنقمة بدلهما نعوذ بالله من ذلك وهذا من نتائج احوالهم وثمرات اعمالهم
ابرا كرآب زندكى بارد ... هركز ازشاخ بيد بر نخورى
بافر ومايه روزكار مبر ... كزنى بور يا شكر نخورى

(13/66)


الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان وما يدريك لعل الساعة قريب (17)

{ الله الذى انزل الكتاب } اى جنس الكتاب حال كونه ملتبسا { بالحق } فى احكامه واخباره بعيدا من الباطل او بما يحق انزاله من العقائد والاحكام { والميزان } اى وانزل الميزان اى الشرع الذى يوزن به الحقوق ويسوى بين الناس على ان يكون لفظ الميزان مستعارا للشرع تشبيها له بالميزان العرفى من حيث يوزن به الحقوق الواجبة الادآء سوآء كان من حقوق الله او من حقوق العباد او انزل نفس العدل والتسوية بان انزل الامر به فى الكتب الالهية فيكون تسمية العدل بالميزان تسمية المسمى باسم آلته فان الميزان آلة العدل او انزل آلة الوزن والوزن معرفة قدر الشىء
يعنى منزل كردانيد ترازورا كه موزونات رابان سنجدتادر باره خزنده وفروشنده ستم نرود
فيكون المراد بالميزان معناه الاصلى وانزاله اما حقيقة لما روى أن جبرائيل عليه السلام نزل بالميزان فدفعه الى نوح عليه السلام فقال له مر قومك يزنوا به وقيل نزل آدم عليه السلام بجميع آلات الصنائع واما مجاز عن انزال الامر به واستعماله فى الايفاء والاستيفاء
ودرعين المعانى آورده كه مراد از ميزان حضرت بهتر كائنات محمد است صلى الله تعالى عليه وسلم قانون عدل بدل وتمهيدمىبايد ونزال وارسال اوست
وفى التأويلات النجمية يشير الى كتاب الايمان الذى كتب الله فى القلوب وميزان العقل يوزن به احكام الشرع والخير والشر والحسن والقبح فانهما قرينان متلازمان لا بد لاحدهما من الآخر وسماهما البصيرة فقال { قد جاءكم بصائر من ربكم فمن ابصر فلنفسه ومن عمى فعليها } ففى انتفاء احدهما انتفاء الآخر كما قال تعالى { صم بكم عمى فهم لا يعقلون } فنفى العقل والبصيرة بانتفاء الايمان { وما يدريك } الدرآء بمعنى الاعلام اى اى شىء يجعلك داريا اى عالما بحال الساعة التى هى من العظم والشدة والخفاء بحيث لا يبلغه دراية احد وانما يدرى ذلك بوحى منا وبالفارسية وجه جيز دانا كرد برواجه دانى
قال الراغب كل موضع ذكر فى القرءآن وما ادراك فقد عقب ببيانه نحو { وما ادراك ماهيه نار حامية } وكل موضع ذكر فيه وما يدريك لم يعقبه بذلك نحو وما يدريك لعل الساعة قريب { لعل الساعة } التى يخبر بمجيئها الكتاب الناطق بالحق { قريب } اى شىء قريب او قريب مجيئها والا فالفعيل بمعنى الفاعل لا يستوى فيه المذكر والمؤنث عند سيبويه فكان الظاهر ان يقال قريبة لكونه مسند الى ضمير الساعة الا أنه قد ذكر لكونه صفة جارية على غير من هى له وقيل القريب بمعنى ذات قرب على معنى النسب وان كان على صورة اسم الفاعل كلابن وتامر بمعنى ذو لبن وذو تمر اى لبنى وتمرى لا على معنى الحدث كالفعل فلما لم يكن فى معنى الفعل حقيقة لم يلحقه تاء التأنيث او الساعة بمعنى البعث تسمية باسم ما حل فيه وقال الزمخشرى لعل مجيئ الساعة قرب بتقدير المضاف والمعنى أن القيامة على جناح الاتيان فاتبع الكتاب يا محمد واعمل به وواظب على العدل قبل ان يفاجئك اليوم الذى يوزن فيه الاعمال ويوفى جزآؤها امام زاهدى فرموده كه لعل براى تحقيق است يعنى البتة ساعتى كه بدان قيامت قائم شود نزديكست
وفيه زجرهم عن طول الامل وتنبيههم على انتظار الاجل وهجومه نبهنا الله تعالى واياكم اجمعين آمين

(13/67)


يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها والذين آمنوا مشفقون منها ويعلمون أنها الحق ألا إن الذين يمارون في الساعة لفي ضلال بعيد (18)

{ يستعجل بها } شتاب ميكنند بساعت يعنى بامداو { الذين لا يؤمنون بها } استعجال انكار واستهزآء ولا يشفقون منها ويقولون متى هى ليتها قامت حتى يظهر لنا الحق اهو الذى نحن عليه ام الذى عليه محمد واصحابه فانهم لما لم يؤمنوا بها لم يخافوا ما فيها فهم يطلبون وقوعوها استبعادا لقيامها والعجلة طلب الشىء وتحريه قبل آوانه { والذين آمنوا } بها { مشفقون منها } خائفون منها مع اعتنائها لتوقع الثواب فان المؤمنين يكونون ابدا بين الخوف والرجاء فلا يستعجلون بها
يعنى ترسانداز قيامت جه ميدانندكه خداى تعالى بايشان جه كند ومحاسبه ومجازات برجه وجه بود
فالآية من الاحتباك ذكر الاستعجال اولا دليل على حذف ضده ثانيا والاشفاق ثانيا دليلا على حذف ضده اولا { ويعلمون انها الحق } اى الكائن لا محالة وفيه اشارة الى ان المؤمنين لا يتمنون الموت خوف الابتلاء بما بعده فيستعدون له واذا ورد لم يكرهوه وذلك ان الموت لا يتمناه الا جاهل او مشتاق { ألا ان الذين يمارون فى الساعة } يجادلون فيها وينكرون مجيئها عنادا من المرية فمعناه فى الاصل تداخلهم المرية والشك فيؤدى ذلك الى المجادلة ففسر المماراة بلازمها قال الراغب المرية التردد فى الامر وهو اخص من الشك والمماراة المحاجة فيما فيه مرية انتهى ويجوز ان يكون من مريت الناقة اذا مسحت ضرعها بشدة الحلب فيكون تفسيره بيجادلون حملا له على الاستعارة التبعية بأن شبه المجادلة بمماراة الحالب للضرع لاستخراج ما فيه من اللبن من حيث أن كلا من المتجادلين يستخرج ما عند صاحبه بكلام فيه شدة { لفى ضلال بعيد } عن الحق فان البعث اشبه الغائبات بالمحسوسات لأنه كاحياء الارض بعد موتها فمن لم يهتد الى تجويزه فهو من الاهتدآء الى ما ورآءه ابعد وابعد وصف الضلال بالبعد من المجاز العقلى لأن العبد فى الحقيقة للضال لأنه هو الذى يتباعد عن الطريق فوصف به فعله ويحتمل ان يكون المعنى فى ضلال ذى بعد او فيه بعد لأن الضال قد يضل عن الطريق مكانا قريبا وبعيدا وفى التأويلات النجمية لفى ضلال بعيد لأنه ازلى وفى الآية امور الاول ذم الاستعجال ولذا قيل العجلة من الشيطان الا فى ستة متواضع ادآء الصلاة اذا دخل الوقت ودفن الميت اذا حضر وتزويج البكر اذا ادركت وقضاء الدين اذا وجب واطعام الضيف اذا نزل وتعجيل التوبة اذا اذنب والثانى الايمان والتصديق فانه الاصل وذلك بجميع ما يكون به المرء مؤمنا خصوصا الساعة وكذا الاستعداد لها بالاعمال الصالحات روى أن رجلا من الاعراب قال للنبى صلى الله عليه وسلم متى الساعه فقال عليه السلام « وما اعددت لها »

(13/68)


قال لا شىء الا انى احب الله ورسوله فقال « انت مع من احببت » ولا شك أن من احب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم احب الاقتدآء به فى جميع الاحوال فاذا كان محبا لرسول الله والاقتدآء به كان رسول الله محبا له كما قال عليه السلام « متى ألقى احبائى » فقال له اصحابه بآبائنا وامهاتنا يا رسول الله اولسنا احباءك فقال « انتم اصحابى احبائى قوم لم يرونى وآمنوا بى انا اليهم بالاشواق » وخصهم بالاخوة فى الحديث الآخر فقال اصحابه نحن اخوانك يا رسول الله قال « لا انتم اصحابى واخوانى الذين يأتون بعدى آمنوا بى ويرونى » وقال « للعامل منهم اجر خمسين منكم » قالوا بل منهم يا رسول الله قال « بل منكم » رددها ثلاثا ثم قال « لأنكم تجدون على الخير اعوانا » والثالث مدح العلم لكن اذا قرن بالخوف والخشية والعمل كان امدح فان العلم ليس جالبا للسودد الا من حيث طرده الجهل فلا تعجب بعلمك فان فرعون علم بنبوة موسى وابليس علم حال آدم واليهود علموا بنبوة محمد وحرمو التوفيق للايمان والرابع ذم الشك والتردد فلا بد من اليقين الصريح بل من العيان الصحيح كما قال على كرم الله وجهه لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا
حال خلدوجحيم دانستم ... بيقين آنجنانكه مى بايد
كرحجاب ازميانه بر كيرند ... آن يقين ذره نيفزايد
والخامس ان السعادة والشقاوة ازليتان وانما يشقى السعيد لكون سعادته عارضة وانما يسعد الشقى لكون شقاوته عارضة فكل يرجع الى اصله فنسأل الله الهدى ونعوذ به من الهوى

(13/69)


الله لطيف بعباده يرزق من يشاء وهو القوي العزيز (19)

{ الله لطيف بعباده } اى بر بليغ البر بهم يفيض عليهم من فنون الطافه ما لا يكاد يناله ايدى الافكار والظنون قوله من فنون الطافه يؤخذ ذلك من صيغة لطيف فانها للمبالغة وتنكيره ايضا وقوله ما لا يكاد الخ مأخذه مادة الكلمة فان اللطف ايصال نفع فيه دقة { يرزق من يشاء } أن يرزقه كيفما يشاء فيخص كلا من عباده الذين عمهم جنس لطفه بنوع من البر على ما تقتضيه مشيئته المبنية على الحكم البالغة فلا مخالفة بين عموم جنس لطفه بنوع من البر على ما تقتضيه مشيئته المبنية على الحكم البالغة فلا مخالفة بين عموم الجنس وخصوص النوع يعنى أن المخصوص بمن يشاء هو نوع البر وصنفه وذلك لا ينافى عموم جنس بره بجميع عباده على ما افادته اضافة العباد الى ضميره تعالى حتى يلزم التناقص بين الكلامين فالله تعالى يبرهم جميعا لا بمعنى ان جميع انواع البر واصنافه يصل الى كل احد فانه مخالف للحكمة الالهية اذ لا يبقى الفرق حينئذ بين الاعلى والادنى بل يصل بره اليهم على سبيل التوزيع بان يخص احد بنعمة وآخر باخرى فيرجع بذلك كل واحد منهم الى الآخرة فيما عنده من النعمة فينتظم به احوالهم ويتم اسباب معاشهم وصلاح دنياهم وعمارتها فيؤدى ذلك الى فراغهم لاكتساب سعادة الآخرة وقال بعضهم يرزق من يشاء بغير حساب اذ الآيات القرءآنية يفسر بعضها بعضا { وهو القوى } الباهر القدرة الغالب على كل شىء وهو يناسب عموم لطفه للعباد والقوة فى الاصل صلابة البنية وشدتها المضادة للضعف ولما كانت محالا فى حق الله تعالى حملت على القدرة لكونها مسببة عن القوة { العزيز } المنيع الذى لا يغلب وهو يلائم تخصيص من يشاء بما يشاء قال بعض الكبار لطفه بعباده لطف الفطرة التى فطر الناس عليها فى احسن تقويم مستعدة لقبول الفيض الالهى بلا واسطة ولطف الجذبة للوصلة وايضا لطيف بعباده بأن جعلهم عباده لا عباد الدنيا ولا عباد النفس والهوى والشيطان خاطب العابدين بقوله لطيف بعباده اى يعلم غوامض احوالكم من دقيق الرياء والتصنع لئلا يعجبوا باحوالهم واعمالهم وخاطب العصاة بقوله لطيف لئلا ييأسوا من احسانه وخاطب الفقرآء بقوله لطيف اى انه محسن بكم لا يقتلكم جوعا فانه محسن بالكافرين فكيف بالمؤمنين
اديم زمين سفره عام اوست ... بر ين خوان يغماجه دشمن جه دوست
وخاطب الاغنياء بقوله لطيف ليعلمو أنه يعلم دقائق معاملاتهم فى جميع المال من غير وجه بنوع تأويل ومن لطفه بعباده انه جعلهم مظهر صفات لطفه ومن لطفه بعباده انه عرفهم انه لطيف ولولا لطفه ما عرفوه ومن لطفه بعباده انه زين اسرارهم بانوار العرفان وكاشفهم بالعين والعيان

(13/70)


در فصول آورده كه لطيف جندمعنى دارداول مهربان امام قشيرى فرموده كه لطف اوست كه بيشتر ازكفايت بدهد وكمتر ازقوت كار فرمايد دوم توازنده وكذا نوازندكى سوم بوشيده كار كسى برقضا وقدر اوراه نبرد ودركاه اوجه وجون دخل ندارد
كسى زجون وجرادم تواندزد ... كه نقش كارحوادت وراى جون وجراست
جرا مكوكه جرادست بسته قدرست ... زجون ملاف كه جون تير بايمال قضاست
در موضح آورده كه لطيف آنست كه عوامض اموررابعلم داند وجرائم مجهوررا بحلم كذراند دركشف الاسرار آورده كه لطيف آنست كه نعمت بقدر خود داد وشكر بقدر بنده خواست
وقال بعضهم اللطيف الذى ينسى العباد ذنوبهم فى الآخرة لئلا يتشوشوا وقال ابو سعيد الخراز قدس سره الله لطيف بعباده موجود فى الظاهر والباطن والاشياء كلها موجودة به لكن يوجد ذكره فى قلب العبد مرة ويفقد مرة ليجدد بذلك افتقاره اليه وقال جعفر الصادق رضى الله عنه لطفه فى الرزق الحلال وتقسيمه على الاحوال يعنى انه رزقك من الطيبات ولم يدفعه اليك مرة واحدة وقال على بن موسى رضى الله عنه هو تضعيف الاجر وقال الجنيد قدس سره هو الذى لطف باوليائه فعرفوه ولو لطف باعدآئه ما جحدوه وقيل هو الذى ينشر المناقب ويستر المثالب وقال بعضهم لطف وى بوداز توطاعات موقت خواست ومثوبات مؤبد داد خدايرا لطف است وهم قهر بلطف او كعبه ومسجدها رابنا كردند وبقهرا وكليساها وبتكدها برآوردند بس بعضى بطريق لطف سلوك ميكند بسبب توفيق وبعضى بطريق قهرميرودبمقتضاى خذلان مؤذنى بودجندين سال بانك نماز كفته روزى برمناره رفت ديده وى برزنى ترسا افتاد تعشق كردجون ازمناره فروآمد بدرسرايش رفت قصه باوى بكفت آن زن كفت اكر دعوى راستست ودر عشق صادقى موافقت شرطست زنار بر ميان بايدبست آن بدبخت بطمع آن زن زنار ترسايى بربست وخمر خورد وجون مست كشف قصدآن زن كرد زن بكريخت ودرخانه شدآن بدبخت بربام رفت تابحيلتى خويشتزا در ان خانه افكند بخذلان ازلى ازبام درفتاد وبترسايى هلاك شد جند بن سال مؤذنى كرد درشرآئع اسلام ورزيد وبعاقبت برتسايى هلاك شد وبمقصود نرسد ( قال الحافظ )
حكم مستورى ومستى همه بر خاتمتست ... كس نداست كه آخربجه حالت برود
وقال الامام الغزالى رحمه الله اللطيف من يعلم دقائق المصالح وغوامضها وما دق منها وما لطف ثم يسلك فى ايصالها الى المستصلح سبيل الرفق دون العنف واذا اجتمع الرفق فى الفعل واللطف فى العلم والادراك ثم معنى اللطف ولا يتصور كمال ذلك فى العلم والفعل الا لله وحده ومن لطفه خلقه الجنين فى بطن امه فى ظلمات ثلاث وحفظه فيها وتغديته بواسطة السرة الى ان ينفصل فيستقل بالتناول للغذآء بالفم ثم الهامه اياه عند الانفصال التقام الثدى وامتصاصه ولو فى ظلمات الليل من غير تعليم ومشاهدة بل تتفتق البيضة عن الفرخ وقد ألهمه التقاط الحب فى الحال ثم تأخير خلق السن من اول الخلقة الى وقت انباته للاستغناء باللبن عن السن ثم انباته السن بعد ذلك عند الحاجة الى طحن الطعام ثم تقسيم الاسنان الى عريضة للطحن والى انياب للكسر والى ثنايا حادة الاطراف للقطع ثم استعمال اللسان الذى الغرض الاظهر منه النطق ورد الطعام الى المطحن كالمجرفة فيكون الانسان فى زمرة الجمادات واول نعمة عليه أن الله تعالى كرمه فنقله من عالم الجماد الى عالم النبات ثم عظم شأنه فنقله من عالم النبات الى عالم الحيوان فجعله حساسا متحركا بالارادة ثم نقله الى عالم الانسان فجعله ناطقا وهى نعمه اخرى اعظم مما سبق ومن لطفه أنه يسر لهم الوصول الى سعادة الابد بسعى خفيف فى مدة قصيرة وهو العمر القليل ومن لطفه اخراج اللبن الصافى من بين فرث ودم واخراج الجواهر النفيسة من الاحجار الصلبة واخراج العسل من النحل والابريسم من الدود والدر من الصدف الى غير ذلك وحظ العبد من هذا الوصف الرفق بعباد الله والتلطف بهم فى الدعوة الى الله والهداية الى سعادة الآخرة من غير ازرآء وعنف ومن غير تعصب وخصام واحسن وجوه اللطف فيه الجذب الى قبول الحق بالشمائل والسير المرضية والاعمال الصالحة فانها اوقع والطف من الالفاظ المزينة ولذلك قال عليه السلام

(13/71)


« صلوا كما رأيتمونى اصلى » ولم يقل صلوا كما قلت لكم لأن الفعل ارجح فى نفس المقتدى من القول ( وفى المثنوى )
بند فعلى خلق را جذاب تر ... كه رسددرجان هربا كوش كر
ثم أن الارزاق صورية ومعنوية فالصورية ظاهرة والمعنوية هى علم التوحيد والمعارف الالهية التى تتغذى بها الارواح يقال غذآء الطبيعة الاكل والشرب وغذآء النفس التكلم بما لا يعنى وغذآء القلب الفكر وغذآء الروح علم التوحيد من حيث الافعال والصفات والذات وسائر المعارف الالهية مما لا نهاية لها والمنظر الالهى فى الوجود الانسانى هو القلب فاذا صلح هو بالتوحيد والذكر ونور الايمان والعرفان صلح سائر الاحوال ومن الله البر واللطف والاحسان والنوال والافضال

(13/72)


من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب (20)

{ من } هركه { كان يريد حرث الآخرة } الحرث فى الاصل القاء البذر فى الارض يطلق على الزرع الحاصل منه ويستعمل فى ثمرات الاعمال ونتائجها بطريق الاستعارة المبنية على تشبيهها بالغلال الحاصلة من البذور المتضمن لتشبيه الاعمال بالبذور من حيث انها فائدة تحصل بعمل الدنيا ولذلك قيل الدنيا مزرعة الآخرة والمعنى من كان يريد باعماله ثواب الآخرة { نزد له فى حرثه } تضاعف له ثوابه بالواحد عشرة الى سبعمائة فما موقها ( قال الكاشفى ) جنانكه كشت دانه مى افزايد تايكى ازان بسيار ميشود همجنين عمل مؤمن روز بروز افزونى ميكيرد تاحدى كه يك ذره برابر كوه احد ميشود ولم يقل فى حقه وله فى الدنيا نصيب مع أن الرزق المقسوم له يصل اليه لا محالة للاستهانة بذلك والاشعار بأنه فى جنب ثواب الآخرة ليس بشىء ولذلك قال سليمان عليه السلام لتسبيحة خير من ملك سليمان كفته اند كه بر سليمان عليه السلام مال وملك وعلم عرضه كردندكه زين سه يكى اختياركن سليمان علم اختيار كرد مال وملك فرا فرودنداد
دنيا طلبى بهره دنيات دهند ... عقبى طلبى هردوبيك جات دهند
فان قيل ظاهر اللفظ يدل على أن من صلى لاجل طلب الثواب او لاجل دفع العقاب فانه تصح صلاته واجمعوا على انها لا تصح لأن الرغبة فى الايمان والطاعة لا تنفع الا اذا كانت تلك الرغبة رغبة فيه لكونه ايمانا وطاعة واما الرغبة فيه لطلب الثواب وللخوف من العقاب فغير مفيد لأنه يكون عليلا مريضا والجواب أن الحرث لا يتأتى الا بالقاء البذر الصحيح فى الارض والبذر الصحيح الجامع للخيرات والسعادات ليس الا عبودية الله تعالى فلا يكون العمل اخرويا الا بان يطلب فيه رضى الله { ومن كان يريد } باعماله { حرث الدنيا } وهو متاعها وطيباتها والمراد الكافر أو المنافق حيث كانوا مع المؤمنين فى المغازى وغرضهم الغنيمة ودخل فيه اصحاب الاغراض الفاسدة جميعا { نؤته منها } اى شيأ منها حسبما قسمنا له لا ما لا يريده ويبتغيه فمنها متعلق بكائنا المحذوف الواقع صفة للمفعول الثانى ويجوز أن يكون كلمة من للتبعيض اى بعضها ومآل المعنى واحد دلت الآية على أن طالب الدنيا لا ينال مراده من الدنيا وفى الحديث « من كانت نيته الاخرة جمع الله شمله وجعل غناه فى قلبه واتته الدنيا وهى راغمة ومن كانت نيته الدنيا فرق الله عليه امره وجعل فقره بين عينيه ولم يأته من الدنيا الا ما كتب الله له » { وما له فى الآخرة من نصيب } من مزيدة للاستغراق اى ماله نصيب ما فى الاخرة اذ كانت همته مقصورة على الدنيا ولكل امرئ ما نوى فيكون محروما من ثواب الاخرة بالكلية وقال الامام الراغب ان الانسان فى دنياه حارث وعمله حرثه ودنياه محرثه ووقت الموت وقت حصاده والآخرة بيدره ولا يحصد الا ما زرعه ولا يكيل الا ما حصده ( حكى ) أن رجلا ببلخ امر عبده ان يزرع حنطة فزرع شعيرا فرآه وقت الحصاد وسأله فقال العبد زرعت شعيرا على ظن أن ينبت حنطة فقال مولاه يا احمق هل رأيت احدا زرع شعيرا فحصد حنطة فقال العبد فكيف تعصى انت وترجو رحمته وتغتر بالامانى ولا تعمل العمل الصالح

(13/73)


ازرباط تن جوبكذشتى دكر معموره نيست ... زاد راهى بر نميدارى ازين منزل جرا
وكما ان فى البيدر مكيالا وموازين وامناء وحفاظا وشهودا كذلك فى الآخرة مثل ذلك وكما أن للبيدر تذرية وتمييزا بين النقاوة والحطام كذلك فى الآخرة تمييز بين الحسنى والآثام فمن عمل لآخرته بورك له فى كيله ووزنه وجعل له منه زاد الابد ومن عمل لدنياه خاب سعيه وبطل عمله فاعمال الدنيا كشجرة الخلاف بل كالدفلى والحنظل فى الربيع يرى غض الاوراق حتى اذا جاء حين الحصاد لم ينل طائلا واذا حضر مجتناه فى البيدر لم يفد نائلا ومثل اعمال الاخرة كشجرة الكرم والنخل المستقبح المنظر فى الشتاء فاذا حان وقت القطاف والاجتناء افادتك زادا وادخرت عدة وعتادا ولما كانت زهرات الدنيا رآئقة الظاهر خبيثة الباطن نهى الله تعالى عن الاغترار بها فقال { ولا تمدن عينيك الى ما متعنا به ازواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خير وابقى } فالقذر قذر وان كان فى ظرف من الذهب فالعاقل لا يتناوله وفى التأويلات النجمية من كان يريد حرث الآخرة بجهده وسعيه نزد له فى حرثه بهدايتنا وتوفيق مزيد طاعتنا وصفاء الاحوال فى المعارف بعنايتنا اليوم ونزيده فى الآخرة قربة ومكانة ورفعة فى الدرجات وشفاعة الاصدقاء والقرابات ومن كان يريد حرث الدنيا مكتفيا به نؤته منها اى من آفات حب الدنيا من عمى القلب وبكمه وصممه وسفهه والحجب التى تتولد منها الاخلاق الذميمة النفسانية والاوصاف الرديئة الشيطانية والصفات السبعية والبهيمية الحيوانية وماله فى الآخرة مشاهدته ووصاله وقربه وهذا للعارفين وحرث الدنيا الكرامات الظاهرة ومن شغلته الكرامات احتجب بها عن الحق وما يريد من حرث الدنيا فهو معرفة الله ومحبته وخدمته والا فلا يزن الكون عند اهل المعرفة ذرة قال بعضهم فى هذه الآية من عمل لله محبة له لا طلبا للجزآء صغر عنده كل شىء دون الله ولا يطلب حرث الدنيا ولا حرث الآخرة بل يطلب الله عن الدنيا والآخرة وقال سهل حرث الدنيا القناعة وحرث الآخرة الرضى وقال ايضا حرث الآخرة القناعة فى الدنيا والمغفرة فى الآخرة والرضى من الله فى كل الاحوال وحرث الدنيا قضاء الوطر منها والجمع منها والافتخار بها ومن كان بهذه الصفة فماله فى الاخرة من نصيب قال الشيخ العطار قدس سره
همجو طفلان منكراندر سرخ وزرد ... جون زنان مغرور رنك وبو مكرد
فالدنيا امرأة عجوز ومن افتخر بزينتها وزخارفها فهو فى حكم المرأة فعلى العاقل تحصيل الجاه الاخروى بالاعمال الصالحة الباقية فان الدنيا وما فيها باسرها زآئلة فانية كما قال لبيد
ألا كل شىء ما خلا الله باطل ... وكل نعيم لا محالة زآئل
والمراد نعيم الدنيا

(13/74)


أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله ولولا كلمة الفصل لقضي بينهم وإن الظالمين لهم عذاب أليم (21)

{ أم لهم شركاء } ام منقطعة مقدرة ببل والهمزة قيل للاضطراب عن قوله شرع لكم من الدين والهمزة للتقرير والتحقيق وشركاؤهم شياطينهم من الانس والجن والضمير للمشركين من قريش والاضافة على حقيقتها والمعنى بل لهم شركاء من الشياطين اى نظرآء يشاركونهم فى الكفر والعصيان ويعاونونهم عليه بالتزيين والاغرآء { شرعوا لهم } بالتسويل وبالفارسية نهاده اند براى ايشان يعنى بيار استه انددردل ايشان { من الدين } الفاسد { ما لم يأذن به الله } كالشرك وانكار البعث والعمل للدنيا وسائر مخالفات الشريعة وموافقات الطبيعة لأنهم لا يعلمون غيرها وتعالى الله عن الاذن فى مثل هذا والامر به والدين للمشاكلة لأنه ذكر فى مقابلة دين الله او للتهكم وقيل شركاؤهم اوثانهم فالهمزة للانكار فان الجماد الذى لا يعقل شيأ كيف يصح ان يشرع دينا والحال أن الله تعالى لم يشرع لهم ذلك الدين الباطل واضافتها اليهم لأنهم الذين جعلوها شركاء لله واسناد الشرع اليها مع كونها بمعزل عن الفاعلية اسناد مجازى من قبيل اسناد الفعل الى السبب لأنها سبب ضلالتهم وافتنانهم كقوله تعالى { انهن اضللن كثيرا من الناس } { ولولا كلمة الفصل } اى القضاء السابق بتأخير العذاب او العدة بان الفصل يكون يوم القيامة والفصل القضاء بين الحق والباطل كما فى القاموس ويوم الفصل اليوم الذى فيه يبين الحق من الباطل ويفصل بين الناس بالحكم كما فى المفردات { لقضى بينهم } حكم كرده شده بودى ميان كافران ومؤمنان ياميان مشركان وشركاء وهريك جزا بسزا يافته بودندى اما وعده فصل ميان ايشان درقيامتست { وان الظالمين لهم عذاب اليم } فى الآخرة اى نوع من العذاب متفاقم المه وبالفارسية عذابى درونان دآئم وبى انقطاع بود
واقام المظهر مقام المضمر تسجيلا عليهم بالظلم ودلالة على ان العذاب الاليم الذى لا يكتنه كنهه انما يلحقهم بسبب ظلمهم وانهما كهم فيه وفى الآية اشارات منها ان كفار النفوس شرعوا عند استيلائهم على الدين بالهوى للارواح والقلوب ما لم يرض به الله من مخالفات الشريعة وموافقات الطبيعة كاهل الحرب شرعوا لاسارى المسلمين عند استيلائهم عليهم ما ليس فى دينهم من اكل لحم الخنزير وشرب الخمر وعقد الزنار ونحوها فلا بد من التوجه الى الله ليندفع الشر وينعكس الامر ( روى ) ان سالم بن عوف رضى الله عنه اسره العدو فشكاه ابوه الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عليه السلام « اتق الله واكثر قول لا حول ولا قوة الا بالله » ففعل فجاء ابنه ومعه مائة من الابل ( قال الحافظ )
سروش عالم غيبم بشارتى خوش داد ... كه كس هميشه بكيتى دزم نخواهد ماند
ومنها أن الله تعالى لم يقض بين الخلق بالتكاليف والمجاهدات قبل البلوغ لضعف البشرية وثقل حمل الشريعة واخر بحكمته تكاليف الشرع تربية للقالب ليحصل القوة لقمع الطبع ( قال الصائب )

(13/75)


تاجه آيدروشن است ازدست اين يك قطعه خاك ... جرخ نتوانست كردن زه كمان عشق را
ومنها أن من ظلم نفسه بمتابعة الهوى فله عذاب اليم بعد البلوغ من الفطام عن المألوفات الطبيعية بالاحكام الشرعية وهذا العذاب للنفس والطبيعة رحمة عظيمة للقلب والروح ولذا من قال هذه الطاعات جعلها الله عذابا علينا من غير تأويل كفر فان اول مراده بالتعب لا يكفر ولو قال لو لم يفرض الله لكان خيرا لنا بلا تأويل كفر لأن الخير فيما اختاره الله الا ان يؤول ويريد بالخير الاهون والاسهل وفى القصيدة البردية
وراعها وهى فى الاعمال سائمة ... وان هى استحلت المرعى فلا تسم
اى راع النفس فى اشتغالها بالاعمال عما هو مفسد ومنقص للكمال من الرياء والعجب والغفلة والضلال وان عدت النفس بعض التطوعات حلوا واعتادت به والفت فاجتهد فى ان تقطع نفسك عنها واشتغل بما هو أشق عليها لأن اعتبار العبادة انما هو بامتيازها عن العادة وانما ترتفع الكلفة مطلقا عن العارفين
كم حسنت لذة للمرء قاتلة ... من حيث لم يدر ان السم فى الدسم
يعنى كثيرا من المرات زينت النفس لذة للمرء من اللذات قاتلة للمرء كالدسم والمرء لا يدرى أن السم فى الدسم لا سيما اذا كان المرء من اهل المحبة والوداد فهلاكه فى لذة الطعم وطيب الرقاد ومن الله التوفيق لاصلاح النفس وتزكيتها

(13/76)


ترى الظالمين مشفقين مما كسبوا وهو واقع بهم والذين آمنوا وعملوا الصالحات في روضات الجنات لهم ما يشاءون عند ربهم ذلك هو الفضل الكبير (22)

{ ترى الظالمين } اى المشركين يوم القيامة يا من بصلح للرؤية { مشفقين } خائفين { مما كسبوا } اى اشفاقا ناشئا من السيئات التى عملوها فى الدنيا ومن اجلها فكلمة من للتعليل وليست صلة مشفقين حتى يحتاج الى تقدير المضاف هنا مع أنه ايضا معنى صحيح لأن الاول ابلغ وادخل فى الوعيد { وهو واقع بهم } اى وباله وجزآؤه لاحق بهم لا محالة اشفقوا أولم يشفقوا والجملة حال من ضمير مشفقين او اعتراض قال سعدى المفتى يعنى ينعكس الحال فى الآخرة فالآمنون فى الدنيا يشفقون فى الآخرة والمشفقون فى الدنيا يأمنون فى الآخرة ( وفى المثنوى )
لا تخافوا هست نزل خائقان ... هست درخوراز براى خائف آن
هركه ترسد مرورا ايمن كنند ... هردل ترسنده راسا كن كنند
آنكه خوفش نيست جون كويى مبرس ... درس جه دهى نيست اومحتاج درس
وفيه اشارة الى أن عذاب اهل الهوى والشهوات واقع بهم اما فى الدنيا بكثرة الرياضات وانواع المجاهدات لتزكية النفس من اوصافها وتحليتها باضدادها واما فى الآخرة بورودها النار لتنقيتها وعذاب الدنيا اهون فلا بد من الاجتهاد قبل فوات الوقت { والذين آمنوا وعملوا الصالحات } اى استعملوا تكاليف الشرع لقمع الطبع وكسر الهوى وتزكية النفس وتصفية القلب وتحلية الروح { فى روضات الجنات } مستقرون فى اطيب بقاعها وانزهها فان روضة الارض تكون كذلك وبالفارسية اندرمر غزار هاى بهشت انديعنى خوشترين بقعها ونزهت فزاى ترين آن قال فى حواشى الكشاف الروضة اسم لكل موضع فيه ماء وعشب وفى كشف الاسرار هى الاماكن المتسعة المونقة ذات الرياحين والزهر انتهى وفى الحديث « ثلاث يجلون البصر النظر الى الخضرة والى الماء الجارى والى الوجه الحسن » قال ابن عباس رضى الله عنهما والاثمد عند النوم قال الراغب قوله فى روضات الجنات اشارة الى ما اعد لهم فى العقبى من حيث الظاهر وقيل اشارة الى ما اهلهم له من العلوم والاخلاق التى من تخصص بها طاب قلبه { لهم ما يشاؤون عند ربهم } اى ما يشتهونه من فنون المستلذات حاصل لهم عند ربهم على ان عند ربهم ظرف للاستقرار العامل فى لهم وقيل ظرف ليشاؤون على ان يكون عبارة عن كونهم عند الله والآية من الاحتباك انبت الاشفاق اولا دليلا على حذف الامن ثانيا والجنات ثانيا دليلا على حذف النيران اولا { ذلك } المذكور من اجر المؤمنين { هو الفضل الكبير } الذى يصغر دونه ما لغيرهم من الدنيا او تحقر عنده الدنيا بحذافيرها من اولها الى آخرها وهذا فى حق الامة واما النبى عليه السلام فمخصوص بالفضل العظيم كما قال تعالى { وكان فضل الله عليك عظيما }

(13/77)


ذلك الذي يبشر الله عباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا إن الله غفور شكور (23)

{ ذلك } اى الفضل الكبير وهو مبتدأ خبره قوله { الذى } اى الثواب الذى { يبشر الله عباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات } اى يبشرهم به على لسان النبى عليه السلام فحذف الجار ثم العائد الى الموصول لأنهم لا يجوزون حذف المفعول الجار والمجرور الا على التدريج بخلاف مثل السمن منوان بدرهم اى منه ( قال الكاشفى ) وتقديم خبرباين كرامتها جهت ازدياد سرور مؤمنانست وآنكه دانندكه عمل ايشان ضائع نيست بس در مراسم عبوديت اجتهاد نمايند وبروظائف عبادت بيفزايند
كار نيكوكن اكر مردنكو ميطلبى ... كز جراهركه نكوتر بنكوكار دهند
كار اكرنيست ترادر طمع اجر مباش ... مزد مزدور باندازه كردار دهند
يقول الفقير وجه تخصيص الروضة وتعميم المشيئة أن اكثر بلاد العرب خالية عن الانهار الجارية والروضات وانهم لا يجدون كل المشتهيات فيشوقهم بذلك ليكونوا على اهبة وتدارك ولا يقيسوا الآخرة على الدنيا فان الدنيا محل البلاء والآفات والآخرة دار النعيم والضيافات وتدارك كل ما فات فمن احب مولاه اجتهد فى طريق رضاه قال شقيق البلخى قدس سره رأيت فى طريق مكة مقعدا يزحف على الارض فقلت له من اين اقبلت قال من سمرقند قلت وكم لك فى الطريق فذكر اعواما تزيد على العشرة فرفعت طرفى انظر اليه متعجبا فقال لى يا شقيق مالك تنظر الى فقلت متعجبا من ضعف مهجتك وبعد سفرتك فقال لى يا شقيق اما بعد سفرتى فالشوق يقربها واما ضعف مهجتى فمولاها يحملها يا شقيق اتعجب من عبد ضعيف يحمله المولى اللطيف فمن وصل اليه بشارة الله بفضله وجوده هان عليه بذل وجوده { قل لا اسالكم عليه } روى أنه اجتمع المشركون فى مجمع لهم فقال بعضهم اترون محمدا يسأل على ما يتعاطاه اجرا يعنى هيج دريافته آيدكه محمد عملىكه مباشر آنست ازابلاغ مزدى ميخوا هديانى فنزلت والمعنى لا اطلب منكم على ما انا عليه من التبليغ والبشارة كما لم يطلب الانبياء من قبلى { اجرا } اى نفعا قال سعدى المفتى فسر الاجر بالنفع ليظهر جعل استثناء المودة منه متصلا مع أن ادعاء كونها من افراد الاجر يكفى فى ذلك كما فى قوله ( وبلدة ليس بها انيس * الا اليعافير والا العيس ) وفى التأويلات النجمية قل يا محمد لا اسألكم على التبشير أجرا لأن الله ليس يطلب منكم على الفضل عوضا فانا ايضا لا اسألكم على التبشير أجرا فان المؤمن اخذ من الله خلقا حسنا فكما أن الله تعالى بفضله يوفق العبد للايمان ويعطى الثواب لمن آمن به وليس يرضى بان يعطيك فضله مجانا بل يعطيك عليه اجرا كذلك ليس يرضى لرسوله صلى الله تعالى عليه وسلم بان يطلب منك اجرا على التبليغ والتبشير بل يشفع لك ايضا { الا المودة فى القربى } المودة مودة الرسول عليه السلام والقربى مصدر كالزلفى بمعنى القرابة التى هى بمعنى الرحم وفى للسببية وبمعنى اللام متعلقة بالمودة ومودته كناية عن ترك اذيته والجرى على موجب قرابته سمى عليه السلام المودة اجرا واستثناها منه تشبيها لها به والاستثناء من قبيل قول من قال

(13/78)


ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب
وذلك لأنه لا يجوز من النبى عليه السلام ان يطلب الاجر ايا كان على تبليغ الرسالة لأن الانبياء لم يطلبوه وهو اولى بذلك لأنه افضل ولأنه صرح بنفيه فى قوله قل ما اسألكم عليه من اجر ولأن التبليغ واجب عليه لقوله تعالى { بلغ ما انزل اليك } وطلب الاجر على اداء الواجب لا يليق ولأن متاع الدنيا اخس الاشياء فكيف يطلب فى مقابلة تبليغ الوحى الالهى الذى هو أعز الاشياء لأن العلم جوهر ثمين والدنيا خزف مهين ولأن طلب الاجر يوهم التهمة وذلك ينافى القطع بصحة النبوة فمعنى الآية لا اسألكم على التبليغ اجرا اصلا الا ان تودونى لاجل قرابتى منكم وبسببها وتكفوا عنى الاذى ولا تعادونى ان كان ذلك اجرا يختص بى لكنه ليس باجر لأنه لم يكن بطن من بطونكم يا قريش الا وبينى وبينها قرابة فاذا كانت قرابتى قرابتكم فصلتى ودفع الاذى عنى لازم لكم فى الشرع والعادة والمروءة سوآء كان منى التبليغ او لا وقد كنتم تتفاخرون بصلة الرحم ودفع الاذى عن الاقارب فما لكم تؤذوننى والحال ما ذكر ويجوز ان يراد بالقربى اهل قرابته عليه السلام على اضمار المضاف وبالمودة مودة اقربائه وترك اذيتهم فكلمة فى على هذا للظرفية والظرف حال من المودة والمعنى الا ان تودوا اهل قرابتى مودة ثابتة متمكنة فيهم روى أنها لما نزلت قيل يا رسول الله من قرابتك هؤلاء الذين وجبت علينا مودتهم قال « على وفاطمة وابناى » اى الحسن والحسين رضى الله عنهم ويدل عليه ما روى عن على رضى الله عنه أنه قال شكوت الى رسول الله عليه السلام حسد الناس لى فقال « اما ترضى ان تكون رابع اربعة » اى فى الخلافة « اول من يدخل الجنة انا وانت والحسن والحسين وازواجنا عن ايماننا وشمائلنا وذرياتنا خلف ازواجنا » قال سعدى المفتى فيه ان السورة مكية من غير استثناء منها ولم يكن لفاطمة حينئذ اولاد وعنه عليه السلام « حرمت الجنة على من ظلم اهل بيتى وآذانى فى عترتى ومن اصطنع صنيعة الى احد من ولد عبد المطلب ولم يجازه فأنا اجازيه عليها غدا اذا لقينى يوم القيامة » وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم « من مات على حب آل محمد مات شهيدا الا ومن مات على حب آل محمد مات مغفورا له الا ومن مات على حب آل محمد مات تائبا الا ومن مات على حب آل محمد مات مؤمنا مستكمل الايمان الا ومن تاب على حب آل محمد بشره ملك الموت بالجنة ثم منكر ونكير الا ومن مات على حب آل محمد يزف الى الجنة كما تزف العروس الى بيت زوجها الا ومن مات على حب آل محمد فتح له فى قبره بابان الى الجنة الا ومن مات على حب آل محمد جعل الله قبره مزار ملائكة الرحمة الا ومن مات على حب آل محمد مات على السنة والجماعة الا ومن مات على بغض آل محمد جاء يوم القيامة مكتوب بين عينيه آيس من رحمة الله الا ومن مات على بغض آل محمد مات كافرا الا ومن مات على بغض آل محمد لم يشم رائحة الجنة »

(13/79)


وآل محمد هم الذين يؤول امرهم اليه عليه السلام فكل من كانه مآل امرهم اليه اكمل واشد كانوا هم الآل ولا شك أن فاطمة وعليا والحسن والحسين كان التعلق بينهم وبين رسول الله اشد التعلقات بالنقل المتاتر فوجب ان يكونوا هم الآل
درتفسير ثعلبى آورده كه ه خويشان حضرت رسول الله بنوهاشم اند وبنوا المطلب كه خمس برايشان قسمت بايد كرد
وفى الكواشى قرابته عليه السلام فاطمة وعلى وابناهما او آل على وآل عقيل وآل جعفر وآل العباس او من حرمت عليهم الصدقة وهم بنوا هاشم ووبنوا المطلب وقيل آل الرسول امته الذين قبلوا دعوته قال ابن عطاء لا اسألكم على دعوتكم اجرا الا ان تتوددوا الى بتوحيد الله وتتقربوا اليه بدوام طاعته وملازمة اوامره وقال الحسين كل من تقرب الى الله بطاعته وجبت عليكم محبته اى فان المحب يحب المحب لكونهما محبين لمحبوب واحد وكذ المطيع مع المطيع لشركتهما فى الاطاعة والانقياد ( حكى ) عن الشيخ ابن العربى قدس سره أنه قال بلغنى عن رجل انه يبغض الشيخ ابا مدين فكرهت ذلك الشخص لبغضه الشيخ ابا مدين فرأيت رسول الله فى المنام فقال لى « لم تكره فلانا » فقلت لبغضه فى ابى مدين فقال « اليس يحب الله ورسوله » فقلت له « يا رسول الله » فقال لى « فلم تبغضه لبغض ابا مدين وما تحبه لحبه الله ورسوله » فقلت له يا رسول الله الى الآن انى والله زللت وغفلت فاما الآن فأنا تائب وهو من احب الناس الى فلقد نبهت ونصحت صلى الله عليك وسلم فلما استيقظت جئت الى منزله فاخبرته بما جرى فبكى واعتد الرؤيا تنبيها من الله فزال بغضه ابا مدين واحبه { ومن يقترف حسنة } اى يكتسب اى حسنة كانت سيما حب آل رسول الله قال الراغب اصل القرف والاقتراف قشر اللحاء عن الشجرة والجليدة عن الجذع وما يؤخذ منه قرف واستعير الاقتراف للاكتساب حسنيا كان او سوئيا وفى الاساءة اكثر استعمالا ولهذا يقال الاعتراف يزيل الاقتراف { نزد له فيها } اى فى الحسنة يعنى براى آن حسنه كما قال الكاشفى { حسنا } بمضاعفة والتوفيق لمثلها والاخلاص فيها وبزيادة لا يصل العبد اليها بوسعه مما لا يدخل تحت طوق البشر { ان الله غفور } من اذنب { شكور } لمن اطاع بتوفية الثواب والتفضل عليه بالزيادة فالشكر من الله مجاز عن هذا المعنى لأن معناه الحقيقى وهو فعل ينبىء عن تعظيم المنعم لكونه منعما لا يتصور من الله لامتناع ان ينعم عليه احد حتى يقابل بالشكر شبهت الاثابة والتفضل بالشكر من حيث ان كل واحد منهما يتضمن الاعتداد بفعل الغير واكراما لاجله وفى بحر العلوم او معتد بالحسنة القليلة حتى يضاعفها فان القليل عند الله كثير وفى الحديث

(13/80)


« ان عيسى بن مريم قال اخبرنى يا رب عن هذه الامة المرحومة فأوحى الله اليه انها امة محمد حكماء علماء كأنهم من الحكمة والعلم انبياء يرضون باليسير من العطاء وارضى منهم باليسير من العمل ادخل احدهم الجنة بان يقول لا اله الا الله » قال الامام الغزالى رحمه الله العبد يتصور ان يكون شاكرا فى حق عبد آخر مرة بالثناء عليه باحسانه اليه واخرى بمجازاته اكثر مما صنعه اليه وذلك من الخصال الحميدة قال رسول الله عليه السلام « من لم يشكر الناس لم يشكر الله » واما شكره لله تعالى فلا يكون الا بنوع من المجاز والتوسع فانه ان اثنى فثناؤه قاصر لأنه لا يحصى ثناء عليه فان اطاع فطاعته نعمة اخرى من الله عليه بل عين شكره نعمة اخرى ورآء النعمة المشكورة وانما احسن وجوه الشكر لنعم الله ان لا يستعملها فى معاصيه بل فى طاعته وذلك ايضا بتوفيق الله وتيسيره
عطايست هرموى ازو بر تنم ... جه كونه بهرموى شكرى كنم
ترا آنكه جشم ودهان دادو كوش ... اكرعاقلى در خلافش مكوش

(13/81)


أم يقولون افترى على الله كذبا فإن يشأ الله يختم على قلبك ويمح الله الباطل ويحق الحق بكلماته إنه عليم بذات الصدور (24)

{ ام يقولون } ام منقطعة اى بل ايقولون يعنى كفار مكة على انه اضراب عن قوله ام لهم شركاء الخ { افترى } محمد { على الله كذبا } بدعوى النبوة وتلاوة القرءآن على ان الهمزة للانكار التوبيخى كأنه قيل ايتما لكون ان ينسبوا مثله عليه السلام وهو هو الى الافترآء لا سيما الافترآء على الله الذى هو اعظم الفرى وافحشها والفرق بين الافثرآء والكذب ان الافترآء هو افتعال الكذب من قول نفسه والكذب قد يكون على وجه التقليد للغير فيه { فان يشأ الله يختم على قلبك } استشهاد على بطلان ما قالوا ببيان أنه عليه السلام لو افترى على الله لمنعه من ذلك قطعا وتحقيقه ان دعوى كون القرءآن افترآء على الله قول منهم بأنه تعالى لا يشاء صدوره عن النبى بل يشاء عدم صدوره عنه ومن ضرورته منعه عنه قطعا فكأنه قيل لو كان افترآء عليه تعالى لشاء عدم صدوره عنه وان يشأ ذلك يختم على قلبك بحيث لم يخطر ببالك معنى من معانيه ولم تنطق بحرف من حروفه وحيث لم يكن الامر كذلك بل تواتر الوحى حينا فحينا تبين أنه من عند الله كما قال فى التأويلات النجمية يعنى انك ان افتريته ختم الله على قلبك ولكنك لم تكذب على ربك فلم يختم على قلبك
يعنى مهرنهد بردل تو وبيغام خويش ازان ببرد
وفيه اشارة الى أن الملائكة والرسل والورثة محفوظون عن المغالطة فى بيان الشريعة والافترآء على الله فى شىء من الاشياء
درحقائق سلمى ازسهل بن عبد الله التسترى قدس سره نقل ميكندكه مهر شوق ازلى ومحبته لم يزلى بردلى تونهدتا التفات بغيرنكنى و ازاجابت واباى خلق فارغ كردى { ويمح الله الباطل ويحق الحق بكلماته } استئناف مقرر لنفى الافترآء غير معطوف على يختم كما ينبئ عنه اظهار الاسم الجليل وصيغة المضارع للاستمرار وكتبت يمح فى المصحف بحاء مرسلة كما كتبوا ويدع الانسان ويدع الداع وسندع الزبانية مما ذهبوا فيه الى الحذف والاختصار نظرا الى اللفظ وحملا للوقف على الوصل يعنى أن سقوط الواو لفظا للالتقاء الساكنين حال الوصل وخطا ايضا حملا للخط على اللفظ اى على أنه خلاف القياس وليس سقوطها منه لكونه مجزوما بالعطف على ما قبله لاستحالة المعنى لأنه تعالى يمحو الباطل مطلقا لا معلقا بالشرط والمعنى ومن عادته تعالى ان يمحو الباطل ويثبت الحق بوحيه او بقضائه فلو كان افترآء كما زعموا لمحقه ودفعه ويجوز ان يكونه عدة لرسول الله عليه السلام بانه تعالى يمحو الباطل الذى هم عليه عن البهت والتكذيب ويثبت الحق الذى هو عليه بالقرءآن او بقضائه الذى لا مرد له بنصرته عليم فالصيغة على هذا للاستقبال { انه عليم بذات الصدور } بما تضمره القلوب فيجرى عليها احكامها اللائقة بها من المحو والاثبات ( قال الكاشفى )

(13/82)


راستى تو و مظنه افترآى ايشان بتوبر و مخفى نيست ... ولم يقل ذوات الصدور لارادة الجنس وذات ههنا تأنيث ذى بمعنى صاحب فحذف الموصوف واقيمت صفته مقامه اى عليم بالمضمرات صاحبة الصدور وهى الخواطر القائمة بالقلب من الدواعى والصوارف الموجودة فيه وجعلت صاحبة للصدور بملازمتها وحلولها فيها كما يقال للبن ذو الاناء ولولد المرأة هو جنين ذو بطنها وفى الآية اشارة الى أن الله تعالى يتصرف فى عباده بما يشاء من ابعاد قريب وادناء بعيد ( روى ) أن رجلا مات فاوحى الله تعالى الى موسى عليه السلام مات ولى من اوليائى فاغسله فجاء موسى عليه السلام فوجده قد طرحه الناس فى المزابل لفسقه فقال موسى عليه السلام يا رب انت تسمع مقالة الناس فقال الله يا موسى انه تشفع عند موته بثلاثة اشياء لو سأل منى جميع المذنبين لغفرت لهم الاول انه قال يا رب انت تعلم انى وان كنت ارتكبت المعاصى بتسويل الشيطان وقرين السوء ولكنى كنت اكرهها بقلبى والثانى انى وان كنت مع الفسقة بارتكاب المعاصى ولكن الجلوس مع الصالحين احب الى والثالث لو استقبلنى صالح وفاجر كنت اقدم حاجة الصالح فبهذه الثلاثة ادناه الله منه وجعله من المقربين عنده بعدما ابعده هو والناس فعلى العاقل اصلاح الصدر والسريرة وفى الخبر « ان الله لا ينظر الى صوركم واموالكم بل الى قلوبكم واعمالكم » يعنى ان كانت لكم قلوب واعمال صالحة تكونوا مقبولين مطلقا والا فلا وربما يهتدى الى الطريق المستقيم من مضى عمره فى الضلال وذلك لأن شقاوته كانت شقاوة عارضة والعبرة للحكم الازلى والسعادة الاصلية فاذا كان كذالك فيمحو الله الباطل وهو الكفر ويثبت الحق وهو الاسلام وربما يختم على قلب من مضى وقته على الطاعة فيصير عاقبة الى المعصية بل الى الكفر كبلعام وبرصيصا ونحوهما مما كانت شقاوته اصلية وسعادته عارضة ( قال الحافظ )
جون حسن عاقبت نه برندى وزاهديست ... آن به كه كار خود بعنايت رها كنند
والله المعين

(13/83)


وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون (25)

{ وهو الذى يقبل التوبة عن عباده } بالتجاوز عما تابوا عنه لأنه ان لم يقبل كان اغرآء بالمعاصى عدى القبول بعن لتضمنه معنى التجاوز قال ابن عباس رضى الله عنهما هى عامة للمؤمن والكافر والولى والعدو ومن تاب منهم قبل الله توبته والتوبة هى الرجوع عن المعاصى بالندم عليها والعزم ان لا يعاودها ابدا وقال السرى البوشنجى هو ان لا تجد حلاوة الذنب فى القلب عند ذكره ( وروى ) جابر رضى الله عنه ان اعرابيا دخل مسجد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وقال اللهم انى استغفرك واتوب اليك وكبر فلما فرغ من صلاته قال له على رضى الله عنه يا هذا ان سرعة اللسان بالاستغفار توبة الكذابين وتوبتك هذه تحتاج الى التوبة فقال يا امير المؤمنين وما التوبة قال التوبة اسم يقع على ستة معان على الماضى من الذنوب بالندامة وتضييع الفرآئض بالاعادة ورد المظالم واذابة النفس فى الطاعة كما ربيتها فى المعصية واذاقتها مرارة الطاعة كما اذقتها حلاوة المعصية والبكاء بدل كل ضحك ضحكته وفى الاثر « لله تعالى افرح بتوبة العبد من المضل الواجد ومن العقيم الوالد ومن الظمئان الوارد فمن تاب الى الله توبة نصوحا أنسى الله حافظيه وبقاع الارض خطاياه » ( روى ) عبد العزيز بن اسمعيل قال يقول الله تعالى « ويح ابن آدم يذنب الذنب ثم يستغفر فاغفر له لا هو يترك ذنوبه ولا هو ييأس من رحمتى اشهدكم انى قد غفرت له » وفى التأويلات النجمية اذا اراد الله تعالى ان يتوب على عبد من عباده ليرجع من اسفل سافلين البعد الى اعلى عليين القرب يخلصه من رق عبودية ما سواه بتصرف جذبات العناية ثم يوفقه للرجوع بالتقرب اليه ذراعا بالقبول ولو لم يكن القبول سابقا على التوبة لما تاب كما قال بعضهم لبعض المشايخ ان اتب الى الله هل يقبل قال ان يقبل الله تتوب فى الخبر « أن بعض مواضع الجنة تبقى خالية فيخلق الله تعالى خلقا جديدا فيملأها بهم »
اكر روا باشد ازروى كرم كه خلقى آفريند عبادت نابرده ورنج نابرده بيرون نكند وازثواب وعطاى خود محروم نكرداند
فكيف بالتائبين منهم والمستغفرين { ويعفو عن السيئات } صغيرها وكبيرها غير الشك لمن يشاء بمحض رحمته وشفاعة شافع وان لم يتوبوا وهو مذهب اهل السنة وفى التأويلات النجمية ويعفو عن كثير من الذنوب التى لا يطلع العبد عليها ليتوب عنها وايضا ويعفو عن كثير من الذنوب قبل التوبة ليصير العبد به قابلا للتوبة والا لما تاب { ويعلم ما تفعلون } كائنا ما كان من خير وشر فيجازى التائب ويتجاوز عن غير التائب حسبما تقتضيه مشيئته المبنية على الحكم والمصالح وفى التأويلات النجمية ويعلم ما تفعلون من السيئات والحسنات مما لا تعلمون انها من السيئات والحسنات فبتلك الحسنات يعفو عن السيئات وعن عرائس البقلى يقبل توبتهم حين خرجوا من النفس والكون وصاروا اهلا له مقدسين بقدسه ويعفو عن سيئاتهم ما يخطر بقلوبهم من غير ذكره ويعلم ما تفعلون من التضرع بين يديه فى الخلوات وفى صحف ابراهيم عليه السلام على العاقل ان يكون له ساعات ساعة يناجى فيها ربه ويفكر فى صنع الله وساعة يحاسب نفسه فيما قدم واخر وساعة يخلو فيها بحاجته من الحلال فى المطعم والمشرب وغيرهما وروى ان رجلا قال للدينورى رحمه الله ما اصنع فكلما وقفت على باب المولى صرفنى البلوى فقال كن كالصبى مع امه فكلما ضربته يجزع بين يديها ويتضرع فلا يزال كذلك حتى تضمه اليها وفى الخبر

(13/84)


« ان بعض المذنبين يرفع يده الى جناب الحق فلا ينظر اليه » اى بعين الرحمة « ثم يدعو ثانيا فيعرض عنه ثم يدعو ويتضرع ثالثا فيقول يا ملائكتى قد استحييت من عبدى وليس له رب غيرى فقد غفرت له » واستحيت اى حصلت مرامه فانى استحيى من تضرع العباد
كرم بين ولطف خداوندكار ... كنه بنده كردست واو شرمسار
ومعنى استحيائه تعالى تركه تخييب العبد فى رجائه

(13/85)


ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله والكافرون لهم عذاب شديد (26)

{ ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات } الفاعل ضمير اسم الله والموصول مفعول به على اضمار المضاف اى ويستجيب الله دعاء الذين آمنوا وعملوا الصالحات اى المؤمنين الصالحين اذا دعوه ويثيبهم على طاعاتهم يعنى يعطيهم الثواب فى الآخرة والاثابة معنى مجازى للاجابة لأن الطاعة لما شبهت بدعاء ما يترتب عليها من الثواب كانت الاثابة عليها بمنزلة اجابة الدعاء فعبر بها عنها ومنه قوله عليه السلام « افضل الدعاء الحمد لله » يعنى اطلق الدعاء على الحمد لله لشبهه به فى طلب ما يترتب عليه ويجوز ان يكون التقدير ويستجيب الله لهم فحذف اللام كما فى قوله واذا كالوهم اى كالوا لهم قال سعدى المفتى الاظهر حمل الكلام على اضمار المضاف فانه كالمنقاس بخلاف حذف الجار { ويزيدهم من فضله } على ما سألوا منه تفضلا وكرما ويجوز ان يكون الموصول فاعل الاستجابة والاستجابة فعلهم لا فعل الله تعالى واستجاب بمعنى اجاب او على ان يكون السين للطلب على اصلها فعلى هذا الوجه يكون ويزيدهم من فضله معطوفا على مقدر والمعنى ويستجيبون لله بالطاعة ويزيدهم على ما استحقوه من الثواب تفضلا ويؤيد هذا الوجه ما روى عن ابراهيم بن ادهم قدس سره انه قيل ما لنا ندعو فلا نجاب قال لأنه دعاكم فلم تجيبوه ثم قرأ { والله يدعو الى دار السلام } { ويستجيب الذين آمنوا } فاشار بقرآءته والله يدعو الى دار السلام الى ان الله تعالى دعا عباده وبقرآءته ويستجيب الذين آمنوا الى انه لم يجيب الى دعائه الا البعض قال فى بحر العلوم هذا الجواب مع سؤاله ليس بمرضى عند اهل التحقيق من علماء الاخبار بل الحق الصريح ان الله يجيب دعاء كل عبد مؤمن بدليل قول النبى عليه السلام « ان العبد لا يخطئه من الدعاء احد ثلاث اما ذنب يغفر واما خير يدخل واما خير يعمل » رواه انس رضى الله عنه وقوله عليه السلام « ما من مسلم ينصب وجهه لله فى مسألة الا اعطاه اياها اما ان يعجلها له واما ان يدخرها له » وقوله عليه السلام « ان المؤمن ليؤجر فى كل شىء حتى فى الكظ عند الموت » وقوله عليه السلام « ان الله يدعو بعبده يوم القيامة فيقول انى قلت ادعونى استجب لكم فهل دعوتنى فيقول نعم فيقول ارأيت يوم نزل امر كذا وكذا مما كرهت فدعوتنى فجعلت لك فى الدنيا فيقول نعم ويقول دعوتنى يوم نزل بك كذا فلم تر فرجا فقد ادخرته لك فى الجنة حتى يقول العبد ليته لم يستجب لى فى الدنيا دعوة » رواه جابر رضى الله عنه وبدليل قوله عليه السلام « من اعطى الدعاء لم يحرم من الاجابة »

(13/86)


وقال على رضى الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « اذا احب الله عبدا صب عليه البلاء صبا وثجه عليه ثجا فاذا دعا العبد ربه قال جبريل اى رب اقض حاجته فيقول تعالى دعه فانى احب ان اسمع صوته فاذا دعا يقول تعالى لبيك عبدى وعزتى لا تسألنى شيأ الا اعطيك ولا تدعونى بشىء الا استجيب فاما ان اعمل لك واما ان ادخر لك افضل منه » والاحاديث فى هذا الباب كثيرة وان الله يجيب الدعوات كلها من عبده المؤمن ولا يخيبه فى شى من دعواته وكيف يخيب ولا يجيب من اذا لم يسأله عبده يغضب عليه قال ابو هريرة رضى الله عنه قال النبى عليه السلام « ان الله يغضب على من لم يسأله ولا يفعل ذلك احد غيره » انتهى ما فى بحر العلوم يقول الفقير هذا كله مسلم مقبول فانه يدل على أن دعاء المؤمن المطيع لربه مستجاب على كل حال ولكن لا يلزم منه ان يستجاب لكل مؤمن فان بعضا من الذنوب يمنع الاستجابة ويرد الدعوة كما اذا كان الملبوس والمشروب حراما والقلب لاهيا غافلا وعلى الداعى مظالم وحقوق للعباد ونحو ذلك ويدل على ما ذكرنا ما قال عليه السلام لسعد بن ابى وقاص رضى الله عنه حين قال له يا رسول الله ادع الله ان يستجيب دعائى « يا سعد اجتنب الحرام فان كل بطن دخل فيه لقمة من حرام لا تستجاب دعوته اربعين يوما » وايضا ما قال عليه السلام « الرجل يطيل السفر » اى فى طريق الحق « اشعث اغبر يمد يده الى السماء قائلا يا رب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وغذى بالحرام فانى يستجاب لذلك الرجل دعاؤه » وايضا ما قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم « وانت يا عم لو اطعته اطاعك اطاعتى » حين قال له ابو طالب ما اطوعك ربك يا محمد وغير ذلك ثم ان الزيادة فى الآية مفسرة بالشفاعة لمن وجبت له النار وبالرؤية فان الجنان ونعيمها مخلوقة تقع فى مقابلة مخلوق مثلها وهو عمل العبد والرؤية مما يتعلق بالقديم ولا تقع الا فى مقابلة القديم وهو الفضل الربانى ( وفى كشف الاسرار ) بنده كه بديدار الله رسد بفضل الله ميرسد نه ازطاعت خود
وفى الخبر الصحيح « اذا دخل اهل الجنة الجنة نودوا يا اهل الجنة ان لكم عند الله موعدا يريد ان ينجزكموه فيكشف الحجاب فينظرون اليه » ابو بكر الشبلى قدس سره وقتى درغلبات وجد وخروش كفت اىبارخدا فردا همه را اناببنا انكيز تاجز من تراكس نبيند بازوقتى ديكر كفت باخدا باشبلى رانا بينا انكيزكه دريغ بودكه جون منى ترابيند وآن سخن اول غيرت بود بر جمال ازديده اغيار وآن سخن ديكر غيرت بود برجمال ازديده خودو در راه جوانمردان اين قدم ازان قدم تما مترست وعزيز تر

(13/87)


از رشك تو بركنم دل وديده خويش ... تا اين تونه بيند ونه آن رابيش
وجون حق تعالى ديدار خود را دوستانرا كرامت كند بتقاضاى جمال خود كندنه بتقاضاى بنده كه بشر محض راهر كز زهره آن نبودكه با اين تقاضا بيدا آيد { والكافرون لهم عذاب شديد } بدل ما للمؤمنين من الثواب والفضل المزيد ( قال الكاشفى ) مرايشا براست عذابى سخت كه ذل حجاب ودوام عقابست وهيج عقاب بدتر از مذلت حجاب نيست
زهيج رنج نو مطلق دلم نتابد روى ... جزآنكه بند كنى درحجاب حرمانش
وفى التأويلات النجمية لما ذكر انه تعالى يقبل توبة التائبين ومن لم يتب يغفر زلتهم والمطيعون يدخلهم الجنة فلعله يخطر ببال احدهم ان هذه النار لمن هى قال الله تعالى والكافرون لهم عذاب شديد فدليل الخطاب ان المؤمنين لهم عذاب ولكن ليس بشديد ثم ان العبد لو لم يتب خوفا من النار ولا طمعا فى الجنة لكان من حقه ان يتوب ليقبل الحق سبحانه توبته ثم ان العامى ابدا منكسر القلب فاذا علم ان الله يقبل الطاعة من المطيعين يتمنى ان له طاعة ميسرة ليقبلها الله فيقول الحق عبدى ان لم يكن لك طاعة تصلح للقبول فلك توبة ان اتيت بها تصلح لقبولها

(13/88)


ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ولكن ينزل بقدر ما يشاء إنه بعباده خبير بصير (27)

{ ولو بسط الله الرزق لعباده } لو وسعه عليهم { لبغوا فى الارض } لطغوا فى الارض وعصوا فمن العصمة ان لا تجد او لظلم بعضهم على بعض لان الغنى مبطرة مأشرة اى داع الى البطر والاشر او البغى بمعنى الكبر فيكون كناية عن الفساد وقال ابن عباس رضى الله عنهما بغيهم فى الارض طلبهم منزلة بعد منزلة ومركبا بعد مركب وملبسا بعد ملبس وقال بعضهم لو أن الله تعالى رزق العباد من غير كسب لتفرغوا للفساد فى الارض ولكن شغلهم بالكسب حتى لا يتفرغوا للفساد ونعم ما قيل
ان الشباب والفراغ والجده ... مفسدة للمرء اى مفسده
اى داعية الى الفساد ومعنى الفراغ عدم الشغل ولزوم البغى على بسط الرزق على الغالب والا فقد يكون الفقير مستكبرا وظالما يعنى ان البغى مع الفقر اقل لأن الفقر مؤد الى الانكسار والتواضع غالبا ومع الغنى اكثر واغلب لأن الغنى مؤد الى البغى غالبا فلو عم البسط كل واحد من العباد لغلب البغى وانقلب الامر الى عكس ما عليه الآن ( قال الكاشفى ) واين درغالبست جه ذى النورين رضى الله عنه مالدارترين مردم بودند و هركز ازايشان بغى وطغيان ظاهر نشد وكفته اندمال دنيا بمثال بارانست كه برتمام زمين بارد واز هرقطعه ازان كياه ديكر رويد
باران كه درلطافت طبعش خلاف نيست ... درباغ لاله رويد ودرشوره يوم خس
وجون اغلب طباع خلق بجانب هوى وهوس مائلست وبرور صفات سبعى وبهيمى برايشان غالب ومال دنيا درين ابواب قوى ترين اسبابست بس اكر حق سبحانه وتعالى روزى برخلق فراغ كرداند اكثرباغى وطاغى كردند
وكفا بحال فرعون وهامان وقارون ونحوهم عبرة قال عليه السلام « ان اخوف ما اخاف على امتى زهرة الدنيا وكثرتها » ( قال الصائب ) نفس رابد خوبناز ونعمت دنيا مكن
آب ونان وسير كاهل ميكند مزدوررا
{ ولكن ينزل بقدر } اى بتقدير يعنى باندازه كما فى كشف الاسرار ( وقال الكاشفى ) بتقدير ازلى وفى القاموس قدر الرزق قسمه والقدر قياس الشىء بالشىء وفى بحر العلوم يقال قدره قدر او قدرا وقوله عليه السلام « فان غم عليكم فاقدروا » بكسر الدال والضم خطأ رواية اى فقدروا عدد الشهر حتى تكملوه ثلاثين يوما { ما يشاء } ان ينزله مما تقتضيه مشيئته وهو مفعول ينزل { انه بعباده خبير بصير } محيط بخفايا امورهم وجلاياها فيقدر لكل واحد منهم فى كل وقت من اوقاتهم ما يليق بشأنهم فيفقر ويغنى ويمنع ويعطى ويقبض ويبسط حسبما تقتضيه الحكمة الربانية ولو اغناهم جميعا لبغوا ولو افقرهم لهلكوا روى انس بن مالك رضى الله عنه عن النبى عليه السلام عن جبرآئيل عن الله تعالى انه قال

(13/89)


« من اهان لى وليا فقد بارزنى بالمحاربة وانى لأسرع شىء الى نصرة اوليائى وانى لأغضب لهم كما يغضب الليث الجريئ وما تقرب الى عبدى المؤمن بمثل ادآء ما افترضت عليه وما زال عبدى المؤمن يتقرب الى بالنوافل حتى احبه فاذا احببته كنت له سمعا وبصرا ويدا مؤيدا ان دعانى اجبته وان سألنى اعطيته وما ترددت فى شىء انا فاعله ترددى فى قبض روح عبدى المؤمن يكره الموت واكره مساءته ولا بد له منه وان من عبادى المؤمنين لمن يسألنى الباب من العبادة فاكفه عنه لئلا يدخله عجب فيفسده ذلك وان من عبادى المؤمنين لمن لا يصلح ايمانه الا الفقر ولو اغنيته لأفسده ذلك وان من عبادى المؤمنين لمن لا يصلح ايمانه الا الغنى ولو افقرته لافسده ذلك وان من عبادى المؤمنين لمن لا يصلح ايمانه الا الصحة ولو اسقمته لأفسده ذلك وان من عبادى المؤمنين لمن لا يصلح ايمانه الا السقم ولو اصححته لأفسده ذلك انى ادبر امر عبادى بعلمى بقلوبهم انى بعبادى خبير بصير » وكان يقول انس رضى الله عنه اللهم انى من عبادك المؤمنين الذين لا يصلحهم الا الغنى فلا تفقرنى برحمتك وفى التأويلات النجمية يشير الى قلب الفقير كأنه يقول انما لم ابسط ايها الفقير عليك الدنيا لما كان لى من المعلوم انى لو وسعت عليك لطغوت وسعيت فى الارض بالفساد ويشير ايضا الى وعيد الحريص على الدنيا لينتبه من نوم الغفلة ويتحقق له ان لو بسط الله له الرزق بحسب الطلب لكان سبب بغيه وطغيانه وفساد حاله ولتسكن نائرة حرصه على الدنيا ثم قال بطريق الاستدراك ان لم اوسع عليك الرزق لصلاح حالك لم امنع عنك الكل ولكن ينزل بقدر ما يشاء لعلمه بصلاح ذلك وهو قوله انه بعباده خبير بصير روى ان اهل الصفة رضى الله عنهم تمنو الغنى فنزلت يعنى اصحاب صفه كه بفقر فاقه ميكذرانيدند روزى در خاطر ايشان كذشت كه جه باشد كه ماتوانكرم شويم ومال خود بفلان وفلان جيز صرف كنيم اين آيت آمد قال خباب بن الارت رضى الله عنه فينا نزلت هذه الآية وذلك انا نظرنا الى اموال بنى قريظة والنضير وبنى قينقاع فتمنيناها فانز الله تعالى الآية قال سعدى المفتى وفيه أن الآية حينئذ مدنية فكان ينبغى ان يستثنى وقيل نزلت فى العرب كانوا اذا اخصبوا تحاربوا واذا اجدبوا اى اصابهم الجدب والقحط انتجعوا اى طلبوا الماء والكلأ وتضرعوا وفى ذلك يقول الشاعر
قوم اذا نبت الربيع بارضهم ... نبتت عداوتهم مع البقل

(13/90)


وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا وينشر رحمته وهو الولي الحميد (28)

{ وهو الذى ينزل الغيث } اى المطر الذى يغيث الناس من الجدب ولذالك خص بالنافع منه فان المطر قد يضر وقد لا يكون فى وقته قال الراغب الغيث يقال فى المطر والغوث فى النصرة { من بعد ما قنطوا } اى يئسوا منه وتقييد تنزيله بذلك مع تحققه بدونه ايضا لتذكير كمال النعمة فان حصول النعمة بعد اليأس والبلية اوجب لكمال الفرح فيكون ادعى الى الشكر { وينشر } وبراكنده كند { رحمته } اى بركات الغيث ومنافعه فى كل شىء من السهل والجبل والنبات والحيوان وفى فتح الرحمن وينشر رحمته وهى الشمس وذلك تعديد نعمة غير الاولى وذلك أن المطر اذا جاء بعد القنوط حسن موقعه فاذا دام سئم وتجيئ الشمس بعده عظيمة الوقع { وهو الولى } المالك السيد الذى يتولى عباده بالاحسان ونشر الرحمة ( قال الكاشفى ) واوست دوست مؤمنان وسازنده كار ايشان بفرستادن باران ونشر رحمت واحسان
تواز فشاندن تخم اميد دست مدار ... كه در كرم نكند ابر نوبهار امساك
{ الحميد } المستحق للحمد على ذلك وغيره لا غيره وقال بعضهم وهو الولى اى مولى المطر ومتصرفه يرسله مرة بعد مرة الحميد اى الاهل لأن يحمد على صنعه اذا لا قبح فيه لأنه بالحكمة ودل الغيث على الاحتياج وعند الاحتياج تتقوى العزيمة والله تعالى يجيب دعوة المضطر وقيل لعمر رضى الله عنه اشتد القحط وقنط الناس فقال مطروا اذن واراد هذه الآية ( وفى المثنوى )
تا فرود آيد بلاى دافعى ... جون نباشداذ تضرع شافعى
تاسقاهم ربهم آيد خطاب ... تشنه باش الله اعلم بالصواب
وعن ابن عباس رضى الله عنهما ان تحت العرش بحرا ينزل منه ارزاق الحيوانات يوحى الله اليه فيمطر ما شاء من سماء الى سماء حتى ينتهى الى سماء الدنيا ويوحى الى السماء ان غربليه فتغربله فليس من قطرة تقطر الا ومعها ملك يضعها موضعها ولا ينزل من السماء قطرة الا بكيل معلوم ووزن معلوم الا ما كان من يوم الطوفان من ماء فانه نزل بغير كيل ووزن وروى أن الملائكة يعرفون عدد المطر ومقداره فى كل عام لأنه لا يختلف فيه البلاد وفى الحديث « ما من سنة بامطر من اخرى ولكن اذا عمل قوم بالمعاصى حول الله ذلك الى غيرهم فاذا عصوا جميعا صرف الله ذلك الى الفيافى والبحار » وفى الحديث القدسى « لو أن عبادى اطاعونى سقيتهم المطر بالليل واطلعت الشمس عليهم بالنهار وما اسمعتهم صوت الرعد » قال سفيان رحمه الله ليس الخائف من عصر عينيه وبكى انما الخائف من ترك الامر الذى يخاف منه وروى مرفوعا ما من ساعة من ليل ولا نهار الا والسماء تمطر فيها يصرفه الله حيث يشاء وفيه اشارة الى دوام فيضه تعالى ظاهرا وباطنا والا لانتقل الوجود الى العدم وفى الآية اشارة الى أن العبد اذا ذبل غصن وقته وتكدر صفو ورده وكسف شمس انسه وبعد بالحضرة وساحات القرب عهده فربما ينظر الحق بنظر رحمته فينزل على سره امطار الرحمة ويعود عوده طريا وينبت من مشاهد انسه وردا جنيا وفى عرآئس البيان يكشف الله لهم انوار جماله بعد ان ايسوا من وجدانهم فى مقام القبض وينشر عليهم لطائف بسط القرب لأن وليهم وحبيبهم محمود بلسان افتقارهم قال ابن عطا ان الله تعالى يربى عباده بين طمع ويأس فاذا طمعوا فيه ايأسهم بصفاتهم واذا ايسوا أطمعهم بصفاته واذا غلب على العبد القنوط وعلم العبد ذلك واشفق منه اتاه من الله الفرج ألا تراه يقول وهو الذى ينزل الغيث من بعد ما قنطوا معناه ينزل غيث رحمته على قلوب اوليائه فينبت فيها التوبة والانابة والمراقبة والرعاية ابر جود باران وجود ريزد سحاب افضال دراقبال فشاندكل وصال درباغ نوال شكفته كردد آخركار باور كار بازشود

(13/91)


يقول الفقير لا شك أن القبض والبسط يتعاقبان وان الانسان لا يضحك دائما ولا يبكى دائما ومن اعاجيب ما وقع لى فى هذا الباب هو انه اغار العرب على الحجاج فى طريق الشام فى سنة الالفات الاربعة وكنت اذ ذاك معهم فتجردت باختيارى عن جميع ما معى غير القميص والسراويل ومشيت على وجهى فقيل لى فى باطنى على يمينك فأخذت اليمين حتى لم يبق لى طاقة على المشى من الجوع والعطش فوقعت على الرمل فأيست من الحياة وليس معى احد الا الله فقيل لى فى سمعى قول الشاعر
عسى الكرب الذى امسيت فيه ... يكون ورآءه فرج قريب
ثم ان الله تعالى فرج عنى بعد ساعات بما يطول بيانه بل يجب خفاؤه وهو الولى الحميد

(13/92)


ومن آياته خلق السماوات والأرض وما بث فيهما من دابة وهو على جمعهم إذا يشاء قدير (29)

{ ومن آياته } اى دلائل قدرته تعالى { خلق السموات والارض } على ما هما عليه من تعاجيب الصنائع فانها بذاتها او صفاتها تدل على شؤونه العظيمة قال فى الحواشى السعدية قوله فانها اشارة الى ما تقرر فى الكلام من المسالك الاربعة فى الاستدلال على وجود الصانع تعالى حدوث الجواهر وامكانها وحدوث الاعراض القائمة بها وامكانها ايضا وفيه اشارة الى ان خلق السموات من اضافة الصفة الى الموصوف اى السموات المخلوقة انتهى { وما بث فيهما } عطف على السموات او الخلق ومعنى بث فرق يعنى برا كنده كرده
وقال الراغب اصل البث اثارة الشىء وتفريقه كبث الريح التراب وبث النفس ما نطوت عليه من الغم والسرور وقوله وبث اشارة الى ايجاده تعالى ما لم يكن موجودا واظهاره اياه { من دابة } حى على اطلاق اسم المسبب على السبب اى الدبيب مجازا اريد به سببه وهو الحياة فتكون الدابة بمعنى الحى فتتناول الملائكة ايضا لأن الملائكة ذووا حركت طيارون فى السماء وان كانوا لا يمشون على الارض ويجوز أن يكون المعنى مما تدب على الارض فان ما يختص بأحد الشيئين المجاورين يصح نسبته اليهما يعنى ما يكون فى احد الشيئين يصدق انه فيهما فى الجملة كما فى قوله تعالى { يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان } وانما يخرج من الملح وقد جوز ان يكون للملائكة مشى مع الطيران فيوصفون بالدبيب وان يخلق الله فى السماء حيوانات يمشون فيها مشى الاناسى على الارض كما ينبئ عنه قوله تعالى { ويخلق ما لا تعلمون } وقد روى ان النبى عليه السلام قال « فوق السابعة بحر بين أسفله واعلاه كما بين السماء والارض ثم فوق ذلك ثمانية اوعال بين ركبهن واظلافهن كما بين السماء والارض ثم فوقه العرش العظيم »
يقول الفقير ان للملائكة احوالا شتى وصورا مختلفة لا يقتضى موطنهم الحصر فى شىء من المشى والطيران فطيرانهم اشارة الى قوتهم فى قطع المسافة وان كان ذلك لا ينافى ان يكون لهم اجنحة ظاهرة فلهم اجنحة يطيرون بها ولهم ارجل يمشون بها والله اعلم { وهو } تعالى { على جمعهم } اى حشر الاجسام بعد البعث للمحاسبة { اذا يشاء } فى اى وقت يشاء { قدير } متمكن منه
يعنى تواناست ومتمكن ازان وغير عاجزدران
قوله هو مبتدأ وقدير خبره وعلى جمعهم متعلق بقدير واذا منصوب بجمعهم لا بقدير لفساد المعنى فان المقيد بالمشيئة جمعه تعالى لا قدرته واذا عند كونها بمعنى الوقت كما تدخل على الماضى تدخل على المضارع قال تعالى { والليل اذا يغشى } وفى الآية اشارة الى سموات الارواح وارض الاجساد وما بث فيهما من دابة النفوس والقلوب فلا مناسبة بين كل واحد منهم فان بين الارواح والاجساد بونا بعيدا فى الفناء لان الجسد من اسفل سافلين والروح من اعلى عليين والنفس تميل الى الشهوات الحيوانية الدنيوية والقلب يميل الى الشواهد الروحانية الاخروية الربانية وهو على جمعهم على طلب الدنيا وزينتها وعلى طلب الآخرة ودرجاتها وعلى طلب الحضرة وقرباتها اذا يشاء قدير والحشر على انواع عام وهو خروج الاجساد من القبور الى المحشر يوم النشور وخاص وهو خروج الارواح الاخروية من قبور الاجسام الدنيوية بالسير والسلوك فى حال حياتهم الى عالم الروحانية يحرق الحجب الظلمانية واخص وهو خروج الاسرار من قبور الروحانية الى عالم الهوية بقطع الحجب النورانية فعند ذلك يرجع الانسان الى اصله رجوعا اختياريا مرضيا ليس فيه شائبة غضب اصلا ونعم الرجوع والقدوم وهو قدوم الحبيب على الحبيب والخلوة معه

(13/93)


خلوت كزيده را بماشا جه حاجتست ... جون روى دوست هست بصحراجه حاجتست
ولا يمكن الخروج من النفس الا بالله وكان السلف يجهدون فى اصلاح نفوسهم وكسر مقتضاها وقمع هواها ( حكى ) ان عمر بن الخطاب رضى الله عنه مر وعلى ظهره قربة ماء فقيل له فى ذلك فقال ليس لى حاجة الى الماء وانما اردت به كسر نفسى لما حصل لها من اطاعة ملوك الاطراف ومجىء الوفود فكما انه لا بعث الى المحشر الا بعد فناء ظاهر الوجود فكذا لا حشر الى الله الا بعد فناء باطنه نسأل الله سبحانه ان يوصلنا الى جنابه

(13/94)


وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير (30)

{ وما اصابكم } وهرجه شمارا رسدا اى مؤمنان
فما شرطية وقال بعضهم موصول مبتدأ دخلت الفاء فى خبره لتضمنه معنى الشرط اى الذى وصل اليكم ايها الناس { من مصيبة } اى مصيبة كانت من الآلام والاسقام والقحط والخوف حتى خدش العود وعثرة القدم واختلاج العرق وغير ذلك فى البدن او فى المال او فى الاهل والعيال ويدخل فيها الحدود على المعاصى كما انه يدخل فى قوله ويعفوا عن كثير ما لم يجعل له حد { فبما كسبت ايديكم } اى فهو بسبب معاصيكم التى اكتسبتموها فان ذكر الايدى لكون اكثر الاعمال مما يزاول بها فكل نكد لاحق انما هو بسبب ذنب سابق أقله التقصير ( وفى المثنوى )
هرجه برتو آيد از ظلمات غم ... آن ربى باكى وكستاخيست هم
وفى الحديث « لا يرد القدر الا بالدعاء ولا يزيد فى العمر الا البر وان الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه » قوله لا يرد الخ لان من جملة القضاء رد البلاء بالدعاء فالدعاء سبب لدفع البلاء وجلب الرحمة كما ان الترس سبب لدفع السلاح والماء سبب لخروج النباتات من الارض قال الضحاك ما تعلم رجل القرءآن ثم نسيه الا بذنب واى معصية اقبح من نسيان القرءآن وتلا الآية { ويعفوا عن كثير } من الذنوب فلا يعاقب عليها ولولا عفوه وتجاوزه ما ترك على ظهرها من دابة وفى الآية تسلية لقلوب العباد واهل المصائب يعنى ان اصابتكم مصيبة الذنوب والمعاصى الموجبة للعقوبة الاخروية الابدية تداركناها باصابة المصيبة الدنيوية الفانية لتكون جزآء لما صدر منكم من سوء الادب وتطهير لما تلوثتم به من المعاصى ثم اذا كثرت الاسباب من البلايا على عبد وتوالى عليه ذلك فليفكر فى افعاله المذمومة لم حصلت منه حتى يبلغ جزآء ما يفعله مع عفو الكثير هذا المبلغ فعند هذا يزداد حزنه وأسفه وخجلته لعلمه بكثرة ذنوبه وعصيانه وغاية كرم ربه وعفوه وغفرانه قيل لابى سليمان الدارانى قدس سره ما بال العقلاء ازالوا اللوم عمن اساء اليهم قال لانهم علموا ان الله تعالى انما ابتلاهم بذنوبهم وقرأ هذه الاية

(13/95)


وما أنتم بمعجزين في الأرض وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير (31)

{ وما انتم بمعجزين فى الارض } فائتين ما قضى عليكم من المصائب وان هربتم من اقطار الارض كل مهرب يعنى اذا اراد الله ابتلاءكم وعقوبتكم فلا تفوتونه حيثما كنتم ولا تسبقونه ولا تقدرون ان تمنعوه من تعذيبكم وبالفارسية ونيستيد عاجز كنندكان خدا يرا از انفاذ امريا از عذاب كردن مستحق
قال اهل اللغة اعجزته اى صيرته عاجزا واعجزته فيه سبقته قال فى تفسير المناسبات لما كان من يعاقب بما دون الموت ربما ظن انه عاجز قال وما انتم اى اجمعون العرب وغيرهم بمعجزين فى الارض لو أريد محقكم بالكلية ولا فى شىء اراده منكم كائنا ما كان { وما لكم } اى عند الاجتماع فكيف عند الانفراد { من دون الله } المحيط بكل شىء عظمة وكبرا وعزة { من ولى } يكون متوليا لشىء من اموركم بالاستقلال يحميكم من المصائب { ولا نصير } يدفعها عنكم وهذه الآية الكريمة داعية لكل احد الى المبادرة عند وقوع المعصية الى محاسبة النفس ليعرف من اين أتى فيبادر الى التوبة عنه لينقذ نفسه من الهلكة وفائدة ذلك وان كان الكل بخلقه وارادته اظهار الخضوع والتذلل واستشعار الحاجة والافتقار الى الله الواحد القهار ولولا ورود الشريعة لم يوجد سبيل الى هذه الكمالات البديعة ومثل هذه التنبيهات تستخرج من العبد ما اودع فى طبيعته وركز فى غريزته كغرس وزرع سيق اليه ماء وشمس لاستخراج ما فى طبيعته من المعلومات الالهية والحكم العلية
قال الامام الواحدى رحمه الله هذه الآية ارجى آية فى كتاب الله لان الله جعل ذنب المؤمن صنفين صنفا كفر عنهم بالمصائب وصنفا عفا عنه فى الدنيا وهو كريم ولا يرجع فى الآخرة فى عفوه فهذه سنة الله مع المؤمنين واما الكافر فلا يعجل له عقوبة ذنبه حتى يوافى به يوم القيامة قال بعضهم اذا كسب العبد شيأ من الجرائم فهو من اسباب القهر ويكون محجوبا به فاذا كان اهلا لله تعالى يعاقبه الله فى الدنيا ببعض المصائب ويخرجه من ذلك الحجاب والا فيمهله فى ضلالته والآية مخصوصة بالمجرمين فان ما أصاب غيرهم من الانبياء وكمل الالياء والاطفال والمجانين فلاسباب اخر لا بما كسبت ايديهم لانهم معصومون محفوظون
منها التعريض للاجر العظيم بالصبر عليه قال بعضهم شوهد منه عليه السلام كرب عند الموت ليحصل لمن شاهده من اهله ومن غيرهم من المسلمين الثواب لما يلحقهم عليه من المشقة كما قيل بمثل ذلك فى حكمة ما يشاهد من حال الاطفال من الكرب الشديد وفى نوادر الاصول للحكيم عليه السلام من لبثه فى السجن بالهم الذى هم به ومن لبثه بعد مضى المدة فى السجن بقوله اذكرنى عند ربك فانساه الشيطان ذكر ربه ولبث فى السجن بضع سنين

(13/96)


ومنها امتحانه ليبرز ما فى ضميره فيظهر لحلقه درجته اين هو من ربه كمثل ما نزل بأيوب عليه السلام قال تعالى { انا وجدناه صابرا نعم العبد انه اواب } ومنها كرامته ليزداد عنده قربة وكرامة كمثل ما نزل بيحيى بن زكريا عليهما السلام ولم يعمل خطيئة قط ولم يهم بها فذبح ذبحا واهدى رأسه الى بغى من بغايا بنى اسرائيل وقد سأل النبى عليه السلام العافية من كل ذلك حيث قال « واسأل الله العافية من كل بلية » والعافية ان يكون فى كل وجه من هذه الوجوه اذا حل به شىء من ذلك ان لا يكله الى نفسه ولا يخذله اى يكلاءه ويرعاه فى كل من هذه الوجوه هذا وجه والوجه الآخر ان يسأله ان يعافيه من كل شىء فيه شدة فان الشدة انما يحل اكثرها من اجل الذنوب فكانه يسأل ان يعافيه من البلاء ويعفو عنه الذنوب التى من اجلها تحل الشدة بالنفس فقد قال عز وجل { وما اصابكم من مصيبة فبما كسبت ايديكم ويعفوا عن كثير } وقال تعالى { ولنذيقنهم من العذاب الادنى دون العذاب الاكبر } فعلى العاقل ان يسأل العفو والعافية فى الدين والدنيا والآخرة فاذا ابتلى بشىء من البلايا صبر عليه ليكون مأجورا ومفكرا عنه ذنوبه ومصححا له حاله ومصفى باله ونعم ما قيل ترى الناس دهنا فى القوارير صافيا * ولم تدر ما يجرى على رأس سمسم ( وقال الحافظ ) شكر كمال حلاوت بس از رياضت يافت نخست درشكن تنك ازان مكان كيرد ( وما قال ) كويند سنك لعل شود درمقام صبر آرى شود وليك بخون جكر شوده
نسأل الله العافية

(13/97)


ومن آياته الجوار في البحر كالأعلام (32)

{ ومن آياته } دلائل وحدته تعالى وقدرته وعظمته وحكمته { الجوار } السفن الجارية وهى بالياء فى الاصل حذفت الكسر الدال عليها { فى البحر } در دريا { كالاعلام } جمع علم بفتحتين بمعنى الجبل وكل مرتفع علم أى كالجبال على الاطلاق لا التى عليها النار للاهتداء خاصة وبالفارسية مانند كوها درعظمت
فقوله جوار جمع جارية بمعنى سائرة صفة للسفن المقدرة وفى البحر متعلق على التقديرين

(13/98)


إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور (33)

{ ان يشأ } اى الله تعالى وهو شرط جوابه قوله { يسكن الريح } التى تجريها يعنى ساكن كرداند بادى راكه سبب رفتن كشتى است { فيظللن رواكد على ظهره } عطف على قوله يسكن وظل بمعنى صار وركدت السفينة اذا سكنت وثبتت اى فيصرن تلكن السفن ثوابت بعدما كانت جوارى برياح طيبة وحاصل المعنى فيبقين ثوابت على ظهر البحر غير جاريات لا غير متحركات اصلا
وجون آن كشتيها ساكن شوند بسبب سكون باد اهل كشتى در كرداب اضطراب افتد { ان فى ذلك } الذى ذكر من السفن اللاتى يجرين تارة ويركدن تارة اخرى على حسب مشيئة الله تعالى { لآيات } عظيمة فى انفسها كثيرة فى العدد دالة على ما ذكر من شؤونه { لكل صبار } بليغ الصبر على احتمال البلايا فى طاعة الله تعالى { شكور } بليغ الشكر له على نعمائه باستعمال كل عضو من الاعضاء فيما خلق له ( وقال الكاشفى ) مرهرصبر كننده رادر كشتىسباس دارنده برقت خروج از كشتى
ويجوز أن يكون مجموع صبار شكور كناية عن الآتى بجميع ما كلف به من الافعال والتروك فالمعنى لكل مؤمن كامل فى خصائل الايمان وثمراتها ترجع كلها الى الصبر والشكر فان الايمان نصفه صبر عن المعاصى ونصفه شكر وهو الاتيان بالواجبات

(13/99)


أو يوبقهن بما كسبوا ويعف عن كثير (34)

{ او يوبقهن بما كسبوا } عطف على يسكن يقال اوبقه اهلكه كما فى القاموس والايباق بالفارسية هلاك كردن كما فى تاج المصادر والمعنى ان يشأ يسكن الريح فيركدن او يرسلها فتغرق بعضها اى السفن بعدله وايقاع الايباق عليهن مع انه حال اهلهن للمبالغة والتهويل يعنى ان المراد اهلاك اهلها بسبب ما كسبوا من الذنوب موجبات الهلاك على اضمار المضاف او التجوز بعلاقة الحلول قال سعدى المفتى والظاهر انه لا منع من ابقاء الكلام على حقيقته فالآية مثل قوله تعالى { وما أصابكم من مصيبة } الخ اى يوبق سفائنهم بشؤم ما كسبوا { ويعف عن كثير } فلا يوبق اموالهم انتهى واجراء حكمه على العفو فى قوله تعالى ويعف عن كثير لما ان المعنى او يرسلها فيوبق ناسا وينجى آخرين بطريق العفو عنهم

(13/100)


ويعلم الذين يجادلون في آياتنا ما لهم من محيص (35)

{ ويعلم الذين يجادلون فى آياتنا } عطف على علة مقدرة مثل لينتقم منهم وليعلم الذين يكذبون ويسعون فى دفعه وابطاله وقرىء بالرفع على الاستئناف عطفا على الشرطية لجزم وباعطفا على يعف فيكون المعنى وان يشأ يجمع بين اهلاك قوم وانجاء قوم وتحذير قوم { ما لهم من محيص } اى من مهرب من العذاب والجملة معلق عنها الفعل فكما لا مخلص لهم اذا وقفت السفن او عصفت الرياح كذا لا مهرب لهم من عذاب بعد البعث فلا بد من الاعتراف بان الضار والنافع ليس الا الله وان كل امر عرض فانما هو بتأثيره وفى الآيات اشارات منها ان الله تعالى حثهم على الفكرة المنبهة لهم فى السفن التى تجرى فى البحار فيرسل الله الرياح تارة ويسكنها اخرى وما يريهم من السلامة والهلاك والاشارة فى هذا الى امساك الناس فى خلال فتن الوقت عن الانواع المختلفة ثم حفظ العبد فى ايوآء السلامة وذلك يوجب خلوص الشكر الموجب له جزيل المزيد ومنها كما ان السفن تجرى فى البحر بالريح الطيبة فتصل الى الساحل كذلك بعض الهمم تجرى فى الدنيا بريح العناية فتصل الى الحضرة وكما ان لبعض السفن وقفة لانقطاع الريح فكذا لبعض الهمم بانقطاع الفيض وكما ان بعضها تهلك فكذا بعض النفوس فى بحر الدنيا نعوذ بالله تعالى ومنها ان الريح لا تتحرك بنفسها بل لها محرك الى ان ينتهى الى المحرك الاول الذى لا محرك له وهو الله تعال فلا يجوز الاعتماد على الريح فى استوآء السفينة وسيرها والا فقد جاء الشرك فى توحيد الافعال والجهل بحقائق الامور ومنها ان الصابر من صبره الله والشكور من شكره الله فان الصبر الحقيقى والشكر الحقيقى لا يكون الا لمن كان صبره بالله وشكره بالله فانه تعالى هو الصبور الشكور ومنها أن علم الله قديم ليس بحادث واما علم الخلق فحادث متأخر ولذلك قال ويعلم الخ فالعاقل يرى عاقبة الامر فيحذر كما قيل ( ع ) درانتهاى كار خوداز ابتدا ببين

(13/101)


فما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وما عند الله خير وأبقى للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون (36)

{ فما اوتيتم } بس آنجه داده شده آيد { من شىء } مما ترغبون ايها الناس وتتنافسون فيه من مال ومعاش واولاد { فمتاع الحياة الدنيا } اى فهو متاعها ومنفعتها تتمتعون وتنتفعون به مدة حياتكم القليلة فيزول ويفنى فما موصولة متضمنة لمعنى الشرط من حيث ان ايتاء ما أوتوا سبب للتمتع به فى الحياة الدنيا ولذا دخلت الفاء فى جوابها وقدر المبتدأ لان الجواب لا يكون الا جملة يعنى ان سببيته مقصود فيها الاعلام لتضمنها الترغيب فى الشكر بخلاف الثانية وهى قوله تعالى وما عند الله الخ فان المقصود فيها بيان حال ان ما عند الله سبب للخيرية والدوام وقد يقال ان ما شرطية على انها مفعول ثان لأوتيتم بمعنى اعطيتم والاول وهو ضمير المخاطبين قائم مقام الفاعل ومن شىء بيان لها لما فيها من الابهام { وما عند الله } من ثواب الآخرة اشير اليه آنفا { خير } ذاتا لخلوص نفعه وهو خبر ما { وابقى } زمان حيث لا يزول ولا يفنى بخلاف ما فى ايدى الناس وفيه اشارة الى ان الرحات فى الدنيا لا تصفو ومن الشوائب لا تخلو وان اتفق لبعضهم منها فى الاحايين فانها سريعة الزوال وشيكة الارتحال وما عند الله من الثواب الموعود خير وابقى من هذا القليل الموجود بل ما عند الله من الالطاف الخفية والمقامات العلية والمواهب السنية خير وابقى مما فى الدنيا والآخرة { للذين آمنوا } اخلصوا فى الايمان وهو متعلق بأبقى وفى الحواشى السعدية الظاهر ان اللام للبيان اى للبيان من له هذه النعمة وقد بينه ابو الليث فى تفسيره بقوله ثم بين لمن يكون ذلك الثواب فقال للذين آمنوا { وعلى ربهم يتوكلون } لا على غيره تعالى اى خصوا ربهم بالتوكل عليه فيما يعرض لهم من الامور لا يسندون امرا الا اليه ولا يعتمدون الا عليه وعن على رضى الله عنه انه تصدق ابو بكر رضى الله عنه بماله كله فلامه جمع من المسلمين فنزلت
مستغرق كار خود جنانم كه دكر ... بروى ملامتكربى كارم نيست
بين ان ثواب الاخرة مع كونه خيرا مما فى الدنيا وابقى يحصل لمن اتصف بصفات وجمع بينهما وهو الايمان والتوكل وما ذكر بعدهما فالمؤمن والكافر يستويان فى ان الدنيا متاع لهما يتمتعان بها كما قال فى البستان
اديم زمين سفره عام اوست ... برين خوان يغماجه دشمسن جه دوست
واذا صار الى الآخرة كان ما عند الله خيرا للمؤمن فمن عرف فناء متاع الدنيا وتيقن ان ما عند الله خير وابقى ترك الدنيا واختار العتبى وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ( حكى ) انه كان لهرون الرشيد ابن فى سن ست عشرة فزهد فى الدنيا وتجرد واختار العبادة فمر يوما على الرشيد وحوله وزرآؤه فقالوا لقد فضح هذا الولد امير المؤمنين بين الملوك بهذه الهيئة الدنية فدعاه هرون الرشيد وقال يا بنى لقد فضحتنى بحالك هذه فلم يجبه الولد ثم التفت فرأى طائرا على حائط فقال ايها الطائر بحق خالقك الا جئت على يدى فقعد الطائر على يده ثم قال ارجع الى مكانك فرجع ثم دعاه الى يد امير المؤمنين فلم يأت فقال لابيه بل انت فضحتنى بين الاولياء بحبك للدنيا وقد عزمت على مفارقتك ثم خرج من بلده ولم يأخذ الا خاتما و مصحفا ودخل البصرة وكان يعمل يوم السبت عمل الطين ولا يأخذ الا درهما ودانقا للقوت قال ابو عامر الواعظ البصرى رحمه الله استأجرته يوما فعمل عمل عشرة وكان يأخذ كفا من الطين ويضعه على الحائط ويركب الحجارة بعضها على بعض فقلت هذه افعال الاولياء فانهم معانون ثم طلبته يوما فوجدته مريضا فى خربة فقال

(13/102)


يا صاحبى لا تغتر بتنعم ... فالعمر ينفد والنعيم يزول
واذا حملت الى القبور الجنازة ... فاعلم بانك بعدها محمول
ثم وصانى بالغسل والتكفين فى جبته فقلت يا حبيبى ولم لا اكفنك فى الجديد فقال الحى احوج الى الجديد من الميت يا ابا عامر الثياب تبلى والاعمال تبقى ثم قال ادفع هذا المصحف والخاتم الى الرشيد وقل له يقول لك ولدك الغريب لا تدومن على غفلتك قال ابو عامر فلما غسلته وكفنته بما اوصى ودفتنه دفعت المصحف والخاتم الى الرشيد وحكيت ما جرى فبكى وقال فبم استعملت قرة عينى وقطعة كبدى قلت فى الطين والحجارة قال استعملته فى ذلك وله اتصال برسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت ما عرفته قال ثم انت غسلته قلت نعم فقبل يدى وجعلها على صدره ثم زار قبره ثم رأيته فى المنام على سرير عظيم فى قبة عظيمة فسألته عن حاله فقال صرت الى رب راض اعطانى ما لا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر وآلى على نفسه الشريفة اى قال والله الذى خلقنى لا يخرج عبد من الدنيا كخروجى الا اكرمه مثل كرامتى قال بعضهم ما ظهر من افعالك وطاعتك لا يساوى اقل نعمة من نعيم الدنيا من سمع وبصر وكيف ترجو بها نجاة الآخرة فالنعيم كله بالفضل لا بالاستحقاق ودخل ابن السماك على بعض الخلفاء وفى يده كوز ماء وهو يشربه فقال عظنى فقال لو لم تعد هذه الشربة الا ببذل جميع اموالك والا بقيت عطشانا فهل كنت تعطيه قال نعم فقال لو لم تعط الا بملكك كله فهل كنت تتركه قال نعم فقال لا تفرح بملك لا يستوى بشربة ماء يعنى فشربة ماء عند العطش اعظم من ملك الارض كلها بل كل نفس كذلك فلو أخذ لحظة ثم انقطع الهوآء عنه مات ولو حبس فى بيت حمام حار او بئر عميق مات فعلى العبد التوغل فى العبادة شكرا لنعم الله تعالى ومن أفضل الطاعات التوكل وهو ترك التدبير والانخلاع عن الحول والقوة قال الجنيد قدس سره حقيقة التوكل ان يكون العبد مع الله بعد وجوده كما كان قبل وجوده وهو مقتضى الحال كما ان الكسب مقتضى العلم ( روى ) ان النورى قدس سره تعبد مع عالم فى مسجد وكان النورى يجمع ما نبذه الناس فى آخر النهار ويغسله ويأكل معه فسأله سائل فاعطاه فقال له رفيقه العالم قد قنعنا من الدنيا بما يطرحه الناس وانت تنفقه ايها العابد لو كان معك علم فبعد ساعة جاء طعام من غنى فأكلا ثم قال النورى ايها العالم لو كان معك حال فانظر حال التوكل واليقين والاتكال على الملك المتعال من خصائص توحيد الافعال الحاصل باصلاح الطبيعة فى مقام الشريعة

(13/103)


باك وصافى شوواز جاه طبيعت بدراى ...

(13/104)


والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش وإذا ما غضبوا هم يغفرون (37)

{ والذين } الخ فى موضع الجر عطفا على الذين آمنوا عطف الصفة على الصفة لان الذات واحدة والعطف انما هو بين الصفات { يجتنبون } الاجتناب بايك سوشدن وترك كردن { كبائر الاثم } الاثم الذنب كما فى القاموس وقال الراغب الاثم والأثام اسم للافعال المبطئة عن الثواب وقوله تعالى { فيهما اثم كبير } اى فى تناولهما ابطاء عن الخيرات وتسمية الكذب اثما كتسمية الانسان حيوانا لكونه من جملتهم والكبيرة ما اوجب الله عليه الحد فى الدنيا والعذاب فى الآخرة وفى المفردات الكبيرة متعارفة فى كل ذنب تعظم عقوبته والمعنى يجتنبون الكبائر من هذا الجنس فالاضافة بمعنى من ولكون المراد جنس الاثم لم يقل كبائر الآثام قال فى كشف الاسرار اضاف الكبائر الى الاثم فان اثم الصغيرة مغفور اذا اجتنب الكبيرة كما قال الله تعالى { ان تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيأتكم } قرأ حمزة والكسائى وخلف كبير الاثم على التوحيد ارادة الجنس قال الراغب قوله والذين يجتنبون كبائر الاثم وقوله ان تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه قيل اريد بهما الشرك لقوله ان الشرك لظلم عظيم قال ابن عباس كبير الاثم هو الشرك قال الامام الرازى هو عندى ضعيف لان ذكر الايمان يغنى عنه
يقول الفقير لا يغنى فانه بالايمان يحصل الاجتناب عن مطلق الشرك الشامل للجلى والخفى بل عن الجلى فقط وقد اطلق عليه السلام الشرك على الرياء حيث قال « اتقوا الشرك الاصغر » فالقول ما قال ترجمان القرآن رضى الله عنه وقرأ الباقون كبائر الاثم على ارادة جميع المعاصى الموبقة وهو الشرك بالله اى الكفر مطلقا وان لم يعبد الصنم وقتل النفس بغير حق سوآء قتل نفسه او غيره وقذف المحصنة اى شتم الحرة المكلفة المسلمة العفيفة التى احصنها الله عن القبائح والزنى وهو وطئ فى المرأة خال عن ملك وشبهة فوطئ البهيمة واللواطة ليس بزنى والسحر ويقتل الساحر ذكرا كان او انثى اذا كان سعيه بالافساد والاهلاك فى الارض واما اذا كان سعيه بالكفر فيقتل الذكر وتضرب الانثى وتحبس واكل مال اليتيم الا بجهة الشرع كما قال الله تعالى { ولا تقربوا مال اليتيم الا بالتى هى احسن } واما ما اخذه قضاة الزمان حقا للقسمة فأصله مشروع اذا لم يعين له من بيت المال حق وكميته مشكلة وعقوق الوالدين المسلمين اذا كان مؤديا الى اضاعة الحقوق والا فلا طاعة المخلوق فى معصية الخالق واما اذا كانا كافرين قال الله تعالى فى حقهما { وان جاهداك على ان تشرك بى ما ليس لك به علم فلا تطعهما } والالحاد فى الحرم اى الذنب فيه ولو صغيرة فالكبيرة فيه كبيرتان وقيل الالحاد فيه منع الناس عن عمارته ومن عمارته الحج فالأعراب الذين يقطعون طريق الحجاج فى هذه الزمان ان استحلوا ذلك كفروا والا اثمو اثما كبيرا وأكل الربا اى الانتفاع بالربا سوآء كان اكلا او غيره وانما ذكر اكله لكونه معظم منافعه والسرقة ونصابها عند ابى حنيفة قدر عشرة دراهم عينا او قيمة وهذا نصاب السرقة فى حق القطع واما فى حق العيب فأخذ ما دون عشر يعد سرقة ايضا شرعا ويعد عيبا حتى يرد العبد به على بائعه وشرب الخمر وقطع الطريق خصوصا اذا كان مع اخذ المال فانه فوق السرقة وشهادة الزور واليمين الغموس وسوء الظن بالله وحب الدنيا ولعن الرجل والديه سوآء كان بوسط او بغيره ومعنى بوسط ان يسب ابا رجل وامه فيسب هو أباه وامه واذية الرسول عليه السلام فانها فوق عقوق الوالدين وسب الشيخين ابى بكر وعمر رضى الله عنهما قال القهستانى سب احد من الصحابة ليس بكفر كما فى خزانة المفتين وغيرها لكن فى مجموع النوازل لو قال احد من يسب الشيخين او يلعنهما رضى الله عنهما لم يقتص منه فانه كافر لان سبهما ينصرف الى سب النبى عليه السلام وسب الخنتين ليس بكفر كما فى الخلاصة وهو مشكل لان سب اهل العلم على وجه الاهانة اذا كان كفرا فكيف لا يكون سب الخنتين كفرا وسب العالم بالعلوم الدينية على وجه المزاح فانه يعزر والاصرار على الصغيرة فانه عليه السلام قال

(13/105)


« لا صغيرة مع الاصرار ولا كبيرة مع الاستغفار » وقد قال الامام علاء الدين التركستانى الحنفى رحمه الله فى منظومته عدد الكبائر سبعون فمنها الغناء بالكسر والمد وقد يقصر وهو رفع الصوت بالاشعار والابيات على نحو مخصوص قال الامام الغزالى رحمه الله فى الاحياء واحتجوا على حرمة الغناء بما رواه ابو امامة رضى الله عنه عن النبى عليه السلام انه قال « ما رفع احد صوته بغناء الا بعث الله له شيطانين على منكبيه يضربان باعقابهما على صدره حتى يمسك » قال بعضهم المراد به الغناء الذى يحرك من القلب ما هو مراد الشيطان من الشهوة ومحبه المخلوقين لا ما يحرك الشوق الى الله ويرغب فى الآخرة ومنها الظلم والغيبة والتجسس والتطفيف فى الكيل والوزن والكبر والعجب والحسد وترك الوفاء بالعهد والخيانة فى نسوة الجيران وترك الصلاة والصوم والزكاة والحج اذا كان له استطاعة وفى الطريق امن ونسيان القرءآن وكتم الشهادة وقطع الرحم والسعى بين اثنين بالفساد والحلف بغير الله والسجدة لمخلوق فانها كعبادة الصنم وترك الجمعة والجماعة وان يقول لمسلم يا كافر ومصادقة الامير الجائر ونكاح الكف وفى الحديث « ناكح الكف ملعون » وهو من يعالج ذكره بيده حتى يدفق كما فى شرح المنار لابن الملك وقال الرهاوى لم اجده فى كتب الحديث وانما ذكره المشايح فى كتب الفقه وفى حواشى البخارى والاستمناء باليد حرام بالكتاب والسنة قال الله تعالى

(13/106)


{ والذين هم لفروجهم حافظون } الى قوله { فاولئك هم العادون } اى الظالمون المتجاوزون الحلال الى الحرام قال ابن جريج سألت عطاء عنه قال سمعت ان قوما يحشرون وايديهم حبالى واظنهم هؤلاء نعم يباح عند ابى حنيفة واحمد اذا خاف على نفسه الفتنة واراد تسكين الشهوة وكذلك يباح الاستمناء بيد امرأته وجاريته عند الضرورة ومنها تعييب احد من الناس والقصاص بغير عدل وترك العدل فى القسم وترك الشكر فى القسم واللواطة واتيان المراة فى الحيض والسرور بالغلاء والخلوة بالاجنبية واتيان البهيمة وقد كان بعض الجهال من الزهاد يفعله تسكينا للشهوة ثم علم حرمته وتاب وفى نوادر ابى يوسف وطئ بهيمة نفسه تذبح وتحرق ان لم تكن مأكولة وان كانت مما يؤكل تذبح ولا تحرق وان كانت لغيره تدفع الى الفاعل على القيمة وتذبح وتحرق وقال بعضهم تؤكل وفى الاجناس من اصحابنا من قال تذبح وتحرق على وجه الاستحباب اما بهذا الفعل لا يحرم أكل الحيوان المأكول كذا فى خزانة الفتاوى ومنها تصديق الكاهن وهو الذى يخبر عن الكوآئن فى مستقبل الزمان ويدعى معرفة الاسرار ومطالعة علم الغيب واللعب بالنردشير وفى الحديث « من لعب بالشطرنج والنردشير فكأنما غمس يده فى دم الخنزير » الشطرنج معرب صدرنك ورنك فى الفارسية الحيلة والنردشير اللعب المعروف بالنرد قال صاحب الهداية يكره اللعب بالنرد والشطرنج والاربعة عشر وكل لهو لانه ان قامر بها فالميسر حرام بالنص وهو اسم لكل قمار وان لم يقامر فهو عبث ومنها النياحة واستباحتها واظهار الصلاح واخفاء الفسق وتعييب الطعام واستماع الملاهى وفى الحديث « استماع صوت الملاهى معصية والجلوس عليها فسق والتلذذ بها كفر » وهو على وجه التهديد ولو امسك شيا من المعازف كالطنبور والمزمار ونحوهما يأثم وان كان لا يستعملهما لان امساكهما يكون للهو عادة ومنها الرقص بالرباب ونحوه ودخول بيت الغير بغير اذنه والنظر فيه والنظر الى الوجه المليح عن شهوة فان الصبيح فى حكم النساء بل اشد ولذا قيل ان مع كل امرأة شيطانين ومع كل غلام ثمانية عشر شيطانا وكان محمد بن الحسن صبيحا وكان ابو حنيفة رحمه الله يجلسه فى درسه خلف ظهره او خلف سنرية المسجد حتى لا يقع عليه بصره مخافة من خيانة العين مع كمال تقواه وفى بستان الفقيه ويكره مجالسة الاحداث والصبيان والسفهاء لانه يذهب بالمهابة ورؤى واحد فى المنام بعد موته وقد اسود وجهه فسئل عن ذلك فقال نظرت الى غلام فاحترق وجهى فى النار ومنها ترك الامر بالمعروف والنهى عن المنكر والسخرية واخذ الصلة والعطاء من اهل الجور وقال قوم ان صلات السلاطين تحل للغنى والفقير اذا لم يتحقق انها حرام وانما التبعة على المعطى قال الامام الغزالى رحمه الله اذا كان ظاهر الانسان الصلاح والستر فلا حرج عليك فى قبول صلاته وصدقته ولا يلزمك البحث بان تقول فسد الزمان فان هذا سوء ظن بذلك الرجل المسلم { والفواحش } وازكارهازشت

(13/107)


جمع فاحشة وهى القبيحة او المفرطة فى القبح قال فى القاموس الفاحشة الزنى وما يشتد قبحه من الذنوب فيكون عطف الفواحش على الكبائر من عطف البعض على الكل ايذانا بكمال شناعته وقيل هما واحد والعطف لتغاير الوصفين كانه قيل يجتنبون المعاصى وهى عظيمة عند الله فى الوزن وقبيحة فى العقل والشرع وفى التأويلات النجمية كبائر الاثم حب الدنيا ومتابعة الهوى فانها رأس كل خطيئة ومنشأها والفواحش هى الاشتغال بطلب الدنيا وصرفها فى اتباع الهوى { واذا ما غضبوا هم يغفرون } اذا ظرفية عمل فيها يغفرون والجملة الاسمية هى المعطوفة على الصلة وهى يجتنبون عطف اسمية على فعلية والتقدير والذين يجتنبون وهم يغفرون لا انها شرطية والاسمية جوابها لخلوها عن الفاء وما زآئدة مع اذا فانها وان كانت تزاد مع اذا التى للشرط لكن فى اذا الزمانية معنى الشرط وهو ترتب مضمون جملة على اخرى فتضمنت معنى حرف الشرط فلذلك اختير بعدها الفعل لمناسبة الفعل الشرط واذا الزمانية للمستقبل وان كانت داخلة على المضى كما عرف فى النحو والغضب ثوران دم القلب ارادة الانتقام ولذلك قال عليه السلام « اتقوا الغضب فانه جمرة توقد فى قلب ابن آدم » ألم تروا الى انتفاخ اوداجه وحمرة عينيه وقوله هم مبتدأ ويغفرون خبره والمغفرة هنا بمعنى العفو والتجاوز والحلم وكظم الغيظ والمعنى وهم يعفون ويتجاورون ويحلمون ويكظمون الغيظ وقت غضبهم على احد ويتجرعون كاسات الغضب النفسانية بأفواه القلوب الروحانية الربانية ويسكنون صورة الصفة الشيطانية وبالفارسية ووقتى كه خشم كيربد نر مردمان بيست رنجى و زيانى ومكروهى كه بديشان وسانند ايشان در ميكذر اندانرا وعفو ميكنند وفيه دلالة على انهم الاخصاء بالمغفرة حال الغضب لعزة منالها لا يزيل الغضب اخلاقهم كسائر الناس وذلك لان تقديم الفاعل المعنوى او التقديم مطلقا يفيد الاختصاص ثم يجوز فى النظم ان يكون هم تأكيدا للفاعل فى قوله غضبوا وعلى هذا فيغفرون جواب الشرط كذا فى الحواشى السعدية قال بعض الكبار فى قوله للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون اشارة الى مقام الرضى وتوحيد الافعال والصفات فتوحيد الافعال باصلاح الطبيعة وتوحيد الصفات باصلاح النفس بالاجتناب عن كبائر الاثم وفواحش الشرك والسيئات والاحتراز عن الغضب وسائر رذآئل الصفات قيل لبعض الانبياء اذا خرجت من بيتك غدا فكل من استقبلك اولا واستر الثانى وأعرض عن الثالث فلما كان الغد استقبله جبل عظيم فقصد الى أكله امتثالا للامر فصار تفاحة فأكلها فوجدها ألذ الاشياء ثم وجد طشتا من ذهب فكلما ستره خرج ثم رأى مزابل فأعرض عنها فقيل اما الجبل فالشدة والغضب فعند ظهورها ترى كالجبل فبالصبر وقصد الهضم تصير حلوا
تحمل نما يد جو رهرت نخست ... ولى شهدكردد جودر طبع رست
واما الطشت فالحسنات وحسن الحال فكلما قصد صاحبها الى سترها انكشفت
اكر مسك خالص ندارى مكوى ... وكرهست خود فاش كردد ببوى
واما المزابل فالدنيا
جاى روح باك عليين بود ... كرم باشد كش وطن سر كين بود

(13/108)


والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون (38)

{ والذين استجابوا لربهم } نزلت فى الانصار دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم الى الايمان فاستجابوا له اى لرسول الله من صميم القلب كما هو المفهوم من اطلاق الاستجابة وفيه اشارة الى ان الاستجابة للرسول استجابة للمرسل فهو من عطف الخاص على العام لمزيد التشريف وذلك لان الاستجابة داخلة فى الايمان فما وجه العطف مع عدم التغاير بين الوصفين ولا يلزم فيه ان تكون الآية مدنية فان كثيرا منهم اسلموا بمكة قبل الهجرة وفى الآية اشارة الى استجابة خطاب ارجعى الى ربك فانها استجابة مخصوصة بالنفس حاصلة لها بالسلوك { واقاموا الصلوة } من اوصاف الانصار ايضا والمراد الصلوات الخمس فانهم يجدون اوقاتها وان كان تفاوت قليل فى ساعات الليل والنهار فى الحرمين الشريفين على ما جربناه قال العلماء من الناس من لم يجد وقت المغرب والعشاء لانه يطلع الفجر حين تغرب الشمس فيسقط عنهم ما لا يجدون وقته وهذا كما ان رجلا اذا قطع يداه مع المرفقين او رجلاه مع الكعبين ففرائض وضوئه ثلاث لفوات محل الرابعة وانما ذكر اقامة الصلاة ولم يذكر غيرها من العبادات كايتاء الزكاة والصوم مثلا لانه ما بين العبد والايمان الا اقامة الصلاة كما انه ما بينه وبين الكفر الا ترك الصلاة فاذا اقام الصلاة فقد آمن واقام الدين كما اذا تركها فقد كفر وهدم الدين وفى الحديث « اول ما يحاسب العبد يوم القيامة بصلاته فان صحت افلح وأنجح وان فسدت فقد خاب وخسر » وقال عليه السلام « اول ما يحاسب الرجل على صلاته فان كملت والا اكملت بالنافلة ثم يأخذ الاعمال على قدر ذلك » { وامرهم شورى بينهم } مصدر كالفتيا بمعنى التشاور واصله من الشور وهو الاخراج تسمى به لان كل واحد من المتشاورين فى الامر يستخرج من صاحبه ما عنده والمعنى وامرهم ذو شورى لا ينفردون برأى حتى يتشاوروا ويجتمعوا عليه وبالفارسية كار ايشان بامشور تست ميان ايشان
قال سعدى المفتى فان قلت لا حاجة الى اضمار المضاف لظهور صحته وشأنهم تشاور قلت المصدر مضاف من صيغ العموم فيكون المعنى جميع امورهم تشاور ولا صحة له الا ان يقصد المبالغة فى كثرة ملابستهم به وعلى هذا فيجوز أن يكون قوله ذو شورى لبيان حاصل المعنى انتهى وكانوا قبل الهجرة وبعدها اذا حزبهم امر اجتمعوا وتشاوروا وذلك من فرط تدبرهم وتفقههم فى الامور
مشورت بهر آن صواب آمد ... درهمه كار مشورت بايد
وفى عين المعانى وامرهم شورى بينهم حين سمعوا بظهوره عليه السلام فاجتمع رأيهم فى دار ابى ايوب على الايمان به والنصر له وقيل لها العموم اى لا يستبدون برأيهم فيما لا وحى فيه من امر الدين بل يشاورون الفقهاء وقيل فى كل ما يعرض من الامور انتهى قال على رضى الله عنه نعم الموازنة المشاورة وبئس الاستعداد الاستبداد قال حكيم اجعل سرك الى واحد ومشورتك الى ألف وقيل ان من بدأ بالاستخارة واثنى بالاستشارة لحقيق ان لا يضل رأيه قال الاسكندر لا يستحقر الرأى الجزيل من الرجل الحقير فان الدرة لا يستهان بها لهوان غائصها يقال اعقل الرجال لا يستغنى عن مشاورة اولى الالباب وأفره الدواب لا يستغنى عن السوط واورع النساء لا يستغنى عن الزوج وفى الآية اشارة الى التمسك بذيل ارادة المشايخ فى السلوك الى لحضرة ليتسلكوا بمشاورتهم وارشادهم لا باسترسال النفس والهوى وتلقين الشيطان كما قال الجنيد قدس سره من لم يكن له استاذ فاستاذه الشيطان { ومما رزقناهم } من الاموال { ينفقون } اى فى سبيل الخير ولا التفات الى انفاق الكافر فانه لم يستجب لربه بالايمان والطاعة فخيره محبط بكفره ولعل فصله عن قرينه بذكر المشاورة لوقوعها عند اجتماعهم للصلوات كما فى الارشاد وقال سعدى المفتى ثم ان ادخال هذه الجملة فى مرهم العين لعله لمزيد الاهتمام بشأن التشاور للمبادرة الى التنبيه على ان استجابتهم للايمان كانت عن بصيرة ورأى سديد انتهى وفى الآية دلالة على فضيلة الانفاق والتوكل على الغنى الخلاق ( حكى ) ان بعض الشيوخ اخذه الناس ليشهدوا عند سلطان المغرب بفسقه وبكونه واجب القتل فمر الشيخ فى الطريق بخباز فاستقرض منه نصف خبز فتصدق به فلما حضر وافى الديوان شهدوا له بالخير ولم يقدروا على خلافه وذلك ببركة الصدقة كما قال عليه السلام

(13/109)


« اتقوا النار ولو بشق تمرة » فاذا كان نصف تمرة وقاية من النار الكبرى فكيف لا يكون نصف خبز وقاية من النار الصغرى رسول الله فرموده است كه صدقه نهانى خشم حق رابنشاند و در موقف قيامت صدقه را سايه است كه از حرارت آفتاب آن روزنكاه داردو دوسايه صدقه خود آسوده باشد تاحكم خلق بآخر رسد ( قال الصائب )
زمان خويش باحسان تمتعى بردار ... مشو جو كنج بنامى جوازدها قانع
سئل الشبلى قدس سره عن الزكاة فقال اما عليك ففى عشرين درهما خمسة دراهم واما على ففى عشرين درهما عشرون درهما يعنى ان مذهب الصوفية بذل الكل والتوجه من الاسباب الى المسبب فقال هذا مذهب من فقال مذهب ابى بكر الصديق رضى الله عنه وذلك ان الصديق رضى الله عنه انفق جميع ماله للتجرد والخلاص من الشح ولم يبق له شىء يتستر به فارسلت اليه فاطمة رضى الله عنها خرقة فتستر بها وعزم الى مجلس النبى عليه السلام فنزل جبرآئيل عليه السلام على زى ابى بكر فسأله النبى فقال ان ملائكة السماء كلهم على هذا الزى اتباعا لابى بكر ثم قال ان الله تعالى يسلم عليك ويقول قل لابى بكر رضى الله عنه هل رضى منى فقد رضيت عنه وعلم منه ان ترك الدنيا وسيلة الى رضى الله تعالى كما ان ترك ما سوى الله موصل الى الله ثم ان الانفاق لا ينحصر فى المال بل يتناول كل بر ومعروف كما قال عليه السلام

(13/110)


« كل معروف صدقة » والمراد ما عرف فيه رضى الله تعالى من الاموال والاقوال والافعال وانفاق الواصلين الى التوحيد والمعرفة أشرف وأفضل لان نفع الاموال للاجساد ونفع المعارف للقلب والارواح
دركشف الاسرار فرموده كه ابو بكر شبلى بيش ازانكه قدم در كوى طريقت نهاد بيش از ايشان ببغداد مير سيدعادت داشت كه دزيده بمجلس جنيد رفتى روزى برزبان جنيد برفت كه اكر همه بت برستان وناكسان عالم رابفروس اعلى فرود آرد هنوز حق سبحانه وتعالى كرم خود رانكزارده باشد شبلى ازجاى برجست نعره زنان و جامه درآن كفت منم ازنا كسان جه كويى مرايذيرد درين حال جنيد كفت اى جوان بمراسلت موسى وهرون جنيدن سال فرعون مدبر راميخواندند تا بيذيرد اكر سوخته موحدكه به باى خود آيد اوراجون نبذيردشبلى دركار آمد و هرجه داشت ازضياع واثواب واموال جمله درباخت و مجرد ماندانكه كفت اى شيخ مراجه بايدكرد كفت دربازار بايد شد ودريوزه بايد كرد همجنان كرد تاجنان كشت كه كس بوى خبرى ندارد بس جنيد تازيانه بوى داد و كفت درين سردابه شودرد راباندوه وخشم باب حسرت سبار و هركاه كه خبر حق بر خاطر كذر كند باين تازيانه اندامهاى خويش درهم شكن شبلى سه سال دران سردابه آب حسرت ازديدكان همى ريخت وبروزكار كذشته دريغ وتحسر همى خورد بعد ازسه سال سكرى دروى بديد آمد همجو مستان واله وسركردان ازان سردابه برون آمدكاردى بدست كرفت ودربغداد همى كشت وميكفت بجلال قدر حق كه هركه نام دوست بردباين كارد سرش ازتن جدا كنم آن خبربجنيد رسيد جنيد كفت اورا شربتى داده اند مست كشته ازمستى وبيخودى ميكويدآنجه ميكويد جون باخود آيدساكن شود يكسال دران مقامش بداشتند جون ازان مقام در كذشت دامن خويش براز شكر كرده بكرد محلها ميكشت وميكفت هركه بكويد الله دهانش براز شكر كنم بس عشق وى روى در خرابى نهاد بيوسته درهمه اوقات همى كفت الله تاروزى كه جنيد كفت يا ابا بكر اكردوست غايبست اين غيب كردن جراست واكرحاضراست اين كستاخى وترك ادب از كجاست سخن جنيد اورا ساكن كرد بس جنيدبفرمود تاورا بحمام بردند وموى جندساله ازسروى فرو كردند آنكه دست وى كرفت وبمسجد شو نيزيه برد هشتاد كس از جوانمردان طريقت وسلاطين حقيقت حاضر بودندجون ابو الحسين نورى وابو على رود بارى وسمنون المحب ورويم بغدادى وجعفر خلدى وامثال ايشان جنيد كفت اى مشايخ واصحاب هرجه بير سرى سقطى از رياضت و مجاهده ازمابديد ما ازين كودك بديديم اكر اجازت فرماييد بالباس بكرداند باشدكه بركات اين لباس اورا بر استقامت دين بداردو اكر حق اين لباس فرونهد لباس خود ازوى دادخود بستاند جنيد بر باى خاست ومرقع ازسرخود بركشيد ودر كردن شبلى افكند

(13/111)


يقول الفقير فى هذه الحكاية اشارات منها ان الشبلى قدس سره خرج من جميع ماله فصار نظير الصديق رضى الله عنه من هذه الامة
صائب حريف سيلىء باد خزان نه ... بيش از خزان خود بفشان برك وباررا
ومنها ان الجنيد قدس سره انفق على الشبلى من معارفه وانعم عليه حال ارشاده من عوارفه لان الغنى مأمور بانفاق بعض ماله عند وجد ان مصارفه ( قال الحافظ )
اى صاحب كرامت شكرانه سلامت ... روزى تفقدى كن درويش بى نوارا
ومنها ان المريد لا يصلح لخرقة المشايخ الا بعد الاستعداد لها بمدة وان الخرقة من شأن اهل التجرد ( قال الجامى )
وصلش مجوى در اطلس شاهى كه دوخت عشق ... اين جامه برتنى كه نهان زيرزنده بود
ومنها ان ابتدآء الامر من الله وانتهاءه ايضا الى الله الا الى الله تصير الامور والله خير وابقى
جند بويد بهواى توبهر سو حافظ ... يسر الله طريقا بك يا ملتمسى

(13/112)


والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون (39)

{ والذين اذا اصابهم البغى هم ينتصرون } معطوف على ما قبله من الموصول والاصابة بالفارسية برسيدن
والبغى الظلم والتجاوز عن الحد والقصر المفهوم من تقديم هم اضافى والانتصار طلب النصرة وفى تاج المصادر دادستدن
والمعنى اذا وصل اليهم الظالم والتعدى من ظالم متعد ينتقمون ويقتصون ممن بغى عليهم على الوجه الذى جعله الله ورخصه لهم لا يتجاوزون ذلك الحد المعين وهو رعاية المماثلة واما غيرهم فليسوا كذلك فهذا هو معنى التخصيص هنا وبه ايضا تندفع المخالفة بين وصفين كل منهما على طريق القصر وهذا وصف لهم بالشجاعة بعد وصفهم بسائر امهات الفضائل من الدين والتيقظ والحلم والسخاء وذلك لان البغى انما يصيبهم من اهل الشوكة والغلبة واذا انتقموا منهم على الحد المشروع كراهة التذلل باجترآء الفساق عليهم وردعا للجانى على الجرآءة على الضعفاء فقد ثبت شجاعتهم وصلابتهم فى دين الله وكان النخعى رحمه الله اذا قرأ هذه الآية يقول كانوا يكرهون ان يذلوا انفسهم فتجترئ عليهم السفهاء قال الشاعر
ولا يقيم على ضيم يراد به ... الا الاذلان غير الحى والوتد
هذا على الخسف مربوط برمته ... وذا يشج فلا يرثى له احد
اى لا يصبر على ظلم يراد فى حقه الا الاذلان اللذان هما فى غاية الذل وهما الحمار المربوط على الذل بقطعة حبل بالية والوتد الذى يدق ويشق رأسه فلا يرحم له احد ولفظ البيت خبر والمعنى نهى عن الصبر على الظلم وتحذير وتنفير للسامعين عنه فان قلت لما كان عطف الذين استجابوا من عطف الخاص تضمن وصف المعطوف عليه وصف المعطوف قلت هذا الانتصار لا ينافى وصفهم بالغفران فان كلا منهما فضيلة محمودة فى موقع نفسه ورزيلة مذمومة فى موقع صاحبه فان الحلم عن العاجز وعورات الكرام محمود وعن المتغلب وهفوات اللئام مذموم فانه اغرآء على البغى وعليه قول من قال
اذا انت اكرمت الكريم ملكته ... وان انت اكرمت اللئيم تمردا
فوضع الندافى موضع السيف بالعلى ... مضر كوضع السيف فى موضع الندا
فالعفو على قسمين احدهما ان يصير العفو سببا لتسكين الفتنة ورجوع الجانى عن بغايته فايات العفو محمولة على هذا القسم فزال التناقض فمن اخذ حقه من ظالم غير عادلا مرالله فهو مطيع وقال ابن زيدو بعض المالكية جعل الله المؤمنين صنفين صنفا يعفون عن ظالميهم فبدأ بذكرهم فى قوله { واذا ما غضبوا هم يغفرون } وصنفا ينتصرون من ظالميهم وقال بعضهم الاول وصف الخواص وهذا وصف العوام ( وقال الكاشفى ) جون برسد ايشانرا ستمى از كافران ايشان از دشمنان خود انصاف بستانند بشمشير يعنى از ايشان انتقام كشند زيرا كه انتقام از كفار فرض است وجهاد كردن بايشان لازم
واشارت الآية الى ان الظالم مغلوب قال على كرم الله وجهه لا ظفر مع البغى
هركه ازراه بغى خيرى جست ... ظفر ازراء اوعتان برتافت
و رظفر يافت منفعت نكرفت ... بس جنانست آن ظفركه بتافت

(13/113)


وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين (40)

{ وجزاؤ سيئة } وباداش كرداريد { سيئة مثلها } كرداريست مانند آن
وهو بيان لوجه كون الانتصار من الخصال الحميدة مع كونه فى نفسه اساة الى الغير بالاشارة الى ان البادى هو الذى فعله لنفسه فان الافعال مستتبعة لأجزيتها حتما ان خيرا فخير وان شرا فشر وفيه تنبيه على حرمة التعدى واطلاق السيئة على الثانية مع انها جزاء مشروع مأذون فيه وكل مأذون حسن لا سيىء لانها تسوء من نزلت به او للازدواج يعنى المشاكلة كما فى قوله تعالى فان عاقبتم وعلى هذا فالسيئة مقابل الحسنة بخلافها فى الوجه الاول والمعنى انه يجب اذا قوبلت الاساءة ان تقابل بمثلها من غير زيادة قال الحسن اذا قال لعنك الله او اخزاك الله فلك ان تقول اخزاك الله او لعنك الله واذا شتمك فلك ان تشتمه بما شتم ما لم يكن فيه حد كلفظ الزنى او كلمة لا تصلح فلا تجرى المقابلة فى الكذب والبهتان قال فى التنوير قال لآخر يا زانى فقال له الآخر لا بل انت الزانى حدا بخلاف ما لو قال له مثلا يا خبيث فقال انت تكافئا ولو لم يجب بل رفع الامر الى القاضى ليؤدبه جاز وعن بعض الفقهاء فى هذه الآية وقد قيل انه الشافعى رحمه الله ان للانسان ان يأخذ من مال من خانه مثل ما خانه من غير علمه واستشهد فى ذلك بقول النبى عليه السلام لهند زوجة ابى سفيان « خذى من ماله ما يكفيك وولدك » فأجاز لها اخذ ذلك بغير اذنه كذا ذكره القرطبى فى تفسيره { فمن عفا } عن المسيىء اليه جنايته اى ترك القصاص ( وقال الكاشفى ) بس هركه عفو كنداز ستمكار خودكه مسلمان باشد وترك انتقام نمايد ازوى { واصلح } بينه وبين من يعاديه بالعفو والاغضاء قال فى الحواشى السعدية الفاء للتفريع اى اذا كان الواجب فى الجزآء رعاية المماثلة من غير زيادة وهى عسرة جدا فالاولى العفو والاصلاح اذا كان قابلا للاصلاح بأن لم يصر على البغى وفى الحديث « ما زاد الله عبد العفو الا عزا » { فأجره على الله } عدة مبهمة منبئة عن عظمة شأن الموعود وخروجه عن الحد المعهود { انه لا يحب الظالمين } البادئين بالسيئة والمتعدين فى الانتقام وهو استئناف تعليلى متعلق بقوله وجزآء الخ وقوله فمن عفا الخ اعتراض يعنى انما شرعت المجازاة وشرطت المساواة لانه لا يحب الظالمين وذكر ان ابا بكر الصديق رضى الله عنه كان عند النبى صلى الله عليه وسلم ورجل من المنافقين يسبه وابو بكر لم يجبه ورسول الله ساكت يتبسم فأجابه ابو بكر فقام النبى عليه السلام وذهب فقال ابو بكر يا رسول الله ما دام يسبنى كنت جالسا فلما اجبته قمت فقال النبى عليه السلام

(13/114)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية