صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : تفسير حقي
المؤلف : حقي
مصدر الكتاب : موقع التفاسير
http://www.altafsir.com
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا وظلموا أنفسهم فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور (19)

{ فقالوا ربنا باعد بين اسفارنا } [ المباعدة والبعاد : ازكسى دورشدن وكسى را دور كردن ] والسفر خلاف الحضر وهو فى الاصل كشف الغطاء وسفر الرجل فهو سافر وسافر خص بالمفاعلة اعتبارا بان الانسان قد سفر عن المكان والمكان سفر عنه ومن لفظ السفر اشتقت السفرة لطعام السفر ولما يوضع فيه من الجلد المستدير
وقال بعضهم وسمى السفر سفرا لانه يسفر اى يكشف عن اخلاق الرجال ويستخرج دعاوى النفوس ودفائنها
قال اهل التفسير بطر اهل سبأ النعمة وسئموا طيب العيش وملوا العافية فطلبوا الكد والتعب كما طلب بنوا اسرائيل الثؤم والبصل مكان السلوى والعسل وقالوا لو كان جنى جناننا ابعد لكان اجدر ان نشتهيه وسألوا ان يجعل الله بينهم وبين الشام مفاوز وقفارا ليركبوا فيها الرواحل ويتزودوا الازواد ويتطاولوا فيها على الفقراء : يعنى [ توانكرانرا بردر ويشان حسد آمدكه ميان ما وايشان دررفتن هيج فرقى نيست يياده ومفلس اين راه همجنان ميرودكه سواره وتوانكر { فقالوا } بس كفتند اغنياى ايشان اى بروردكار ما دورى افكن ميان منازل سفرهاى ما : يعنى بيابانها بديدكن ازمنزلى بمنزلى تامردم بى زاد وراحله سفر نتوانند كرد ] فعجل لهم الاجابة بتخريب تلك القرى المتوسطة وجعلها بلقعا لا يسمع فيها داع ولا مجيب وفى المثنوى
آن سبا زاهل صبا بودند وخام ... كار شان كفران نعمت با كرام
باشد آن كفران نعمت در مثال ... كه كنى بامحسن خود توجزال
كه نمى بايد مرا اين نيكويى ... من برنجم زين جه رنجه ميشوى
لطف كن اين نيكويى را دور ... كن من نخواهم عافيت رنجور كن
بس سبا كفتند باعد بيننا ... شيننا خير لنا خذ زيننا
ما نمى خواهيم اين ايوان وباغ ... نى زنان خوب ونى امن وفراغ
شهرها نزديك همد يكر بدست ... آن بيا بانست خوش كانجاد دست
يطلب الانسان فى الصيف الشتا ... فاذا جاء الشتا انكرذا
فهو لا يرضى بحال ابدا ... لا يضيق لا بعيش رغدا
قتل الانسان ما اكفره ... كلما نال هدى انكره
{ وظلموا انفسهم } حين عرضوها للسخط والعذاب بالشرك وترك الشكر وعدم الاعتداد بالنعمة وتكذيب الانبياء { فجعلناهم احاديث }
قال ابن الكمال الاحاديث مبنى على واحدة المستعمل وهو الحديث كأنهم جمعوا حديثا على احدثة ثم جمعوا الجمع على الاحاديث اى جعلنا اهل سبا اخبار وعظة لمن بعدهم بحيث يتحدث الناس بهم متعجبين من احوالهم ومعتبرين بعاقبتهم ومآلهم { ومزقناهم كل ممزق } اى فرقناهم غاية التفريق على ان الممزق مصدر او كل مطرح ومكان تفريق على انه اسم مكان وفى عبارة التمزيق بتفريق المتصل وخرقه من تهويل الامر والدلالة على شدة التأثير والايلام ما لا يخفى اى مزقناهم لا غاية وراءه بحيث تضرب به الامثال فى كل فرقة ليس بعدها وصال فيقال تفرقوا ايدى سبأ اى تفرقوا تفرق اهل هذا المكان من كل جانب وكانوا قبائل ولدهم سبأ فتفرقوا فى البلاد [ تايكى ازايشان دو مأرب نمايد قبيلة غسان از ايشان بشام رفت وقضاعه بمكه واسد ببحرين وانمار بيثرب وجذام بتهامه وازد بعمان ] { ان فى ذلك } المذكور من قصتهم { لآيات } عظيمة ودلالات كثيرة وعبرا وحجبا واضحة قاطعة على الوحدانية والقدرة

(11/193)


قال بعضهم جمع الآيات لانهم صاروا فرقا كثيرة كل منهم آية مستقلة { لكل صبار } عن المعاصى ودواعى الهوى والشهوات وعلى البلايا والمشاق والطاعات { شكور } على النعم الآلهية فى كل الاوقات والحالات او لكل مؤمن كامل لان الايمان نصفان نصف صبر ونصف شكر [ در كشف الاسرار آورده كه اهل سبا دوخوش حال وفارغ بالى مى كذر انيدند بسبب بى صبرى بر غافيت وناشكرى برنعمت رسيد بديشان آنجه رسيد ]
اى روز كار عافيت شكرت نكفتم لا جرم ... دستى كه در آغوش بودا كنون بدندان مى كزم
وفى المثنوى
جون زحد بردند اصحاب سبا ... كه به ييش ماو بابه از صبا
ناصحانشان در نصيحت آمدند ... از فسوق وكفر مانع مى شدند
قصد خون ناصحان ميداشتند ... تخم فسق وكافرى مى كاشتند
بهر مظلومان همى كندند جاه ... درجة افتادند ومى كفتند آه
صبر آرد آرزورانى شتاب ... صبر كن الله اعلم بالصواب
قال بعض الكبار ان طلب الدنيا وشهواتها هو طلب البعد عن الله وعن حضرته والميل الى الدنيا والرغبة فى شهواتها من خسة النفس وركاكة العقل وهو ظلم على النفس فمن قطعته الدنيا عن الحضرة جعله الله عبرة لاهل الطلب واوقعه فى وادى الهلاك فلا بد من الصبر عن الدنيا وشهواتها والكشر على نعمة العصمة وتوفيق العبودية جعلنا الله واياكم من الراغبين اليه والمعتمدين عليه وعصمنا من الرجوع عن طريقه والضلال بعد ارشاده وتوفيقه انه الرحمن الذى بيده القلوب وتقليبها من حال الى حال وتصريفها كيف يشاء فى الايام والليالى

(11/194)


ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين (20)

{ ولقد صدق عليهم ابليس ظنه } التصديق بالفارسية [ راستى يافتن ] وضمير عليهم الى اهل سبأ لتقدم ذكرهم والظاهر انه راجع الى الناس كما يشهد به ما بعده . وابليس مشتق من الابلاس وهو الحزن المعترض من شدة اليأس كما فى المفردات ابلس يئس وتحير ومنه ابليس او هو اعجمى انتهى
والظن هو الاعتقاد الراجح مع احتمال النقيض ومظنة الشئ بكسر الظاء موضع يظن فيه وجوده والمعنى وبالله لقد وجد ابليس ظنه بسبأ حين رأى انهماكهم فى الشهوات صادقا { فاتبعوه } اى اتبع اهل سبأ الشيطان فى الشرك والمعصية { الا فريقا من المؤمنين } الفريق الجماعة المنفردة عن الناس ومن بيانية اى الاجماعة هم المؤمنون لم يتبعوه فى اصل الدين وتقليلهم بالاضافة الى الكفار او تبعيضية اى الا فريقا من فرق المؤمنين لم يتبعوه وهم المخلصون او وجد ظنه ببنى آدم صادقا فاتبعوه الا فريقا من المؤمنين وذلك انه حيث شاهد آدم عليه السلام قد اصغى الى وسوسته قال ان ذريته اضعف منه عزما ما ولذا قال لاضلنهم
وقال الكاشفى [ شيطان لعين كمان برده بود كه من بر بنى آدم بسبب شهوت وغضب كه درنهاد ايشان نهاده اند دست يابم وايشانرا كمراه كنم كمان دربارة اهل غوايت راست شد ] او قال انا نارى وآدم طينى والنار تأكل الطين او ظن عند قول الملائكة { أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء }
قال فى التأويلات النجمية يشير الى ابليس لم يكن متيقنا ان يقدر على الاغواء والاضلال بل كان ظانا بنفسه انه يقدر على الاغواء والاضلال بل كان ظانا بنفسه انه يقدر على اغواء من لم يطع الله ورسوله فلما زين لهم الكفر والمعاصى وكانوا مستعدين لقبولها حكمة لله فى ذلك وقبلوا منه بعض ما امرهم به على وفق هواهم وتابعوه بذلك صدق عليهم ظنه اى وجدهم كما ظن فيهم : قال الشيخ سعدى قدس سره
نه ابليس در حق ما طعنه زد ... كز اينان نيايد بجز كار بد
فغان از بديها كه در نفس ما ست ... كه ترسم ظن ابليس راست
جو ملعون بسند آمدش قهر ما ... خدايش برانداخت از بهر ما
كجا سر برآ ريم ازين عاروننك ... كه با او بصلحيم وباحق بجنك
نظر دوست نادر كند سوى تو ... جودرروى دشمن بود روى تو
ندانى كه كمتر دوست باى ... جو بيند كه دشمن بود درسراى

(11/195)


وما كان له عليهم من سلطان إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك وربك على كل شيء حفيظ (21)

{ وما كان له } اى لا بليس { عليهم من سلطان } السلطان القهر والغلبة ومنه السلطان لمن له ذلك اى تسلط واستيلاء بالوسوسة والاستغواء والا فهو ماسل سيفا ولا ضرب بعصا { الا لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو منها فى شك } استثناء مفرغ من اعم العلل ومن وموصولة منصوبة بنعلم . والعلم ادراك الشئ بحقيقته والعالم فى وصف الله تعالى هو الذى لا يخفى عليه شئ والشك اعتدال النقيضين عند الانسان وتساويهما وفى نظم الصلة الاولى بالفعلية دلالة على الحدوث كما ان فى نظم الثانية بالاسمية اشعارا بالدوام وفى مقابلة الايمان بالشك ايذان بان ادنى مرتبة الكفر يوقع فى الورطة وجعل الشك محيطا وتقديم صلته والعدول الى كلمة من مع انه يتعدى بفى للمبالغة والاشعار بشدته وانه لا يرجى زواله فانه اذا كان منشأ الشك متعلقة لا امرا غيره كيف يزول وان من كان حاله على خلاف هذا يكون مرجو الفلاح . والمعنى وما كان تسلطه عليهم الا ليتعلق علمنا بمن يؤمن بالآخرة متميزا ممن هو فى شك منها تعلق حاليا يترتب عليه الجزاء فعلم الله قديم وتعلقه حادث اذ هو موقوف على وجود المكلف فى عالم الشهادة فلا يظن ظان بالله ظن السوء ان الله جل جلاله لم يكن عالما باهل الكفر واهل الايمان وانما سلط عليهم ابليس ليعلم به المؤمن من الكافر فان الله بكمال قدرته وحكمته خلق الكفر مستعدا للكفر وخلق اهل الايمان مستعدا للايمان كما قال عليه السلام « خلق الجنة وخلق لها اهلها وخلق النار وخلق لها اهلا » وقال تعالى { ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والانس } فالله تعالى كان عالما بحال الفريقين قبل خلقهم وهو الذى خلقهم على ما هم به وانما سلط الله الشيطان على بنى آدم لاستخراج جواهرهم من معادن الانسانية كما تسلط النار على المعادن لتخليص جوهرها فان كان الجوهر ذهبا فيخرج منه الذهب وان كان الجوهر نحاسا فيخرج منه النحاس فلا تقدر النار ان تخرج من معدن النحاس الذهب ولا من معدن الذهب النحاس فسلط عليهم لانهم معادن كمعادن الذهب والفضة وهو نارى يستخرج جواهرهم من معادنهم بنفخة الوساوسو فلا يقدر ان يخرج من كل معدن الا ما هو جوهره
درزمين كرنيشكر ورخودنى است ... ترجمان هرزمين بنت وى است
وقال بعضهم العلم هنا مجاز عن التمييز والمعنى الا لتميز المؤمن بالآخرة من الشاك فيها فعلل التسلط بالعلم والمراد ما يلزمه { وربك على كل شئ حفيظ } محافظة عليه بالفارسية [ نكهبانست ] فان فعيلا ومفاعلا صيغتان متآخيتان
وقال بعضهم هو الذى يحفظ كل شئ على ما هو به
والحفيظ من العباد من يحفظ ما امر بحفظه من الجوارح والشرائع والامانات والودائع ويحفظ دينه عن سطوة الغضب وخلابة الشهوة وخداع النفس وغرور الحكماء الالهية اسباب الحفظ الجد والمواظبة وترك المعاصى واستعمال السواك وتقليل النوم وصلاة الليل وقراءة القرآن نظرا وشرب العسل واكل الكندر مع السكر واكل احدى وعشرين زبيبة حمراء كل يوم على الريق

(11/196)


ومن خصاية هذا الاسم وهو الحفيظ ان من علقه عليه لو نام بين السباع ما ضرته ومن حفظ الله تعالى ما قال ذو النون رضى الله عنه وقعت ولولة فى قلبى فخرجت الى شط النيل فرأيت عقربا يعدو فتبعته فوصل الى ضفدع على الشط فركب ظهره وعبر به النيل فركبت السفينة واتبعته فنزل وعدا الى شاب نائم واذا بافعى بقربه تقصده فتواثبا وتلادغا وماتا وسلم النائم
قال ابراهيم الخواص قدس سره كنت فى طريق مكة فدخلت الى خربة بالليل واذا فيها سبع عظيم فخفت فهتف بى هاتف اثبت فان حولك سبعين الف ملك يحفظونك وهذا من لطف الله باوليائه فواحد يحفظ عليه اعماله ليجازيه وآخر يحفظه فيدفع عنه الآفات اللهم احرسنا بعينك التى لا تنام واحفظنا برأفتك التى لا ترام وارحمنا بقدرتك علينا فلا تهلك وانت ثقتنا ورجاؤنا يا ارحم الراحمين برأفتك التى لا ترام وارحمنا بقدرتك علينا فلا تهلك وانت ثقتنا ورجاؤنا يا ارحم الراحمين ويا اكرم الاكرمين

(11/197)


قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير (22)

{ قل } يا محمد للمشركين اظهارا لبطلان ما هم عليه وتبكيتا لهم { ادعوا } نادوا { الذين زعمتم }
قال فى القاموس الزعم مثلثة القول الحق والباطل والكذب ضد واكثر ما يقال فيما يشك فيه
وفى المفردات الزعم حكاية قول يكون مظنة الكذب ولهذا جاء فى القرآن فى كل موضع ذك القائلين به والمعنى زعمتموهم آلهة وهما مفعولا زعم ثم حذف الاول وهو ضمير الراجع الى الموصول تخفيفا لطول الموصول بصلته والثانى وهو آلهة لقيام صفته اعنى قوله { من دون الله } مقامه والمعنى ادعوا الذين بعدتموهم من دون الله فيما يهتمكم من جلب نفع ودفع ضر لعلهم يستجيبون لكم ان صح دعواكم ثم اجاب عنه اشعارا بتعين الجواب وانه لا يقبل المكابرة فقال بطريق الاستئناف لبيان حالهم { لا يملكون مثقال ذرة } من خير وشر ونفع وضر وقد سبق معنى المثقال والذرة فى اوائل هذه السورة { فى السموات ولا فى الارض } اى فى امر ما من الامور وذكرهما للتعميم عرفا يعنى ان اهل العرف يعبرون بهما عن جميع الموجودات كما يعبرون بالمهاجرين والانصار عن جميع الجماعة او لان آلهتهم بعضها سماوية كالملائكة والكواكب وبعضها ارضية كالاصنام او لان الاسباب القريبة للخير والشر سماوية وارضية { ومالهم } اى لآلهتهم { فيهما } فى السموات والارض { من شرك } اى شركة لا خلقا ولا ملكا ولا تصرفا { وماله } اى لله تعالى { منهم } من آلهتهم { من ظهير } من عون يعينه فى تدبير امورهما . تلخيصه انه تعالى غنى عن كل خلقه وآلهتهم عجزه عن كل شئ وفى المثنوى
نيست خلقش را دكر س مالكى ... شر كتش دعوى كند حزهالكى
ذات او مستغنيست از ياورى ... بلكه يابد عون ازو هر سرورى

(11/198)


ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير (23)

{ ولا تنفع الشفاعة } وهى طلب العفو او الفضل للغير من الغير يعنى ان الشافع شفيع للمشفوع له فى طلب نجاته او زيادة ثوابه ولذا لا تطلق الشفاعة على دعاء الرجل لنفسه واما دعاء الامة للنبى عليه السلام وسؤالهم له مقام الوسيلة فلا يطلق عليه الشفاعة اما لاشتراط العلو فى الشفيع واما لاشتراط العجز فى المشفوع له وكلاهما منتف ههنا { عنده } تعالى كما يزعمون اى لا توجد رأسا لقوله تعالى { من ذا الذى يشفع عنده الا بأذنه } وانما علق النفى بنفعها لا بوقوعها تصريحا بنفى ما هو غرضهم من وقوعها { الا لمن اذن له } استثناء مفرغ من اعم الاحوال اى لا تنفع الشفاعة فى حال من الاحوال الا كائنة لمن اذن له اى لاجله وفى شأنه من المستحقين للشفاعة واما من عداهم من غير المستحقين لها فلا تنفعهم اصلا وان فرض وقوعها وصدورها عن الشفعاء اذ لم يأذن لهم فى شفاعتهم بل فى شفاعة غيرهم فعلى هذا يثبت حرمانهم من شفاعة هؤلاء بعبارة النص ومن شفاعة الاصنام بدلالته اذ حين حرموها من جهة القادرين على شفاعة بعض المحتاجين اليها فلان يحرموها من جهة العجزة عنها اولى { حتى اذا فزع عن قلوبهم } التفزيع من الاضداد فانه التخويف وازالة الخوف والفزع : وبالفارسية [ بترسانيدن واندوه وابردن ] وهذا يعدى بعن كما فى هذا المقام والفزع انقباض ونفار يعترى الانسان من الشئ المخيف وهو من جنس الجزع ولذا لا يقال فزعت من الله كما يقال خفت منه والمعنى حتى اذا ازيل الفزع عن قلوب الشفعاء والمشفوع لهم من المؤمنين واما الكفرة فهم عن موقف الاستشفاع بمعزل وعن التفزيع عن قلوبهم بالف منزل وحتى غاية لما ينبئ عنه ما قبلها من الاشعار بوقوع الا لمن اذن له فانه يشعر بالاستئذان المستدعى الترقب والانتظار للجواب كأنه سئل كيف يؤذن لهم فقيل يتربصون فى موقف الاستئذان والاستدعاء ويتوقفونعلى وجل وفزع زمانا طويلا حتى اذا ازيل الفزع عن قلوبهم بعد اللتيا والتى وظهرت لهم تباشير الاجابة { قالوا } اى المشفوع لهم اذ هم المحتاجون الى الاذن والمهتمون بامره { ماذا } [ جه جيز ] { قال ربكم } اى فى شأن الاذن { قالوا } اى الشفعاء لانهم المباشرون للاستئذان بالذات المتوسطون بينهم وبينه تعالى بالشفاعة { الحق } اى وقال ربنا القول الحق وهو الاذن فى الشفاعة للمستحقين لها { وهو العلى الكبير } من تمام كلام الشفعاء قالوه اعترفا بغاية عظمة جناب العزة وقصور شأن كل من سواه اى هو المتفرد بالعلو والكبرياء شأنا وسلطانا ذاتا وصفة قولا وفعلا ليس لاحد من اشراف الخلائق ان يتكلم الا باذنه
قال بعضهم العلى فوق خلقه بالقهر والاقتدار والعلى الرفيع القدر واذا وصف به تعالى فمعناه انه يعلو ان يحيط به وصف الواصفين بل وعلم العارفين والعبد لا يتصور ان يكون عليا مطلقا اذ لا ينال درجة الا ويكون فى الوجود ما هو فوقها وهى درجات الانبياء والملائكة نعم يتصور ان ينال درجة لا يكون فى جنس الانس من يفوقها وهى درجة نبينا عليه السلام ولكنه علو اضافى لا مطلق والتحلق بهذا الاسم بالجنوح الى معالى الامور والبعد عن سفسافها وفى الحديث

(11/199)


« ان الله يحب معالى الامور ويبغض سفسافها » وعن على رضى الله عنه علو الهمة من الايمان قال الصائب
جون بسير لا مكان خود ميروم ازخويشتن ... همجو همت توسنى درزير زين داريم ما
وخاصية هذا الاسم الرفع عن اسافل الامور الى اعاليها فيكتب ويعلق على الصغير فيبلغ وعلى الغريب فيجمع شمله وعلى الفقير فيجد غنى بفضل الله تعالى
واما الكبير فهو الذى يحتقر كل شئ فى جنب كبريائه
وقيل فى معنى الله اكبر اى اكبر من ان يقال له اكبر او يدرك كنه كبريائه وغيره
قال بعض الكبار معنى قول المصلى الله اكبر بلسان الظاهر الله اكبر ان يقيد ربى حال من الاحوال بل هو تعالى فى كل الاحوال اكبر ومن عرف كبرياءه نسى كبرياء نفسه والكبير من العباد هو العالم التقى المرشد للخلق الصالح لان يكون قدوة يقتبس من انواره وعلومه ولهذا قال عيسى عليه السلام من علم وعمل وعلم فذلك يدعى عظيما فى ملكوت السماء
وخاصية هذا الاسم فتح باب العلم والمعرفة لمن اكثر من ذكره وان قرأه على طعام واكله الزوجان وقع بينهما وفق وصلح
وفى الاربعين الادريسية يا كبير انت الذى لا تهتدى العقول لوصف عظمته
قال السهروردى اذا اكثر منه المديان ادى دينه واتسع رزقه وان ذكره معزول عن رتبته سبعة ايام كل يوم الفا وهو صائم فانه يرجع الى مرتبته ولو كان ملكا

(11/200)


قل من يرزقكم من السماوات والأرض قل الله وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين (24)

{ قل من } استفهام بمعنى [ كه ] بالفارسية { يرزقكم من السموات } بانزال المطر { والارض } باخراج النبات امر عليه السلام بتبكيت المشركين بحملهم على الاقرار بان آلهتهم لا يملكون مثال ذرة فيهما وان الرازق هو الله تعالى فانهم لا ينكرونه كما ينطق به قوله تعالى { قل من يرزقكم من السماء والارض ام من يملك السمع والابصار فسيقولون الله } وحيث كانوا يتلعثمون فى الجواب مخافة الالزام قيل له عليه السلام { قل الله } يرزقكم اذ لا جواب سواه عندهم ايضا
اعلم ان الرزق قسمان ظاهر وهو الاقوات والاطعمة المتعلقة بالابدان وباطن وهو المعارف والمكاشفات المتعلقة بالارواح وهذا اشرف القسمين فان ثمرته حياة الابد وثمرة الرزق الظاهر قوة الى مدة قريبة الامد والله تعالى هو المتولى لخلق الرزقين والمتفضل بالايصال الى كلا الفريقين ولكنه يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر وفى الحديث « طلب الحلال فريضة بعد الفريضة » اى فريضة الايمان والصلاة وفى الحديث « ان الله ملكا على بيت المقدس ينادى كل ليلة من اكل حراما لم يقبل منه صرف ولا عدل » اى نافلة وفريضة [ وكفته اند وكتفه ازباكى مطعم وحلالى قوت صفاى دل خيزد واز صفاى دل نور معرفت افزايد وبانور معرفت مكاشفات ومنازلات در ييوندد ] : وفى المثنوى
لقمة كان نور افزود وكمال ... آن بود آورده از كسب حلال
روغنى كايد جراغ ما كشد ... آب خوانش جون جراغى راكشد
علم وحكمت زايد از لقمه حلال ... جهل ورقت آيد از لقمة حلال
جون لقمة توحسد بينى ودام ... جهل وغفلت زايد آنراد ان حرام
هيج كندم كارى وجو بردهد ... ديدة اسبى كه كره خردهد
لقمه تخمست وبرش انديشها ... لقمه بحر وكوهرش انديشها
زايد از لقمة حلال اندر دهان ... ميل خدمت عزم رفتن آن جهان
{ وانا } [ وديكر بكو بايشان كه بدرستئ ما ] { او اياكم } عطف على اسم ان يعنى [ باشما ] { لعلى هدى } [ برراه راستيم ] { او فى ضلال مبين } [ يادركمراهى آشكار ] اى وان احد الفريقين من الذين يوحدون المتوحد بالرزق والقدرة الذاتية ويحصونه بالعبادة والذين يشركون به فى العبادة الجماد النازل فى ادنى المراتب الامكانية لعلى احد الامرين من الهدى والضلال المبين وهذا بعد ما سبق من التقرير البليغ الناطق بتعيين من هو على الهدى ومن هو فى الضلال ابلغ من التصريح بذلك لجريانه على سنن الانصاف المسكت للخصم الالد ونحو قول الرجل فى التعريف لصاحبه الله يعلم ان احدنا لكاذب : يعنى [ اين سخن جنانست دوكس در خصومت باشند يكى محق ويكى مبطل محق كويد از مايكى دروغ زنست ناجار ومقتصد وى ازين سخن تكذيب مبطل باشد وتصديق خويش همانست كه رسول عليه السلام كفت متلاعنين را ] الله يعلم ان احدا كما كاذب فهل منكما تائب واو هننا لمجرد ابهام واظهار نصفة لا للشك والتشكيك
وقال بعضهم او ههنا بمعنى الواو : يعنى انا واياكم لعلى هدى ان آمنا او فى ضلال مبين ان لم نؤمن انتهى
واختلاف الجارين للايذان بان الهادى الذى هو صاحب الحق كمن استعلى على مكان مرتفع ينظر الاشياء ويتطلع عليها او ركب فرسا جوادا يركضه حيث يشاء والضال كأنه منغمس فى ظلام لا يرى شيأ ولا يدرى اين يتوجه او متردى فى بئر عميق او محبوس فى مطمورة لا يستطيع الخروج منها

(11/201)


قل لا تسألون عما أجرمنا ولا نسأل عما تعملون (25)

{ قل لا تسألون عما اجرمنا } [ الاجرام : جرم كردن ] والجرم بالضم الذنب واصله القطع واستعير لكل اكتساب مكروه مكا فى المفردات اى فعلنا واكتسبنا من الصغائر والزلات التى لا يخلو منها مؤمن { ولا نسأل عما تعملون } من الكفر والكبائر بل كل مطالب بعمله وكل زراع يحصد زرعه لا زرع غيره
برفتند وهركس ... درود آنجه كشت
وهذا ابلغ فى الانصاف وابعد من الجدل والاعتساف حيث اسند فيه الاجرام وان اريد به الزلة وترك الاولى الى انفسهم ومطلق العمل الى المخاطبين مع ان اعمالهم اكبر الكبائر

(11/202)


قل يجمع بيننا ربنا ثم يفتح بيننا بالحق وهو الفتاح العليم (26)

{ قل يجمع بيننا ربنا } يوم القيامة عند الحشر والحساب { ثم يفتح بيننا بالحق } [ الفتح : كشادن وحكم كردن ] اى يحكم بيننا ويفصل بعد ظهور حال كل منا ومنكم بان يدخل المحقين الجنة والمبطلين النار { وهو التفاح } الحاكم الفيصل فى القضايا المنغلقة اى المشكلة { العليم } بما ينبغى ان يقضى به وبمن يقضى له وعليه ولا يخفى عليه شئ من ذلك كما لا يخفى عليه ما عدا ذلك
قال الزروقى الفتاح المتفضل باظهار الخير والسعة على اثر ضيق وانغلاق باب للارواح والاشباح فى الامور الدنيوية والاخروية
وقال بعض المشايخ الفتاح من الفتح وهو الافراج عن الضيق كالذى يفرج تضايق الخصمين فى الحق بحكمه والذى يذهب ضيق النفس بخيره وضيق الجهل بتعليمه وضيق الفقر ببذله
قال الامام الغزالى رحمه الله الفتاح هو الذى بعنايته ينفتح كل منغلق وبهدايته ينكشف كل مشكل فتارة يفتح الممالك لانبيائه ويخرجها من ايدى اعدائه ويقول انا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر وتارة يرفع الحجاب عن قلوب اوليائه ويفتح لهم الابواب الى ملكوت سمائه وجمال كبريائه ويقول ما يفتح للناس من رحمة فلا ممسك لها ومن بيده مفاتيح الغيب ومفاتيح الرزق فبالاحرى ان يكون فتاحا وينبغى ان يتعطش العبد الى ان يصير بحيث ينفتح بلسانه مغاليق المشكلات الالهية وان يتيسر بمعونته ما تعسر على الخلق من الامور الدينية والدنيوية لكيون له حظ من اسم الفتاح
وخاصية هذا الاسم تيسير الامور وتنوير القلب والتمكين من اسباب الفتح فمن قرأه فى اثر صلاة الفجر احدى وسبعين مرة ويده على صدره طهر قلبه وتنور سره وتيسر امره وفيه تيسير الرزق وغيره
والعليم مبالغة العالم وهو من قام به العلم ومن عرف انه تعالى هو العالم بكل شئ راقبه فى كل شئ واكتفى بعلمه فى كل شئ فكان واثقا به عند كل شئ ومتوجها له بكل شئ
قال ابن عطاء الله متى آلمك عدم اقبال الناس عليك اوتوجهم بالذم اليك فارجع الى علم الله فيك فمصيبتك بعدم قتاعتك بعلمه اشد من مصيبتك بوجود الاذى منهم
وخاصية هذا الاسم تحصيل العلم والمعرفة فمن لازمه عرف الله حق معرفته على الوجه الذى يليق به
وفى شمس المعارف من انبهم عليه امر او كشف سر من اسرار الله فليدم عليه فانه يتيسر له ما سأل ويعرف الحكمة فيما طلب وان اراد فتح باب الصفة الالهية فتح له باب من العلم والعمل

(11/203)


قل أروني الذين ألحقتم به شركاء كلا بل هو الله العزيز الحكيم (27)

{ قل ارونى } { بنماييد بمن } { الذين الحقتم } الحتقموهم : يعنى [ بربسته آيد ]
قال فى تاج المصادر [ الالحاق : دررسيدن ودر رسانيدن ] { به } تعالى { شركاء } اريد بامرهم اراءة الاصنام مع كونها بمرأى منه عليه السلام اظهار خطأهم العظيم وطلاعهم على بطلان رأيهم اى اورنيها لانظر بأى صفة الحقتموها بالله الذى الزام الحجة عليهم { كلا } ردع لهم عن المشاركة بعد ابطال المقايسة كما قال ابراهيم عليه السلام اف لكم ولما تعبدون بعدما حجهم يعنى : [ اين انبازى درست نيست ] { بل هو } اى الله وحده او الشان كما قال هو الله احد { الله العزيز الحكيم } اى الموصوف بالغلبة القاهرة والحكمة الباهرة فاين شركاؤكم التى هى اخس الاشياء واذلها من هذه المرتبة العالية : يعنى [ بس كه با اودم شركت تواندزد وحده لا شريك له صفتش وهو الفرد اصل معرفتش شرك راسوى وحدتش ده نه عقل ازكنه ذاتش آكه نه هست درراه كبريا وجلال شرك نالائق وشريك محال ]
والتقرب باسم العزيز فى التمسك بمعناه وذلك برفع الهمة عن الخلائق فان العزفيه ومن ذكره اربعين يوما فى كل يوم اربعين مرة اعانه الله تعالى واعزه فلم يحوجه لاحد من خلقه
وفى الاربعين الادريسية يا عزيز المنيع الغالب عل امره فلا شئ يعادله
قال السهروردى من قرأه سبعة ايام متواليات كل يوم الفا اهلك خصمه وان ذكره فى وجه العسكر سبعين مرة ويشير اليهم بيده فانهم ينهزمون والتقرب باسم الحكيم ان تراعى حكمته فى الامور فتجرى عليها مقدما مقدما ما جاء شرعا ثم عادة سلمت من معارض شرعى
وخاصيته دفع الدواهى وفتح باب الحكمة فمن اكثر ذكره صرف عنه ما يخشاه من الدواهى وفتح له باب من الحكمة والحكمة فى حقنا اصابة الحقفى القول والعمل وفى حق الله تعالى معرفة الاشياء وايجادها على غاية الاحكام
قال بعضهم الحكمة تقال بالاشتراك على معنيين . الاول كون الحكيم بحيث يعلم الاشياء على ما هى عليه فى نفس الامر . والثانى كونه بحيث تصدر عنه الافعال المحكمة الجامعة وقد سبق باقى البيان فى تفسير سورة لقمان ومن الله العون على تحصيل العلم والاجتهاد فى العمل ومعرفة الاشياء على ما هى عليه

(11/204)


وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا ولكن أكثر الناس لا يعلمون (28)

{ وما ارسلناك } يا محمد اى ما يعثناك : والارسال بالفارسية [ فرستادن ] { الا } ارسالا { كافة } عامة شاملة { للناس } محيطة باحمرهم واسودهم من الكف بمعنى المنع لانها اذا عمتهم وشملتهم فقد كفتهم ان يخرج منها احد منهم فانتصاب كافة على انها صفة مصدر محذوف والتاء للتأنيث والجار متعلق بها ويجوز ان تكون حالا من الكاف والتاء للمبالغة كتاء علامة اى ما ارسلناك فى حال من الاحوال الا حال كونك جامعا لهم فى الابلاغ لان الكف يلزم الجمع
وفى كشف الاسرار الكافة هى الجامعة للشئ المانعة له عن التفرق ومنه الكفاف من العيش وقولك كف يدك اى اجمعها اليك ولا يجوز ان يكون حالا من الناس لامتناع تقدم الحال على صاحبها المجرور كامتناع تقدم المجرور على الجار
قال الراغب وما ارسلناك الا كافا لهم عن المعاصى والتاء فيه للمبالغة انتهى
{ بشيرا } حال كونك بالفارسية { مزدة دهنده } للمؤمنين بالجنة وللعاشقين بالرؤية { ونذيرا } وحال كونك منذرا بالفارسية [ بيم كننده ] للكافرين بالنار وللمنكرين بالحجاب { ولكن اكثر الناس لا يعلمون } ذلك فيحملهم على المخالفة والعصيان وكرر ذكر الناس تخصيصا للجهل بنعمتى البشارة والنذارة ونعمة الرسالة بهم وانهم هم الذين لا يعلمون فضل الله بذلك عليهم ولا يشكرونه وذلك لان العقل لا يستقل بادراك جميع الامور الدنيوية والاخروية والتمييز بين المضار والمنافع فاحتاج الناس الى التبشير والانذار وبيان المشكلات من جهة اهل الوحى
قال صاحب كشف الاسرار [ صديق صديقان عالم كرد شراك نعلين جاكران وى بود وبيكانكان منكران اورا كاذب ميكفتند صداى وحى غيب عاشق سمع عزيز وى بود اورا كاهى ميخواندند عقول همه عقول عقلاء عالم از ادراك نور شراك غرا وعاجز بود وكافران نام او ديوانه نهادند آرى ديدهاى ايشان بحكم لطف ازل توتياى صدق نيافته وبجشمهاى ايشان كحل اقبل حق نرسيده واز آنست كه اورا نشتاختند ]
ودلت الآية على عموم رسالته وشمول بعثته وفى الحديث « فضلت على الانبياء بست اعطيت جوامع الكلم » وهى ما يكون الفاظه قليلة ومعانيه كثيرة ( ونصرت بالرعب ) يعنى نصرنى الله بالقاء الخوف فى قلوب اعدائى ( من مسيرة شهر بينى وبينهم ) وجعل الغاية شهرا لانه لم يكن بين بلده وبين احد من اعدائه المحاربين له اكثر من شهر ( واحلت لى الغنائم ) يعنى ان من قبله من الامم كانوا اذا غنموا الحيوانات تكون ملكا للغانمين دون الانبياء فخص نبينا عليه السلام باخذ الخمس والصفى واذا غنموا غيرها من الامتعة والاطعمة والاموال جمعوه فتجيء نار بيضاء من السماء فتحرقه حيث لاغلول وخص هذه الامة المرحومة بالقسمة بينهم كاكل لحم القربان فان الله احله لهم زيادة فى ازراقهم ولم يحله لمن قبلهم من الامم ( وجعلت لى الارض طهورا ومسجدا ) يعنى اباح الله لامتى الصلاة حيث كانوا تخفيفا لهم واباح التيمم بالتراب عند فقد الماء ولم يبح الصلاة للامم الماضية الا فى كنائسهم ولم يجز التطهر لهم الا بالماء ( وارسلت الى الخلق كافة ) اى فى زمنه وغيره ممن تقدم او تأخر بخلاف رسالة نوح عليه السلام فانها وان كانت عامة لجميع اهل الارض لكنها خصت بزمانه

(11/205)


قال فى انسان العيون والخلق يشتمل الانس والجن والملك والحيوانات والنبات والحجر
قال الجلال السيوطى وهذا القول اى ارساله للملائكة رجحته فى كتاب الخصائص وقد رجحه قبلى الساعة ورجحه ايضا البارزى وزاد انه مرسل الى جميع الحيوانات والجمادات وزيد على ذلك انه مرسل الى نفسه وذهب جمع الى انه لم يرسل للملائكة منهم الحافظ العراقى والجلال المحلى وحكى الفخر الرازى فى تفسيره والبرهان النسفى فيه الاجماع فيكون قوله عليه السلام « ارسلت الى الخلق كافة » وقوله تعالى { ليكون للعالمين نذيرا } من العام المخصوص ولا يشكل عليه حديث سلمان رضى الله عنه اذا كان الرجل فى ارض واقام الصلاة صلى خلفه من الملائكة ما لا يرى طرفاه يركعون بركوعه ويسجدون بسجوده لانه يجوز ان يكون ذلك صادرا عن بعثته اليهم
يقول الفقير دل كونه افضل المخلوقات على عموم بعثته لجميع الموجودات ولذا بشر بمولده اهل الارض والسماء وسلموا عليه حتى الجماد بفصيح الاداء فهو رحمة للعالمين ورسول الى الخلق اجمعين : قال حضرة الشيخ العطار قدس سره
داعئ ذرات بود آن باك ذات ... در كفش تسبيح ازان كفتى حصات
قال بعضهم
ترا دادند منشور سعادت ... وزان بس نوع انسان آفريدند
برى را جمله درخيل تو كردند ... بس آنكاهى سليمان آفريدند
وختم به النبيون اى فلا نبى بعده لا مشرعا ولا متابعا كما بين فى سورة الاحزاب
وفى التأويلات النجمية يشير الى ان ارسال ماهية وجودك التى عبرت عنها مرة بنورى وتارة بروحى من كتم العدم الى عالم الوجود لم يكن منا الا لتكون بشيرا ونذيرا للناس كافة من اهل الاولين والآخرين والانبياء والمرسلين وان لم يخلقوا بعد لاحتياجهم لك من بدء الوجود فى هذا الشأن وغيره الى الابد كما قال صلى الله عليه وسلم « الناس محتاجون الى شفاعتى حتى ابى ابراهيم » فاما فى بدء وجودهم فالارواح لما حصلت فى عالم الارواح باشارة كن تابعة لروحك احتاجت الى ان تكون لها بشيرا ونذيرا لتعلقها بالاجسام لانها علوية بالطبع لطيفة نورانية والاجسام سفلية بالطبع كثيفة ظلمانية لا تتعلق به ولا تميل اليها لمضادة بينهما فتحتاج الى بشير يبشرها بحصول كمال لها عند الاتصال بها لترغيب اليها وتحتاج الى نذير ينذرها بانها ان لم تتعلق بالاجسام تحرم من كمالها وتبقى ناقصة غير كاملة كمثل حبة فيها شجرة مركوزة بالقوة فان تزرع وترب بالماء تخرج الشجرة من القوة الى الفعل الى ان تبلغ كمال شجرة مثمرة فالروح بمثابة الأكار المربى فبعد تعلق الروح بالقالب واطمئنانه واتصفافه بصفته يحتاج الى بشير بحسب مقامه يبشره بنعيم الجنة وملك لا يبلى ثم يبشره بقرب الحق تعالى ويشوقه الى جماله ويعده بوصاله ونذير ينذره اولا بنار جهنم ثم يوعده بالبعد عن الحق ثم بالقطيعة والهجران ان واذا امعنت النظر وجدت شجرة الموجودات منبتة من بذر روحه صلى الله عليه وسلم وهو ثمرة هذه الشجرة من جميع الانبياء والمرسلين وهم وان كانوا ثمرة هذه الشجرة ايضا ولكن وجدوا هذه المرتبة بتبعيته كما انه من بذر واحد يظهر على الشجرة ثمار كثيرة بتبعية ذلك البذر الواحد فيجد كل بشير ونذير فرعا لاصل بشيريته ونذيريته والذى يدل على هذا التحقيق قوله تعالى

(11/206)


{ وما ارسلناك الا رحمة للعالمين } دخلت شجرات الموجودات كلها تحت الخطاب وبقوله { ولكن اكثر الناس لا يعلمون } يشير الى ان اكثر الناس الذين هم اجزاء وجود الشجرة وما وصلوا الى رتبة الثمرية لا يعلمون حقيقة ما قررنا لان احوال الثمرة ليست معلومة للشجرة الا لثمرة مثلها فى وصفها لتكون واقفة بحالها
نداند آدم كامل جز آدم ...

(11/207)


ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين (29)

{ ويقولون } اى المشركون من فرط جهلهم وغاية غيهم مخاطبين لرسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين به بطريق الاستهزاء { متى } [ كى باشد ] { هذا الوعيد } المبشر به والمنذر عنه يعنى الجنة والنار { ان كنتم صادقين } فى دعوى الوقوع والوجود

(11/208)


قل لكم ميعاد يوم لا تستأخرون عنه ساعة ولا تستقدمون (30)

{ قل لكم ميعاد يوم } اى وعد يوم وهو يوم البعث مصدر ميمى { لا تستأخرون عنه } اى عن ذلك الميعاد عند مفاجأته فالجملة صفة للميعاد { ساعة } [ مقدار اندك اززمان ] { ولا تستقدمون } [ الاستئخار : بس شدن . والاستقدام : ييش شدن ] وفى الجواب من المبالغة فى التهديد ما لا يخفى حيث جعل الاستئخار فى الاستحالة كالاستقدام الممتنع عقلا
وفى التأويلات النجمية يشير الى ارباب الطلب واستعجالهم فيما وعدوهم من رتبة الثمرية يعنى متى نصل الى الكمال الذى بشرتمونا به وبقوله { قل لكم } الى آخره يجيبهم كما ان الثمرة كل شجرة وقتا معلوما لادراكها وبلوغها الى كمالها كذلك لكل سالك وقت معلوم لبلوغه الى رتبة كما له كما قال تعالى { حتى اذا بلغ اشده وبلغ اربعين سنة } ولهذا السر قال تعالى مع حبيبه عليه السلام « فاصبر كما صبر اولوا العزم من الرسل » هذا يشير الى ان لنيل كل مقام صبرا مناسبا لذلك المقام كما ان النبى عليه السلام لما كان من اولى العزم من الرسل امر بصبر اولى العزم من الرسل كما قال مولانا جلال الدين الرومى قدس سره
صبر آرد آرزور انى شتاب ... صبر كن والله اعلم بالصواب

(11/209)


وقال الذين كفروا لن نؤمن بهذا القرآن ولا بالذي بين يديه ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم يرجع بعضهم إلى بعض القول يقول الذين استضعفوا للذين استكبروا لولا أنتم لكنا مؤمنين (31)

{ وقال الذين كفروا } اى كفار قريش { لن نؤمن بهذا القرآن } الذى ينزل على محمد { ولا بالذى بين يديه } اى ولابما نزل قبله من الكتب القديمة الدالة على البعث كالتوراة والانجيل
قال فى كشف الاسرار [ جشمى كه مستعمل شدة مملكت شيطان باشد مارا جون شناسد . دلى كه ملوث تصرف ديو بود ازكجا جلال عزت قرآن بداند . دلى بايد بضمان امان وحرم كرم حق بناه يافته تا راه بر رسالت ونبوت ما برد . شمعى بايد كفر خلاص يافته واز خواب شهوت بيدار شده تامعجزات وآيات بيند ودريابد . اى جوانمرد هركه جمالى ندارد كه باسلطان نديمى كند جه كند تا كلخانيانرا حريقى نكند ]
در مصطبها هميشه فراشتم من ... شايستة صومعه كجا باشم من
هو جند قلندرى وقلاشم من ... تخمى باميد درد مى باشم من
{ ولو ترى } يا محمد او يا من يليق بالخطاب { اذ الظالمون } المنكرون للبعث لانهم ظلموا بان وضعوا الانكارموضع الاقرار { موقوفون عند ربهم } اى محبوسون فى موقف المحاسبة على اطراف اناملهم وجواب لو محذوف اى لرأيت امرا فظيعا شنيعا تقصر العبارة عن تصويره : يعنى [ هرآينه به بينى امرى صعب وكارى دشوار ] وانما دخلت لو على المضارع مع انها للشرط فى الماضى لتنزيله منزلة الماضى الن المترقب فى اخبار الله كالماضى المقطوع به فى تحقق وقوعه او لاستحضار صورة الرؤية ليشاهدها المخاطب { يرجع بعضهم } اى يرد من رجع رجعا بمعنى رد { الى بعض القول } اى يتحاورون ويتراجعون القول ويتجاذبون اطراف المجادلة : وبالفارسية [ محاوره ميكنند سخن برهم ميكردانند وجواب ميكويند ] ثم ابدل منه قوله { يقول الذين استضعفوا } [ الاستضعاف : ضعيف شمردن ] اى يقول الاتباع الذين عدوا ضعفاء وقهروا : وبالفارسية [ زبون وبيجاره كرفتكان ] { للذين استكبروا } [ سركشى ميكردند دردنيا ] اى للرؤساء الذين بالغوا فى الكبر والتعظيم عن عبادة الله وقبول قوله المنزل على انبيائه واستتبعوا الضعفاء فى الغى والضلال { لولا انتم } اى لولا اضلالكم وصدكم لنا عن الايمان { لكنا مؤمنين } اى انتم منعتمونا من الايمان واتباع الرسول كأنه قيل فماذا قال الذين استكبروا

(11/210)


قال الذين استكبروا للذين استضعفوا أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ جاءكم بل كنتم مجرمين (32)

{ قال الذين استكبروا للذين استضعفوا } منكرين لكونهم الصادين لهم عن الايمان مثبتين ذلك لانفسهم اى المستضعفين { أنحن } [ آياما ] { صددناكم } منعناكم وصرفناكم { عن الهدى } [ ازقبلو ايمان وهدايت ] { بعد اذ جاءكم } اى الهدى اى لم نصدكم عنه كقولك ما انا قلت هذا تريد لم اقله مع انه مقول لغيرى فان دخول همزة الاستفهام الانكارى على الضمير يفيد نفى الفعل عن المتكلم وثبوته لغيره كما قال { بل كنتم مجرمين } فى الاجرام فبسبب ذلك صددتم انفسكم عن الايمان وآثرتم التقليد وفى هذا تنبيه للكفار على ان طاعة بعضهم لبعض فى الدنيا تصير سبب عداوة فى الآخرة وتبرى بعضهم من بعض

(11/211)


وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا بل مكر الليل والنهار إذ تأمروننا أن نكفر بالله ونجعل له أندادا وأسروا الندامة لما رأوا العذاب وجعلنا الأغلال في أعناق الذين كفروا هل يجزون إلا ما كانوا يعملون (33)

{ وقال الذين استضعفوا } مجيبين { للذين استكبروا } عطف على الجملة الاستئنافية واضراب على اضرابهم وابطال له { بل مكر الليل والنهار } المكر صرف الغير عما يقتصده بحيلة اى بل صدنا مكركم بنا فى الليل والنهار وحملكم ايانا على الشرك والاوزار فحذف المضاف اليه واقيم مقامه الظرف اتساعا يعنى اتسع فى الظرف باجرائه مجرى المفعول به كقوله « يا سارق الليلة اهل الدار » او جعل ليلهم ونهارهم ماكرين مجازا { اذ تأمروننا } ظرف للمكر اى بل مكركم الدائم وقت امركم لنا { ان نكفر بالله ونجعل له اندادا } نقول له شركاء على ان المراد بمكرهم اما نفس امرهم بما ذكر كما فى قوله تعالى { يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم اذ جعل فيكم انبياء وجعلكم ملوكا } فان الجعلين المذكورين نعمة من الله أى نعمة واما امور اخر مقارنة للامر داعية الى الامتثال به والترغيب والترهيب ونحو ذلك { واسروا الندامة لما رأوا العذاب } الندامة التحسر فى امر فائت اى اضمر الفريقان الندامة على ما فعلا من الضلال والاضلال حين ما نفعتهم الندامة واخفاها كل منهما عن الآخر مخافة التعيير وهو بالفارسية [ سرزنش كردن ] او اظهروها فانه من الاضداد اذ الهمزة تصلح للاثبات والسلب كما فى رقبته غل من حديد اى قيد وطوق واصل الغل توسط الشئ ومنه الغل للماء الجارى خص بما يقيد به فيجعل الاعضاء وسطه كما فى المفردات والمعنى ونجعل الاغلال يوم القيامة فى اعناق الذين كفروا بالحق لما جاءهم فى الدنيا من التابعين والمتبوعين وايراد المستقبل بلفظ الماضى من جهة تحقق وقوعه والاظهار فى موضع الاضمار حيث لم يقل فى اعناقهم للتنويه بذمهم والتنبيه على موجب اغلالهم { هل يجزون الا ما كانوا يعملون } اى لا يجزون الاجزاء ما كانوا يعملون فى الدنيا من الكفر والمعاصى والا بما كانوا يعملونه على نزع الجار فلما قيدوا انفسهم فى الدنيا ومنعوها عن الايمان بتسويلات الشيطان الجنى والانسى جوزوا فى الآخرة بالقيد
وفى الفروع وكره جعل الغل فى عنق عبده لانه عقوبة اهل النار
قال القهستانى الغفل الطوق من حديد الجامع لليد الى العنق المانع عن تحرك الرأس انتهى
وهو معتاد بين الظلمة
وقال الفقيه انه فى زماننا جرت العادة بذلك اذا خيف من الاباق كما فى الكبرى . ولا يكره فى العبد اذ فيه تحرز عن اباقه وصيانة لماله وحل ربطه بالحبل ونحوه
قول فى نصاب الاحتساب واما ما اعتاده اهل الحسبة فى اطاقة السوقيين بعد تحقق جنايتهم وخيانتهم فاصله ما ذكر فا ادب القاضى للخصاف ان شاهد الزور يطاق به اى يجعل فى عنقه الطوق وهو ما يقال له بالفارسية [ تخته كله ] ويجوز ان تكون الا طافة بالفاء وذلك للتشهير بين الناس

(11/212)


وما أرسلنا في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا بما أرسلتم به كافرون (34)

{ وما ارسلنا فى قرية } من القرى : وبالفارسية [ نفر ستاديم درهيج ديهى وشهرى ]
قال فى كشف الاسرار القرية المصر تقى اهلها وتجمعهم { من نذير } نبى ينذر اهلها بالعذاب { الا قال مترفوها } المترف كمكرم المتنعم والموسع العيش والنعمة من الترفة بالضم وهو التوسع فى النعمة يقال اترفه نعمه واترفته النعمة اطغته اى قال رؤساء تلك القرية التكبرون المتنعمون بالدنيا لرسلهم { انا بما ارسلتم به } على زعمكم من التوحيد والايمان { كافرون } منكرون على مقابل الجمع بالجمع
هذه الآية جاءت لتسلية النبى عليه السلام اى يا محمد هذه سيرة اغنياء الامم الماضية فلا يهمك امر اكابر قومك فتخصيص المتنعيمن بالتكذيب مع اشتراك الكل فيه اما لانهم المتبوعون او لان الداعى المعظم الى التكذيب والانكار هو التنعم المستتبع للاستكبار

(11/213)


وقالوا نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين (35)

{ وقالوا } اى الكفار المترفون للفقراء المؤمنين فخرا بزخارف الدنيا وبما هو فتنة لهم { نحن اكثر اموالا واولادا } منكم فى الدنيا { وما نحن بمعذبين } فى الآخرة على تقدير وقوعها لان المكرم فى الدنيا لا يهان فى الآخرة

(11/214)


قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ولكن أكثر الناس لا يعلمون (36)

{ قل } يا محمد ردا عليهم { ان ربى يبسط الرزق } ويوسعه { لمن يشاء } ان يبسطه له ويوسعه من مؤمن وكافر { ويقدر } اى يضيق على من يشاء ان يقدره عليه ويضيقه من مؤمن وكافر حسب اقتضاء مشيئته المبنية على الحكم البالغة فلا ينقاس على ذلك امر الثواب والعقاب اللذين مناطهما الطاعة وعدمها فليس فى التوسيع دلالة على الاكرام كما انه ليس فى التضييق دلالة على الاهانة وفى الحديث « الدنيا عرض حاضر يأكل منها البر والفاجر والآخرة وعد صادق يحكم فيها ملك قاهر »
اديم زمين سفرة عام اوست ... برين خوان يغما جه دشمن دوست
{ ولكن اكثر الناس } وهم اهل الغفلة والخذلان { لا يعلمون } حمكة البسط والقدر فيزعمون ان مدار البسط هو الشرف والكرامة ومدار القدر هو الذل والهوان ولا يدرون ان الاول كثيرا ما يكون بطريق الاستدراج والثانى بطريق الابتلاء ورفع الدرجات قال الصائب
نفس را بدخو بناز ونعمت دنيا مكن ... آب ونان سيركاهل ميكند مزدور را

(11/215)


وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى إلا من آمن وعمل صالحا فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا وهم في الغرفات آمنون (37)

{ وما } [ ونيست ] { اموالكم ولا اولادكم } كلام مستأنف من جهته تعالى مبالغة فى تحقيق الحق اى وما جماعة اموالكم واولادكم ايها الناس { بالتى } بالجماعة التى فان الجمع المكسر عقلاؤه وغير عقلائه سواء فى حكم التأنيث او بالخصلة التى فيكون تأنيث الموصول باعتبار تأنيث الصفة المحذوفة { تقربكم عندنا زلفى } نصب مصدرا بتقربكم كانبتكم من الارض نباتا والزلفى والقربى والقربة بمعنى واحد
وقال الاخفش زلفى اسم مصدر كأنه قال بالتى تقربكم عندنا تقريبا { الا من آمن وعمل صالحا } استثناء من مفعول تقربكم اى وما الاموال والاولاد تقرب احدا الا المؤمن الصالح الذى انفق امواله فى سبيل الله وعلم اولاده الخير ورباهم على الصلاح والطاعة او من مبتدأ خبره ما بعده كما فى الكواشى فيكون الاستثناء منقطعا كما فى فتح الرحمن { فاولئك } المؤمنون العاملون ثابت { لهم جزاء الضعف } على ان الجار والمجرور خبر لما بعده والجملة خبر لاولئك واضافة الجزاء الى الضعف من اضافة المصدر الى المفعول اصله فاؤلئك لهم ان يجازوا الضعف ثم جزاء الضعف ثم جزاء الضعف ومعناه ان يضاعف لهم الواحدة من حسناتهم عشرا فما فوقها الى سبعمائة الى ما لا يحصى { بما عملوا } بسبب ما عملوا من الصالحات { وهم فى الغرفات } اى غرفات الجنة وهى قصورها ومنازلها الرفيعة جمع غرفة وهى البيت فوق البناء يعنى كل بناء يكون علو فوق سفل { آمنون } من جميع المكاره والآفات كالموت والهرم والمرض والعدو وغير ذلك
وفى الآية اشارة الى انه لا تستحق الزلفى عند الله بالمال والاولاد مما زين للناس حبه وحب غير الله يوجب البعد عن الله كما قال صلى الله عليه وسلم « حبك الشئ يعمى ويصم » يعنى يعميك عن رؤية غيره ويصمك عن دعوة غيره وهذا امارة كمال البعد فان كمال البعد يورث العمى والصمم ولكن من موجبات القربة الاعمال الصالحة والاحوال الصافية والانفاس الزكية بل العناية السابقة والهداية والقطيعة واما المنقطعون عن هذه الاسباب المفتخرون بما لا ينفع يوم الحساب وهم اهل الغفلات والدعوى والترهات فلهم الدركات والخوف الغالب فى جميع الحالات : قال الصائب
نميدانند اهل غفلت انجام شراب آخر ... بآتش مى روند اين غفلان ازراه آب آخر
قال ابراهيم بن ادهم قدس سره لرجل أدهم فى المنام احب اليك ام دينار فى القيظة قال دينار فى اليقظة فقال كذبت لان الذى تحبه فى الدنيا كانك تحبه فى المنام والذى لا تحبه فى الآخرة كأنك لا تحبه فى اليقظة
ودخل عمر بن الخطاب رضى الله عنه على رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم فى داره فوجده فى بيت منخفض السطح وقد اثر فى جنبه الحصير فقال ما هذا قال

(11/216)


« يا عمر اما تأثير الحصين فى جنبى فحبذا خشونة بعدها لين واما السطح فسطح القبر يكون اخفض من هذا فنحن تركنا الدنيا لاهلها وهم تركوا لنا الآخرة وما مثلى ومثل الدنيا الا كراكب سار فى يوم صائف فاستظل تحت شجرة ثم راح وتركها » فالعاقل من لم يغتر بزينة الدنيا ويسعى الى مرضا المولى
هركه كوته كند بدنيا دست بر بر آرد جو جعفر طيار ... فالاولى ان يأخذ الباقى ويترك الفانى حكى ان سلطانا كان يحب واحدا من وزرائه اكثر من غيره فحسدوه وطعنوا فيه فاراد السلطان ان يظهر حقيقة الحال فاضافهم فى دار مزينة بانواع الزينة ثم قال ليأخذ كل منكم ما اعجبه فى الدار فاخذ كل منهم ما اعجبه من الجواهر والمتاع واخذ الوزير المحسود السلطان وقال ما اعجبنى الا انت فالانسان لم يجيئ الى هذه الدار المزينة الا للامتحان فانه كالعروس وهى لا تلتفت الى ما ينثر عليها فان التفتت فمن دناءة الهمة ونقصان العقل فاليوم يوم الفرصة وتدارك الزاد لسفر المعاد
ازرباط تن جو بكذشتى دكر معموره نيست ... زاد راهى برنمى دارى ازين منزل جرا
نسأل الله سبحانه ان يقطع رجاءنا عزمنا اليه صدقا واقبالنا عليه حقا

(11/217)


والذين يسعون في آياتنا معاجزين أولئك في العذاب محضرون (38)

{ والذين } هم كفار قريش { يسعون فى آياتنا } القرآنية بالرد والطعن فيها ويجتهدون فى ابطالها حال كونهم { معاجزين } ظانين انهم يعجزوننا ويفوتوننا فلا يكون لهم مؤاخذة بمقابلة ذلك
قال فى تاج المصادر [ المعاجزة : بركسى ييشى كرفتن در كارى ] وقد سبق فى اوائل السورة { اولئك فى العذاب محضرون } من الاحضار وهو بالفارسية [ حاضر كردن ] اى مدخلون لا يغيبون عنه ولا ينفعهم ما اعتمدوا عليه
وفى التأويلات النجمية هم الذين لا يحترمون الانبياء ولا يزعون حق الله فى السر فهم فى عذاب الاعتراض عليهم وعذاب الوقوع بشؤم ذلك فى ارتكاب محارم الله ثم فى عذاب السقوط من عين الحق : وفى المثنوى
جون خدا خواهدكه بردة كس درد ... ميلش اندر طعنة باكان برد

(11/218)


قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين (39)

{ قل ان ربى يبسط الرزق لمن يشاء من عباده } اى يوسعه عليه تارة { ويقدر له } اى يضيقه عليه تارة اخرى ابتلاء وحكمة ابتلاء وحكمة فهذا فى شخص واحد باعتبار وقتين وما سبق فى شخصين فلا تكرار { وما انفقتم من شئ } ما موصولة بمعنى الذى : وبالفارسية [ آنجه ] مبتدأ خبره قوله { فهو يخلفه } او شرطية بمعنى أى شئ : وبالفارسية [ هرجه ] نصب بقوله انفقتم ومن شئ بيان له وجواب الشرط قوله فهو يخلفه [ والانفاق : نفقه كردن ] يقال نفق الشئ نفقت الدراهم تنفق وانفقتها [ والاخلاف : بدل بازدادن ازمال وفرزند ] يقال اخلف الله له وعليه اذا بدل له ما ذهب عنه والمعنى الذى أو شئ انفقتم فى طاعة الله وطريق الخير والبر فالله تعالى يعطى خلفا له وعوضا منه اما عوضا منه اما فى الدنيا بالمال او بالقناعة التى هى كنز لا يفنى واما فى الآخرة بالثواب والنعيم او فيهما جميعا فلا تخشوا الفقر وانفقوا فى سبيل الله وتعرضوا لالطاف الله عاجلا وآجلا
وفى التأويلات النجمية وما انفقتم من شئ من الموجود او الوجود فهو يخلفه من الموجود الفانى بالموجود الباقى ومن الوجود المجازى بالوجود الحقيقى فمن الخلف فى الدنيا الرضى بالعدم والفقر صورة ومعنى وهم اتم من السرور بالموجود والوجود
افتد هماى دولت اكر دركمندما ... از همت بلند رها ميكنيم ما
{ وهو خير الرازقين } اى خير من اعطى الرزق فان غيره كالسلطان والسيد والرجل بالنسبة الى جنده وعبده وعياله واسطة فى ايصال رزقه ولا حقيقة لرازقيته والله تعالى يعطى الكل من خزائن لا تفنى
وفى التأويلات النجمية يشبر الى انه خير المنفقين لان خيرية المنفق بقدر خيرية النفقة فما ينفق كل منفق فى النفقة فهو فان وما ينفق الله من نفقة ليخلفه بها فهى باقية والباقيات خير من الفانيات انتهى
قال فى بحر العلوم لما كانت اقامة مصالح العباد من اجل الطاعات واشرف العبادات لانها من وظيفة الانبياء والصالحين دلهم الله فى الآية على طرف منها حثا عليها كما قال عليه السلام حثا لامته عليها « الخلق كلهم عيال الله واحبهم اليه انفعهم لعياله » قال العسكرى هذا على التوسع والمجاز كأن الله تعالى لما كان المتضمن لارزاق العباد والكافل بها كان الخلق كالعيال وفى الحديث « ان الله املاكا خلقهم كيف يشاء وصورهم على ما يشاء تحت عرشه ألهمهم ان ينادوا قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فى كل يوم مرتين ألا من وسع على عياله وجيرانه وسع الله عليه فى الدنيا والآخرة ألا من ضيق ضيق الله عليه ألا ان الله قد اعطاكم لنفقة درهم على عيالكم خير من سبعين قنطارا »

(11/219)


والقنطار كجبل احد وزنا « انفقوا ولا تخشوا ولا تضيقوا ولا تقتروا وليكن اكثر نفقتكم يوم الجمعة » وفى الحديث « كل معروف صدقة وكل ما انفق الرجل على نفسه واهله كتب له به صدقة وما وقى الرجل به عرضه كتب له به صدقة » ومعنى كل معروف صدقة ان الانفاق لا ينحصر فى المال بل يتناول كل بر من الاموال والاقوال والعلوم والمعارف وانفاق الواصلين الى التوحيد والارواح ومعنى ما وقى به عرضه ما اعطى الشاعر وذا اللسان المتقى وفى الحديث « ان لكل يوم نحسا فادفعوا نحس ذلك اليوم بالصدقة » وفى الحديث « ينادى مناد كل ليلة لا دواء للموت وينادى آخر ابنوا للخراب وينادى مناد هب للمنفق خلفا وينادى مناد هب للممسك تلفا » قال الحافظ
احوال كندج قارون كايام داد برباد ... باغنده باز كوييد تازر نهان ندارد
وفى المثنوى
آن درم دادن سخى را لا يقست ... جان سبردن خودسخاى عاشقست
نان دهى ازبهر حق نانت دهند ... جان دهى از بهر حق جانت دهند
هركه كارد كردد انبارش تهى ... ليكش اندر مرزعه باشد بهى
وانكه در انبار ماند وصرفه كرد ... اشيش وموش وجوادتهاش خورد
جملة در بازار زان كشستند بند ... تاجه سود افتاد مال خود دهند
وفى الحديث « يؤجر ابن فى نفقته كلها الا شيأ وضعه فى الماء والطين »
قال حضرة الشيخ صدر الدين القنوى فى شرحذ هذا الحديث اعلم ان صور الاعمال اعراض جواهرها مقاصد العمال وعلومهم واعتقاداتهم ومتعلقات هممهم وهذا الحديث وان كان من حيث الصيغة مطلقا فالاحوال والقرائن تخصصه وذلك ان بناء المساجد والرباطات ومواضع العبادات يؤجر البانى لها عليها بلا خلاف فالمراد بالمذكور هنا انما هو البناء الذى لم يقصد صاحبه الا التنزه والانفساح والاستراحة والرياء والسمعة واذا كان كذلك فمطمح همة البانى ومقصده لا يتجاوزه هذا العالم فلا يكون لبنائه ثمرة ونتيجة فى الآخرة لانه لم يقصد بما فعله امرا وراء هذه الدار فافعاله اعراض زائلة لا موجب لتعديها من هنا الى الآخرة فلا اثمار لها فلا اجر انتهى
اعلم ان العلماء تكلموا فى الانفاق والظاهر انه بحسب طبقات الناس . فمنهم من ينفق جميع ما ملكه توكلا على الله تعالى كما فعله الصديق لقوة يقينه . ومنهم من ينفق بعضه ويمسك بعضه لا للتنعيم بل للاتفاق وقت الحاجة . ومنهم من يقتصر على اداء الواجب
قال الغزالى رحمه الله الاكتفاء بمجرد الواجب حد البخلاء فلا بد من زيادة عليه لو شئت يسيرا فبين هذه الطبقات تفاوت فى الدرجات وقد اسلفنا الكلام على الانفاق فى اواخر سورة الفرقان فارجع اليه واعتمد عليه جعلنا الله واياكم من اهل البذل والاحسان بلا امساك وادخار واخلف خيرا مما انفقنا فان خزائنه لا تفنى وبحر جوده زخار وهو المعطى المفيض كل ليل ونهار

(11/220)


ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون (40)

{ ويوم يحشرهم } اى واذكر يا محمد لقومك يوم يحشر الله اى يجمع المستكبرين والمستضعفين وما كانوا يعبدون من دون الله حال كونهم { جميعا } مجتمعين لا يشذ احد منهم
وقال بعضهم هؤلاء المحشورون بنوا مليح من خزاعة كانوا يعبدون الملائكة ويزعمون انهم بنات الله لذلك سترهم
فان قلت لم لم يقولوا ذلك فى حق الجن مع انهم مستورون ايضا عن اعين الناس
قلت لان الملائكة سماوية والجن ارضية وهم اعتقدوا ان الله تعالى فى السماء { ثم يقول للملائكة } توبيخا للمشركين العادبدين واقناطالهم من شفاعتهم كما زعموا { أهولاء } اى الكفار : وبالفارسية [ آيا اين كروه اندكه ] { اياكم كانوا يعبدون } فى الدنيا واياكم نصب بيعبدون وتخصيص الملائكة لانهم اشرف شركائهم بطريق الاولوية

(11/221)


قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون (41)

{ قالوا } متنزهين عن ذلك وهو استئناف بيانى { سبحانك } تنزيها لك عن الشرك
وفى كشف الاسرار [ باكى ترا است از آنكه غير ترا برستند ] { انت ولينا } الوالى خلاف العدو اى انت الذى نواليه { من دونهم } [ بجزمشر كان يعنى ميان ايشان هيج دوستى نيست وحاشا كه بيرستش ايشان رضا داده باشيم ] ثم اضربوا عن ذلك ونفوا انهم عبدوهم حقيقة بقولهم { بل كانوا } من جهلهم وغوايتهم { يعبدوا الجن } اى الشياطين حيث اطاعوهم فى عبادة غير الله وقيل كانوا يتمثلون لهم ويتخيلون انهم الملائكة فيعبدونهم وعبر عن الشياطين بالجن لاستتارهم عن الحواس وذا اطلقه بعضهم على الملائكة ايضا { اكثرهم } الاكثر ههنا بمعنى الكل والضمير للمشركين كما هو الظاهر من السوق اى كل المشركين
وقال بعضهم الضمير للانس الاكثر بمعناه اى اكثر الانس { بهم } اى الجن وبقولهم الكذب الملائكة بنات الله { مؤمنون } مصدقون ومتابعون ويغترون بما يلقون اليهم من انهم يشفعون لهم
وفى الآية اشارة الى انه كما يعبد قوم الملائكة بقول الشيطان وتتبرأ الملائكة منهم يوم القيامة كذلك من يعبد الله بقول الوالدين او الاستاذين او اهل بلده او بالتعصب والهوى كما يعبده اليهود والنصارى والصائبون والمجوس واهل البدع والاهواء يتبرأ الله منه ويقول انا بريئ من ان اعبد بقول الغير وبقول من يعبدنى بالهوى او باعانة اهل الهوى فان من عبدنى بالهوى فقد عبد الهوى ومن عبدنى باعانة اهل الهوى اياه على ان يعبدنى فقد عبد اهل الهوى لانه ما عبدنى مخلصا كما امرته ولهذا المعنى امرنا الله ان نقول فى عبادته فى الصلاة اياك نعبد اى لم نعبد غيرك واياك نستعين على عبادتك باعانتك باعانتك لا باعانة غيرك وبقوله { اكثر بهم مؤمنون } يشير الى ان اكثر مدعى الاسلام باهل الهوى مؤمنون اى بتقليدهم وتصديقهم فيما ينتمون اليه من البدع والاعتقاد السوء كذا فى التأويلات النجمية : قال الصائب
جه قدر راه بتقليد توان بيمودن ... رشته كوتاه بود مرغ نو آمو خته را

(11/222)


فاليوم لا يملك بعضكم لبعض نفعا ولا ضرا ونقول للذين ظلموا ذوقوا عذاب النار التي كنتم بها تكذبون (42)

{ فاليوم } اى يوم الحشر { لا يملك } [ الملك بالحركات الثلاث : خداوند شدن ] { بعضكم } يعنى المعبودين { لبعض } يعنى العابدين { نفعا } بالشفاعة { ولا ضرا } اى دفع ضرر وهو العذاب على تقدير المضاف اذ الامر فيه كله لله لان الدار دار جزاء ولا يجازى الخلق احد غير الله
قال فى الارشاد تقييد هذا الحكم بذلك اليوم مع ثبوته على الاطلاق لانعقاد رجائهم على تحقيق النفع يؤمئذ وهذا الكلام من جملة ما يقال للملائكة عند جوابهم بالتنزه والتبرى مما نسب اليهم الكفرة يخاطبون على رؤس الاشهاد اظهارا لعجزهم وقصورهم عند عبدتهم وتنصيصا على ما يوجب خيبة رجائهم بالكلية والفاء ليست لترتيب ما بعدها من الحكم على جواب الملائكة فانه محقق اجابوا بذلك ام لا بل لترتيب الاخبار به عليه { ونقول } فى الآخرة { للذين ظلموا } انفسهم بالكفر والتكذيب فوضعوهما موضع الايمان والتصديق وهو عطف على يقول للملائكة لا على يملك كما قيل لانه مما يقال يوم القيامة خطابا للملائكة مترتبا على جوابهم المحكى وهذا حكاية لرسول الله صلى الله عليه وسلم لما سيقال للعبدة يومئذ اثر حكاية ما سيقال للملائكة { ذوقوا } الذوق فى الاصل وان كان فيما يقل تناوله كالاكل فيما يكثر تناوله الا انه مستصلح للكثير { عذاب النار التى كنتم } فى الدنيا { بها } متعلق بقوله { تكذبون } وتصرون على القول بانها غير كائنة فقد وردتموها وبطل ظنكم ودعواكم
وفى التأويلات يشير الى ان من علق قلبه بالاغيار وظن صلاح حاله من الاحتيال والاستعانة بالامثال والاشكال نزع الله الرحمة من قلوبهم فتتركهم وتشوش احوالهم فلا لهم من الاشكال والامثال معونة ولا لهم من عقولهم فى امورهم استبصار ولا الى الله رجوع الا فى الدنيا فان رجعوا اليه فى الآخرة لا يرحمهم ولا يجيبهم ويذيقهم عذاب نار البعد والقطيعة لكونهم ظالمين اى عابدين غير الله تعالى [ احمد حرب كفت خداى تعالى خلق را آفريده تاورا بيكانكى شناسند وشريك نسازند ورزق داد تاورا برزاقى بدانند وميراند تاورا بقهارى شناسند « ألا ترى ان الموت يذل الجبابرة ويقهر الفراعنة » وزنده كردانيد تاورا بقادرى بدانند جونكه قادر مطلق اوست انسان ببايدكه عجز خودرا بداند وعدم طاقت اودر زيربار قهرش شناسند ورجوع كند باختيار نه باضطرار واحق شناسد توفيق هركار ]
نكشود صائب ازمدد خلق هيج كار ... از خلق روى خود بخدا مى كنيم ما
اعلم ان من عبد الجن واطاع الشيطان فيما شاء وهو زوال دينه يكون عذابه فى التأييد كعذاب ابليس ومن اطاع النفس فيما شاءت وهى المعصية يكون عذابه على الانقطاع ومن اطاع الهوى فيما شاء وهو الشهوات يكون له شدة الحساب من اجاب ابليس ذهب عنه المولى ومن اجاب النفس ذهب عنه الورع ومن اجاب الهوى ذهب عنه العقل
وكان يحيى عليه السلام مع جلالة قدره وعدم همه بخطيئة يخاف من عذاب النار ويبكى فى الليل والنهار والغافل كيف يأمن من سلب الايمان مع كثرة العصيان وله عدو مثل الشيطان لتحصل النجاة من النيران والفوز بدرجات الجنان والتنعيم بنعيم القرب وشهود الرحمن
زيشت آينه روى مراد نتوان ديد ... ترا كه روى بخلق است ازخداجه خبر

(11/223)


وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قالوا ما هذا إلا رجل يريد أن يصدكم عما كان يعبد آباؤكم وقالوا ما هذا إلا إفك مفترى وقال الذين كفروا للحق لما جاءهم إن هذا إلا سحر مبين (43)

{ واذا تتلى } اى تقرأ قراءة متتابعة بلسان الرسول عليه السلام { عليهم } اى على مشركى مكة { آياتنا } القرآنية حال كونها { بينات } واضحات الدلالة على حقية التوحيد وبطلان الشرك { قالوا } مشيرين الى النبى عليه السلام { ما هذا الارجل } تنكيره للتهكم والتلهى والا فرسول الله كان علما مشهروا بينهم { يريد ان يصدكم } اى يمنعكم ويصرفكم { عما كان يعبد آباؤكم } من الاصنام منذ ازمنة متطاولة فيستتبعكم بما يستبدعه من غير ان يكون هناك دين الهى : يعنى [ مدعاى او آنست كه شما ازبت برستيدن منع كند وبدين وآيين كه احداث كرده در آورد وتابع خود سازد ] واضافة الآباء الى المخاطبين لا الى انفسهم لتحريك عرق العصبية منهم مبالغة فى تقريرهم على الشرك وتنفيرهم عن التوحيد { وقالوا ما هذا } القرآن { الا افك } كلام مصروف عن جهته لعدم مطابقة ما فيه من التوحيد والبعث الواقع { مفترى } باسناده الى الله تعالى والافتراء الكذب عمدا قالوه عنادا ومكابرة والا فقد قال كبيرهم عتبة بن ربيعة ما هو شعر ولا كهانة ولا سحر { وقال الذين كفروا للحق } اى للقرآن على ان العطف لاختلاف العنوان بان يراد بالاول معناه وبالثانى نظمه المعجز ووضع المظهر موضع المضمر اظهارا للغضب عليهم ودلالة على ان هذا لا يجترئ عليه الا المتمادون فى الكفر المنهمكون فى الغى والباطل { لما جاءهم } من الله تعالى ومعنى التوقيع فى لما انهم كذبوا بهوجحدوه على البديهة ساعة اتاهم واول ما سمعوه قبل التدبر والتأمل { ان } بمعنى ما النافية { هذا الا سحر مبين } ظاهر سحريته لاشبهة فيه . والسحر من سحر يسحر اذا خدع احدا وجعله مدهوشا متحيرا وهذا انما يكون بان يفعل الساحر شيأ يعجز عن فعله وادرا كه المسحور عليه كما فى شرح الامالى
وقال الشيخ الاكبر قدس سره الاطهر فى الفتوحات المكية السحر مأخوذ من السحر وهو ما بين الفجر الاول والفجر الثانى واختلاطته وحقيقته اختلاط الضوء والظلمة فما هو بليل لما خالطه من ضوء الصبح ولا هو بنهار لعدم طلوع الشمس للابصار فكذلك ما فعله السحرة ما هو باطل محقق فيكون عدما فان العين ادركت امرا ما لا تشك فيه ولا هو حق محض فيكون له وجود فى عينه فانه ليس فى نفسه كما تشهد العين ويظنه الرائى انتهى
قال الشيخ الشعرانى فى الكبريت الاحمر هو كلام نفيس ما سمعنا مثله قط

(11/224)


وما آتيناهم من كتب يدرسونها وما أرسلنا إليهم قبلك من نذير (44)

{ وما آتيناهم } اى مشركى مكة { من كتب } اى كتبا فان من الاستغراقية داخلة على المفعول لتأكيد النفى { يدرسونها } يقرأونها فيها دليل على صحة الاشراك كما فى قوله تعالى { ام انزلنا عليهم سلطانا فهو يتكلم بما كانوا به يشركون } وقوله { ام آتيناهم كتابا من قبله فهم به مستمسكون } وفى ايراد كتب بصيغة الجمع تنبيه على انه لا بد لمثل تلك الشبهة من نظائر الادلة والدرس قراءة الكتاب بامعان النظر فيه طلبا لدرك معناه والتدريس تكرير الدرس
قال الراغب فى المفردات درس الشئ معناه بقى اثره وبقاء الاثر يقتضى انمحاءه فى نفسه ولذلك فسر الدروس بالانمحاء وكذا درس الكتاب ودرست العلم تناولت اثره بالحفظ ولما كان تناول ذلك بمداومة القراءة عبر عن ادمة القراءة بالدرس { وما ارسلنا اليهم قبلك من نذير } يدعوهم الى الشرك وينذرهم بالعقاب على تركه وقد بان من قبل ان لا وجه له بوجه من الوجوه فمن اين ذهبوا هذا المذهب الزائغ وهو تجهيل لهم وتسفيه لآرائهم ثم هددهم بقوله

(11/225)


وكذب الذين من قبلهم وما بلغوا معشار ما آتيناهم فكذبوا رسلي فكيف كان نكير (45)

{ وكذب الذين من قبلهم } من الامم المتقدمة والقرون الماضية كما كذب قومك من قريش { وما بلغوا } [ ونرسيدند قريش ومشركان مكة ] { معشار ما آتيناهم } اى عشر ما آتينا اولئك من قوة الاجسام وكثرة الاموال والاولاد وطول الاعمار . فالمعشار بمعنى العشر كالمرباع بمعنى الربع
قال الواحدى المعشار والعشير والعشر جزء من العشرة وقيل المعشار عشر العشر { فكذبوا رسلى } عطف على وكذب الذين الخ بطريق التفصيل والتفسير كقوله تعالى { كذبت قبلهم قوم نوح فكذبوا عبدنا } الخ { فكيف كان نكير } اى انكارى لهم بالاستئصال والتدمير فأى شئ خطر هؤلاء بجنب اولئك فليحذروا من مثل ذلك : وبالفارسية [ بس جه كونه بودنا بسند من ايشانرا وعذاب دادن ]
وفى الآية اشارة الى ان صاحب النظر اذادل الناس على الله ودعاهم اليه قال اخدانهم السوء واخوانهم الجهلة واعوانهم الغفلة من الاقارب وابناء الدنيا وربما كان ذلك من العلماء السوء الذين اسكرتهم محبة الدنيا وقال صلى الله عليه وسلم فيهم « اولئك قطاع الطريق على العباد » هذا رجل يريد اصطيادكم واستتباعكم لتكونوا من اتباعه واعوانه ومريديه ويصدكم عن مذاهبكم ويطمع فى اموالكم ومن ذا الذى يطيق ان يترك الدنيا بالكلية وينقطع عن اقاربه واهاليه ويضيع اولاده ويعق والديه وليس هذا طريق الحق وانك لا تتم هذا الامر ولا بد لك من الدنيا ما دمت تعيش وامثال هذا حتى يميل ذلك المسكين عن قبول النصح فى الاقبال على الله والاعراض عن الدنيا وربما كان هذا من خواطره الدنية وهواجس نفسه الردية فيهلك ويضل كما هلكوا وضلوا فليعتبر الطالب بمن كان قبله من منكرى المشايخ ومكذبى الورثة ما كان عاقبة امرهم الحرمان فى الدنيا من مراتب الدين والعذاب فى الآخرة بنار القطيعة وليحذر من الاستماع الى العائقين له عن طريق العاشقين فانهم اعداء له فى صورة الاحباب : وفى المثنوى
آدمى را دشمن بنهان بسيست ... آدمئ باحذر عاقل كسيست
قال المولى الجامى فى درة التاج
جون سكندر بقصد آب حيات ... كرد عزم عبور بر ظلمات
بزمينى رسيد بهن وفراخ ... راند خيل وحشم دران كستاخ
هركجا مى شد از يسار ويمين ... بود بر سنكريزه روى زمين
كرد روى سخن بسوى سباه ... كاى همه كرده كم زظلمت راه
اين همه كوهراست بى شك وريب ... كيسه تان بركنيد ودامن وجيب
هركوا بود شك در اسكندر ... آن حكايت نيامدش باور
كفت در زير نعل لعل كه ديد ... در وكوهر برهكذر كه شنيد
وانكه آينية سكندر بود ... سر جانش درو مصور بود
هرجه ازوى شنيد باورداشت ... آنجه مقدور بودازان برداشت
جون بريدند راه تاريكى ... تافت خورشيد شان ز نزديكى
وان يكى دست ميكزيد كه جون ... زين كهر بر نداشتم افزون
وان دكر خون همى كريست آه ... نفس وشيطان زدند برمن راه
كاشكى كز كهر بكردم بار ... برسكندر نكردمى انكار
تانيفتادمى ازان تقصير ... در حجاب وخجالت وتشوير
فقس عليه مصدق القرآن ومكذبه

(11/226)


قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد (46)

{ قل انما اعظكم بواحدة } الوعظ زجر يقترن به تخويف
وقال عليه الخليل هو التذكير بالخير فيما يرق له القلب والعظة والموعظة الاسم اى ما انشدكم وانصح لكم الا بخصلة واحدة هى { ان تقوموا } من مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وتتفرقوا من مجمعكم عنده فالقيام على حقيقته بمعنى القيام على الرجلين ضد الجلوس ويجوز ان يكون بمعنى القيام بالامر والاهتمام بطلب الحق { لله } لاجله تعالى ورضاه لا للمراء والرياء والتقليد حال كونكم متفرقين { مثنى } اثنين اثنين { وفرادى } واحدا واحدا
قال الراغب الفرد الذى لا يختلط به غيره فهو اعم من الوتر واخص من الواحد وجمعه فرادى انتهى
وفى المختار الفرد الوتر وجمعه افراد وفرادى بالضم على غير القياس كأنه جمع فردان { ثم تتفكروا } التفكر طلب المعنى بالقلب : يعنى [ تفكر جست وجوى دلست در طلب معنى ] اى تتفكروا فى امره صلى الله عليه وسلم فتعلموا { ما } نافية { بصاحبكم } المراد الرسول عليه السلام { من جنة } اى جنون يحمله على دعوى النبوة العامة كما ظننتم وفائدة التقييد بالاثنين والفرادى ان الاثنين اذا التجتا الى الله تعالى وبحثا طلبا للحق مع الانصاف هديا اليه وكذا الواحد اذا تفكر فى نفسه مجردا عن الهوى بخلاف كثرة الجمع فانه يقل فيهما الانصاف غالبا ويكثر الخلاف ويثور غبار الغضب ولا يسمع الانصرة المذهب . وفى تقديم مثنى ايذان بانه اوفق واقرب من الاطمئنان فان الاثنين اذا قعدوا بطريق المشاورة فى شأن الرسول عليه السلام وصحة نبوته من غير هوى وعصبية وعرض كل منهما محصول فكره على الآخر ادى النظر الصحيح الى التصديق ويحصل العلم على العلم
وفى الفتوحات المكية قدس الله سر صاحبها الواحدة ان يقوم الواعظ من اجل الله اما غيره واما تعظيما وقوله { مثنى } اى بالله ورسوله فانه من اطاع الرسول فقد اطاع الله فيقوم صاحب هذا المقام بكتاب الله وسنة رسوله لا عن هوى نفس ولا تعظيم كونى ولا غيره نفسية وقوله { وفرادى } اى بالله خاصة او برسوله خاصة انتهى هذا اذا علقت { ما بصاحبكم } بمحذوف كما قدر فلا يوقف اذا على تتفكروا ويجوز ان يكون الوقف تاما عند تفكروا على معنى ثم تتفكروا فى امره عليه السلام وما جاء به لتعلموا حقيقته فقوله { ما بصاحبكم من جنة } استئناف مسوق من جهته تعالى للتنبيه على طريقة النظر والتأمل بان مثل هذا الامر العظيم الذى تحته ملك الدنيا والآخرة لا يتصدى لادعائه الا مجنون لا يبالى بافتضاحه عند مطالبته بالبرهان وظهور عجزه او مؤيد من عند الله مرشح للنبوة واثق بحجته وبرهانه واذ قد علمتم انه عليه السلام ارجح العالمين عقلا واصدقهم قولا وانزههم نفسا وافضلهم علما واحسنهم عملا واجمعهم للكمالات البشرية وجب ان تصدقوه فى دعواه فكيف وقد انضم الى ذلك معجزات تخر لها صم الجبال { ان } ما { هو } صاحبكم { الا نذير لكم } مخوف لكم بلسان ينطق بالحق { بين يدى عذاب شديد } اى قدام عذاب الآخرة منك يصل اليك نفسه
وفى التأويلات النجمية { بين يدى عذاب شديد } فى الدنيا والآخرة لينجيكم منه والعذاب الشديد الجهل والنكرة والجحود والانكار والطرد واللعن من الله تعالى وفى الآخرة الحسرة والندامة والخجلة عند السؤال
وفى بعض الاخبار انه عذاب من يسألهم الحق فيقع عليهم من الخجل ما يقولون عنده عذبنا يا ربنا بما شئت من انواع العقوبة ولا تعذبنا بهذا السؤال

(11/227)


قل ما سألتكم من أجر فهو لكم إن أجري إلا على الله وهو على كل شيء شهيد (47)

{ قل ما } اى شئ { سألتكم من اجر } جعل على تبليغ الرسالة { فهو لكم } والمراد نفى السؤال رأسا : يعنى [ هيج اجرى نخواهم ] كقول من قال لمن يعطه شيأ ان شيأ ان عطيتنى شيأ فخذه
وقال بعضهم لما نزل قوله تعالى { قل لا اسألكم عليه اجرا الا المودة فى القربى } قال عليه السلام لمشركى مكة « لا تؤذونى فى قرابتى » فكفوا عن ذلك فلما سب آلهتهم قالوا لن ينصفنا يسألنا ان لا نؤذيه فى قرابته وهو يؤذينا بذكر آلهتنا بسوء فنزل { قل ما سألتكم من اجر فهو لكم } ان شئتم آذوهم وان شئتم امتنعوا { ان اجرى } ا ما اجرى وثوابى { الا على الله } فانما اطلب ثواب الله لا عرض الدنيا { وهو على كل شئ شهيد } مطلع يعلم صدقى وخلوص نيتى
وفيه اشارة الى انه من شرط دعوة الخلق الى الله ان تكون خالصة لوجه الله لا يشوبها طمع فى الدنيا الآخرة : قال الشيخ سعدى قدس سره
زيان ميكند مرد تفسير دان ... كه علم وادب ميفروشد بنان
كجا عقل با شرع فتوى دهد ... كه اهل خرد دين بدنيا دهد
قال الامام الزروقى الشهيد هو الحاضر الذى لا يغيب عنه معلوم ولا مرئى ولا مسموع ومنه عرف ان الشهيد عبد حافظ على المراقبة واتقى بعلمه ومشاهدته عن غيره

(11/228)


قل إن ربي يقذف بالحق علام الغيوب (48)

{ قل ان ربى يقذف بالحق } القذف الرمى البعيد بنحو الحجارة والسهم ويستعار لمعنى الالقاء والباء للتعدية اى يلقى الوحى وينزله على من يجتبيه من عباده فالاجتباء ليس لعلة والاصطفاء ليس لحيلة اى يرمى به الباطل فيدمغه ويزيله { علام الغيوب } بالرفع صفة محمولة على محل ان واسمها او بدل من المستكن فى يقذف او خبر ثان لان اى عالم بطريق المبالغة بكل ما غاب عن خلقه فى السموات والارض قولا كان او فعلا او غيرهما
قال بعض الكبار من ادمن ذكر يا علام الغيوب لاى ان يغلب عليه منه حال فانه يتكلم بالمغيبات ويكشف ما فى الضمائر وتترقى روحه الى العالم العلوى ويتحدث بامور الكائنات والحوادث . وايضا هو نافع لقوة الحفظ وزوال النسيان
وفى التأويلات انما ذكر الغيوب بلفظ الجمع لانه عالم يغيب كل احد وهو ما فى ضمير كل احد وانه تعالى عالم بما يكون فى ضمير اولاد كل احد الى يوم القيامة وانما قال علام بلفظ المبالغة ليتناول علم معلومات الغيوب فى الحالات المختلفة كما هى بلا تغير فى العلم عند تغير المعلومات من حال الى حال بحيث لا يشغله شأن حال عن حال

(11/229)


قل جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد (49)

{ قل جاء الحق } اى الاسلام والتوحيد { وما يبدئ الباطل وما يعيد } ابدأ الشئ فعله ابتداء [ والاعادة : بازكردانيدن ] والمعنى زال الشرك وذهب بحيث لم يبق اثره اصلامأ خوذ من هلاك الحى فانه اذاهلك لم يبق له ابداء ولا اعادة فجعل مثلا فى الهلاك بالكلية روى ابن مسعود رضى الله عنه ان النبى عليه السلام دخل مكة وحول الكعبة ثلاثمائة وستون صنما فجعل يطعنها بعود فى يده ويقول « جاء الحق وزهق الباطل قل جاء الجق وما يبدئ الباطل وما يعيد »

(11/230)


قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي وإن اهتديت فبما يوحي إلي ربي إنه سميع قريب (50)

{ قل ان ضللت } عن الطريق الحق كما تزعمون وتقولون لقد ضللت حين تركت دين آياتك { فانما اضل على نفسى } فان وبال ضلالى عليها لانه بسببها اذ هى الحاملة عليه بالذات والامارة وبهذا الاعتبار قوبل الشرطية بقوله { وان اهتديت } الى الطريق الحق { فيما يوحى } فبسبب ما يوحى { الى ربى } من الحكمة والبيان فان الاهتداء بتوفيقه وهدايته
وفيه اشارة الى منشأ الضلالة نفس الانسان فاذا وكلت النفس الى طبعها لا يتولد منها الا الضلالة وان الهداية من مواهب الحق تعالى ليست النفس منشأها ولذلك قال تعالى { ووجدك ضالا فهدى } { انه } تعالى { سميع قريب } يعلم قول كل من المهتدى والضال وفعله وان بالغ فى اخفائهما
قال بعض الكبار سميع بمنطق كل ناطق قريب لكل شئ وان كان بعيدا منه
دوست نزديكتر از من بمن است ... وين عجبتر كه من ازوى دورم
جه كنم باكه توان كفت كه او ... در كنار من ومن مهجورم
قال بعضهم السميع هو الذى انكشف كل موجود لصفة سمعه فكان مدركا لكل مسموع من كلام
وغيره وخاصية هذا الاسم اجابة الدعاء فمن قرأه يوم الخميس خمسمائة مرة كان مجاب الدعوة وقرب الله من العبد بمعنى انه عند ظنه كما قال « انا عند ظن عبدى بى »
وقال بعضهم هو قريب من الكل لظهوره على العموم وان لم يره الا اهل الخصوص لانه لا بد للرؤية من ازالة كل شئ معترض وحائل وهى حجب بعيد لا بالافتراق وقال القرب يورث الحياء ولذا قال بعضهم
نعره كمتر زن كه نزديكست يار ... يشير الى حال اهل الشهود فانهم يراعون الادب مع الله فى كل حال فلا يصيحون كما لا يصيح القريب للقريب واما اهل الحجاب فلهم ذلك لا قربهم بالهم لا بالشهود وكم من فرق بينهما
وفى الآية اشارة الى انه لا يصير المرء ضالا بتضليل الآخر اياه فان الضال فى الحقيقة من خلق الله فيه الضلالة بسبب اعراضه عن الهدى كما انه لا يكون كافرا باكفار الغير اياه فان الكافر فى الحقيقة من قبل الكفر واعرض عن الايمان والى انه لا تزر وازره وزر اخرى وان كل شاة معلقة برجلها اى كل واحد مجزى بعمله لا بعمل غيره فالصالح مجزى باعماله الصالحة واخلاقه الحسنة ولا ضرر له من الاعمال القبيحة لغيره وكذا الفاسق مجزى بعمله السوء ولا نفع له من صالحات غيره
هركه او نيك ميكند يابد ... نيك وبد هرجه ميكند يابد
وقيل للنابعة حين اسلم أصبوت يعنى آمنت بمحمد قال بلى غلبنى بثلاث آيات من كتاب الله فاردت ان اقول ثلاثة ابيات من الشعر على قافيتها فلما سمعت هذه الآية تعبت فيها ولم اطق فعلمت انه ليس من كلام البشر وهى هذه { قل ان ربى يقذف بالحق علام الغيوب } الى قوله { انه سميع قريب }

(11/231)


ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت وأخذوا من مكان قريب (51)

{ ولو ترى } يا محمد ايوا من يفهم الخطاب ويليق به { اذ فزعوا } اى حين يفزع الكفار ويخافون عند الموت او البعث او يوم بدر وجواب لو محذوف اى لرأيت امرا هائلا وجيئ بالماضى لان المستقبل بالنسبة الى الله تعالى كالماضى فى تحققه وعن ابن عباس رضى الله عنهما ان ثمانين الفا وهم السفيانى وقومه يخرجون فى آخر الزمان فيقصدون الكعبة ليخربوها فاذا ادخلوا البيداء وهى ارض ملساء بين الحرمين كما فى القاموس خسف بهم فلا ينجو منهم الا السرى الذى يخبر عنهم وهو جهينة فلذلك قيل عند جهينة الخبر اليقين
قال الكاشفى [ ازتمام لشكر دوكس نجات يابند يكى به بشارت بمكة برود وديكرى كه ناجى جهنى كويند روى ابو برقفا كشته خبر قوم بسفيانى رساند ] { فلا فوت } الفوت بعد الشئ عن الانسان بحيث يتعذر ادراكه اى فلا فوت لهم من عذاب الله ولا نجاة بهرب او تحصين ويدركهم ما فزعوا منه { واخذوا من مكان قريب } اى من ظهر الارض الى بطنها او من الموقف الى النار او من صحراء بدر الى قليبها وهو البئر قبل ان تبنى بالحجارة
وقال ابو عبيدة هى البئر العادية القديمة او من تحت اقدامهم اذا خسف بهم وحيث كانوا فهم قريب من الله والجملة معطوفة على فزعوا

(11/232)


وقالوا آمنا به وأنى لهم التناوش من مكان بعيد (52)

{ وقالوا } عند معاينة العذاب { آمنا به } اى بمحمد عليه السلام لانه مر ذكره فى قوله { ما بصاحبكم من جنة } فلا يلزم الاضمار قبل الذكر { وأنى لهم التناوش } التناوش بالواو والتناول السهل بالفارسية [ كرفتن ] من النوش يقال تناوش وتناول اذا مديده الى شئ يصل اليه ومن همزه فاما انه ابدل من الواو همزة لانضمامه نحو اقتت فى وقتت وادؤر فى ادور واما ان يكون من النأش وهو الطلب كما فى المفردات والمعنى ومن اين لهم ان يتناولوا الايمان تناولا سهلا { من مكان بعيد } فان الايمان انما هو فى حيز التكليف وهى الدنيا وقد بعد عنهم بارتحالهم الى الآخرة وهو تمثيل حالهم فى الاستخلاص بالايمان بعد ما فات عنهم وبعد بحال من يريد ان يتناول الشئ من غلوة وهى غاية قدر رمية كتناوله من مقدار ذراع فى الاستحالة

(11/233)


وقد كفروا به من قبل ويقذفون بالغيب من مكان بعيد (53)

{ وقد كفروا به } اى بمحمد او بالعذاب الشديد الذى انذرهم ايا { من قبل } من قبل ذلك فى وقت التكليف تابوا وقد اغلقت الابواب وندموا وقد تقطعت الاسباب فليس الا الخسران والندم والعذاب والالم
فخل سبيل العين بعدك لليكا ... فليس لايام الصفاء رجوع
قال الحافظ
جو برروى زمين باشى توانايى غنيمت دان ... كه دوران ناتوانيها بسى زير زمين دارد
اى لا يقدر الانسان على شئ اذا مات وصار الى تحت الارض كما كان يقدر اذا كان فوق الارض وهو حى { ويقذفون بالغيب } الباء للتعدية اى يرجمون بالظن الكاذب ويتكلمون بما لم يظهر لهم فى حق الرسول من المطاعن او فى العذاب من قطع القول بنفيه كما قالوا وما نحن بمعذبين { من مكان بعيد } من جهة بعيدة من حاله عليه السلام حيث ينسبونه الى الشعر والسحر والكهانة والكذب ولعله تمثيل لحالهم فى ذلك بحال من يرمى شيأ لا يراه من مكان بعيد لا مجال للظن فى لحوقه وهو معطوف على وقد كفروا به على حكاية الحال الماضية او على قالوا فيكون تمثيلا لحالهم بحال القاذف فى تحصيل ما ضيعوه من الايمان فى الدنيا

(11/234)


وحيل بينهم وبين ما يشتهون كما فعل بأشياعهم من قبل إنهم كانوا في شك مريب (54)

{ وحيل بينهم } اى اوقعت الحيلولة والمنع بين هؤلاء الكفار { وبين ما يشتهون } من نفع الايمان والنجاة من النار { كما فعل باشياعهم من قبل } اى باشياعهم من كفرة الامم الماضية { انهم كانوا } فى الدنيا { فى شك } مما وجب به الايمان واليقين كالتوحيد والبعث ونزول العذاب على تقدير الاصرار { مريب } [ بتهمت افكنده ودلرا مضطرب سازنده وشوراننده ]
قال اهل التفسير مريب موقع لهم فى الريبة والتهمة من ارابه اذا وقعه فى الريبة او ذى ريبة من اراب الرجل اذا صار ذا ريبة ودخل فيها وكلاهما مجاز فى الاسناد الا ان بينهما فرقا وهو ان المريب من الاول منقول ممن يصلح ان يكون مريبا من الاشخاص والاعيان الى المعنى وهو الشك اى يكون صفة من اوقع فى الريب حقيقة وقد جعل فى الآية صفة نفس الشك الذى هو معنى من المعانى
والمريب من الثانى منقول من صاحب الشك الى الشك اى انهم كانوا فى شك ذى شك كما تقول شعر شاعر وانما الشاعر فى الحقيقة صاحب الشعر وانما اسند الشاعرية الى الشعر للمبالغة واذا كان حال الكفرة الشك فى الدنيا فلا ينفعهم اليقين فى الآخرة لانه حاصل بعد معاينة العذاب والخروج من موطن التكليف وقد ذموا فى هذه الآيات بالشك والكفر والرجم بالغيب فليس للمرء ان يبادر الى انكار شئ الا بعد العلم اما بالدليل او بالشهود
قال فى الفتوحات المكية لا يجوز لاحد المبادرة الى الانكار اذا رأى رجلا ينظر الى امرأة فى الطريق مثلا فربما يكون قاصدا خطبتها او طبيبا فلا ينبغى المبادرة للانكار الا فيما لا يتطرق اليه احتمال وهذا يغلط فيه كثير من المذنبين لا من اصحاب الدين لان صاحب الدين اول ما يحتفظ على نفسه ولا سيما فى الانكار خاصة وقد ندبنا الحق الى حسن الظن بالناس لا الى سوء الظن فصاحب الدين لا ينكر قط مع الظن لانه يعلم الظن اثم ويقول لعل هذا من ذلك البعض واثمه ان ينطق به وان وافق العلم فى نفس الامر وذلك ان ظن وما علم فنطق فيه بامر محتمل وما كان له ذلك فمعلوم ان سوء الظن بنفس الانسان اولى من سوء ظنه بالغير وذلك لانه من نفسه على بصيرة وليس هو من غيره على بصيرة فلا يقال فى حقه ان فلانا اساء الظن بنفسه بل انه عالم بنفسه وانما عبرنا بسوء الظن بنفسه اتباعا لتعبيرنا بسوء الظن بغيره فهو من تناسب الكلام والى الآن ما رأيت احدا من العلماء استبرأ لدينه هذا الاستبراء فالحمد لله الذى وفقنا لاستعماله انتهى كلام الشيخ فى الفتوحات
هميشه در صدد عيب جوئى خويشيم ... نبوده ايم بى عيب ديكران هركز
والله الموفق لصالحات الاعمال وحسنات الاخلاق

(11/235)


الحمد لله فاطر السماوات والأرض جاعل الملائكة رسلا أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع يزيد في الخلق ما يشاء إن الله على كل شيء قدير (1)

{ الحمد لله } اى كل المحامد مختصة بالله تعالى لا تتجاوز منه الى من سواه وهو وان كان فى الحقيقة حمد الله لذاته بذاته لكنه تعليم للعباد كيف يحمدونه
واعلم ان الحمد يتعلق بالنعمة والمحنة اذ تحت كل محنة منحة فمن النعمة العطاس وذلك لانه سبب لانفتاح المسلم اى ثقب الجسد واندفاع الابخرة المحتبسة عن الدماغ الذى فيه قوة التذكر التفكر فهو بحران الرأس كما ان العرق بحران بدن المريض ولذا اوجب الشارع الحمد للعاطس
قال ابن عباس رضى الله عنهما من سبق العاطس بالحمد لله وقى وجع الرأس والاضراس ومن المحنة النجشى وفى الحديث « من عطس او تجشا فقال الحمد على كل حال دفع الله بها عنه سبعين داء اهونها الجذام »
والتجشى تنفس المعدة : وبالفارسية [ بدروغ شدن ] وذلك لان التجشى انما يتولد عليه انه السلام كان يقول عند كل مصيبة « الحمد لله على كل حال » ثم رتب الحمد على نعمة الايجاد او لا اذ لا غاية وراءها اذ كل كمال مبنى عليها فقال { فاطر السموات والارض } اضافته محضة لانه بمعنى الماضى فهو نعت للاسم الجليل ومن جعلها غير محضة جعله بدلا منه وهو قليل فى المشتق والمعنى مبدعهما وخالقهما ابتداء من غير مثال سبق من الفطر بالفتح بمعنى الشق او الشق طولا كما ذهب اليه الراغب كأنه شق العدم باخراجهما منه والفطر بالكسر ترك الصوم وعن ابن عباس رضى الله عنهما ما كنت ادرى ما فاطر السموات حتى اختصم الى اعرابيان فى بئر فقال احدهما انا فطرتها اى ابتدأت حفرها قال المبرد فاطر خالق مبتدئ
ففيه اشارة الى ان اول كل شئ تعلقت به القدرة سموات الارواح وارض النفوس واما الملائكة فقد خلقت بعد خلق ارواح الانسان يدل عليه تأخير ذكرهم كما قال { جاعل الملائكة رسلا } اضافته محضة ايضا على انه نعت آخر للاسم الجليل ورسلا منصوب بجاعل واسم الفاعل بمعنى الماضى وان كان لا يعمل عند البصريين الا معرفا باللام الا انه بالاضافة اشبه المعرف باللام فعمل عمله فالجاعل بمعنى المصير والمراد بالملائكة جبرائيل واسرافيل وميكائيل وعزرائيل والحفظة ونحوهم
ويقال لم ينزل اسرافيل على نبى الا على محمد صلى الله عليه وسلم نزل فاخبره بما هو كائن الى يوم القيامة ثم عرج
وفى انسان العيون نزل عليه ستة اشهر قبل نبوته فكان عليه السلام يسمع صوته ولا يرى شخصه . والرسل جمع رسول بمعنى المرسل والمعنى مصير الملائكة وسائط بينه تعالى وبين انبيائه والصالحين من عباده يبلغون اليهم رسالاته الهى ربانى متعلق بالعلوم والمعارف او ملكى روحانى وهو الباعث على الطاعة وعلى كل ما فيه صلاح ويسمى الهاما والفاسد نفسانى وهو ما فيه حظ النفس ويسمى هاجسا او شيطانى وهو ما يدعو الى معصية ويسمى وسواسا { اولى اجنحة } صفة لرسلا واولوا بمعنى اصحاب اسم جمع لذو كما ان اولاء اسم جمع لذا وانما كتبت الواو بعد الالف حالتى الجر والنصب لئلا يلتبس بالى حرف الجر وانما كتبوه فى الرفع حملا عليهما .

(11/236)


والاجنحة جمع جناح بالفارسية [ بروبال ] { مثنى وثلاث ورباع } صفات لاجنحة فهى فى موضع خفض ومعناها اثنين وثلاثة ثلاثة واربعة اربعة اى ذوى اجنحة متعددة متفاوتة فى العدد حسب تفاوت مالهم من المراتب ينزلون بها من السماء الى الارض ويعرجون او يسرعون بها فان ما بين السماء والارض وكذا ما بين السموات مسيرة خمسمائة سنة وهم يقطعونها فى بعض الاحيان فى وقت واحد ففى تعدد الاجنحة اشارة الى كمالية استعداد بعض الملائكة على بعض والمعنى ان من الملائكة خلقا لكل منهم جناحان وخلقا لكل منهم ثلاثة وخلقا آخر لكل منهم اربعة
قال الكاشفى [ مثنى دو دو براى طيران وثلاث سه سه ورباع جهار جهار براى آرايش ] انتهى
روى ان صفنا من الملائكة له ستة اجنحة بجناحين منها يلفون اجسادهم وبآخرين منها يطيرون فيما امروا به من جهته تعالى وجناحان منها مرخيان على وجوههم حياء من الله تعالى ويفهم من كلام بعضهم ان الطيران بكل الاجنحة كما قال عرف تعالى الى العباد بافعاله وندبهم الى الاعتبار بها فمنها ما يعلمونه معاينة من السماء والارض وغيرهما ومنها ما سبيل اثباته الخبر والنقل لا يعلم بالضرورة ولا بدليل العقل فالملائكة منه ولا يتحقق كيفية صورتهم واجنحتهم وانهم كيف يطيرون باجنحتهم الثلاثة والاربعة لكن على الجملة يعلم كمال قدرته وصدق حكمته انتهى
روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه رأى جبريل ليلة المعراج وله ستمائة جناح منها اثنان يبلغان من المشرق الى المغرب ودل هذا وكذا كل ما فيه زيادة على الاربع انه تعالى لم يرد خصوصية الاعداد ونفى ما زاد عليها
وذكر السهيلى ان المراد بالاجنحة فى حق الملائكة صفة ملكية وقوة روحانية وليست كاجنحة الطير ولا ينافى ذلك وصف كل جناح منها بانه يسد ما بين المشرق والمغرب هذا كلامه كما فى انسان العيون
يقول الفقير لا يجوز العدول عن الظاهر مع امكان الحمل على الحقيقة وقد تظاهرت الروايات الدالة على اثبات الاجنحة للملائكة وان لم تكن كاجنحة الطير من حيث ان الله تعالى باين بين صور المخلوقات والملائكة وان كانوا روحانيين لكن لهم اجسام لطيفة فلا يمنع ان يكون للاجسام اجنحة جسمانية كما لا يمنع ان يكون للارواح اجنخة روحانية نورانية كما ثبت لجعفر الطيار رضى الله عنه
والحاصل ان المناسب لحال العلويين ان يكونوا طائرين كما ان المناسب لحال السفليين ان يكونوا سائرين ومن امعن النظر فى خلق الارض والجو عرف ذلك ويؤيد ما قلنا ان البراق وان كان فى صورة البغل فى الجملة لكنه لما كان علويا اثبت له الجناح نعم ان الاجنحة من قبيل الاشارة الى القوة الملكية والاشارة لا تنافى العبارة هذا
وفى كشف الاسرار وردت فى عجائب صور الملائكة اخبار يقال ان حملة العرش لهم قرون وهم فى صورة الاوعال : يعنى [ بزان كوهى ] وفى الخبر

(11/237)


« ان فى السماء ملائكة نصفهم ثلج ونصفهم نار تسبيحهم يا من يؤلف بين الثلج والنار الف بين قلوب المؤمنين » وقيل لم يجتمع الله فى الارض لشئ من خلقه بين الاجنحة والقرون والخراطيم والقوائم الا لا ضعف خلقه وهو البعوض وفيه ايضا [ هرجندكه فرشتكان مقربان دركاه عزت اند وطاوسان حضرت با اين مرتبت خاكيان مؤمنان برايشان شرف دارند ] كما قال عليه السلام « المؤمن اكرم على الله من الملائكة الذين عنده » فالملائكة ان طاروا من الارض الى السماء فى اسرع وقت فاهل الشهود طاروا الى ما فوق السماء فى لمحة بصر فلهم اجنحة من العقول السليمة والالباب الصافية والتوجهات المسرعة والجذبات المعجلة اجتهدوا وسلكوا ثم صاروا ثم طاروا طيرانا عجز عنده الملائكة وحاروا واليه الاشارة بقوله عليه السلام « لى مع الله وقت لا يستعنى فيه ملك مقرب ولا نبى مرسل »
بربساط بوريا سير دو عالم ميكنيم ... باوجود نى سوارى برق جولانيم ما
جون باوج حق بريم عاجز شوداز ماملك ... كرد باد لا مكانى طرفه سيرانيم ما
{ يزيد } الله تعالى : يعنى [ زياده ميكند ومى افزايد ] فان زاد مشترك بين اللازم والمتعدى وليس فى اللغة ازاد { فى الخلق } فى أى خلق كان من الملائكة وغيرهم فاللام للجنس والخلق بمعنى المخلوق { ما يشاء } كل ما يشاء ان يزيده بموجب مشيئته ومقتضى حكمته من الامور التى لا يحيط بها الوصف فليس تفاوت احوال الملائكة فى عدد الاجنحة وكذا تفاوت احوال غيرهم فى بعض الامور تستدعيه ذواتهم بل ذلك من احكام المشيئة ومتقضيات الحكم وذلك لان اختلاف الاصناف بالخواص والفصول بالانواع ان كان لذواتهم المشتركة لزم تنافى لوازم الامور المتفقة وهو محال
والآية متناولة لزيادات الصور والمعانى
فمن الاولى حسن الصورة خصوصا الوجه قيل ما بعت الله نبيا الاحسن الشكل وكان نبينا عليه السلام املح : يعنى [ بر يوسف عليه السلام مليحتر وشيرين تر بود ] فمن قال كان اسود يقتل كما فى هدية المهديين الا ان لا يريد التقبيح بل الوصف بالسمرة والاسود العرب كما ان الاحمر العجم كما قال عليه السلام « بعثت الى الاسود والاحمر »
آن سيه جرده كه شير ينئ عالم با اوست ...

(11/238)


ومنها ملاحة العينين واعتدال الصورة وسهولة اللسان وطلاقته وقوة البطش والشعر الحسن والصوت الحسن وكان نبينا عليه السلام طيب النغمة وفى الحديث « لله اشد اذنا للرجل الحسن الصوت بالقرآن من صاحب قينة الى قينته » اى من استماع مالك جارية مغنية اريد هنا المغنية وفى الحديث « زينوا القرآن باصواتكم » اى اظهروا زينته بحسن اصواتكم والا فجل كلام الخالق ان يزينه صوت مخلوق ورخص تحسين الصوت والتطريب ما لم يتغير المعنى بزيادة او نقصان فى الحروف
جنانكه ميرود ازجاى دل بوقت سماع ... هم از سماع بمأواى خود كند برواز
خدايرا حدئ عاشقانة سركن ... كه بى حدى نشود قطع راه دور ودراز
ومنها حسن الحظ وفى الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم « الخط الحسن يزيد الحق وضحا » وهو بالفتح الضوء والبياض وفى الحديث « عليكم بحسن الخط فانه من مفاتيح الرزق »
يقول الفقير حسن الخط مما يرغب فيه الناس فى جميع البلاد فاستكمال صنعة الكتابة من الكمالات البشرية وان كانت من الزيادات لا من المقاصد وقد يتعيش بعض الفقراء بمنافع قلمه ولا يحتاج الى الغير فيكون المنة لله على كل حال
برو بحسن خطت دل فراخ كن يارا ... زتنكدستى مبر شكوه اهل دنيارا
ومن الثانية كمال العقل وجزالة الرأى وجراءة القلب وسماحة النفس وغير ذلك من الزيادات المحمودة [ در حقايق سلمى آورده كه تواضع در اشراف وصخا در اغنيا وتعفف در فقرا وصدق در مؤمنان وشوق در محبان
امام قشيرى فرموده كه علوهمت است همنت عالى كسى را دهدكه خود خواهد ] فالمراد بعلوا الهمة التعلق بالمولى لا بالدنيا والعقبى
همانى جون تو عالى قدر حرص استخوان حيفست ... دريغا ساية همت كه برنا اهل افكندى
ويقال يزيد فى الجمال والكمال والدمامة
يقول الفقير هذا المعنى لا يناسب مقام الامتنان كما لا يخفى على اهل الاذعان { ان الله على كل شئ قدير } بليغ القدرة على كل شئ ممكن وهو تعليل بطريق التحقيق للحكم المذكور فان شمول قدرته تعالى لجميع الاشياء مما يوجب قدرته على ان يزيد كل ما يشاؤه ايجابا بينا فقد ابان سبحانه ان قدرته شاملة لكل شئ ومن الاشياء الانقاذ من الشهوات والاخراج من الغفلات والادخال فى دائرة العلم والشهود الذى هو من باب الزيادات فمن استعجز القدرة الالهية فقد كفر ألا ترى الى حال ابراهيم بن ادهم حيث تجلى الله له بجمال اللطف الصورى اولا واعطاه الجاه السلطنة ثم من له باللطف المعنوى ثانيا حيث انقذه من حبس العلاقات وخلصه من ايدى الكدورات وشرفه بالوصول الى عالم الاطلاق والدخول فى حرم الوفاق حكى انه كان سبب خروج ابراهيم بن ادهم عن اهله وماله وجاهه ورياسته وكان من ابناء الملوك انه خرج يوما يصطاد فاثار ثعلبا ثم ارنبا فبينما هو فى طلبه اذ هتف به هاتف ألهذا خلقت ام بهذا امرت ثم هتف به من قربوس سرجه والله ما لهذا خلقت ولا بهذا امرت فنزل عن مركوبه وصادف راعيا لابيه فاخذ جبة الراعى من صوف فلبسها واعطاه فرسه وما معه ثم دخل البادية وكان من شأنه ما كان وحكى ان الشيخ ابا الفوارس شاهين بن شجاع الكرمانى رضى الله عنه خرج للصيد وهو ملك كرمان فامعن فى الطلب حتى وقع فى برية مقفرة وحده فاذا هو بشاب راكب على سبع وحوله سبع فلما رأته ابتدرت نحوه فزجرها الشاب عنه فلما دنا اليه السلام عليه وقال له يا شاه ما هذه الغفلة عن الله اشتغلت بدنياك عن آخرتك وبلذتك وهواك عن خدمة مولاك انما اعطاك الله الدنيا لتستعين بها على خدمته فجعلتها ذريعة الى الاشتغال عنه فبينما الشاب يحدثه اذ خرجت عجوز بيدها شربة ماء فناولتها الشاب فشرب ودفع باقيها الى الشاه فشربه فقال ما شربت شيأ الذ منه ولا ابرد ولا اعذب ثم غابت العجوز فقال الشاب هذه الدنيا وكلها الله الى خدمتى الدنيا قال لها يا دنيا من خدمنى فاخدميه ومن خدمك فاستخدميه فلما رأى ذلك تاب وكان منه ما كان فهذان الملكان بالكسر صارا ملكين بالفتح بقدرة الله تعالى فجاء فى حقهما يزيد فى الخلق ما يشاء والله الموفق

(11/239)


ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز الحكيم (2)

{ ما يفتح الله للناس من رحمة } ما شرطية فى محل النصب ببفتح . والفتح فى الاصل ازالة الاغلاق وفى العرف الظفر ولما كان سببا للارسال والاطلاق استعير له بقرينة لا مرسل له مكان الفاتح
وفى الارشاد والابهام اى أى شئ يفتح الله من خزائن رحمته أية رحمة كانت من نعمة وصحة وعلم وحكمة الى غير ذلك : وبالفارسية [ آنكه بكشايد خداى براى مردمان وفرستد بديشان از بخشايش خويش جون نعمت وعافيت وصحت ] { فلا ممسك لها } اى لا احد من المخلوقات يقدر على امساكها وحبسها فانه لا مانع لما اعطاه
قيل الفتح ضربان فتح الهى وهو النصرة بالوصول الى العلوم والهدايات التى هى ذريعة الى الثواب والمقامات المحمودة فذلك قوله { انا فتحتا لك فتحا مبينا } وقوله { فعسى الله ان يأتى بالفتح او امر من عنده } والثانى فتح دنيوى وهو النصرة فى الوصول الى اللذات البدنية وذلك قوله { ما يفتح الله للناس من رحمة } وقوله { لفتحنا عليهم بركات من السماء والارض } { وما يمسك } اى لا احد من الموجودات يقدر على ارساله واعطائه فانه لا معطى لما منعه . واختلاف الضمير بالتذكير والتأنيث لما ان مرجع الاول مفسر بالرحمة ومرجع الثانى مطلق فى كل ما يمسكه من رحمته وغضبه . ففى التفسير الاول وتقييده بالرحمة ايذان بان رحمته سبقت غضبه اى فى التعلق والا فهما صفتان لله تعالى لا تسبق احداهما الاخرى فى ذاتهما { من بعده } على تقدير المضاف اى من بعد امساكه ومنعه كقوله { فمن يهديه من بعد الله } اى من بعد هداية الله { وهو العزيز } الغالب على كل ما يشاء من الامور التى من جملتها الفتح والامساك فلا احد ينازعه { الحكيم } الذى يفعل ما يشاء حسبما تقتضيه الحكمة والمصلحة
وعن المغيرة بن شعبة رضى الله عنه كان النبى عليه السلام يقول فى دبر الصلاة « لا اله الا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير اللهم لا مانع لام اعطيت ولا معطى لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد » وهو بالفتح الحظ والاقبال فى الدنيا اى لا ينفع الفتى المحظوظ حظه منك اى بدل طاعتك وانما ينفع العمل والطاعة
وعن معاذ رضى الله عنه مرفوعا ( لا تزال يد الله مبسوطة على هذه الامة ما لم يرفق خيارهم بشرارهم ويعظم برهم فاجرهم ويعن قراؤهم امراءهم على معصية الله فاذا فعلوا نزع الله يده عنهم )
صاحب كشف الاسرار [ كويد ارباب فهم بدانندكه اين آيت درباب فتوح مؤمنان وارباب عرفانست وفتوح آنرا كويند كه ناجسته وناخواسته آيد وآن دوقسمت يكى مواهب صورية جون رزق نامكتسب وديكر مطالب معنوية وآن علم لدنيست ن آموخته ]

(11/240)


دست لطفش منبع علم وحكم ... بى قلم برصفحة دل زد رقم
علم اهل دل نه از مكتب بود ... بلكه از تلقين خاص رب بود
فعلى العاقل ان يجتهد حتى يأتى رزقه الصورى والمعنوى بلا جهد ومشقة وتعب روى عن الشيخ ابى يعقوب البصرى رضى الله عنه انه قال جعت مرة فى الحرم عشرة ايام فوجدت ضعفا فحدثتنى نفسى ان اخرج الى الوادى لعلى اجد شيأ يسكن به ضعفى فخرجت فوجدت سلجمة مطروحة فاخذتها فاذا برجل جاء فجلس بين يدى ووضع قمطرة وقال هذه الك فقلت كيف خصصتنى بها فقال اعلم انا كما فى البحر منذ عشرة ايام فاشرفت السفينة على الغرق فنذر كل واحد منا نذرا ان خلصنا الله ان يتصدق بشئ ونذرت انا ان خلصنى الله ان اتصدق بهذه على اول من يقع عليه بصرى من المجاورين وانت اول من لقيته قلت افتحها ففتحها فاذا فيها كعك ممصر ولوز مقشر وسكر كعاب فقبضت قبضة من ذا وقبضة من ذا وقلت رد الباقى الى صبيانك هدية متى اليهم وقد اليهم وقد قبلتها ثم قلت فى نفسى رزقك يسير اليك منذ عشرة
صائب فريب نعمت الوان نمى خوريم ... روزى خود زخوان كرم ميخوريم ما
وقال
كشاد عقدة روزى بدست تقديراست ... مكن ز رزق شكايت ازين وآن زنهار
اللهم افتح لنا خير الباب وارزقنا مما رزقت اولى الالباب انك مفتح الابواب

(11/241)


يا أيها الناس اذكروا نعمة الله عليكم هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض لا إله إلا هو فأنى تؤفكون (3)

{ يا ايها الناس } عامة فاللام للجنس او يا اهل مكة خاصة فاللام للعهد { اذكروا نعمت الله عليكم } نعمة رسمت بالتاء فى احد عشر موضعا من القرآن ووقف عليها بالهاء ابن كثير وابو كثير وابو عمرو والكسائى ويعقوب اى انعامه عليكم ان جعلت النعمة مصدرا وكائنة عليكم ان جعلت اسما اى راعوها واحفظوها بمعرفة حقها والاعتراف بها وتخصيص العبادة والطاعة بمعطيها سواء كانت نعمة خارجة كالمال والجاه او نعمة بدنية كالصحة والقوة او نعمة نفسية كالعقل والفطنة ولما كان ذكر النعمة مؤديا الى ذكر المنعم قال بطريق الاستفهام الانكارى { هل من خالق غير الله } اى هل خالق مغاير له تعالى موجود اى لا خالق سواه على ان خالق مبتدأ محذوف الخبر زيدت عليه من تأكيدا للعموم وغير الله نعت له باعتبار محله كما انه نعت له فى قراءة الجر باعتبار لفظه
قال فى الاسئلة المفحمة اى حجة فيها على المعتزلة الجواب انه تعالى اخبر بان لا خالق غيره وهم يقولون نحن نخلق افعالنا وقوله من صلة وذلك يقتضى غاية النفى والانتفاء { يرزقكم من السماء والارض } اى المطر من السماء والنبات من الارض وهو كلام مبتدأ لا محل له من الاعراب ولا مساغ لكونه صفة اخرى لخالق لان معناه نفى وجود خالق موصوف بوصفى المغايرة والرازقية معا من غير خالق مغاير له تعالى من غير تعرض لنفى وجوده رأسا مع انه المراد حتما وفائدة هذا التعريف انه اذا عرف انه لا رازق غيره لم يعلق قلبه باحد فى طلب شئ ولا يتلل للانفاق لمخلوق وكما لا يرى رزقه من مخلوق لا يراه من نفسه ايضا فيتخلص من ظلمات تدبيره واحتياله وتوهم شئ من امثاله واشكاله ويستريح بشهود تقديره
قال شيخى وسندى روح الله روحه فى بعض تعليقاته يا مهموما بنفسه كنت من كنت لو القيتها الينا واسقطت تدبيرها وتركت تدبيرك لها واكتفيت بتدبيرنا لها من غير منازعة فى تدبيرنا لها لاسترحت جعلنا الله واياكم هكذا بفضله آمين { لا اله الا هو } واذا تبين تفرده تعالى بالالوهية والخالقية والرازقية { فأنى } فمن أى وجه { تؤفكون } تصرفون عن التوحيد الى الشرك وعن عبادته الى عبادة الاوثان فالفاء لترتيب انكار عدولهم عن الحق الى الباطل على ما قبلها

(11/242)


وإن يكذبوك فقد كذبت رسل من قبلك وإلى الله ترجع الأمور (4)

{ وان يكذبوك } اى وان استمر المشركون على ان يكذبوك يا محمد فيما بلغت اليهم فلا تحزن واصبر { فقد كذبت رسل } اولوا شأن خطير وذووا عدد كثير { من قبلك } فصبروا وظفروا { والى الله } لا الى غيره { ترجع الامور } من الرجع وهو الرد اى ترد اليه عواقبها فيجازى كل صابر على صبره وكل مكذب على تكذيبه
وفى التأويلات النجمية يشير الى تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم واولياء امته وتسهيل الصبر على الاذية اذا علم ان الانبياء عليهم السلام استقبلهم مثل ما استقبله وانهم لما صبروا لله كفاهم علم انه يكفيه بسلوك سبيلهم والاقتداء بهم وليعلم ارباب القلوب ان حالهم مع الاجانب من هذه الطريقة كاحوال الانبياء مع السفهاء من اممهم وانهم لا يقبلون منهم الا يقبلون منهم الا القليل من اهل الارادة وقد كان اهل الحقائق ابدا منهم فى مقاساة الاذية ولا يتخلصون الا بستر حالهم عنهم والعوام اقرب الى هذه الطريقة من القراء المتقشفين والعلماء الذين همم لهذه الاصول منكرون واقرار المقرين وانكار المنكرين ليس يرجع اليهم بل يرجع الى تقدير عليم حكيم يعلم المبدأ والمعاد ويدبر على وفق ارادته الاحوال
فعلى العاقل ان يختار طريق العشق والاقرار وان كان فيه الاذى والملامة ويجتنب عن طريق النفى والانكار وان كان فيه الراحة والسلامة فان ذرة من العشق خير للعاشقين من كثير من اعمال العابدين : قال الحافظ
هرجند غرق بحر كناهم زصد جهت كر آشناى عشق شوم غرق رحمتم
وطريق العشق هو التوحيد واثبات الهوية بالتفريد كما قال { لا اله الا هو } وهو كناية عن موجود غائب والغائب عن الحواس الموجود فى الازل هو الله تعالى وهو ذكر كل من المبتدى والمنتهى اما المبتدى ففى حقه غيبه لانه من اهل الحجاب واما المنتهى ففى حقه حضور لانه من اهل الكشف فلا يشاهد الا الهوية المطلقة وهو مركب فى الحس من حرفين وهما ( هو ) وفى العقل من حرفين ايضا وهما ( اى ) فكانت حروفه فى الحس والعقل اربعة لتدل على الاحاطة التربيعية التى هى احاطة هو الاول والآخر والظاهر والباطن ولما كانت الاولية والآخرية اعتبارين عقليين دل عليهما بالالف والياء ولما كانت الظاهرية والباطنية اعتبارين حسيين دل عليهما بالهاء والواو فالف هو غيب فى هائه وياؤه غيب فى واوه
واعلم ان الذكر خير من الجهاد فان الثواب الغزو والشهادة فى سبيل الله حصول الجنة والذاكر جليس الحق تعالى كما قال ( انا جليس من ذكرنى ) وشهود الحق افضل من حصول الجنة ولذلك كانت الرؤية بعد حصول الجنة وشرط الذكر الحضور بالقلب والروح وجميع القوى
حضور قلب ببايدكه حق شود مشهود ... وكرنه ذكر مجرد نمى دهد يك سود

(11/243)


يا أيها الناس إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور (5)

{ يا ايها الناس ان وعد الله } بالبعث والجزاء { حق } ثابت لا محالة لا خلف فيه
وفى التأويلات النجمية يشير الى ان كل ما وعد به الله من الثواب والعقاب والدرجات فى الجنة والدركات فى النار والقربات فى اعلى عليين وفى مقعد صدق عند مليك مقتدر والبعد الى اسفل سافلين حق فاذا علم ذلك استعد للموت قبل نزول الموت ولم يهتم للرزق ولم يتهم الرب فى كفاية الشغل ونشط فى استكثار الطاعة ورضى بالمقسوم { فلا يغرنكم الحياة الدنيا } بان يذهلكم التمتع بها عن طلب الآخرة والسعى لها وتقطعكم زينتها وشهواتها عن الرياضيات والمجاهدات وترك الاوطان ومفارقة الاخوان فى طريق الطلب والمراد نهيهم عن الاغترار بها وان توجه النهى صورة اليها
وفى بعض الآثار ( يا ابن آدم لا يغرنك طول المهلة فانما يعجل بالاخذ من يخاف الفوت )
وعن العلاء بن زياد فقالت انا الدنيا فى منامى قبيحة عمشاء ضعيفة عليها من كل زينة فقلت من انت اعوذ بالله منك فقالت انا الدنيا فان سرك ان يعيذك الله منى فابغض منى فابغض الدراهم يعنى لا تمسكها عن النفقة فى موضع الحق وفى الحديث « الدنيا غنيمة الاكياس وغفلة الجهال » وذلك لان الاكياس يزرعون فى مزرعة الدنيا انواع الطاعات فيغتنمون بها يوم الحصاد بخلاف من جهل ان الدنيا مزرعة انواع الطاعات فيغتنمون بها يوم الحصاد بخلاف من جهل الدنيا مزرعة الآخرة
نكه دار فرصت كه عالم دميست ... دمى ييش دانا به از عالميست
دل اندر دلارام دنيا مبند ... كه ننشست باكس كه دل برنكند
{ ولا يغرنكم بالله } وكرمه وعفوه وسعة رحمته { الغرور } فعول صيغة مبالغة كالشكور والصبور وسمى به الشيطان لانه لا نهاية لغروره : بالفارسية [ فريفتن ]
وفى المفردات الغرور كل ما يغر الانسان من مال وجاه وشهوة وشيطان وقد فسر بالشيطان اذ هو اخبث الغارين وبالدنيا لما قيل الدنيا تغر وتضر وتمر . والمعنى ولا يغرنكم بالله الشيطان المبالغ فى الغرور با يمنيكم المغفرة مع الاصرار على المعاصى قائلا اعملوا ما شئتم ان الله غفور يغفر الذنوب جميعا وانه غنى عن عبادتكم وتعذيبكم فان ذلك وان امكن لكن تناول الذنوب بهذا التوقع من قبيل تناول السم اعتمادا على دفع الطبيعة فالله تعالى وان كان اكرم الاكرمين مع اهل الكرم لكنه شديد العقاب مع اهل العذاب [ بزركان فرمود اندكه يكى مصائد ابليس تسويفست در توبة يعنى توبة بنده رادر تأخير افكند كه فرصت باقيست عشرت نقد از دست مده ]
امشب همه شب يار ومى وشاهد باش ... جون روز شود توبة كن وزاهد باش
[ عاقل بايدكه بدين فريب ازراه نرود وازنكتة « الفرصة تمر مر السحاب » غافل نكردد ]
عذر بافردا فكندى عمر فردار راكه ديد ...

(11/244)


إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير (6)

{ ان الشيطان عدو } عداوة قديمة بما فعل بابيكم ما فعل لا تكاد تزول وتقديم لكم للاهتمام به { فاتخذوه عدوا } بمخالفتكم له فى عقائدكم وافعالكم وكونكم على حذر منه فى جميع احوالكم [ از بزركى برسيدندكه جكونه شيطانرا دشمان كيريم كفت از بى آرزو مرويد ومتابع هواى نفس مشويد وخرجه كنيد بايدكه موافق شرع ومخالف طبع بود ] فلا تكفى العداوة باللسان فقط بل يجب ان تكون بالقلب والجوارح جميعا ولا يقوى المرء على عداوته الا بملازمة الذكر ودوام الاستعانة بالرب فان من هجم عليه كلاب الراعى يشكل عليه دفعها الا ان ينادى الراعى فانه يطردها بكلمة منه { ان يدعو } الشيطان { حزبه } جماعته واتباعه
قال فى التأويلات حزبه المعرضون عن الله المشتغلون بغير الله { ليكونوا } اى حزبه { من اصحاب السعير } : يعنى [ جزاين نيست كه مى خواند شيطان باتباع هوى وميل بدنيا كروه خودرا يعنى بى روان وفرمان بردار نرا تاباشند در آخرت باآواز ياران آتش يعنى ملازمان دوزخ ]
قال فى الارشاد تقرير لعداوته وتحذير من طاعته بالتنبيه على ان غرضه فى دعوة شيعته الى اتباع الهوى والركون الى ملاذ الدنيا ليس تحصيل مطالبهم ومنافعهم الدنيوية كما هو مقصد المتحابين فى الدنيا عند سعى بعضهم فى حاجة بعض بل هو توريطهم والقاؤهم فى العذاب المخلد من حيث لا يحتسبون

(11/245)


الذين كفروا لهم عذاب شديد والذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر كبير (7)

{ الذين كفروا } اى ثبتوا على الكفر بما وجب به الايمان واصروا عليه { لهم } بسبب كفرهم واجابتهم لدعوة الشيطان { عذاب شديد } معجل ومؤجل . فمعجلة تفرقة وانسداد بصائرهم وخساسة همتهم حتى انهم يرضون بان يكون معبودهم الاصنام والهوى والدنيا والشيطان . ومؤجلة عذاب الآخرة وهو مما لا تخفى شدته وصعوبته { والذين آمنوا } ثبتوا على الايمان واليقين { وعملوا الصالحات } اى الطاعات الخالصة لله تحصيلا لزيادة نور الايمان { لهم } بسبب ايمانهم وعملهم الصالح الذى من جملته عداوة الشيطان { مغفرة } عظيمة وهى فى المعجل ستر ذنوبهم ولولا ذلك لافتضحوا وفى المؤجل محوها من ديوانهم ولولا ذلك لهلكوا { واجر كبير } لا غاية له وهو اليوم سهولة العبادة ودوام المعرفة وما يناله فى قلبه من زوائد اليقين وخصائص الاحوال وانواع المواهب وفى الآخرة تحقيق المسؤل ونيل ما فوق المأمول
قيل مثل الصالحين ومازينهم الله به دون غيرهم مثل جند قال لهم الملك تزينوا للعرض على غدا فمن كانت زينته احسن كانت منزلته عندى ارفع ثم يرسل الملك فى السر بزينة عنده ليس عند الجند مثلها الى خواص مملكته واهل محبته فاذا تزينوا بزينة الملك فخروا على سائر الجند عند العرض على الملك فالله تعالى وفقهم للاعمال الصالحة وزينهم بالطاعات الخالصة وحلاهم بالتوجهات الصافية بتوفيقه الخاص قصدا الى الاصطفاء والاختصاص فميزهم بها فى الدنيا عن سائرهم وباجورهم العظيمة فى الآخرة لمفاخرهم فليحمد الله كثيرا من استخدامه الله واستعمله فى طريق طاعته وعبادته فان طريق الخدمة قل من يسلكه خصوصا فى هذا الزمان وسبيل العشق ندر من يشرع فيها من الاخوان : قال الحافظ
نشان اهل هدا عاشقيست باخود دار ... كه در مشايخ شهر اين نشان نمى بينم
ولله عباد لهم قلوب الهموم عمارتها والاحزان اوطانها والعشق والمحبة قصورها وبروجها
احبك حبين حب الهوى ... وحبا لانك اهل لذاكا
فاما الذى هو حب الهوى ... فذكر شغلت به عن سواكا
واما الذى انت اهل له ... فكشفك للحجب حتى اراكا
ولا حمد فى ذا ولا ذاك لى ... ولكن لك الحمد فى ذا وذاكا
نسأل الله سبحانه ان يعمر قلوبنا بانواع العمارات ويزين بيوت بواطننا باصناف الارادات ويحشرنا مع خواص عباده الذين لهم اجر كبير وثواب جزيل ويشرفنا بمطالعة انوار وجهه الجميل انه المرجو فى الاول والآخر والباطن والظاهر

(11/246)


أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء فلا تذهب نفسك عليهم حسرات إن الله عليم بما يصنعون (8)

{ أفمن زين له } [ التزيين : آراستن ] { سوء عمله } اى قبيح عمله بالفارسية [ زشت وبد ] { فرآه حسنا } فظنه جميلا لان رأى اذا عدى الى مفعولين اقتضى معن الظن والعلم والمعنى ابعد تباين عاقبتى الفريقين يكوم من زين له الكفر من جهة الشيطان فانهمك فيه كمن استقبحه واجتنبه واختار الايمان والعمل الصالح اى لا يكون فحذف ما حذف دلالة ما سبق عليه { فان الله يضل } الى آخره تقرير له وتحقيق للحق ببيان ان الكل بمشيئة الله تعالى اى فانه تعالى يضل { من يشاء } ان يضله لاستحسانه الضلال وصرف اختياره اليه فيرده الى اسفل سافلين { ويهدى من يشاء } ان يهديه لصرف اختياره الى الهدى فيرفعه الى اعلى عليين { فلا تذهب نفسك عليهم حسرات } الفاء للسببية فان ما سبق للنهى عن التحسر . والذهاب المضى وذهاب النفس كناية عن الموت . والحسرة شدة الحزن على ما فات والندم عليه كأنه انحسر عنه الجهل الذى حمله على ما ارتكبه : وقوله حسرات مفعول له والجمع للدلالة على تضاعف اغمامه عليه السلام على احوالهم او على كثرة قبائح اعمالهم الموجبة للتأسف والتحسر وعليهم صلة تذهب كما يقال هلك عليه حبا ومات عليه حزنا ولا يجوز ان يتعلق بحسرات لان المصدر لا تتقدم عليه صلته والمعنى اذا عرفت ان الكل بمشيئة الله فلا تهلك نفسك للحسرات على غبهم واصرارهم والغموم على تكذيبهم وانكارهم : وبالفارسية [ بس بايدكه نرود جان تو بعنى هلاك نشود براى حسر تهاى متوالى كه مى خورى وتأسفهاى كونا كون كه دارى برفعلهاى ناخوش ايشان كه هريك مقتضئ حسرت است ] فقد بذلت لهم النصح وخرجت عن عهدة التبليغ فلا مشقة لك من بعد وانما المشقة عن عين الله فلا يوجد احد يرحمه { ان الله عليم } بليغ العلم { بما يصنعون } يفعلون من القبائح فيجازيهم عليها جزاء قبيحا فانهم وان استحسنوا القبائح لقصور نظرهم فالقبيح لا يكون حسنا ابدا
واعلم ان الكافر يتوهم ان عمله حسن كما قال تعالى { وهم يحسبون انهم يحسنون صنعا } ثم الراغب فى الدنيا يجمع حلالها وحرامها ولا يتفكروا فى زوالها ولا فى ارتحاله عنها قبل كمالها فقد زين له سوء عمله
شد قواى جملة اجراى جسمت درفنا ... باهزاران آرزو وست وكريبانى هنوز
ثم الذى يتوهم انه اذا وجد نجاته ودرجاته فى الجنة فقد استراح واكتفى فقد زين له سوء عمله حيث تغافل عن حلاوة مناجاة ربه فانها فوق نعيم الجنان
ماييم وهمين عاشقى ولذت ديدار ... زاهد تو برو در طلب خلد برين باش
فمن زين له الدنيا بشهواتها ليس كمن زين له العقبى بدرجاتها ومن زين له نعيم العقبى ليس كمن زين له جمال المولى اى لا يستوى هذا وذاك فاصرف الى الاشهى هواك والله تعالى هو مبدأ كل حسن فمن وصل اليه حسن بحسن ذاته وصفاته وافعاله واعماله ومن وجده وجد كل شئ ومن لم يجده لم يجد شيأ وان وجد الدنيا كلها [ نقلست كه ابراهيم بن ادهم قدس سره روزى برلب دجلة نشسته بود خرقة مى دوخت سوزنش بدريا افتدي كى ازو برسيد كه ملك جنان از دست دادى جه يافتى اشارت بدريا كرد كه سوزنم بدهيد قرب هزار ما هى برآمد هر يكى سوزن زرين برلب كرفته كفت سوزن من خواهم ماهيكه ضعيف برآمد وسوزن او آورد بستد وكفت كمترين جيزى كه يا فتم اين است باقى تو ندانى ] فهذا من ثمرات الهداية الخاصة ونتائج النيات الخالصة والاعمال الصالحة وحسن الحال مع الله تعالى ولا يحصل الا لمن اخذ الامر من طريقه فاصلح الطبيعة فى مرتبة الشريعة والنفس فى مرتبة الطريقة وحسن ما حسنه الشرع والعقل السليم وقبح ما قبحه كل منهما فاما اصحاب الاهواء والبدع فقد زين لهم سوء اعمالهم ويناتهم من جهة الشيطان فضلوا طريق الهدى والسنة نسأل الله سبحانه ان يجعلنا على صراطه المستقيم الذى سلكه اهل الدين القويم ويهدينا الى الاعمال الحسنة ويحلينا بالاخلاق المستحسنة

(11/247)


والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا فسقناه إلى بلد ميت فأحيينا به الأرض بعد موتها كذلك النشور (9)

{ والله } وحده وهو مبتدأ خبره قوله { الذى ارسل الرياح } الارسال فى القرآن على معنيين . الاول بمعنى [ فرستادن ] كما فى قوله تعالى { انا ارسلناك } والثانى بمعنى [ فرو كشادن ] كما فى قوله تعالى { ارسل الرياح }
وفى المفردات الارسال يقال فى الانسان وفى الاشياء المحبوبة والمكروهة وقد يكون ذلك بالتخلية وترك المنع ونحو { انا ارسلنا الشياطين على الكافرين } والارسال يقابل الامساك . والرياح جمع ريح بمعنى الهواء المتحرك اصله روح ولذا يجمع على ارواح واما ارياح قياسا على رياح فخطأ
قال صاحب كشف الاسرار [ الله است كه فرو كشايد بتقدير وتدبير خويش بهنكام دربايست وباندازة دربايست بادهاى مختلف ازمخارج مختلف ] اراد بها الجنوب والشمال مهبها من مطلع سهيل الى مطلع الثريا واما الشمال بالفتح ويكسر فمهبها بين مطلع الشمس وبنات النعش او من مطلع الشمس الى مسقط النسر الطائر ولا تكاد تهب ليلا واما الصبا فمهبها من جانب المشرق اذا استوى الليل والنهار سميت بها لانها تصبو اليها النفوس اى تميل ويقال لها القبول ايضا بالفتح لانها تقابل الدبور او لانها تقابل باب الكعبة او لان النفس تقبلها { فتثير سحابا } تهيجه وتنشره بين السماء والارض لا نزال المطر فانه مزيد ثار الغبار اذا هاج وانتشر ساطعا
قال فى تاج المصادر [ الاثارة : برانكيختن كرد وشورانيدن زمين وميغ آوردن باد ] والسحاب جسم يملأه الله ماء كما شاء وقيل بخار يرتفع منا البحار والارض فيصيب الجبال فيستمسك ويناله البرد فيصير ماء وينزل واصل السحب الجر كسحب الذيل والانسان على الوجه ومنه السحاب لجره الماء وصيغة المضارع مع مضى ارسل وسقنا لحكاية الحال الماضية استحضارا لتلك الصورة البديعة الدالة على كمال القدرة والحكمة ولان المراد بيان احداثها لتلك الخاصية ولذلك اسند اليها { فسقناه الى بلد ميت } السوق بالفارسية [ راندن ] والبلد المكان المحدود المتأثر باجتماع قطانه واقامتهم فيه ولاعتبار الاثر قيل بجلده بلد اى اثر والبلد الميت هو الذى لا نبت فيه قد اغبر من القحط
قال الراغب الموت يقال بازاء القوة النامية الموجودة فى النبات ومقتضى الظاهر فساقه اى ساق الله ذلك السحاب واجراه الى الارض التى تحتاج الى الماء وقال فسقناه الى بلد التفاتا من الغيبة الى التكلم دلالة على زيادة اختصاصه به تعالى وان الكل منه والوسائط اسباب وقال الى بلد ميت بالتنكير قصدا به الى بعض البلاد الميتة وهى بلاد الذين تبعدوا عن مظان الماء { فاحيينا } الفا آت الثلاث للسببية فان ما قبل كل واحدة منها سبب لمدخولها غير ان الاولى دخلت على السبب بخلاف الاخيرتين فانهما دخلتا على المسبب { به } اى بالمطر النازل من السحاب المدلول عليه بالسحاب فان بينهما تلازما فى الذهن كما فى الخارج او بالسحاب فانه سبب السبب { الارض } اى صيرناها خضراء بالنبات { بعد موتها } اى يبسها { كذلك النشور } الكاف فى حيز الرفع على الخبرية اى مثل ذلك الاحياء الذى تشاهدونه احياء الموتى واخراجهم من القبور يوم الحشر فى صحة المقدورية وسهولة التأنى من غير تفاوت بينهما اصلا سوى الالف فى الاول دون الثانى فالآية احتجاج على الكفرة فى انكارهم البعث حيث دلهم على مثال يعاينونه
وعن ابى رزين العقيلى قال قلت يا رسول الله كيف يحيى الله الموتى قال

(11/248)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية