صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : تفسير حقي
المؤلف : حقي
مصدر الكتاب : موقع التفاسير
http://www.altafsir.com
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

وقيل هو القدر من النحاس خاصة
وفى الآية اشارة الى نعمة الوهية وخالقية ورازقية عليهم بدلوها بالكفر والانكار والجحود واحلوا ارواحهم وقلوبهم ونفوسهم وابدانهم جار الهلاك وانزلوا ابادانهم جهنم يصلونها وبئس القرار وهى غاية البعد عن الحضرة والحرمان عن الجنان وانزاللوا نفوسهم الدركات وقلوبهم العمى والصمم والجهل وارواحهم العلوية اسفل سافلين الطبيعة بتبديل نعم الاخلاق الملكية الحميدة بالاخلاق الشيطانية السبعية الذميمة وجعلوا لله اندادا من الهوى والدنيا وشهواتها ليضلوا الناس بالاستنباع عن طلب الحق تعالى والسير اليه على اقدام الشريعة والطريقة الموصل الى الحقيقة قل تمتعوا بالشهوات الدنيا ونعيمها فان مصيركم نار جهنم للابدان ونار الحرمان للنفوس ونار الحسرة للقلوب ونار القطيعة للارواح كما فى التأويلات النجمية

(6/336)


قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة وينفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلال (31)

{ قل لعبادى الذى آمنوا } قال بعض الحكماء شرف الله عباده بهذه الياء وهى خير لهم من الدنيا وما فيها لان فيها اضافة الى نفسه والاضافة تدل على العتق لان رجلا لو قال لعبده يا ابن او ولد لا يعتق ولو قال يا ابنى او ولدى يعتق بالاضافة الى نفسه كذلك اذا اضاف العباد الى نفسه فيه دليل ان يعتقهم من النار ولا شرف فوق العبودية : قال الجامى
كسوت خواجكى وخلعت شاهى جه كند ... هركرا غاشية بند كيت بردوشست
وكان سلطان العارفين ابو يزيد البسطامى قدس سره يقول الخلق يفرون من الحساب وانا اطلبه فان الله تعالى لو قال لى اثناء الحساب عبدى لكفانى شرفا والمقول هنا محذوف دل عليه الجواب اى قل لهم اقيموا وانفقوا { يقيموا الصلوة وينفقوا مما رزقناهم } اى يداوموا على ذلك . وبالفارسية [ بكو اى محمد صلى الله عليه وسلم يعنى امركن مربند كان مراكه ايمان آورده اندبرين وجه كه نماز كزاريد ونفقه كنيد تايشان بامر تونماز كزارند ونفقه دهند از آنجه عطاداده يابشان ازامول ] ويجوز ان يكون المقول يقيموا وينفقوا على ان يكونا بمعنى الامر وانما اخرجا عن صورة الخبر للدلالة على التحقيق بمضمونها والمسارعة الى العمل بهما
فان قيل لو كان كذلك لبقى اعرابه بالنون
قلنا يجوز ان يبنى على حذف النون لما كان بمعنى الامر { سرا وعلانية } منتصبان على المصدر من الامر المقدور اى نفقوا انفاق سر وعلانية او على الحال اى ذوى سر وعلانية بمعنى مسرين ومعلنين او على الظرف اى وقتى سر وعلانية
والاحب فى الانفاق اخفاء المتطوع واعلان الواجب وكذا الصلوات والمراد حث المؤمنين على الشكر لنعم الله تعالى بالعبادة البدنية والمالية وترك التمتع بمتاع الدنيا والركون اليها كما هو صنيع الكفرة { من قبل ان يأتى } قال فى الارشاد الظاهر ان من متعلقة لانفقوا { يوم } وهو يوم القيامة { لا بيع فيه } فيبتاع المقصر ما تيلافى تقصيره به وتخصيص البيع بالذكر لاستلزام نفيه نفى الشراء { ولا خلال } ولا مخالة فيشفع له خليل والمراد لمخالة بسبب ميل الطبع ورغبة النفس فلا يخالف قوله تعالى { الاخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو الا المتقين } لان الواقع فيما بينهم المخالة لله ام من قبل ان يأتى يوم القيامة الذى لا انتفاع فيه بمبايعة ولا مخالة وانما ينتفع فيه بالطاعة التى من جملتها اقامة الصلاة والانفاق لوجه الله تعالى وادخار المال وترك انفاقه انما يقع غالبا للتجارات والمهاداة فحيث لا يمكن ذلك فى الآخرة فلا وجه لادخاره الى وقت الموت
وفى الآية اشارة الى الاعمال الباطنة القلبية كالايمان والى الاعمال الظاهرة القابية كاقامة الصلاة والانفاق
قال ابو سعيد الخراسانى قدس سره خزائن الله فى السماء وخزائنه فى الارض القلوب لنه تعالى خلق قلب المؤمن بيت خزائنه ثم ارسل ريحا فهبت فيه فكنسته من الكفر والشرك والنفاق والغش ثم انشأ سحابة فامطرت فيه ثم انبت شجرة فانمرت الرضى والمحبة والشكر والصفوة والاخلاص والطاعة ثم كاب الظاهر بحسب طيب الباطن

(6/337)


وعن مكحول الشامى رحمه الله اذا تصدق المؤمن بصدقة ورضى عنه ربه تقول جهنم يا رب ائذن لى بالسجود شكرا لك فقد اعتقت احدا من امة محمد من عذابى ببركة صدقته لانى استحيى من محمد ان اعذب امته مع ان طاعتك واجبة على : قال المولى الجامى
هرجه دارى جون شكوفه برفشان زيرا كه سنك ... بهر ميوه ميخور دهردم زدست صفله شاخ
والاشارة { قل لعبادى } لا عباد الهوى { الذين آمنوا } بنور العناية وعرفوا قدر نعمة الوهيتى ولم يبدلوها كفرا { يقيموا الصلوة } ليلازموا عتبة العبودية ويديموا العكوف على بساط القربة ويثبتوا فى المناجاة والمكالمة { وينفقوا } على الطالبين المريدين { مما رزقناهم سرا } من اسرار الالوهية { وعلانية } من احكام العبودية فى طريق الربوبية { من قبل ان يأتى يوم } وهو يوم مفارقة الارواح عن الابدان { لا بيع فيه } اى لا يقدر على الانفاق بطريق طلب المعاوضة { ولا خلال } اى ولا بطريق المخالة من غير طلب العوض لان آلة الانفاق خرجت من يده وبطل استعداد دعوة الخلق الى الحق وتربيتهم بالتسليك والتزكية والتهذيب والتأديب كما فى التأويلات النجمية

(6/338)


الله الذي خلق السماوات والأرض وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره وسخر لكم الأنهار (32) وسخر لكم الشمس والقمر دائبين وسخر لكم الليل والنهار (33) وآتاكم من كل ما سألتموه وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار (34)

{ الله } مبتدأ خبره { الذى خلق السموات } وما فيها من الاجرام العلوية { والارض } وما فيها من انواع المخلوقات وقدم السماوات لانها بمنزلة الذكر من الانثى { وانزل من السماء } اى من السحاب فان كل ما علاك سماء او من الفلك فان المطر منه يبتدئ الى السحاب ومنه الى الارض على ما دلت عليه ظواهر النصوص
يقول الفقير هو الارجح عندى لان الله تعالى زاد بيانه نعمه على عباده فبين اولا خلق السماوات والارض ثم اشار الى ما فيها من كليات المنافع لكنه قدم واخركتأخير تسخير الشمس والقمر ليدل على ان كلا من هذه النعم نعمة على حدة ولو اريد السحاب لم يوجد التقابل التام واياما كان فمن ابتدائية { ماء } اى نوعا منه وهو المطر { فاخرج به } اى بسبب ذلك الماء الذى اودع فيه القوة الفاعلية كما انه اودع فى الارض القوة القابلية { من الثمرات } من انواع الثمرات { رزقا لكم } تعيشون به وهو بمعنى المرزوق شامل للمطعوم والملبوس مفعو لاخرج ومن للتبيين حال منه ولكم صفة كقولك انفقت من الدراهم الفا او للتبعيض بدليل قوله تعالى { فاخرجنا به ثمرات } كانه قيل انزل من السماء كل الماء ولاخرج بالمطر كل الثمار ولاجل كل الرزق ثمر او كان احب الفواكه الى نبينا عليه السلام الرطب والبطيخ وكان يأكل البطيخ بالرطب ويقول « يكسر حر هذا ببرد هذا وبرد هذا بحر هذا » فان الرطب حار رطب والبطيخ بارد رطب كما فى شرح المصابيح وفى الحديث « من تصبح بسبع تمرات عجوة لم يضره ذلك اليوم سم ولا سحر » قوله تصبح اى اكل وقت الصباح قبل ان يأكل شيأ آخر وعجوة عطف بيان لسبع تمرات وهى ضرب من اجود التمر فى المدينة يضرب الى السواد يحتمل ان يكون هذا الخاصية فى ذلك النوع من التمر ويحتمل ان يكون بدعائه له حين قالوا احرق بطوننا تمر المدينة وفى الحديث « كلوا التمر على الريق فانه يقتل الديدان فى البطن » وكان عليه السلام ياخذ عنقود العنب بيده اليسرى ويتناول حبة حبة بيده اليمنى كذا فى الطب النبوى وفى البطيخ والرمان قطرة من ماء الجنة
وروى عن على كلوا من الرمان فليس منه حبة تقع فى المعدة الا انارت القلب واخرست الشيطان اربعين يوما
وقال جعفر بن محمد ريح الملائكة ريح الورد وريح الانبياء ريح السفر جل وريح الحور ريح الآس { وسخر لكم الفلك } بان اقدركم على صنعتها واستعمالها بما الهمكم كيفية ذلك { لتجرى } اى الفلك لانه جمع فلك { فى البحر } [ دردريا ] { بامره } بارادته الى حيث توجهتم وانطوى فى تسخير الفلك تسخير البخار وتسخير الرياح
قال فى شرح حزب البحر قال عمر بن الخطاب رضى الله عنه لعمرو بن العاص صف لى البحر فقال يا امير المؤمنين مخلوق عظيم يركبه خلق ضعيف دود على عود
وفى انوار المشارق يجوز ركوب البحر للرجال والنساء عند غبلة السلامة كذا قال الجمهور .

(6/339)


وكره ركوبه للنساء لان الستر فيه لا يمكنهن غالبا ولا غض البصر عن المتصرفين فيه ولا يؤمن انكشاف عوراتهن فى تصرفهن لا سيما فيما صغر من السفن مع ضرورتهن الى قضاء الحاجة بحضرة الرجال { وسخر لكم الانهار } اى المياه العظيمة الجارية فى الانهار العظام وتسخيرها جعلها معدة لانتفاع الناس حيث يتخذون منها جداول يسقون بها زروعهم وجنانهم وما اشبه ذلك
قال فى بحر العلوم اللام فيها للجنس او للعهد اشير بها الى خمسة انهار سيحون نهر الهند وجيحون نهر بلخ ودجلة والفرات نهر العراق والنيل نهر مصلا انزلها الله من عين واحدة من عيون الجنة فاستودعها الجبال واجراها فى الارض وسخرها للناس وجعل فيها منافع لهم فى اصناف معاشهم وسائر الانهار تبع لها وكأنها اصولها { وسخر لكم الشمس والقمر } حال كونهما { دائيين } قال فى تهذيب المصادر الدأب [ دانم شدن ] فالمعنى دائمين متصلين فى سيرهما لا ينقطعان الى يوم القيامة
وقال فى القاموس دأب فى عمله كمنع دابا ويحرك فى ودؤوبا بالضم جدذ وتعب . فالمعنى مجدين فى سيرهما وانارتهما ودرئهما الظلمات واصلاحهما يصلحان الارض والابدان والنبات لا يفتران اصلا ويفضل الشمس على القمر لان الشمس معدن الانوار الفلكية من البدور والنجوم واصلها فى النورانية وان انوارهم مقتبسة من نورالشمس على قدر تقابلهم وصفوة اجرامهم { وسخر لكم الليل والنهار } يتعاقبان بالزيادة والنقصان والاضاءة والاظلام والحركة والسكون فيهما اى لمعاشكم ومنامكم ولعقد الثمار وانضاجها
واختلفوا فى الليل والنهار ايهما افضل
قال بعضهم قدم الليل على النهار لان الليل لخدمة المولى والنهار لخدمة الخلق ومعارج الانبياء عليهم السلام كانت بالليل ولذا قال الاملم النيسابورى الليل افضل من النهار
يقولىلفقير الليل محل السكون ففيه سر الذات وله المرتبة العليا والنهار محل الحركة ففيه سر الصفات وله الفضيلة العظمى واول المراتب وآخرها السكون كما اشار اليه قوله تعالى فى الحديث القدسى « كنت كنزا مخفيا فاحببت ان اعرف فخلقت الخلق » فالخلق يقتضى الحركة المعنوية وما كان قبل الحركة والخلق الا سكون محض وذات بحت فافهم . وسيد الايام يوم الجمعة واذا وافق يوم عرفة يومالجمعة تضاعف الحج لسبعين حجة على غيره وبهذا ظهر فضل يوم الجمعة على يوم عرفة . وافضل الليالى ليلة المولد المحمدى لولاه ما نزل القرىن ولا نعتت ليلة القدر وهو الاصح
{ وآتيكم من كل ما سألتموه } اى اعطاكم مصلحة لكم فى بعض جميع ما سألتموه فان الموجود من كل صنف بعض ما قدره الله وهذ كقوله تعالى

(6/340)


{ من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء } فمن للتبعيض او كل ما سألمتوه على ان من للبيان وكلمة كل للتكثير كقولك فلان يعلم كل شيء واتاه كل الناس وعليه قوله تعالى { فتحنا عليهم ابواب كل شيء } قال الكاشفى [ وبداد شمارا ازهر جه خواستيد يعنى آنجه محتاج اليه شما بود خواسته وناخواسته بشما ارزانى داشت ] { وان تعدوا نعمة الله } التى انعم بها عليكم بسؤال وبغيره { لا تحصوها } لا تطيقوا حصرها وعدها ولو اجمالا لكثرتها وعدم نهايتها
وفيه دليل على ان المفرد يفيد الاستغراق بالاضافة واصل الاحصاء ان الحساب كان اذا بلغ عقدا معينا من عقود الاعداد وضعت له حصاة ليحفظ بها ثم استؤنف العدد . والمعنى لا توجد له غاية فتوضع له حصاة والنعم على قسمين نعمة المنافع لصحة البدن والامن والعافية والتلذذ بالمطاعم والمشارب والملابس والمناكح والاموال والاولاد ونعمة دفع المضار من الامراض والشدائد والفقر والبلاء واجل النعم استواء الخلقة والهام المعرفة [ سلمى قدس سره فرمودكه مراد ازين نعمت حضرت بيعمبر ماست صلى الله عليه وسلم كه سفر بزر كتر وواسطة نزديكترمايان حق وخلق اوست وفى نفس الامر حصر صفات كمال وشرح انوار جمال اواز دائرة تصور وتخيل بيرن وازاندازه تأمل وتفكر افزونست ]
بر ذروه معارج قدر رفيع تو ... نى عقل راه يابد ونى فهم فى برد
{ ان الانسان لظلوم } لبليغ فى الظلم يظلم النعمة باغفال شكرها او بوضعها فى غير موضعها او يظلم نفسه بتعريضها للحرمان { كفار } شديد الكفران لها او ظلوم فى الشدة يشكو ويجزع كفار فى النعمة يجمع ويمنع . واللام فى الانسان للجنس ومصداق الحكم بالظلم والكفران بعض من وجد فيه من افراده كما فى الارشاد -روى- انه شكا بعض الفقراء الى واحد من السلف فقره واظهر شدة اهتمامه به فقال ايسرك انك اعمى ولك عشرة آلاف درهم فقال لا فقال اقطع اليدين والرجلين ولك عشرون الف درهم فقال لا فقال ايسرك الله انك مجنون ولك عشرة آلاف قال لا فقال اما تستحيى انك تكشو مولاك وعندك عروض باربعين الف
ودخل ابن السماك على بعض الخلفاء وفى يده كوز ماء وهو يشربه فقال عظنى فقال لو لم تعط هذه الشربة الا ببذل جميع اموالك والا بقيت عطشان فهل كنت تعطيه قال نعم قال ولو لم تعط الا بملكك كله فهل كنت تتركه قال نعم فقال لا تفرح بملك لا يساوى شربة ماء وان نعمة على العبد فى شربة ماء عند العطش اعظم من ملك الارض كلها بل كل نفس لا يستوى بملك الارض كلها فلو اخذ لحظة حتى انقطع الهواء عنه مات ولو حبس فى بيت حمام فيه هواء حار او بئر فيه هواء ثقيل برطوبة الماء مات غما ففى كل ذرة من بدنه نعم لا تحصى

(6/341)


نعمت حق شمار وشكر كذار ... نعتش را اكرجه نيست شمار
شكر باشد كليد كنج مزيد ... كنج خواهى منه زدست كليد
والاشارة { الله الذى خلق السموات } سموات القلوب { والارض } ارض النفوس { وانزل من السماء } من سماء القلوب { ماء } ماء الحكمة { فاخرج به من الثمرات } من ثمرات الطاعات { رزقا } لارواحكم فان الطاعات غذاء الارزاح كما ان الطعام غذاء الابدان { وسخر لكم الفلك } فلك الشريعة { لتجرى فى البحر } فى بحر الطريقة { بامره } بامر الحق لا بامر الهوى والطبع لان استعمال فلك الشريعة اذا كان بامر الهوى والطبع سريعا ينكسر ويغرق ولا يبلغ ساحل الحقيقة الا بامر اولى الامر وملاحيه وهو الشيخ الواصل الكامل المكمل كما قال تعالى { اطيعوا الله واطيعوا الرسول واولى الامر منكم } وقال النبى عليه السلام « من اطاع اميرى فقد اطاعنى ومن اطاعنى فقد اطاع الله » وكم من سفن لارباب الطلب لما شرعت فى هذا البحر بالطبع انكسرت بنكباء الاهواء وتلاطم امواج الغرة وانقطعت دون ساحلها روسخر لكم الانهار } انها العلوم اللدنية { وسخر لكم الشمس } شمس الكشوف { والقمر } قم المشاهدات { داءبين } بلكشف والمشاهدة { وسخر لكم الليل } ليل البشرية { والنهار } نهار الروحانية وتسخير هذه الاشياء عبارة عن جعلها يببا لاستكمال استعداد الانسان فى قبول الفيض الالهى المختص به من بين سائر المخلوقات وفى قوله { وآتيكم من كل ما سألتموه } اشارة الى انه تعالى اعطى الانسان فى الازل حسن استعداد استدعى منه لقبول الفيض الالهى وهو قوله تعالى { لقد خلقنا الانسان فى احسن تقويم } ثم للابتلاء رده الى اسفل سافلين ثم آتاه من كل ما سأله من الاسباب التى تخرجه من اسفل سافلين وتصعده الى اعلى عليين فاذا امعنت النظر فى هذه الآيات رأيت ان العالم بما فيه خلق تبعا لوجود الانسان وسببا لكماليته كما ان الشجرة خلقت تبعا لوجود الثمرة وسببا لكماليتها فالانسان البالغ الكامل الواصل ثمرة شجرة المكونات فافهم جدا { وان تعدوا نعمة الله لا تحصوها } لان نعمته على الانسان قسمان قسم يتعلق بالمخلوقات كلها وقد بينا انها خلقت لاستكمال الانسان وهذه النعمة لا يحصى عدها لان فوائدها عائدة الى الانسان الى الابد وهى غير متناهية فلا يحصى عدها وقسم يتعلق بعواطف الوهيته وعوارف ربوبيته فهى ايضا غير متناهية فلا يحصى عدها وقسم يتعق بعواطف الوهيته وعوارف ربوبيته فهى ايضا غير متناهية { ان الانسان لظلوم } لنفسه بان يفسد هذا الاستعداد الكامل بالاعراض عن لحق والاقبال على الباطل { كفار } لا نعم الله اذا لم يعرف قدرها ولم يشكر لها وجعلها نقمة لنفسه بعد ما كانت نعمة من ربه كما فى التأويلات النجمية

(6/342)


وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمنا واجنبني وبني أن نعبد الأصنام (35)

{ واذ قال ابراهيم } واذكر وقت قول ابراهيم فى مناجاته اى بعد الفراغ من بناء البيت { رب اجعل هذا البلد } [ اين شهر مكه را ] { آمنا } اهله بحيث لا يخاف فيه من المخاوف والمكاره كالقتل والغارة والامراض المنفرة من البرص والجذام ونحوهما فاسناد الامن الى البلد مجاز لوقوع الامن الا من فيه وانما الآمن فى الحقيقة اهل البلد { واجنبنى وبنى } يقال جنبته كنصرته واجنبته اى ابعدته . والمعنى بعدنى واياهم { ان نعبدالاصنام } واجعلنا منه فى جانب بعيد اى ثبتنا على ما كنا عليه من التوحيد وملة الاسلام والبعد عن عبادة الاصنام
قال بعضهم رأى القوم يعبدون الاصنام فخاف على بنيه فدعا
يقول الفقير الجمهور على ان العرب من عهد ابراهيم استمرت على دينه من رفض عبادة الاصنام الى زمن عمرو بن لحى كبير خزاعة فهو اول من غير دين ابراهيم وشرع للعرب الضلالات وهو اول من نصب الاوثان فى الكعبة وعبدها وامر الناس بعبادتها وقد كان اكثر الناس فى الارض المقدسة عبدة الاصنام وكان ابراهيم يعرفه فخاف سرايته الى كل بلد فيه واحد من اولاده فدعا فعصم اولاده الصلبية من ذك وهى المرادة من قوله { وبنى } فانه لم يعبد احد منهم الصنم لا هى واحفاده وجميع ذريته وذلك لان قريشا مع كونهم من اولاد اسماعيل عبادتهم الاصنام مشهورة واما قوله تعالى فى حم الزخرف { وجعلها كلمة باقية فى عقبه } فالصحيح ان هذا لا يستلزم تياعد جميع الاحفاد عن عبادة الاصنام بل يكفى فى بقاء كلمة التوحيد فى عقبه ان لا ينقرض قرن ةلا ينقضى زمان الا وفى ذريته من هو من اهل التوحيد قلوا او كثروا الى زمان نبينا صلى الله عليه وسلم وقد اشتهر فى كتب السير ان بعض آحاد العرب لم يعبد الصنم قط ويدل عليه قوله عليه السلام « لا تسبوا مضر فانه كان على ملة ابراهيم » هذا ما لاح لى من التحقيق ومن الله التوفيق . وانما جمع الاصنام ليشتمل على كل صنم عبد من دون الله لان الجمع المعرف باللام يشمل كل واحد من الافراد كالمفرد باتفاق جمهور ائمة التفسير والاصول والنحو اى واجبنا ان نعبد احدا مما سمى بالصنم كما فى بحر العلوم وخصصها الامام الغزالى بالحجرين اى الذهب والفضة اذ رتبة النبوة اجل من ان يخشى فيها ان تعتقد الالهية فى شيء من الحجارة فاستعاذ ابراهيم من الاغترار بمتاع الدنيا
يقول الفقير الظاهر ان الامام الغزالى خصص الحجرين بالذكر بناء على انهما اعظم ن يضل الناس وقد شبه رسول الله صلى الله عليه وسلم طلاب الدراهم والدنانير بعبدة الحجارة فقال « تعس عبد الدراهم تعس عبد الدنانير » والا فكل ما هو من قبيل الهوى فهو صنم الا ترى الى قوله تعالى

(6/343)


{ أفرأيت من اتخذ آلهه هواه } ولذا قال فى التاويلات النجمية . صنم النفس الدنيا . وصنم القلب العقبى . وصنم الروح الدرجات العلى . وصنم السر عرفان القربات . وصنم الخفى الركون الى المكاشفات والمشاهدات وانواع الكرامات فلا بد من الفناء عن الكل
سالك باك رو نخوانندش ... آنكه از ما سوى منزعه نيست
قال شيخى وسندى روح الله روحه فى بعض المجالس معى اهل الدنيا كثير واهل العقبى قليل واهل المولى اقل من القليل وذلك كالسلاطين والملوكفانهم بالنسبة الى الوزراء اقل وهم بالنسبة الى سائر ارباب الجاه كذلك وهم بالنسبة الى الرعية كذلك فارعايا كثيرون واقل منهم ارباب الجاه واقل منهم الوزراء واقل منهم السلاطين فلا بد من ترك الاصنام مطلقا واعظم الحجب والاصنام الوجود المعبر عنه بالفارسية
هستى بودوجود مغربى لات ومنات او بود ... نيست بتى جو بود او درهمه سومنات تو
وفى الاية دليل على ان عصمة الانبياء بتوفيق الله تعالى وحقيقة العصمة ان لا يخلق الله تعالى فى العبد ذنبا مع بقاء قدرته واختياره ولهذا قال الشيخ ابو منصور العصمة لا تزيل المحنة اى التكليف فينبغى للمؤمن ان لا يامن على ايمانه وينبغى ان يكون متضرعا الى الله ليثبته على الايمان كما سأل ابراهيم لنفسه ولبنيه الثبات على الايمان -وروى- عن يحيى بن معاذ انه كان يقول اللهم ان جميع سرورى بهذا الايمان واخاف ان تنزعه منى فما دام هذا الخوف معى رجوت ان لا تنزعه منى

(6/344)


رب إنهن أضللن كثيرا من الناس فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم (36)

{ رب } باى بروردكار من ] { انهن } اى الاصنام { اضللن كثيرا من الناس } ولذلك سألت منك ان تعصمنى وبنى من اضلالهت واستعذت بك منه يقول بهن ضل كثير من الناس فكان الاصنام سببا لضلالتهم فنسب الاضلال اليهن وان لم يكن منهن عمل فى الحقيقة كقوله تعالى { وغرتهم الحيوة الدنيا } اى اغتروا بسببها وقال بعضهم كات الاضلال منهن لان الشياطين كانت تدخل اجواف الاصنام وتتكلم -كما حكى- ان واجحد من الشياطين دخل جوف صنم الى جهل فاخذ يتحرك ويتكلم فى حق النبى عليه السلام كلمات قبيحة فامر الله واحدا من الجن فقتل ذلك الشيطان ثم لما كان الغد واجتمع الناس حول ذلك الصنم اخذ يتحرك ويقول لا اله الا الله محمد رسول الله وانا صنم لا ينفع ولا يضر ويل لمن عبدنى من دون الله فلما سمعوا ذلك قام ابو جهل وكسر صنمه وقال ان محمدا سحر الاصنام : قال الكمال الخجندى قدس سره
بشكن بت غرور كه دردين عاشقان ... يك بت كه بشكنند ازصد عبادتست
{ فمن } [ هركس كه ] { تبعنى } منهم فيما دعوا اليه من التوحيد وملة الاسلام { فانه منى } من تبعضية فالكلام على التشبيه اى كبعضى فى عدم الانفكاك عنى وكذلك قوله « من غشنا فليس منا » اى ليس بعض المؤمنين على ان الغش ليس من افعالهم واوصافهم { ومن عصانى } اى لم يتبعنى فانه فى مقابلة تبعنى كتفسير الكفر فى مقابلة الشكر بترك الشكر { فانك غفور رحيم } قادر على ان تغفر له وترحمه ابتداء وبعد توبته
وفيه دليل على ان كل ذنب فلله تعالى ان يغفره حتى الشرك الا ان الوعيد فرق بينه وبين غيره فالشرك لا يغفر بدليل السمع وهو قوله تعالى { ان الله لا يغفر ان يشرك به } ان جاز غفرانه عقلا فان العقاب حقه تعالى فيحسن اسقاطه مع ان فيه نفعا للعبد من غير ضرر لاحد هو مذهب الاشعري
وفى التاويلات النجمية قد حفظ الادب فيما قال ومن عصانى وما قال ومن عصاك لانه بعصيان الله لا يستحق المغفرة والرحمة والاشارة فيه ان من عصانى لعلى لا اغفر ولا ارحم عليه فان المكافأة فى الطبيعة واجبة ولكن من عذانى فتغفر له وترحم عليه فيكون من غاية كرمك وعواطف احسانك فانك غفور رحيم وفى الحديث « ينادى مناد من تحت العرش يوم القيامة يا امة محمد أما كان لى من قبلكم فقد وهبت لكم » [ يعنى كناهى كه درميان من وشماست بخشيدم ] « وبقيت التبعات فتواهبوها وادخلوا الجنة برحمتى » والتبعات جمع تبعة بكسر الباء ما اتبع به من الحق
وذكر ان يحيى بن معاذ الرازى رحمه الله قال الهى ان كان ثوابك للمطيعين فرحمتك للمذنبين انى وان كنت لست بمطيع فارجو ثوابك وانا من المذنبين فارجو رحمتك
نصيب ماست بهشت اى خداشناش برو ... كه مستحق كرامت كناهكارانند

(6/345)


ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون (37)

{ ربنا } [ اى بروردكارما ] والجمع لان الآية متعلقة بذريته فالتعرض لوصف ربوبيته تعالى لهم ادخل فى القبول { انى اسكنت من ذريتى } اى بعض ذريتى وهم اسماعيل ومن ولد منه فان اسكانه متضمن لاسكانهم { بواد غير ذى زرع } هو وادى مكة فانها حجرية لا تنبت اى لا يكون فيها شيء من زرع قط كقوله تعالى { قرآنا عربيا غير ذى عوج } بمعنى لا يوجد فيه اعوجاج وما فيه الا الاستقامة لا غير
وفى تفسير الشيخ لانهاواد بين جبلين لم يكن بها بها ماء ولا حرث
وفى بحر العلوم واما فى زماننا فقد رزق الله اهله ماء جاريا { عند بيتك المحرم } ظرف لاسكنت كقولك صليت بمكة عند الركن وهو الكعبة والاضافة للتشريف وسمى محرما لانه عظيم الحرمة حرم الله التعرض له بسوء يوم خلق السموات والارض وحرم فه القتال والاصطياد وان يدخل فيه احد بغير احرام ومنع عنه الطوفان فلم يستول عليه ولذلك سمى عتيقا لانه اعتق منه
وفى التأويلات النجمية عند بيتك المحرم وهو القلب المحرم ان يكونب يتا لغير الله كما قال « لا يسعنى ارضى ولا سمائى وانما يسعنى قلب عبدى المؤمن »
آنكه ترا كوهر كنجينه ساخت ... كعبه جان حرم سينه ساخت
{ ربنا } كرر النداء لاظهار كمال العناية بما بعده { ليقيموا الصلوة } اللام لام كى متعلقة باسكنت اى ما اسكنتكم بهذا الوادى البلقع الخالى من كل مرتفق ومرتزق الا لاقاكة الصلاة عند بيتك المحرم لدلالة قوله { بواد غير ذى زرع } على انه لا غرض له دنيوى فى اسكانهم عند البيت المحرم وتخصيص الصلاة بالذكر من بين سائر شعائر الدين لفضلها ولان بيت الله لا يسعه الا الصلاة وما فى معناها وهى الاصل فى اصلاح النفس وكان قريش يمتنعون عن ذلك لزيادة كبرهم { فاجعل افئدة من الناس } جمع فؤاد وهى القلوب ومن للتبعيض { تهوى اليهم } تسرع اليهم شوقا وتطير نحوهم محبة يقال هوى يهوى من باب ضرب هويا وهويا سقط من علو الى سفل سرعة . وايضا صعد وارتفع كما فى كتب اللغة واما ما يكون من باب علم فهو بمعنى احب يقال هويه فهو احبه وتعديته بالى لتضمنه معنى الشوق والنزوع . والمعنى بالفارسية [ بس نكردان دلهاى بعضى از مردان راكه بكشش محبت بشتابند بسوى ايشان ] اى اسماعيل وذريته وهم المؤمنون ولو قال افئدة الناس بدون من التبعضية لازدحمت عليهم فارس والروم والترك والهند
آنراكه جنان جمال باشد ... كردل ببرد حلال باشد
وآنكس كه برانجان جمالى ... عاشق نشود وبال باشد
قال المولى الجامى قدس سره
روبحرم نه كه بران خوش حريم ... هست سيه بوش نكارى مقيم
قبله خوبان عرب روى او ... سجدة شوخان عجم سوى او

(6/346)


{ وارزقهم } اى ذريتى الذين اسكنتهم هناك او مع من ينحاز اليهم من الناس وانما لم يخص الدعاء بالمؤمنين كما فى قوله { وارزق اهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر } اكتفاء بذكر اقامة الصلاة { من الثمرات } من انواعها بان يجعل بقرب منه قرى يحصل فيها ذلك او يحبى اليه من الاقطار البعيدة وقد حصل كلاهما حتى انه يجتمع فيه الفواكه الربيعية والصيفية والخريفية فى يوم واحد -روى- عن ابن عباس ان الطائف وهى على ثلاث مراحل من مكة كانت من ارض فلسطين فلما دعا ابراهيم بهذه الدعوة رفعها الله ووضعها رزقا للحرم { لعلهم شكرون } تلك النعمة باقامة الصلاة واداء سائر مراسم العبودية
يقول الفقير اختلف العلماء فى ان هذا الدعاء بعد بناء البيت او قبله اول ما قدم مكة ويؤيد الاول قوله { رب اجعل هذا البلد } فان الظاهر ان الاشارة حسية وقوله { عند بيتك المحرم } وقوله { الحمد لله الذى وهب لى على الكبر اسماعيل واسحق } فان اسحاق لم يكن موجودا قبل البناء
وقال بعضهم الاشارة فى هذا البلد الى الموجود فى الذهن قبل تحقق البلدية فان الله لما ابان موضعه صحت اشارته اليه والمسئول توجه القلوب الى الذرية للمساكنة معهم لا توجيها الى البيت للحج فقط والا لقيل تهوى اليه وهو عين الدعاء بالبلدية
يقول الفقير فيه نظر لانه لم لا يجوز ان يكون المعنى على حذف المضاف اى تهوى الى موضعهم الشريف للحج وقد اشار اليه فى التيسير حيث قال عند قوله { تهوى اليهم } حبب هذا البيت لى عبادك ليأتوه فيحجوه
قال فى الارشاد تسميته اذ ذاك وذات الشمال باعتبار ما كان من قبل فان تعدد بناء الكعبة المعظمة مما لا ريب فيه وانما الاختلاف فى كمية عدده كما قال الكاشفى عند قوله { بيتك المحرم } [ مراد موضع خانه ضراح است كه درزمان آدم بوده واكر نه بوقت دعاء ابراهيم خانه نبوده ] والضراح كغراب البيت المعمور فى السماء الرابعة كما فى القاموس
ويؤيد هذا ما روى ان ابراهيم عليه السلام كان يسكن فى ارض الشام وكانت لزوجته سارة جارية اسمها هاجر فوهبتها من ابراهيم فلما ولدت له اسماعيل غارت سارة وحلفته ان يخرجهما من ارض الشام الى موضع ليس فيه ماء ولا عمارة فتأمل ابراهيم فى ذلك كما قال الكاشفى [ خليل متأمل شد وجبرائيل وحى آورده هرجه ساره ميكويد جنان كن بس ابراهيم ببراقى نشسته وهاجر واسماعيل را سوار كرده باندك زمانى ازشام حرم آمد ] فلما اخرجهما الى ارض مكة جاء بها وبابنها وهى ترضعه حتى وضعها عند البيت عند دوحة فوق زمزم فى اعلى المسجد ولم يكن بمكة يومئذ احد وليس فيها ماء ووضعه عندها جرابا فيه تم وسقاء فيه ماء ثم عاد متوجها الى الشام فتبعته ام اسماعيل وجعلت تقول له الى من تكلنا وهو لا يرد عليها جوابا حتى قالت آلله امرك بهذا بان تسكننى وولدى فى هذا البلقع فقال ابراهيم نعم قالت اذا لا يضيعنا فرضيت ورجعت الى ابنها ومضى ابراهيم حتى اذا استوى على ثنية كداء وهو كسماء جبل باعلى مكة اقبل على الوادى اى استقبل بوجهه نحو البيت ورفع يديه فقال { ربنا انى اسكنت } الآية وجعلت ام اسماعيل ترضعه وتأكل التمر وتشرب الماء فنفد التمر والماء فعطشت هى وابنها فجعل يتلبط فذهبت عنه لئلا تراه على تلك الحالة فصعدت الصفا تنظر لترى احدا فلم تر ثم نزلت اسفل الوادى ورفع طرف درعها ثم سعت سعى الانسان المجهود حتى اتت المروة وقامت عليها ونظرت لترى احد فلم تر فعلت ذلك شبع مرات فلذلك سعى الناس بينهما بعد الطواف سبع مرات فلما اشرفت على المروة سمعت صوتا فاذا هى بالملك عند موضع زمزم فبحث اى حفر بجناحه حتى ظهر الماء

(6/347)


قال الكاشفى [ جشمه زمزم بركف جبريل يا باثر قدم اسماعيل بديد آمد ] فجعلت تحوضه بيدها وتغرف من الماء لسقائها وهو يفور بعد ما تغرف قال صلى الله عليه وسلم « رحم الله ام اسماعيل لو تركت زمزم » او قال « لو لم تغرف من الماء لكانت عينا معينا » اى جارية ظاهرة على وجه الارض فشربت وارضعت ولدها فقال الملك لا تخافوا الضيعة فان ههنا بيت الله يبنيه هذا الغلام وابوه وان الله لا يضيع اهله كما فى تفسير الشيخ
قال فى الارشاد واول آثار هذه الدعوة ما روى انه مرت رفقة من جرهم تريد الشام وهم قبيلة من اليمن فرأوا الطير تحوم على الجبل فقالوا لا طير الا على الماء فقصدوا اسماعيل وهاجر فرأوهما وعندهما عين ماء فقالوا اشركينا فى مائك نشركك فى الباننا ففعلت وكانوا معها الى ان شب اسماعيل وماتت هاجر فتزوج اسماعيل منهم كما هو المشهور
قال الكاشفى [ قبيله جرهم آنجا داعيه اقامت نمودند وروز بروز شوق مردم بران جانب درتزايدست
وفى التأويلات النجمية قوله { انى اسكنت } الآية تسير الى محمد صلى الله عليه وسلم فانه كان من ذريته وكان فى صلب اسماعيل فتوسل بمحمد صلى الله عليه وسلم الى الله تعالى فى اعانة هاجر واسماعيل يعنى ان ضيعت اسماعيل ليهلك فقد ضيعت محمدا واهلكته

(6/348)


ربنا إنك تعلم ما نخفي وما نعلن وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا في السماء (38)

{ ربنا } [ اى بروردكارما ] { انك تعلم ما نخفى وما نعلن } من الحاجات وغيرها ومقصده ان اظهار هذه الحاجات ليس لكونها غير معلومة لك بل انما هو لاظهار العبودية والافتقار الى رحمتك والاستعجال لنيل اياديك
جز خضوع وبندكى واضطرار ... اندرين حضرت ندارد اعتبار
{ وما يخفى } دائما اذ ماضى ولا مستقبل ولا حال بالنسبة الى الله تعالى { على الله } علام الغيوب { من } للاستغراق { شيء } ما { فى الارض ولا فى السماء } لانه العالم بعلم ذاتى تستوى نسبته الى كل معلوم
آنجه بيدا وآنجه بنهانست ... همه بادانش تويكسانست
لا عارضى ولا كسبى ليختص بمعلوم دون معلوم كعلم البشر والملك تلخيصه لا يخفى عليك شيء ما فى مكان فافعل بنا ما هو مصلحتنا فالظرف متعلق يخفى او شيء ما كائن فيهما على انه صفة لشيء

(6/349)


الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق إن ربي لسميع الدعاء (39)

{ الحمد لله الذى وهب لى على الكبر } على ههنا بمعنى مع وهو فى الحال اى وهب لى وانا كبير آيس من الولد قيد الهبة بحال الكبر استعظاما للنعمة واظهارا لشكرها لان زمان الكبر زمان العقم { اسمعيل } سمى اسماعيل لان ابراهيم كان يدعو الله ان يرزقه ولدا ويقول اسمع يا ايل وايل هو الله فلما رزق به سماه به كما فى معالم التنزيل
وقال فى انسان العيون معناه بالعبرانية مطيع الله روى انه ولد له اسماعيل وهو ابن تسع وتسعين سنة { واسحق } اسمه بالعبرانية الضحاك كما فى انسان العيون روى انه ولد له اسحاق وهو ابن مائة وثنتى عشرة سنة واسماعيل يومئذ ابن ثلاث عشرة سنة { ان ربى } ومالك امرى { لسميع الدعاء } لى لمجيبه من قولهم سمع الملك كلامه اذا اعتد به وفيه اشعار بانه دعا ربه وسأل منه الولد كما قال { رب هب لى من الصالحين } فاجابه ووهب له سؤله حين ما وقع اليأس منه ليكون من اجل النعم واجلاها

(6/350)


رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي ربنا وتقبل دعاء (40)

{ رب اجعلنى مقيم الصلوة } معد لا لها من اقمت العود اذا قومته او مواظبا عليها من قامت السوق اذا نفقت اى راجت او مؤديا لها والاستمرار يستفاد من العدول من الفعل الى الاسم حيث لم يقل اجعلنى اقيم الصلاة { ومن ذريتى } اى وبعض ذريتى عطف على المنصوب فى اجعلنى وانما بعض لعلمه بعلام الله تعالى واستقرار عادته فى الامم الماضية ان يكون فى ذريته كفار وهو يخالف قوله { وجعلها كلمة باقية فى عقبه } والاشارة فى اقامة الصلاة الى ادامة العروج فان الصلاة معراج المؤمن به ويشير الى دوام السير فى الله بالله { ربنا وتقبل دعاء } واستجب دعائى هذا المتعلق باجعلنى وجعل بعض ذريتى مقيمى الصلاة ثابتين على ذلك مجتنبين عن عبادة الاصنام ولذلك جيئ بضمير الجماعة

(6/351)


ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب (41)

{ ربنا اغفر لى } اى ما فرط منى ترك الاولى فى باب الدين وغير ذلك مما لا يسلم منه البشر { ولوالدى } وهاذ الاستغفار منه انما كان قبل تبين الامر له عليه السلام . يعنى [ قبل ازنهى بوده وهنوز يأس ازايمان ايشان نداشت ]
قال فى الكواشى استغفر لابويه وهما حيان طمعا فى هدايتهما وان امه اسلمت فاراد اسلام ابيه وذلك انهم صرحوا بان امه كانت مؤمنة ولذا قرأ بعضهم { ولوالدتى } وقال الحافظ السيوطى يستنبط من قول ابراهيم { رب اغفر لى ولوالدى } وكان وكان ذلك بعد موت عمه بمدة طويلة ان المذكور فى القرآن بالكفر والتبرى من الاستغفار له اى فى قوله { وما كان استغفار ابراهيم لابيه الا عن موعدة وعدها اياه فلما تيبن له انه عدو لله تبرأ منه } هو عمه لا ابوه الحقيقى والعرب تسمى العم ابا كما تسمى الحالة اما
قال فى حياة الحيوان فى الحديث « يلقى ابراهيم اباه آزر يوم القيامة وعلى وجه آزر فترة وغبرة فيقول له ابراهيم الم اقل لك لا تعص فيقول ابوه فاليوم لا اعصيك فيقول ابراهيم يا رب انك وعدتنى ان لا تخزينى يوم يبعثون فأى خزى اخزى من ابى ان يكون فى النار فيقول الله تعالى انى حرمت الجنة على الكافرين ثم يقال يا ابراهيم ما تحت رجليك فينظر فاذا هو بذيخ متلطخ واليح بكسر الذال ذكر الضباع الكثيرة الشعر فيؤخذ بقوائمه ويلقى فى النار والحكمة فى كونه مسخ ضبعا دون غيره من الحيوان ان الضبع لما كان يفعل عما يجب التيقظ له وصف بالحمق لان الصياد اذا اراد ان يصيدها رمى فى حجرها بحجر فتحسبه شيأ تصيده فتخرج لتاخذه فتصاد عند ذلك ولان أزر لو مسخ كلبا او خنزيرا كان فيه تشويه لخلقه فاراد الله اكرام ابراهيم بجعل ابيه على هيئة متوسطة
قال فى المحكم يقال ذيخته اى ذللته فلما خفض ابراهيم له جناح الذل من الرحمة لم يحشر بصفة الذل يوم القيامة
انتهى كلام الامام الدميرى فى حياة الحيوان { وللمؤمنين } كافة من ذريته وغيرهم واكتفى بذكر مغفرة المؤمنين دون مغفرة المؤمنات لآنهن تبع لهم فى الاحكام وللايذان باشتراك الكل فى الدعاء بالمغفرة جيئ بضمير الجماعة وفى الحديث » من عمم بدعائه المؤمنين والمؤمنات استجيب له « فمن السنة ان لا يختص نفسه بالدعاء
قال فى الاسرار المحمدية اعلم انه يكرم للامام تخصيص نفسه بالدعاء بان يذكر ما يذكر على صيغة الافراد لا على صيغة الجمع
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم » لا يؤم عبد قوما فيخص نفسه بالدعاء دونهم فان فعل فقد خانهم « رواه ثوبان بل الاولى ايضا ان كان منفردا ان يأتى بصيغة الجمع فينوى نفسه وآباءه وامهاته واولاده واخوانه واصدقاء المؤمنين الصالحين فيعممهم بالدعاء وينالهم بركة دعائه وينال الداعى بركات هممهم وتوجيههم بارواحهم اليه -روى- عن السلف بل عن النبى صلى الله عليه وسلم ان يصيبه بعدد كل مؤمن ومؤمنة ذكره حسنة يعنى ان نواه بقلبه حين دعائه فهكذا افهم واعمل فى جميع دعواتك انتهى كلام الاسرار { يوم يقوم الحساب } اى يثبت ويتحقق محاسبة اعمال المكلفين على وجه العدل استعير له من ثبوت القائم على الرجل بالاستقامة ومنه قامت الحرب على ساق
وفى التأويلات { ربنا اغفر لى } اى استرنى وامحنى بصفة مغفرتك لئلا ارى وجودى فانه حجاب بينى وبينك
خمير مايه هر نيك وبد تويى جامىخلاص از همه مى بايدت زخودبكريز
{ ولوالدى } اى لومن كان سبب وجودى من آبائى العلوى وامهاتى اسفلى لكلا يحجبونى وعن رؤيتك { للمؤمنين يوم يقوم الحساب } وهو يوم كان فى حساب الله فى الازل يقوم لكمالية كل نفس او نقصانيته انتهى
يقول الفقير دعا ابراهيم عليه السلام بالمغفرة وقيدها بيوم القيامة لان يوم القيامة آخر الايام والخلاص فيه من المحاسبة والمناقشة يؤدى الى نجاة الابد والفوز بالدرجات لانه ليس بعد النخلية بالمعجمة الا التحلية بالمهملة فقدم الاهم والاصل ولشدة هذا اليوم
قال الفضيل بن عياض رحمه الله انى لا اغبط ملكا مقربا ولا نبيا مرسلا ولا عبدا صالحا أليس هؤلاء يعاينون القيامة واهوالها وانما اغبط من لم يخلق لانه لا يرى اهوال القيامة وشدائدها
قال ابو بكر الواسطى رمه الله الدول ثلاث دول فى الحياة ودولة عند الموت ودولة يوم القيامة .

(6/352)


فاما دولة الحياة فبان يعيش فى طاعة الله . ودولة الموت بان تخرج روحه مع شهادة ان لا اله الا الله . واما دولة النشر فحين يخرج من قبره فيأتيه البشير بالجنة جعلنا الله واياكم من اهل هذه الدول الثلاث التى لا دولة فوقها فى نظر اهل السعادة والعناية

(6/353)


ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار (42)

{ ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل به الظالمون } الحسبان بالكسر بمعنى الظن والغفلة معنى يمنع الانسان من الوقوف على حقيقة الامور والظالمون اهل مكة وغيرهم من كل اهل شرك وظلم وهو خطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم المراد تثبيته على ما كان عليه من عدم حسبانه تعالى كذلك نحو قوله تعالى { ولا تكونن من المشركين } مع ما فيه من الايذان لكونه واجب الاحتراز عنه فى الغاية حتى نهى من لا يمكن تعاطيه . والمعنى دم على ما كنت عليه من عدم حسبانه تعالى غافلا عن اعمالهم ولا تخزن بتأخير ما يستوجبونه من العذاب الاليم { انما يؤخرهم ليوم } تعليل للنهى اى لا يؤخر عذابهم الا لاجل يوم هائل { تشخيص فيه الابصار } ترتفع فيه ابصار اهل الموقف اى تبقى اعينهم مفتوحة لا تتحرك اجفانهم من هول ما يرونه يعنى ان تأخيره للتشديد والتغليظ لا للغفلة عن اعمالهم ولا لاهمالهم يقال شخص بصر فلان كمنع واشخصه صاحبه اذا فتح عينيه ولم يطرف بجفنيه

(6/354)


مهطعين مقنعي رءوسهم لا يرتد إليهم طرفهم وأفئدتهم هواء (43)

{ مهطعين } حال مقدرة من مفعول يؤخرهم اى مسرعين الى الداعى مقبلين عليه بالخوف والذل والخشوع كاسراع الاسير والخائف . وبالفارسية [ بشتابند بسوى اسرافيل كه ايشانرا بعرصه محشر خواند ] يقال اهطع البعير فى السير اذا اسرع { مقنعى رؤوسهم } اى رافعيها مع ادامة النظر من غير التفات الى شيء
قال فى تهذيب المصادر الاقناع ان يرفع رأسه ويقبل بطرفه الى ما بين يديه
وعن الحسن وجوه الناس يوم القيامة الى السماء لا ينظر الى احد { لا يرتد اليهم طرفهم } لا يرجع اليهم تحريك اجفانهم حسب ما يرجع اليهم كل لحظة بل تبقى اعينهم مفتوحة لا تطرف اى لا تضم
وفى الكواشى اصل الطرف تحريك الجفون فى النظر ثم سميت العين طرفا مجازا والمعنى انهم لا يلتفتون ولا ينظرون مواقع اقدامهم لما بهم انتهى { وافئدتهم } قلوبهم { هواء } خالية من العقل والفهم لفرط الحيرة والدهش كأنها نفس الهواء الخالى عن كل شاغل
وفى الكواشى لخيصه الابصار شاخصة والرؤوس مقنعة والقلوب فارغة زائلة لهول ذلك اليوم ثبتك الله وايانا فيه
وفىلآية تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتعزية للمظلوم وتهديد للظالم
قال احمد بن حضرويه لو اذن لى فى الشفاعة ما بدأت بظالمى قيل له وكيف قال لانى نلت به ما لم انله بوالدى قيل وما ذاك قال تعزية الله فى قوله { ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون } وفى المثنوى
آن يكى واعظ جوبر تخت آمدى ... قاطعان راه را داعى شدى
دست برمى داشت يا رب رحم ران ... بربدان ومفسدان وطاغيان
برهمه تسخر كنان اهل خير ... برهمه كافر دلان واهل دير
او نكردى ىن دعا براصفيا ... مى نكردى جز خبيثانرا دعا
مرورا كفتند كين معهود نيست ... دعوت اهل ضلالت جود نيست
كفت نيكويى ازينها ديده ... ام من دعاشان زين سبب بكزيده ام
خبث وظلم وجور جندان ساختند ... كه مرا ازشر بخير انداختند
هركهى كه رو بدنيا كرد مى ... من ازيشان زخم وضربت خودرمى
كردمى از زخم آن جانب بناه ... باز آوردندمى كركان براه
جون سبب ساز صلاح من شدند ... بس دعاشان برمنست اى هوشمند
وفى الكواشى واستدل بعضهم على قيام الساعة بموت المظلوم مظلوما قالوا وجد على جدار الصخرة
نامت عيونك والمظلوم منتبه ... يدعو عليك وعين الله لم تنم
قال السعدى فى سره
نخفتست مظلوم ازآهش بترس ... زدود دل صبحكاهش بترس
نترسى كه باك اندرونى شبى ... برآرد سوز جكر يا ربى
نمى ترسى از كرك ناقص خرد ... كه روزى بلنكيت برهم درد
والاشارة { ولا تحسبن الله غافلا } اى فى الازل { عما يعمل الظالمون } اليوم يعنى كل عمل يعمله الظالمون لم يكن الله غافلا عنه فى الازل بل كان ذلك بقضائه وقدره وارادته مبنيا على حكمته البالغة جعل سعادة اهل السعادة وشقاوة اهل الشقاوة مودعة فى اعمالهم والاعمال مودعة فى اعمارهم ليبلغ كل واحد من الفرقتين على قدمى اعمالهم الشرعية والطبيعية الى منزل من منازل السعداء ومنزل الاشقياء يوم القيامة فلذا آخر الظالمين ليزدادوا اثما يبلغهم منازل الاشقياء

(6/355)


وأنذر الناس يوم يأتيهم العذاب فيقول الذين ظلموا ربنا أخرنا إلى أجل قريب نجب دعوتك ونتبع الرسل أولم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال (44)

{ وانذر الناس } اى خوفهم جميعا يا محمد { يوم يأتيهم العذاب } اى من يوم القيامة او من يوم موتهم فانه اول ايام عذابهم حيث يعذبون بالسكرات وهذا الانذار للكفرة اصالة وللمؤمنين تبعية وان لم يكونوا معذبين { فيقول الذين ظلموا } منهم بالشرك والتكذيب { ربنا اخرنا } ردنا الى الدنيا وامهلنا { الى اجل قريب } الى امد وحد من الزمان قريب قال سعدى المفتى لعل فى النظم تضمينا والتقدير درنا الى ذى اجل قريب اى قليل وهو الدنيا مؤخرا عذابنا
وقال الكاشفى [ عذاب مارا تاخير كن ومارا بدنيا فرست ومهلت ده تامدتى نزديك او ] اخر آجالنا وابقنا مقدار ما نؤمن بك ونجيب دعوتك { نجب دعوتك } جواب للامر اى الدعوة اليك والى توحيدك { ونتبع الرسل } فيبما جاؤنا به اى نتدارك ما فرطنا فيه من اجابة الدعوة واتباع اغلرسل { أولم تكونوا اقسمتم من قبل } على اضمار القول عطفا اى فيقال لهم توبيخا وتبكيتا ألم تؤخروا فى الدنيا ولم تكونوا اقسمتم اى حلفتم بألسنتكم تكبرا وغرورا { ما لكم من زوال } ما انتم عليه من التمتع جواب للقسم او بألسنة الحال حيث بنيتم شديدا واملتم بعيدا ولم تحدثوا انفسكم بالانتقال عن هذه الحال
وفيه اشعار بامتداد زمان التأخير وما لكم من زوال من هذه الدار الى دار اخرى للجزاء فالاول مبنى على انكار الموت والثانى على انكار البعث
وفى التأويلات النجمية يشير به الى التناسخية فانهم يزعمون ان لا زوال لهم ولا للدنيا بان واحدا منهم اذا مات انتقل روحه الى قالب آخر فاراد بهذا الجواب ان لو رجعناكم الى الدنيا لتحقق عندكم مذهب التناسخ وما اقسمتم من قبل على انه مالكم من زوال
قال فى التعريفات التناسخ عبارة عن تعلق الروح بالبدن بعد المفارقة من بدن آخر من غير تخلل زمان بين التعلقين للتعشق الذاتى بين الروح والجسد

(6/356)


وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم وتبين لكم كيف فعلنا بهم وضربنا لكم الأمثال (45)

فينبغى للمؤمن ان يكثر ذلك الموت فانه لا غنية للمؤمن عن ست خصال . اولاها علم يدله على الآخرة . والثانية رفيق يعينه على طاعة الله ويمنعه عن معصية الله . والثالثة معرفة عدوه والحذر منه . والرابعة عبرة يعتبر بها . والخامسة انصاف الخق لكيلا تكون له يوم القيامة خصماء . والسادسة الاستعداد للموت قبل نزوله لكيلا تكون مفتضحا يوم القيامة

(6/357)


وقد مكروا مكرهم وعند الله مكرهم وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال (46)

{ وقد مكروا مكرهم } اى فعلنا بالذين ظلموا ما فعلنا والحال انهم قد مكروا فى ابطال الحق وتقرير الباطل مكرهم العظيم الذى استفرغوا فى عمله المجهود وجاوزنا فى كل حد معهود بحيث لا يقدر عليه غيرهم والمكر خديعة { وعند الله مكرهم } اى جزاء مكرهم الذى فعلوه { وان } وصلية { كان مكرهم } فى العظم والشدة { لنزول منه الجبال } مسوى لازالة الجبال عن مقارها معدا لذلك
قال فى الارشاد اى وان كان فى غاية المتانة والشدة وعبر عن ذلك بكونه مسوى ومعدا لذلك مثلا فى ذلك

(6/358)


فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله إن الله عزيز ذو انتقام (47)

{ فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله } بتعذيب الظالمين ونصر الظالمين ونصر المؤمنين واصله مخلف رسله وعده وقدم المفعول الثانى لعلاما بان لا يخلف وعده احدا فكيف يخلف رسله الذين هم خيرته وصفوته والوعد عبارة عن الاخبار بايصال المنفعة قبل وقوعها . والمعنى دم على ما كنت عليه من اليقين بعد اخلافنا رسلنا وعدنا { ان الله عزيز } غالب لا يماكر قادر لا يدافع { ذو انتقام } لاوليائه من اعدائه
قال فى القاموس انتقم منه عاقبة
[ ودر معالم از مرتضى على رضى الله عنه نقل ميكند كه اين آيت درقصه نمرود جباراست كه جون سلامت ابراهيم از آتش مشاهده كرد كفت بزرك خدايى دارد ابراهيم كه اورا از آتش رهانيد من خواهم كه برآسمان روم واورا به بينم اشراف مملكت كفتند كه آسمان بغايت مرتفع است وبدو رفتن با آسانى ميسر نشود نمرود نشنيد وفرمود تاصرحى شازند درسه سال بغايت بلندكه ارتفاع آن بنجهزار كزبود ودو فرسخ عرض آن بود وجون برانجا رفت آسمانرا همجنان ديدكه در زمين ميديد روز ديكر آن بنا بنهاد وبادى مهيب بوزيد وآن بنارا از بيخ وبنياد بكند وجون آن صرح از باى در آمد وخلق بسيار هلاك شد نمرود خشم كرفت وكفت برآسمان روم وباخداى ابراهيم كه مناره مرا بيفكند جنك كنم بس جهار كركس برورش داد تاقوت تمام كرفتند وصندوقى جهار كوشة ساخت ودو دريكى فوقانى وديكرى تحتانى در راست كرد برجهار طرف او جها نيزه كه زير وبالا توانستى شد تعبيه نمود بس كركسانرا كرسنه داشتند وجهار مردار برسر نيزها كرده اطراف صندوق را برتن كركسان بستند ايشان ازغايت جوع ميل ببالا كرده جانب مردار برواز نمودند وصندوق راكه نمرود بايك تن در آنجا بود بهوا بعد ازشبانروزى نمرود در فوقانى كشاده آسمانرا برهمان حال ديد كه برزمين ميديد رفيق را كفت تادر تحتانى بكشاد كفت بنكر تاجه مى بينى آنكس نكاه كرد وجواب دادكه روز ستبق مشاهده نمود ورفيق كه باب تحتانى بكشود بجزدود وتاريكى جيزى مشهود نبود نمرود بترسيدى ] فنودى ايها الطاغى اين تريد
قال عكرمة كان معه فى التابوت غلام قد حمل القوس والنشاب فرمى بسهم فعاد اليه السهم متلطخا بدم سمكة قذفت نفسها من بحر فىلهواء وقيل طائر اصابه السهم فقال كفيت شغل اله السماء ثم امر نمرود صاحبه ان يصوب الخشبات وينكس اللحم ففعل فهبطت النسور بالتابوت فسمعت الجبال هفيف التابوت والنسور ففزعت فظنت انه قد حدث حادث فى السماء وان الساعة قد قامت فكادت تزول عن اماكنها وهو المراد من مكرهم
يقال ان نمرود اول من تجبر وقهر وسن سنن السوء واول من لبس التاج فاهلكه الله ببعوضة دخلت فى خياشيمه فعذب بها اربعين يوما ثم مات سوى اوخصمى كه تير انداخته بشه كارش كفايت ساخته
وفى المثنوى

(6/359)


اى خنك انراكه ذلت نفسه ... واى آن كزسركشى شد جون كه او
بندكى اوبه از سلطانى است ... كه انا خيردم شيطانى است
فرق بين وبركزين تواى جليس ... بندكى آدم از كبر بليس
ايها المؤمنون اين الانبياء والمرسلون واين الاولياء المقربون واين الملوك الماضية والجبارون المتكبرون ما لكم لا تنظرون اليهم ولا تعتبرون فاجتهدوا فى الطاعات وان كنتم تعقلون واتقوا يوم ترجعون فيه الى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون

(6/360)


يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات وبرزوا لله الواحد القهار (48)

{ يوم تبدل الارض غير الارض والسموات } اى اذكر يوم تبدل هذه الارض المعروفة ارضا اخرى غير معرفة وتبدل السموات غير السموات ويكون الحشر وقت التبديل عند الظلمة دون الجسر او يكون الناس على صراط كما روى عن عائشة رضى الله عنها قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم يا رسول الله هل تذكرون اهاليكم يوم القيامة قال « اما عند مواطن ثلاثة فلا عند الصراط والكتاب والميزان » قالت قلت يا رسول الله يوم تبدل الارض غير الارض اين الناس يومئذ قال « سألتنى عن شيء ما سألنى احد قبلك الناس يومئذ على الصراط » والتبديل قد يكون فى الذات كما بدلت الدراهم دنانير وقد يكون فى الصفات كما فى قولك بدلت الحلقة خاتما اذا اذبتها وغيرت شكلها والاية تحتملهما
نقل القرطبى عن صاحب الافصاح ان الارض والسماء لا تبدلان مرتين المرة الاولى تبدل صفتهما فقط وذلك قبل نفخة الصعق فتتناثر كواكبها وتخسف الشمس والقمر اى يذهب نورهما ويكون مرى كالدهان ومة كالمهل وتكشف الارض وتسير جبالها فى الجو كالسحاب وتسوى اوديتها وتقطع اشجارها وتجعل قاعا صفصفا اى بقعة مستوية والمرة الثانية تبدل ذاتهما وذلك ان وقفوا فى المحشر فتبدل الارض بارض من فضة لم يقع عليها معصية وهى الساهرة والسماء تكون من ذهب كما جاء عن على رضى الله عنه
والاشارة تبدل ارض البشرية بارض القلوب فتضمحل ظلماتها بانوار القلوب وتبدل سموات الاسرار بسموات الارواح فان شموسها بل تبدل ارض الوجود المجازى عن اشراق تجلى انوار الربوبية بحقائق انوار الوجود الحقيقى كما قال { واشرقت الارض بنور ربها } { وبرزوا } اى خرج الخلائق من قبورهم { لله الواحد القهار } اى لمحاسبته ومجازاته وتوصيفه بالوصفين للدلالة على ان الامر فى غاية الصعوبة كقوله { لمن الملك اليوم لله الواحد القهار } فان الامر اذا كان لواحد غلاب لا يغالب فلا مستغاث لاحد الى غيره ولا مستجار
يقول الفقير سمعت شيخى وسندى قدس سره وهو يقول فى هذه الآية هذا ترتيب انيق فان الذات الاحدية تدفع بوحدتها الكثرة وبقهرها الآثار فيضمحل الكل فلا يبقى سواه تعالى
وقال فى المفاتيح القهار هو الذى اذل الجبابرة وقصم ظهورهم بالاهلاك

(6/361)


وترى المجرمين يومئذ مقرنين في الأصفاد (49)

{ وترى المجرمين يومئذ } اى يوم هم بارزون { مقرنين } حال من المجرمين قرن بعضهم مع بعض بحسب مشاركتهم فى العقائد الفاسدة او قرنوا مع الشياطين الذين اغووهم او قرنت ايديهم وارجلهم الى رقابهم بالاغلال { فى الاصفاد } متعلق بمقرنين اى يقرنون فى الاصفاد وهى القيود كما فى القاموس جمع صفد محركة واصله الشد صفدته اذا شددنه شاد وثيقا

(6/362)


سرابيلهم من قطران وتغشى وجوههم النار (50)

{ سرابيلهم } اى قمصانهم جمع سربال { من قطران } وهو عصارة الابهل والارز ونحوهما
قال فى التفاسير هو ما يتحلب من الابهل فيطبخ فتهنأ به الابل الجربى فيرحق الجرب بحدته وقد تصل حرارته الى الجوف وهو اسود منتن يسرع عليهم الالوان الاربعة من العذاب لذع القطران وحرقته واسراع النار فى جلودهم واللون الموحش ونتن الري على ان التفاوت بين القطرانين كالتفاوت بين النارين فانه ورد « وان ناركم هذه جزء من سبعين جزأ من نار جهنم » وقس عليها القطران ونعوذ بالله من عذابه كله فى الدنيا والآخرة وما بينهما
وقال فى التبيان القطران فى الآخرة ما يسيل من ابدان اهل النار
وعن يعقوب { من قطران } والقطر النحاس او الصفر المذاب التى تمس جلدهم المسربل بالقطران لانهم لم يتوجهوا بها الى الحق ولم يستعملوا فى تدبره مشاعرهم وحواسهم التى خلقت فيها لاجله كما تطلع على افئدتهم لانها فارغة عن المعرفة مملوءة بالجهالات
وفى بحر العلوم الوجه يعبر به عن الجملة والذات مجازا وهو ابلغ من الحقيقة اى وتشملهم النار وتلبسهم لان خطاياهم شملتهم من كل جانب فجوزوا على قدرها حتى الاصرار والاستمرار

(6/363)


ليجزي الله كل نفس ما كسبت إن الله سريع الحساب (51)

{ ليجزى الله } متعلق بمضمر اى يفعل بهم وذلك ليجزى { كل نفس } مجرمة { ما كسبت } من انواع الكفر والمعاصى جزاء موافقا لعملعا { ان الله سريع الحساب } اذ لا يشغله حساب عن حساب فيتمه فى اعجل ما يكون من الزمان فيوفى الجزاء بحسبه او سريع المجيئ يأتى عن قريب
وفى التأويلات وترى المجرمين وهم اوراح اجرموا اذا تبعوا النفوس ووافقوها فى طلب الشهوات والاعراض عن الحق يومئذ اى يوم التجلى مقيدين فى النفوس بقيود صفاتها الذميمة الحيوانية ولا يستطيعون للبروز والخروج لله سرابيلهم من قطران المعاصى وظلمات النفوس وهم محجوبون بها عن الله وتغشى وجوههم نار الحسرة والقطيعة والحرمان ليجزى الله كل نفس اى كل روح بما كسبت من صحبة النفس وموافقتها ان الله سريع الحساب اى يحاسبب الارواح بالسرعة فى الدنيا ويجزيهم بما كسبوا فى متابعة النفوس من العمى والصمم والجهل والغفلة والبعد وغير ذلك من الآفات قبل يوم القيامة

(6/364)


هذا بلاغ للناس ولينذروا به وليعلموا أنما هو إله واحد وليذكر أولو الألباب (52)

{ هذا } القرآن بما فيه من فنون العظات والقوارع { بلاغ للناس } كفاية لهم فى الموعظة والتذكير
قال فى القاموس البلاغ كسحاب الكفاية { ولينذورا به } عطف على مقدر واللام متعلقة بالبلاغ اى كفاية لهم فى ان ينصحوا وينذروا به
وفى التأويلات اى لينتبهوا بهذا البلاغ اى كفاية لهم فى ان ينصحوا وينذروا به
وفى التأويلات اى لينتبهوا بهذا البلاغ قبل المفارقة عن الابدان فينتفعوا به فان الانتباه بالموت لا ينفع { وليعلموا } بالتأمل فيما فيه من الآيات { انما هو اله واحد } [ آنكه اوست خداى يكتا } اى لا شريك له فيعبدوه ولا يعبدوا الها غيره من الدنيا والهوى والشيطان وما يعبدون من دون الله { وليذكر اولوا الالباب } اى لتذكروا ما كانوا يعملون من قبل من التوحيد وغيره من شؤون الله ومعاملته مع عباده فيرتدعوا عما يرديهم من الصفات التى يتصف بها الكفار ويتدرعوا بما يحصنهم من العقائد الحقة والاعمال الصالحة
قال البيضاوى اعلم انه سبحانه ذكر لهذا البلاغ ثلاث فوائد هى الغاية والحكمة فى انزال الكتب تكميل الرسل للناس واستكمال القوة النظرية التى منتعهى كمالها التوحيد واستصلاح القوة العملية التى هو التدرع بلباس التقوى
قال فى بحر العلوم وليذكروا اولوا الالباب اى وليتعظ ذووا الالباب من الاولين والآخرين قال الله تعالى { ولقد وصينا الذين اوتوا الكتاب من قبلكم واياكم ان اتقوا الله } ويكفيهم ذلك عظة ان اتعظوا والعقول فى ذلك متفاوتة فيجزى كل احد منهم على قدر عقله قال النبى صلى الله عليه وسلم « ان الجنة مدينة من نور لم ينظر اليها ملك مقرب ولا نبى مرسل جميع ما فيها من القصور والغرف والازواج والخدام من النور اعدها الله للعاقلين فاذا ميز الله اهل الجنة من اهل النار ميز اهل العقل فجعلهم فى تلك المدينة فيجزى كل قوم على قدر عقولهم فيتفلوتون فى الدرجات كما بين مشارق الارض ومغاربها بالف ضعف » يقول الفقير اشير بالعقلاء ههنا من اختاروا الله على غيره وان كانا متفاوتين فى مراتبهم بحسب تفاوت عقولهم وعلومهم بالله وهم المرادون فيما ورد « اكثر اهل الجنة البله » والعقلاء فى عليين فالابله وهو من اختار الجنة ونعيمها دون من اختار الله وقربه فى المرتبة فانه العابد بالمعاملات الشرعية وهذا العارف بالاسرار الالهية والعارف فوق العابد ألا ترى ان مقامه من نور ومقام العابد من الجوهر والنور فوق الجوهر فى اللطافة : قال الكمال الخجندى
نيست مارا غم طوبى وتمناى بهشت ... شيوه مردم ن اهل بود همست بست
وقال الملوى الجامى
يا من ملكوت كل شيء بيده ... طوبى لمن ارتضاك ذخره الغده
اين بس كه دلم جز توندارد كامى ... توخواه بده كام دلم خواه مده

(6/365)


الر تلك آيات الكتاب وقرآن مبين (1)

{ الر } اسم للسورة وعليه الجمهور اى هذه السورة مسماة بالر
وقال الكاشفى ( علما را در حروف مقطعه اقاويل بسيارست جمعة بر آنندكه مطلقا درباب آن سخن كفتن سلوك سبيل جرأتست . ودرينابيع آودكه كه فاروق را از معنى اين حروف برسيدند فرمودند اكردروى سخن كويم متكلف باشم وحق تعالى بيغمبر خودرا فرمودكه كه بكو وما ابا من المتكلفين ] يقول الفقير انما عد حضرة الفاروق رضى الله عنه المقال فيه من باب التكلف لا من قبيل ما يعرف بالذوق الصحيح والمشرب الشافى واللسان قاصر عن افادة ما هو كذلك على حقيقته لانه ظرف الحروف والالفاظ لا ظرف المعانى والحقائق ولا مجال له لكونه منتهيا مقيدا ان يسع فيه ما لا نهاية له
وفيه اسعار بان الكلام فيه ممكن فى الجملة . واما قول من قال ان هذه الحروف من اسرار استأثر الله بعلمها فى حق القاصرين عن فهم حقائق القرآن والخالين عن ذوق هذا الشأن وعلم عالم المشاهدة والعيان والا فالذى استأثر بعلمه انما هى الممتنعات وهى ما لم يشم رائحة الوجود بل بقى فى غيب العلم المكنون بخلاف هذه الحروف فانها ظهرت فى عالم العين وما هو كذلك لا بد وان يتعلق به علم الاكملين لكونه من مقدوراتهم فالفرق بين عالم الخالق والمخلوق ان علم الخالق عام شامل بخلاف علم المخلوق فافهم هداك الله [ وبعضى كويند هرحرفى اشارت باسميت جنانجه در الر الف اشارت باسم الله است ولام باسم جبريل ورا باسم حضرت رسول صلى الله عليه وسلم اين كلام ازخداى تعالى بواسطة جبريل برسول رسيده ] { تلك } السورة العظيمة الشأن { آيات الكتاب } الكامل الحقيق باختصاص اسم الكتاب على الاطلاق على ما يدل عليه اللام اى بعض من جميع القرآن او من جميع المنزل او من جميع المنزل اذ ذاك او آيات اللوح المحفوظ { وقرآن } عظيمى الشأن { مبين } مظهر لما فى تضاعيفه من الحكم والمصالح او لسبيل الرشد والغى او فارق بين الحق والباطل والحلال والحرام فهو من ابان المتعدى ويمكن ان يجعل من اللازم الظاهر امره فى الاعجاز او الواضحة معلنيه للمتدبرين او البين للذين انزل عليهم لانه بلغتهم واساليبهم وعطف القرآن على الكتاب من عطف احدى الصفتين على الاخرى اى الكلام الجامع بين الكتابية والقرآنية
وفى التأويلات النجمية يشير بكلمة { تلك } الى قوله { الر } اى كل حرف من هذه الحروف حرف من آية من { آيات الكتاب و } هى { قرآن مبين }
فالالف اشارة الى آية { الله لا اله الا هو الحى القيوم } واللام اشارة الى آية { ولله ملك السموات والارض يغفر لمن يشاء } والراء اشارة الى آية { ربنا ظلمنا } فالله تعالى اقسم بهذه الآيات الثلاث باشارة هذه الحروف الثلاثة ثم اقسم بجميع القرآن بقوله { وقرآن مبين }

(6/366)


ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين (2)

{ ربما } رب ههنا للتكثير كما فى مغنى اللبيب . والمعنى بالفارسية ( اى بساوقت كه } { يود } يتمنى في الآخرة { الذين كفروا } بالقرآن وبكونه من عند الله { لو كانوا مسلمين } يعنى فى الدنيا مستسلمين لاحكام الله تعالى واوامره ونواهيه ومفعول يود محذوف لدلالة لو كانوا مسلمين عليه أى يودون الاسلام على أن لو للتمنى حكاية لوداداتهم فر تقتضى جوابا وانما جيء بها على لفظ الغيبة نظرا الى انهم مخبر عنهم واو نظر الى الحكاية لقيل لو كنا مسلمين واما من جعل لو الواقعة بعد فعل يفهم منه معنى التمنى حرفا مصدرية فمفعول يود عنده لو كانوا مسلمين على ان يكون الجملة فى تأويل المفرد وفى الحديث « اذا كان يوم القيامة واجتمع اهل النار ومعهم من شاء الله من اهل القبلة قال الكفار لمن فى النار من اهل القبلة ألستم مسلمين فقالوا بلى قالوا ففما اغنى عنكم اسلامكم وانتم معنا فى النار من اهل القبلة ألستم مسلمين فقالوا بلى قالوا فما اغنى عنكم اسلامكم وانتم معنا فى النار قالوا كانت لنا ذنوب فاخذنا بها فيغضب الله لهم بفضل رحمته فيأمر بكل من كان من اهل القبلة فى النار فيخرجون منها فحينئذ يود الذين كفروا لو كطانوا مسلمين » وفى الحديث « لا يزال الرب يرحم ويشفع اليه حتى يقول من كان من المسلمين فليدخل الجنة فعند ذلك يتمنون الاسلام » اى يتمنونه اشد التمنى ويودونه اشد الودادة والا فنفس الودادة ليست بمختصة بوقت دون وقت بل هى مستمرة فى كل آن يمر عليهم قبل دخول النار وبعده كما يدل عليه رب التكثيرية
وقال بعضهم ربما يود الذين فسقوا لو كانوا مطيعين وربما يود الذين كسلوا لو كانوا مجتهدين وربما يود الذين غفلوا لو كانوا ذاكرين
اكر مرده مسكين زبان داشتى ... بفرياد وزارى فغان داشتى
كه اى زنده جون هست امكان كفت ... لب ازذكر جون مرده برهم مخفت
جومارا بغفلت بشد روزكار ... توبارى دمى جند فرصت شمار
وقال عبد الله بن المبارك ما خرج من الدنيا من مرمن وكافر الا على ندامة وملامة لنفسه فالكافر لما يرى من سوء ما يجازى به والمؤمن لرؤية تقصيره فى القيام بموجب الخدمة وترك الحرمة وشكر النعمة
وقال ابن العرجى الكفران هنا كفران النعمة ومعناه ربما يود الذين جهلوا نعم الله عندهم وعليهم ان لو كانوا شاكرين عارفين برؤية الفضل والمنة
يقول الفقير عبادة الكفر وان كانت شاملة لكفر الوحدة وكفر النعمة لكن الآية نص فى الاول ولا مزاحمة فى باب المعانى الثوانى التى هى من قبيل الاشارات القرآنية والمدلولات المحتملة فعليك العمل بالكل فانه سلوك لخير السبل

(6/367)


ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون (3)

{ ذرهم } اى دع الكفار يا محمد عن النهى عماهم عليه بالتذكرة والنصيحة لا سبيل الى ارعوائهم عن ذلك
والآية منسوخة بآية القتال كما فى بحر العلوم
قال الكاشفى [ امر تهوين وتحقير است يعنى كافران درجه حسابند دست ازيشان بدار تا در دنيا ] { يأكلوا } كالانعام { ويتمتعوا } بدنياهم وشهواتها والمراد دوامهم على ذلك لاحداثهم كانوا كذلك وهما امران بتقدير اللام لدلالة ذرهم عليه او جواب امر على التجوز لان الامر بالترك يتضمن الامر بهما اى دعهم وبالغ فى تخليتهم وشانهم بل مردهم بتعاطى ما يتعاطون { ويلههم } اى يشغلهم عن اتباعك او عن الاستعداد للمعاد { الامل } التوقع لطول الاعمار وبلوغ الاوطار واستقامة الاحوال وان لا يلقوا فى العاقبة والمآل الاخيرا : قال الصائب
درسر اين غافلان طول امل دانى كه جيست ... اشيان كردست مارى دركبوتر خانه
قال فى بحر العلوم ان الامل رحمة لههذ الامة لولاه لتعطل كثير من الامور وانقطع اغلب اسباب العيش والحياة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « انما الامل رحمة الله لامتى لولا الامل ما ارضعت ام ولدا ولا غرس غارس شجرا » رواه انس والحكمة لا تتضى اتفاق الكل على الاخلاص والاقبال الكلى على الله فان ذلك مما يخل بامر المعاش وولذلك قيل لولا الحمقى لخربت الدنيا
قال بعضهم لو كان الناس كلهم عقلاء لما اكلنا رطبا ولا شربنا ماء باردا يعنى ان العقلاء لا يقدمون على صعود النخيل لاجتناء الرطب ولا على حفر الآبار لاستنباط الماء البارد كما فى اليواقيت
قال فى شرح الطريقة الامل ارادة الحياة للوقت للتراخى بالحكم والجزم اعنى بلا استثناء ولا شرط صلاح وهو مذموم فى الشرع جدا وغوائله اربع الكسل فى الطاعة وتأخيرها وتسويف التوبة وتركها قسوة القلب بعد ذكر الموت والحرص على جميع الدنيا والاشتغال بها عن الآخرة { فسوف يعلمون } سوء صنيعهم اذا عاينوا جزاءه وهو وعيد لهم
قال فى التأويلات النجمية قوله { ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الامل } تهديد لنفس ذاقت حلاوة الاسلام ثم عادت الى طبعها الميشوم واستحلت مشاربها من نعيم الدنيا والتمتع بنعيمها ثم قال { فسوف يعلمون } ما خسروا من انواع السعادات والكرامات والدرجات والقربات وما فات منهم من الاحوال السينية والمقامات العلية وما اورثتهم الدنيا الدنية من البعد من الله والمقت وعذاب نار القطيعة والحرمان

(6/368)


وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم (4)

{ وما أهلكنا } شروع فى بيان سر تأخير عابهم الى يوم القيامة وعدم نظمهم فى سلك الامم الدارجة فى تعجيل العذاب اى وما اهلكنا { من قرية } من القرى بالخسف بها وباهلها كما فعل ببعضها او باخلائها عن اهلها غب اهلاكهم كما فعل بآخرين { الا ولها } فى ذلك الشأن { كتاب } اى جعل مقدر مكتوب فى اللوح المحفوظ واجب المراعاة بحيث لا يمكن تبديله لوقوعه حسب الحكمة المقتضية له { معلوم } لا ينسى ولا يغفل حتى يتصور التخلف عنه التقدم والتأخر . فكتاب مبتدأ خبره الظرف والجملة حال من قرية فانها لعمومها لا سيما بعد تأكده بكلمة من فى حكم الموصوفة كما اشير اليه . والمعنى وما اهلكنا قرية من القرى فى حال من الاحوال الا حال ان يكون لها كتاب اى اجل مؤقت لهلكها قد كتبناه لانهلكها قبل بلوغ معلوم لا يغفل عنه حتى تمكن مخالفته بالتقدم والتأخر او صفة للقرية المقدرة التى هى بدل من المذكورة على المختار فيكون بمنزلة كونه صفة للمذكورة اى وما اهلكنا قرية من القرى الا قرية لها كتاب معلوم وتوسيط بينهما وان كان القياس عدمه للايذان بكمال الالتصاق بينهما من حيث ان الواو شأنها الجمع والربط

(6/369)


ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون (5)

{ ما تسبق } ما نافية { من } زائدة { امة } من الامم الهالكة وغيرهم { اجلها } المكتوب فى كتابها اى لا يجيئ هلاكها قبل مجيئ كتابها { وما يستأخرون } اى وما يتأخرون عنه وانما حذف لانه معلوم ولرعاية الفواصل وصيغه الاستفعال للاشعار بعجزهم عن ذلك مع طلبهم له واما تأنيث ضمير امة فى اجلها وتذكيره فى يستأخرون فللحمل على اللفظ تارة وعلى المعنى اخرى
وفى التأويلات النجمية { ما تسبق من امة اجلها } حتى يظهر منها ما هو سبب هلاكها وتستوفى نفسها من الحظوظ ما يبطل الحقوق { وما يستأخرون } لحظة بعد استيفاء اسباب الهلاك والعذاب : قال السعدى
طريقى بدست وصلحى بجوى ... شفيعى برانكيز وعذرى بكوى
كه يك لحظة صورت نه بنددامان ... جو بيمانه برشد بدور زمان
فعلى العاقل ان يجتهد فى تزكية النفس الامارة وازالة صفاتها المتمردة ومن المعلوم ان الدنيا كالقرية الصغيرة والآخرة كالبدة الكبيرة ولم يسلم من الآفات الا من توجه الى السواد الاعظم فانه ما من لكل نفس فلو مات عند الطريق فقد وقع اجره على الله ولو تأخر واجتهد فى عمارة قرية من الجسد واشتغل بالدنيا واسبابها هلك مع الهالكين واذا كان لكل نفس اجل لا تموت الا عند حلوله وهو مجهول فلا بد من التهيئ فى كل زمان وذكر الموت كل حين وآن وقصر الامل واصلاح العمل ودفع الكسل
وعن ابى سعيد الخدرى رضى الله عنه انه اشترى اسامة ابن زبد من زيد بن ثابت وليدة بمائة دينار الى شهر فسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول « ألا تعجبون من اساموة المشترى الى شهر ان اسامة لطويل الامل والذى نفسى بيده ما طرفت عيناى الا ظننت ان شفرى لا يلتقيان حتى يقبض الله روحى ولا رفعت طرفى فظننت انى واضعه حتى اقبض ولا لقمت لقمة الا ظننت انى لا اسيغها حتى اغص بها من الموت ثم قال يا بنى آدم ان كنتم تعقلون فصدوا انفسكم من الموتى والذى نفسى بيده انما توعدون لآت وما انتم بمعجزين » اى لا تقدرون على اعجاز الله عن اتيان ما توعدون به من الموت والحشر والحساب وغيرها من احوال القيامة واهوالها

(6/370)


وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون (6)

{ وقالوا } اى مشركوا مكة وكفار العرب لغاية تماديهم فى العتو والغى
وفى بعض التفاسير نزلت فى عبد الله بن امية { يا ايها الذى نزل عليه الذكر } نادوا به النبى عليه السلام على وجه التهكم ولذا جننوه بقولهم { انك لمجنون } اذ لا يجتمع اعتقاد نزول الذكر عليه ونسبه الجنون الهي . والمعنى انك لتقول قول المجانين حين تدعى ان الله نزل عليك الذكر اى القرآن
وقال الكاشفى [ بدرستى توديوانه كه مارا از نقد بنسيه مى خوانى ] وجواب هذه الآية قوله تعالى فى سورة القلم { ما ان بنعمة ربك بمجنون } اى ما انت بمجنون حال كونك منعما عليك بالنبوة وكمال العقل
يقول الفقير الجنون من اوصاف النقصان يجب تبرئة ساحة الانبياء وكمل اولالياء منه وعد نسبته اليهم من الجنون اذ لاسفه اشد من نسبة النقصان وسخافة العقل والاذعان الى المراجيح الرزان ولا عقل من العقول الا وهو مستفيض من العقل الاول الذى هو الروح المحمدى والعاقل بالعقل المعادى مجنون عند العاقل بالعقل المعاشى وبالعكس ولا يكون مجنونا بالجنون المقبول الا بعد دخول ائرة العشق
قال حضرة الشيخ الاكبر قدس سره الاطهر
جننا مثل مجنون بليلى ... شغفنا حب جيران بسلمى
يعنى جننا من الازل الى الابد بجنون عشق المعشوق الوجه الحق وحب المحبوب الجمال المطلق كما جن مجنون بجنون عشق المعشوق ليلى الخلق وحب المحبوب الجمال المقيد : قال الصائب
روزن عالم غيبست دل اهل جنون ... من وآن شهركه ديوانه فراوان باشد

(6/371)


لو ما تأتينا بالملائكة إن كنت من الصادقين (7)

{ لوما } حرف تحضيض بمعنى هلا وبالفارسية [ جرا ] { تأتينا } [ نمى آرى ] فالباء للتعدية فى قوله { بالملائكة } يشهدون بصحة نبوتك ويعضدونك فى الانذار كقوله تعالى { لولا انزل عليك ملك فيكون معه نذيرا } يعنى [ اكر راست مى كويى كه بيغميرى فرشتكانرا حاضركن تابحضور ما كواهى دهند برسالت تو ] او يعاقبوننا على التكذيب كما اتت الامم المكذبة لرسلهم { ان كنت من الصادقين } فى دعواك فان قدرة الله على ذلك مما لا ريب فيه وكذا احتياجك اله فى تمشية امرك

(6/372)


ما ننزل الملائكة إلا بالحق وما كانوا إذا منظرين (8)

فقال الله تعالى فى جوابهم { ما ننزل الملائكة الا بالحق } اى ملتبسا بالوجه الذى يحق ملابسة التنزيل مما تقتضيه الحكمة وتجرى به السنة الالهية والذى اقترحوه من التنزيل لاجل الشهادة لديهم وهم هم ومنزلتهم فى الحقارة والهوان منزلتهم مما لا يكاد يدخل تحت الصحة والحكمة اصلا فان ذلك من باب التنزيل بالوحى الذى لا يكاد يفتح على غير الانبياء العظام من افراد كمل المؤمنين فكيف على امثال اولئك الكفرة اللئام وانما الذى يدخل فى حقهم تحت الحكمة فى الجملة هو التنزيل للتعذيب والاستئصال كما فعل باضرابهم من الامم السالفة ولو فعل ذلك لاستؤصلوا بالمرة { وما كانوا اذن منظرين } اذن جواب وجزاء لشرط مقدر وهر مركبة من اذ وهو اسم بمعنى الحين ثم ضم اليه ان فصار اذان ثم استثقلوا الهمزة فخذوها فمجيئ لفظة ان دليل على اضمار فعل بعدها والتقدير وما كانوا اذا كان ما طلبوه منظرين والانظار التأخير . والمعنى ولو نزلنا الملائكة ما كانوا مؤخرين بعد نزولهم طرفة عين كدأب سائر الامم المكذبة المستهزئة ومع استحقاقهم لذلك قد جرى علم القضاء بتأخير عذابهم الى يوم القيامة لتعلق العلم والارادة بازديادهم عذابا وبايمان بعد ذراريهم
وفى تفسير الكاشفى { ما ننزل الملائكة الا بالحق } مكر بوحى نازل بعذاب : يعنى ملك رابصورت اصل وقتى توانندديدكه بجهت عذاب نازل شوند جنانجه قوم ثمود جبريل رادرزمان صيحه ديدند يا بوقت مرك جنانجه همه كس مى بينند { وما كانوا اذن } ونباشند آن هنكام كه ملائكه را بدين صزرت فرستيم { منظرين } از مهلت داد كان يعنى فى الحال معذب شوند ]

(6/373)


إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون (9)

{ انا نحن } لعظم شأننا وعلو جنابنا ونحن ليست بفصل لانها بين اسمين وانما هى مبتدأ كما فى الكواشى { نزلنا الذكر } ذلك الذكر الى انكروه وانكروا نزوله عليك ونسبوك بذلك الى الجنون وعموا منزله حيث بنوا الفعل للمفعول ايماء الى انه امر لا مصدر له وفعل لا فاعل له
قال الكاشفى [ وذكر بمعنى شرف نيزمى آيد يعنى اين كتاب موجب شرف خوانند كانست ] يعنى فى الدنيا والآخرة كما قال تعالى { بل اتيناهم بذكرهم } اى بما فيه شرفهم وعزهم وهو الكتاب { وانا له لحافظون } فى كل وقت من كل ما لا يليق به كالطعن فيه والمجادلة فى حقيته والتكذيب له والاستهزاء به والتحريف والتبديل والزيادة والنقصان ونحوها واما الكتل المتقدمة فلما لم يتول حفظها واستحفظها الناس تطرق اليها الخلل
وفى التبيان او حافظوا له من الشياطين من وساوسهم وتخاليطهم : يعنى [ شيطان نتواندكه دروجيزى ازباطل بيفزايد يا جيزى از حق كم كند ]
قال فى بحر العلوم حفظه الله بالصرفة على معنى ان الناس كانوا قادرين على تحريفه ونقصانه كما حرفوا التوراة والانجيل لكن الله صرفهم عن ذلك او بحفظ العلماء وتصنيفهم الكتب التى صنفوها فى شرح الفاظه ومعانيه ككتب التفسير والقراآت وغير ذلك : وفى المثنوى
مصطفى را وعده كرد الطاف حق ... كر بميرى تونميرد اين سبق
من كتاب معجزت را رافعم ... بيش وكم كن را زقرآن مانعم
من ترا اندر دو عالم حافظهم ... طتعنانرا از حديثت دافعم
كس نتاند بيش وكم كردن درو ... تو به ازمن حافظى ديكر مجو
رونقت را روز افزون كنم ... نام توبر زر و بر نقره زنم
منبر ومحراب سازم بهرتو ... در محبت قهر من شد قهرتو
جاكرانت شهرها كيرند وجاه ... دين توكيرد زماهى تابماه
تا قيامت باقيش داريم ما ... تومترس از نسخ دين اى مصطفى
وعن ابى هريرة ال رسول الله صلى الله عليه وسلم « ان الله يبعث لهذه الامة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها » ذكره ابن داود فى سننه
وفيما ذكر اشارة الى ان القرآن العظيم ما دام بين الناس لا يخلو وجه الارض عن المهرة من العلماء والقراء والحفاظ -روى- « انه يرفع القرآن فى آخر الزمان من المصاحف فيصبح الناس فاذا الورق ابيض يلوح ليس فيه حرف ثم ينسخ القرآن من القلوب فلا يذكر منه كلمة ثم يرجع الناس الى الاشعار والا عانى واخبار الجاهلية » كما فى فصل الخطاب
فعلى العاقل التمسك بالقرآن وحفظه نظما ومعنى فان النجاة فيه وفى الحديث « من استظهر القرآن حفف عن والديه العذاب وان كانا مشركين » وفى حديث آخر « اقرأوا القرآن واستظهروه فان الله لا يعذب قلبا وعى القرآن »

(6/374)


وفى حديث آخر « لو جعل القرآن فى اهاب ثم القى فى النار ما احترق » اى من جعله الله حافظا للقرآن لا يحترق
وسئل الفرزدق لم يهجوك جرير بالقيد فقال قال لى ابى يوما تعالى فذهبت اثره حتى جئنا الى بادية رأينا من بعيد شخصا يجلس تحت شجرة مشغولا بالعبادة فغير ابى اوضاعه فمشى على مسكنة وذلة فلما قرب منه خلع نعليه وسلم بالخضوع والخشوع عليه وهو لم يلتفت اليه ثم تضرع ثانيا فرفع رأسه ورد سلامه ثم خاطبه ابى بالتواضع اليه وقال هذا ابنى وله قصائد من نفسه فقال مرة قل لابنك تعلم القرآن واحفظه
در قيامت نرسد شعر بفرياد كسى ... كه سراسر سخنش حكمت يونان كردد
كما قال مولانا سيف الذين المنارى وكان من كبار العلماء رأيت لبعضهم كلمات فى الدنيا عالية ثم رأيته حال الرحلة عن الدنيا فى غاية الضعف والتشويش وقد ذهب عنه التحقيقات والمعارف فى ذلك الوقت فان الامر الحاصل بالتعمل والتكلف كيف يستقر حال الهرم والامراض وضعف الطبيعة سيما حال مفارقة الروح قال ثم رجعنا من عنده فبكيت فقال ابى لم تبكى يا بنى ونو عينى قلت لم لا ابكى وقد التفت الى شخص وانت من فضلاء الدهر وفصحائه وهو لم يلتفت اليك اصلا قال اسكت هو امير المؤمنين على بن ابى طالب رضى الله عنه فقلت الآن هو امرنى بحفظ القرآن فقال نعم فعهدت ان احفظه وقيت قدمى بالادهم حتى حفظته ثم اطلقت فانظر الى اهتمامه وحفظه
قيل اشتغل الامام زفر رحمه الله فى آخر عمره بتعليم القرآن وتلاوته سنتين ثم مات ورآه بعض شيوخ عصره فى منامه فقال لولا سنتان لهلك زفر
قال الكاشفى [ وكويند ضمير عائد بحضرت رسالت است يعنى نكهبان وييم از مضرت اعدا ] كما قال تعالى { والله يعصمك من الناس }
كر جمله جهانم خصم كردند ... نترسم جون نكهدارم توباشى
زشادى در همه حالم نكنجم ... اكريك لحظه غموخوارم توباشى
والاشارة { انا نحن نزلنا الذكر } فى قلوب المؤمنين وهو قول لا اله الا الله نظيره قوله تعالى { اولئك كتب فى قلوبهم الايمان } وقوله { هو الذى انزل السكينة فى قلوب المؤمنين } فالمنافق يقول لا اله الا الله ولكن لم ينزل الله فى قلبه ولم يحصل فيه الايمان { وانا له لحافظون } اى فى قلوب المؤمنين ولو لم يحفظ الله الذكر والايمان فى قلوب المؤمن لما قدر المؤمن على حفظه لانه ناس

(6/375)


ولقد أرسلنا من قبلك في شيع الأولين (10)

{ ولقد ارسلنا } اى رسلا وانما لم يذكر لدلالة ما بعده عليه { من قبلك } متعلق بارسالنا { فى شيع الاولين } اى فرقهم واحزابهم جمع شيعة وهى الفرقة المتفقة على طريقة ومذهب سموا بذلك لان بعضهم يشايع بعضا ويتابعه من شايعه اذا تبعه ومنه الشيعة وهم الذين شايعوا عليه وقالوا انه الامام بعد رسول الله واعتقدوا ان الامامة لا تخرج عنه وعن اولاده واضافته الى الاولين من اضافة الموصوف الى صفة عند الفراء والاصل فى الشيع الاولين ومن حذف الموصوف عند البصريين اى فى شيع الامم الاولين ومعنى ارسالهم فيهم جعل كل منهم رسولا فيما بين طائفة منهم ليتابعوه فى كل ما يأتى وما يذر من امور الدين

(6/376)


وما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون (11)

وما يأتيهم من رسول } اى ما اتى شيعة من تلك الشيع رسول خاص بها { الا كانوا به يستهزئون } كما يفعله هؤلاء الكفرة وفيه تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم بان هذه عادة الجهال مع الانبياء والجملة فى محل النصب على انها حال مقدرة من ضمير مفعول وفى يأتيهم اذا كان المراد بالاتيان حدوثه او فى محل الرفع على انها صفة لرسول فان محله الرفع على الفاعلية اى الا رسول كانوا به يستهزئون

(6/377)


كذلك نسلكه في قلوب المجرمين (12)

{ كذلك } اى كادخالنا الاستهزاء فى قلوب الاولين { نسلكه } اى ندخل الاستهزاء . والسلك ادخال الشيء فى الشيء كادخال الخيط فى المخيط اى الابرة والرمح فى المطعون { فى قلوب المجرمين } على معنى انه يخلقه ويزينه فى قلوبهم والمراد بالمجرمين مشركوا مكة ومن شايعهم فى الاستهزاء والتكذيب

(6/378)


لا يؤمنون به وقد خلت سنة الأولين (13)

{ لا يؤمنون به } اى بالذكر وهو بيان للجملة السابقة واختار المولى ابو السعود رحمه الله ان يكون ذلك اشارة الى ما دل عليه الكلام السابق من القاء الوحى مقرونا بالاستهزاء وان يعود ضمير نسلكه به والى الذكر على ان يكون لا يؤمنون به حالا من ضمير نسلكه . والمعنى اى مثل ذلك المسلك الذى سلكناه فى قلوب اولئك المستهزئين برسلهم وبما جاءوا به من الكتب نسلك الذكر فى قلوب المجرمين جال جونها مكذبا غير مؤمن به لانهم كانوا يسمعون القرآن بقراءة النبى صلى الله عليه وسلم فيدخل فى قلوبهم ومع ذلك لا يؤمنون لعدم استعدادهم لقبول الحق لكونهم من اهل الخذلان : قال السعدى قدس سره
كسى را كه بندار در سر بود ... مبندار هر كزكه بشنود
زعلمش ملال آيد ازوعظ ننك ... شقائق بباران نرويد ز سنك
قال سعدى المفتى مكذبا اى حال الالقاء من فير توقف كقوله تعالى { فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به } اى فى ذلك الزمان من غير توقف وزتفكر فلا حاجة الى جعلها حالا مقدرة اى كما فعله الطيبى
وفى التأويلات النجمية { كذلك نسلكه } اى الكفر { فى قلوب المجرمين لا يؤمنون به } بواسطة جرمهم فان الجرم يسلك الكفر فى القلوب كما يسلك الايمان بالعمل الصالح فى القلوب نظيره { بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون الا قليلا } { وقد خلت سنن الاولين } اى قد مضت طريقتهم التى سنها الله فى اهلاكهم حين فعلوا ما فعلوا من التكذيب والاستهزاء : يعنى [ هركه ازايشان هلاك شده بترك قبول حق وتكذيب رسل بوده ] وفيه وعيد لاهل مكة على استهزائهم وتكذيبهم
نه هر كز شنيدم درين عمر خويش ... كه برمردرا نيكى آمد به بيش

(6/379)


ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه يعرجون (14)

{ ولو فتحنا عليهم } اى على هؤلاء المقترحين المعاندين الين يقولون لوما تأتينا بالملائكة { بابا من السماء } اى بابا ما لا بابا من ابوابها المعهودة كما قيل ويسرنا لهم الرقى والصعود اليه { فظلوا }
قال فى بحر العلوم الظلول بمعنى الصيرورة كما يستعمل اكثر الافعال الناقصة بمعناها اى فصاروا { فيه } اى فى ذلك الباب { يعرجونؤ يصعدون بآلة او بغيرها ويرون ما فيها من العجائب عيانا او فضل الملائكة يصعدون وهم يشاهدونهم . ويقال ظل يعمل كذا اذا عمله بالنهار دون الليل . فالمعنى فظل الملائكة الذين اقترحوا اتيانهم يعرجون فى ذلك الباب وهم يرونه عيانا مستوضحين طول نهارهم كما قال الكاشفى [ بس باشند همه روزفرشتكان در نزر ايشان دران بالا ميروند وازان در زير مى آيند ]

(6/380)


لقالوا إنما سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون (15)

{ لقالوا } لغاية عنادهم وتشكيكهم فى الحق { انما سكرت ابصارنا } اى سدت من باب الاحساس : يعنى [ اين صورت در خارج وجود ندارد ]
قال فى القاموس قوله تعالى { سكرت ابصارنا } اى حبست عن النظر وحيرت او غطيت وغشيت
وفى تهذيب المصادر السكر [ بند بستن ] كما قال الكاشفى [ جزين نيست كه برسته اند جشمهاى مارا و خيره ساخته ] { بل نحن قوم مسحورون } قد سحرنا محمد كما قالوا عند ظهور سائر الآيات الباهرة كما قال تعالى حكاية عنهم { ويقولوا سحر مستمر } تلخيصه لو اتوا بما طلبوا لكذبوا لتماديهم فى الجحود والعناد وتناهيهم فى ذلك كما فى الكواشى . وفى كلمتى الحصر والاضراب دلالة على انهم يبتون القول بذلك وان ما يرونه لا حقيقة له وانما هو امر خيل اليهم بنوع من السحر قالوا انما تفيد الحصر فى المذكور آخرا فيكون الحصر فى الابصار لا فى التسكير فكأنهم قالوا سكرت ابصارنا لا عقولنا فنحن وان نتخايل بابصارنا هذه الاشياء لكنا نعلم بقولنا ان الحال بخلافه ثم قالوا بل نجن كأنهم اضربوا عن الحصر فى الابصار وقالوا بل جاوز ذلك الى عقولنا بسحر سحره لنا
اى رسول ماتو جادو نيستى ... آنجنانكه هيج مجنون نيستى
واعلم ان السحر من خرق العادة قد يصدر من الاولياء فيسمى كرامة وقد يصدر من اصحاب النفوس القوية من اصل الفطرة وان لم يكونوا اولياء وهم على قمسين اما خير بالطبع او شرير والاول ان وصل الى مقام الولاية فهو ولى وان لم يصل فهو من الصلحاء المؤمنين والمصلحين والثانى خبيث ساحر ولكل منهما التصرف فى العالم الشهادى بحسب مساعدة الاسباب المهيأة لهم فان ساعدتهم الاسباب الخارجية استولوا على اهل العالم كالفراعنة من السحرة وان لم تساعدهم ليس لهم ذلك الا بقدر قوة اشتغالهم باسبابهم الخاصة والسحر لا بقاء له بخلاف المعجزة كالقرآن فانه باق على وجه كل زمان والسحر يمكن معارضته بخلافها ولا يظهر السحر الا على يد فاسق وكذا الكهانة والضرب بالرمل والحصى ونحو ذلك والضرب بالحصى هو الذى يفعله النساء ويقال له الطرق وقيل الخط فى الرمل واخذ العوض عليه حرام كما فى فتح القريب
قال الشيخ صلاح الدين الصفدى فى كتاب اختلاف الائمة السحر رقى وعزائم وعقد تؤثر فى الابدان والقلوب فيمرض ويقتل ويفرق بين المرء وزوجه وله حقيقة عند الائمة الثلاثة
وقال الامام ابو حنيفة لا حقيق له ولا تأثير له فى الجسم وبه قال جعفر الاسترابادى من الشافعية وتعلمه حرام بالاجماع وكذا تعلم الكهانة والشعبذة والتنجيم والضرب بالشعير واما المعزم الذى يعزم على المصروع ويزعم انه يجمع الجن وانها تطيعه فذكره اصحابنا فى اسلحرة -روى- عن الامام احمد انه توقف فيه وسئل سعيد بن المسيب عن الرجل الذى يؤخذ عن امرأته ويلتمس من يداويه فقال انما نهى الله عما يضر ولم ينه عما ينفع فان استطعت ان تنفع اخاك فافعل انتهى ما فى اختلاف الائمة باختصار وكون السحر اشراكا مبنى على اعتقاد التأثير منه دون الله والتطير والتكهن والسحر على اعتقاد التأثير كفر فعلى الاول معنى قوله عليه السلام

(6/381)


« ليس منا من تطير او تطير له او تكهن او تكهن له او سحر او سحر له » انهى كافر وعلى الثانى ليس من اهل سنتنا وعامل طريقتنا ومستحق شفاعتنا واما تعليق التعويذ وهو الدعاء المجرب او الآية المجربة او بعض اسماء الله تعالى لدفع البلاء فلا بأس ولكن ينزعه عند الخلاء والقربان الى النساء كذا فى التاتارخانية وعند البعض يجوز عدم النزع اذا كان مستورا بشيء والاولى النزع كذا فى شرح الكردى على الطريقة

(6/382)


ولقد جعلنا في السماء بروجا وزيناها للناظرين (16)

{ ولقد جعلنا } الجعل هنا بمعنى الخق والابداع . والمعنى بالفارسية [ وبدرستى كه ما آفرديم وبيدا كرديم ] { فى السماء } متعلق بجعلنا { بروجا } قصورا ينزلها السيارات السبع فى السموات السبع كما اشار فى نصاب الصبيان على الترتيب بقوله
هفت كوكب هست كيتى را ... كاه ازيشان مدار وكاه خلل
قمرست وعطارد وزهره ... شمس ومريخ ومشترى وزحل
وهى البروج الاثنا عشر المشهورة المختلفة الهيأت والخواص واسماؤها الحمل والثور والجوزاء والسرطان والاسد والسنبلة والميزان والعقرب والقوس والجدى والدلو والحوت وقد بسطنا القول فى البروج والمنازل فى اوائل سورة يونس فليراجع ثمة وانما سميت البروج التى هى القصور المرفوعة لانها لهذه الكواكب كالمنازل لسكانها واشتقاق البرج من التبرج لظهورها
وفى شرح التقويم البرج فى اللغة الحصن وغاية الحصن المنع عن الدخول والوصول الى ما فيه ويقسم دور الفلك ويسمى كل قسم منها برجا طول كل واحد ثلاثون درجة وعرضه مائة وثمانون من القطب الى القطب وكل ما يقع فى كل قسم يكون فى ذلك البرج ولما كانت هذه الاقسام المتوهمة فى الفلك كالموانع عن تصرفات اشخاص العالم السفلى فيما فيها من الانجم وغيرها كما اشير اليه فى الكتاب الهى بقوله { وجعلنا السماء سقفا محفوظا } اعتبر المناسبة وسميت بالبروج { وزيناها } اى السماء بتلك البروج المختلفة الاشكال والكواكب سيارات كانت او ثوابت وسميت السيارة لسرعة حركاتها وسميت الثابتة بالثوابت اما لثبات اوضاعها ابدا واما لقلة حركاتها الثابتة وغاية بطئها فان السماويات ليست بساكنة وحركات الثوابت على رأى اكثر المتأخرين درجة واحدة فى ست وستين سنة شمسية وثمان وستين سنة قمرية فيتم برجا فى الفى سنة ودورة فى اربعة وعشرين الف سنة وتسمى الثوابت بالكواكب البيابانية اذ يهتدى بها فى الفلاة وهى البيابان بالعجمية والكواكب الثابتة باجمعها على الفلك الثامن وهو الكرسى وفوقه الفلك الاطلس اى فلك الافلاك وهو العرش سمى بالاطلس لخلوه عن الكواكب بالعرض اذ كل منها مركوز فى الفلك كالكرة المنغمسة فى الماء والكواكب التى ادركها الحكماء بارصادهم الف وتسعة وعشرون فمنها سيارة ومنها ثوابت والكل مما ادركوا وما لم يدركوا زينة السماء كما ان فى الارض زينة لها { للناظرين } لكل من ينظر اليها فمعنى التزيين ظاهر او للمتفكرين المعتبرين المستدلين بذلك على قدرة مقدرها وحكمة مدبرها فتزيينها ترتيبها على نظام بديع مستتبع للآثار الحسنة وتخصيصهم لانهم هم المنتفعون بها واما غيرهم فنظرهم كلا نظر قال السعدى قدس سره
دوجشم از بى صنع بارى نكوست ... زعيب برادر فرو كير ودوست
غبار هوا جسم عقلت بدوخت ... سموم هواكشت عمرت بسوخت
بكن سرمه غفلت از جشم باك ... كه فردا شوى سرمه در جشم خاك

(6/383)


وحفظناها من كل شيطان رجيم (17)

{ وحفظناها } اى السماء { من كل شيطان رجيم } مرمى بالنجوم فلا يقدر ان يصعد اليها ويوسوس فى اهلها ويتصرف فى اهلها ويقف على احوالها فيلاحظ فى الكلام معنى الاضافة اذ الحفظ لا يكون من ذات الشيطان وفى كلمة ههنا دلالة على ان اللام فى الشيطان الرجيم فى الاستعاذة لاستغراق الجنس كما فى بحر العلوم
وقال بعضهم هل المراد فى الاستعاذة كل شيطان او القرين فقط الظاهر انه فى حقنا القرين قال الله تعالى { ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين } وفى حق رسول الله صلى الله عليه وسلم ابليس اما نحن فلان الانسان لا يؤذيه من الشياطين الا ما قرن به وما بعد فلا يضر شيأ
والعاقل لا يستعيذ مما لا يؤذيه واما الرسول عليه السلام فلانه لما قيل له ولا انت يا رسول الله قال « ولا انا ولكن الله تعالى اعاننى عليه حتى اسلم فلا يأمرنى الا بخير » فاذا كان قرينه عليه السلام قد اسلم فلا يستعيذ منه فالاستعاذة حينئذ من غيره وغيره يتعين ام يكون ابليس او اكابر جنوده لانه قد ورد فى الحديث « ان عرش ابليس على البحر الاخضر وجنوده حوله واقربهم اليه اشدهم بأسا ويسأل كلا منهم عن عمله واغوائه ولا يمشى هو الا فى الامور العظام » والظاهر ان امر رسول الله صلى الله عليه وسلم من اهم المهمات عنده فلا يؤثر به غيره من ذريته
يقول الفقير انما يستعيذ عليه السلام من الشيطان امتثالا للامر الالهى لا غير اذ لا تسلط على افراد امته المخلصين بالفتح فضلا عن التسلط عليه وهو آيس من وسوسته صلى الله عليه وسلم لانه يحترق من نوره عليه السلام فلا يقرب منه واما قوله تعالى { واما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله } ففرض وتقدير وتشريع وكذا قوله تعالى { ان الذين اتقوا اذا مسهم طائف من الشيطان نزغ فاستعذ بالله } ففرض وتقدير وتشريع وكذا قوله تعالى { ان الذين اتقوا اذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فاذا هم مبصرون } لا يدل على وقوع المس فى حق كل متق بل يكفى وجوده فى حق بعض افراد الامة فى الجملة ولئن سلم كما يدل عليه قوله تعالى { وما ارسلنا من قبلك من رسول ولا نبى الا اذا تمنى القى الشيطان فى امنيته } اى اذا قرأ وناجى القى الوسوسة فى قراءته ومناجاته فهو يعلم انه عليه السلام لا يعمل بمقتضى وسوسته لانه نفسه اخرج المخلصين بالفتح من ان يتعرض لهم اغواء او يؤثر فيهم وسوسة ولا مانع من الاستعاذة من كل شيطان سواء كان مؤذيا ام لا اذ عداوته القديمة لبنى آدم مصححة لها ومن نصب نفسه للعداوة فاولاده تابعة له فى ذلك وقد ذكروا ان لوسوسته اليوم فى قلوب جميع اهل الدنيا حالة واحدة وهو كقبض عزرائيل عليه السلام والارواح من بنى آدم وهى فى مواضع مختلفة فى كل مكان واحد

(6/384)


إلا من استرق السمع فأتبعه شهاب مبين (18)

{ الا من استرق السمع } محله النصب على انه استثناء متصل لان المسترق من جنس الشيطان الرجيم اى ان فسر الحفظ بمنع الشياطين عن التعرض لها على الاطلاق والوقوف على ما فيها فى الجملة او منقطع اى ولكن من استرق السمع ان فسر ذلك بالمنع عن دخولها او التصرف فيها والاستراق افتعال وبالفارسية [ بدزديدن ] والمسترق المستمع مختفيا كما فى القاموس والسمع بمعنى المسموع كما قال الكاشفى [ بدزدد سخنى مسموع ] واستراق السمع اختلاسه سرا شبه به خطفتهم اليسيرة من قطاع السموات لما بينهم من المناسبة فى الجوهر { فاتبعه } اى تبعه ولحقه وبالفارسية [ بس از بى در آيدش وبدو رسد وبسوزدش ] قال ابن الكمال الفرق قائم بين تبعه واتبعه يقال اتبعه اتباعا اذا طلب الثانى اللحوق بالاول وتبعه تبعا اذا مر به ومضى معه { شهاب } لهب محترق وهى شعلة نار ساطعة { مبين } ظاهر امره للمبصرين ومما يجب التنبه له ان هذا حكاية فعل قبل النبى صلى الله عليه وسلم وان الشياطين كانت تسترق فى بعض الاحوال قبل ان يبعثه الله فلما بعض رسول الله صلى الله عليه وسلم كثر الرجم وزاد زيادة ظاهرة حتى تنبه لها الانس والجن ومنع الاستراق رأسا وبالكلية
مهى برآمد وبازار تيركى بشكست ... كلى شكفت وهياهوى خار آخر شد
ويعضده ما روى عن ابن عباس رضى الله عنهما ان الشياطين كانوا لا يحجبون عن السموات فلما ولد عيسى منعوا من ثلاث سموات ولما ولد محمد عليه السلام منعوا من السموات كلها بالشهب وما يوجد اليوم من اخبار الجن على ألسنة المخلوقين انما هو خبر منهم عما يرونه فى الارض مما لا نراه نحن كسرقة سارق او خيبة فى مكان خفى ونحو ذلك وان اخبروا بما سيكون مكان كذبا كما فى آكام المرجان
وفى الحديث « ان الملائكة تنزل الى العنان فتذكر الامر الذى قضى فى السماء فيسترق الشيطان السمع فيوحيه الى الكهان فيكذبون مائة كذبة من عند انفسهم » وفى بعض التفاسير ان الشياطين كانوا يركب بعضهم بعضا الى السماء الدنيا او كان الشيطان المارد يصعد ويكون الآخر اسفل منه فاذا سمع قال للذى هو اسفل منه قد كان من الامر كذا وكذا فيهرب الاسفل لاخبار الكهنة ويرمى المستمع بالشهاب فهم لا يرمون بالكواكب نفسها لانها قارة بالفلك على حالها وما ذاك الا كقبس يؤخذ من نار والنار ثابتة كاملة لا تنقص فمنهم من يحرق وجهه وجبينه ويده وحيث يشاء الله ومنهم من يحرق وجهه وجبينه ويده وحيث يشاء الله ومنهم من يبخل اى يفسد عقله حتى لا يعود الى الاستماع من السماء فيصير غولا فيضل الناس فى البوادى ويغتالهم اى يهلكهم ويأخذهم من حيث لم يدروا

(6/385)


قال ابن الاثير فى النهاية الغول احد الغيلان وهى جنس من الجن والشيطان وكانت العرب تزعم ان الغول فى الفلاة تترا اى الناس فتتلون تلونا فى صور شتى تضلهم عن الطريق وتهلكهم انتهى
وفيه اشارة الى ان وجود الغول لا ينكر بل المنكر تشكلهم باشكال مختلفة واهلاكهم بنى آدم وهو مخالف لما سبق آنفا من التفاسير اللهم الا ان يراد ان ذلك قبل بعثة للنبى عليه السلام وقد ابطله عليه السلام بقوله « لأغول ولكن السعالى » اى لا يستطيع الغول ان يضل احدا فلا معنىى للزعم المذكور . والسعالى بالسين المفتوحة والعين المهملة سحرة الجن جمع سعلاة بالكسر ولكن فى الجن سحرة تتلبس وتتخيل لهم
قال فى انوار المشارق والذى ذهب اليه المحققون ان الغول شيء يخوف به ولا وجود له كما قال الشاعر
الجود والغول والعنقاء ثالثة ... اسماء اشياء لم توجد ولم تكن
وتزعم العرب انه اذا انفرد فى الصحراء ظهرت له فى خلقة انسان ورجلاها رجلا حمار انتهى
واما قول صاحب المثنوى قدس سره
ذكر حق كن بانك غولانرا بسوز ... جشم نركس را ازين كركس بدوز
فيشير الى الشياطين الخبيثة المفسدة بل الى كل مضل عن طريق الحق على سبيل التشبيه وفائدة الذكر كونه دافعا لوساوسه لانه اذا ذكر الله خنس الشيطان اى تأخر ولعل المراد والله اعلم ان الجن ليس بهم دماغ كادمغة بنى آدم فلا تحمل لهم على استماع الصوت الجهورى الشديد فالذاكر اذا رفع صوته بالذكر طرد عن نفسه الشيطان واحرقه بنور ذكره وافسد عقله بشدة صوته وشهاب نفسه المؤثر
ذكر ابو بكر الرازى ان التكبير جهرا فى غير ايام التشريق لا يسن الا بازاء العدو واللصوص تهيبا لهم انتهى
يقول الفقير لما كان اعدى العدو هى النفس واشد اللصوص والسراق هو الشيطان اعتاد الصوفية بجهر الذكر فى كل زمان ومكان تهيبا لهما وطردا لوسوستهما والقاآتهما
والعاقل لا يستريب فيه اصلا ولا يصيخ الى قول المنكر رأسا
وقال محمد بن طلحة فى العقد الفريد قد اختار الحكماء للسلطان جهارة الصوت فى كلامه ليكون اهيب لسامعيه واوقع فى قلوبهم انتهى
وفيه اشارة الى ان الروح مع القوى والاعضاء كالسلطان مع الاتباع والرعايا فما هو ملتزم فى الآفاق ملتزم فى الانفس الا ان ترتفع الحاجة والضرورة بانه اوقع المكالمة مع الندماء ليكون المقام مقام الانبساط وقس عليه حال اهل الشهود والوصول الى الله والحصول عنده بحيث ما غابوا لحظة

(6/386)


والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل شيء موزون (19)

{ والارض } نصب على الحذف على شريطة التفسير { مددناها } بسطناها ومهدناها للسكنى . وبالفارسية [ وزمين را باز كشيدم برروى آب ازز يرخانه كعبه ] عن ابى هريرة رضى الله عنه خلقت الكعبة اى موضعها قبل الارض بالفى سنة كانت خشفة على الماء عليها ملكان يسبحان الله فلما اراد الله ان يخلق الارض دحاها منها اى بسطها فجعلها فى وسط الارض
وفى بعض الآثار الله سبحانه وتعالى قبل ان يخلق السموات والارض كان عرشه على الماء اى العذب فلما اضطرب العرش كتب عليه لا اله الا الله محمد رسول الله فسكن فلما اراد ان يخلق السموات والارض ارسل الريح على لذك الماء فتموج فعلاه دخان فخلق من ذلك الدخان السموات ثم ازال ذلك الماء عن موضع الكعبة فيبس . وفى لفظ ارسل على الماء ريحا هفافة فصفقت الريح الماء اى ضرب بعضه بعضا فابرز عنه خشفة بالخاء المعجمة وهى حجارة يبست بالارض فى موضع البيت كأنها قبة وببسط الحق سبحانه من ذلك الموضع جميع الارض طولها وعرضها وهى اصل الارض وسرتها اى وسط الارض المعمورة المسكونة واما وسط الارض عامرها وخرابها فقبة الارض وهو مكان معتدل فيه الازمان فى الحر والبرد ومستوفية الليل والنهار ابدا
واعلم ان من الامكنة الارضية ما يلحق بعالم الجنان كمكة والمدينة وبيت المقدس والمساجد والبقاع للعبودية خصوصا ما بين قبر النبى عليه السلام ومنبره روضة من رياض الجنة ومن دخله وزاره بالاعتقاد الخالص والنية الصادقة كان آمنا من المكاره والمخاوف فى الدنيا والآخرة
اين جه زمين است كه عرش برين ... رشك برد باهمه رفعت بدين
جونكه نيم محرم ديوار تو ... مى نكرم بردر وديوار تو
آنكه شرف يافت بديدار تو ... جان جه بودتا كند ايثار تو
{ والقينا فيها رواسى } اى جبالا ثوابت لولا هى لمارت فلم يستقر له احد على ظهرها يقال رسا رسوا ورسوا ثبت كأرسى شبه الجبال الرواسى استحقارا لها واستقلالا لعددها وان كانت خلقا عظيما بحصيات قبضهن قابض بيده فنبذهن وما هو الا تصوير لعظمته وتمثيل لقدرته وان كل فعل عظيم يتحير فيه الاذهان فهو هين عليه . والمعنى وجعلنا فى الارض رواسى بقدرتنا الباهرة وحكمتنا البالغة وذلك بان قال لها كونى فكانت فاصبحت الارض وقد ارسيت بالجبال بعد ان كانت تمور مورا فلم يدر احد مم خلقت وعدد الجبال سوى التلول ستى آلاف وستمائة وثلاثة وسبعون على ما فى زهرة واول جبل نصب على وجه الارض ابو قبيس وهو جبل بمكة وافضل الجبال على ما قاله السيوطى احد بضمتين وهو جبل بالمدينة لقوله عليه السلام « احد يحبنا ونحبه » وكان مهبط عليه السلام بارض الهند بجبل عال يراه البحريون من مسافة ايام وفيه اثر قدم آدم مغموسة فى الحجر ويرى على هذا الجبل كل ليلة كهيئة البرق من غير سحاب ولا بد له فى كل يوم مم مطر يغسل قدمى ادم وذروة هذا الجبل اقرب ذرى جبال الارض الى السماء كما فى انسان العيون ويضاف هذا الجبل الى سرنديب وهو بلد بالهند والجبال خزائن الله فى ارضه لمنافع عياده وانها بمنزلة الرجال فى الاكوان يقال للرحال الكامل جبل -حكى- ان بعض الاولياء رأى مناما فى الليلة التى هلك فيها رجال بغداد على يد هولا كوخان ان جبال العراقين ذهبت من وجه الأرض بهبوب الرياح المظلمة على بغداد فوصل الخبر ان هولا كوخان قد دخل مدينة بغداد فى تلك الليلة وقتل من الاولياء والعلماء والصلحاء والامراء وسائر الناس ما لا يحصى عددا

(6/387)


سر كشته بودخواه ولى خواه نبى ... دروادى ما أدرى ما يفعل بى
وفى التأويلات النجمية والارض مددناها اى ان ارض البشرية تميد كنفس الحيوانات الى ان ارساها الله بجبال العقل وصفات القلب
كشتى بى لنكر آمد مردشر ... كه زباد كرنمى يابد حذر
لنكر عقلست عاقل رامان ... لنكرى دربوزه كن ازعاقلان
{ وانبتنا فيها } اى فى الارض لان الفواكه الجبلية غير منتفع بها فى الاكثر اولان الارض تغمها قالها لما القيت فيها صارت منها { من كل شئ موزون } بميزان الحكمة ذاتا وصفة ومقدارا اى مستحسن مناسب من قولهم كلام موزون . يعنى [ برويانيديم اززمين جيزهاى نيكو مشتمل بر منافع كلية ازاشجار ومزروعات باآنكه وزن كنند وبه بيمانند ]

(6/388)


وجعلنا لكم فيها معايش ومن لستم له برازقين (20)

{ وجعلنا لكم فيها معايش } بالياء التصريحية لنه من العيش فالياء اصلية فوجب تصريحا وهو جمع معيشة اى ما تعيشون به من المطاعم والملابس وغيرها مما يتعلق به البقاء { ومن لستم له برازقين } [ روزى دهند كان ] وهو عطف على معايش كأنه قيل جعلنا لكم معايش وجعلنا لكم من لستم له برازقيه من العيال والمماليك والخدم والدواب وما اشبهها على طريقة التغليب وذكرهم بهذا العنوان لرد حسبانهم انهم يكفون مؤوناتهم ولتحقيق ان الله تعالى هو الذى يرزقهم واياكم او عطف على محل لكم وهو النصب كأنه قيل وجعلناكم معايش ولمن بستم له برازقين فيكون من عطف الجار والمجرور على الجار والمجرور

(6/389)


وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم (21)

{ وان من شئ } اى ما من شئ من الاشياء الممكنة { الا عندنا } يعنى [ در تحت فرماننا ] { خزائنه } جمع خزانة بمعنى المخزن وهى ما يحفظ فيه نفائس الاموال لا غير غلب فى العرف على ما للملوك والسلاطين من خزائن ارزاق الناس شبهت مقدوراته تعالى فى كونها مستورة عن علوم العالمين ومصونة من وصول ايديهم مع كمال افتقارهم اليها ورغبتهم فيها وكونها مهيأة منأتية لايجاده وتكوينه بحيث متى تعلقت الارادة بوجودها وجت بلا تأخير بنفائس الاموال المخزونة فى الخزائن السلطانية فذكر الخزائن على طريقة الاستعارة التخييلية
يقول الفقير سمعت من حضرة شيخى وسندى قدس سره ان الاشارة بالخزائن الى الاعيان الثابتة فلا يفيض شئ الا من الاعيان الثابتة وعلم الله تابع المعلوم وما يقتضيه من الاحوال فما ظلمهم الله ولكن كانوا انفسهم يظلمون { وما ننزله } اى ما نوجد وما نكون شيأ من تلك الاشياء ملتبسا بشئ من الاشياء { الا بقدر معلوم } اى لا ملتبسا بمقدار معين يقتضيه الحكمة ويستدعيه المشيئة التابعة لها
وفى الكواشى وما نوجده مع كثرته وتمكننا منه الا بحد محسوب على قدر المصلحة . وبالفارسية [ مكر باندازه دانسته شده كه كم از ان شايدونه زياده بران بايد ] وحيث كان انشاء ذلك بطريق التفضل من العالم العلوى الى العالم السفلى كما فى قوله تعالى { وانزل لكم من الانعام ثمانية ازواج } وكان ذلك بطريق التدريج عبر عنه بالتنزيل
وفى تفسير ابى الليث { وان من شئ الا عندنا خزائنه } اى مفاتيح رزقه ويقال خزائن المطر { وما ننزله } اى المطر { الا بقدر معلوم } يعنى بكيل ووزن معروف
قال ابن عباس رضى الله عنها يعنى يعلمه الخزان الا يوم الطوفان الذى اغرق الله فيه قوم نوح فانه طغى على خزانه وكثر فلم يحفظوا ما خرج منه يومئذ اربعين يوما
وفى بحر العلوم وما من شئ ينتفع به العباد الا ونحن قادرون على ايجاده وتكوينه والانعام باضعاف ما وجد وما نعطيه الا بمقدار فعلم ان ذلك خير لهم واقرب الى جمع شملهم او بتقدير علمنا انهم يسلمون معه من المضرة ويصلون الى المنفعة ولو بسط اللع الرزق لعباده لبغوا فى الارض ولكن ينزل بقدر ما يشاء انه بعباده خبير بصير
وفى التاويلات النجمية ان لكل شئ خزائن مختلفة مناسبة له كما لو قدرنا شيأ من الاجسام فله خزانة لصورته وخزانة لاسمه وخزانة لمعناه وخزانة للونه وخزانة لرائحته وخزانة لطعمه وخزانة لطبعه وخزانة لخواصه وخزانة لاحواله المختلفة الدائرة عليه بمرور الايام وخزانة لتفعه وضره وخزانة لظلمته ونور وخزانة لملكوته وغير ذلك وهو خزانة لطف الله وقهره وما من شئ الا وفيه لطف الله وقهره مخزون وقلوب العباد خزائن صفات الله تعالى باجمعها وما ننزل شيأ مما فى خزائنه الا بقدر ما هو فى الازل لحكمتنا البالغة المقتضية لايجاده وانزاله

(6/390)


وأرسلنا الرياح لواقح فأنزلنا من السماء ماء فأسقيناكموه وما أنتم له بخازنين (22)

{ وارسلنا الرياح لواقح } حال مقدور جمع ريح لاقح اذا اتت بسحاب ماطر من لقحت الناقة تلقح حبلت والقحها الفحل اذا احبلها وحماهل الماء فكان الريح حملت الماء وحملته السحاب فشبهت الريح التى تجيء بالخير من انشاء سحاب ماطر بالحامل كما شبه بالعقيم ما لا يكون كذلك
وقال ابو عبيدة لواقح بمعنى ملاقح جمع ملقحة لانها تلقح السحاب والاشجار بان تقويها وتنميها الى ان يخرج ثمرها وقيل بان تجرى الماء فيها حتى تهتز وتخرج الزهر
قالوا الرياح للخير والريح للشر لقوله عليه السلام « اللهم اجعلها رياحا ولا تجعلها ريحا » واما قوله تعالى { وجرين بهم بريح طيبة } فقد جاء فيه الريح المفردة بمعنى الخير ولانفع باعتبار قيدها لاعتبار اطلاقها
وقال محمد بن على رضى الله عنه ما هبت ريح ليلا ونهارا الا قام رسول الله صلى الله عليه وسلم وقعد وقال « اللهم ام كان بك اليوم سخط على احد من خلقك بعثتها تعذيبا له فلا تهلكنا فى الهالكين وان كنت بعثتها رحمة فبارك لنا فيها » فاذا قطرت قطرة قال « رب لك الحمد ذهب السخط ونزلت الرحمة »
قال مطرف رحمه الله لو حبست الريح عن الناس لانتن ما بين السماء والارض { فانزلنا } بعدما انشأنا بتلك الرياح سحابا ماطرا { من السماء } من جانب العلو فان كل ما علاك وهو ظاهر هناك لا الفلك { ماء } اى بعض الماء كما يفيده التنكير فانه معلوم عند الناس علما يقينيا انه لم ينزل من السماء الماء كله بل قدر ما يصلون به الى المنفعة ويسلمون معه من المضرة { فاسقيا كموه } اى جعلنا المطر لكم سقيا تشربونه وتسقونه المواشى والضياع . وبالفارسية [ بس بخوارانيديم شمارا آن آب وتصرف داديم دران ] وسقى واسقى واحد
قال فى الارشاد هو ابلغ من سقيناكموه لما فيه من الدلالة على جعل الماء معدا لهم يرتفقون به متى شاؤا وهى اطول كلمة فى القرآن وحروفها احد عشر وحروف انلزمكموها عشرة { وما انتم له } اى للمطر المنزل { بخازنين } اى نحت القادرون على ايجاده وخزنه فى السحاب وانزاله وما انتم على ذلك بقادرين . وقيل ما انتم بخازنين له بعدما انزلناه فى الغدران والآبار والعيون بل نحن نخزن فى هذه المخازن ونحفظ فيها لنجعلها سقيا لكم مع ان طبيعة الماء تقتضى الغور وهو بالفارسية [ فروشدن آب درزمين امام ما تريدى در تأويلات فرموده كه نبستند شمامر خدايرا خزينه داران يعنى خزاين او دردست شمانيست زآنجه شما خزينه نهيد همه ازان اوست ]

(6/391)


وإنا لنحن نحيي ونميت ونحن الوارثون (23)

{ وانا لنحن نحيى } بايجاد الحياة فى بعض الاجسام القابلة لها وتقديم الضمير للحصر وهو اما تأكيد للاول او مبتدأ خبره الفعل والجملة خبر لانا ولا يجوز كونه ضمير الفصل لانه يقع بين الاسمين { ونميت } باعدامها وازالتها عنها وقد يعم الاحياء والاماتة لما يشمل الحيوان والنبات والله تعالى يحيى الارض بالمطر ايام الربيع ويميتها ايام الخريف ويحيى بالايمان ويميت بالكفر [ در لطائف قشيرى مذكوراست كه زندكى ميدهيم دلهارا بانوار مشاهده ومى ميانيم نفوس را درنار مجاهده يازنده نى سازيم بمواقت كاعات ومرده مى كردانيم بمتابعت شهوات ]
ومن مقالات حضرة الشيخ الاكبر لولده صدر الدين القنوى قدس الله سرهما وكم قتلت واحييت من الاولاد والاصحاب ومات من مات وقتل من قتل ولم يحصل له ما حصل وهو شهود تجلى الذات الدائم الابدى الذى لا حجاب بعده ولا مستقر للكمل دونه فقال صدر الدين يا سيدى الحمد لله على اختصاصى بهذه الفضيلة اعلم انك تحيى وتميت وتفصيله فى شرح الفصوص
قال الامام الغزالى رحمه الله معنى المحيى والمميت الموجد ولكن الوجود اذا كان هو الحياة سمى فعله احياء واذا كان هو الموت سمى فعله اماتة ولا خالق للموت والحياة الا الله فمرجع هذين الاسمين الى صفات الفعل { ونحن الوارثون } قيل للباقى وارث الميت لانه يبقى بعد فنائه . فالمعنى ونحن الباقون بعد فناء الخلق جميعا المالكون للملك عند انقضاء زمان الملك الجازى الحاكمون فى الكل اولا وآخرا وليس لهم الا التصرف الصورى والملك المجازى وفيه تنبيه على ان المتأخر ليس بوارث للمتقدم كما يترا أى من طاهر الحال والمكاشفون المشاهدون المعاينون يرون الامر الآن على ما هو عليه من العدم فان قيامة العارفين دائمة فهم سامعون الآن من الله تعالى من غير حرف ولا صوت نداء لمن الملك اليوم موقنون بان الملك لله الواحد القهار فى كل يوم وفى كل يوم وفى كل ساعة وفى كل لحظة
وفى التأويلات النجمية { وانا لنحن نحيى } قلوب اوليائنا بانوار جمالنا { ونميت } نفوسهم بسطوة نظرات جلالنا { ونحن الوارثون } بعد افناء وجودهم ليبقوا ببقائنا : وفى المثنوى
بشه آمد از حديقه وزكياه ... وز سليمان كشته بشه داد خواه
كاى سليمان معدلت مى كسترى ... بر شياطين وآدمى زادة وبرى مشكلات هر ضعيفى از توحل
بشه باشد در ضعيفى خود مثل داد در مارا ارين غم كن جدا ... دست كيراى دست تو دست خدا بس سليمان كفت اى انصاف وجو
داد وانصاف ازكه ميخواهى بكو كيست آن ظالم كه ازباد بروت ... ظلم كرست وخرا شيده است روت كفت بشه داد من ازدست باد
كو دودست ظلم مارا بركشاد بانك زد آن شه كه اى باد صبا ... بشه افغان كرد از ظلمت بيا هين مقابل شو نوبا خصم وبكو
باسخ خصم وبكن دفع عدو باد جون بشنيد آمد تيز تيز ... بشه بكرفت آن زمان راه كريز بس سليمان كفت اى بشه كجا
باش تابرهر دورانم من قضا كفت اى شه مرك من ازيود اوست ... خودسياه اين روز من ازدوداوست او جون آمد من كجا يابم قرار
كو برآرد ازنهار من دمار همجنين جوياى دركاه خدا ... جون حدا آمد شود جوينده لا
كرجه آن وصلت بقا اندر بقاست ... ليك زاول ان بقا اندر فناست
سايهايى كه بود جوياى نور ... نيست كردد جون كند نورش ظهور
عقل كى ماند جو باشد سرده او ... كل شيء هالك الا وجهه
هالك آمد بيش وجهش هست ونيست ... هست اندر نيستى خود طرفه ايست

(6/392)


ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين (24)

{ ولقد علمنا المستقدمين منكم } استقدم بمعنى تقدم اى من تقدم منكم ولادة وموتا يعنى الاولين من زمان آدم الى هذا الوقت { ولقد علمنا المستأخرين } استأخر بمعنى تأخر اى من تأخر منكم ولادة وموتا يعنى الآخرين الى يوم القيامة ام من تقدم فى الاسلام والجهاد وسبق الى الطاعة ومن تأخر فى ذلك لا يخفى علينا من احوالكم

(6/393)


وإن ربك هو يحشرهم إنه حكيم عليم (25)

{ وان ربك هو } لا غير { يحشرهم } اى يجمع المتقدمين والمتأخرين يوم القيامة للجزاء وهو القادر على ذلك والمتولى له لا غير فهو رد لمنكرى اغلبعث { انه حكيم } بالغ الحكمة متقن فى افعاله فانها عبارة عن العلم بحقائق الاشياء على ما هى عليه والاتيان بالافعال على ما ينبغى وهى صفة من صفاته تعالى لا من صفات المخلوقين وما يسمونه الفلاسفة الحكمة مهى من نتائج العقل والعقل من صفات المخلوقين فكما لا يجوز ان يقال الله العاقل لا يجوز للمخروق الحكيم الا بالمجاز لمن آتاه الله الحكمة كما فى التأويلات النجمية { عليم } وسع علمه كل شئ ولعل تقديم صفى الحكمة للايذان باقتضائها للحشر والجزاء
وقال الامام الواحدى فى اسباب النزول عن ابن عباس رضى الله عنهما قال كانت تصلى خلف النبى عليه السلام امرأة حسناء فى آخر النساء فكان بعضهم يتقدم فى الصف الول ليراها وكان بعضهم فى الصف المؤخر فاذا ركع نظر من تحت ابطه فنزلت
وقيل كانت النساء يخرجن الى الجماعة فيقفن خلف الرجال فربما كان من الرجال من فى قلبه ريبة يتأخر الى آخر صف الرجال ومن النساء من فى قلبها ريبة تتقدم الى وصف النساء لتقرب من الرجال فنزلت وفى الحديث « خير صفوف الرجال اولها وشرها آخرها وخير صفوف النساء آخرها وشرها اولها » قال فى فتح القريب هذا ليس على عمومه بل محمول على ما اذا اختلطن بالرجال فاذا صلين متميزات لامع الرجال فهن كالرجال ومن صلى منهن فى جانب بعيد عن الرجال فاول صفوفهن خير لزوال العلة والمراد بشر الصفوف فى الرجال والنساء كونها اقل ثوابا وفضلا وابعدها عن مطلوب الشرع وخيرها بعكسه . وانما فضل آخر صفوف النساء الحاضرات مع الرجال لبعدهن عن مخالطة الرجال ورؤيتهن وتعلق القلب بهن عند رؤية حركاتهن وسماع كلامهن ونحو ذلك . وذم اول صفوفهن لعكس ذلك والصف الاول الممدوح الذى وردت الاحاديث بفضله والحث عليه هو الذى بلى الامام سواء كان صاحبه على بعد من الامام واقرب وسواء تخلله مقصورة او منبرا واعمدة ونحوها ام لا هذا هو الصحح وقيل الصف الاول هو المتصل من طرف المسجد الى طرفه ر تتخلله مقصورة ونحوها فان تخلل الذى بلى الامام شئ فليس باول الاول ما لم يتخلله شئ وان تأخر
وقيل الصف الاول عبارة عن مجيئ الانسان الى المسجد اولا وان صلى فى صف متأخر وعن انس رضى الله عنه حض رسول الله صلى الله عليه وسلم على الصف الاول فى الصلاة فازدحم الناس عليه وكان بنو عذرة ورهم قاصيه عن المسجد فقالوا نبيع دورنا ونشترى دورا قريبة من المسجد فانزل الله تعالى هذه الآية يعنى انما يؤجرون بالنية وفى الحديث

(6/394)


« الا ادلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات » قالوا بلى يا رسول الله « اسباغ الوضوء غلى المكاره وكثرة الخطى الى المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة »
قال فى فتح القريب الدار البعيدة لمن يقدر على المشى افضل وهذا فى حق من هو متفرغ لذلك ولا يفوته بكثرة خطاه او مشيه الى المسجد مهم من مهمات الديسن فان كان يفوته ذلك كالاشتغال بالعلم والتعلم والتعليم ونحو ذلك من فروض الكفاية فالدار القريبة فى حقه افضل وكذا الضعيف عن المشى ونحوه
فان قيل روى الامام احمد فى مسنده ان النبيى صلى الله عليه وسلم قال « فضل البيت القريب من المسجد على البعيد منه كفضل المجاهد على القاعد عن الجهاد »
فالجواب ان هذا فى نفس البقعة وذاك فى الفعل فالبعيد دارا مشيه اكثر وثوابه اعظم والبيت القريب افضل من البيت البعيد ولهذا قيل فى قوله صلى الله عليه وسلم « الشؤم فى ثلاث المرأة والدار والفرس » ان شؤم الدار ان تكون بعيدة عن المسجد لا يسمع ساكنها الاذان
قال العلماء ينبغى ان يستثنى من افضلية الا بعد الامام فان النبى عليه السلام والائمة بعده لم تتباعد عن المسجد لطلب الاجر
واختلف فيمن قربت داره من المسجد هل الافضل له لن يصلى فيه او يذهب الى الا بعد فقالت طائفة الصلاة فى الابعد افضل عملا بظاهر الاحاديث وقيل الصلاة فى الاقرب افضل لما روى الدارقطنى ان النبى صلى الله عليه وسلم قال « لا صلاة لجار المسجد الا فى المسجد » ولا حياء حق المسجد ولماله من الجوار فان كان فى جواره مسجد ليس فيه جماعة وبصلاته فيه تحصل الجماعة كان فعلها فى مسجد الجوار افضل على المذهب لما فى ذلك من عمارة المسجد واحيائه بالجماعة اما لو كان اذا صلى فى المسجد الجوار صلى وحده فالبعيد افضل ولو كان اذا صلى فى بيته جماعة واذا صلى فى المسجد صلى وحده ففى بيته افضل
قال بعضهم جار المسجد اربعون دارا من كل جانب وقيل جار المسجد من سمع النداء ويقال اراد بالآية المصلين فى اول الوقت والمؤخرين الى آخره وفى الحديث « اول الوقت رضوان الله ووسط الوقت رحمة الله وآخر الوقت عفو الله تعالى » قال فى شرح كتاب الشهاب للقضاعى عند قوله عليه السلام « نوروا بالفجر فانه اعظم للاجر » [ كفت نمازبامداد بروشنايى كنيد كه مزدبزر كتر باشد يعنى بآخر وقت واين مذهب ابو حنيفة رحمه الله باشد كه نماز بآخر وقت فاضلتر باشد يعنى كه وجوب متأكد تر باشد كه بفوات نزديكتر باشد ومذهب امام شافعى رحمه الله كفت اول الوقت رضوان الله وآخر الوقت عفو الله وعفو نباشد الا از كناه بس معلوم كشت كه اول وقت فاضلتر باشد ] قال ابو محمد النيسابورى المراد بآخر الوقت بعد خروجه لان العفو يقتضى ذلك لانه لا يكون الا عن ذنب فالمراد باول الوقت عنده جميع الوقت كما قال فى اسئلة الحكم الوقت وقتان وقت الاداء ووقت القضاء فوقت الاداء هو اول الوقت المرضى عند الله ووقت القضاء هو الوقت المرخص فيه وآخر الوقت هو القضاء وهو عفو الله عمن قضى الصلاة خارج وقتها
فان قيل ما معنى اول الوقت رضوان الله
والجواب ان اول الوقت بمنزلة المفتاح فاذا حصل وعرف قدره فقد استعد لرضى الله تعالى لان العبرة للفاتح والخاتم فاذا حصل المفتاح حصل الختم وينبغى ان يشتغل باسباب الصلاة عند دخول الوقت او يقدم ما يمكن من الاسباب قبل دخول الوقت ويشرع فى الصلاة اذا دخل الوقت لتنطبق الصلاة على اول الوقت ويستحب التأخير فى مسائل .

(6/395)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية