صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : تفسير النيسابوري
المؤلف : النيسابوري
مصدر الكتاب : موقع التفاسير
http://www.altafsir.com
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

ومن ذلك أنه كرر { فاتقوا الله وأطيعون } في قصة نوح وهود وصالح وليس في ذكر النبي صلى الله عليه وسلم : { ما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين } [ الشعراء : 109 ] لذكرها في مواضع من غير هذه السورة . وليس في قصة موسى لأنه رباه فرعون حيث قال { ألم نربك فينا وليدا } ولا في قصة إبراهيم لأن اباه في المخاطبين حيث يقول : { إذ قال لأبيه وقومه } [ الأنبياء : 52 ] وهو قد رباه فاستحيا موسى وإبراهيم أن يقولا { وما أسألكم عليه من أجر } وإن كانا منزهين من طلب الأجر .
ثم إنه تعالى أعاد في هذه السورة قصص الأنبياء المشهورين مع أممهم اعتبارا لهذه الأمة ، وبدأ بقصة موسى لما فيها من غرائب الأحوال وعجائب الأمور . والنداء المسموع عند الأشعري هو الكلام القديم الذي لا يشبه الحروف والأصوات ، وعند المعتزلة وإليه ميل أبي منصور الماتريدي أنه من جنس الحروف والأصوات وأنه وقع على وجه علم به موسى أنه من قبل الله تعالى وقد عرفه أنه سيظهر عليه المعجزات إذا طولب بذلك . قال جار الله : قوله { ألا يتقون } كلام مستأنف فيه تعجيب لموسى من حالهم الشنعاء في قلة خوفهم وكثرة ظلمهم ، أو حال أدخلت عليه همزة الإنكار . ثم إن موسى خاف أن يذكب عند أداء الرسالة فاستظهر بهارون . وفي قراءة النصب خاف التكذيب المستتبع لضيق الصدر المستلزم لاحتباس اللسان عن الجريان في الكلام ، ولعله اراد بهذه الحبسة عقدة في لسانه قبل إجابة دعوته أو بقية يروى أنها بقيت بعد الإجابة كما مر في « طه » . ومعنى { فأرسل إلى هارون } أرسل إليه جبريل واجعله نبيا يصدقني في أمري فاختصر الكلام اختصارا . ثم ذكر أن لهم عليه ذنبا فسمى جزاء الذنب ذنبا ، أو المضاف محذوف اي تبعه ذنب وهو قود قتل القبطي كما سيجيء تفصيله في سورة القصص . فيمكن أن يقتل قبل أداء الرسالة فلا يتمكن من المقصود ، وهذا قد جوزه الكعبي وغيره من البغداديين . وقال الأكثرون : الأقرب من حال الأنبياء أنهم يعلمون إذا حملهم الله تعالى الرسالة أنه يمكنهم من أدائها فلا معنى للخوف من القتل قبل الأداء . نعم لو خاف بعد الأداء جاز وذلك لما جبل عليه طبع الإنسان من التنفر عن القتل فيسأل الله الأمان من ذلك وقد جمع الله له بقوله { كلا } الكلاءة وبقوله { فاذهبا } استنباء أخيه كأنه قيل : ارتدع يا موسى عما تظن فاذهب أنت وهارون { ومعكم ومستمعون } خبران لأن أو الخبر { مستمعون } و { معكم } متعلق به . ولا يخفى ما في المعية من المجاز لأن المصاحبة من صفات الأجسام ، فالمراد معية النصرة والمعونة ، وأما الاستماع فمجاز أيضا وإن كان إطلاق السمع على الله حقيقة لأن الاستماع جار مجرى الإصغاء ولا بد فيه من الجارحة .

(6/75)


فحاصل الآية إنا لكما ولعدوكما كالناصر الظهير لكما عليه إذا حضر واستمع ما يجري بينكما وبينه . وإنما وحد الرسول في قوله { إنا رسول رب العالمين } لأنه أراد كل واحد أو أراد الرسول بمعنى المصدر أي ذو رسالة رب العالمين . يقال : أرسلتهم برسول اي برسالة أو جعلا لاتفاقهما واتحاد مطلبهما كرسول واحد . وههنا إضمار دل عليه سياق الكلام أي فأتيا فرعون فقالا له ذلك . يروى أنهما انطلقا إلى باب فرعون فلم يؤذن لهما سنة حتى قال البواب : إن ههنا إنسانا يزعم أنه رسول رب العالمين . فقال : ائذن له لعلنا نضحك منه . فأديا إليه الرسالة فعرف أنه موسى فعند ذلك قال { ألم نربك فينا وليدا } أي صبيا وذلك لقرب عهده من الولادة . قيل : مكث فيهم ثلاثين سنة من أول عمره . وقيل : وكز القبطي وهو ابن اثنتي عشرة سنة ففر منهم . والفعلة الوكزة عدد عليه نعمه ، ثم وبخه بقتل نفس منهم وسماه كافرا لنعمه بسبب ذلك . وجوز جار الله أن يراد وأنت إذ ذاك ممن يكفر بالساعة فيكون قد افترى على موسى أو جهل أمره لأنه كان يعايشهم بالتقية . وإنما قلنا إنه افتراء أو جهل لأن الكفر غير جائز على الأنبياء ولو قبل النبوة ، ويجوز أن يراد أنه من الكافرين بفرعون وإلهيته أو بآلهة كانوا يعبدونها . قال تعالى : { ويذرك وآلهتك } [ الأعراف : 127 ] ثم إن موسى ما أنكر تربيته ولكن أنكر الكفر فلم ينسب نفسه إلا إلى الضلال وأراد به الذهاب عن الصواب ، أو أراد النسيان أو الخطأ وعدم التدبر في أدبار الأمور . ثم ذكر موهبة ربه في حقه حين فر من فرعون وملئه المؤتمرين بقتله . والحكم العلم بالتوحيد وكمال العقل والرأي ، ولا تدخل فيه النبوة ظاهرا لئلا يلزم شبه التكرار بقوله : { وجعلني من المرسلين } قال جار الله { وتلك } إشارة إلى خصلة شنعاء مبهمة لا يدري ما هي إلا بعد أن فسرت بقوله { أن عبدت } نظيره قوله { وقضينا إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلاء مقطوع } [ الحجر : 66 ] والمعنى تعبيدك بني إسرائيل نعمة تمنها علي كأنه أبى أن يسمي نعمته إلا نقمة لأن تعبيدهم أي تذليلهم واتخاذهم عبيدا وقصدهم . بذبح أبنائهم صار هو السبب في حصوله عنده وفي تربيته فلهذا قال الزجاج : « أن » مع ما بعده في موضع نصب أي إنما صارت نعمة علي لأن عبدت بني إسرائيل إذ لو لم تفعل ذلك لكفلني أهلي ولم يلقوني في اليم ومن هنا قال جار الله : إن قول موسى { فعلتها إذن } جواب لقول فرعون { وفعلت فعلتك } وجزاء له كأن فرعون قال : جازيت نعمتي بما فعلت . فقال موسى : فعلتها مجازيا لك وإن نعمتك جديرة بأن تجازى بنحو ذلك الجزاء .

(6/76)


وقال الحسن : أراد أنك استعبدتهم وأخذت أموالهم ومنها أنفقت علي فلا نعمة لك بالتربية على أن التربية كانت من قبل أمي وعشيرتي ولم يكن منك إلا أنك لم تقتلني . وقيل : اراد أنك كنت تدعي أن بني إسرائيل عبيدك ولا منة للمولى على العبد في الإطعام والكسوة .
واعلم أن للعلماء خلافا في نعمة الكافر فقيل : إنها لا تستحق الشكر لأن الكافر يستحق الإهانة بكفره فلو استحق الشكر لإنعامه لزم الجمع بين الإهانة والتعظيم في حق شخص واحد في وقت واحد . وقيل : لا يبطل بالكفر إلا الثواب والمدح الذي يستحقه على الإيمان ، وفي الآية نوع دلالة على كل من القولين . ثم إن موسى حين أدى رسالته من قوله { إنا رسول رب العالمين } { قال فرعون وما رب العالمين } وقد سبق مرارا أن كفره احتمل أن يكون كفر عناد وأ ، يكون كفر جهالة ، والذي يختص بالمقام هو أن ما يطلب به حقيقة الشيء وماهيته ، وهذا هو الذي قصده فرعون بسؤاله ولم يعرف أن الماهية لا تطلق على ذاته تعالى إذ لا أجزاء لها حدية ولا تقديريه ولا بأي وجه فرض ضرورة انتهاء الكل إليه واستغنائه عن الكل من كل الوجوه ، فلا يصح أن يسأل عنه بما هو ولا بكيف هو ولا بأي شيء هو ولا بهل هو ، غاية ذلك أن ينبه على وجوده الذي هو أظهر الأشياء بلوازمه وآثاره على وجه يعم الكل كما يقال : إنه رب السموات والأرض وما بينهما ، أو بأخص من ذلك بأن يقال مثلا : { ربكم ورب آبائكم الأولين } وهو الاستدلال بالأنفس أو يقال { رب المشرق والمغرب وما بينهما } من الجهات المفروضة على السماء من لدن طلوع الكواكب إلى غروبها وبالعكس وهو الاستدلال بالآفاق . وقد راعى في الجواب الأول طريقة اللطف فختم بقوله { إن كنتم موقنين } أي إن كنتم موقنين بشيء قط فهذا أولى ما توقنون به لظهوره وجلائه . وخاشنهم في الأخير بقوله { إن كنتم تعقلون } حين نسبوه إلى الجنون بعد أن تهكموا به بقوله : { إن كنتم تعقلون } حين نسبوه إلى الجنون بعد أن تهكموا به بقوله { إن رسولكم } ويمكن أن يراد بقوله { وما بينهما } ثانيا ما بين المشرق والمغرب من المخلوقات فيكون الفرق بين هذا الاستدلال وبين الأول أن الأول هو الاستدلال بالإمكان على طريقة الحكيم ، والثاني هو الاستدلال بالحدوث على طريقة المتكلمين ، والأول أقرب إلى اليقين فلهذا قال { إن كنتم موقنين } والثاني أقرب إلى الحس فلهذا قال { إن كنتم تعقلون } ولما انجر الكلام إلى حد العناد والمخاشنة هدده فرعون بقوله : { لئن اتخذت إلها غيري لاجعلنك من المسجونين } وهذا أبلغ من أن لو قال : « لأسجننك » والمعنى لأجعلنك واحدا ممن عرفت حالهم في سجوني وكان من عادته أن يأخذ من يريد سجنه يطرحه في هوة ذاهبة في الأرض بعيدة العمق فردا لا يبصر فيها ولا يسمع ، وحينئذ عدل موسى إلى الحجة الأصلية في الباب وهو ادعاء المعجز المنبئ عن صدقه فقال { أولو جئتك } أي أتفعل في ذلك ولو جئتك بشيء أي جائيا بالمعجزة .

(6/77)


وفي قوله { إن كنت من الصادقين } إن سلم أنه قاله جدا لا هزلا وجدالا دلالة على ما ركز في العقول من أن دعوى الرسالة إن اقترنت بظهور المعجزة على يده تحقق صدقها . وقد شنع في الكشاف ههنا أن في أهل القبلة من خفي عليهم ما لم يخف على فرعون حتى جوزوا القبيح عليه سبحانه ولزمهم تصديق الكاذبين بالمعجزات . وفي التخطئة سهو من وجهين : أحدهما : أنه لا قبيح عند الأشاعرة عقلا . والثاني أنه على تقدير التسليم لا يلزم تجويز كل قبيح وهذا من ذلك للزوم الاشتباه . وباقي القصة سبق نظيرها في « الأعراف » فلنقتصر في التفسير على ما يختص بالسورة . قوله { قال للملأ حوله } قال في الكشاف : الظرف في محل النصب على الحال . وأقول : الأصوب أن يجعل نعتا للملأ أي الأشراف حوله على طريقة قوله :
ولقد أمر على اللئيم يسبني ... قوله { لمقيات يوم معلوم } اليوم يوم الزينة وميقاته وقت الضحى كما مر في « طه » . قوله { هل أنتم مجتمعون } استبطاء لهم في الاجتماع وحث عليه كقول الرجل لغلامه : هل أنت منطلق إذا أراد أن يحثه على الانطلاق . قوله { لعلنا نتبع السحرة } لم يكن غرضهم اتباع السحرة في دينهم وإنما غرضهم الأصلي أن لا تتبعوا موسى ، فساقوا الكلام مساق المجاز لأنهم إذا اتبعوهم لم يكونوا متبعين لموسى . قوله { بعزة فرعون } هي من أيمان الجاهلية ولا يصح الحلف في الإسلام إلا بالله تعالى وبصفاته كما مر في « البقرة » و « المائدة » . وقوله { فألقى السحرة } لم يسم فاعله وهو الله تعالى في الحقيقة حين ألقى دايعة الإيمان في قلوبهم ويجوز أن ينسب إلى ما عاينوا من المعجزات الباهرة ولك أن لا تقدر فاعلا أي خروا . قوله { لا ضير } أي لا ضير علينا فيما يتوعدنا به من القتل .
قوله { إنا نطمع } الطمع في هذا الموضع يحتمل اليقين كقوله إبراهيم { والذي أطمع أن يغفر لي } ويحتمل الظن بناء على أن المرء لا يعلم ما يختاره أو يؤل إليه عند الوفاة . ومعنى { أن كنا } لأن كنا وكانوا أول طائفة مؤمنين من أهل زمانهم أو من قوم فرعون أو من أهل المشهد . قوله : { أنكم متبعون } تعليل للإسراء أي بنيت تدبير أمركم على أن تتقدموا لو يتبعكم فرعون وجنوده إلى أن يغشاهم من اليم ما يغشاهم . قوله : { لشرذمة } هي الطائفة القليلة . ثم وصفهم بالقلة واختار جمع السلامة ليدل على أن كل حزب منهم في غاية القلة ، وذلك بالنسبة إلى عسكره وإلا فهم كثير في أنفسهم .

(6/78)


يروى أن فرعون أرسل في اثرهم الف ألف وخمسمائة الف ملك مسور مع كل ملك الف وخرج فرعون في جمع عظيم ، وكانت على مقدمته سبعمائة ألف كل رجل على حصان وعلى رأسه بيضة ، وكان قوم موسى إذ ذاك ستمائة ألف وسبعين ألفا . ويجوز أن يريد بالقلة الذلة والحقارة لا قلة العدد . قوله : { وإنهم لنا لغائطون } معناه أنهم لقلتهم لا يبالي بهم ولا يتوقع غلبتهم ولكنهم يفعلون أفعالا لغيظنا كأخذ الحلي وادعاء الاستقلال والاستخلاص عن ذل الاستخدام ونحن قوم مجموعون كلمة وائتلافا ، ومن عادتنا التيقظ والحذر واستعمال الحزم في الأمور . فالحذر المتيقظ وهو يفيد الثبات والحاذر الذي يجدد حذره . وقيل : هو تام السلاح لأنه فعل ذلك حذرا واحتياطا لنفسه ، وكل هذه المعاذير لأجل أن لا يظن به العجز وخلاف ما ادعاه من القهر والتسلط . وقرئ { حادرون } بالدال غير المعجمة ، والحادر السمين القوي أراد أنهم أقوياء أشداء . { فأخرجناهم من جنات } أي بساتينهم التي فيها عيون الماء وكنوزر الذهب والفضة . قال مجاهد : سماها كنوزا لأنهم لم ينفقوا منها في طاعة الله تعالى . والمقام الكريم المنازل الحسنة والمجالس البهية . وقال الضحاك : المنابر . وقيل : السرر في الحجال . { كذلك } يحتمل النصب أي أخرجناهم مثل ذلك الإخراج الذي وصفنا ، والجر على الوصف أي مقام كريم مثل ذلك المقام الذي كان لهم ، ولارفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي الأمر كذلك ، وعلى هذا فيوقف على { كريم } . { فأتبعوهم } اي فلحقوهم . ومن قرأ بالتشديد فظاهر . والإشراق الدخول في وقت الشروق { فلما تراءى الجمعان } أي رأى قوم موسى قوم فرعون وحصل كل من الفريقين بمرأى للآخر { قال أصحاب موسى } خوفا وفزعا { إنا لمدركون } لملحقون . قال موسى تثبيتا لهم وردعا عماهم عليه من الجزع والفزع { كلا إن معي ربي } بالنصرة والمعونة { سيهدين } سبيل النجاة والخلاص كما وعدني . ثم بين أنه كيف هداه بقوله { فأوحينا } الآية . ومعنى { فانفلق } فضرب فانفلق { فكان كل فرق } اي كل جزء متفرق منفلق منه { كالطود } وهو الجبل العظيم ومع ذلك وصفه بالعظيم { وأزلفنا ثم } أي قربنا حيث انفلق البحر { الآخرين } وهم قوم فرعون والمقرب منه بنو إسرائيل أو قوم فرعون أيضا أي أدنينا بعضهم من بعض وجمعناهم حتى لا ينجو منهم أحد ، ويجوز أن يراد قدمانهم إلى البحر . وقرئ { وأزلقنا } بالقاف أي أزللنا أقدامهم حسا بأن لم يكن لهم البحر يبسا كما كان لبني إسرائيل ، أو عقلا أي أذهبنا عزهم . والبحر بحر القلزم أو بحر من وراء مصر يقال له أساف . قالت الأشاعرة : إنه تعالى أضاف الإزلاف إلى نفسه مع أن اجتماعهم في طلب موسى كفر . أجاب الجبائي بأن قوم فرعون تبعوا بني إسرائيل وبنو إسرائيل إنما فعلوا ذلك بأمر الله تعالى ، فلما كان مسيرهم بتدبير الله وهؤلاء تبعوهم اضافه إلى نفسه توسعا ، وهذا كما يتعب أحدنا في طلب غلام له فيجوز أن يقول : أتعبني الغلام لما حدث ذلك عند فعله .

(6/79)


أو المراد أزلفناهم إلى الموت والأجل . وقال الكعبي : أراد أنه جمع تفرقهم كيلا يصلوا إلى موسى وقومه ، أو اراد أنه حلم عنهم وترك لهم لابحر يابسا حتى طمعوا في دخوله . واعترض بأن كل ذلك لا بد أن يكون له أثر في استجلاب داعية قوم فرعون إلى الذهاب خلفهم فيعود المحذور . { إن في ذلك } الذي حدث في البحر من إنجاء البعض وإغراق البعض أو في ذلك أي ذكر من القصة بطولها { لآية } عجيبة للمتدبر المتفكر في الأمور الإلهية { وما كان أكثرهم مؤمنين } حين سألوا بعد النجاة أن يجعل لهم موسى إلها غير الله ، واتخذوا العجل ، واقترحوا اقتراحات خارجة عن قانون الأدب . ويحتمل أن يعود الضمير إلى هذه الأمة بدليل { واتل عليهم } [ الشعراء : 69 ] وفيه تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقد كان يغتم بتكذيب قومه بعد ظهور المعجزات ونزول الآيات .
التأويل : الطاء طوله في كمال عظمته ، والسين سلامته عن كل عيب ونقص ، والميم مجده الذي لا نهاية له . أو الطاء طهارة قلب نبيه عن تعلقات الكونين ، والسين سيادته على الأنبياء والمرسلين ، واليمم مشاهدته جمال رب العالمين . أو الطاء طيران الطائرين بالله ، والسين سير السائرين إلى الله ، والميم مشي الماشين لله الذين يمشون على الأرض هونا . { إن نشأ ننزل } من سماء قلوبهم { آية } من واردات الحق { فظلت } أعناق نفوسهم { لها خاضعين } { فسيأتيهم } بعد مفارقة الأرواح الأجساد { أنباء ما كانوا به يستهزؤن } لظهور نتائج معاملاتهم الخبيثة على أرواحهم { أو لم يروا إلى } أرض قلوب العارفين { كما أنبتنا فيها } من اشجار أصناف الإيمان والتوكل واليقين والإخلاص وسائر الأخلاق الكريمة { وما كان أكثرهم مؤمنين } لأن جناب الحق لعزته يجل عن أن يكون شرعة لكل وارد { وإن ربك لهو العزيز } الذي لا يوجد بالسعي { الرحيم } حين أدرك أولياءه بجذبات العناية كما أدرك موسى حين ناداه من الشجرة ، وذلك لأنه جعله مظهر لطفه كما أ نه جعل فرعون مظهر قهره فصار من العتو والاستكبار في غاية الكمال . ويعلم منه أن الإنسان له استعداد في مظهرية صفة القهر ليس لإبليس فلذلك عاند إبليس آدم وقال أنا خير منه وعاند فرعون الرب وقال أنا ربكم الأعلى . وأن له استعدادا في مظهرية صفة اللطف ليس للملك ولهذا صار الإنسان مسجودا للملائكة . { أن أرسل معنا بني إسرائيل } فيه أن موسى القلب مرسل إلى فرعون النفس لئلا تستعيد الصفات الروحانية فإن لفرعن النفس في البداية استيلاء على موسى القلب والصفات الروحانية فاستعملهم في قضاء حوائجه وتحصيل مقاصده فعرفه فرعون النفس وقال { ألم نربك فينا وليدا } فإن موسى القلب كان في حجر فرعون النفس إلى أن بلغ أوان الحلم وهي خمس عشرة سنة ، فقتل قبطي الشهوة حين كفر بإله الهوى وكان قبل القتل ضالا عن حضرة الربوبية { ففرت منكم } غلى الله لما خفت أن تقطعوا علي الطريق إلى الله .

(6/80)


رب سموات القلوب وأرض البشرية وما بينهما من المنازل { قال لمن حوله } من صفات النفس { الا تستمعون } { قال موسى } القلب لتعارفه بربه { ربكم ورب آبائكم الأولين } يعني الآباء العلوية الرحانية . وفي قوله { إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون } إشارة إلى كمال ضدية القلب والنفس فما يصدر عن القلب تعده النفس من الجنون وبالعكس . { رب } مشرق الروح من أفق البدن { ورب } مغربه فيه { وما بينهما } من مدة التعلق وقد مر نظيره في محاجة إبراهيم في « البقرة » { لأجعلنك من السمجونين } في سجن حب الدنيا فإن القلب إذا توجه إلى الله فلا استيلاء للنفس عليه إلا بشبكة حب النجاة والرياسة فإنها آخر ما يخرج من رؤوس الصديقين . فقال موسى القلب : لا تقدر على أن تسجنني فإن معي عصا الذكر واليد المنزعة عما سوى الله . وباقي التأويل قد سبق قوله : { فأخرجناهم } أي { من جنات } صفات الأوصاف الروحانية { وعيون } الحكمة { وكنوز } المعارف { ومقام كريم } في حضرة أكرم الأكرمين { وأورثاها بني إسرائيل } فيه أن النفس إذا فنيت ورث القلب منها صفاتها وبقوتها تصير إلى مقامات لم يمكنه الوصول إليها بقوة صفاته ، ولو مات القلب ورثت النفس منه صفاته وبقوتها تتنزل إلى دركات لم يمكنها الوصول إليها بمجرد صفاتها { فأتبعوهم } أي لحق أوصاف النفس أوصاف القلب عند إشراق شمس الروح { فكان كل فرق } فيه أن كل صفة من أوصاف الروح كجبل عظيم في العبور عنه . { وأزلفنا ثم الآخرين } أي قربنا صفات النفس بتبعية صفات القلب إلى بحر الروح . { وأنجينا موسى ومن معه } من الأوصاف في بحر الروح بالوصول إلى الحضرة { ثم أغرقنا } أوصاف النفس في بحر الروحانية فإن الوصول إلى الحضرة من خواص القلب وغاية سير النفس هو الاستغراق في بحر الروحانية { إن في ذلك لآية } لأرباب العرفان { وما كان أكثرهم مؤمنين } بهذه المنازل فإنه لا يصير إليها إلا الشاذ من المجذوبين بجذبة { ارجعي إلى ربك } [ الفجر : 28 ] جعلنا الله من المستعدين لها والله أعلم .

(6/81)


واتل عليهم نبأ إبراهيم (69) إذ قال لأبيه وقومه ما تعبدون (70) قالوا نعبد أصناما فنظل لها عاكفين (71) قال هل يسمعونكم إذ تدعون (72) أو ينفعونكم أو يضرون (73) قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون (74) قال أفرأيتم ما كنتم تعبدون (75) أنتم وآباؤكم الأقدمون (76) فإنهم عدو لي إلا رب العالمين (77) الذي خلقني فهو يهدين (78) والذي هو يطعمني ويسقين (79) وإذا مرضت فهو يشفين (80) والذي يميتني ثم يحيين (81) والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين (82) رب هب لي حكما وألحقني بالصالحين (83) واجعل لي لسان صدق في الآخرين (84) واجعلني من ورثة جنة النعيم (85) واغفر لأبي إنه كان من الضالين (86) ولا تخزني يوم يبعثون (87) يوم لا ينفع مال ولا بنون (88) إلا من أتى الله بقلب سليم (89) وأزلفت الجنة للمتقين (90) وبرزت الجحيم للغاوين (91) وقيل لهم أين ما كنتم تعبدون (92) من دون الله هل ينصرونكم أو ينتصرون (93) فكبكبوا فيها هم والغاوون (94) وجنود إبليس أجمعون (95) قالوا وهم فيها يختصمون (96) تالله إن كنا لفي ضلال مبين (97) إذ نسويكم برب العالمين (98) وما أضلنا إلا المجرمون (99) فما لنا من شافعين (100) ولا صديق حميم (101) فلو أن لنا كرة فنكون من المؤمنين (102) إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين (103) وإن ربك لهو العزيز الرحيم (104) كذبت قوم نوح المرسلين (105) إذ قال لهم أخوهم نوح ألا تتقون (106) إني لكم رسول أمين (107) فاتقوا الله وأطيعون (108) وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين (109) فاتقوا الله وأطيعون (110) قالوا أنؤمن لك واتبعك الأرذلون (111) قال وما علمي بما كانوا يعملون (112) إن حسابهم إلا على ربي لو تشعرون (113) وما أنا بطارد المؤمنين (114) إن أنا إلا نذير مبين (115) قالوا لئن لم تنته يا نوح لتكونن من المرجومين (116) قال رب إن قومي كذبون (117) فافتح بيني وبينهم فتحا ونجني ومن معي من المؤمنين (118) فأنجيناه ومن معه في الفلك المشحون (119) ثم أغرقنا بعد الباقين (120) إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين (121) وإن ربك لهو العزيز الرحيم (122)

القراآت : { لي إلا } { واغفر لأبي إنه } بفتح الياء فيهما : أبو جعفر ونافع { وأجري إلا } بفتح الياء : أبو جعفر ونافع وابن عامر وأبو عمرو وحفص : { وأتباعك } على أنه جمع تابع أو تبع : يعقوب { أنا إلا } بالمد : أبو نشيط عن قالون { معي من المؤمنين } بفتح ياء المتكلم : حفص وورش .
الوقوف : { إبراهيم } م لئلا يوهم أن « إذ » طرف { اتل } وإنما هو منصوب باذكر { ما تعبدون } 5 { عاكفين } 5 { تدعون } 5 { يضرون } 5 { يفعلون } 5 { تعبدون } 5 لا لأن الضمير بعده توكيد { الأقدمون } 5 والوصل أولى للفاء { العالمين } 5 لا لأن { الذي } صفة الرب { يهدين } 5 لا { يشفين } 5 { ويسقين } 5 { يحيين } 5 لا { الدين } 5 { بالصالحين } 5 لا { الآخرين } 5 لا { النعيم } 5 لا { الضالين } 5 لا { يبعثون } 5 { ولا بنون } 5 لا { سليم } 5 ط بناء على أن ما بعده إلى آخر أحوال الجنة والنار هو من كلام الله تعالى وهو الظاهر . وقيل : هو من تتمة كلام إبراهيم { العالمين } 5 { المجرمون } 5 { شافعين } 5 { حميم } 5 ط { المؤمنين } 5 { الاية } ط { مؤمنين } 5 { الرحيم } 5 { المرسلين } ج لأن « إذ » تصلح ظرفا للتكذيب مفعولا لا ذكر { تتقون } ج 5 لأن ما بعده من تمام المقول { أمين } 5 لا للفاء { وأطيعون } ج5 { من أجر } ج { العالمين } ج5 { وأطيعون } 5 لا { الأرذلون } 5 ط { يعملون } ج5 لأن ما بعده من تمام المقول { تشعرون } 5 لذلك { المؤمنين } ج5 { مبين } 5 { المرجومين } 5 ط { كذبون } 5 ج { المؤمنين } 5 { المشحون } ج5 { الباقين } 5 { الآية } ط { مؤمنين } 5ط { الرحيم } 5 .
التفسير : القصة الثانية قصة إبراهيم عليه السلام وكان يعلم عبدة أصنام ولكنه سألهم للإلزام والتبكيت . ومثله أهل المعاني بأن يقول أحد للتاجر : ما مالك؟ وهو يعلم أن ماله الرقيق ثم يقول له الرقيق : جمال وليس بمال . وإنما قال في سورة الصافات { ماذا تعبدون } [ الصافات : 85 ] بزيادة « ذا » لأنه أراد هناك مزيد التوبيخ ولذلك بنى الكلام على الزيادة ثم اردفه بقوله { أئفكا آلهة دون الله تريدون } [ الصافات : 86 ] وحين صرح هنالك بالتوبيخ لم يجيبوه وههنا ظنوا أنه يريد الاستفهام حقيقة فأجابوه ولكنهم بسطوا الكلام بسطا ولم يقتصروا على { أصناما } بل زادوا ناصبه وعقبوه بقولهم { فنظل لها عاكفين } إظهارا للابتهاج والافتخار . قال في الكشاف : وإنما قالوا { فنظل } لأنهم كانوا يعبدونها بالنهار دون الليل . قلت : وهذا مبني على النقل الصحيح والظن به حسن . قال : لا بد في { يسمعونكم } من تقدير حذف المضاف معناه هل يسمعون دعاءكم؟ قلت : ويحتمل أن يكون المحذوف مفعولا ثانيا أي هل يسمعونكم تدعون إذ تدعون وهو حكاية حال ماضية لأن « إذ » للمضي ومعناه استحضار الأحوال الماضية التي كانوا يدعونها فيها .

(6/82)


وحين تمسكوا في الجواب بطريقة التقليد قائلين على سبيل الإضراب { بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون } نبههم إبراهيم بقوله { أفرأيتم } على أن الباطل لا يتغير بأن يكون قديما أو حديثا ولا بأن يكون في مرتكبيه كثرة أو قلة ، وصرح بأن معبوديه أعداء لقوله تعالى { كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا } [ مريم : 82 ] أو لأن الذي يغري على عبادتها هو الشيطان وهو أعدى عدو للإنسان ، وإنما لم يقل عدو لكم لأنه أراد تصوير المسألة في نفسه ليكون أدل على النصح وأقرب إلى القبول كأنه قال : إني فكرت في أمري فرأيت عبادتي لها عبادة للعدو . ويحكى عن الشافعي أن رجلا واجهه بشيء فقال : لو كنت بحيث أنت لاحتجت إلى أدب . وقوله { إلا رب العالمين } استثناء منقطع أي لكن رب العالمين حبيب لي . ثم وصف لهم الرب بأنه { الذي خلقني فهو يهدين } أي خلق بدني على كماله الممكن له ثم يهدين في الاستقبال إلى ضروب مصالح الدين والدنيا كامتصاص الدم في البطن والثدي بعد الولادة نظيره ما مر في « طه » { الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى } [ طه : 50 ] . ثم نبه بقوله { والذي هو يطعمني ويسقين } أن الذي يتعلق به قوام البدن من الاغتذاء بالطعام والإساغة بالشراب هو من جملة إنعام الله تعالى لأنه خلق هناك قوى جاذبة وماسكة وهاضمة ودافعة وغيرها ، ولولاها لما تم أمر الاتفاع بالغذاء بل نفس الغذاء من جملة نعمه الشاملة ، ثم قال { وإذا مرضت فهو يشفين } وذلك أن البدن ليس دائما على النهج الطبيعي بحيث تصدر عنه الأفعال الموضوع هو لها سليمة فاسترداد الصحة بعد زوالها ليس إلا بإذن الله وبما خلق لكل داء دواء وإنما لم يقل أمرضني لأن كثيرا من اسباب المرض يحدث بإسراف الإنسان في المطعم والمشرب . وأيضا الصحة تحتاج إلى سبب قاهر يقسر الأخلاط والقوى على النسبة المطلوبة ، أما المرض فإنه بسبب تنافر الأخلاط وطلب كل منها مركزه الصلي . وأيضا فيه رعاية الأدب في مقام المدح وتعداد النعم وإنما لم يراع هذه النكتة في قوله { والذي يميتني } لأن الإماتة ليست بضر كالمرض . إما بعدم الإحساس وقتئذ ، وإما لأنها مقدمة الوصول إلى عالم الخير والراحة . وإنما زاد لفظة « هو » في الإطعام والشفاء لأنهما قد ينسبان إلى الإنسان فيقال : زيد يطعم وعمرو يداوي . فأكد إعلاما بأن ذلك في الحقيقة من الله ، واما الإماتة والإحياء فلا يدعيهما مدع فأطلق : ثم اشار إلى ما بعد الإحياء من المجازاة بقوله { والذي أطمع } فحمل الأشاعرة الطمع على مجرد الظن والرجاء بناء على أنه لا يجب لأحد على الله شيء . وحمله المعتزلة على اليقين تارة وعلى هضم النفس والتواضع وتعليم الأمة أخرى ، كما أنه أضاف الخطيئة إلى نفسه لمثل ذلك .

(6/83)


وقد تحمل الخطيئة على المعاريض المنسوبة إليه من قوله { إني سقيم } [ الصافات : 89 ] وقوله { بل فعله كبيرهم } [ الأنبياء : 63 ] وقوله لسارة « هي أختي » وإنما علق المغفرة بيوم الدين لأن أثرها يتبين يومئذ وهو في الدنيا خفي . قال بعضهم : فائدة زيادة « لي » هي أن يعلم أن المغفرة فائدتها تعود إليه والله سبحانه لا يستفيد بذلك كمالا لم يكن له . والمراد : أطمع أن يغفر لي لمجرد عبوديتي له واحتياجي إليه لا بواسطة شفيع كما قال لجبرائيل : أما إليك فلا .
وحين قدم الثناء شرع في الدعاء تعليما لأمته إذا أرادوا مسألة فقال { رب هب لي حكما } وهو إشارة إلى كمال القوة النظرية { وألحقني بالصالحين } وهو إشارة إلى كمال القوة العملية . ولقد اجابه حيث قال { وإنه في الآخرة لمن الصالحين } وقيل : الحكم النبوة إذ النبي ذو حكمة وذو حكم . بين عباد الله تعالى وزيف بأنه كان حاصلا فكيف يطلبه؟ والظاهر أنه اراد بالحكم النسب الذهنية المطابقة للخارجية أعني العلوم النظرية كما بينا . قالت الأشاعرة : في الآية دلالة على مسألة خلق الأعمال ، إنه طلب العلم من الله فلولا أن العلم بخلقه وإلا كان السؤال عبثا . وحمله المعتزلة على منح الألطاف . قيل : الحكم المطلوب بالدعاء إن كان هو العلم بغير الله لزم أن يكون سائلا لما يشغله عن الله وهو باطل ، وإن كان العلم بالله بقدر ما هو شرط صحة الإيمان لزم طلب ما هو حاصل لأدنى المؤمنين فضلا عن إبراهيم ، فإذن هو العلم الزائد على ما هو ضروري في الإيمان وهو الوقوف على حقيقة الذات والصفات ، ثم لا يكشف المقال عنها غير الخيال وبه يصير المؤمن من الواصلين إلى العين دون السامعين إلى الأثر . ثم طلب الذكر الجميل بقوله { واجعل لي لسان صدق } والإضافة فيه كقوله { قدم صدق } [ يونس : 2 ] وقال ابن عباس : وقد أعطاه الله ذلك لقوله { وتركنا عليه في الآخرين } [ الصافات : 78 ] ولهذا اتفق أهل الأديان قاطبة على حبه وادعاء متابعته . ومدح الكافر ليس مقصودا لذاته من حيث هو كافر وإنما المقصود أن يكون ممدوح كل إنسان ومحمودا بكل لسان . وفائدة الثناء على الشخص بعد وفاته هو انصراف الهمم إلى ما به يحصل له عند الله زلفى وقد يصبر ذلك المدح داعيا للمادح أو لمن يسمعه إلى اكتساب مثل تلك الفضائل . وقيل : سأل ربه أن يجعل من ذريته في آخر الزمان من يكون داعيا إلى ملته وهو محمد صلى الله عليه وسلم . ثم سأل ما هو غاية كل سعادة فقال { واجعلني من ورثة جنة النعيم } وقد مر معنى هذه الوراثة في قوله { وتلك الجنة التي أورثتموها } [ الأعراف : 43 ] وكذلك في سورة مريم { تلك الجنة التي نورث من عبادنا }

(6/84)


[ مريم : 63 ] ثم طلب السعادة الحقيقية لأشد الناس التصاقا به وهو ابوه قائلا { واغفر لأبي } وقد سبق في آخر التوبة وفي مريم « ما يتعلق به من المباحث . وههنا سؤال : وهو أنه متى حصلت الجنة بدعائه امتنع حصول الخزي فكيف قال بعده { ولا تخزني } وايضا قال تعالى { إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين } [ النحل : 27 ] وما كان نصيب الكافر كيف يستجير منه المعصوم؟ أجاب عنه في التفسير الكبير كما أن حسنات الأبرار سيئات المقربين فكذلك درجات الأبرار دركات المقربين ، وخزي كل واحد ما يليق بحاله فكأنه سأل الشركة أولا ثم الخصوصية ثانيا . وأقول : يحتمل أن يكون هذا الدعاء من تتمة دعائه لأبيه أي لا تخزني ولا تفضحني بسبب تعذيب ابي يوم يبعث الضالون أو العباد كلهم ، ومثل هذا الضمير مما يعلم عوده بالقرينة . ويجوز أن يكون سأل الجنة بشرط التعظيم والإجلال ، ويجوز أن يكون أخر هذا الدعاء لما يعقبه من حديث يوم القيامة وأهوالها وأحوالها فاراد أن لا ينقطع نظم الكلام . وفي قوله { إلا من أتى الله بقلب سليم } إشارة إلى ما وصفه الله به في قوله تعالى { وإن من شيعته لإبراهيم إذ جاء ربه بقلب سليم } [ الصافات : 84 ] وفي هذا الاستثناء وجوه منها : أنه منقطع والمضاف محذوف أي إلا حال من أتى الله بقلب سليم والمراد بالحال سلامة القلب والمعنى : أن المال والبنين لا ينفعان وإنما ينفع سلامة القلب عن الأمراض الروحانية كالجهل وسائر الأخلاق الذميمة ، ويندرج في سلامة القلب سلامة سائر الجوارح لأنه رئيسها . ولا شك أن المال والبنين ليسا من جنس سلامة القلب فيكون الاستثناء منقطعا . ومنها أنه متصل وذلك على وجهين : أحدهما لا ينفع غنى إلا غنى من أتى الله بقلب سليم لأن غنى الرجل في دينه بسلامة قلبه كما أن غناه في دنياه بماله وبنيه . وثانيهما أن يجعل من باب قولهم :
تحية بينهم ضرب وجيع ... والمضاف المحذوف الحال أو السلامة نظيره أن يقال لك : هل لزيد مال وبنون؟ فتقول : ماله وبنوه سلامة قلبه تريد نفي المال والبنين عنه وإثبات سلامة القلب له بدلا عن ذلك . ومنها أن يكون الموصول مفعولا لينفع والاستثناء مفرغ أي لا ينفع مال ولا بنون أحدا إلا رجلا سلم قلبه مع ماله وبنيه حيث أنفقه في طاعة الله وما قصر في باب تأديبهم وإرشادهم ، أو سلم قلبه من فتنة المال والبنين فلم يكفر ولم يعص . وقد يفسر السليم بالذائب من خشية الله تعالى .
وحين أنجر الكلام إلى ذكر يوم القيامة وصف الله تعالى أو إبراهيم أحواله وأهواله فقال { وأزلقت الجنة للمتقين } قال المفسرون : الجنة تقرب من موقف السعداء ليكون لهم فرجا معجلا ، وتجعل النار بارزة مكشوفة للأشقياء ليزدادوا غما وحسرة ، ولمثل هذا اليوم وبخهم بقوله { إينما كنتم تعبدون } يعني الآلهة التي كنتم تعبدونها { من دون الله هل ينصرونكم } بنصرتهم لكم أو هل ينفعون أنفسهم بانتصارهم لأنهم وآلهتهم وقود النار وذلك قوله { فكبكبوا فيها هم } أي الآلهة { والغاوون } الذين عبدوهم قال جار الله : الكبكبة تكرير الكب جعل التكرير في اللفظ دليلا على التكرير في المعنى كأنه إذا ألقى في جهنم ينكب مرة بعد مرة حتى يستقر في قعرها أعاذنا الله منها .

(6/85)


والمراد بجنود إبليس شياطينهم أو متبعوه من عصاة الجن والإنس . { قالوا } يعني الغاوين وجنود إبليس { وهم } يعني والحال أن الأصنام وعبدتهم { فيها يختصمون } قال أكثر المفسرين : يجوز أن ينطق الله الأصنام بحيث يصح منها التخاصم . وقيل : إن هذا التخاطب بين العصاة والشياطين إذ سووهم برب العالمين . والمراد بالمجرمين على التفسيرين الرؤساء والكبراء . وعن السدي : الأولون الذين سنوا الشرك . وعن ابن جريج : إبليس وقابيل لأنه سن القتل وأنواع المعاصي : { فما لنا من شافعين ولا صديق حميم } خالص يهمه ما يهمنا وفيه نفي الشفعاء والصديق راسا أو نفي للذين كانوا عدوهم شفعاء واصدقاء من الأصنام والرؤساء ، أو نفي للانتفاع بهم قصدوا بنفيهم ما يتعلق بهم من الفائدة ، فكل عديم النفع حكمه حكم المعدوم . قال جار الله : إنما جمع الشافع ووحد الصديق لكثرة الشفعاء لأجل الخشية عادة ، ولكن الصديق الصادق أعز من الكبريت الأحمر حتى زعم بعض الحكماء أنه اسم لا معنى له . وجوز أن يكون الصديق في معنى الجمع والكرة الرجعة إلى الدنيا « ولو » في معنى التمني . وقوله { فنكون } جواب التمني أو عطف في المعنى على { كرة } أي ليت لنا كرة فإن نكون ، وعلى هذا جاز أن تكون « لو » على أصل الشرط والجواب محذوف وهو لفعلنا كيت وكيت . ثم بين أن فيما كره من قصة إبراهيم عليه السلام لآية لمن يريد أن يستدل بذلك وما كان أكثر قوم إبراهيم بمؤمنين .
القصة الثالثة قصة نوح : ولا ريب أن نبأه عظيم فقد كان يدعوهم الف سنة غلا خمسين عاما ، ومع ذلك لم يزد قومه إلا التكذيب . والقوم مؤنث بدليل قوله { كذبت } وكان أمينا فيهم مشهورا كمحمد صلى الله عليه وسلم في قريش . وكرر قوله { فاتقوا الله وأطيعون } تأكيدا وتقريرا في النفوس مع أنه علق كل واحد بسبب وهو الأمانة في الأول وقطع الطمع في الثاني نظيره قول الرجل لغيره : ألا تتقي الله في عقوقي وقد ربيتك صغيرا؟ ألا تتقي الله في عقوقي وقد علمتك كبيرا؟ وقدم الأمر بتقوى الله على الأمر بطاعته لأن تقوى الله علة طاعته . قوله { وما علمي } يريد اي شيء علمي ومعناه انتفاء علمه بإخلاص أعمالهم لله عز وجل واطلاعه على باطنهم ومكنون ضميرهم كأنهم طعنوا في إيمانهم ايضا فذكر أن حسابهم على الله وأنه لم يبعث إلا للنذارة .

(6/86)


ويجوز أن يكون فسر لهم الرذالة بما هو الرذالة عنده من سوء الأعمال وفساد العقائد فبنى جوابه على ذلك وقال : ما علمي إلا اعتبار الظاهر والله يتولى السرائر . وفي قوله { لو تشعرون } إشارة إلى أنهم لا يصدقون بالحساب والجزاء ، وفيه إنكار أن يسمى المؤمن رذلا وإن كان أفقر الناس وأوضعهم فالغني غني الدين والنسب نسب التقوى . { رب أن قومي كذبون } ليس إخبارا لأنه علام الغيوب وإنما هو تمهيد مقدمة لطلب الفتح والحكومة . والفلك المشحون المملوء من كل زوجين اثنين مع نوح وأهله .
التأويل : { واتل عليهم نبأ إبراهيم } القلب { إذ قال لأبيه وقومه } وهو الروح وما يتولد منه { نعبد أصناما } وهو ما سوى الله { فنظل لها عاكفين } إلا أن أدركتنا العناية فنعرض عنها : { بل وجدنا آباءنا } وهم الأرواح والآباء العلوية كذلك يتعلق بعضهم ببعض { فإنهم عدو لي } إن تعلقت فصرت محجوبا بهم عن الله { خلقني فهو يهدين } إلى حضرته و { يطعمني } من طعام العبودية الذي يعيش القلوب ، ويسقيني من شراب طهور التجلي { وإذا مرضت } بتعلقات الكونين { فهو يشفين } بالجذبة الإلهية { والذي يميتني } عن أوصاف البشرية { ثم يحيين } بأوصاف الروحانية ويميتني عن أوصاف الروحانية ثم يحيين بالأوصاف الربانية ثم يميتني عن أنانيتي ثم يحيين بهويته { والذي أطمع أن } يستر ظلمة خطيئة وجودي بطلوع شمس نهار الدين { رب هب لي } من ربوبيتك { حكما } على بذل وجودي فيهويتك { وألحقني } بالذين صلحوا لقبول الفيض الإلهي بلا واسطة . { واجعل لي لسان صدق في الآخرين } من النفس وصفاتها ليعرضوا عما سوى الله { واغفر لأبي } الروح { إنه كان من الضالين } حين رد من العالم العلوي إلى السفلي من قولهم « ضل الماء في اللبن » { ولا تخزني } بتعلقات الكونين { قال نوح } القلب { وما علمي بما كانوا يعملون } يعني أراذل الجسد والأعضاء لأنهم عملة عالم الشهادة وأنا من عملة عالم الغيب { إن حسابهم إلا على ربي } فيما يعملون من الأعمال الحيوانية لحاجة ضرورية يعفو عنها والشهوة حيوانية يؤاخذهم بها { لو تشعرون } الفرق بينهما { قالوا } أي النفس وصفاتها { لئن لم تنته يا نوح } القلب عما تدعونا إليه على خلاف إرادتنا { لنكونن من المرجومين } بأحجار الوساوس والهواجس { في الفلك المشحون } أي في فلك الشريعة المملوء بالأوامر والنواهي والحكم والمواعظ والأسرار والحقائق { ثم أغرقنا الباقين } بطوفان استيلاء الأخلاق الذميمة وآفات الدنيا الدنية ، وباقي القصص إشارات إلى رسول القلب المسلم من الله وقومه النفس وصفاتها وإليه المرجع والمآب لما قررناه .

(6/87)


كذبت عاد المرسلين (123) إذ قال لهم أخوهم هود ألا تتقون (124) إني لكم رسول أمين (125) فاتقوا الله وأطيعون (126) وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين (127) أتبنون بكل ريع آية تعبثون (128) وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون (129) وإذا بطشتم بطشتم جبارين (130) فاتقوا الله وأطيعون (131) واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون (132) أمدكم بأنعام وبنين (133) وجنات وعيون (134) إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم (135) قالوا سواء علينا أوعظت أم لم تكن من الواعظين (136) إن هذا إلا خلق الأولين (137) وما نحن بمعذبين (138) فكذبوه فأهلكناهم إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين (139) وإن ربك لهو العزيز الرحيم (140) كذبت ثمود المرسلين (141) إذ قال لهم أخوهم صالح ألا تتقون (142) إني لكم رسول أمين (143) فاتقوا الله وأطيعون (144) وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين (145) أتتركون في ما هاهنا آمنين (146) في جنات وعيون (147) وزروع ونخل طلعها هضيم (148) وتنحتون من الجبال بيوتا فارهين (149) فاتقوا الله وأطيعون (150) ولا تطيعوا أمر المسرفين (151) الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون (152) قالوا إنما أنت من المسحرين (153) ما أنت إلا بشر مثلنا فأت بآية إن كنت من الصادقين (154) قال هذه ناقة لها شرب ولكم شرب يوم معلوم (155) ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب يوم عظيم (156) فعقروها فأصبحوا نادمين (157) فأخذهم العذاب إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين (158) وإن ربك لهو العزيز الرحيم (159) كذبت قوم لوط المرسلين (160) إذ قال لهم أخوهم لوط ألا تتقون (161) إني لكم رسول أمين (162) فاتقوا الله وأطيعون (163) وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين (164) أتأتون الذكران من العالمين (165) وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم بل أنتم قوم عادون (166) قالوا لئن لم تنته يا لوط لتكونن من المخرجين (167) قال إني لعملكم من القالين (168) رب نجني وأهلي مما يعملون (169) فنجيناه وأهله أجمعين (170) إلا عجوزا في الغابرين (171) ثم دمرنا الآخرين (172) وأمطرنا عليهم مطرا فساء مطر المنذرين (173) إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين (174) وإن ربك لهو العزيز الرحيم (175)

القراآت : { أوعظت } مدغما : عباس ونصير { خلق الأولين } بفتح الخاء وسكون اللام : ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب ويزيد وعلي { كذبت ثمود } مثل { بعدت ثمود } [ هود : 95 ] { فارهين } بالألف : ابن عامر وعاصم وحمزة وعلي وخلف .
الوقوف : { المرسلين } 5 { تتقون } 5 { أمين } 5 { وأطيعون } 5 { أجر } 5 { العالمين } 5 { تعبثون } 5 لا { تخلدون } 5ج { جبارين } 5 { وأطيعون } 5ج { تعلمون } 5 ج { وبنين } 5لا { وعيون } 5ج { عظيم } 5 ط { الواعظين } 5 لا للحتراز عن الابتداء بمقولهم { الأولين } 5 لا لذلك { بمعذبين } 5 ج { فأهلكناهم } ط { لآية } ط { مؤمنين } 5 { الرحيم } 5 { المرسلين } 5 ط { تتقون } 5 { أمين } 5 لا { وأطيعون } 5 { أجر } 5 { العالمين } 5 { آمنين } 5 لا لتعلق الظرف { وعيون } 5 لا { هضيم } 5 { فارهين } 5ج للآية مع العطف { وأطيعون } 5ج لذلك { المسرفين } 5 لا لأن { الذين } صفتهم { ولا يصلحون } 5 { المسحرين } 5ج لانقطاع النظم مع اتحاد المقول { مثلنا } ز { من الصادقين } 5 { معلوم } 5ج { عظيم } 5 { نادمين } 5 لا { العذاب } ط { لآية } ط { مؤمنين } 5 { الرحيم } 5 { المرسلين } 5 لا { ألا تتقون } 5 ج { أمين } 5 لا { وأطيعون } 5 ج { أجر } ج { العالمين } 5 ط { من العالمين } 5 لا للعطف { من أزواجكم } 5 { عادون } ط { المخرجين } 5 { القالين } 5 { يعملون } 5 { أجميعن } 5 { الغابرين } 5 { الآخرين } 5 ج { مطر المنذرين } 5 { لآية } ط { مؤمنين } 5 { الرحيم } 5 .
التفسير : القصة الرابعة قصة هود ولنذكر من تفسيرها ما هو غير مكرر . الريع بالكسر وقرئ بالفتح المكان المرتفع ومنه الغلة لارتفاعها . والآية العلم وفي هذا البناء وجوه : فعن ابن عباس أنهم كانوا يبنون بكل موضع مرتفع علما يعبثون فيه بمن يمر بالطريق إلى هود . وقيل : كانوا يبنون ذلك ليعرف به فخرهم وغناهم فنهوا عنه ونسبوا إلى العبث وقيل : كانوا يقتنون الحمام قاله مجاهد . والمصانع مآخذ الماء . وقيل : القصور المشيدة والحصون . ومعنى { لعلكم تخلدون } ترجون الخلود في الدنيا أو ظلما وعلوا فوصفوا بكونهم إذ ذاك جبارين . وقيل : الجبار الذي يقتل ويضرب على الغضب . وعن الحسن : اراد أنهم يبادرون العذاب من غير تفكر في العواقب . والحاصل أن اتخاذ الأبنية الرفيعة يدل على حب العلو ، واتخاذ المصانع يدل على حب البقاء ، والبطش الشديد يدل على حب التفرد بالعلو فكأنهم أحبوا العلو وبقاء العلو والتفرد بالعلو وكل هذه لمن له الصفات الإلهية لا العبدية . ثم بالغ في تنبيههم على نعم الله حيث أجملها بقوله { واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون } إيقاظا لهم عن سنة الغفلة مستشهدا بعلمهم ثم فصلها بقوله { أمدكم بأنعام } عليها تدور معايشكم { وبنين } بهم يتم أمر حفظها والقيام بها { وجنات } يحصل بها التفكه والتنزه { وعيون } بمائها يكمل النماء .

(6/88)


ثم ختم الكلام بتخويفهم تنبيها على أنه كما قدر أن يتفضل عليهم بهذه النعم الجسام فهو قادر على العذاب فيكون فيه مزيد حث على التقوى وكمال تنفر عن العصيان . ثم شرع في حكاية جواب القوم وأنهم قالوا : إن وعظه وعدم وعظه بالنسبة إليهم سيان . وإنما لم يقل « أوعظت أم لم تعظ » مع كونه أخصر لأن المراد سواء علينا افعلت هذا الفعل الذي هو الوعظ أو لم تكن من مباشريه وذويه راسا وهذا أبلغ في قلة اعتدادهم بوعظه . منقرأ { خلق الأولين } بفتح الخاء فمعناه أن هذا إلا اختلاق الأولين وأكاذيبهم ، أو ما هذا إلا خلق الأقدمين نحيا ونموت ولا بعث ولا جزاء . والقراءة الأخرى معناها لسنا نحن إلا على دين الأولين من آبائنا ، أو ليس ما نحن عليه من الحياة والموت إلا عادة جارية لا خرق لها ، أو ما هذا الذي جئت به من تلفيق الأكاذيب . إلا عادة مستمرة من المتنبين . ثم أكدوا إنكارهم المعاد بقولهم { وما نحن بمعذبين } فأظهروا بذلك جلادتهم وقوة نفوسهم فأخبر الله تعالى عن إهلاكهم وقد سبقت كيفية ذلك مرارا .
القصة الخامسة قصة صالح . قال جار الله : الهمزة في { أتتركون } يجوز أن تكون للإنكار اي لا تتركون مخلدين في الأمن والراحة ولكل نعمة زوال ، ويجوز أن تكون للتقرير أي قد تركتم في أسباب الأمن والفراغ ، أجمل أولا بقوله { فيما ههنا } أي في الذي استقر في هذا المكان من النعيم ، ثم فسره بقوله { في جنات وعيون } وذكر النخل بعد ذكر الجنات إما تخصيص للجنات بغير النخل ، وإما تخصيص للنخل بالذكر تنبيها على فضله ومزيته . وطلع النخلة ما يبدو منها كنصل السيف وقد مر في « الأنعام » . والهضيم اللطيف الضامر من قولهم « كشح هضيم » أراد أنه وهب لهم أجود النخل وألطفه كالبرني مثلا . وقيل : وصف نخيلهم بالحمل الكثير فإنه إذا كثر الحمل هضم أي لطف . وقيل : الهضيم اللين النضيج كأنه قال : ونخل قد ارطب ثمره . والفراهة الكيس والنشاط ومنه « خيل فرهة » و { فارهين } حال من الناحتين . قال علماء المعاني : جعل الأمر مطاعا مجاز حكمي وإنما المطاع بالحقيقة هو الآمر . وفي قوله { ولا يصلحون } إشارة إلى أن إفسادهم في الأرض غير مقترن بالإصلاح راسا . والمسحر الذي سحر كثيرا حتى غلب على عقله . وقيل : هو من السحر الرئة . أرادوا أنه بشر ذو سحر وهو ضعيف لأنه يلزم التكرار بقوله : { ما أنت إلا بشر مثلنا } إلا أن يقال : إنه بيان . والشرب النصيب من الماء كالسقي للحظ من السقي . وقرئ بالضم عن قتادة إذا كان يوم شربها شربت ماءهم كله ولهم شرب يوم لا تشرب فيه الماء .

(6/89)


سؤال : لم أخذهم العذاب وقد ندموا والندم توبة؟ جوابه كان ندمهم ندم خوف من العقاب العاجل أو ندموا ندم توبة في غير أوانها وذلك عند عيان العذاب . وقيل : ندموا على ترك عقر ولدها وفيه بعد . واللام في العذاب إشارة إلى عذاب يوم عظيم .
القصة السادسة : قصة لوط : أنكر على قومه إتيانهم الذكور من الناس لا الإناث على كثرتهن ، أو أنكر عليهم كونهم مختصين من العالمين بهذه الفاحشة . فقوله : { من العالمين } يعود على الأول إلى المأتي ، وعلى الثاني إلى الآتي . والعالمون على هذا كل ما ينكح من الحيوان ولا شيء من الحيوان يرتكب هذه الفعلة إلا الإنسان . قوله { من أزواجكم } إما بيان لما خلق وإما للتبعيض فيراد بما خلق العضو المباح منهن فلعلهم كانوا يفعلون مثل ذلك بنسائهم . والعادي المتجاوز الحد في ظلم اي { بل أنتم قوم عادون } في جميع المعاصي وهذه واحدة منها ، أو بل أنتم قوم أحقاء بأن تنسبوا إلى العدوان حيث فعلتم هذه الجريمة العظيمة . { قالوا لئن لم تنته يا لوط } عن نهينا { لتكونن } من جملة من أخرجناه من بلدنا ولعلهم كانوا يطردون من خالف أراد أنه كامل في قلاهم عصبية للدين ، أو أنه معدود في زمرة مبغضيهم كما تقول : فلان من العلماء . فيكون أبلغ من قولك « هو عالم » . ثم طلب النجاة من عقوبة عملهم أو سأل العصمة عن مثل عملهم ولقد عصمهم الله { إلا عجوزا } رضيت بفعلهم وأعانت على ذلك وكانت من أهله بحث الزواج وإن لم تشاركهم في الإيمان . ومعنى { في الغابرين } إلا عجوزاص مقدرا غبورها أي بقاؤها في الهلاك . واللام في { المنذرين } للجنس لتصلح الفاء علة فعل الذم والمخصوص محذوف أي ساء مطر جنس المنذرين مطر أولئك المعهودين والله أعلم .

(6/90)


كذب أصحاب الأيكة المرسلين (176) إذ قال لهم شعيب ألا تتقون (177) إني لكم رسول أمين (178) فاتقوا الله وأطيعون (179) وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين (180) أوفوا الكيل ولا تكونوا من المخسرين (181) وزنوا بالقسطاس المستقيم (182) ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين (183) واتقوا الذي خلقكم والجبلة الأولين (184) قالوا إنما أنت من المسحرين (185) وما أنت إلا بشر مثلنا وإن نظنك لمن الكاذبين (186) فأسقط علينا كسفا من السماء إن كنت من الصادقين (187) قال ربي أعلم بما تعملون (188) فكذبوه فأخذهم عذاب يوم الظلة إنه كان عذاب يوم عظيم (189) إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين (190) وإن ربك لهو العزيز الرحيم (191) وإنه لتنزيل رب العالمين (192) نزل به الروح الأمين (193) على قلبك لتكون من المنذرين (194) بلسان عربي مبين (195) وإنه لفي زبر الأولين (196) أولم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل (197) ولو نزلناه على بعض الأعجمين (198) فقرأه عليهم ما كانوا به مؤمنين (199) كذلك سلكناه في قلوب المجرمين (200) لا يؤمنون به حتى يروا العذاب الأليم (201) فيأتيهم بغتة وهم لا يشعرون (202) فيقولوا هل نحن منظرون (203) أفبعذابنا يستعجلون (204) أفرأيت إن متعناهم سنين (205) ثم جاءهم ما كانوا يوعدون (206) ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون (207) وما أهلكنا من قرية إلا لها منذرون (208) ذكرى وما كنا ظالمين (209) وما تنزلت به الشياطين (210) وما ينبغي لهم وما يستطيعون (211) إنهم عن السمع لمعزولون (212) فلا تدع مع الله إلها آخر فتكون من المعذبين (213) وأنذر عشيرتك الأقربين (214) واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين (215) فإن عصوك فقل إني بريء مما تعملون (216) وتوكل على العزيز الرحيم (217) الذي يراك حين تقوم (218) وتقلبك في الساجدين (219) إنه هو السميع العليم (220) هل أنبئكم على من تنزل الشياطين (221) تنزل على كل أفاك أثيم (222) يلقون السمع وأكثرهم كاذبون (223) والشعراء يتبعهم الغاوون (224) ألم تر أنهم في كل واد يهيمون (225) وأنهم يقولون ما لا يفعلون (226) إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا وانتصروا من بعد ما ظلموا وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون (227)

القراآت : { ليكة } بلام مفتوحة بعدها ياء ساكنة وبفتح التاء على أنها ممتنعة من الصرف للعلمية والتأنيث ، وكذلك في « صاد » : اي جعفر ونافع وابن كثير وابن عامر . الآخرون { الأيكة } معرفا مجرورا . { كسفا } بفتح السين : حفص غير الخزاز . الآخرون بسكونها { ربي أعلم } بفتح الياء : نافع وأبو جعفر وابن كثير وأبو عمرو { ونزل به } مخففا { الروح الأمين } مرفوعين : أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو وحفص وابو زيد عن المفضل وزيد عن يعقوب . الباقون { نزل } مشددا { الروح الأمين } منصوبين { أو لم تكن } بتاء التأنيث { آية } بالرفع : ابن عامر . الباقون بالياء التحتانية { آية } بالنصب : { فتوكل } بالفاء : أبو جعفر ونافع وابن عامر . الباقون بالواو { من تنزل الشياطين } بتشديد التاء وكذلك { تنزل } البزي وابن فليح { يتبعهم } بالتخفيف : نافع { وادي } بالياء في الوقف : يعقوب والسرنديبي عن قنبل وقرأ قتيبة بالإمالة .
الوقوف : { المرسلين } ج5 { تتقون } 5 { أمين } 5 لا { وأطيعون } 5ج { أجر } ج { العالمين } 5 ط { المخسرين } ج5 { المستقيم } ج5 { مفسدين } ج5 { الأولين } 5 ط { المسحرين } 5 لا { الكاذبين } 5 ج { نصف آي القرآن } { الصادقين } 5 ط { تعملون } 5 { الظلة } ط { عظيم } 5 { لآية } ط { مؤمنين } 5 { الرحيم } 5 { العالمين } 5 { الأمين } 5 لا { المنذرين } 5 لا { مبين } 5 { الأولين } 5 { إسرائيل } ط5 { الأعجمين } 5لا { مؤمنين } 5 ط { المجرمين } 5 ط بناء على أن { لا يؤمنون } مستأنف للبيان ولو جعل حالا فلا وقف { الأليم } 5 لا { لا يشعرون } 5 لا { منظرون } 5ط { يستعجلون } 5 { سنين } 5 لا للعطف { يوعدون } 5 لا لأن قوله { ما أغنى } جملة نفي أو استفهام قامت مقام الشرط { يمتعون } 5ط { منذرون } 5 وقد يوقف عليها بناء على أن { ذكرى } ليس بمفعول له والمراد ذكرناهم والوقف على { ذكرى } جائز { ظالمين } 5 { الشياطين } 5 { يستطيعون } 5 ط { المعزولون } 5ط { المعذبين } ج5 { الأقربين } ج5 للعطف { المؤمنين } 5 { تعملون } 5ج { الرحيم } 5 لا { تقوم } 5 لا { الساجدين } 5 { العليم } 5 { الشياطين } 5 ط لانتهاء الاستفهام إلى الأخبار { أثيم } ج5 بناء على أن { يلقون } حال من ضمير { الشياطين } اي تنزل ملقين السمع أو صفة { لكل افاك } وإن جعل مستأنفا كأن قائلا قال : لم تنزل؟ فقيل : يفعلون كيت وكيت فلك الوقف . { كاذبون } 5ط { الغاوون } 5 ط { يهيمون } 5 لا { لا يفعلون } 5 { ظلموا } ط { ينقلبون } 5 .
التفسير : القصة السابعة قصة شعيب وأنه كان أخا مدين دون أصحاب الأيكة ولهذا لم يقل « أخوهم شعيب » . يروى أن اصحاب الأيكة كانوا اصحاب شجر ملتف وكان شجرهم الدوم وهي التي حملها المقل . قال في الكشاف : قرئ { أصحاب ليكة } بتخفيف الهمزة وبالجر على الإضافة وهو الوجه ، ومن قرأ بالنصب وزعم أن { ليكة } بوزن ليلة اسم بلد فتوهم قاد إليه خط المصحف في هذه السورة وفي سورة ص ، ثم اعترض عليه بأن { ليكة } اسم لا يعرف .

(6/91)


قلت : إنه لا يلزم من عدم العلم بالشيء عدم ذلك الشيء ، والظن بالمتواتر يجب أن يكون أحسن من ذلك . أمرهم شعيب بإيفاء الكيل ونهاهم عن الإخسار وهو التطفيف وأن يجعل الشخص خاسرا فكأنه أمره بالإيفاء مرتين توكيدا ثم زاد في البيان بقوله { وزنوا بالقسطاطس المستقيم } وقد مر في سورة سبحان . قال في الكشاف : إن كان من القسط وهو العدل وجعلت السين مكررة فوزنه « فعلاس » وإلا فهو رباعي . قلت : إن كان مكررا فوزنه « فعلال » أيضا . وقوله { ولا تبخسوا } تأكيدا آخر وقد سبق في « هود » . والجبلة الخليقة حذرهم الله الذي تفضل عليهم بخلقهم وخلق من تقدمهم ممن لولا خلقهم لما كانوا مخلوقين . قال في الكشاف : الفرق بين إدخال الواو ههنا في قوله { وما أنت إلا بشر } وبين تركها في قصة ثمود هو أنه قصد ههنا معنيان منافيان عندهم للرسالة : كونه مسحرا وكونه بشرا وهناك جعل المعنى الثاني مقررا للأول . قلت : الفرق بين والإشكال في تخصصيص كل من القصتين بما خصت به ، ولعل السبب فيه هو أن صالحا قلل في الخطاب فقللوا في الجواب ، وأكثر شعيب في الخطاب ولهذا قيل له خطيب الأنبياء فأكثروا في الجواب . « وإن » في قولهم { وإن نظنك } هي المخففة من الثقيلة عملت في ضمير شأن مقدر . واللام في قوله { لمن الكاذبين } هي الفارقة . والكسف بالسكون والحركة جمع كسفة وهي القطعة وقد مر في سبحان في اقتراحات قريش . والمعنى إن كنت صادقا في دعوة النبوة فادع الله أن يسقط علينا قطع السماء . وإنما طلبوا ذلك لاستبعادهم وقوعه فأرادوا بذلك إظهار كذبه فحلم عنهم شعيب ولم يدع عليهم بل فوض الأمر إلى الله بقوله : { ربي أعلم بما تعملون } يروى أن شعيبا بعث إلى أمتين : اصحاب مدين وأصحاب الأيكة . فأهلكت مدين بصيحة جبرائيل ، وأهلكت اصحاب الأيكة بعذاب يوم الظلة وذلك إنه حبس عنهم الريح سبعا وسلط عليهم الحر فأخذ بأنفاسهم لا ينفعهم ظل ولا ماء ولا شراب ، فاضطروا إلى أن خرجوا إلى الصحراء فأظلتهم سحابة وجدوا لها بردا ونسيما فاجتمعوا تحتها فأمطرت عليهم نارا فاحترقوا .
وحين سلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذه القصص المؤكدة بالمكررات المختتمة بالمقررات عاد إلى مخاطبته قائلا { وإنه } اي وإن الذي نزل عليك من الأخبار { لتنزيل رب العالمين } أي منزله . والباء في { نزل به } علىلقراءتين للتعدية ولكنها في قراءة التشديد تقتضي مفعولا آخر هو الروح أي جعل الله تعالى الروح الأمين نازلا به على قلبك محفوظا مفهوما { لتكون من المنذرين } من الذين أنذروا بهذا اللسان وهم خمسة : هود وصالح وشعيب وإسماعيل ومحمد صلى الله عليه وسلم .

(6/92)


ويجوز أن يكون قوله { لسان } متعلقا { بنزل } أي نزله { بلسان عربي } لتنذر به فإنه لو نزله بالأعجمي لقالوا : ما نصنع بما لا نفهمه . ومن هذا الوجه ينشأ فائدة أخرى لقوله { على قلبك } أي نزلناه بحيث تفهمه ولو كان أعجميا لكان نازلا على سمعك دون قلبك . والظاهر من نقل أئمة اللغة أن القلب والفؤاد مترادفان . ونقل الإمام فخر الدين الرازي عن بعضهم أن القلب هو العلقة السوداء في جوف الفؤاد وذكر كلاما طويلا في أن محل العقل هو القلب دون الدماغ وهو المخاطب في الحقيقة فلهذا قال { نزله على قلبك } ونحن قد تركناه لقلة تعلقه بالمقام ولضعف دلائله مع مخالفته لما عليه معظم أرباب المعقول . قوله { وإنه لفي زبر الأولين } يعني أن ذكر القرآن مثبت في الكتب السماوية للأمم المتقدمة ، وإن معاني القرآن في تلك الزبر . وقد يحتج به لأبي حنيفة في جواز القراءة بالفارسية في الصلاة . وقيل : الضمير فيه وفي { أن يعلمه } للنبي صلى الله عليه وسلم وأنه حجة ثابتة على نبوته قد شهد بها علماء بني إسرائيل كعبد الله بن سلام وغيره من الذين أسلموا منهم واعترفوا أن نعته وصفته في كتبهم مذكور ، وكان مشركو قريش يذهبون إلى اليهود يتعرفون منهم هذا الخبر . من قرأ { يكن } بالتذكير و { آية } بالنصب على الخبر والاسم { أن يعلمه } فظاهر ، ومن قرأ { تكن } بالتأنيث و { آية } بالرفع على الاسم والخبر { أن يعلمه } فقيل : ليست بقوية لوقوع النكرة اسما والمعرفة خبرا . ويمكن أن يجاب بأن الفعل المضارع مع أن ليس من المعارف الصريحة ، وقد توجه هذه القراءة بتقدير ضمير القصة في { تكن } وجملته { آية أن يعلمه } و { لهم } لغوا أو { لهم آية } { وأن يعلمه } بدل من آية . قال جار الله : إنما كتب علموء بالواو على لغة من يميل الألف إلى الواو ولذلك كتبت الصلوة والزكوة بالواو . ثم أكد بقوله { ولو نزلناه } ما مر من آية لو نزله بالأعجمي فقرأه عليهم بعض الأعجمين لم يؤمنوا به لأنهم لم يكونوا يفهمونه . وقال جار الله : معناه ولو نزلناه على بعض الأعاجم الذي لا يحسن العربية فضلا أن يقدر على نظم مثله فقرأه عليهم هكذا فصيحا معجزا متحدى به لكفروا به كما كفروا ولتمحلوا لجحودهم عذرا ولسموه سحرا . ثم قال { كذلك } أي مثل هذا السلك { سلكناه } في قلوبهم وقررناه فيها فعلى أي وجه دبر أمرهم فلا سبيل إلى تغييرهم عما هم عليه من الإنكار والإصرار ، وقد سبق مثل هذه الآية في أول « الحجر » . والحاصل أنهم لا يزالون على التكذيب حتى يعاينوا الوعيد ، وفيه تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم فإن اليأس إحدى الراحتين .

(6/93)


قال في الكشاف : ليس الفاء في قوله { فيأتيهم بغتة فيقولوا } لأجل ترادف العذاب ومفاجأته وسؤال النظرة ، وإنما المعنى ترتيبها في الشدة كأنه قيل : لا يؤمنون بالقرآن حتى تكون رؤيتهم العذاب فما هو أشد منها وهو لحوقه بهم مفاجأة . فما هو أشد منه وهو سؤالهم النظرة . نظيره قولك : : إن أسأت مقتك الصالحون فمقتك الله ، لا تريد الترتيب في الوجود ولكن في الشدة . قلت : هذا معنى صحيح ولكن لا مانع من إرادة الترتيب والتعذيب في الوجود يظهر بالتأمل إن شاء الله العزيز . ثم نكرهم بقوله { أفبعذابنا يستعجلون } وفيه إنكار وتهكم أي كيف يستعجل العذاب من لا طاقة له به حتى استمهل بعد أن كان من العمر في مهلة؟ وجوز في الكشاف أن يكون { يستعجلون } حكاية حال ماضية يوبخون بها عند استنظارهم ، أو يكون متصلا بما بعده وذلك أنهم اعتقدوا العذاب غير كائن فلذلك استعجلوه وظنوا أنهم يمتعون بأعمار طوال في سلامة وأمن ، فأنكر الله عليهم استعجالهم الصادر عن الأشر والبطر والاستهزاء والاتكال على طول الأمل . ثم قال : هب أن الأمر كما ظنوه من التمتع والتعمير فإذا لحقهم الوعيد أو الأجل أو القيامة هل ينفعهم ذلك؟ . عن ميمون بن مهران أنه لقي الحسن في الطواف وكان يتمنى لقاءه فقال له : عظني فتلا عليه هذه الآية فقال له ميمون : لقد وعظت فأبلغت .
ثم بين أنه ما أهلك قرية إلا بعد إلزام الحجة بإرسال المنذرين إليهم ليكون إهلاكهم تذكرة وعبرة لغيرهم ، وعلى هذا يكون { ذكرى } متعلقة { بأهلكنا } مفعولا له . ويجوز أن يكون مفعولا مطلقا { لأنذر } بمعنى التذكرة فإن { أنذر } وذكر متقاربان ، أو حالا من الضمير في { منذرون } أو مفعولا له متعلقا به أي ينذرونهم ذوي تذكرة أو لأجل الموعظة والتذكير ، أو التقدير : هذه ذكرى فالجملة اعتراض . ويجوز أن يكون صفة { لمنذرون } على حذف المضاف أي ذوو ذكرى ، أو جعلوا ذكرى لبلوغهم في التذكرة أقصى غاياتها . والبحث عن وجود الواو وعدمه في مثل هذا التركيب قد مر في أول الحجر في قوله { وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم } [ الحجر : 4 ] إلا أنا نذكر ههنا سبب تخصيص تلك الآية بالواو وهذه بعدم الواو فنقول : لا ريب أن الواو تفيد مزيد الربط والاجتماع في الحال وفي الوصف إن جوزتا : فسواء قدرنا الجملتين أعني قوله { ولها كتاب معلوم } [ الحجر : 4 ] وقوله { لها منذرون } حالا أو وصفا فالمقام يقتضي ورود النسق على ما ورد ، وذلك أن قوله { ولها كتاب } صفة لازمة للقرية فإن الكتب في اللوح وصف أزلي فناسب أن يكون في اللفظ ما يدل على اللزوم واللصوق وهو الواو ، ثم زيد في التأكيد بقوله { معلوم } وبقوله { ما تسبق } وهذا بخلاف قوله { لها منذرون } فإنها صفة حادثة فأطلقت وجود صدر الجملة عن الواو لذلك والله أعلم .

(6/94)


ثم إنه لما احتج على صدق محمد صلى الله عليه وسلم بكون القرآن معجزا منزلا من رب العالمين مشتملا على معاني كتب الأولين وكان الكفار يقولون إنه من إلقاء الجن كحال الكهنة أراد أن يزيل شبهتهم بقوله : { وما تنزلت به الشياطين وما ينبغي لهم } التنزل بالوحي { وما يستطيعون } . ثم بين عدم اقتدارهم بقوله { إنهم عن السمع } أي عن سماع كلام أهل السماء { لمعزولون } وذلك بواسطة رجم الشهب كما أخبر عنه الصادق والمعجزات يتساند بعضها ببعض ، ولو فرض أنهم غير مرجومين بالشهب فالعقل يدل على أن الاهتمام بشأن الصديق أقوى منه بشأن العدو ، وكان محمد صلى الله عليه وسلم يلعن الشياطين ويأمر الناس بلعنهم فلو كان الغيب بإلقاء الشياطين لكان الكفار أولى بأن يحصل لهم ذلك . وحين أثبت حقية القرآن أمر نبيه بجوامع مكارم الأخلاق ومحاسن العادات قائلا { فلا تدع } والمراد أمته كما مر في نظائره من قوله { ولئن اتبعت أهواءهم } [ البقرة : 120 ] وغير ذلك { وأنذر عشيرتك الأقربين } فيه أن الاهتمام بشأن من هو أقرب إلى المرء أولى . وفيه أنه يجب أن لا يأخذه في باب التبليغ ما يأخذ القريب للقرب من المساهلة ولين الجانب . « يروى أنه صلى الله عليه وسلم لما نزلت الآية صعد الصفا فنادى الأقرب فالأقرب فخذا فخذا وقال : يا بني عبد المطلب يا بني هاشم يا بني عبد مناف يا عباس عم النبي يا صفية عمة رسول الله : إني لا أملك لكم من الله شيئا سلوني من المال ما شئتم » . « وروي أنه جمع بني عبد المطلب وهم يومئذ أربعون رجلا ، الرجل منهم يأكل الجذعة ويشرب العس على رجل شاة ، فأكلوا وشربوا حتى شبعوا ثم أنذرهم فقال : يا بني عبد المطلب لو أخبرتكم أن بسفح هذا الجبل خيلا أكنتم مصدقي؟ قالوا : نعم . قال : فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد » قوله { واخفض جناحك } قد مر تفسيره في آخر « الحجر » وفي « سبحان » وزاد ههنا { لمن اتبعك } كيلا يذهب الوهم إلى أن خفض الجناح وهو التواضع ولين الجانب مختص بالمؤمنين من عشيرته . وإنما لم يقتصر على قوله { لمن اتبعك } لأن كثيرا منهم كانوا يتبعونه للقرابة والنسب لا للدين . وقال في الكشاف : سبب الجمع بين اللفظين هو أنه سماهم قبل الدخول في الإيمان مؤمنين لمشارفتهم ذلك ، أو أراد بالمؤمنين المصدقين بالألسنة فزاد قوله { لمن اتبعك } ليخرج من صدق باللسان دون الجنان ، أو صدق بهما ولم يتبعه في العمل . وحين أمره بالتواضع لأهل الإخلاص في الإيمان أمره بالتبرئة من ارباب العصيان . فاستدل الجبائي به على أن الله تعالى أيضا بريء من عملهم فكيف يكون فاعلا له؟! وأجيب بأنه إن أراد ببراءة الله أنه ما أمر بها فمسلم ، وإن أراد أنه لا يريدها فممنوع لانتهاء جميع الحوادث إلى إرادته ضرورة قوله { وتوكل } معطوف على قوله { فلا تدع } أو على قوله { فقل } أمره بتفويض الأمر في دفع أعاديه إلى العزيز الذي يقهر من ناوأ أولياءه الرحيم الذي لا يخذل من ينصر دينه .

(6/95)


قال بعض العلماء : المتوكل من إن دهمه أمر لم يحاول دفعه عن نفسه بما فيه معصية الله عز وجل ، ولو وقع في محنة واستعان في دفعها ببعض المخلوقين لم يخرج من حد المتوكلين ، ثم عدد مواجب الرحمة وهي رؤيته قيامه وتقلبه في الساجدين أي في المصلين . وللمفسرين فيه وجوه منها : ما روي أنه حين نسخ فرض التهجد طاف تلك الليلة ببيوت أصحابه حرصا عليهم وعلى ما يوجد منهم من فعل الطاعات فوجدها كبيوت الزنانير ذكرا وتلاوة . فالمراد بتقلبه في الساجدين تفصح أحوال المتهجدين من اصحابه ليطلع عليهم كيف يعملون لآخرتهم . ومنها أن المراد تصرفه فما بين المؤمنين به بالقيام والركوع والسجود والقعود . ويروى عن مقاتل أنه استدل به على وجود فضل صلاة الجماعة في القرآن . ومنها أنه إشارة إلى ما جاء في الحديث « أتموا الركوع والسجود فوالله إني لأراكم من خلف ظهري » فالتقلب تقلب بصره فيمن يصلي خلفه . وقيل : أراد أنه لا يخفى علينا كلما قمت وتقلبت مع الساجدين في كفاية أمور الدين . وقد احتج بالآية علماء الشيعة على مذهبهم أن آباء النبي صلى الله عليه وسلم لا يكونون كفارا . قالوا : أراد تقلب روحه من ساجد إلى ساجد كما في الحديث المعتمد عليه عندهم « لم أزل أنتقل من اصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات » وناقشهم أهل السنة في التأويل المذكور وفي صحة الحديث . والأصوب عندي أن لا نشتغل بمنع أمثال هذه الدعوى ونسرح إلى بقعة الإمكان على أنه لا يلزم من عدم الدليل عدم المدلول .
ثم أكد قوله وما تنزلت به الشياطين بقوله { هل أنبئكم على من تنزل } قال في الكشاف : تقديره أعلى من تنزل؟ ليكون الاستفهام في صدر الكلام كقولك : أعلى زيد مررت؟ قلت : هذا تكلف بارد لأن لاستفهام في « من » ضمني لا يصرح به قط . والأفاك الكثير الإفك ، والأثيم مبالغة آثم وهم الكهنة والمتنبئة كسطيح ومسيلمة وأمثالهما . والضمير في { يلقون } عائد إلى الشياطين كانوا قبل الرجم بالشهب يختطفون بعض الغيوب من الملأ الأعلى بإلقاء { السمع } أي بالإصغاء ثم يرجعون به إلى أوليائهم { وأكثرهم كاذبون } لأنهم يخلطون الحق المسموع بكلامهم الباطل كما جاء في الحديث « الكلمة يخطفها الجني فيقرها في أذن وليه فيزيد فيها أكثر من مائة كذبة » والقر الصب . وقيل : السمع بمعنى السمموع أي يلقي الشياطين إلى أوليائهم ما يسمعونه من الملائكة .

(6/96)


ويحتمل أن يكون الضمير في : { يلقون } للأفاكين والسمع الأذن أو المسموع أي يلقونه السمع إلى لاشياطين فيتلقون وحيهم ، أو يلقون المسموع من الشياطين إلى الناس . وإنما لم يقل « وكلهم كاذبون » لأن الكذوب قد يصدق فيصدق عليه انه صادق في الجملة لأن هذه عبارة الفصحاء لا يحكمون حكما كليا ما لم تدع إليه ضرورة . والحاصل أنهم كانوا يقيسون حال النبي صلى الله عليه وسلم على حال الكهنة فقيل لهم : إن الأغلب على الكهنة الكذب ولم يظهر من أحوال محمد صلى الله عليه وسلم إلا الصدق ، فكيف يكون كاهنا؟ ثم بين ما يعرف منه أن النبي ليس بشاعر كما أنه ليس بكاهن فقال { والشعراء يتبعهم الغاوون } قيل : أي الشياطين . والأظهر أنهم الذين يروون أشعارهم وكان شعراء قريش مثل عبد الله بن الزبعري وأمية بن ابي الصلت يهجون النبي صلى الله عليه وسلم ويجتمع إليهم الأعراب من قومهم يستمعون أهاجيهم فنزلت . ثم بين غوايتهم بقوله { ألم تر أنهم في كل واد يهيمون } وهو تمثيل لذهابهم في كل شعب من القول يمدحون إنسانا معينا تارة ويذمونه أخرى غالين في كلا الطرفين مستعملين التخيل في كل ما يرومونه . وذكر من قبائح خصالهم { أنهم يقولون } عند الطلب والدعاوي { مالا يفعلون } ولعمري إنها خصلة شنعاء تدل على الدناءة واللؤم .
قالوا وما فعلوا وأين هم ... من معشر فعلوا وما قلوا
وعن الفرزدق أن سليمان بن عبد الملك سمع قوله
:
فبتن بجانبي مصرعات ... وبت أفض أغلاق الختام
فقال : وجب عليك الحد : قال : قد درأ الله عني الحد يا أمير المؤمنين وتلا الآية . ثم استثنى الشعراء المؤمنين الصالحين الذين أغلب أحوالهم الذكر والفكر فيما لا بأس به من المواعظ والنصائح ، ومدح الحق وذويه ، ويكون هجاؤهم على سبيل الانتصار ممن يهجوهم مثل عبد الله بن رواحة وحسان بن ثابت وكعب بن زهير كانوا ينافحون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . « وعن كعب بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له : اهجهم فوالذي نفسي بيده لهو أشد عليهم من النبل » وكان يقول لحسان : هاجهم وروح القدس معك . والحاصل أن النظر في الشعر إلى المعنى لا على مجرد النظم والروي . فإن كان المعنى صحيحا مطابقا للحق والصدق فلا بأس بإدخاله في سلك النظم والقافية بل لعل النظم يروجه ويهيج الطبع على قبوله وهو الذي عناه صلى الله عليه وسلم « إن من الشعر لحكما » وإن كان المعنى فاسدا والغرض غير صحيح فهو الذي توجه الذم إليه . وللانتصار حد معلوم وهو أن لا يزيد على الجواب لقوله تعالى : { فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم } [ البقرة : 194 ] وقال صلى الله عليه وسلم

(6/97)


« المستبان ما قالا فعلى البادئ منهما حتى يتعدى المظلوم » ثم ختم السورة بآية جامعة للوعيد كله فقال { وسيعلم الذين ظلموا } خصصه بعضهم بالشعراء إذا خرجوا عن حد الإنصاف ، ومالوا إلى الجور والاعتساف ، ولعله عام يتناول لكل من ظلم نفسه بالإعراض عن تدبر ما في السورة بل القرآن كله . وقوله { أي منقلب } صفة لمصدر محذوف والعامل { ينقلبون } أي ينقلبون في الدركات السفلى انقلابا أي منقلب ولا يعمل فيه { يعلم } لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله . وعن ابن عباس أنه قرأه بالفاء والتاء والمراد سيعلمون أنه ليس لهم وجه من وجوه الانفلات وهو النجاة .
التأويل : { ولو نزلناه على بعض الأعجميين } فيه إظهار القدرة من وجهين : الأول جعل الأعجمي بحيث يقرا العربي عليهم كقول القائل : أمسيت كرديا واصبحت عربيا . والثاني أن أهل الإنكار لا يصيرون أهل الإقرار ولو أتاهم مثل هذا الإعجاز البين ، وذلك لأن الله كذلك يسلكه في قلوبهم فيأتيهم عذاب البعد والطرد في الدنيا { بغتة وهم لا يشعرون } لأنهم نيام فإذا ماتوا انتبهوا فيقولون هل نحن منظرون . { وما ينبغي لهم وما يستطيعون } لأنهم خلقوا من النار والقرآن نور قديم فلا يكون للنار المخلوقة قوة حمل النور القديم ، ولهذا تستغيث النار من نور المؤمن وتقول : جز يا مؤمن فقد أطفأ نورك لهبي . { فتكون من المعذبين } لأن كل من طلب مع الله شيئا آخر حتى الجنة فله عذاب البعد والحرمان من الله . { وأنذر عشيرتك } فيه أن النسب نسب النفوس فإن أكل المرء يشبعه ولا يشبع ولده . إلا إذا أكل الطعام كما أكل والده وهذا معنى المتابعة . { إني بريء مما تعملون } لم يقل « إني بريء منكم » لأن المراد لا تبرأ منهم وقل لهم قولا جميلا بالنصح والموعظة الحسنة حتى يرجعوا ببركة دعوتك إلى القول الحق ، أو ينالوا الجنة بواسطة شفاعتك . { وتقلبك في الساجدين } بأن خلق روح كل ساجد من روحك . { إنه هو السميع } في الأزل مقالتك « أنا سيد ولد آدم ولا فخر » لأن أرواحهم خلقت من روحك { العليم } باستحقاقك لهذه الكرامة الله تعالى حسبي .

(6/98)


طس تلك آيات القرآن وكتاب مبين (1) هدى وبشرى للمؤمنين (2) الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم يوقنون (3) إن الذين لا يؤمنون بالآخرة زينا لهم أعمالهم فهم يعمهون (4) أولئك الذين لهم سوء العذاب وهم في الآخرة هم الأخسرون (5) وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم (6) إذ قال موسى لأهله إني آنست نارا سآتيكم منها بخبر أو آتيكم بشهاب قبس لعلكم تصطلون (7) فلما جاءها نودي أن بورك من في النار ومن حولها وسبحان الله رب العالمين (8) يا موسى إنه أنا الله العزيز الحكيم (9) وألق عصاك فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبرا ولم يعقب يا موسى لا تخف إني لا يخاف لدي المرسلون (10) إلا من ظلم ثم بدل حسنا بعد سوء فإني غفور رحيم (11) وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء في تسع آيات إلى فرعون وقومه إنهم كانوا قوما فاسقين (12) فلما جاءتهم آياتنا مبصرة قالوا هذا سحر مبين (13) وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا فانظر كيف كان عاقبة المفسدين (14)

القراآت : { إني آنست } بفتح الياء : أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو . { بشهاب } منونا على أن قبسا وهو بمعنى مقبوس بدل أو صفة : عاصم وحمزة وعلي وخلف ورويس . الباقون بالإضافة { من في النار } ممالة : علي غير ليث وابي حمدون وحمدويه وحمزة وفي رواية ابن سعدان والنجاري عن ورش وأبو عمرو غير إبراهيم بن حماد وكذلك في « القصص » .
الوقوف : { طس } 5 { مبين } 5 لا بناء على أن { هدى } حال والعامل معنى الإشارة في { تلك } أو هو مرفوع بدلا من { الآيات } أو خبرا بعد خبر وإن كان التقدير هي هدى به فلك الوقف { للمؤمنين } 5 لا لأن { الذين } صفتهم { يوقنون } 5 { يعمهون } 5 ط تنصيصا على أن { أولئك } مبتدأ مستأنف { الأخسرون } 5 { عليم } 5 { نارا } 5 { تصطلون } { حولها } ط { العالمين } 5 { الحكيم } 5 لا للعطف الجملتين الداخلتين تحت النداء { عصاك } ط للعدول عن بيان حال الخطاب إلى ذكر حال المخاطب مع حذف أي فألقاها فحييت { ولم يعقب } ط لابتداء النداء { المرسلون } 5 لا لأن « إلا » إن كان بمعنى « لكن » فالاستدراك يوجب الوصل أيضا . { رحيم } 5 { وقومه } ط { فاسقين } 5 { مبين } ج5 للآية والعطف { وعلوا } ط لاختلاف الجملتين وتعظيم الأمر بالاعتبار بعد حذف أي فأغرقناهم { المفسدين } 5 .
التفسير : تلك الآيات التي تضمنتها هذه السورة آيات القرآن الذي علم أنه منزل مبارك مصدق لما بين يديه وكتاب مبين . فإن أريد به اللوح فآياته أنه أثبت فيه كل كائن ، وإن أريد به السورة أو القرآن فالغرض تفخيم شأنهما من قبل التنكير . فآياتهما أن إعجازهما ظاهر مكشوف وفيهما من العلوم والحكم ما لا يفخى ، ولأن الواو لا تفيد الترتيب فلا حكمة ظاهرة في عكس الترتيب بين ما ههنا وبين ما في أول « الحجر » . ومعنى كون الآيات هدى وبشرى أنها تزيد في إيمانهم وتبشرهم بالثواب . قال جار الله : يحتمل أن يكون قوله { وبالآخرة هم يوقنون } من تتمة الموصول إلا أن الأوجه أن يكون جملة مستقلة ابتدائية شبيهة بالمعترضة بدليل تكرير المبتدأ الذي هو هم فكأنه قيل : وما يؤمن بالآخرة حق الإيقان إلا هؤلاء الجامعون بين الإيمان والعمل الصالح ، لأن خوف العاقبة هو الذي يسهل عليهم متاعب التكاليف . وأقول : إنه وصفهم بالإيمان ليكون إشارة إلى معرفتهم المبتدأ ، ثم وصفهم بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وهما الطاعة بالنفس والمال ، وهذه إشارة إلى وسط . ثم وصفهم بمعرفة المعاد فلا أحسن من هذا النسق . وفيه أن المهتدي بالقرآن حقيقة هو الذي يكون موقنا بأحوال المعاد لا شاكا فيها ، آتيا بالطاعات للاحتياط قائلا : إن كنت مصيبا فيها فقد نلت السعادة وإن كنت مخطئا فلم تفتني إلا لذات يسيرة زائلة .

(6/99)


ثم أورد وعيد المنكرين للمعاد وإسناد تزيين الأعمال إلى الله ظاهر على قول الأشاعرة ، وأما المعتزلة فتأولوه بوجوه منها : أنه استعارة فكأنه لما متعهم بطول العمر وسعة الرزق وجعلوا ذلك التمتع ذريعة إلى اتباع الشهوات وإيثار اللذات فقد زين لهم بذلك أعمالهم . ومنها أنه مجاز حكمي وهو الذي يصححه بعض الملابسات . ولا ريب أن إمهال الشيطان وتخليته حتى زين لهم أعمالهم كما قال { وزين لهم الشيطان أعمالهم } [ النمل : 24 ] ملابسة ظاهرة للتزيين . ومنها أنه أراد زينا لهم أمر الدين ولا يلزمهم أن يتمسكوا به وذلك أن بينا لهم حسنه وما لهم فيه من الثواب { فهم يعمهون } يعدلون ويتحيرون عما زينا لهم قاله الحسن { لهم سوء العذاب } أي القتل والأسر كيوم بدر . ثم مهد مقدمة لما سيذكر في السورة من الأخبار العجيبة فقال { وإنك لتلقى القرآن } لتؤتاه وتلقنه من عند أي حكيم وأي عليم . و { إذ قال } منصوب ب { عليم } أو باذكر كأنه قيل : خذ من آثار حكمته وعلمه قصة موسى العجيبة الشأن . والخبر خبر الطريق لأنه كان قد ضله . وفي قوله { سآتيكم } مع قوله في « طه » و « القصص » { لعلي آتيكم } [ طه : 10 ] دليل على أنه كان قوي الرجاء إلا أنه كان يجوز النقيض ، وعد أهله بأنه يأتيهم بأحد الأمرين وإن أبطأ لبعد المسافة أو غيره . قالوا : في « أو » دليل على أنه جزم بوجدان أحد الأمرين ثقة بعناية الله تعالى أنه لا يكاد يجمع بين حرمانين على عبده والاصطلاء بالنار الاستدفاء بها والاجتماع عليها وإنما خصت هذه السورة بقوله { فلما جاءها } وقد قال في « طه » و « القصص » { فلما أتاها } [ طه : 11 ] { نودي } لأنه كرر لفظ { آتيكم } ههنا بخلاف السورتين فاحترز من تكرار ما يقاربه في الاشتقاق مرة أخرى . و { أن } مفسرة لأن النداء فيه معنى القول لا مخففة من الثقيلة بدليل فقدان « قد » في فعلها . قال جار الله : معنى { بورك من في النار } بورك من في مكان النار ، ومن حول مكانها ، ومكانها البقعة التي حصلت النار فيها كما قال في القصص { نودي من شاطئ الوادي الأيمن في البقعة المباركة } [ القصص : 30 ] وسبب البركة حدوث أمر ديني فيها وهو تكليم الله إياه وإظهار المعجزات عليه . وقيل : معنى بورك تبارك ، والنار بمعنى النور أي تبارك من في النار وهو الله سبحانه مروي عن ابن عباس . وعن قتادة والزجاج أن من في النار هو نور الله ، ومن حولها الملائكة . وقال الجبائي : ناداه بكلام سمعه من الشجرة في البقعة المباركة وهي الشأم فكانت الشجرة محلا للكلام والمتكلم هو الله بأن خلقه فيها ، ثم إن الشجرة كانت في النار ومن حولها الملائكة .

(6/100)


وقيل : من في النار هو موسى لقربه منها ، ومن حولها الملائكة . وفي الابتداء بهذا الخطاب عند مجيء موسى بشارة له بأنه قد قضي أمر عظيم تنتشر منه البركة في أرض الشأم .
وفي قوله { وسبحان الله رب العالمين } تنزيه له عما لا يليق بذاته من الحدوث والحلول ونحوهما مما هو من خواص المحدثات ، وتنبيه على أن الكائن من جلائل الأمور التي لا يقدر عليها إلا رب العالمين . والهاء في { إنه } إما للشأن وإما راجع إلى ما دل عليه سياق الكلام أي أن المتكلم { انا } وعلى هذا فالله مع وصفيه بيان لانا وفيه تلويح إلى ما أراد إظهاره عليه ، يريد أنا القادر القوي على إظهار الخوارق الحكيم الذي لا يفعل جزافا ولا عبثا . وقوله { وألق عصاك } معطوف على { بورك } وكلاهما تفسير { نودي } والمعنى : قيل له بورك وألق : ومعنى { لم يعقب } لم يرجع يقال : عقب المقاتل إذا كر بعد الفر . وإنما اقتصر ههنا على قوله { لا تخف } ولم يضف إليه أقبل كما في « القصص » لأنه أراد أن يبني عليه قوله { إني لا يخاف لدي المرسلون } وسبب نفي الخوف عن الرسل مشاهدة مزيد فضل الله وعنايته في حقهم . ثم استثنى من ظلم منهم بترك ما هو أولى به ، وقد مر بحث عصمة الأنبياء في أول « البقرة » . وفي الآية لطائف وإشارات منها : أنه أشار بقوله { أني لا يخاف لدي المرسلون } إلى أن موسى قد جعل رسولا . ومنها أنه أشار بقوله { إلا من ظلم } إلى ما وجد من موسى في حق القبطي ، وبقوله { ثم بدل حسنا بعد سوء } أي توبة بعد ذنب إلى قول موسى { رب إن يظلمت نفسي فاغفر لي } [ القصص : 16 ] وقرئ « الا » بحرف التنبيه . ومنها أنه أشار بقوله { ثم بدل } معطوفا على { ظلم } إلى أن النبي المرسل بدل النية ولم يصر على فعله وإلا كان هذا العطف مقطوعا عن الكلام ضائعا ، فإنه إذا ظلم ولم يبدل كان خائفا أيضا . ومنها أنه أشار بقوله { فإني غفور رحيم } إلى أن الخوف وإن لحق المستثنى إلا أنه منفي عنه أيضا بسبب غفرانه ورحمته ، فنفي الخوف ثابت على كل حال فهذا الاستثناء قريب من تأكيد المدح بما يشبه الذم كقوله :
هو البدر إلا أنه البحر زاخر ... وكقوله
:
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب
وهذه اللطائف مما سمح بها الخاطر أوان الكتابة أرجو أن تكون صوابا إن شاء العزيز . قوله { وأدخل يدك } وفي « القصص » { اسلك يدك } [ القصص : 32 ] موافقة لأضمم ولأن المبالغة في { أدخل } أكثر منها في { أسلك } لأن سلك لازم ومتعد . وهناك قال { فذانك برهانان } [ القصص : 32 ] وههنا قال { في تسع آيات } وكان أبلغ في العدد فناسب الأبلغ في اللفظ .

(6/101)


قال النحويون : متعلق الجار محذوف مستأنف أي أذهب في تسع آيات . أو المراد وأدخل يدك في تسع أي في جملتهن وعدادهن ، اذهب إلى فرعون . وتفسير التسع قد مر في آخر « سبحان » وإنما قال ههنا { إلى فرعون وقومه } دون أن يقول { وملئه } [ الآية : 32 ] كما في القصص لأن الملأ أشراف القوم وقد وصفهم ههنا بقوله { فلما جاءتهم } إلى قوله { ظلما وعلوا } فلم يناسب أن يطلق عليهم لفظ ينبئ عن المدح . ومعنى { مبصرة } ظاهرة بينة كأنها تبصر بطباق العين فتهدي ، ويجوز أن يكون الإبصار مجازا باعتبار إبصار صاحبها وهو كل ذي عقل أو فرعون وقومه . والواو في { واستيقنتها } للحال وقد مضمرة وفي زيادة { انفسهم } إشارة إلى أنهم أظهروا خلاف ما أبطنوا والاستيقان أبلغ من الإيقان . وقوله { ظلما وعلوا } أي كبرا وترفعا مفعول لأجلهما . وقرئ { مبصرة } بفتح الميم نحو « مبخلة » قرأها علي بن السحين وقتادة والله أعلم .
التأويل : طا طلب الطالبين ، وسين سلامة قلوبهم من تعلقات غير الله ، تلك دلالات القرآن وشواهد أنواره { وكتاب مبين } فيه بيان كيفية السلوك ولذلك قال { هدى وبشرى للمؤمنين } بالوصول إلى الله الذين يستقيمون في المعارج لحقائق الصلوات ويؤتون الزكاة أموالهم وأحوالهم بالإضافة على المستحقين { زينا لهم أعمالهم } الدنيوية النفسانية { فهم يعمهون } لعمي قلوبهم عن رؤية الآخرة ونعيمها ، ولا يكون في عالم الآخرة أعمى إلا كان اصم وأبكم ولهذا قال صلى الله عليه وسلم « حبك للشيء يعمي ويصم » فبحب الدنيا صمت عين القلب وصمت أذنه وصار أبكم عن العلم اللداني والنطق به ، وهو سوء العذاب ، وهو الموجب لخسران الدارين مع خسران المولى ، وإنما يكون خسران الدارين ممدوحا إذا ربح المولى . وجد أبو زيد في البادية قحفا مكتوبا عليه خسر الدنيا والآخرة فبكى وقبله وقال : هذا رأس صوفي . وحين أخبر عن مقامات المؤمنين ودركات الكافرين أخبر عن مقام النبي صلى الله عليه وسلم بقوله { وإنك لتلقى القرآن } لا من عند جبريل بل { من لدن حكيم } تجلى لقلبك بحكمة القرآن { عليم } يعلم حيث يجعل رسالته . ثم ضرب مثالا لذلك وهو أن موسى القلب لما كشف له أنوار شواهد الحق في ليلة الهوى وظلمة الطبيعة ( قال لأهله ) وهم النفس وصفاتها { إني آنست نارا } بوادي أيمن السر { لعلكم تصطلون } بتلك النار عن جمود الطبيعة { فلما جاءها } على قدمي الشوق وصدق الطلب { نودي } من الشجرة الروحانية { أن بورك من في } نار المحبة نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة { ومن حولها } كالفراش يريد أن يقع فيها و { ألق } عن يد همتك كل ما تعتمد عليه سوى فضل الله فإنه جان في الحقيقة { ولى مدبرا } هاربا إلى الله { ولم يعقب } لم يرجع إلى غيره فلذلك نودي ب { لا تخف } فإن القلوب الملهمة الموصلة إليها الهدايا والتحف والالطاف لا تخاف سوى الله { إلا من ظلم } نفسه بالرجوع إلى الغير { وأدخل } يد همتك في جيب قناعتك { تخرج بيضاء } نقية من لوث الدارين { في تسع آيات } من أسباب هلاك النفس وصفاتها { فانظر كيف كان عاقبة } الذين أفسدوا الاستعداد الفطري والله أعلم .

(6/102)


ولقد آتينا داوود وسليمان علما وقالا الحمد لله الذي فضلنا على كثير من عباده المؤمنين (15) وورث سليمان داوود وقال يا أيها الناس علمنا منطق الطير وأوتينا من كل شيء إن هذا لهو الفضل المبين (16) وحشر لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير فهم يوزعون (17) حتى إذا أتوا على واد النمل قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون (18) فتبسم ضاحكا من قولها وقال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين (19) وتفقد الطير فقال ما لي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين (20) لأعذبنه عذابا شديدا أو لأذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين (21) فمكث غير بعيد فقال أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبإ بنبإ يقين (22) إني وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم (23) وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون (24) ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء في السماوات والأرض ويعلم ما تخفون وما تعلنون (25) الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم (26) قال سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين (27) اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم ثم تول عنهم فانظر ماذا يرجعون (28) قالت يا أيها الملأ إني ألقي إلي كتاب كريم (29) إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم (30) ألا تعلوا علي وأتوني مسلمين (31) قالت يا أيها الملأ أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون (32) قالوا نحن أولو قوة وأولو بأس شديد والأمر إليك فانظري ماذا تأمرين (33) قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون (34) وإني مرسلة إليهم بهدية فناظرة بم يرجع المرسلون (35) فلما جاء سليمان قال أتمدونن بمال فما آتاني الله خير مما آتاكم بل أنتم بهديتكم تفرحون (36) ارجع إليهم فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها ولنخرجنهم منها أذلة وهم صاغرون (37) قال يا أيها الملأ أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين (38) قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك وإني عليه لقوي أمين (39) قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك فلما رآه مستقرا عنده قال هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربي غني كريم (40) قال نكروا لها عرشها ننظر أتهتدي أم تكون من الذين لا يهتدون (41) فلما جاءت قيل أهكذا عرشك قالت كأنه هو وأوتينا العلم من قبلها وكنا مسلمين (42) وصدها ما كانت تعبد من دون الله إنها كانت من قوم كافرين (43) قيل لها ادخلي الصرح فلما رأته حسبته لجة وكشفت عن ساقيها قال إنه صرح ممرد من قوارير قالت رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين (44)

القراآت : { وادي النمل } ممالة : عباس وقتيبة . وقرأ يعقوب وعلي والسرنديبي عن قنبل بالياء في الوقف . { لا يحطمنكم } بالنون الخفيفة : عباس ورويس . { أوزعني } بفتح الياء : ابن كثير وكذلك في « الأحقاف » { ما لي لا } بفتح ياء المتكلم : ابن كثير وعلي وعاصم { ليأتيني } بنون الوقاية بعد الثقيلة : ابن كثير . { فمكث } بفتح الكاف : عاصم وسهل ويعقوب غير رويس . الآخرون بضمها { من سبأ } بفتح الهمزة لامتناع الصرف : البزي وأبو عمرو وعن قنبل بهمزة ساكنة . وفي رواية أخرى عنه وعن ابن فليح وزمعة بغير همز . الباقون بهمزة منونة مكسورة ، وكذلك في سورة سبأ . { ألا يسجدوا } مخففا : يزيد وعلي ورويس . الآخرون بالتشديد . وقال ابن مجاهد : إذا وقفوا على { إلا } وقفوا على « ألا ياء » والابتداء { اسجدوا } { تخفون } و { تعلنون } بتاء الخطاب فيهما : علي وحفص والباقون على الغيبة { فألقه } بسكون الهاء : حمزة وعاصم غير المفضل وأبو عمرو غير عباس ، وقرأ باختلاس حركة الهاء : يزيد وقالون ويعقوب غير زيد وأبو عمرو من طريق الهاشمي عن اليزيدي الباقون بالإشباع { إني القي } بفتح ياء المتكلم : ابو جعفر ونافع { أتمدونني } بالياء في الحالين : ابن كثير وسهل وافق به ابو جعفر ونافع وأبو عمرو في الوصل { اتمدوني } بتشديد النون وبالياء في الحالين : حمزة ويعقوب . الآخرون بإظهار النونين وحذف الياء { أتاني الله } بفتح الياء : ابو جعفر ونافع وأبو عمرو وابن فليح وحفص . فمن فتح الياء فالوقف بالياء لا غير ، من حذف الياء فإنه يقف بغير الياء إلا سهلا ويعقوب فإنهما يقفان بالياء . وقرأ علي { آتاني الله } بالإمالة { أنا آتيك } بالإمالة وكذلك ما بعده : حمزة في رواية خلف وابن سعدان والعجلي وأبي عمرو وخلف لنفسه { فلما رايه } بكسر الراء : نصير { ليبلوني } بفتح الياء : أبو جعفر ونافع . { ساقيها } وبابه بالهمز : ابن مجاهد وأبو عون عن قنبل والأحسن تركها . قال في الكشاف : من همز فوجهه أنه سمع سؤقا فأجرى عليه الواحد .
الوقوف : { علما } ج للعدول عن بيان إيتاء الفضل ابتداء إلى ذكر قول المنعم عليهما شكرا ووفاء { المؤمنين } 5 { شيء } ط { المبين } 5 { يوزعون } 5 { النمل } لا لأن ما بعده جواب « إذا » { مساكنكم } ج لانقطاع النظم لنهي الغائب مع اتحاد القائل { وجنوده } لا لأن الواو للحال { لا يشعرون } 5 { الصالحين } 5 { الهدهد } ز على معنى بل أكان من الغائبين على معنى التهديد والأصح أن « أم » متصل بمعنى الاستفهام في { مالي } أي أنا لا اراه أو هو غائب { الغائبين } 5 { مبين } 5 { يقيم } 5 { عظيم } 5 { لا يهتدون } 5 لا ومن خفف { ألا } وقف مطلقا { تلعنون } 5 { العظيم } 5 سجدة { الكاذبين } 5 { يرجعون } 5 { كريم } 5 { الرحيم } 5 لا لتعلق « أن » { مسلمين } 5 { أمري } ج لانقطاع النظم مع اتحاد القائل { تشهدون } 5 { تأمرين } 5 { أذلة } ج لأن قوله { وكذلك } يحتمل أن يكون من تتمة قولها أو هو تصديق من الله لما قالت { يفعلون } 5 { المرسلون } 5 { بمال } ز لانتهاء الاستفهام مع فاء التعقيب وبيان الاستغناء على التعجيل { آتاكم } ج لاختلاف الجملتين على أن « بل » ترجح جانب الوقف { تفرحون } 5 { صاغرون } 5 { مسلمين } 5 { مقامك } ج للابتداء بإن مع اتحاد القائل { أمين } 5 { طرفك } ط للعدول { أم أكفر } 5 { لنفسه } ج { كريم } 5 { لا يهتدون } 5 { عرشك } ط { هو } ج لاحتمال أن يكون ما بعده من كلامها أو من كلام سليمان { مسلمين } 5 { من دون الله } ط { كافرين } 5 { الصرح } ج { ساقيها } ط { قوارير } 5 { العالمين } 5 .

(6/103)


التفسير : لما فرغ من قصة موسى شرع في قصة ثانية وهي قصة داود وابنه سليمان . والتنوين في { علما } إما للنوع أي طائفة من العلم أو للتعظيم أي علما غزيرا . قال علماء المعاني : الواو في { وقالا } للعطف على محذوف لأن هذا مقام الفاء كقولك : أعطيته فشكر . فالتقدي : ولقد آتيناهما علما فعملا به وعلماه وعرفا حق النعمة والفضيلة فيه { وقالا الحمد لله } وبيانه أن الشكر باللسان إنما يحسن إذا كان مسبوقا بعمل القلب وهو العزم على فعل الطاعة وترك المعصية ، وبعمل الجوارح وهو الاشتغال بالطاعات فكأنه قال : ولقد آتيناهما علما فعملا به قلبا وقالبا { وقالا } باللسان { الحمد لله } قلت : لقائل أن يقول : الأصل عدم الإضمار وقوله هذا مقام الفاء ممنوع ، وإنما يكون كذلك إذا أريد التعقيب والتسبيب فإن كان المراد مجرد الإخبار عما فعل بهما وعما فعلا فالواو كقولك « أعطيته وشكر » . وقوله { على كثير من عباده } يجوز أن يكون واردا « على سبيل التواضع وإن كانا مفضلين على جميع أهل زمانهما . ويجوز أن يكون واردا على الحقيقة بالنسبة إلى زمانهما أو بالنسبة إلى سائر الأزمنة وهذا أظهر ، وإنما وصف العباد بالمؤمنين لئلا يظن أن سبب الفضيلة هو مجرد الإيمان ولكن ما يزيد عليه من الاستغراق في بحر العبودية والعرفان . وفي الآية دليل على شرف العلم وأن العالم يجب أن يتلقى علمه بشكر الله تعالى قلبا وقالبا وما التوفيق إلا منه . قوله { وورث سليمان داود } عن الحسن أنه المال لأن النبوة عطية مبتدأة ، وزيف بأن المال أيضا عطية مبتدأة ولذلك يرث الولد إذا كان مؤمنما ولا يرث إذا كان كافرا أو قاتلا . ومات المانع من أن يوصف بأنه ورث النبوة لما قام بها عند موته كما يرث الولد المال إذا قام به عند موته . والظاهر أنه أراد وراثة النبوة والملك معا دليله قوله تشهيرا لنعمة الله ودعاء للناس إلى تصديق المعجزة { يا أيها الناس علمنا منطق الطير } والمنطق يشمل كل ما يصوت به من المفرد والمؤلف مفيدا وغير مفيد ، ومنه قولهم » نطقت الحمامة « .

(6/104)


قال المفسرون : إنه تعالى جعل الطير في ايامه مما له عقل وليس كذلك حال الطيور في أيامنا وإن كان فيها ما ألهمه الله تعالى الدقائق التي خصت بالحاجة إليها . يحكى أنه مر على بلبل في شجرة فقال لأصحابه : إنه يقول : إني أكلت نصف تمرة فعلى الدنيا العفا أي التراب . وصاحت فاخته فأخبر أنها تقول : ليت الخق لم يخلقوا . وصاح طاوس فقال : يقول : كما تدين تدان . وأخبر أن الهدهد يقول : استغفروا الله يا مذنبون . والخطاف يقول : قدموا خيرا تجدوه . والرخمة تقول : سبحان ربي الأعلى ملء سمائه وارضه . والقمري يقول : سبحان ربي الأعلى . والقطاة تقول : من سكت سلم . والببغاء تقول : ويل لمن الدنيا همه . والديك يقول : اذكروا الله يا غافلون . والنسر يقول : يا ابن آدم عش ما شئت آخرك الموت . والعقاب يقول : في البعد من الناس أنس . ومعنى { من كل شيء } بعض كل شيء . وقال في الكشاف : أراد كثرة ما أوتي كما تقول « فلان يقصده كل أحد » تريد كثرة قاصديه . وإنما قال { علمنا } { وأوتينا } لأنه أراد نفسه واباه ، ويجوز أن يريد نفسه فقط لا على طريق التكبر بل على عادة الملوك يعظمون أنفسهم لمصلحة التهييب . وقوله { إن هذا لهو الفضل المبين } قول وارد على سبيل الشكر والتحدث بالنعم كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « أنا سيد ولد آدم ولا فخر » أي أقول هذا شكرا لا فخرا . يروى أن معسكره كان مائة فرسخ في مائة فرسخ . خمسة وعشرون للجن ومثله للإنس ومثله للطير ومثله للوحش ، وكان له ألف بيت من قوارير على الخشب فيها ثلثمائة منكوحة وسبعمائة سرية ، وقد نسجت له الجن بساطا من ذهب وإبريسم فرسخا في فرسخ ، وكان يوضع منبره في وسطه وهو من ذهب فيقعد عليه وحوله ستمائة ألف كرسي من ذهب وفضة ، فتقعد الأنبياء عليهم السلام على كراسي الذهب والعلماء على كراسي الفضة وحولهم الناس وحول الناس الجن والشياطين ، وتظله الطير بأجنحتها حتى لا تقع عليه الشمس وترفع ريح الصبا البساط فتسير به مسيرة شهر ، وإن كان يقول مع ذلك : لتسبيحة واحدة يقبلها الله خير مما أوتي آل داود . ومعنى { يوزعون } يحبسون . قيل : كانوا يمنعون من يتقدم من عسكره ليكون مسيره مع جنوده على ترتيب ، ومنه يعلم أنه كان في كل قبيلة منها وازع يكون له تسلط على الباقين يكفهم ويصرفهم . ومعنى { أتوا على واد النمل } قطعوه وبلغوا آخره من قولهم « أتى على الشيء » إذا أنفذه وبلغ آخره كأنهم أرادوا أن ينزلوا عند منقطع الوادي .

(6/105)


ويجوز أن يقصد إتيانهم من فوق لأن الريح كانت تحلهم في الهواء فلذلك عدي ب « على » عن قتادة أنه دخل الكوفة فاجتمع عليه الناس فقال : سلوا عما شئتم وكان أبو حنيفة حاضرا وهو غلام حدث فقال : سلوه عن نملة سليمان أكانت ذكرا أم أنثى؟ فسألوه فأفحم فقال ابو حنيفة : كانت أنثى لقوله تعالى { قالت نملة } لو كان ذكرا لم تجز التاء لأن النملة مثل الحمامة والشاة في وقوعها على الذكر والأنثى فلا بد التمييز بالعلامة .
وحين عبر عن تفاهم النمل بلفظ التقاول جعل خطابهم أولي العقل فحكى أنها { قالت يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم } أما جواب للأمر وإما نهي بدلا من الأمر أي لا تكونوا بحيث يحطمكم أي يكسركم سليمان وجنوده على طريقة « لا أرينك ههنا » . وفي قوله { سليمان وجنوده } دون أن يقول جنود سليمان مبالغة أخرى كما تقول : أعجبني زيد وكرمه . وفي الآية دلالة على أن من يسير في الطريق لا يلزمه التحرز وإنما يلزم من في الطريق التحرز . وفي قوله { وهم لا يشعرون } تنبيه على وجود الجزم بعصمة الأنبياء كأنها عرفت أن النبي لعصمته لا يقع منه قتل هذه الحيوانات إلا على سبيل السهو . وعن بعضهم أنها خافت على قومها أن يقعوا في كفران نعمة الله تعالى إذا رأوا جلالة سليمان ، وهذا معنى الحطم فلذلك أمرتهم بدخول المساكن . وفيه تنيه على أن مجالسة أرباب الدنيا محذورة . قيل : سمع سليمان كلامها من ثلاثة أميال { فتبسم ضاحكا } أي شارعا في الضحك آخذا فيه ولكن لم يبلغ حد القهقهة وكمال الضحك . وما روي أنه صلى الله عليه وسلم ضحك حتى بدت نواجذه فعلى وجه المبالغة في الضحك النبوي . وإنما أضحكه من قولها شفقتها على قومها وسروره بما آتاه الله من إدراك الهمس واشتهاره بالتحرز والتقوى ولذلك مال إلى الدعاء قائلا : { رب أوزعني } قال جار الله : حقيقته اجعلني أزع شكر نعمتك عندي وأربطه لا ينفلت عني فلا أزال شاكرا لك . وإنما أدرج ذكر الوالدين لأن النعمة على الولد نعمة عليهما وبالعكس . ثم طلب أن يضيف لواحق نعمه إلى سوابقها ولا سيما النعم الدينية فقال : { وأن أعمل صالحا ترضاه } ثم دعا أن يجعله في الآخرة من زمرة الصالحين لأن ذلك غاية كل مقصود . يروى أن النملة أحست بصوت الجنود ولم تعلم أنها في الهواء فأمر سليمان الريح فوقفت لئلا يذعرون حتى دخلن مساكنهن ، ثم دعا بالدعوة .
القصة الثالثة قصة بلقيس وما جرى بينها وبين سليمان وذلك بدلالة الهدهد ، يروى أن سليمان حين تم له بناء بيت المقدس تجهز للحج مع حشمه فأتى الحرم ومكث به أياما يقرب كل يوم خمسة آلاف ناقة وخمسة آلاف بقرة وعشرين ألف شاة .

(6/106)


ثم عزم على السير إلى اليمن فخرج من مكة صباحا فوافى صنعاء وقت الزوال وذلك مسيرة شهر ، فرأى أرضا أعجبته بهجتها إلا أنهم لم يجدوا الماء فطلب الهدهد لأنه يرى الماء من تحت الأرض . وعن وهب أنه أخل بالنوبة التي كانت تنويه فلذلك تفقده . وقيل : إنه وقعت نفحة من الشمس على رأس سليمان فنظر فإذا موضع الهدهد خال فدعا عفريت الطير -وهو النسر- فسأله عنه فلم يجد عنده علمه . ثم قال لسيد الطير -وهو العقاب- علي به فارتفعت فنظرت فإذا هو مقبل فقصدته فأقسم عليها بالله لتتركنه فتركته . وقالت : إن نبي الله قد حلف ليعذبنك قال : وما استثنى؟ قالت : بلى قال : { أو ليأتيني بسلطان مبين } أي بعذر واضح . فلما قرب من سليمان ارخى ذنبه وجناحيه يجرها على الأرض تواضعا له ، فلما دنا منه أخذ سليمان براسه فمده إليه فقال : يا نبي الله اذكر وقوفك بين يدي الله عز وجل فارتعد سليمان وعفا عنه ثم سأله عما لقي في غيبته . وفي تفقد الهدهد إشارة إلى أن الملوك يجب عليهم التيقظ وعدم الغفلة عن اصغر رعيتهم . وأرجع إلى التفسير . قوله { مالي لا أرى } استبعاد منه أنه لا يراه وهو حاضر في الجند كأن ساترا ستره ثم لاح له أنه غائب فقال { أم كان من الغائبين } وقد مر في الوقوف قوله { لأعذبنه } لا شك أن تعذيبه إنما يكون بما يحتمله حاله . فقيل : أراد أن ينتف ريشه ويشمسه وكان هذا عذابه للطير . وقيل : كان يطلي بالقطران ويشمس . وقيل : هو أن يلقيه للنمل لتأكله . وقيل : إيداعه القفص . وقيل : التفريق بينه وبين إلفه . وقييل : أراد لألزمنه صحبة الأضداد كما قيل : أضيق السجون مجالسة الأضداد . وقيل : لألزمنه خدمة أقرانه . ولعل تعذيب الهدهد وذبحه في عصره جائز لمصلحة السياسة كما أباح لنا ذبح كل مأكول لحمه لمصلحة التغذي . وحاصل القسم يرجع إلى قوله ليكونن أحد هذه الأمور الثلاثة : التعذيب أو الذبح أو الإتيان بعذر بين وحجة واضحة . ويحتمل أن يكون قد عرف إتيانه بالعذر بطريق الوحي فلذلك أدرجه في سلك ما هو قادر على فعله فأقسم عليه . ثم أخبر الله سبحانه أنه أتى بسلطان مبين وذلك قوله { فمكث غير بعيد } أي غير زمان بعيد { فقال } مخاطبا لسليمان { أحطت بما لم تحط به } قالوا : فيه إبطال قول من زعم أن إمام الزمان لا يخفى عليه شيء ولا يكون في زمانه أحد أعلم منه . وفيه دليل على شرف العلم وأن صاحبه له أن يكافح به من هو أعلى حالا منه . والإحاطة بالشيء علما هو أن يعلمه من جميع جهاته . وقوله { من سبأ بنبأ } من جملة صنائع البديع على أن النبأ خبر له شأن فذكره في هذا الموضع دون أن يقول « من سبأ بخبر » حسن على حسن .

(6/107)


وسبأ اسم للقبيلة فلا ينصرف أو اسم للحي أو الأب الأكبر فينصرف ، وهو سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان ، ثم سميت مدينة مارب بسبأ وبينها وبين صنعاء مسيرة ثلاث . ويحتمل أن يراد بسبأ المدينة أو القوم . ثم شرع في النبأ وهو قوله { إني وجدت امرأة } واسمها بلقيس بنت شراحيل ملك اليمن كابرا عن كابر إلى تبع الأول ، ولم يكن له ولد غيرها فورثت الملك وكانت هي وقومها مجوسا عبدة الشمس . والضمير في { تملكهم } يعود إلى سبأ إن أريد به القوم وإلى الأهل المحذوف إن أريد به المدينة . { وأوتيت من كل شيء } اي بعض كل ما يتعلق بالدنيا من الأسباب . { ولها عرش عظيم } كأنه استعظم لها ذلك مع صغر حالها إلى حال سليمان ، أو استعظمه في نفسه لأنه لم يكن لسليمان مثله مع علو شأنه ، وقد يتفق لبعض الأمراء شيء لا يكون مثله لمن فوقه في الملك ، وقد يطلع بعض الأصاغر على مسألة لم يطلع عليها أحد كما اطلع الهدهد على حال بلقيس دون سليمان . ووصف عرش الله بالعظم إنما هو بالإضافة إلى سائر ما خلق من السموات والأرض . يحكى من عظم شأنه إنما كان مكعبا ثلاثين في ثلاثين أو ثمانين وكان من ذهب وفضة مكللا بأنواع الجواهر وكذا قوائمه ، وعليه سبعة أبيات على كل بيت باب مغلق ، قال بعض المعتزلة : في قوله { وزين لهم الشيطان أعمالهم } دليل على أن المزين للكفر والمعاصي هو الشيطان . وأجيب بأن قول الهدهد لا يصلح للحجة والتحقيق فيه قد مر ولا يبعد أن يلهم الله الهدهد وجوب معرفته والإنكار على من يعبد غيره خصوصا في زمن سليمان عليه السلام .
قوله { الا يسجدوا } من قرأ بالتشديد على أن الجار محذوف فإن كان متعلقا بالصد فالتقدير صدهم لأن { لا يسجدوا } وإن كان متعلقا ب { لا يهتدون } ف { لا } مزيدة أي لا يهتدون إلى أن يسجدوا . ومن قرأ بالتخفيف فقوله { ألا } حرف تنبيه و { يا } حرف النداء والمنادى محذوف والتقدير : ألا يا قوم اسجدوا كقوله :
ألا يا أسلمي يا دارمي على البلى ... ولا زال منهلا بجرعائك القطر
قال الزجاج : السجدة في الآية على قراءة التخفيف دون التشديد . والحق عدم الفرق لأن الذم على الترك كالأمر بالسجود في الاقتضاء . والخبء مصدر بمعنى المخبوء وهو النبات والمطر وغيرهما مما خبأه الله عز وجل من غيوبه ، ومن جملة ذلك اطلاع الكواكب من أفق الشرف بعد اختفائها في أفق الغرب ، ومنها الأقضية والأحكام والوحي والإلهام ، ومنها إنزال الملك وكل أثر علوي . وفي تخصيص وصف الله تعالى في هذا المقام بإخراج الخبء إشارة إلى ما عهده الهدهد من قدرة الله تعالى في إخراج الماء من الأرض ، ألهمه هذا التخصيص كما ألهمه تلك المعرفة .

(6/108)


ولما انجر كلام الهدهد إلى هذه الغاية { قال } سليمان { سننظر } أي نتأمل في صفحات حالك { أصدقت أم كنت من الكاذبين } وهذا أبلغ من أن لو قال له « كذبت » لأنه إذا كان معروفا بالكذب كان متهما في كل ما أخبر به . ثم ذكر كيفية النظر في أمره فقال { أذهب بكتابي هذا فألقه إليهم } لم يقل إليها لأنه كان قد قال { وجدتها وقومها } فكأن سليمان قال : فألقه إلى الذين هذا دينهم اهتماما فيه بأمر الدين . ولمثل هذا قال في الكتاب { ألا تعلوا علي وأتوني مسلمين } ومعنى { ثم تول عنهم } تنح عنهم إلى مكان قريب تتوارى فيه تسمع ما يقولون { يرجعون } من رجع القول كقوله { يرجع بعضهم إلى بعض القول } [ سبأ : 31 ] يروى أنها كانت إذا رقدت غلقت الأبواب ووضعت المفاتيح تحت رأسها ، فدخل من كوة وطرح الكتاب على حجرها وهي مستلقية نائمة . وقيل : نقرها فانتبهت فزعة . وقيل : أتاها والجنود حواليها من فوق والناس ينظرون حتى رفعت رأسها فألقى الكتاب في حجرها . وقيل : كان في البيت كوة تقع الشمس فيها كل يوم فإذا نظرت إليها سجدت فجاء الهدهد فسد تلك الكوة بجناحه ، فلما رأت ذلك قامت إليه فألقى الكتاب إليها . وههنا إضمار أي فذهب فألقى ثم توارى ثم كأن سائلا سأل فماذا قالت بلقيس؟ فقيل { قالت يا أيها الملأ إني ألقي إلي كتاب كريم } مصدر بالتسمية أو حسن مضمونه أو هو من عند ملك كريم أو هو مختوم . يروى أنه طبع الكتاب بالمسك وختمه بخاتمه وقال صلى الله عليه وسلم « كرم الكتاب ختمه » وعن ابن المقفع : من كتب إلى أخيه كتابا ولم يختمه فقد استخف به . ثم إن سائلا كأنه قال لها ممن الكتاب وما هو؟ فقالت { إنه من سليمان وإنه } كيت وكيت .
سؤال : لم قدم سليمان اسمه على اسم الله؟ والجواب أنها لم وجدت الكتاب على وسادتها ولم يكن لأحد إليها طريق ورأت الهدهد علمت أنه من سليمان وحين فتحت الكتاب رأت التسمية ، ولذلك قالت ما قالت ، أو لعل سليمان كتب على عنوان الكتاب { إنه من سليمان } فقرأت عنوانه أولا ثم أخبرت بما في الكتاب . أو لعل سليمان قصد بذلك أنها لو شتمت لأجل كفرها حصل الشتم لسليمان لا لله تعالى . و « أن » في { أن لا تعلوا } مفسرة لما ألقي إليها أي لا تتكبروا كما تفعل الملوك . يروى أن نسخة الكتاب : من عبد الله سليمان بن داود إلى بلقيس ملكة سبأ : السلام على من اتبع الهدى . أما بعد ، فلا تعلوا علي وأتوني مسلمين . وكان كتب الأنبياء عليهم السلام جملا وأنه مع وجازته مشتمل على تمام المقصود لأن قوله { بسم الله الرحمن الرحيم } مشتمل على إثبات الصانع وصفاته ، والباقي نهي عن الترفع والتكبر وأمر بالانقياد للتكاليف ، كل ذلك بعد إظهار المعجز برسالة الهدهد .

(6/109)


قوله { قالت يا ايها الملأ } استئناف آخر وهكذا إلى تمام القصة . ومعنى { أفتوني } أشيروا علي بما يحدث لكم من الرأي . والفتوى الجواب في الحادثة وأصلها من الفتاء في السن وقطع الأمر فصله والقضاء فيه ، أرادت بذلك استعطافهم وتطييب نفوسهم واستطلاع آرائهم ، فأجابوا بأنهم اصحاب القوى الجسداينة والخارجية ، ولهم النجدة والبلاء في الحرب ، ومع ذلك فوضوا الأمر إليها فما أحسن هذا الأدب . ويحتمل أن يراد نحن من أبناء الحرب لا من ارباب الرأي والشمروة وإنما الرأي إليكن وحيث كان يلوح من وصفهم أنفسهم بالشجاعة والعلم بأمور الحرب أهم مائلون إلى المحاربة ، ارادت أن تنبههم إلى الأمر الأصوب وهو الميل إلى الصلح فلذلك { قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية افسدوها } وذلك إذا أرادوا قهرها والتسلط عليها ابتداء وإلا فالإفساد غير لازم ، بل لعل الإصلاح ألزم إذا سلكت سبيل العدل والإنصاف فليس للظلمة في الآية حجة . ومفعول { مرسلة } محذوف اي مرسلة رسلا مع هدية وهي اسم المهدي كالعطية اسم المعطي . وإنما رأت الإهداء أولا لأن الهدية سبب استمالة القلوب . قال صلى الله عليه وسلم « تهادوا تحابوا » قال في الكشاف : روي أنها بعثت خمسمائة غلام عليهم ثياب الجواري وحليهن الأساور والأطواق والقرطة راكبي خيل مغشاة بالديباج مرصعة اللجم والسروج بالجواهر ، وخمسمائة جارية على رماك في زي الغلمان ، وألف لبنة من ذهب وفضة وتاجا مكللا بالدر والياقوت ، وحقا فيه درة عذراء وجزعة معوجة الثقب : وبعثت رجلين من أشراف قومها- المنذر بن عمرو وآخر ذا رأي وعقل -وقالت : إن كان نبيا ميز بين الغلمان والجواري وثقب الدرة ثقبا مستويا وسلك في الخرزة خيطا . ثم قالت : للمنذر : إن نظر إليك نظر غضبان فهو ملك فلا يهولنك ، وإن رأيته بشا لطيفا فهو نبي . فأقبل الهدهد فأخبر سليمان فأمر الجن فضربوا لبن الذهب والفضة وفرشوه في ميدان بين يديه طوله سبعة فراسخ وجعلوا حول الميدان حائطا شرفه من الذهب والفضة ، وأمر بأحسن الدواب في البر والبحر فربطوها عن يمين الميدان وعن يساره على اللبنات ، وأمر بأولاد الجن وهم خلق كثير فأقيموا عن اليمين وعن اليسار ، ثم قعد على سريره والكراسي من جانبيه ، واصطفت الشياطين صفوفا فراسخ والأنس كذلك ، ولاوحش والطير كذلك . فلما دنا القوم ونظروا بهتوا ورأوا الدواب على اللبنات فتقاصرت إليهم نفوسهم ورموا بما معهم ، ولما وقفوا بين يديه نظر إليهم بوجه طلق وقال : ما وراءكم؟ وقال : أين الحق؟ وأخبرهم بما فيه . ثم أمر الأرضة فأخذت شعرة ونفذت في الدرة فجعل رزقها في الشجر ، وأخذت دودة بيضاء الخيط فأدخلته في الجزعة ، ودعا بالماء فكانت الجارية تأخذ الماء بيدها فتجعله في الأخرى ثم تضرب به وجهها ، والغلام كما يأخذه يضرب به وجهه ، ثم رد الهدية وذلك قوله على سبيل الإنكار { أتمدونني بمال } ثم قال على سبيل الإعلام وتعليل الإنكار { فما آتاني الله } من الكمالات والقربات والدرجات { خير مما آتاكم } ثم أضرب عن ذلك إلى بيان السبب الذي حملهم عليه وهو أنهم لا يعرفون الفرح إلا في أن يهدي إليهم حظ من الدنيا ، فعلى هذا تكون الهدية مضافة إلى المهدي إليه .

(6/110)


والمعنى { بل أنتم بهديتكم } هذه التي أهديتموها { تفرحون } فرح افتخار على الملوك . ويحتمل أن يكون الكلام عبارة عن الرد كأنه قال . بل أنتم من حقكم أن تأخذوا هديتكم وتفرحوا بها ثم قال للرسول أو للهدهد معه كتاب آخر { ارجع إليهم } ومعنى { لا قبل } لا طاقة ولا مقابلة . والذل أن يذهب عنهم ما كانوا فيه من العز والملك ، والصغار أن يقعوا مع ذلك في أسر واستعباد يروى أنه لما رجعت إليها الرسل عرفت أن سليمان نبي وليس لهم به طاقة ، فشخصت إليه في اثني عشر الف قيل . مع كل قيل ألوف . وأمرت عند خروجها أن يجعل عرشها في آخر سبعة أبيات في آخر قصر من قصور سبعة ، وغلقت الأبواب ووكلت به حرسا فلعل سليمن أوحي إليه ذلك فاراد أن يريها بعض ما خصه الله به من المعجزات فلذلك { قال يا أيها الملأ أيكم يأتيني بعرشها } وعن قتادة : اراد أن يأخذه قبل أن تسلم لعلمه أنها إذا اسلمت لم يحل له أخذ مالها . وقيل : أراد بذلك اختبار عقلها كما يجيء . وقيل : أراد أن يعرف تجملها ومقدار مملكتها قبل وصولها إليه والعفريت من الرجال الخبيث المنكر الذي يعفر اقرانه ، ومن الشياطين الخبيث المارد ، ووزنه « فعليت » . قالوا : كان اسمه ذكوان . و { آتيك به } في الموضعين يجوز أن يكون فعلا مضارعا وأن يكون اسم فاعل . ومعنى . { أن تقوم من مقامك } إما على ظاهره وهو أن يقوم فيقعد ، وإما أن يكون المقام هو المجلس ولا بد فيه من عادة معلومة حتى يصح أن يؤقت به . وعلى هذا فقيل : المراد مجلس الحكم . وقيل : مقدار فراغه من الخطبة . وقيل : إلى انتصاف النهار . { وإني عليه } أي على حمله { لقوي أمين } آتي به على حاله لا أتصرف فيه بشيء . واختلفوا في الذي عنده علم من الكتاب فقيل : هو الخضر عليه السلام . وقيل : جبرائيل . وقيل : ملك أيد الله به سليمان . وقيل : آصف بن برخيا وزيره أو كاتبه . وقيل : هو سليمان نفسه استبطأ العفريت فقال له : أنا اريك ما هو أسرع مما تقول . وقد يرجح هذا القول بوجوه منها : أن الشخص المشار إليه بالذي يجب أن يكون معلوما للمخاطب وليس سوى سليمان ، ولو سلم أن آصف أيضا كان كذلك فسليمان أولى بإحضار العرش في تلك اللمحة والإلزام تفضيل آصف عليه من هذا الوجه .

(6/111)


ومنها قول سليمان . { هذا من فضل ربي } ويمكن أن يقال : الضمير راجع إلى استقرار العرش عنده ، ولو سلم رجوعه غلى الإتيان بالعرش فلا يخفى أن كمال حال التابع والخادم من جملة كمالات المتبوع والمخدوم ، ولا يلزم من أن يأمر الإنسان غيره بشيء أن يكون الآمر عاجزا عن الإتيان بذلك الشيء . واختلفوا ايضا في الكتاب فقيل : هو اللوح . وقيل : الكتاب المنزل الذي فيه الوحي والشرائع . وقيل : كتاب سليمان أو كتاب بعض الأنبياء . وما ذلك العلم؟ قيل : نوع من العلم لا يعرف الآن . والأكثرون على أنه العلم باسم الله الأعظم وقد مر في تفسير البسملة كثير مما قيل فيه . ومما وقفت عليه بعد ذلك أن غالب بن قطان مكث عشرين سنة يسأل الله الاسم الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى فأري في منامه ثلاث ليال متواليات : قل يا غالب يا فارج الهم يا كاشف الغم يا صادق الوعد يا موفيا بالعهد يا منجز الوعد يا حي يا لا إله إلا أنت صل اللهم على محمد وآل محمد وسلم . والطرف تحريك الأجفان عند النظر فوضع موضع النظر فإذا فتحت العين توهمت أن نور العين يمتد إلى المرئي وإذا غمضت توهمت أن ذلك النور قد اراتد ، فمعنى الآية أنك ترسل طرفك إلى شيء فقبل أن ترده أبصرت العرش بين يديك . يروى أن آصف قال له : مد عينك حتى ينتهي طرفك فمد عينه فنظر نحو اليمن ودعا آصف فغاص العرش في مكانه ثم ظهر عند مجلس سليمان بالشام بقدرة الله قبل أن يرتد طرفه . ومن استبعد هذا في قدرة الله فليتأمل في الحركات السماوية على ما يشهد به علم الهيئة حتى يزول استبعاده . وقال مجاهد : هو تمثيل لاستقصار مدة الإتيان به كما تقول لصاحبك : افعل هذا في لحظة أو لمحة . وحين عرف سليمان نعمة الله في شأنه وأن ذلك صورة الابتلاء بين أن شكر الشاكر إنما يعود إلى نفس الشاكر لأنه يرتبط به العتيد ويطلب المزيد كما قيل : الشكر قيد للنعمة الموجودة وصيد للنعمة المفقودة . وروي في الكشاف عن بعضهم أن كفران النعمة بوار وقلما أقشعت نافرة فرجعت في نصابها ، فاستدع شاردها بالشكر واستدم راهنها بكرم الجوار . قوله « أقشعت نافرة » أي ذهبت في حال نفارها وراهنها أي ثابتها . { ومن كفر فان ربي غني } عن عبادة كل عابد فضلا عن شكر شاكر { كريم } لا يقطع إمداد نعمه عنه لعله يتوب ويصلح حاله . زعم المفسرون أن الجن كرهوا أن يتزوجها سليمان فتفضي إليه بإسرارهم لأنها كانت بنت جنية ، أو خافوا أن يولد له منها ولد تجمع له فطنة الجن والإنس فيخرجون من ملك سليمان إلى ملك هو أشد فقالوا له : إن في عقلها شيئا وهي شعراء الساقين ورجلها كحافر الحمار فاختبر عقلها بتنكير العرش وذلك قوله { نكروا لها عرشها } أي اجعلوه متنكرا متغيرا عن هيئته وشكله كما يتنكر الرجل لغيره لئلا يعرفه .

(6/112)


قالوا : وسعوه وجعلوا مقدمه مؤخره وأعلاه اسفله . وقوله { ننظر } بالجزم جواب للأمر وقرئ بالرفع على الاستئناف . { أتهتدي } لمعرفة العرش أو للجواب الصائب إذا سئلت عنه أو للدين والإيمان بنبوة سليمان إذا رأت تلك الخوارق . وقوله { أم تكون من الذين لا يهتدون } أبلغ من أن لو قال « أم لا تهتدي » كما مر في قوله { أم كنت من الكاذبين } { فلما جاءت قيل أهكذا } أي مثل ذا { عرشك } لئلا يكون شبه تلقين فقالت { كأنه هو } ولم تقل : هو هو مع أنها عرفته ليكون دليلا على وفور عقلها حيث لم تقطع في المحتمل وتوقفت في مقام التوقف . أما قوله { وأوتينا العلم } فمعطوف على مقدر كأنهم قالوا عند قولها كأنه هو قد اصابت في جوابها وطابقت المفصل وهي عاقلة لبيبة وقد رزقت الإسلام وعلمت قدرة الله وصحة نبوة سليمان بهذه الخوارق . { وأوتينا } نحن { العلم } بالله وبقدرته قبل علمها ولم نزل على دين الإسلام { وصدها } عن التقدم إلى الإسلام عبادة الشمس وكونها بين ظهراني الكفرة . والغرض تلقي نعمة الله بالشكر على سابقة الإسلام . وقيل : هو موصول بكلام بلقيس . والمعنى وأوتينا العلم بالله وبقدرته وبصحة نبوة سليمان قبل هذه المعجزة أو الحالة وذلك عند وفدة المنذر . ثم قال سبحانه { وصدها } قبل ذلك عما دخلت فيه { ما كانت تعبد من دون الله } وقيل : الجار محذوف أي وصدها الله أو سليمان عما كانت تعبد ، واختبر ساقها بأن أمر أن يبني على طريقها قصر من زجاج أبيض فأجرى من تحته الماء والقى فيه من دواب البحر السمك وغيره ، ووضع سريره في آخر فجلس عليه وعكف عليه الطير والجن والإنس . ثم { قيل لها ادخلي الصرح } أي القصر أو صحن الدار { فلما رأته حسبته لجة } أي ماء غامرا { وكشفت عن ساقيها } لتخوض في الماء فإذا هي أحسن الناس ساقا وقدما إلا أنها شعراء ، فصرف سليمان بصره وناداها { إنه صرح ممرد } أي مملس { من قوارير } هذا عند من يقول : تزوجها وأقرها على ملكها وأمر الجن فبنوا له همدان وكان يزورها في الشهر مرة فيقيم عندها ثلاثة أيام وولدت له . قالوا : كون ساقها شعراء هو السبب في اتخاذ النورة ، أمر به الشياطين فاتخذوها . وقال آخرون : المقصود من الصرح تهويل المجلس ، وحصل كشف الساق على سبيل التبع . عن ابن عباس : لما اسلمت قال لها : اختاري من أزوجكه؟ فقالت : مثلي لا ينكح الرجال مع سلطان .

(6/113)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية