صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : تفسير النيسابوري
المؤلف : النيسابوري
مصدر الكتاب : موقع التفاسير
http://www.altafsir.com
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

السر في اصطلاح الصوفية لطيفة بين القلب والروح ، وهو معدن الأسرار الروحانية . والخفي لطيفة بين الروح والحضرة الإلهية وهو مهبط أنوار الربوبية وأسرارها وجملتها المعقولات ، وقد يحصل لكل إنسان عند نشأته الأولى وإن كان كافرا . والأخفى لطيفة بين الروح والحضرة الإلهية ويكون عند نشأته الأخرى ولا يحصل إلا لمؤمن موحد صار مهبط الأنوار الربانية وجملتها المشاهدات والمكاشفات وحقائق العلوم اللدنية ، ولهذا قال عقيبه { الله لا إله إلا هو } لأن مظهر الألوهية وصفاته العليا وأسمائه الحسنى هو الخفي الذي لا شيء أقرب إلى الحضرة منه إلا وهو سر { وعلم آدم الأسماء كلها } [ البقرة : 31 ] وهو حقيقة قوله « إن الله خلق آدم فتجلى فيه » { وهل أتاك حديث موسى } القلب { إذ رأى نارا } [ طه : 10 ] وهو نور في الحقيقة مأنوس به من جانب طور الروح { فقال لأهله } وهم النفس وصفاتها { امكثوا } في ظلمة الطبيعة الحيوانية { إني آنست } نار المحبة التي لا تبقى ولا تذر من حطب الوجود المجازي شيئا { لعلي آتيكم منها بقبس } يخرجكم من ظلمات الطبيعة إلى أنوار الشريعة { أو أجد على النار هدى } بآداب الطريقة إلى الحقيقة { فلما أتاها نودي } من شجرة القدس بخطاب الإنس { فاخلع نعليك } أي اترك الالتفات إلى الزوجة والولد فإن النعل يعبر في الرؤيا بهما ، أو اترك الالتفات إلى الكونين إنك واصل الى جناب القدس ، أو هما المقدمتان في نحو قولنا « العالم محدث وكل محدث فله محدث وموجد » وذلك أنه إذا غرق في لجة العرفان بقيت المقدمات على ساحل الوسائل { وأنا اخترتك } يا موسى القلب من سائر خلق وجودك من البدن والنفس والسر والروح { فاستمع } بسمع الطاعة والقبول إنني لما تجليت بأنانية الوهيتي لأنانية وجودك المجازي لا يبقى إلا أنا { فاعبدني } بإفناء وجودك وأدم المناجاة معي لنيل ذكري إياك بالتجلي . إن قيامة العشق { آتية أكاد أخفيها } لعظم شأنها إلا أن متقاضى الكرم اقتضى إظهارها لأخص عبيدي { لتجزى كل نفس بما تسعى } في العبودية من الروح والسر والقلب والنفس والقالب فلما كان سعي الروح بحب الوطن الأصلي للرجوع إلي أمكن إضافة { ونفخت فيه من روحي } [ ص : 72 ] فجزاؤه من تجلي صفات الجلال بانعدام الناسوتية في اللاهوتية وكان سعي السعي بالخلو عن الأكوان لقبول فيض المكون فجزاؤه بإفاضة الفيض الإلهي عليه . وسعي القلب بقطع تعلقات الكونين لتصفيته وقابليته لتجلي صفات الجمال والجلال ، فجزاؤه بدوام التجلي وأن يبيت عند ربه يطعمه ويسقيه من الشراب الطهور الذي يزيل لوث الحدوث عن لوح القلوب لكشف حقائق . وسعي النفس بتبديل الأخلاق وانتفاء الأوصاف الحيوانية ، فجزاؤه بإشراق نور ربها لإزالة ظلمة صفاتها واطمئنانها إلى ذكر ربها لتصير قابلة لجذبه { ارجعي إلى ربك } [ الفجر : 28 ] وسعي القالب باستعمال أركان الشريعة وآداب الطريقة ، فجزاؤه ورفعة الدرجات ونيل الكرامات في الدارين فلا يصدنك عن هذه السعادات النفس الأمارة بالسوء التي لا تؤمن بها .

(5/287)


ويحتمل أن يقال : أكاد أخفي الساعة ودخول الجنة والنار لئلا تكون عبادتي مشوبة بطمع الجنة وخوف النار . قالوا : أخطأ موسى في قوله { هي عصاي } وكان عليه أن يقول « أنت أعلم بحالها مني » وفي قوله { أتوكأ عليها } وكان عليه أن يتكىء على لطف الله وكرمه فلهذا قيل له { ألقها يا موسى } وفي قوله { وأهش بها على غنمي } إذ نسي أن العصا لا تكون واسطة لرزق أغنامه وإنما الرزاق هو الله . { خذها ولا تخف } فإن الضار والنافع هو الله وحده فلا يكن خوفك إلا منه ولا رجاؤك إلا به { واضمم } يد همتك إلى جناح قنوعك { تخرج بيضاء } نقية عن درن السؤال وعن الطمع وباقي الحقائق مذكور في التفسير . وفي قوله { قد أوتيت } بلفظ الماضي إشارة إلى أنه أعطي ذلك بالتقدير الأزلي لا بالتدبير العملي والله أعلم بالصواب .

(5/288)


ولقد مننا عليك مرة أخرى (37) إذ أوحينا إلى أمك ما يوحى (38) أن اقذفيه في التابوت فاقذفيه في اليم فليلقه اليم بالساحل يأخذه عدو لي وعدو له وألقيت عليك محبة مني ولتصنع على عيني (39) إذ تمشي أختك فتقول هل أدلكم على من يكفله فرجعناك إلى أمك كي تقر عينها ولا تحزن وقتلت نفسا فنجيناك من الغم وفتناك فتونا فلبثت سنين في أهل مدين ثم جئت على قدر يا موسى (40) واصطنعتك لنفسي (41) اذهب أنت وأخوك بآياتي ولا تنيا في ذكري (42) اذهبا إلى فرعون إنه طغى (43) فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى (44) قالا ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى (45) قال لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى (46) فأتياه فقولا إنا رسولا ربك فأرسل معنا بني إسرائيل ولا تعذبهم قد جئناك بآية من ربك والسلام على من اتبع الهدى (47) إنا قد أوحي إلينا أن العذاب على من كذب وتولى (48) قال فمن ربكما يا موسى (49) قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى (50) قال فما بال القرون الأولى (51) قال علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى (52) الذي جعل لكم الأرض مهدا وسلك لكم فيها سبلا وأنزل من السماء ماء فأخرجنا به أزواجا من نبات شتى (53) كلوا وارعوا أنعامكم إن في ذلك لآيات لأولي النهى (54) منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى (55) ولقد أريناه آياتنا كلها فكذب وأبى (56) قال أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك يا موسى (57) فلنأتينك بسحر مثله فاجعل بيننا وبينك موعدا لا نخلفه نحن ولا أنت مكانا سوى (58) قال موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى (59) فتولى فرعون فجمع كيده ثم أتى (60) قال لهم موسى ويلكم لا تفتروا على الله كذبا فيسحتكم بعذاب وقد خاب من افترى (61) فتنازعوا أمرهم بينهم وأسروا النجوى (62) قالوا إن هذان لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما ويذهبا بطريقتكم المثلى (63) فأجمعوا كيدكم ثم ائتوا صفا وقد أفلح اليوم من استعلى (64) قالوا يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون أول من ألقى (65) قال بل ألقوا فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى (66) فأوجس في نفسه خيفة موسى (67) قلنا لا تخف إنك أنت الأعلى (68) وألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا إنما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى (69) فألقي السحرة سجدا قالوا آمنا برب هارون وموسى (70) قال آمنتم له قبل أن آذن لكم إنه لكبيركم الذي علمكم السحر فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم في جذوع النخل ولتعلمن أينا أشد عذابا وأبقى (71) قالوا لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات والذي فطرنا فاقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا (72) إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر والله خير وأبقى (73) إنه من يأت ربه مجرما فإن له جهنم لا يموت فيها ولا يحيى (74) ومن يأته مؤمنا قد عمل الصالحات فأولئك لهم الدرجات العلا (75) جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء من تزكى (76)

القراآت : { ولتصنع } بسكون اللام والعين على الأمر : يزيد الآخرون بكسر اللام ونصب العين { لنفسي اذهب } { في ذكري اذهبا } تفتح ياء المتكلم : أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو { خلقه } فتح اللام على أنه فعل : نصير الباقون بالسكون . { مهدا } وكذلك في « الزخرف » : عاصم وحمزة وعلي وخلف وروح . الآخرون { مهادا } { سوى } بكسر السين : أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو وعلي الآخرون بالضم { لا نخلفه } بالجزم جوابا للأمر : يزيد { يوم الزينة } على الظرف : هبيرة : { وقد خاب } حيث كان بالإمالة : حمزة { فيسحتكم } من الإسحات : حمزة وعلي وخلف ورويس وحفص . الباقون بفتح الياء والحاء { إن } مخففة : ابن كثير وحفص والمفضل . الباقون مشددة . { هذين } أبو عمرو و { هذان } بالتشديد : ابن كثير . الباقون بالتخفيف { فاجمعوا } بهمزة الوصل وفتح الميم أمرا من الجمع : أبو عمرو . والآخرون على لفظ الأمر من الإجماع : { وقد أفلح } بنقل الحركة إلى الدال حيث كان : ورش وعباس وحمزة في الوقف { تخيل } بالتاء الفوقانية : ابن ذكوان وروح والمعدل عن زيد الباقون وابن مجاهد عن ابن ذكوان بالتحتانية : { تلقف } بالتشديد والرفع على الاستئناف : ابن ذكوان : { تلقف } بالتخفيف والجزم : حفص والفضل . وقرأ البزي وابن فليح مشددة التاء { كيد سحر } على المصدر : حمزة وعلي وخلف . الباقون { كيد ساحر } على الوصف . { قال آمنتم } بالمد : أبو عمرو وسهل ويعقوب وابن عامر وأبو جعفر ونافع وابن كثير عن ابن مجاهد وأبي عون عن قنبل { قال أمنتم } على الخبر بغير مد : حفص وابن مجاهد وأبو عون عن قنبل . الباقون { أآمنتم } بزيادة همزة الاستفهام { ومن يأته } مختلسة الهاء : يزيد وقالون ويعقوب غير زيد ، وأبو عمرو عن طريق الهاشمي عن اليزيدي { ومن يأته } بسكون الهاء : خلا دور جاء والعجلي وشجاع واليزيدي غير أبي شعيب ويحيى وحماد . الباقون { يأته } بالإشباع .
الوقوف : { أخرى } 5 لا لأن « إذ » تفسير المرة { ما يوحى } 5 لا لأن ما بعده تفسير { ما يوحى } { وعدو له } ط { مني } ج لأن الواو وقد تكون مقحمة وتعلق اللام ب { ألقيت } وقد تكون عاطفة على محذوف أي لتحب ولتصنع ، ومن جزم اللام وقف على { مني } لا محالة { على عيني } م لئلا يوهم أن « إذ » ظرف { لتصنع } { من يكفله } ط لانقطاع النظم وانتهاء الاستفهام على أن فاء التعقيب مع اتحاد القصة يجيز الوصل . { ولا تحزن } ط لابتداء منة أخرى { فتونا } 5 ط { يا موسى } 5 { لنفسي } 5 لاتساق الكلام مع حق الفاء مضمرة { ذكري } 5 ج لمثل ما قلنا والمضمر واو { طغى } 5 للآية مع الفاء { يخشى } 5 { يطغى } 5 { وأرى } 5 { ولا تعذبهم } ط لأن « قد » لتوكيد الابتداء وقد انقطع النظم على أن اتحاد المقول يجيز الوصل { من ربك } ط لذلك فإن الواو للابتداء { في كتاب } ج لاحتمال ما بعده الصفة والاستئناف { ولا ينسى } 5 بناء على أن « الذي » صفة الرب والأحسن تقدير هو الذي أو أعني الذي { ماء } ط للالتفات { شتى } 5 { أنعامكم } ط { النهى } 5 { أخرى } 5 { وأبى } 5 { يا موسى } 5 { سوى } 5 { ضحى } 5 { أتى } 5 { بعذاب } ج لاختلاف الجملتين { افترى } 5 { النجوى } 5 { المثلى } 5 { صفا } 5 { استعلى } 5 { ألقى } 5 { ألقوا } ج لأن التقدير فألقوا ما ألقوه فإذا حبالهم مع فاء التعقيب وإذا المفاجأة المنافيين للوقف { تسعى } 5 { موسى } 5 { الأعلى } 5 { ما صنعوا } ط { كيد ساحر } ط { أتى } 5 { وموسى } 5 { لكم } ط { السحر } ق للقسم المحذوف ولانقطاع النظم مع فاء التعقيب وإتمام مقصود الكلام { النخل } ج لابتداء معنى القسم ولفظ استفهام يعقبه مع اتفاق الجملة واتحاد الكلام .

(5/289)


{ وأبقى } 5 { قاض } ط { الحياة الدنيا } ط { من السحر } ط { وأبقى } 5 { جهنم } ط { ولا يحيى } 5 { العلى } 5 لا لأن ما بعده بدل { فيها } ط { تزكى } 5 .
التفسير : من عليه منا أنعم ، ومن عليه منة أي امتن عليه كأن الله سبحانه قال لموسى : إني راعيت صلاحك قبل سؤالك فكيف لا أعطيك مرادك بعد السؤال ، أو كنت ربيتك من غير سابقة حق فلو منعتك الحال مطلوبك لكان ذلك ردا بعد القبول وحرمانا بعد الأحسان وذلك ينافي الكرم الذاتي . قالوا : المنة تهدم الصنيعة فهي نوع من الأذى . فقوله { ولقد مننا عليك } يكون من المن لا من المنة ، قلت : يحتمل أن لا تكون المنة من المنعم المطلق أذية وإنما تكون تنبها علىلنعم وإيقاظا من سنة الغفلة حتى يتلقى المكاف النعمة بالشكر والطاعة . وإنما قال { مرة أخرى } لأن الجملة قصة واحدة وإن كانت مشتملة على منن كثيرة ، والوحى إلى أم موسى إما أن يكون على لسان نبي في عصرها كشعيب مثلا ، أو عن لسان ملك لا على طريق النبوة كالوحي إلى مريم في قوله { وإذ قالت الملائكة يا مريم } [ آل عمران : 42 ] أو أراها في المنام أنه وضع ولدها في التابوت وقذف في البحر ثم رده الله إليها ، أو ألهمها بذلك ، أو لعل الأنياء المتقدمين كإبراهيم وإسحق ويعقوب أخبروا بذلك وانتهى خبرهم إليها . ومعنى { ما يوحى } ما يجب أن يوحى لما فيه من المصلحة الدينية ولأنه أمر عظيم ولأنه مما لا يعلم إلا بطريق الوحي . « وأن » هي المفسرة لأن الإيحاء في معنى القول ، والقذف يستعمل بمعنى الوضع أي ضعيه في التابوت وقد مر معناه في « البقرة » في قصة طالوت . قال جار الله : الضميران الباقيان في قوله { فاقذفيه في اليم فليلقه } عائدان إلى موسى أيضا لئلا يؤدي إلى تنافر النظم ، فإن المقذوف والملقى إذا كان موسى وهو في جوف التابوت لزم أن يكون التابوت أيضا مقذوفا وملقى ويؤيده أن الضمير في قوله { عدو له } لموسى بالضرورة لأن عداوة التابوت غير معقولة .

(5/290)


وإذا كان الضمير الأول والضمير الأخير لموسى فالأنسب بإعجاز القرآن أن يكون الضمير المتوسط أيضا له ، لأن المعنى صحيح واللفظ متناسب فلا حاجة إلى العدول اعتمادا على القرينة . واليم هو البحر ، والمراد ههنا نيل مصر والساحل شاطىء البحر . وأصل السحل القشر ولهذا قال ابن دريد : هو مقلوب لأن الماء سحله فهو مسحول . قال أهل الإشارة : من خصوصة انشراح الصدر بنور الوحي أن يقذف في قلبه قذف الولد الذي هو أعز الأشياء في تابوت التوكل وبحر التسليم حتى يلقيه اليم بساحل إرادة الله ومشيئته . يروى أنها جعلت في التابوت قطنا محلوجا فوضعته فيه وجصصته وقيرته ثم ألقته في اليم ، وكان يشرع منه إلى بستان فرعون نهر كبير فبينا هو جالس على رأس بركة مع اسية إذا بالتابوت فأمر به فأخرج ففتح فإذا صبي أصبح الناس وجها فأحبه عدو الله حبا شديدا لا يتمالك أن يصبر عنه . وظاهر اللفظ يدل على أن التابوت التقط من الساحل ، فلعل اليم ألقاه بموضع من الساحل فيه فوهة نهر فرعون فأداه النهر إلى البركة . أما كون فرعون عدوا لله من جهة كفره وعتوه فظاهر ، وأما كونه عدوا لموسى وهو صغير فباعتباره المآل ، أو لأنه لو ظهر له حاله لقتله فسبحان من يربي حبيبه في حجر عدوه . قالوا : كان بحضرة فرعون حينئذ أربعمائة غلام وجارية ، فحين أشار بأخذ التابوت ووعد من يسبق إلى ذلك الإعتاق تسابقوا جميعا ولم يظفر بأخذه إلا واحد منهم فأعتق الكل . والنكتة فيه أن عدو الله لم يجوز من كرمه حرمان البعض إذ عزم الكل على الأخذ ، فأكرم الأكرمين كيف لا يعتبر عزائم المؤمنين على الطاعة والخير؟ فالمرجو منه إعتاق الكل من النار وإن وقع لبعضهم تقصير في العمل . قوله { مني } إما أن يتعلق ب { ألقيت } أو يكون صفة للمحبة أي محبة حاصلة مني وعلى الوجهين فالمحبة إما محبة الله ومن أحبه الله أحبته القلوب ، وإما محبة الناس التي زرعها الله في قلوبهم ، فقد يروى أنه كانت على وجهه مسحة جمال وفي عينيه ملاحة لا يكاد يصبرعنه من رآه . قال القاضي . هذا الوجه أقرب لأنه في الصغر لا يوصف بمحبة الله التي يرجع معناها إلى إيصال الثواب . ورد بأن محبة الله عبارة عن إرادة الخير والنفع وهو أعم من أن يكون جزاء على العمل أو لا يكون ولهذا بين المحبة بقوله { ولتصنع على عيني } أي لتربى ويحسن إليك وأنا مراعيك ومراقبك كما يراعى الشيء بالعينين إذا عني بحفظه ، ولما كان العالم بالشيء حارسا له عن الآفات كما أن الناظر إليه يحرسه أطلق لفظ العين على العلم لاشتباههما من هذا الوجه .

(5/291)


وأيضا العين سبب الحراسة فأطلق السبب وأريد المسبب ، ويقال : عين الله عليك إذا دعي له بالحفظ والحياطة ، فالجار والمجرور في موضع الحال من ضميرالمبني للمفعول في { لتصنع } وجوز في الكشاف أن يكون { إذ تمشي } ظرفا { لتصنع } وليس بذلك وإنما هو ظرف ب { ألقيت } أو بدل من { إذ أوحينا } على الوقتين من زمان واحد واسع يقول الرجل : لقيت فلانا سنة كذا ، ثم تقول وأنا لقيته إذ ذاك وربما لقيه هو في أولها وأنت في آخرها .
يروى أنه لما فشا الخبر أن آل فرعون أخذو غلاما في اليم وأنه لا يرتضع من ثدي امرأة كما قال سبحانه { وحرمنا عليه المراضع } [ القصص : 12 ] جاءت أخت موسى عليه السلام واسمها مريم متنكرة فقالت { هل أدلكم على من يكفله } فجاءت بالأم فقبل ثديها وذلك قوله { فرجعناك إلى أمك } وقال في القصص { فرددناه إلى أمه } [ القصص : 13 ] تصديقا لقوله { إنا رادوه إليك } [ القصص : 7 ] { كي تقر عينها } بلقائك { ولا تحزن } بسبب وصول لبن غيرها إلى معدتك { وقتلت } وأنت ابن اثنتي عشرة سنة { نفسا } هو القبطي الذي يجيء ذكره في القصص { فنجيناك من الغم } وهو اقتصاص فرعون منك . وقيل : الغم هو القتل بلغة قريش ، أو أراد بالغم خوف عقاب الله وذلك قوله { فاغفر لي فغفر له } [ القصص : 16 ] { وفتناك فتونا } مصدر على « فعول » في المتعدي كالشكور والكفور ، أو جمع فتن كالظنون للظن ، أو جمع فتنة على ترك الاعتداد بتاء التأنيث كبدور في بدرة ، وحجوز في حجزة ، والقتنة المحنة والابتلاء بخير أو شر قال تعالى { ونبلوكم بالشر والخير فتنة } [ الأنبياء : 35 ] وفيها معنى التخليص من قولهم « فتنت الذهب » إذا أردت تخليصه . عن سعيد بن جبير أنه سأل ابن عباس عن الفتون فقال : أي خلصناك من محنة بعد محنة . ولد في عام كان يقتل فيه الولدان ، وألقته أمه في البحر ، وهم فرعون بقتله ، وقتل قبطيا ، وأجر نفسه عشر سنين ، وضل الطريق ، وتفرقت غنمه في ليلة مظلمة ، وكان يقول عند كل واحدة فهذه فتنة يا ابن جبير . قال العلماء : لا يجوز إطلاق اسم الفتان على الله تعالى وإن جاء { وفتناك } لأنه صفة ذم في العرف وستجيء قصة لبثة في أهل مدين وأنه على ثمان مراحل من مصر في سورة القصص إن شاء العزيز . قوله { على قدر } أي في وقت سبق في قضائي وقدري أن أكلمك وأستنبئك فيه ، أو على مقدار من الزمان يوحى فيه إلى الأنبياء وهو رأس أربعين سنة ، أو على موعد قد عرفته بأخبار شعيب أو غيره . والصنع بالضم مصدر صنع إليه معروفا قبيحا أي فعل ، والاصطناع « افتعال » منه واستعماله في الخير أكثر ، واصطنع فلان فلانا إذا اتخذه صنيعة ، واصطنعت فلانا لنفسي إذا اصطنعته وخرجته ومعناه أحسنت إليه حتى إنه يضاف إلي .

(5/292)


وقوله { لنفسي } أي لأصرفن جوامع همتك في أوامري حتى لا تشتغل بغير ما أمرتك به من تبليغ الرسالة وإقامة الحجة . وقال جار الله : مثل حاله بحال من يراه بعض الملوك أهلا للتقريب والتكريم لخصائص فيه فيصطنعه بالكرامة ويستخلصه لنفسه فلا يبصر إلا بعينه ولا يسمع إلا بأذنه ولا يأتمن على مكنون سره سواه . وقال غيره من المعتزلة : إنه سبحانه إذا كلف عباده وجب عليه أن يلطف بهم ، ومن حمله الألطاف ما لا يعلم إلا سمعا ، فلو لم يصطنعه للرسالة لبقي في عهدة الواجب فهذا أمر فعله الله لأجل نفسه حتى يخرج عن عهدة ما يجب عليه .
ولما عد عليه المنن السابقة بإزاء الأدعية المذكورة رتب على ذكر ذلك أمرا ونهيا . أما الأمر فقوله { اذهب أنت وأخوك } وفيه بيان ما لأجله اصطنعه وهو الإبلاغ وأداء الرسالة . { بآياتي } أي مع آياتي لأنهما لو ذهبا بدونها لم يلزمه الإيمان وهذا من أقوى الدلائل على فساد التقليد . وما هذه الآيات غير العصا واليد لأنه لم يجر إلا ذكرهما فأطلق الجمع على الاثنين ، أو لأن كلا منهما مشتملة على آيات أخر ، أو لأنه يستدل بكل منهما على وجود إله قادر على الكل عالم بالكل وعلى نبوة موسى وعلى جواز الحشر حيث انقلب الجماد حيوانا والمظلم مستنيرا ومثله قوله { فيه آيات بينات مقام إبراهيم } [ آل عمران : 97 ] وقيل : هما مع حل العقدة . وقيل : أراد اذهبا إني أمدكما بآياتي وأظهرها على أيديكما متى وقع الاحتياج إليها . وأما النهي فقوله { ولا تنيا } بكسر النون مثل تعدا وقرىء { تنيا } بكسر حرف المضارعة أيضا للإتباع . والونى بفتحتين الضعف والفتور والكلال والإعياء ، والمعنى لا تنسياني بل اتخذا ذكري وسيلة في تحصيل المقاصد واعتقدا أن أمرا من الأمور لا يتمشى لأحد إلا بذكري فإن المداومة على ذكر الله توجب عدم الخوف من غيره . وأن يستحقر في نظره ما سواه لقوة نفسه واستنارة باطنه . وقيل : أراد بالذكر تبليغ الرسالة فإن الذكر يقع على كل العبادات فضلا عن أعظمها فائدة وأتمها عائدة . وقيل اذكرني عند فرعون وقومه بأني لا أرضى بالكفر وأعاقب عليه وأثيب على الإيمان وأرتضيه ، وبالجملة كل ما يتعلق بالترهيب والترغيب . ما الفائدة في تكرير قوله { اذهبا إلى فرعون } ؟ والجواب بعد التقرير والتأكيد أمرهما أن يشتغلا بأداء الرسالة معا لا أن ينفرد به موسى ، أو الأول أمر بالذهاب إلى كل بني إسرائيل والقبط ، والثاني مخصوص بفرعون الطاغي . ثم إنه خوطب كلاهما وموسى حاضر فقط لأنه أصل ، أو هو كقوله { وإذ قتلتم نفسا } [ البقرة : 72 ] والقاتل واحد منهم . ويحتمل أن هارون قد حضر وقتئذ فقد روى أن الله عز وجل أوحى إلى هارون وهو بمصر أن يتلقى موسى .

(5/293)


وقيل : ألهم بذلك . وقيل : سمع بخبره فتلقاه .
سؤال : لم أمرا بتليين القول للعدو المعاند؟ جوابه لأن من عادة الجبابرة إذا أغلظ لهم في الكلام أن يزدادوا عتوا وعلوا . وقيل : لما له من حق تربية موسى شبه حق الأبوة . وكيف ذلك القول اللين؟ الأصح انه نحو قوله تعالى { هل لك إلى أن تزكى وأهديك إلى ربك فتخشى } [ النازعات : 18 ، 19 ] لأن ظاهره الاستفهام والمشورة وعرض ما فيه صلاح الدارين . وقيل : أراد عداه شبابا لا يهرم بعده ، وملكا لا ينزع منه إلا بالموت ، وأن يبقى له لذة المطعم والمشرب والمنكح إلى حين موته . حكى عمرو بن دينار قال : بلغني أن فرعون عمر أربعمائة وتسعا وستين سنة . فقال له موسى : إن أطعتني فلك مثل ما عمرت فإذا مت فلك الجنة . وقيل : أراد كنياه وهو من ذوي الكنى الثلاث : أبو العباس وأبو الوليد وأبو مرة . ويحتمل أن يكون أمر بالقول اللين لأنه كان في موسى حدة وخشونة . بحيث إذا غضب اشتعلت قلنسوته نارا فعالج حدته باللين ليكون حليما في أداء الرسالة . ومعني الترجي في { لعله } يعود إلى موسى وأخيه أي اذهبا على رجائكما وباشرا الأمر مباشرة من يرجو أن يثمر سعيه فعساه يتذكر بأن يرجع من الإنكار إلى الحق رجوعا كليا إذا تأمل فأنصف { أو يخشى } فيقل : إنكاره وإصراره . قالت المعتزلة : جدوى إرسالهما إليه مع العلم بأنه لن يؤمن قطع المعذرة وإلزامه الحجة . وقالت الأشاعرة : العقول قاصرة عن معرفة سر القدر ولا سبيل إلا التسليم وترك الاعتراض والسكوت بالقلب واللسان . قالوا : إنه كمن يدفع سكينا إلى من علم قطعا أنه يمزق بطن نفسه ثم يقول : إني ما أردت بدفع السكين إليه إلا الإحسان . ويروى عن كعب أنه قال : والذي يحلف به كعب إنه مكتوب في التوراة { فقولا له قولا لينا } وسأقسي قلبه فلا يؤمن « { قالا ربنا } فيه دليل على أن هارون أيضا كان حاضرا وقتئذ كما روينا . وسئل أن انشرح صدره وتيسر أمره فكيف قالا { إننا نخاف } فإن حصول الخوف ينافي شرح الصدر؟ وأجيب بأن المراد من شرح الصدر ضبط الأوامر والنواهي وحفظ الشرائع والأحكام بحيث بحيث لا يتطرق إليها خلل وتحريف ، وهذا شيء آخر مغاير لزوال الخوف . قلت : لعلهما خافا أن لا يتمكنا من أداء الرسالة بدليل قوله { أن يفرط علينا } أي يسبق رسالتنا ويبادرنا بالعقوبة { وأن يطغى } أي يجاوز الحد بأن يقول فيك ما لا ينبغي أو يجاوز حد الاعتدال في معاقبتنا إن لم يعاجل بنا فلا نتمكن من إقامة وظائف الأداء . وأيضا الدليل النقلي السمعي إذا انضاف إلى الدليل العقلي زاده إيقانا وطمأنينة ولهذا { قال لا تخافا إنني معكما } أي بالنصرة والتأييد { أسمع وأرى } ما يجري بينكما وبينه من قول وفعل فأفعل بكما ما يوجب عنايتي وحراستي ، فلا يذهب وهمكما إلى أن مواد كرامتي انقطعت عنكما إذا فارقتما مقام المكالمة فصار هذا الوهم سبب خوفكما .

(5/294)


ويجوز أن يكون الفعلان متروكي المفعول كأنه قيل : أنا سامع مبصر وإذا كان الحافظ والناصر كذلك تم الحفظ وكملت النصرة . قال بعض الأصوليين : في الآية دلالة على أن الأمر لا يقتضي الفور وإلا كان تعللهما بالخوف معصية وإنها غير جائزة على الرسل في الأصح . وقال بعض المتكلمين : فيها دليل على أن السمع والبصر صفتان زائدتان عن العلم والإلزام التكرار فإن معيته هي بالعلم ولقائل أن يقول : الخاص يغاير العام ولكن لا يباينه .
ثم كرر الأمر قائلا : { فأتياه فقولا } فسئل إنهما أمرا بأن يقولا له قولا لينا فكيف غلظاه أولا بقوله { إنا رسولا ربك } ففيه إيجاب انقياده لهما وإكراهه على طاعتهما وهذا مما يعظم على الجبار . وثانيا بقوله { فأرسل معنا بني إسرائيل } وفيه إدخل النقص في ملكه لأنه كان يستخدمهم في الأعمال الشاقة . وثالثا بقوله { ولا تعذبهم } وفيه منعه عما يريده بهم؟ وأجيب بأن هذا القدر من التغليظ ضروري في أداء الرسالة . قيل : أليس الأولى أن يقولا { إنا رسولا ربك } { قد جئناك بآية من ربك فأرسل معنا بني إسرائيل } فيكون ذكر المعجز مقرونا بادعاء الرسالة . والجواب أن قوله { فأرسل } من تتمة الدعوى ، وإنما وحد قوله { بآية } ومعه آيتان بل آيات لقوله { اذهب أنت وأخوك بآياتي } لأنه أراد الجنس كأنه قيل : قد جئناك ببيان من عند الله وبرهان . قال في الكشاف : قلت : وفيه أيضا نوع من الأدب كما لو قلت : أنا رجل قد حصلت شيئا من العلم ولعل عندك علوما جمة على أن تخصيص عدد بالذكر لا يدل على نفي الزائد عليه . وأيضا الأصل في معجزات موسى كان هي العصا ولهذا وقعت في معرض المعارضة كما أن الأصل في معجزات نبينا صلى الله عليه وسلم كان هو القرآن فوقع لذلك في حيز التحدي { والسلام } أي جنس السلامة أو سلام خزنة الجنة { على من اتبع الهدى } يحتمل أن يكون هذا أيضا مما أمر بأن يقولاه لفرعون ، ويحتمل أن تكون الرسالة قد تمت عند قوله { بآية من ربك } ويكون هذا وعدا بالسلامة من عقوبات الدارين لمن آمن وصدق . قالت الأشاعرة : في قوله { أن العذاب } أي جنسه أو كل فرد منه { على من كذب وتولى } دليل على أنه لا يعاقب أحدا من المؤمنين ترك العمل به في بعض الأوقات ، فوجب أن يبقى على أصله في نفي الدوام على أن العقاب المتناهي لا نسبة له إلى النعيم المقيم الذي لا نهاية له فكأنه لم يعاقب أصلا .

(5/295)


وأيضا العارف بالله قد اتبع الهدى فوجب أن يكون من أهل السلامة { قال فمن ربكما يا موسى } خاطب الاثنين ووجه النداء إلى موسى لأنه الأصل في ادعاء الرسالة وهارون وزيره ، ويجوز أنه خص موسى عليه السلام بالنداء لما عرف من فصاحة هارون والرتة التي كانت في لسان موسى . فأراد أن يعجز عن الجواب . قال أهل الأدب : إن فرعون كان شديد البطش جبارا ومع ذلك لم يبدأ بالسفاهة والشغب بل شرع في المناظرة وطلب الحجة ، فدل على أن الشغب من غير حجة شيء ما كان يرتضيه فرعون مع كمال جهله وكفره فكيف يليق ذلك بمن يدعي الإسلام والعلم؟! وفي اشتغال موسى بإقامة الدلالة على المطلوب دليل على فساد التقليد وفساد قول القائل بأن معرفة الله تستفاد من قول الرسول ، وفيه جواز حكاية كلام المبطل مقرونا بالجواب لئلا يبقى الشك . وفيه أن المحق يجب عليه استماع شبهة المبطل حتى يمكنه الاشتغال بحلها . واعلم أن العلماء اختلفوا في كفر فرعون فقيل : كان عارفا بالله إلا أنه كان معاندا بدليل قوله { لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السموات والأرض } [ الأسراء : 102 ] وقوله { وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا } [ النمل : 14 ] وقوله في سورة القصص { وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون } [ الآية : 39 ] وليس فيه إلا إنكار المعاد دون إنكار المبدأ . وقوله في الشعراء { وما رب العالمين } [ الشعراء : 23 ] إلى قوله { إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون } [ الشعراء : 27 ] يعني أنا أطلب منه الماهية وهو يشرح الوجود فدل على أنه اعترف بأصل الوجود .
وأيضا إن ملك فرعون لم يتجاوز القبط ولم يبلغ الشام لأن موسى لما هرب إلى مدين قال له شعيب { لا تخف نجوت من القوم الظالمين } [ القصص : 25 ] فكيف يعتقد مثل هذا الشخص إنه إله العالم بل كل عاقل مكلف يعلم بالضرورة أنه وجد بعد العدم فلا يكون واجب الوجود . وأيضا إنه سأل ههنا بمن طالبا للكيفية ، وفي « الشعراء » بما طالبا للماهية فكأن موسى لما أقام الدلالة على الوجود ترك المناظرة والمنازعة معه في هذا المقام لظهوره وشرع في مقام أصعب لأن العلم بماهية الله تعالى غير حاصل للبشر . وأيضا إنه قال في الجواب { ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه } وصلة الذي لا بد أن تكون جملة معلومة الانتساب . ومن الناس من قال : إنه كان جاهلا بالله بعد اتفاقهم على أن العاقل لا يجوز أن يعتقد في نفسه أنه خالق السموات والأرض وما فيهما . فمنهم من قول : إنه كان دهريا نافيا للمؤثر أصلا . ومنهم من قال : إنه فلسفي قائل بالعلة الموجبة أو هو من عبدة الكواكب ، أو من الحلولية والمجسمة . وأم إدعاء الالهية والربوبية فبمعنى أنه يجب عليهم طاعته والانقياد لحكمه . قال بعض العلماء : إنما قال { فمن ربكما } [ طه : 49 ] ولم يقل « فمن إلهكما » تعريضا بأنه رب موسى كما قال

(5/296)


{ ألم نربك فينا وليدا } [ الشعراء : 18 ] قلت : يحتمل أن يكون تخصيص موسى بالنداء تنبيها على هذا المعنى . ولم يعلم الكافر أن الربوبية التي ادعاها موسى لله في قوله { إنا رسولا ربك } غير هذه في الحقيقة ولا مشاركة بينهما إلا في اللفظ ، وهذا كما عارض نمرود إبراهيم صلوات الرحمن عليه في قوله { أنا أحيي وأميت } [ البقرة : 258 ] ولم يعلم أن إحياءه وإماتته ليسا من الإحياء والإماتة في شيء ثم شرع موسى في الدلالة على إثبات الصانع بأحوال المخلوقات ، وفيه دلالة على أن موسى كان أصلا في النبوة وأن هارون راعى الأدب فلم يشتغل بالجواب قبله لأن الأصل في النبوة هو موسى ، ولأن فرعون خصص موسى بالنداء . من قرأ { خلقه } بسكون اللام فإما بمعنى الخليقة والضمير المجرور لله وقدم المفعول الثاني ليتصل قوله { ثم اهتدى } والخليقة أعطى الخلائق ما به قوامهم من المطعوم والمشروب والملبوس والمنكوح ، ثم هداهم إلى كيفية الانتفاع بها فيستخرجون الحديد من الجبال واللآلىء من البار ويركبون الأغذية والأدوية والأسلحة والأمتعة ونظير هذا الكلام قوله { الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى } [ الأعلى : 2 ، 3 ] وقوله حكاية عن إبراهيم { الذي خلقني فهو يهدين } [ الشعراء : 78 ] وإما أن يكون الخلق بمعنى الصورة والشكل أي أعطى كل شيء صورته وشكله الذي يطابق المنفعة المنوطة به فأعطى العين هيئتها التي تطابق الإبصار ، والأذن ما يوافق الاستماع ، والأنف للشم ، واليد للبطش ، بل أعطى رجل الآدمي شكلا يوافق سعيه ، ورجل الحيوانات الأخر شكلا يطابق مشيها ، بل أعطى ذوات القرون رجلا توافق حاجتهن ، وكذا الخف والحافر وذوات المخالب . وقيل : أراد وأعطى كل حيوان نظيره في الخلق والصورة فجعل الحصان والحجر زوجين ، وكذا البعير والناقة والرجل والمرأة . ومن قرأ { خلقه } بفتح اللام صفة للمضاف أو المضاف إليه والمفعول الثاني متروك أي كل شيء خلقه الله لم يخله من عطائه وإنعامه .
واعلم أن عجائب حكمة الله تعالى في مخلوقاته بحر لا ساحل له ، وقد دون العلماء طرفا منها في كتب التشريح وخواص الأحجار والنبات والحيوان ، ولنذكر ههنا واحدا منها هي أن الطبيعي يقول : الثقيل هابط والخفيف صاعد ، فالماء لذلك فوق الأرض والهواء فوق الماء والنار فوق الكل . ثم إنه سبحانه جعل العظم والشعر أصلب الأعضاء على طبيعة الأرض وجعل مكانهما فوق البدن . وجعل تحته الدماغ الذي هو بمنزلة الماء وجعل تحته النفس الذي هو الهواء ، وجعل تحته الحرارة الغريزية في القلب كالنار ليكون دليلا على وجود الفاعل المختار خلاف ما يقوله الدهري والطبيعي وسائر الكفار . وأيضا اختصاص كل جسم بقوة وتركيب وهداية إما أن يكون واجبا أو جائزا ، والأول محال وإلا لم يقع فيها تغير . والثاني يستدعي مرجحا فإن كان ذلك المرجح واجب الوجود لذاته فهو المطلوب ، وإن كان جائز الوجود افتقر في اتصافه بالوجود إلى موجد ، ولا بد من الانتهاء إلى موجد يجب وجوده لذاته .

(5/297)


ثم إنه يستغني عن سمات النقص وشوائب الافتقار وليس إلا الله الواحد القهار .
قال أهل النظم : إن موسى عليه السلام لما قرر عليه أمر المبدأ { قال } فرعون إن كان وجود الواجب في هذه الحد من الظهور { فما بال القرون الأولى } لم يؤمنوا وجحدوا فعارض الحجة بالتقليد والبال الحال؟ أو أنه لما هدده بالعذاب في قوله { أن العذاب على من كذب وتولى } قال فما بالهم كذبوا فما عذبوا؟ فأجاب بأن هذا ما استأثر الله بعلمه وما أنا إلا عبد مثلك لا أعلم منه إلا ما يخبرني به علام الغيوب . أو أنه سأله عن أحوال القرون الخالية وعن شقاء من شقي منهم وسعادة من سعد ليصرف موسى عن المقصود ويشغله بالحكايات خوفا من أن يميل قلوب ملته إلى حجته الباهرة ودلائله الظاهرة ، فلم يلتفت موسى إلى حديثه بل { قال علمها عند ربي } ولا يتعلق غرضي بأحوالهم . ويجوز أن يكون الكلام قد انجر ضمنا أو صريحا إلى إحاطة الله سبحانه بكل شيء فنازعه الكافر قائلا : ما بال سوالف القرون في تمادي كثرتهم وتباعد أطرافهم كيف أحاط بهم وبأجزائهم وجواهرهم؟ فأجاب بأن كل كائن محيط به علمه ولا يجوز عليه الخطأ والنسيان كما يجوز عليك أيها العبد الذليل والبشر الضئيل . وقوله { علمها عند ربي } مع قوله { في كتاب } لا يتنافيان ، بل المراد أنه تعالى عالم بجميع المغيبات مطلع على الكليات والجزئيات من أحوال الموجودات والمعدومات ، ومع ذلك فإن جميع الأحوال ثابتة في اللوح المحفوظ ثم كان لقائل أن يقول : لعلها أثبتت في اللوح لاحتمال الخطأ والنسيان فتدارك ذلك بقوله { لا يضل ربي ولا ينسى } قال مجاهد : هما واحد المراد أنه لا يذهب عنه شيء ولا يخفى عليه . والأكثرون على الفرق فقال القفال : الأول إشارة إلى كونه عالما بالكل ، والثاني إشارة إلى بقاء ذلك العلم أي لا يضل عن معرفة الأشياء ، وما علم من ذلك لا ينساه ولا يتغير علمه ، يقال : ضللت الشيء إذا أخطأته في مكانه فلم تهتد له . وقال مقاتل : لا يخطىء ذلك الكتاب ربي ولا ينسى ما فيه . وقال الحسن : لا يخطىء وقت البعث ولا ينساه . وقال أبو عمر : ولا يغيب عنه شيء ولا يغرب عنه شيء . وقال ابن جرير : لا يخطىء في التدبير فيعتقد غير الصواب صوابا وإذا عرفه لا ينساه والوجوه متقاربة . والتحقيق ما قاله القفال . وعن ابن عباس : لا يترك من كفر حتى ينتقم منه ولا يترك من وحده حتى يجازيه .
ولما ذكر الدليل العام المتناول لجميع المخلوقات السمويات والأرضيات من الإنسان وسائر الحيوانات وأنواع النباتات والجمادات ذكر الدلائل الخاصة فقال : { الذي جعل لكم الأرض مهدا } أي كالمهد وهو ما يمهد للصبي .

(5/298)


قال أبو عبيدة : الذي أختاره مهاد لأنه اسم لما يمهد والمهد مصدر . وقال غيره : المهد اسم والمهاد جمع . وقال المفضل : هما مصدران { وسلك } أي حصل { لكم فيها سبلا } ووسطها بين الجبال والأودية والبراري . يقال : سلكت الشيء في الشيء سلكا بالفتح أي أدخلته فيه { فأخرجنا به } أي بواسطة إنزال الماء . ومن المتكلمين الأقدمين من أنكر تأثير الوسائط رأسا و { أزواجا } أي أصنافا فأسميت بذلك لأنها مزدوجة مقترن بعضها ببعض . و { شتى } صفة للأزواج جمع شتيت كمريض ومرضى ، أو صفة للنبات لا مصدر سمي به النابت كما سمي بالنبت فاستوى فيه الواحد والجمع يعني أنها مختلفة النفع والطبع والطعم واللون والرائحة والشكل . ثم ههنا إضمار والتقدير وقلنا أو قائلين { كلوا وارعوا أنعامكم } وذلك أن بعضها يصلح للناس وبعضها يصلح للبهائم ، وإباحة الأكل تتضمن إباحة سائر وجوه الانتفاع كقوله : { ولا تأكلوا أموالكم } [ البقرة : 188 ] ومن نعم الله تعالى أن أرزاق العباد إنما تتحصل بعمل الأنعام وقد جعل الله علفها مما يفضل عن حاجتهم ولا يقدرون على أكله . قال الجوهري : النهية بالضم واحدة النهى وهي العقول لأنها تنهى عن القيبح . وجوز أبو علي الفارسي أن يكون مصدرا كالهدى وخص أرباب العقول بذلك لأنهم هم المنتفعون بالنظر فيها والاستدلال بها على وجود صانعها . { ومنها خلقناكم } لأن آدم مخلوق من الأرض . أو لأن بني آدم خلقوا من النطفة ودم الطمث المتولدين من الأغذية المنتهية إلى العناصر الغالبة عليها الأرضية ، أو لما ورد في الخبر أن الملك يأخذ من تربة المكان الذي يدفن فيه الآدمي فيذرها على النطفة . { وفيها نعيدكم } لأن الجسد يصير ترابا فيختلط بالأرض إلا من رفعه الله إلى السماء ، وهو أيضا يحتمل أن يعاد إليها بعد ذلك . { ومنها يخرجكم تارة أخرى } بالحشر والبعث ، أو بأن نخرجكم ترابا وطينا ثم نحييكم بعد الإخراج ، أو المراد الإحياء في القبر . وههنا بحث وهو أن يكون قوله : { الذي جعل لكم الأرض } إلى ههنا من تتمة كلام موسى ، أو هو ابتداء كلام من الله تعالى . وعلى الأول يمكن أو يوجه قوله : { فأخرجنا } بأن المراد فأخرجنا نحن معاشر عباده بذلك الماء بالحراثة والزرع { أزواجا من نبات شتى } إلا أن قوله : { كلوا وارعوا } إلى قوله : { ومنها نخرجكم } لا يطابقه . وإن قيل : إن كلام موسى يتم عند قوله : { وأنزلنا من السماء ماء } لم يصلح قوله : { فأخرجنا } ابتداء كلام من الله لمكان فاء التعقيب ، والصواب أن يتم كلام موسى عند قوله : { ولا ينسى } ثم إنه تعالى ابتداء فقال : { الذي } أي هو الذي جعل إلى آخره ، وعلى هذا يكون قوله : { فأخرجنا } من قبيل الالتفات علما للكلام وإيذانا بأنه مطاع تنقاد الأشياء المختلفة لأمره تخصيصا بأن مثل هذا لا يدرك تحت قدرة أحد سواه .

(5/299)


والحاصل أنه تعالى عدد عليهم ما علق بالأرض من المنافع حيث جعلها لهم فراشا يتقلبون عليها عند الإقامة . وسوى لهم فيها مسالك يتقلبون بها في أسفارهم ، وأنبت فيها أصناف النبات متاعا لهم ولأنعامهم . ثم إن الأرض لهم كالأم التي منها انشئوا وهي التي تجمعهم وتضمهم إذا ماتوا . ثم يخرجون من الأجداث خروج الأجنة من الأرحام ، ومن ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « تمسحوا بالأرض » أي ارقدوا واسجدوا عليها من غير حائل ، أو تيمموا بها فإنها بكم برة أي إنها لكم كالأم . ومنا خلقناكم وفيها معايشكم وهي بعد الموت كفاتكم .
قوله عز وعلا : { ولقد أريناه آياتنا } أي عرفناه صحتها . ثم إن كان التعريف يستلزم حصول المعرفة فيكون كفره كفر جحود وعناد كقوله : { وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم } [ النمل : 14 ] وإلا كان كفر جهالة وضلالة . سؤال الجمع المضاف يفيد العموم ولا سيما إذا أكد بالكل ، لكنه تعالى ما أراه جميع الآيات لأن من جملتها ما أظهرها على الأنبياء الأقدمين ولم يتفق لموسى مثلها . الجواب هذا التعريف الإضافي محذو به حذو التعريف العهدي لو قيل الآيات كلها وهي التي ذكرت في قوله : { ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات } [ الإسراء : 101 ] ولو سلم العموم فالمراد أنه أراه الآيات الدالة على التوحيد في قوله : { ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه } وعلى النبوة بإظهار المعجزات القاهرة وعلى المعاد لأن تسليم القدرة على الإنشاء يستلزم تسليم القدرة على الإعادة بالطريق الأولى ، أو أراد أنه أراه آياته المختصة به وعدد عليه سائر آيات الأنبياء وإخبار النبي الصادق جار مجرى العيان ، أو إراءة بعض الآيات كإراءة الكل كما أن تكذيب بعض الآيات يستلزم تكذيب الكل كما قال : { فكذب } أي الآيات كلها { وأبى } قول الحق . قال القاضي : الإباء الامتناع وإنه لا يوصف به إلا من يتمكن من الفعل والترك وإلا لم يتوجه الذم . وجواب الأشاعرة أنه لا يسأل عما يفعل . ثم إن فرعون خاف أن تميل قلوب ملته إلى قول موسى فذكر ما يوجب نفار القوم عنه مع القدح في نبوته لادعاء إمكان معارضته قائلا { أجئتنا لتخرجنا } فإن الإخراج من الديار قرينة القتل بدليل قوله : { أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم } [ النساء : 66 ] ثم طالب للمعارضة موعدا فإن جعلته زمان الوعد بدليل قوله : { موعدكم يوم الزينة } بالرفع كان الضمير في { لا نخلفه } عائدا إلى الوعد المعلوم من الموعد أو إلى زمان الوعد مجازا . وانتصب { مكانا } على أنه ظرف للوعد المقدر ، وإن جعلته مكان الوعد ليكون قوله : { مكانا } بدلا منه فوجه عود الضمير في { لا نخلفه } مثل ما قلنا ، ويكون قوله : { موعدكم يوم الزينة } مطابقا له معنى ، لأنه لا بد لهم من أن يجتمعوا يوم الزينة في مكان مشتهر عندهم وكأنه قيل : موعدكم مكان الاجتماع في يوم الزينة .

(5/300)


وإن جعلته مصدرا ليصح وصفه بعدم الإخلاف من غير ارتكاب إضمار ، أو تجوز انتصب { مكانا } على أنه ظرف .
ثم من قرأ { يوم الزينة } بالنصب فظاهر أي وعدكم أو انجاز وعدكم في يوم الزينة ، أو وقت وعدكم في يوم الزينة . وفي يوم { يحشر الناس } هو ضحى أي ضحى ذلك اليوم . ومن قرأ بالرفع فيقدر مضاف محذوف أي وعدكم وعد يوم الزينة ومعنى { سوى } بالكسر والضم عدلا ووسطا بين الفريقين . وهو معنى قول مجاهد . فوصف المكان بالاستواء باعتبار المسافة . وقال ابن زيد : أي مستويا لا يحجب شيئا بارتفاعه وانخفاضه ليسهل على كل الحاضرين ما يجري بين الفريقين . وقال الكلبي : { مكانا سوى } هذا المكان الذي نحن فيه الآن . قال القاضي : الأظهر أن قوله : { موعدكم يوم الزينة } من قول فرعون لأنه الطالب للاجتماع . وقال الإمام فخر الدين الرازي : الأقرب أنه من كلام موسى ليكون الكلام مبنيا على السؤال والجواب ، ولأن تعيين يوم الزينة يقتضي إطلاع الكل على ما سيقع وهذا إنما يليق بالمحق الواثق بالغلبة لا بالمبطل المزور ، على أن موعدكم خطاب الجمع وليس هناك إلا موسى وهارون ، فإما أن يرتكب أن أقل الجمع اثنان وهو مذهب مرجوح ، وإما أن يقال الجمع للتعظيم ولم يكن فرعون ليعظمهما ، ويوم الزينة يوم عيد لهم يتزينون فيه . وعن مقاتل يوم النيروز ، وعن سعيد بن جبير يوم سوق لهم . وعن ابن عباس : هو يوم عاشوراء . وإنما قال : { وأن يحشر } من غير تسمية الفاعل لأنهم يجتمعون ذلك اليوم بأنفسهم من غير حشر لهم . ومحل { أن يحشر } رفع أو جر عطفا على اليوم أو الزينة عين اليوم . ثم الساعة وهي { ضحى } ذلك اليوم . وإنما واعدهم ذلك اليوم ليكون علو كلمة الله وزهوق الباطل على رؤوس الأشهاد ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيى عن بينة ، وليشيع أمره العجيب في الأقطار والأعصار والأطراف والأكناف ، ففي ذلك تقوية دين الحق وتكثير راغبيه وقلة شوكة المخالف وتوهين عزائمهم { فتولى فرعون } انصرف إلى مقام تهيئة الأسباب المعارضة فإن صاحب السحر يحتاج في تدبير الحسر إلى طول الزمان ولهذا طلب الموعد وقال مقاتل : أعرض وثبت على إعراضه عن الحق { فجمع كيده } أي أسباب الكيد وأدوات الحيلة والتمويه من مهرة السحر وغير ذلك { ثم أتى } الموعد . عن ابن عباس : كانوا اثنين وسبعين ساحرا مع كل واحد منهم حبل وعصا . وقيل : أربعمائة . وقيل : أكثر من ذلك فضرب لفرعون قبة طولها سبعون ذراعا فجلس فيها ينظر إليهم فبين الله تعالى أن موسى قدم قبل كل شيء الوعيد والتحذير على عادة الصالحين من أهل النصح والإشفاق ، ولا سيما الأنبياء المبعوثين رحمة للأمم { ويلكم } نصب على المصدر الذي لا فعل له أو على النداء { لا تفتروا على الله كذبا } بأن تدعوا آياته ومعجزاته سحرا { فيسحتكم } السحت لغة أهل الحجاز والإسحات لغة أهل نجد وبني تميم ، ومعناه الاستئصال .

(5/301)


حذرهم أمرين : أحدهما عذاب الدارين والتنوين للتعظيم ، والآخر الخيبة والحرمان عن المقصود فإن التمويه لا بقاء له { فتنازعوا أمرهم بينهم } كقوله في الكهف : { إذ يتنازعون بينهم أمرهم } [ الكهف : 21 ] أي وقع التنازع بينهم { وأسروا النجوى } الضمير لفرعون وقومه . وقيل : للسحرة ويؤده ما روي عن ابن عباس أن نجواهم إن غلبنا موسى اتبعناه . وعن قتادة : إن كان ساحرا فسنغلبه ، وإن كان من السماء فله أمر . وعن وهب : لما قال { ويلكم } الآية قالوا : ما هذا بقول ساحر . والأكثرون على الأول وذلك أنهم تفاوضوا وتشاوروا حتى استقروا على شيء واحد وهو أنهم .
{ قالوا إن هذان ساحران } إلى آخر الآية : لا إشكال في قراءة أبي عمرو وكذا في قراءة ابن كثير وحفص ، لأنه كقولك « إن زيدا لمنطلق » واللام فارقة بين المخففة والنافية . وأما من قرأ « إن » بالتشديد و { هذان } بالألف فأورد عليه أن « إن » لم يعمل في المثنى . وأجيب بأنه على لغة الحرث بن كعب وخثعم وبعض بني عذرة ، ونسبها الزجاج إلى كنانة ، وابن جني إلى بعض بني ربيعة ، جعلوا التثنية كعصا وسعدى مما آخره ألف فلم يقلبوها ياء في الجر والنصب . وقيل : « إن » بمعنى « نعم » واعترض أن ما بعده حينئذ يصير كقوله :
أم الحليس لعجوز شهربة ... ولا يجوز مثله إلا في ضرورة الشعر . وإنما موضع لام الابتداء في السعة هو المبتدأ . والجواب أن القرآن حجة على غيره ، وذكر الزجاج في جوابه أن التقدير لهما ساحران فاللام داخلة على صدر الجملة الصغرى . قال : وقد عرضت هذا القول على محمد بن يزيد وعلي وإسماعيل بن إسحاق فارتضاه كل منهم وذكروا أنه أجود ما سمعنا في هذا الباب ، وضعفه ابن جنى بأن المبتدأ إنما يجوز حذفه لو كان أمرا معلوما جليا وإلا كان تكليفا بعلم الغيب للمخاطب ، وإذا كان معروفا فقد استغنى بمعرفته عن تأكيده باللام . وأيضا إن الحذف من باب الاختصار والتأكيد من باب الإطناب ، فالجمع بينهما محال مع أن ذكر المؤكد وحذف التأكيد أحسن في العقول من العكس . وأيضا امتنع البصريون من جعل النفس في قولك : « زيد ضرب نفسه » تأكيدا للمستكن فدل ذلك على أن تأكيد المنوي غير جائز . وأيضا لو كان ما ذهب إليه الزجاج جائزا لحمل النحويون قول الشاعر على ذلك ولم يحملوه على الاضطرار ، ولمن تبصر قول الزجاج أن يجيب عن الأول بأن التأكيد إنما هو لنسبة الخبر إلى المبتدأ لا للمبتدأ وحده ، ولو سلم فذكر اللام يدل على المبتدأ المنوي وذكر المبتدأ لا يدل على التأكيد فكان حذف المبتدأ أولى .

(5/302)


وعن الثاني بأن الكلام قد يكون موجزا من وجه مطنبا من وجه آخر فلا منافاة ، وإنما المنافاة إذا كانت الجهتان واحدة . وعن الثالث بأنهم امتنعوا من حمل النفس على التأكيد في المثال المذكور لأنهم رأوا أن إسناد الفعل إلى المظهر أولى من إسناده إلى المضمر ، لا لأن تأكيد المنوي ممتنع على أنا بينا أن المؤكد ليس بمحذوف في الآية مطلقا فإن أحد طرفي الكلام مذكور . وعن الرابع بأن ذهول المتقدمين عن هذا الوجه لا يقتضي كونه باطلا فكم ترك الأول للآخر .
ولنرجع إلى التفسير قال الفراء : الطريقة اسم لوجوه الناس وأشرافهم الذين هم قدوة لغيرهم . ويقال : هم طريقة قومهم وهو طريقة قومه ، قبح أمر موسى في أعين الحاضرين ونفرقهم بأنه ساحر ، والطباع نفور عن السحر وبأنه يقصد إخراجكم من دياركم - وهذا أيضا مما يبغض القاصد إليهم - وبأنه يريد أن يذهب بأشراف قومكم وأكابركم قالوا وهم بنوا إسرائيل لقول موسى أرسل معنا بني إسرائيل وجعلها الزجاج من باب حذف المضاف أي بأهل طريقتكم المثلى وسموا مذهبهم الطريقة المثلى والسنة الفضلى لأن كل حزب بما لديهم فرحون . والمثلى تأنيث الأمثل أي الأشبه بالحق ، ومنهم من فسر الطريقة ههنا بالجاه والمنصب والرياسة وكان الأمر على ما يقال به . من قرأ { فأجمعوا } من الجمع فظاهر ، ومن قرأ من الإجماع فمعناه اجعلوا كيدكم مجمعا عليه حتى لا تختلفوا نظيره ما مر في سورة يونس { فأجمعوا أمركم وشركاءكم } [ الآية : 71 ] سماه كيدا لأنه علم أن السحر لا أصل له . وقال الزجاج : معناه ليكن عزمكم كلكم كالكيد مجمعا عليه . ثم أمرهم بأن يأتوا صفا أي مصطفين مجتمعين ليكون أهيب في الصدور وأوقع في النفوس . وعن أبي عبيدة أنه فسر الصف بالمصلى أي مصلى من المصليات أو هو علم لمصلى بعينه لأن الناس يصطفون فيه لعيدهم وصلواتهم . { وقد أفلح اليوم من استعلى } أي فاز من غلب وهو اعتراض . واعلم أن قصة السحرة أكثرها يشبه ما مر في « الأعراف » وقد فسرناها هنالك فنحن الآن نقتصر ونذكر ما هو المختص بهذه السورة . { إما أن تلقي } أي اختر أحد الأمرين إلقاءك أو إلقاءنا { فإذا حبالهم } هي « إذا » المفاجأة وأصلها الوقت أي فاجا موسى وقت تخييل سعي حبالهم وعصيهم . قال وهب : سحروا أعين موسى عليه السلام حتى تخيل ذلك . وقيل : أراد أنه شاهد شيئا لولا علمه بأنه لا حقيقة لذلك الشيء لظن فيها أنها تسعى فيكون تمثيلا { فأوجس } أضمر { في نفسه خيفة } هو مفعول { أوجس } و { موسى } فاعله أخر للفاصلة . وذلك الخوف إما من جبلة البشرية حين ذهل عن الدليل وهو قول الحسن ، وإما لأنه خاف أن يخالج الناس شك فلا يتبعوه قاله مقاتل ، أو خاف أن يتأخر نزول الوحي عليه في ذلك الوقت ، أو خاف أن يتفرق بعض القوم قبل أن يشاهدوا غلبته ، أو خاف تمادي الأمر عليه وتكرره فأزال الله تعالى خوفه مجملا بقوله { إنك أنت إلا على } وفيه من أنواع التأكيد ما لا يخفى وهي الاستئناف والتصدير بأن ، والتوسيط بالفصل ، وكون الخبر معرفا ولفظ العلو ومعناه الغلبة وصورة التفضيل ولا فضل لهم ومفصلا بقوله { وألق ما في يمينك } لم يقل عصاك لما علم في الأعراف ولما في هذه السورة { وما تلك بيمينك } وقال جار الله : هو تصغير لشأن العصا وتهوين لأمر السحرة أي ألق العويد الفرد الصغير الجرم الذي في يمينك فإنه بقدرة الله يبتلع { ما صنعوا } أي زوروا وافتعلوا على وحدته وكثرتها وصغره وعظمها ، أو هو تعظيم لشأنها أي لا تحفل بهذه الأجرام الكبيرة الكثيرة لأن في يمينك شيئا أعظم شأنا من كلها { إنما صنعوا } إن الذي افتعلوه { كيد سحر } أي ذي سحر ، أو ذوي سحر ، أو هم في توغلهم في سحرهم كأنهم السحر بعينه ، أو الإضافة للبيان أي كيد هو سحر كقولك « علم فقه » وإنما وجد ساحر فيمن قرأ على الوصف ليعلم أن المقصود هو الجنس كما قال .

(5/303)


{ ولا يفلح الساحر } أي هذا الجنس ولو جمع لأوهم أن المراد هو العدد وإنما نكر أولا لأن المراد تنكير الكيد كأنه قال : هذا الذي أتوا به قسم واحد من أقسام السحر أو من أفعال السحرة وجميع أقسام السحر ، وأفراد السحرة لا فلاح فيها ومن نظائره « إني لأكره أن أرى أحدكم سبهللا لا في أمر دنيا ولا في أمر آخره » . ومعنى سبهللا أنه يجيء ويذهب في غير شيء . ومعنى { حيث أتى } أينما كان وأية سلك { فألقى السحرة سجدا } قال جار الله : سبحان الله ما أعجب أمرهم قد ألقوا حبالهم وعصيهم للكفر والجحود ، ثم ألقوا رؤوسهم بعد ساعة للشكر في السجود ، فما أعظم الفرق بين الإلقاءين! . وروي أنهم لم يرفعوا رؤسهم حتى رأوا الجنة والنار أو أثواب أهلها ، وعن عكرمة : لما خروا سجدا أراهم الله في سجودهم منازلهم التي يصيرون إليها في الجنة . واستبعده القاضي لأنه كالإلجاء إلى الإيمان وأنه ينافي التكليف . وقلت : إذا كان الإيمان مقدما على هذا الكشف فلا منافاة ولا إلجاء . ثم إن فرعون لعب لعب الحجل وأنكر عليهم إيمانهم وألفى شبهته في البين أنه كبيرهم أي أسحرهم وأعلاهم درجة في الصناعة ، أو معلمهم وأستاذهم من قول أهل مكة للمعلم « أمرني كبيري » أي أستاذي في العلم أو غير ، وأوعدهم بقطع الأيدي والأرجل { من خلاف } قال في الكشاف : « من » لابتداء الغاية لأن القطع مبتدأ وناشيء من مخالفة العضو والعضو لا من وفاقه إياه .

(5/304)


قالت : الأولى أن يقال الخلاف ههنا بمعنى الجهة المخالفة حتى يصح معنى الابتداء أي لأقطعن أيديكم وأرجلكم مبتدأ من الجهتين المتخالفتين يمينا وشمالا ، فيكون الجار والمجرور في موضع الحال أي لأقطعنها مختلفات الجهات . قيل { في جذوع النخل } أي عليها والأصوب أن يقال : هي على أصلها شبه تمكن المصلوب في الجذع بتمكن المظروف في الظرف { أينا أشد } أراد نفسه وموسى وفيه صلف باقتداره وقهره وما ألفه من تعذيب الناس واستخفاف بموسى مع الهزء به ، لأن موسى لم يكن قط من التعذيب في شيء قاله في الكشاف . قلت : يحتمل أن يريد بقوله { أينا } الله تعالى ونفسه لنقدم ذكر رب هارون وموسى ، وقد سبق عذاب الله في قوله { أن العذاب على من كذب وتولى } وفي قوله { فيسحتكم بعذاب } ويؤيده قول السحرة في جوابه { والله خير وأبقى } { لن نؤثرك } لن نختارك { على ما جاءنا من البينات } المعجزات الظاهرات { و } على { الذي فطرنا } أو الواو للقسم وعلى هذا يجوز أن يكون على ما جاءنا بمعنى فيما جاءنا أي لن نميل إليك والحالة هذه . وعلى الوجه الأول ففحوى الكلام لن نترك طاعة خالقنا والتصديق بمعجزات نبيه لأجل هواك { فاقض ما أنت قاض } بما شئت من العذاب { إنما تقضي هذه الحياة الدنيا } أي في مدة الحياة العاجلة ، وقرىء { تقضي } مبنيا للمفعول هذه الحياة بالرفع إجراء للظرف مجرى المفعول به اتساعا مثل صيم يوم الجمعة . والحاصل أن قضاءك وحكمك منحصر في مدة حياتنا الفانية . والإيمان وثمرته باق لا يزول ، والعقل يقتضي تحمل الضرر الفاني للفوز بالسعادة الباقية وللخلاص من العقاب الأبدي وذلك قولهم { إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا } قال الحسن : سبحان الله قوم كفار ثبت في قلوبهم الإيمان طرفة عين فلم يتعاظم عندهم أن قالوا في ذات الله تعالى { فاقض ما أنت قاض } والله إن أحدهم ليصحب القرآن ستين عاما ثم ليبيع دينه بثمن غبن .
ولما كان أقرب خطاياهم عهدا ما أظهروه من السحر قالوا { وما أكرهتنا عليه من السحر } وفي هذا الإكراه وجوه : عن ابن عباس أن الفراعنة كانوا يكرهون فتيانهم على تعلم السحر ليوم الحاجة فكانوا من ذلك القبيل . وروي أنهم قالوا لفرعون : أرنا موسى نائما ففعل فوجده تحرسه عصاه ، فقالوا : ما هذا بسحر الساحر لأن الساحر إذا نام بطل سحره فأبوا أن يعارضوه . وعن الحسن أنهم حشروا من المدائن مكرهين ، وزعم عمر بن عبيد أن دعوة السلطان إكراه ، وليس بقوي فلا إكراه إلا مع الخوف فحيثما وجد حكم بالإكراه وإلا فلا . وباقي الآيات ابتداء إخبار من الله أو هي من تتمة كلامهم فيه قولان ، ولعل الأول أولى { إنه } أي الشأن { من يأت ربه } أي حيث لا حكم إلا هو فيسقط استدلال المجسمة حال كون الآتي { مجرما فإن له جهنم لا يموت فيها } موتة مريحة { ولا يحيى } حياة ممتعة .

(5/305)


قالت المعتزلة : صاحب الكبيرة مجرم وكل مجرم فإن له جهنم بالآية لعموم « من » الشرطية بدليل صحة الاستثناء فيحل القطع بوعيد أصحاب الكبائر . أجابت الأشاعرة بأن المجرم كثيرا ما يجيء في القرآن بمعنى الكافر كقوله { يتساءلون عن المجرمين ما سلككم في سقر } [ المدثر : 40-42 ] إلى قوله { وكنا نكذب بيوم الدين } [ المدثر : 46 ] ولا ريب أن التكذيب بالبعث والجزاء كفر ، وكقوله { إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون } [ المطففين : 29 ] إلى آخر السورة . فلم قلتم : إن المجرم ههنا ليس بمعنى الكافر فتبطل المقدمة الأولى؟ سلمنا لكن المقدمة الثانية كليتها ممنوعة على الإطلاق وإنما هي كلية بشرط عدم العفو ، وحينئذ لا يحصل القطع بالوعيد على الإطلاق . سلمنا المقدمتين والنتيجة لكنه معارض بعموم الوعد في قوله { ومن يأته مؤمنا } فإن قيل : صاحب الكبيرة لم يأته مؤمنا عندنا . قلنا : يصدق عليه المؤمن لأن الإيمان صدر عنه في الزمان الماضي كالضارب على من قد ضرب أمس وليس بين الحال والزمان الماضي منافاة كلية ولهذا صح « جاءني زيد قد قام » بل صح قوله { قد عمل الصالحات } وأنه حال آخر فكأنه قيل : ومن يأته قد آمن قد عمل . ولئن قيل : إن عقاب المعصية يحبط ثواب الطاعة . قلنا : ممنوع بل العكس أولى لأن الدفع أسهل من الرفع وإقامة الحد على التائب في بعض الصور لأجل المحنة لا لأجل التنكيل . وقوله { نكالا من الله } في حق من لم يتب بعد من السرقة سلمنا أن قوله { ومن يأته مؤمنا } لا يعم صاحب الكبيرة إلا أن قوله { فأولئك لهم الدرجات العلى } من الجنة لمن أتى بالإيمان والأعمال الصالحات أي الواجبات ، لأن الزائدة عليها غير محصور فسائر الدرجات التي غير عالية لا بد أن تكون لغيرهم وما هم إلا العصاة من أهل الإيمان . ثم عظم شأن المذكور بقوله { وذلك جزاء من تزكى } أي قال « لا إله لا إله الله » قاله ابن عباس . وفيه دليل على أن قوله { ومن يأته مؤمنا } يشمل صاحب الكبيرة ، وقال آخرون { تزكى } أي تطهر من دنس الذنوب وعلى هذا يقع صاحب الكبيرة خارجا .

(5/306)


ولقد أوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا لا تخاف دركا ولا تخشى (77) فأتبعهم فرعون بجنوده فغشيهم من اليم ما غشيهم (78) وأضل فرعون قومه وما هدى (79) يا بني إسرائيل قد أنجيناكم من عدوكم وواعدناكم جانب الطور الأيمن ونزلنا عليكم المن والسلوى (80) كلوا من طيبات ما رزقناكم ولا تطغوا فيه فيحل عليكم غضبي ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى (81) وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى (82) وما أعجلك عن قومك يا موسى (83) قال هم أولاء على أثري وعجلت إليك رب لترضى (84) قال فإنا قد فتنا قومك من بعدك وأضلهم السامري (85) فرجع موسى إلى قومه غضبان أسفا قال يا قوم ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا أفطال عليكم العهد أم أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم فأخلفتم موعدي (86) قالوا ما أخلفنا موعدك بملكنا ولكنا حملنا أوزارا من زينة القوم فقذفناها فكذلك ألقى السامري (87) فأخرج لهم عجلا جسدا له خوار فقالوا هذا إلهكم وإله موسى فنسي (88) أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا (89) ولقد قال لهم هارون من قبل يا قوم إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن فاتبعوني وأطيعوا أمري (90) قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى (91) قال يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا (92) ألا تتبعن أفعصيت أمري (93) قال يا ابن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي (94) قال فما خطبك يا سامري (95) قال بصرت بما لم يبصروا به فقبضت قبضة من أثر الرسول فنبذتها وكذلك سولت لي نفسي (96) قال فاذهب فإن لك في الحياة أن تقول لا مساس وإن لك موعدا لن تخلفه وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا لنحرقنه ثم لننسفنه في اليم نسفا (97) إنما إلهكم الله الذي لا إله إلا هو وسع كل شيء علما (98) كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق وقد آتيناك من لدنا ذكرا (99) من أعرض عنه فإنه يحمل يوم القيامة وزرا (100) خالدين فيه وساء لهم يوم القيامة حملا (101) يوم ينفخ في الصور ونحشر المجرمين يومئذ زرقا (102) يتخافتون بينهم إن لبثتم إلا عشرا (103) نحن أعلم بما يقولون إذ يقول أمثلهم طريقة إن لبثتم إلا يوما (104) ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا (105) فيذرها قاعا صفصفا (106) لا ترى فيها عوجا ولا أمتا (107) يومئذ يتبعون الداعي لا عوج له وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا (108) يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا (109) يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما (110) وعنت الوجوه للحي القيوم وقد خاب من حمل ظلما (111) ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ولا هضما (112) وكذلك أنزلناه قرآنا عربيا وصرفنا فيه من الوعيد لعلهم يتقون أو يحدث لهم ذكرا (113) فتعالى الله الملك الحق ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه وقل رب زدني علما (114)

القراآت : { لا تخف دركا } بالجزم : حمزة الباقون { لا تخاف } بالرفع { أنجيتكم } و { واعدتكم } و { رزقكم } على التوحيد : حمزة وعلي وخلف { ووعدناكم } من الوعد . أبو عمرو وسهل ويعقوب { فيحل } { ومن يحلل } بالضم فيهما : علي . الآخرون بالكسر { يملكنا } بفتح الميم : أبو جعفر ونافع ، وعاصم غير المفضل بضمها حمزة ، وعلي وخلف بكسرها الباقون والمفضل { حملنا } بفتح الحاء والميم مخففة : أبو عمرو وسهل ويعقوب وحمزة وعلي وخلف سوى حفص . الآخرون بضم الحاء وكسر الميم مشددة { تتبعني } بالياء الساكنة في الحالين : ابن كثير وسهل ويعقوب وافق أبو عمرو ونافع غير إسماعيل في الوصل ، وقرأ يزيد وإسماعيل بفتح الياء . الباقون بحذفها . { يا ابن أم } بكسر الميم : ابن عامر وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير حفص . { لم تبصروا } بتاء الخطاب : حمزة وعلي وخلف الباقون على الغيبة { فنبذتها } مدغما : أبو عمرو وحمزة وعلي وخلف ويزيد وهشام وسهل { لن تخلفه } بكسر اللام : ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب . الآخرون بفتحها { لنحرقنه } بفتح النون وضم الراء : يزيد . الآخرون من التحريق . { فلا يخف } بالجزم على النهي : ابن كثير { أن نقضي } النون مبنيا للفاعل { وحيه } بالنصب : يعقوب الباقون بالياء مضمومة وبفتح الضاد { وحيه } بالرفع .
الوقوف : { يبسا } ج لأن قوله { لا تخاف } يصلح صفة للطريق مع حذف الضمير العائد أي لا تخاف فيه ، ويصلح مستأنفا . ومن قرأ { لا تخف } فوقفه أجوز لعدم العاطف ووقوع الحائل مع تعقب النهي الأمر إلا أن يكون جوابا للأمر فلا يوقف { ولا تخشى } 5 { ما غشيهم } ط لأن التقدير وقد أضل من قبل على الحال الماضية دون العطف لأنه عندما عشيه لم يتفرغ للإضلال . { وما هدى } 5 { والسلوى } 5 { غضبي } ج { هوى } 5 { اهتدى } 5 { يا موسى } 5 { لترضى } 5 { السامري } 5 { أسفا } ج لانتساق الماضي على الماضي بلا ناسق { حسنا } ط { موعدي } 5 { السامري } 5 لا { فنسي } 5 ط { قولا } لا للعطف { ولا نفعا } 5 ط { فتنتم به } ج للابتداء بأن مع اتصال العطف { أمري } ج { موسى } 5 { أن لا تتبعن } ط { أمري } 5 { برأسي } ج للابتداء ( بأن ) مع اتصال المعنى واتحاد القائل { قولي } 5 { يا سامري } 5 { نفسي } 5 { لا مساس } ص { لن تخلفه } ج لاختلاف الجملتين { عاكفا } ط للقسم المحذوف { نسفا } 5 { إلا هو } ط { علما } 5 { سبق } ج للإستئناف والحال { ذكرا } ج 5 لأن الشرطية تصلح صفة للذكر وتصلح مبتدأ بها { وزرا } 5 لا لأن قوله { خالدين } حال من الضمير في { يحمل } وهو عائد إلى « من » ومن للجمع معنى { فيه } ط { حملا } 5 لا لأن { يوم ينفخ } بدل من يوم القيامة . { زرقا } 5 ج لأن ما بعده يصلح للصفة وللاستئناف { عشرا } 5 { يوما } 5 { نسفا } 5 لا { صفصفا } 5 لا { أمتا } 5 { لا عوج له } ج لاختلاف الجملتين { همسا } 5 { قولا } 5 { علما } 5 { القيوم } ط { ظلما } 5 { هضما } 5 { ذكرا } 5 { الحق } ج { وحيه } ز لعطف الجملتين المتفقتين مع اعتراض الظرف وما أضيف إليه { علما } 5 .

(5/307)


التفسير : هذا شروع في قصة إنجاء بني إسرائيل وإهلاك عدوهم وقد تقدم في « البقرة » وفي « الأعراف » وفي « يونس » ومعنى { فاضرب لهم طريقا } إجعل لهم من قولهم « ضرب له في ماله سهما وضرب اللبن عمله » أو أراد بين لهم طريقا { في البحر } بالضرب بالعصا حتى ينفلق فعدي الضرب إلى الطريق ، ثم بين أن جميع أسباب الأمن حاصلة في ذلك الطريق . واليبس مصدر وصف به ومثله اليبس ونحوهما العدم والعدم ويوصف به المؤنث لذلك فيقال : ناقتنا يبس إذا جف لبنها . والدرك . والدرك اسمان من الإدراك أي لا يدركك فرعون وجنوده ولا يلحقونك . وفي { لا تخشى } إذا قرىء { لا تخف } أوجه الاستئناف أي وأنت لا تخشى ، وجوز في الكشاف أن يكون الألف للإطلاق من أجل الفاصلة كقوله { ولا تظنون بالله الظنونا } [ الأحزاب : 10 ] وأن يكون كقول الشاعر :
كأن لم ترى قبلي أسيرا يمانيا ... أراد لم تر لأن ما قبله :
وتضحك مني شيخة عبشمية ... قلت : لعل هذا إنما يجوز في الضرورة ولا ضرورة في الآية { فأتبعهم فرعون } الحق بهم جنوده أو تبعهم ومعه جنوده كما مر في « يونس » { فغشيهم } أي علاهم ورهقهم { من اليم ما غشيهم } وهذا من جملة ما علم في باب الإيجاز لدلالته على أنه غشيهم ما لا يعلم كنهه إلا الله ، وقد سلف منه في السور المذكورة ما حكي في الأخبار وروي في الآثار . ونسبة الإضلال إلى فرعون لا تنافي انتهاء الكل إلى إرادة الله ومشيئته . وقوله { وما هدى } تأكيد للإضلال وفيه تهكم به في قوله { وما أهديكم إلا سبيل الرشاد } [ غافر : 38 ] ثم عدد ما أنعم به على بني إسرائيل ، ويجوز أن يكون خطابا لليهود المعاصرين لأن النعمة على الآباء نعمة في حق الأبناء ومثله قوله { وواعدناكم جانب الطور الأيمن } أي الواقع على يمين من انطلق من مصر إلى الشام لأن منفعة المواعدة عادت إليهم وإن كانت المواعدة لنبيهم فبكتب التوراة في ألواح قام شرعهم واستقام أمر معاشهم ومعادهم . { كلوا } من تتمة القول . وطغيانهم في الرزق هو شغلهم باللهو والتنعم عن القيام بشكرها وتعدي حدود الله فيها بالإسراف والتقتير والغصب . ومن قرأ { فيحل } بالكسر فبمعنى الوجوب من قولهم « حل الدين يحل » إذا وجب أداؤه ، ومن قرأ بضم فبمعنى النزول ونزول الغضب نزول نتائجة من العقوبات والمثلات . ومعنى { هوى } هلك وأصله السقوط من مكان عال كالجبل . وقيل : هوى أي وقع في الهاوية .

(5/308)


سؤال : كيف أثبت المغفرة في حق من استجمع التوبة والإيمان والعمل الصالح ، والمغفرة إنما تتصور في حق من أذنب؟ وأيضا ما معنى قوله { ثم اهتدى } بعد الأمور المذكور والاهتداء إنما يكون قبلها لا أقل من أن يكون معها؟ الجواب أراد وإني لغفار لمن تاب من الكفر وآمن وعمل صالحا . وفيه دليل لمن ذهب إلى وجوب تقديم التوبة من الكفر على الإيمان . والحاصل أن الغفران يعود إلى الذنوب السابقة على هذه الأمور ، ويجوز أن يراد أنه إذا تاب من الكفر وأقبل على الإيمان والعمل الصالح فإن الله يغفر الصغائر التي تصدر عنه في خلال ذلك كقوله { إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم } [ النساء : 31 ] وأما الاهتداء فالمراد به الاستقامة والثبات على الأمور المذكورة كقوله { إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا } [ فصلت : 20 ] ومعنى « ثم » الدلالة على تباين المرتبتين ، فإن المداومة على الخدمة أصعب من الشروع فيها كما قيل :
لكل إلى شأو العلى حركات ... ولكن عزيز في الرجال ثبات
ونظير هذا العطف قوله { أهلكناها فجاءها بأسنا } [ الأعراف : 4 ] وقد مر البحث فيه . ويروى أن موسى قد مضى مع النقباء السبعين إلى الطور على الموعد المضروب ، ثم تقدمهم شوقا إلى كلام ربه وتنجز ما وعد به بناء على اجتهاده وظنه أن ذلك أقرب إلى رضا الله فأنكر الل تعالى تقدمه قائلا { وما أعجلك عن قومك } أي شيء عجل بك عنهم؟ فالمراد بالقوم النقباء لا جميع قومه على ما توهم بعضهم يؤكده قوله { هم أولاء على أثري } ولم يكن جميع قومه على أثره . قال جار الله : قد تضمن ما واجهه به رب العزة شيئين : أحدهما إنكار العجلة في نفسها ، والثاني السؤال عن سبب التقدم فكان أهم الأمرين إلى موسى تمهيد العذر من العجلة نفسها فاعتل بأنه لم يوجد مني إلا تقدم يسير وليس بيني وبينهم إلا مسافة يتقدم بمثلها الوفد رأسهم ومقدمهم ، ثم عقبه بجواب السؤال عن السبب فقال { وعجلت إليك رب لترضى } أي طلبت دوم رضاك عني أو مزيد رضاك بناء على اجتهادي أن التعجيل إلى مقام المكالمة والحرص على ذلك يوجب مزيد الثواب والكرامة . وقيل : لما أنكر عليه الاستعجال دهش خوفا من العقاب فتحير في الجواب { قال فإنا قد فتنا قومك } يعني جميع قومه الذين خلفهم مع هارون وكانوا ستمائة ألف ما نجا من عبادة العجل إلا اثنا عشر ألفا . يروى أنهم أقاموا بعد مفارقته عشرين ليلة وحسبوها أربعين مع أيامها وقالوا : قد أكملنا العدة . ثم كان أمر العجل بعد ذلك فسئل أنه تعالى كيف قال لموسى عنه مقدمه { إنا قد فتنا قومك } ؟ وأجيب بأنه على عادة الله تعالى في إخباره عن الأمور المترقبة بلفظ الماضي تحقيقا للوقوع ، أو أراد بدء الفتنة لأن السامري افترض غيبة موسى فعزم على إضلال قومه غب انطلاقه .

(5/309)


ولقائل أن يمنع كون هذه الأخبار عند مقدم موسى عليه السلام بل لعله عند رجوعه بدليل فاء التعقيب في قوله { فرجع موسى } قال جار الله إنه رجع بعدما استوفى الأربعين ذا القعدة وعشر ذي الحجة وأوتي التوراة . وسامري منسوب إلى قبيلة من بني إسرائيل يقال لها السامرة . وقيل : السامرة قوم من اليهود يخالفونهم في بعض دينهم . وقيل : كان علجا من كرمان واسمه موسى بن ظفر وكان منافقا وكان من قوم يعبدون البقر . قالت المعتزلة : الفتنة بمعنى الإضلال لا يجوز أن تنسب إلى الله تعالى لأنه يناقض قوله { وأضلهم السامري } وإنما الفتنة بمعنى الامتحان بتشديد التكليف ومنه « فتنت الذهب بالنار » وبيان ذلك أن السامري لما أخرج لهم العجل صاروا مكلفين بأن يستدلوا بحدوث جملة الأجسام على أن العجل لا يصلح للإلهية . وقالت الأشاعرة : الشبهة في كون الشمس والقمر إلها أعظم من العجل الذي له خوار وهو جسد من الذهب وحينئذ لا يكون حدوث ذلك العجل تشديدا في التكليف ، فلا يكون فتنة من هذا الوجه فوجب حمله على خلق الضلال فيهم . وأجابوا عن إضافة الضلال إلى السامري بن جميع المسببات العادية تضاف إلى أسبابها في الظاهر وإن كان الموجد لها في الحقيقة هو الله تعالى . قال بعضهم : الأسف المغتاظ ، وفرق بين الاغتياظ والغضب لأن الغيظ تغير يلحق المغتاظ فلا يصح إلا على الأجسام ، والغضب قد يراد به الإضرار بالمغضوب عليه فلهذا صح إطلاقه على الله سبحانه .
ثم عاتب موسى عليه السلام قومه بأمور منها : قوله { ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا } كأنهم كانوا معترفين بالرب الأكبر لكنهم عبدوا العجل على التأويل الذي تذكر عبدة الأصنام أو على تأويل الحلول . والوعد الحسن هو إنزال التوراة التي فيها هدى ونور . وقيل : هو الثواب على الطاعات ومثله ما روي عن مجاهد أن العهد المذكور من قوله { ولا تطغوا فيه } إلى قوله { ثم اهتدى } وقيل : وعدهم إهلاك فرعون ووعدهم أرضهم وديارهم وقد فعل . ومنها قوله { أفطال عليكم العهد } أي الزمان يريد مدة مفارقته لهم وعدوه أن يقيموا على أمره وما تركهم عليه من الإيمان فاخلفوا موعده بعبادتهم العجل . وقيل : أراد عهدهم بنعم الله تعالى من الإنجاء وغيره . والأكثرون على الأول لما روي أنه وعدهم ثلاثين كما أمر الله تعالى { وواعدنا موسى ثلاثين ليلة } [ الأعراف : 142 ] فجاء بعد الأربعين لقوله تعالى { وأتممناها بعشر } ولما روي أنهم حسبوا العشرين أربعين ومنها قوله { أم أردتم أن يحل عليكم غضب ربكم } قالوا : هذا لا يمكن إجراؤه على الظاهر لأن أحدا لا يريد هلاك نفسه ولكن المعصية - وهو خلاف الموعد - لما كانت توجب ذلك صح هذا الكلام لأن مريد السبب مريد للمسبب بالعرض .

(5/310)


احتج العلماء بالآية وبما مر من قوله { فيحل عليكم غضبي } أن الغضب من صفات الأفعال لا من صفات الذات لأن صفة ذات الله تعالى لا تنزل في شيء من الأجسام . وموعد موسى هو ما ذكرنا من أنهم وعدوه الإقامة على دينه إلى أن يرجع إليهم من الطور . وقيل : وعدوه اللحاق به والمجيء على أثره { قالوا ما أخلفنا موعدك بملكنا } بالحركات الثلاث أي بأن ملكنا أمرنا أي لو ملكنا أمرنا وخلينا ورأينا لما أخلفناه ولكن غلبنا من جهة السامري وكيده . والظاهر أن القائلين هم عبدة العجل . وقيل : إنهم الذين لم يعبدوا العجل وقد يضيف الرجل فعل قرينه إلى نفسه فكأنهم قالوا : الشبهة قويت على عبدة العجل فلم يقدر على منعهم ولم يقدروا أيضا على مخالفتهم حذرا من التفرقة وزيادة الفتنة . ثم إن القوم بينوا ذلك العذر المجمل فقالوا { ولكنا حملنا أوزارا من زينة القوم } أي أثقالا من حلي القبط كما مر في « الأعراف » . وقيل : الأوزار الآثام وإنها في الحقيقة أثقال مخصوصة معنوية سموا بذلك لأن المغانم لم تحل حينئذ أو لأنهم كانوا مستأمنين في دار الحرب وليس للمستأمن أن يأخذ مال الحربي . وقيل : إن تلك الحلي كان القبط يتزينون بها في مجامع الكفر ومجالس المعاصي فلذلك . وصفت بأنها أوزار كما يقال في آلات المعاصي { فقذفناها } أي في الحفرة ، كان هارون أمرهم بجمع الحلي انتظارا لعود موسى ، أو في موضع أمرهم السامري بذلك بعد أن أوقد النار { فكذلك ألقى السامري } مثل فعلنا أراهم أنه يلقي حليا في يده مثل ما ألقوه . وإنما ألقى التربة التي أخذها من موطىء حافر فرس جبريل كما يجيء في قوله { فقبضت قبضة من أثر الرسول فنبذتها } { فأخرج لهم عجلا جسدا له خوار } قد مر في « الأعراف » { فقالوا } أي السامري ومن تبعه { هذا إلهكم وإله موسى فنسي } موسى أن يطلبه ههنا فذهب يطلبه عند الطور ، أو فنسي السامري وترك ما كان عليه من الإيمان الظاهر ، أو نسي الاستدلال على أن العجل لا يجوز أن يكون إلها بقوله { أفلا يرون أن لا يرجع } « أن » مخففة من الثقيلة ولهذا لم تعمل . وقرىء بالنصب على أنها الناصبة . قال العلماء : ظهور الخوارق على يد مدعي الإلهية جائز لأنه لا يحصل الالتباس ، وههنا كذلك فوجب أن لا يمتنع خلق الحياة في صورة العجل . وروى عكرمة عن ابن عباس أن هارون مر بالسامري وهو يصنع العجل فقال : ما تصنع؟ فقال : أصنع ما ينفع ولا يضر فادع لي . فقال : اللهم أعطه ما سألك . فلما مضى هارون قال السامري : اللهم إني أسألك أن يخور فخار . وعلى هذا التقدير يكون معجزا للنبي لا السامري .

(5/311)


ثم إنه سبحانه أخبر أن هارون لم يأل نصحا وإشفاقا في شأن نفسه وفي شأن القوم قبل أن يقول لهم السامري ما قال . أما شفقته على نفسه فهي أنه أدخلها في زمرة الآمرين بالمعروف الناهين عن المنكر ، أما الامتثال فإنه امتثل في نفسه وفي شأن القوم أمر أخيه حين قال لهم { يا قوم إنما فتنتم به } قال جار الله : كأنهم أول ما وقعت عليه أبصارهم حين طلع من الحفرة فتنوا به واستحسنوه فقبل أن ينطق السامري بادرهم هارون فزجرهم عن الباطل أولا بأن هذا من جملة الفتن .
ثم دعاهم إلى الحق بقوله { وإن ربكم الرحمن } ومن فوائد تخصيص هذا الاسم بالمقام أنهم إن تابوا عما عزموا عليه لإن الله يرحمهم ويقبل توبتهم . ثم بين أن الوسيلة إلى معرفة كيفية عبادة الله هو اتباع النبي وطاعته فقال { فاتبعوني وأطيعوا أمري } وهذا ترتيب في غاية الحسن . واعلم أن الشفقة على خلق الله أصل عظيم في الدين وقاعدة متينة . روى النعمان بن بشير عن النبي صلى الله عليه وسلم « مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم مثل الجسد إذا اشتكى عضو منه تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى » ويروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بينا هو جالس إذا نظر إلى شاب على باب المسجد فقال : من أراد أن ينظر إلى رجل من أهل النار فلينظر إليه . فسمع الشاب ذلك فولى وقال : إلهي وسيدي هذا رسولك يشهد علي بأني من أهل النار وأنا أعلم أنه صادق ، فإذا كان الأمر كذلك فأسألك أن تجعلني فداء أمة محمد صلى الله عليه وسلم وتشعل النار بي حتى يبر يمينه ولا تسفع النار أحدا . فهبط جبريل وقال : يا محمد بشر الشاب بأني قد أنقدته من النار بتصديقه لك وفداء أمتك بنفسه وشفقته على الخلق . قال أهل السنة ههنا : إن الشيعة تمسكوا بقوله صلى الله عليه وسلم « أنت مني بمنزلة هارون من موسى » ثم إن هارون ما منعته التقية في مثل ذلك الجمع بل صعد المنبر وصرح بالحق ودعا الناس إلى متابعته ، فلو كانت أمة محمد صلى الله عليه وسلم على الخطأ لكان يجب على علي كرم الله وجهه أن يفعل ما فعل هارون من غير تقية وخوف . وللشيعة أن يقولوا : إن هارون صرح بالحق وخاف فسكت ولهذا عاتبه موسى بما عاتب فاعتذر ب { إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني } [ الأعراف : 15 ] وهكذا علي رضي الله عنه امتنع أولا من البيعة فلما آل الأمر إلى ما آل أعطاهم ما سألوا . وإنما قلت هذا على سبيل البحث لا لأجل التعصب . ثم إن القوم قابلوا حسن موعظة هارون بالتقليد والجحود قائلين { لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى } ولا يخفى ما في هذا الكلام من أنواع التوكيد من جهة النفي ب « لن » ، ومن لفظ البراح والعكوف ، ومن صيغة اسم الفاعل ، ومن تقديم الخبر .

(5/312)


ثم حكى ما جرى بين موسى وهارون بعد الرجوع وقوله { ما منعك إذ رأيتهم ضلوا ألا تتبعن } كقوله { ما منعك ألا تسجد } [ الأعراف : 12 ] في أن « لا » هذه مزيدة أم لا؟ . وقد مر في « الأعراف » . وفي هذا الإتباع قولان : فعن ابن عباس ما منعك من إتباعي بمن أطاعك واللحوق بي وترك المقام بين أظهرهم . وقال مقاتل : أراد الإتباع في وصيته كأنه قال : هلا قتلت من كفر بمن آمن ومالك لا تباشر الأمر كما كنت أباشره . قال الأصوليون : في قوله { أفعصيت أمري } دلالة على أن تارك المأمور به عاص والعاصي يستحق العقاب لقوله { ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم } [ الجن : 22 ] فيعلم منه أن الأمر للوجوب . واحتج الطاعنون في عصمة الأنبياء بأن موسى عليه السلام هل أمر هارون باتباعه أم لا؟ وعلى التقدير فهارون أتبعه أم لا؟ فإن لم يأمره أو أمره ولكن اتبعه فملامته لهارون من غير جرم تكون ذنبا ، وإن أمره ولم يتبعه كان هارون عاصيا . وأيضا قوله { أفعصيت } بمعنى الإنكار . فإما أن يكون موسى كاذبا في نسبة العصيان إلى هارون ، وإما أن يكون هارون عاصيا . وأيضا أخذه بلحية هارون وبرأسه إن كان بعد البحث والتفتيش فهارون عاص وإلا فموسى . وأجيب بأن كل ذلك أمور اجتهادية جائزة الخطأ أو هي من باب الأولى وقد مر في أوائل « البقرة » في آدم ما يتعلق بهذه المسألة .
قوله : { ولم ترقب قولي } أي وصيتي لك بحفظ الدهماء واجتماع الشمل يؤيده قوله : { إني خشيت أن تقول فرقت } قال الإمام أبو القاسم الأنصاري : الهداية أنفع من الدلالة فإن السحرة ما رأوا إلا آية واحدة فآمنوا وتحملوا في الدين ما تحملوا ، وأما قوم موسى فقد رأوا ذلك مع زيادة سائر الآيات التسع ومع ذلك اغتروا بصوت العجل وعكفوا على عبادته ، فعرفنا أن الغرض لا يحصل إلا بهداية الله تعالى . ولما فرغ موسى من عتاب هارون أقبل على السامري ، ويمكن أن يكون بعيدا ثم حضر أو ذهب إليه موسى ليخاطبه قال جار الله : الخطب مصدر خطب الأمر إذا طلبه . فإذا قيل : لمن يفعل شيئا ما خطبك؟ فمعناه ما طلبك له والغرض منه الإنكار عليه وتعظيم صنيعه { قال } أي السامري } بصرت بما لم يبصروا به } قال ابن عباس ورواه أبو عبيدة : علمت بما لم يعلموا به من البصارة . يعني العلم . وقال الآخرون : رأيت بما لم تروه فالباء للتعدية ، رجح العلماء قراءة الغيبة على الخطاب احترازا من نسبة عدم البصارة إلى النبي صلى الله عليه وسلم .

(5/313)


والقبضة بالفتح مصدر بمعنى المفعول وهو المقبوض بجميع الكف . عامة المفسرين على أن المراد بالرسول جبريل عليه السالم وأثره التراب الذي أخذه من موقع حافر دابته واسمها حيزوم فرس الحياة . ومتى رآه؟ الأكثرون على أنه رآه يوم فلق البحر كان جبريل على الرمكة وفرعون على حصان وكان لا يدخل البحر ، فتقدم جبريل فتبعه فرس فرعون . وعن علي رضي الله عنه أن جبريل لما نزل ليذهب بموسى إلى الطور أبصره السامري من بين الناس وكان راكب حيزوم فقال : إن لهذا شأنا فقبض من تربة موطئه . فمعنى الآية فقبضت من أثر فرس المرسل إليك يوم حلول الميعاد . ثم من المفسرين من جوز أن السامري لم يعرف أنه جبريل ومنهم من قال : إنه عرفه . عن ابن عباس : إنما عرفه لأنه رباه في صغره وحفظه من القتل حين أمر فرعون بقتل أولاد بني إسرائيل . فكانت المرأة تلد وتطرح ولدها حيث لا يشعر به آل فرعون فتأخذ الملائكة الولدان فيربونهم حتى يترعرعوا ويختلطوا بالناس . فكان السامري أخذه جبريل وجعل كف نفسه في فيه وارتضع منه العسل واللبن فلم يزل يختلف إليه حتى عرفه . وقال أبو مسلم : إطلاق الرسول على جبريل في المقام من غير قرينة تكليف بعلم الغيب . وأيضا تخصيص السامري من بين الناس برؤية جبريل وبمعرفة خاصية تراب حافر دابته لا يخلو عن تعسف ، ولو جاز اطلاع بعض الكفرة على تراب هذا شأنه فلقائل أن يقول : لعل موسى اطلع على شيء آخر لأجله قدره على الخوارق . فالأولى أن يراد بالرسول موسى فقد يواجه الحاضر بلفظ الغائب كما يقال : ما قول الأمير في كذا؟ ويكون إطلاق الرسول منه على موسى نوعا من التهكم لأنه كان كافرا به مكذبا . وأراد بأثره سنته ورسمه من قولهم « فلان يقفو أثر فلان » أي عرفت أن الذي عليه ليس بحق وقد كنت قبضت شيئا من سنتك فطرحتها . فعلى قول العامة يكون قوله : { وكذلك سولت لي نفسي } إشارة إلى ما أوحي إليه وليه الشيطان أن تلك التربة إذا نبذت على الجماد صار حيوانا . وعلى قول أبي مسلم يشير إلى أن اتباع أثرك كان من تسويلات النفس الأمارة فلذلك تركته . ثم بين موسى أن له عقوبة في الدنيا وعقوبة في الآخرة . يروى أنه أراد أن يقتله فمنعه الله من ذلك وقال : لا تقتله فإنه سخي . وفي قوله : { لامساس } وجوه : الأول إنه حرم عليه مماسة الناس لأنه إذا اتفق أن هناك مماسة فأحدهم الماس والثاني الممسوس فلذلك إذا رأى أحدا صاح لا مساس . ويقال : إن قومه باق فيهم ذلك إلى الآن الثاني : أن المراد منع الناس من مخالطته . قال مقاتل : إن موسى أخرجه من محلة بني إسرائيل وقال له : اخرج أنت وأهلك طريدا إلى البراري .

(5/314)


اعترض الواحدي عليه بأن الرجل إذا صار مهجورا فلا يقول : هو لامساس . وإنما يقال له ذلك . وأجيب بأن هذا على الحكاية أي أجعلك يا سامري بحيث إذا أخبرت عن حالك لم تقل إلا لا مساس . والثالث : قول أبي مسلم إن المراد انقطاع نسله وأن يخبر بأنه لا يمكن له مماسة المرأة أي مجامعتها . وأما حاله في الآخرة فلذلك قوله : { وإن لك موعدا لن تخلفه } قال جار الله : من قرأ بكسر اللام فهو من أخلفت الموعد إذا وجدته خلفا . ثم بين مآل حال إلهه فقال : { وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا } أي ظللت فحذف إحدى اللامين تخفيفا { لنحرقنه } من الإحراق ففيه دليل على أنه صار لحما ودما لأن الذهب لا يمكن إحراقه بالنار ونسفه في الميم . قال السدي : أمر موسى بذبحه فسال منه الدم ثم أحرق ثم نسف . والنسف النقض ومن جعله من الحرق أي لنبردنه بالمبرد ففيه دلالة على أنه لم ينقلب حيوانا إلا إذا أريد برد عظامه . ومن جعله من التحريق فإنه يحتمل الوجهين والمراد إهدار السامري وإبطال كيده ومحق صنيعه والله خير الماكرين . ثم ختم الكلام ببيان الدين الحق فقال : { إنما إلهكم } أي المستحق للعباد والتعظيم { الله الذي لا إله إلا هو وسع كل شيء علما } قد مر مثله في « الأنعام » قال مقاتل : أي يعلم من يعبده .
وحين فرغ من قصة موسى شرع في تثبيت رسولنا صلى الله عليه وسلم فقال : { كذلك } أي نحو اقتصصنا عليك قصة موسى وفرعون والسامري { نقص عليك من } سائر أخبار الرسل مع أممهم تكثيرا لمعجزاتك . ثم عظم شأن القرآن بقوله : { وقد آتيناك من لدنا ذكرا } أي ما ذكر فيه كل ما يحتاج إليه المكلف في دنيه وفي دنياه والوزر العقوبة الثقيلة التي تنقض ظهر صاحبها ، أو المراد جزاء الوزر وهو الإثم { خالدين فيه } أي في ذلك الوزر أو في احتماله { وساء } فيه ضمير مبهم يفسره { حملا } والمخصوص محذوف للقرينة أي ساء حملا وزرهم . واللام في { لهم } للبيان كما في { هيت لك } [ يوسف : 23 ] ويجوز أن يكون « ساء » بمعنى « قبح » ويكون فيه ضمير الوزر . وانتصب { حملا } على التمييز و { لهم } حال من { حملا } ولا أدري لم أنكره صاحب الكشاف ، اللهم إلا أن يمنع وقوع الحال من التمييز وفيه نظر . قال ابن السكيت : الحمل بالفتح ما كان في بطن أو على رأس شجرة ، وبالكسر ما كان على ظهر أو رأس : وفي الصور قولان : أشهرهما أنه القرن يؤيده قوله : { فإذا نقر في الناقور } [ المدثر : 8 ] وإنه تعالى يعرف أمور الآخرة بأمثال ما شوهد في الدنيا ومن عادة الناس النفخ في البوقات عند الأسفار وفي العساكر فجعل الله تعالى النفخ في تلك الآلة علامة لخراب الدنيا ولإعادة الأموات .

(5/315)


وأقربهما من المعقول أن الصور جمع صورة يؤكده قراءة من قرأ بفتح الواو . يقال : صورة وصور كدرة ودرر . والنفخ نفخ الروح فيها ولكنه يرد عليه أن النفخ يتكرر لقوله تعالى : { ثم نفخ فيه أخرى } [ الزمر : 68 ] والإحياء لا يتكرر بعد الموت إلا ما ثبت من سؤال القبر وليس هو بمراد من النفخة الأولى بالاتفاق { ونحشر المجرمين } عن ابن عباس : هم الذين اتخذوا مع الله إلها آخر . وقال المعتزلة : هم الكفار والعصاة . وفي الزرق وجوه : قال الضحاك ومقاتل : إن الزرقة أبغض شيء من ألوان العيون إلى العرب ، لأن الروم أعداؤهم وإنهم زرق العيون ، ومن كلامهم في صفة العدو « أسود الكبد أصهب السبال أزرق العين » . وقال الكلبي : { رزقا } أي عميا . قال الزجاج : يخرجون بصراء في أول أمرهم لقوله : { ليوم تشخص فيه الأبصار } [ إبراهيم : 42 ] ولقوله : { اقرأ كتابك } [ الإسراء : 14 ] ثم يؤل حالهم إلى العمى وإن حدقة من يذهب نور بصرة تزرق . وقيل { زرقا } أي عطاشا لقوله : { ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا } [ مريم : 86 ] فكأنهم من شدة العطش يتغير سواد عيونهم حكاه ثعلب عن ابن الأعرابي { يتخافتون } يتسارون { بينهم } من شدة خوفهم أو لأن صدورهم امتلأت رعبا ، وهؤلاء يستقصرون مدة لبثهم في الدنيا إما لأنها أيام سرورهم وهن قصار ، وإما لأنها قد انقضت والذاهب قليل وإن طال ولا سيما بالنسبة إلى الأبد السرمدي كأن ظنينهم يقول : قدر لبثنا في الدنيا بالقياس إلى لبثنا في الآخرة كعشرة أيام . فقال أعقلهم : بل كاليوم الواحد . وإنما قال : { عشرا } لأن المراد عشر ليال . وقال مقاتل : أراد عشر ساعات أي بعض يوم . وعلى هذا فأفضلهم رد عليهم استقصارهم وتقالهم . وقيل : المراد لبثهم في القبور .
قال أهل النظم : كأن سائلا سأل : كيف يصح التخافت بين المجرمين والجبال حائلة مانعة؟ فلذلك قال : { ويسألونك عن الجبال } وقال الضحاك : إن مشركي مكة قالوا على سبيل الاستهزاء : يا محمد كيف يكون حال الجبال يوم القيامة؟ فنزلت . ويحتمل أن يكون هذا جواب شبهة تمسك بها منكرو البعث - منهم جالينوس - زعم أن الأفلاك لا تفنى لأنها لو فنيت لابتدأت بالنقصان حتى تنتهي إلى البطلان ، وكذا الجبال وغيرها من الأجرام الكلية ، فأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يبين لهم هذه المسألة الأصولية من غير تأخير ولهذا أدخل فاء التعقيب في الجواب . والنسف القلع . وقال الخليل : التطيير والإذهاب كأنه يجعلها كالرمل ثم يرسل عليها الرياح فتفرقها . وحاصل الجواب أن كل بطلا لا يلزم أن يكون ذبوليا بل قد يكون رفعيا . والضمير في { فيذرها } للمضاف المحذوف أي فيدع مقارها ومراكزها وهو للأرض للعلم بها كقوله : { ما ترك على ظهرها } [ فاطر : 45 ] والقاع المستوي من الأرض . وقيل : المكان المطمئن . وقيل : مستنقع الماء .

(5/316)


والصفصف الأرض الملساء المستوية . وقيل : التي لا نبات فيها . والأمت النتو اليسير . وقيل : التلال الصغار . قالوا : العوج بالكسر في المعاني وكأنه سبحانه نفى العوج الذي يدق عن الإحساس ولا يدرك إلا بالقياس الهندسي . وإذا كان هذا النوع من العوج الاعتباري منتفيا فكيف بالعوج الحسي! وقد يستدل بالآية على أن الأرض يومئذ تكون كرة حقيقة إذ لو كانت مضلعة وقعت بين الأضلاع فصول مشتركة فيعوج الامتداد القائم عليها هناك . ثم إنه تعالى وصف ذلك اليوم بأن الخلائق فيه { يتبعون الداعي } قيل : هو النفخ في الصور وقوله : { لا عوج له } أي لا يعدل عن أحد بدعائه بل يحشر الكل . وقيل : إن إسرافيل أو ملكا آخر يقوم على صخرة بيت المقدس ينادي : أيها العظام النخرة والأوصال المتفرقة واللحوم المتمزقة ، قومي إلى ربك للحساب والجزاء فلا يعوج له مدعو بل يتبعون صوته من غير انحراف . { وخضعت الأصوات للرحمن } خفضت من شدة الفزع { فلا تسمع } أيها السامع { إلا همسا } وهو الصوت الخفي . وذلك أن الجن والإنس علموا أن لا مالك لهم سواه ، وحق لمن كان الله محاسبه أن يخشع طرفه ويضعف صوته ويختلط قوله ويطول غمه . وعن ابن عباس والحسن وعكرمة وابن زيد الهمس وطء الأقدام إلى المحشر . قوله : { إلا من أذن له الرحمن } يصلح أن يكون « من » منتصبا على المفعولية وأن يكون مرفوعا على البدلية بتقدير حذف المضاف أي لا تنفع الشفاعة إلا شفاعة من أذن له الرحمن { ورضي له } أي لأجله { قولا } .
قال الإمام فخر الدين الرازي : الاحتمال الأول أولى لعدم التزام الإضمار ، ولأن درجة الشافع درجة عظيمة فلا تصلح ولا تحصل إلا لمن أذن له فيها وكان عند الله مرضيا . فلو حملنا الآية على ذلك كان من إيضاح الواضحات بخلاف ما لو حملت على المشفوع . وأقول : الاحتمالان متقاربان متلازمان لأن المشفوع لا تقبل الشفاعة في حقه إلا إذا أذن الرحمن لأجله فيعود إلى الثاني . قالت المعتزلة : الفاسق غير مرضي عند الله تعالى فوب أن لا ينتفع بشفاعة الرسول . وأجيب بأنه قد رضي لأجله قولا واحدا من أقواله وهو كلمة الشهادة . قالوا : هب أن الفاسق قد رضي الله قولا لأجله ، فلم قلتم إن الإذن حاصل للشافع في حقه؟ والجواب أنا أيضا نمنع من أن الإذن غير حاصل في حقه على أنه قال في موضع آخر { ولا يشفعون إلا لمن ارتضى } [ الأنبياء : 28 ] فلم يعتبر إلا أحد القيدين . ثم أخبر عن نهاية علمه بقوله : { يعلم ما بين أيديهم } . الضمير للذين يتبعون الداعي أي يعلم ما يقدمهم من الأحوال وما يستقبلونه { ولا يحيطون } بمعلومه { علما } . وقال الكلبي ومقاتل : الضمير للشافعين من الملائكة والأنبياء كما مر في آية الكرسي . وفيه تقريع لمن يعبد الملائكة ليشفعوا له أي يعلم ما كان قبل خلقهم وما كان منهم بعد خلقهم من أمر الآخرة والثواب العقاب وإنهم لا يعلمون شيئا من ذلك فكيف يصلحون للمعبودية .

(5/317)


ثم ذكر غاية قدرته فقال : { وعنت الوجوه } أي زلت رقاب الممكنات منقادين لأمره كالأسارى . عنا يعنو عنوا إذا صار أسيرا . وقيل : أراد وجوه العصاة في القيامة كقوله : { سيئت وجوه الذي كفروا } [ الملك : 27 ] ولعله خص الوجوه بالذكر لأن أثر الذل والانكسار فيها أبين وأظهر ، قال جار الله : { وقد خاب } وما بعده اعتراض أي كل من ظلم فهو خائب خاسر . ولأهل السنة أن يخصوا الظلم ههنا بالشرك أو يعارضوا هذا العموم بعمومات الوعد . من قرأ { فلا يخاف } بالرفع فعلى الاستئناف أي فهو لا يخاف كقوله : { فينتقم الله منه } [ المائدة : 95 ] ومن قرأ { فلا يخف } فمعناه فليأ من له لأن النهي عن الخوف أمر بالأمن . من فسر الظلم بأنه الأخذ فوق حقه بالنقص من حقه كصفة المطففين فيقدر مضافا محذوفا أي فلا يخاف جزاء ظلم ولا هضم لأنه لم يظلم ولم يهضم ، ومن فسر الظلم بأنه العقاب لا على جريمة والهضم بأنه النقص من الثواب فلا يحتاج إلى تقدير المضاف . قال أبو مسلم : الظلم أن ينقص من الثواب والهضم أن لا يوفى حقه من التعظيم لأن الثواب مع كونه من اللذات لا يكون ثوابا إلا إذا قارنه التعظيم .
قال جار الله : { وكذلك } عطف على قوله : { كذلك نقص } أي ومثل ذلك الإنزال وعلى نهجه ، وكما أنزلنا عليك هؤلاء الآيات المضمنة للوعيد أنزلنا القرآن كله عربيا لأن العرب أصل وغيرهم تبع لأن النبي عربي . { وصرفنا فيه من الوعيد } كررناه وفصلناه ويدخل في ضمنه الفرائض والمحارم لأن الوعيد يتعلق بترك أحدهما وبفعل الآخر { لعلهم يتقون أن يحدث لهم ذكرا } حمل جار الله الأول على إرادة ترك المعاصي والثاني على فعل الخبر والطاعة ، لأن الذكر قد يطلق على الطاعة والعبادة . قلت : لا ريب أن القرآن ينفر عن السيئات ويبعث على الطاعات من حيث إن فهم معانيه يؤدي إلى ذلك ، وإنما قدم الأول على الثاني لأن التخلية مقدمة على التحلية . ويحتمل أن تكون التقوى عبارة عن فعل الخيرات وترك المنكرات جميعا . والذكر يكون محمولا على ضد النسيان أي إن نسوا شيئا من التروك والأفعال أحدث لهم ذكرا إذا تأملوا معانية . وكلمة « أو » على الأول للتخيير والإباحة لا للتنافي ، وعلى الثاني يجوز أن تكون للتنافي . وقيل : أراد أنزلنا القرآن ليتقوا فإن لم يحصل ذلك فلا أقل من أن يوجب القرآن لهم ذكرا أي شرفا ومنصبا كقوله : { وإنه لذكر لك ولقومك } [ الزخرف : 44 ] وعلى التقديرين يكون في إنزال القرآن نفع . ثم عظم شأن القرآن من وجه آخر وهو عظمة شأن منزلة قائلا { فتعالى الله الملك الحق } ارتفع صفاته عن صفات المخلوقين أنزل القرآن ليحترزوا عما لا ينبغي وأنه منزه عن الانتفاء والتضرر بطاعاتهم ومعاصيهم .

(5/318)


ومعنى الحق قد مر في البسملة . قال جار الله : فيه استعظام له ولما يصرف عليه عباده من أوامره ونواهيه ووعده ووعيده والإدارة بين ثوابه وعقابه وغير ذلك كما يجري عليه أمر ملكوته . قال أبو مسلم : إن قوله : { ويسئلونك عن الجبال } إلى ههنا كلام تام . وقوله : { ولا تعجل } خطاب مستأنف . وقال آخرون : إنه صلى الله عليه وسلم كان يخاف أن يفوته شيء فيقرأ مع الملك ، فإنه تعالى حين شرح كيفية نفع القرآن للمكلفين وبين أنه سبحانه متعال عن الانتفاع والتضرر بالطاعات والمعاصي . وأنه موصوف بالملك الدائم والعز بالباقي ، وكل من كان كذلك وجب أن يصون رسوله عن السهو والنسيان في أمر الوحي وما يتعلق بصلاح العباد في المعاش والمعاد . قال : { ولا تعجل بالقرآن } لأنه حصل لك الأمان من السهو والنسيان { من قبل أن يقضي إليك وحيه } أي من قبل أن تتم قراءة جبريل ونحوه قوله { لا تحرك به لسانك لتعجل به } [ القيامة : 16 ] قاله مقاتل والسدي وابن عباس في رواية عطاء . وقال مجاهد وقتادة : أراد ولا تعجل بالقرآن فتقرأ على أصحابك من قبل أن يوحى إليك بيان معانية أي لا تبلغ ما كان مجملا حتى يأتيك البيان . وقال الضحاك : إن أهل مكة وأسقف نجران قالوا : يا محمد ، أخبرنا عن كذا وكذا وقد ضربنا لك أجلا ثلاثة أيام فأبطأ الوحي عليه وفشت المقالة أن اليهود قد غلبوا فنزلت هذه الآية . أي لا تعجل بنزول القرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه من اللوح المحفوظ إلى إسرافيل ومن جبرائيل ومنه إليك . وعن الحسن : أن امرأة أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : زوجي لطم وجهي فقال : بينكما القصاص فنزلت الآية فأمسك رسول الله صلى الله عليه وسلم عن القصاص . وإنما نشأت هذه الأقوال لأن قوله : { ولا تعجل بالقرآن } يحتمل التعجيل بقراءته في نفسه ، أو في تأديته إلى غيره ، أو في اعتقاده ظاهره ، أو في تعريف الغير ما يقتضيه الظاهر . وقوله : { من قبل أن يقضى إليك وحيه } احتمل أن يراد من قبل أن يقضى إليك تمامه ، أو من قبل أن يقضى إليك بيانه فقد يجوز أن يحصل عقيبه استثناء أو شرط أو غيرهما من المخصصات والمبينات ويؤكد هذه المعاني قوله : { وقل رب زدني علما } لأن معرفة البيان علم زائد على معرفة الإجمال . والظاهر أن هذا الاستعجال كان أمرا اجتهاديا وكان الأولى تركه فلذلك نهى عنه . قال جار الله : هذا الأمر متضمن للتواضع لله والشكر له عندما علم من ترتيب التعلم أي علمتني يا رب لطيفة في باب التعلم وأدبا جميلا ما كان عندي فزدنى علما إلى علم . ومن فضائل العلم أن النبي صلى الله عليه وسلم ما أمر بطلب الزيادة في شيء إلا في العلم .

(5/319)


وفيه إشارة إلى أن أسرار القرآن غير متناهية ، اللهم إن هذا العبد الضعيف معترف بقصوره ونقصانه فأسألك مما سألك به نبيك أن ترزقني بتبعيته علما ينفعني في الدارين .
التأويل : { ولقد أوحينا إلى موسى } القلب { أن أسر بعبادي } وهم صفات القلب من الأخلاق الحميدة سر بهم من مصر البشرية إلى بحر الورحانية . { فاضرب لهم } بعصا الذكر { طريقا يبسا } من ماء الهوى وطين الصفات الحيوانية وباقي التأويل كما مر في « يونس » { ونزلنا عليكم } من صفاتنا وسلوى أخلاقنا فاتصفوا بطيبات أخلاقنا { ولا تطغوا فيه } بإفشاء أسرار الربوبية إلى غيرنا كمن قال : أنا الحق وسبحاني . فإن الحالات لا تصلح للمقاولات . { وإني لغفار لمن } رجع عن الطغيان { وآمن } بالربوبية { وعمل صالحا } في مقام العبودية { ثم اهتدى } فتحقق أن حضرة الربوبية منزهة عن دنس الوهم والخيال ومقام الوصال مباين للقيل والقال . { وعجلت إليك } فيه أن الشوق إذا غلب انقطع العلائق وأن مطلوب السائل لا ينبغي أن يكون إلا رضا الله . { قد فتنا قومك من بعدك } فيه أن فتنة الأمة والمريد مقرونة بالنبي والشيخ . { بملكنا } أي بإرادتنا ومشيئتنا ولكن بإرادة الله ومشيئته . { فكذلك ألقى السامري } من غير اختيار منه ولكن باضطرار من القدر { با ابن أم } قيل خاطبه بذلك ليذكره قول الملائكة : يا ابن النساء الحيض ما للتراب ورب الأرباب . { فقبضت قبضة من أثر الرسول فنبذتها } فيه أن الكرامة لأهل الكرامة كرامة ولأهل الغرامة استدراج وفتنة فيصرفونها في الباطل والطبيعة لا في الحق والحقيقة . قوله : { لامساس } فيه معارضة بنقيض مقصود من أراد الجمعية والغلبة واتباع الناس إياه ، فعدت بالتفرد والتوحش والنفار عن الخلق { زرقا } إن الوجه أشرف أعضاء الإنسان والعين أشرف أعضاء الوجه ، وزرق العين دلالة على خروجها عن الاعتدال ، وإذا كان أشرف الأعضاء خارجا عن الاعتدال فما ظنك بغيرها؟ وكذا بالأخلاق التابعة للأمزجة . { وعنت الوجوه } أي كل جهة بها يستند الممكن إلى الواجب . { يتبعون الداعي } لأن كل ناس تدعى بإمامهم فيتبعونه ألبتة وأهل الله لا يفرون إلا إلى الله في قوله : { والله يدعوا إلى دار السلام } [ يونس : 25 ] وعلى الله السمتعان .

(5/320)


ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما (115) وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى (116) فقلنا يا آدم إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى (117) إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى (118) وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى (119) فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى (120) فأكلا منها فبدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة وعصى آدم ربه فغوى (121) ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى (122) قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى (123) ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى (124) قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا (125) قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى (126) وكذلك نجزي من أسرف ولم يؤمن بآيات ربه ولعذاب الآخرة أشد وأبقى (127) أفلم يهد لهم كم أهلكنا قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم إن في ذلك لآيات لأولي النهى (128) ولولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاما وأجل مسمى (129) فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ومن آناء الليل فسبح وأطراف النهار لعلك ترضى (130) ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خير وأبقى (131) وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقا نحن نرزقك والعاقبة للتقوى (132) وقالوا لولا يأتينا بآية من ربه أولم تأتهم بينة ما في الصحف الأولى (133) ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى (134) قل كل متربص فتربصوا فستعلمون من أصحاب الصراط السوي ومن اهتدى (135)

القراآت : { وإنك } بالكسر : أبو بكر وحماد والخراز ونافع . الباقون بالفتح عطفا على { أن لا تجوع } ولا يلزم منه دخول « إن » المكسورة على المفتوحة للفصل بالخبر ، ولأنه يجوز في المعطوف ما لا يجوز في المعطوف عليه { أعمى } بالإمالة . حمزة وعلي وخلف { حشرتني } بفتح الياء : أبو جعفر ونافع وابن كثير . { ترضى } مبينا للمفعول : علي وأبو بكر وحماد والمفضل { زهرة } بفتح الهاء : قتيبة وسهل ويعقوب . الآخرون بسكونها . وقرأ حمزة وعلي وخلف هذه السورة وكل سورة آياتها على الياء بالإمالة المفرطة وإن شاء بين الفتح والكسر .
الوقوف : { عزما } 5 { إلا إبليس } ط { أبى } 5 { فتشقى } 5 { ولا تعرى } 5 ، لمن قرأ { وإنك } بالكسر { ولا تضحى } 5 { لا يبلى } 5 { الجنة } ز لنوع عدول عن ذكر حال اثنين إلى بيان فعل من هو المقصود { فغوى } 5 ص { وهدى } 5 { عدو } ج لابتداء الشرط مع الفاء { ولا يشقى } ، 5 { يوم القيامة أعمى } 5 { بصيرا } 5 { فنسيتها } ج لعطف المختلفين { تنسى } 5 { يآت ربه } ط { وأبقى } 5 { مساكنهم } ط { النهي } 5 { مسمى } 5 ط { غروبها } ج لعطف الجملتين مع اختلاف النظم { يرضى } 5 { لنفتنهم فيه } ط { وأبقى } 5 { عليها } ط { رزقا } ط { نرزقك } ط { للتقوى } 5 { من ربه } ط { الأولى } 5 { ونخزى } 5 { فتربصوا } ج لسين التهديد مع الفاء { اهتدى } 5 .
التفسير : في تعلق قصة آدم بما قبلها وجوه منها : أنه لما قال : { كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق } ثم عظم شأن القرآن وبالغ فيه ذكر القصة إنجازا للوعد . ومنها أنه لما قال : { وصرفنا فيه من الوعيد } أردفه بهذه القصة ليعلم أن طاعة بني آدم للشيطان أمر قديم وخلة موروثة ، وذلك أنه عهد إلى آدم من قبل هؤلاء الذين صرف لأجلهم الوعيد فنسي وترك العهد . ومنها أن قوله : { ولا تعجل بالقرآن } دليل على أنه صلى الله عليه وسلم زاد على قدر الواجب في رعاية أمر الدين وكان مفرطا في أداء الرسالة وحفظ ما أمر به فناسب أن يعطف عليه قصة آدم لأنه كان موسوما بالتفريط والإفراط والتفريط كلاهما من باب ترك الأولى ، وإذا كان أول الأنبياء وخاتمهم موصوفين بما فيه نوع تقصير فما ظنك بغيرهما! ومن هنا يعرف أفضلية الخاتم فإنه سعى في طلب الكمال إلى أن عوتب بالخروج عن حد الاعتدال ، وآدم توسط في حيز النقصان فلا جرم وسم بالظلم والعصيان . ومنها أن محمدا صلى الله عليه وسلم أمر بأن يقول { رب زدني علما } ثم ذكر عقيبه قصة آدم تنبيها على أن بني آدم مفتقرون في جميع أحوالهم إلى التضرع واللجأ إلى الله حتى ينفتح عليهم أبواب التيسير في العلم والعمل .

(5/321)


ومعنى { عهدنا إلى آدم } أمرناه ووصيناه { من قبل } أي من قبل محمد والقرآن . وفي النسيان قولان : أحدهما أنه نقيض الذكر . عن الحسن : والله ما عصي قط إلا بنسيان . والثاني أن معناه الترك وعلى هذا يحتمل أن يقال : أقدم على الأكل من غير تأويل . وأن يقال : أقدم عليه بتأويل قد مر في « البقرة » . قال أهل الإشارة : عهد إليه أن لا يعلق نوره فانقاد للشيطان وهو النسيان . والعزم أيضا فيه أقوال : أحدها عزما على الذنب لأنه أخطأ ولم يتعمد . وثانيها عزما في العود إلى الذنب ثانيا . وثالثها رأيا وصبرا أي لم يكن من أهل العزيمة والثبات إذ كان من حقه أن يتصلب في المأمور به تصلبا يؤيس الشيطان من التسويل . قال جار الله : قوله : { ولم نجد له } يجوز أن يكون بمعنى العلم ومفعولاه { له عزما } وأن يكون بمعنى نقيض العدم كأنه قال : وعد مثاله عزما . قوله : { وإذ قلنا للملائكة } سلف في « البقرة » مستقصى قوله : { إن هذا عدو لك } ذكروا في سبب عداوته إياه أنه كان شابا عالما لقوله : { وعلم آدم الأسماء كلها } وإبليس كان شيخا جاهلا لأنه أثبت فضله بفضيلة أصله ، والشيخ الجاهل أبدا يكون عدوا للشاب العالم . وأيضا الماء والتراب مضادان للنار { فلا يخرجنكما } فلا يكون سببا لإخراجكما لأن الفاعل الحقيقي هو الله سبحانه { فتشقى } فتتعب في طلب القوت وسائر ما يتعيش به الإنسان أسند الشقاء إليه وحده مع اشتراكهما في الخروج لأن الرجل أصل في باب الإنفاق والكسب والمرأة تابعة له .
ثم بين ذلك الشقاء بقوله : { إن لك أن تجوع فيها } إلى آخره . والظمأ العطش وتقول : ضحيت للشمس بالكسر أضحى ضحاء ممدودا إذا برزت لها . والمراد به الكن مع أن الجنة ليس فيها شمس حتى يتصور فيها الضحاء ، نفى كون هذه الأمور في الجنة ليثبت حصولها في غيرها . ولا ريب أن أصول المتاعب في الدنيا هي : الشبع والري الكسوة والكن . وأما المنكوح فمشترك إلا أن مؤن النكاح تختص بالدنيا وأنها أيضا ترجع إلى المذكورات . يروى أنه كان لباسهما الظفر فلما أصابا الخطيئة نزع عنهما وتركت هذه البقايا في أطراف الأصابع . { فوسوس إليه الشيطان } أنهى إليه وسوسة كما مر في « الأعراف » . بيان الوسوسة أنه { قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد } أضافها إلى الخلد وهو الخلود لأن من أكل منها بزعمه كما قيل لحيزوم فرس الحياة لأنه من باشر أثره حيي { وملك لا يبلى } أي لا ينقطع ولا يزول . قال القاضي : ليس في الظاهر أنه قيل ذلك منه لأنه لا بد أن يحصل بين حال التكليف وحال المجازاة فصل بالموت ، والنبي يمتنع أن لا يعلم هذا القدر .

(5/322)


وأجيب بالمنع ولو سلم فلم لا يكفي الفصل بغشي أو نوح خفيف . ولو سلم أنه لا يكفي فلم استحال أن يجهل النبي ذلك كما جهل عدم جواز الرؤية زعمكم حين قال : { أرني أنظر إليك } [ الأعراف : 143 ] ومما يدل على أن آدم قبل وسوسته قوله تعالى : { فأكلا } بالفاء مشعر بالعلية كقول الصحابي : « زنى ماعز فرجم » وما في الآية قد مر تفسيره في « الأعراف » إلا قوله : { وعصى آدم ربه فغوى } قال بعض الناس : إن آدم ذنبه كبيرة وإلا لم يوصف بالعصيان والغواية فإن العاصي والغاوي اسمان مذمومان عرفا وشرعا وقد ترتب الوعيد عليهما . وأجيب بأن المعصية مخالفة الأمر والأمر قد يكون مندوبا . وزيف بالمنع من أن المندوب غير مأمور به . ثم أن مخالفة عاص وإلا كان الأنبياء كلهم عصاة لأنهم لا ينكفون عن ترك المندوب . قالوا : يقال أشرت إليه في أمر كذا فعصاني وأمرته بشرب الدواء فعصاني . وأجيب بالمنع من أن هذا من مستعملات العرب العاربة ، ولو سلم فلعله إنما يقال ذلك إذا عرف أن المستشير لا بد له أن يفعل ذلك ، وحينئذ يكون معنى الإيجاب حاصلا وإن لم يكن وجوب شرعي لأن ذلك الإيجاب لم يصدر عن الشارع . ومنهم من زعم أنه ذنب صغير وهم عامة المعتزلة ورد بأن المعاصي إسم من يستحق العقاب وهذا لا يليق بالصغيرة . وأجاب أبو مسلم الأصفهاني بأنه عصى في مصالح الدنيا لا فيما يتصل بالتكاليف ولهذا قال سبحانه { فغوى } أي خاب من نعيم الجنة لأن الرشد هو أن يتوصل بشيء إلى شيء فيصل إلى المقصود والغي ضده ، وأنه سعى في طلب الخلود فنال ضد المقصود . وعن بعضهم { فغوى } أي بشم من كثرة الأكل وزيفه جار الله . ورد قول أبي مسلم بأن مصالح الدنيا تكون مباحة فلا يوصل تاركها بالعصيان .
قلت : في هذا نظر ، والأحوط في هذا الباب أن يعتقد كون هذه الواقعة قبل النبوة بدليل قوله : { ثم اجتباه ربه } أي اختاره للرسالة { وهدى } لحفظ أسباب العصمة . أصل الاجتباء هو الجمع كما مر في آخر « الأعراف » . يروى عن أبي أمامة : لو وزنت أحلام بني آدم لرجح حلمه . وقد قال الله تعالى : { ولم نجد له عزما } قال العلماء : فيه دليل على أنه لا راد لقضائه وما قدره كائن لا محالة ، وإذا جاء القضاء عمي البصر والدليل قد يكون غاية الظهور ومع ذلك يخفى على أعقل الناس كما خفي على آدم عداوة إبليس ، وأنه تعرض لسخط الله في شأنه حين امتنع من سجوده فكيف قبل من وسوسة { لولا كتاب من الله سبق } [ الأنفال : 68 ] قال المحققون : الأولى أن لا يطلق لفظ العاصي والغاوي على آدم عليه السلام وإن ورد في القرآن { وعصى آدم ربه فغوى } لأنه لم تصدر عنه الزلة إلا مرة واحدة .

(5/323)


وصيغة اسم الفاعل تنبى عن المزاولة ، ولأن المسلم إذ تاب عن الشرب أو الزنا وحسنت توبته لا يقال له شارب وزان ، ولأن السيد يجوز له أن يشتم عبده بما شاء وليس لغيره ذلك . { قال اهبطا } قد مر تفسير مثله في « البقرة » خاطبهما بالهبوط لأنهما أصلا البشر ثم عم الخطاب لهما ولذريتهما في قوله { فإما يأتينكم } أما قوله : { بعضكم لبعض عدو } فقد قال القاضي : يكفي في توفية هذا الظاهر حقه أن يكون إبليس والشياطين أعداء الناس والناس أعداء لهم ، فإذا انضاف إلى ذلك عداوة بعض الفريقين لبعض لم يمتنع دخوله في الكلام . عن ابن عباس : ضمن الله لمن اتبع القرآن أن لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة ثم تلا قوله : { فمن ابتع هداي فلا يضل ولا يشقى } والسبب فيه أن العقاب في الآخرة لأجل أنه قد ضل عن الدين في مدة التكليف ، واتباع كتاب الله يستلزم عدم الضلال عن الدين المستتبع للنجاة من العقاب في الآخرة . وأما الشقاء الذي قد يلحق المؤمن في الدنيا فلا اعتداد به لقصر مدته على أن الرضا بالقضاء يهون عليه مصائب الدنيا وآفاتها . ثم ذكر وعيد من أعرض عن ذكره ظاهر الكلام يدل على أن الذكر ههنا هو الهدى المذكور لأن قوله : { ومن أعرض عن ذكري } في مقابلة قوله : { فمن اتبع هداي } . وقد مر في أول « البقرة » أن المراد به الشريعة والبيان . وقال كثير من المفسرين : إن الذكر هو القرآن وسائر كتب الله وفيه نوع تخصيص . والضنك الضيق مصدر وصف به . ولهذا استوى فيه المذكر والمؤنث . يقال : منزل ضنك ومعيشة ضنك كأنه قيل : ذات ضنك . قالت الحكماء : عيش الدنيا ضنك ضيق لانقضائه وقصر مدته وكثرة شوائبه ، وإنما العيش الواسع عيش الآخرة . وهذا الضيق المتوعد به إما في الدنيا أو في القبر أو في الآخرة مال إلى كل طائفة . أما لأول فلأن المسلم الراضي بقضاء ربه معه من التسليم والتوكل والقناعة ما يعيش به عيشا رافغا . والمعرض عن الدين متول عليه الحرص والشح فلا ينفك عن الانقباض ولطموح ما ليس يناله من الفراغ والرفاغ الكلي فلا هم له إلا هم الدنيا . عن ابن عباس : المعيشة الضنك هي أن يضيق عليه أبواب الخير فلا يهتدي لشيء منها ، ومن الكفرة من ضربت عليه الذلة والمسكنة . وسئل الشبلي عن قوله صلى الله عليه وسلم : « إذا رأيتم أهل البلاء فاسألوا الله العافية » فقال : أهل البلاء هم أهل الغفلات عن الله تعالى فعقوبتهم أن يردهم الله تعالى إلى أنفسهم وأي معيشة أضيق وأشد من أن يرد الأنسان إلى نفسه . قلت : التحقيق أن بعض البليات من العقوبات فطلب العافية منها لازم ، وبعضها لمزيد الدرجات ولكن الإنسان خلق ضعيفا فكثيرا ما يؤل أمر المبتلي إلى الجزع والفزع فيحرم الثواب فتطلب العافية من هذا القسم أيضا خوفا من المآل .

(5/324)


وأما الثاني فعن ابن مسعود وأبي سعيد الخدري ورفعه أبو هريرة إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه : « عذاب القبر للكافر » وعن ابن عباس أن الآية نزلت في الأسود بن عبد الله المخزومي والمراد ضغطة القبر تختلف فيه أضلاعه . وأما الثالث فعن الحسن وقتادة والكلبي أنه ضيق في الآخرة وفي جهنم ، وأ طعامهم فيها الضريع والزقوم والحميم والغسلين ، فلا يموتون فيها ولا يحيون .
أما قوله : { ونحشره يوم القيامة أعمى } كقوله : { ونحشر المجرمين يومئذ زرقا } [ طه : 102 ] فيمن فسر الزرق بالعمى { ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا } [ الإسراء : 97 ] { ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى } [ الإسراء : 72 ] قال الجبائي : أراد أنه لا يهتدي يوم القيامة إلى طريق ينال منه خيرا كالأعمى . وعن مجاهد والضحاك ومقاتل أنه أراد أعمى عن الحجة وهي رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس : قال القاضي : هذا القول ضعيف لأنه لا بد في القيامة أن يعلمهم الله تعالى بطلان ما كانوا عليه بتمييزه لهم الحق من الباطل ، ومن هذه حاله لا يوصف بذلك إلا مجازا باعتبار ما كان ، لكن قوله : { وقد كنت بصيرا } ينافيه . قال الإمام فخر الدين الرازي رحمه الله : ومما يؤكد هذا الاعتراض أنه تعالى علل ذلك العمى بما أن المكلف نسي الدلائل في الدنيا ، فلو كان العمى الحاصل في الآخرة عين ذلك النسيان لم يكن للمكلف بسبب ذلك ضرر كما في الدنيا . قال : والتحقيق في الجواب عن الاعتراض هو أن النفوس الجاهلة في الدنيا إذا فارقت أبدانها تبقى على جهالتها في الآخرة فتصير تلك الجهالة سببا لأعظم الآلام الروحانية . وأقول على القاضي : يحتمل أن يكون مجازا باعتبار الغاية . فقد ينفي الشيء باعتبار عدم غايته وثمرته فلا ينافي كونه أعمى في الآخرة بهذا الاعتبار إعلام الله تعالى إياه الحجة ، ولا كونه بصيرا في الدنيا كونه أعمى في الآخرة بالاعتبار المذكور لأن المعرض عن الدليل يشبه أن يكون كافرا معاندا ، ويكون الغرض من الإعلام التوبيخ والإلزام يؤيده قوله تعالى في جوابه : { كذلك } أي مثل ذلك فعلت أنت . ثم فسر ذلك بقوله : { أتتك آياتنا } أي دلائلنا وضاحة مستنيرة { فنسيتها } أي تركت العمل بها والقيام بموجبها { وكذلك اليوم تنسى } تترك بلا فائدة النظر والاعتبار . وعلى الإمام الرازي : إنه لا يلزم من كون المكلف غير متضرر بنسيان الدلائل في الدنيا كونه غير متضرر به في الآخرة . وأما قوله في الجواب المحقق بناء على قاعدة الحكيم إن جهل النفس يصير سببا لتعذيبها فإن كان منعا لقول المعتزلة إنه تعالى يعلم المكلف بطلان ما كان عليه في الدنيا فذاك لا يفتقر إلى العدول ، وإن كان تسليما لقولهم فمن أين يتحمل الاعتراض هذا وقد رأيت في بعض الآثار أن أشد الناس عمى يوم القيامة هم الذين حفظوا القرآن ثم نسوه .

(5/325)


دليله قوله تعالى : { أتتك آياتنا فنسيتها } اللهم اجعلني ممن يواظب على تلاوة كتابك حتى لا أنساه يوم ألقاك . { وكذلك نجزي من أسرف } قيل : عصى ربه . والأظهر أنه أراد أشرك وكفر بدليل قوله : { ولم يؤمن بآيات ربه ولعذاب الآخرة } وهو الحشر على العمى { أشد وأبقى } من ضيق المعيشة في العاجل أو أراد ، وتركنا إياه في العمى أشد وأبقى من تركه لآياتنا .
ثم وبخ المعرضين عن الدلائل بعدم الاعتبار بأحوال القرون الخالية فقال : { أفلم يهد لهم } بالفاء وفي السجدة بالواو ، لأن الكلام ههنا كالمتصل بقوله : { ومن أعرض عن ذكري } وهناك كالمنفصل عن الإعراض لأنه قال : { ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم أعرض عنها } [ السجدة : 22 ] . وبعد ذلك أورد قصة موسى فناسب الاستئناف بالواو ، وأما حذف من ههنا وإثباته هنالك فلما مر من أن « من » تفيد الاستيعاب وهنالك قد زاد في القرون بشرح قصة بني إسرائيل وما فيهم من الملوك والأنبياء . قال في الكشاف : فاعل : { لم يهد } الجملة بعده . وأنكر البصريون مثل هذا لأن الجملة لا تقع فاعلا فلهذا قال : يريد أو لم يهد لهم هذا المعنى أو مضمون هذا الكلام . قال القفال : جعل كثرة ما أهلك من القرون مبينا لهم . وقال الزجاج : أراد أو لم نبين لهم ما يهدون به لو تدبروا وتأملوا . وقيل : فيه ضمير الله أو الرسول والجملة بعده تفسره يريد أن قريشا يتقلبون في السورة . قال بعض أهل اللغة : إن للنبيه مزية على العقل فلا يقال إلا لمن له عقل ينتهي به عن القبائح فقوله : { أولي النهى } كقوله : { أولي العزم } [ الأحقاف : 35 ] والحزم ومن هذا فسره بعضهم بأهل الورع والتقوى .
ثم بين الوجه الذي لأجله لا ينزل العذاب معجلا على من كذب من هذه الأمة فقال : { ولولا كلمة } هي العدة بتأخير جزائهم إلى الآخرة كتبها في اللوح المحفوظ وأخبر بها ملائكته ورسله لأن فيهم أو في نسلهم من يؤمن ، أو لمصلحة أخرى خفية . قال أهل السنة : إنه بحكم المالكية له أن يفعل ما يشاء من غير علة . واللزام مصدر لازم وصف به . وقيل : فعال لما يفعل به فهو بمعنى ملزم كأنه آلة اللزوم أي { لكان } الأخذ العاجل { لزاما وأجل مسمى } وهو عذاب الآخرة . وقيل : يوم بدر معطوف على { كلمة } وجوز في الكشاف أن يكون معطوفا على الضمير في كان . ولعله إنما جوز ذلك للفصل أي لكان الأخذ العاجل وأجل مسمى لازمين لهم كما كانا لازمين لعاد وثمود ، ولم ينفرد الأجل المسمى دون الأخذ العاجل .

(5/326)


وحين بين أنه لا يهلكهم بعذاب الاستئصال أمره بالصبر على ما يقولون من التكذيب وسائر الأذيات . زعم الكلبي ومقاتل أنها منسوخة بآية القتال وليس بذاك فإن كلا منهما معمول بها في موضعها { وسبح بحمد ربك } أي متلبسا بحمده على أن وفقك للتسبيح وأعانك عليه ، والأكثرون أنها بمعنى الصلاة ليكون كقوله : { واستعينوا بالصبر والصلاة } [ البقرة : 45 ] ولأنه بين أوقاتها فقبل طلوع الشمس هو صلاة الفجر ، وقبل غروبها صلاة الظهر والعصر لأنهما واقعتان في النصف الأخير من النهار { ومن آناء الليل فسبح } المغرب والعتمة . وقوله { وأطراف النهار } أي في طرفيه فجمع للمبالغة وأمن الإلباس ، أو لأن أقل الجمع اثنان . أو أراد طرفي كل نهار تكرار لصلاتي الفجر والعصر لا المغرب على ما ظن اعتناء بشأنهما كقوله { والصلاة الوسطى } [ البقرة : 238 ] وآناء جمع « أنى » وهو الساعة وقد مر في « آل عمران » . وإنما قدم آنا الليل وأدخل الفاء في { فسبح } المؤذنة بتلازم ما قبلها وما بعدها تنبيها على زيادة الاهتمام بشأن صلاة الليل ، لأن الليل وقت السكون والراحة وهدو الأصوات فالصلاة فيه أشق على النفس وأدخل في الإخلاص وأقرب من المحافظة على الخشوع والإخبات . وبعضهم أخرج من الآية صلاة الظهر لانه خصص قبل الغروب بصلاة العصر . ومنهم من زاد فيها النوافل لأن الصلاة في الأوقات المذكورة تشملها والأمر قد يكون للندب لا أقل من التغليب . وقال أبو مسلم : الأقرب حمل التسبيح على التنزيه والإجلال كأنه لما أمره بالصبر على أذية القوم بعثه على الاشتغال بالتقديس والمواظبة عليه في كل الأوقات .
وقوله : { لعلك ترضى } كقوله : { عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا } [ الإسراء : 79 ] { ولسوف يعطيك ربك فترضى } [ الضحى : 5 ] ولا ريب أن الأطماع من الكريم واجب الوقوع اللهم ارزقنا شفاعته . ولما حث رسوله على الأمور الدينية نهاه عن الميل إلى الزخارف الدنيوية فقال : { ولا تمدن عينيك } أي نظر عينيك . ومد النظر تطويله استحسانا للمنظور إليه ، وفيه أن النظر الغير الممدود معفو عنه كما لو نظر فغض . وقال أبو مسلم : المنهي عنه في الآية ليس هو التطويل وإنما هو الأسف أي لا تأسف على ما فاتك مما نالوا من حظ الدنيا . قال أبو رافع : نزل ضيف بالنبي صلى الله عليه وسلم فبعثني إلى يهودي يستقرضه فقال : لا أقرضه إلا برهن . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إني لأمين في السماء وإني لأمين في الأرض ، أحمل إليه درعي الحديد فنزلت . » والأزواج الأصناف . وقيل : أي أشكالا وأشباها من الكفار لأنهم أشكال في الذهاب عن الصواب . وقد مر في آخر الحجر . ولقد شدد العلماء المتقون في وجوب غض البصر عن أبنية الظلمة وملابسهم ومراكبهم لأنهم اتخذوها . قال جار الله : انتصب { زهرة } على الذم ، أو على تضمين متعنا بمعنى خولنا وأعطينا ، أو على إبداله من محل { به } أو على إبداله من { أزواجا } والتقدير ذوي زهرة وهي الزينة والبهجة .

(5/327)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية