صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

[ تفسير النسفي ]
الكتاب : تفسير النسفي
المؤلف : النسفي
عدد الأجزاء : 4

أثيم مكتسب للائم إذا تتلى عليه آياتنا أى القرآن قال أساطير الأولين أى أحاديث المتقدمين وقال الزجاج أساطير أباطيل واحدها أسطورة مثل أحدوثة وأحاديث كلا ردع للمعتدى الأثيم عن هذا القول بل نفى لما قالوا ويقف حفص على بل وقيفة ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون عطاها كسبهم أى غلب على قلوبهم حتى غمرها ما كانوا يكسبون من المعاصى وعن الحسن الذنب بعد الذنب حتى يسود القلب وعن الضحاك الرين موت القلب وعن أبى سليمان لرين والقسوة زماما الغفلة ودواؤهما إدمان الصوم فان وجد بعد ذلك قسوة فليترك الادام كلا ردع عن الكسب الرائن على القلب إنهم عن ربهم عن رؤية ربهم يومئذ لمحجوبون لممنوعون والحجب المنع قال الزجاج فى الآية دليل على أن المؤمنين يرون ربهم والا لا يكون التخصيص مفيدا وقال الحسين بن الفضل كما حجبهم فى الدنيا عن توحيده حجبهم فى العقبى عن رؤيته وقال مالك بن أنس رحمه الله لما حجب أعداءه فلم يروه تجلى لأوليائه حتى رأوه وقيل عن كرامة ربهم لأنهم فى الدنيا لم يشكروا نعمه فيئسوا فى الآخرة عن كرامته مجازاة والأول أصح لأن الرؤية أقوى الكرامات فالحجب عنها دليل الحجب عن غيرها ثم إنهم لصالوا الجحيم ثم بعد كونهم محجوبين عن ربهم لداخلون النار ثم يقال هذا الذى كنتم به تكذبون أى هذا العذاب هو الذى كنتم تكذبون به فى الدنيا وتنكرون وقوعه كلا ردع عن التكذيب إن كتاب الأبرار ما كتب من أعمالهم والأبرار المطيعون الذين لا يطففون ويؤمنون بالبعث لأنه ذكر فى مقابلة الفجار وبين الفجار بأنهم المكذبون بيوم الدين وعن الحسن البر الذى لا يؤذى الذر لفى عليين هو علم لديوان الخير الذى دون فيه كل ما عملته الملائكة وصلحاء الثقلين منقول من جمع على فعيل من العلو سمى به لأنه سبب الارتفاع إلىأعالى الدرجات فىالجنة أو لأنه مرفوع فىالسماء السابعة حيث يسكن الكروييون تكريما له وماأدراك ما الذى أعلمك يا محمد ماعليون أى شىء هو كتاب مرقوم يشهده المقربون تحضره الملائكة قيل يشهد عمل الأبرار مقربو كل سماء إذا رفع ان الأبرار لفى نعيم تنعم فىالجنان على الأرائك الاسرة فى الحجال ينظرون إلى كرامة الله ونعمه وإلى أعدائهم كيف يعذبون تعرف فى وجوههم نضرة النعيم بهجة التنعم وطراوته يسقون من رحيق

(4/324)


شراب خالص لا غش فيه مختوم ختامه مسك تختم أوانيه بمسك بدل الطين الذى يختم به الشراب فى الدنيا أمر الله تعالى بالختم عليه إكراما لأصحابه أو ختامه مسك مقطعه رائحة مسك أى توجد رائحة المسك عند خاتمة شربه خاتمة على وفى ذلك الرحيق أو النعيم فليتنافس المتنافسون فليرغب الراغبون وذا إنما يكون بالمسارعة إلى الخيرات والاتنهاء عن السيآت ومزاجه ومزاج الرحيق من تسليم هو علم لعين بعينها سميت بالتسنيم الذى هو مصدر سنمه إذا رفعه لأنها أرفع شراب فى الجنة أو لأنها تأتيهم من فوق وتنصب فى أوانيهم عينا حال أو نصب على المدح يشرب بها أى منها المقربون عن ابن عباس وابن مسعود رضى الله عنهم يشربها المقربون صرفا وتمزج لأصحاب اليمين إن الذين أجرموا كفروا كانوا من الذين آمنوا يضحكون فى الدنيا استهزاء بهم وإذا مروا بهم يتغامزون يشير بعضهم إلى بعض بالعين طعنا فيهم وعيبا لهم قيل جاء على رضى الله عنه فى نفر من المسلمين فسخر منهم المنافقون وضحكوا وتغامزوا وقالوا أتزون هذا الأصلع فنزلت قبل أن يصل على إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم وإذا انقلبوا إلى أهلهم أى إذا رجع الكفار إلى منازلهم انقلبوا فكهين متلذذين بذكرهم والسخرية منهم وقرأ غير حفص فاكهين أى فرحين وإذا رأوهم و إذا رأى الكافرون المؤمنين قالوا إن هؤلاء لضالون أى خدع محمد هؤلاء فضلوا وتركوا اللذات لما يرجونه فى الآخرة من الكرامات فقد تركوا الحقيقة بالخيال وهذا هو عين الضلال وما أرسلوا وما أرسل الكفار عليهم على المؤمنين حافظين يحفظون عليهم أحوالهم ويرقبون أعمالهم بل أمروا باصلاح أنفسهم فاشتغالهم بذلك أولى بهم من تتبع غيرهم وتسفيه أحلامهم فاليوم أى يوم القيامة الذين آمنوا من الكفار يضحكون ثم كما ضحكوا منهم هنا مجازاة على الأرائك ينظرون حال أى يضحكون منهم ناظون إليهم وإلى ما هم فيه من الهوان والصغار بعد العزة والا سنكنار وهم على الأرائك آمنون وقيل يفتح للكفار باب إلى الجنة فيقال لهم هلموا إلى الجنة فإذا وصلوا إليها أغلق دونهم فيضحك المؤمنون منهم هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون هل جوزوا بسخريتهم بالؤمنين فى الدنيا إذا فعل بهم ما ذكر والله أعلم

(4/325)


إذا السماء انشقت تصدعت وتشققت وأذنت لربها سمعت وأطاعت وأجابت ربها إلى الانشقاق ولم تأب ولم تمتنع وحقت وحق لها أن تسمع وتطبع لأمر الله إذ هى مصنوعة مربوية لله تعالى وإذا الأرض مدت بسطت وسويت باندكاك جبالها وكل أمت فيها وألقت ما فيها ورمت ما فى جوفها من الكنوز والموتى وتخلت وخلت غابة الخلو حتى لم يبق شئ فى باطنها كانها تكلفت اقصى جهدها فى الخلو يقال تكرم الكريم إذا بلغ جهده فى الكرم وتكلف فوق ما فى طبعه وأذنت لربها فى القاء ما فى بطنها وتخليها وحقت وهى حقيقة بأن تنقاد ولا تمتنع وحذف جواب إذا ليذهب المقدر كل مذهب أو اكتفاء بما علم بمثلها من سورتى التكوير والانفطار أو جوابه ما دل عليه فملاقيه أى إذا السماء انشقت لاقى الإنسان كدحه يا أيها الإنسان خطاب للجنس إنك كادح إلى ربك كدحا جاهد إلى لقاء ربك وهو الموت وما بعده من الحال الممثلة باللقاء فملاقيه الضمير للكدح وهو جهد النفس فى العمل والكدفيه حتى يؤثر فيها والمراد جزاء الكدح إن خيرا فخير وإن شرا فشر وقيل لقاء الكدح لقاء كتاب فيه ذلك الكدح يدل عليه قوله فأما من أوتى كتابه بيمينه أى كتاب عمله فسوف يحاسب حسابا يسيرا سهلا هينا وهو أن يجازى على الحسنات ويتجاوز عن السيآت وفى الحديث من يحاسب يعذب فقيل فأين قوله فسوف يحاسب حسابا يسيرا قال ذلكم العرض من نوقش فى الحساب عذب وينقلب إلى أهله إلى عشيرته أن كانوا مؤمنين أو إلى فريق المؤمنين أو إلى أهله فى الجنة من الحور العين مسرورا فرحا وأما من أوتى كتابه وراء ظهره قيل تغل يمناه إلى عنقه وتجعل شماله وراء ظهره فيؤتى كتابه بشماله من وراء ظهره فسوف يدعوا ثبورا يقول يا ثبوراه والثبور الهلاك ويصلى عراقى غير على سعيرا أى ويدخل جهنم إنه كان فى الدنيا فى أهله معهم مسرورا بالكفر

(4/326)


يضحك ممن آمن بالبعث قيل كان لنفسه متابعا وفى مراتع هواه راتعا انه ظن أن لمن يحور لن يرجع الى ربه تكذيبا بالبعث قال ابن عباس رضى الله عنهما ما عرفت تفسيره حتى سمعت اعرابية تقول لبنتها حورى أى ارجعى بلى إيجاب لما بعد النفى فى ان يحور أى بلى ليحورن إن ربه كان به وبأعماله بصيرا لا تخفى عليه فلا بد أن يرجعه ويجازيه عليها فلا أقسم بالشفق فاقسم بالبياض بعد الحمرة أو الحمرة والليل وما وسق جمع وضم والمراد ما جمعه من الظلمة والنجم أو ما عمل فيه من التهجد وغيره والقمر اذا اتسق اجتمع وثم بدرا افتعل من الوسق لتركبن أيها الانسان على ارادة الجنس طبقا عن طبق حالا بعد حال كل واحدة مطابقة لأختها فى الشدة والهول والطبق ما طابق غيره يقال ما هذا بطبق لذا أى لا يطابقه ومنه قيل للغطاء الطبق ويجوز أن يكون جمع طبقة وهى المرتبة من قولهم هو على طبقات أى لتركبن أحوالا بعد أحوال هى طبقات فى الشدة بعضها أرفع من بعض وهى الموت وما بعدها من مواطن القيامة واهوالها ومحل عن طبق نصب على انه صفة لطبقا أى طبقا مجاوزا لطبق أو حال من الضمير فى لتركبن أى لتركبن طبقا مجاوزين لطبق وقال مكحول فى كل عشرين عاما تجدون أمرا لم تكونوا عليه بفتح الياء مكى وعلى وحمزة والخطاب له عليه السلام أى طبقا من طباق السماء بعد طبق أى فى المعراج فما لهم لا يؤمنون فما لهم فى أن يؤمنوا وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون لا يخضعون بل الذين كفروا يكذبون بالبعث والقرآن والله أعلم بما يوعون بما يجمعون فى صدورهم ويضمرون من الكفر وتكذيب النبى صلى الله عليه و سلم أو بما يجمعون فى صحفهم من أعمال السوء ويدخرون لأنفسهم من أنواع العذاب فبشرهم بعذاب إليم أخبرهم خبرا يظهر أثره على بشرتهم إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات استثناء منقطع لهم أجر غير ممنون غير مقطوع أو غير منقوص والله أعلم

(4/327)


سورة البروج مكية وهى اثنتان وعشرون آية
والسماء ذات البروج هى البروج الاثنا عشر وقيل النجوم أو عظام الكواكب واليوم الموعود يوم القيامة وشاهد ومشهود أى وشاهد فى ذلك اليوم ومشهود فيه والمراد بالشاهد من يشهد فيه من الخلائق كلهم وبالمشهود فيه ما فى ذلك اليوم من عجائبه وطريق تنكيرهما اما ما ذكرته فى قوله علمت نفس ما أحضرت كأنه قيل ما أفرطت كثرته من شاهد ومشهود واما الابهام فى الوصف كأنه قيل وشاهد ومشهود لا يكنته وصفهما وقد كثرت أقاويل المفسرين فيهما فقيل محمد صلى الله عليه و سلم ويوم القيامة أو عيسى وأمته لقوله وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم أو أمة محمد وسائر الأمم أو الحجر الأسود والحجيج أو الايام والليالي وبنو آدم للحديث ما من يوم إلا وينادى أنا يوم جديد وعلى ما يفعل فى شهيد فاعتنمنى فلو غابت شمسى لم تدركنى الى يوم القيامة أو الحفظة وبنو آدم أو الله تعالى والخلق لقوله تعالى وكفى بالله شهيدا أو الانبياء ومحمد عليهم السلام وجواب القسم محذوف يدل عليه قتل أصحاب الاخدود أى لعن كانه قيل أقسم بهذه الأشياء انهم ملعونون يعنى كفار قريش كما من أصحاب الاخدود وهو خداى شق عظيم فى الارض روى عن النبى صلى الله عليه و سلم انه كان لبعض الملوك ساحر فلما كبر ضم اليه غلاما ليعلمه السحر وكان فى طريق الغلام راهب فسمع منه فرأى فى طريقة ذات يوم دابة قد حبست الناس فاخذ حجرا فقال اللهم أن كان الراهب أحب اليك من الساحر فاقتلها فقتلها فكان الغلام بعد ذلك يبرئ الاكمه والابرص وعمى جليس الملك فأبرأه فأبصره الملك فسأله من رد عليك بصرك فقال ربى فغضب فعذبه فدل على الغلام فعذبه فدل على الراهب فلم يرجع الراهب عن دينه فقد بالمنشار وأبى الغلام فذهب به الى جبل ليطرح من ذروته فدعا فرجف بالقوم فطاحوا ونحا فذهب به الى قرقور فلججوا به ليغرقوه فدعا فانكفأت بهم السفينة فغرقوا ونجا فقال للملك لست بقاتلى حتى تجمع الناس فى صعيد وتصلبنى على جذع وتأخذمنهما من كنانتى وتقول باسم الله رب الغلام ثم ترمينى به فرماه فوقع فى صدغه فوضع يده عليه ومات فقال الناس آمنا برب الغلام فقيل للملك نزل بك ما كنت ما تحذر فخذ أخدودا واملأها نارا فمن لم يرجع عن دينه طرحه فيها حتى جاءت امرأة معها صبى فتقاعست ان تقع فيها فقال الصبى يا أماه اصبرى فانك على الحق فألقى الصبى وأمه فيها النار بدل اشتمال من الاخدود ذات الوقود وصف لها بأنها نار عظيمة لها ما يرتفع به لهبها من الحطب الكثير وأبدان الناس

(4/328)


إذ ظرف لقتل أى لعنوا حين احرقوا بالنار قاعدين حولها هم عليها أى الكفار على ما يدنو منها من حافات الأخدود قعود جلوس على الكراسى وهم الكفار على ما يفعلون بالمؤمنين من الاحراق شهود يشهد بعضهم لبعض عند الملك ان أحدا منهم لم يفرط فيما أمر به وفوض اليه من التعذيب وفيه حث المؤمنين على الصبر وتحمل أذى أهل مكة وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا وما عابوا منهم وما أنكروا الا الايمان كقوله ولا عيب فيهم غير ان سيوفهم وقوله ... ما نقموا من بنى امية ... انهم يحلمون ان غضبوا ...
وقرئ نقموا بالكسر والفصيح هو الفتح بالله العزيز الحميد ذكر الاوصاف التى يستحق بها أن يؤمن به وهو كونه عزيزا غالبا قادرا يخشى عقابه حميدا منعما يجب له الحمد على نعمته ويرجى ثوابه الذى له ملك السموات والأرض فكل من فيهما تحق عليه عبادته والخشوع له تقريرا لأن ما نقموا منهم هو الحق الذى لا ينقمه الامبطل وان الناقمين أهل لانتقام الله منهم بعذاب عظيم والله على كل شئ شهيد وعيدلهم يعنى انه علم ما فعلوا وهو مجازيهم عليه أن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات يجوز أن يريد بالذين فتنوا أصحاب الاخدود خاصة وبالذين آمنوا المطروحين فى الأخدود ومعنى فتنوهم عذبوهم بالنار وأحرقوهم ثم لم يتوبوا لم يرجعوا عن كفرهم فلهم فى الآخرة عذاب جهنم بكفرهم ولهم عذاب الحريق فى الدنيا لما روى أن النار انقلبت عليهم فأحرقتهم ويجوز أن يريد الذين فتنوا المؤمنين أى بلوهم بالأذى على العموم والمؤمنين المفتونين وان للفاتنين عذابين فى الآخرة لكفرهم ولفتنتهم أن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات تجرى من تحتها الأنهار ذلك الفوز الكبير أى الذين صبروا على تعذيب الاخدود أو هو عام ان بطش ربك لشديد البطش الأخذ بالعنف فاذا وصف بالشدة فقد تضاعف وتفاقم والمراد أخذه الظلمة والجبابرة بالعذاب والانتقام أنه هو يبدئ ويعيد أى يخلفهم ابتداء ثم يعيدهم بعد أن صيرهم ترابا دل باقتداره على الابداء والاعادة على شدة بطشه أو أوعد الكفرة بانه يعيدهم كما أبدأهم ليبطش بهم اذ لم يشكروا نعمة الابداء وكذبوا بالاعادة وهو الغفور الساتر للعيوب العافى عن الذنوب الودود المحب لأوليائه وقيل الفاعل بأهل

(4/329)


طاعته ما يفعله الودود من إعطائهم ما أرادوا ذو العرش خالقه ومالكه المجيد بالجر حمزة وعلى على أنه صفة للعرش ومجد الله عظيمته ومجد العرش علوه وعظمته فعال خبر مبتدأ محذوف لما يريد تكوينه فيكون فيه دلالة على خلق أفعال العباد هل أتاك حديث الجنود أى قد أتاك خبر الجموع الطاغية فى الأمم الخالية فرعون وثمود بدل من الجنود وأراد بفرعون اياه وآله والمعنى قد عرفت تكذيب تلك الجنود للرسل وما نزل بهم لتكذيبهم بل الذين كفروا من قومك فى تكذيب واستيجاب للعذاب ولا يعتبرون بالجنود لا لخفاء حال الجنود عليهم لكن يكذبونك عنادا والله من ورائهم محيط عالم بأحوالهم وقادر عليهم وهم لا يعجزونه والاحاطة بهم من ورائهم مثل لأنهم لا يفوتونه كما لا يفوت فائت الشئ المحيط به بل هو بل هذا الذى كذبوا به قرآن مجيد شريف عالى الطبقة فى الكتب وفى نظمه واعجازه ليس كما يزعمون أنه مفترى وأنه أساطير الأولين فى لوح محفوظ من وصول الشياطين محفوظ نافع صفة للقرآن أى من التغيير والتبديل واللوح عند الحسن شئ يلوح للملائكة فيقرءونه وعند ابن عباس رضى الله عنهما وهو من درة بيضاء طوله ما بين السماء والأرض وعرضه ما بين المشرق والمغرب قلمه نور وكل شئ فيه مسطور مقاتل هو عن يمين العرش وقيل أعلاه معقود بالعرش وأسفله فى حجر ملك كريم والله أعلم
سورة الطارق مكية وهى سبع عشرة آية
بسم الله الرحمن الرحيم
والسماء والطارق وما أدراك ما الطارق النجم الثاقب عظم قدر السماء فى أعين الخلق لكونها معدن رزقهم ومسكن ملائكته وفيها خلق الجنة فأقسم بها وبالطارق والمراد جنس النجوم أو جنس الشهب التى يرجم بها لعظم منفعتها ثم فسره بالنجم الثاقب أى المضئ كانه يثقب الظلام يضوئه فينفذ فيه ووصف بالطارق لأنه يبدو بالليل كما يقال للآتى ليلا طارق أو لأنه يطرق الجنى أى يصكه وجواب القسم إن كل نفس لما عليها حافظ لأن لما كانت مشددة بمعنى الاكقراءة عاصم وحمزة وابن عامر فتكون أن نافيه أى ما كل نفس إلا عليها حافظ وان كانت مخففة كقراءة غيرهم فتكون ان مخففة من الثقيلة أى انه كل نفس لعليها حافظ يحفظها من الآفات أو يحفظ عملها ورزقها

(4/330)


وأجلها فإذا استوفى ذلك ماتت وقيل هو كاتب الأعمال فما زائدة واللام فارقة بين الثقيلة والخفيفة وحافظ مبتدأ وعليها الخبر والجملة خبر كل وأيتهما كانت فهى مما يتلقى به القسم فلينظر الإنسان مم خلق لما ذكر أن على كل نفس حافظا أمره بالنظر فى أول أمره ليعلم أن من أنشأه قادر على إعادته وجزائه فيعمل ليوم الجزاء ولا يملى على حافظه الاما يسره فى عاقبته ومم خلق استفهام أى من أى شئ خلتى جوابه خلق من ماء دافق والدفق صب فيه دفع والدفق فى الحقيقة لصاحبه والاسناد إلى الماء مجاز وعن بعض أهل اللغة دفقت الماء دفقا صببته ودفق الماء بنفسه أى انصب ولم يقل من ماءين لا متزاجهما فى الرحم واتحادهما حين ابتدئ فى خلقه يخرج من بين الصلب والترائب من بين صلب الرجل وترائب المرأة وهى عظام الصدر حيث تكون القلادة وقيل العظم والعصب من الرجل واللحم والدم من المرأة أنه ان الخالق لدلالة خلق عليه ومعناه ان الذى خلق الإنسان إبتداء من نظفة على رجعه على إعادته خصوصا لقادر لبين القدرة لا يعجز عنه كقوله اننى لفقير ونصب يوم تبلى أى تكشف برجعه أو بمضمر دل عليه قوله رجعه أى بعثه يوم تبلى السرائر ما أسرفى القلوب من العقائد والنيات وما أخذمن الأعمال فماله فما للانسان من قوة فى نفسه على دفع ما حل به ولا ناصر يعينه ويدفع عنه والسماء ذات الرجع أى المطر وسمىبه لعوده كل حين والأرض ذات الصدع هو ما تتصدع عنه الأرض من النبات أنه إن القرآن لقول فصل فاصل بين الحق والباطل كما قيل فرقان وما هو بالهزل باللعب والباطل يعنى أنه جد كله ومن حقه وقد وصفه الله بذلك أن يكون مهيبا فى الصدور معظما فى القلوب يرتفع به قارئه وسامعه ان يلم بهزل أو يتفكه بمزاح انهم يعنى مشركى مكة يكيدون كيدا يعملون المكايد فى ابطال أمر الله واطفاء نور الحق واكيد كيدا وأجازتهم جزاء كيدهم باستدراجى لهم من حيث لا يعلمون فسمى جزاء الكيد كيدا كما سمى جزاء الاعتداء والسيئة اعتداء وسيئة وان لم يكن اعتداء وسيئة ولا يجوز اطلاق هذا الوصف على الله تعالى إلا على وجه الجزاء كقوله نسوا الله فنسيهم يخادعون الله وهو خادعهم الله يستهزئ بهم فمهل الكافرين أى لا تدع بهلا كهم ولا تستعجل به أمهلهم أنظرهم فكرر وخالف بين اللفظين لزيادة التسكين والتصبير رويدا امهالا يسيرا ولا يتكلم بها الا مصغرة وهى من رادت الريح ترود رودا تحركت ضعيفة

(4/331)


سبح اسم ربك الأعلى نزه ذاته عما لا يليق به والاسم صلة وذلك بأن يفسر الأعلى بمعنى العلو الذى هو القهر والافتدار لا بمعنى العلو فى المكان وقيل قل سبحان ربى الأعلى وفى الحديث لما نزلت قال علية السلام اجعلوها فى سجودكم الذى خلق فسوى أى خلق كل شئ فسوى خلقه تسوية ولم يأت به متفاوتا غير ملتئم ولكن على أحكام واتساق ودلالة على أنه صادر عن عالم حكيم أو سواه على ما فيه منفعة ومصلحة والذى قدر فهدى أى قدرلكل حيوان ما يصلحه فهداه إليه وعرفه وجه الانتفاع به أو فهدى وأضل ولكن حذف وأضل اكتفاء كقوله يضل من يشاء ويهدى من يشاء قدر على والذى أخرج المرعى أنبت ما ترعاه الدواب فجعله غثاء يابسا هشيما أحوى أسود فأحوى صفة لغثاء سنقرئك فلا تنسى سنعلمك القرآن حتى لا تنساه إلا ما شاء الله أن ينسخه وهذا بشارة من الله لبنيه أن يحفظ عليه الوحى حتى لا ينفلت منه شئ إلا ما شاء الله أن ينسخة فيذهب به عن حفظه يرفع حكمه وتلاوته وسأل ابن كيسان النحوى جنيدا عنه فقال فلا تنسى العمل به فقال مثلك يصدر وقيل قوله فلا تنسى على النهى والألف مزيدة للفاصلة كقوله السبيلا أى فلا تفعل قراءته وتكريره فتنساه إلا ما شاء الله أن ينسيكه يرفع تلاوته إنه يعلم الجهر وما يخفى أى إنك تجهر بالقراءة مع قراءة جبريل مخافة التفلت والله يعلم جهرك معه وما فى نفسك مما يدعوك إلى الجهر أو ما تقرأ فى نفسك مخافة النسيان أو يعلم ما أسررتم وما أعلنتم من أقوالكم وأفعالكم وما ظهر وما بطن من أحوالكم وينسرك لليسرى معطوف على سنقرئك وقوله انه يعلم الجهر وما يخفى اعتراض ومعناه ونوفقك للطريقة التى هى أيسر وأسهل يعنى حفظ الوحى وقيل للشريعة السمحة التى هى أيسر الشرائع أو توفقك لعمل الجنة فذكر عظ بالقرآن ان نفعت الذكرى جواب ان مدلول قوله فذكر قيل ظاهره شرط ومعناه استبعاد لتأثير الذكرى فيهم وقيل هو أمر بالتذكير على الاطلاق كقوله فذكر إنما أنت مذكر غير مشروط بالتفع سيذكر سيتعظ ويقبل التذكرة من يخشى الله وسوء العاقبة ويتجنبها ويتباعد عن الذكرى

(4/332)


فلا يقبلها الأشقى الكافر أو الذى هو أشقى الكفر لتوغله فى عداوة رسول الله صلى الله عليه و سلم قيل نزلت فى الوليد بن المغيرة وعتبة بن ربيعة الذى يصلى النار الكبرى يدخل نار جهنم والصغرى نار الدنيا ثم لا يموت فيها فيستريح من العذاب ولا يحيى حياة يتلذذ بها وقيل ثم لأن الترجح بين الحياة والموت أفظع من الصلى فهو متراخ عنه فى مراتب الشدة قد افلح نال الفوز من تزكى نطهر من الشرك أو تطهر الصلاة أو أدى الزكاة كفعل من الزكاة كتصدق من الصدقة وذكر اسم ربه وكبر للافتتاح فصلى الخمس وبه يحتج على وجوب تكبيرة الافتتاح وعلى أنها ليست من الصلاة لأن الصلاة عطفت عليها وهو يقتضى المغايرة وعلى أن الافتتاح جائز بكل اسم من اسمائه عز و جل وعن ابن عباس رضى الله عنهما ذكر معاده وموقفه بين يدى ربه فصلى له وعن الضحاك وذكر اسم ربه فى طريق المصلى فصلى صلاة العيد بل تؤثرون الحياة الدنيا على الآخرة فلا تفعلون ما به تفلحون والمخاطب به الكافرون دليله قراءة أبى عمرو يؤثرون بالياء والآخرة خير وأبقى أفضل فى نفسها وأدوم إن هذا لفى الصحف الأولى هذا إشارة إلى قوله قد أفلح إلى أبقى أى أن معنى هذا الكلام وأراد فى تلك الصحف أو إلى ما فى السورة كلها وهو دليل على جواز قراءة القرآن بالفارسية فى الصلاة لأنه جعله مذكورا فى تلك الصحف مع أنه لم يكن فيها بهذا النظم وبهذه اللغة صحف إبراهيم وموسى بدل من الصحف الاولى وفى الأثر وفى صحف إبراهيم ينبغى للعاقل أن يكون حافظا للسانه عارفا بزمانه مقبلا على شأنه
سورة الغاشية مكية وهى ست وعشرون آية
بسم الله الرحمن الرحيم هل أتاك حديث الغاشية
هل بمعنى قد أتاك حديث الغاشية الداهية التى تغثى الناس بشدائدها وتلبسهم أهوالها يعنى القيامة وقيل النار من قوله وتغشى وجوههم النار وجوه أى وجوه الكفار وإنما خص الوجه لأن الحزن والسرور إذا استحكما فى المرء أثرا فى وجهه يومئذ يوم اذ لو غشيت خاشعة ذلة لما اعترى أصحابها من الخزى والهوان عاملة ناصبة تعمل فى النار عملا تتعب فيه وهو جرها السلاسل والاغلال وخوضها فى النار كما تخوض الابل فى الوحل وارتقاؤها دائبة فى صعود من نار

(4/333)


وهبوطها فى حدور منها وقيل عملت فى الدنيا أعمال السوء والتذت بها وتنعمت فهى فى نصب منها فى الآخرة وقيل هم أصحاب الصوامع ومعناه أنها خشعت لله وعملت ونصبت فى أعمالها من الصوم الدائب والتهجد الواصب يصلى نارا حامية تدخل نارا قد أحميت مددا طويلة فلا حر يعدل حرها تصلى أبو عمرو وأبو بكر تسقى من عين آنية من عين ماء قد انتهى حرها والتأنيث فى هذه الصفات والافعال راجعة إلى الوجوه والمراد أصحابها بدليل قوله ليس لهم طعام إلا من ضريع وهو نبت يقال له الشبرق فإذا يبس فهو ضريع وهو سم قاتل والعذاب ألوان والمعذبون طبقات فمنهم أكله الزقوم ومنهم أكلة الغلسين ومنهم أكلة الضريع فلا تناقض بين هذه الآية وبين قوله ولا طعام إلا من غسلين لا يسمن مجرور المحل لأنه وصف ضريع ولا يغنى من جوع أى منفعتا الغذاء منتفيتان عنه وهما إماطة الجوع وافادة السمن فى البدن وجوه يومئذ ثم وصف وجوه المؤمنين ولم يقل ووجوه لأن الكلام الأول قد طال وانقطع ناعمة متنعمة فى لين العيش لسعيها راضية رضيت بعملها وطاعتها لما رأت ما أداهم اليه من الكرامة والثواب فى جنة عالية من علو المكان أو المقدار لا تسمع يا مخاطب أو الوجوه فيها لاغية أى لغوا أو كملة ذات لغو أو نفسا تلغو لا يتكلم أهل الجنة الا بالحكمة وحمد الله على ما رزقهم من النعيم الدائم لا يسمع فيها لاغية مكى وأبو عمرو ولا تسمع فيها لاغية نافع فيها عين جارية أى عيون كثيرة كقوله علمت نفس فيها سرر جمع سرير مرفوعة من رفعة المقدار أو السمك ليرى المؤمن بجلوسه عليه جميع ما خوله ربه من الملك والنعيم وأكواب جمع كوب وهو القدح وقيل آنية لا عروة لها موضوعة بين أيديهم ليتلذذوا بها بالنظر اليها أو موضوعة على حافات العيون معدة للشرب ونمارق وسائد مصفوفة بعضها إلى جنب بعض مساند ومطارح أينما أراد أن يجلس جلس على موسدة واستند الى الأخرى وزرابى وبسط عراض فاخرة جمع زربية مبثوثة مبسوطة أو مفرقة فى المجالس ولما أنزل الله تعالى هذه الآيات فى صفة الجنة وفسر النيى علية السلام بأن ارتفاع السرير يكون مائة فرسخ والاكواب الموضوعة لا تدخل فى حساب الخلق لكثرتها وطول النمارق كذا وعرض الزرابى كذا أنكر الكفار وقالوا كيف يصعد على هذا السرير وكيف تكثر الاكواب هذه الكثرة وتطول النمارق هذا الطول وتنبسط الزرابى هذا الانبساط ولم نشاهد ذلك فى الدنيا فقال الله تعالى أفلا ينظرون إلى الابل كيف خلقت طويلة ثم تبرك حتى

(4/334)


تركب أو تحمل عليها ثم تقوم فكذا السرير يطأطئ المؤمن كما يطأطئ الابل وإلى السماء كيف رفعت رفعا بعيد الذى بلا امساك وعمد ثم نجومها تكثر هذه الكثرة فلا تدخل فى حساب الخلق فكذا الاكواب وإلى الجبال كيف نصبت نصبا ثابتا فهى راسخة لا تميل مع طولها فكذا النمارق وإلى الأرض كيف سطحت سطحا بتمهيد وتوطئة فهى كلها بساط واحد تنبسط من الافق إلى الافق فكذا الزرابى ويجوز أن يكون المعنى أفلا ينظرون إلى هذه المخلوقات الشاهدة على قدرة الخالق حتى لا ينكروا اقتداره على البعث فيسمعوا إنذار الرسول ويؤمنوا به ويستعدوا للقائه وتخصيص هذه الأربعة باعتبار أن هذا خطاب للعرب وحث لهم على الاستدلال والمرء إنما يستدل بما تكثر مشاهدته له والعرب تكون فى البوادى ونظرهم فيها إلى السماء والأرض والجبال والابل فهن أعز أموالهم وهم لها أكثر استعمالا منهم لسائر الحيوانات ولانها تجمع جميع المآرب المطلوبة من الحيوان وهى النسل والدر والحمل والركوب والأكل بخلاف غيرها ولأن خلقها أعجب من غيرها فإنه سخرها منقادة لكل من أقتادها لزمتها لا تعاز ضعيفا ولا تمانع صغير اأو براها طوال الاعناق لتنوء بالاوقار وجعلها بحيث تبرك حتى تحمل عن قرب ويسر ثم تنهض بما حملت وتجرها إلى البلاد الشاخطة وصبرها على احتمال العطش حتى ان ظمأها ليرتفع إلى العشر فصاعدا وجعلها ترعى كل ثابت فى البرارى مما لا يرعاه سائر البهائم فذكر فذكرهم بالادلة ليتفكروا فيها إنما أنت مذكر ليس عليك إلا التبليغ لست عليهم بمسيطر بمسلط كقوله وما أنت عليهم بجبار بمصيطر مدنى وبصرى وعلى وعاصم إلا من تولى منهم وكفر فيعذبه الله العذاب الاكبر الاستثناء منقطع أى لست بمستول عليهم ولكن من تولى وكفر بالله فإن لله الولاية عليه والقهر فهو يعذبه العذاب الأكبر وهو عذاب جهنم وقيل هو استثناء من قوله فذكر أى فذكر إلا من انقطع طمعك من إيمانه وتولى فاستحق للعذاب الاكبر وما بينهما اعتراض إن إلينا إيابهم رجوعهم وفائدة تقديم الظرف التشديد فى الوعيد وأن ايابهم ليس إلا إلى الجبار المقتدر على الانتقام ثم ان علينا حسابهم فنحاسبهم على أعمالهم ونجازيهم بها جزاء أمثالهم وعلى لتأكيد الوعيد لا الوجوب اذ لا يجب على الله شئ

(4/335)


سورة الفجر مكية وهى تسع وعشرون آية
بسم الله الرحمن الرحيم
والفجر أقسم بالفجر وهو الصبح كقوله والصبح إذا أسفر أو بصلاة الفجر وليال عشر عشر ذى الحجة أو العشر الأول من المحرم أو الآخر من رمضان وإنما نكرت لزيادة فضيلتها والشفع والوتر شفع كل الأشياء ووترها أو شفع هذه الليالى ووترها أو شفع الصلاة ووترهاأو يوم النحر لأنه اليوم العاشر ويوم عرفة لأنه التاسع أو الخلق والخالق والوتر حمزة وعلى بفتح الواو غيرهما وهما لغتان فالفتح حجازى والكسر تميمى وبعد ما أقسم بالليالى المخصوصة أقسم بالليالى على العموم فقال والليل وقيل أريد ليلة القدر إذا يسر إذا يمضى وياء يسر تحذف فى الدرج اكتفاء عنها بالكسرة وأما فى الوقف فتحذف مع الكسر وسأل واحد الاخفش عن سقوط الياء فقال لا حتى تخدمنى سنة فسأله بعد سنة فقال الليل لا يسر وأنما يسرى فيه فلما عدل عن معناه عدل عن لفظة موافقة وقيل معنى يسرى بسرى فيه كما يقال ليل نائم أ ى ينام فيه هل فى ذلك أى فيما أقسمت به من هذا الأشياء قسم أى مقسم به لذى حجر عقل سمى به لأنه يحجر عن النهافت فيما لا ينبغى كما سمى عقلا ونهية لأنه يعقل وينهى يريد هل تحقق عنده أن تعظم هذه الأشياء بالاقسام بها أو هل فى أقسامى بها أقسام الذى حجر أ ىهل هو قسم عظيم يؤكد بمثله المقسم عليه أو هل فى القسم بهذه الأشياء قسم منع لذى عقل ولب والمقسم عليه محذوف وهو قوله ليعذبن يدل عليه قوله ألم تر إلى قوله فصب عليهم ربك سوط عذاب ثم ذكر تعذيب الامم التى كذبت الرسل فقال ألم تركيف فعل ربك بعاد ارم ذات العماد أى ألم تعلم يا محمد علما يوازى العيان فى الايقان وهو استفهام تقرير قيل لعقب عاد بن عوص بن ارم بن سام بن نوح عاد كما يقال لبنى هاشم هاشم ثم قيل للاولين منهم عاد الاولى والارم تسمية لهم باسم جدهم ولمن بعدهم عاد الاخيرة فارم عطف بيان لعاد وايذان بأنهم عاد الاولى القديمة وقيل ارم بلدتهم وأرضهم التى كانوا فيها ويدل عليه قراءة ابن الزبير بعاد ارم على الاضافة وتقديره بعاد أهل ارم كقوله واسأل القرية ولم تنصرف قبيلة كانت أو أرضا للتعريف والتأنيث وذات العماد إذا كانت صفة للقبيلة فالمعنى أنهم كانوا بدويين أهل عمد أو طوال الاجسام على تشبيه قدودهم بالاعمدة وان كانت صفة البلدة فالمعنى أنها ذات أساطين وروى أنه كان لعاد ابنان شداد وشديد فملكا وقهرا ثم مات

(4/336)


شديد وخلص الأمر لشداد فملك الدنيا ودانت له ملوكها فسمع بذكر الجنة فقال ابنى مثلها فبنى ارم فى بعض صحارى عدن فى ثلاثمائة وكان عمره تسعمائة سنة وهى مدينة عظيمة قصورها من الذهب والفضة وأساطينها من الزبر جد والياقوت وفيها أصناف الأشجار والأنهار ولما ثم بناؤها سار إليها بأهل مملكته فلما كان منها على مسيرة يوم وليلة بعث الله عليهم صيحة من السماء فهلكوا وعن عبد الله بن قلانة أنه خرج فى طلب ابل له فوقع عليها فحمل ما قدر عليه مما ثم وبلغ خبر معاوية فاستحضره فقص عليه فبعث إلى كعب فسأله فقال هى ارم ذات العماد وسيدخلها رجل من المسلمين فى زمانك أحمر أشقر قصير على حاجبه خال وعلى عقبه خال يخرج فى طلب إبل له ثم التفت فأبصر ابن قلابة فقال هذا والله ذلك الرجل التى لم يخلق مثلها فى البلاد أى مثل عاد فى قوتهم وطول قامتهم كان طول الرجل منهم أربعمائة ذراع أو لم يخلق مثل مدينة شداد فى جميع بلاد الدنيا وثمود الذين جابوا الصخر قطعوا صخر الجبال واتخذوا فيها بيوتا قيل أول من تحت الجبال والصخور ثمود وبنوا ألفا وسبعمائة مدينة كلها من الحجارة بالواد بوادى القرى وفرعون ذى الأوتاد أى ذى الجنود الكثيرة وكانت لهم مضارب كثيرة يضربونها إذا نزلوا وقيل كان له أوتاد يعذب الناس بها كما فعل بآسية الذين فى محل النصب على الذم أو الرفع على هم الذين أو الجر على وصف المذكورين عاد وثمود وفرعون طغوا فى البلاد تجاوزوا الحد فأكثروا فيها الفساد بالكفر والقتل والظلم فصب عليهم ربك سوط عذاب مجاز عن ايقاع العذاب بهم على أبلغ الوجود إذا الصب يشعر بالدوام والسواط بزيادة الايلام اى عذبوا عذابا مؤلما دائما إن ربك لبالمرصاد وهو المكان الذى يترقب فيه الرصد مفعال من رصده وهذا مثل لارصاده العباد وانهم لا يفوتونه وانه عالم بما يصدر منهم وحافظه فيخازيهم عليه ان خيرا فخيروان شرا فشر فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربى أكرمن وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه أى ضيق عليه وجعله بمقدار بلغته فقدر شامى ويزيد فيقول ربى أهانن أى الواجب لمن ربه بالمرصاد أن يسعى للعاقبة ولا تهمه العاجلة وهو قد عكس فإنه إذا امتحنه ربه بالنعمة والسعة ليشكر قال ربى أكرمنى أى فضلنى بما أعطانى فيرى الاكرام فى كثره الحظ من الدنيا وإذا امتحنه بالفقر فقدر عليه رزقه ليصبر قال ربى أهاننى فيرى الهوان فى قلة الحظ من الدنيا لأنه لا تهمه إلا العاجلة وما يلذه وينعمه فيها فرد عليه زعمه بقوله كلا أى ليس الاكرام

(4/337)


والاهانة فى كثرة المال وقلته بل الإكرام فى توفيق الطاعة والاهانة فى الخذلان وقوله تعالى فيقول خبر المبتدأ الذى هو الإنسان ودخول الفاء لما فى أما من معنى الشرط والظرف المتوسط بين المبتدأ أو الخبر فى تقدير التأخير كأنه قيل فأما الإنسان فقائل ربى أكرمن وقت الابتلاء وكذا فيقول الثانى خبر لمبتدأ تقديره وأما هو إذا ما ابنلاه ربه وسمى كلا الأمرين من بسط الرزق وتقديره ابتلاء لأن كل واحد منهما أختيار للعبد فإذا بسط له فقد اختبر حاله أيشكر أم يكفر وإذا قدر عليه فقد اختبر خاله أيصبر أم يجزع ونحوه قوله تعالى وبنلوكم بالشر والخير فتنة وإنما أنكر قوله ربى أكرمن مع أنه أثبته بقوله فأكرمه لأنه قاله على قصد خلاف ما صححه الله عليه وأثبته وهو قصده أن الله أعطاه ما أعطاه اكراما له لاستحقاقه كقوله إنما أوتيته على علم عندى وإنما أعطاه الله تعالى ابتلاء من غير استحقاق منه بل لا تكرمون اليتيم ولا تحاضون على طعام المسكين أى بل هناك شر من هذا القول وهو أن الله يكرمهم بالغنى فلا يؤدون ما يلزمهم فيه من اكرام اليتيم بالمبرة وحض أهله على طعام المسكين وتأكلون التراث أى الميراث أكلا لما ذا لم وهو الجمع بين الحلال والحرام وكانوا لا يورثون النساء ولا الصبيان ويأكلون تراثهم مع تراثهم وتحبون المال يقال حبه وأحبه بمعنى حبا جما كثيرا شديدا مع الحرص ومنع الحقوق ربى حجازى وأبو عمرو يكومون ولا يحضون ويأكلون ويحبون بصرى كلا ردع لهم عن ذلك وانكار لفعلهم ثم أتى بالوعيد وذكر تحسرهم على ما فر طوافيه حين لا تنفع الحسرة فقال إذا دكت الأرض إذا زلزلت دكا دكا دكا بعددك أى كرر عليها الدك حتى عادت هباء منبئا وجا ربك تمثيل لظهور آيات اقتداره وتبيين آثار قهره وسلطانه فإنه واحدا من الملوك إذا حضر بنفسه ظهر بحضوره من آثار الهببة ما لا يظهر بحضور عساكره وخواصه وعن ابن عباس امره وقضاؤه والملك صفا صفا أى ينزل ملائكة كل سماء فيصطفون صفا بعد صف محدقين بالجن والإنس وجئ يومئذ بجهنم قيل أنها برزت لأهلها كقوله وبرزت الجسيم للغاوين وقيل هو مجرى على حقيقة ففى الحديث يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها يزمئذ يتذكر الانسان أى يتعظ وأنى له الذكرى ومن أين له منفعة الذكرى يقول ياليتنى قدمت لحياتى هذه وهى حياة الآخرة أى ياليتنى قدمت الأعمال الصالحة فى الحياة الفانية لحياتى البانية فيومئذ لا يعذب عذابه أحد أى لا يتولى عذاب الله أحد لأن الأمر لله وحده فى ذلك اليوم ولا يوثق بالسلاسل والاغلال وثاقه أحد قال صاحب الكشف لا يعذب أحدا حد كعذاب الله ولا يوثق

(4/338)


يأيتها النفس المطميئنة
سورة البلد
بسم الله الرحمن الرحيم
أحد أحدا كوثاق الله لا يعذب ولا يوثق على وهى قراءة رسول الله صلى الله عليه و سلم ورجع اليها ابو عمرو فى آخر عمره والضمير يرجع الى الانسان الموصوف وهو الكافر وقيل هو أبى بن خلف اى لا يعذب أحد مثل عذابه ولا يوثق بالسلاسل مثل وثاقه لتناهيه فى كفره وعناده ثم يقول الله تعالى للمؤمن يا أيتها النفس اكراما له كما كلم موسى عليه السلام أو يكون على لسان ملك المطمئنة الآمنة التى لا يستفزها خوف ولا حزن وهى النفس المؤمنة أو المطئنة الى الحق التى سكنها ثلج اليقين فلا يخالجها شك ويشهد للتفسير الاول قراءة أبى يا أيتها النفس الآمنة المطئنة وانما يقال لها عند الموت أو عند الموت أو عند البعث أو عند دخول الجنة ارجعى الى موعد ربك أو ثواب ربك راضية من الله بما أوتيت مرضية عند الله بما علمت فادخلى فى عبادى فى جملة عبادى الصالحين فانتظمى فى سلكهم وادخلى جنتى معهم وقال أبو عبيدة أى مع عبادى أوبين عبادى أى خواصى كما قال وادخلنى برحمتك فى عبادك الصالحين وقيل النفس الروح ومعناه فادخلى فى أجسام عبادى كقراءة عبد الله بن مسعود فى جسد عبدى ولما مات بن عباس بالطائف جاء طائر لم ير على خلقته فدخل فى نعشه فلما دفن تليت هذه الآية على شفير الفبر ولم يدر من تلاها قيل نزلت فى حمزة بن عبد المطلب وقيل فى خبيب بن عدى الذى صلبه أهل مكة وجعلوا وجهه الى المدينة فقال اللهم ان كان لى عندك خير فحول وجهى نحو قبلتك فحول الله وجهه نحوها فلم يستطع أحد أن يحوله وقيل هى عامة فى المؤمنين إذ العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب
سورة البلد مكية وهى عشرون آية
بسم الله الرحمن الرحيم
لا أقسم بهذا البلد أقسم سبحانه بالبلد الحرام وبما بعده على أن الانسان خلف مغمورا فى مكابدة المشاق واعتراض بين القسم والمقسم عليه بقوله وأنت حل بهذا البلد أى ومن المكابدة ان مثلك على عظم حرمتك يستحل بهذا البلد يعنى مكة كما يستحل الصيد فى غير الحرم عن شر حبيل يحرمون أن يقتلوا بها صيدا أو يستحلون أخراجك وقتلك فيه تثبيت لرسول الله صلى الله عليه و سلم وبعث على احتمال ما كان يكابد من أهل مكة وتعجيب من حالهم فى عداوته أوسلى رسول الله بالقسم ببلده على أن الانسان لا يخلو من مقاساة الشدائد واعتراض بأن وعده فتح مكة تتيما للتسلية والتنفيس عنه فقال وأنت حل بهذا البلد أى وأنت حل به فى المستقبل تصنع فيه ما تريده من القتل والاسر وذلك ان الله تعالى فتح عليه مكة وأحلها له وما نحت على أحد قبله ولا أحلت له فاحل ما شاء وحرم ما شاء قتل ابن خطل

(4/339)


وهو متعلق بأستار الكعبة ومقيس بن صبابة وغيرهما وحرم دار أبى سفيان ونظير قوله وأنت حل فى الاستقبال قوله إنك ميت وأنهم ميتون وكفاك دليلا على أنه للاستقبال أن السورة مكية بالاتفاق وأين الهجرة من وقت نزولها فما بال الفتح ووالد وما ولد هما آدم وولده أو كل والد وولده أو إبراهيم وولده وما بمعنى من أو بمعنى الذى لقد خلقنا الإنسان جواب القسم فى كبد مشقة يكابد مصائب الدنيا وشدائد الآخرة وعن ذى النون لم يزل مربوطا بحبل القضاء مدعوا إلى الائتمار والانتهاء والضمير فى أيحسب أن لن يقدر عليه أحد لبعض صناديد قريش الذى كان رسول الله يكابد منهم ما يكابد ثم قيل هو أبو الاشدو قيل الوليدين المغيرة والمعنى أيظن هذا الصنديد القوى فى قومه المتضعف للمؤمنين أن لن تقوم قيامة ولن يقدر على الانتقام منه ثم ذكر ما يقوله فى ذلك اليوم وأنه يقول أهلكت ما لا لبدا أى كثيرا جمع لبدة وهو ما تلبد أى كثروا جتمع يريد كثرة ما أنفقه فيما كان أهل الجاهلية يسمونها مكارم ومعالى أيحسب أن لم يره أحد حين كان ينفق ما ينفق رياه وافتخارا يعنى أن الله تعالى كان يراه وكان عليه رقيبا ثم ذكر نعمه عليه فقال ألم نجعل له عينين يبصر بهما المرئيات ولسانا يعبر به عما فى ضميره وشفتين يستر بهما ثغره ويستعين بهما على النطق والأكل والشرب والنفخ وهديناه النجدين طريقى الخير والشر المفضيين إلى الجنة والنار وقيل الثديين فلا اقتحم العقبة وما أدراك ما العقبة فك رقبة أو طعام فى يوم ذى مسغبة يتيما ذا مقربة أو مسكينا ذا متربة ثم كان من الذين أمنوا يعنى فلم يشكر تلك الأيادى والنعم بالأعمال الصالحة من فك الرقاب أو اطعام اليتامى والمساكين ثم بالإيمان الذى هو أصل كل طاعة وأساس كل خيريل غمط النعم وكفر بالمنعم والمعنى أن الانفاق على هذا الوجه مرضى نافع عند الله لا أن يهلك ما له لبدا فى الرياء والفخار وقلما تستعمل لا مع الماضى إلا مكررة وإنما لم تركر فى الكلام الافصح لأنه لما فسر اقتحام العقبة بثلاثة أشياء صار كأنه أعادلا ثلاث مرات وتقديره فلافك رقبة ولا أطعم مسكينا ولا آمن والاقتحام الدخول والمجاوزة بشدة ومشقة والقحمة الشدة فجعل الصالحة عقبة وعملها اقتحامالها لما فى ذلك من معاناه المشقة ومجاهدة النفس وعن الحسن عقبة والله شديدة مجاهدة الإنسان نفسه وهواه وعدوه الشيطان والمراد بقوله ما العقبة ما انتحامها ومعناه إنك لم تدركنه صعوبتها على النفس وكنه ثوابها عند الله وفك الرقبة تخليصها من

(4/340)


الرق والاعانة فى مال الكتابة فك رقبة أو اطعم مكى وأبو عمرو وعلى الابدال من اقتحم العقبة وقوله وما أدراك ما العقبة اعتراض غيرهم فى فك رقبة أو اطعام على اقتحامها فك رقبة اواطعام والمسغبة المجاعة والقربة القرابة والمتربة الفقر مفعلات من سغب إذا جاع وقرب فى النسب يقال فلان ذو قرابتى وذو مقربتى وترب إذا افتقر ومعناه التصق بالتراب فيكون مأواه المزابل ووصف اليوم بذى مسغبة كقولهم هم ناصب أ ىذو نصب ومعنى ثم كان من الذين آمنوا أي دوام على الإيمان وقيل ثم بمعنى الواو وقيل إنما جاءبثم لتراخى الإيمان وتباعده فى الرتبة والفضيلة عن العتق والصدفة لا فى الوقت إذا الإيمان هو السابق على غيره ولا يثبت عمل صالح إلا به وتواصوا بالصبر عن المعاصى وعلى الطاعات والمحن التى يبتلى بها المؤمن وتواصوا بالرحمة بالتراحم فيما بيهم أولئك أصحاب الميمنة أ ى الموصوفون بهذه الصفات من أصحاب الميمنة والذين كفروا بآياتنا بالقرآن أو بدلائلنا هم أصحاب المشأمة أصحاب الشمال والميمنة والمشأمة اليمين والشمال أو اليمن والشؤم أي الميامين على أنفسهم والمشائيم عليهن عليهم نار موصدة وبالهمزة أبو عمرو وحمزة وحفص أى مطبقة من أوصدت الباب وآصدته إذا أطبقته وأغلقته والله أعلم
سورة الشمس مكية وهى خمس وعشرة آية
بسم الله الرحمن الرحيم
والشمس وضحاها وضوئها إذا أشرقت وقام سلطانها والقمر إذا تلاها تبعها فى الضياء والنور وذلك فى النصف الأول ومن الشهر يخلف القمر والشمس فى النور والنهار إذا جلاها جل الشمس وأظهرها للرائين وذلك عند انتفاخ النهار وانبساطه لأن الشمس تنجلى فى ذلك الوقت تمام الانجلاء وقيل الضمير للظلمة أو للدنيا أو للارض وإن لم يجر لها ذكر كقوله ما ترك على ظهرها من دابة والليل إذا يغشاها يستر الشمس فتظلم الآفاق والواو الأولى فى نحو هذا للقسم بالاتفاق وكذا الثانية عند البعض وعند الخليل الثانية للعطف لأن إدخال القسم على القسم قبل تمام الأول لا يجوز ألا ترى انك لو جعلت موضها كلمة الفاء أو ثم لكان المعنى على حالة وهما حرفا عطف فكذا الواو ومن قال انها للقسم احتج بأنها لو كانت للعطف

(4/341)


لكان عطفا على عاملين لأن قوله والليل مثلا مجرور بواو القسم واذا يغشى منصوب بالفعل المقدر الذى هو أقسم فلو جعلت الواو فى النهار اذا تجلى للعطف لكان النهار معطوفا على الليل جر أو اذا تجلى معطوفا على اذا يغشى نصبا فكان كقولك ان فى الدار زيدا والحجرة عمر او أجيب بأن واو القسم تنزلت منزلة الباء والفعل حتى لم يجز ابراز الفعل معها فصارت كانها العاملة نصبا وجرا أو صارت كعامل واحد له عملان وكل عامل له عملان يجوز أن يعطف على معموليه بعاطف واحد بالاتفاق نحو ضرب زيد عمرا وبكر خالدا فترفع بالواو وتنصب لقيامها مقام ضرب الذى هو عاملها فكذا هنا وما مصدرية فى والسماء وما بناها والأرض وما طحاها ونفس وما سواها أى وبنائها وطحوها أى بسطها وتسوية خلقها فى أحسن صورة عند البعض وليس بالوجه لقوله فألهمها المافية من فساد النظم والوجه أن تكون موصولة وانما أو ثرت على من لارادة معنى الوصفية كانه قيل والسماء والقادر العظيم الذى بناها ونفس والحكيم الباهر الحكمة الذى سواها وانما نكرت النفس لأنه أراد نفسا خاصة من بين النفوس وهى نفس آدم كانه قال وواحدةمن النفوس أو أردا كل نفس والتنكير للتكثير كما فى علمت نفس فألهمها فجورها وتقواها فأعلمها طاعتها ومعصيتها أى أفهمها أن أحدهما حسن والآخر قبيح قد أفلح جواب القسم والتقدير لقد أفلح قال الزجاج صار طول الكلام عوضا عن اللام وقيل الجواب محذوف وهو الاظهر تقديره ليدمدمن من الله عليهم أى على أهل مكة لتكذيبهم رسول الله صلى الله عليه و سلم كما دمدم على ثمود لأنهم كذبوا صالحا وأما قد أفلح فكلام تابع لقول فألهمها فجورها وتقواها على سبيل الاستطراد ليس من جواب القسم فى شئ من زكاها طهرها الله وأصلحها وجعلها زاكية وقد خاب من دساها أغواها الله قال عكرمة أفلحت نفس زكاها الله وخابت نفس أغواها الله ويجوز أن تكون التدسية والتطهير فعل العبدو التدسية والنقص والاخفاء بالفجور وأصل دسى دسس والياء بدل من السين المكررة كذبت ثمود بطفواها بطغيانها اذا لحامل لهم على التكذيب طغيانهم إذا نبعث حين قام بعقر الناقة أشقاها أشقى ثمود قدار بن سالف وكان اشقر أزرق قصير أو إذا منصوب بكذبت أو بالطغوة فقال لهم رسول الله صالح عليه السلام ناقة الله نصب على التحذير أى احذروا عقرها وسقياها كقولك الاسد الاسد فكذبوه فيما حذرهم منه من نزول العذاب ان فعلوا فعقروها أى الناقة اسند الفعل اليهم وان كان العاقر واحدا

(4/342)


لقوله فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر لرضاهم به فدمدم عليهم ربهم أهلكهم هلاك استئصال بذنبهم بسبب ذنبهم وهو تكذيبهم الرسول وعقرهم الناقة فسواها فسوى الدمدمة عليهم لم يفلت منها صغيرهم ولا كبيرهم ولا يخاف عقباها ولا يخاف الله عاقبة هذه الفعلة أى فعل ذلك غير خائف أن تلحقه تبعة من أحدكما يخاف من يعاقب من الملوك لأنه فعل فى ملكه وملكه لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون فلا يخاف مدنى وشامى
سورة الليل احدى وعشرون آية مكية
بسم الله الرحمن الرحيم
والليل إذا يغشى المغشى اما الشمس من قوله والليل إذا يغشاها أو النهار من قوله يغشى الليل النهار أو كل شئ يواريه بظلامه من قوله إذا وقب والنهار إذا تجلى ظهر بزول ظلمة الليل وما خلق الذكر والانثى والقادر العظيم القدرة الذى قدر على خلق الذكروالانثى من ماء واحد وجوب القسم إن سعيكم لشتئ إن عملكم لمختلف وبيان الاختلاف فيما فصل على أثره فأما من أعطى حقوق ماله وأتقى ربه فاجتنب محاربه وصدق بالحسنى ملة الحسنى وهى ملة الاسلام أو بالمثوبة الحسنى وهى الحنة أو بالكلمة وهى لا إله إلا الله فسنيسره لليسرى فسنهيث للخلة اليسرى وهى العمل بما يرضاه ربة وأما من بخل بماله واستغنى عن ربه فلم يتقه أ واستغنى بشهوات الدنيا عن نعيم العقبى وكذب بالحسنى بالاسلام أو الجنة فسنيسره للعسرى للخلة المؤدية إلى النار فتكون الطاعة أعسرشئ عليه واشداو سمى طريقة الخير باليسرى لأن عاقبتها اليسرى وطريقة الشر بالعسرى لأن عاقبتها العسر أو أراد بهما طريقى الجنه والنار وما يغنى عنه ماله إذا تردى ولم ينفع ماله إذا هلك وتردى تفعل من الردى وهو الهلاك أ وتردى فى القبر أ وفى قعر جهنم أى سقط إن علينا للهدى أن علينا الارشاد إلى الحق بنصب الدلائل وبيان الشرائع وإن لنا للآخرة والأولى فلا يضرنا ضلال من ضل ولا ينفعنا اهتداء من اهتدى أو أنهما لنا فمن طلبهما من غيرنا فقد أخطأ الطريق فأنذرتكم خوفتكم نارا تلظى نتلهب

(4/343)


لا يصلاها لا يدخلها للخلود فيها إلا الاشقى الذى كذب وتولى إلا الكافر الذى كذب الرسل وأعرض عن الإيمان وسيجنبها وسيبعد منها الاتقى المؤمن الذى يؤتى ماله للفقراء يتزكى من الزكاة أى يطلب أ ن يكون عند الله زاكيا لا يريد به رياء ولا سمعة أو يتفعل من الزكاة ويتزكى إن جعلته بدلا من يؤتى فلا محل له لأنه داخل فى حكم الصلة والصلات لا محل لها وإن جعلته حالا من الضمير فى يؤتى فمحله النصب قال أبو عبيدة الاشقى بمعنى الشقى وهو الكافر والاتقى بمعنى التقى وهو المؤمن لأنه لا يختص بالمصلى أشقى الأشقياء ولا بالنجاة أتقى الاتقياء وان زعمت أنه نكر النار فأراد نارا مخصوصة بالاشقى فما تصنع بقوله وسيجنبها الاتقى لأن الاتقى يجنب تلك النار المخصوصة لا الاتقى منهم خاصة وقيل الآية واردة فى الموازنة بين حالتى عظيم من المشركين وعظيم من المؤمنين فأريد أن يبالغ فى صفتيهما فقيل الأشقى وجعل مختصا بالمصلى كأن النار لم تخلق إلا له وقيل الاتقى وجعل مختصا بالنجاة كأن الحنة لم تخلق إلا له وقيل هما أبو جهل وأبو بكر وفيه بطلان زعم المرجئة لأنهم يقولون لا يدخل النار إلا كافر وما لأحد عنده من نعمة تجزى إلا ابتغاء وجه ربه أى وما لأحد عند الله نعمة يجازية بها إلا أن يفعل فعلا يبتغى به وجه فيجازيه عليه الأعلى هو الرفيع بسلطانه المنيع فى شأنه وبرهانه ولم يرد به العلو من حيث المكان فذا آية الحدثان ولسوف يرضى موعد بالثواب الذى يرضيه ويقر عينه وهو كقوله تعالى لنبية عليه السلام ولسوف يعطيك ربك فترضى
سورة الضحى مكية وهى إحدى عشر آية
بسم الله الرحمن الرحيم
والضحى المراد به وقت الضحى وهو صدر النهار حين ترتفع الشمس وإنما خص وقت الضحى بالقسم لأنها الساعة التى كلم فيها موسى عليه السلام وألقى فيها السحرة سجدا أو النهار كله لمقابلته بالليل فى قوله والليل إذا سجى سكن والمراد سكون الناس والأصوات فيه وجواب القسم ما ودعك ربك وما قلى ما تركك منذ اختارك وما أبغضك منذ أحبك والتوديع مبالغة فى الودع لأن من ودعك مفارقا فقد بالغ فى تركك روى أن الوحى تأخر عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أياما فقال المشركون أن محمدا ودعه ربه وقلاه فنزلت وحذف الضمير من قلى كحذفه من الذاكرات

(4/344)


وقوله والذاكرين الله كثيرا والذاكرات يريد والذاكراته ونحوه فاوى فهدى فأغنى وهو اختصار لفظى لظهور المحذوف وللآخرة خير لك من الأولى أى ما أعد الله لك فى الآخرة من المقام المحمود والحوض المورود والخير الموعود خير مما أعجبك فى الدنيا وقيل وجه اتصاله بما قبله انه لما كان فى ضمن نفى التوديع والقلى ان الله مواصلك بالوحى اليك وانك حبيب الله ولا ترى كرامة أعظم من ذلك أخبره أن حاله فى الآخرة أعظم من ذلك لتقدمه على الانبياء وشهادة أمته على الامم وغير ذلك ولسوف يعطيك ربك فى الآخرة من الثواب ومقام الشفاعة وغير ذلك فترضى ولما نزلت قال صلى الله عليه و سلم اذا لا أرضى قط وواحد من أمتى فى النار واللام الداخلة على سوف لام الابتداء المؤكدة لمضمون الجملة والمبتدأ محذوف تقديره ولانت سوف يعطيك ونحوه لاقسم فيمن قرأ كذلك لان المعنى لانا أقسم وهذا لنها ان كانت لام قسم فلامه لا تدخل على المضارع الامع نون التوكيد فتعين أن تكون لام الابتداء ولامه لا تدخل الاعلى المبتدأ او الخبر فلا بد من تقدير مبتدأ وخبر كما ذكرنا لان النون انما تدخل ليؤذن أن اللام لام القسم لالام الابتداء وقد علم أنه ليس للابتداء لدخولها على سوف لان لام الابتداء لا تدخله على سوف وذكر أن الجمع بين حرفى التأكيد والتأخير يؤذن بأن العطاء كائن لا محالة وان تأخر ثم عدد عليه نعمه من أول حاله ليقيس المترقب من فضل الله على ما سلف منه لئلا يتوقع إلا الحسنى وزيادة الخير ولا يضيق صدره ولا يقل صبره فقال ألم يجدك يتيما وهو من الوجود الذى بمعنى العلم والمنصوبان مفعولاه والمعنى ألم تكن يتيما حين مات أبواك فأوى أى فآواك إلى عمك أبى طالب وضمك اليه حتى كفلك ورباك ووجدك ضالا أ ىغير عالم ولا واقف على معالم النبوه وأحكام الشريعة وما طريقة السمع فهدى فعرفك الشرائع والقرآن وقيل ضل فى طريق الشام حين خرج به أبو طالب فرده الى القافلة ولا يجوز أ ن يفهم به عدول عن حق ووقوع فى عنى فقد كان علية السلام من أول حاله الى نزول الوحى عليه معصوما من عبادة الأوثان وقاذورات أهل الفسق والعصيان ووجدك عائلا فقيرا فأغنى فأغناك بمال خديجة أ وبما أفاء عليك من الغنائم فأما اليتيم فلا تقهر فلا تغلبه على ما له وحقه لضعفه وأما السائل فلا تنهر فلا تزجره فابذل قليلا أو رد جميلا وعن السدى المراد طالب العلم إذا جاءك فلا تنهره وأما بنعمة ربك فحدث أ ىحدث بالنبوة التى آتاك الله وهى أجل النعم والصحيح انها نعم جميع نعم الله عليه ويدخل تحته تعليم القرآن والشرائع والله أعلم

(4/345)


سورة الشرح مكية وهى ثمان آيات
بسم الله الرحمن الرحيم
ألم نشرح لك صدرك استفهم عن انتفاء الشرح على وجه الانكار فأفاد اثبات الشرح فكانه قيل شرحنا لك صدرك ولذا عطف عليه وضعنا اعتبار للمعنى أى فسحناه بما أودعناه من العلوم والحكم حتى وسع هموم النبوة ودعوة الثقلين وأزلنا عنه الضيق والحرج الذى يكون مع العمى والجهل وعن الحسن ملئ حكمة وعلما ووضعنا عنك وزرك وخففنا عنك اعباء النبوة والقيام بأمرها وقيل هو زلة لا تعرف بعينها وهى ترك الأفضل مع اتيان الفاضل والانبياء يعاتبون بمثلها ووضعه عنه أن غفر له والوزر الحمل الثقيل الذى أنقص ظهرك أثقله حتى سمع نقيضه وهو صوت الانتقاض ورفعنا لك ذكرك ورفع ذكره ان قرن بذكر الله فى كلمة الشهادة والآذان والاقامة والخطب والتشهد وفى غير موضع من القرآن أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ومن يطع الله ورسوله والله ورسوله أحق ان يرضوه وفى تسميته رسول الله ونبى الله ومنه ذكره فى كتب الأولين وفائدة ذلك ما عرف فى طريقة الابهام والايضاح لأنه يفهم بقوله ألم نشرح لك أن ثم مشروحا ثم أوضح بقوله صدرك ما علم مبهما وكذلك لك ذكرك وعنك وزرك فان مع العسر يسرا ان مع العسر يسرا أى أن مع الشدة التى انت فيها من مقاسات بلاء المشركين يسرا باظهارى اياك عليهم حتى تغلبهم وقيل كان المشركون يعيرون رسول الله والمؤمنين بالفقر حتى سبق الى وهمه انهم رغبوا عن الاسلام لافتقار أهله فذكره ما أنعم به عليه من جلائل النعم ثم قال ان مع العسر يسرا كانه قال خولناك ما خولناك فلا تيأس من فضل الله فان مع العسر الذى أنتم فيه يسرا وجئ بلفظ مع لغاية مقاربة اليسر العسر زيادة في التسلية ولتقوية القلوب وإنما قال عليه السلام عند نزولها لن يغلب عسر يسرين لأن العسر أعيد معرفا فكان واحدا لأن المعرفة اذا أعيدت معرفة كانت الثانية عين الأولى واليسر أعيد نكرة والنكرة اذا أعيدت نكرة كانت الثانية غير الأولى فصار المعنى ان مع العسر يسرين قال أبو معاذ يقال ان مع الأمير غلاما ان مع الامير غلاما فالامير واحد ومعه غلامان واذا قال ان مع أمير غلاما وأن مع الأمير الغلام فالأمير واحد والغلام واحد وإذا قيل أن مع غلاما وأن مع أمير غلاما فهما أميران وغلامان كذا فى شرح التأويلات فاذا فرغت فانصب أى فاذا فرغت من دعوة الخلق فاجتهد فى عبادة

(4/346)


الرب وعن ابن عباس رضى الله عنهما فإذا فرغت من صلاتك فاجتهد فى الدعاء واختلف أنه قبل السلام أو بعده ووجه الاتصال بما قبله أنه لما عدد عليه نعمه السالفة ومواعيده الآتية بعثه على الشكر والاجتهاد فى العبادرة والنصب فيها وأن يواصل بين بعضها وبعض ولا يخلى وقتا من أوقاته منها فإذا فرغ من عبادة ذبنها بخرى وإلى ربك فارغب واجعل وغبتك إليه خصوصا ولا تسأل الا فضله متوكلا عليه وعلى الله فليتوكل المؤمنون
سورة التين مكية وهى ثمان آيات
بسم الله الرحمن الرحيم
والتين والزيتون أقسم بهما لأنهما عجيبان من بين الأشجار المثمرة روى أنه أهدى لرسول الله صلى الله عليه و سلم طبق من تين فأكل منه وقال لأصحابه كلوا فلو قلت أن فاكهة أنزلت من الجنة لقلت هذه لأن فاكهة الجنة بلا عجم فكلوها فإنها تقطع البواسير وتنفع من النقرس وقال نعم السواك الزيتون من الشجرة المباركة يطيب الفم ويذهب بالحفرة وقال هى سواكى وسواك الانبياء قبلى وعن ابن عباس رضى الله عنهما هو تينكم هذا وزيتونكم هذا وقيل هما جبلان بالشام منبتاهما وطور سينين أضيف الطور وهو الجبل إلى سينين وهى البقعة ونحو سينون بيرون فى جواز الاعراب بالواو والياء والاقرار على الياء وتحريك النون بحركات الاعراب وهذا البلد يعنى مكة الأمين من أمن الرجل أمانة فهو أمين وأمانته أنه يحفظ من دخله كما يحفظ الأمين ما يؤتمن عليه ومعنىالقسم بهذه الأشياء الابانة عن شرف البقاع المباركة وما ظهر فيها من الخير والبركة بسكنى الأنبياء والأولياء فنبت التين والزيتون مهاجر إبراهيم ومولد عيسى ومنشؤة والطور المكان الذى نودى منه موسى ومكة مكان البيت الذى هو هدى للعالمين ومولد نبينا ومبعثه صلوات الله عليهم أجمعين أو الأولان قسم بمهبط الوحى على عيسى والثالث على موسى والرابع على محمد عليهم السلام وجواب القسم لقد خلقنا الإنسان وهو جنس فى أحسن تقويم فى أحسن تعديل لشكله وصورته وتسوية اعضائه ثم رددناه أسفل سافلين أى ثم كان عاقبة أمره حين لم يشكر نعمة تلك الخلقة الحسنة القويمة السوية أن رددناه أسفل من سفل خلقا وتركيبا يعنى أقبح من قبح صورة وهم أصحاب النار أو أسفل من سفل من أهل الدركات أو ثم رددناه بعد ذلك التقويم والتحسين أسفل من سفل فى حسن الصورة والشكل حيث نكسناه فى خلقه فقوس ظهره بعد اعتداله وأبيض شعره بعد سواده وتشنن جلده وكل سمعه وبصره وتغير كل شئ منه فمشيه دليف وصونه

(4/347)


حفات وقوته ضعف وشهامته خوف إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون ودخل الفاء هنا دون سورة الانشقاق للجمع بين اللغتين والاستثناء على الأول متصل وعلى الثانى منقطع أى ولكن الذين كانوا صالحين من الهرمى والزمنى فلهم ثواب غير منقطع على طاعتهم وصبرهم عل الابتلاء بالشيخوخة والهرم وعلى مقاساة المشاق والقيام بالعبادة والخطاب فى فما يكذبك بعد بالدين للانسان على طريقة الالتفات أى فما سبب تكذيبك بعد هذا البيان القاطع والبرهان الساطع بالجزاء والمعنى أن خلق الانسان من نطفة وتقويمة بشرا سويا وتدريجه فى مراتب الزيادة إلى أن يكمل ويستوى ثم تنكيسه إلى أن يبلغ أرذل العمر لا ترى دليلا أوضح منه على قدرة الخالق وأن من قدر على خلق الإنسان وعلى هذا كله لم يعجز عن اعادته فما سبب تكذبيك بالجزاء أو لرسول الله صلى الله عليه و سلم فمن ينسبك إلى الكذب بعد هذا الدليل فما بمعنى من أليس الله بأحكم الحاكمين وعيد للكفار وأنه يحكم عليهم بما هم أهله وهو من الحكم والقضاء والله أعلم
سورة العلق مكية وهى تسع عشرة آية
بسم الله الرحمن الرحيم
عن ابن عباس ومجاهد هى أول سورة نزلت والجمهور على أن الفاتحة أول ما نزل ثم سورة القلم اقرأ باسم ربك الذى خلق محل باسم ربك النصب على الحال أى اقرأ مفتحا باسم ربك كانه قبل قل بسم الله ثم اقرأ الذى خلق ولم يذكر لخلق مفعولا لأن المعنى الذى حصل منه الخلق واستأثر به لا خالق سواه او تقديره خلق كل شئ فيتناول كل مخلوق لأنه مطلق فليس بعض المخلوقات يتقديره أولى من بعض وقوله خلق الإنسان تخصيص للانسان بالذكرمن بين ما يتناوله الخلق لشرفه ولأن التنزيل إليه ويجوز أن يراد الذى خلق الانسان إلا أنه ذكر مبهما ثم مفسرا تفخيما لخلقه ودلالة على عجيب فطرته من علق وإنما جمع ولم يقل من علقه لأن الانسان فى معنى الجمع اقرأ وربك الأكرم الذى له الكمال فى زيادة كرمه على كل كريم ينعم على عبادة النعم ويحلم عنهم فلا يعاجلهم بالعقوبة مع كفرهم وجحودهم لنعمه وكانه ليس وراء التكرم بإفادة الفوائد العلمية تكرم حيث قال الذى علم الكتابة بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم فدل على كمال كرمه بأنه علم عباده ما لم يعلموا ونقلهم من ظلمة الجهل إلى نور العلم ونبه على فضل علم الكتابة لما فيه من المنافع العظيمة وما دونت العلوم ولا قيدت الحكم ولا ضبطت أخبار الأولين

(4/348)


ولا كتب الله المنزلة إلا بالكتابة ولولا هى لما استقامت أمور الدين والدنيا ولو لم يكن على دقيق حكمة الله دليل الا امر القلم والخط لكفى به كلا ردع لمن كفر بنعمة الله عليه بطغيانه وان لم يذكر لدلالة الكلام عليه إن الإنسان ليطغى نزلت فى أبى جهل إلى آخر السورة أن رآه أن رأى نفسه يقال فى أفعال القلوب رأيتنى وعلمتنى ومعنى الرؤية العلم ولو كانت بمعنى الابصار لامتنع فى فعلها الجمع بين الضميرين استغنى هو المفعول الثانى ان إلى ربك الرجعى تهديد للانسان من عاقبة الطغيان على طريق الالتفات والرجعى مصدر بمعنى الرجوع أى أن رجوعك إلى ربك فيجازيك على طغيانك أرأيت الذى ينهى عبد إذا صلى أى أرأيت أبا جهل ينهى محمدا عن الصلاة أرأيت إن كان على الهدى أى ان كان ذلك الناهى على طريقة سديدة فيما ينهى عنه من عبادة الله أوأمر بالتقوى أو كان آمرا بالمعروف والتقوى فيما يأمر به من عبادة الأوثان كما يعتقد أرأيت ان كذب وتولى أرأيت ان كان ذلك الناهى مكذبا بالحق متوليا عنه كما تقول نحن ألم يعلم بأن الله يرى ويطلع على أحواله من هداه وضلاله فيجازيه على حسب حاله وهذا وعيد وقوله الذى ينهى مع الجملة الشرطية مفعولا أرأيت وجواب الشرط محذوف تقديره إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى ألم يعلم بأن الله يرى وإنما حذف لدلالة ذكره فى جواب الشرط الثانى وهذا كقولك ان أكرمتك أتكرمنى وأرأيت الثانية مكررة زائدة للتوكيد كلا ردع لأبى جهل عن نهيه عن عبادة الله وأمره بعبادة الأصنام ثم قال لئن لم ينته عما هو فيه لنسفعا بالناصية لنأخذن بناصيته ولنسجنه بها إلى النار والسفع القبض على الشئ وجذبه بشدة وكتبها فى المصحف بالألف على حكم الوقف واكتفى بلام العهد عن الإضافة بأنها ناصية المذكور ناصية بدل من الناصية لأنها وصفت بالكذب والخطأ بقوله كاذبة خاطئة على الاسناد المجازى وهما لصاحبها حقيقة وفيه من الحسن والجزالة ما ليس فى قولك ناصية كاذب خاطئ فليدع ناديه سندع الزبانية النادى المجلس الذى يجتمع فيه القوم والمراد أهل النادى روى أن أبا جهل مر بالنبى عليه السلام وهو يصلى فقال ألم أنهك فأغلظ له رسول الله عليه السلام فقال أنهددنى وأنا أكثر أهل الوادى ناديا فنزل والزبانية لغة الشرط الواحد زبنية من الزبن وهو الدفع والمراد ملائكة العذاب وعنه عليه السلام ولو دعا ناديه لآخذته الزبانية عيانا كلا ردع لأبى جهل لاتطعه أى اثبت على ما أنت عليه من عصيانه كقوله فلا تطع المكذبين واسجد ودم على

(4/349)


سجودك يريد الصلاة واقترب وتقرب إلى ربك بالسجود فأن أقرب ما يكون العبد إلى ربه إذا سجد كذا الحديث والله أعلم
سورة القدر مكية وقيل مدنية وهى خمس آيات
بسم الله الرحمن الرحيم
إنا أنزلناه فى ليلة القدر عظم القرآن حيث اسند انزاله إليه دون غيره وجاء بضميره دون اسمه الظاهر للاستغناء عن التنبيه عليه ورفع مقدار الوقت الذى أنزله فيه روى أنه أنزل جملة فى ليلة القدر من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا ثم كان ينزله جبريل على رسول الله صلى الله عليه و سلم فى ثلاث عشرين سنة ومعنى ليلة القدر ليلة تقدير الأمور وقضائها والقدر بمعنى التقدير أو سميت بذلك لشرفها على سائر الليالى وهى ليلة السابع والعشرين من رمضان كذا روى أبو حنيفة رحمه الله عن عاصم عن ذرأن أبى بن كعب كان يحلف على ليلة القدر أنها ليلة السابع والعشرين من رمضان وعليه الجمهور ولعل الداعى إلى اخفائها أن يحي من يريدها الليالى الكثيرة طلبا لموافقتها وهذا كاخفاء الصلاة الوسطى واسمه الأعظم وساعة الاجابة فى الجمعة ورضاه فى الطاعات وغضبه فىالمعاصى وفى الحديث من أدركها يقول اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنى وما أدراك ماليلة القدر أ ىولم تبلغ درايتك غابة فضلها ثم بين له ذلك بقوله ليلة القدر خير من ألف شهر ليس فيها ليلة القدر وسبب ارتقاء فضلها إلى هذه الغاية ما يوجد فيها من تنزل الملائكة والروح وفصل كل أمر حكيم وذكر فى تخصيص هذه المدة أن النبى عليه السلام ذكر رجلا من بنى إسرائيل فبس السلاح فى سبيل الله ألف شهر فعجب المؤمنون من ذلك وتقاصرت إليهم أعمالهم فأعطوا ليلة هى خير من مدة ذلك كالغازى تنزل الملائكة إلى السماء الدنيا أو إلى الأرض والروح جبريل أو خلق من الملائكةلا تراهم الملائكة إلا تلك الليلة أو الرجمة فيها بإذن ربهم من كل أمر أى تنزل من أجل كل أمر قضاه الله لتلك السنة إلى قابل وعليه وقف سلام هى ما هى إلاسلامة خبر ومبتدأ أى لا يقدر الله فيها إلا السلامة والخير ويقتضى فى غيرها بلاء وسلامة أو ما هى الاسلام لكثرة ما يسلمون على المؤمنين قيل لا يلقون مؤمنا ولا مؤمنة إلا سلموا عليه فى تلك الليلة حتى مطلع الفجر أى إلى وقت طلوع الفجر وبكسر اللام على وخلف وقد حرم من السلام الذين كفروا والله أعلم

(4/350)


سورة البينة مختلف فيها وهى ثمان آيات
بسم الله الرحمن الرحيم
لم يكن الذين كفروا بمحمد صلى الله عليه و سلم من أهل الكتاب اى اليهود والنصارى وأهل الرجل أخص الناس به وأهل الإسلام من يدين به والمشركين عبدة الأصنام منفكين منفصلين عن الكفر وحذف لأن صلة الذين تدل عليه حتى تأتيهم البينة الحجة الواضحة والمراد محمد صلى الله عليه و سلم يقول لم يتركوا كفرهم حتى يبعث محمد صلى الله عليه و سلم فلما بعث أسلم بعض وثبت على الكفر بعض رسول من الله أى محمد عليه السلام وهو بدل من البينة يتلوا يقرأ عليهم صحفا قراطيس مطهرة من الباطل فيها فى الصحف كتب مكتوبات قيمة مستقيمة ناطقة بالحق والعدل وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة فمنهم من أنكر نبوته بغيا وحدا ومنهم من آمن وإثما أفرد أهل الكتاب بعد ما جمع أولا بينهم وبين المشركين لأنهم كانوا على علم به لوجوده فى كتبهم فإذا وصفوا بالتفرق عنه كان من لا كتاب له أدخل فى هذا الوصف وما أمروا يعنى فى التوراة والانجيل إلا ليعبدوا الله مخلصين له الذين من غير شرك ونفاق حنفاء مؤمنين بجميع الرسل مائلين عن الأديان الباطلة ويقيموا الصلوة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة أى دين الملة القيمة إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين فى نار جهنم خالدين فيها أولئك هم شر البرية إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية ونافع بهمزهما والفراء على التخفيف والنبى والبرية مما استمر الاستعمال على تخفيفه ورفض الأصل

(4/351)


جزاؤهم عند ربهم جنات عدن إقامة تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا رضى الله عنهم بقبول أعمالهم ورضوا عنه بثوابها ذلك أى الرضا لمن خشى ربه وقوله خير البرية يدل على فضل المؤمنين من البشر على الملائكة لأن البرية الخلق واشتقاقها من برأ الله الخلق وقيل اشتقاقها من البرى وهو التراب ولو كان كذلك لما قرءوا البريئة بالهمز كذا قاله الزجاج والله أعلم
سورة الزلزلة مختلف فيها وهى ثمان آيات
بسم الله الرحمن الرحيم
إذا زلزلت الأرض زلزاها اى حركت زلزالها الشديد الذى ليس بعده زلزال وقرئ بفتح الزاى فالمكسور مصدر والمفتوح اسم وأخرجت الأرض أثقالها أى كنوزها وموتاها جمع ثقل وهو متاع البيت جعل ما فى جوفها من الدفائن أثقالا لها وقال الإنسان ما لها زلزلت هذه الزلزلة الشديدة ولفظت ما فى بطنها وذلك عند النفخة الثانية حين تزلزل وتلفظ موتاها أحياء فيقولون ذلك لما يهرهم من الأمر الفظيع كما يقولون من بعثنا من مرقدنا وقيل هذا قول الكافر لأنه كان لا يؤمن بالبعث فأما المؤمن فيقول هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون يومئذ بدل من إذا وناصبها تحدث أى تحدث الخلق أخبارها فحذف أول المفعولين لأن المقصود ذكر تحديثها الأخبار لا ذكر الخلق قيل ينطقها الله وتخبر بما عمل عليها من خير وشروفى الحديث تشهد على كل واحد بما علم على ظهرها بأن ربك أوحى لها أى تحدث أخبارها بسبب ايحاء ربك لها أى إليها وأمره اياها بالتحديث يومئذ يصدر الناس يصدرون عن مخارجهم من القبور إلى الموقف أشتاتا بيض الوجوه آمنين وسود الوجوه فزعين أو يصدرون عن الموقف أشتاتا يتفرق بهم طريقا الجنة والنار ليروا أعمالهم أى جزاء أعمالهم فمن يعمل مثقال ذرة نملة ضغيرة خيرا تمييز يره أى يرى جزاؤه ومن يعمل مثقال درة شرا يره قيل هذا فى الكفار والأول فى المؤمنين ويروى أن اعرابيا أخر خيرا يره فقيل له فدمت وأخرت فقال

(4/352)


وروى أن جد الفرزدق أتاه عليه السلام ليستقرئه فقرأ عليه هذه الآية فقال حسبى حسبى وهى أحكم آية وسميت الجامعة والله أعلم
سورة العاديات مختلف فيها وهى إحدى عشرة آية
بسم الله الرحمن الرحيم
والعاديات ضبحا أقسم بخيل الغزاة تعدو فتضبح والضبح صوت أنفاسها إذا عدن وعن ابن عباس رضى الله عنهما أنه حكماه فقال أح أح وانتصاب ضبحا على يضبحن ضبحا فالموريات تورى نار الحباحب وهى ما ينقدح من حوافرها قدحا قادحات صاكات بحوافرها الحجارة والقدح الصك والايراء إخراج النار تقول قدح فأورى وقدح فأصلد وانتصب قدحا بما انتصب به ضبحا فالمغيرات تغير على العدو صبحا فى وقت الصبح فاثرنا به نقعا فهيجن بذلك الوقت غبارا فوسطن به بذلك الوقت جمعا من جموع الأعداء ووسطه بمعنى توسطه وقيل الضمير لمكان الغارة أو للعدى الذى دل عليه والعاديات وعطف فأثرن على الفعل الذى وضع اسم الفاعل موضعه لأن المعنى واللاتى عدون فأورين فأغرن فأثرن وجوب القسم إن الانسان لربه لكنود لكفور أى أنه لنعمة ربه خصوصا لشديد الكفران وإنه وان الإنسان على ذلك على كنوده لشهيد يشهد على نفسه أو وأن الله على كنوده لشاهد على سبيل الوعيد وانه لحب الخير لشديد وانه لأجل حب المال لبخيل ممسك أو أنه لحب المال لقوى وهو لحب عبادة الله ضعيف أفلا يعلم الإنسان إذا يعثر بعث ما فى القبور من الموتى وما معنى من وحصل ما فى الصدور ميز ما فيها من الخير والشر إن ربهم بهم يومئذ لخبير لعالم فيجازيهم على أعمالهم من الخير والشر وخص يومئذ بالذكر وهو عالم بهم فى جميع الأزمان لأن الجزاء يقع يومئذ والله أعلم

(4/353)


القارعة مبتدأ ما مبتدأ ثان القارعة خبره والجملة خبر المبتدأ الأول وكان حقه ما هى وإنما كرر تفخما لشأنها وما أدراك ما القارعة أى أى شئ أعلمك ما هى ومن أين علمت ذلك يوم نصب بمضمر دلت عليه القارعة أو تقرع يوم يكون الناس كالفراش المنثوث شبههم بالفراش في الكثرة والانتشار والضعف والذلة والتطاير إلى الداعى من كل جانب كما يتطاير الفراش إلى النار وسمى فراشا لتفرشه وانتشاره وتكون الجبال كالعهن المنفوش وشبه الجبال بالعهن وهو الصوف المصبغ ألوانا لأنها ألوان ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وبالمنفوش منه لتفرق أجزائها فأما من ثقلب موازينه باتباعهم الحق وهى جمع موزون وهو العمل الذى له وزن وخطر عند الله أو جمع ميزان وثقلها رجحانها فهو فى عيشة راضية ذات رضا أو مرضية وأما من خفت موازينه باتباعهم الباطل مأمه هاوية فمسكنه ومأواه النار وقيل للمأوى أم على التشبيه لأن الأم مأوى الولد ومفزعه وما أدراك ما هيه الضمير يعود إلى هاوية والهاء للسكت ثم فسرها فقال نار حامية بلغت النهاية فى الحرارة والله أعلم
سورة التكاثر مكية وهى ثمان آيات
بسم الله الرحمن الرحيم
ألها كم التكاثر سغلكم التبارى فى الكثرة والتناهى بها فى الأموال والأولاد عن طاعة الله حتى زرتم المقابر حتى أدرككم الموت على تلك الحال أو حتى زرتم المقابر وعددتم من المقابر من موتاكم كلا ردع وتنبيه على أنه لا ينبغى للناظر لنفسه أن تكون الدنيا تجميع همه ولا يهتم بدينه

(4/354)


سوف تعلمون عند النزع سوء عاقبة ما كنتم عليه ثم كلا سوف تعلمون فى القبور كلا تكرير الردع للانذار والتخريف لو تعلمون جواب لو محذوف أى لو تعلمون ما بين أيديكم علم اليقين علم الأمر اليقين أى كعلمكم ما تستيقنونه من الأمور لما ألهاكم التكاثر أو لفعلتم مالا يوصف ولكنكم ضلال جهلة لترون الجحيم هو جواب قسم محذوف والقسم لتوكيد الوعيد لترون بضم التاء شامى وعلى ثم لترونها كرره معطوفا بثم تغليظا فى التهديد وزيادة فى التهويل أو الأول بالقلب والثانى بالعين عين اليقين أى الرؤية التى هى نفس اليقين وخالصته ثم لتسئلن يومئذ عن النعيم عن الأمن والصحة فيم أفنيتموهما عن ابن مسعود رضى الله عنه وقيل عن التنعيم الذى شغلكم الالتذاذ به عن الدين وتكاليفه وعن الحسن ما سوى كن يؤويه وثوب يواريه وكسرة تقويه وقد روى مرفوعا والله أعلم
سورة العصر مختلف فيها وهى ثلاث آيات
بسم الله الرحمن الرحيم
والعصر أقسم بصلاة العصر لفضلها بدليل قوله تعالى والصلاة الوسطى صلاة العصر فى مصحف حفصة ولأن التكليف فى أدائها شق لتهافت الناس فى تجاراتهم ومكاسبهم آخر النهار واشتغالهم بمعايشهم أو أقسم بالعشى كما أقسم بالضحى لما فيها من دلائل القدرة أو أقسم بالزمان لما فى مروره من أصناف العجائب وجواب القسم ان الانسان لفى خسر أى جنس الانسان لفى خسران من تجاراتهم إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فإنهم اشتروا الآخرة بالدنيا فربحوا وسعدوا وتواصوا بالحق بالأمر الثابت الذى لا يسوغ انكاره وهو الخير كله من توحيد الله وطاعته واتباع كتبه ورسله وتواصوا بالصبر عن المعاصى أو على الطاعات وعلى ما يبلو به الله عباده وتواصوا فى الموضعين فعل ماض معطوف على ماض قبله والله أعلم

(4/355)


ويل مبتدأ خبره لكل همزة أى الذى يعيب الناس من خلفهم لمزة أى من يعيهم مواجهة ويناء فعله يدل على أن ذلك عادةمنه قيل نزلت فى الأخنس بن شريق وكانت عادته الغيبة والوقيعة وقيل فى أمية بن خلف وقيل فى الوليد ويجوز أن يكون السبب خاصا والوعيد عاما ليتناول كل من باشر ذلك القبيح الذى بدل من كل أو نصب على الذم جمع مالا جمع شامى وحمزة وعلى مبالغة جمع وهو مطابق لقوله وعدده أى جعله عدة لحوادث الدهر يحسب أن ماله أخلده أى تركه خالدا فى الدنيا لا يموت أو هو تعريض بالعمل الصالح وأنه هو الذى أخلده صاحبه فى النعيم فأما المال فما أخلد أحدا فيه كلا ردع له عن حسبانه لينبذن أى الذى جمع فى الحطمة فى النار التى شأنها أن تحطم كل ما يلقى فيها وما أدراك ما الحطمة تعجيب وتعظيم نار الله خبر مبتدأ محذوف أى هى نار الله الموقدة نعتها التى تطلع على الأفئذة يعنى أنها تدخل فى أجوافهم حتى تصل إلى صدورهم وتطلع على أفئدتهم وهى أوساط القلوب ولا شئ فى بدن الإنسان ألطف من الفؤاد ولا أشد تألما منه بأدنى اذى يمسه فكيف إذا طلعت عليه نار جهنم واستولت عليه وقيل خص الأفئدة لأنها مواطن الكفر والعقائد الفاسدة ومعنى اطلاع النار عليها أنها تشتمل عليها انها عليهم أى النار أ والحطمة مؤصدة مطبقة فى عمد بضمتين كوفى غير حفص الباقون فى عمد وهما لغتان فى جمع عماد كاهاب وأهب وحمار وحمر ممددة أى توصد عليهم الأبواب وتمدد على الأبواب العمد استيثاقا فى استيثاق فى الحديث المؤمن كيس فطن وقاف متثبت لا يعجل عالم ورع والمنافق همزة لمزة حطمة كحاطب الليل لا يبالى من اين اكتسب وفيم أتفق والله أعلم

(4/356)


ألم تركيف فعل ربك كيف فى موضع نصب بفعل لا بألم تر لما فى كيف من معنى الاستفهام والجملة سدت مسد مفعولى تر وفى ألم تعجب أى عجب الله نبية من كفر العرب وقد شاهدت هذه العظمة من آيات الله والمعنى إنك رأيت آثار صنع الله بالحبشة وسمعت الأخبار به متواترا فقامت لك مقام المشاهدة بأصحاب الفيل روى أن أبرهة بن الصباح ملك اليمن من قبل اصحمة النجاشى بنى كنيسة بصنعاء وسماها القليس واراد أن يصرف إليها الحاج فخرج رجل من كنانة فعقد فيها ليلا فأغضبه ذلك وفيل أججت رفقة من العرب نارا فحملتها الريح فاحرقنها فحلف ليهدمن الكعبة فخرج بالحبشة ومعه قيل اسمه محمود وكان قويا عظيما واثنا عشر فيلا غيره فلما بلغ المغمس خرج إليه عبد المطلب وعرض عليه ثلث اموال تهامة ليرجع فأبى وعبى جيشه وقدم الفيل وكانوا كلما وجهوه إلى الحرم برك ولم يبرح وإذا وجهوه إلى اليمن هرول فأرسل الله طيرا مع كل طائر حجر فى منقاره وحجران فى رجليه أكبر من العدسة وأصغر من الحمصة فكان الحجر يقع على رأس الرجل فيخرج من دبره وعلى كل حجر اسم من يقع عليه ففروا وهلكوا وما مات أبرهة حتى انصدع صدره عن قلبة وانفلت وزيره أبو يكسوم وطائر يحلق فوقه حتى بلغ النجاشى فقص عليه القصة فلما أتمها وقع عليه الحجر فخر ميتا بين يديه وروى أن أبرهة اخذ لعبد المطلب مائتى بعير فخرج إلية فيها فعظم فى عينه وكان رجلا جسيما وسيما وقيل هذا سيد قريش وصاحب عيرمكة الذى يطعم الناس فى السهل والوحوش فى رءوس الجبال فلما ذكر حاجته قال سقطت من عينى جئت لأهدم البيت الذى هو دينك ودين آبائك وشرفكم فى قديم الدهر فألهاك عنه ذود أخذلك فقال أنا رب الابل وللبيت رب سيمنعه ألم يجعل كيدهم فى تضليل فى تضييع وابطال يقال ضلل كيده إذا جعله ضالا ضائعا وقيل لامرئ القيس الملك الضليل لأنه ضلل ملك أبيه أى ضيعه يعنى أنهم كادوا البيت او ببناء القليس ليصرفوا وجو الحاج إليه فضلل كيدهم بايقاع الحريق فيه وكادوه ثانيا بارادة هدمه فضلل كيدهم بارسل الطير عليهم وأرسل عليهم طيرا أبا بيل خزائق الواحدة ابالة قال الزجاج جماعات من ههنا وجماعات من ههنا ترميهم وقرأ أبو حنيفة رضى الله عنه يرميهم أى الله أ والطير

(4/357)


بحجارة من سجيل
سورة قريش
بسم الله الرحمن الرحيم لا يلاف قريش
لا يلاف قريش متعلق بقوله فلعبدوا أموهم أن يعبدوه لأجل إيلافهم الرحلتين ودخلت الفاء لما فى الكلام من معنى الشرط أ ىأن نعم الله عليهم لا تحصى فان لم يعبدوه لسائر نعمه فليعبدوه لهذه الواحدة التى هى نعمة ظاهرة أو بما قبله أى فجعلهم كعصف مأكول لا يلاف قريش يعنى ان ذلك الاتلاف لهذا الايلاف وهذا كالتضمين فى الشعر وهو أن يتعلق معنى البيت بالذى قبله تعلقا لا يضح إلا به وهما فى مصحف أبى سورة واحدة بلا فصل ويروى عن الكسائى ترك التسمية بينهما والمعنى أنه اهلك الحبشة الذين قصدوهم ليتسامع الناس بذلك فيحرموهم قضل احترام حتى ينتظم لهم الأمن فى رحلتيهم فلا يجترئ أحد عليهم وقيل المعنى أعجبوا لا يلاف قريش لالاف قريش شامى أى المؤلفة قريش وقيل يقال ألفته ألفا والافا وقريش ولد النضر بن كنانة سموه بتصغير القرش وهو دابة عظيمة فى البحر تعبث بالسفن ولا تطلق إلا بالنار والتصغير للتعظيم فسموه بذلك لشدتهم ومنعتهم تشبيها بها وقيل من القرش وهو الجمع والكسب لأنهم كانوا كسابين بتجاراتهم وضربهم فى البلاد ايلافهم رحلة الشتاء والصيف أطلق الايلاف ثم أبدل عنه المقيد بالرحلتين تفخيما لأمر الايلاف وتذكيرا لعظيم النعمة فيه ونصب الرحلة بايلافهم مفعولا به وأراد رحلتى الشتاء والصيف فأفرد لا من الالباس وكانت لقريش رحلتان يرحلون فى الشتاء إلى اليمن وفى الصيف إلى الشام فيتمارون ويتجرون وكانوا فى رحلتيهم آمنين لأنهم أهل حرم الله فلا يتعرض لهم وغيرهم يغار عليهم فليعبدوا رب هذا البيت الذى أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف والتنكير فى جوع وخوف لشدتهما يعنى أطعمهم بالرحلتين من جوع شديد كانوا فيه قبلهما وآمنهم من خوف عظيم وهو خوف أصحاب الفيل أو خوف التخطف فى بلدهم ومسايرهم وقيل كانوا قد أصابتهم

(4/358)


سورة الماعون
بسم الله الرحمن الرحيم ارايت الذى يكذب بالدين
أرأيت الذى يكذب بالدين أى هل عرفت الذى يكذب بالجزاء من هو ان لم تعرفه فذلك الذى يكذب بالجزاء هو الذى يدع اليتيم أ ىيدفعه دفعا عنيفا بجفوه وأذى ويرده ردا قبيحا بزجر وخشونة ولا يحض على طعام المسكين ولا يبعث أهله على بذل طعام المسكين جعل علم التكذيب بالجزاء منع المعروف والاقدام على إيذاء الضعيف أى لو آمن بالجزاء وأيقن بالو عين لخشى الله وعقابه ولم يقدم على ذلك فحين أقدم عليه دل أنه مكذب بالجزاء ثم وصل به قوله فويل للمصلين الذين هم عن صلوتهم ساهون الذين هم يراءون ويمنعون الماعون يعنى بهذا المنافقين أى لا يصلونها سرا لأنهم لا يعتقدون وجوبها ويصلونها علانية رياء وقيل فويل للمنافقين الذين يدخلون أنفسهم فى جملة المصلين صورة وهم غافلون عن صلاتهم وأنهم لا يريدون بها قربة إلى ربهم ولا تأدية لفرض فهم ينخفضون ويرتفعون ولا يدرون ماذا يفعلون ويظهرون للناس أنهم يؤدون الفرائض الزكاة وما فيه منفعة وعن انس والحسن قالا الحمد لله الذى قال عن بصلاتهم ولم يقل فى صلاتهم لأن معنى عن أنهم ساهون عنها سهو ترك لها وقلة التفات إليها وذلك فعل المنافقين ومعنى فى أن السهو يعتريهم فيها بوسوسة شيطان أو حديث نفس وذلك لا يخلو عنه مسلم وكان رسول الله صلى الله عليه و سلم يقع له السهو فى صلاته فضلا عن غيره والمرا آة مفاعلة من الاراءة لأن المرائى يرائى الناس عمله وهم يرونه الثناء عليه والاعجاب به ولا يكون الرجل مرائيا باظهار الفرائض فمن حقها الاعلان بها لقوله صلى الله عليه و سلم ولا عمة فى فرائض الله والاخفاء فى التطوع أولى فإن أظهره قاصدا للافتداء به كان جميلا والماعون الزكاة وعن ابن مسعود رضى الله عنه ما يتعاور فى العادة من الفأس والقدر والدلو والمقدحة ونحوها وعن عائشة رضى الله عنها الماء والنار والملح والله أعلم

(4/359)


سورة الكوثر مكية وهي ثلاث آيات
بسم الله الرحمن الرحيم
إنا اعطيناك الكوثر هو فوعل من الكثرة وهو المفرط الكثرة وقيل هو نهر في الجنة أحلى من العسل وأشد بياضا من اللبن وأبرد من الثلج وألين من الزبد حافتاه الزبرجد وأوانيه من فضة وعن ابن عباس رضي الله عنهما هو الخير الكثير فقيل له ان ناسا يقولون هو نهر في الجنة فقال هو من الخير الكثير فصل لربك فاعبد ربك الذي أعزك باعطائه وشرفك وصانك من منن الخلق مراغما لقومك الذين يعبدون غير الله وانحر لوجهه وباسمه إذا نحرت مخالفا لعبدة الأوثان في النحر لها إن شانئك ان من أبغضك من قومك بمخالفتك لهم هو الابتر المنقطع عن كل خير لا أنت لأن كل من يولد إلى يوم القيامة من المؤمنين فهم اولادك وأعقابك وذكرك مرفوع على المنابر وعلى لسان كل عالم وذاكر إلى آخر الدهر يبدأ بذكر الله ويثنى بذكرك ولك في الآخرة مالا يدخل تحت الوصف فمثلك لا يقال له أبتر إنما الأبتر هو شانئك المنسي في الدنيا والآخرة قيل نزلت في العاص بن وائل سماه الأبتر والابتر الذي لا عقب له وهو خبران وهو فصل
سورة الكافرون ست آيات مكية
بسم الله الرحمن الرحيم
قل يا أيها الكافرون المخاطبون كفرة مخصوصون قد علم الله أنهم لا يؤمنون روى أن رهطا من قريش قالوا يا محمد هلم فاتبع ديننا ونتبع دينك تعبد آلهتنا سنة ونعبد ألهك سنة فقال معاذ الله أن أشرك بالله غيره قالوا فاستلم بعض آلهتنا نصدقك ونعبد آلهك فنزلت فغدا إلى المسجد الحرام وفيه الملأ من قريش فقرأ عليم فآيسوا لا أعبد ما تعبدون أي لست في حالي هذه عابد ما تعبدون ولا أنتم عابدون الساعة ما أعبد يعني الله ولا أنا عابد ما عبدتم ولا أعبد فيما استقبل من

(4/360)


الزمان ما عبدتم ولا أنتم فيما تستقبلون عابدون ما أعبد وذكر بلفظ ما لان به الصفة أي لا أعبد الباطل ولا تعبدون الحق أو ذكر بلفظ ما ليتقابل اللفظان ولم يصح في الاول من وصح في الثاني ما بمعنى الذي لكم دينكم ولي دين لكم شرككم ولي توحيدى وبفتح الياء نافع وحفص وروى أن ابن مسعود رضي الله عنه دخل المسجد والنبي صلى الله عليه و سلم جالس فقال له نابذيا ابن مسعود فقرا قل يا أيها الكافرون ثم قال له في الركعة الثانية أخلص فقرأ قل هو الله أحد فلما سلم قال يا ابن مسعود سل تجب والله أعلم
سورة النصر مدنية وهي ثلاث آيات
بسم الله الرحمن الرحيم
إذا منصوب بسبح وهو لما يستقيل والاعلام بذلك قبل كونه من أعلام النبوة وروى أنها نزلت في أيام التشريق بمنى في حجة الوداع جاء نصر الله والفتح النصر الاغاثة والاظهار على العدو والفتح فتح البلاد والمعنى نصر رسول الله صلى الله عليه و سلم على العرب أو على قريش وفتح مكة أو جنس نصر الله المؤمنين وفتح بلاد الشرك عليهم ورأيت الناس يدخلون هو حال من الناس على أن رأيت بمعنى أبصرت أو عرفت أو مفعول ثان علىأنه بمعنى علمت في دين الله أفواجا هو حال من فاعل يدخلون وجواب إذا فسبح أي إذا جاء نصر الله اياك على من ناواك وفتح البلاد ورأيت أهل اليمن يدخلون في ملة الإسلام جماعات كثيرة بعد ما كانوا يدخلون فيه واحدا واحدا واثنين اثنين فسبح بحمد ربك فقل سبحان الله حامدا له أو فصل له واستغفره تواضعا وهضما للنفس أو دم على الاستغفار إنه كان ولم يزل توابا التواب الكثير القبول التوبة وفي صفة العباد الكثير الفعل للتوبة ويروى أن عمر رضي الله عنه لما سمعها بكى وقال الكمال دليل الزوال وعاش رسول الله صلى الله عليه و سلم بعدها سنتين والله أعلم
سورة أبي لهب مكية وهي خمس آيات
بسم الله الرحمن الرحيم
تبت يدا أبي لهب التباب الهلاك ومنه قولهم أشابه أم تابة أي هالكة من الهرم

(4/361)


والمعنى هلكت يداه لأنه فيما يروى أخذ حجرا ليرمي به رسول الله صلى الله عليه و سلم وتب وهلك كله أو جعلت يداه هالكتين والمراد هلاك جملته كقوله بما قدمت يداك ومعنى وتب وكان ذلك وحصل كقوله ... جزاني جزاه الله شر جزائه ... جزاء الكلاب العاويات وقد فعل ...
وقد دلت عليه قراءة أبن مسعود رضي الله عنه وقد تب روى أنه لما نزل وانذر عشيرتك الا قربين رقى الصفا وقال يا صباحاه فاستجمع اليه الناس من كل أوب فقال عليه الصلاة و السلام يا بني عبدالمطلب يا بني فهران أخبرتكم أن بسفح هذا الجبل خيلا أكنتم مصدقي قالوا نعم قال فإني نذير لكم بين يدي الساعة فقال أبو لهب تبالك ألهذا دعوتنا فنزلت وإنما كناه والتكنية تكرمة لاشتهاره بها دون الامم أو لكراهة اسمه فاسمه عبدالعزى أو لأن مآله إلى نار ذات لهب فوافقت حاله كنيته أبي لهب مكي ما أغنى عنه ماله ماللنفي وما كسب مرفوع وما موصولة أو مصدرية أي ومكسوبة أو وكسبه أي لم ينفعه ماله الذي ورثه من ابيه والذي كسبه بنفسه أو ماله التالد والطارف وعن ابن عباس رضي الله عنهما ماكسب ولده وروى أنه كان يقول أن كان ما يقول ابن أخي حقا فأنا افتدى منه نفسي بمالي وولدي سيصلى نارا سيدخل سيصلى البرجمي عن أبي بكر والسين للوعيد أي هو كائن لامحالة وان تراخي وقته ذات لهب توقد وامرأته هي أم جميل بنت حرب أخت أبي سفيان حمالة الحطب كانت تحمل حزمة من الشوك والحسك فتنثرها بالليل في طريق رسول الله صلى الله عليه و سلم وقيل كانت تمشي بالنميمة فتشعل نار العداوة بين الناس ونصب عاصم حمالة الحطب على الشتم وأنا أحب هذه القراءة ولقد توسل إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم بجميل من أحب شتم أم جميل وعلى هذا يسوغ الوقف على امراته لأنها حمالة الحطب على أنها خبر وامرأته أو هي حمالة في جيدها حبل من مسد حال أو خبر آخر والمسد الذي قتل من الحبال فتلا شديدا من ليف كان أو جلدا وغيرهما والمعنى في جيدها حبل مما مسد من الحبال وانها تحمل تلك الحزمة من الشوك وتربطها في جيدها كما يفعل الحطابون تحقيرا لها وتصويرا لها بصورة بعض الحطابات لتجزع من ذلك ويجزع بعلها وهما في بيت العز والشرف وفي منصب التروة والجدة والله اعلم

(4/362)


سورة الاخلاص اربع آيات مكية عند الجمهور وقيل مدنية عند أهل البصرة
بسم الله الرحمن الرحيم
قل هو الله احد هو ضمير الشأن والله أحد هو الشأن كقولك هو زيد منطلق كانه قيل الشأن هذا وهو أن الله واحد لا ثاني له ومحل هو الرفع على الابتداء والخبر هو الجملة ولا يحتاج إلى الراجع لأنه في حكم المفرد في قولك زيد غلامك في أنه هو المبتدأ في المعنى وذلك أن قوله الله أحد هو الشأن الذي هو عبارة عنه وليس كذلك زيدا ابوه منطلق فان زيدا والجملة يدلان على معنيين مختلفين فلا بد مما يصل بينهما وعن ابن عباس رضي الله عنهما قالت قريش يا محمد صف لنا ربك الذي تدعونا اليه فنزلت يعني الذي سألتموني وصفه هو الله تعالى وعلى هذا احد خبر مبتدا محذوف أي هو احد وهو بمعنى واحد وأصله وحد فقلبت الواو همزة لوقوعها طرفا والدليل على أنه واحد من جهة العقل ان الواحد اما أن يكون في تدبير العالم وتخليقه كافيا أو لا فإن كان كافيا كان الآخر ضائعا غيرمحتاج اليه وذلك نقص والناقص لا يكون الهاوان لم يكن كافيا فهو ناقص ولان العقل يقتضي احتياج المفعول إلى فاعل والفاعل الواحد كاف وما وراء الواحد فليس عدد أولى من عدد فيقضى ذلك إلى وحود أعداد لا نهاية لهاوذا محال فالقول بوجود الهين محال ولأن أحدهما أما ان يقدر على ان يستر شيئا من افعاله عن الآخر ولا يقدر فان قدر لزم كون المستور عنه جاهلا وان لم يقدر لزم كونه عاجزا ولأنا لو فرضنا معد وما ممكن الوجود فان لم يقدر واحد منهما على ايجاده كان كل واحد منهما عاجزا والعاجز لا يكون الها وان قدر احدهما دون الآخر فالآخر لايكون الها وان قدرا جميعا فاما ان يوجداه بالتعاون فيكون كل واحد منهما محتاجا إلى إعانة الآخر فيكون كل واحد منهما عاجزا وان قدر كل واحد منهما على ايجاده بالاستقلال فإذا أوجده أحدهما فأما أن يبقي الثاني قادرا عليه وهو محال لان ايجاد الموجود محال وان لم يبق فحينئذ يكون الاول مزيلا قدرة الثاني فيكون عاجزا ومقهورا تحت تصرفه فلا يكون الها فان قلت الواحد إذا أو وجد مقدور نفسه فقد زالت قدرته فيلزمكم أن يكون هذا الواحد قد جعل نفسه عاجزا قلنا الواحد اذا اوجد مقدور نفسه فقد نفذت قدرته ومن نفذت قدرته لا يكون عاجزا واما الشريك فما نفذت قدرته بل زالت قدرته بسبب قدرة الآخرفكان ذلك تعجيزا الله الصمد هو فعل بعنى مفعول من صمد اليه اذاقصده وهو السيد المصمود اليه في الحوائج والمعنى هو الله الذي تعرفونه وتقرون بأنه خالق السموات والأرض وخالقكم وهو واحد لا شريك له وهو الذي يصمد اليه كل مخلوق لا يستغنون عنه وهو الغني عنهم لم يلد لأنه لا يجانس حتى تكون له من جنسه صاحبة فيتوالدا وقد دل على هذا المعنى بقوله أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبه ولم يولد لأن كل مولود

(4/363)


محدث وجسم وهو قديم لا أول لوجوده أذ لو لم يكن قديما لكان حادثا لعدم الواسطة بينهما ولو كان حادثا لافتقر الى محدث وكذا الثانى والثالث فيؤدى الى التسلسل وهو باطل وليس بجسم لأنه اسم للمتركب ولا يخلو حينئذ من ان يتصف كل جزء منه بصفات الكمال فيكون كل جزء الها فيفسد القول به كما فسد بالهين أو غير متصف بهابل بأضدادها من سمات الحدوث وهو محال ولم يكن له كفوا أحد ولم يكافئه أحد أى لم يماثله سالوه أن يصفه لهم فأوحى اليه ما يحتوى على صفاته تعالى فقوله هو الله إشارة إلى أنه خالق الاشياء وفاطرها وفى طى ذلك وصفه بانه قادر عالم لأن الخالق يستدعى القدرة والعلم لكونه واقعا على غاية احكام واتساق وانتظام وفى ذلك وصفه بأنه حى لأن المتصف بالقدرة والعلم لا بدو أن يكون حيا وفى ذلك وصفه بأنه سميع بصير مريد متكلم إلى غير ذلك من صفات الكمال اذلو لم يكن موصوفا بها لكان مرصوفا بأضدادها وهى نقائص وذامن أمارات الحدوث فيستحيل اتصاف القديم بها وقوله أحد وصف بالوحدانية ونفى الشريك وبانه المتفرد بايجاد المعدومات والمتوحد بعلم الخفيات وقوله الصمد وصف بأنه ليس إلا محتاجا اليه واذا لم يكن الا محتاجا فهو غنى لا يحتاج الى أحد ويحتاج اليه كل أحد وقوله لم يلد نفى للشبه والمجانسة وقوله ولم يولد نفى للحدوث ووصف بالقدم والاولية وقوله ولم يكن له كفوا أحد نفى ان يماثلة شئ ومن زعم أن نفى الكفء وهو المثل فى الماضى لا يدل على نفيه للحال والكفار يدعونه فى الحال فقدتاه فى غيه لأنه اذا لم يكن فيما مضى لم يكن فى الحال ضرورة اذ الحادث لا يكون كفؤا للقديم وحاصل كلام الكفرة يؤل الى الاشراك والتشبيه والتعطيل والسورة تدفع الكل كما قررنا واستحسن سيبويه تقديم الظرف إذا كان لغوا أى فضلة لأن التأخير مستحق للفضلات وانما قدم فى الكلام الافصح لأن الكلام سيق لنفى المكافأة عن ذات البارئ سبحانه وهذا المعنى مصبه ومركزه هو هذا الظرف فكان الاهم تقديمه وكان أبو عمر ويستحب الوقف على احد ولا يستحب الوصل قال عبد الوارث على هذا أدركنا القراء واذا وصل نون وكسر أو حذف التنوين كقراءة عزيز بن الله كفؤا بسكون الفاء والهمزة حمزة وخلف كفوا مثقله غير مهموزة حفص الباقون مثقلة مهموزة وفى الحديث من قرأ سورة الاخلاص فقد قرأ ثلث القرآن لأن القرآن يشتمل على توحيد الله وذكر صفاته وعلى لاوامر والنواهى وعلى القصص والمواعظ وهذه السورة قد تجردت للتوحيد والصفات فقد تضمنت ثلث القرآن وفيه دليل شرف علم التوحيد وكيف لا يكون كذلك والعلم يشرف بشرف المعلوم ويتضع بضعته ومعلوم هذا العلم فى زمرة العالمين بك العاملين لك الزاجين لثوابك الخائفين من عقابك المكرمين بلقائك وسمع رسول الله صلى الله عليه و سلم رجلا يقرأ قل هو الله أحد فقال وجبت فقيل يا رسول الله ما وجبت قال وجبت له الجنة

(4/364)


سورة الفلق
بسم الله الرحمن الرحيم قل أعوذ برب الفلق
سورة الفلق مختلف فيها وهى خمس آيات
بسم الله الرحمن الرحيم
قل أعوذ برب الفلق أى الصبح أو الخلق أو هو وادفى جهنم أوجب فيها من شر ما خلق أى النار والشيطان وما موصولة والعائد محذوف أو مصدرية ويكون الخلق بمعنى المخلوق وقرأ أبو حنيفة رضى الله عنه من شر بالتنوين وما على هذا مع الفعل بتأويل المضدر فى موضع الجر بدل من شر اى شر خلقه أ ىمن خلق شر أو زائدة ومن شر غاسق إذا وقب الغاسق الليل إذا اعتكر ظلامه ووقوبه دخول ظلامه فى كل شئ وعن عائشة رضى الله عنها أخذ رسول الله صلى الله عليه و سلم بيدى فأشار الى القمر فقال تعوذى بالله من شر هذا فانه الغاسق إذا وقب ووقو به دخوله فى الكسوف وأسوداده ومن شر النفاثات فى العقد النفاثات النساء او النفوس أو الجماعات السواحر اللاتى يعقدن عقدافى خيوط وينفثن عليها ويرقين والنفث النفخ مع ريق وهو دليل على بطلان قول المعتزلة فى انكار تحقيق السحر وظهور أثره ومن شر حاسد اذا حسد أى اذا ظهر حسده وعمل بمقتضاه لأنه إذا لم يظهر فلا ضرر يعود منه على من حسده بل هو الضار لنفسه لاغتمامه بسرور غيره وهو الأسف على الخير عند الغير والاستعاذة من شر هذه الاشياء بعد الاستعاذة من شر ما خلق اشعار بأن شر هؤلاء أشد وختم بالحسد ليعلم انه شرها وهو أول ذنب عصى الله به فى السماء من إبليس وفى الأرض من قابيل وإنما عرف بعض المستعاذ منه ونكر بعضه لأن كل نفائة شريرة فلذا عرفت النفاثات ونكر غاسق لأن كل غاسق لا يكون فيه الشر إنما يكون فى بعض دون بعض وكذلك كل حاسر لا يضرورب حسد يكون محمودا كالحسد فى الخيرات والله أعلم
سورة الناس مختلف فيها وهى ست آيات
بسم الله الرحمن الرحيم
قل اعوذ برب الناس اى مربيهم ومصلحهم ملك الناس مالكهم ومدبر أمورهم إله الناس معبودهم ولم يكتف باظهار المضاف اليه مرة واحدة لأن قوله ملك الناس إله الناس عطف بيان لرب الناس لأنه يقال لغيره رب الناس وملك الناس وأما إله الناس

(4/365)


فخاص لا شركة فيه وعطف البيان للبيان فكأنه مظنة للاظهار دون الاضمار وإنما أضيف الرب الى الناس خاصة وان كان رب كل مخلوق تشريفا لهم ولأن الاستعاذه وقعت من شر الموسوس فى صدور الناس فكأنه قيل أعوذ من شر الموسوس الى الناس بربهم الذى يملك عليهم أمورهم وهو إلههم ومعبودهم وقيل أراد بالاول الاطفال ومعنى الربوبية يدل عليه وبالثانى الشبان ولفظ الملك المنبئ عن السياسة يدل عليه وبالثالث الشيوخ ولفظ الاله المنبئ عن العبادة يدل عليه وبالرابع الصالحين اذ الشيطان مولع باغوائهم وبالخامس المفسدين لعطفه على المعوذ منه من شر الوسواس هو إسم بمعنى الوسوسة كالزلزال بمعنى الزلزلة وأما المصدر فوسواس بالكسر كالزلزال والمراد به الشيطان سمى بالمصدر كانه وسوسة في نفسه لأنها شغله الذي هو عاكف عليه أو أريد ذو الوسواس والوسوسة الصوت الخفى الخناس الذى عادته أن يخنس منسوب الىالخنوس وهو التأخر كالعواج والنتات لما روى عن سعيد بن جبير اذا ذكر الانسان ربه خنس الشيطان وولى واذا غفل رجع ووسوس اليه الذى يوسوس فى صدور الناس فى محل الجر على الصفة أو الرفع أو النصب على الشتم وعلى هذين الوجهين يحسن الوقف على الخناس من الجنة والناس بيان للذى يوسوس على أن الشيطان ضربان جنى وانسى كما قال شياطين الانس والجن وعن أبى ذر رضى الله عنه أنه قام لرجل هل تعوذت بالله من شيطان الانس روى أنه عليه السلام سحر فمرض فجاءه ملكان وهو نائم فقال أحدهما لصاحبه ما باله فقال طب قال ومن طبه قال لبيد بن أعصم اليهودى قال وبم طبه قال بمشط ومشاطة فى جف طلعة تحت راعوفة فى بئر ذى أروان فانتبه صلى الله عليه و سلم فبعث زبيرا وعليا وعمارا رضى الله عنهم فنزحوا ماء البئر واخرجوا الجف فاذا فيه مشاطة رأسه وأسنان من مشطه وإذا فيه وتر معقد فيه احدى عشرة عقدة مغروزة بالابر فنزلت هاتان السورتان فكلما قرأ جبريل آية انحلت عقدة حتى قال صلى الله عليه و سلم عندانحلال العقدة الأخيرة كانما نشط من عقال وجعل جبريل يقول بسم الله أرقيك والله يشفيك من كل داء يؤذيك ولهذا جوز الاسترقاء بما كان من كتاب الله وكلام رسول عليه السلام لا بما كان بالسريانية والعبرانية والهندية فانه لا يحل اعتقاده والاعتماد عليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيآت أعمالنا وأقوالنا ومن شر ما عملنا وما لم نعمل ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله ونبيه وصفيه أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون صلى الله عليه وعلى آله مصابيح الانام وأصحابه مفاتيح دار السلام صلاة دائمة ما دامت الليالى والأيام

(4/366)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية