صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : تفسير اللباب
المؤلف : ابن عادل
مصدر الكتاب : موقع التفاسير
http://www.altafsir.com
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله الله أعلم حيث يجعل رسالته سيصيب الذين أجرموا صغار عند الله وعذاب شديد بما كانوا يمكرون (124)

قال المفسرون : إن الوليد بن المغيرة قال : والله لو كانت النبوة حقا لكنت أولى بها منك؛ لأني أكبر منك سنا ، وأكثر منك مالا ، وولدا؛ فنزلت الآية الكريمة .
وقال الضحاك : أراد كل واحد منهم أن يخص بالوءحي ، والرسالة؛ كما أخبر تعالى عنهم : { بل يريد كل امرىء منهم أن يؤتى صحفا منشرة } [ المدثر : 52 ] فظاهر هذه الآية الكريمة التي نحن في تفسيرها يدل على ذلك أيضا ، وهذا يدل على أن جماعة منهم كانوا يقولون هذا الكلام .
وقال مقاتل : نزلت في أبي جهل؛ وذلك أنه قال : زاحمنا بنو عبد مناف في الشرف؛ حتى إذا صرنا كفرسي هان ، قالوا منا نبي يوحى إليه ، والله لن نؤمن به ، ولن نتبعه أبدا؛ إلا أنء يأتينا وحي ، كما يأتيه؛ فأنزل الله - تبارك وتعالى - الآية .
وقوله : { لن نؤمن حتى نؤتى مثل مآ أوتي رسل الله } .
فيه قولان :
أشهرهما : أن القوم أرادوا أن تحصل لهم النبوة ، والرسالة ، كما حصلت لمحمد صلى الله عليه وسلم وأن يكونوا متبوعين لا تابعين .
والوقول الثاني : نقل عن الحس ، وابن عباس أن المعنى : وإذا جاءتهم آية من القرآن تأمرهم باتباع النبي صلى الله عليه وسلم قالوا : « لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا . . . . » إلى قوله : { حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه } [ الإسراء : 93 ] من الله - عز وجل- إلى أبي جهل ، وإلى فلان وفلان ، كتابا على حدة؛ وعلى هذا فالتقدير ما طلبوا النبوة وإنما طلبوا ان ياتيهم بآيات قاهرة مثل معجزات الأنبياء المتقدمين؛ كي تدل على صحة نبوة محمد- عليه الصلاة والسلام- .
قال المحققون : والأول أقوى لأن قوله تبارك وتعالى : { الله أعلم حيث يجعل رسالته } لا يليق إلا بالقول الأول .
وقوله : { الله أعلم حيث يجعل رسالته } فيه تنبيه على أن أقل ما لا بد منه في حصول النبوة ، والرسالة؛ الباراءة عن المكر ، والخديعة ، والغدر ، والغل ، والحسد وقولهم { لن نؤمن حتى نؤتى مثل مآ أوتي رسل الله } عين المكر ، والغل والحسد؛ فكيف تحصل النبوة ، والرسالة مع هذه الصفات الذميمة؟ .
قوله تعالى : { الله أعلم حيث يجعل رسالته } .
في « حيث » هذه وجهان :
أحدهما : أنها خرجت عن الظرفية ، وصارت مفعولا بها على السعة ، وليس العامل « أعلم هذه ؛ لما تقدم من أن أفعل لا تنصب المفعول به .
قال أبو علي : » لا يجوز أن يكون العامل في « حيث » : فعلا يدل عليه « أعلم » و « حيث » لا يكون ظرفا ، بل يكون اسما ، وانتصابه على المفعلول به على الاتساعن ومل ذلك في انتصاب « حيث » على المفعول به اتساعا قول الشماخ : [ الطويل ]

(7/155)


2304- وحلأها عن ذي الأراكة عامر ... أخو الخضر يرمي حيث تكوى النواجز
ف « حيث » مفعولة ، لأنه لي يريد أنه يرمي شيئا حيث تكون النواجز ، إنما يريد أنه يرمي ذلك الموضع « . وتبع الناس الفارسي على هذا القول .
فقال الحوفي : » ليست ظرفا؛ لأنه تعالى لا يكون في مكان أعلم منه في مكان آخر ، وإذا لم تكن ظرفا ، كان مفعلا بها؛ على السعة ، وإذا كانت مفعولا ، لم يعمل فيها « أعلم » ؛ لأن « أعلم » لا يعمل في المفعول به فيقدر لها فعل « وعبارة ابن عطية ، وأبي البقاء نحو من هذا .
وأخذ البريزي كلام الفارسي [ فنقله ] ، وأنشد البيت المتقدم .
والثاني : أنها باقية على ظرفيتها بطري المجاز ، وهذا القول ليس بشيء ، ولكن أجازه أبو حيان مختارا له على ما تقدم .
فقال : » وما أجازواه من أنه مفعول به على السعة أو مفعول به على غير السعة- تأباه قواعد النحو؛ لأن النحويين نصوا على أن « حيث » من الظروف التي لا تتصرف ، وشذ إضافة « لدى » إليها ، وجرها « بالياء » ، وب « في » ، ونصوا على أن الظرف المتوسع فيه لا يكون إلا متصرفا ، وإذا كان كذلك ، امتنع نصب « حيث » على المفعول به ، لا على السعة ، ولا على غيرها .
والذي يظهر لي إقرار « حيث » على الظرفية المجازية ، على أن يضمن « أعلم » معنى ما تيعدى إلى الظرف ، فيكون التقدير : « الله أنفذ علما حيث يجعل رسالاه » أي : « هو نافذ العلم في لاموضع الذي يجعل فيه رسالاته ، والظرف هنا مجاز كما قلنا » .
قال شهاب الدين : قد ترك ما قاله الجمهور ، وتتابعوا عليه ، وتأول شيئا هو أعظم مما فر منه الجمهور ، وذلك أنه ليزمه على ما قدر أن علم الله في نفسه يتفاوت بالنسبة إلى الأمكنة ، فيكون في مكان أبعد منه في مكان ، ودعواه مجاز الظرفية لا ينفعه؛ فيما ذكرته من الإشكال ، وكيف يقال مثل هذا؟ وقوله : « نص النحاة على عدم تصرفها » هذا معارض- أيضا- بأنهم نصا على أنها قد تتصرف بغير ما ذكر هو من كونها مجروة ب « لدى » أو « إلى » أو « في » فمنه : أنها جاءت اسما ل « إن » في قوله الشاعر : [ الخفيف ]
2305-إن حيث استقر من أنت راجي ... ه حمى فيه عزة وأمان
ف « حيث » اسم « إن » ، و « حمى » خبرها ، أي : إن مكانا استقر من أنتن راعية مكان يحمي فيه العز والأمان ومن مجيئها مجروة ب « إلى » قول القائل في ذلك : [ الطويل ]
2306- فشد ولم ينظر بيوتا كثيرة ... إلى حيث ألقت رحلها أم قشعم

(7/156)


وقد يجاب عن الإشكال الذي أوردته عليه ، بأنه لم يرد بقوله « أنفذ علما » التفضيل ، وإن كان هو الظاهر بل يريد مجرد الوصف؛ ويدل على ذلك قوه : أي هو نافذ العلمل في الموضع الذي يجعل فيه رسالاته ، ولكن كان ينبغي أن يصرح بذلك ، فيقول : ولي المراد التفضيل .
وروي « حيث يجعل » بفتح الثاء ، وفيها احتمالان :
أحدهما : أنها فتحة بناء؛ طردا للباب .
والثاني : أنها فتحة إعراب؛ لأنها معربة في لغة بني فقعس ، حكاها الكسائي .
[ وفي « حيث » ست لغات : حيث : بالياء بتثليث الثاء ، وحوث : بالواو ، مع تثليث الثاء ] .
وقرأ ابن كثير ، وحفص عن عاصم « رسالته » بالإفراد ، والباقون : « رسالاته » بالجمع ، وقد تقدم توجيه ذلك في المائدة؛ إلا أن بعض من قر هناك بالجمع- وهوحفص- قرأ هنا بالإفراد ، وبعض من قرأ هناك بالإفراد- وهو أبو عمرو ، والأخوان ، وأبو بكر ، عن عاصم- قرأ هنا بالجمع ، ومعنى الكلام : « الله أعلم بمن هو أحق بالرسالة » .
قوله : { سيصيب الذين أجرموا صغار عند الله } قيل : المراد بالصغار ذلك وهوان يحصل لهم في الآخرة .
وقيل : الصغار في الدنيا ، وعذاب شديد في الآخرة .
قوله : « عند الله » يجوز أن ينتصب ب « يصيب » ويجوز أن ينتصب ب « صغار » ؛ لأنه مصدر ، وأجازوا أن يكون صفة ل « صغار » ؛ فيتعلق بمحذوف ، وقدره الزجاج فقال : ثابت عن الله تعالى « .
والصغار : الذل والهوان ، يقال منه : صغر يصغر صغرا فهو صغير ، هذا قول الليث ، فوقع الفرق بين المعنيين بالمصدر ، والفعل .
وقال غيره : إنه يقال : صغر ، وصغر من الذل .
والعندية هنا : مجاز عن حشرهم يوم القيامة ، أو عن حكمه وقضائه بذلك؛ كقولك : ثبت عند فلان القاضي ، أي : في حكمه ، ولذلك قدم الصغار على العذاب؛ لأنه يصيبهم في الدنيا .
و » بما كانوا « الباء للسببية أي : إنما يصيبهم ذلك بسبب مكرهم ، وكيدهم ، وحسدهم و » ما « مصدرية ، ويجوز أ تكون معنى الذي .

(7/157)


فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون (125)

قال المفسرون : لما نزلت هذه ، سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شرح الصدر ، قال : « نور يقذفه اله - تعالى - في قلب المؤمن ، فينشرح له وينفسح » قيل : فهل لذلك أمارة .
قال : « نعم ، الإنابة إلى دار الخلود ، والتجافي عن دار الغرور ، والاستعداد للموت قبل نزوله » .
قوله : { فمن يرد الله أن يهديه } كقوله : « من يشأ الله يضلله » و « من » يجوز أن تكون مرفوعة بالابتداء ، وأن تكون منصوبة بمقدر بعدها على الاشتغال ، أي : من يوفق الله يرد أن يهديه ، و أن تكون منصوبة بمقدر بعدها على الاشتغال ، أي : من يوفق الله يرد أن يهديه ، و « أن يهديه » مفعول الإرادة ، والشرح : البسط والسعة ، قاله الليث .
وقال ابن قتيبة : « هو الفتحن ومنه : شرحت اللحم ، أي : فتحته » وشرح الكلام : بسطه وفتح مغلقه ، وهو استعارة في المعاني ، حقيقة في الأعيان . و « للإسلام » أيك : لقبوله .
قوله : { ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا } .
يجوز أن يكون الجعل هنا بمعنى التصيير ، وأن يكون بمعنى الخلق ، وأن يكون يمعنى سمى ، وهذا الثالث ذهب إليه المعتزلة ، كالفارسي وغيره من معتزلة النحاة؛ لأن الله - تعالى - لا يصير ولا يخلق أحدا كذا ، فعلى الأول يكون « ضيقا مفعولا ثاينا عند من شدد ياءه ، وهم العامة غير بان كثير ، وكذلك عند من خففها ساكنة ، ويكون فيه لغتان : التثقيل والتخفيف؛ كميت وميت ، وهين وهينن .
وقيل : المخفف مصدر ضاق يضيق ضيقا ، كقوله - تعالى - { ولا تك في ضيق } [ النحل : 127 ] ، يقال : ضاق يضيق ضيقا بفتح الضاد وكسرها .
وبالكسر قرأ ابن كثير في النحل والنمل ، فعلى جعله مصدرا يجيء فيه الأوجه الثلاثة في المصدر الواقع وصفا ل » جثة « ، نحو : » رجل عدل « ويه حذف مضاف ، والمبالغة ، أو وقوعه موقع اسم الفاعل ، أي : يجعل صدره ذا ضيق ، أو ضائقا ، أو نفس الضيق؛ مبالغة ، والذي يظهر من قارءة ابن كثير : أنه عنده اسم صفة مخفف من » فيعل « وذلك أنه استغرب قراءته في مصدر هذا الفعل ، دون الفتح في سورة النحل والنمل ، فلو كان هذا عنده مصدرا ، لكان الظاهر في قراءته الكسر كالموضعين المشار إليهما ، وهذا من محاسن علم النحو والقراءات ، والخلاف الجاري هنا جار في الفرقان .
قوال الكسائي : » الضيق بالتشديد في الأجرام ، وبالتخفيف في المعاني « .
ووزن ضيق : » فيعل « كميت وسيد عند جمهور النحويين ثم أدغم ، ويجوز تخفيفه كما تقدم تحريره .
قال الفارسي : » والياء الواو في الحذف وإن لم تعتل بالقلب كما اعتلت الواو ، اتبعت الياء الواو في هذا؛ كما أتبعت في قولهم : « أتسر » من اليسر ، فجعلت بمنزلة اتعد « .

(7/158)


وقال ابن الأنباري : « الذي يثقل الياء يقول : وزنه من الفعل » فعيل « والأصل فيه ضييق على مثال كريم » و « نبيل » فجعلوا الياء الأولى ألفا؛ لتحركها وانفتاح ما قبلها من حيث أعلوا ضاق يضيق ، ثم أسقطوا الألف بسكونها وسكون ياء « فعيل » فأشفقوا من أن يلتبس « فعيل » ب « فعل » فزادوا ياء على الياء ليكمل بها بناء الحرف ، ويقع فيها قرق بين « فعيل » و « فعل » .
والذين خففوا الياء قالوا : « أمن البس؛ لأنه قد عرف أصل هذا الحرف ، فالثقة بمعرفته مانعة من البس » .
وقال البصريون [ وزنه من الفعل « فيعل » ، فأدغمت الياء في التي بعدهأ ، فشدد ثم جاء التخفيف ، قال : وقد رد الفراء وأصحابه هذا على البصريين ] وقالوا : « لا يعرف في كلام العرب اسم على وزن » فيعل « يعنون : بكسر العين ، إنما يعرف » فيعل « يعنون : بفتحها ، نحو : » صيقل « و » هيكل « فمتى ادعى مدع في اسم معتل ما لا يعرف في السالم ، كانت دعواه مردودة » وقد تقدم تحرير هذه الأقوال عند قوله - تبارك وتعالى- : { أو كصيب } [ البقرة : 19 ] فليراجع ثمة .
وإذا قلنا : إنه مخفف من المشدد؛ فهل المحذوف الياء الأولى أو الثانية « خلاف مرت له نظائره .
وإذا كانت » يجعل « بمعنى : يخلق ، فيكون » ضيقا « حالا ، وإن كانت يمعنى » سمى « ، كانت مفعولا ثانيا ، والكلام عليه بالنسبة إلى التشديد والتخفيف ، وتقدير المعاني كالكلام عليه أولا .
و » حرجا « حرجا » بفتح الراء وكسرها : هو المتزايد في الضيق ، فهو أخص من الأول ، فكل حرج من غير عكس ، وعلى هذا فالمفتوح والمكسور بمعنى واحد ، يقال « رجل حرج وحرح » قال الشاعر : [ الرجز ]
2307- لا حرج الصدر ولا عنيف ... قال الفراء - رحمه الله- : هو في كسره ونصبه بمنزلة « الوحد » و « الوحد » ، و « الفرد » و « الفرد » و « الدنف » و « الدنف » .
وفرق الزجاج والفرسي بينهما فقالا : « المفتوح مصدر ، والمكسور اسم فاعل » .
قال الزجاج : « الحرج أضيق الضيق ، فمن قال : رجل حرج - يعني بالفتح - فمعناه : ذو حرج في صدره ، ومن قال حرج - يعني بالكسر - جعله فاعلا ، وكذلك دنف ودنف » .
وقال الفارسي : « من فتح الراء ، كان وصفا بالمصدر ، نحو : قمن وحرى ودنف ، ونحو ذلك من المصادر التي يوصف بها ، ولا تكون » كبطل « لأن اسم الفاعل في الأمر العام إنما على فعل » .

(7/159)


ومن قرأ « حرجا » - يعني بكسر الراء -فهو مثل « دنف وفرق بكسر العين » .
وقيل : « الحرج بالفتح جمع حرجة؛ كقصب وقصب ، والمكسور صفة؛ كذنف وأصل المادة من التشابك وشدة التضايق ، فإن الحرجة غيضة من شجر السلم ملتفة لا يقدر أحد أن يصل إليها .
قال العجاج : [ الزجر ]
2308 - عاين حيا كالحراج نعمه ... الحراج : جمع حرج ، وحرج جمع حرجة ، ومن غريب ما يحكى : أن ابن عباس قرأ هذه الآية ، فقال : هل هنا أحد من بني بكر؟ فقال رجل : نعم ، قال : ما الحرجة فيكم؟ قال : الوادي الكثير الشجر المستمسك؛ الذي لا طريق فيه . فقال ابن عباس : » فهكذا قلب الكافر « هذه رواية عبيج بن عمير . وقد حكى أبو الصلت الثقفي هذه الحكاية بأطوال من هذا ، عن عمر بن الخطاب ، فقال : قرأ عمر بن الخطاب هذه الآية فقال : » ابغوني رجلا من بني كنانة ، واجعلوه راعيا « فأتوه به ، فقال له عمر : » يا فتى ما الحرة فيكم « ؟ قال : » الحرجة فينا الشجرة تحدق بها الأشجار فلا تصل إليها راعية ولا وحشية « . فقال عمر - رضي الله عنه- : » وكذلك قلب الكافر لا يصل إلهي شيء من الخير « .
وبعضهم يحكي هذه الكاية عن عمر - رضي الله عنه - كالمنتصر لمن قرأ بالكسر قال : قرأها بعض أصحاب عمر له بالكسر ، فقال : » ابغوني رجلا من كنانة راعيا ، وليكون من بني مدلج « . فأتوه به ، فقال : » يا فتى ، ما الحرجة تكون عندكم « ؟ فقال : » شجرة تكون بين الأشجار لا يصل إليها راعية ولا وحشية « . فقال : كذلك قلب الكافر ، ولا يصل إليه شيء [ من الخير ] .
قال أبو حيان : » وهذا تنبيه - والله أعلم- على اشتقاق الفعل من اسم العين « كاستنوق واستحجر » .
قال شهاب الدين : ليس هذا من باب استنوق واستحجر في شيء؛ لأن هذا معنى مستقل ، ومادة مستقلة متصرفة ، نحو : « حرج يحرج فهو حرج وحارج » بخلاف تيك الألفاظ ، فإن معناها يضطر فيه إلى الأخذ من الأسماء الجامدة ، فإن معنى قولك : استنوق الجمل ، أي : « صار كالناقة » ، واستحجر والناقة ، وأنت إذا قلت : حرج صدره ليس بك ضرورة أن تقولك « ص كالحرجة » بل معناه : « تزايد ضيقه » ، وأما تشبيه عمر بن الخطاب ، فلإبرازه المعاني في قوالب الأعيان؛ مبالغة في البيان .
وقرأ نافع وأبو بكر عن عاصم : « حرجا » بكسر الراء والباقون : بفتحها وقد عرفا ، فأما على قراءة الفتح ، فإن كان مصدرا ، جاءت فيه الأوجه الثلاثة المقدمة في نظائره ، وإن جعل صف’ فلا تأويل .

(7/160)


ونصبه على القراءتين : إما على كونه نعتا ل « ضيقا » ، وإما على كونه مفعولا به تعدد ، وذلك أن الأفعال النواسخ إذا دخلت على مبتدأ وخبر ، كان الخبران على حالهما ، فكما يجوز تعدد الخبر مطلقا أو بتأويل في المبتدأ والخبر الصريحين ، كذلك في المنسوخين حين تقول : « زيد كاتب شاعر فقيه » ثم تقول : ظننت زيدا كاتبا شاعرا فقيها ، فتقول : « زيدا » مفعول أول ، « كاتبا » مفعول ثان ، « شاعرا » مفعول ثالث ، « فقيها » مفعول رابع؛ كما تقول : خبر ثان وثالث ورابع ولا يلزم من هذا أن يتعدى الفعل لثلاثة ولا أربعة؛ لأن ذلك بالنسبة إلى تعدد الألفاظ ، فليس هذا كقول : في : أعلمت زيدا عمرا فلاضلا ، إذا المفعول الثالث هناك ليس متكررا لشيء واحد؛ وإنما بينت هذا لأن بعض الناس وهم في فهمه ، وقد ظهر لك مما تقدم أن قوله : « ضيقا حرجا » لي في تكرار .
وقال مكي : « ومعنى حرج- يعني بالكسر- كمعنى ضيق ، كرر لاختلاف لفظه للتأكيد » .
قال شهاب الدين : إنما يكون للتأكيد حيث لم يظهر بينها فارق فتقول : كرر لاختلاف اللفظ؛ كقوله : { صلوات من ربهم ورحمة } [ البقرة : 157 ] وكقوله : [ الوافر ]
2309- . . . . . . . . . . . . . . . . ... وألقى قولها كذبا ومينا
وقوله : [ الطويل ]
2310- . . . . . . . . . . . . . . . . . ... وهند أتى من دونها النأي والبعد
وأما هنا فقد تقدم الفرق بالعموم والخصوص أو غير ذلك .
وقال أبو البقاء : « وقيل : هو جمع » حرجة « مثل قصبة وقصب ، والهاء فيه للمبالغة » .
قال شهاب الدين : « ولا أدري كيف توهم كون هذه الهاء الدالة على الوحدة في مفرد أسماء الأجناس؛ كثمرة وبرة ونبقة للمبالغة ، كهي في رواية ونسابة وفروقة؟
فصل في الدلالة من الآية
تمسك أهل السنة بهذه الاية الكريمة في أن الهداية والضلال من الله - تعالى -؛ لأن لفظها يدل على المسألة ، ويدل على الدليل العقلي المقتدم في المسألة وهو العلم والداعي ، وبيانه أن العبد قادر على الإيمان والكفر ، وقدرته بالنسبة إلى هذين الأمرين على السوية ، فيمتنع صدور الإيمان عنه بدلا من الكفر ، أو الكفر بدلا من الإيمان ، إلا إذا حصل في القلب داعية إليه ، وتلك الداعية لا معنآ لها ، إلا علمه أو اعتقاده أو طنه بكون ذلك الفعل مشتملا على مصلحة زائدة ، ومنفعة راجحة ، فإذا حصل هذا المعنى في قلبه ، دعاه ذلك إلى فعل ذلك الشيء ، وإن حصل في القلب علم أو اعتقاد أو ظن بكون ذلك الفعل مشتملا على مفسدة راجحة وصور زائدة ، دعاه ذلك إلى تركه ، وثبت أن حصول هذه الدواعي لا بد وأن تكون من الله- تعالى ، وإذا ثبت ذلك فنقول : يستحيل أن يصدر إيمان عن العبد إلا إذا خلق الله في قلبه اعتقاد أن الإيمان راجح المنقعة ، زائد المصلحة ، فحينئذ يميل قلبه وترغب نفسه في تحصيله ، وهذا هو انشراح الصدر للإيمان ، فإن حصل في القلب أنه مفسدة عظيمة في الدين والدنيا ، وأنه يوجب المضار الكثيرة ، فحينئذ يترتب على هذا الاعتقاد نفرة عظيمة عن الإيمان ، وهذا هو المراد من أنه - تبارك وتعالى - يجعل صدره ضيقا حرجا .

(7/161)


قال المعتزلة : لنا ههنا مقامان :
الأول : في بيان أنه لا دلالة لكم في هذه الآية الكريمة .
الثاني : التأويل المطابق لمذهبنا .
أما المقام الأول : فتقريره من وجوه :
أحدها : أن هذه الآية الكريمة ليس فيها أنه - تبارك وتعالى - أضل قوما أو يضلهم؛ لأنه ليس فيها إلا أنه [ متى أراد أن يهدي إنسانا ، فعل به كيت وكيت ، وإذا أراد إضلاله فعل كيت كيت ، وليست الآية أنه ] - تعالى يريد ذلك أو لا يريد ذلك ، ويدل عليه قوله - تبارك وتعالى - : { لو أردنآ أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنآ إن كنا فاعلين } [ الأنبياء : 17 ] ، فبين أنه - تبارك وتعالى- كيف يفعل اللهو لو أراده ، ولا خلاف أنه - تبارك وتعالى - لا يريد ذلك ولا يفعله .
وثانيها : أنه - تعالى - لم يقل : ومن يرد أن يضله عن الإسلام ، بل قال : « ومن يرد أن يضله » فلم قلتم : إن المراد : ومن يرد أن يضلله عن الإيمان .
وثالثها : أنه - تبارك وتعالى - بين في آخر الآية الكريمة ، أنه إنما يفعل هذا الفعل بهذا الكافر جزاء على كفره ، وأنه ليس ذلك على سبيل الابتداء ، فقال : { كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون } .
ورابعها : أن قوله - تبارك وتعالى- : { ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا } يدل على تقدم الضيق والحرج على حصول الضلال ، وأن لحصول ذلك المتقدم أثر في حصول الضلال ، وذلك باطل بالإجماع ، أما عندنا ، فلا نقول به وأما عندكم؛ فلأن المقتضي لحصول الجهل والظلال هو الله - تبارك وتعالى - يخلقه فيه بقدرته .
وأما المقام الثاني : فهو تفسير الآية الكريمة على ما يطابق مذهبنا ، وذلك من وجوه :
الأول : وهو اختيار الجبائي ، ونصره القاضي أن تقدير الآية الكريمة : فمن يرد الله أن يهديه إلى طريق الجنة ، يشرح صدره للإسلام ، حتنى يثبت عليه ولا يزول عنه ، وتفسيره هذا الشرح : هو أنه - تعالى - يفعل به الطافا تدعوه إلى البقاء على الإيمان يدعوه إلى البقاء على الإيمان والثبات عليه ، وإليه الإشارة بقوله - تبارك وتعالى - : { ومن يؤمن بالله يهد قلبه } [ التغابن : 11 ] وبقوله : { والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا } [ العنكبوت : 69 ] ، فإذا آمن العبد وأراد ثباته على الإيمان ، فحينئذ يشرح صدره ، أي : يفعل به الألطاف التي تقتض ثباته على الإيمان وداوامه عليه ، وأما إذا كفر وعاند وأراد الله0 تبارك وتعالى- أن يضله عن طريق الجنة ، فعند ذلك يلقي في صدره الضيق والحرج ، ثم سأل الجبائي نفسه ، فقالك كيف يصح ذلك ونجد الكفار طيبي النفوس ، ولا غم لهم ألبتة ولا حزن .

(7/162)


وأجاب عنه : بأنه - تبارك وتعالى - لم يخبر بأنه؛ يفعل بهم ذلك في كل وقت ، فلا يمتنع كونهم في بعض الأوقات طيبي القلوب ، وسأل القاضي نفسه ذلك الضيق في بعض الأوقات .
وأجاب عنه : بأنه قال : وكذلك نقول ودفع ذلك لا يمكن خصوصا عند ورود أدلة الله- تبارك وتعالى ، وعند ظهور نصرة الله للمؤمنين ، وعند ظهور الذلة والصغار فيهم .
التأويل الثاني : أن المراد : فمن يرد الله أن يهديه إلى الجنة ، فيشرح صدره للإسلام [ اي : يشرح صدره للإسلام ] في ذلك الوقت الذي يهديه فيه إلى الجنة؛ لأنه لما رأى أن بسبب الإيمان وجد هذه الدرجة العالية ، يزداد رغبته في الإيمان ، ويحصل مزيد انشراح [ في صدره ] ، ومن يرد أن يضله يوم القيامة عن طريق الجنة ، فقي ذلك الوقت يضيق صدروه؛ بسبب الحزن الذي ناله عن الحرمان من الجنة والدخول في النار .
التأويل الثالث : أن في الكلام تقديم وتأخير ، والمعنى : من شرح صدر نفسه بالإيمان ، فقد أراد الله أن يهديه ، أي : يخصه بالألطاف الداعية إلى الثبات على الإيمان ، هذا مجموع كلامهم .
والجواب عن قولهم أولا : أنه لم يقل في هذه الآية أنه يضله ، بل قال : إنه أو أراد أن يضله ، لفعل كذا وكذا ، فنقول ، إن قوله في آخر الآية الكريمة : « كذلك يجعل الله لرجس على الذين لا يؤمنون » تصريح بأنه يفعل بهم ذلك الضلال ، لأن حرف « الكاف » في قوله : « كذلك » يفيد التشبيه ، والتقدير : وكما جعلنا ذلك الضيق والحرج في صدره ، فكذلك يجعل الله الرجس على قلوب الذين لا يؤمنون .
والجواب عن الثاني : وهو أن قوله : « ومن يرد أن يضله » ليس فيه بيان أن يضله عن الدين ، فنقول : إن قوله في آخر الآية : { كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون } تصريح بأن المراد من قوله : « ومن يرد أن يضله » هو أن يضله عن الدين .
والجواب عن الثالث : وهو أنه - تبارك وتعالى - إنما يلقي الضيق والحرج في صدورهم جزاء على كفرهم فنقول : لا نسلم أن المراد ذلك ، بل المراد : كذلك يجعل الله الرجس على قلوب الذين قضى عليهم بأنهم لا يؤمنون ، وإذا جعلنا الاية على الوجه ، سقط ما ذكروه .
والجواب عن قولهم : إن ظاهر الآية الكريمة يقتضي أن يكون ضيق الصدر وحرجه شيئا متقدما على الضلال ، أو موجبا له ، فنقول : والأمر كذلك؛ لأنه- تبارك وتعالى- إذا خلق في قلبه اعتقادا بأن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم يوجب الذم في الدنيا ، والعقوبة في الآخرة ، فهذا الاعتقاد يوجب اعراض النفس عن قبول ذلك الإيمان ، وهذه الحالة شبيهة بالطريق الضيقن لأن الطريق إذا كان ضيقا ، لم يقدر الداخل أن يدخل فيه فذلك القلب إذا حصل فيه ذلك الاعتقاد ، امتنع دخول الإيمان فيه فلأجل حصول المشابه’ من هذا الوجه ، جاز إطلاق لفظ الضيق والحر عليه .

(7/163)


وأما لاجواب عن التأويلات الثلاثة فنقول :
أما الأول : فإن حاصل ذلك الكلام يرجع إلى تفسير الضيق والحرج ، فلما كان المراد منه حصول الغم والحزن في قلب الكافر ، فذلك يوجب أن يكون ما يحصل في قلب المؤمن زيادة يعرفها كل أحدن ومعلوم أن الأمر ليس كذلك ، بل الأمر في حزن الكافر والمؤمن على السوية ، بل كان الحزن والبلاء في حق المؤمن أكثر ، قال - تبارك وتعالى - : { ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج عليها يظهرون } [ الزخرف : 33 ] وقال عليه الصلاة والسلام : « خص البلاء بالأنبياء ثم بالأمثل فالأمثل » .
والجواب عن الثاني : أنه مدفوع؛ لأنه يرجع حاصلة إلى إيضاح الواضحات؛ لأن كل أحد يعلم بالضرورة ، أن كل من هداه الله إلى الجنة بسبب الإيمان يفرح بسبب تلك الهداية ، وينشرح صدره للإيمان مزيج انشراح في ذلك الوقت ، وكذلك القول في قوله : المراد : ومن يضله عن طريق الجنة بأنه يضيق قلبه في ذلك الوقت ، فحصول هذا المعنى معلوم بالضرورة ، وحمل الآية الكريمة عليه إخراج للآية عن الفائدة .
والجواب عن التأويل الثالث : فهو يقتضي تفكيك نظم الآية؛ لأن الآية الكريمة تقتضي أن يحصل انشراح الصدر من قبل الله - تبارك وتعالى - - أولا ، ثم يترتب عليه حصول الهداية والإيمان ، وأنتم عكستم القضية ، فقلتم : العبد يجعل نفسه أولا منشرح الصدر ، ثم إن الله - تبارك وتعالى- أولا بعد ذلك يهديه ، بمعنى أنه يخصه يمزيد الألطاف الداعية له إلى الثبات على الإيمان ، والدلائل اللفظية ، إنما يمكن التمسك [ بها إذا أبقينا ما فيها من التركيبات والترتيبات ، فأما إذا أبطلناها وأزلناها ، لم يمكن التمسك ] بشيء منه أصلا ، وفتح هذا الباب يوجب ألا يمكن التمسك بشيء من الآيات ، ولكن طعن في القرآن العظيم ، وإخراج له عن كونه حجة .
قوله : « كانما » « ما » هذه مهيئة لدخول كأن على الجمل الفعلية؛ كهي في { وإنما توفون } [ آل عمران : 185 ] .
قوله : « يصعد » وقرأ ابن كثير : « يصعد ساكن الصاد ، مخفق العين ، مضارع » صعيد « أي : ارتفع ، وأبو بكر عن عاصم : » يصاعد « بتشديد الصاد بعدها ألف ، وأصلها يتصاعد ، أي : » يتعاطى الصعود وتكلفه « فأدغم التاء في الصاد تخفيفا ، والباقون : » يصعد « بتشديد الصاد والعين دون ألف بنهما ، ومن » يصعندط أيكي يفعل الصعود ويكلفه ، والأصل : « يتصعد » فأدغم كما في قراءة شعبة وهذه الجملة التشبيهية يحتمل أن يتكون مستانفة ، شبه فيها حال من جعل الله صدره ضيقا حرجا ، بأنه يمنزلة من يطلب الصعود إلى السماء المظللة أو إلى مكان مرتفع [ وعر ] كالعقبة الكؤود .

(7/164)


والمعنى : أنه يسبق عليه الإيمان كما يسبق عليه صعود السماء ، وجوزوا فيها وجهين آخرين :
أحدهما : أن يكون مفعولا آخر تعدد كما تعدد ما قبلها .
والثاني : ان يكون حالا وفي صاحبها احتمالان :
أحدهما : هو الضمير المستكن في « ضيقا » .
والثاني : هو الضمير في « حرجا » ، و « في السماء » متعلق بما قبله .
قوله : « كذلك يجعل » هو كنظائهر وقدره الزجاج : « مثل ما قصصنا علليك يجعل » أي : فيكون مبتدأ وخبرا ، أو نعت مصدر محذوف ، فلك أن ترفع « مثل » وأن تنصبها بالاعتبارين عنده ، والأحسن أن يقدر لها مصدر مناسب كما قدره الناس ، وهو مثل ذلك الجعل- أي : جعل الصدر ضيقا حرجا - « يجعل الله الرجس » كذا قدره مكي وغيره ، و « يجعل » يحتمل أن تكون بمعنى « ألقى » وهو الظاهر ، فتتعدى لواحدس بنفسها وللآخر بحرف الجر ، ولذلك تعدت هنا ب « على » والمعنى : « كذلك يلقي الله العذاب على الذين لا يؤمنون » .
ويجوز ان تكون بمعنى صير أي : « يصيره مستعليا عليهم محيطا بهم » ، والتقدير الصناعي : مستقرا عليهم .
فصل في بيان معنى الرجس
قال ابن عباس- رضي الله عنه - : الرجس هو الشيطان .
وقال الكلبي : هو المأثم .
وقال مجاهد : الرجس : ما لا خير فيه .
وقال عطاء : الرجس العذاب مثل الرجز .
وقيل هو النجس؛ روي أنه - عليه الصلاة والسلام- كان إذا دخل الخلاء قال : « اللهم إني أعوذ بك من الرجس والنجس » .
وقال الزجاد : الرجس : اللعنة في الدنيا ، والعذاب في الآخرة .

(7/165)


وهذا صراط ربك مستقيما قد فصلنا الآيات لقوم يذكرون (126)

« هذا » إشارة إلى ما تقدم تقريرهن وهو أن الفعل يتوقق على الداعي ، وحصول تلك الداعية من الله- تبارك وتعالى - فوجب كون الفعل من الل - تعالى- ، وذك يوجب التوحيد المحضن وسماه صراطا؛ لأن العلم به يؤد إلى العلم بالتوحيد الحق .
وقيل : « هذا إشارة إلى الذي أنت عليه يا محمد طريق ربك ودينه الذي ارتضى لنفسهن مستقيما لا عوج فيه وهو الإسلام .
وقال ابن مسعود- رضي الله عنهما- و » هذا « إشارة إلى القرآن الكريم .
قوله- تعالى- : » مستقيما « حال من » صراط « والعامل فيه أحد شيئين : إما » ها « لما فيها من معنى التنبيه ، وإما » ذا « لما فيه من معنى الإشارة ، وهي حظال مؤكدة لا مبينة؛ لأن صراط الله لا يكون إلا كذلك .
قال الواحدي : انتصب » مستقيما « عال الحال ، والعامل فيه معنى هذا ، وذلك أن » ذا « يتضمن معنى الإشارة؛ كقولك : هذا زيد قائما ، معناه : أشير إليه في حال قيامه ، وإذا كان العامل في الحال معنآ الفعل لا الفعل ، لم يجز تقديم الحال عليه ، لا يجوز : » قائما هذا زيد « و [ يجوز ] ضاحكا جاء زيد .
ثم قال تبارك وتعالى : { قد فصلنا الآيات } أي : ذكرناها فصلا فصلا ، بحيث لا يختلط واحد منها بالآخر إلا لمرجح ، فكأنه - تبارك وتعالى - يقول للمعتزلي : أيها المعتزلي ، تذكر ما تقرر في عقلك أن الممكني؛ لا يترجح أحد طرفيه على الآخرة إلا لمرجح ، حتى تزول الشبهة عن قلبك بالكلية في مسألة القضاء والقدر .

(7/166)


لهم دار السلام عند ربهم وهو وليهم بما كانوا يعملون (127)

قوله- تعالى - { لهم دار السلام عند ربهم } يحتمل أن تكون هذه الجملة مستأنفة ، فلا محل لها؛ كأن سائلا سأل عما أعد الله لهمن فقيل له ذلك ، ويحتمل أن يكون حالا من فاعل « يذكرون » ، ويحتمل أن يكون وصفا لقوم ، وعلى هذين الوجهين فيجوز أن تكون الحال أوالوصف الجار والمجرور فقط ، ويرتفعث « دار السلام » بالفاعلية ، وهذا عندهم أولى؛ لأنه أقرب إلى المفرد من الجملة ، والأصل في الوصف والحال والخبر الإفراد ، فما قرب إليه فهو أولى .
و « عند ربهم » حال من « دار » ويجوز أن ينتصب « عند » بنفس « السلام » ؛ لأنه مصدر ، أي : يسلم عليهم عند ربهم ، أي : في جنته ، ويجوز أن ينتصب بالاستقرار في « لهم » .
وقوله : « وهو وليهم » يحتمل أيضا الاستئناف ، وأن يكون حالا ، أي : لهم دار السلام ، والحال أن الله وليهم وناصرهم .
« وبما كانوا » الباء سببية ، و « ما » بمعنى الذي ، أو نكرة أو مصدرية .
فصل في معنى السلام
قيل : السلام اسم من أسماء الله - تعالى - والمعنى : دار الله كما قيل : الكعبة بيت الله ، والخليفة عبد الله .
وقيل : السلام صفة الدار بمعنى : دار السلامة ، والعرب تلحق هذه الهاء في كثير من المصادر وتحذفها ، يقولون : ضلال وضلالة ، وسفاة وسفاهة ، ورضاع ورضاعة ، ولذاذ ولذاذة .
وقيل : السلام جمع السلامة ، وإنما سميت الجنة بهذا الاسم؛ لأن أنواع السلامة بأسرها حاصلة فيهان وفي المراد بهذه العندية وجوه :
أحدها : أنها معدة عنده كما تكون الحقوق معدة مهيأة حاضرة؛ كقوله : { جزآؤهم عند ربهم } [ البينة : 8 ] .
ثانيها : ان هذه العندية تشعر بأن هذا الأمر المؤخر موصوف بالقرب من الله- تبارك وتعالى - وهذا ليس قرب بالمكان والجهة ، فوجب كونه بالشرف والرتبة ، وذلك يدل على أن ذلك الشيء بلغ في الكمال والرفعة إلى حيث لا يعرف كنهه ، إلا أنه كقوله : { فلا تعلم نفس مآ أخفي لهم من قرة أعين } [ السجدة : 17 ] .
وثالثها : هي كقوله في صفة الملائكة : { ومن عنده لا يستكبرون } [ الأنبياء : 19 ] ، وقوله : « أنا عند المنكسرة قلوبهم » ، و « أنا عند ظن عبدي بي » ، وقال - تعالى - : { في مقعد صدق عند مليك مقتدر } [ القمر : 55 ] وقال : { جزآؤهم عند ربهم } [ البينة : 8 ] وكل ذلك يدل على أن حصول كمال صفة العندية بواسطة صفة العبودية .
وقوله : « وهو وليهم » يدل على قربهم من الله؛ لأن الولي معناه القريب ، لا ولي لهم إلا هو ، ثم قالك « بما كانوا يعملون » ؛ وإنما ذكر ذلك لئلا ينقطع العبد عن العمل .

(7/167)


ويوم يحشرهم جميعا يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس وقال أولياؤهم من الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا قال النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله إن ربك حكيم عليم (128)

لما بين حال من يتمسك بالصراط المستقيم ، بين بعده حال من يكون بالضد من ذلك؛ ليكون قصة أهل الجنة مردفة بقصة أهل النار ، وليكون الوعيد مذكورا بعد الوعد .
قوله : « ويوم يحشرهم » يجوز أن ينتصيب بفعل مقدر ، فقدره أبو البقاء تارة ب « اذكر » وتارة بالقول المحذوف العامل في جملة النداء من قوله : « يا معشر » أي : ويقول : « يا معشر يوم نحشرهم » ، وقدره الزمخشري : « ويوم يحشرهم وقلنا يا معشر كان ما لا يوصف لفظاعته » .
قال أبو حيان : « وما قلناه أولى » يعني : من كونه منصوبا ب « يقول » المحكي به جملة النداء ، قال : « لاستلزامه حذف جملتين : إحداهما جملة » وقلنا « ، والاخرى العاملة في الظرف » وقدره الزجاج بفعل قول مبني للمفعول : « يقال لهم : يا معشر يوم نحشرهم » وهو معنى حسن؛ كأن نظر إلى معنى قوله : « ولا يكلمهم ولا يزكيهم » فبناه للمفعول ، ويجوز أن ينتصب « يوم » بقوله : « وليهم » لما فيه من معنى الفعل ، أي : « وهو يتولاهم بما كانوا يعملون ، وويتولاهم يوم يحشرهم » ، و « جميعا » حال أو توكيد على قول بعض النحويين .
وقرأ حفص : « يحشرهم » بياء الغيبة ردا على قوله : « ربهم » أي : « ويوم يحشرهم ربهم » والضمير في « يحشرهم » يعود إلى الجن والإنس بجمعهم في يوءم القيامة .
وقيل : يعود إلى الشياطين الذين تقدم ذكرهم في قوله : « وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين » .
قوله : « يا معشر » في محل نصب بذلك القول المضمر ، أي : « نقول أو قلنا » ، وعلى تقدير الزجاج يكون في محل رفع؛ لقيامه مقام الفاعل المنوب عنه ، والمعشر : الجماعة؛ قال القائل : [ الوافر ]
2311- وأبغض من وضعت إلي فيه ... لساني معشر عنهم أذود
والجمع : معاشر؛ كقوله - عليه الصلاة والسلام- : « نحن معاشر الأنبياء لا نورث » قال الأودي : [ البسيط ]
2312- فينا معاشر لن يبنوا لقومهم ... وإن بنى قومهم ما أفسدوا عادوا
قوله تعالى : « من الإنس » في محل نصب على الحال ، أي : أولياءهم كانوا إنسا وجنا ، والتقدير : أولياؤهم الذين هم الإنس ، و « ربنا » حذف منه حرف النداء .
وقوله : « قال أولياؤهم من الإنس » يعني : أولياء الشياطين الذين أطاعوهم من الإنس ، « ربنا استمتع بعضنا ببعض » والمعنى : استكثرتم من الإنس بالإضلال والإغواء ، أي : أضللتم كثيرا .
وقال الكلبي : استمتاع الإنس بالجن هو الرجل كان إذا سافر وترك بأرض قفر ، وخاف على نفسه من الجن ، قال : أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه ، فيبيت آمنا في جوارهم ، وأما استمتاع الجن بالإنس ، فهو أنهم قالوا : قد سعدنا الإنس مع الجن ، حتى عاذوا بنا فيزدادوا شرفا في قومهم وعظما في أنفسهم ، كقوله - تبارك وتعالى - :

(7/168)


{ وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا } [ الجن : 6 ] .
وقيل : استمتاع الإنس بالجن ما كانوا يلقثون غلأهيم من الأراجيف ، والسحر والكهانة ، وتزيينهم لهم الأمور التي يهوونها ، وتسهيل سبيلها عليهم ، واستمتاع الجن بالإنس طاعة الإنس لهم فيما يزينون لهم من الضلالة والمعاصي .
وقال محمد بن كعب القرظيك هو طاعة بعضهم بعضا ، وقيل : قوله : « ربنا استمتع بعضنا ببعض » كلام الإنس خاصة .
قوله : { وبلغنآ أجلنا الذي أجلت لنا } قرأ الجمهور : « أجلنا » بالإفراد؛ لقوله : « الذيط وقرئ : » آجالنا « بالجمع على أفعال » الذي « بالإفراد والتذكير وهو نعت للجمع .
فقال ابو علي : هو جنس أوقع » الذي « موقع » التي « .
قال أبو حيان : وإعرابه عندي بدل؛ كأنه قيل : » الوقت الذي « وحينئذ يكون جنسا ولا يكون إعرابه نعتا؛ لعدم المطابقة بينهما ، وفيه نظر؛ لأن المطابقة تشترط في البدل أيضا ، وكذلك نص النحاة على قول النابغة : [ الطويل ]
2313- توهمت آيات لهأ فعرفتها ... لستة أعوام وذا العام سابع
رماد ككحل العين لأيا أبينه ... ونوي كجذم الحوض أثلم خاشع
أي : رماد ونوى مقطوعان على » هما رماد ونوى « لا بدل من آيات لعدم المطابقة ، ولذلك لم يرويا إلا مرفوعين لا منصوبين .
فصل في المراد بالآية
معنى الآية : أن ذلك الاستمتاع كان إلى أجل معين ووقت محدود ، ثم جاءت الخيبة والحسرة والندامة من حيي لا دفعن واختلفوا في ذلك الأجل .
فقيل : هو وقت الموت .
وقيل : هو وقت البعث والقيامة ، والذين قالوا بالقول الأول قالوا : إنه بدل على أن كل من مات من مقتول وغيره ، فإن يموت بأجله؛ لأنهم أقروا بأنا بلغنا أجلنا الذي أجلت لنان وفيهم المقتول وغير المفتول ، ثم قال - تعالى- : » النار مثواكم « أي : المقام والمقر والمصير .
قوله : » خالدين فيها « منصوب على الحال ، وهي حالم مقدرة ، وفي العامل فيها ثلاثة أوجه :
أحدها : أنه مثواكم » لأنه هنا مصدر لا اسم مكان ، والمعنى : النار ذات توائكم ، أي : « النار مكان ثوائكم » أي : إقامتكم .
قال الفارسي : « المثوى عندي في الآية : اسم للمصدر دون المكان؛ لحصول الحال معملا فيها واسم المكان لا يعمل علم الفعل؛ لأنه لا معنى للفعل فيه ، وإذا لم يكون مكانا ، ثبت أنه مصدر ، والمعنى : » النار ذات إقامتكم فيها خفضا بالإضافة؛ ومثله قول الشاعر : [ الطويل ]
2314- وما هي إلا في إزار وعلقة ... مغار ابن همام على حي خثعما
وهذا يدل على حذف المضاف ، المعنى : « وما هي إلا إزار وعلقة وقت إغارة ابن همام » ، ولذلك عداه ب « على » ولو كان مكانا ، لما عداه؛ فثبت أنه اسم مصدر لا مكان ، فهو كقولك : « آتيك خفوق النجم ومقدم الحاج » ، ثم قال « وإنما حسن ذلك في المصادر لمطابقتها الزمان ، ألا ترى أنه منقض غير باق كما أن الزمان كذلك » .

(7/169)


والثاني : أن العامل فيها فعل محذوف ، أي : يثوون فيها خالدين ، ويدل على هذا الفعل المقدر « مثواكم » ويراد ب « مثواكم » مكان التواء ، وهذا جواب عن قول الفارسي المعترض به على الزجاج .
الثالث : قاله ابو البقاء : أن العامل معنى الإضافة ، ومعنى الإضافة لا يصلح ان يكون عاملا ألبتة ، فليس بشيء .
قوله : « إلا ما شاء الله » اختلفوا في المستثنى منه :
فقال : الجمهور : هو الجملة التي تليها ، وهي قوله : { النار مثواكم خالدين فيها } وسأتي بيانه عن قرب .
وقال أبو مسلم : « هو مستثنى من قوله : » وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا « أي : إلا من أهلكته واخترمته قبل الأجل الذي سميته لكفره وضلاله » . وقد رد الناس عليه هذا المذهب من حيث الصناعة ، من حيث المعنى . أما الصناعة فمن وجهين :
أحدهما : أنه لو كان الأمر كذلك ، لكان التركيب « إلا ما شئت » ليطابق قوله : « أجلت » .
والثاني : أنه قد فصل بين المستثنى منه بقوله : « قال النار مثواكم خالدين فيها » ومثل ذلك لا يجوز .
وأما المعنى : فلأن القول بالأجلين : أجل الاخترام ، والأجل المسمى باطل؛ لدلائل مقررة في غير هذا الموضع .
ثم اختلفوا في هذا الاستثناء : هل هو متصل أو منقطع؟ على قولين :
والمعنى : « قال النار مثواكم إلا من منكم في الدنيا » كقوله : { لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى } [ الدخان : 56 ] أي : لكن الموتة الأولى ، فإنهم قد ذاقوها في الدنيا كذلك هذا؛ لكن الذين شاءهم الله أن يؤمنوا منكظم في الدنيا ، وفيه بعد ، وذهب آخرون إلى أنه متصل ، ثم اختلفوا في المستثنى منه ما هو؟
فقالك قوم : هو ضمير المخاطبين في قوله : « مثواكم » أي : إلا من آمن في الدنيا بعد أن كان من هؤلاء الكفرة ، علله ابن عباس ، و « ما » هنا بمعنى « من » التي للعقلاء ، وساغ وقوعها هنا؛ لأن المراد بالمستثنى نوع وصنف ، و « ما » تقع على أنواع من يعقل ، وقد تقدم تحقيق هذا في قوله : { فانكحوا ما طاب لكم من النسآء } [ النساء : 3 ] .
ولكن قد استبعد هذا؛ من حيث إن المستثنى مخالف للمستثنى منه في زمان الحكم علهيما ، ولا بد أن يشتركا في الزمان ، لو قالت : « قام القوم إلا زيدا » ، وكان معناه [ إلا زيدا فإنه لم يقم ، ولا يصح أن يكون المعنى : فإنه سيقوم في المستقبل ، ولا يصح أن يكون المعنى : فإني ضربته فيما مضى اللهم إلا أن يجعل استثناء منقطعا كما تقدم تفسيره .

(7/170)


وذهب قوم : إلى أن المستثنى منه زمان ، ثم اختلف القائلون بذلك :
فمنهم من قال ذلك الزمان هو مدة إقامتهم في البرزخ ، أي : « القبور » .
وقيل : « هو المدة التي بين حشرهم إلى دخولهم النار » . وها قول الطبري قال : « وساغ ذلك من حيث إن العبارة بقوله : » النار مثواكم « لا يخص بها مستقبل الزمان دون غيره » .
وقال الزجاج : « هو مجموع الزمانين ، أي : مدة إقامتهم في القبور ، ومدة حشرهم إلى دخولهم النار » .
وقال الزمخشري : « إلا ما شاء الله ، أي : يخلدون في عذاب النار الأبد كله إلا ما شاء الله إلا الأوقات التي ينقلون فيها من عذاب النار إلى عذاب الزمهرير؛ فقد روي : أنهم يدخلون واديا فيه من الزمهرير ما يقطع أوصالهم ، فيتعاوون ويطلبون الرد إلى الجحيم » .
وقال قوم « » إلا ما شاء الله « هم العصاة الذين يدخلون النار من أهل التوحيد ، ووقعت » ما « عليهم؛ لأنهم نوع كأنه قيل : إلا النوع الذي دخلها من العصاة ، فإنهم لا يخلدون فيها ، والظاهر أن هذا استثناء حقيقة؛ بل يجب أن يكون كذلك .
وزعم الزمخشري : أنه يكون من باب قول الموتور الذي ظفر بواتره ، ولم يزل يحرق عليه أنيابه ، وقد طلب أن ينفس عن خناقه : » أهلكني اله إن نفست عنك إلا إذا شئت « وقد علم أنه لا يشاء ذلك التشفي منه بأقصى ما يقدر عليه من التشديد والتعنيف ، فكيون قوله : » إلا إذا شئت « من أشد الوعيد مع تهكم .
قال شهاب الدين : ولا حاجة إلى ادعاء ذلك مع ظهور معنى الاستثناء فيه ، وارتكاب المجاز وإبزاز ما لم يقع في صورة الواقع .
وقال الحسن البصري : » إلا ما شاء الله؛ أي : من كونهم في الدنيا بغير عذاب «
فجعل المستثنى زمن حياتهم ، وهو أبعد مما تقدم .
وقال الفراء - وإليه نحا الزمخشري - : » والمعنى : إلا ما شاء الله من زيادة في العذاب « .
وقال غيره : إلا ما شاء الله من النكار ، وكل هذا إنما يتمشى على الاستثناء المنقطع .
قال أبو حيان : » وهذا راجع إلى الاستثناء من المصدر الذي يدل عليه معنى الكلام؛ إذ المعنى : يعذبون في النار خالدين فهيا إلا ما شاء الله من العذاب الزائد على النار ، فإن يعذبهم ، ويكون إذ ذاك استثنا منقطعا ، إذ العذاب الزائد على عذاب النار لم يندرج تحت عذاب النار « .

(7/171)


وقال ابن عطية : « ويتجه عندي في هذا الاستثناء أن يكون مخاطبة للنبي صلى الله عليه وسلم وأمته ، وليس مما يقال يوم القيامة ، والمستثنى هو من كان من الكفرة يومئذ يؤمن في علم الله؛ كأنه لما أخبرهم أنه يقال للكفرا : » النار مثواكم « استثنى لهم من يمكن أن يؤمين ممن يرونه يومئذ كافرا ، وتقع » ما « على صفة من يعقل ، ويؤي هذا التأويل أيضا قوله : » إن ربك حكيم عليم « أي : بمن يمكن أن يؤمن منهم » .
قال أبو حيان : « وهو تأويل حسن ، وكان قد قال قبل ذلك : » والظاهر أن هذا الاستثناء هو من كلام الله- تعالى - للمخاطبين ، وعليه جاءت تفاسير الاستثناء « وقال ابن عطية ثم ساقه إلى أخره ، فكيف يستحسن شيئا حكم عليه بأنه خلاف الظاهر من غير قرينة قوية مخرجة للفظ عن ظاهره؟
قوله : { إن ربك حكيم عليم } أي : فيما يفعله من ثواب وعقاب وسائر وجوه المجاز ، أو كأنه ، يقول : إنما حكمت لهؤلاء الكفار بعذاب الأبد ، لعلمي أنهم يستحقون ذلك .
وقيل : » عليم « بالذي استثناه وبما في قلوبهم من البر والتقوى .

(7/172)


وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون (129)

قوله : « وكذلك نولي » أي : كما خذلنا عصاة الإنس والجن حتى استمتع بعضهم ببعص ، كذلك نكل بعضهم إلى بعض في النصرة والمعونة وقيل : نسلط بعضهم على بعض ، فياخذ من الظالم بالظالم؛ كما جاء « من أعان ظالما ، سلطه الله عليه » .
قال قتادة : نجعل بعضهم اولياء لبعض ، فالمؤمن ولي المؤمن أين كان ، والكافر ولي الكافر حيث كان .
وروى معمر عن قتادة : يتبع بعضهم بعضا في النار من المولاة .
وقيل : معناه : نولي طلمة الجن ظلمة الإنس ، ونولي ظلمة الإنس ظلممة الجن ، أيك نكل بعضهم إلى بعض؛ كقوله - تبارك وتعالى - : { نوله ما تولى } [ النساء : 115 ] فهي نعت لمصدر محذوف ، أو في محل رفع ، أي : الأمر مثل تولية الظالمين ، وهو راي الزجاج في غير موضع .
وروى الكلبي عن أبي صالح في تفسيرها : هو أن الله - تبارك وتعالى - إذا أراد بقوم خيرا ولي أمرهم خيارهم ، وإذا أراد بقوم شرا ولي أمرهم شرارهم .
وروى مالك بن دينار قال جاء في [ بعض ] كتب الله المنزلة أنا الله مالك الملوك ، قلوب الملوك بيدي ، فمن أطاعني ، جعلتهم عليه رحمة ، ومن عصاني جعلتم عليه نقمة ، لا تشغلوا أنفسكم بسبب الملوك ، لكن توبوا إلي أعطفهم عليكم .
وقوله : بما كانوا يكسبون « تقدم نظيره .

(7/173)


يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا شهدنا على أنفسنا وغرتهم الحياة الدنيا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين (130)

هذه الآية من بقية توبيخ الكفار يوم القيامة .
قال أهل اللغة : المعشر كل جماعة أمرهم واحد ، ويحصل بنيهم معاشرة ومخالطة ، والجمع : معاشر .
قوله : « منكم » في محل رفع صلة لرسل ، فيتعلق بمحذوف ، وقوله : « يقصون » يحتمل أن يكون صفة ثانية ، وجاءت كذا مجيئا حسنا ، حيث تقدم ما هو قريب من المفرد على الجملة ، ويحتمل أن يكون في محل نصب على الحال ، وفي صاحبها وجهان :
أحدهما : هو رسل وجاز ذلك وإن كان نكرة؛ لتخصصه بالوصف .
والثاني : أنه الضمير المستتر في « منكم » وقوله : « رسل منكم » زعم الفراء : أن في هذه الآية حذف مضاف ، أي : « ألم يأتكم رسل من أحدكم ، يعني : من جنس الإنس » قال : كقوله- تعالى- : { يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان } [ الرحمن : 22 ] ، وإنما يخرجان من الملح { وجعل القمر فيهن نورا } [ نوح : 16 ] وإنما هو في بعضها ، فالتقدير : يخرج من أحدهما ، وجعل القمر في إحداهن فحذف للعلم به ، وإنما احتاج الفراء إلى ذلك؛ لأن الرسل عنده مختصة بالإنس ، يعني : أنه لم يعتقد أن الله أرسل للجن رسولا منهم ، بل إنما أرسل إليهم الإنس ، كما يروى في التفسيرن وعلي قام الإجماع أن النبي محمدا صلى الله عليه وسلم مرسل للإنس والجن ، وهذا هو الحق ، أعني : أن الجن ، وهذا هو الحق ، أعني : ان الجن لم يرسل منهم إلا بواسطة رسالة الإنس؛ كما جاء في الحديث مع الجن الذين لما سمعوا القرآن ولوءا إلى قومهم منذرين ، ولكن لا يحتاج إلى تقدير مضاف ، وإن قلنا : إن رسل الجن من الإنس للمعنى الذي ذكرناهن وهو أنه يطلق عليهم رسل مجازا؛ لكونهم رسلا بواسطة رسالة الإنس ، وزعم قوم منهم الضحاك : أن الله أرسل للجن رسولا منهم يسمى يوسف .
قال ابن الخطيب : ودعوى الإجماع في هذا بعيد؛ لأنه كيف ينعقد الإجماع مع حصول الاختلاف ، قال : ويمكن أن يحتج الضحاك بقوله- تبارك وتعالى- : { ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا } [ الأنعام : 9 ] .
قال المفسرون : والسبب في أن استئناس الإنسان بالإنسان أكمل من استئناسه بالملك ، فوجب في حكم الله- تبارك وتعالى- أن يجعل رسل الإنس من الإنس؛ ليكمل الاستئناس ، وهذا المعنى حاصل في الجن ، فوحب أن يكون رسل الجن من الجن ، لتزول النفرة ويحصل كمال الاستئناس .
وقال الكلبي : كانت الرسل قبل أن يبعث محمد صلى الله عليه وسلم يبعثون إلى الحن وإلى الإنس جميعا .
وقال مجاهد : الرسل من الإنس والنذر من الجن ، ثم قرأ [ قوله تعالى ] : { ولوا إلى قومهم منذرين } [ الأحقاف : 29 ] ، وهم قوم يسمعون كلام الرسل فيبلغون الجن ما سمعوا ، ولي للجن رسل .
ثم قال : « يقصون عليكم آياتي » أي : يقرءون عليكم كتبي « وينذرونكم لقاء يومكم هذا » وهو يوم القيامة ، فلم يجدوا عند ذلك إلا الاعتراف ، فذلك قالوا : شهدنا على أنفسنا .

(7/174)


فإن قي : كيف أقروا في هذه الآية الكريمة بالكفرن وجحدوا في قوله : { والله ربنا ما كنا مشركين } [ الأنعام : 23 ] .
فالجواب : يوم القيامة يوم طويل ، والأحوال في مختلفة ، فتارة يقرون وأخرى يجحدون ، وذلك يدل على شدة الخوف واضطراب أحوالهم ، فإن من عطم خوفه ، كثر الاضطراب في كلامه ، قال - تبارك وتعالى- : { وغرتهم الحياة الدنيا } أي : أنهم إنما وقعوا في الكفر بسبب أن الحياة الدنيا غرتهم ، حتى لم يؤمنوا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين ، و حمل مقاتل قوله « وشهدوا على أنفسهم » بأنه تشهد عليهم الجوارح بالشرك والكفر ومقصوده دفع التكرار عن الآية الكريمة ، وهذه الآية تدل على أنه لا يتكليف قبل ورود الشرع ، وإلا لم يكون لهذا التعليل فائدة .

(7/175)


ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون (131)

قوله : { ذلك أن لم يكن ربك مهلك } فيه ثلاثة أوجه :
أحدهما : أنه مبتدأ محذوف الخبر ، أي : ذلك الأمر .
الثاني : عكس ذلك الأمر .
الثالث : أنه منصوب فعل ، أي : فعلنا ذلك ، وإنما يظهر المعنى إذا عرف المشار إليه ، وهو يحتمل أن يكون إتيات الرسل وأمر من كذب ، ويحتمل أن يكون إشارة إلى السؤال المفهوم من قوله : « ألم يأتكم » وقوله : « أن لم يكن » يجوز فيه وجهان :
أحدهما : أنه على حذف لام العلة أي : ذلك الأمر الذي قصصنا ، أو ذلك الإتيان ، أو ذلك السؤال لأجل « أن لم يكن » فلما حذفت اللام احتمل موضعها الجر والنصب كما عرف مرارا .
والثاني : أن يكون بدلا من ذلك .
قال الزمخشري : ولك أن تجعله بدلا من ذلك؛ كقوله : { وقضينآ إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلآء مقطوع مصبحين } [ الحجر : 66 ] .
فيجوز أن يكون في محل رفع أو نصب على ما تقدم في ذلك ، إلا أن الزمخشري القائل بالبدلية لم يذكر لأجل ذلك إلا الرفع على خبر مبتدأ مضمر ، و « أن » يجوز أن تكثون الناصبة للمضارع ، وأن تكون مخففة ، واسمها ضمير الشأن ، و « لم يكن » في محل رفع خبرها ، وهو نظير قوله : { ألا يرجع إليهم } [ طه : 89 ] .
وقوله : [ البسيط ]
2315- في فتية كسيوف الهند قد علموا ... أن هالك كل من يخفى وينتعل
و « بظلم » يجوز فيه وجهان :
أظهرهما : أنه متعلق بمحذوف على أنه حال من « ربط » أو من الضمير في « مهلك » أي : لم يكون مهلك القرى ملتبسا بظلم ، ويجوز أن يكون حالا من القرى ، أي : ملتبسة بذنوبها ، والمعنيان منقولان في التفسير . والثاني : أن يتعلق ب « مهلك على أنه مفعول وهو بعيد ، وقد ذكره أبو البقاء .
وقوله : » وأهلها غافلون « جملة حالية أي : لم ينذروا حتى يبعث إليهم رسلا تنذرهم ، وقال الكلبي : يهلكهم بذنوبهم من قبل أن يأتيهم الرسل .
وقيل : معناه لم يكون ليهلكهم دون التنبيه والتذكير بالرسل ، فيكون قد ظلمهم؛ لأن الله - تبارك وتعالى - أجرى السنة ألا يأخذ أحدا إلا بعد وجود الذنب ، وإنما يكون مذنبا إذا أمر فلم يأتمر ، ونهي فلم ينته ، وذلك إنما يكون بعد إنذار الرسل ، وهذه الآية تدل على أنه لا وجوب ولا تكليف قبل ورود الشرع .

(7/176)


ولكل درجات مما عملوا وما ربك بغافل عما يعملون (132)

أي : ولكل درجات في الثواب والعقاب ، على قدر أعمالهم في الدنيا ، وحذف المضاف إليه للعلم به ، أي : ولكل فريق منهم من الجن والإنس .
قوله : « مما عملوا » في محل رفع نعتا ل « درجات » .
وقيل : ولكل من المؤمنين خاصة .
وقيل : ولكل من الكفار خاصة؛ لأنها جاءت عقيب خطاب الكفار؛ إلا أنه يبعده قوله : « درجات » وقد يقال : إن المراد به هنا المراتب ، وإن غلب استعمالها في الخير « وما ربك بغافل عما يعملثون » قرأ العامة بالغيبة ردا على قوله : « ولكل درجات » وقرأ ابن عامر بالخطاب مراعاة لما بعده في قوله : « يذهبكم » ، « من بعدكم » ، كما « أنشأكم » .

(7/177)


وربك الغني ذو الرحمة إن يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما يشاء كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين (133) إن ما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين (134)

لما بين ثواب المطيعين وعقاب العاصين ، وبين أن لكل قوم درجة مخصوصة في الثواب والعقاب ، بين أنه غير محتاج إلى ثواب المطيعين ، أو ينتقص بمعصية المذنبين؛ لأنه - تعالى - غني لذاته عن جميع العالمين ، ومع كونه غنيا ، فإن رحمته عامة كاملة .
قال ابن عباس - رضي الله عنهما- : ذو الرحمة بأوليائه وأهل طاعته .
قوله : « وربك الغني » يجوز أن يكون الغني والرحمة خبرين أو وصفين ، و « إن يشأ » وما بعده خبرا لأول ، أو يكون « الغني » وصفا و « ذو الرحمة » خبرا ، والجملة الشرطية خبر ثاني أو مستأنف .
فصل في دحض شهبة للمعتزلة
قالت المعتزلة : هذه الآية الكريمة دالة على كونه عادلا منزها عن فعل القبيح ، وعلى كونه رحيما محسنا بعباده؛ لأنه - تبارك وتعالى- عالم بقبح القبائح ، وعالم بكونه غنيا مذكور في الآية لغاية ظهوره .
وثانيها : أنه - تعالى - عالم بالمعلومات؛ لقوله : { وما ربك بغافل عما يعملون } [ الأنعام : 132 ] .
وثالثها : أنه - تعالى - غني عن الحاجات؛ لقوله : « وربك الغني » وإذا ثبتت هذه المقدمات ، ثبت أنه علم بقبح القبائح وعالم بكون غنيا عنها ، وإذا ثبت هذا ، امتنع كونه فاعلا لها؛ لأن المقدم على فعل القبيح إما أن يكون إقدامه لجهله بكونه قبيحا ، وإما لاحتياجه ، فإذا كان عالما بالكل ، امتنع كونه جاهلا بقبح القبائح ، وذلك يدل على أنه - تعالى - منزه عن فعل القبيح ، فحينئذ يقطع بانه لا يظلم أحدا فلما كلف عبيده الأفعال الشاقة ، وجب أن يثيبهم عليها ، ولما رتب العقاب على فعل المعاصي ، وجب أن يكون عادلا فيها ، فحينئذ انتفى الظلم عن الله - تعالى ، فما الفائدة في التكليف؟ .
قال ابن الخطيب : والجواب أن التكليف إحسان ورحمة على ما قرر في كتب الكلام . قوله : « إن يشأ يذهبكم » فقيل : المراد يهلككم يا أهل مكة ، وقيل : يميتتكثم ، وقيل : يحتمل ألا يبلغهم مبلغ التكليف ، ويستخلف من بعد إذهابكم؛ لأن الاستخلاف لا يكون إلى على طريق البدل .
قوله : « ما يشاء » يجوز أن تكون « ما » واقعة على ما هو من جنس الآدميين ، وإنما أتى ب « ما » وهي لغير العاقل للإبهام الحاصل ، ويجوز أن تكون واقعة على غير العاقل وأنه يأتي بجنس آخر ، ويجوز أن تكون واقعة على النوع من العقلاء كما تقدم .
قوله : « كما أنشأكم » في هو جهان :
أحدهما : أنه مصدر على غير المصدر؛ لقوله : « ويستخلف » لأن معنى « يستخلف » : ينشىء .
والثاني : أنها نعت مصدر محذوف ، تقديره : استخلافا مثل ما أنشأكم .
وقوله : « من ذرية » متعلق ب « أنشأكم » وفي « من » هذه وجه : أحدها : انها لابتداء الغاية ، أي : ابتدأ إنشاءكم من ذرية قوم .

(7/178)


الثانيك أنها تبعيضية ، قاله ابن عطية .
الثالث : بمعنى البدل ، قال الطبري وتبعه مكي بن أبي طالب : هي كقولك : « أخذت من ثوبي درهما » أي : بدله وعوضه ، وكون « من » بمعنى البدل قليل أو ممتنع ، وما ورد منع مؤول؛ كقوله - تعالى - : { لجعلنا منكم ملائكة } [ الزخرف : 60 ] أي : بدلكم .
وقوله : [ الزجر ]
2316- جارية لم تأكل المرققا ... ولم تذق من البقول الفستقا
أي : بدل البقول ، والمعنى : من أولاد قوم متقدمين أصلهم آدم .
وقال الزمخشري : من أولاد قوءم آخرين لم يكونوا على مثل صفتكم ، وهم أهل سفينة نوح . وقرأ ابي بن كعب : « ذرية » بفتح الذال ، وأبان بني عثمان : « ذرية » بتخفيف الراء مكسور ، ويروى عنه أيضا : « ذرية » . بزنة ضربة ، وقد تقدم تحقيقه ، وقرأ زيد بن ثابت : « ذرية » بكسر الذال ، قال الكسائي هما لغتان .
قوله : « إن توعدون لآت » « ما » بمعنى الذي وليست الكافة ، و « توعدون » صلتها ، والعائد محذوف ، أي : إن ما توعدونه و « لآت » خبر مؤكد باللام .
قال الحسن : « ما توعدون » من مجيء الساعة؛ لأنهم كانوا ينكرون الحشر .
وقيل : يحتمل الوعد والوعيدن ولما ذكر الوعد ، جزم بكونه آتيا ، ولما ذكر الوعيد ، ما ذاد على قوله : « وما أنتم بمعجزين » وذلك يدل على أن جانب الرحمة والإحسان غالب .

(7/179)


قل يا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار إنه لا يفلح الظالمون (135)

لما بين أن ما توعدن ، لآت ، أمر رسوله بعده أن يهدد من ينكر البعث من الكفار .
وقرأ أبو بكر عن عاصم « مكاناتكم » بالجميع في كل القرآن ، أي : على تمكنكم .
وقال عطاء : على حالاتكم التي أنتم عليها ، والباقون : مكانتكم .
قال الواحدي : والوجه الإفراد؛ لأنه مصدر ، والمصادر في أكثر الأمر مفردة ، وقد يجمع في بعض الأحوال إلا أن الغالب هو الأول ، فمن أفرد فلإرادة الجنس ، ومن جمع فليطابق ما بعده ، فإن المخاطبين جماعة ، وقد أضيفت إليهم ، وقد علم أن الكل واحد مكانه .
قال الزمخشري : المكانة تكون مصدرا؛ يقال : مكن مكانة إذا تمكن أبلغ التمكن ، وبعنى المكان؛ يقال : مكان ومكانة ، ومقام ومقامة ، فقوله : « اعملوا على مكانتكم » يحتمل « اعملوا » على تمكنكم من أمركم وأقصى استطاعتكم وإمكانكم وإمكانكم ، قال معناه أبو إسحاق الزجاج ، وعلى الثاني : أعملوا على جهتكم وحالكم التي أنتم عليها .
قوله : « إني عامل » على مكانتي التي أنا عليها ، والمعنى : أثبتوا على عداوتكم وكفركم ، فإني ثابت على الإسلام وعلى مضارتكم ، « فسوف تعلمون » أينا ينال العاقبة المحمودة ، وهذا أمر تهديد؛ كقوله : « اعملوا ما شئتم » .
قوله : « من تكون له » يجوز في « من » هذه وجهان : أحدهما : أن تكون موصولة وهو الظاهر ، فهي في محل نصب مفعولا به ، و « علم هنا متعدية لواحد؛ لأنها بمعنى العرفان .
الثاني : أن تكون استفهامية ، فتكون في محل رفع بالابتداء ، و » تكون له عاقبة الدار « تكون واسمها وخبرها في محل رفع خبرا لها ، وهي خبرها في محل نصب : إما لسدها مسد مفعول واحد إن كانت » علم « عرفانية ، وإما لسدها مسد اثنين إن كان يقينية . وقرأ الأخوان : » من يكون له عاقبة الدار « هنا ، وفي » القصص « [ الآية : 37 ] بالياء ، والباقون : بالتاء من فوق ، وهما واضحتان ، فإن تأنيثها غير حقيقي ، وقد تقدم ذلك في قوله : { ولا تنفعها شفاعة } [ البقر : 123 ] .
وقوله : { إنه لا يفلح الظالمون } .
قال ابن عباس : أي لا يسعد من كفر بي وأشرك .
وقال الضحاك : لا يفوز .

(7/180)


وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم ساء ما يحكمون (136)

لما بين قبح طريقهم في إنكار البعث ، ذكر بعده أنواعا من جهالتهم؛ تنبيها على ضعف عقولهم وتنفيرا للعقلاء عن الالتفات إلى كلماتهم ، فمن جملتها أن يجعلوا لله من حرثهم ومن أنعامهم نصيبا .
و « جعل » هنا بمعنى « صير » فيتعدى لاثنين : أولهما : « نصيبا ، والثاني : قوله » لله « ط و » مما ذرأ « يجوز أن يتعلق ب » الجعل « وأن يتعلق بمحذوف؛ لأنه كان في الأصل صفة ل » نصيبا « فلما قدم عليه انتصب حالا ، والتقدير : وجعلوا نصيبا مما ذرأ [ الله ] و » من الحرث « يجوز أن يكون بدلا » مما ذرا « بإعادة العامل؛ كأنه قيل وجعلوا لله من الحرث والأنعام نصيبا ، ويجوز أن يتعلق ب » ذرأ « وأن يتعلق بمحذوف على أنه حال : إما من » ما « الموصولة ، وأو من عائدها المحذوف ، وفي الكلام حذف مفعول اقتضاه [ التقسيم ] ، والتقدير : وجعلوا لله نصيبا من كذا ، ولشركائهم نصيبا منه يدل عليه ما بعده من قوله : { فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركآئنا } [ و » هذا لله « جملة منصوبة المحل بالقول ، وكذلك قوله : » وهذا لشركائنا « ] وقوله : » بزعمهم « فيه وجهان :
أحدهما : أن يتعلق ب » قالوا « أي : فقالوا ذلك القول بزعم لا بيقين واستبصار .
وقيل : هو متعلق بما تعلق به الاستقرار من قوله : » لله « .
وقرأ العامة بفتح الزاي من » زعمهم « في الموضعين ، وهذه لغة الحجاز ويه الفصحى ، وقرأ الكسائي : » بزعمهم « بالضم وهو لغة بني أسد ، وهل الفتح والضم بمعنى واحد ، أو المفتوح مصدر والمضموم اسم؟ خلاف مشهور .
وقرأ ابن أبي عبلة » بزعمهم « بفتح الزاي والعين .
وفيه لغة رابعة لبعض قيس ، وبني تميم وهي كسر الزاي ، ولم يقرأ بهذه اللغة فيما علمنا ، وقد تقدم تحقيق » الزعم « [ في النساء آية 60 ] .
وقوله : » لشركائنا « يجوز فيه وجهان :
أحدهما : أن الشركاء من الشرك ، ويعنون بهم : آلهتهم التي أشركوا بينها وبين الباري - تعالى - في العبادة ، وليست الإضافة إلى فاعل ولا إلى مفعول ، بل هي إضافة تخصيص ، والمعنى : الشركاء الذين أشركوا بينهم وبين الله - تعالى - في العبادة .
والثانيك أن الشركاء من الشركة ، ومعنى كونهم سموا آلهتهم شركاءهم : أنهم جعلوهم شركاء في أموالهم ، وزرعهم ، وأنعامهم ، ومتاجرهم وغير ذلك ، فتكون الإضافة إضافة لفظية : إما إلى المفعول أي : شركائنا الذين شاركونا في أموالنا ، وإما إلى الفاعل ، أي : الذين أشركناهم في أموالنا .
فصل في المراد بالآية
قال ابن عباس : كان المشركون يجعلون لله من حروثهم وأنعامهم نصيبا ، وللأوثان نصيبا ، فما كان للصنم أنفقوه على الأصنام وحدها ، وما جعلوه لله أطعموه الضيفان والمساكين ، ولا يأكلون مه ألبتة ، وإن سقط من نصيب الأوثان فيما جعلوه لله؛ ردوه إلى الأوثان ، وقالوا : إنها محتاجة ، وإن سقط شيء مما جعلوه لله في نصيب الأوثان ، وقالوا : إنها محتاجة ، وإن سقط شيء مما جعلوه لله في نصيب الأوثان ، تركوه وقالوا : إن الله غني عن هذا .

(7/181)


وقال الحسن والسديي : كان إذا هلك وانتقص شيء مما جعلوه للأصنام خيروه بما جعلوه لله ولا يفعلون مثل ذلك فيما لله- عز وجل .
وقال مجاهد : المعنى : انه إذا انفجر من سقي ما جعلوه للشيطان في نصيب الله - تعالى- سدوه ، وإن كان على ضد ذلك ، تركوه .
وقال قتادة : إذا أصابهم القحط ، استعانوا بالله ووفروا ما جعلوه لشركائهم .
وقال مقاتل : إن زكا ونما نصيب الآلهة ، ولم يزك نصب الله ، تركوا نصيب الآلهة ، وإن زكا نصب الله ولم يزك نصيب الآلهة ، أخذوا نصيب الله - تعالى - وقالوا : لا بد لآلهتنا من نفقة ، فأخذوا نصيب الله فأعطوه السدنة ، فذلك قوله : « فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم » ، يغني من نماء الحرث والأنعام ، فلا يصل إلى الله - تعالى - يعني : إلى المساكين ، وإنما قال : إلى الله؛ أنهم كانوا يفرزونه لله - تعالى - ويسمونه نصيب الله ، وما كان لله فهو يصل إليهم .
قوله : « ساء ما يحكمون » قد تقدم نظيره ، وقد أعربها الحوفي هنا ، فقال : « ما » بمعنى الذي ، والتقدير : ساء الذي يحكمون حكمهم ، فيكون « حكمهم » مبتدأ وما قبله الخبر ، وحذف لدلالة « يحكمون » عليه ويجوز أن تكون « ما » تمييزا ، على مذهب من يجيز ذلك في « بئسما » فتكون في موضع نصب ، التقدير : ساء حكما حكمهم ، ولا يكون « يحكمون » صفة ل « ما » لأن الغرض الإبهام ، ولكن في الكلام حذف يدل عليه « ما » والتقدير : ساء ما يحكمون فحذف « ما » الثانية .
قال شهاب الدين : و « ما » هذه إن كان موصولة ، فمذهب البصريين أن حذف الموصول لا يجوز وقد عرف ذلك ، وإن كانت نكرة موصوفة ، ففيه نظر؛ لأنه لم يعهد حذف « ما » نكرة موصوفة .
وقال ابن عطية : و « ما » في موضع رفع؛كأنه قال : ساء الذي يحكمون ولا يتجه عندي أن تجري « ساء » هنا مجرى « نعم » و « بئس » ؛ لأن المفسر هنا مضمر ، ولا بد من إظهاره باتفاق من النحاة وإنما اتجه أن يجري مجرى « بئس » في قوله : { سآء مثلا القوم } [ الأعراف : 177 ] لأن المفسر ظاهر في الكلام .
قال أبو حيان : « وهذا كلام من لم ترسخ قدمه في الغربية ، بل شذ فيها شيئا يسيرا؛ لأنه إذا جرت » ساء « مجرى » بئس « كان حكمها كحكمها سواء لا يختلف في شيء ألبتة من فاعل ظاهر أو مضمر ، أو تمييز ولا خلاف في جواز حذف المخصوص بالمدح أو الذم ، والتمييز بها لدلالة الكلام عليه » .
فقوله : « لأن المفسر هنا مضمر ، ولا بد من إظهار باتفاق » قوله ساقط ودعواه الاتفاق على ذلك - مع أن الاتفاق على خلافه - عجب عجاب .

(7/182)


وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم ليردوهم وليلبسوا عليهم دينهم ولو شاء الله ما فعلوه فذرهم وما يفترون (137)

هذا نوع آخر من أحكامهم الفاسدة ومذاهبهم الباطلة . قوله : « وكذلك زين » هذا في محل نصب نعتا لمصدر محذوف كنظائره ، فقدره الزمخشري تقديرين ، فقال : « ومثل ذلك التزيين وهو تزيين الشرك في قسمة القربان بين الله والآلهة ، أو : ومثل ذلك التزيين البليغ الذي علم من الشياطين » .
قال أبو حيان : قال ابن الأنباري : ويجوز أن يكون « كذلك » مستأنفا غير مشار به إلى ما قبله ، فيكون المعنى : وهكذا زين .
قال شهاب الدين : والمنقول عن ابن الانباري أن مشار به إلى ما قبله ، نقل الواحدي عنه؛ أنه قال : « ذلك » إشارة إلى ما نعاه الله عليهم من قسمهم ما قسموا بالجهل ، فكأنه قيل : ومثل ذلك الذي أتوه في القسم جهلا وخطأ زين لكثير من المشركين ، فشبه تزيين الشركاء بخطابهم في القسم وهذا معنى قول الزجاج ، وفي هذه الآية قراءات كثيرة ، والمتواتر منها ثنتان .
الأولى : قرأ العامة « زين » مبنيا للفاعل و « قتل » نصب على المفعولية و « أولادهم » نصبا على المفعول بالمصدر ، « شركائهم » خفضا على إضافة المصدر إلأيه فاعلا ، وهذه القراءة متواترة صحيحة ، وقد تجرأ كثيرة من الناس على قارئها بما لا ينبغي ، وهو أعلى القراء السبعة سندا وأقدمهم هجرة .
أما علو سنده : فإنه قرأ على أبي الدرداء ، وواثلة بن الأسقع ، وفضالة بن عبيد ، ومعاوية بن أبي سفيان ، والمغيرة المخزومي ، ونقل يحيى الذماري أنه قرأ على عثمان نفسه .
وأما قدم هجرته فإنه ولد في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وناهيك به أن هشام بن عمار أحد شيوخ البخاري أخذ عن أصحاب أصحابه وترجمته متسعة ذكرتها في « شرح القصيد » .
وإنما ذكرت هنا هذه العجالة تنبيها على خطإ من رد قراءته ونسبه إلى لحن ، وأو اتباع مجرد المرسوم فقط .
قال أبو جعفر النحاس : وهذا يعني أن الفصل بين المضاف والمضاف إليه بالظرف أو غيره لا يجوز في شعر ولا غيره ، وهذا خطأ من أبي جعفر؛ لما سنذكره من لسان العرب .
وقال أبو علي الفارسي : هذا قبيح قليل في الاستعمال ، ولو عدل عنها - يعني ابن عامر- ، كان أولى؛ لأنهم لم يفصلوا بين المضاف والمضاف إليه بالظرف في الكلام مع اتساعهم في الظروف ، وإنما أجازوه في الشعر « قال : » وقد فصلوا به - أي بالظرف - في كثير من المواضع ، نحو قوله تعالى { إن فيها قوما جبارين } [ المائدة : 22 ] ؛ وقال الشاعر في ذلك : [ المتقارب ]
2317- على أنني بعدما قد مضى ... ثلاثون - للهجر - حولا كميلا
وقول الآخر في هذا البيت : [ الطويل ]
2318- فلا تلحني فيها فإن- بخبها - ... أخاك مصاب القلب جم بلابله

(7/183)


ففصل بين « إن » واسمها بما يتعلق بخبرها ، ولو كان بغير الظرف ، لم يجز ، ألا ترى أنك لو قلت : « إن زيدا عمرا ضارب » على أن يكون « زيدا » منصوبا ب « ضارب » لم يجز ، فإذا لم يجيزوا الفصل بين المضاف والمضاف إليه في الكلام بالظرف مع اتساعهم فيه في الكلام ، وإنما يجوز في الشعر؛ كقوله : [ الوافر ]
2319- كما خط الكتاب بكف - يوما- ... يهودي يقارب أو يزيل
فأن لا يجوز بالمفعول الذي لم يتسع فيه بالفصل أجدر ، ووجه ذلك على ضعفه وقلة الاستعمال : أنه قد جاء في الشعر على حد ما قرأه قال الطرماح : [ الطويل ]
2320- يطفن بحوزي المراتع لم ترع ... بواديه من قرع - القسي - الكنائن
وأنشد أبو الحسن : [ مجزوء الكامل ]
2321- . . . . . . . . . . . . . . . . . ... زج - القلوص - أبي مزاده
وقال أبو عبيد : وكان عبد الله بن عامر ، وأهل الشام يقرءونها : « زين » بضم الزاي « قتل » بالرفع ، « أولادهم » بالنصب ، « شركائهم » بالخفض ، ويتأولون « قتل شركائهم أولادهم » فيفرقون بين الفعل وفاعله .
قال أبو عبيد : « ولا أحب هذه القراءة؛ لما فيها من الاستكراه والقراءة عندنا هي الأولى؛ لصحتها في العربية ، مع إجماع أهل الحرمين والمصرين بالعراق عليها » .
وقال سيبويه في قولهم :
2322- يا سارق الليلة أهل الدار ... بخفض « الليلة » على التجوز وبنصب « الأهل » على المفعولية ، ولا يجوز « يا سارق الليلة أهل الدار » إلا في شعر؛ كراهة أن يفصلوا بين الجار والمجرور ، ثم قال : ومما جاء في الشعر قد فصل بينه وبين المجرور قول عمرو بن قميئة : [ السريع ]
2323 - لما رأت ساتيدما استعبرت ... لله در - اليوم - من لامها
وذكر أبياتا أخر .
وقال أبو الفتح بن جني : « الفصل بين المضاف والمضاف إليه بالظرف والجار والمجرور كثير ، لكنه من ضرورة الشاعر » .
وقال مكي بن أبي طالب : « ومن قرأ هذه القراءة ونصب » الأولاد « وخفض » الشركاء « فيه قراءة بعيدة ، وقد رويت عن ابن عامر ، ومجازها على التفرقة بين المضاف والمضاف إليه بالمفعول ، وذلك إنما يجوز عند النحويين في الشعر ، وأكثر ما يكون بالظرف » .
قال ابن عطية - رحمه الله - : وهذه قراءة ضعيفة في استعمال العرب ، وذلك أنه أضاف الفعل إلى الفاعل ، وهو الشركاء ، ثم فصل بين المضاف والمضاف إليه بالمفعول ، ورؤساء العربية لا يجيزون الفصل بالظروف في مثل هذا إلا في شعر؛ كقوله : [ الوافر ]
2324- كما خط - الكتاب بكف يوما ... يهودي . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
البيت فكيف بالمفعول في أفصح كلام؟ ولكن وجهها على ضعفها : أنها وردت في بيت شاذ أنشده أبو الحسن الأخفش ، فقال : [ مجزوء الكامل ]

(7/184)


2325- فزججتها بمزجة ... زج - القلوص - أبي مزاده
وفي بيت الطرماح ، وهو قوله : [ الطويل ]
2326- يطفن بحوزي المراتع لم ترع ... بواديه من قرع - القسي - الكنائن
وقال الزمخشري - فأغلظ وأساء في عبارته- « وأم قراءة ابن عامر - فذكرها- فشيء لو كان في مكان الضرورة وهو الشعر ، لكان سمجا مردودا كما سمج ورورد :
[ مجزوء الكامل ]
2327- . . . . . . . . . . . . . . . . ... زج - القلوص - أبي مزاده
فكيف به في الكلام المنثور؟ كيف به في القرآن المعجز بحسن نظمه وجزالته؟ الذي حمله على ذلك : أن رأى في بعض المصاحف » شركائهم « مكتوبا بالياء ، ولو قرأ بجر » الأولاد « و » الشركاء « - لأن الأولاد شركاؤهم في أموالهم - لوجد في ذلك مندوحة عن هذا الارتكاب » .
قال شهاب الدين : « سيأتي بيان ما تمنى أبو القاسم أن يقرأه ابن عامر ، وأنه قد قرأ به ، فكأن الزمخشري لم يطلع على ذلك ، فلهذا تمناه » .
وهذه الأقوال التي ذكرتها جميعا لا ينبغي أن يلتفت إليها؛ لأنها طعن في المتواتر ، وإن كانت صادرة عن أئمة أكابر ، وأيضا فقد انتصر لها من يقابلهم وأورد من لسان العرب نظمه ونثره ما يشهد لصحة هذه القراءة لغة .
قال أبو بكر بن الأنباري : « هذه قراءة صحيحة وإذا كانت العرب قد فصلت بني المتضايفين بالجملة في قولهم : » هو غلام- إن شاء الله- أخيك « يريدون : هو غلام أخيك ، فأن يفصل بالمفرد أسهل » انتهى .
وسمع الكسائي قول بعضهم : « إن الشاة لتجتر فتسمع صوت والله ربها » ، أي : صوت ربها والله ، ففصل بالقسم وهو في قوة الجملة ، وقرأ بعض السلف : { فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله } [ إبراهيم : 47 ] بنصب « وعده » وخفض « رسله » وفي الحديث عنه - عليه الصلاة والسلام- : « هل أنتم تاركو لي صاحبي ، تاركوا لي امرأتي » أي تاركو صاحبي لي ، تاركو امرأتي لي .
وقال ابن جني في كتاب « الخصائص » : باب ما يرد عن العربي مخالفا للجمهور ، إذا اتفق شيء من ذلك ، نظر في ذلك العربي وفيما جاء به : فإن كان فصيحا وكان ما جاء به يقبله القياس ، فيحسن الظن به؛ لأنه يمكن أن يكون قد وقع إليه ذلك من لغة قديمة ، قد طال عهدها وعفا رسمها .
أخرنا أبو بكر جعفر بن محمد بن أبي الحجاج ، عن أبي خليفة الفضل بن الحباب ، قال : قال ابن عوف عن ابن سيرين : قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه- : « كان الشعر علم قوم لم يكون لهم علم منه؛ فجاء الإسلام فتشاغلت عنه العرب بالجهاد وغزو فارس والروم ، ولهت عن الشعر وروايته ، فلما كثر الإسلام وجاءت الفتوح ، وأطمأنت العرب في الإمصار ، راجعوا رواية الشعر فلم يئولوا إلى ديوان مدون ، ولا إلى كتاب مكتوب ، وألفوا ذلك وقد هلك من هلك من العرب بالموت والقتل ، فحفظوا أقل ذلك وذهب عنهم كثيره » .

(7/185)


قال : وحدثنا أبو بكر ، عن أبي خليفة عن يونس بن حبيب ، عن أبي عمرو بن العلاء . قال : « ما انتهى إليكم مما قالت العرب إلا أقله ، ولو جاءكم وافرا لجاءكم علم وشعر كثير » . وقال أبو الفتح : « فإذا كان الأمر كذلك ، لم نقطع على الفصيح إذا سمع منه ما يخال الجمهور بالخطإ ، ما وجد طريق إلى تقبل ما يورده ، إلا إذا كان القياس يعاضده » .
قال شهاب الدين : وقراءة هذا الإمام بهذه الحيثية ، بل بطريق الأولى والأحرى لو لم تكن متواترة ، فكيف وهي متواترة؟ وقال ابن ذكوان : سألني الكسائي عن هذا الحرف وما بلغه من قراتنا ، فرأيته كأنه أعجبه وترنم بهذا البيت : [ البسيط ]
2328- تنفي يدها الحصى في كل هاجرة ... نفي - الدراهيم - تنقاد الصياريف
بنصب « الدراهيم » [ وجر « تنقاد » ، وقد روي بخفض « الدراهيم » ورفع « تنقاد » وهو الأصل ، وهو المشهور في الرواية ] .
وقال الكرماني : « قراءة انب عامر وإن ضعفت في العربية للإحالة بين المضاف والمضاف إليه فقوية في الرواية عالية » انتهى .
وقد سمع ممن يوثق بعربيته : « ترك يوما نفسك وهواها سعي في راداها » أي : ترك نفسك يوما مع هواها سعي في هلاكها .
وأما ما ورد في النظم من الفصل بين المتضايفين بالظرف ، وحرف الجر ، وبالمفعول فكثير ، وبغير ذلك قليل ، فمن الفصل بالظرف قول الآخر : [ الوافر ]
2330- كما خط الكتاب بكف - يوما - ... يهودي . . . . . . . .
وقول الآخر : [ السريع ]
2331 قد سألتني أم عمرو عن ال ... أرض التي تجهل أعلامها
لمار رأت ساتيدما استعبرت ... لله در - اليوم - من لامها
تذكرت أرضا بها أهلها ... أخوالها فيها وأعمامها
يريد : لله در من لامها اليوم ، و « ساتيدما » قيل : هو مركب والأصل : « ساتي دما » ثم سمي به هذا الجبل؛ أنه قتل عنده ، قيل : ولا تبرح القتلى عند ، وقيل : « ساتيد » كله اسم و « ما » مزيدة؛ ومثال الفصل بالجار قوله : [ الطويل ]
2332 - هما أخوا - في الحرب - من لا أخا له ... إذا خاف يوما نبوة فدعاهما
وقال الآخر في ذلك : [ البسيط ]
2333- لأنت معتاد - في الهيجا - مصابرة ... يصلى بها كل من عاداك نيرانا
وقوله أيضا : [ البسيط ]
2334- كأن أصوات - منء إيغالهن بنا- ... أواخر الميس أصوات الفراريج
قوله أيضا : [ الطويل ]
2335- تمر على ما تستمر وقد شفت ... غلائل - عبد القيس منها - صدورها
يريد : هما أخوا من لا أخا له في الحرب ، ولانت معتاد مصابرة في الهيجاء ، وكأن أصوات أواخر الميس وغلائل صدورها ، ومن الفصل بالمفعول قول الشاعر في ذلك : [ مجزوء الكامل ]

(7/186)


2336- فزجحتها بمزجة ... زج - القلوص - أبي مزاده
ويروي : فزججتها فتدافعت ، ويروى : فزججتها متمكنا ، وهذا البيت كما تقدم أنشده الأخفش بنصب « القلوص » فاصلا بين المصدر وفاعل المعنوي ، إلا أن القراء قال بعد إنشاده لهذا البيت : أهل المدينة ينشدون هذا البيت يعني : بنصب « القلوص » . قال : « والصواب : زج القلوص بالخفض » . قال شهاب الدين : وقوله : « والصواب يحتمل أن يكون من حيث الرواية الصحيحة وأن يكون من حيث القياس ، وإن لم يرو إلا بالنصب ، وقال في موضع آخر من كتابه » معاني القرآن « : » وهذا مما كان يقوله نحوي و أهل الحجاز ، ولم نجد مثله في العربيةط وقال أبو الفتح : « في هذا البيت فصل بينهما بالمفعول به هذا مع قدرته على أن يقول : زج القلوص أبو مزادة؛ كقولك : » سرني أكل الخبز زيد « بمعنى : أنه كان ييبغي أن يضيف المصدر إلى مفعوله ، فيبقى الفاعل مرفوعا على أصله ، وهذا معنى قول الفراء الأول » والصواب جر القلوص « سيعني ورفع الفاعل » .
ثم قال ابن جيني : وفي هذا البيت عندي دليل على قوة إضافة المصدر إلى الفاعل عندهم ، وأنه في نفوسهم أقوى من إضافته إلى المفعول؛ ألا تراه ارتكب هذه الضرورة مع تمكنه من تركها لا لشيء غير الرغبة في إضافة المصدر إلى الفاعل دون المفعول ، ومن الفصل بالمفعول به أيضا قول الآخر في ذلك : [ الرجز ]
2337- وحلق الماذي والقوانس ... فداسهم دوس الحصاد الدائس
أي : دوس الدائس الحصاد .
ومثله قول الآخر : [ الرجز ]
2338 - يفرك حب السنبل الكنافج ... بالقاع فرك -القطن - المحالج
يريد : فرك المحالج القطن ، وقول الطرماح في ذلك : [ الطويل ]
2339- . . . . . . . . . . . . . . . . ... بواديه من قرع - القسي - الكنائن
يريد : قرع الكنائن القسي . قال ابن جني في هذا البيت : « لم نجد فيه بدا من الفصل؛ لأن القوافي مجرورة » وقال في « زج القلوص » فصل بينهما بالمفعول به ، هذا ما قدرته إلى آخر كلامه المتقدم ، يعني : أنه لو أنشد بيت الطرماح بخفض « القسيط ورفع » الكنائن « لم يجز؛ لأن القوافي مجرورة بخلاف بيت الأخفش؛ فإنه لو خفض » القلوص « ورفع » أبو مزادة « لم تختلف فيه قافيته ولم ينكسر وزنه .
قال شهاب الدين : ولو رفع » الكنائن « في البيت ، لكان جائزا وإن كانت القوافي مجرورة ، ويكون ذلك إقواء ، وهو أن تكون بعض القوافي مجرورة وبعضها مرفوعة؛ كقول امرئ القيس : [ الكامل ]
2341- جالت لتصرعني فقلت لها اقصري ... إن امرؤ صرعي عليك حرام
قالميم محفوضة في الأول ، مرفوعة في الثاني . فإن قيل : هذا عيب في الشعر .
قيل : لا يتقاعد ذلك عن أن يكون مثل هذه للضرورة ، والحق أن الإقواء أفحش وأكثر عيبا من الفصل المذكور ، و من ذلك أيضا : [ الوافر ]

(7/187)


2342-فإن يكن النكاح أحل شيء ... فإن نكاحها مطر حرام
أي : فإن نكاح مطر إياها ، فلما قدم المفعول فاصلا بين المصدر وفاعله ، اتصل بعامله؛ أنه قدر عليه متصلا فلا يعدل إليه منفصلا ، وقد وقع في شعر أبي الطيب الفصل بني المصدر المضاف على فاعله بالمفعول؛ كقوله : [ الطويل ]
2343- بعثت إليه من لساني حديقة ... سقها الحيا سقي - الرياض- السحائب
أي : سقي السحائب الرياض ، وأما الفصل بغير ما تقدم فهو قليل ، فمنه الفصل بالفاعل .
كقوله : [ الطويل ]
2344- . . . . . . . . . . . . . . . . ... غلائل عبد القيس منها صدورها
ففصل بين « غلائل » وبين « صدورها » بالفاعل وهو « عبد القيس » ، وبالجار وهو « منها : كما تقدم بيانه؛ ومثله قول الآخر : [ الطويل ]
2345- نرى أسهما للموت تصمي ولا تنمي ... ولا ترعوي عن نقض - أهواؤنا - العزوم
فأهواؤنا فاعل بالمصدر ، وهو » نقض « وقد فصل به بين المصدر وبين المضاف إليه وهو العزم؛ ومثله قول الآخر : [ المنسرح ]
2346- أنجب أيام - والده به- ... إذ نجلاه فنعم ما نجلا
يريد : أيام إذ نجلاه ، ففصل بالفاعل وهو » والده « المرفوع ب » أنجب « بين المتضايفين وهما » أيام - إذ ولداه « .
قال ابن خروف : » يجوز الفصل بين المصدر والمضاف إليه بالمفعول؛ لكونه في غير محله ، ولا يجوز بالفاعل لكونه في محله وعليه قراءة ابن عامر « .
قال شهاب الدين : هذا فرق بين الفاعل والمفعول حيث استحسن الفصل بالمفعول دون الفاعل ، ومن الفصل بغير ما تقدم أيضا الفصل بالنداء؛ كقوله : [ البسيط ]
2347- وفاق - كعب - بجير منقذ لك من ... تعجيل مهلكة والخلد في سقر
وقول الآخر : [ الطويل ]
2348- إذا ما - أبا حفص - أتتك رأيتها ... على شقراء الناس يعلو قصيدها
وقول الآخر في ذلك : [ الزجر ]
2349- كأن برذون - أبا عصام- ... زيد حمار دق باللجام
يريد : » وفاق يجير يا كعب « و » إذا ما أتتك يا أبا حفص « و » كأن برذون زيد يا أبا عصام « .
ومن الفصل أيضا الفصل بالنعت؛ كقول معاوية يخاطب به عمرو بن العاص : [ الطويل ]
2350- نجوت وقد بل المرادي سيفه ... من ابن أبي شيخ الأباطح طالب
وقول الآخر في ذلك : [ الكامل ]
2351-ولئن حلفت على يديك لأحلفن ... بيمين أصدق من يمينك مقسم
يريد : من ابن أبي طالب شيخ الأباطح ، فشيخ الأباطح نعت لأبي طالب ، فصل به بين أبي ، وبين طالب ، ويريد : لأحلفن بيمين مقسم أصدق من يمينك؛ ف » أصدق « نعت لقوله بيمين ، فصل به بين » يمين « وبين » مقسم « ومن الفصل أيضا الفصل بالفعل الملغى؛ كقوله في ذلك : [ الوافر ]
2352- ألا يا صاحبي قفا المهارى ... نسائل حي بثنة اين سارا؟ بأي تراهم الأرضين حلوا
أألدبران أم عسفوا الكفارا؟ ...

(7/188)


يريد : بأي الأرضين تراهم حلوا ، ففصل بقوله « تراهم » بين « أي » وبين الأرضين .
ومن الفصل أيضا الفصل بمفعول « ليس » معمولا للمصدر المضاف إلى فاعل؛ كقول الشاعر : [ البيسط ]
2353- تسقي ندى ريقتها المسواك ف « المسواك ريقتها ... كما تضمن ماء المزنة الرصف
أي : تسقي ندى ريقتها المسواك ف » المسوالك « مفعول به ناصبة » تسقي « فصل به بين » ندى « وبين » ريقتها « ، وإذ قد عرفت هذا ، فاعلم أن قراءة ابن عامر صحيحة؛ من حيث اللغة كما هي صحيحة من حيث النقل ، ولا التفات إلى قول من قال : إنه اعتمد في ذلك على رسم مصحف الشام الذي أرسله عثمان بن عفان- رضي الله عنه- : لأنه لم يوجد فيه إلا كتابة » شركائهم « بالياء وهذا وإن كافيا في الدلالة على جر » شركائهم « ، فليس فيه ما يدل على نصب » أولادهم « ؛ إذا المصحف مهمل من شكل ونقط ، فلم يبق له حجة في نصب الأولاد إلا النقل المحض .
وقد نقد عن ابن عامر؛ أنه قرأ بجر » الأولاد « كما سيأتي بيانه وتخريجه ، وأيضا فليس رسمها » شركائهم « بالياء مختصا بمصحف الشام ، بل هي كذلك أيضا في مصحف أهل الحجاز .
قال أبو البرهسم : » في سورة الأنعام في إمام أهل الشم وأهل الحجاز : « أولادهم شركائهم » بالياء ، وفي إمان أهل العراق « شركاؤهم » ولم يقرأ أهل الحجاز بالخفض في « شركائهم » لأن الرسءم سنة متبعة قد توافقها التلاوة وقدء لا توافق « .
إلا أن الشيخ أبا شامة قال : » ولم ترسم كذلك إلا باعتبار قراءتين : فالمضموم عليه قراءة معظم القراء « ثم قال : » وأما « شركائهم » بالخفض؛ فيحتلم قراءة ابن عمر « قال شهاب الدين : وسيأتي كلام أبي شام’ هذا بتمامة في موضعه ، وإما أخذت منه [ بقدر ] الحاجة هنا .
فقوله : » إن كل قراءة تابعة لرسءم مصحفها « تشكل بما ذكرنا لك من أن مصحف الحجازيين بالياء ، [ مع أنهم لم يقرءوا بذلك ] .
وقد نقل أبو عمرو والداني أن : » شركائهم « بالياء ] ، إنما هو في مصحف الشام دون مصاحف الأمصار؛ فقال : » في مصحف أهل الشام « أولادهم شركائهم » بالياء ، وفي سائر المصاحف شركاؤهم بالواو « .
قال شهاب الدين : هذا هو المشهور عند الناس ، أعني اختصاص الياء بمصاحف الشام ، ولكن أبو البرهسم ثقة أيضا ، فنقبل ما ينقله . وقد تقدم قول الزمخشري : و » الذي حمله على ذلك أن رألا في بعض المصاحف « شركائهم » مكتوبا بالياء « .

(7/189)


وقال الشيخ [ شهاب الدين ] أبو شامة : « ولا بعد فيما استبعده أهل النحو من جهة المعنى؛ وذلك أنه قد عهد المفعول على الفاعل المرفوع تقديرا ، فإن المصدر لو كان منونا لجاز تقديم المفعول على فاعله ، نحو : » أعجبني ضرب عمرا زيد « فكذا في الإضافة ، وقد ثبت جواز الفصل بين حرف الجر ومجروره مع شدة الاتصال بينهما أكثر من شدته بني المضاف والمضاف إليه؛ كقوله - تعالى - : { فبما نقضهم ميثاقهم } [ النساء : 155 ] ، { فبما رحمة } [ آل عمران : 159 ] ف » ما « زائده في اللفظ ، فكأنه مؤخر لفظا ، ولا التفات إلى قول من زعم أنه لم يأت في الكلام المنثور مثله؛ لأنه ناف ، ومن أسند هذه القراءة مثبت ، والإثبات مرجح على النفي بإجمضاع ، ولو نقل إلى هذا الزاعم عن بعض العرب أنه استعمله في النثر ، لرجع إليه ، فما باله لا يكتفي بناقل القراءة من التابعين عن الصحابة؟ ثم الذي حكاه ابن الأنباري يعني مما تقدم حكاتيه من قوله : » هو غلام إن شاء الله أخيك « فيه الفصل من غير الشعر بجملة » .
وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي ، والحسن البصري ، وعبد الملك قاضي الجند صاحب أن عامر : « زين » مبنيا للمفعول ، « قتل » رفعا على ما تقدم ، « أولادهم » خفضا بالإضافة ، « شركاؤهم » رفعا ، وفي رفعه تخريجان :
أحدهما - وهو تخريج سيبويه- : أنه مرفوع بفعل مقدر ، تقديره : زينه شركاؤهم ، [ فهو جواب لسؤال ] مقدر كأنه قيل : من زينة لهم؟ فقيل : « شركاؤهم » ؛ وهذا كقوله تعالى : { يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال } [ النور : 36 ] أي : يسبحه .
وقال الآخر : [ الطويل ]
2354- ليبك يزيد ضارع لخصومة ... . . . . . . . . . . . . . . . . .
والثاني : خرجه قطرب - أن يكون « شركاؤهم » رفعا على الفاعلية بالمصدر ، والتقدير : زين للمشركين أن قتل أولادهم شركاؤهم؛ كما تقول : « حبب لي ركوب الفرس زيد » تقديره : حبب لي أن ركب الفرس زيد ، والفرق بني التخريجين : أن التخريج الأول يؤدي إلى أن تكون هذه القراءة في المعنى ، كالقراءة المنسوبة للعامة في كون الشركاء مزيين للقتل ، وليسوا قاتلين . [ والثاني : أن يكون الشركاء قاتلين ] ، ولكن ذلك على سبيل المجاز؛ لأنهم لما زينوا قتلهم لآباائهم ، وكانوا سبا فيه ، نسب إليهم القتل مجازا .
وقال أبو البقاء : « ويمكن أن يقع القتل منهم حقيقة » ، وفي نظر؛ لقوله - تبارك وتعالى - : « زين » والإنسان إنما يزين له فعل نفسه؛ كقوله - تعالى- : { أفمن زين له سواء عمله فرآه حسنا } [ فاطر : 8 ] وقال غير أبي عبيد : « وقرأ أهل الشام كقراءة ابن عامر ، إلا أنهم خفضوا » الأولاد « أيضا ، وتخريجها سهل؛وهو أن تجعل » شركائهم « بدلا من » أولادهم « بمعنى أنهم يشركونهم في النسب ، والمال ، وغير ذلك » .
قال الزجاج : « وقد رويت » شركائهم « بالياء في بعض المصاحف ، ولكن لا يجوز إلا على أن يكون » شركاؤهم « من نعت الأولاد؛ لأن أولادهم شركاؤهم في أموالهم » .

(7/190)


وقال الفراء بعد أن ذكر قراءة العامة وهي « زين » مبنيا للفاعل ، « شركاؤهم » مرفوعا على أنه فاعل- « وقراءة » زين « مبنيا للمفعول ، » شركاؤهم « رفعا على ما تقدم من أنه بإضمار فعل ، وفي مصحف أهل الشام » شركايهم « بالياء ، فإن تكن مثبتة عن الأولين ، فينبغي أن تقرأ » زين « ويكون الشركاء هم الأولاد؛ لأنهم منءهم في النسب والميراث . وإن كانوا يقرءون : » زين « - يعني بفتح الزاي- فلست أعرف جهتها إلا أن يكونوا فيها آخذين بلغة قوءم يقولون : أتيتها عشايانا ، ويقولون في تثنية حمراء : حمرايان فهذا وجه أن يكونوا أرادوا : زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركايهم ، يعني بياء مضمومة؛ لأن » شركاؤهم « فاعل كما مر في قراءة العامة .
قال : » وإن شئت جعلت « زين » فعلا إذا فتحته لا يلبس ، ثم تخفض الشركاء بإتباع الأولاد « .
قال أبو شامة : » يعني تقدير الكلام : « زين مزين » فقد أتجه « شركائهم » بالجر أن يكون نعتا للأولاد ، سواء قرئ زين بالفتح أو الضم « .
وقرأت فرقة من أهل الشام - ورويت عن ابن عامر أيضا- » زين « بكسر الزاي بعدها ياء ساكنة؛ على أنه فعل مبني للمجهول على حد قيل وبيع .
وقيل : مرفوع على ما يسم فاعله ، و » أولادهم « بالنصب ، و » شركائهم « بالخفض ، والتوجه واضح مما تقدم ، فهي [ و ] القراءة الأولى سواء ، غاية ما في الباب :
أنه أخذ من زان الثلاثي ، وبين للمفعول ، فاعل بما قد عرفته في أول البقرة .
واللام من قوله » لكثير من المشركين « متعلقة ب » زين « ، وكذلك اللام في قوله : » ليردهم « .
فإن قيل : كيف تعلق حرفي جر بلفظ واحد وبمعنى واحد بعامل واحد ، من غير بدلية ولا عطف؟ .
فالجواب : أن معناها مختلف؛ فإن الأولى للتعدية والثانية للعلية .
قال الزمخشري : » إن كان التزيين من الشياطين ، فهي على حقيقة التعليل ، وإن كان من السدنة ، فهي للصيرورة « يعني : ان الشيطان يفعل التزيين وغرضه بذلك الإرداء ، فالتعليل فيه واضح ، وأما السدنة فإنهم لم يزينوا لهم ذلك ، وغرضهم إهلاكهم ، ولكن لما مآل حالهم إلى الإرداء ، أتى باللام الدالة على العاقبة والمآل .
فصل في بيان ما كان عليه أهل الجاهلية
كان أهل الجاهلية يدفنون بناتهم أحياء خوفا من الفقر والتزويج ، واختلفوا في المراد بالشركاء .
فقال مجاهد : شركاؤهم شياطينهم أمروهم بأن يقتلوا أولادهم خشية الغيلة ، وسميت الشياطين شركاء؛ لأنهم اتخذوها شركاء لقوله - تبارك وتعالى - :

(7/191)


{ أين شركآؤكم الذين كنتم تزعمون من دون الله } [ الأنعام : 22 ] .
وقال الكلبي : الشركاء سدنة آلهتهم وخدامهم ، وهم الذين كانوا يزينون للكفار قتل أولادهم ، وكان الرجل يقوم في الجاهلية فيحلف بالله إن ولد له كذا غلاما لينحرن أحدهم ، كما حلف عبد المطلب على ابنه عبد الله ، وسميت السدنة شركاء كما سميت الشياطين شركاء في قول مجاهد ، وقوله « ليردوهم » الإرداء في لغة القرآن الإهلاك { إن كدت لتردين } [ الصافات : 56 ] .
قال ابن عباس : « ليردوهم في النار » واللام ههنا لام العاقبة؛ كقوله : { فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا } [ القصص : 8 ] .
« وليلبسوا عليهم دينهم » أي : يخلطوا عليه دينهم .
قال ابن عباس - رضي الله عنهما-ليدخلوا عليهم الشك في دينهم ، وكانوا على دين إسماعيل فرجعوا عنه بلبس الشياطين .
قوله : « وليلبسوا » عطف على « ليردوا » علل التزيين بشيئين :
بالإراداء وبالتخليط وإدخال الشبهة عليهم في دينهم .
والجمهور على « وليلبسوا » بكسر الباء من لبست عليه الأمر ألبسه ، بفتح العين في الماضي وكسرها في المضارع؛ إذا أدخلت عليه فيه الشبهة وخلطته فيه .
وقد تقدم بيانه في قوله : { وللبسنا عليهم ما يلبسون } [ الأنعام : 9 ] . وقرأ النخعي : « وليلبسوا » بفتح الباء فقيل : هي لغة في المعنى المذكور ، تقول : « لبست عليه الأمر بفتح الباء وكسرها ألبسه وألبسه » والصحيح أن لبس بالكسر بمعنى لبس الثياب ، وبالفتح بمعنى الخلط ، فالصحيح أنه استعار اللباس لشدة المخالطة الحاصلة بينهم وبين التخليط؛ حتى كأنهم لبسوا كالثياب ، وصارت محيطة بهم .
قوله : { ولو شآء الله ما فعلوه } والضمير المرفوع لكثير والمنصوب للقتل للتصريح به ، ولأنه المسوق للحديث عنه .
وقيل : المرفوع للشركاء والمنصوب للتزيين .
وقيل : المنصوب للبس المفهوم من الفعل قبله وهو بعيد .
وقال الزمخشري : « لما فعل المشركون ما زين لهم من القتل ، أو لما فعل الشياطين أو السدنة التزيين أو الإرداء أو اللبس ، أو جميع ذلك إن جعلت الضمير جاريا مجرى اسم الإشارة » .
قوله : « فذرهم وما يفترون » تقدم نظيره .
فصل في المراد من الآية
المعنى : ولو شاء الله لعصمهم حتى ما فعلوا ذلك من تحريم الحرث والأنعام ، وقتل الأولاد فذرهم يا محمد وما يفترون يختلقون في الكذب ، فإن الله لهم بالمرصاد .
قال أهل السنة : وهذا يدل على أن كل ما فعله المشركون - فهو بمشيئة الله - تبارك وتعالى- .
وقال المعتزلة : إنه محمول على مشيئة الإلجاء كما سبق .

(7/192)


وقالوا هذه أنعام وحرث حجر لا يطعمها إلا من نشاء بزعمهم وأنعام حرمت ظهورها وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها افتراء عليه سيجزيهم بما كانوا يفترون (138)

وهذا نوع ثالث من أحكامهم الفاسدة ، و هو أنهم قسموا أنعامهم اقساما :
فأولها : قولهم : هذه أنعام وحرث حجر « لا يطعمها » .
قرا الجمهور « أنعام » بصيغة الجمع وأبان بن عثمان « نعم » بالإفراد ، وهو قريب لأن اسم الجنس يقوم مقام الجمع ، وقرأ الجمهور : « حجر » بكسر الحاء المهملة وسكون الجيم .
وقرأ الحسن وقتادة والأعرج : بضم الحاء وسكون الجيم .
ونقل عن الحسن وقتادة أيضا : فتح الحضاء وسكن الجيم ، ونقل عن أبان بن عثمان : ضم الحاء الجيم معا .
وقال هارون : كان الحسن يضم الحاء من « حجر » حيث وقع في القرآن إلا موضعا واحدا [ وهو ] : { وحجرا محجورا } [ الفرقان : 53 ]
والحاصل : أن هذه المادة تدل على المنع والحصر؛ ومنه : فلان في حجر القاضي أي : في منعه ، وفي حجري ، أي : ما يمنع من الثواب أن ينفلت منه شيء ، وقد تقدم تحقيق ذلك في النساء .
فقوله : « وحرث حجر » أي : ممنوع ف « فعل » بمعنى مفعول؛ كالذبح والنطح بمعنى مذبوح ومنطوح .
فإن قيل : قد تقدم شيئان : وهما أنعام وحرث ، وجيء بالصفة مفردة .
فالجواب : أنه في الأصل يذكر ويوحد مطلقا .
قال الزمخشري : « ويستوي في الوصف به المذكر والمؤنث والواحد والجمع؛ لأن حكمه حكم الأسماء غير الصفات » يعني بكونه حكمه حكم الأسماء : انه في الأصل مصدر لا صفة ، فالاسم هنا يراد به المصدر ، وهومقابل الصفة .
وأما بقية القراءات : فقال أبو البقاء : « إنها لغات في الكلمة » وفسر معناها بالممنوع .
قال شهاب الدين : ويجوز أن يكون المضموم الحاء والجيم مصدرا ، وقد جاء من المصادر للثلاثي ما هو عل وزن « فعل » بضم الفاء والعين ، نحو حلم ، ويجوز أن يكون جمع « حجر » بفتح الحاء وسكون الجيم ، و « فعل » قد جاء قليلا جمعا « لفعل » نحو : سقف وسقف ، ورهن ورهن ، وأن يكون جمعا ل « فعل » بكسر الفاء ، و « فعل » أيضا قد جاء جمعا « لفعل » بكسر الفاء وسكون العين ، حو : حدج وحدج ، وأما حجر بضم الحاء وسكثون الجيم : فهو مخفف من المضممة ، فيجوز أن يكون وأن يكون جمعا لحجر أو حجر .
وقرأ أبي بن كعب ، وعبد الله بن العباس ، وعبد الله بن مسعود ، وعبد الله بن الزبير ، وعكرمة ، وعمرو بن دينار ، والأعمش : حرج بكسر الحاء وراء ساكنة مقدمة على الجيم ، وفيها تأويلان :
أحدهما : أنها من مادة الحرج وهو التضييق .
قال أبو البقاء : واصله « حرج » بفتح الحاء وكسر الراء ، ولكنه خفف ونقل؛ مثل فخذ في فخذ .
قال شهاب الدين : ولا حاجة إلى ادعاء ذلك ، بل هذا جاء بطريق الأصالة على وزن فعل .

(7/193)


والثاني : أنه مقلوب من حجر ، قدمت لام الكلمة على عينها ، ووزنه « فلع » ؛ كقولهم : ناء في نأى ، ومعيق في عميق ، والقلب قليل في لسانهم ، وقد قدمت منه جملة في المائدة عند قوله - تبارك وتعالى- : { أشيآء } [ المائدة : 101 ] .
قوله : « لا يطعهما إلى من نشاء » هذه الجملة في محل رفع نعتا ل « أنعام » وصفوه بوصفين :
أحدهما : أنه حجر .
والثاني : أنه لا يأكله إلا من شاءوا وهم الرجال دون النساء ، أو سدنه الأصنام .
قال مجاهد - رضي الله عنه- : يعني بالأنعام : البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي ، لا يطعمها ولا يأكلها إلا الرجال دون النساء .
وقال غيره : الأنعام ما جعلوها لله ولآلهتهم على ما تقدم [ « ومن نشاء » فاعل ب « يطعمها » وهو استثناء مفرغ ، و « بزعمهم » : حال كما تقدم ] في نظيره .
قوله : « وأنعام حرمت ظهورها » وهي البحائر والسوائب والحوامي ، و هذا هو القسم الثاني وقد تقدم في المائدة ، والقسم الثالث : أنعام لا يذكرون اسم الله عليها بالذبح ، وإنما يذكرون عليها اسماء الأصنام .
وقيل : لا يحجون عليها ، ولا يلبون على ظهورها ، ولا يركبونها لفعل الخير؛ لأنه لما جرت العادة بذكر اسم الله على فعل الخير .
قوله : « افتراء » فيه أربعة أوجه :
أحدها- وهو مذهب سيبويه - : أنه مفعول من أجله ، أيك قالوا ما تقدم لأجل الافتراء على الباري - تبارك وتعالى- أي : يزعمون أن الله أمرهم به افتراء عليه .
الثاني : مصدر على غير الصدر؛ لأن قولهم المحكي عنهم افتراءن فهو نظير « قعد القرفضاء » وهو قول الزجاج .
الثالث : أنه مصدر عامله من لفظه مقدر ، أي : افتروا ذلك افتراء .
الرابع : أنه مصدر في موضع الحال ، أي : قالوا ذلك حال افترائهم ، وهي تشبه الحال المؤكدة؛ لأن هذا القول المخصوص لا يكون قائله إلا مفتريا .
وقوله : « على الله » يجوز تعلقه ب « افتراء » على القول الأول والرابع ، وعلى الثاني والثالث ب « قالوا » لا ب « افتراء » ؛ لأن المصدر المؤكد لا يعمل ، ويجوز ان يتعلق بمحذوف صفة ل « افتراء » وهذا جائز على كل الأقوال .
قوله : { سيجزيهم بما كانوا يفترون } والمقصود منه الوعيد ، و « الباء » في قوله : « بما » سببية ، و « ما » مصدرية ، أو موصوفة ، أو بمعنى الذي .

(7/194)


وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا وإن يكن ميتة فهم فيه شركاء سيجزيهم وصفهم إنه حكيم عليم (139)

هذا نوع رابع من قضاياهم الفاسدة .
قال ابن عباس ، وقتادة والشعبي : أراد أجنة البحائر والسوائب ، فما ولد منها حيا ، فهو خالص للرجال دون النساء ، وما ولد منها ميتا ، أكله الرجال والنساء جميعا .
والجمهور على « خالصة » بالتأنيث مرفوعا على أنه خبر « ما » الموصولة ، والتأنيث : إما حملا على المعنى؛ لأن الذي في بطون الأنعام أنعام ، ثم حمل على لفظها في قوله : « ومحرم » وإما لأن التأنيث للمبالغة كهو في « علامة » و « نسابة و » راوية « و » الخاصة « و » العامة « وإما لأن » خالصة « مصدر على وزن » فاعلة « كالعاقبة والعافية؛ وقال - تبارك وتعالى - : { بخالصة ذكرى الدار } [ ص : 46 ] وهذا القول قول الفراء والأول له ولأبي إسحاق الزجاج ، والثاني للكسائي ، وإذا قيل : إنها مصدر كان ذلك على حذف مضاف ، أي : ذو خلوص ، أو على المبالغة ، أو على وقوع المصدر موقع اسم الفاعل؛ كنظائره كقول الشاعر :
2355- وكنت أمنيتي وكنت خالصتي ... وليس كل امرىء بمؤتمن
قال الكسائي : خالص وخالصة واحد ، مثل وعظ وموعظة .
وهو مستفيض في لسانهم : فلان خالصتي ، أي : ذوخلوصي .
و » لذكرونا « متعلق به ، ويجوز أن يتعلق بممحذوف على أنه وصف ل » خالصة « ، وليس بالقوي .
وقرأ عبد الله وابن جبير ، وأبو العالية والضحاك ، وابن أبي عبلة : » خالص « مرفوعا على ما تقدم من غير هاء ، و » لذكورنا « متعلق به ، أو بمحذوف كما تقدم ، وقرأ ابن جبير ، نقله عنه ابن جني : » خالصا « نصبا من غير تاء ، ونصبه على الحال وفي صاحبه وجهان :
أظهرهما : أنه الضمير المستتر في الصلة .
الثاني : أنه الضمير المستتر في » لذكورنا « فإن » لذكورنا « على هذه القراءة خبر المبتدأ ، وهذا إنما يجوز على مذهب أبي الحسن؛ لأنه يجيز تقديم الحال على عاملها المعنوي ، نحو : » زيد مستقر في الدار « والجمهور يمنعونه ، وقد تقدم تحقيقه .
وقرأ ابن عباس أيضا والأعرج ، وقتادة : » خالصة « نصاب بالتأنيث ، والكلام في نصبه وتأنيثه كما تقدم في نظيره ، وخرجه الزمخشري على أنه مصدر مؤكد كالعاقبة .
وقرأ ابن عباس أيضا ، وأبو رزين ، وعكرمة ، وأبو حيوة : » خالصة « برفع » خالص « مضافا إلى ضمير » ما « ورفعه على أحد وجهين :
إما على البدل من الموصول ، بلد بعض من كل ، وم » لذكورنا « خبر الموصول .
وإما على أنه مبتدأ ، و » لذكورنا « خبره ، والجملة خبر الموصول ، وقد عرفت مما تقدم أنه حيث قلنا : إن » خالصة « مصدر أو هي للمبالغة ، فليس في الكلام حمل على معنى ثم على لفظ ، وإن قلنا : إن التأنث ما في البطون ، كان في الكلام الحمل على المعنى أولا [ ثم على اللفظ في قوله : » محرم « ثانيا ، و ليس لذلك في القرآن نظير ، أعني : الحمل على المعنى أولا ] ثم على اللفظ ثانيا ، إلا أن مكيا زعم فير غير إعراب القرآن الكريم ، له : أن لهذه الآية نظائر فذكرها وأما في إعرابه : فلم يذكر أن غيرها في القرآن شاركها في ذلك؛ فقال في إعرابه : » وإنما أنث الخبر؛ لأن ما في بطون الأنعام أنعام؛ فحلم التأنيث على المعنى ، ثم قال : « ومحرم » فذكر حملا على لفظ « ما » وهذا نادر لا نظير له ، وإنما يأتي في « من » حمل الكلام أولا على اللفظ ثم على المعنى بعد ذلك ، فاعرفه فإنه قليل « .

(7/195)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية