صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : تفسير اللباب
المؤلف : ابن عادل
مصدر الكتاب : موقع التفاسير
http://www.altafsir.com
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

قل لمن ما في السماوات والأرض قل لله كتب على نفسه الرحمة ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون (12)

« لمن » خبر مقدم واجب التقديم ، لاشتماله على ما له صدر الكلام ، فإن « من » استفهامية [ والمبتدأ « ما » وهي بمعنى « الذي » ] ، والمعنى : لمن استقر الذي في السموات .
وقوله : « قل لله » قيل : إنما أمره أن يجيب ، وإن كان المقصود أن يجيب غيره؛ ليكون أول من بادر بالاعتراف بذلك .
وقيل : لما سألهم كأنهم قالوا : لمن هو؟ فقال الله : قل لله ، ذكره الجرجاني فعلى هذا قوله : « قل لله » جواب للسؤال المضمر الصادر من جهة الكفار ، وهذا بعيدث؛ لأنهم لم يكونوا يشكون في أنه لله ، وإنما هذا سؤال تبكيت وتوبيخ ، ولو أجابو الم يسمهم أن يجيبوا إلا بذلك .
وقال ابن الخطيب : إن الله - تبارك وتعالى - أمره بالسؤال أولا ، ثم بالجواب ثانيا ، وهذا إنما يحسن في الموضع الذي يكون جوابه قد بلغ في الظهور إلى حيث لا يقدر على إنكاره منكر ، ولما كانت آثار الحدوث والإمكان ظاهرة في ذوات جميع الأجسام ، وفي جميع صفاتها ، ولا جرم كان الاعتراف بأنها بأسرها لله تعالى ، وملك له ، ومحل تصرفه وقدرته ، لا جرم أمره بالسؤال أولا ، ثم بالجواب ثانيا ليدل ذلك على الإقرار بهذا المعنى مما لا سبيل إلى دفعه ألبتة ، كما قال تعالى : { ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله } [ لقمان : 25 ] وقوله : « الله » خبر مبتدأ محذوف أي : هو الله .
فصل في المراد بالآية
والمقصود من هذه الآية الكريمة تقرير إثبات الصانع ، وتقرير المعاد ، وتقرير النبوة ، أما تقدير إثبات الصانع ، فلأن أحوال العالم العلوي والسفلي تدل على أن جميع هذه الأجسام موضوفة بصفات كان يجوز عليها اتصافها بأضدادها ، وإذا كان كذلك كان اختصاص كل جزس منها بصفة معينة لابد وأن يكون لأجل أن الصانع الحكيم القادر المختار خصه بتلك الصفة المعنية ، وهذا يدل على أن العالم مع كل ما فيه مملوك لله تعالى ، وإذا ثبت كونه قادرا على الإعادة والحشر والنشر؛ لأن التركيب الأول إنما حصل لكونه - تبارك تعالى - ملك مطاع ، والملك المطاع من له الأمر والنهي على عبيده ، لا بد من مبلغ ، وذلك يدل على أن بعثة الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام من الله إلى الخلق غير ممتنع ، فدلت هذه الآية الكريمة على هذه المطالب الثلاثة ، ولما سبق ذكر هذه المسائل الثلاثة ذكر الله - تبارك وتعالى- بعدها هذه الآية لتكون مقرنة بمجموع تلك المطالب .
قوله : « كتب على نفسه » أي : قضى وأوجب إيجاب تفضل ، لا تضمن من معنى القسم ، وعلى هذا فلا توقف على قوله : « الرحمة » .
وقال الزجاج : إن الجملة في قوله : ليجمعنكم « في محل نصب على أنها بدل من الرحمة؛ لأنه فسر قوله تعالى : » ليجمعنكم « بأنه أمهلكم وأمد لكم في العمر والرزق مع كفركم ، فهو تفسير للرحمة .

(6/359)


وقد ذكر الفراء هذين الوجهين : أعني أن الجملة تمت عن قوله تعالى : « الرحمة » ، أو أن « ليجمعنكم » بدل منها ، فقال : إن شئت جعلت الرحمة غاية الكلام ، ثم استأنفت بعدها « ليجمعنكم » وإن شئت جعلتها في موضع نصب كما قال : { كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم } [ الأنعام : 54 ] قال شهاب الدين - رحمه الله - : واستشهاده بهذه الآية الكريمة حسن جدا .
ورد ابن عطية هذا بأنه يلزم دخول نون التوكيد [ في الإيجاب قال : وإنما تدخل على الأمر والنهي ، وجواب القسم ، ورد أبو حيان حصر ابن عطية ورود نون التوكيد ] فيما ذكر صحيح ، ورد كون « ليجمعنكم » بدلا من الرحمة بوجه آخر ، وهو أن « ليجعنكم » جواب قسم ، وجملة الجواب وحدها لا موضوع لها من الإعراب ، إنما يحكم على موضع جملتي القسم والجواب بمحل الإعراب .
قال شهاب الدين : وقد خلط مكي المذهبين ، وجعلهما مذهبا واحدا ، فقال : « ليجمعنكم » في موضع نصب على البدل من « الرحمة » واللام لام القسم ، فهي جواب « كتب » ؛ أنه بمعنى : أوجب ذلك على نفسه ، ففيه معنى القسم ، وقد يظهر جواب عما أورده أبو حيان على غير مكي ، وذلك أنهم جعلوا « ليجمعنكم » بدلا من الرحمة - يعني هي وقسيمها المحذوف ، واستغنوا عن ذك القسم ، لا سيما وهو غير مذكور .
وأما مكي فلا يظهر هذا جوابا له ، لأنه نص على أنه جواب ل « كتب » ، فمن حيث جعله جوابا ل « كتب » لا محل له ، ومن حيث جعله بدلا كان محله النصب ، فتنافيا ، والذي ينبغي في هذه الآية الكريمة أن يكون الوقف عند قوله : « الرحمة » .
وقوله : « ليجمعنكم » جواب قسم محذوف أي : « والله ليجعنكم » ، والجملة القسمية لا محل لها بما قبلها من حيث الإعراب ، وإن تعلقت به من حيث المعنى .
و « إلى » على بابها ، أي : ليجمعنكم منتهين إلى يوم القيامة .
وقيل : هي بمعنى « اللامط كقوله تعالى : { إنك جامع الناس ليوم } [ آل عمران : 9 ] وقيل : بمعنى » في « أي : ليجمعنكم في يوم القيامة .
وقيل : هي زائدة ، أي : ليجمعنكم يوم القيمامة ، وقد يشهد له قراءة من قرأ { تهوي إليهم } [ إبراهيم : 37 ] بفتح » الواو « إلا أنه لا ضرورة هنا إلى ذلك .
وتقدم الكلام في { لا ريب فيه هدى } في أول » البقرة « [ البقرة : 2 ] والجملة حال من » يوم « والضمير في » فيه « يعود على » اليوم « .

(6/360)


وقيل : يعود على الجمع المدلول عليه بالفعل؛ لأنه رد على منكري القيامة .
فصل في الكلام على الآية
قال بعضهم : هذا كلام لا تعلق له بما قبله ، فيه تصريح بكمال إلهيته سبحانه تعالى بقوله : { قل لمن ما في السماوات والأرض قل لله } ثم بين - تبارك وتعالى- أنه يرحمهم بالإمهال ، ورفع عذاب الاستئصالن وبين أنه يجمعهم إلى يوم القيامة .
فقوله : { كتب على نفسه الرحمة } ، أي : يمهلمهم .
وقوله : { ليجمعنكم إلى يوم القيامة } أنه لا يمهلهم بل يحشرهم ويحاسبهم بكل ما فعلوا .
وقال آخرون : إنه متعلق [ بما قبله ] ، والتقدير : { كتب ربكم على نفسه الرحمة ليجمعنكم إلى يوم القيامة } .
وقيل : إنه لما قال : كتب ربكم على نفسه الرحمة ، فكأنه قيل : وما تلك الرحمة؟ فقيل : إنه تبارك وتعالى « ليجمعنكم » [ إلى يوم القيامة « وذلك لأنه خوف العذاب لحصل الهرج والمرج فصار يوم القيامة من أعظم أسباب الرحمة ، فكان قوله : { ليجمعنكم إلى يوم القيامة } . كالتفسير لقوله : { كتب ربكم على نفسه الرحمة } [ الأنعام : 54 ] .
فصل في المراد بهذه الآية
اختلفوا في المراد بهذه الرحمة ، فقيل : إنه - [ تبارك وتعالى ] - يمهلهم مدة عمرهم ، ويدفع عنهم عذاب الاستئصال ، ولا يعاجلهم بالعقوبة [ في الدنيا ] .
وقيل : المراد » كتب على نفسه الرحمة « لمن ترك التكذيب بالرسل ، وقبل شريعتهم وتاب .
فصل في الإخبار عن سعة رحمه الله
ورى أبو هرير - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : » لما قضى الله الخلق كتب كتابا فهو عنده فوق العرش إن رحمتي غلبت غضبي « .
وروى أبو الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة : » إن سبقت غضبي « .
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : » إن لله مائة رحمة واحدة منها بين الجن والإنس والبهائم والطير والهوام فيها يتعاطفون وبها يتراحمون ، وبها تعطف الوحوش على أولادها وأخر تسعا وتسعين رحمة يرحم بها عبادة يوم القيامة « .
وعن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال : » قدم على النبي صلى الله عليه وسملم صبي ، فإن امرأة من السبي قد تحلب ثديها لسقي إذ وجدت صبيا في السبي ، فأخذته فألصقته ببطنها وأرضعته فقال لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم : أترون هذه طارحة ولدها في النار . قلنا : لا وهي تقدر على أن تطرحه ، فقال : لله أرحم بعباده من هذه بولدها « .
قوله : » الذين خسروا « فيه ستة أوجه :
أحدهما : أنه منصوب بإضمار » أذم « ن وقدره الزمخشري ب » أريد « ، وليس بظاهر .
الثاني : أنه مبتدأ أخبر عنه بقوله : » فهم لا يؤمنون « ، وزيدت الفاء في خبره لما تضمن من معنى الشرط ، قاله الزجاج ، كأنه قيل : من يخسر نفسه فهو لا يومن .

(6/361)


الثالث : أنه مجرور على أنه نعت للمكذبين .
الرابع : أنه بدل منهم ، وهذان الوجهان بعيدان .
الخامس : أنه منصوب على البدل من ضمير المخاطب ، [ وهذا ] قد عرفت ما فيه غير مرة ، وهو أنه يبدل من ضمير الحاضر بدل كل من كل في غير إحاطة ولا شمول أم لا؟
ومذهب الأخفش جوازه ، وقد تقدم دليل الفريقين ، ورد المبرد عليه مذهبه ، بأن البدل من ضمير الخطاب لا يجوز ، كما لا يجوز : « مررت بك زيد » وهذا عجيب؛ أنه استشهاد بمحل النزاع ، وهو « مرت بك زيد » ، ورد ابن عطية - رحمه الله تعالى - رده فقال : « ما في الآية مخالف للمثال؛ لأن الفائدة في البدل مترتبة من الثاني ، فأما في » مررت بك زيد « فلا فائدة في الثاني .
وقوله : » ليجمعنكم « يصلح لمخاطبة الناس كافة ، فيفيدنا إبدال » الذين « من الضمير أنهم هم المختصون بالخطاب ، وخصوا على جهة الوعيد ، ويجيء هذا إبدال البعض من الكل » .
قال أبو حيان : « هذا الرد ليس بجيد؛ لأنه إذا جعلنا » ليجمعنكم « صالحا لخطاب جميع الناس كان » الذين « بدل بعض ، ويحتاج إذا ذالك إلى ضمير ، تقديره : خسروا أنفسهم فيهم وقوله : » فيفيدنا إبدال الذين من الضمير أنهم هم المختصون بالخطاب ، وخصوا على جهة الوعيد « وهذا يقتضي أن يكون بدل كل ، فتناقض أول كلامه مع آخره؛ لأنه من حيث الصلاحية بدل بعض ، ومن حيث اختصاص الخطاب بهم يكون بدل كل ، فتناقضا » .
قال شهاب الدين : ما أبعده عن التناقض ، لأن بدل البعض من الكل من حملة الخصصات ، كالتخصيص بالصفة والغاية والشرط ، نص العلماء- رضي الله عنهم - على ذلك فإذا تقرر هذا ، فالمبدل منه بالنسبة إلى اللفظ في الظاهر عام ، وفي المعنى ليس المراد به إلا ما أراده المتكلم ، فإذا ورد : « واقتلوا المشركين بين فلان » مثلا ، فالمشركون صالح لكل مشرك من حيث اللفظ ، ولكن المراد به بنو فلان ، فالعموم في اللفظ والخصوص في المعنى ، فكذا قول أبي محمد لمخاطبة الناس ، معناه أنه يعمهم لفظا .
وقوله « فيفيدنا إبدال الضمير إلى آخره » هذا هو المخصص فلا يجيء تناقق ألبتة ، وهذا مقرر في « أصول الفقه » .
السادس : أنه مرفوع على الذم ، قاله الزمخشري ، وعبارته فيه وفي الوجه الأول : « نصب على الذم أو رفع ، أي : أريد الذين خسروا أنفسهم ، أو أنتم الذين خسروا أنفسهم » انتهى .
قال شهاب الدين- رحمه الله تعالى- : « إنما قدر المبتد » أنتم « ليرتبط مع قوله : » ليجمعنكم « ، وقوله : » خسروا أنفسهم « من مراعاة الموصول ، ولو قال : » أنتم الذين خسروا أنفسكم « مراعاة للخطاب لجاز ، تقول : أنت الذي قعد وإن شئت : قعدت » .
فإن قيل : ظاهر اللفظ يدل على أن خسرانهم سبب لعدم إيمانهم ، والأمر على العكس؟
فالجواب : أن هذا يدل على أن سبق القضاء بالخسران والخذلان هو الذي حملهم على الامتناع من الإيمان ، وهو مذهب أهل السنة .

(6/362)


وله ما سكن في الليل والنهار وهو السميع العليم (13)

قوله : « وله ما سكن » : جملة من مبتدأ وخبر ، وفيها قولان :
أظهرهما : أنها استئناف إخبار بذلك .
والثاني : أنها في محل نصب نسقا على قوله : « الله » ، أي : على الجملة المحكية ب « قل » أي : قل : هو الله ، وقل : له ما سكن .
و « ما » موصولة بمعنى « الذي » ، ولا يجوز غير ذلك .
و « سكن » قيل : معناه ثبت واستقر ، ولم يذكر الزمخشري غيره .
كقولهم : فلان يسكن بلدة كذا ، ومنه قوله تبارك وتعالى { وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم } [ إبراهيم : 45 ] .
وقيل : هو من « سكن » مقابل « تحرك » ، فعلى الأول لا حذف في الآية الكريمة .
قال الزمخشري : وتعدية ب « في » كما في قوله : { وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم } [ إبراهيم : 45 ] ، ورجع هذا التفسير ابن عطية .
وعلى الثاني اختلفوان فمنهم من قال : لا بد من محذوف لفهم المعنى ، وقدر ذلك المحذوف معطوفا ، فقال : تقديره : لوه ما سكن وما تحرك ، كقوله في موضع آخر : { تقيكم الحر } [ النحل : 81 ] أي : والبرد وحذف المعطوف فاش في كلامهم ، وأنشد القائل في ذلك :
2116- كأن الحصى من خلفها وأمامها ... وإذا نجلته رجلها خذف أعسرا
وقال الآخر : [ الطويل ]
2117- فما كان بين الخير لو جاء سالما ... أبو حجر إلا ليال قلائل
يريد : رجلها ويدها ، وبين الخير وبيني .
ومنهم من قال : لا حذف؛ لأن كل متحرك قد يسكن .
وقيل : لأن المتحرك أقل ، والساكن أكثر ، فلذلك أوثر بالذكر .
وقيل : إنما خص السكون بالذكر ، لأن النعمة فيه أكثر .
فصل في نظم الآية
قال أبو مسلم : وجه نظم الآية الكريمة أنه- تبارك وتعالى- ذكر في الآية الأولى : السموات والأرض؛ إذ لا مكان سواهما ، وفي هذه الآية الكريمة ذكر الليل والنهار ، إذ لا زمان سواهما ، فالزمان والمكان ظرفان للمحدثات ، فأخبر - تبارك وتعالى- أنه مالك للمكان والمكانيات ، ومالك للزمان والزمانيات .
قال محمد بن جرير : كل ما طلعت عليه الشمس وغربت ، فهو من مساكن الليل والنهار ، والمراد جميع ما في الأرض .
وقيل : معناه له ما يمر عليه الليل والنهار ، وهو السميع لأصواتهم ، العليم بأسرارهم .

(6/363)


قل أغير الله أتخذ وليا فاطر السماوات والأرض وهو يطعم ولا يطعم قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم ولا تكونن من المشركين (14)

أغير الله « مفعول أول ل » أتخذ « و » ليا « مفعول ثان ، وإنما قدم المفعول الأول على فعله لمعنى ، وهو إنكار أن يتخذ غير الله وليا لا اتخاذ الولي ، ونحوه قولك لمن يهين زيدا وهو مستحق للإكرام : » أزيدا أهنت « ؟! أنكرت أن يكون مثله مهانا .
وقد تقدم هذا موضحا في قوله : { أأنت قلت للناس } [ المائدة : 116 ] ، ومثله : { أغير الله أبغي ربا } [ الأنعام : 164 ] ، { أفغير الله تأمروني أعبد } [ الزمر : 64 ] { ءآلله أذن لكم } [ يونس : 59 ] { ءآلذكرين حرم } [ الأنعام : 143 ] وهو كثير ، ويجوز أن يكون » أتخذ « متعديا لواحد ، فيكون » غير « منصوبا على الحال من » وليا « ؛ لأنه في الأصل صفة له ، ولا يجوز أن يكون استثناء ألبتة ، كذا منعه أبو البقاء ، ولم يبين وجهه .
والذي يظهر أن المانع تقدمه على المستثنى منه في المعنى ، وهو » وليا « .
وأما المعنى فلا يأبى الاستثناء؛ لأن الاستفهام لا يراد به حقيقته ، بل يراد به الإنكار ، فكأنه قيل : لا أتخذ وليا غير الله ، ولو قيل كذا لكان صحيحا ، فظهر أن المانع عنده إنما هو التقديم على المستثنى منه ، لكن ذلك جائز وإن كان قليلا ، ومنه : [ الطويل ]
2118- وما لي إلا آل أحمد شيعة ... وما لي إلا مشعب الحق مشعب
وقرأ الجمهور » فاطر « بالجر ، وفيها تخريجان :
أحدهما- وبه قال الزخشري والحوفي وابن عطية- : صفة للجلالة المجرورة ب » غير « ، ولا يضر الفضل بين الصفة ، والموصوف بهذه الجملة الفعلية ومفعولها؛ لأنها ليست بأجنبية ، إذ هي عاملة في عامل الموصوف .
الثاني- وإليه نحا أبو البقاء- : أنه بدل من اسم الله ، وكأنه فر من الفصل بين الصفة وموصوفها .
فإن قيل : هذا لازم له في البد ، فإنه فصل بين التابع ومتبوعه أيضا ، فيقال : إن الفصل بين البدل والمبدل فيه أسهلح لأن البدل على نية تكرار العمال ، فهو أقرب إلى الفصل ، وقد يرجح تخريجه بوجه آخر ، وهو أن » فاطر « اسم فاعل ، والمعنى ليس على المضي حتى تكون إضافته غير محضة ، فيلزم وصف المعرفة بالنكرة؛ لأنه في نية الانفصال من الإضافة ، ولا يقال : الله فاطر السموات والأرض فيما مضى ، فلا يراد حال ولا استقبال؛ لأن كلام الله - تبارك وتعالى- قديم متقدم على خلق السموات ، فيكون المراتد به الاستقبال قطعا ، ويدل على جواز كونه في نية التنوين ما يأتي ذكره عن أبي البقاء قريبا .
وقرأ ابن عبلة برفعه ، وتخريجه سهل ، وهو انه خبر مبتدأ محذوف .
وخرجه ابن عطية على أنه مبتدأ ، فيحتاج إلى تقدير خبر ، والدلالة عليه خفية بخلاف تقدير المبتدأ ، فإنه ضمير الأول ، أي : » هو فاطر « . وقرئ شاذا بنصبه ، وخرجه أبو البقاء على وجهين :
أحدهما : أنه بدل من » وليا « قال : » والمعنى على هذا أجعل فاطر السموات والأرض غير الله « ، كذا قدره ، وفيه نظر ، ؛ لأنه جعل المفعول الأول ، وهو » غير الله « مفعولا ثانيا ، وجعل البدل من المفعول الثاني معفولا أول ، فالتدقير عكس التركيب الأصلي .

(6/364)


والثاني : أنه صفة ل « وليا » قال : ويجوز أن يكون صفة ل « وليا » والتنوين مراد .
قال شهاب الدين : يعني بقوله : « التنوين مراد » أن اسم الفاعل عامل تقديرا ، فهو في نية الانفصال ، ولذلك وقع وصفا للنكرة كقوله : { هذا عارض ممطرنا } [ الأحقاف : 24 ] .
وهذا الوجه لا يكاد يصح ، إذ يصير المعنى : أأتخد غير الله وليا فاطر السموات الحال من الجلالة ، كما كان « فاطر » صفتها في قراءة الجمهور .
ويجوز على رأي أبي البقاء أن تكون صفة ل « وليا » ، ولا يجوز أن تكون صفة للجلالة؛ لأن الجملة نكرة .
والفطر : الشق مطلقا ، وقيده الراغب بالشق طولا ، وقيده الواحدي بشق الشيء عند إبتدائه .
والفطر : إبداع وإيجاد شيء على غير مثال ، ومنه { فاطر السماوات والأرض } ، أي : أوجدها على غير مثال يجتدى .
وعن ابن عباس : ما كنت أدري ما معنى فطر وفاطر ، حتى اختصم إلي أعرابيان في بئر ، فقال أحدهما : « إنا فطرتها » ، أي : أنشأتها وابتدأتها .
ويقال : فطرت كذا فطرا وفطر هو فطورا ، وانفطر إنفطارا وفطرت الشاة : حلبتها بأصبعين ، وفطرت العجين : خبرته في وقته .
وقوله تبارك وتعالى : { فطرت الله التي فطر الناس عليها } [ الروم : 30 ] إشارة منه إلى ما فطر ، أي : أبدع وركز الناس من معرفته [ ما ركز ] ، ففطرة الله ما ركز من القوة المدركة لمعرفته ، وهو المشار إليه بقوله تعالى : { ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله } [ الزخرف : 87 ] .
وعليه : « كل مولود يولد على الفطرة » الحديث .
وهذه الآية الكريمة نزلت حين دعا إلى الله آباءه فقال تعالى : يا محمد { قل أغير الله أتخذ وليا } ربا معبودا وناصرا ومعينا .
قوله : { وهو يطعم ولا يطعم } القراءة المشهرة ببناء الأول للفاعل ، والثاني للمعفول ، والضمير لله تعالى ، والمعنى : وهو يرزق ، وهو موافق لقوله تعالى : { مآ أريد منهم من رزق ومآ أريد أن يطعمون } [ الذاريات : 57 ] .
وقرأ سعيد بن جبير ، ومجاهد بن حبر ، والأعمش ، وأبو حيوة ، وعمرو بن عبيد ، وأبو عمرو العلاء في رواية عنه : ولا يطعم « بفتح الياء والعين ، والضمير في ولا يطعم للولي .
وقرأ يعقوب في رواية أبي المأمون : » وهو يطعم ولا يطعم « ببناء الأول للمفعول ، والثاني للفاعل ، على عكس القراءة المشهورة ، والضمائر الثلاثة أعني هو والمستترين في الفعلين للولي فقط أي : وذلك الولي يطعمه غيره ، ولا يطعم هو أحدا لعجزه .
وقرأ الأشهب : » وهو يطعم ولا يطعم « ببنائهما للفاعل .

(6/365)


وذكر الزمخشري فيهما تخريجين ثانيهما لنفسه ، فإنه قال بعد أن حكى القراءة : وفسر بأن معناه وهو يطعم ولا يستطعم .
وحكى الأزهري : أطعمت بمعنى استطعمت ، ونحوه : أفدت ، ويجوز أن يكون المعنى : هو يعطعم ، تارة ، ولا يطعم أخرى على حسب المصالح ، كقولك : هو يعطي ويمنع ، ويقدر ويبسط ويغني ويفقر .
قال شهاب الدين : هكذا ذكر أبو حيان هذه القراءات .
وقراءة الأشهب هي كقراءة ابن أبي عبلة والعماني سواء لا تخالف بينهما ، فكان ينبغي أن يذكر هذه القراءة لهؤلاء كلهم ، وإلا يوهم هذا أنهما قراءتان متغايرتان ، وليس كذلك .
وقرئ شاذا : « يطعم » يفتح الياء والعين ، « ولايطعم » بضم الياء وكسر العين ، أي : وهو يأكل ، ولا يطعم غيره ، ذكره هذه القراءة أبو البقاء قال : « والضمير راجع على الولي الذي غير الله » .
فهذه ست قراءات ، وفي بعضها- وهو تخالف الفعلين- من صناعة البديع تجنيس التشكيل ، وهو أن يكون الشكل فارقا بين الكلمتين ، وسماه أسامة بن منقذ تجنيس التحريف ، وهو تسمية فظيعة ، فتسميته بتجنيس التشكيل أولى .
قوله : { قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم } يعني من هذه الأمة ، والإسلام بمعنى الاستسلام لأمر الله تعالى .
وقيل : أسلم أخلص ، و « من » يجوز أن تكون نكرة موصوفة واقعة موقع اسم جمع أي : أول فريق أسلم ، وأن تكون موصولة أي : أول الفريق الذي أسلم ، وأفرد الضمير في « أسلم » إما باعتبار « فريق » المقدر وإما باعتبار لفظ « من » ، وقد تقدم الكلام على « أول » وكيف يضاف إلى مفرد بالتأويل المذكور في سورة البقرة .
قوله : « ولا تكونن » فيه تأويلان :
أحدهما : على إضمار القول ، أي : وقيل لي : لا تكونن .
قال أبو البقاء : « ولو كان معطوفا على ما قبله لفظا لقال : وأن لا أكون » وإليه نحا الزمخشري فإنه قال : « ولا تكونن : وقيل لي لا تكونن ، ومعناه : وأمرت بالإسلام ، ونهيت عن الشرك » .
والثاني : أنه معطوف على معلوم « قل » حملا على المعنى ، والمعنى : قل إني قيل لي : كن من أسلم ، ولا تكونن من المشركين ، فهما جميعا محمولان على القول ، لكن أتى الأول بغير لفظ القول ، وفيه معنهاه ، فحمل الثاني على المعنى .
وقيل : هو عطف على « قل » أمر بأن يقول كذا ، ونهي عن كذا .

(6/366)


قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم (15)

قوله : { قل إني أخاف إن عصيت ربي } فعبدت غيره « عذاب يوم عطيم » أي عذاب يوم القيامة ، و « إن عصيت » شرط حذف جوابه لدلالة ما قبله عليه ، ولذلك جيء بفعل الشرط ماضيا ، وهذه الجملة الشرطية فيها وجهان :
أحدهما : أنه معترض بين الفعل ، وهو « أخاف » وبين مفعوله وهو « عذاب » .
والثاني : أنها في محل نصب على الحال .
قال أبو حيان : كأنه قيل : « إني أخاف عاصيا ربي » ن وفيه نظر؛ إذ المعنى يأباه . و « أخاف » وما في حيزه خبر ل « إن » ، وإن وما في حيزها في محل نصب ب « قل » وقرأ ابن كثير ، ونافع « إني » بفتح الياء ، وقرأ أبو عمرو ، والباقون بالإرسال .

(6/367)


من يصرف عنه يومئذ فقد رحمه وذلك الفوز المبين (16)

« من » شرطية ، ومحلها يحتمل الرفع والنصب ، كما سيأتي بيانه .
وقرأ الأخوان ، وأبو بكر عن عاصم : « يصرف » بفتح الياء وكسر الراء على تسمية الفاعل .
والباقون بضم الياء وفتح الراء على ما لم يسم فاعله .
فأما في القراءة الأولى ، ف « من » فيها تحتمل الرفع والنصب ، فالرفع من وجه واحد ، وهو الابتداء ، وخبرها فعل الشرط أو الجواب أو همان على حسب الخلاف ، وفي مفعول « يصرفط حينئذ احتمالان :
أحدهما : أنه مذكور وهو » يومئذ « ، ولا بد من حذف مضاف ، أي : من يصرف الل عنه هول يومئذ أو عذاب يومئذ - فقد رحمه - فالضمير في » يصرف « ن يعود على الله تعالى ، ويدل عليه قراءة أبي بن كعب » من يصرف الله « بالتصريح به .
والضميران في » عنه « و » رحمه « ل » من « .
والثاني : أنه محذوف لدلالة ما ذكر عليه قبل ذلك ، أي : من يصرف الله عنه العذاب » يومئذ « منصوب على الظرف .
وقال مكي : » ولا يحسن أن تقدر هاء؛ لأنها إنما تحذف من الصلات « .
قتل شهاب الدين : يعني أنه لا يقدر المفعول ضميرا عائدا على عذاب يوم؛ لأن الجملة الشرطية عنده صفة ل » عذاب « ، والعائد منها محذوف ، لكن الحذف إنما يكون الجملة الشرطية عنده صفة ل » عذاب « ، والعائد منها محذوف ، لكن الحذف إنما يكون من الصلة لا من الصفة ، وهذا معنى قول الواحدي أيضا ، إلا أن قول مكي » إنما يحذف من الصلات « يريد في الأحسن ، وإلا فيحذف من الصفات والأخبار والأحوال ، ولكنه دون الصلة .
والنصب من وجهين :
أحدهما : أنه مفعول مقدم ل » يصرف « والضمير في » عنه ‘لى هذا يتعين عوده على العذاب المتقدم ، والتقدير : أي شخص يصرف الله عن العذاب .
والثاني : أنه منصوب على الاشتغال بفعل مضمر لا يبرز ، يفسره هذا الظاهر من معناه لا من لفظه ، والتقدير : من نكرم أو من ننج يصرف الله .
والضمير في « عنه » للشرطية .
وأما مفعول « يصرف » على هذا فيحتمل الوجهين المتقدمين ، أعني كونه مذكورا ، وهو « يومئذ » على حذف مضاف ، أو محذوفا اختصارا .
وأما القراءة الثانية ف « من » تحتمل وجهين :
أحدهما : أنها في محل رفع بالابتداء ، وخبره ما بعده على ما تقدم والفاعل المحذوف هو الله - تعالى يدل عليه قراءة أبي المتقدمة وفي القائم مقامه أربعة أوجه :
أحدهما : أنه ضمير العذاب ، والضمير في « عنهط يعود على » من « فقط ، والظرف فيه حينئذ ثلاثة أوجه :
أحدهما : أنه منصوب ب » يصرف « .

(6/368)


والثاني : أنه منصوب بالعذاب ، أي : الذي قام ضميره مقام الفاعل ، قاله أبو البقاء - رضي الله عنه- : ويلزم منه إعمال المصدر مضمرا ، وقدر يقال : يغتفر ذلك في الظروف .
الثالث : قال أبو البقاء : « إنه حالة من الضمير » - يعني الضمير الذي قام مقام الفاعل ، وجاز وقوع الحال ظرف زمان؛ معنى لا عن جثة .
الثاني من الأوجه الأربعة : أن القائم مقام الفاعل ضميره « من » والضمير في « عنه » يعود على العذاب ، والظرف منصوب ، إما ب « يصرف » وإما على الحال من هاء « عنه » .
الثالث : أن القائم مقام الفاعل « يومئذ » إما على حذف مضاف أي : من يصرف عنه فزع أو هول يومئذ ، وإما على قيام الظروف دون مضاف ، كقولك : « سير يوم الجمعة » ، وإنما بني « يومئذ » على الفتح لإضافته إلى غير متمكن ، ولو قرئ بالرفع لكان جائزا في الكلام ، وقد قرئ : { ومن خزي يومئذ } [ هود : 66 ] فتحا وجرا بالاعتبارين ، وهما اعتباران متغايران .
فإن قيل : يلزم على عدم تقدير حذف المضاف إقامة الظرف غير التام مقام الفاعل ، وقد نصوا على أن الظرف المقطوع عن الإضافة لا يخبر به ، ولا يقوم مقام فاعل ، ولو قلت : « ضرب قبل » لم يجز ، والزرف هنا في حكم المقطوع عن الإضافة فلا يجوز هنا قيامه مقام الفاعل ، إلا على حذف مضاف ، فالجواب أن هذا في قوة الظرف المضاف؛ إذ التنوين عوض عنه ، وهذا ينتهض على رأي الجمهور أما الأخفش فلا ، لأن التنوين عنده تنوني صرف والكسر كسر إعراب .
والرابع : أن القائم مقامه « عنه » ، والضمير في « عنه » يعود على « من » ، و « يومئذ » منصوب على الظرف ، والعامل فيه « يصرف » ، ولا يجوز الوجهان الأخيران ، أعني نصبه على الحال ، لأن الضمير لجثة والزمان لا يقع حالا عنهما ، كما لا يقع خبرا ، وأعني كونه معمولا للعذاب ، إذ ليس هو قائما مقام الفاعل .
والثاني من وجهي « من » في محل نصب بفعل مضمر يفسره الظاهر بعده ، وهذا إذا جعلنا « عنه » في محل نصب بأن يجعل القائم مقام الفاعل : إما ضمير العذاب ، وإما « يومئذ » .
والتقدير : من يكرم الله ، أو من ينج يصرف عنه العذاب أو هول يومئذ ، ونظيره : « زيد به مرور حسن » ، أقمت المصدر فبقي « عنه » منصوب المحل .
والتقدير : جاوزت زيدا مر به مرور حسن ، وأما جعل « عنه » قائما مقام الفاعل تعين رفعه بالابتداء .
وأعلم أنه متى قلت : منصوب على الاشتغال ، فإنما يقدر الفعل بعد « من » ؛ لأن لها صدر الكلام ، ولذلك لم أظهره إلا مؤخرا ، ولهذه العلة منع بعضهم الاشتغال فيما له صدر الكلام كالاستفهام والشرط .

(6/369)


والتنوين في « يومئذ يكون الجزاء ، وإنما قلنا ذلك؛ لأنه لم يتقدم في الكلام جملة مصرح بها يكون التنوين عوضا منهان وقد تقدم خلاف الأخفش .
وهذه الجملة الشرطية يجوز فيها وجهان : الاستئناف ، والوصف ل » عذاب يوم « ، فحيث جعلنا فيها ضميرا يعود على عذاب يوم ، إما من » يصرف « ، وإمأ من » عنه « جاز أن تكون صفة وهو الظاهر ، وأن تكون مستأنفة ، وحيث لم نجعل فيها ضميرا يعود عليه- وقد عرفت كيفية ذلك - تعين أن تكون مستأنفة ، ولا يجوز أن تكون صفة لخلوها من الضمير .
ورجع بعضهم إحدى القراءتين على الأخرى ، وذلك على عادتهم ، فقال أبو علي الفارسي : قراءة » يصرف « يعني المبني للفاعل أحسن لمناسبة قوله : » رحمه « ، يعني : أن كلا منهما مبني للفاعل ، ولم يقل : » فقد رحم « واختارها أبو حاتم ، وأبو عبيد ، ورجع بعضهم قراءة المبنى للمفعول بإجماعهم على قراءة قوله : { ليس مصروفا عنهم } [ هود : 8 ] يعني في كونه أتى بصيفة اسم المفعول المسند إلى ضمير العذاب المذكور أولا .
ورجحها محمد بن جرير بأنها أقل إضمارا ، ومكي - رحمه الله - تلعثم في كلامه في ترجيحه لقراءة الأخوين ، وأتى بأمثلة فاسدة في كتاب » الهداية « له .
قال ابن عطية : » وقد تقدم أول الكتاب عن ثعلب وغيره من العلماء أن ترجيح إحدى القراءات المتواترة على الأخرى بحيث تضعف الأخرى لا يجوز « .
والجملة من قوله : » فقد رحمه « في محل جزم على جواب الشرط والفاء واجبة .
قوله : » وذلك الفوز « مبتدأ وخبر جيء بهذه الجملة مقررة لما تقدم من مضمون الجملة قبلهان والإشارة ب » ذلك « إلى المصدر المفهوم من قوله : » يصرف « ، أي : ذلك الصرف .
و » المبين « يحتمل أن يكون متعديا ، فيكون المفعول محذوفا ، أي : المبين غيره ، وأن يكون قاصرا بمعنى يبين ، وقد تقدم أن » أبان « ، يكون قاصرا بمعنى » ظهر « ، ومتعديا بمعنى » أظهر « .

(6/370)


وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يمسسك بخير فهو على كل شيء قدير (17)

هذا دليل آخر في بيان أنه لا يجوز للعاقل أن يتخذ وليا غير الله .
و « الباء » في قوله : « بضر » للتعدية ، وكذلك في « بخير » ، والمعنى : وإن يمسك الله الضر ، أي : يجعلك ماسا له ، وإذا مست الضر فقد مسك ، إلا أن التعدية بالباء في الفعل المتعدي قليلة جدا ، ومنه قولهم : « صككت أحد الحجرين بالآخر » .
وقال أبو حيان : ومنها قولهك تعالى { ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض } [ البقرة : 251 ] .
وقال الواحد : -رحمه الله- : « إن قيل : إن المس من صفة الأجسام فكيف قال : وإن يمسسك الله؟
فالجواب » الباء « لتعدية ، والباء والألف يتعاقبان في التعدية ، والمعنى : إن أمسك الله ضرا ، أي : جعله ماسك ، فالفعل للضر ، وإن كان في الظاهر قد أسند إلى اسم الله تعالى ، كقولك : » ذهب زيد بعمرو « ، وكان الذهاب فعلا لعمرو ، غير أن زيدا هو المسبب له والحامل عليه ، كذلك هنا الميس للضر ، والله - تعالى - جعله ماسا » .
قوله : « فلا كاشف له » : « له » « : خبر » لا « ، وثم محذوف تقديره : فلا كاشف له عنك ، وهذا المحذوف لي متعلقا ب » كاشف « ، إذ كان يلزم تنوينه وإعرابه ، بل يتعلق بمحذوف ، أي : أغني عنه . و » إلا هو « فيه وجهان :
أحدهما : أنه بدل من محل » كاشف « فإن محله الرفع على الابتداء .
والثاني : أنه بدل من الضمير المستكن في الخبر ، ولا يجوز أن يرتفع باسم الفاعل ، وهو » كاشف « ؛ لأنه مطولا [ ومتى كان مطولا ] أعرب نصبا ، وكذلك لا يجوز أن يكون بدلا من الضمير المستكن في » الكاشف « للعلة المتقدمة؛ إذ يحل محل محل المبدل فإن قيل : المقابل للخير هو الشر ، فكيف عدل عن لفظ الشر؟ والجواب أنه أراد تغليب الرحمة على ضدها ، فأتى في جانب الشر بأخص منه وهو الضر ، وفي جانب الرحمة بالعام الذي هو الخير تعليبا لهذا الجانب .
قال ابن عطية : ناب الضر مناب الشر ، وإن كان الشر أعم منه ، فقابل الخير .
وهذا من الفصاحة عدول عن قانون التكليف والصيغة ، فإن باب التكليف وترصيع الكلام أن يكون الشيء متءترنا [ بالذي يختص به بنوع من أنواع الاختصاص موافقة أو مضاهاة فمن ذلك ] { إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى } [ طه : 118-119 ] فجاءؤ بالجوع مع العري ، وبابه أن يكون مع الظمأ .
ومنه قوله امرئ القيس : [ الطويل ]
2119- كأني أركب جوادا للذة ... ولم أتبطن كاعبا ذات خلخال
ولم أسبإ الزق الروي ولم أقل ... لخيلي كري كرة بعد إجفال

(6/371)


ولم يوضح ابن عطية ذلكن وإيضاحه في آية « طه » اشتراك الجوع والعري في شيء خاص وهو الخلو ، فالجوع خلو وفراغ من الباطن ، والعري خلو وفراغ من الظاهر واشتراك الظمأ والضحي في الاحتراق ، فالظمأ احترافي في الباطن ، ولذلك تقول : « برد الماء حرارة كبدي وأوام عطشي » .
والضحى : احتراق الظاهر .
وأما البيتان ، فالجامع بين الركوب للذة وهو الصيد وتبطن الكاعب اشتراكهما في لذة الاستعلاء ، والقهر والاقتناص والظفر بمثل هذا المركوب ، ألا ترى إلى تسميتهم هن المرأة « ركبا » ، بفتح الراء والكاف ، وهو فعل بمعنى مفعول كقوله : [ الرجز ]
2120- إن لها لركبا إرزبا ... كأنه جبهة ذري حبا
وأما البيت الثاني فالجامع بين سبأ الخمر ، والرجوع بعد الهزيمة اشتراكهما في البذل ، فشراء الخمر بذل المال ، والرجوع بعد الانهزام بذل الروح .
وقدم تبارك وتعالى مس الضر الخير لمناسبة اتصال مس الضر بما قبله من الترهيب المدلول عليه بقوله تعالى : « إني أخاف » ، وجاء جواب الشرط الأول بالحصر إشارة إلى استقلاله بكشف الضر دون غيره ، وجاء الثاني بقوله تعالى { فهو على كل شيء قدير } إشارة قدرته الباهرة ، فيندرج فيها المس بخير وغيره ، على أنه لو قيل : إن جواب الثاني محذوف لكان وجها أي : وإن يمسك بخير فلا راد لفضله ، للتصريح بمثله في موضع آخر .
فصل
روى ابن عباس - رضي اله عنهما- قال : « أهدي للنبي صلى الله عليه وسلم بغلة أهداها له كسرى ، فركبها بحبل من شعر ، ثم أردفني خلفهن ثم صار بي مليا ، ثم التفت إلي وقال : يا غلام فقلتك لبيك يا رسول الله فقال احفظ الله يحفظك ، احفظ الله تجده أمامك ، تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة ، وإذا سألت فأسأل الله ، وإن استعنت فاستعن بالله سبحانه لك لم يقدروا عليه ، ولو جهدوا أن يضروك عما لم يكتب الله عليك ما قدروا عليهن فإن استطعت أن تعمل بالصبر مع اليقين فافعل ، فإن لم تستطع ، فإن في الصبر على ما تكره خيرا كثيرا ، واعلم أن النصر مع الصبر ، وأن مع الكرب الفرج ، وأن مع العسر يسرا » .

(6/372)


وهو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير (18)

والمراد بالقاهر الغالب ، وفي « القاهر » زيادة معنى على القدرة وهو منع غيره من بلوغ المراد .
وقيل : المنفرد بالتدبير الذي يجبر الخلق على مراده .
قوله : « فوق » فيه أوجه :
أظهرها : أنه منصوب باسم الفاعل قبله ، والفوقية هنا عبارة عن الاستعلاء والغلبة .
أحدهما : أنه قاهر .
والثاني : أنه فوق عباده بالغلبة .
والثالث : أنه بدل من الخبر .
والرابع : أنه منصوب على الحال من الضمير في « القاهرة » كأنه قيل : وهو القاهر مستعليا أو غالبا ، ذكره المهدوي وأبو البقاء .
الخامس : أنها زائدة ، والتقدير : وهو القاهر عبادة .
ومثله : { فاضربوا فوق الأعناق } [ الأنفال : 12 ] وهذا مردود؛ لأن الأسماء لا تزاد .
ثم قال « وهو الحكيم » أي في أمره ، « الخبير » بأعمال عباده .

(6/373)


قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ أئنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى قل لا أشهد قل إنما هو إله واحد وإنني بريء مما تشركون (19)

قال الكلبي : أتى أهل « مكة » رسوله الله صلى الله عليه وسلم ، فقالوا : أرنا من يشهد بأنك رسول الله ، فإنا لا نرى أحدا يصدقك ، ولقد سالنا عنك اليهود والنصارى ، فزعموا أنه ليس لك عندهم ذكر ، فأنزل الله تعالى : { قل أي شيء أكبر شهادة } أي : أعظم شهادة ، فإن أجابوك ، وإلا فقل : { الله شهيد بيني وبينكم } على ما أقول لأني أوحي إلي هذا القرآن معجزا لأنكم أنتم البلغاء والفصحاء ، وقد عجزتم عن معارضته ، فكان معجزا ، وإذا كان معجزا كان إظهار الله - تعالى- له على وفق دعواي شهادة من الله على كوني صادقا في دعواي .
قوله تعالى : { أي شيء أكبر } مبتدأ وخبر ، وقد تقدم أن « أيا » بعض ما تضاف إليه ، فإذا كانت استفهامية اقتضى الظاهر أن يكون مسمى باسم ما أضيف إليه .
قال أبو البقاء -رحمه الله- : « وهذا يوجب أن يسمى الله تعالى » شيئا « ، فعلى هذا تكون الجلالة خبر مبتدأ محذوف [ والتقدير : الله أكبر شهادة ، و » شهيد « على هذين القولين خبر مبتدأ محذوف ] أي : ذلك الشيء هو الله تعالى ، ويجوز أن تكون الجلالة مبتدأ خبره محذوف أي : هو شهيد بيني وبينكم ، والجملة من قوله : » قل الله « على الوجهين المتقدمين جواب ل » أي « من حيث اللفظ والمعنى ، ويجوز أن تكون الجلالة مبتدأ ، و » شهيد « خبرها ، والجملة على هذا جواب ل » أي « من حيث المعنى ، أي : إنها دالة على الجواب ، وليست به .
قوله : » شهادة « نصب على التمييز ، وهذا هو الذي لا يعرف النحاة غيره .
وقال ابن عطية - رضي الله عنه - : ويصح على المفعول بأن يحمل » أكثر « على التشبيه بالصفة المشبهة باسم الفاعل وهذا ساقط جدا؛ إذ نص النحويون على أان معنى شبهها باسم الفاعل في كونها تؤنث وتثنى ، وتجمع ، وأفعل من لا تؤنث ولا تثنى ولا تجمع ، فلم يشبه اسم الفاعل ، حتى إن أبا حيان نسب هذا الخباط إلى الناسخ دون أبي محمد .
قوله : » بيني وبينكم « متعلق ب » شهيد « ، وكان الأصل : قل الله شهيد بيننا ، فكررت » بين « توكيدا ، وهو نظير قوله : [ الوافر ]
2121- فأيي ما وأيك كان شرا ... فسيق إلى المقامة لا يراها
وقوله : [ الرجز ]
2122- يا رب موسى أظلمي وأظلمي وأظلمه ... أرسل عليه ملكا لا يرحمه
وقوله : [ الكامل ]
2133- فلئن لقيتك خاليتن لتعلمن ... أيي وأيك فارس الأحزاب
والجامع بينهما : أنه لما أضاف إلى » الياء « وحدها احتاج إلى تكرير ذلك المضاف .
ويجوز أبو البقاء أن يكون » بيني « متعلقا بمحذوف على أنه صفة ل » شهيد « ، فيكون في محل رفع ، والظاهر خلافه .

(6/374)


قوله : « وأوحي » الجمهور على بنائه للمفعول ، وحذف الفاعل للعمل به ، وهو الله تبارك وتعالى .
و « القرآن » رفع به .
وقرأ أبو نهيك ، والجحدري ، وعكرمة ، وابن السميفع : « وأوحىط ببنائه للفاعل ، » القرآن « نصبا على المفعول به .
و » لأنذركم « متعلق ب » أوحي « .
قيل : وثم معطوف حذف لدلالة الكلام عليه ، أي : لأنذركم به وأبشركم به ، كقوله تعالى : { تقيكم الحر } [ النحل : 81 ] ن وتقدم فيه نظائرن وقيل : لا حاجة إليه ، لأن المقام مقمام تخويف .
فصل في بيان معنى الآية
والمعنى : الله شهيد بيني وبينكم أني قد أبلغكم وصدقت فيما قلته وادعته من الرسالة ، والقرآن أيضا شاهدق بنبوتي لأنذركم به يا أهل » مكة « ن ومن بلغه القرآن العظيم .
قوله تعالى : » ومن بلغ « فيه ثلاثة أقوال :
أحدهما : أنه في محل نصب عطفا على المنصوب في » لأنذركم « ، وتكون » من « موصولة ، والعائد عليها من صلتها محذوف .
أعني : ولأنذر الذي بلغه القرآن الكريم من العرب والعجم .
وقيل : من الثقلين .
وقيل : من بلغه [ من القرآن الكريم ] إلى يوم القيامة .
وعن سعيد بن جبير : » من بلغه من القرآن ، فكأنما رأى محمدا عليه الصلاة والسلام « .
الثاني : أن في » بلغ « ضميرا مرفوعا يعود على » من « ، ويكون المفعول محذوفا ، وهو منصوب المحل أيضا نسقا على مفعول » لأنذركم « والتقدير : ولأنذر الذي بلغ الحلم ، فالعائد هنا مستتر في الفعل .
الثالث : أن » من « مرفوعة المحل نسقا على الضمير المرفوع في » لأنذركم « ، وجاز ذلك؛ لأن الفصل بالمفعول والجار والمجرور أغنى عن تأكيده ، والتقدير : لأنذركمن به ، ولينذركم الذي بلغه القرآن .
قوله : » أإنكم « الجمهور على القراءة بهمزتين : أولاهما للاستفهام ، وهو استفهام تفريع وتوبيخ .
قال الفراء - رحمه الله تعالى- : ولم يقل آخر لأن الآلهة جمع ، والجمع يقع عليه التأنيث ، كقوله : { ولله الأسمآء الحسنى } [ الأعراف : 180 ] وقوله : { فما بال القرون الأولى } [ طه : 51 ] [ ولم يقل الأول ، ولا الأولينن وكل ذلك صواب ] وقد تقدم الكلام في قراءات مثل هذا .
قال أبو حيان : » وبتسهيل الثانية ، وبإدخال ألف بين الهمزة الأولى والهمزة المسهلة ، روى هذه الأخيرة الأصمعي عن أبي عمرو ، ونافع « انتهى .
وهذا الكلام يؤذن بأنها قراءة مستغربة ، وليس كذلك ، بل المروي عن أبي عمرو- رضي الله عنه - المد بين الهمزتين ، ولم يختلف عن قالون في ذلك .
وقرئ بهمزة واحدة وهي محتملة للاستفهام ، وإنما حذفت لفهم المعنى ، ودلالة القراءة الشهيرة عليها ، وتحتمل الخبر المحض .
ثم هذه الجملة الاستفهامية ، يحتمل أن تكون منصوبة المحل لكونها في حيز القول ، وهو الظاهرن كأنه أمر أن يقول : أي شيء أكبر شهاد’ وأن يقول أإنكم لتشهدون .

(6/375)


ويحتمل أن تكون داخلة في حيزه فلا محل لها حينئذ ، و « أخرى » صفة ل « آلهة » ؛ لأن ما لا يعقل يعامل جمعه معاملة الوحداة المؤنثة ، كقوله : { مآرب أخرى } [ طه : 18 ] ، و { ولله الأسمآء الحسنى } [ الأعراف : 180 ] كما تقدم .
قوله : « إنما هو إله واحد » [ يجوز ] في « ما » هذه وجهان :
أظهرهما : أنها كافة ل « إن » عن عملها ، و « هو » مبتدأ ، و « إله » خبر ، و « واحد » صفته .
والثاني : أنها موصولة بمعنى « الذي » ، وهو مبتدأ ، و « إله » خبره ، وهذه الجملة صلة وعائد ، والموصول في محل نصب اسما ل « إن » و « واحد » خبرها .
والتقدير : إن الذي هو إله واحد ، ذكره أبو البقاء ، وهو ضعيف ، ويدل على صحة الوجه الأول تعينه في قوله تبارك وتعالى : { إنما الله إله واحد } [ النساء : 171 ] ، إذ لا يجوز فيه أن تكون موصولة لخلو الجملة عن ضمير الموصول .
وقال أبو البقاء في هذا الوجه : وهو أليق مما قبله .
قال شهاب الدين : - رضي الله عنه- : ولا أدري ما وجه ذلك؟
فصل فيما تفيده الآية
أعملم أن هذا الكلام دل على إيجاب التوحيد ، والبراءة من الشرك من ثلاثة أوجه : أولها : قوله : « قل لا أشهد » بما تذكرونه من إثبات الشثركاء .
وثانيها : قوله : « قل إنما هو إله واحد » ، وكلمة « إنما » تفيد الحصر ، ولفظ الواحد صريح في التوحيد ، ونفي الشركاء .
وثالثها : قوله تبارك وتعالى : { وإنني بريء مما تشركون } ، وفيه تصريح بالبراءة عن إثبات الشركاء .
قال العلماء : يستحب لمن أسلم ابتداء أن يأتي بالشهادتين ، ويبرأ من كل دين سوى دين الإسلام .
ونص الشافعي - رحمه اله تعالى- على استحباب ضم التبري إلى الشهادة ، كقوله تبارك وتعالى : { وإنني بريء مما تشركون } عقيب التصريح بالتوحيد .

(6/376)


الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون (20)

اعلم أن الكفار لما سألوا اليهود والنصارى عن صفة محمد صلى الله عليه وسلم ، فأنكروا دلالة التوراة والإنجيل على نبوته بين الله - تعالى - في الآية الأولى أن شهادة الله على صحة نبوته كافية في ثبوتها ، ثم بين في هذه الآية أنهم كذبوا في قولهم : لا نعرف محمدا ، لأنهم يعرفونه بالنبوة والرسالة ، كما يعرفون أبناءهم .
روي أنه لما قدم رسوله الله صلى الله عليه وسلم « المدينة » قال عمر لعبد الله بن سلام : أنزل الله على نبيه هذه الآية ، فكيف هذه المعرفة؟ فقال : يا عمر لقد عرفته فيكم حين رأيته ، كما أعرف ابني ، ولأنا أشد معرفة بمحمد مني بابني؛ لأني لا أدري ما صنع النساء وأشهد أنه حق من الله تعالى .
قوله : { الذين آتيناهم الكتاب } الموصول مبتدأن و « يعرفونه » خبره ، والضمير المنصوب يجوز عوده على الرسول صلى اله عليه الصلاة والسلام ، وعلى القرآن لتقدمه قوله : « وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به » أو على التوحيد لدلالة قوله : { إنما هو إله واحد } [ الأنعام : 19 ] أو على كتابهم ، أو على جميع ذلك ، وأفرد الضمير باعتبار المعنى ، كأنه قيل : يعرفون ما ذكرنا وقصصنا .
وقد تقدم إعراب هذه الجملة في « البقرة » .
قوله : « الذين خسروا » في محله أربعة أوجه :
أظهرها : أنه مبتدأ ، وخبره الجملة من قوله : { فهم لا يؤمنون } ، ودخلت « الفاء » لما تقدم من شهب الموصول بالشرط .
الثاني : أنه نعت للذين آتياناهم الكتاب . قاله الزجاج .
الثالث : أنه خبر مبتدأ محذوف ، أي : هم الذين خسروا .
الرابع : أنه منصوب على الذم ، وهذان الوجهان فرعان على النعت؛ لأنهما مقطوعان عنه ، وعلى الأقوال الثلاثة الأخيرة يكون { فهم لا يؤمنون } من باب عطف جملة اسمية على مثلها ، ويجوز أن يكون عطفا على « خسرواط وفيه نظر من حيث إنه يؤدي إلى ترتب عدم الإيمان على خسرانهم ، والظاهر أن الخسران هو المترتب على عدم الإيمان وعلى الوجه الأول يكون » الذين خسروا « أعم من أهل الكتاب الجاحدين والمشركين ، وعلى غيره يكون خاصا بأهل الكتاب ، والتقدير : الذين خسروا أنفسهم منهم ، أي : من أهل الكتاب .
واستشكل على كونه نعتا الاستشهاد بهم على كفار قريش وغيرهم من العرب ، يعني كيف يستشهد بهم ، ويذمون في آية واحدة؟
فقيل : إن هذا سيق للذم لا للاستشهاد .
وقيل : بل سيق للاستشهاد ، وإن كان في بعض الكلام ذم لهم ، لأن ذلك بوجهين واعتبارين .
قال ابن عطية : فصح ذلك لاختلاف ما استشهد بهم فيه ، وما ذموا فيه ، وأن الذم والاستشهاد ليسا من جهة واحدة .
فصل في بيان المراد من ظاهر الآية
ظاهر هذه الآية الكريمة يقتضي أن يكون علمهم بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم علمهم بأبنائهم ، وهنا سؤال- وهو أن يقال : المكتوب في التوراة والإنجيل مجرد أنه سيخرج نبي في آخر الزمان يدعو الخلق إلى الحق ، أو المكتوب فيه ذه االمعنى مع تعيين الزمان والمكان والنسب والصفة والحلية والشكل ، فإن كان الأول ، فذلك القدر لا يدل على أن ذلك الشخص هو محمد صلى الله عليه وسلم فكيف يصح أن يقال : علمهم بنوبته مثل علمهم ببنوة أبنائهم وإن كان الثاني وجب أن يكون [ جميع ] اليهود والنصارى عالمين بالضرورة بأن محمدا صلى الله عليه وسلم نبي من عند الله ، والكذب على الجمع العظيم لا يجوز ، ولأنا نعلم بالضرورة أن ا لتوراة والإنجيل ما كانا مشتملين على هذه التفاصيل التامة الكاملة؛ لأن هذا التفصيل إما أن يقال : إنه كان باقيا في التوراة والإنجيل ، أو كان معدما في وقت طهوره ، لأجل أن التحريف قد تطرق إليهما قبل ذلك ، والأول باطل؛ لأن إخفاء مثل هذه التفاصيل التامة في كتاب وصل إلى أهل الشرق والغرب ممتنع .

(6/377)


والثاني : أيضا باطل؛ لأن على هذا التقدير لم يكن يهود أهل ذلك الزمان ، ونصارى ذلك الزمان عالمين بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم علهمهم بنبوة أنبيائهم ، وحينئد يسقط هذا الكلام .
والجواب ان يقالك المراد ب « الذين آتيناهم الكتاب » اليهود والنصارىن وهم كانوا أهلا للنظر والاستدلال ، وكانوا قد شاهدوا ظهور المعجزات على الرسول عليه الصلاة والسلام ، فعرفوا بوساطة تلك المعجزات كونه رسولا من عند الله تعالى ، والمقصود بمعرفتهم هي المعرفة من طريق النظر ، والاستدلال من طري النقل .
فصل في المراد بالخسران
قال المفسرون : معنى هذا الخسران أن الله - تبارك وتعالى - جعل لكل آدمي منزلا في الجنة ومنزلا في النار ، فإذا كان يوم القيامة جعل الله تبارك وتعالى للمؤمنين منازل أهل النار في الجنة ولأهل النار منازل أهل الجنة في النار وذلك هو الخسران .

(6/378)


ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته إنه لا يفلح الظالمون (21)

لما بين خسران المنكرين في الآية الأولى بين في هذه الآية الكريمة سبب ذلك الخسران وهو أمران .
أحدهما : الافتراء على الله كذبا ، وهذا الافتراء يحتمل وجوها :
أحدهما : أن كفار « مكة » المشرفة كانوا يقولون : هذه الأصنام شركاء الله ، الله أمرهم بعبادتها ، وكانوا يقولون : الملائكة بنات الله .
وثانيها : أن اليهود والنصارى كانوا يقولونك حصل في التوراة والإنجيل أن هاتين الشريعيتين لا يتطرق إليهما النسخ والتغيير .
وثالثها : ما حكاه تعالى عنهم بقوله : { وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليهآ آباءنا والله أمرنا بها } [ الأعراف : 28 ] .
ورابعها : قوله اليهود : { نحن أبناء الله وأحباؤه } [ المائدة : 18 ] وقولهم : { لن تمسنا النار إلا أياما معدودة } [ البقرة : 80 ] وقول جهالهم : { إن الله فقير ونحن أغنيآء } [ آل عمران : 181 ] ونحوه .
الأمر الثاني من أسباب خسارتهم؛ تكذيبهم بآيات الله تعالى : وقدحهم في معجزات محمد - عليه الصلاة والسلام- وإنكارهم كون القرآن العظيم معجزة قاهرة منه ، ثم إنه لما حكى عنهم سبب هذين الأمرين قال : { إنه لا يفلح الظالمون } ، أي : الكافرون - أي لا يظفرون بمطالبهم في الدنيا ولا في الآخرة .

(6/379)


ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون (22)

قوله تعالى : { ويوم نحشرهم }
فيه خمسة أوجه :
أحدهما : أنه منصوب بفعل مضمر بعده ، وهو على ظرفيته ، أي : يوم نحشرهم كان كيت وكيت ، وحذف ليكون أبلغ في التخويف .
والثاني : أنه معطوفق على ظرف محذوف ، ذلك الظرف معمول لقوله : { لا يفلح الظالمون } [ الأنعام : 21 ] والتقدير : أنه لا يفلح الظالمون اليوم في الدنيا ، ويوم نحشرهم ، قاله محمد ابن جرير .
الثالث : أنه منصوب بقوله : { انظر كيف كذبوا } [ الأنعام : 24 ] وفيه بعد لبعده من عامله بكثرة الفواصل .
الرابع : أنه مفعول به ب « اذكر » مقدرا .
الخامس : أنه مفعول به أيضا ، وناصبه : احذروا أو اتقوا يوم نحشرهم ، كقوله : { واخشوا يوما } [ لقمان : 33 ] وهو كالذي قبله فلا يعد خامسا .
وقرأ الجمهور « نحشرهم » بنون العظمة ، وكذا « ثم نقول » ، وقرآ حميد ، ويعقوب بياء الغيبة فيهما ، وهو أنه تبارك وتعالى .
والجمهورعلى ضم الشين من « نحشرهم » ، وأبو هريرة بكسرها ، وهما لغتان في المضارع .
والضمير المنصوب في « نحشرهم » يعود على المفترين الكذب .
وقيل : على الناس كلهم ، فيندرج هؤلاء فيهم ، والتوبيخ مختص بهم .
وقيل : يعود على المشركين وأصنامهم ، ويدل عليه قوله : { احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون } [ الصافات : 22 ] .
و « جميعا » حال نم مفعول « نحشرهم » ن ويجوز أن يكون توكيدا عند من أثبته من النحويين ك « أجمعين » .
وعطف هنا ب « ثم » للتراخي الحاصل بين الحشر والقول .
ومفعولا « تزعمون » محذوفان للعلم بهما ، أي : تزعمونهم شركاء ، أو تزعمون أنهما شفعاؤكم .
وقوله : « ثم نقول للذين » إن جعلنا الضمير في « نحشرهم » عائدا على المفترين الكذب ، كان ذلك من باب إقامة الظاهر مقام المضمر ، إذ الأصل : ثم نقول لهم ، وإنما أظهر تنبيها على قبح الشرك .
وقوله : { أين شركاؤكم } ؟ سؤال تقريع وتوبيخ وتبكيت .
قال ابن عباس - رضي الله عنهما- : « كل زعم في كتاب الله فالمراد به الكذب » .

(6/380)


ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين (23) انظر كيف كذبوا على أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون (24)

قرأ حمزة والكسائي : « يكن » بالياء من تحت ، « فتنتهم » نصبا .
وابن كثير ، وابن عامر ، وحفص عن عاصم : « تكن » بالتاء من فوق ، « فتنتهم » رفعا .
والباقون بالتاء من فوق أيضا ، « فتنتهم » نصبا .
فأما قراءة الأخوين فهي أفصح هذه القراءات لإجرائها على القواعد من غير تأويل ، ووجهها أن « فتنتهم » خبر مقدم ، وإن قالوا بتاويل اسم مؤخر .
والتقدير : « ثم لم تكن فتنتهم إلا قولهم » . وإنما كانت أفصح؛ لأنه إذا اجتمع اسمان : أحدهما أعرف ، فالأحسن جعله اسما محدثا عنه ، والآخر خبرا حديثا عنه .
و « أن قالوا » يشبه المضمر ، والمضمر أعرف المعارف ، وهذه القراءة جعل الأعرف فيها اسما ل « كان » وغير الأعراف خبرها ، ولم يؤنث الفعل لإسناده إلى مذكر .
قال الواحدي : والاختبار قراءة من جعل « أن قالواط الاسم ذوي الخبر؛ لأنه إذا وصلت بالفعل لم توصف ، فأشبهت بامتناع وصفها المضمر ، فكما أن المضمر ، والمظهر إذا اجتمعا كان جعل المضمر اسما أولى من جعله خبرا ، تقول : كنت القائم .
وأما قراءة ابن كثير ومن معه ف » فتنتهم « اسمها ، ولذلك أنث الفعل لإسناده إلى مؤن ، و » إلا أن قالوا « خبرها ، وفيه أنك جعلت غير الأعرف اسمان والأعرف خبرا ، فليست في قوة الأولى .
وأما قراءة الباقين ف » فتنتهم « خبر مقدمن و » إلا أن قالوا « اسم مؤخر ، وهذه القراءة وإن كان فيها جعل الأعرف اسما -كالقراءة الأولى ، إلا أن فيها لحاق علامة تأنيث في الفعل مع تذكير الفاعل ، ولكنه بتأويل .
فقيل : لأنه قوله : » إلا أن قالوا « في قوة مقالتهم .
وقيل : لأنه هو الفتنة في المعنى ، وإذا أخبر عن الشيء بمؤنث اكتسب تأنيثا ، فعومل معاملته .
وجعل أبو علي منه { فله عشر أمثالها } [ الأنعام : 160 ] لما كانت الأمثال هي الحسنات في المعنى عومل معاملة المؤنث ، فسقطت » التاء « من عدده ، ومثل الآية قوله : [ الطويل ]
2124- ألم يك غدرا ما فعلتم بسمعل ... وقد خاب من كانت سريرته الغدر
ف » كانت « مسند إلى » الغدر « وهو مذكر ، لكن لما أخبر عنه بمؤنث أنث فعله .
ومثله قول لبيد : [ الكامل ]
2125- فمض وقدمها وكانت عادة ... منه إذا هي عردت إقدامها
قال أبو علي : فأنث الإقدام لما كان كالعادة في المعنى قال : وقد جاء في الكلام : » ما جاءت حاجتك « فأنث ضمير » ما « حيث كانت كالحاجة في المعنى ، ولذلك نصب » حاجتك « .
وقال الزمخشري : » وإنما أنث « [ أن ] قالوا » لوقوع الخبر مؤنثا كقولهم : من كانت أمك « .
قال أبو حيان : وكلام الزمخشري ملفق من كلام أبي علي ، وأما » من كانت أمك « فإنه حمل اسم » كان « على معنى » من « ن فإن لها لفظا مفردا مذكرا ، ولها معنى بحسب ما تريد من إفراد وتثنية وجمع وتذكير وتأنيث ، وليس الحمل على المعنى لمرعاة الخبر ، ألا ترى أنه يجيء حيث لا خبر ، كقوله :

(6/381)


{ ومنهم من يستمعون إليك } [ يونس : 42 ] .
وقوله : [ الطويل ]
2126 ... - . . . . . . . . . . . . . .
تكن مثل من يا ذئب يصطحبان ... قال شهاب الدين - رحمه الله تعالى- : ليت شعري ، ولأي معنى خص الزمخشري بهذا الاعتراض ، فإنه وارد على أبي علي أيضا؟ إذ لقائل أن يقول : التأنيث في « جاءت » لحمل على معنى « ما » وإن لها هي أيضا لفظا ومعنى مثل « من » ن على أنه يقال : للتأنيث علتان ، فذكر [ إحداهما ، ورجح ] أبو عبيدة قراءة الأخوي ن بقراءة أبي ، وابن مسعود : « وما كان فتنتهم إلا أن قالوا » فلم يلحق الفعل علامة تأنيث ، ورجحها غيره بإجماعهم على نصب « حجتهم » من قوله تبارك وتعالى : { كان حجتهم إلا أن قالوا } [ الجاثية : 25 ] .
وقرئ شاذا « ثم لم يكن فتنتهم إلا أنه قالوا » بتذكير « يكن » ، ورفع « فتنتهم » .
ووجه شذوذها سقوط علامة التأنيث ، والفاعل مؤنث لفظا ، وإن كان غير حقيقي ، وجعل غير الأعرف اسما ، والأعرف خبرا ، فهي خبرا ، فهي عكس القراءة الأولى ، من الطرفين ، و « أن قالوا » مما يجب تأخيره لحصره سواء أجعل اسما أم خبرا .
فصل في معنى الفتنة في الآية
معنى قوله : « فتنتهم » ، أي : قولهم وجوابهم .
وقال ابن عباس ، وقتادة : معذرتهم ، والفتنة التجربة ، فلما كان سؤالهم تجربة لإظهار ما في قلوبهم قيل : فتنة .
فصل في بيان لطيفة في الآية
قال الزجاج - رحمه الله- « لم تكن فتنتهم » معنى لطيف ، وذلك لأن الله - تبارك وتعالى - بين أن المشركين مفتونون بشركهم متهالكين على حبه ، فأعلم في هذه الآية الكريمة أنه لم يكن افتتانهم بشركهم ، وإقامتهم عليه إلا أن تبرأوا عنه وتباعدوا ، فحلفوا أنهم ما كانوا مشركين ، ومثاله أن ترى إنسانا ما يحب طريقة مذمومة ، فإذا وقع في فتنة بسببه تبرأ منه ، فيقال له : « ما كانت محبتك لفلان إلا أن فررت منه » ، فالمراد بالفتنة هنا افتتانهم بالأوثان ، ويتأكد بما روى عطاء عن ابن عباس أنه قال : « لم تكن فتنتهم » معناه : شركهم في الدنيا ، وهذا القول راجع إلى حذف المضاف؛ لأن المعنى ثم لم تكن عاقبة أمرهم فتنتهم إلا البراءة .
قوله : « والله ربنا » قرأ الأخوان : « ربنا » نصبا ، والباقون جرا .
ونصبه : إما على النداء ، وإما على النداء ، وإما على المدح ، قاله ابن عطية - رحمه الله - وإما على إضمار « أعني » ، قاله أبو البقاء ، والتقدير : يا ربنا .

(6/382)


وعلى كل تقدير فالجملة معترضة بين القسم وجوابه ، وهو قوله { ما كنا مشركين } وخفضه من ثلاثة أوجه : النعت ، والبدل ، وعطف البيان .
وقرأ عكرمة ، وسلام بن مسكين : « والله ربنا » برفعهما على المبتدأ والخبر .
قال ابن عطية : « وهذا على تقديم وتأخير ، كأنهم قالوا : والله ما كنا مشركين والله ربنا » يعني : أن ثم قسما مضمرا .
فصل في الكلام على الآية
ظاهر الآية الكريمة يقتضي أنهم حلفوا في القيامة أنهم كانوا مشركين ، وهذا يقتضي إقدامهم على الكذب يوم القيامة ، وللناس فيه قولان :
الأول : وهو قول أبي عباس على الجبائي والقاضي- : أنه أهل القيامة لا يجوز إقدامهم على الكذب واحتج عليه بوجوه :
الأول : أن أهل القيامة يعرفون الله بالاضطرار وأنهم لو عرفوه بالاستدلال لصار موقف القيامة دار تكليف ، وذلك باطل ، وإذا كانوا عارفين بالله على سبيل الاضطرار وجب أن ملجئين على ألا يفعلوا القبيح ، وذلك يقتضي ألا يقدم أحد من أهل القيامة على الكذب ، فإن قيل : لم لا يجوز أن يقال : إنهم أقدموا على فعل القبيح؛ لأنهم لما عاينوا أهوال يوم القيامة اضطربت عقولهم ، فقالوا هذا الكذب عند اختلال عقولهم ، أو يقال : إنهم نسوا كونهم مشركين في الدنيا؟
فالجواب عن الأول : أنه لا يجوزأن يحشرهم ويوبخهم بقوله : { أين شركآؤكم الذين كنتم تزعمون } [ الأنعام : 22 ] ثم يحكي اعتذارهم مع أنهم غي عقلاء ، هذا لا يليق بحمة الله تعالى .
وأيضا فلا بد وأن يكونوا عقلاء يوم القيامة ليعلموا أنهم فيما يعاملهم الله به غير مظلومين . والجواب على الثاني : أن نسيانهم لما كانوا عليه طول عمرهم في دار الدنيا مع كمال العقل [ بعيد ] ، وإنما يجوز أن ينسى اليسير من الأمور .
الوجه الثاني : أن هؤلاء الذين أقدموا على الكذب إما أن يقال : إنهم عقلاء أو غيرعقلاء ، فالثاني باطل ، لأنه لا يليق بحكمةه الله تعالى أن يحكي كلام المجانين في معرض تميهيد العذر وإن كانوا عقلاء يعلمون أن كانوا عقلاء يعلمون أن الله عالم أحوالهم مطلع على افعالهم ، ويعلمون أن تجويز الكذب على الله -تعالى- محال ، وأنهم لا يستفيدون بذلك الكذب إلا زيادة المقت والغضب ، وإذا كان كذلك امتنع إقدامهم في مثل هذه الحالة على الكذب .
الوجه الثالث : أنهم لو كذبوا في موقف القيامة ، ثم حلفوا على ذلك الكذب لكانوا قد أقدموا على نوعين من القبيح ، فإن قلنا : إنهم يستحون بذلك العقاب ، صارت الدار الآخرة دار تكليف ، وأجمعوا على أن الأمر ليس كذلك .
وإن قلنا : إنهم لا يستحقون على ذلك الكذب ، ولا على ذلك الحلف الكاذب عقابا ، فهذا يقتضي حصول الإذن من الله - تعالى - في ارتكاب القبائح ، وذلك باطل فثبت بهذه الوجوه أنه لا يجوز إقدام أهل القيامة على القبيح والكذب ، وإذا ثبت هذا فيحمل قولهم : « والله ربنا ما كنا مشركين » في اعتقادنا وظنوننا؛ لأن القوم يعتقدون ذلك .

(6/383)


فإن قيل : فعلى هذا التقدير يكنون صادقين في قولهم ، فماذا قال تبارك وتعالى { انظر كيف كذبوا } فالجواب أنه ليس يجب من قوله : { انظر كيف كذبوا } انهم كذبوا فيها تقدم ذكره من قولهم : { والله ربنا ما كنا مشركين } ، بل يجوز أن يكون المراد { انظر كيف كذبوا على أنفسهم } في دار الدنيا في أمور يخبرون عنها بأن ما هم عليه ليس بشرك ، وأنهم على صواب ونحوه ، فالمقصود من قوله تعالى : { انظر كيف كذبوا على أنفسهم } اختلاف الحالتين ، وأنهم كانوا في دار الدنيا يكذبون ، وأنهم في الآخرة يتحرزون عن الكذب ، ولكن حيث لا ينفعهم الصدق ، فلتعلق أحد الأمرين بالآخر ، أظهر الله - تعالى - للرسول ذلك .
القول الثاني : قول جمهور المفسرين- : أن الكفار يكذبون في القيامة واستدلوا بوجوه :
أحدهما : ما حكى الله - تعالى - عنهم أنهم يقولون : { ربنآ أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون } [ المؤمنون : 107 ] مع أنه - تعالى أخر عنهم بقول : { ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه } [ الأنعام : 28 ] .
وثانيها : قوله تبارك وتعالى : { يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم ويحسبون أنهم على شيء ألا إنهم هم الكاذبون } [ المجادلة : 18 ] بعد قوله تعالى : { ويحلفون على الكذب } [ المجادلة : 14 ] فشبه كذبهم في الآخرة بكذبهم في الدينا .
وثالثها : ما حكاه - تعالى - عنهم : { قال قائل منهم كم لبثتم قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم } [ الكهف : 19 ] .
والجواب عما قاله الجبائي بان يحمل قولهم ما كانوا مشركين في ظنونهم ، هذا مخالف للظاهر ، ثم قوله بعد ذلك : { انظر كيف كذبوا } بأنه محمول على كذبهم في الدنيا يوجب تفكيك نظم الآية ، وصرف أول الآية إلى أحوال القيامة ، وصرف آخرها إلى أحوال الدنيا ، وهو في غاية البعد .
وقولهم : كذبوا في حال كمال العقل ، وحال نقصانه ، فنقول : لا يبعد أنهم حال ما عاينوا أهوال القيامة ، وشاهدوا موجبات الخوف الشديد أختلت عقولهم ، فذكروا هذا الكلام .
قولهم : كيف يليق بحكمة الله - تعالى - أن يحكي عنهم ما ذكروه في حال اضطراب العقول؟
فالجواب : هذا يوجب الخوف الشديد وذلك في دار الدنيا وأما قولهم : إن المكلفين لا بد وأن يكونوا عقلاء يوم القيامة فنقو : اختلال عقولهم ساعة واحدة حالة ما يتكلمون بهذا الكلام لا يمنع من كمال عقولهم في سائر الأوقات .
قوله : { انظر كيف كذبوا } « كيف » منصوب على حد نصبها في قوله : { كيف تكفرون بالله } [ البقرة : 28 ] وقد تقدم .
و « كيف » وما بعدها في محل نصب ب « انظر » ؛ لأنها معلقة لها عن العمل ، و « كذبوا » وإن كان معناه مستقبلا ، لأنه في يوم القيامة ، فهو لتحققه أبرزه في صورة الماضي .

(6/384)


وقوله : « وضل » يجوز أن يكون نسقا على « كذبوا » ، فيكون داخلا في حيز النظر ، ويجوز أن يكون استئناف إخبار ، فلا يندرج في حيز المنظور إليه .
قوله : ما كانوا « يجوز في » ما « أن تكون مصدرية ، أي : وضل عنهم افتراؤهم ، وهو قول ابن عطية ويجوز أن تكون موصولة اسمية أي : وضل عنهم الذي كانوا يفترونه ، فعلى الأول يحتاج إلى ضمير عائد على » ما « عند الجمهور ، وعلى الثاني لا بد من ضمير عند الجميع .
ومعنى الآية : انظر كيف كذبوا على أنفسهم باعتذارهم بالباطل وتبريهم عن الشرك .
و » ضل عنهم « : زال وذهب ما كانوا يفترون من الأصنام ، وذلك أنهم كانوا يرجون شفاعتها نصرتها ، فبطل ذلك كله .

(6/385)


ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها حتى إذا جاءوك يجادلونك يقول الذين كفروا إن هذا إلا أساطير الأولين (25)

قوله تعالى : { ومنهم من يستمع إليك }
راعى لفظ « من » فأفرد ، ولو راعى المعنى لجمع ، كقوله في موضع آخر : { ومنهم من يستمعون } [ يونس : 42 ] .
وقوله : { على قلوبهم أكنة أن يفقهوه } إلى آخره ، حمل على معناها قوله : « وجعلنا » « جعل » هنا يحتمل أن يكون للتصيير ، فيتعدى لاثنين ، أولهما : « أكنه » والثاني : الجار قبله ، فيتعلق بمحذوف ، أي : صيرنا الأكنة مستقرة على قلوبهم ، ويحتمل أن يكون بمعنى « خلق » ، فيتعدى لواحد ، ويكنون الجار قبله حالا فيتعلق بمحذوف؛ لأنه لو تأخر لوقع صفة ل « أكنة » .
ويحتمل أن يكون بمعنى « ألقى » فتتعلق « على » بهان كقولك : « ألقيت على زيد كذا » { وألقيت عليك محبة مني } [ طه : 39 ] .
وهذه الجملة تحتمل وجهين :
أظهرهما : أنها مستأنفة سيقت للإخبار بما تضمنته من الختم على قلوبهم وسمعهم . حال كونه مجعولا على قلبه كنان ، وفي أذنه وقر ، فعلى الأول يكون قد عطف جملة فعلية على اسمية ، وعلى الثاني : تكون الواو للحال ، و « قد » مضمرة بعدها عند من يقدرها قبل الماضي الواقع حالا .
والأكنة : جمع « كنان » ، وهو الوعاء الجامع .
قال الشاعر :
2127- إذا ما انتضوها في الوغى من أكنة ... حسبت بروق الغيث تأتي غيومها
وقال بعضهم : « الكن » - بالكسر - ما يحفظ فيه الشيء ، وبالفتح المصدر . يقال : كننته كنا ، أي : جعلته في كن ، وجمع على « أكنان » قال تبارك وتعالى : { من الجبال أكنانا } [ النحل : 81 ] .
والكنان : الغطاء الساتر ، والفعل من هذه المادة يستعمل ثلاثيا ورباعيا ، يقال : كننت الشيء ، وأكننته كنا وإكنانا ، إلا أن الراغب فرق بين « فعل » و « أفعل » ، فقال : « وخص كننت بما يستر من بيت ، أو ثوب ، أو غير ذلك من الأجسام » ، قال تعالى : { كأنهن بيض مكنون } [ الصفات : 49 ] وأكننت بما يستر في النفس ، قال تعالى : { أو أكننتم في أنفسكم } [ البقرة : 235 ] .
ويشهد لما قال قوله : { إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون } [ الواقعة : 77-78 ] وقوله تعالى : { ما تكن صدورهم } [ القصص : 69 ] . و « كنان » يجمع على « أكنة » في القلة والكثرة لتضعيفه ، وذلك أن فعالا وفعالا بفتح الفاء وكسرها يجمع في القلة على « أفعلة » ك « أحمرة » و « أقذلة » ، وفي الكثرة على فعل ك « حمر » ، و « قذل » ، إلا أن يكون مضاعفا ك « بتات » وكنان « ، أو معتل اللام ك » خباء و « قباء » ، فيلتزم جمعه على « أفعلة » ، ولا يجوز على « فعل » إلا في قليل من الكلام كقولهم : « غنن » ، و « حجج » في جمع « عنان » و « حجاج » .

(6/386)


قال القرطبي : والأكنة : الأغطية مثل : الأسنة والسنان ، والأعنة والعنان ، كننت الشيء في كنة إذا صنته فيه ، وأكننت الشيء أخفيته ، والكنانة معروفة ، والكنة - بفتح الكاف والنون- امرأة أبيك ، ويقال : امرأة الابن أو الأخ لأنها في كنة .
قوله : « أن يفقهوه » في محل نصب على المفعول من أجله ، وفيه تأويلان سبقا .
أحدهما : كراهة أن يفقهوه ، وهو رأي البصريين .
والثاني : حذف « لا » ، أي : أن لا يفقهوه ، وهو رأي الكوفيين .
قوله : « وقرا » عطف على « أكنة » فينتسب انتصابه ، أي : وجعلنا في آذانهم وقرأ و « في آذانهم » كقوله : « على قلوبهم » .
وقد تقدم أن « جعل » يحتمل معاني ثلاثة ، فيكون هذا الجار مبنيا عليها من كونه مفعولا ثانيا قدم ، أو متعلقا بها نفسها أو حالا .
والجمهور على فتح الواو من « وقرا » .
وقرأ طلحة بن مصرف بكسرها ، والفرق بين « الوقر » و « الوقر » أن المفتوح هو الثقل في الأذن ، يقال منه : وقرت أذنه يفتح القاف وكسرها ، والمضارع تقر وتوقر ، بحسب الفعلين ك « تعد » و « توجل » .
وحكى أبو زيد : أذن موقورة ، وهو جار على القياس ، ويكون فيه دليل على أن « وقر » الثلاثي يكون متعديا ، وسمع « أذن موقورةط والفعل على هذا » أوقرت « رباعيا ك » أكرم « .
و » الوقر « - بالكسر - الحمل للحمار والبغل ونحوهما ، كالوسق للبعير .
قال تعالى : { فالحاملات وقرا } [ الذاريات : 2 ] فعلى هذا قراءة الجموهور واضحة ، أي : وجعلنا في آذانهم ، ثقلا ، أي : صما .
وأما قراءة طلحة ، فكأنه جعل آذانهم وقرت من الصمم كما توقر الدابة بالحمل ، والحاصل أن المادة تدل على الثقل والررانة ، ومنه الوقار للتؤدة ، والسكينة ، وقوله تعالى : { وفي آذانهم وقرا } فيه الفصل بين حرف العطف وما عطفه بالجار مع كون العاطف [ على حرف واحد ] وهي مسألة خلاف تقدم تحقيقها في قوله : { أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها } [ النساء : 58 ] .
والظاهر : أن هذه الآية ونظرئرها مثل قوله تعالى : { ربنآ آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة } [ البقرة : 201 ] ليس مما فصل فيه بين العاطف ومعطوفه كما تقدم .
فصل في بيان سبب نزول الآية
قال الكلبي عن ابن عباس - رضي الله عنهما- : اجتمع أبو سفيان بن حرب ، وأبو جهل بن هشام ، والوليد بن المغيرة ، والنضر بن الحارث ، وعتبة وشيبة ابنا ربيعة ، وأمية وأبى ابنا خلف والحرث بن عامر يستمعون القرآن العظيم ، فقالوا للنضر : يا أبا قتيلة : ما يقول محمد؟ قال ما أدري ما يقول إلا أنه يحرك لسانه وشفتيه ويتكلم بأساطير الأولين مثل ما كنت أحديكم عن القرون الماضية ، وكان النضر كثر الحديث عن القرون وأخبارها ، فقال أبو سفيان : أبي لأرى بعض ما يقول حقا .

(6/387)


فقال أبو جهل : كلا ، لا تقر من هذا ، وفي رواية : للموت أهون علينا من هذا ، فأنزل الله تعالى : { ومنهم من يستمع إليك } أي : إلى كلامك ، « وجعلنا على قلوبهم أكنة » أغطية جمع « كنان » ، كالأعنة جمع « عنان » « أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا » أي : صما وثقلا .
فصل بيان الدلالة من الآية
احتج أهل السنة بهذه الآية الكريمة على أنه - تعالى- يصرف عن الإيمان ، ويمنع منه؛ لأنه - تعالى- جعل القلب في الكنان الذي يمنعه عن الإيمان .
قالت المعتزلة : لا يمكن إجراء هذه الآية على ظاهرها لوجوه .
أحدهما : أنه -تبارك وتعالى- وإنما أنزل القرآن العظيم حجة للرسل على الكفار ، لا ليكون حجة للكفار على الرسول صلى الله عليه وسلم ولو كان المراد من هذه الآية الكريمة أنه - تعالى- منع الكفار عن الإيمان ، لكان لهم أن يقولوا لرسول عليه الصلاة والسلام لما حكم بأنه منعنا من الإيمان فلم يذمنا على ترك الإيمان ولم يدعونا إلى فعل الإيمان .
وثانيها : أنه تبارك وتعالى لو منعهم من الإيمان ، ثم دعاهم إليه لكان ذلك تكليفا للعاجز ، وهو منفي بصريح العقل ، وبقوله تبارك وتعالى : { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها } [ البقرة : 286 ] .
وثالثها : أنه - تعالى - حكى ذلك الكلام عن الكفار في معرض الذم ، فقال تعالى : { وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر } [ فصلت : 5 ] وقال في آية أخرى : { وقالوا قلوبنا غلف بل لعنهم الله بكفرهم فقليلا ما يؤمنون } [ البقرة : 88 ] .
وإذا كان قد حكى عنهم هذا المذهب في معرض الذم لهم امتنع أن يكون ذكره هنا في معرض التقريع والتوبيخ ، وإلا لزم التناقض .
ورابعها : أنه لا نزاع في أن القوم كانوا يفقهون ، ويسمعون ، ويعقلون .
وخامسها : أن هذه الآية وردت في معرض الذم على ترك الإيمان ، وإذا كان هذا الصد ، والمنع من قبل الله - تعالى - لما كانوا مذممين ، بل كانوا معذورين .
وسادسها : أن قوله : { حتى إذا جآءوك يجادلونك } يدل على أنهم كانوا يفقهون ، ويميزون الحق من الباطل ، وعند هذا فلا بد من التأويل وهو من وجوه :
الأول : قال الجبائي : إن القوم كانوا يستمعون قراءة الرسول عليه الصلاة والسلام ، ليتوصلوا بسمامع قراءته إلى معرفة مكانه باليل ، فيقصدوا قتله وإيذاءه ، فكان الله - تبارك وتعالى- يلقي في قلوبهم النوم وهو المراد من الأكنة ويثقل أسماعهم عن استماع تلك القراءة بسبب ذلك النوم ، وهو المراد من قوله : { وفي آذانهم وقرا } .
الثاني : أن الإنسان الذي علم الله - تعالى - منه أنه لا يؤمن ، وأنه يموت على الكفر ، فإنه - تبارك وتعالى- يسم قلبه بعلامة مخصوصة يستدل الملائكة برؤيتها على أنهم لا يؤمنون ، فلا يبعد تلك العلامة بالكنان والغطاء المانع ، وتلك العلامة في نفسها ليست مانعة عن الإيمان .

(6/388)


الثالث : أنهم لما أصروا على الكفر ، وصمموا عليه صار عدولهم عن الإيمان ، والحالة هذه كالكنان المانع عن الإيمان ، فذكر الله تبارك وتعالى الكنان كناية عن هذا المعنى .
الرابع : إنه تعالى لما منعهم الألطاف التي يفعل بمن اهتدى ، فأخلاهم منها ، وفوض أمورهم إلى أنفسهم لسوء صنيعهم ، لم يبعد أن يضيف ذلك إلى نفسه بقوله : { وجعلنا على قلوبهم أكنة } .
الخامس : أن يكون الكلام ورد حكاية لما كانوا يذكرونه من قولهم : « قلوبنا غلف » ، وقالوا : { قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر } [ فصلت : 5 ] .
فالجواب : أن العبد الذي أتى بالكفر إن لم يقدر على الإتيان بالإيمان فقد صح قولنا : بأنه تبارك وتعالى- هو الذي حمله على الكفر [ وصده عن الإيمان ، وإن كان القادر على الكفر قادرا على الإيمان فيمتنع صيرورة تلك القدجرة مصدرا للكفر ] دون الإيمان إلا عند انضمام تلك الداعية ، وقد تقدم أن مجموع القدرة مع الداعي يوجب الفعل ، فيكون الكفر على هذا التقدير من الله تعالى ، وتكون الداعية الجارة إلى الكفر كنانا للقلب عن الإيمان ، ووقرا للسمع عن استماع دلائل الإيمان ، فإذا ثبت في الدليل العقلي صحة ما دل عليه ظاهر الآية الكريمة وجب حملها عليه عملا بالبرهان ، وظاهر القرآن .
قوله : { وإن يروا كل آية } أي من المعجزات والدلالات { لا يؤمنوا بها } وهذا يدل على فساد تأويل الجبائي؛ لأنه لو كان المراد بالأكنة إلقاء النوم على قلوب الكفار لئلا يمكنهم التوصل بسمامع صوته إلى وجدان مكانه ، لما كان قوله : { وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها } لائقا بذلك الكلام ، ولوجب أن يقال : وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يسمعوه؛ لأن المقصود الذي ذكره الجبائي إنما يحصل بالمنع من سماع الصوت ، أما المنع من الفقه لكلامه فلا تعلق له بما ذكره الجبائي .
قوله : « حتى إذا جاءوك » قد تقدم الكلام في « حتى » الداخلة على « إذا » في أول « النساء » .
وقال : أبو البقاء - رحمه الله تعالى- : هنا « إذا » في موضع نصب بجوابها ، وهو « يقول » وليس ل « حتى » غاية و « يجادلونك » حال ، و « يقول » جواب « إذا » ، وهو العامل في « إذا » .
وقال الزمخشري : [ وهي ] « حتى » التي تقع بعدها الجمل ، والجملة قوله : « إذا جاءك يجادلونك يقول » ، و « يجادلونك » في موضع الحال ، ويجوز أن تكون الجارة ، فيكون « إذا جاءوك » في محل الجر ، بمعنى « حتى » وقت مجيئهم ، و « يجادلونك » حال ، .

(6/389)


وقوله : { يقول الذين كفروا } تفسير له ، والمعنى أنه بلغ تكذيبهم الآيات إلى أنهم يجادلونك ويناكرونك .
وفسر مجادلتهم بأنهم يقولون : { إن هاذآ إلا أساطير الأولين } قال أبو حيان : « وقد وفق الحوفي ، وأبو البقاء ، وغيرهما للصواب في ذلك » ثم ذكر عبارة أبي البقاء والحوفي ، وقال أيضا : و « حتى » إذا وقع بعدهما « إذا » ، يحتمل أن تكون بمعنى « الفاء » ، ويحتمل أن تكون بمعنى « إلى أن » ، فيكون التقدير : فإذا جاءوك يجادلونك يقول ، أو يكون التقدير : وجعلنا على قلوبهم أكنة ، وكذا إلى أن قالوا : إن هذا إلا أساطير الأولين ، وقد تقدم أن « يجادلونك » حال من فاعل « جاءوك » ، و « يقول » : إما جواب : « إذا » وإما مفسرة للمجيء ، كما تقدم تقريره .
و « أساطير » فيه أقوال :
أحدهما : أنه جمع لواحد مقدر ، واختلف في ذلك المقدر ، فقيل : أسطورة ، وقيل : أسطارة ، وقيل أسطور ، وقيل : أسطار ، وقيل إسطيرة وقال بعضهم : بل لفظ بهذه المفردات .
والثاني : أنه جمع ف « أساطير » جمع « أسطار » ، و « أسطار » جمع « سطر » بفتح الطاء ، وأما « سطر » بسكونها فجمعه في القلة على « أسطر » ، وفي الكثرة على « سطور » ك « فلس » و « أفلس » و « فلوس » .
والثالث : أنه جمع الجمع ف « أساطير » جمع « أسطار » ، و « أسطار » جمع « أسطر » ، و « سطر » جمع « سطر » وهذا مروي عن الزجاج ، وليس بشيء فإن « أسطار » ليس جمع « أسطر » ، بل هما مثالا جمع قلة .
الرابع : أنه اسم جمع .
قال : ابن عطية : « هو اسم جمع لا واحد له من لفظه » وهذا ليس بشيء؛ لأن النحويين قد نصوا على أنه كان على صيغة تخص الجموع لم يسموه اسم جمع ، بل يقولون : هو جمع ك « عباديد » و « شماطيط » ، فظاهر كلام الراغب - رحمه الله تعالى- : أن « أساطير » جمع « سطر » بفتح الطاء ، فإنه قال : وجمع « سطر » - يعين بالفتح- « أسطار » و « أساطير » .
وقال المبرد - رحمه الله تعالى- : هي جمع « أسطورة » نحو : « أرجوحة » و « أراجيح » و « أحدوثة » و « أحاديث » .
ومعنى « الأساطير » : الأحاديث الباطلة والرهات مما لا حقيقة له .
وقال الواحدي - رحمه الله تعالى : - أصل « الأساطير » من « السطر » وهو أن يجعل شيئا ممتدا مؤلفا ، ومنه سطر الكتاب ، وسطر من شجر مفروش .
قال ابن السكيت : يقال سطر وسطر ، فمن قال : « سطر » فجمعه في القليل « أسطر » ، والتكثير « سطور » ، ومن قال : « سطر » فجمعه « أسطار » ، و « الأساطير » جمع الجمع .
وقال الجبائي - رحمه الله تعالى- : واحد الأساطير « أسطور » و « أسطورة » و « إسطيرة » .
قال جمهور المفسرين : أساطير الأولين ما سطره الأولون .
وقال ابن عباس : معناه أحاديث الأولين التي كانوا يسطرونها ، أي : يكتبونها .

(6/390)


وهم ينهون عنه وينأون عنه وإن يهلكون إلا أنفسهم وما يشعرون (26)

قوله : { وهم ينهون عنه } في الضميرين- أعني « هم » وهاء « عنه » - أوجه :
أحدهما : أن المرفوع يعود لعى الكفار ، والمجرور يعود على القرآن الكريم ، وهو أيضا الذي عاد عليه الضمير المنصوب من « يفقهوه » ، والمشار إليه بقولهم : « إن هذا » .
والثاني : أن « هم » يعود على من تقدم ذكرهم من الكفار ، وفي « عنه » يعود على الرسول ، وعلى هذا ففيه التفات من الخطاب إلى الغيبة ، فإن قوله : { جاءوك يجادلونك } خطاب للرسول عليه الصلاة والسلام ، فخرج من هذا الخطاب إلى الغيبة .
وقيل : يعود المرفوع على أبي طالب وأتباعه .
وفي قوله : « ينهون » و « ينأون » تجنيس التصريف ، وهو عبارة عن انفراد كل كلمة عن الأخرى بحرف ف « ينهون » انفردت بالهاء ، و « ينأون » بالهمزة ، ومثله قوله تعالى : { وهم يحسبون أنهم يحسنون } [ الكهف : 104 ] { بما كنتم تفرحون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تمرحون } [ غافر : 75 ] .
وقوله عليه الصلاة والسلام : « الخيل معقود في نواصيها الخير » ، وبعضهم يسميه « تجنيس التحريف » وهو الفرق بين كلمتين بحرف وأنشدوا في ذلك قول القائل : [ الكامل ]
2128- إن لم أشن على ابن حرب غارة ... لم تخل يوما من نهاب نفس
وذكر غيره أن « تجنيس التحريف » هو أن يكون الشكل ، فرقا بين كلمتين ، وجعل منه « اللهى تفتح اللهى » وقد تقدم تحقيقه .
وقرأ الحسن و « ينون » بإلقاء حركة الهمزة على النونه وحذفها ، وهو تخفيف قياسي .
و « النأي » : البعد ، قال : [ الطويل ]
2129- إذا غير النأي المحبين لم يزل ... رسيس الهوى من حب مية يبرح
وقال الآخر في ذلك ، فأجاد ، [ الطويل ]
2130- ألا حبذا هند وأرض بها هند ... وهند أتى من دونها الناي والبعد
عطف الشيء على نفسه للمغايرة اللفظية يقال : نأي زيد ينأى نأيا ، ويتعدى بالهمزة ، فيقال : أنأيته ، ولا يعدى بالتضعيف ، وكذا كل ما كان عينه همزة .
ونقل الواحدي أنه يقال : نأينه بمعنى نأيت عنه .
وأنشد المبرد : [ الطويل ]
2131- أعاذل إن يصبح صداي بقفرة ... بعيدا نآني صاحبي وقريبى
أي : نأى عني .
وحكى الليث : « نأيث الشيء » ، أي : أبعدته ، وأنشد : [ الطويل ]
2132- إذا ما التقينا سالض من عبراتنا ... شآبيب ينأى سيلها بالأصابع
فبناه للمفعول ، أي : ينحى ويبعد .
والحاصل أن هذه المادة تدل على البعد ، ومنه أتنأى أي : أفعل النأي . والمنأى : الموضع البعيد .
قال النابغة : [ الطويل ]
2133- فإنك كالموت الذي هو مدركي ... وإن خلت أن المنتأى عنك واسع
و « تناءى » أي : تباعد ، ومنه النؤي للحفيرة التي حول الخباء لتبعد عنه الماء .
وقرئ : { ونأى بجانبه } [ فصلت : 51 ] وهو مقلوب من « نأى » ، ويدل على ذلك أن الأصل هو المصدر وهو « النأي » بتقديم الهمزة على حرق العلة .

(6/391)


فصل في المراد بالآية وسبب نزولها
معنى الآية الكريمة أنهم ينهون الناس عن اتبع محمد صلى الله عليه وسلم وينأون عنه ، أي : يبتاعدون عنه بأنفسهم نزلت هذه الآية في كفار « مكة » المشرفة ، قال محمد بن الحنفية والسدي والضحاك ، وقال قتادة : ينهون عن القرآن ، وعن النبي صلى الله عليه وسلم ويتباعدون عنه .
واعلم أن النهي عن النبي صلى الله عليه وسلم محل فلا بد أن يكون النهي عن فعل يتعلق به ، فذكروا فيه قولين :
الأول : ينهون عن تدبر القرآن واستمامعه ، وعن التصديق بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم والإقرار برسالته .
الثاني : قال ابن عباس - رضي الله عنه - ومقاتل : نزلت في أبي طالب كان ينهى الناس عن أذى النبي صلى الله عليه وسلم ويمعنهم وينأى عن الإيمان به أي : يبعد ، حتى روي أنه اجتمع إليه رؤوس المشركين ، وقالوا : تخير من أصبحنا وجها وادفع إلينا محمدا ، فقال أبو طالب : ما أنصفتموني أدفع إليكم ولدي لتقتلوه وأربي ولدكم .
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم دعاه إلى الإيمان فقال : لولا أن تعيرني قريش لأقرت بها عينك ، ولكن أذب عنك ما حييت ، وقال فيه أبياتا : [ الكامل ]
2134- والله لن يصلوا إليك بجمعهم ... حتى أوسد في التراب دفينا
فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة ... وابشر وقر بذاك منك عيونا
ودعوتني وعرفت أنك ناصحي ... ولقد صدقت وكنت ثم أمينا
وعرضت دنيا قد علمت بأنه ... من خير أديان البرية دينا
لولا الملامة أو حذار مسبة ... لوجدتني سمحا بذاك مبينا
واعلم أن القول الأول أشبه لوجهين : د
أحدهما : أن جميع الآيات المتقدمة في ذم طريقتهم ، فلذلك كان يبغي أن يكون قولهم : « وهم ينهون عنه » محمولا على أمر مذموم ، وإذا حملناه على أن أبا طالب كان ينهى عن إيذائه لما حصل هذا النظم .
وثانيهما : قوله تبارك وتعالى بعد ذلك : { وإن يهلكون إلا أنفسهم } يعني به ما تقدم ذكره ، ولا يليق ذلك النهي عن أذنيهن لأن ذلك حسن لا يوجب الهلاك .
فإن قيل : إن { وإن يهلكون إلا أنفسهم } يرجع إلى قوله : { ينأون عنه } لا قوله : « ينهون عنه » ؛ لأن المراد بذلك أنهم يبعدون عنه بمفارقة دينه وترك موافقته وذلك ذم .
فالجواب أن ظاهر قوله : { وإن يهلكون إلا أنفسهم } يرجع إلى كل ما تقدم ذكره ، كما يقال : « فلان يبعد عن الشيء الفلاني وينفر عنه ، ولا يضر بذلك إلا نفسه » ، فلا يكون هذا الضرر متعلقا بأحد الأمرين دون الآخر .
قوله : « وإن يهلكون » « إن » نافية كالتي في قوله : { إن هاذآ } [ الأنعام : 25 ] و « أنفسهم » مفعول ، وهو استثناء مفرغ ، ومفعول « يشعرون » محذوف : إما اقتصارا ، وإما اختصارا ، أي : وما يشعرون أنهم يهلكون أنفسهم بتماديهم في الكفر وغلوهم فيه ، قاله ابن عباس .

(6/392)


ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين (27)

لما بين أنهم يهلكون أنفسهم شرح كيفية ذلك الهلاك فقال : { ولو ترى إذ وقفوا على النار } ، وبجواب « لو » محذوف لفهم المعنى ، والتقدير : « لرأيت شيئا عظيما وهولا مفظعا » .
وحذف الجواب كثر في التنزيل ، وفي النظم كقوله تعالى : { ولو أن قرآنا } [ الرعد : 31 ] .
وقول الآخر [ في ذلك : ] [ الطويل ]
2135- وجدك لو شيء أتانا رسوله ... سواك ولكن لم نجد لك مدفعا
وقوله : [ الطويل ]
2136 ... - فلو أنها نفس تموت جميعة
ولكنها نفس تساقط أنفسا ... وقله الآخر فأجاد : [ الكامل ]
2137- كذب العواذل لو رأين مناخا ... بحريز رامهض والمطي سوامي
وحذف الجواب أبلغ [ قالوا : ] لأن السامع تذهب نفسه كل مذهب ، ولو صرح له بالجواب وطن نفسه عليه فلم يحسن منه كثيرا ، ولذلك قال كثير في ذلك : [ الطويل ]
2138-فقلت لها يا عز كل مصيبة ... إذا وطنت يوما لها النفس ذلت
وقوله : « ترى » يجوز أن تكون بصريسة ، ومفعولها محذوف ، أي : ولو ترى حالهم ، ويجوز أن تكون القلبية ، [ والمعنى : ] ولو صرفتع فكرك الصحيح لأن تتدبر حالهم لازددت يقينا .
وفي « لو » [ هذه ] وجهان :
أظهرهما : أنها الامتناعية ، فينصرف المضارع بعدها للمضي ، ف « إذا » باقية على أصلها من دلالتها على الزمن الماضي ، وهذا وإن كان لم يقع بعد؛ لأنه سيأتي يوم القيامة ، إلا أنه أبرز في صورة الماضي لتحقق الوعد .
والثاني : أنها بمعنى « أن » الشرطية ، و « إن » هنا تكون بمعنى « إذا » ، والذي حمل [ هذا ] القائل على ذلك كونه لم يقع بعد وقد تقدم تأويله .
وقرأ الجمهور- رضي الله عنهم : - « وقفوا » مبنيا للمفعول من « وقف » ثلاثيا [ و « على » يحتمل أن تكون على بابها وهو الظاهر أي : حبسوا عليها ، أو عرضوا عليها ، وقيل : يجوز ] أن تكون بمعنى « في » ، أي في النار ، كقوله : « » على ملك سليمان « ، اي : في ملك سليمان .
وقرأ ابن السميفع ، وزيد بن علي : » وقفوا « مبينا للفاعل .
و » وقف « يتعدى ولا يتعدىن وفرقت العرب بينهما بالمصدر ، فمصدر اللازم على » فعول « ، ومصدر المتعدي على » فعل « ولا يقال : أوقفت .
قال أبو عمرو بن العلاء : » لم أسمع شيئا في كلام العرب : « أوقفت فلانا » ، إلا أني لو رأيت رجلا وافقا فقلت له : « ما أوقفك هاهنا » لكان عندي حسنا « وإنما قال كذلك؛ لأن تعدي الفعل بالهمزة مقيس نحو : ضحك زيد وأضحكته أنا ، ولكن سمع غيره في » وقف « المتعدي أوقفته .
قال الراغب : » ومنه - يعني من لفظ وقفت القوم- استعير وقفت الدابة إذا سبلتها « فجعل الوقف حقيقة في منع المشي ، وفي التسبيل محازا على سبيل الاستعارة ، وذلك أن الشيء المسبل كأنه ممنوع من الحركةن والوقف لفظ مشترك بين ما تقدم وبين سوار من عاج ، ومنه : حمار موقف بأرساغه مثل الوقف من البياض .

(6/393)


فصل في معنى الوقوف على النار
وقال الزجاج- رحمه الله تعالى- : ومعنى وقفوا على النار يحتمل ثلاثة أوجه :
الأول : يجوز أن يكون قد وفقوا عندها وهم يعاينوها فهم موقوفون على أن يدخلوا النار .
الثاني : يجوز أن يكون وقفوا عليها وهي تحتهم بمعنى أنهم وقفوا فوق النار على الصراط ، جسر فوق جهنم « على النار » .
[ الثالث : ] معناه : أنهم عرفوا حقيقتها تعريفا من قولك : « وقفت فلانا على كلام فلان » أي : علمته معناه وعرفته ، وفيه الوجه المتقدم ، وهو أن يكون « على » بمعنى « » في « ، والمعنى أنهم يكونون غائصين في النار ، وإنما صح على هذا التقدير أن يقول : وقفوا على النار ، لأن النار دركات وطبقات بعضها فوق بعض ، فيصح هناك معنى الاستعلاء .
قوله : » يا ليتنا « قد تقدم الكلام في » يا « المباشرة للحرف والفعل .
وقرأ نافع ، وأبو عمرو ، وابن كثير ، والكسائي » ولا نثكذب « و » نكون « برفعهما وبنصبهما حمزة ، وحفص عن عاصم ، وبرفع الأول ونصب الثاني ابن عامر ، وأبو بكر .
ونقل أبو حيان عن ابن عامر أنه نصب الفعلين ، ثم قال بعد كلام طويل : عن ابن عامر : » ولا نكذب « بالرفع ، و » نكون « بالنصب ، فأما قراءة الرفع فيهما ، ففيها ثلاثة أوجه :
أحدهما : أن الرفع فيهما على العطف على الفعل قبلهما ، وهو » نرد « ، ويكونون قد تمنوا ثلاثة أشياء : الرد إلى دار الدنيا ، وعدم تكذيبهم بآيات ربهم ، وكونهم من المؤمنين .
والثاني : أن » الواو « واو الحال ، والمضارع خبر مبتدأ مضمر ، والجملة الاسمية في محل نصب على الحال من مرفوع » نرد « .
والتقدير : يا ليتنا نرد غير مكذبين وكائنين [ من المؤمنين فيكون تمني الرد مقيدا بهاتين الحالين ، فيكون الفعلان ] أيضا داخلين في التمني .
وقد استشكل الناس هذهين الوجهين ، بأن التمني إنشاءن والإنشاء لا يدخله الصدق ولا الكذب ، وإنما يدخلان في الأخبار ، وهذا قد دخله الكذب لقوله تعالى : { وإنهم لكاذبون } [ الأنعام : 28 ] وقد أجابوا عن ذلك بثلاثة أوجه :
أحدهما : ذكره الزمخشري- قال : هذا تمن تضمن معنى العدة ، فجاز أن يدخله التكذيب كما يقول الرجل : » ليت الله يرزقني مالا فأحسن إليك ، وأكافئك على صنيعك « فهذا متمن في معنى الواعد ، فلو رزق مالا ولم يحسن إلى صاحبه ، ولم يكافئه كذب ، وصح أن يقال له كاذب ، كأنه قال : إن رزقني الله مالا أحسنت إليك .

(6/394)


والثاني : أن قوله تبارك وتعالى : { وإنهم لكاذبون } [ الأنعام : 28 ] ليس متعلقا بالمتمني ، بل هو محض إخبار من الله تبارك وتعالى ، بأنهم ديدنهم الكذب وهجيراهم ذلك ، فلم يدخل الكذب في التمني ، وهذان الجوابان واضحان ، وثانيهما أوضح .
والثالث : أنا لا نسلم أن التمني لا يدخله الصدق ولا الكذب ، بل يدخلانه ، وعزي ذلك إلى عيسى بن عمر ، واحتج على ذلك بقول الشاعر [ حيث قال ] : [ الطويل ]
2139- منى إن تكن حقا تكن أحسن المنى ... وإلا فقد عشنا بها زمنا رغدا
قال : « وإذا جاز أن توصف المنى بكونها حقا جاز أن توصف بكونها باطلا وكذبا » .
وهذا الجواب ساقط جدا ، فإن الذي وصف بالحق إنما هو المنى ، و « المنى » : جمع « منية » و « المنية » توصف بالصدق والكذب مجازا ، لأنها كأنها تعد النفس بوقوعها ، فيقال لما وقع منها : صادق ، ولما يقع منها : كاذب ، فالصدق والكذب إنما دخلا في المنية لا في التمني .
والثالث من الأوجه المتقدمة : أن قوله : « ولا نكذب » خبر لمبتدأ محذوف ، والجملة استئنافية لا تعلق لها بما قبلها ، وإنما عطفت هاتان الجملتان الفعليتان على الجلمة المشتملة على أداة التمني وما في حيزها ، فليست داخلة في التمني أصلا ، وإنما أخبر الله - تبارك وتعالى- عنهم أنهم أخبروا عن أنفسهم بأنهم لا يكذبون بآيات ربهم ، وأنهم يكونون من المؤمنين ، فتكون هذه الجملة وما عطف عليها في محل نصب بالقول ، كأن التقدير : فقالوا : يا ليتنا نرد وقالوا : نحن لا نكذب ونكون من المؤمنين .
واخترا سيبويه هذا الوجه وشبهه بقولهم : « دعني ولا أعود » ، أي : وأنا لا أعود تركتني أو لم تتركني ، أي : لا أعود على كل حال ، كذلك معنى الآية : أخبروا أنهم لا يكذبون بآيات ربهم ، وأنهم يكونون من المؤمنين على كل حال ، ردوا أوة لم يردوا .
وهذا الوجه وإن كان الناس قد ذكروه ورجحثوه ، وأختار سيبويه - رحمه الله - كما مر ، فإن بعضهم استشكل عليه إشكالا ، وهو : أن الكذب لا يقع في الآخرة ، فكيف وصفوا بأنهم كاذبون في الآخرة في قولهم « ولانكذب ونكون » ؟
وقد أجيب عنه بوجهين :
أحدهما : أن قوله { وإنهم لكاذبون } [ الأنعام : 28 ] استيثاق لذمهم بالكذب ، وأن ذلك شأنهم كما تقدم ذلك آنفا .
والثاني : أنهم صموا في تلك الحال على أنهم لو ردوا لما عادوا إلى الكفر لما شاهدوا من الأهوال والعقوبات ، فأخبر الله - تعالى - أن قولهم في تلك الحال : « ولا نكذب » وإن كان عن اعتقاد وتصميم يتغير على تقدير الرد ، ووقوع العود ، فيصير قولهم : « ولا نكذب » كذبا ، كما يقول اللص عند ألم العقوبة : « لا أعود » ويعتقد ذلك ويصمم عليه ، فإذا خلص وعاد كاذبا .
وقد أجاب مكي أيضا بجوابين :
أحدهما [ قريب ] مما تقدم ، والثاني لغيره ، فقال - أي لكاذبون في الدنيا في تكذيبهم الرسل ، فإنكارهم البعث للحال [ التي ] كانوا عليها في الدنيا ، وقد أجاز أبو عمرو وغيره وقوع التكذيب في الآخرة ، لأنهم ادعوا أنهم لو ردوا لم يكذبوا بآيات الله ، فعلم الله ما لا يكون لو كان كيف يكون ، وأنهم لو ردوا لم يؤمنوا ولكدبوا بآيات الله ، فأكذبهم الله في دعواهم .

(6/395)


وأما نصبهما فبإضمار « أن » بعد الواو التي بمعنى « مع » ، كقولك : « ليت لي مالا وأنفق منه » فالفعل منصوب بإضمار « أن » ، و « أن » مصدرية ينسبك منها ومن الفعل بعدها مصدر ، و « الواو » حرف عطف ، فيستدعي معطوفا عليه ، وليس قبلها في الآية إلا فعل ، فكيف يعطف اسم على فعل؟ فلا جرم أن نقدر مصدرا متوهما يعطف هذا المصدر المنسبك من « أن » وما بعدها عليه ، والتقدير : يا ليتنا لنا رد ، وانتفاء تكذيب بآيات ربنا وكون من المؤمنين أي : ليتنا لنا رد مع هذين الشيئين ، فيكون عدم التكذيب والكون من المؤمنين متمنيين أيضا ، فهذه ثلاثة أشياء أعني الرد وعدم التكذيب ، والكون من المؤمنين متمناة بقيد الاجماع ، لا أن كل واحد متمني وحده؛ لما تقدم من أن هذه « الواو » شرط إضمار « أن » بعدها : أن تصلح « مع » في مكانها ، فالنصب يعن أحد محتملاتها في قولك : « لا تأكل السمك وتشرب اللبن » وشبهه ، والإشكال المتقدم وهو إدخال التكذيب على التمين وراد هنا ، وقد تقدم جوابه إلا أن بعضه يتعذر هنا ، وهو كون « لا نكذب ، ونكون » مستانفين سيقا لمجرد الإخبار ، فبقي : إما لكون المتني دخله معنى الوعد ، وإما أن قوله تبارك وتعالى : { وإنهم لكاذبون } [ الأنعام : 28 ] ليس راجعا إلى تمنيهم ، وإما لأن التمني يدخله التكذيب ، وقد تقدم فساده .
وقال ابن الأنباري - رحمه الله - : « أكذبهم في معننى التمني ، لأن تمنيهم راجع إلى معنى : » نحنث لا نكذب إذا رددنا « فغلب عز وجل الكلام فأكذبهم ، ولم يستعمل لفز التمني » . وهذا الذي قاله ابن الأنباري- رحمه الله تعالى - تقدم معناه بأوضح من هذا .
قال أبو حيان : وكثيرا ما يوجد في كتب النحو أن هذه « الواو » المنصوب بعدها هو على جواب التمني ، كما قال الزمخشري : وقرئ : « ولا نكذب ، ونكون » بالنصب بإضمار « أن » على جواب التمين ، ومعناه إن رددنا لم نكذب ، ونكن من المؤمنين .
قال : وليس كما ذكر ، فإن نصب الفعل بعد « الوارو » ليس على جهة الجواب؛ لأن « الواو » لا تقع جواب الشرط ، فلا ينعقد مما قبلها ، ولا مما بعدها شرط وجواب ، وإنما هي واو « مع » يعطف ما بعدها على المصدر المتوهم قبلها ، وهي واو العطف يتعين مع النصب أحد محاملها الثلاثة : وهي المعية ويميزها من « الفاء » تقدير « مع » موضعها ، كما أن فاء الجواب إذا كان بعدها فعل منصوب ميزها تقدير شرط قبلها أو حال مكانها وشبهة من قال : إنها جواب أنها تنصب في المواضع التي تنصب فيها « الفاء » ، فتوهم أنها جواب .

(6/396)


وقال سيبويه - رحمه الله تعالى- : والواو تنصب ما بعدها في غير الواجب من حيث انتصب ما بعد « الفاء » ، والواو والفاء معناهما مختلفان ، ألا ترى قوله : [ الكامل ]
2140- لا تنه عن خلق وتاتي مثله ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لو دخلت « الفاء » هنا لأفسدت المعنى ، وإنما أراد : لا تجمع النهي والإتيان وتقول : « لا تأكل السمك وتشرب اللبن » لو أدخلت الفاء هنا لفسد المعنى .
قال أبو حيان : ويوضح لك أنها ليست بجواب أنفراد « الفاء » دونها ، فإنها إذا حذفت انجرم الفعل بعدها بما قبلها لما تضمنه من معنى الشرط إلا في النفي ، فإن ذلك لا يجوز .
قال شهاب الدين - رحمه الله تعالى- : قد سبق الزمخشري إلى هذه العبارة أبو إسحاق الزجاج ، قال أبو إسحاق : نصب على الجواب بالواو في التمني كما تقول : « ليتك تصير إلينا ونكرمك » .
المعنى : ليت مصيرك يقع وإكرامنا ، ويكون المعنى : « ليت ردنا وقع وأن لا نكذب » .
وأما كون « الواو » ليست بمعنى « الفاء » فصحيح ، على ذلك جمهور النحاة ، إلا أني رأيت أبا بكر بن الأنباري خرج النصب على وجهين :
أحدهما : أن « الواو » بمعنى « الفاء » ، والتقدير : يا يلتنا نرد فلا نكذب ونكون ، فتكون « الواو » هنا يمنزلة « الفاء » في قوله : { أو تقول حين ترى العذاب لو أن لي كرة فأكون من المحسنين } [ الزمر : 58 ] . يؤكد هذا قراءة ابن مسعود ، وابن أبي اسحاق « يا ليتنا نرد فلا نكذب » بالفاء [ منصوبا ] .
والوجه الآخر : النصب على الصرف ، ومعناه الحال ، أي : يا ليتنا نرد غي مكذبين .
أما قراءة ابن عامر - برفع الأول ونصب الثاني - فظاهرة بما تقدم؛ لأن الأول يرتفع على حد ما تقدم من التأويلات ، وكذلك نصب الثاني يتخرج على ما تقدم ويكون قد أدخل عدم التكذيب في التمني أو إستأنفه ، إلا أن المنصوب يحتمل أن يكون من تمام قوله : « نرد » أي : تمنوا الرد مع كونهم من المؤمنين ، وهذا ظاهر إذا جعلنا : « ولا نكذب » معطوفا على « نرد » أو حالا منه .
وأما إذا جعلنا « ولا نكب » مستأنفا ، فيجوز ذلك أيضا ، ولكن على سبيل الاعتراض ، ويحتمل أن يكون من تمام « ولا نكذب » أي : لا يكون منا تكذيب مع كوننا من المؤمنين في التمني ، أو أستأنفه ويكون قوله : « ولا نكذب » حينئذ على حاله ، أعني من احتماله العطف على « نرد » أو الحالية ، أو الاستئناف ، ولا يخفى حينئذ دخول كونهم مع المؤمنين في التمني وخروجه منه بما تقدم تقريره .

(6/397)


وقرئ شاذا عكس قراءة ابن عامر ، بنصب « نكذب » ، ورفع « نكون » ، وتخريجها على ما تقدم إلا أنها يضعف فيها جعل « ونكون من المؤمنين » حالا لكونه مضارعا مثبتا إلا بتأويل بعييد ، كقوله : [ المتقارب ]
2141- . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... نجوت وأرهنهم مالكا
أي : وأنا أرهنهم ، وقولهم : « قمت وأصك عينه » ، ويدل على حذف هذا المبتدأ قراءة أبي : « ونحن نكون من المؤمنين » .
فصل في تحرير معنى الرد
معنى الآية الكريمة : أنهم تمنوا الرد إلى حالة التكليف ، لأن لفظ « الرد » إذا استعمل في المستقبل في حال إلى حال ، فالمعهود منه الرد إلى الحالة الأولى ، فإن الظاهر من صدر عنه تقصيرن ثم عاين الشدائد والأهوال من ذلك التقصير أنه يتمنى الرد إلى الحالة الأولى؛ ليسعى في إزالة جميع وجوه التقصيرات ، وذلك التدارك لا يحصل بالعود إلى الدنيا فقط ولا بترك التكذيب فقط ، ولا بعمل الإيمان ، بل إنما يحصل التدارك بمجموع هذه الأمور الثلاثة ، فوجب إدخال هذه الثلاثة تحت التمني .
فإن قيل : كيف يحسن تمني الرد مع أنهم يعلمون أن الرد لا يحصل ألبتة؟
والجواب من وجهين :
أحدهما : لعلهم [ لم ] يعلموا أن الرد لا يحصل [ ألبتة ] ؟
والثاني : أنهم وإن علموا أن ذلك لا يحصل إلا أن هذا العلم لا يمنع من حصول إراة الرد ، كقوله تبارك وتعالى : { يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها } [ المائدة : 37 ] وقوله تعالى : { أن أفيضوا علينا من المآء أو مما رزقكم الله } [ الأعراف : 50 ] فلما صح أن يريدوا هذه الأشياء مع العلم بأنها لا تحصل ، فبأن يتمنونه أقربن لأن باب التمني أوسع .

(6/398)


بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون (28)

« بل » هنا للانتقال من قصة إلى أخرى ، وليست للإبطال ، وعبارة بعضهم توهم أن فيها إبطالا لكلام الكفرة ، فإنه قال : « بل » رد لما تمنوه أي : ليس الأمر على ما قالوه؛ لأنهم لم يقولوا ذلك رغبة منهم في الإيمان ، بل قالوه إشفاقا من العذاب وطمعا في الرحمة .
قال أبو حيان : « ولا أدري ما هذا الكلام » .
قال شهاب الدين : ولا أدري ما وجه عدم الدراية منه؟ وهو كلام صحيح ف نفسهن فإنهم لما قالوا : ياليتنا كأنهم قالوا تمنينا ، ولكن هذا التمني ليس بصحيح ، لأنهم إنما قالوه تقية ، فق يتمنى الإنسان شيئا بلسانه ، وقلبه فارغ منه .
وقال الزجاج - رحمه الله تعالى - : « بل » هنا استدارك وإيجاب نفي ، كقولهم : « ما قام زيد بل قام عمرو » .
وقال أبو حيان : « ولا أدري ما النفي الذي سبق حتى توجبه بل » ؟ قال شهاب الدين - رحمه الله تعالى - : الظاهر أن النفي الذي أراده الزجاج هو الذي في قوله : « ولا نكذب بآيات ربنا » إذا جعلناه مستأنفا على تقدير : ونحن لا نكذب ، والمعنى : بل إنهم مكدبون .
وفاعل « بدا » قوله : « ما كانوا » ، و « ما » يجوز أ ، تكون موصلة اسمية وهو الظاهر ، أي : ظهر لهم الذي كانوا يخفونهن والعائد محذوف ، ويجوز أن تكون مصدرية ، أي : ظهر لهم إخفاؤهم ، أي : عاقبته ، أو أطلق المصدر على اسم المفعول ، وهو بعيد ، والظاهر أن الضميرين : أعني المجرور والمرفوع في قوله : { بدا لهم ما كانوا يخفون } عائدان على شيء واحدن وهم الكفار أو اليهود والنصارى خاصة .
وقيل : المجرور للأتباع والمرفوع للرؤساء ، أي : بل بدا للأتباع ما كان الوجهاء المتبوعون يخفونه .
فتشهد عليهم بالكفر ، فذلك حين بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل .
قال الواحدي : وعلى هذا القول أهل التفسير .
وقال المبرد : بدا لهم وبال عقائدهم وأعمالهم وسوء عاقبتها .
وقال الزجاج : بدا للأتباع ما أخفاه الرؤساء عنهم من أمر البعث والنشور ، قال : ويدل [ على ذلك ] أنه - تبارك وتعالى0 ذكر عقيبه : وقالوا { إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما نحن بمبعوثين } [ المؤمنون : 37 ] وهذا قول الحسن .
وقال بعضهم : هذا في المنافقين كانوا يسرون الكفر ، ويظهرون الإسلام ، وبدا لهم يوم القيامة ، وهو ما كانوا يخفون من قبل .
وقيل : بدا لهم ما كان علماؤهم يخفون من جحد نبوة الرسول عليه الصلاة والسلام ونعته والبشارة به ، وما كانوا يحرفون من التوراة .
قوله : « ولو ردوا » قرأ الجمهور بضم الراء خالصا .
وقرأ الأعمش ، ويحيى بن وثاب ، وإبراهيم : « ردوا » بكسرها خالصا .

(6/399)


وقد مر أن الفعل المضاعف العين واللام يحوز في فائه إذا بني للمفعول ثلاثة الأوجه المذكورة في « فاء » الثلاثي المعتل العين إذا بني للمفعول ، نحو : قيل وبيع ، وقد تقدم [ ذلك ] .
وقال الشاعر : [ الطويل ]
2142-وما حل جهل حبا حلمائنا ... ولا قائل المعروف فينا يعنف
بكسر الحاء .
قوله : « وإنهم لكاذبون » تقدم الكلام على هذه الجملة : هل هي مستأنفة أو راجعة إلى قوله : « يا ليتنا نرد » ؟ .
فصل
والمعنى أنه - تبارك وتعالى- لو ردهم لم يحصل منهم ترك التكذيب وفعل الإيمان ، بل كانوا يستمرون على طريقتهم الأولى .
فإن قيل : إن أهل القيامة قد عرفوا الله بالضرورة [ وشاهدو أنواع ] العقاب ، فمع هذا الأهوال كيف [ يمكن ] أن يقال : إنهم يعودون إلى الكفرش والمعصية .
فالجواب : قال القاضي : تقديره : ولو ردوا إلى حالة التكليف ، وإنما يحصل الرد [ إلى ] هذه الحالة ، إذا لم يحصل في القيامة معرفة االله بالضرورة ، ولم يحصل هناك مشاهدة الأهوال وعذاب جهنم ، فهذا الشرط يكون مضمرا لا محالة .
وهذا الجواب ضعيف ، لأن المقصود من الآية الكريمة بيان غلوهم في الإصرار على الكفر ، وعدم رغبتهم في الإيمان ، فلو قدرنا عدم معرفة الله في القيامة وعدم مشاهدة الأهوال لم يكون إصرارهم على كفرهم الأول مزيد تعجب ، وإذا لم يكن اعتبار هذا الشرط الذي ذكره القاضي .
وقال الواحدي - رحمه الله تعالى- : هذه الآية الكريمة من أظهر الدلائل على فساد قول المعتزلة؛ لأن الله تبارك وتعالى- بين أنهم لو شاهدوا النار والعذاب ، ثم سألوا الرجعة وردوا إلى الدنيا لعادوا إلى الشرك ، وذلك للقضاء السابق فيهم ، وإلا فالعاقل لا يرتاب فيما شاهد .
قال القرطبي : وقد عاين إبليس ما عاين من آيات الله تبارك وتعالى ثم عاند .

(6/400)


وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين (29)

قوله : { وقالوا } هل هذه الجملة معطوفة على جواب « لو » والتقدير ولو ردوا لعادوا [ ولقالوا ] ، أو هي مستأنفة ليس داخلة في خبر ، أو هي معطوفة على قوله : { وإنهم لكاذبون } [ الأنعام : 28 ] ثلاثة أوجه :
ذكر الزمخشري الوجهين الأول والأخير ، فإنه قال : « وقالوا » عطف على « لعادوا » ، أي لو ردوا لكفروا ، ولقالوا : إن هي إلا حياتنا الدنيا ، كما كانوا يقولون قبل معاينة القيامة ، ويجوز أن يعطف على قوله : « وإنهم لكاذبون » [ على معنى : وإنهم لقوم كاذبون ] في كل شيء .
والوجه الأول منقول عن ابن زيد ، إلا أن ابن عطية رده فقال : وتوقيف الله - تعالى- لهم في الآية بعدها فيه دلالة على البعث والإشارة إليه بقوله : « أليس هذا بالحق » يرد على هذا التأويل ، وقد يجاب عن هذا باختلاف حالين : فإن إقرارهم بالبعث حقيقة ، إنما هو في الآخرة ، وإنكارهم ذلك إنما هو في الدنيا بتقدير عودهم إلى الدنيا ، فاعرافهم به في الدار الأخرة غير مناف لإنكارهم إياه في الدينا .
قوله : { إن هي إلا حياتنا } « إن » نافية ، و « هي » مبتدأ و « حياتنا » خبرها ، ولم يكتفوا بمجرد الإخبار بذلك حتى أبرزوها محصورة في نفي وإثبات ، و « هي » ضمير مبهم يفسره خبره ، أي : ولا نعلم ما يراد به إلا بذكر خبره ، وهو من الضمائر التي يفسرها ما بعدها لفظا ورتبة وقد تقدم ذلك عند قوله : { فسواهن سبع سماوات } [ البقرة : 29 ] وكون هذا مما يفسره ما بعده لفظا ورتبة فيه نظر ، إذ لقائل أن يقول : « هي » تعود على شيء دل على سياق الكلام ، كأنهم قالوا : إن العادة المستمرة ، أو إن حالتنا وما عهدنا إلا حياتنا الدنيا ، واستند هذا القائل إلى قول الزمخشري : « هذا ضمير لا يعلمم ما يراد به إلا بذكر ما بعده » .
ومثل الزمخشري بقول العرب « هي النفس تتحمل ما حملت » و « هي العرب تقول ما شاءت » . وليس فيما قاله الزمخشري دليل على أن الخبر مفسر للضمير .
ويجوز أن يكون المعنى : إن الحياة إلا حياتنا الدنيا ، فقوله « إلا حياتنا الدنيا » دال على ما يفسر الضمير ، وهو الحياة مطلقا ، فصدق عليه أنه لا يعلم ما يراد ما يعود عليه الضمير إلا بذكر ما بعده من هذه الحيثية لا من حيثية التفسير ، ويدل على ما قلنا قول أبي البقاء - رحمه الله تعالى - : هي كناية عن الحياة ، ويجوز أن يكون ضمير القصة .
قال شهاب الدين - رحمه الله تعالى - : أما أول كلامه فصحيح ، وأما آخره وهو قوله : « إن هي ضمير القصة » فليس بشيء؛ لأن ضمير القصة لا يفسر إلا بجملة مصرح بجزأيها .

(6/401)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية