صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : تفسير القشيري
المؤلف : القشيري
مصدر الكتاب : موقع التفاسير
http://www.altafsir.com
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا (32)

أي إنما أنزلناه متفرقا ليسهل عليك حفظه؛ فإنه كان أميا لا يقرا الكتب ، ولأنه لو كان دفعة واحدة لم يتكرر نزول جبريل عليه السلام بالرسالة إليه في كل وقت وكل حين . . . وكثرة نزوله كانت أوجب لسكون قلبه وكمال روحه ودوام أنسه ، فجبريل كان يأتي في كل وقت بما كان يقتضيه ذلك الوقت من الكوائن والأمور الحادثة ، وذلك أبلغ في كونه معجزة ، وأبعد عن التهمة من أن يكون من جهة غيره ، أو أن يكون بالاستعانة بمن سواه حاصلا .

(5/371)


ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا (33)

كان الجواب لما يوردونه على جهة الاحتجاج لهم مفحما ، ولفساد ما يقولونه موضحا ، ولكن الحق - سبحانه - أجرى السنة بأنه لم يزد ذلك للمسلمين إلا شفاء وبصيرة ولهم إلا عمى وشبهة .
ثم أخبر عن حالهم من مآلهم .

(5/372)


الذين يحشرون على وجوههم إلى جهنم أولئك شر مكانا وأضل سبيلا (34)

يحشرون على وجوههم وذلك أمارة لإهانتهم ، وإن في الخبر : « الذين أمشاهم اليوم على أقدامهم يمشيهم غدا على وجوههم » وهو على ذلك قادر ، وذلك منه غير مستحيل .

(5/373)


ولقد آتينا موسى الكتاب وجعلنا معه أخاه هارون وزيرا (35) فقلنا اذهبا إلى القوم الذين كذبوا بآياتنا فدمرناهم تدميرا (36)

قلما يجري في القرآن لنبينا - صلى الله عليه وسلم - ذكر إلا ويذكر الله عقيبه موسى عليه السلام . وتكررت قصته في القرآن في غير موضع تنبيها على علو شأنه ، لأنه كما أن التخصيص بالذكر يدل على شرف المذكور فالتكرير في الذكر يوجب التفصيل في الوصف؛ لأن القصة الواحدة إذا أعيدت مرات كثيرة كانت في باب البلاغة أتم لا سيما إذا كانت في كل مرة فائدة زائدة .
ثم بين أنه قال لهما : { فقلنا اذهبآ إلى القوم الذين كذبوا بآياتنا فدمرناهم تدميرأ }
أي فذهبا فجحد القوم فدمرناهم تدميرا أي أهلكناهم إهلاكا ، وفي ذلك تسلية للنبي - صلى الله عليه وسلم - فيما كان يقاسيه من قومه من فنون البلاء ، ووعد له بالجميل في أنه سيهلك أعداءه كلهم .

(5/374)


وقوم نوح لما كذبوا الرسل أغرقناهم وجعلناهم للناس آية وأعتدنا للظالمين عذابا أليما (37)

أحللنا بهم العقوبة كما أحللنا بأمثالهم ، وعاملناهم بمثل معاملتنا لقرنائهم . ثم عقب هذه الآيات بذكر عاد وثمود وأصحاب الرس ، ومن ذكرهم على الجملة من غير تفصيل ، وما أهلك به قوم لوط حيث عملوا الخبائث . . . كل ذلك تطييبا لقلبه صلى الله عليه وسلم ، وتسكينا لسره ، وإعلاما وتعريفا بأنه سيهلك من يعاديه ، ويدمر من يناويه ، وقد فعل من ذلك الكثير في حال حياته ، والباقي بعد مضيه - عليه السلام - من الدنيا وذهابه .

(5/375)


وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي بعث الله رسولا (41)

كانت تكون له سلوة لو ذكر حالته وشكا إليه قصته ، فإذا أخبر الله وقص عليه ما كان يلاقيه كان أوجب للسلوة وأقرب من الأنس ، وغاية سلوة أرباب المحن أن يذكروا لأحبائهم ما لقوا في أيام امتحانهم كما قال قائلهم :
يود بأن يمشي سقيما لعلها ... إذا سمعت منه بشكوى تراسله
ويهتز للمعروف في طلب العلى ... لتذكر يوما عند سلمى شمائله
وأخبر أنهم كانوا ينظرون إليه - عليه السلام بعين الازدراء ولاتصغير لشأنه؛ لأنهم كانوا لا يعرفون قدره ، قال تعالى : { وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون } [ الأعراف : 198 ] .

(5/376)


أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا (43)

كانوا يعبدون من الأصنام ما يهوون؛ يستبدلون صنما بصنم ، وكانوا يجرون على مقتضى ما يقع لهم . والمؤمن بحكم الله لا بحكم نفسه ، وبهذا يتضح الفرقان بين رجل وبين رجل . والذي يعيش على ما يقع له فعابد هواه ، وملتحق بالذين ذكرهم الحق بالسوء في هذه الآية .

(5/377)


أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا (44)

كالأنعام التي ليس لها هم إلا في أكلة وشربة ، ومن استجلب حظوظ نفسه فكالبهائم . وإن الله - سبحانه - خلق الملائكة وعلى العقل جبلهم ، والبهائم وعلى الهوى فطرهم ، وبنى آدم وركب فيهم الأمرين؛ فمن غلب هواه عقله فهو شر من البهائم ، ومن غلب عقله هواه فهو خير من الملائكة . . . كذلك قال المشايخ .

(5/378)


ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ولو شاء لجعله ساكنا ثم جعلنا الشمس عليه دليلا (45) ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا (46)

قيل نزل الرسول - صلى الله عليه وسلم - في بعض أسفاره وقت القيلولة في ظل شجرة وكانوا خلقا كثيرا فمد الله ظل تلك الشجرة حتى وسع جميعهم وكانوا كثيرين ، فأنزل الله هذه الآية ، وكان ذلك من جملة معجزاته عليه السلام .
وقيل إن الله في ابتداء النهار قبل طلوع الشمس يجعل الأرض كلها ظلا ، ثم إذا طلعت الشمس وانبسط على وجه الأرض شعاعها فكل شخص يبسط له ظل ، ولا يصيب ذلك الموضع شعاع الشمس ، ثم يتناقض إلى وقت الزوال ، ثم يأخذ في الزيادة وقت الزوال . وذلك من أمارات قدرة الله تعالى؛ لأنه أجرى العادة بخلق الظل والضوء والفيء .
قوله : { ولو شآء لجعله ساكنا } : أي دائما : { ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا } ؛ أي حال ارتفاع الشمس ونقصان الظل .
ويقال : ألم تر إلى ربك كيف مد ظل العناية على أحوال أوليائه؛ فقوم هم في ظل الحماية ، وآخرون في ظل الرعاية ، وآخرون في ظل العناية ، والفقراء في ظل الكفاية ، والأغنياء في ظل الراحة من الشكاية .
ظل هو ظل العصمة ، وظل هو ظل الرحمة؛ فالعصمة للأنبياء عليهم السلام ثم للأولياء ، والرحمة للمؤمنين ، ثم في الدنيا لكافة الخلائق أجمعين . ويقال قوله للنبي صلى الله عليه وسلم : { ألم تر إلى ربك } ثم قوله { كيف مد الظل } سترا لما كان كاشفه به أولا ، إجراء للسنة في إخفاء الحال عن الرقيب . قال لموسى عليه السلام : { لن ترانى } [ الأعراف : 143 ] وقال لنبينا عليه السلام : { ألم تر إلى ربك } وشتان ماهما!
ويقال أحيا قلبه بقوله : { ألم تر إلى ربك } إلى أن قال : { كيف مد الظل } فجعل استقلاله بقوله : { ألم تر إلى ربك } إلى أن سمع ذكر الظل . ويقا أحياه بقوله : { ألم تر إلى ربك } ثم أفناه بقوله : { كيف مد الظل } وكذا سنته مع عباده؛ يرددهم بين إفناء وإبقاء .

(5/379)


وهو الذي جعل لكم الليل لباسا والنوم سباتا وجعل النهار نشورا (47)

قوله جل ذكره : { وهو الذى جعل لكم اليل لباسا والنوم سباتا وجعل النهار نشورا } جعل الليل وقتا لسكون قوم ووقتا لأنزعاج آخرين؛ فأرباب الغفلة يسكنون في ليلهم ، والمحبون يسهرون في ليلهم إن كانوا في روح الوصال ، فلا يأخذهم النوم لكمال أنسهم ، وإن كانوا في ألم الفراق فلا يأخذهم النوم لكمال قلقهم ، فالسهر للأحباب صفة : إما لكمال السرور أو لهجوم الهموم . ويقال جعل النوم للأحباب وقت التجلي بما لا سبيل إليه في اليقظة ، فإذا رأوا ربهم في المنام يؤثرون النوم على السهر ، قال قائلهم :
وإني لأستغفي وما بي نعسة ... لعل خيالا منك يلقى خياليا
وقال قائلهم :
رأيت سرور قلبي في منامي ... فأحببت التنعس والمناما
ويقال النوم لأهل الغفلة عقوبة ولأهل الاجتهاد رحمة؛ فإن الحق - سبحانه - يدخل عليهم النوم ضرورة رحمة منه بنفوسهم ليستريحوا من كد المجاهدة .

(5/380)


وهو الذي أرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته وأنزلنا من السماء ماء طهورا (48) لنحيي به بلدة ميتا ونسقيه مما خلقنا أنعاما وأناسي كثيرا (49) ولقد صرفناه بينهم ليذكروا فأبى أكثر الناس إلا كفورا (50)

قوله جل ذكره : { وهو الذى أرسل الرياح بشرا بين يدى رحمته وأنزلنا من السمآء مآء طهورا } .
يرسل رياح الكرم فتهب على قلوب ذوي الحاجات فتزعجها إلى طلب مباره ، ويرسل رياح الولاية فتهب على قلوب الخواص فتطهرها من جميع الإرادات فتكفى بالله لله ، ويرسل رياح الخوف على قلوب العصاة فتحملهم على الندم ، وتطهرها من الإصرار فترجع إلى التوبة ، ويرسل رياح الاشتياق على قلوب الأحباب ، فتزعجها عن المساكنات ، وتطهرها عن كل شيء إلا عن اللواعج فلا يستقر إلا بالكشف والتجلي .
ويقال إذا تنسم القلب نسيم القرب هام في ملكوت الجلال ، وامتحى عن كل مرسوم ومعهود .
قوله جل ذكره : { وأنزلنا من السمآء مآء طهورا لنحى به بلدة ميتا ونسقيه مما خلقنآ أنعاما وأناسى كثيرا ولقد صرفناه بينهم ليذكروا فأبى أكثر الناس إلا كفورا } .
أنزل من السماء ماء المطر فأحيا به الغياض والرياض ، وأنبت به الأزهار والأنوار ، وأنزل من السماء ماء الرحمة فغسل العصاة ما تلطخوا به من الأوضار ، وما تدنسوا به من الأوزار .
و { الطهور } هو الطاهر المطهر ، وماء الحياء يطهر قلوب العارفين عن الجنوح إلى المساكنات وما يتداخلها في بعض الأحيان من الغفلات . وماء الرعاية يحيي به قلوب المشتاقين بما يتداركها من أنوار التجلي حتى يزول عنها عطش الاشتياق ويحصل فيها من سكينة الاستقلال ، ويحيي به نفوسا ميتة باتباع الشهوات فيردها إلى القيام بالعبادات .

(5/381)


ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرا (51)

إن الله - سبحانه - خص نبينا صلى الله عليه وسلم بأن فضله على الكافة ، وأرسله إلى الجملة ، وبألا ينسخ شرعه إلى الأبد . وبهذه الآية أدبه بأدق إشارة ، حيث قال : { ولو شئنا لبعثنا فى كل قرية نذيرا } وهذا كما قال : { ولئن شئنا لنذهبن بالذى أوحينآ إليك } [ الإسراء : 86 ] .
وقصد الحق أن يكون خواص عباده أبدا معصومين عن شواهدهم .
وفي القصة أن موسى عليه السلام تبرم وقتا بكثرة ما كان يسأل ، فأوحى الله في ليلة واحدة إلى ألف نبي من بني إسرائيل فأصبحوا رسلا ، وتفرق الناس عن موسى عليه السلام إليهم عليهم السلام ، فضاق قلب موسى وقال : يا رب ، إني لا أطيق ذلك! فقبض الله أرواحهم في ذلك اليوم .

(5/382)


فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهادا كبيرا (52)

أي كن قائما بحقنا من غير أن يكون منك جنوح إلى غيرنا أو مبالاة بمن سوانا ، فإنا نعصمك بكل وجه ، ولا نرفع عنك ظل عنايتنا بحال .

(5/383)


وهو الذي مرج البحرين هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج وجعل بينهما برزخا وحجرا محجورا (53)

البحر الملح لا عذوبة فيه ، والعذب لا ملوحة فيه ، وهما في الجوهرية واحد ، ولكنه سبحانه - بقدرته - غاير بينهما في الصفة ، كذلك خلق القلوب؛ بعضها معدن اليقين والعرفان ، وبعضها محل الشك والكفران .
ويقال أثبت في قلوب المؤمنين الخوف والرجاء ، فلا الخوف يغلب الرجاء ولا الرجاء يغلب الخوف .
ويقال خلق القلوب على وصفين : قلب المؤمن مضيئا مشرقا وقلب الكافر أسود مظلما ، هذا بنور الإيمان مزين ، وهذا بظلمة الجحود معلم .
ويقال قلوب العوام في أسر المطالب ورغائب الحظوظ ، وقلوب الخواص معتقة عن المطالب ، مجردة عن رق الحظوظ .

(5/384)


وهو الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا وكان ربك قديرا (54)

الخلق متشاكلون في أصل الخلقة ، متماثلون في الجوهرية ، متباينون في الصفة ، مختلفون في الصورة؛ فنفوس الأعداء مطاياهم تسوقهم إلى النار ، ونفوس المؤمنين مطاياهم تحملهم إلى الجنة . والخلق بشر . . ولكن ليس كل بشر كبشر؛ واحد عدو لا يسعى إلا من مخالفته ، ولا يعيش إلا بنصيبه وحظه ، ولا يحتمل الرياضة ولا يرتقي عن حد الوقاحة والخساسة ، وواحد ولي لا يفتر عن طاعته ، ولا ينزل عن همته ، فهو في سماء تعززه بمعبوده .
وبينهما للناس مناهل ومشارب؛ فواحد يكون .

(5/385)


ويعبدون من دون الله ما لا ينفعهم ولا يضرهم وكان الكافر على ربه ظهيرا (55)

يكتفي بالمنحوت من الخشب ، والمصنوع من الصخر ، والمتخذ من النحاس ، وكلها جمادات لا تعقل ولا تسمع ، ولا تضر ولا تنفع .
أما المؤمن فإن من صفاته أنه لا يلتفت إلى العرش - وإن علا ، ولا ينقاد بقلبه لمخلوق - وإن اتصف بمناقب لا تحصى .

(5/386)


وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا (56)

رسولا منا ، مأمورا بالإنذار والتبشير ، واقفا حيث وقفناك على نعت التبليغ ، غير طالب منهم أجرا ، وغير طامع في أن تجد منهم حظا .

(5/387)


قل ما أسألكم عليه من أجر إلا من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا (57)

{ إلا } أداة استثناء منقطع؛ إذ ابتغاؤهم السبيل إلى ربهم ليس بأجر يأخذه منهم ، فهو لمن أقبل بشير ، ولمن أعرض نذير .

(5/388)


وتوكل على الحي الذي لا يموت وسبح بحمده وكفى به بذنوب عباده خبيرا (58)

قوله جل ذكره : { وتوكل على الحى الذى لا يموت } .
التوكل تفويض الأمور إلى الله وحقه وأصله علم العبد بأن الحادثات كلها حاصلة من الله تعالى ، وأنه لا يقدر أحد على الإيجاد غيره .
فإذا عرف هذا فهو فيما يحتاج إليه - إذا علم أن مراده لا يرتفع إلا من قبل الله - حصل له أصل التوكل . وهذا القدر فرض ، وهو من شرائط الإيمان ، فإن الله تعالى يقول : { وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين } [ المائدة : 23 ] وما زاد على هذا القدر - وهو سكون القلب وزوال الانزعاج والاضطرار - فهي أحوال تلحق بالتوكل على وجه كماله .
فإن تقرر هذا فالناس في الاكتفاء والسكون على أقسام ، ولكل درجة من هذه الأقسام اسم : إما من حيث الاشتقاق ، أو من حيث الاصطلاح .
فأول رتبة فيه أن يكتفي بما فيه يده ، ولا يطلب زيادة عليه ، ويستريح قلبه من طلب الزيادة . . وتسمى هذه الحالة القناعة ، وفيها يقف صاحبها حيث وقف ، ويقنع بالحاصل له فلا يستزيد ثم اكتفاء كل أحد يختلف في القلة والكثرة ، وراحة قلوب هؤلاء في التخلص من الحرص وإرادة الزيادة .
ثم بعد هذا سكون القلب في حالة عدم وجود الأسباب ، فيكون مجردا عن الشيء ، ويكون في إرادته متوكلا على الله . وهؤلاء متباينون في الرتبة ، فواحد يكتفي بوعده لأنه صدقه في ضمانه ، فيسكن - عند فقد الأسباب - بقلبه ثقة منه بوعد ربه . . ويسمى هذا توكلا ، ويقال على هذا : إن التوكل سكون القلب بضمان الرب ، أو سكون الجاش في طلب المعاش ، أو الاكتفاء بوعده عند عدم نقده ، أو الاكتفاء بالوعد عند فقد النقد .
وألطف من هذا أن يكتفي بعلم أنه يعلم حاله فيشتغل بما أمره الله؛ ويعمل على طاعته؛ ولا يراعي إنجاز ما وعده؛ بل يكل أمره إلى الله . . وهذا هو التسليم .
وفوق هذا التفويض ، وهو أن يكل أمره إلى الله . ولا يقترح على مولاه بحال ، ولا يختار؛ ويستوي عند وجود الأسباب وعدمها؛ فيشتغل بأداء ما ألزمه الله؛ ولا يفكر في حال نفسه؛ ويعلم أنه مملوك لمولاه؛ والسيد أول بعبده من العبد بنفسه .
فإذا ارتقى عن هذه الحالة وجد راحة في المنع؛ واستعذب ما يستقبله من الرد . . . وتلك هي مرتبة الرضا؛ ويصلح له في هذه الحالة من فوائد الرضا ولطائفه ما لا يحصل لمن دونه من الحلاوة في وجود المقصود .
وبعد هذا الموافقة؛ وهي ألا يجد الراحة في المنع ، بل يجد بدل هذا عند نسيم القرب زوائد الأنس بنسيان كل أرب ، ونيسان وجود سبب أو عدو وجود سبب؛ فكما أن حلاوة الطاعة تتصاغر عند برد الرضا - وأصحاب الرضا يعدون ذلك حجابا - فكذلك أهل الأنس بالله .

(5/389)


بنسيان كل فقد ووجد ، وبالتغافل عن أحوالهم في الوجود والعدم يعدون النزول إلى استلذاذ المنع ، والاستقلال بلطائف نقصانا في الحال .
ثم بعد هذا استيلاء سلطان الحقيقة فيؤخذ العبد عن جملته بالكلية ، والعبارة عن هذه الحالة أنه يحدث الخمود والاستهلاك والوجود والاصطلام والفناء . . وأمثال هذا ، وذلك هو عين التوحيد ، فعند ذلك لا أنس ولا هيبة ، ولا لذة ولا راحة ، ولا وحشة ولا آفة .
هذا بيان ترتيبهم فأما دون ذلك فالخبر عن أحوال المتوكلين - على تباين شربهم . - يختلف على حسب اختلاف على حسب اختلاف محالهم .
فيقال شرط التوكل أن يكون كالطفل في المهد؛ لا شيء من قبله إلا أن يرضعه من هو في حضانته .
ويقال التوكل زوال الاستشراف ، وسقوط الطمع ، وفراغ القلب من تعب الانتظار .
ويقال التوكل السكون عند مجاري الأقدار على اختلافها .
ويقال إذا وثق القلب بجريان القسمة لا يضره الكسب ، ولا يقدح في توكله .
ويقال عوام المتوكلين إذا أعطوا شكروا ، وإذا منعوا صبروا . وخواصهم إذا أعطوا آثروا ، وإذا منعوا شكروا .
ويقال الحق يجود على الأولياء - إذا توكلوا - بتيسير السبب من حيث يحتسب ولا يحتسب ، ويجود على الأصفياء بسقوط الأرب . . . وإذا لم يكن الأرب فمتى يكون الطلب؟
ويقال التوكل في الأسباب الدنيوية إلى حد ، فأما التوكل على الله في إصلاحه - سبحانه - أمور آخرة العبد فهذا أشد غموضا ، وأكثر خفاء . فالواجب في الأسباب الدنيوية أن يكون السكون عن طلبها غالبا ، والحركة تكون ضرورة . فأما في أمور الآخرة وما يتعلق بالطاعة فالواجب البدار والجد والانكماش ، والخروج عن أوطان الكسل والجنوح إلى الفشل .
والذي يتصف بالتواني في العبادات ، ويتباطؤ في تلافي ما ضيعه من أرضاء الخصوم والقيام بحق الواجبات ، ثم يعتقد في نفسه أنه متوكل على الله وأنه - سبحانه - يغفو عنه فهو متهمب معلول الحال ، ممكور مستدرج ، بل يجب أن يبذل جهده ، ويستفرغ وسعه . ثم بعد ذلك لا يعتمد على طاعته ، ولا يستند إلى سكونه وحركته ، ويتبرأ بسره من حوله وقوته . ثم يكون حسن الظن بربه ، ومع حسن ظنه بربه لا ينبغي أن يخلو من مخافته ، اللهم إلا أن يغلب على قلبه ما يشغله في الحال من كشوفات الحقائق عن الفكرة في العواقب؛ فإن ذلك - إذا حصل - فالوقت غالب ، وهو أحد ما قيل في معاني قولهم : الوقت سيف .

(5/390)


الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش الرحمن فاسأل به خبيرا (59)

قوله جل ذكره : { الذى خلق السماوات والأرض وما بينهما فى ستة أيام ثم استوى على العرش } .
انتظم به الكون - والعرش من جملة الكون - ولم يتجمل الحق - سبحانه - بشيء من إظهار بريته؛ فعلوه على العرش بقهره وقدرته ، واستواؤه بفعل خص به العرش بتسوية أجزائه وصورته .

(5/391)


وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن أنسجد لما تأمرنا وزادهم نفورا (60)

أقبل الحق - سبحانه - بلطفه وبفضله على أقوام فلذلك وجدوه ، وأعرض عن آخرين بتكبره وتعززه فلذلك جحدوه؛ فطرهم على سمة البعد ، وعجن طينتهم بماء الشقاوة والصد؛ فلما أظهرهم ألبسهم صدار الجهل والجحد .

(5/392)


تبارك الذي جعل في السماء بروجا وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا (61)

زين السماء الدنيا بمصابيح ، وخلق فيها البروج ، وبث فيها الكواكب ، وصان عن الفطور والتشويش أقطارها ومناكبها ، وأدار بقدرته أفلاكها ، وأدام على ما أراد إمساكها .
وكما أثبت في السماء بروجا أثبت في سماء قلوب أوليائه وأصفيائه بروجا؛ فبروج السماء معدودة وبروج القلب مشهودة .
وبروج السماء بيوت شمسها وقمرها ونجومها ، وبروج القلب مطالع أنوارها ومشارق شموسها ونجومها . وتلك النجوم هي نجوم القلوب كالعقل والفهم والبصيرة والعلم ، وقمر القلوب المعرفة .
قمر السماء له نقصان ومحاق ، وفي بعض الأحايين هو بدر بوصف الكمال ، وقمر المعرفة أبدا له إشراق وليس له نقصان أومحاق ، ولذا قال قائلهم :
دع الأقمار تخبو أو تنير ... لها بدر تذل له البدور
فأما شمس القلوب فهي التوحيد ، وشمس السماء تغرب ولكن شمس القلوب لا تغيب ولا تغرب ، وفي معناه قالوا :
إن شمس النهار تغرب بالليل ... وشمس القلوب ليست تغيب
ويصح أن يقال إن شمس النهار تغرب بالليل ، وشمس القلوب سلطانها في الضوء والطلوع بالليل أتم .

(5/393)


وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا (62)

الأوقات متجانسة ، وتفضيلها بعضها على بعض على معنى أن الطاعة في البعض أفضل والثواب عليها أكثر . والليل خلف النهار والنهار خلف الليل ، فمن وقع له في طاعة الليل خلل فإذا حضر بالنهار فذلك وجود جبرانه ، وإن حصل في طاعة النهار خلل فإذا حضر بالليل ففي ذلك إتمام لنقصانه .

(5/394)


وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما (63)

الذين استوجبوا رحمة الرحمن هم الذين وفقوا للطاعات ، فبرحمته وصلوا إلى التوفيق للطاعة . وعباد الرحمن الذين يستحقون غدا رحمته هم القائمون برحمته؛ فبرحمته وصلوا إلى طاعته . . . هكذا بيان الحقيقة ، وبطاعتهم وصلوا إلى جنته . . . هكذا لسان الشريعة .
ومعنى { هونا } متواضعين متخاشعين .
ويقال شرط التواضع وحده ألا يستحسن شيئا من أحواله ، حتى قالوا : إذا نظر إلى رجله لا يستحسن شسع نعله ، وعلى هذا القياس لا يساكن أعماله ، ولا يلاحظ أحواله .
قوله : { وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما } : قيل سداد المنطق؛ ويقال من خاطبهم بالقدح فهم يجاوبونه بالمدح له .
ويقال إذا خاطبهم الجاهلون بأحوالهم ، والطاعنون فيهم ، العائبون لهم قابلوا ذلك بالرفق ، وحسن الخلق ، والقول الحسن والكلام الطيب .
ويقال يخبرون من جفاهم أنهم في أمان من المجافاة .

(5/395)


والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما (64)

يبيتون لربهم ساجدين ، ويصبحون واجدين؛ فوجد صباحهم ثمرات سجود أرواحهم ، كذا في الخبر : « من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار » أي عظم ماء وجهه عند الله ، وأحسن الأشياء ظاهر بالسجود محسن وباطن بالوجود مزين .
ويقال متصفين بالسجود قياما بآداب الوجود .

(5/396)


والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غراما (65) إنها ساءت مستقرا ومقاما (66)

يجتهدون غاية الاجتهاد ، ويستفرغون نهاية الوسع ، وعند السؤال ينزلون منزلة العصاة ، ويقفون موقف أهل الاعتذار ، ويخاطبون بلسان التنصل كما قيل :
وما رمت الدخول عليه حتى ... حللت محلة العبد الذليل .

(5/397)


والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما (67)

الإسراف أن تنفق في الهوى وفي نصيب النفس ، فأما ما كان لله فليس فيه إسراف ، والإقتار ما كان ادخارا عن الله . فأما التضييق على النفس منعا لها عن اتباع الشهوات ولتتعود الاجتراء باليسير فليس بالاقتار المذموم .

(5/398)


والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما (68)

قوله جل ذكره : { والذين لا يدعون مع الله إلها ءآخر ولا يقتلون النفس التى حرم الله إلا بالحق ولا يزنون } .
{ إلها ءاخر } : في الظاهر عبادة الأصنام المعمولة من الأحجار ، المنحوتة من الأشجار .
وكما تتصف بهذا النفوس والأبشار فكذلك توهم المبار ولامضار من الأغيار شرك .
{ ولا يقتلون النفس } من النفوس المحرم قتلها على العبد نفسه المسكينة ، قال تعالى : { ولا تقتلوا أنفسكم } [ النساء : 29 ] وقتل النفس من غير حق تمكينك لها من اتباع ما فيه هلاكها في الآخرة؛ فإن العبد إذا لم ينه مأمور .
ثم دليل الخطاب أن تقتلها بالحق ، وذلك بذبحها بسكين المخالفات ، فما فلاحك إلا بقتل نفسك التي بين جنبيك .
قوله جل ذكره : { ومن يفعل ذلك يلق أثاما } .
يضاعف لهم العذاب يوم القيامة بحسرات الفرقة وزفرات الحرقة . وآخرون يضاعف لهم العذاب اليوم بتراكم الخذلان ووشك الهجران ودوام الحرمان . بل من كان مضاعف العذاب في عقباه فهو الذي يكون مضاعف العذاب في دنياه؛ جاء في الخبر : « من كان بحالة لقي الله بها » .

(5/399)


إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما (70)

إلا من تاب من الذنب في الحال؛ وآمن في المآل .
ويقال : { وءامن } أن نجاته بفضل الله لا بتوبته ، { وعمل صالحا } لا ينقض توبته .
ويقال إن نقض توبته عمل صالحا أي جدد توبته؛ { فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات } ويخلق لهم التوفيق بدلا من الخذلان .
ويقال يبدل الله سيئاتهم حسنات فيغفر لهم ويثيبهم على توبتهم .
ويقال يمحو ذلة زلاتهم ، ويثبت بدلها الخيرات والحسنات ، وفي معناه أنشدوا :
ولما رضوا بالعفو عن ذي زلة ... حتى أنالوا كفه وأفادوا

(5/400)


والذين لا يشهدون الزور وإذا مروا باللغو مروا كراما (72) والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صما وعميانا (73)

يستمكنون في مواطن الصدق لا يبرحون عنه ليلا ونهارا ، وقولا وفعلا . وإذا مروا بأصحاب الزلات ومساكن المخالفات مروا متمكنين معرضين لا يساكنون أهل تلك الحالة .
ويقال نزلت الآية في أقوام مروا - لما دخلوا مكة بأبواب البيوت التي كانوا يعبدون فيها الأصنام مرة - متكرمين دون أن يلاحظوها أو يلتفتوا إليها فشكر الله لهم ذلك .
ثم قال في صفتهم : { والذين إذا ذكروا بئايات ربهم لم يخروا عليها صما وعميانا } بل قابلوها بالتفكير والتأمل ، واستعمال النظر .

(5/401)


والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما (74)

قرة العين من به حياة الروح ، وإنما يكون كذلك إذا كان بحق الله قائما .
ويقال قرة العين من كان لطاعة ربه معانقا ، ولمخالفة أمره مفارقا .
{ واجعلنا للمتقين إماما } الإمام من يقتدى به ولا يبتدع .
ويقال إن الله مدح أقواما ذكروا رتبة الإمامة فسألوها بنوع تضرع ، ولم يدعوا فيها اختيارهم؛ فالإمامة بالدعاء لا بالدعوى ، فقالوا : { واجعلنا للمتقين إماما } .

(5/402)


أولئك يجزون الغرفة بما صبروا ويلقون فيها تحية وسلاما (75)

يعطي - سبحانه - كثير من عطائه ويعده قليلا ، ويقبل اليسير من طاعة العبد ويعده كثيرا عظيما ، يعطيهم الجنة؛ قصورا وحورا ثم يقول : { أولئك يجزون الغرفة } ويقبل اليسير من العبد فيقول : { فجآء بعجل سمين } [ الذاريات : 22 ] .
ليروه من غير تكلف نقل ، ولا تحمل قطع مسافة .
ويقال : { هل جزآء الإحسان إلا الإحسان } [ الرحمن : 60 ] : اليوم يحضر العبد بيته لأداء العبادة ، وينقل أقدامه إلى المساجد ، وغدا يجازيهم بأن يكفيهم قطع المسافة ، فهم على أرائكهم - في مستقر عزهم - يسمعون كلام الله ، وينظرون إلى الله .
قوله : { بما صبروا } أي صبروا عما نهوا عنه ، وصبروا على الأحكام التي أرجراها عليهم بترك اختيارهم ، وحسن الرضا بتقديره .

(5/403)


خالدين فيها حسنت مستقرا ومقاما (76)

مقيمين لا يبرحون منازلهم ، وفي أحولهم حسن مستقرهم مستقرا ، وحسن مقامهم مقاما .

(5/404)


قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم فقد كذبتم فسوف يكون لزاما (77)

لولا عبادتكم الأصنام ودعاؤكم إياها باستحقاق العبادة وتسميتكم لها آلهة . . . متى كان يخلدكم في النار؟
ويقال لولا تضرعكم ودعاؤكم بوصف الابتهال لأدام بكم البلاء ، ولكن لما أخذتم في الاستكانة والدعاء ، وتضرعتم رحمكم وكشف الضر عنكم .

(5/405)


طسم (1) تلك آيات الكتاب المبين (2)

ذكرنا فيما مضى اختلاف السلف في الحروف المقطعة؛ فعند قوم : الطاء إشارة إلى طهارة عزه وتقدس علوه ، والسين إشارة ودلالة على سناء جبروته ، والميم دلالة على مجد جلاله في آزله .
ويقال الطاء إشارة إلى شجرة طوبى ، والسين إلى سدرة المنتهى ، والميم إلى اسم محمد صلى الله عليه وسلم ؛ أي ارتقى محمد ليلة الإسراء عن شهوده شجرة طوبى حتى بلغ سدرة المنتهى ، فلم يساكن شيئا من المخلوقات في الدنيا والعقبى .
ويقال الطاء طرب أرباب الوصلة على بساط القرب بوجدان كما الروح ، والسين سرور العارفين بما كوشفوا به من بقاء الأحدية باستقلالهم بوجوده والميم إشارة إلى موافقتهم لله بترك التخير على الله ، وحسن الرضا باختيار الحق لهم .
ويقال الطاء إشارة إلى طيب قلوب الفقراء عند فقد الأسباب لكمال العيش بمعرفة وجود الرزاق بدل طيب قلوب العوام بوجود الأرفاق والأرزاق .
ويقال الطاء إشارة إلى طهارة أسرار أهل التوحيد ، والسين إشارة إلى سلامة قلوبهم عن مساكنة كل مخلوق ، والميم إشارة إلى منة الحق عليهم بذلك .

(5/406)


لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين (3)

أي لحرصك على إيمانهم ولإشفاقك من امتناعهم عن الإيمان فأنت قريب من أن تقتل نفسك من الأسف على تركهم الإيمان .
فلا عليك - يا محمد - فإنه لا تبديل لحكمنا؛ فمن حكمنا له بالشقاوة لا يؤمن .
ليس عليك إلا البلاغ؛ فإن آمنوا فبها ، وإلا فكلهم سيرون يوم الدين ما يستحقون .

(5/407)


إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين (4)

أخبر عن قدرته على تحصيل مراده من عباده ، فهو قادر على أن يؤمنوا كرها؛ لأن التقاصر عن تحصيل على تحصيل المراد يوجب النقص والقصور في الألوهية .

(5/408)


وما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث إلا كانوا عنه معرضين (5)

أي ما نجدد لهم شرعا ، وما نرسل لهم رسولا . . . إلا أعرضوا عن تأمل برهانه ، وقابلوه بالتكذيب . فلو أنهم أنعموا النظر في آيات الرسل لا تضح لهم صدقهم ، ولكن المقسوم لهم من الخذلان في سابق الحكم يمنعهم من الإيمان والتصديق . فقد كذبوا ، وعلى تكذيبهم أصروا ، فسوف تأتيهم عاقبة أعمالهم بالعقوبة الشديدة ، فيذوقون وبال شركهم .

(5/409)


أولم يروا إلى الأرض كم أنبتنا فيها من كل زوج كريم (7) إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين (8) وإن ربك لهو العزيز الرحيم (9)

فنون ما ينبت في الأرض وقت الربيع لا يأتي عليه الحصر ، ثم اختصاص كل شيء منها بلون وطعم ورائحة مخصوصة ، وكل شكل وهيئة ونور مخصوص ، وورق مخصوص . . . إلى ما تلطف عنه العبارة ، وتدق فيه الإشارة . وفي ذلك آيات لمن استبصر ، ونظر وفكر .
{ وإن ربك لهو العزيز } : القاهر الذي لا يقهر ، القادر الذي لا يقدر ، المنيع الذي لا يجبر . { الرحيم } : المحسن لعباده ، المريد لسعادة أوليائه .

(5/410)


وإذ نادى ربك موسى أن ائت القوم الظالمين (10) قوم فرعون ألا يتقون (11)

أخبر أنه لما أمره بالذهاب إلى فرعون لدعوته إلى الله علم أن شديد الخصومة ، قد غرته نفسه فهو لا يبالي بما فعل . وأخذ ( موسى ) يتعلل- لا على جهة الإباء والمخالفة - ولكن على وجه الاستعفاء والإقالة إلى أن علم أن الأمر به جزم ، والحكم به عليه حتم .

(5/411)


قال رب إني أخاف أن يكذبون (12) ويضيق صدري ولا ينطلق لساني فأرسل إلى هارون (13) ولهم علي ذنب فأخاف أن يقتلون (14) قال كلا فاذهبا بآياتنا إنا معكم مستمعون (15)

سأل موسى - عليه السلام - أن يشفعه بهارون ويشركه في الرسالة . وأخبر أنه قتل نفسا ، وأنه في حكم فرعون عليه دم ، فقال : { فأخاف أن يقتلون } إلى أن قال له الحق :
{ قال كلا فاذهبا بآياتنآ إنا معكم مستمعون }
{ كلا } حرف ردع وتنبيه؛ أي كلا أن يكون ذلك كما توهمت ، فارتدع عن تجويز ذلك ، وانتبه لغيره . إني معكما بالنصرة والقوة والكفاية والرحمة ، واليد ستكون لكما ، والسلطان سيكون لكما دون غيركما ، فأنا أسمع ما تقولون وما يقال لكم ، وأبصر ما يبصرون وما تبصرون أنتم .

(5/412)


فأتيا فرعون فقولا إنا رسول رب العالمين (16)

ويقال في القصة : إن موسى وهارون كانا يترددان على باب فرعون سنة كاملة ولم يجدا طريقا إليه . ثم بعد سنة عرضا الرسالة عليه ، فقابلهما بالتكذيب ، وكان من القصة ما كان . . وقال فرعون لما رأى موسى :

(5/413)


قال ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك سنين (18) وفعلت فعلتك التي فعلت وأنت من الكافرين (19)

فلم يكن لموسى - عليه السلام - جواب إلا الإقرار والاعتراف

(5/414)


قال فعلتها إذا وأنا من الضالين (20) ففررت منكم لما خفتكم فوهب لي ربي حكما وجعلني من المرسلين (21)

قال : كل ذلك قد كان ، وفررت منكم لما خفتكم ، فأكرمني الله بالنبوة ، وبعثني رسولا إليكم . .
ويقال : لم يجحد حق تربيته ، والإحسان إليه في الظاهر ، ولكن بين أنه إذا أمر الله بشيء وجب اتباع أمره . ولكن إذا كانت تربية المخلوقين توجب حقا فتربية الله أولى بأن يعظم العبد قدرها .
قوله : { ففررت منكم لما خفتكم } : يجوز حمله على ظاهره ، وأنه خاف منهم على نفسه . والفرار - عند عدم الطاقة - غير مذموم عند كل أحد .
ويقال : فررت منكم لما خفت أن تنزل بكم عقوبة من الله لشؤم شرككم ، أو من قول فرعون : { ما علمت لكم من إله غيرى } [ القصص : 38 ] .

(5/415)


وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل (22)

ذكر فرعون - من جملة ما عد على موسى من وجوه الإحسان إليه - أنه استحياه بين بني إسرائيل ، ودفع عنه القتل ، فقال موسى : أو تلك نعمة تمنها علي؟ هل استعبادك لبني إسرائيل يعد نعمة؟ إن ذلك ليس بنعمة ، ولا لك فيها منة .

(5/416)


قال فرعون وما رب العالمين (23)

نظر اللعين بجهله ، وسأل على النحو الذي يليق بغيه؛ فسأل بلفظ { ما } - و « ما » يستخبر بها عما لا يعقل ، فقال : { وما رب العالمين } .
ولكن موسى أعرض عن لفظه ومقتضاه ، وأخبر عما يصح في وصفه تعالى فقال :

(5/417)


قال رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين (24)

فذكر صفته - سبحانه وتعالى - بأنه إله ما في السموات والأرض ، فأخذ في التعجب .

(5/418)


قال لمن حوله ألا تستمعون (25) قال ربكم ورب آبائكم الأولين (26)

قال موسى : { ربكم ورب ءابآئكم الأولين } فحاد فرعون عن سنن الاستقامة في الخطاب ، وأخذ في السفاهة قائلا :

(5/419)


قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون (27)

لأنه يزعم أن هناك إلها غيره . ولم يكن في شيء مما يجري من موسى - عليه السلام- أو مما يتعلق به وصف جنون . ولم يشغل بمجاوبته في السفاهة فقال :

(5/420)


قال رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون (28) قال لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين (29)

أي إن كنتم من جملة من له عقل وتمييز . فقال فرعون :
{ قال لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين }
مضى فرعون يقول : لأفعلن ، ولأصنعن . . . إن اتخذت إلها غيري وجرى ما جرى ذكره وشرحه في غير موضع .
ثم إنه أظهر معجزته بإلقاء العصا ، وقلبها - سبحانه - ثعبانا كاد يلتقم دار فرعون بمن فيها ، ووثب فرعون هاربا ، واختفى تحت سريره ، وهو ينتفض من الخوف ، وتلطخت بزته وافتضح في دعواه ، واتضحت حالته ، فاستغاث بموسى واستجاره ، وأخذ موسى الثعبان فرده الله عصا .
ولما فارقه موسى - عليه السلام - تداركته الشقاوة ، وأدركه شؤم الكفر ، واستولى عليه الحرمان ، فجمع قومه وكلمهم في أمره ، وأجمعوا كلهم على أنه سحرهم . وبعد ظهور تلك الآية عاد إلى غيه . . . كما قيل :
إذا ارعوى عاد إلى جهله ... كذي الضنى عاد إلى نكسه
ثم إنه جمع السحرة ، واستعان بهم ، فلما اجتمعوا قالوا : { إن لنا لأجرا } [ الأعراف : 113 ] . فنطقوا بخساسة همتهم ، فضمن لهم أجرهم . وإن من يعمل لغيره بأجرة ليس كمن يكون عمله لله . ومن لا يكون له ناصر إلا بضمان الجعالة وبذل الرشا فعن قريب سيخذل .

(5/421)


قال نعم وإنكم إذا لمن المقربين (42)

قال فرعون : { وإنكم إذا لمن المقربين } ، ومن طلب القربة عند مخلوق فإن ما يصل إليه من الذل يزيد على ما أمله من العز في ذلك التقرب . والمقربون من الله أول من يدخل عليه يوم اللقاء ، فهم أول من لهم وصول . والمقربون من الله لهم على الله دخلة ، والناس بوصف الغفلة والخلق في أسر الحجبة .
ثم لما اجتمع الناس ، وجاء السحرة بما موهوا ، التقمت عصا موسى جميع ما أتوا به ، وعادت عصا ، وتلاشت أعيان حبالهم التي جاءوا بها ، وكانت أوقارا ، وألقي السحرة سجدا ، ولم يحتفلوا بتهديد فرعون إياهم بالقتل والصلب والقطع ، فأصبحوا وهم يقسمون بعزة فرعون ، ولم يمسوا حتى كانوا يقولون : { لن نؤثرك على ما جآءنا من البينات } [ طه : 72 ] .
ثم لما ساعدهم التوفيق ، وآمنوا بالله كان أهم أمورهم الاستغفار لما سلف من ذنوبهم ، وهذه هي غاية همة الأولياء ، أن يستجيروا بالله ، وأن يستعيذوا من عقوبة الله ، فأعرفهم بالله أخوفهم من الله .
ولما أمر الله موسى بإخراج بني إسرائيل ، وتبعهم فرعون بجمعه ، وقال أصحاب موسى .

(5/422)


فلما تراءى الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون (61) قال كلا إن معي ربي سيهدين (62)

فكان كما قال ، إذ هداهم الله وأنجاهم ، وأغرق فرعون وقومه وأقصاهم ، وقد قال سبحانه : { واعلموا أن الله مع المتقين } [ التوبة : 36 ] ينجيهم من كل بلاء ، ويخصهم بكل نعمة .

(5/423)


واتل عليهم نبأ إبراهيم (69) إذ قال لأبيه وقومه ما تعبدون (70) قالوا نعبد أصناما فنظل لها عاكفين (71) قال هل يسمعونكم إذ تدعون (72) أو ينفعونكم أو يضرون (73) قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون (74)

عاتب إبراهيم أباه وقومه ، وطالبهم بالحجة على ما عابهم به وقال لم تعبدون ما لا يسمع ولا يبصر؛ ولا ينفع ولا يضر ، ولا يحس ولا يشعر؟ فلم يرجعوا في الجواب إلا إلى تقليدهم أسلافهم ، وقالوا :
على هذه الجملة وجدنا أسلافنا . فنطق إبراهيم - عليه السلام - بعد إقامة الحجة عليهم والإخبار عن قبيح صنيعهم بمدح مولاه والإغراق في وصفه .

(5/424)


قال أفرأيتم ما كنتم تعبدون (75) أنتم وآباؤكم الأقدمون (76) فإنهم عدو لي إلا رب العالمين (77)

ذكرهم بأقل عبارة فلم يقل : فإنهم أعداء لي ، بل وصفهم بالمصدر الذي يصلح أن يوصف به الواحد والجماعة فقال : { فإنهم عدو لى } .
ثم قال : { إلا رب العالمين } ، وهذا استثناء منقطع ، وكأنه يضرب بلطف عن ذكرهم صفحا حتى يتوصل إلى ذكر الله ، ثم أخذ في شرح وصفه كأنه لا يكاد يسكت ، إذ مضى يقول : والذي . . . والذي . . . والذي . . ، ومن أمارات المحبة كثرة ذكر محبوبك ، ولإعراض عن ذكر غيره ، فتنزه المحبين بتقلبهم في رياض ذكر محبوبهم ، والزهاد يعددون أورادهم ، وأرباب الحوائج يعددون مآربهم ، فيطنبون في دعائهم ، والمحبون يسهبون في الثناء على محبوبهم .

(5/425)


الذي خلقني فهو يهدين (78)

كان مهتدايا ، ولكنه يقصد بالهداية التي ذكرها فيما يستقبله من الوقت ، أي : يهديني إليه به ، فإني محق في وجوده وليس لي خبر غني!
والقوم حين يكونون مستغرقين في نفوسهم لا يهتدون من نفوسهم إلى معبودهم ، فيهديهم عنهم إلى ربهم ، ويصيرون في نهايتهم مستهلكين في وجوده ، فانين عن أوصافهم ، وتصير معارفهم - التي كانت لهم - واهية ضعيفة ، فيهديهم إليه .

(5/426)


والذي هو يطعمني ويسقين (79)

لم يشر إلى طعام معهود أو شراب مألوف ولكن أشار إلى استقلاله به من حيث المعرفة بدل استقلال غيره بطعامهم ، وإلى شراب محبته الذي يقوم بل استقلال غيره بشرابهم .

(5/427)


وإذا مرضت فهو يشفين (80)

لم يقل : وإذا أمرضني لأنه حفظ أدب الخطاب .
ويقال لم يكن ذلك مرضا معلوما ، ولكنه أراد تمارضا ، كما يتمارض الأحباب طمعا في العيادة ، قال بعضهم :
إن كان يمنعك الوشاة زيارتي ... فادخل علي بعلة العواد
ويقول آخر :
يود بأن يمشي سقيما لعلها ... إذا سمعت منه بشكوى تراسله
ويقال ذلك الشفاء الذي أشار إليه الخليل هو أن يبعث إليه جبريل ويقول له : يقول لك مولاك . . . كيف كنت البارحة؟

(5/428)


والذي يميتني ثم يحيين (81)

أضاف الموت إلى الله؛ فالموت فوق المرض ، لأن الموت لهم غنيمة ونعمة؛ إذ يصلون إليه بأرواحهم .
ويقال : { يميتنى } بإعراضه عني وقت تعززه ، { ويحييني } بإقباله علي حين تفضله . ويقال يميتني عني ويحييني به .

(5/429)


والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين (82)

خطيئة الأحباب شهودهم محنتهم ، وتعنيهم عند شدة البلاء عليهم ، وشكواهم مما يمسهم من برحاء الاشتياق ، قال بعضهم :
وإذا محاسني - اللاتي أدل بها - ... كانت ذنوبي . . فقل لي : كيف أعتذر .

(5/430)


رب هب لي حكما وألحقني بالصالحين (83)

{ هب لى حكما } : على نفسي ، فإن من لا حكم له على نفسه لا حكم له على غيره .
{ وألحقنى بالصالحين } : فأقوم بحقك دون الرجوع إلى طلب الاستقلال بشيء . دون حقك .

(5/431)


واجعل لي لسان صدق في الآخرين (84)

في التفاسير : { لسان صدق } : أي ثناء حسنا على لسان أمة محمد صلى الله عليه وسلم .
ويقال لا أذكرك إلا بك ، ولا أعرفك إلا بك .
ويقال أن أذكرك ببيان آلائك ، وأذكرك بعد قبض روحي إلى الأبد بذكر مسرمد .
ويقال أذكرني على لسان المخبرين عنك .

(5/432)


واغفر لأبي إنه كان من الضالين (86)

على لسان العلماء : قاله بعد يأسه من إيمان أبيه ، وأما على لسان الإشارة فقد ذكره في وقت غلبات البسط ويتجاوز ذلك عنهم .
وليست إجابة العبد واجبا على الله في كل شيء ، فإذا لم يجب فإن للعبد سلوة في ذكر أمثال هذا الخطاب ، وهذا لا يهتدي إليه كل أحد .

(5/433)


ولا تخزني يوم يبعثون (87)

أي لا تخجلني بتذكيري خلتي ، فإن شهود ما من العبد - عند أرباب القلوب وأصحاب الخصوص - أشد عقوبة .

(5/434)


يوم لا ينفع مال ولا بنون (88) إلا من أتى الله بقلب سليم (89)

قيل : « القلب السليم » اللديغ .
وقيل هو الذي سلم من الضلالة ثم من البدعة ثم من الغفلة ثم من الغيبة ثم من الحجبة ثم من المضاجعة ثم من المساكنة ثم من الملاحظة . هذه كلها آفات ، والأكابر سلموا منها ، والأصاغر امتحنوا بها .
ويقال : « القلب السليم » الذي سلم من إرادة نفسه .

(5/435)


وأزلفت الجنة للمتقين (90) وبرزت الجحيم للغاوين (91)

{ أزلفت } : أي قربت وأدنيت في الوقت ، فإن ما هو آت قريب ، وبالعين أحضرت . وكما تجر النار إلى المحشر بالسلاسل فلا يبعد إدناء الجنة من المتقين .
{ وبرزت الجحيم للغاوين } أظهرت؛ فتؤكد الحجة على أرباب الجحود ، ويعرضون على النار ، وتعرض عليهم منازل الأشرار ، فيكبكبون فيها أجميعن ، ويأخذون يقرون بذنوبهم ، ومن جملتها ما أخبر أنهم يقولون : -

(5/436)


تالله إن كنا لفي ضلال مبين (97) إذ نسويكم برب العالمين (98)

ولا فضيحة أقبح ولا عيب فيهم أشنع مما يعترفون به على أنفسهم بقولهم : { إذ نسويكم برب العالمين } فإن أقبح أبواب الشرك وأشنع أنواع الكفر وأقبح أحوالهم - التشبيه في صفة المعبود .

(5/437)


فما لنا من شافعين (100) ولا صديق حميم (101)

في بعض الأخبار : يجيء - يوم القيامة - عبد يحتسب فتستوي حسناته وسيئاته ويحتاج إلى حسنة واحدة يرضى عنها خصوم ، فيقول الله - سبحانه : عبدي . . . بقيت لك حسنة واحدة ، إن كانت أدخلتك الجنة . . أنظر . . وتطلب من الناس لعل واحدا يهب لك حسنة واحدة . فيأتي العبد في الصفين ، ويطلب من أبيه ثم من أمه ثم من أصحابه ، ويقول لكل واحد في بابه فلا يجيبه أحد ، فالكل يقول له : انا اليوم فقير إلى حسنة واحدة ، فيرجع إلى مكانه ، فيسأله الحق - سبحانه : ماذا جئت به؟
فيقول : يا رب . . . لم يعطني أحد حسنة من حسناته .
فيقول الله - سبحانه : عبدي . . ألم يكن لك صديق ( في ) .
فيتذكر العبد ويقول : فلان كان صديقا لي .
فيدله الحق عليه ، فيأتيه ويكلمه في بابه ، فيقول : بلى ، لي عبادات كثيرة قبلها اليوم فقد وهبتك منها ، فيسير هذا العبد ويجيء إلى موضعه ، ويخبر ربه بذلك ، فيقول الله - سبحانه : قد قبلتها منه ، ولن أنقص من حقه شيئا ، وقد غفرت لك وله ، وهذا معنى قوله .
{ فما لنا من شافعين ولا صديق حميم } .

(5/438)


كذبت قوم نوح المرسلين (105)

ذكر قصة نوح وما لقي من قومه ، وأنهم قالوا :
{ قالوا أنؤمن لك واتبعك الأرذلون } .

(5/439)


قالوا أنؤمن لك واتبعك الأرذلون (111)

إن أتباع كل رسول إنما هم الأضعفون ، لكنهم - في حكم الله - هم المتقدمون الأكرمون . قال عليه السلام : « نصرت بضعفائكم » .
وإن الله أغرق قومه لما أصروا واستكبروا .
وكذلك فعل بمن ذكرتهم الآيات في هذه السورة من عاد وثمود وقوم لوط وأصحاب مدين . . كل منهم قابلوا رسلهم بالتكذيب ، فدمر الله عليهم أجمعين ، ونصر رسوله على مقتضى سنته الحميدة فيهم . وقد ذكر الله قصة كل واحد منهم ثم أعقبها قوله : -
{ وإن ربك لهو العزيز الرحيم } .
{ العزيز } : القادر على استئصالهم ، { الرحيم } الذي أخر العقوبة عنهم بإمهالهم ، ولم يقطع الرزق مع قبح فعالهم .
وهو { عزيز } لم يستضر بقبيح أعمالهم ، ولو كانوا أجمعوا على طاعته لما تجمل بأفعالهم .

(5/440)


وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين (127)

أخبر عن كل واحد من الأنبياء أنه قال : { لا أسألكم عليه أجر } ليعلم الكافة أن من عمل لله فلا ينبغي ان يطلب الأجر من غير الله . وفي هذا تنبيه للعلماء - الذين هم ورثة الأنبياء - أن يتأدبوا بأنبيائهم ، وألا يطلبوا من الناس شيئا في بث علومهم ، ولا يرتفقون منهم بتعليمهم ، والتذكير لهم أنه من ارتفق في بث ما يذكر به من الدين وما يعظ به المسلمين فلا يبارك الله للناس فيما منه يسمعون ، ولا للعلماء أيضا بركة فيما من الناس يأخذون ، إنهم يبيعون دينهم بعرض يسير ثم بركة لهم فيها إذلا يبتغون به الله ، وسيحصلون على سخط الله .

(5/441)


وإنه لتنزيل رب العالمين (192) نزل به الروح الأمين (193) على قلبك لتكون من المنذرين (194) بلسان عربي مبين (195)

كلام الله العزيز منزل على قلب الرسول - صلى الله عليه وسلم - في الحقيقة بسفارة جبريل عليه السلام . والكلام من الله غير منفصل ، وبغير الله غير متصل . . وهو - على الحقيقة لا على المجاز - منزل . ومعناه أن جبريل - عليه السلام - كان على السماء . فسمع من الرب ، وحفظ ونزل ، وبلغ الرسول . فمرة كان يدخل عليه حالة تأخذه عنه عند نزول الوحي عليه . ثم يورد جبريل ذلك على قلبه . ومرة كان يتمثل له الملك فيسمعه . والرسول - صلى الله عليه وسلم - يحفظه يؤدبه . والله - سبحانه ضمن له أنه سيقرؤه حتى لا ينساه . فكان يجمع الله الحفظ في قلبه . ويسهل له القراءة عند لفظه . ولما عجز الناس بأجمعهم عن معارضته مع تحديه إياهم بالإتيان بمثله . . علم صدقه في أنه من قبل الله .

(5/442)


وإنه لفي زبر الأولين (196)

جميع ما في هذا الاكتاب من الأخبار والقصص ، وما في صفة الله من استحقاق جلاله - موافق لما في الكتب المنزلة من قبل الله قبله ، فمهما عارضوه فإنه كما قال جل شأنه : { لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه } [ فصلت : 42 ] .
ثم أخبر أنه لو نزل هذا الكتاب بغير لسانهم وبلغة غير لغتهم لم يهتدوا إلى ذلك ، ولقالوا : لو كان بلساننا لعرفناه ولآمنا به ، فازاح عنهم العلة ، وأكد عليهم الحجة .
ثم أخبر عن صادق علمه بهم ، وسابق حكمه بالشقاوة عليهم ، وهو أنهم لا يؤمنون به حتى يروا العذاب في القيامة ، حين لا ينفعهم الإيمان ولا الندامة .

(5/443)


أفرأيت إن متعناهم سنين (205) ثم جاءهم ما كانوا يوعدون (206) ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون (207)

إن أرخينا المدة ، وأمهلناهم أزمنة كثيرة - وهم بوصف الغفلة - فما الذي كان ينفعهم إذا أخذهم العذاب بغتة؟!
ثم أخبر أنه لم يهلك أهل قرية إلا بعد أن جاءهم النذير وأظهر لهم البينات ، فإذا أصروا على كفرهم عذبهم .

(5/444)


إنهم عن السمع لمعزولون (212)

وجدوا السمع - الذي هو الإدراك - ولكن عدموا الفهم ، فلم يستجيبوا لما دعوا إليه . فعند ذلك استوجبوا من الله سوء العاقبة .

(5/445)


وأنذر عشيرتك الأقربين (214)

وذلك تعريف له أنهم لا تنفعهم قرابتهم منه ، ولا تقبل شفاعته - إن لم يؤمنوا - فيهم . فليس هذا الأمر من حيث النسب ، فهذا نوح لما كفر ابنه لم تنفعه بنوته ، وهذا الخليل إبراهيم عليه السلام لما كفر أبوه لم تنفع أبوته ، وهذا محمد - عليه الصلاة والسلام - كثير من أقاربه كانوا أشد الناس عليه في العداوة فلم تنفعهم قرابتهم .

(5/446)


واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين (215)

ألن جانبك وقاربهم في الصحبة ، واسحب ذيل التجاوز على ما يبدر منهم من التقصير ، واحتمل منهم سوء الأحوال ، وعاشرهم بجميل الأخلاق ، وتحمل عنهم كلهم ، وارحمهم كلهم ، فإن مرضوا فعدهم ، وإن حرموك فأعطهم ، وإن ظلموك فتجاوز عنهم ، وإن قصروا في حقي فاعف عنهم ، واشفع لهم ، واستغفر لهم .

(5/447)


فإن عصوك فقل إني بريء مما تعملون (216)

لا تفعل مثل فعلهم ، وكل حسابهم إلينا إلا فيما أمرناك بأن تقيم فيه عليهم حدا ، فعند ذلك لا تأخذك رأفة تمنعك من إقامة حدنا عليهم .

(5/448)


وتوكل على العزيز الرحيم (217)

انقطع إلينا ، واعتصم بنا ، وتوسل إلينا بنا ، وكن على الدوام بنا ، فإذا قلت فقل بنا ، وإذا صلت فصل بنا ، واشهد بقلبك - وهو في قبضتنا - تتحقق بأنك بنا ولنا .
توكل على { العزيز } تجد العزة بتوكلك عليه في الدارين ، فإن العزيز من وثق بالعزيز .
{ الرحيم } الذي يقرب من تقرب إليه ، ويجزل البر لمن توسل به إليه .

(5/449)


الذي يراك حين تقوم (218)

اقتطعه بهذه الآية عن شهود الخلق ، فإن من علم أنه بمشهد من الحق راعى دقائق أحواله ، وخفايا اموره مع الحق .

(5/450)


وتقلبك في الساجدين (219)

هون عليه معاناة مشاق العبادة بإخباره برؤيته . ولا مشقة لمن يعلم أنه بمرأى من مولاه ، وإن حمل الجبال الرواسي على شفر جفن العين ليهون عند من يشاهد ربه .
ويقال { وتقلبك فى الساجدين } بين أصحابك ، فهم نجوم وأنت بينهم بدر ، أو هم بدور وأنت بينهم شمس ، أو هم شموس وأنت بينهم شمس الشموس .
ويقال : تقلبك في أصلاب آبائك من المسلمين الذين عرفوا الله ، فسجدوا له دون من لم يعرفوه .

(5/451)


إنه هو السميع العليم (220)

{ السميع } لأنين المحبين ، { العليم } بحنين العارفين .
{ السميع } لأنين المذنبين ، { العليم } بأحوال المطيعين .

(5/452)


هل أنبئكم على من تنزل الشياطين (221) تنزل على كل أفاك أثيم (222) يلقون السمع وأكثرهم كاذبون (223)

بين أن الشياطين تتنزل على الكفار والكهنة فتوحي إليهم بوساوسهم الباطلة .

(5/453)


والشعراء يتبعهم الغاوون (224)

لما ذكر الوحي وما يأتي به الملائكة من قبل الله ذكر ما يوسوس به الشياطين إلى أوليائه ، وألحق بهم الشعراء الذين في الباطل يهيمون ، وفي أعراض الناس يقعون ، وفي التشبيهات - عن حد الاستقامة - يخرجون ، ويعدون من أنفسهم بما لا يوفون ، وسبيل الكذب يسلكون .

(5/454)


إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا وانتصروا من بعد ما ظلموا وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون (227)

{ إلا الذين ءامنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا وانتصروا من بعد ما ظلموا } .
فيكون شعره خاليا من هذه الوجوه المعلولة المذمومة ، وهذا كما قيل : الشعر كلام إنسان؛ فحسنه كحسنه وقبيحه كقبيحه .
قوله جل ذكره { وسيعلم الذين ظلموا أى منقلب ينقلبون } .
سيعلم الذين ظلموا سوء ما عملوا ، ويندمون على ما أسلفوا ، ويصدقون بما كذبوا .

(5/455)


طس تلك آيات القرآن وكتاب مبين (1)

بطهارة قدسي وسناء عزي لا أخيب أمل من أمل لطفي .
بوجود بري تطيب قلوب أوليائي ، وبشهود وجهي تغيب أسرار أصفيائي .
طلب القاصدين مقابل بلطفي ، وسعي العاملين مشكور بعطفي .
{ تلك ءايات القرءان وكتاب مبين } [ النحل : 1 ] : هذه دلالات كرمنا ، وأمارات فضلنا وشواهد برنا ، نبين لأوليائنا صدق وعدنا ، ونحقق للأصفياء حفظ عهدنا .

(5/456)


هدى وبشرى للمؤمنين (2)

هذه الآيات وهذا الكتاب بيان وشفاء ، ونور وضياء ، وبشرى ودليل لمن حققنا لهم الإيمان ، وأكدنا لهم الضمان ، وكفلنا لهم الإحسان .

(5/457)


الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم يوقنون (3)

يديمون المواصلات ، ويستقيمون في آداب المناجاة ويؤدون عن أموالهم وأحوالهم وحركاتهم وسكناتهم الزكاة ، بما يقومون في حقوق المسلمين أحسن مقام ، وينوبون عن ضعفائهم أحسن مناب .

(5/458)


إن الذين لا يؤمنون بالآخرة زينا لهم أعمالهم فهم يعمهون (4)

أغشيناهم فهم لا يبصرون ، وعمينا عليهم المسالك فهم عن الطريقة المثلى يعدلون ، أولئك الذين في ضلالتهم يعمهون ، وفي حيرتهم يتردون .

(5/459)


أولئك الذين لهم سوء العذاب وهم في الآخرة هم الأخسرون (5)

{ سوء العذاب } أن يجد الآلآم ولا يجد التسلي بمعرفة المسلي ، ويحمل البلاء ولا يحمل عنه ثقله وعذابه شهود المبلي . . وذلك للكفار ، فأما المؤمنون فيخفف عنهم العذاب في الآخرة حسن رجائهم في الله ، ثم تضرعهم إلى الله ، ثم فضل الله معهم بالتخفيف في حال البلاء ثم ما وقع عليهم من الغشي والإفاقة - كما في الخبر - إلى وقت إخراجهم من النار .

(5/460)


وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم (6)

أي أن الذي أكرمك بإنزال القرآن عليك هو الذي يحفظك عن الأسواء والأعداء وصنوف البلاء .

(5/461)


إذ قال موسى لأهله إني آنست نارا سآتيكم منها بخبر أو آتيكم بشهاب قبس لعلكم تصطلون (7)

سار موسى بأهله من مدين شعيب متوجها إلى مصر ، ودجا عليه الليل ، وأخذ امرأته الطلق وهبت الرياح الباردة ، ولم يور الزند ، وضاق على موسى الأمر ، واستبهم الوقت ، وتشتتت به الهمة ، واستولى على قلبه الشغل . ثم رأى نارا من بعيد ، فقال لأهله : امكثوا إني أبصرت نارا . وفي القصة : إنه تشتت أغنامه ، وكانت له بقور وثيران تحمل متاعه فشردت ، فقالت امرأته :
كيف تتركنا وتمضي والوادي مسبع؟! .
فقال : امكثوا . . فإني لأجلكم أمضي وأتعرف أمر هذه النار ، لعلي آتيكم منها إما بقبس أو شعلة ، أو بخبر عن قوم نزول عليها تكون لنا بهم استعانة ، ومن جهتهم انتفاع . وبدت لعينه تلك النار قريبة ، فكان يمشي نحوها ، وهي تتباعد حتى قرب منها ، فرأى شجرة رطبة خضراء تشتعل كلها من أولها إلى آخرها ، وهي مضيئة ، فجمع خشيبات وأراد أن يقتبس منها ، فعند ذلك سمع النداء من الله لا من الشجرة كما توهم المخالفون من أهل البدع . وحصل الإجماع أن موسى سمع تلك الليلة كلام الله ، ولو كان النداء في الشجرة لكان المتكلم به الشجرة ، ولأجل الإجماع قلنا : لم يكن النداء في الشجرة وإلا فنحن نجوز أن يخلق الله نداء في الشجرة ويكون تعريفا ، ولكن حينئذ يكون المتكلم بذلك الشجرة .
ولا ينكر في الجواز أن يكون الله أسمع موسى كلامه بإسماع خلقه له ، وخلق كلاما في الشجرة أيضا ، فموسى سمع كلامه القديم وسمع كلاما مخلوقا في الشجرة . . . وهذا من طريق العقل جائز .

(5/462)


فلما جاءها نودي أن بورك من في النار ومن حولها وسبحان الله رب العالمين (8)

أي بورك من هو في طلب النار ومن هو حول النار .
ومعنى بورك لحقته البركة أو أصابته البركة . . . والبركة الزيادة والنماء في الخير .
والدعاء من القديم - سبحانه - بهذا يكون تحقيقا له وتيسيرا به .

(5/463)


يا موسى إنه أنا الله العزيز الحكيم (9)

الذي يخاطبك أنا الله { العزيز } في استحقاق جلالي ، { الحكيم } في جميع أفعالي .

(5/464)


وألق عصاك فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبرا ولم يعقب يا موسى لا تخف إني لا يخاف لدي المرسلون (10)

{ وألق عصاك فلما رءاها تهتز كأنها جآن ولى مدبرا ولم يعقب } .
في آية أخرى بين أنه سأله ، وقال له على وجه التقرير : { وما تلك بيمينك يا موسى } [ طه : 17 ] وأجابه بقوله : { هى عصاى } [ طه : 17 ] وذكر بعض ما له فيها من المآرب والمنافع ، فقال الله : { وألق عصاك } ، وذلك لأنه أراد أن يريه فيها من عظيم البرهان ما يجعل له كمال اليقين .
وألقاها موسى فقلبها الله ثعبانا ، أولا حية صغيرة ثم صارت حية كبيرة ، فأوجس في نفسه موسى خيفة وولى مدبرا هاربا ، وكان خوفه من أن يسلطها عليه لما كان عارفا بأن الله يعذب من يشاء بما يشاء ، فقال له الحق :
{ يا موسى لا تخف إنى لا يخاف لدى المرسلون } .
أي لا ينبغي لهم أن يخافوا .

(5/465)


إلا من ظلم ثم بدل حسنا بعد سوء فإني غفور رحيم (11)

وهذا يدل على جواز الذنب على الأنبياء عليهم السلام فيما لا يتعلق بتبليغ الرسالة بشرط ترك الإصرار . فأما من لا يجيز عليهم الذنوب فيحمل هذا على ما قبل النبوة .
فلما رأى موسى انقلاب العصا علم أن الحق هو الذي يكاشفه بذلك .
ويقال : كيف علم موسى - عليه السلام - أن الذي سمعه كلام الله؟
والجواب أنه بتعريف منه إياه - ويجوز أن يكون ذلك العلم ضروريا فيه ، ويجوز أن يكون كسبيا ، ويكون الدليل له الذي له الذي به علم صدقه في قوله : { إنه أنا الله } هو ما ظهر على يده - في الوقت - من المعجزة ، من قلب العصا ، وإخراج يده بيضاء .

(5/466)


وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء في تسع آيات إلى فرعون وقومه إنهم كانوا قوما فاسقين (12)

من غير سوء أي برص . وفي القصة أن موسى عليه السلام ذكر اشتغال قلبه بحديث امرأته ، وما أصابه تلك الليلة من الأحوال التي أوجبت انزعاجه ، وقصده في طلب النار ، فقال الله تعالى : « إنا قد كفيناك ذلك الأمر ، ووكلنا بامرأتك وأسبابك ، فجمعنا أغنامك وثيرانك ، وسلمت لك المرأة » .

(5/467)


فلما جاءتهم آياتنا مبصرة قالوا هذا سحر مبين (13) وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا فانظر كيف كان عاقبة المفسدين (14)

لم يظهر الله - سبحانه - آية على رسول من أنبيائه - عليهم السلام - إلا كانت في الوضوح بحيث لو وضعوا النظر فيها موضعه لتوصلوا إلى حصول العلم وثلج الصدور ، ولكنهم قصروا في بعضها بالإعراض عن النظر فيها ، وفي بعضها الآخر عرفوها وقابلوها بالجحد . قال تعالى وقوله صدق :
{ وجحدوا بها واستيقنتهآ أنفسهم ظلما وعلوا فانظر كيف كان عاقبة المفسدين } .
وكما يحصل من الكافر الجحد تحصل للعاصي عند الإلمام ببعض الذنوب حالة يعلم فيها - بالقطع - أن ما يفعله غير جائز ، وتتوالى على قلبه الخواطر الزاجرة الداعية له عن فعلها من غير أن يكون متغافلا عنها أو ناسيا لها ، ثم يقدم على ذلك غير محتفل بها موافقة لشهوته . وهذا الجنس من المعاصي أكثرها شؤما ، وأشدها في العقوبة ، وأبعدها عن الغفران .

(5/468)


ولقد آتينا داوود وسليمان علما وقالا الحمد لله الذي فضلنا على كثير من عباده المؤمنين (15)

يقتضي حكم هذا الخطاب أنه أفردهما بجنس من العلم لم يشاركهما فيه أحد؛ لأنه ذكره على وجه تخصيصهما به ، ولا شك أنه كان من العلوم الدينية؛ ويحتمل أنه كان بزيادة بيان لهما أغناهما عن إقامة البرهان عليه وتصحيحه بالاستدلال الذي هو معرض للشك فيه .
ويحتمل أن يكون علمهما بأحوال أمتهما على وجه الإشراف على ما كانوا يستسرون به ، فيكون إخبارهما عن ذلك معجزة لهما .
ويحتمل أن يكون قوله : { علمنا منطق الطير } .
ويحتمل أن يكون علمهما بالله على وجه زيادة لهما في البيان .
وفي الآية دليل على أن التفضيل الذي يحصل بالعلم لا يحصل بغيره من الصفات ، فأخبر بأنهما شكر الله على عظيم ما أنعم به عليهما .

(5/469)


وورث سليمان داوود وقال يا أيها الناس علمنا منطق الطير وأوتينا من كل شيء إن هذا لهو الفضل المبين (16)

ورث أباه في النبوة ، وورثه في أن أقامه مقامه .
قوله : { علمنا منطق الطير } : وكان ذلك معجزة له ، أظهرها لقومه ليعلموا بها صدق إخباره عن نبوته . ومن كان صاحب بصيرة وحضور قلب بالله يشهد الأشياء كلها بالله ومن الله . ويكون مكاشفا بها من حيث التفهيم ، فكأنه يسمع من كل شيء تعريفات الحق - سبحانه - للعبد مما لا نهاية له ، وذلك موجود فيهم محكي عنهم . وكما أن ضرب الطبل مثلا دليل يعرف - بالمواضعة - عند سماعه وقت الرحيل والنزول فالحق - سبحانه - يخص أهل الحضور بفنون التعريفات ، من سماع الأصوات وشهود أحوال المرئيات في اختلافها ، كما قيل :
إذا المرء كانت له فكرة ... ففي كل شيء له عبرة

(5/470)


وحشر لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير فهم يوزعون (17)

سخر الله لسليمان - عليه السلام - الجن والطير ، فكان الجن مكلفين ، والطير كانت مسخرة إلا أنه كان عليها شرع ، وكذلك الحيوانات التي كانت في وقته ، حتى النمل كان سليمان يعرف خطابهم ينفذ عليهم حكمه .

(5/471)


حتى إذا أتوا على واد النمل قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون (18)

قيل إن سليمان استحضر أمير النمل الذي قال لقومه : { ادخلوا مساكنكم } وقال له : أما علمت أني معصوم ، وأني لن أمكن عسكري من أن يطؤوكم؟ فأخبره أمير النمل أنه لا يعلم ذلك؛ لأنه ليس بواجب أن يكون النمل عالما بعصمة سليمان . ولو قال : لعلكم أبيح لكم ذلك . . لكان هذا أيضا جائزا .
وقيل إن ذلك النمل قال لسليمان : إني أحمل قومي على الزهد في الدنيا ، وخشيت إن يروكم في ملككم أن يرغبوا فيها ، فأمرتهم بدخول مساكنهم لئلا يتشوش عليهم زهدهم . ولئن صح هذا ففيه دليل على وجوب سياسة الكبار لمن هو في رعيتهم . وفي الآية دليل على حسن الاحتراز مما يخشى وقوعه ، وأن ذلك مما تقتضيه عادة النفس وما فطروا عليه من التمييز .
ويقال إن ذلك النمل قال لسليمان : ما الذي أعطاك الله من الكرامة؟
فقال : سخر لي الريح .
فقال : أما علمت أن الإشارة فيه أنه ليس بيدك مما أعطيت إلا الريح؟
وهكذا بينه الكبير على لسان الصغير! .

(5/472)


فتبسم ضاحكا من قولها وقال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين (19)

{ فتبسم ضاحكا من قولها } .
التبسم من الملوك يندر لمراعاتهم حكم السياسة ، وذلك يدل على رضاهم واستحسانهم لما منه يحصل التبسم ، فلقد استحسن سليمان من كبير النمل حسن سياسته لرعيته .
وفي القصة أنه استعرض جنده ليراهم كم هم ، فعرضهم عليه ، وكانوا يأتون فوجا فوجا ، حتى مضى شهر وسليمان واقف ينظر إليهم معتبرا فلم ينتهوا ، ومر سليمان عليه السلام .
وفي القصة : أن عظيم النمل كان مثل البغل في عظم الجثة ، وله خرطوم . والله أعلم .
قوله جل ذكره : { رب أوزعنى أن أشكر نعمتك التى أنعمت على وعلى ولدى وأن أعمل صالحا ترضاه } .
في ذلك دليل على أن نظره إليهم كان نظر اعتبار ، وأنه رأى تعريف الله إياه ذلك ، وتنبيهه عليه من جملة نعمه التي يجب عليها الشكر .
وفي قوله : { وعلى والدى } دليل على أن شكر الشاكر لله لا يختص بما أنعم به عليه على الخصوص ، بل يجب على العبد أن يشكر الله على ما خص وعم من نعمه .
قوله جل ذكره : { وأدخلنى برحمتك فى عبادك الصالحين } .
سأل حسن العاقبة . لأن الصالح من عباده من هو مختوم له بالسعادة .

(5/473)


وتفقد الطير فقال ما لي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين (20)

تطلبه فلما لم يره تعرف ما سبب تأخره وغيبته .
ودل ذلك على تيقظ سليمان في مملكته ، وحسن قيامه وتكفله بأمور أمته ورعيته ، حيث لم تخف عليه غيبة طير هو من أصغر الطيور لم يحضر ساعة واحدة . وهذا أحسن ما قيل .
ثم تهدده إن لم يكن له عذر بعذاب شديد ، وذلك يدل على كمال سياسته وعدله في مملكته .
وقال قوم إنما عرف أن الهدهد يعرف أعماق الماء بإلهام خص به ، وأن سليمان كان قد نزل منزلا ليس به ماء ، فطلب الهدهد ليهديهم إلى مواضع الماء ، وهذا ممكن؛ لأن في الهدهد كثرة . وغيبة واحدة منها لا يحصل منها خلل - اللهم إلا إن كان ذلك الواحد مخصوصا بمعرفة مواضع وأعماق الماء . . . والله أعلم .
وروي أن ابن عباس سئل عن ذلك ، وأنه قيل له : إن كان الهدهد يرى الماء تحت التراب ويعرفه فكيف لا يرى الفخ مخفيا تحت التراب؟
فقال : إذا جاء القضاء عمي البصر .
ويقال : إن الطير كانت تقف فوق رأس سليمان مصطفة ، وكانت تستر انبساط الشمس وشعاعها بأجنحتها ، فوقع شعاع الشمس على الأرض ، فنظر سليمان فرأى موضع الهدهد خاليا منه ، فعرف بذلك غيبته . . وهذا أيضا ممكن ، ويدل على كمال تفقده ، وكمال تيقظه - كما ذكرنا .

(5/474)


لأعذبنه عذابا شديدا أو لأذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين (21)

في هذه الآية دليل على مقدار الجرم ، وأنه لا عبرة بصغر الجثة وعظمها . وفيه دليل على أن الطير في زمانه كانت في جملة التكليف ، ولا يبعد الآن أن يكون عليها شرع ، وأن لهم من الله إلهاما وإعلاما؛ وإن كان لا يعرف ذلك على وجه القطع .
وتعيين ذلك العذاب الشديد غير ممكن قطعا ، إلا تجويزا واحتمالا .
وعلى هذه الطريقة يحتمل كل ما قيل فيه .
ويمكن أن يقال فإن وجد في شيء نقل فهو متبع .
وقد قيل هو نتف ريشه وإلقاؤه في الشمس .
وقيل يفرق بينه وبين أليفه .
وقيل يشتت عليه وقته .
وقيل يلزمه خدمة أقرانه .
والأولى في هذا أن يقال من العذاب الشديد كيت وكيت ، وألا يقطع بشيء دون غيره على وجه القطع .
فمن العذاب الشديد أن يمنع حلاوة الخدمة فيجد ألم المشقة . ومن ذلك أن يقطع عنه حسن التولي لشأنه ويوكل إلى حوله ونفسه ، ومن ذلك أن يمتحن بالحرص في الطلب ثم يحال بينه وبين مقصوده ومطلوبه . ومن العذاب الشديد الطمع في اسم العذر ثم لا يرتفع ومن ذلك سلب القناعة . ومنه عدم الرضا بما يجري . ومن ذلك توهم الحدثان وحسبان شيء من الخلق .
ومن ذلك الحاجة إلى الأخسة من الناس . ومن ذلك ذل السؤال مع الغفلة عن شهود التقدير . ومن ذلك صحبة الأضداد والابتلاء بمعاشرتهم . ومن ذلك ضعف اليقين وقلة الصبر . ومن ذلك التباس طريق الرشد . ومنه حسبان الباطل بصفة الحق . والتباس الحق في صورة الباطل . ومنه أن يطالب بما لا تتسع له ذات يده . ومنه الفقر في الغربة .

(5/475)


فمكث غير بعيد فقال أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبإ بنبإ يقين (22)

فلم يلبث الهدهد أن جاء ، وعلم أن سليمان قد تهدده ، فقال : أحطت علما بما هو عليك خاف ، { وجئتك من سبإ بنبإ يقين } .
ثم ذكر حديث بلقيس ، وأنها ملكتهم ، وأن لها من المال والملك والسرير العظيم ما عده ، فلم يتغير سليمان - عليه السلام - لذلك ، ولم يستفزه الطمع فيما سمع عن هذا كما يحدث من عادة الملوك في الطمع في ملك غيرهم ، فلما قال :

(5/476)


وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون (24)

فعند ذلك غاظ هذا سليمان ، وغضب في الله ، و :

(5/477)


قال سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين (27)

وفي هذا دلالة على أن خبر الواحد لا يوجب العلم فيجب التوقف فيه على حد التجويز ، وفيه دلالة على أنه لا يطرح بل يجب أن يتعرف : هل هو صدق أم كذب؟
ولما عرف سليمان هذا العذر ترك عقوبته وما توعده به . . . وكذلك سبيل الوالي؛ فإن عدله يمنعه من الحيف على رعيته ، ويقبل عذر من وجده في صورة المجرمين إذا صدق في اعتذاره .

(5/478)


اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم ثم تول عنهم فانظر ماذا يرجعون (28)

في الآية إشارة إلى أنه لا ينبغي للإنسان أن يذكر بين يدي الملوك كل كلمة ، فإنه يجر العناء بذلك إلى نفسه؛ وقد كان لسليمان من الخدم والحشم ومن يأتمر بأمره الكثير ، ولكنه لم يستعمل واحدا في هذا التكليف إلا الهدهد لأنه هو الذي قال ما قال ، فلزمه الخروج من عهدة ما قال .
ويقال لما صدق فيما أخبر لملكه عوض عليه فأهل للسفارة والرسالة - على ضعف صورته .
فمضى الهدهد ، وألقى الكتاب إليها كما أمر ، وانتحى إلى جانب ينتظر ماذا يفعلون وبماذا يجاب .

(5/479)


قالت يا أيها الملأ إني ألقي إلي كتاب كريم (29) إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم (30) ألا تعلوا علي وأتوني مسلمين (31)

{ كتاب كريم } الكرم نفي الدناءة ، وقيل لأنه كان مختوما ، وقيل لأن الرسول كان طيرا؛ فعلمت أن من تكون الطير مسخرة له لا بد أنه عظيم الشأن . وقيل لأنه كان مصدرا ببسم الله الرحمن الرحيم . وقيل لأنه كتب فيه اسم نفسه أولا ولم يقل : إنه من سليمان إلى فلانة . ويقال لم يكن في الكتاب ذكر الطمع في الملك بل كان دعاء إلى الله : { ألا تعلوا على وأتونى مسلمين } .
ويقال أخذ الكتاب بمجامع قلبها ، وقهرها؛ فلم يكن لها جواب ، فقالت ، { إنى ألقى إلى كتاب كريم } فلما عرفت قدر الكتاب وصلت باحترامها إلى بقاء ملكها ، ورزقت الإسلام وصحبة سليمان .
ويقال إذا كان الكتاب كريما لما فيه من آية التسمية فالكريم من الصلاة ما لا يتجرد عن التسمية . وإذا تجردت كان الأمر فيها بالعكس .

(5/480)


قالت يا أيها الملأ أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون (32)

أخذت في المشاورة كما تقتضيه الحال في الأمور العظام؛ فإن الملك لا ينبغي أن يكون مستبدا برأيه ، ويجب أن يكون له قوم من أهل الرأي والبصيرة .

(5/481)


قالوا نحن أولو قوة وأولو بأس شديد والأمر إليك فانظري ماذا تأمرين (33)

أجابوا على شرط الأدب ، وقالوا : ليس منا إلا بذل الوسع ، وليس لنا إلا إظهار النصح وما علينا إلا متابعة الأمر - وتمشية الأمر وإمضاؤه . . . إليك .

(5/482)


قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون (34)

ويقال إن : { وكذلك يفعلون } من قولها .
ويقال : تغيير الملوك إذا دخلوا قرية - عن صفتها - معلوم ، ثم ينظر . . . فإن كان الداخل عادلا أزال سنة الجور ، وأثبت سنة العدل ، وإن كان الداخل جائرا أزال الحسن وأثبت الباطل . هذا معلوم؛ فإن خراب البلاد بولاة السوء ، حيث يستولي أسافل الناس وأسقاطهم على الأعزة منهم ، وكما قيل :
يا دولة ليس فيها ... من المعالي شظيه
زولى فما أنت إلا ... عل الكرام بليه
وعمارة الدنيا بولاة الرشد ، يكسرون رقاب الغاغة ، ويخلصون الكرام من أسر السفلة ، ( ويأخذ القوس باريها ) ، وتطلع شمس العدل من برج شرفها . . . كذلك المعرفة والخصال المحمودة إذا باشرت قلب عبد أخرجت عنه الشهوات والمنى ، وسفاسف الأخلاق من الحقد والحسد والشح وصغر الهمة . . . وغير ذلك من الأوصاف الذميمة وتثبت بدلها من الأحوال العلية والأوصاف المرضية ما به نظام العبد وتمام سعادته . ومتى استولت على قلب غاغة النفس والخصال المذمومة أزالت عنه عمارته ، وأبطلت نضارته ، فتخرب أوطان الحقائق ، وتتداعى مساكن الأوصاف الحميدة للأفوال ، وعند ذلك ، يعظم البلاء وتتراكم المحن .

(5/483)


وإني مرسلة إليهم بهدية فناظرة بم يرجع المرسلون (35)

جاء في القصة أنها بعثت إلى سليمان بهدايا ، ومن جملتها لبنة مصنوعة من الفضة وأخرى من الذهب . وأن الله أخبر سليمان بذلك ، وأوحى إليه في معناه . وأمر سليمان الشياطين حتى بنوا بساحة منزله ميدانا ، وأمرهم أن يفرشوا الميدان بهيئة اللبن المصنوع من الذهب والفضة من أوله إلى آخره . وأمر بأن توقف الدواب على ذلك وألا تنظف آثارها من روث وغيره ، وأن يترك موضعان للبنتين خاليين في ممر الدخول . وأقبل رسلها ، وكانت معهم اللبنتان ملفوفتين ، فلما رأوا الأمر ، ووقعت أبصارهم على طريقهم ، صغر في أعينهم ما كان معهم ، وخجلوا من تقديم ذلك إلى سليمان ووقعوا في الفكرة . . . كيف يتخلصون مما معهم؟ . فلما رأوا موضع اللبنتين فارغا ظنوا أن ذلك سرق من بينها ، فقالوا لو أظهرنا نسبنا إلى أنا سرقناهما من هذا الموضع ، فطرحاهما في الموضع الخالي ، ودخلا على سليمان .

(5/484)


فلما جاء سليمان قال أتمدونن بمال فما آتاني الله خير مما آتاكم بل أنتم بهديتكم تفرحون (36) ارجع إليهم فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها ولنخرجنهم منها أذلة وهم صاغرون (37)

أتهدونني مالا؟ وهل مثلي يستمال بمثل هذه الأفعال؟ إنكم وأمثالكم تعاملون بمثل ما عوملتم! ارجع إليهم : -
{ ارجع إليهم فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها ولنخرجنهم منهآ أذلة وهم صاغرون } .
فلما رجعوا إلى بلقيس ، وأخبروها بما شاهدوا وسمعوا علمت أنه لا وجه لها سوى الاستسلام والطاعة ، فعزمت على المسير إلى خدمته ، وأوحى الله إلى سليمان بذلك ، وأنها خرجت مستسلمة ، فقال : { أيكم يأتينى بعرشها؟ } .

(5/485)


قال يا أيها الملأ أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين (38) قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك وإني عليه لقوي أمين (39)

بسط الله - سبحانه - ملك سليمان ، وكان في ملكه الجن والإنس والشياطين؛ الجن على جهة التسخير ، والإنس على حكم الطوع ، والشياطين وكانوا على أقسام .
ولما قال : { أيكم يأتينى بعرشها؟ } قال عفريت من الجن - وكان أقواهم - { أنا ءاتيك به قبل أن تقوم من مقامك وإنى عليه لقوى أمين } ، فلم يرغب سليمان في قوله لأنه بنى القول فيه على دعوى قوته .

(5/486)


قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك فلما رآه مستقرا عنده قال هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربي غني كريم (40)

{ الذى عنده علم من الكتاب } ( قيل هو آصف ) وكان صاحب كرامة . وكرامات الأولياء ملتحقة بمعجزات الأنبياء ، إذ لو لم يكن النبي صادقا في نبوته لم تكن الكرامة تظهر على من يصدقه ويكون من جملة أمته .
ومعلوم أنه لا يكون في وسع البشر الإتيان بالعرش بهذه السرعة ، وأن ذلك لا يحصل إلا بخصائص قدرة الله تعالى . وقطع المسافة البعيدة في لحظة لا يصح تقديره في الجواز إلا بأحد وجهين : إما بأن يقدم الله المسافة بين العرش وبين منزل سليمان ، وإما بأن يعدم العرش ثم يعيده في الوقت الثاني بحضرة سليمان . وأي واحد من القسمين كان - لم يكن إلا من قبل الله ، فالذي كان عنده علم من الكتاب دعا الله - سبحانه - واستجاب له في ذلك ، وأحضر العرش ، وأمر سليمان حتى غير صورته فجعل أعلاه أسفله ، وأسفله أعلاه ، وأثبته على تركيب آخر غير ما كان عليه .
ولما رأى سليمان ذلك أخذ في الشكر لله - سبحانه - والاعتراف بعظم نعمه ، والاستيحاء ، والتواضع له ، وقال : { هذا من فضل ربى } : لا باستحقاق مني ، ولا باستطاعة من غيري ، بل أحمد النعمة لربي حيث جعل في قومي ومن أمتي من له الجاه عنده فاستجاب دعاءه .
وحقيقة الشكر - على لسان العلماء - الاعتراف بنعمة المنعم على جهة الخضوع . والأحسن أن يقال الشكر هو الثناء على المحسن بذكر إحسانه ، فيدخل في هذا شكر الله للعبد لأنه ثناء منه على العبد بذكر إحسان العبد ، وشكر العبد ثناء على الله بذكر إحسانه . . . إلا أن إحسان الحق هو إنعامه ، وإحسان العبد طاعته وخدمته لله ، وما هو الحميد من أفعاله .
فأما على طريق أهل المعاملة وبيان الإشارة : فالشكر صرف النعمة في وجه الخدمة .
ويقال الشكر ألا تستعين بنعمته على معاصيه .
ويقال الشكر شهود المنعم من غير مساكنة إلى النعمة .
ويقال الشكر رؤية العجز عن الشكر .
ويقال أعظم الشكر الشكر على توفيق الشكر .
ويقال الشكر على قسمين : شكر العوام على شهود المزيد ، قال تعالى : { لئن شكرتم لأزيدنكم } [ إبراهيم : 7 ] ، وشكر الخواص يكون مجردا عن طلب المزيد ، غير متعرض لمنال العوض .
ويقال حقيقة الشكر قيد النعم وارتباطها؛ لأن بالشكر بقاءها ودوامها .

(5/487)


قال نكروا لها عرشها ننظر أتهتدي أم تكون من الذين لا يهتدون (41) فلما جاءت قيل أهكذا عرشك قالت كأنه هو وأوتينا العلم من قبلها وكنا مسلمين (42)

{ قال نكروا لها عرشها ننظر أتهتدى أم تكون من الذين لا يهتدون } .
أراد سليمان أن يمتحنها وأن يختبر عقلها ، فأمر بتغيير عرشها ، فلما رأته : -
{ قيل أهكذا عرشك قالت كأنه هو } .
فاستدل بذلك على كمال عقلها ، وكان ذلك أمرا ناقضا للعادة ، فصار لها آية وعلامة على صحة نبوة سليمان - عليه السلام- وأسلمت .

(5/488)


وصدها ما كانت تعبد من دون الله إنها كانت من قوم كافرين (43) قيل لها ادخلي الصرح فلما رأته حسبته لجة وكشفت عن ساقيها قال إنه صرح ممرد من قوارير قالت رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين (44)

كان ذلك امتحانا آخر لها . فقد أمر سليمان الشياطين أن يصنعوا من الزجاج شبه طبق كبير صاف مضيء ، ووضعه فوق بركة بها ماء كثير عميق ، يرى الماء من أسفل الزجاج ولا يميز بين الزجاج والماء ، وأمرت أن تخوض تلك البركة ، فكشفت عن ساقيها؛ لأنها وصفت لسليمان بأنها جنية النسب . وأن رجليها كحوافر الدواب ، فتقولوا عليها ، ولما توهمت أنها تخوض الماء كشفت عن ساقيها ، فرأى سليمان رجليها صحيحين . وقيل لها : { إنه صرح ممرد من قوارير } : فصار ذلك أيضا سببا وموجبا ليقينها . وآمنت وتزوج بها سليمان عليه السلام .

(5/489)


ولقد أرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحا أن اعبدوا الله فإذا هم فريقان يختصمون (45) قال يا قوم لم تستعجلون بالسيئة قبل الحسنة لولا تستغفرون الله لعلكم ترحمون (46) قالوا اطيرنا بك وبمن معك قال طائركم عند الله بل أنتم قوم تفتنون (47) وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون (48) قالوا تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله ثم لنقولن لوليه ما شهدنا مهلك أهله وإنا لصادقون (49) ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون (50)

قوله جل ذكره : { ولقد أرسلنآ إلى ثمود أخاهم صالحا أن اعبدوا الله فإذا هم فريقان يختصمون } .
ذكر قصة ثمود ، وقصة نبيهم صالح عليه السلام ، وما جرى بينه وبينهم من التكذيب ، وطلبهم منه معجزة ، وحديث الناقة وعقرها ، وتبرمهم بالناقة بعد أن رأوا فيها من الفعل الذي كانت لهم فيه أعظم آية . . . إلى قوله :
{ ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون } .
ومكرهم ما أظهروا في الظاهر من موافقة صالح ، وعقرهم الناقة خفية ، وتوريك الذنب على غير جارمه ، والتبري من اختيارهم ذلك .
وأما مكر الله جزاؤهم على مكرهم بإخفاء ما أراد بهم من العقوبة عنهم ، ثم إحلالهم بهم بغتة . فالمكر من الله تخليته إياهم مع مكرهم بحيث لا يعصمهم ، وتزيين ذلك في أعينهم ، وتجيب ذلك إليهم . . . ولو شاء لعصمهم . ومن أليم مكره انتشار الصيت بالصلاح ، والعمر في السر بخلاف ما يتوهم بهم من الصلاح ، وفي الآخرة لا يجوز في سوقها هذا النقد! .

(5/490)


فانظر كيف كان عاقبة مكرهم أنا دمرناهم وقومهم أجمعين (51)

أهلكهم ولم يغادر منهم أحدا .

(5/491)


فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا إن في ذلك لآية لقوم يعلمون (52)

وفي الخبر : « لو كان الظلم بيتا في الجنة لسلط الله عليه الخراب » ؛ فالنفوس إذا ظلمت بزلاتها خربت بلحوقها شؤم الذلة حتى يتعود صاحبها الكسل ، ويستوطن مركب الفشل ، ويحرم التوفيق ، ويتوالى عليه الخذلان وقسوة القلب وجحود العين وانتفاء تعظيم الشريعة من القلب . وأصحاب القلوب إذا ظلموها بالغفلة ولم يحاولوا طردها عن قلوبهم . . . خربت قلوبهم حتى تقسوا بعد الرأفة ، وتجف بعد الصفوة .
فخراب النفوس باستيلاء الشهوة والهفوة ، وخراب القلوب باستيلاء الغفلة والقسوة ، وخراب الأرواح باستيلاء الحجبة والوقفة ، وخراب الأسرار باستيلاء الغيبة والوحشة .

(5/492)


ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة وأنتم تبصرون (54) أئنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم تجهلون (55)

ذكر قصة لوط وأمته ، وما أصروا عليه من الفاحشة ، وما أحل الله بهم من العقوبة ، وإحلال العقوبة بامرأته التي كانت تطابق القوم ، وتخليص الحق لوطا من بينهم ، وما كان من أمر الملائكة الذين بعثوا لإهلاكهم .

(5/493)


قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى آلله خير أما يشركون (59)

هم الذين سلم عليهم في آزاله وهم في كتم العدم ، وفي متناول علمه ومتعلق قدرته ، ولم يكونوا أعيانا في العدم ولا أفادوا ، فلما أظهرهم في الوجود سلم عليهم بذلك السلام ، ويسمعهم في الآخرة ذلك السلام . والذين سلم عليهم هم الذين سلموا اليوم من الشكوك والشبه ، ومن فنون البدع ، ومن وجوه الألم ، ثم من فنون الزلل وصنوف الخلل ، ثم من الغيبة والحجبة وما ينافي دوام القربة .
ويقال اصطفاهم ، ثم هداهم ، ثم آواهم ، وسلم عليهم قبل أن خلقهم وأبداهم ، وبعد أن سلم عليهم بوده لقاهم .
ويقال : اصطفاهم بنور اليقين وحلة الوصل وكمال العيش .

(5/494)


أم من خلق السماوات والأرض وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ما كان لكم أن تنبتوا شجرها أئله مع الله بل هم قوم يعدلون (60)

{ أمن خلق السماوات والأرض وأنزل لكم من السمآء مآء فأنبتنا به حدآئق ذات بهجة ما كان لكم أن تنبتوا شجرهآ } .
فثمرات الظاهر غذاء النفوس ، وثمرات الباطن والأسرار ضياء القلوب ، وكما لا تبقى في وقت الربيع من وحشة الشتاء بقية فلا يبقى في قلوبهم وأوقاتهم من الغيبة والحجبة والنفرة والتهمة شظية .

(5/495)


أم من جعل الأرض قرارا وجعل خلالها أنهارا وجعل لها رواسي وجعل بين البحرين حاجزا أئله مع الله بل أكثرهم لا يعلمون (61)

قوله جل ذكره : { أمن جعل الأرض قرارا وجعل خلالهآ أنهارا وجعل لها رواسى } .
نفوس العابدين قرار طاعتهم ، وقلوب العارفين قرار معرفتهم ، وأرواح الواجدين قرار محبتهم ، وأسرار الموحدين قراب مشاهدتهم ، في أسرارهم أنوار الوصله وعيون القربة ، وبها يسكن ظمأ اشتياقهم وهيجان قلقهم واحتراقهم .
{ وجعل لها رواسى } من الخوف والرجاء ، والرغبة والرهبة .
ويقال { وجعل لها رواسى } اليقين والتوكل .
ويقال الرواسي في الأرض الأبدال والأولياء والأوتاد؛ بهم يديم إمساك الأرض ، وببركاتهم يدفع عن أهلها البلاء .
ويقال الرواسي هم الأئمة الذين يهدون المسترشدين إلى الله .
قوله جل ذكره : { وجعل بين البحرين حاجزا أءله مع الله بل أكثرهم لا يعلمون } .
{ وجعل بين البحرين حاجزا } بين القلب والنفس لئلا يغلب أحدهما صاحبه . ويقال بين العبودية وأحكامها ، والحقيقة وأحكامها ، فلو غلبت العبودية كان جحدا للحقيقة ، ولو غلبت الحقيقة العبودية كانت طيا للشريعة .
ويقال : ألسنة المريدين مقر ذكره ، وأسماعهم محل الإدراك الموصل إلى الفهم ، والعيون مقر الاعتبار .

(5/496)


أم من يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض أئله مع الله قليلا ما تذكرون (62)

قوله جل ذكره : { أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء } . فصل بين الإجابة وبين كشف السوء؛ فالإجابة بالقول والكشف بالطول ، الإجابة بالكلام والكشف بالإنعام . ودعاء المضطر لا حجاب له ، وكذلك دعاء المظلوم ولكن { لكل أجل كتاب } [ الرعد : 38 ] .
ويقال للجناية : سراية؛ فمن كان في الجناية مختارا فليس تسلم له دعوى الاضطرار عند سراية جرمه الذي سلف منه وهو مختار فيه ، فأكثر الناس يتوهمون أنهم مضطرون ، وذلك الاضطرار سراية ما بدر منهم في حال اختيارهم .
وما دام العبد يتوهم من نفسه شيئا من الحول والحيلة ، ويرى لنفسه شيئا من الأسباب يعتمد عليه أو يستند إليه - فليس بمضطر ، فالمضطر يرى نفسه كالغريق في البحر ، أو الضال في المتاهة ، وهو يرى عنانه بيد سيده ، وزمامه في قبضته ، فهو كالميت بين يدي غاسله ، وهولا يرى لنفسه استحقاقا للنجاة؛ لاعتقاده في نفسه أنه من أهل السخط ، ولا يقرأ اسمه إلا من ديوان الشقاوة .
ولا ينبغي للمضطر أن يستعين بأحد في أن يدعو له ، لأن الله وعد الإجابة له . . . لا لمن يدعو له .
ثم كما وعد المضطر الإجابة وكشف السوء وعده بقوله : -
{ ويجعلكم خلفآء الأرض أءله مع الله قليلا ما تذكرون } .
فإن مع العسر يسرا ، ولم يقل : العسر إزالة ، ولكن قال : مع العسر يسر؛ فنهار اليسر حاصل بعد ظلام العسر .
ثم قال : { أءله مع الله قليلا ما تذكرون } لأن العبد إذا زال عسره ، وكشف عنه ضره نسي ما كان فيه ، وكما قال القائل :
كأن الفتى لم يعر يوما إذا اكتسى ... ولم يك صعلوكا إذا ما تمولا

(5/497)


أم من يهديكم في ظلمات البر والبحر ومن يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته أئله مع الله تعالى الله عما يشركون (63)

قوله جل ذكره : { أمن يهديكم فى ظلمات البر والبحر } .
إذا أظلم الوقت على صاحبه في متعارض الخواطر عند استبهام وجه الصواب ، وضاق الأمر بسبب وحشة التدبير وظلمات أحوال التجويز ، والتحير عند طلب ترجيح بعض الخواطر على بعض بشواهد العقل . . فمن الذي يرشدكم لوجه الصواب بترك التدبير ، وللاستسلام لحكم التقدير ، وللخروج من ظلمات مجوزات العقول إلى قضايا شهود التقدير ، وتفويض الأمر إلى اختيار الحق ، والاستسلام لما جرت به الأقسام ، وسبقت به الأقدار؟ .
قوله جل ذكره : { ومن يرسل الرياح بشرا بين يدى رحمته أءله مع الله تعالى الله عما يشركون } .
من الذي يرسل رياح فضله بين يدي أنوار اختياره فيمحو آثار اختيار نفسك ، ويعجل بحسن الكفاية لك؟
ويقال : يرسل رياح التوكل فيطهر القلوب من آثار الاختيار وأوضار التدبير ، ثم يطلع شموس الرضا فيحصل برد الكفاية فوق المأمول في حال سكينة القلب . . { أءلة مع الله } ؟ { تعالى الله عما يشركون } : من إحالة المقادير على الأسباب .

(5/498)


أم من يبدأ الخلق ثم يعيده ومن يرزقكم من السماء والأرض أئله مع الله قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين (64)

يظهر ما يظهر بقدرته على مقتضى سابق حكمه ، ويخصص ما تعلقت به مشيئته وحق فيه قوله ، وسبق به قضاؤه وقدره فإذا زال وانتفى وانعدم بعض ما يظهر ويخصص . . فمن الذي يعيده مثلما بدأه؟ ومن الذي يضيق الرزق ويوسعه؟ ومن الذي يقبض في بعض الأوقات على بعض الأشخاص؟ وفي وقت آخر من الذي يبسط على قوم آخرين؟
هل في قدرة أحد غير الله ذلك؟
إن توهمتم شيئا منذ لك فأوضحوا عنه حجتكم . . وإذ قد عجزتم . . فهلا صدقتم؟ وبالتوحيد أقررتم؟ .

(5/499)


قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله وما يشعرون أيان يبعثون (65)

{ الغيب } : ما لا يطلع عليه أحد ، وليس عليه للخلق دليل ، وهو الذي يستأثر بعلمه الحق ، وعلوم الخلق عنه متقاصرة ، ثم يريد الله أن يخص قوما بعلمه أفردهم به .
{ وما يشعرون أيان يبعثون } : فإنه أخفى علم الساعة عن كل أحد .

(5/500)


بل ادارك علمهم في الآخرة بل هم في شك منها بل هم منها عمون (66)

فهم في الجملة يشكون فيه؛ فلا ينفونه ولا بالقطع يجحدونه . . وهكذا حكم كل مريض القلب ، فلا حياة له في الحقيقة ، ولا راحة له من يأسه ، إذ هو من البعث في شك ، ومن الحياة الثانية في استبعاد .

(6/1)


وقال الذين كفروا أئذا كنا ترابا وآباؤنا أئنا لمخرجون (67) لقد وعدنا هذا نحن وآباؤنا من قبل إن هذا إلا أساطير الأولين (68)

وعد آباؤنا بذلك من قبل ، ثم لم يكن لهم تحقيق ، وما نحن إلا مثلهم ، وكانوا يسألون متى الساعة؟

(6/2)


ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين (71)

فقال الحق : إنه عن قريب سيحل بهم ميقاته .

(6/3)


قل عسى أن يكون ردف لكم بعض الذي تستعجلون (72) وإن ربك لذو فضل على الناس ولكن أكثرهم لا يشكرون (73)

لأنهم لا يميزون بين محنهم ومنحهم . وعزيز من يعرف الفرق بين ما هو نعمة من الله له وبين ما هو محنة؛ فإذا تقاصر علم العبد عما فيه صلاحه ، فعسى أن يحب شيئا ويظنه خيرا وبلاؤه فيه ، ورب شيء يظنه العبد نعمة فيشكر عليها ويستديمها ، وهي محنة له يجب الصبر عليها والتضرع إلى الله في صرفها! وبعكس هذا كم من شيء يظنه الإنسان بخلاف ما هو به! .

(6/4)


وإن ربك ليعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون (74)

لا تلتبس على الله أحوالهم؛ فصادق يستوي ظاهره وباطنه يعلمه ، ومنافق يخالف باطنه ظاهره يلبس على الناس حاله . . وهو - سبحانه - يعلمه ، وكافر يستوي في الجحد سره وعلنه يعلمه ، وهو يجازي كلا على ما علمه . . كيف لا . . وهو قدره ، وعلى ما عليه قضاه وقسمه؟! .

(6/5)


وما من غائبة في السماء والأرض إلا في كتاب مبين (75)

ما من شيء إلا مثبت في اللوح المحفوظ حكمه ، ماضية فيه مشيئته ، متعلق به علمه .

(6/6)


إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون (76) وإنه لهدى ورحمة للمؤمنين (77)

وهم يخفون بعضا ، وبعضا يظهرون ، ومع ما يهوون يدورون .
وفي هذه الآية تخصيص لهذه الأمة بأن حفظ الله كتابهم ، وعصم من التغيير والتبديل ما به يدينون . وهذه نعمة عظيمة قليل منهم من عليها يشكرون؛ فالقرآن هدى ورحمة للمؤمنين ، وليس ككتابهم الذي أخبر الصادق أنهم له محرفون مبدلون .

(6/7)


إن ربك يقضي بينهم بحكمه وهو العزيز العليم (78)

هو { العزيز } المعز للمؤمنين ، { العليم } بما يستحقه كل أحد من الثواب العظيم والعذاب الأليم .

(6/8)


فتوكل على الله إنك على الحق المبين (79)

أي اجتهد في أداء فرضه ، وثق بصدق وعده في نصره ورزقه ، وكفايته وعونه . ولا يهولنك ما يجري على ظواهرهم من أذى يتصل منهم بك ، فإنما ذلك كله بتسليطنا إن كان محذورا ، وبتقييضنا وتسهيلنا إن كان محبوبا . وإنك لعلى حق وضياء صدق ، وهم على شك وظلمة شرك .

(6/9)


إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين (80)

الذين أمات الله قلوبهم بالشرك ، وأصمهم عن سماع الحق - فليس في قدرتك أن تهديهم للرشد أو تنقذهم من أسر الشك .

(6/10)


وما أنت بهادي العمي عن ضلالتهم إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون (81)

أنت تهديهم من حيث الدعاء والدلالة ، ولكنك لا تهدي أحدا من حيث إزالة الباطل من القلب وإمالته إلى العرفان ، إذ ليست بقدرتك الإزالة أو الإمالة .
أنت لا تسمع إلا من يؤمن بآياتنا ، فلا يسمع منك إلا من أسعدناه من حيث التوفيق والإرشاد إلى الطريق .

(6/11)


وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون (82)

إذا حق الوعد بإقامة القيامة أوضحنا أشراطها في كلام الدابة المخرجة من الأرض وغير ذلك من الآيات .

(6/12)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية