صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : تفسير القشيري
المؤلف : القشيري
مصدر الكتاب : موقع التفاسير
http://www.altafsir.com
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

قال يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين (144)

هذا الخطاب لتدارك قلب موسى - عليه السلام - بكل هذا الرفق ، كأنه قال : يا موسى ، إني منعتك عن شيء واحد وهو الرؤية ، ولكني خصصتك بكثير من الفضائل؛ اصطفيتك بالرسالة ، وأكرمتك بشرف الحالة ، فاشكر هذه الجملة ، واعرف هذه النعمة ، وكن من الشاكرين ، ولا تتعرض لمقام الشكوى ، وفي معناه أنشدوا :
إن أعرضوا فهم الذين تعطفوا ... وإن جنوا فاصبر لهم إن أخلفوا
وفي قوله سبحانه : { وكن من الشاكرين } إشارة لطيفة كأنه قال : لا تكن من الشاكين ، أي إن منعتك عن سؤلك ، ولم أعطك مطلوبك فلا تشكنى إذا انصرفت .

(2/438)


وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء فخذها بقوة وأمر قومك يأخذوا بأحسنها سأريكم دار الفاسقين (145)

قوله جل ذكره : { وكتبنا له فى الألواح من كل شىء موعظة وتفصيلا لكل شىء } .
وفي الأثر : أن موسى عليه السلام كان يسمع صرير القلم ، وفي هذا نوع لطف لأنه إن منع منه النظر أو منعه من النظر فقد علله بالأثر .
قوله جل ذكره : { فخذها بقوة } .
فيه إشارة إلى أن الأخذ يشير إلى غاية القرب ، والمراد ها هنا صفاء الحال ، لأن قرب المكان لا يصح على الله سبحانه .
قوله جل ذكره : { وأمر قومك يأخذوا بأحسنها } .
فرق بين ما أمر به موسى من الأخذ وبين ما أمره أن يأمر به قومه من الأخذ ، أخذ موسى عليه السلام من الحق على وجه من تحقيق الزلفة وتأكيد الوصلة ، وأخذهم أخذ قبول من حيث التزام الطاعة ، وشتان ما هما! .
قوله : { بأحسنها } بمعنى بحسنها ، و يحتمل أن تكون الهمزة للمبالغة يعني : بأحسنها ألا تعرج على تأويل وارجع إلى الأولى .
قوله جل ذكره : { سأوريكم دار الفاسقين } .
يعني عليهاغبرة العقوبة ، خاوية على عروشها ، ساقطة على سقوفها ، منهد بنيانها ، عليه قترة العقاب .
والإشارة من دار الفاسقين إلى النفوس المتابعة للشهوات ، والقلوب التي هي معادن المنى وفاسد الخطرات ، فإن الفسق يوجب خراب المحل الذي يجري فيه؛ فمن جرى على نفسه فسق خربت نفسه . وآية خراب النفوس انتفاء ما كان عليها وفيها من سكان الطاعات ، فكما تتعطل المنازل عن قطانها إذا تداعت للخراب فكذلك إذا خربت النفوس بعمل المعاصي فتنتفي عنها لوازم الطاعات ومعتادها ، فبعد ما كان العبد يتيسر عليه فعل الطاعات لو ارتكب شيئا من المحظورات يشق عليه فعل العبادة ، حتى لو خير بين ركعتي صلاة وبين مقاساة كثير من المشاق آثر تحمل المشاق على الطاعة . . وعلى هذا النحو ظلم القلوب وفسادها في إيجاب خراب محالها .

(2/439)


سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين (146) والذين كذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة حبطت أعمالهم هل يجزون إلا ما كانوا يعملون (147)

قوله جل ذكره : { سأصرف عن ءايتى الذين يتكبرون فى الأرض بغير الحق وإن يروا كل ءاية لا يؤمنوا بها } .
سأحرم المتكبرين بركات الاتباع حتى لا يقابلوا الآيات التي يكاشفون بها بالقبول ، ولا يسمعوا ما يخاطبون به بسمع الإيمان .
والتكبر جحد الحق - على لسان العلم ، فمن جحد حقائق الحق فجحوده تكبره واعتراضه على التقدير مما يتحقق جحوده في القلب .
ويقال التكبر توهم استحقاق الحق لك .
ويقال من رأى لنفسه قيمة في الدنيا والآخرة فهو متكبر .
ويقال من ظن أن شيئا منه أو له أو إليه - من النفي والإثبات - إلا على وجه الاكتساب فهو متكبر .
قوله جل ذكره : { وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل الغى يتخذوه سبيلا ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين والذين كذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة حبطت أعمالهم هل يجزون إلا ما كانوا يعملون }
تبين بهذا أنه لا يكفي شهود الحق حقا وشهود الباطل باطلا بل لا بد من شهود الحق من وجود التوفيق للحق ، ومنع شهود الباطل من وجود العصمة من اتباع الباطل .
ويقال إن الجاحد للحق - مع تحققه به - أقبح حالة من الجاهل به المقصر في تعريفه .

(2/440)


واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلا جسدا له خوار ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا اتخذوه وكانوا ظالمين (148)

قوله جل ذكره : { واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلا جسدا له خوار } .
لم يطهر قلوبهم - في ابتداء أحوالهم - عن توهم الظنون ، ولم يتحققوا بخصائص القدم وشروط الحدوث ، فعثرت أقدام فكرهم في وهاد المغليط لما سلكوا المسير .
ويقال إن أقواما رضوا بالعجل أن يكون معبودهم متى تشم أسرارهم نسيم التوحيد؟ هيهات لا! لا ولا من لاحظ جبريل وميكائيل والعرش أو الثرى ، أو الجن أو الورى . وإن من لحقه ذلك أو وجد من قبيل ما يقبل نعوت الحدثان ، أو صح في التجويز أن ترتقي إليه صواعد التقدير وشرائط الكيفية فغير صالح لاستحقاق الإلهية .
ويقال شتان بين أمة وأمة! أمة خرج نبيهم عليه السلام من بينهم أربعين يوما فعبدوا العجل ، وأمة خرج نبيهم - عليه السلام - من بينهم وأتى نيف وأربعمائة سنة فمن ذكر بين أيديهم أن الشموس والأقمار أو شيئا من الرسوم والأطلال تستحق الإلهية أحرقوه بهممهم .
ويقال لا فصل بين الجسم والجسد ، فكما لا يصلح أن يكون المعبود جسما لا يصلح أن يكون متصفا بما في معناه ، ولا أن يكون له صوت فإن حقيقة الأصوات مصاكة الأجرام الصلبة ، والتوحيد الأزلي ينافي هذه الجملة .
ويقال أجهل بقوم آمنوا بأن يكون مصنوعهم معبودهم! ولولا قهر الربوبية وأنه تعالى يفعل ما يشاء - فأي عقل يقر مثل هذا التلبيس؟!
قوله جل ذكره : { ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا اتخذوه وكانوا ظالمين } .
جعل من استحقاقه نعوت الإلهية صحة الخطاب وأن تكون منه الهداية ، وهذا يدل على استحقاق الحق بالنعوت بأن متكلم في حقائق آزاله ، وأنه متفرد بهداية العبد لا هادي سواه . وفيه إشارة إلى مخاطبة الحق - سبحانه - وتكليمه مع العبد ، وإن الملوك إذا جلت رتبتهم استنكفوا أن يخاطبوا أحدا بلسانهم حتى قال قائلهم :
وما عجب تناسي ذكر عبد ... على المولى إذا كثر العبيد
وبخلاف هذا أجرى الحق - سنته مع عباده المؤمنين ، أما الأعداء فيقول لهم : { اخسئوا فيها ولا تكلمون } [ المؤمنون : 108 ] وأما المؤمنون فقال صلى الله عليه وسلم : « ما منكم إلا يكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان » ، وأنشدوا في معناه .
وما تزدهينا الكبرياء عليهم ... إذا كلمونا أن نكلمهم مردا
قال تعالى : - { قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربى لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربى ولو جئنا بمثله مددا } [ الكهف : 109 ] .

(2/441)


ولما سقط في أيديهم ورأوا أنهم قد ضلوا قالوا لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا لنكونن من الخاسرين (149)

حين تحققوا بقبح صنيعهم تجرعوا كاسات الأسف ندما ، واعترفوا بأنهم خسروا إن لم يتداركهم من الله جميل لطفه .

(2/442)


ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفا قال بئسما خلفتموني من بعدي أعجلتم أمر ربكم وألقى الألواح وأخذ برأس أخيه يجره إليه قال ابن أم إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني فلا تشمت بي الأعداء ولا تجعلني مع القوم الظالمين (150) قال رب اغفر لي ولأخي وأدخلنا في رحمتك وأنت أرحم الراحمين (151)

قوله جل ذكره : { ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفا قال بئسما خلفتمونى من بعدى أعجلتم أمر ربكم } .
لو وجد موسى قومه بألف ألف وفاق لكان متنغص العيش لما مني به من حرمان سماع الخطاب والرد إلى شهود الأغيار . . فكيف وقد وجد قومه قد ضلوا وعبدوا العجل؟ ولا يدرى أي المحن كانت أشد على موسى :
أفقدان سماع الخطاب؟ أو بقاؤه عن سؤال الرؤية؟ أو ما شاهد من افتنان بني إسرائيل ، واستيلاء الشهوة على قلوبهم في عبادة العجل؟ سبحان الله! ما أشد بلاءه على أوليائه!
قوله جل ذكره : { وألقى الألواح وأخذ برأس أخيه يجره إليه قال ابن أم إن القوم استضعفونى وكادوا يقتلوننى فلا تشمت بى الأعداء ولا تجعلنى مع القوم الظالمين قال رب اغفر لى ولأخى وأدخلنا فى رحمتك وأنت أرحم الراحمين } .
إن موسى عليه السلام وإن كان سمع من الله فتن قومه فإنه لما شاهدهم أثرت فيه المشاهدة بما لم يؤثر فيه السماع ، وإن علم قطعا أنه تأثر بالسماع إلا أن للمعاينة تأثيرا آخر .
ثم إن موسى لما أخذ برأس أخيه يجره إليه استلطفه هارون في الخطاب .
فقال : { ابن أم } [ طه : 94 ] فذكر الأم هنا للاسترفاق والاسترحام .
وكذلك قوله : { تأخذ بلحيتى ولا برأسى ولا برأسى } [ طه : 94 ] يريد بهذا أنه قد توالت المحن علي فذرني وما أنا فيه ، ولا تزد في بلائي ، خلفتني فيهم فلم يستنصحوني . وتلك علي شديدة . ولقيت بعدك منهم ما ساءني ، ولقد علمت أنها كانت علي عظيمة كبيرة ، وحين رجعت أخذت في عتابي وجر رأسي وقصدت ضربي ، وكنت أود منك تسليتي وتعزيتي . فرفقا بي ولا تشمت بي الأعداء ، ولا تضاعف علي البلاء .
وعند ذلك رق له موسى - عليه السلام ، ورجع إلى الابتهال إلى الله والسؤال بنشر الافتقار فقال : { رب اغفر لى ولأخى وأدخلنا فى رحمتك } وفي هذا إشارة إلى وجوب الاستغفار على العبد في عموم الأحوال ، والتحقق بأن له - سبحانه - تعذيب البريء؛ إذ الخلق كلهم ملكه ، وتصرف المالك في ملكه نافذ .
ويقال : ارتكاب الذنب كان من بني إسرائيل ، والاعتذار كان من موسى وهارون عليهما السلام ، وكذا الشرط في باب خلوص العبودية .

(2/443)


إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا وكذلك نجزي المفترين (152)

يعني إن الذين اتخذوا العجل معبودا سينالهم في مستقبل أحوالهم جزاء أعمالهم . والسين في قوله « سينالهم » للاستقبال ، ومن لا يضره عصيان العاصين لا يبالي بتأخير العقوبة عن الحال ، وفرق بين الإمهال والإهمال ، والحق - سبحانه - يمهل ولكنه لا يهمل ، ولا ينبغي لمن يذنب ثم لا يؤاخذ في الحال أن يغتر بالإمهال .

(2/444)


والذين عملوا السيئات ثم تابوا من بعدها وآمنوا إن ربك من بعدها لغفور رحيم (153)

وصفهم بالتوبة بعد عمل السيئات ثم بالإيمان بعدها ، ثم قال : { من بعدها لغفور رحيم } . والإيمان الذي هو بعد التوبة يحتمل آمنوا بأنه يقبل التوبة ، أو آمنوا بأن الحق سبحانه لم يضره عصيان ، أو آمنوا بأنهم لا ينجون بتوبتهم من دون فضل الله ، أو آمنوا أي عدوا ما سبق منهم من نقض العهد شركا .
ويقال استداموا للإيمان فكان موافاتهم على الإيمان .
أو آمنوا بأنهم لو عادوا إلى ترك العهد وتضييع الأمر سقطوا من عين الله ، إذ ليس كل مرة تسلم الجرة .

(2/445)


ولما سكت عن موسى الغضب أخذ الألواح وفي نسختها هدى ورحمة للذين هم لربهم يرهبون (154)

تشير إلى حسن إمهاله - سبحانه - للعبد إذا تغير عن حد التمييز ، وغلب عليه ما لا يطيق رده من بواده الغيب .
وإذا كانت حالة الأنبياء - عليهم السلام - أنه يغلبهم ما يعطلهم عن الاختيار فكيف الظن بمن دونهم .

(2/446)


واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا فلما أخذتهم الرجفة قال رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين (155)

شتان بين أمة وأمة؛ أمة يختارهم نبيهم - عليه السلام ، وبين أمة اختارها الحق - سبحانه ، فقال : { ولقد اخترناهم على علم على العالمين } [ الدخان : 32 ] .
الذين اختارهم موسى قالوا : { أرنا الله جهرة فأخذتهم الصاعقة } [ النساء : 153 ] والذين اختارهم الحق - سبحانه - قال الله تعالى فيهم : { وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة } [ القيامة : 22 ] .
ويقال إن موسى - عليه السلام - جاهر الحق - سبحانه - بنعت التحقيق وفارق الحشمة وقال صريحا : { إن هى إلا فتنتك } ثم وكل الحكم إليه فقال : { تضل بها من تشاء وتهدى من تشاء } ثم عقبها ببيان التضرع فقال : { فاغفر لنا وارحمنا } ، ولقد قدم الثناء على هذا الدعاء فقال : { أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا } .

(2/447)


واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة إنا هدنا إليك قال عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون (156)

قوله جل ذكره : { واكتب لنا فى هذه الدنيا حسنة وفى الأخرة } .
نطق بلسان التضرع والابتهال حيث صفى إليه الحاجة ، وأخلص له في السؤال فقال : { واكتب لنا فى هذه الدنيا حسنة وفى الآخرة } أي اهدنا إليك .
وفي هذه إشارة إلى تخصيص نبينا - صلى الله عليه وسلم - في التبري من الحول والقوة والرجوع إلى الحق لأن موسى - عليه السلام قال : { واكتب لنا فى . . . . } ونبينا صلى الله عليه وسلم قال : « لا تكلني إلى نفسي طرفة عين » ولا أقل من ذلك ، وقال : « واكفلني كفالة الوليد » ثم زاد في ذلك حيث قال : « لا أحصي ثناء عليك » .
قوله جل ذكره : { إنا هدنا إليك } .
أي ملنا إلى دينك ، وصرنا لك بالكلية ، في غير أن نترك لأنفسنا بقية .
قوله جل ذكره : { قال عذابى أصيب به من أشاء ورحمتى وسعت كل شيء } .
وفي هذا لطيفة؛ حيث لم يقل : عذابي لا أخلي منه أحدا ، بل علقه على المشيئة . وفيه أيضا إشارة؛ أن أفعاله - سبحانه - غير معللة بأكساب الخلق؛ لأنه لم يقل : عذابي أصيب به العصاة بل قال : { من أشاء } ؛ وفي ذلك إشارة إلى جواز الغفران لمن أراد لأنه قال : { أصيب به من أشاء } فإذا شاء ألا يصيب به أحدا كان له ذلك ، وإلا لم يكن حينئذ مختارا .
ثم لما انتهى إلى الرحمة قال : { ورحمتى وسعت كل شئ } لم يعلقها بالمشيئة؛ لأنها نفس المشيئة ولأنها قديمة ، والإرادة لا تتعلق بالقديم . فلما كان العذاب من صفات الفعل علقه بالمشيئة ، بعكس الرحمة لأنها من صفات الذات .
ويقال في قوله تعالى : { وسعت كل شئ } مجال لآمال العصاة؛ لأنهم وإن لم يكونوا من جملة المطيعين والعبادين والعارفين فهم { شئ } .
قوله جل ذكره : { فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون } .
أي سأوجبها لهم ، فيجب الثواب للمؤمنين من الله ولا يجب لأحد شيء على الله إذ لا يجب عليه شيء لعزه في ذاته .
قوله ها هنا : { للذين يتقون } أي يجتنبون أن يروا الرحمة باستحقاقهم ، فإذا اتقوا هذه الظنون ، وتيقنوا أن أحكامه ليست معللة بأكسابهم - استوجبوا الرحمة ، ويحكم بها لهم .
{ والذين هم بآياتنا يؤمنون } أي بما يكاشفهم به الأنظار مما يقفون عليه بوجوه الاستدلال ، وبما يلاطفهم به في الأسرار مما يجدونه في أنفسهم من فنون الأحوال .

(2/448)


الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون (157)

قوله جل ذكره : { الذين يتبعون الرسول النبى الأمى الذى يجدونه مكتوبا عندهم فى التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبآئث } .
أظهر شرف المصطفى - صلى الله عليه وسلم - بقوله : { النبى الأمى } أي أنه لم يكن شيء من فضائله وكمال علمه وتهيؤه إلى تفصيل شرعه من قبل نفسه ، أو من تعلمه وتكلفه ، أو من اجتهاده وتصرفه . . بل ظهر عليه كل ما ظهر من قبله - سبحانه - فقد كان هو أميا غير قارئ للكتب ، ولا متتبع للسير .
ثم قال : { يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر } : والمعروف هو القيام بحق الله ، والمنكر هو البقاء بوصف الحظوظ وأحكام الهوى ، والتعريج في أوطان المنى ، وما تصوره للعبد تزويرات الدعوى . والفاصل بين الجسمين ، والمميز بين القسمين - الشريعة ، فالحسن من أفعال العباد ما كان بنعت الإذن من مالك الأعيان فلهم ذلك ، والقبيح ما كان موافقا للنهي والزجر فليس لهم فعل ذلك .
قوله جل ذكره : { ويضع عنهم إصرهم والأغلال التى كانت عليهم } .
الإصر الثقل ، ولا شيء أثقل من كد التدبير ، فمن ترك كد التدبير إلى روح شهود التقدير ، فقد وضع عنه كل إصر ، وكفي كل وزر وأمر .
والأغلال التي كانت عليهم هي ما ابتدعوه من قبل أنفسهم باختيارهم في التزام طاعات اله ما لم يفترض عليهم ، فوكلوا إلى حولهم ومنتهم فيها؛ فأهملوها ، ونقضوا عهودهم .
ومن لقي - بخصائص الرضا - ما تجري به المقادير ، وشهد الحق في أجناس الأحداث ، فقد خص بكل نعمة وفضل .
قوله جل ذكره : { فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذى أنزل معه أولئك هم المفلحون } .
اعترف لهم بنصرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وإلا فالنبي صلى الله عليه وسلم كان الله حسيبه ، ومن كان استقلاله بالحق لم يقف انتعاشه على نصرة الخلق .

(2/449)


قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا الذي له ملك السماوات والأرض لا إله إلا هو يحيي ويميت فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون (158)

صرح بما رقيناك إليه من المقام ، وأفصح عما لقيناك به من الإكرام ، قل إني إلى جماعتكم مرسل ، وعلى كافتكم مفضل ، وديني - لمن نظر واعتبر ، وفكر وسبر - مفصل . فإلهي الذي لا شريك له ينازعه ، ولا شبيه يضارعه له حق التصرف في ملكه بما يريد من حكمه . ومن جملة ما حكم وقضى ، ونفذ به التقدير وأمضى - إرسالي إليكم لتطيعوه فيما يأمركم ، وتحذروا من ارتكاب ما يزجركم . وإن مما أمركم به أنه قال لكم : آمنوا بالنبي الأمي ، واتبعوه لتفلحوا في الدنيا والعقبى ، وتستوجبوا الزلفى والحسنى ، وتتخلصوا من البلوى والهوى .

(2/450)


ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون (159)

هم الذين سبقت لهما لعناية ، وصدقت فيهم الولاية فبقوا على الحق من غير تحريف ولا تحويل ، وأدركتهم الرحمة السابقة ، فلم تتطرق إليهم مفاجأة تغيير ، ولا خفي تبديل .

(2/451)


وقطعناهم اثنتي عشرة أسباطا أمما وأوحينا إلى موسى إذ استسقاه قومه أن اضرب بعصاك الحجر فانبجست منه اثنتا عشرة عينا قد علم كل أناس مشربهم وظللنا عليهم الغمام وأنزلنا عليهم المن والسلوى كلوا من طيبات ما رزقناكم وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون (160)

فرقهم أصنافا ، وجعلهم في التحزب أخيافا ، ثم كفاهم ما أهمهم ، وأعطاهم ما لم يكن لهم بد منه فيما نابهم؛ فظللنا عليهم ما وقاهم أذى الحر والبرد ، وأنزلنا عليهم المن والسلوى مما نفى عنهم تعب الجوع والجهد والسعي والكد ، وفجرنا لهم العيون عند النزول حتى كانوا يشاهدونهم عيانا ، وألقينا بقلوبهم من البراهين ما أوجب لهم قوة اليقين ، ولكن ليست العبرة بأفعال الخلق ولا بأعمالهم إنما المدار على مشيئة الحق ، سبحانه وتعالى فيما يمضي عليهم من فنون أحوالهم .

(2/452)


وإذ قيل لهم اسكنوا هذه القرية وكلوا منها حيث شئتم وقولوا حطة وادخلوا الباب سجدا نغفر لكم خطيئاتكم سنزيد المحسنين (161)

يخبر عما ألزمهم من مراعاة الحدود ، وما حصل منهم من نقض العهود . وعما ألزمهم من التكليف ، ولقاهم به من صنوف التعريف ، وإكرامه من شاء منهم بالتوفيق والتصديق ، وإذلاله من شاء منهم بالخذلان وحرمان التحقيق ، ثم ما عاقبهم به من فنون البلاء فما لقوا تعريفا ، وأذاقهم من سوء الجزاء ، حكما - من الله - حتما ، وقضاء جزما .

(2/453)


فبدل الذين ظلموا منهم قولا غير الذي قيل لهم فأرسلنا عليهم رجزا من السماء بما كانوا يظلمون (162)

جاء في التفسير أنهم زادوا حرفا في الكلمة التي قيلت لهم فقالوا : حنطة بدل « حطة » فلقوا من البلاء ما لقوا تعريفا أن الزيادة في الدين ، والابتداع في الشرع عظيم الخطر ، ومجاوزة حد الأمر شديد الضرر .
ويقال إذا كان تغيير كلمة هي عبارة عن التوبة يوجب كل ذلك العذاب - فما الظن بتغيير ما هو خبر عن صفات المعبود؟
ويقال إن القول أنقص من العمل بكل وجه - فإذا كان التغيير في القول يوجب كل هذا . . فكيف بالتبديل والتغيير في الفعل؟

(2/454)


واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر إذ يعدون في السبت إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون (163)

كان دينهم الأخذ بالتأويل ، وذلك روغان - في التحقيق ، وإن الحقائق تأبى إلا الصدق ، وإن التعريج في أوطان الحظوظ والجنوح إلى محتملات الرخص فسخ لأكيد مواثيق الحقيقة ، ومن شاب شوب له ، ومن صفى صفي له .

(2/455)


وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون (164)

الحقائق - وإن كانت لازمة - فليست للعبد عند لوازم الشرع عاذرة بل الوجوب يفترض شرعا ، وإن كان التقدير غالبا بكل وجه .

(2/456)


فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون (165)

إذا تمادى العبد في تهتكه ، ولم يبال بطول الإمهال والستر لم تهمل يد التقرير عن استئصال العين ، ومحو الأثر ، وسرعة الحساب ، وتعجيل العذاب الأدنى قبل هجوم الأكبر . ثم البرء في فضاء السلامة ، وتحت ظل الحفظ ، ودوام روح التخصيص وبرد عيش التقريب .

(2/457)


فلما عتوا عن ما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خاسئين (166)

إذا انتهت مدة الإمهال فليس بعده إلا حقيقة الاستئصال ، وإذا سقط العبد من عين الله لم ينتعش بعده أبدا ، فمن أسقطه حكم الملوك فلا قبول له بعد الرد ، وفي معناه أنشدوا :
إذا انصرفت نفسي عن الشيء لم تكد ... إليه بوجه آخر الدهر تقبل

(2/458)


وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب إن ربك لسريع العقاب وإنه لغفور رحيم (167)

إذا الحق - سبحانه - أمضى سنته بالإنذار وتقديم التعريف بما يستحقه كل أحد على ما يحصل منه من الآثار إبداء للعذر - وإن جلت رتبته عن كل عذر - فإن ينجع فيهم القول وإلا دمر عليهم بالعذاب .

(2/459)


وقطعناهم في الأرض أمما منهم الصالحون ومنهم دون ذلك وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون (168)

أجراهم على ما علم أنهم يكونون عليه من صلاح وسداد ، ومعاص وفساد . ثم ابتلاهم بفنون الأفعال من محن أزاحها ، ومن منن أتاحها ، وطالبهم بالشكر على ما أسدى ، والصبر على ما أبلى ، ليظهر للملائكة والخلائق أجمعين جواهرهم في الخلاف والوفاق ، والإخلاص والنفاق؛ فأما الحسنات فهي ما يشهدهم المجري ، ولا يلهيهم عن المبدي ، وأما السيئات فالتردد بين الإنجاز والتأخير ، والإباحة والتقصير .
ويقال الحسنة أن ينسيك نفسك ، والسيئة أن يشهدك نفسك .
ويقال الحسنات بتيسير وقت عن الغفلات خال ، وتسهيل يوم عن الآفات بائن . والسيئات التي ابتلاهم بها خذلان حاصل وحرمان متواصل .

(2/460)


فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق ودرسوا ما فيه والدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون (169)

قوله جل ذكره : { فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا } .
استوجبوا الذم بقوله - سبحانه : { فخلف من بعدهم خلف } لأنهم آثروا العرض الأدنى ، وركنوا إلى عاجل الدنيا ، وجعلوا نصيبهم من الآخرة المنى فقالوا : { سيغفر لنا } .
ويقال من أمارات الاستدراج ارتكاب الزلة ، والاغترار بزمان المهلة ، وحمل تأخير العقوبة على استحقاق الوصلة .
قوله جل ذكره : { وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه } .
أخبر عن إصرارهم على الاغترار بالمنى ، وإيثار متابعة الهوى .
قوله جل ذكره : { ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا } .
استفهام في معنى التقرير ، أي أمروا ألا يصفوا الحق إلا بنعت الجلال ، واستحقاق صفات الكمال ، وألا يتحاكموا عليه بما لم يأت منه خبر ، ولم يشهد بصحته برهان ولا نظر .
قوله جل ذكره : { ودرسوا ما فيه والدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون } .
يعني تحققوا بمضمون الكتاب ثم جحدوا بعد لوح البيان وظهور البرهان . يعني التعرض لنفحات فضله - سبحانه - خير لمن أمل جوده من مقاساة التعب ممن بذل - في تحصيل هواه - مجهوده .

(2/461)


والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة إنا لا نضيع أجر المصلحين (170)

قوله جل ذكره : { والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة } .
يمسكون بالكتاب إيمانا ، وأقاموا الصلاة إحسانا ، فبالإيمان وجدوا الأمان ، وبالإحسان وجدوا الرضوان؛ فالأمان معجل والرضوان مؤجل . ويقال { يمسكون بالكتاب } سبب النجاة ، وإقامة الصلاة تحقق المناجاة . فالنجاة في المآل والمناجاة في الحال .
ويقال أفرد الصلاة ها هنا بالذكر عن جملة الطاعات ليعلم أنها أفضل العبادات بعد معرفة الذات والصفات .
قوله جل ذكره : { إنا لا نضيع أجر المصلحين } .
من أمل سبب إنعامنا لم تخسر له صفقة ، ولم تخفق له في الرجاء رفقة ، ويقال من نقل ( . . . ) إلى بابه قدمه لم يعدم في الآجل نعمه ، ومن رفع إلى ساحات جوده هممه نال في الحال كرمه .
ويقال من توصل غليه بجوده نال في الدارين شرفه . ومن اكتفى بجوده كان الله عنه خلفه .

(2/462)


وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة وظنوا أنه واقع بهم خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه لعلكم تتقون (171)

ليس من يأتي طوعا كمن يأتي جبرا ، فإن الذي يأتي قهرا لا يعرف للحق - سبحانه - قدرا ، وفي معناه أنشدوا :
إذا كان لا يرضيك إلا شفاعة ... فلا خير في ود يكون لشافع
وأنشدوا :
إذا أنا عاتبت الملول فإنما ... أخط بأقلامي على الماء أحرفا
وهبه ارعوى بعد العتاب ... ألم يكن تودده طبعا ، فصار تكلفا؟
ويقال قصارى من أتى خيرا أن ينكص على عقبيه طوعا ، كذلك لما قابلوا الكتاب بالإجبار ما لبثوا حتى قابلوه بالتحريف .

(2/463)


وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين (172) أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون (173)

أخبر هذه الآية عن سابق عهده ، وصادق وعده ، وتأكيد عناج وده ، بتعريف عبده ، وفي معناه أنشدوا :
سقيا لليلى والليالي التي ... كنا بليلى نلتقي فيها
أفديك بل أيام دهري كلها ... يفدين أياما عرفتك فيها
ويقال فأجابهم بتحقيق العرفان قبل أن يقع لمخلوق عليهم بصر ، أو ظهر في قلوبهم لمصنوع أثر ، أو كان لهم من حميم أو قريب أو صديق أو شفيق خبر ، وفي معناه أنشدوا :
أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى ... فصادق قلبا فارغا فتمكنا
ويقال جمعهم في الخطاب ولكنه فرقهم في الحال . وطائفة خاطبهم بوصف القربة فعرفهم في نفس ما خاطبهم ، وفرقة أبقاهم في أوطان الغيبة فأقصاهم عن نعت العرفان وحجبهم .
ويقال أقوام لاطفهم في عين ما كاشفهم فأقروا بنعت التوحيد ، وآخرون أبعدهم في نفس ما أشهدهم فأقروا عن رأس الجحود .
ويقال وسم بالجهل قوما فألزمهم بالإشهاد بيان الحجة فأكرمهم بالتوحيد ، وآخرين أشهدهم واضح الحجة ( . . . ) .
ويقال تجلى لقوم فتولى تعريفهم فقالوا : « بلى » عن حاصل يقين ، وتعزز عن آخرين فأثبتهم في أوطان الجحد فقالوا : « بلى » عن ظن وتخمين .
ويقال جمع المؤمنين في الأسماء ولكن غاير بينهم في الرتب؛ فجذب قلوب قوم إلى الإقرار بما أطمعها فيه من المبار ، وأنطق آخرين بصدق الإقرار بما أشهدهم من العيان وكاشفهم به من الأسرار .
ويقال فرقة ردهم إلى الهيبة فهاموا ، وفرقة لاطفهم بالقربة فاستقاموا .
ويقال عرف الأولياء أنه من هو فتحققوا بتخليصهم ، ولبس على الأعداء فتوقفوا لحيرة عقولهم .
ويقال أسمعهم وفي نفس أحضرهم ، ثم أخذهم عنهم فيما أحضرهم ، وقام عنهم فأنطقهم بحكم التعريف ، وحفظ عليهم - بحسن التولي - أحكام التكليف وكان - سبحانه - لهم مكلفا ، وعلى ما أراده مصرفا ، وبما استخلصهم له معرفا ، وبما رقاهم إليه مشرقا .
ويقال كاشف قوما - في حال الخطاب - بجماله فطوحهم في هيمان حبه ، فاستمكنت محابهم في كوامن أسرارهم؛ فإذا سمعوا - اليوم - سماعا تجددت تلك الأحوال ، فالانزعاج الذي يظهر فيهم لتذكر ما سلف لهم من العهد المتقدم .
ويقال أسمع قوما بشاهد الربوبية فأصحاهم عن عين الاستشهاد فأجابوا عن عين التحقيق ، وأسمع آخرين بشاهد الربوبية فمحاهم عن التحصيل فأجابوا بوصف الجحود .
ويقال أظهر آثار العناية بدءا حين اختص بالأنوار التي رشت عليهم قوما ، فمن حرمه تلك الأنوار لم يجعله أهلا للوصلة ، ومن أصابته تلك الأنوار أفصح بما خص به من غير مقاساة كلفة .

(2/464)


وكذلك نفصل الآيات ولعلهم يرجعون (174)

إذا سدت عيون البصائر فما ينفع وضوح الحجة .

(2/465)


واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين (175)

الحق - سبحانه - يظهر الأعداء في دار الخلة ثم يردهم إلى سابق القسمة ، ويبرز الأولياء بنعت الخلاف والزلة ، ثم يغلب عليهم مقسومات الوصلة .
ويقال أقامه في محل القربة ، ثم أبرز له من مكامن المكر ما أعد له من سابق التقدير؛ فأصبح والكل دونه رتبة ، وأمسى والكلب فوقه - مع خساسته . . وفي معناه أنشدوا :
فبينا بخير والدنى مطمئنة ... وأصبح يوما - والزمان تقلبا
ويقال ليست العبرة بما يلوح في الحال ، إنما العبرة بما يؤول إليه في المآل .

(2/466)


ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون (176)

قوله جل ذكره : { ولو شئنا لرفعناه بها } .
لو ساعدته المشيئة بالسعادة الأزلية لم تلحقه الشقاوة الأبدية ، ولكن من قصمته السوابق لم تنعشه اللواحق .
قوله جل ذكره : { ولكنه أخلد إلى الأرض } .
إذا كانت مساكنة آدم للجنة وطمعه في الخلود فيها أوجبا خروجه عنهان فالركون إلى الدنيا - متى يوجب البقاء فيها؟ .
قوله جل ذكره : { واتبع هواه } .
موافقة الهوى تنزل صاحبها من سماء العز إلى تراب الذل ، وتلقيه في وهدة الهوان؛ ومن لم يصدق علما فعن قريب يقاسيه وجودا .
قوله جل ذكره : { فمثله كمثل الكلب } .
من أخلاق الكلب التعرض لمن لم يخفه على جهة الابتداء ، ثم الرضاء عنه بلقمة . . كذلك الذي ارتد عن طريق الإرادة يصير ضيق الصدر ، سيئ الخلق ، يبدأ بالجفاء كل بريء ، ثم يهدأ طياشة بنيل كل عرض خسيس .
قوله جل ذكره : { إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون } .
المحجوب عن الحقيقة عنده الإساءة والإحسان ( سيان ) ، فهو في الحالين : إما صاحب ضجر أو صاحب بطر ، لا يحمل المحنة إلا زوال الدولة ، ولا يقابل النعمة إلا بالنهمة ، فهو في الحالين محجوب عن الحقيقة .
ويقال الكلب نجاسته أصلية ، وخساسته كلية ، كذلك المردوده في الصفة؛ له نقصان القيمة وحرمان القسمة .

(2/467)


ساء مثلا القوم الذين كذبوا بآياتنا وأنفسهم كانوا يظلمون (177)

أي صفته أدنى من نعت من بلي بالإعراض الأزلي ، وأي نعت أعلى من وصف من أكرم بالقبول الأبدي؟ وأي حيلة تنفع مع من يخلق الحيلة؟ وكيف تصح الوسيلة إلا لمن منه الوسيلة؟ .

(2/468)


من يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل فأولئك هم الخاسرون (178)

ليست الهداية من حيث السعاية ، إنما الهداية من حيث البداية ، وليست الهداية بفكر العبد ونظره ، إنما الهداية بفضل الحق وجميل ذكره .

(2/469)


ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون (179)

قوله جل ذكره : { ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس } .
من خلقه لجهنم - متى يستوجب الجنات؟
ومن أهله للسخطة - أنى يستحق الرضوان؟
ولولا انسداد البصائر وإلا فأي إشكال بقي بعد هذا الإيضاح؟
ويقال هم - اليوم - في جحيم الجحود ، مقرنين في أصفاد الخذلان ، ملبسين ثياب الحرمان ، طعامهم ضريع الوحشة ، وشرابهم حميم الفرقة ، وغدا هم في جحيم الحرقة كما فصل في الكتاب شرع تلك الحالة .
قوله جل ذكره : { لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون } .
أي لا يفقهون معاني الخطاب كما يفهم المحدثون ، وليس لهم تمييز بين خواطر الحق وبين هواجس النفس ووساوس الشيطان ، ولهم أعين لا يبصرون بها شواهد التوحيد وعلامات اليقين؛ فلا ينظرون إلا من حيث الغفلة ، ولا يسمعون إلا دواعي الفتنة ، ولا ينخرطون إلا مع من سلك ركوب الشهوة .
{ أولئك كالأنعام بل هم أضل } : لأن الأنعام قد رفع عنها التكليف ، وإن لم يكن لها وفاق الشرع فليس منها أيضا خلاف الأمر .
والأنعام لا يهمها إلا الاعتلاف ، وما تدعو الحيلة من مباشرة الجنس ، فكذلك من أقيم بشواهد نفسه وكان من المربوطين بأحكام النفس ، وفي معناه أنشدوا :
نهارك يا مغرور سهو وغفلة ... وليلك نوم والردى لك لازم
وسعيك فيها سوف تكره غبه ... كذلك في الدنيا تعيش البهائم

(2/470)


ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون (180)

سبحان من تعرف إلى أوليائه بنعوته وأسمائه فعرفهم أنه من هو ، وبأي وصف هو ، وما الواجب في وصفه ، وما الجائز في نعته ، وما الممتنع في حقه وحكمه؛ فتجلى لقلوبهم بما يكاشفهم به من أسمائه وصفاته ، فإن العقول محجوبة عن الهجوم بذواتها بما يصح إطلاقه في وصفه ، وإن كانت واقفة على الواجب والجائز والممتنع في ذاته ، فللعقل العرفان بالجملة ، وبالشرع الإطلاق والبيان في الإخبار ، والقول فيما ورد به التوفيق يطلق ، وما سكت عنه التوفيق يمنع . ويقال من كان الغالب عليه وصف من صفاته ذكره بما يقتضي هذا الوصف؛ فمن كان مكاشفا بعطائه ، مربوط القلب بأفضاله فالغالب على قالته الثناء عليه بأنه الوهاب والبار والمعطي وما جرى مجراه . ومن كان مجذوبا عن شهود الإنعام ، مكاشفا بنعت الرحمة فالذي يغلب على ذكره وصفه بأنه الرحمن والرحيم والكريم وما في معناه . ومن سمت همته عن شهود وجوده ، واستهلك في حقائق وجوده فالغالب على لسانه الحق . ولذلك فأكثر أقوال العلماء في الإخبار عنه : « البارئ » لأنهم في الترقي في شهود الفعل إلى شهود الفاعل . وأما أهل المعرفة فالغالب على لسانها « الحق » لأنهم مختطفون عن شهود الآثار ، متحققون بحقائق الوجود .
وقال إن الله - سبحانه - وقف الخلق بأسمائه فهم يذكرونها قالة ، وتعزز بذاته ، والعقول - وإن صفت لا تهجم على حقائق الإشراف ، إذ الإدراك لا يجوز على الحق؛ فالعقول عند بواده الحقائق متقنعة بنقاب الحيرة عند التعرض للإحاطة ، والمعارف تائهة عند قصد الإشراف على حقيقة الذات ، والأبصار حسيرة عند طلب الإدراك في أحوال الرؤية ، والحق سبحانه عزيز ، وباستحقاق نعوت التعالي متفرد .
قوله : { وذروا الذين يلحدون فى أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون } : الإلحاد هو الميل عن القصد ، وذلك على وجهين بالزيادة والنقصان؛ فأهل التمثيل زادوا فألحدوا ، وأهل التعطيل نقصوا فألحدوا .

(2/471)


وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون (181)

أجرى الحق - سبحانه - سنته بألا يخلي البسيطة من أهل لها هم الغياث وبهم دوام الحق في الظهور ، وفي معناه قالوا :
إذا لم يكن قطب ... فمن ذا يديرها؟
فهدايتهم بالحق أنهم يدعون إلى الحق ، ويدلون على الحق ، ويتحركون بالحق ، ويسكنون للحق بالحق ، وهم قائمون بالحق؛ يصرفهم الحق بالحق أولئك هم غياث الخلق؛ بهم يسقون إذا قحطوا ، ويمطرون إذا أجدبوا ، ويجابون إذا دعوا .

(2/472)


والذين كذبوا بآياتنا سنستدرجهم من حيث لا يعلمون (182) وأملي لهم إن كيدي متين (183)

الاستدراج أن يلقى في أوهامهم أنهم من أهل الوصلة ، وفي الحقيقة : السابق لهم من القسمة حقائق الفرقة .
ويقال الاستدراج انتشار الصيت بالخير في الخلق ، والانطواء على الشر - في السر - مع الحق .
ويقال الاستدراج ألا يزداد في المستقبل صحبة إلا ازداد في الاستحقاق نقصان رتبة .
ويقال الاستدراج الرجوع من توهم صفاء الحال إلى ركوب قبيح الأعمال ، ولو كان صادقا في حاله لكان معصوما في أعماله .
ويقال الاستدراج دعاوى عريضة صدرت عن معان مريضة .
ويقال الاستدراج إفاضة البر مع ( . . . ) الشكر .

(2/473)


أولم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة إن هو إلا نذير مبين (184)

أو لم يتأملوا بأنوار البصائر ليشهدوا أخلاق آثار التقريب بجملة أحواله - عليه السلام - ليعلموا أن ذلك الشاهد ليس بشاهد متخرص .
ويقال إن برود الواسطة - صلوات الله عليه وعلى آله - كانت بنسيم القربة معطرة ، ولكن لا يدرك ذلك النشر إلا بشم العرفان ، فمن فقد ذلك - فأي خبر له عن حقيقة حاله - صلوات الله عليه .

(2/474)


أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم فبأي حديث بعده يؤمنون (185)

قوله جل ذكره : { أولم ينظروا فى ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شىء } .
أطلع الله - سبحانه - أقمار الآيات ، وأماط عن ضيائها سحاب الشبهات؛ فمن استضاء بها ترقى إلى شهود القدرة .
ويقال ألاح الله تعالى - لقلوب الناظرين بعيون الفكر - حقائق التحصيل؛ فمن لم يعرج في أوطان التقصير أنزلته مراكب السر بساحات التحقق .
قوله جل ذكره : { وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم فبأى حديث بعده يؤمنون } .
الناس في مغاليط آمالهم ناسون لوشيك آجالهم ، فكم من ناسج لأكفانه! وكم من بان لأعدائه! وكم من زارع لم يحصد زرعه!
هيهات! الكبش يعتلف والقصاب مستعد له!
ويقال سرعة الأجل تنغص لذة الأمل .

(2/475)


من يضلل الله فلا هادي له ويذرهم في طغيانهم يعمهون (186)

من حرم أنوار التحقيق فهو في ضباب الجهل ، فهو يزل يمينا ويسقط شمالا .

(2/476)


يسألونك عن الساعة أيان مرساها قل إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو ثقلت في السماوات والأرض لا تأتيكم إلا بغتة يسألونك كأنك حفي عنها قل إنما علمها عند الله ولكن أكثر الناس لا يعلمون (187)

السائل عن الساعة رجلان؛ منكر يتعجب لفرط جهله ، وعارف مشتاق يستعجل لفرط شوقه ، والمتحقق بوجوده ساكن في حاله؛ فسيان عنده قيام القيامة ودوام السلامة .
ويقال الحق - سبحانه - استأثر بعلم الساعة؛ فلم يطلع على وقتها نبيا ولا صفيا ، فالإيمان بها غيبي ، ويقين أهل التوحيد صادق عن شوائب الريب . ثم معجل قيامتهم يوجب الإيمان بمؤجلها .

(2/477)


قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون (188)

أمره بتصريح الإقرار بالتبري عن حوله ومنته ، وأن قيامه وأمره ونظامه بطول ربه ومته؛ ولذلك تتجنس علي الأحوال ، وتختلف الأطوار؛ فمن عسر يمسني ، ومن يسر يخصني ، ولو كان الأمر بمرادي ، ولم يكن بيد غيري قيادي لتشابهت أحوالي في اليسر ، ولتشاكلت أوقاتي في البعد من العسر .

(2/478)


هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها فلما تغشاها حملت حملا خفيفا فمرت به فلما أثقلت دعوا الله ربهما لئن آتيتنا صالحا لنكونن من الشاكرين (189)

قوله جل ذكره : { هو الذى خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها } .
أخرج النسمة من نفس واحدة وأخلاقهم مختلفة ، وهممهم متباينة ، كما أن الشخص من نطفة واحدة وأعضاؤه وأجزاءه مختلفة . فمن قدر على تنويع النطفة المتشاكلة أجزاؤها فهو القادر على تنويع أخلاق الخلق الذين أخرجه من نفس واحدة .
قوله جل ذكره : { ليسكن إليها فلما تغشاها حملت حملا خفيفا فمرت به فلما أثقلت دعوا الله ربهما لئن آتيتنا صالحا لنكونن من الشاكرين } .
رد المثل إلى المثل ، وربط الشكل بالشكل ، ليعلم العالمون أن سكون الخلق مع الحق لا إلى الحق ، وكذلك أنسل الخلق من الخلق لا من الحق ، فالحق تعالى قدوس؛ منه كل حظ للخلق خلقا ، منزه عن رجوع شيء إلى حقيقته حقا .

(2/479)


فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء فيما آتاهما فتعالى الله عما يشركون (190)

شر الناس من يبتهل إلى الله عند هجوم البلاء بخلوص الدعاء ، وشدة التضرع والبكاء ، فإذا أزيلت شكاته ، ودفعت - بمنته - آفاته ضيع الوفاء ، ونسي البلاء ، وقابل الرفد بنقض العهد وأبدل العقد برفض الود ، أولئك الذين أبعدهم الله في سابق الحكم ، وخرطهم في سلك أهل الرد .

(2/480)


أيشركون ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون (191) ولا يستطيعون لهم نصرا ولا أنفسهم ينصرون (192)

كما لا يجوز أن يكون الرب مخلوقا لا يجوز أن يكون غير الرب خالقا ، فمن وصف الحق بخصائص وصف الخلق فقد ألحد ، ومن نعت الخلق بما هو من
خصائص حق الحق فقد جحد .
قوله جل ذكره : { ولا يستطيعون لهم نصرا ولآ أنفسهم ينصرون } .
من حكم بأنه ليس في مقدور الحق شيء لو فعله اسم الجاهل طوعا إلا فعله فقد وصف بأنه لا يقدر على نصره فمضاه الذي يعيد الجماد ونعوذ بالله من الضلالة عن الرشاد .

(2/481)


وإن تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون (193)

المعبود هو القادر على هداية داعيه ، وعلم العبد بقدرة معبوده يوجب تبريه عن حوله وقوته ، وإفراد الحق - سبحانه - بالقدرة على قضاء حاجته ، وإزالة ضرورته فتتقاصر عن قصد الخلق خطاه ، وتنقطع آماله عن غير مولاه .

(2/482)


إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم فادعوهم فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين (194)

إذا قرنت الضرورة بالضرورة تضاعف البلاء ، وترادف العناء؛ فالمخلوق إذا استعان بمخلوق مثله ازداد بعد مراده عن النجح . وكيف تشكو لمن هو ذو شكاية؟! هيهات! إن ذلك خطأ من الظن ، وباطل من الحسبان .

(2/483)


ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها أم لهم أعين يبصرون بها أم لهم آذان يسمعون بها قل ادعوا شركاءكم ثم كيدون فلا تنظرون (195)

قوله جل ذكره : { ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بهآ أم لهم أعين يبصرون بهآ أم لهم ءاذان يسمعون بها } .
بين بهذه الآيات أن الأصنام التي عبدوها دونهم فيما اعتقدوا فيه صفة المدح ، ثم لم يعبد بعضهم بعضا ، فكيف استجازوا عبادة ما فاقهم في النقص؟ .
قوله جل ذكره : { قل ادعوا شركاءكم ثم كيدون فلا تنظرون } .
صدق التوكل على الله يوجب ترك المبالاة بغير الله ، كيف لا . . . والمتفرد بالقدرة - على النفع والضرر ، والخير والشر - الله؟

(2/484)


إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين (196) والذين تدعون من دونه لا يستطيعون نصركم ولا أنفسهم ينصرون (197)

من قام بحق الله تولى أموره على وجه الكفاية ، فلا يخرجه إلى مثاله ، ولا يدع شيئا من أحواله إلا أجراه على ما يريده بحسن أفضاله ، فإن لم يفعل ما يريده جعل العبد راضيا بما يفعل ، وروح الرضا على الأسرار أتم من راحة العطاء على القلوب .

(2/485)


وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون (198)

شاهدوه بأبصارهم لكنهم حجبوا عن رؤيته ببصائر أسرارهم وقلوبهم فلم يعتد برؤيتهم .
ويقال رؤية الأكابر ليست بشهود أشخاصهم ، لكن بما يحصل للقلوب من مكاشفات الغيب ، وذلك على مقادير الاحترام وحصول الإيمان .

(2/486)


خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين (199)

من خصائص سنة الله في الكرم أنه أمر نبيه - صلوات الله عليه وعلى آله - بالأخذ به ، إذ الخبر ورد بأن المؤمن أخذ من الله خلقا حسنا . وكلما كان الجرم أكبر كان العفو عنه أجر وأكمل ، وعلى قدر عظم رتبة العبد في الكرم يتوقف العفو عن الأصاغر والخدم ، قال النبي صلى الله عليه وسلم في الجراحات التي أصابته في حرب أحد : « اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون » .
قوله { وامر بالعرف } : أفضل العرف أن يكون أكمل العطاء لأكثر أهل الجفاء ، وبذلك عامل الرسول - صلى الله عليه وعلى آله - الناس .
قوله : { وأعرض عن الجاهلين } : الإعراض عن الأغيار بالإقبال عن من لم يزل ولا يزال ، وفي ذلك النجاة من الحجاب ، والتحقق بما يتقاصر عن شرحه الخطاب .

(2/487)


وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم (200)

إن سنح في باطنك من الوساوس أثر فاستعذ بالله يدركك بحسن التوفيق ، وإن هجس في صدرك من الحظوظ خاطر فاستعذ بالله يدركك بإزالة كل نصيب ، وإن لحقتك في بذل الجهد فترة فاستعذ بالله يدركك بإدامة آلائه ، وإن اعترتك في الترقي إلى محل الوصول وقفة فاستعذ بالله يدركك بإدامة التحقيق ، وإن تقاصر عنك شيء من خصائص القرب - صيانة عن شهود المحل - فاستعذ بالله يثبتك له بدلا من لك بك .

(2/488)


إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون (201)

إنما يمس المتقين طيف الشيطان في ساعات غفلتهم عن ذكر الله ، ولو أنهم استداموا ذكر الله بقلوبهم لما مسهم طائف الشيطان ، فإن الشيطان لا يقرب قلبا في حال شهوده الله؛ لأنه ينخنس عند ذلك . ولكن لكل صارم نبوة ، ولكل عالم هفوة ، ولكل عابد شدة ، ولكل قاصد فترة ، ولكل سائر وقفة ، ولكل عارف حجبة ، قال صلى الله عليه وسلم : « إنه ليغان على قلبي . . . » أخبر أنه يعتريه ما يعتري غيره ، وقال صلى الله عليه و سلم : « الحدة تعتري خيار أمتي » ، فأخبر أن الأمة - وإن جلت رتبتهم لا يتخلصون عن حدة تعتريهم في بعض أحوالهم فتخرجهم عن دوام الحلم .

(2/489)


وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون (202)

إخوان الشيطان أرباب دوام الغيبة؛ فهم في كمال الغفلة تدوم بهم الحجبة؛ فمنهم بالزلة من لم يلم ، أو ألم ولكن لم يصرفهم خياره ، ومنهم من غفل واغتر ، وعلى دوام العيبة أصر - فهم المحجوبون قطعا ، والمبعدون - عن محل القرب - صدا وردا .

(2/490)


وإذا لم تأتهم بآية قالوا لولا اجتبيتها قل إنما أتبع ما يوحى إلي من ربي هذا بصائر من ربكم وهدى ورحمة لقوم يؤمنون (203)

من شاهد الحق من حيث الخلق سقط في مهواة المغاليط ، فهو في متاهات الشك يجوب منازل الريب ، ولا يزداد إلا عمى على عمى . ومن طالع الخلق بعين تصريف القدرة إياهم تحقق بأنهم لا يظهرون إلا في معرض اختيار الحق لهم ، فهو ينظر بنور البصيرة ، ويستديم شهود التصريف بوصف السكينة .

(2/491)


وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون (204)

استمعوا بسمع الإيمان والتصديق ، وأنصتوا ( بصون ) الخواطر عن معارضات الاعتراض ، ومطالبات الاستكشاف . ومن باشر التحقيق سره لازم التصديق قلبه .
والإنصات - في الظاهر - من آداب أهل الباب ، والإنصات - بالسرائر - من آداب أهل البساط ، قال الله تعالى في نعت تواصي الجن بعضهم لبعض عند شهود الرسول صلى الله عليه وسلم { فلما حضروه قالوا أنصتوا } [ الأحقاف : 29 ] ؛ فإذا كان الحضور إلى الواسطة عليه السلام يوجب هذه الهيبة فلزوم الهيبة وحفظ الأدب عند حضور القلب بشهود الرب أولى وأحق ، قال تعالى : { وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا } [ طه : 108 ] .

(2/492)


واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو والآصال ولا تكن من الغافلين (205)

التضرع إذا كوشف العبد بوصف الجمال في أوان البسط ، والخيفة إذا كوشف بنعت الجلال في أحوال الهيبة ، وهذا للأكابر .
فأما من دونهم فتنوع أحوالهم من حيث الخوف والرجاء ، والرغبة والرهبة . ومن فوق الجميع فأصحاب البقاء والفناء ، والصحو والمحو ووراءهم أرباب الحقائق مثبتون في أوطان التمكين ، فلا تلون لهم ولا تجنس لقيامهم بالحق ، وامتحائهم عن شواهدهم .

(2/493)


إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله يسجدون (206)

أثبت لهم عندية الكرامة ، وحفظ عليهم أحكام العبودية لئلا ينفك حال جمعهم عن نعت فرقهم ، وهذه سنة الله تعالى مع خواص عباده؛ يلقاهم بخصائص عين الجمع ويحفظ عليهم حقائق عين الفرق لئلا يخلو بآداب العبودية في أوان وجود الحقيقة .

(2/494)


يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين (1)

قوله جل ذكره : { يسئلونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول } .
الأنفال ها هنا ما آل إلى المسلمين من أموال المشركين ، وكان سؤالهم عن حكمها ، فقال الله تعالى : قل لهم إنها لله ملكا ، ولرسوله - عليه السلام - الحكم فيها بما يقضى به أمرا وشرعا .
قوله جل ذكره : { فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم } .
أي أجيبوا لأمر الله ، ولا تطيعوا دواعي مناكم والحكم بمقتضى أحوالحم ، وابتغوا إيثار رضاء الحق على مراد النفس ، وأصلحوا ذات بينكم ، وذلك بالانسلاخ عن شح النفس ، وإيثار حق الغير على مالكم من النصيب والحظ ، وتنقية القلوب عن خفايا الحسد والحقد .
قوله جل ذكره : { وأطيعوا الله ورسوله } .
أي في الإجابة إلى ما يأتيكم من الإرشاد .
قوله جل ذكره : { إن كنتم مؤمنين } .
أي سبيل المؤمن ألا يخالف هذه الجملة .

(2/495)


إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون (2)

الوجل شدة الخوف ، ومعناه ها هنا أن يخرجهم الوجل عن أوطان الغفلة ، ويزعجهم عن مساكن الغيبة . فإذا انفصلوا عن أودية التفرقة وفاؤوا إلى مشاهد الذكر نالوا السكون إلى الله - عز وجل؛ فيزيدهم ما يتلى عليهم من آياته تصديقا على تصديق ، وتحقيقا على تحقيق . فإذا طالعوا جلال قدره ، وأيقنوا قصورهم عن إدراكه ، توكلوا عليه في إمدادهم بالرعاية في نهايتهم ، كما استخلصهم بالعناية في بدايتهم .
ويقال سنة الحق - سبحانه مع أهل العرفان أن يرددهم بين كشف جلال ولطف جمال ، فإذا كاشفهم بجلاله وجلت قلوبهم ، وإذا لاطفهم بجماله سكنت قلوبهم ، قال الله تعالى : { وتطمئن قلوبهم بذكر الله } [ الرعد : 28 ] . ويقال وجلت قلوبهم بخوف فراقه ، ثم تطمئن وتسكن أسرارهم بروح وصاله . وذكر الفراق يفنيهم وذكر الوصال يصحيهم ويحييهم .
ويقال الطالبون في نوح رهبتهم ، والواصلون في روح قربتهم ، والموحدون في محو غيبتهم؛ استولت عليهم الحقائق فلا لهم تطلع لوقت مستأنف فيستفزهم خوف أو يجرفهم طمع ، ولا لهم إحساس فتملكهم لذة؛ إذ لما اصطلموا ببواده ما ملكهم فهم عنهم محو ، والغالب عليهم سواهم .

(2/496)


الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون (3) أولئك هم المؤمنون حقا لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم (4)

لا يرضون في أعمالهم بإخلال ، ولا يتصفون بجمع مال من غير حلال ، ولا يعرجون في أوطان التقصير بحال ، أولئك الذين صفتهم ألا يكون للشريعة عليهم نكير ، ولا لهم عن أحكام الحقيقة مقيل .
{ هم المؤمنون حقا } أي حققوا حقا وصدقوا صدقا . ويقال حق لهم ذلك حقا . قوله : { لهم درجات عند ربهم } على حسب ما أهلهم له من الرتب؛ فبسابق قسمته لهم استوجبوها ، ثم بصادق خدمتهم - حين وفقهم لها - بلغوها .
ولهم مغفرة في المآل ، والستر في الحال لأكابرهم ، فالمغفرة الستر ، والحق سبحانه يستر مثالب العاصين ولا يفضحهم لئلا يحجبوا عن مأمول أفضالهم ، ويستر مناقب العارفين عليهم لئلا يعجبوا بأعمالهم وأحوالهم ، و فرق بين ستر وستر ، وشتان ما هما!
وأما الرزق الكريم فيحتمل أنه الذي يعطيه من حيث لا يحتسب ، ويحتمل أنه الذي لا ينقص بإجرامهم ، ويحتمل أنه ما لا يشغلهم بوجوده عن شهود الرزاق ، ويحتمل أنه رزق الأسرار بما يكون استقلالها به من المكاشفات .

(2/497)


كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقا من المؤمنين لكارهون (5)

بين - سبحانه - أن الجدال منهم عادة وسجية ، ففي كل شيء لهم جدال واختيار؛ فكرهوا خروجه إلى بدر ، كما جادلوا في حديث الغنيمة ، قال تعالى : { يسئلونك عن الأنفال } وما يكون من خصال العبد غير متكرر ويكون على وجه الندرة كان أقرب إلى الصفح عنه والتجاوز ، فأما إذا صار ذلك عادة فهو أصعب .
ويقال ما لم تباشر خلاصة الإيمان القلب يوجد كمال التسليم وترك الاختيار ، وما دام يتحرك من العبد عرق في الاختيار فهو بعيد عن راحة الإيمان .
ولقد أجرى الله سنته مع أنبيائه ألا يفتح لهم كمال النعمى إلا بعد مفارقة مألوفات الأوطان ، والتجرد عن مساكنة ما فيه حظ ونصيب من كل معهود .
ويقال إن في هجرة الأنبياء - عليهم السلام - عن أوطانهم أمانا لهم من عادية الأعادي ، وإحياء لقلوب قوم تقاصرت أقدامهم عن المسير إليهم .
وكذلك هجرة الأولياء من خواصه؛ فيها لهم خلاص من البلايا ، واستخلاص للكثيرين من البلايا .

(2/498)


يجادلونك في الحق بعدما تبين كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون (6)

جحود الحق بعد وضوح برهانه علم لاستكبار صاحبه ، وهو - في الحال - في وحشة غيه ، معاقب بالصد وتنعص العيش ، يمل حياته ويتمنى وفاته؛ { كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون } .

(2/499)


وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين (7)

التعريج في أوطان الكسل ، ومساكنة مألوفات الراحة من خصائص أحكام النفس ، فهي بطبعها تؤثر في كل حال نصيبها ، وتتعجل لذة حظها . ولا يصل أحد إلى جلائل النعم إلا بتجرع كاسات الشدائد ، والانسلاخ عن معهودات النصيب . { ويريد الله أن يحق الحق بكلماته } أي إذا أراد الله - سبحانه - تخصيص عبد بولايته قضى على طوارق نفسه بالأفول ، وحكم لبعض شهواته بالذبول ، وإلى طوالع الحقائق بإشراقها ، ولجامع الموانع باستحقاقها .

(2/500)


ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون (8)

ليحق الحق بالتوفيق فيما يحصل ببذل المجهود ، والتحقيق لما يظهر من عين الجود .
ويقال ليحق الحق بنشر أعلام الوصل ، ويبطل الباطل بقهر أقسام الهزل .

(3/1)


إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين (9) وما جعله الله إلا بشرى ولتطمئن به قلوبكم وما النصر إلا من عند الله إن الله عزيز حكيم (10)

الاستغاثة على حسب شهود الفاقة وعدم المنة والطاقة . والتحقق بانفراد الحق بالقدرة على إزالة الشكاة تيسير للمسؤول وتحقيق للمأمول . فإذا صدقت الاستغاثة بتعجل الإجابة حصلت الآمال وقضيت الحاجة . . بذلك جرت سنته الكريمة .
ويقال بشرهم بالإمداد بالملك ، ثم رقاهم عن هذه الحالة بإشهادهم أن الإنجاز من الملك ، ولم يذرهم في المساكنة إلى الإمداد بالملك فقال : { وما النصر إلا من عند الله } ثم قال : { إن الله عزيز } فالنجاة من البلاء حاصلة ، وفنون الإنجاز والإمداد بالطاقة متواصلة ، والدعوات مسموعة ، والإجابة غير ممنوعة ، وزوائد الإحسان متاحة ، ولكن الله عزيز .
الطالب واجد ولكن بعطائه ، والراغب واصل ولكن إلى مباره . والسبيل سهل ولكن إلى وجدان لطفه ، فأما الحق فهو عزيز وراء كل وصل وفصل ، وقرب وبعد ، وما وصل أحد إلا إلى نصيبه ، وما بقي أحد إلا عن حظه ، وفي معناه أنشدوا :
وقلن لنا نحن الأهلة إنما ... نضيء لمن يسري بليل ولا نقري
فلا بذل إلا ما تزود ناظر ... ولا وصل إلا بالجمال الذي يسري

(3/2)


إذ يغشيكم النعاس أمنة منه وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام (11)

قوله جل ذكره : { إذ يغشيكم النعاس أمنة منه وينزل عليكم من السمآء مآء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم } .
غشيهم النعاس تلك الليلة فأزال عن ظواهرهم ونفوسهم كد الأغيار والكلال ، وأنزل على قلوبهم روح الأمن ، وأمطرت السماء فاغتسلوا بعدما لزمتهم الطهارة الكبرى بسبب الاحتلام ، واشتدت الأرض بالمطر فلم ترسب الأقدام في رملها ، وانتفى عن قلوبهم ما كانت الشياطين توسوس به إليهم أنه سيصيبهم العناء بسلوك رملها وبالانتفاء عن الغسل ، فلما ( . . . ) الإحساس ، واستمكن منهم النعاس ، وتداركتهم الكفاية والنصرة استيقنوا بأن الإعانة من قبل الله لا بسكونهم وحركتهم ، وأشهدهم صرف التأييد وإتمام الكفاية .
وكما طهر ظواهرهم بماء المساء طهر سرائرهم بماء التحقيق عن شهود كل غير وكل علة ، وصان أسرارهم عن الإصغاء إلى الوساوس ، وربط على قلوبهم بشهودهم جريان التقدير على حسب ما يجري الحق من فنون التصريف .
قوله جل ذكره : { ويثبت به الأقدام } .
أقدام الظاهر في مشاهد القتال ، وأقدام السرائر على نهج الاستقامة بشهود مجاري التقدير .

(3/3)


إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان (12) ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ومن يشاقق الله ورسوله فإن الله شديد العقاب (13) ذلكم فذوقوه وأن للكافرين عذاب النار (14)

قوله جل ذكره : { إذ يوحى ربك إلى الملائكة أنى معكم فثبتوا الذين ءامنوا سألقى فى قلوب الذين كفروا الرعب } .
عرفنا أن الملائكة محتاجون إلى تعريف الحق إياهم قضايا التوحيد . وتثبيت الملائكة للمؤمنين : قيل كانوا يظهرون للمسلمين في صور الرجال يخاطبونهم بالإخبار عن قلة عدد المشركين واستيلاء المسلمين عليهم ، وهم لا يعرفون أنهم ملائكة .
وقيل تثبيتهم إياهم بأن كانوا يلقون في قلوبهم ذلك من جهة الخواطر ، ثم إن الله يخلق لهم فيها ذلك ، فكما يوصل الحق سبحانه - وساوس الشيطان إلى القلوب يوصل خواطر الملك ، وأيدهم بإلقاء الخوف والرعب في قلوب الكفار .
قوله جل ذكره : { فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله } .
وذلك بأمر الله وتعريفه من جهة الوحي والكتاب ، ويكون معناه إباحة ضربهم ونيلهم على أي وجه كان كيفما أصابوا أسافلهم وأعاليهم . ويحتمل فاضربوا فوق الأعناق ضربا يوجب قتلهم؛ لأنه لا حياة بعد ضرب العنق . ولفظ فوق يكون صلة .
{ واضربوا منهم كل بنان } أي ضربا يعجزهم عن الضرب ومقاتلة المسلمين؛ لأنه لا مقاتلة تحصل بعد فوات الأطراف .
{ ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله } بين أنهم في مغاليط حسبانهم وأكاذيب ظنونهم والمنشئ - بكل وجه - الله؛ لانفراده بقدرة الإيجاد .
قوله جل ذكره : { ومن يشاقق الله ورسوله فإن الله شديد العقاب } .
يمهل المجرم أياما ثم لا يهمله ، بل يذيقه بأس فعله ، ويزيل عنه شبهة ظنه .
قوله جل ذكره : { ذلكم فذوقوه وأن للكافرين عذاب النار } .
ذلك العذاب فذوقوه - أيها المشركون - معجلا ، واعلموا أن للكافرين عذابا مؤجلا ، فللعاصين عقوبتان محصل بنقد ومؤخر بوعد .

(3/4)


يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار (15) ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير (16)

يقول إذا لقيتم الكفار في المعركة زحفا مجتمعين فأثبتوا لقتالهم ، ولا تنهزموا فالشجاعة ثبات القلوب ، وكما قيل الشجاعة صبر على الطاعة وفي الجهاد مع العدو ، فالواجب الثبات عند الصولة - هذا في الظاهر ، وفي الباطن جهاد مع الشيطان ، والواجب فيه الوقوف عن دواعيه إلى الزلة؛ فمن وقف على حد الإمساك عن إجابته ، بلا إنجاز لما يدعوه بوساوسه فقد وفى الجهاد حقه .
وكذلك في مجاهدة النفس ، فإذا وقف العبد عن إجابة النفس فيما تدعوه بهواجسها ، ولم يطع شهوته فيها تحمله النفس عليه من البلاء إلى ابتغاء حظه فقد وفى الجهاد حقه .
والإشارة في قوله : { إلا متحرفا لقتال } بإيثار بعض الرخص ليتقوى على ما هو أشد؛ كأكله مثلا ما يقيم صلبه ليقوى على السهر ، وكترفقه بنفسه بإيثار بعض الراحة من إزالة عطش ، أو نفي مقاساة جوع أو برد أو غيره لئلا يبقى عن مراعاة قلبه ، ولاستدامة اتصال قلبه به ، فإن ترك بعض أوراد الظاهر لئلا يبقى به عن الاستقامة في أحكام واردات السرائر أخذ في حق الجهاد بحزم .
والإشارة في قوله : { أو متحيزا إلى فئة } إلى اعتضاد المريد بصحبة أقرانه فيما يساعدونه في المجاهدة ، ويبقي شهود ما هم فيه من المكابدة من إقامته على مجاهدته . ثم باستمداده من همم الشيوخ؛ فإن المريد ربيب همة شيخه ، فالأقوياء من الأغنياء ينفقون على خدمهم من نعمهم ، والأصفياء من الأولياء ينفقون على مريديهم من هممهم ، يجبرون كسرهم ، ويتوبون منهم ، ويساعدونهم بحسن إرشادهم . ومن أهمل مريدا وهو يعرف صدقه ، أو خالف شيخا وهو يعرف فضله وحقه فقد باء من الله بسخط ، والله تعالى حسيبه في مكافأته على ما حصل من قبيح وصفه .

(3/5)


فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا إن الله سميع عليم (17)

قوله جل ذكره : { فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم } .
الذي نفى عنهم من القتل ، هو إماتة الروح وإثبات الموت ، وهو من خصائص قدرته - سبحانه ، والذي يوصف به الخلق من القتل هو ما يفعلونه في أنفسهم ، ويحصل ذهاب الروح عقيبه .
وفائدة الآية قطع دعاواهم في قول كل واحد على جهة التفاخر قتلت فلانا ، فقال : { فلم تقتلوهم } أي لم تكن أفعالكم مما انفردتم بإيجادها بل المنشئ والمبدئ هو الله عز وجل . وصانهم بهذه الآية وصان نبيه - عليه السلام - عن ملاحظة أفعالهم وأحوالهم .
قوله جل ذكره : { وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى } .
أي ما رميت بنفسك ولكنك رميت بنا ، فكان منه ( صلوات الله عليه ) قبض التراب وإرساله من يده ولكن من حيث الكسب ، وكسبه موجد من الله بقدرته ، وكان التبليغ والإصابة من قبل الله خلقا وإبداعا ، وليس الذي أثبت ما نفي ولا نفي ما أثبت إلا هو ، والفعل فعل واحد ولكن التغاير في جهة الفعل لا في عينه .
فقوله : { إذ رميت } فرق ، وقوله : { ولكن الله رمى } جمع . والفرق صفة العبودية ، والجمع نعت الربوبية ، وكل فرق لم يكن مضمنا بجمع وكل جمع لم يكن - في صفة العبد - مؤيدا بفرق فصاحبه غير سديد الوتيرة .
وإن الحق - سبحانه - يكل الأغيار إلى ظنونهم ، فيتيهون في أودية الحسبان ويتوهمون أنهم منفردون بإجراء ما منهم ، وذلك منه مكر بهم .
قال الله تعالى : { وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا } [ الكهف : 104 ] وأما أرباب التوحيد فيشهدهم مطالع التقدير ، ويعرفهم جريان الحكم ، ويريهم أنفسهم في أسر التصريف ، وقهر الحكم . وأما الخواص من الأولياء وأصحاب العرفان فيجري عليهم ما يجري و ( ما ) لهم إحساس بذلك ، مأخوذون يثبتهم بشواهد النظر والتقدير ، ويتولى حفظهم عن مخالفة الشرع .
قوله جل ذكره : { وليبلى المؤمنين منه بلاء حسنا } .
البلاء الاختبار ، فيختبرهم مرة بالنعم ليظهر شكرهم أو كفرانهم ، ويختبرهم أخرى بالمحن ليظهر صبرهم ، أو ذكرهم أو نسيانهم .
« البلاء الحسن » : توفيق الشكر في المنحة ، وتحقيق الصبر في المحبة ، وكل ما يفعله الحق فهو حسن من الحق لأن له أن يفعله . وهذه حقيقة الحسن : وهو ما للفاعل أن يفعله .
ويقال حسن البلاء لأنه منه و ( . . . ) البلاء لأنه فيه .
ويقال البلاء الحسن أن تشهد المبلي في عين البلاء .
ويقال البلاء الحسن ما لا دعوى لصاحبه إن كان نعمة ، ولا شكوى إن كان محنة .
ويقال البلاء الحسن ما ليس فيه ضجر إن كان عسرا ، ولا بطر إن كان يسرا .
ويقال بلاء كل أحد على حسب حاله ومقامه؛ فأصفاهم ولاء ، قال عليه السلام : « أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأولياء ثم الأمثل فالأمثل » .

(3/6)


قوله جل ذكره : { إن الله سميع عليم } .
تنفيس لقوم وتهديد لقوم؛ أصحاب الرفق يقول لهم إن الله « سميع » لأنينكم؛ فيروح عليهم بهذا ، وقتهم ، ويحمل عنهم ولاءهم ، وأنشدوا :
إذا ما تمنى الناس روحا وراحة ... تمنيت أن أشكو إليك فتسمعا
وقالوا :
قل لي بألسنة التنفس ... كيف أنت وكيف حالك؟
وأما الأكابر فلا يؤذن لهم في التنفس ، وتكون المطالبة متوجهة عليهم بالصبر ، والوقوف تحت جريان التقدير من غير إظهار ولا شكوى ، فيقول : لو ترشح منك ما كلفت بشربه توجهت عليك الملامة ، فإن لم يكن منك بيان فإني لقالتك ، عليم بحالتك .
ويقال في قوله « عليم » تسلية لأرباب البلاء؛ لأن من علم أن مقصوده يعلم حاله سهل عليه ما يقاسيه فيه ، قال - سبحانه - لنبيه صلى الله عليه وسلم : { ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون } [ الحجر : 97 ] .

(3/7)


ذلكم وأن الله موهن كيد الكافرين (18)

موهن كدهم : بتقوية قلوب المؤمنين بنور اليقين ، والثبات على انتظار الفضل من قبل الله ، وموهن كيدهم : بأن يأخذ الكافرين من حيث لا يشعرون ، ويظفر جند المسلمين عليهم .

(3/8)


إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح وإن تنتهوا فهو خير لكم وإن تعودوا نعد ولن تغني عنكم فئتكم شيئا ولو كثرت وأن الله مع المؤمنين (19)

قوله جل ذكره : { إن تستفتحوا فقد جآءكم الفتح } .
قال المشركون - يوم بدر - اللهم انصر أحب الفئتين إليك ، فاستجاب دعاءهم ونصر أحب الفئتين إليه . . وهم المسلمون ، فسألوا بألسنتهم هلاك أنفسهم ، وذلك لانجرارهم في مغاليط ما يعلقون من ظنونهم ، فهم توهموا استحقاق القربة ، وكانوا في عين الفرقة وحكم الشقوة ، موسومين باستيجاب اللعنة بدعائهم ، والوقوع في شقائهم؛ فاختيارهم منوا ببوارهم .
ويقال ظنوا أنهم من أهل الرحمة فزلوا ، فلما كشف الستر خابوا وذلوا ، فعند ذلك علموا أنهم زاغوا في ظنهم وضلوا .
قوله جل ذكره : { وإن تنتهوا فهو خير لكم } .
فيغفر لكم ما قد سلف من خلاف محمد صلى الله عليه وسلم .
{ فهو خير لكم } ليس المراد منه المبالغة؛ لأنه يقال هذا خير لك من هذا إذا كان الثاني ليس في شر ، وترك موافقتهم للرسول صلى الله عليه وسلم - بكل وجه - هو شر لهم ، ولكنه أراد به في الأحوال الدنيوية ، وعلى موجب ظنهم .
قوله جل ذكره : { وإن تعودوا نعد } .
يعني إن عدتم إلى الجميل من السيرة عدنا عليكم بجميل المنة ، وإن عاودتم الإقدام على الشر أعدنا عليكم ما أذقناكم من الضر .
قوله جل ذكره : { ولن تغنى عنكم فئتكم شيئا ولو كثرت وأن الله مع المؤمنين } .
من غلبته قدرة الأحد لم تغن عنه كثرة العدد .

(3/9)


يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله ولا تولوا عنه وأنتم تسمعون (20)

قوله جل ذكره : { يأيهأ الذين ءامنوا أطيعوا الله ورسوله } .
الناس في طاعة الله على أقسام : فمطيع لخوف عقوبته ، ومطيع طمعا في مثوبته ، وآخر تحققا بعبوديته ، وآخر تشرفا بربوبيته .
وكم بين مطيع ومطيع! وأنشدوا :
أحبك يا شمس النهار وبدره ... وإن لامني فيك السها والفراقد
وذاك لأن الفضل عندك زاخر ... وذاك لأن العيش عندك بارد
قال تعالى : { وأطيعوا الله ورسوله } ولم يقل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ، وفي ذلك نوع تخصيص ، وحزب تفضيل يلطف عن العبارة ويبعد عن الإشارة .
قوله جل ذكره : { ولا تولوا عنه وأنتم تسمعون } .
أي تسمعون دعاءه إياكم ، وتسمعون ما أنزل عليه من دعائي إياكم .

(3/10)


ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون (21)

لا تكونوا ممن يشهد جهرا ، ويجحد سرا .
ويقال لا تقروا بلسانكم ، وتصروا على كفرانكم .
ويقال من نطق بتلبيسه تشهد الخبرة بتكذيبه .

(3/11)


إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون (22)

دواعي الحق بحسن البيان ناطقة ، وألسنة البرهان فيما ورد به التكليف صادقة ، وخواطر الغيب بكشف ظلم الريب مفصحة ، وزواجر التحقيق عن متابعة التمويه للقلوب ملازمة . فمن صم عن إدراك ما خوطب به سره ، وعمي عن شهود ما كوشف به قلبه ، وخرس - عن إجابة ما أرشد إليه من حجة - فهمه وعقله فدون رتبة البهائم قدره ، وفوق كل ( . . . ) من حكم الله ذله وصغره .

(3/12)


ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون (23)

من أقصته سوابق القسمة لم تدنه لواحق الخدمة ، ومن علمه الله بنعت الشقوة حرمه ما يوجب عفوه .
ويقال لو كانوا في متناولات الرحمة لألبسهم صدار العصمة ، ولكن سبق بالحرمان حكمهم ، فختم بالضلالة أمرهم .

(3/13)


يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه وأنه إليه تحشرون (24)

قوله جل ذكره : { يا أيها الذين ءامنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم } .
أجاب واستجاب بمعنى مثل أوقد واستوقد ، وقيل للاستجابة مزية وخصوصية بأنها تكون طوعا لا كرها ، وفرق بين من يجيب لخوف أو طمع وبين من يستجيب لا بعوض ولا على ملاحظة غرض . وحق الاستجابة أن تجيب بالكلية من غير أن تذر من المستطاع بقية .
والمستجيب لربه محو عن كله باستيلاء الحقيقة ، والمستجيب للرسول - صلى الله عليه وسلم وعلى آله - قائم بشريعته من غير إخلال بشيء من أحكامها . وقد أمر الله سبحانه وتعالى بالاستجابة له - سبحانه ، وبالاستجابة للرسول؛ فالعبد المستجيب - على الحقيقة - من قام بالله سرا ، واتصف بالشرع جهرا فيفرده الحق - سبحانه - بحقائق الجمع و ( . . . ) في مشاهدة الفرق ، فلا يكون للحدثان في مشرب حقائقه تكدير ، ولا لمطالبات الشرع على أحواله نكير .
قوله جل ذكره : { لما يحييكم } .
إذ لما أفناهم عنهم أحياهم به .
ويقال العابدون أحياهم بطاعته بعد ما أفناهم عن مخالفته ، وأما العالمون فأحياهم بدلائل ربوبيته ، بعد ما أفناهم بسيوف مجاهدتهم . وأما الموحدون فأحياهم بنور توحيده بعد ما أفناهم عن الإحساس بكل غير ، والملاحظة لكل حدثان .
قوله جل ذكره : { واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه وأنه إليه تحشرون } .
يصون القلب عن تقليب أربابها فيقلبها كما يشاء هو ، من بيان هداية وضلال ، وغيبة ووصال ، وحجبة وقربة ، ويقين ومرية ، وأنس ووحشة .
ويقال صان قلوب العباد عن الجنوح إلى الكسل ، فجدوا في معاملاتهم ، وصان قلوب المريدين عن التعريج في أوطان الفشل فصدقوا في منازلاتهم ، وصان قلوب العارفين - على حد الاستقامة - عن الميل فتحققوا بدوام مواصلاتهم .
ويقال حال بينهم وبين قلوبهم لئلا يكون لهم رجوع إلا إلى الله ، فإذا سنح لهم أمر فليس لهم إلا الأغيار سبيل ، ولا على قلوبهم تعويل . وكم بين من يرجع عند سوانحه إلى قلبه وبين من لا يهتدي إلى شيء إلا إلى ربه! كما قيل :
لا يهتدي قلبي إلى غيركم ... لأنه سد عليه الطريق
ويقال العلماء هم الذين وجدوا قلوبهم ، قال تعالى : { إن فى ذلك لذكرى لمن كان له قلب } [ ق : 37 ] والعارفون هم الذين فقدوا قلوبهم .

(3/14)


واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب (25)

احذروا أن ترتكبوا زلة توجب لكم عقوبة لا تخص مرتكبها ، بل يعم شؤمها من تعاطاها ومن لم بتعاطها .
وغير المجرم لا يؤخذ بجرم من أذنب ، ولكن قد ينفرد أحد بجرم فيحمل أقوام من المختصين بفاعل هذا الجرم ، كأن يتعصبوا له إذا أخذ بحكم ذلك الجرم فبعد أن لم يكونوا ظالمين يصيرون ظالمين بمعاونتهم وتعصبهم لهذا الظالم؛ فتكون فتنة لا تختص بمن كان ظالما في الحال بل إنها تصيب أيضا ظالما في المستقبل بسبب تعصبه لهذا الظالم ومطابقته معه ، ورضاه به ، و هذا معنى التفسير من حيث الظاهر . فأما من جهة الإشارة : فإن العبد إذا باشر زلة بنفسه عادت إلى القلب منها الفتنة وهي العقوبة المعجلة ، وتصيب النفس منها العقوبة المؤجلة ، والقلب إذا حصلت منه فتنة الزلة - عندما بهم بما لا يجوز - تعدت فتنته إلى السر وهي الحجبة .
والمقدم في شأنه إذا فعل ما لا يجوز انقطعت البركات التي كانت تتعدى منه إلى متبعيه وتلامذته ، وكان لهم نصيبهم من الفتنة وهم لم يعملوا ذنبا . ويقال إن الأكابر إذا سكتوا عن التنكير على الأصاغر عند تركهم الأذكار أصابتهم فتنة ما فعلوه؛ فلقد قيل إن السفيه إذا لم ينه مأمور . فعلى هذا تصيب فتنة الزلة مرتكبها ومن ترك النهي عن المنكر - مثل من ترك الأمر بالمعروف - يؤخذ بجرمه .
ويقال إن الزاهد إذا انحط إلى رخص الشرع في أخذ الزيادة من الدنيا مما فوق الكفاية - وإن كان من وجه حلال - تؤدي فتنته إلى من يخرج به من المبتدئين ، فبجملة ما أبدى من الرغبة في الدنيا ، وترك التقلل يؤدي إلى الانهماك في أودية الغفلة والأشغال الدنيوية .
والعابد إذا جنح عن الأشق وترك الأولى تعدى ذلك إلى من كان ينشط في المجاهدة؛ فيستوطنون الكسل ، ثم يحملهم الفراغ وترك المجاهدة على متابعة الشهوات فيصيرون كما قيل :
إن الشباب والفراغ والجدة ... مفسدة للمرء أي مفسدة
وهكذا يكون نصيبهم من الفتنة .
والعارف إذا رجع إلى ما فيه حظ له ، نظر إليه المريد ، فتتداخله فترة فيما هو به من صدق المنازلة ، ويكون ذلك نصيبه من فتنة العارف .
وفي الجملة إذا غفل الملك ، وتشاغل عن سياسة رعيته تعطل الجند والرعية ، وعظم فيهم الخلل والبلية ، وفي معناه أنشدوا :
رعاتك ضيعوا - بالجهل منهم - ... غنيمات فاستها ذئاب
{ الله شديد العقاب } بتعجيله ذلك ، ومن شدة عقوبته أنه إذا أخذ عبدا ليعاقبه لا يمكنه من تلافي موجب تلك العقوبة .

(3/15)


واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس فآواكم وأيدكم بنصره ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون (26)

قوله جل ذكره : { واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون فى الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس فئاواكم وأيدكم بنصره } .
يذكرهم ما كانوا فيه من القلة والذلة وصنوف ( . . . ) ثم ما نقلهم إليه من الإمكان والبسطة ، ووجوه الأمان والحيطة ، وقربهم إلى إقامة الشكر على جزيل تلك القسم ، وإدامة الحمد على جميل تلك النعم ، فمهد لهم في ظل أبوابه مقيلا ، ولم يجعل للعدو إليهم - بيمن رعايته - سبيلا .
قوله جل ذكره : { ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون } .
رزق الأشباح والظواهر من طيبات الغذاء ، ورزق الأرواح والسرائر من صنوف الضياء . وحقيقة الشكر على هذه النعم الغيبة عنها بالاستغراق في شهود المنعم .

(3/16)


يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون (27)

الخيانة الاستبطان بخلاف ما يؤمل منك بحق التعويل ، فخيانة الله بتضييع ما ائتمنك عليه ، وذلك بمخالفة النصح في دينه ، وخيانة الرسول بالاتصاف بمخالفة ما تبدي من مشايعته .
والخيانة في الأمانات بترك الإنصاف ، والاتصاف بغير الصدق .
وخيانة كل أحد على حسب ما وضع عنده من الأمانة ، فمن اؤتمن في مال فتصرف فيه بغير إذن صاحبه - خيانة ، ومن اؤتمن على الحرم فملاحظته إياهن - خيانة . فعلى هذا : الخيانة في الأعمال الدعوى فيها بأنها من قبلك دون التحقيق بأن منشئها الله .
والخيانة في الأحوال ملاحظتك لها دون غيبتك عن شهودها باستغراقك في شهود الحق ، إن لم يكن استهلاكك في وجود الحق . وإذا أخللت بسنة من السنن أو أدب من آداب الشرع فتلك خيانة الرسول صلى الله عليه وسلم .
والخيانة في الأمانات - بينك وبين الخلق - تكون بإيثار نصيب نفسك على نصيب المسلمين ، بإرادة القلب فضلا عن المعاملة بالفعل .

(3/17)


واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة وأن الله عنده أجر عظيم (28)

أموالكم وأولادكم سبب فتنتكم لأن المرء - لأجل جمع ماله ولأجل أولاده - يرتكب ما هو خلاف الأمر ، فيورثه فتنة العقوبة .
ويقال الفتنة الاختبار؛ فيختبرك بالأموال . . هل تؤثرها على حق الله؟
وبالأولاد . . هل تترك لأجلهم ما فيه رضاء الله؟
فإن آثرتم حقه على حقكم ظهرت به فضيلتكم ، وإن اتصفتم بضده عوملتم بما يوجبه العكس من محبوبكم .
ويقال المال فتنة إذا كان عن الله يشغلكم ، والأولاد فتنة إذا لأجلهم قصرتم في حق الله أو فرطتم .
ويقال المال - ما للكفاف والعفاف - نعمة ، وما للتقاصر والتفاخر فتنة ، وفي الجملة ما يشغلك عن الله فهو فتنة .

(3/18)


يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ويكفر عنكم سيئاتكم ويغفر لكم والله ذو الفضل العظيم (29)

الفرقان ما به يفرق بين الحق والباطل من علم وافر وإلهام قاهر ، فالعلماء فرقانهم مجلوب برهانهم ، والعارفون فرقانهم موهوب عرفانهم؛ فأولئك مع مجهود أنفسهم ، وهؤلاء بمقتضى جود ربهم .
والعرفان تعريف من الله ، والتكفير تخفيف من الله ، والغفران تشريف للعبد من الله .

(3/19)


وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين (30)

ذكره عظيم منته عليه حيث خلصه من أعدائه حين خرج من مكة مهاجرا إلى المدينة ، وهموا بقتله ، وحاولوا أن يمكروا به في السر ، فأعلمه الله ذلك .
والمكر إظهار الإحسان مع قصد الإساءة في السر ، والمكر من الله الجزاء على المكر ، ويكون المكر بهم أن يلقي في قلوبهم أنه محسن إليهم ثم - في التحقيق - يعذبهم ، وإذا شغل قوما بالدنيا صرف همومهم إليها حتى ينسوا أمر الآخرة ، وذلك مكر بهم ، إذ يوظنون نفوسهم عليها ، فيتيح لهم من مأمنهم سوءا ، ويأخذهم بغتة .
ومن جملة مكره اغترار قوم بما يرزقهم من الصيت الجميل بين الناس ، وإجراء كثير من الطعات عليهم ، فأسرارهم تكون بالأغيار منوطة ، وهم عن الله غافلون ، وعند الناس أنهم مكرمون ، وفي معناه قيل :
وقد حسدوني في قرب داري منكم ... وكم من قريب الدار وهو بعيد

(3/20)


وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا إن هذا إلا أساطير الأولين (31)

فرط جهلهم ، وشؤم جحدهم ستر على عقولهم قبح دعاويهم في القدرة على معارضة القرآن فافتضحوا عند الامتحان بعدم البرهان ، والعجز عما وصفوا به أنفسهم من الفصاحة والبيان ، وقديما قيل :
من تحلى بغير ما هو فيه ... فضح الامتحان ما يدعيه
ويقال لما لاحظوا القرآن بعين الاستصغار حرموا بركات الفهم فعدوه من جملة أساطير الأولين ، وكذلك من لا يراعي على حرمة الأولياء ، يعاقب بأن تستر عليه أحوالهم ، فيظنهم مثله في استحقاق مثالبه ، فيطلق فيهم لسان الوقيعة ، وهو بذلك أحق ، كما قيل : « رمتني بدائها وانسلت » .

(3/21)


وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم (32)

دل سؤالهم العذاب على تصميم عقدهم على تكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم ، واستيقنوا عند أنفسهم بأنه لا يستجاب فيهم ما يدعونه على أنفسهم .
وفي هذا أظهر دليل على أن سكون النفس إلى الشيء ليس بعلم؛ لأنه كما يوجد مع العلم يوجد مع الجهل .

(3/22)


وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون (33)

قوله جل ذكره : { وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم } .
ما كان الله معذبهم وأنت فيهم ، وما كان الله ليعذب أسلافهم وأنت في أصلابهم ، وليس يعذبهم اليوم وأنت فيما بينهم إجلالا لقدرك ، وإكراما لمحلك ، وإذا خرجت من بينهم فلا يعذبهم وفيهم خدمك الذين يستغفرون ، فالآية تجل على تشريف قدر الرسول - صلى الله عليه وسلم .
ويقال للجوار حرمة ، فجار الكرام في ظل إنعامهم؛ فالكفار إن لم ينعموا بقرب الرسول - صلى الله عليه وسلم - منهم فقد اندفع العذاب - بمجاورته - عنهم :
وأحبها وأحب منزلها الذي ... نزلت به وأحب أهل المنزل
ويقال إذا كان كون الرسول - صلى الله عليه وسلم - في الكفار يمنع العذاب عنهم فكون المعرفة في القلوب أولى بدفع العذاب عنها .
ويقال إن العذاب - وإن تأخر عنهم مدة مقامهم في الدنيا ما دام هو عليه السلام فيهم - فلا محالة يصيبهم العذاب في الآخرة ، إذ الاعتبار بالعواقب لا بالأوقات والطوارق .
قوله جل ذكره : { وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون } .
علم أنه - عليه السلام - لا يتأبد مكثه في أمته إذا قال له : { وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد } [ الأنبياء : 34 ] ، فقال إني لا أضيع أمته وإن قضى فيهم مدته ، فما دامت ألسنتهم بالاستغفار متطلعة فصنوف العذاب عنهم مرتفعة .

(3/23)


وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام وما كانوا أولياءه إن أولياؤه إلا المتقون ولكن أكثرهم لا يعلمون (34)

قوله جل ذكره : { وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام وما كانوا أوليآءه } .
نفى العذاب عنهم في آية ، وأثبته في آية ، فالمنفي في الدنيا والمثبت في الآخرة .
ثم بين إيصال العذاب إليهم في الآخرة بقوله تعالى . { وهم يصدون عن المسجد الحرام } دليل الخطاب أن إعانة المسلمين على ما فيه قيام بحق الدين يوجب استحقاق القربة والثواب .
وفي الآية دليل على أنه لا يعذب أولياءه بقوله : { وما كانوا أولياءه } فإذا عذب من يكونوا أولياءه دل على أنه يعذب من كان من جملة أوليائه . والمؤمنون كلهم أولياء الله لأنه قال : { الله ولى الذين آمنوا } [ البقرة : 257 ] . والمؤمن - وإن عذب بمقدار جرمه زمانا فإنه لا يخلد في دار العقوبة ، فما يقاسون بالإضافة إلى تأبيد الخلاص جلل ، وقيل :
إذا سلم العهد الذي كان بيننا ... فودي وإن شط المزار سليم
قوله جل ذكره : { إن أولياؤه إلا المتقون ولكن أكثرهم لا يعلمون } .
وليس أولياؤه إلا المتقون ، وهم الذين اتقوا الشرك .

(3/24)


وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون (35)

قوله جل ذكره : { وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكآء وتصدية } .
تجردت أعمالهم بظواهرهم عن خلوص عقائدهم ، فلم يوجد - سبحانه وتعالى - لها احتسابا؛ فزكاء القالة لا يكون إلا مع صفاء الحالة ، وعناء الظاهر لا يقبل إلا مع ضياء السرائر .
قوله جل ذكره : { فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون } .
كان العذاب معجلا وهو حسبانهم أنهم على شيء ، قال الله تعالى .
{ وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا } [ الكهف : 104 ] ، ومؤجلا وهو كما قال الله تعالى : { ولعذاب الآخرة أشق } [ الرعد : 34 ] .

(3/25)


إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون والذين كفروا إلى جهنم يحشرون (36)

يرومون بإنفاقهم صنوف أموالهم صلاحا ونظاما لأحوالهم ، ثم لا يحظون إلا بخسران ، ولا يحصلون إلا على نقصان . خسروا وهم لا يشعرون ، وخابوا وسوف يعلمون :
سوف ترى إذا انجلى الغبار ... أفرس تحتك أم حمار؟
قوله : { والذين كفروا إلى جهنم يحشرون } إنهم وإن ألهتهم أموالهم فإلى الهوان والذلة مآلهم ، لم تغن عنهم أموالهم ، ولم تنفعهم أعمالهم ، بل ختمت بالشقاوة أحوالهم .

(3/26)


ليميز الله الخبيث من الطيب ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعا فيجعله في جهنم أولئك هم الخاسرون (37)

الخبيث ما لا يصلح لله ، والطيب ما يصلح لله .
الخبيث ما حكم الشرع بقبحه وفساده ، والطيب ما شهد العلم بحسنه وصلاحه .
ويقال الخبيث الكافر ، والطيب المؤمن .
الخبيث ما شغل صاحبه عن الله ، والطيب ما أوصل صاحبه إلى الله .
الخبيث ما يأخذه المرء وينفقه لحظ نفسه ، والطيب ما ينفقه بأمر ربه .
الخبيث عمل الكافر يصور له ويعذب بإلقائه عليه ، والطيب عمل المؤمن يصور له في صورة جميلة فيحمل المؤمن عليه .

(3/27)


قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف وإن يعودوا فقد مضت سنة الأولين (38)

إن كبحوا لجام التمرد ، وأقلعوا عن الركض في ميدان العناد والتجبر أزلنا عنهم صغار الهوان ، وأوجبنا لهم روح الأمان .
ويقال إن حلوا نطاق العناد أطلقنا عنهم عقال البعاد .
ويقال إن أبصروا قبح فعالهم جدنا عليهم بإصلاح أحوالهم .
ويقال إن جنحوا للاعتذار ألقينا عليهم حالة الاغتفار .
ويقال إن عادوا إلى التنصل أبحنا لهم حسن التفضل :
أناس أعرضوا عنا ... بلا جرم ولا معنى
أساءوا ظنهم فينا ... فهلا أحسنوا الظنا
فإن كانوا لنا - كنا ، ... وإن عادوا لنا عدنا
وإن كانوا قد استغنوا ... فإنا عنهم أغنى

(3/28)


وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله فإن انتهوا فإن الله بما يعملون بصير (39)

أمرهم بمقاتلة الكفار والإبلاغ فيها حتى تستأصل شأفتهم بحيث يأمن المسلمون مضرتهم ، ويكفون بالكلية فتنتهم . . وحية الوادي لا تؤمن ما دامت تبقى فيها حركة؛ كذلك العدو إذا قهر فحقه أن تقتلع جميع عروقه ، وتنقى رباع الإسلام من كل شكيرة تنبت من الشرك .

(3/29)


وإن تولوا فاعلموا أن الله مولاكم نعم المولى ونعم النصير (40)

فإن أبوا عتوا ، وعن الإيمان إلا نبوأ ، فلا على قلوبكم ظل مخافة منهم؛ فإن الله - سبحانه - ولي نصرتكم ، ومتولي كفايتكم؛ إن لم تكونوا بحيث نعم العبيد فهو نعم المولى لكم ونعم الناصر لكم .
ويقال نعم المولى لكم يوم قسمة العرفان ، ونعم الناصر لكم يوم نعمة الغفران ويقال نعم المولى لك حين لم تكن ، ونعم الناصر لك حين كنت .
ويقال نعم المولى بالتعريف قبل التكليف ، ونعم الناصر لكم بالتخفيف والتضعيف؛ يخفف عنكم السيئات ويضاعف الحسنات :
وهواك أول ما عرفت من الهوى ... والقلب لا ينسى الحبيب الأولا

(3/30)


واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان والله على كل شيء قدير (41)

الغنيمة ما أخذه المؤمنون من أموال الكفار إذا ظفروا عند المجاهدة والقتال معهم . فإذا لم يكن قتال - أو ما في معناه - فهو فيء .
والجهاد قسمان : جهاد الظاهر مع الكفار ، وجهاد الباطن مع النفس والشيطان وهو الجهاد الأكبر - كما في الخبر .
وكما أن في الجهاد الأصغر غنيمة عند الظفر ، ففي الجهاد الأكبر غنيمة ، وهو يملك العبد نفسه التي كانت في يد العدو : الهوى والشيطان . فبعد ما كانت ظواهره مقرا للأعمال الذميمة ، وباطنه مستقرا للأحوال الدنية يصير محل الهوى مسكن الرضا ، ومقر الشهوات والمنى مسلما لما يرد عليه من مطالبات المولى ، وتصير النفس مستلبة من أسر الشهوات ، والقلب مختطفا من وصف الغفلات ، والروح منتزعة من أيدي العلاقات ، والسر مصونا عن الملاحظات . وتصبح غاغة النفس منهزمة ، ورياسة الحقوق بالاستجابة لله خافقة .
وكما أن من جملة الغنيمة سهما لله وللرسول ، وهو الخمس فمما هو غنيمة - على لسان الإشارة - سهم خالص لله؛ وهو ما لا يكون للعبد فيه نصيب ، لا من كرائم العقبى ، ولا من ثمرات التقريب ، ولا من خصائص الإقبال ، فيكون العبد عند ذلك محررا عن رق كل نصيب ، خالصا لله بالله ، كما قيل :
من لم يكن بك فانيا عن حظه ... وعن الهوى والإنس والأحباب
فكأنه - بين المراتب - واقف ... لمنال حظ أو لحسن ثواب

(3/31)


إذ أنتم بالعدوة الدنيا وهم بالعدوة القصوى والركب أسفل منكم ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد ولكن ليقضي الله أمرا كان مفعولا ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة وإن الله لسميع عليم (42)

قوله جل ذكره : { إذ أنتم بالعدوة الدنيا وهم بالعدوة القصوى والركب أسفل منكم ولو تواعدتم لاختلفتم فى الميعاد ولكن ليقضى الله أمرا كان مفعولا } .
يخبر - سبحانه - أن ما جرى يوم بدر من القتال ، وما حصل من فنون الأحوال كان بحكم التقدير ، لا بما يحصل من الخلق من التدبير ، أو بحكم تقتضيه روية التفكير . بل لو كان ذلك على اختيار وتواعد ، كنتم عن تلك الجملة على استكراه وتباعد ، فجرى على ما جرى ليقضي الله أمرا كان مقضيا ، وحصل من الأمور ما سبق به التقدير .
قوله جل ذكره : { ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حى عن بينة وإن الله لسميع عليم } .
أي ليضل من زاغ عن الحق بعد لزومه الحجبة ، ويهتدي من أقام على الحق بعد وضوح الحجة .
ويقال الحق أوضح السبيل ونصب الدليل ، ولكن سد بصائر قوم عن شهود الرشد ، وفتح بصائر آخرين لإدراك طرق الحق .
الهالك من وقع في أودية التفرقة ، والحي من حيي بنور التعريف .
ويقال الهالك من كان بحظه مربوطا ، والحي من كان من أسر كل نصيب مستلبا مجذوبا .

(3/32)


إذ يريكهم الله في منامك قليلا ولو أراكهم كثيرا لفشلتم ولتنازعتم في الأمر ولكن الله سلم إنه عليم بذات الصدور (43) وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا ويقللكم في أعينهم ليقضي الله أمرا كان مفعولا وإلى الله ترجع الأمور (44)

قيل أراه إياهم في نومه صلى الله عليه وسلم - بوصف القلة ، وأخبر أصحابه بذلك فازدادوا جسارة عليهم .
وقيل أراه في منامه أي في محل نومه أي في عينيه ، فمعناه قللهم في عينيه؛ لأنهم لو استكثروهم لفشلوا في قتالهم ، ولانكسرت بذلك قلوب المسلمين .
وفي الجملة أراد الله جريان ما حصل بينهم من القتال يوم بدر ، وإن الله إذا أراد أمرا هيأ أسبابه؛ فقلل الكفار في أعين المسلمين فزادوا جسارة ، وقلل المسلمين في أعين الكفار فازدادوا - عند نشاطهم إلى القتال - صغرا في حكم الله وخسارة .
{ والله عليم بذات الصدور } [ آل عمران : 154 ] : وكيف لا؟ ومنه تصدر المقادير ، وإليه ترجع الأمور .
ويقال إذا أراد الله نصرة عبد فلو كاد له جميع البشر ، وأراده الكافة بكل ضرر ، لا ينفع من شاء مضرته كد ، ويحصل بينه وبين متاح لطفه به سد .
وإذا أراد بعبد سوءا فليس له رد ، ولا ينفعه كد ، ولا ينعشه بعد ما سقط في حكمه جهد .

(3/33)


يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون (45)

أراد إذا لقيتم فئة من المشركين فاثبتوا . والثبات إنما يكون بقوة القلب وشدة اليقين ، ولا يكون ذلك إلا لنفاذ البصيرة ، والتحقق بالله ، وشهود الحادثات كلها منه ، فعند ذلك يستسلم الله ، ويرضى بحكمه ، ويتوقع منه حسن الإعانة ، ولهذا أحالهم على الذكر فقال : { واذكروا الله كثيرا } .
ويقال إن جميع الخيرات في ثبات القلب ، وبه تبين أقدار الرجال ، فإذا ورد على الإنسان خاطر يزعجه أو هاجس في نفسه يهيجه . . . فمن كان صاحب بصيرة توقف ريثما تتبين له حقيقة الوارد ، فيثبت لكونه رابط الجأش ، ساكن القلب ، صافي اللب . . وهذا نعت الأكابر .

(3/34)


وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين (46)

الموافقة بين المسلمين أصل الدين . وأول الفساد ورأس الزلل الاختلاف . وكما تجب الموافقة في الدين والعقيدة تجب الموافقة في الرأي والعزيمة .
قال تعالى في صفة الكفار : { تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى } [ الحشر : 14 ] ، وإنما تتحد عزائم المسلم لأنهم كلهم يجمعهم التبري من حولهم وقوتهم ، ويتمحضون في رجوعهم إلى الله ، وشهودهم التقدير ، فيتحدون في هذه الحالة الواحدة .
وأما الذين توهموا الحادثات من أنفسهم فضلوا في ساحات حسبانهم ، وأجروا الأمور على ما يسنح لرأيهم ، فكل يبني على ما يقع له ويختار ، فإذا تنازعوا تشعبت بهم الآراء ، وافترقت بهم الطرق ، فيضعفون ، وتختلف طرقهم . وكما تجب في الدين طاعة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تجب طاعة أولي الأمر ، ولهذا يجب في كل وقت نصب إمام للمسلمين ، ثم لا تجوز مخالفته ، قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : « أطيعوه ولو كان عبدا مجده » وكان الرسول - صلى الله عليه وسلم - إذا بعث سرية أمر عليهم أميرا وقال : « عليكم بالسواد الأعظم » .
وإجماع المسلمين حجة ، وصلاة الجماعة سنة مؤكدة ، والاتباع محمود والابتداع ضلالة .
قوله { واصبروا } الصبر حبس النفس على الشيء ، والمأمور به من الصبر ما يكون على خلاف هواك .
{ إن الله مع الصابرين } يتولى بالكافية إذا حصل منهم الثبات وحسن التفويض .

(3/35)


ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرا ورئاء الناس ويصدون عن سبيل الله والله بما يعملون محيط (47)

يريد أن أهل مكة لما خرجوا من مكة عام بدر لنصرة العير ملكتهم العزة ، واستمكن منهم البطر ، وداخلهم رياء الناس ، فارتكبوا في شباك غلطهم ، وحصلوا على ما لم يحتسبوه . وأما المؤمنون فنصرهم نصرا عزيزا ، وأزال عن نبيه - عليه السلام - ما أظله من الخوف وبصدق تبريه عن حوله ومنته - حين قال : « لا تكلني إلى نفسي » - كفاه بحسن التولي فقال { وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى } .

(3/36)


وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه وقال إني بريء منكم إني أرى ما لا ترون إني أخاف الله والله شديد العقاب (48)

الشيطان إذا زين للإنسان بوساوسه أمرا ، والنفس إذا سولت له شيئا عميت بصائر أرباب الغفلة عن شهود صواب الرشد ، فيبقى الغافل في قياد وساوسه ، ثم تلحقه هواجم التقدير من كوامن المكر من حيث لا يرتقب ، فلا الشيطان يفي بما يعده ، ولا النفس شيئا مما تتمناه تجده ، وكما قال القائل :
أحسنت ظنك بالأيام إذ حسنت ... ولم تخف سوء ما يأتي به القدر
وسالمتك الليالي فاغتررت بها ... وعند صفو الليالي يحدث الكدر

(3/37)


إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض غر هؤلاء دينهم ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم (49)

إن أصحاب الغفلة وأرباب الغرة إذا هبت رياح صولتهم في زمان غفلتهم يلاحظون أهل الحقيقة بعين الاستحقار ، ويحكمون عليهم بضعف الحال ، وينسبونهم إلى الضلال ، ويعدونهم من جملة الجهال ، وذلك في زمان الفترة ومدة مهلة أهل الغيبة .
والذين لهم قوة اليقين ونور البصيرة ساكنون تحت جريان الحكم ، يرون الغائبات عن الحواس بعيون البصيرة من وراء ستر رقيق؛ فلا الطوارق تهزمهم ، ولا هواجم الوقت تستفزهم ، وعن قريب يلوح علم اليسر ، وتنجلي سحائب العسر ، ويمحق الله كيد الكائدين .

(3/38)


ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم وذوقوا عذاب الحريق (50)

يسليهم عندما يقاسون من اختبارات التقدير بما يذكرهم زوال المحنة ، ووشك روح اليسر ، وسرعة حصول النصر ، وحلول النقم بمرتكبي الظلم . والمؤمن كثير الظفر؛ فإذا شاهد بأرباب الجرائم حلول الانتقام رق قلبه لهم ، فلا ينخرط في سلك الشماتة؛ إذ يخلو قلبه من شهوة الانتقام ، بل يجب أن يكون كل أحد بحسن الصفة ، وكما قيل :
قوم إذا ظفروا بنا ... جادوا بعتق رقابنا

(3/39)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية