صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : تفسير القرطبي
مصدر الكتاب : الإنترنت
[ ترقيم الكتاب موافق للمطبوع والكتاب مذيل بالحواشي ]

وزبد البحر له كتيت * والليل فوق الماء مستميت (1) المستميت أيضا: المستقتل الذي لا يبالي في الحرب من الموت، وفي الحديث: (أرى القوم مستميتين) وهم الذين يقاتلون على الموت.
والموتة (بالضم): جنس من الجنون والصرع يعتري الانسان، فإذا أفاق عاد إليه كمال عقله كالنائم والسكران.
ومؤتة
(بضم الميم وهمز الواو): اسم أرض (2) قتل بها جعفر بن أبي طالب عليه السلام.
قوله تعالى: (والله محيط بالكافرين) ابتداء وخبر، أي لا يفوتونه.
يقال: أحاط السلطان بفلان إذا أخذه أخذا حاصرا من كل جهة، قال الشاعر: أحطنا بهم حتى إذا ما تيقنوا * بما قد رأوا مالوا جميعا إلى السلم ومنه قول تعالى: " وأحيط (3) بثمره " [ الكهف: 42 ].
وأصله محيط، نقلت حركة الياء إلى الحاء فسكنت.
فالله سبحانه محيط بجميع المخلوقات، أي هي في قبضته وتحت قهره، كما قال: " والارض جميعا قبضته يوم القيامة (4) " [ الزمر: 67 ].
وقيل: " محيط بالكافرين " أي عالم بهم.
دليله: " وأن الله قد أحاط بكل شئ علما (5) " [ الطلاق: 12 ].
وقيل: مهلكهم وجامعهم.
دليله قوله تعالى: " إلا أن يحاط بكم (6) " [ يوسف: 66 ] أي إلا أن تهلكوا جميعا.
وخص الكافرين بالذكر لتقدم ذكرهم في الآية.
والله أعلم.
قوله تعالى: يكاد البرق يخطف أبصارهم كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم إن الله على كل شئ قدير (20) * (امش) * (1) كذا في الاصول واللسان مادة (موت)..الذي في ديوانه المخطوط بدار الكتب المصرية برقم 516 أدب.
وزبد البحر له كتيت * تراه والحوت له نئيت كلاهما مغتمس مغتوت * وكلكل الماء له مبيت والليل فوق الماء مستميت * يدفع عنه جوفه المسحوت الكتيت: الهدير.
والنئيت والزحير والطحير والانيت كله الزحير (إخراج الصوت أو النفس عند عمل بأنين أو شدة).
المغتوت: المغموم.
والمسحوت: الذي لا يشبع.
(2) وقيل إنها قرية من قرى البلقاء في حدود الشام.
وقيل: إنها بمشارف الشام وعلى اثنى عشر ميلا من أذرح.
راجع تاج العروس مادة (مأت).
(3) راجع ج 10 ص 409 (4) راجع ج 15 ص 277 (5) راجع ج 18 ص 176 (6) راجع ج 9 ص 225 (*)

(1/221)


قوله تعالى: (يكاد البرق يخطف أبصارهم) " يكاد " معناه يقارب، يقال: كاد يفعل كذا إذا قارب ولم يفعل.
ويجوز في غير القرآن: يكاد أن يفعل، كما قال رؤبة: * قد كاد من طول البلى أن يمصحا (1) مشتق من المصح وهو الدرس.
والاجود أن تكون بغير " أن "، لانها لمقاربة الحال، و " أن " تصرف الكلام إلى الاستقبال، وهذا متناف، قال الله عزوجل: " يكاد سنا برقه (2) يذهب بالابصار " [ النور: 43 ].
ومن كلام العرب: كاد النعام يطير، وكاد العروس يكون أميرا، لقربهما من تلك الحال.
وكاد فعل متصرف على فعل يفعل.
وقد جاء خبره بالاسم وهو قليل، قال: " وما كدت (3) آئبا ".
ويجري مجرى كاد كرب وجعل وقارب وطفق، في كون خبرها بغير " أن "، قال الله عزوجل: " وطفقا (4) يخصفان عليهما من ورق الجنة " [ الاعراف: 22 ] لانها كلها بمعنى الحال والمقاربة، والحال لا يكون معها " أن "، فأعلم.
قوله تعالى: " يخطف أبصارهم " الخطف: الاخذ بسرعة، ومنه سمي الطير خطافا لسرعته.
فمن جعل القرآن مثلا للتخويف فالمعنى أن خوفهم مما ينزل بهم يكاد يذهب أبصارهم.
ومن جعله مثلا للبيان الذي في القرآن فالمعنى أنهم جاءهم من البيان ما بهرهم.
ويخطف ويخطف لغتان قرئ بهما.
وقد خطفه (بالكسر) يخطفه خطفا، وهي اللغة الجيدة، واللغة الاخرى حكاها الاخفش: خطف يخطف.
الجوهري: وهي قليلة رديئة لا تكاد تعرف.
وقد قرأ بها يونس في قوله تعالى " يكاد البرق يخطف أبصارهم " وقال النحاس: في " يخطف " سبعة أوجه، القراءة الفصيحة: يخطف.
وقرأ علي بن الحسين ويحيى بن وثاب: يخطف بكسر الطاء، قال سعيد الاخفش: هي لغة.
وقرأ الحسن وقتادة وعاصم الجحدري وأبو رجاء العطاردي بفتح الياء وكسر الخاء والطاء.
وروي عن الحسن أيضا أنه قرأ بفتح الخاء.
قال الفراء: وقرأ بعض أهل المدينة بإسكان الخاء وتشديد الطاء.
قال الكسائي والاخفش والفراء: يجوز " يخطف " بكسر الياء والخاء والطاء.
فهذه ستة أوجه موافقة للخط.
__________
(1) يمصح: يذهب ويدرس.
(2) راجع ج 12 ص 290 (3) قائله تأبط شرا.
والبيت بتمامه:
فأبت إلى فهم وما كدت آئبا * وكم مثلها فارقتها وهي تصفر (4) راجع ج 7 ص 180 (*)

(1/222)


والسابعة حكاها عبد الوارث قال: رأيت في مصحف أبي بن كعب " يتخطف "، وزعم سيبويه والكسائي أن من قرأ " يخطف " بكسر الخاء والطاء فالاصل عنده يختطف، ثم أدغم التاء في الطاء فالتقى ساكنان فكسرت الخاء لالتقاء الساكنين.
قال سيبويه: ومن فتح الخاء ألقى حركة التاء عليها.
وقال الكسائي: ومن كسر الياء فلان الالف في اختطف مكسورة.
فأما ما حكاه الفراء عن أهل المدينة من إسكان الخاء والادغام فلا يعرف ولا يجوز، لانه جمع بين ساكنين.
قال النحاس وغيره.
قلت: وروي عن الحسن أيضا وأبي رجاء " يخطف ".
قال ابن مجاهد: وأظنه غلطا، واستدل على ذلك بأن " خطف الخطفة (1) " لم يقرأه أحد بالفتح.
" أبصارهم " جمع بصر، وهي حاسة الرؤية.
والمعنى: تكاد حجج القرآن وبراهينه الساطعة تبهرهم.
ومن جعل " البرق " مثلا للتخويف فالمعنى أن خوفهم مما ينزل بهم يكاد يذهب أبصارهم.
قوله تعالى: (كلما أضاء لهم مشوا فيه) " كلما " منصوب لانه ظرف.
وإذا كان " كلما " بمعنى " إذا " فهي موصولة والعامل فيه " مشوا " وهو جوابه، ولا يعمل فيه " أضاء "، لانه في صلة ما.
والمفعول في قول المبرد محذوف، التقدير عنده: كلما أضاء لهم البرق الطريق.
وقيل: يجوز أن يكون فعل وأفعل بمعنى، كسكت وأسكت، فيكون أضاء وضاء سواء فلا يحتاج إلى تقدير حذف مفعول.
قال الفراء: يقال ضاء وأضاء، وقد تقدم.
والمعنى أنهم كلما سمعوا القرآن وظهرت لهم الحجج أنسوا ومشوا معه، فإذا نزل من القرآن ما يعمون فيه ويضلون به أو يكلفونه " قاموا " أي ثبتوا على نفاقهم، عن ابن عباس.
وقيل: المعنى كلما صلحت أحوالهم في زروعهم ومواشيهم وتوالت النعم قالوا: دين محمد دين مبارك، وإذا نزلت بهم مصيبة وأصابتهم شدة سخطوا وثبتوا في نفاقهم، عن ابن
مسعود وقتادة.
قال النحاس: وهذا قول حسن، ويدل على صحته: " ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه (2) " [ الحج: 11 ].
وقال علماء الصوفية: هذا مثل ضربه الله تعالى لمن لم تصح له أحوال الارادة بدءا، فارتقى من
__________
(1) راجع ج 15 ص 67.
(2) ج 12 ص 17.
(*)

(1/223)


تلك الاحوال بالدعاوي إلى أحوال الاكابر، كأن تضئ عليه أحوال الارادة لو صححها بملازمة آدابها، فلما مزجها بالدعاوي أذهب الله عنه تلك الانوار وبقي في ظلمات دعاويه لا يبصر طريق الخروج منها.
وروي عن ابن عباس أن المراد اليهود، لما نصر النبي صلى الله عليه وسلم ببدر طمعوا وقالوا: هذا والله النبي الذي بشرنا به موسى لا ترد له راية، فلما نكب بأحد ارتدوا وشكوا، وهذا ضعيف.
والآية في المنافقين، وهذا أصح عن ابن عباس، والمعنى يتناول الجميع.
قوله تعالى: (ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم) " لو " حرف تمن وفيه معنى الجزاء، وجوابه اللام.
والمعنى: ولو شاء الله لاطلع المؤمنين عليهم فذهب منهم عز الاسلام بالاستيلاء عليهم وقتلهم وإخراجهم من بينهم.
وخص السمع والبصر لتقدم ذكرهما في الآية أولا، أو لانهما أشرف ما في الانسان.
وقرئ " بأسماعهم " على الجمع، وقد تقدم الكلام في هذا (1).
قوله تعالى: (إن الله على كل شئ قدير) عموم، ومعناه عند المتكلمين فيما يجوز وصفه تعالى بالقدرة عليه.
وأجمعت الامة على تسمية الله تعالى بالقدير، فهو سبحانه قدير قادر مقتدر.
والقدير أبلغ في الوصف من القادر، قاله الزجاجي.
وقال الهروي: والقدير والقادر بمعنى واحد، يقال: قدرت على الشئ أقدر قدرا وقدرا ومقدرة ومقدرة وقدرانا، أي قدرة.
والاقتدار على الشئ: القدرة عليه.
فالله عزوجل قادر مقتدر قدير على كل ممكن يقبل الوجود والعدم.
فيجب على كل مكلف أن يعلم أن الله تعالى قادر، له قدرة بها فعل ويفعل ما يشاء على وفق علمه واختياره.
ويجب عليه أيضا أن يعلم أن للعبد قدرة يكتسب
بها ما أقدره الله تعالى عليه على مجرى العادة، وأنه غير مستبد بقدرته.
وإنما خص هنا تعالى صفته التي هي القدرة بالذكر دون غيرها، لانه تقدم ذكر فعل مضمنه الوعيد والاخافة، فكان ذكر القدرة مناسبا لذلك.
والله أعلم.
فهذه عشرون آية على عدد الكوفيين، أربع آيات في وصف المؤمنين، ثم تليها آيتان في ذكر الكافرين، وبقيتها في المنافقين.
وقد تقدمت الرواية فيها عن ابن جريج، وقاله مجاهد أيضا.
__________
(1) راجع المسألة الثامنة ص 190 من هذا الجزء.
(*)

(1/224)


قوله تعالى: يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون (21) قوله سبحانه وتعالى: (يأيها الناس اعبدوا ربكم) قال علقمة ومجاهد: كل آية أولها " يأيها الناس " فإنما نزلت بمكة، وكل آية أولها " يأيها الذين آمنوا " فإنما نزلت بالمدينة.
قلت: وهذا يرده أن هذه السورة والنساء مدنيتان وفيهما يأيها الناس.
وأما قولهما في " يأيها الذين آمنوا " [ النساء: 19 ] فصحيح.
وقال عروة بن الزبير: ما كان من حد أو فريضة فإنه نزل بالمدينة، وما كان من ذكر الامم والعذاب فإنه نزل بمكة.
وهذا واضح.
و " يا " في قوله: " يأيها " حرف نداء " أي " منادى مفرد مبني على الضم، لانه منادي في اللفظ، و " ها " للتنبيه.
" الناس " مرفوع صفة لاي عند جماعة النحويين، ما عدا المازني فإنه أجاز النصب قياسا على جوازه في: يا هذا الرجل.
وقيل: ضمت " أي " كما ضم المقصود المفرد، وجاءوا ب " ها " عوضا عن ياء أخرى، وإنما لم يأتوا بياء لئلا ينقطع الكلام فجاءوا ب " ها " حتى يبقى الكلام متصلا.
قال سيبويه: كأنك كررت " يا " مرتين وصار الاسم بينهما، كما قالوا: ها هو ذا.
وقيل لما تعذر عليهم الجمع بين حرفي تعريف أتوا في الصورة بمنادي مجرد عن حرف تعريف، وأجروا عليه المعرف باللام المقصود بالنداء، والتزموا رفعه، لانه المقصود بالنداء، فجعلوا إعرابه بالحركة التي كان
يستحقها لو باشرها النداء تنبيها على أنه المنادي، فاعلمه.
واختلف من المراد بالناس هنا على قولين: أحدهما: الكفار الذين لم يعبدوه، يدل عليه قوله " وإن كنتم في ريب " [ البقرة: 23 ].
الثاني - أنه عام في جميع الناس، فيكون خطابه للمؤمنين باستدامة العبادة، وللكافرين بابتدائها.
وهذا حسن.
قوله تعالى: " اعبدوا " أمر بالعبادة له.
والعبادة هنا عبارة عن توحيده والتزام شرائع دينه.
وأصل العبادة الخضوع والتذلل، يقال: طريق معبدة إذا كانت موطوءة بالاقدام.

(1/225)


قال طرفة: * وظيفا وظيفا فوق مور معبد * (1) والعبادة: الطاعة.
والتعبد: التنسك.
وعبدت فلانا: اتخذته عبدا.
قوله تعالى: (الذي خلقكم) خص تعالى خلقه لهم من بين سائر صفاته إذ كانت العرب مقرة بأن الله خلقها، فذكر ذلك حجة عليهم وتقريعا لهم.
وقيل: ليذكرهم بذلك نعمته عليهم.
وفي أصل الخلق وجهان: أحدهما: التقدير، يقال: خلقت الاديم للسقاء إذا قدرته قبل القطع، قال الشاعر: (2) ولانت تفري ما خلقت وبع * - ض القوم يخلق ثم لا يفري وقال الحجاج: ما خلقت إلا فريت، ولا وعدت إلا وفيت.
الثاني: الانشاء والاختراع والابداع، قال الله تعالى: " وتخلقون إفكا " (3) [ العنكبوت: 17 ].
قوله تعالى: (والذين من قبلكم) فيقال إذا ثبت عندهم خلقهم ثبت عندهم خلق غيرهم، فالجواب: أنه إنما يجري الكلام على التنبيه والتذكير ليكون أبلغ في العظة، فذكرهم من قبلهم ليعلموا أن الذي أمات من قبلهم وهو خلقهم يميتهم، وليفكروا فيمن مضى قبلهم كيف كانوا، وعلى أي الامور مضوا من إهلاك من أهلك، وليعلموا أنهم يبتلون كما ابتلوا.
والله أعلم.
قوله تعالى: (لعلكم تتقون) " لعل " متصلة باعبدوا لا بخلقكم، لان من ذرأه الله لجهنم لم يخلقه ليتقي.
وهذا وما كان مثله فيما ورد في كلام الله تعالى من قوله: " لعلكم تعقلون، لعلكم تشكرون، لعلكم تذكرون، لعلكم تهتدون " فيه ثلاث تأويلات.
__________
(1) صدر البيت: * تبارى عناقا ناجيات أتبعت * تبارى: تعارض، يقال: هما يتباريان في السير، إذا فعل هذا شيئا فعل هذا مثله.
والعتاق: الكرام من الابل البيض.
والناجيات: السراع.
والوظيف: عظم الساق.
وقوله: أتبعت وظيفا وظيفا، أي اتبعت هذه الناقة وظيف رجلها وظيف يدها، ويستحب من الناقة أن تجعل رجلها في موضع يدها إذا سارت.
والمسور: الطريق (عن شرح المعلقات).
(2) هو زهير بن أبي سلمى يمدح هرم بن سنان.
يقول: أنت إذا قدرت أمرا قطعته وأمضيته.
وغيرك يقدر ما لا يقطعه، لانه ليس بماضي العزم وأنت مضاء على ما عزمت عليه.
(عن اللسان).
(3) راجع ج 13 ص 335 (*)

(1/226)


الاول: أن " لعل " على بابها من الترجي والتوقع، والترجي والتوقع إنما هو في حيز البشر، فكأنه قيل لهم: افعلوا ذلك على الرجاء منكم والطمع أن تعقلوا وأن تذكروا وأن تتقوا.
هذا قول سيبويه ورؤساء اللسان قال سيبويه في قوله عزوجل: " اذهبا إلى فرعون إنه طغى.
فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى " (1) [ طه: 43 - 44 ] قال معناه: اذهبا على طمعكما ورجائكما أن يتذكر أو يخشى.
واختار هذا القول أبو المعالي.
الثاني - أن العرب استعملت " لعل " مجردة من الشك بمعنى لام كي.
فالمعنى لتعقلوا ولتذكروا ولتتقوا، وعلى ذلك يدل قول الشاعر: وقلتم لنا كفوا الحروب لعلنا * نكف ووثقتم لنا كل موثق فلما كففنا الحرب كانت عهودكم * كلمع سراب في الملا متألق المعنى: كفوا الحروب لنكف، ولو كانت " لعل " هنا شكا لم يوثقوا لهم كل موثق، وهذا القول عن قطرب والطبري.
الثالث - أن تكون " لعل " بمعنى التعرض للشئ، كأنه قيل: افعلوا ذلك متعرضين لان تعقلوا، أو لان تذكروا أو لان تتقوا.
والمعنى في قوله " لعلكم تتقون " أي لعلكم أن تجعلوا بقبول ما أمركم الله به وقاية بينكم وبين النار.
وهذا من قول العرب: اتقاه بحقه إذا استقبله به، فكأنه جعل دفعه حقه إليه وقاية له من المطالبة، ومنه قول علي رضي الله عنه: كنا إذا احمر البأس اتقينا بالنبي صلى الله عليه وسلم، أي جعلناه وقاية لنا من العدو.
وقال عنترة: ولقد كررت المهر يدمى نحره * حتى اتقتني الخيل بابني حذيم قوله تعالى: الذي جعل لكم الارض فراشا والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون (22)
__________
(1) راجع ج 11 ص 199.
(*)

(1/227)


قوله تعالى: (الذي جعل لكم الارض فراشا) فيه ست مسائل: الاولى - قوله تعالى: " الذي جعل " معناه هنا صير لتعديه إلى مفعولين: ويأتي بمعنى خلق، ومنه قوله تعالى: " جعل الله من (1) بحيرة ولا سائبة " [ المائدة: 103 ] وقوله: " وجعل الظلمات والنور " [ الانعام: 1 ] ويأتي بمعنى سمى، ومنه قوله تعالى: " حم.
والكتاب المبين.
إنا جعلناه (2) قرآنا عربيا " [ الزخرف: 1 - 3 ].
وقوله: " وجعلوا (2) له من عباده جزءا " [ الزخرف: 15 ].
" وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا (2) " [ الزخرف: 19 ] أي سموهم.
ويأتي بمعنى أخذ، كما قال الشاعر: (3) وقد جعلت نفسي تطيب لضغمة * لضغمهما ها يقرع العظم نابها وقد تأتي زائدة، كما قال الآخر: وقد جعلت أرى الاثنين أربعة * والواحد اثنين لما هدني الكبر وقد قيل في قوله تعالى " وجعل الظلمات والنور ": إنها زائدة.
وجعل واجتعل بمعنى
واحد، قال الشاعر: (4) ناط أمر الضعاف واجتعل اللي * - ل كحبل العادية الممدود " فراشا " أي وطاء يفترشونها ويستقرون عليها.
وما ليس بفراش كالجبال والاوعار والبحار فهي من مصالح ما يفترش منها، لان الجبال كالاوتاد كما قال: " ألم نجعل (5) الارض مهادا.
والجبال أوتادا " [ النبأ: 6 - 7 ].
والبحار تركب إلى سائر منافعها كما قال: " والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس " (6) [ البقرة: 164 ] الثانية - قال أصحاب الشافعي: لو حلف رجل ألا يبيت على فراش أو لا يستسرج بسراج فبات على الارض وجلس في الشمس لم يحنث، لان اللفظ لا يرجع إليهما عرفا.
__________
(1) راجع ج 6 ص 335.
386.
(2) راجع ج 16 ص 61 و 69 و 71.
(3) هو مغلس بن لقيط الاسدي.
وصف شدة أصابه بها رجلان من قومه، فيقول: قد جعلت نفسي تطيب لاصابتهما بمثل الشدة التي أصاباني بها.
وضرب الضغمة مثلا ثم وصف الضغمة فقال: يقرع العظم نابها.
فجعل لها نابا على السعة.
والمعنى: يصل الناب فيها إلى العظم فيقرعه.
(عن شرح الشواد للشنتمزي).
(4) هو أبو زبيد الطائي يرثى اللجلاج ابن أخته.
يقول: جعل يسير الليل كله مستقيما كاستقامة حبل البئر إلى الماء.
ناط: علق.
والعادية: البئر القديمة.
(عن اللسان).
(5) راجع ج 19 ص 169.
(6) راجع ج 2 ص 194.
(*)

(1/228)


وأما المالكية فبنوه على أصلهم في الايمان أنها محمولة على النية أو السبب أو البساط الذي جرت عليه اليمين، فإن عدم ذلك فالعرف.
الثالثة - قوله تعالى: (والسماء بناء) السماء للارض كالسقف للبيت، ولهذا قال وقوله الحق " وجعلنا السماء سقفا محفوظا (1) " [ الانبياء: 32 ] وكل ما علا فأظل قيل له سماء، وقد تقدم القول (2) فيه والوقف على " بناء " أحسن منه على " تتقون "، لان قوله: " الذي جعل لكم الارض فراشا " نعت للرب.
ويقال: بنى فلان بيتا، وبنى على أهله - بناء فيهما -
أي زفها.
والعامة تقول: بنى بأهله، وهو خطأ، وكأن الاصل فيه أن الداخل بأهله كان يضرب عليها قبة ليلة دخوله بها، فقيل لكل داخل بأهله: بان.
وبنى (مقصورا) شدد للكثرة، وابتنى دارا وبنى بمعنى، ومنه بنيان الحائط، وأصله وضع لبنة على أخرى حتى تثبت.
وأصل الماء موه، قلبت الواو ألفا لتحركها وتحرك ما قبلها فقلت ماه، فالتقى حرفان خفيان فأبدلت من الهاء همزة، لانها أجلد، وهي بالالف أشبه، فقلت: ماء، الالف الاولى عين الفعل، وبعدها الهمزة التي هي بدل من الهاء، وبعد الهمزة ألف بدل من التنوين.
قال أبو الحسن: لا يجوز أن يكتب إلا بألفين عند البصريين، وإن شئت بثلاث، فإذا جمعوا أو صغروا ردوا إلى الاصل فقالوا: مويه وأمواه ومياه، مثل جمال وأجمال.
الرابعة - قوله تعالى: (فأخرج به من الثمرات رزقا لكم) الثمرات جمع ثمرة.
ويقال: ثمر مثل شجر.
ويقال ثمر مثل خشب.
ويقال: ثمر مثل بدن.
وثمار مثل إكام جمع ثمر.
وسيأتي لهذا مزيد بيان في " الانعام " إن (3) شاء الله.
وثمار السياط: عقد أطرافها.
والمعنى في الآية أخرجنا لكم ألوانا من الثمرات، وأنواعا من النبات.
" رزقا " طعاما لكم، وعلفا لدوابكم، وقد بين هذا قوله تعالى: " إنا صببنا الماء صبا.
ثم شققنا الارض شقا.
فأنبتنا فيها حبا وعنبا وقضبا وزيتونا ونخلا.
وحدائق غلبا.
وفاكهة وأبا.
متاعا لكم ولانعامكم (4) " [ عبس: 25 - 32 ] وقد مضى الكلام في الرزق مستوفى (5) والحمد لله.
__________
(1) راجع ج 11 ص 285 (2) راجع ص 216 من هذا الجزء.
(3) راجع ج 7 ص 49 (4) راجع ج 19 ص 218 (5) راجع ص 177.
178 من هذا الجزء.
(*)

(1/229)


فإن قيل: كيف أطلق اسم الرزق على ما يخرج من الثمرات قبل التملك ؟ قيل له: لانها معدة لان تملك ويصح بها الانتفاع، فهي رزق.
الخامسة - قلت: ودلت هذه الآية على أن الله تعالى أغنى الانسان عن كل مخلوق، ولهذا قال عليه السلام مشيرا إلى هذا المعنى: (والله لان يأخذ أحدكم حبله فيحتطب على
ظهره خير له من أن يسأل أحدا أعطاه أو منعه).
أخرجه مسلم.
ويدخل في معنى الاحتطاب جميع الاشغال من الصنائع وغيرها، فمن أحوج نفسه إلى بشر مثله بسبب الحرص والامل والرغبة في زخرف الدنيا فقد أخذ بطرف من جعل لله ندا.
وقال علماء الصوفية: أعلم الله عزوجل في هذه الآية سبيل الفقر، وهو أن تجعل الارض وطاء والسماء غطاء، والماء طيبا والكلا طعاما، ولا تعبد أحدا في الدنيا من الخلق بسبب الدنيا، فإن الله عزوجل قد أتاح (1) لك ما لابد لك منه، من غير منة فيه لاحد عليك.
وقال نوف البكالي: رأيت علي بن أبي طالب خرج فنظر إلى النجوم فقال: يا نوف، أراقد أنت أم رامق ؟ قلت: بل رامق يا أمير المؤمنين، قال: طوبى للزاهدين في الدنيا والراغبين في الآخرة، أولئك قوم اتخذوا الارض بساطا، وترابها فراشا، وماءها طيبا، والقرآن والدعاء دثارا وشعارا، فرفضوا الدنيا على منهاج المسيح عليه السلام...وذكر باقي الخبر، وسيأتي تمامه في هذه السورة عند قوله تعالى: " أجيب دعوة الداع (2) " [ البقرة: 186 ] إن شاء الله تعالى.
السادسة - قوله تعالى: (فلا تجعلوا) نهى.
(لله أندادا) أي أكفاء وأمثالا ونظراء، واحدها ند، وكذلك قرأ محمد بن السميقع " ندا "، قال الشاعر: نحمد الله ولا ند له * عنده الخير وما شاء فعل وقال حسان: أتهجوه ولست له بند * فشركما لخيركما الفداء
__________
(1) في الاصول: (أباح) بالباء الموحدة، وهو تصحيف.
(2) راجع ج 2 ص 308 (*)

(1/230)


ويقال: ند ونديد ونديدة على المبالغة، قال لبيد: ليكلا يكون السندري نديدتي * وأجعل أقواما عموما عماعما (1) وقال أبو عبيدة " أندادا " أضدادا.
النحاس: " أندادا " مفعول أول، و " لله "
في موضع الثاني.
الجوهري: والند (بفتح النون): التل المرتفع في السماء.
والند من الطيب ليس بعربي.
وند البعير يند ندا وندادا وندودا: نفر وذهب على وجهه، ومنه قرأ بعضهم " يوم التناد (2) ".
وندد به أي شهره وسمع به.
السابعة - قوله تعالى: (وأنتم تعلمون) ابتداء وخبر، والجملة في موضع الحال، والخطاب للكافرين والمنافقين، عن ابن عباس.
فإن قيل: كيف وصفهم بالعلم وقد نعتهم بخلاف ذلك من الختم والطبع والصمم والعمى.
فالجواب من وجهين: أحدهما - " وأنتم تعلمون " يريد العلم الخاص بأن الله تعالى خلق الخلق وأنزل الماء وأنبت الرزق، فيعلمون أنه المنعم عليهم دون الانداد.
الثاني - أن يكون المعنى وأنتم تعلمون وحدانيته بالقوة والامكان لو تدبرتم ونظرتم، والله أعلم.
وفي هذا دليل على الامر باستعمال حجج العقول وإبطال التقليد.
وقال ابن فورك: يحتمل أن تتناول الآية المؤمنين، فالمعنى لا ترتدوا أيها المؤمنون وتجعلوا لله أندادا بعد علمكم الذي هو نفي الجهل بأن الله واحد.
قوله تعالى: وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين (23) قوله تعالى: (وإن كنتم في ريب) أي في شك.
(مما نزلنا) يعني القرآن، والمراد المشركون الذين تحدوا، فإنهم لما سمعوا القرآن قالوا: ما يشبه هذا كلام الله،
__________
(1) السندري: ابن يزيد الكلابي، شاعر كان مع علقمة بن علاثة، وكان لبيد مع عامر بن الطفيل، فدعى لبيد إلى مهاجاته فأبى وقال البيت.
والعماعم: الجماعات المتفرقون.
ومعنى الشطر الثاني: وأجعل أقواما مجتمعين فرقا.
(عن شرح القاموس واللسان).
(2) راجع ج 15 ص 311.
(*)

(1/231)


وإنا لفي شك منه، فنزلت الآية.
ووجه اتصالها بما قبلها أن الله سبحانه لما ذكر في الآية الاولى الدلالة على وحدانيته وقدرته ذكر بعدها الدلالة على نبوة نبيه، وأن ما جاء به ليس
مفترى من عنده.
قوله: (على عبدنا) يعني محمدا صلى الله عليه وسلم.
والعبد مأخوذ من التعبد وهو التذلل، فسمى المملوك - من جنس ما يفعله - عبدا لتذلله لمولاه، قال طرفة: إلى أن تحامتني العشيرة كلها * وأفردت إفراد البعبر المعبد أي المذلل.
قال بعضهم: لما كانت العبادة أشرف الخصال والتسمي بها أشرف الخطط، سمى نبيه عبدا، وأنشدوا: يا قوم قلبي عند زهراء * يعرفه السامع والرائي لا تدعني إلا بيا عبدها * فإنه أشرف أسمائي (فأتوا بسورة) الفاء جواب الشرط، ائتوا مقصور لانه من باب المجئ، قاله ابن كيسان.
وهو أمر معناه التعجيز، لانه تعالى علم عجزهم عنه.
والسورة واحدة السور.
وقد تقدم الكلام فيها (1) وفي إعجاز (2) القرآن، فلا معنى للاعادة.
" ومن " في قوله " من مثله " - زائدة، كما قال " فأتوا بسورة مثله " والضمير في " مثله " عائد على القرآن عند الجمهور من العلماء، كقتادة ومجاهد وغيرهما.
وقيل: يعود على التوراة والانجيل.
فالمعنى فأتوا بسورة من كتاب مثله فإنها تصدق ما فيه.
وقيل: يعود على النبي صلى الله عليه وسلم.
المعنى: من بشر أمي مثله لا يكتب ولا يقرأ.
فمن على هذين التأويلين للتبعيض والوقف على " مثله " ليس بتام، لان " وادعوا " نسق عليه.
قوله تعالى: (وادعوا شهداءكم) معناه أعوانكم ونصراءكم.
الفراء: آلهتكم.
وقال ابن كيسان: فإن قيل كيف ذكر الشهداء هاهنا، وإنما يكون الشهداء ليشهدوا أمرا، أو ليخبروا بأمر شهدوه، وإنما قيل لهم: " فأتوا بسورة من مثله " ؟ فالجواب: أن
__________
(1) راجع ص 65 من هذا الجزء.
(2) راجع ص 69 - 78 من هذا الجزء.
(*)

(1/232)


المعنى استعينوا بمن وجدتموه من علمائكم، وأحضروهم ليشاهدوا ما تأتون به، فيكون الرد
على الجميع أوكد في الحجة عليهم.
قلت: هذا هو معنى قول مجاهد.
قال مجاهد: معنى: " وادعوا شهداءكم " أي ادعوا ناسا يشهدون لكم، أي يشهدون أنكم عارضتموه.
النحاس: " شهداءكم " نصب بالفعل جمع شهيد، يقال: شاهد وشهيد، مثل قادر وقدير.
وقوله: (من دون الله) أي من غيره، ودون نقيض فوق، وهو تقصير عن الغاية، ويكون ظرفا.
والدون: الحقير الخسيس، قال: إذا ما علا المرء رام العلاء * ويقنع بالدون من كان دونا ولا يشتق منه فعل، وبعضهم يقول منه: دان يدون دونا.
ويقال: هذا دون ذاك، أي أقرب منه.
ويقال في الاغراء بالشئ: دونكه.
قالت تميم للحجاج: أقبرنا (1) صالحا - وكان قد صلبه - فقال: دونكموه.
قوله تعالى: (إن كنتم صادقين) فيما قلتم من أنكم تقدرون على المعارضة، لقولهم في آية أخرى: " لو نشاء لقلنا (2) مثل هذا " [ الانفال: 31 ] والصدق: خلاف الكذب، وقد صدق في الحديث.
والصدق: الصلب من الرماح.
ويقال: صدقوهم القتال.
والصديق: الملازم للصدق.
ويقال: رجل صدق، كما يقال: نعم الرجل.
والصداقة مشتقة من الصدق في النصح والود.
قوله تعالى: فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين (24) قوله تعالى: (فإن لم تفعلوا) يعني فيما مضى (ولن تفعلوا) أي تطيقوا ذلك فيما يأتي.
والوقف على هذا على " صادقين " تام.
وقال جماعة من المفسرين: معنى الآية وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين ولن تفعلوا، فإن لم تفعلوا فاتقوا النار.
فعلى هذا التفسير لا يتم الوقف على " صادقين ".
__________
(1) أقبرنا، أي ائذن لنا في أن نقبره.
وصالح: هو صالح بن عبد الرحمن مولى تميم، كان كاتبا للحجاج، ويرى رأى الخوارج.
(2) راجع ج 7 ص 397 (*)

(1/233)


فإن قيل: كيف دخلت " إن " على " لم " ولا يدخل عامل على عامل ؟ فالجواب أن " إن " ها هنا غير عاملة في اللفظ فدخلت على " لم " كما تدخل على الماضي، لانها لا تعمل في " لم " كما لا تعمل في الماضي، فمعنى إن لم تفعلوا إن تركتم الفعل.
قوله تعالى " ولن تفعلوا " نصب بلن، ومن العرب من يجزم بها، ذكره أبو عبيدة، ومنه بيت النابغة: * فلن (1) أعرض أبيت اللعن بالصفد * وفي حديث ابن عمر حين ذهب به إلى النار في منامه: فقيل لي " لن ترع ".
هذا على تلك اللغة.
وفي قوله: " ولن تفعلوا " إثارة لهممهم، وتحريك لنفوسهم، ليكون عجزهم بعد ذلك أبدع، وهذا من الغيوب التي أخبر بها القرآن قبل وقوعها.
وقال ابن كيسان: " ولن تفعلوا " توقيفا لهم على أنه الحق، وأنهم ليسوا صادقين فيما زعموا من أنه كذب، وأنه مفترى وأنه سحر وأنه شعر، وأنه أساطير الاولين، وهم يدعون العلم ولا يأتون بسورة من مثله.
وقوله: (فاتقوا النار) جواب " فإن لم تفعلوا " أي اتقوا النار بتصديق النبي صلى الله عليه وسلم وطاعة الله تعالى.
وقد تقدم معنى التقوى (2) فلا معنى لاعادتها.
ويقال: إن لغة تميم وأسد " فتقوا النار ".
وحكى سيبويه: تقى يتقي، مثل قضى يقضي.
" النار " مفعولة.
" التي " من نعتها.
وفيها ثلاث لغات: التي واللت (بكسر التاء) واللت (بإسكانها).
وهي اسم مبهم للمؤنث وهي معرفة، ولا يجوز نزع الالف واللام منها للتنكير، ولا تتم إلا بصلة.
وفي تثنيتها ثلاث لغات أيضا: اللتان واللتا (بحذف النون) واللتان (بتشديد النون).
وفي جمعها خمس لغات:
__________
(1) رواية الديوان وهي المشهورة في مصادر الادب: (فلم أعرض).
ويروي: (فما عرضت).
وصدر البيت: * هذا الثناء فإن تسمع به حسنا * وقوله: أبيت اللعن.
تحية كانوا يحيون بها الملوك.
والصفد: العطاء، معناه: أبيت أن تأتي من الامور ما تلعن عليه وتذم.
يقول: هذا الثناء الصحيح الصادق فمن الحق أن تقبله مني، فلم أمدحك متعرضا لعطائك، لكن
امتدحتك إقرارا بفضلك.
(عن شرح الديوان).
(2) راجع ص 161 من هذا الجزء.
(*)

(1/234)


اللاتي، وهي لغة القرآن.
واللات (بكسر التاء بلا ياء).
واللواتي.
واللوات (بلا ياء)، وأنشد أبو عبيدة: من اللواتي واللتي واللاتي * زعمن أن قد كبرت لداتي واللوا (بإسقاط التاء)، هذا ما حكاه الجوهري.
وزاد ابن الشجري: اللائي (بالهمز وإثبات الياء).
واللاء (بكسر الهمزة وحذف الياء).
واللا (بحذف الهمزة) فإن جمعت الجمع قلت في اللاتي: اللواتي وفي اللائي: اللوائي.
قال الجوهري: وتصغير التي اللتيا (بالفتح والتشديد)، قال الراجز (1): بعد اللتيا واللتيا والتي * إذا علتها أنفس تردت وبعض الشعراء أدخل على " التي " حرف النداء، وحروف النداء لا تدخل على ما فيه الالف واللام إلا في قولنا: يا الله، وحده.
فكأنه شبهها به من حيث كانت الالف واللام غير مفارقتين لها، وقال: من أجلك يا التي تيمت قلبي * وأنت بخيلة بالود عني ويقال: وقع فلان في اللتيا والتي، وهما أسمان من أسماء الداهية.
والوقود (بالفتح): الحطب.
وبالضم: التوقد.
و " الناس " عموم، ومعناه الخصوص فيمن سبق عليه القضاء أنه يكون حطبا لها، أجارنا الله منها.
" والحجارة " هي حجارة الكبريت الاسود - عن ابن مسعود والفراء - وخصت بذلك لانها تزيد على جميع الاحجار بخمسة أنواع من العذاب: سرعة الاتقاد، نتن الرائحة، كثرة الدخان، شدة الالتصاق بالابدان، قوة حرها إذا حميت.
وليس في قوله تعالى: " وقودها الناس والحجارة " دليل على أن ليس فيها غير الناس والحجارة، بدليل ما ذكره في غير موضع من كون الجن والشياطين فيها.
وقيل: المراد بالحجارة الاصنام، لقوله تعالى: " إنكم وما تعبدون من دون الله حصب (2) جهنم " [ الانبياء: 98 ] أي حطب جهنم.
وعليه
فتكون الحجارة والناس وقودا للنار، وذكر ذلك تعظيما للنار أنها تحرق الحجارة مع إحراقها للناس.
__________
(1) هو العجاج.
وصف دواهي شنيعة.
يقول: بعد الجهد والمشرف الذي أشرفت عليه.
ومعنى تردت: سقطت هاوية وهلكت.
(2) راجع ج 11 ص 343 (*)

(1/235)


وعلى التأويل الاول يكونون معذبين بالنار والحجارة.
وقد جاء الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (كل مؤذ في النار).
وفي تأويله وجهان: أحدهما - أن كل من آذى الناس في الدنيا عذبه الله في الآخرة بالنار.
الثاني - أن كل ما يؤذي الناس في الدنيا من السباع والهوام وغيرها في النار معد لعقوبة أهل النار.
وذهب بعض أهل التأويل إلى أن هذه النار المخصوصة بالحجارة هي نار الكافرين خاصة.
والله أعلم.
روى مسلم عن العباس بن عبد المطلب قال قلت: يا رسول الله، إن أبا طالب كان يحوطك وينصرك، فهل نفعه ذلك ؟ قال: (نعم وجدته في غمرات من النار فأخرجته إلى ضحضاح (1) - في رواية - ولولا أنا لكان في الدرك الاسفل من النار).
" وقودها " مبتدأ.
" الناس " خبره.
" والحجارة " عطف عليهم.
وقرأ الحسن ومجاهد وطلحة بن مصرف: " وقودها " (بضم الواو).
وقرأ عبيد بن عمير: " وقيدها الناس ".
قال الكسائي والاخفش: الوقود (بفتح الواو): الحطب، و (بالضم): الفعل، يقال: وقدت النار تقد وقودا (بالضم) ووقدا وقدة [ ووقيدا (2) ووقدا ] ووقدانا، أي توقدت.
وأوقدتها أنا واستوقدتها أيضا.
والاتقاد مثل التوقد، والموضع موقد، مثل مجلس، والنار موقدة.
والوقدة: شدة الحر، وهي عشرة أيام أو نصف شهر.
قال النحاس: يجب على هذا ألا يقرأ إلا " وقودها " [ بفتح (3) الواو ] لان المعنى حطبها، إلا أن الاخفش قال: وحكى أن بعض العرب يجعل الوقود والوقود بمعنى الحطب والمصدر.
قال النحاس: وذهب إلى أن الاول أكثر، قال: كما أن الوضوء الماء، والوضوء المصدر.
قوله تعالى: (أعدت للكافرين) ظاهره أن غير الكافرين لا يدخلها وليس كذلك، بدليل ما ذكره في غير موضع من الوعيد للمذنبين وبالاحاديث الثابتة في الشفاعة، على ما يأتي.
وفيه دليل على ما يقوله أهل الحق من أن النار موجودة مخلوفة، خلافا للمبتدعة في قولهم: إنها لم تخلق حتى الآن.
وهو القول الذي سقط فيه القاضي منذر بن سعيد البلوطي الاندلسي.
روى مسلم عن عبد الله (4) بن مسعود قال كنا مع رسول الله إذ سمع وجبة (5)،
__________
(1) الضحضاح في الاصل: مارق من الماء على وجه الارض ما يبلغ الكعبين، واستعير للنار.
(2) الزيادة عن هامش بعض نسخ الاصل.
(3) الزيادة عن كتاب (إعراب القرآن للنحاس).
(4) كذا في الاصول.
وفي صحيح مسلم: (عن أبي هريرة).
(5) الوجبة: صوت الشئ يسقط فيسمع له، كالهدة.
(*)

(1/236)


فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (تدرون ما هذا) قال قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: (هذا حجر رمي به في النار منذ سبعين خريفا فهو يهوى في النار الآن حتى انتهى إلى قعرها).
وروى البخاري عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (احتجت النار والجنة فقالت هذه يدخلني الجبارون والمتكبرون وقالت هذه يدخلني الضعفاء والمساكين فقال الله عزوجل لهذه: أنت عذابي أعذب بك من أشاء وقال لهذه أنت رحمتي أرحم بك من أشاء ولكل واحدة منكما ملؤها).
وأخرجه مسلم (1) بمعناه.
يقال: احتجت بمعنى تحتج، للحديث المتقدم حديث ابن مسعود (2)، ولان النبي صلى الله عليه وسلم قد أريهما في صلاة الكسوف، ورأهما أيضا في إسرائه ودخل الجنة، فلا معنى لما خالف ذلك.
وبالله التوفيق.
و " أعدت " يجوز أن يكون حالا للنار على معنى معدة، وأضمرت معه قد، كما قال: " أو جاءوكم حصرت صدورهم (3) " [ النساء: 90 ] فمعناه قد حصرت صدورهم، فمع " حصرت " قد مضمرة لان الماضي لا يكون حالا إلا مع قد، فعلى هذا لا يتم الوقف على " الحجارة ".
ويجوز أن يكون كلاما منقطعا عما قبله، كما قال: " وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم (4) " [ فصلت: 23 ].
وقال السجستاني: " أعدت للكافرين " من صلة " التي " كما قال في آل عمران: " واتقوا النار التي أعدت للكافرين (5) " [ آل عمران: 131 ].
ابن الانباري: وهذا غلط، لان التي في سورة البقرة قد وصلت بقوله: " وقودها الناس " فلا يجوز أن توصل بصلة ثانية، وفي آل عمران
ليس لها صله غير " أعدت ".
قوله تعالى: وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات تجري من تحتها الانهار كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل وأتوا به متشابها ولهم فيها أزواج مطهرة وهم فيها خالدون (25)
__________
(1) بمراجعة صحيحي البخاري ومسلم وجدنا أن الرواية لمسلم، وأخرجه البخاري بمعناه.
(2) يلاحظ أن راوي الحديث المتقدم في صحيحي مسلم والبخاري أبو هريرة.
(3) راجع ج 5 ص 309.
(4) راجع ج 15 ص 353.
(5) راجع ج 4 ص 202.
(*)

(1/237)


قوله تعالى: (وبشر الذين آمنوا) فيه ثلاث مسائل: الاولى - لما ذكر الله عز وجل جزاء الكافرين ذكر جزاء المؤمنين أيضا.
والتبشير الاخبار بما يظهر أثره على البشرة - وهي ظاهر الجلد - لتغيرها بأول خبر يرد عليك، ثم الغالب أن يستعمل في السرور مقيدا بالخير المبشر به، وغير مقيد أيضا.
ولا يستعمل في الغم والشر إلا مقيدا منصوصا على الشر المبشر به، قال الله تعالى " فبشرهم بعذاب أليم " [ الانشقاق: 24 ].
ويقال: بشرته وبشرته - مخفف ومشدد - بشارة (بكسر الباء) فأبشر واستبشر.
وبشر يبشر إذا فرح.
ووجه بشير إذا كان حسنا بين البشارة (بفتح الباء).
والبشرى: ما يعطاه المبشر.
وتباشير الشئ: أوله.
الثانية - أجمع العلماء على أن المكلف إذا قال: من بشرني من عبيدي بكذا فهو حر، فبشره واحد من عبيده فأكثر فإن أولهم يكون حرا دون الثاني.
واختلفوا إذا قال: من أخبرني من عبيدي بكذا فهو حر فهل يكون الثاني مثل الاول، فقال أصحاب الشافعي: نعم، لان كل واحد منهم مخبر.
وقال علماؤنا: لا، لان المكلف إنما قصد خبرا يكون بشارة، وذلك يختص بالاول، وهذا معلوم عرفا فوجب صرف القول إليه.
وفرق محمد ابن الحسن بين قوله: أخبرني، أو حدثني، فقال: إذا قال الرجل أي غلام لي أخبرني
بكذا، أو أعلمني بكذا وكذا فهو حر - ولا نية له - فأخبره غلام له بذلك بكتاب أو كلام أو رسول فإن الغلام يعتق، لان هذا خبر.
وإن أخبره بعد ذلك غلام له عتق، لانه قال: أي غلام أخبرني فهو حر.
ولو أخبروه كلهم عتقوا، وإن كان عنى - حين حلف - بالخبر كلام مشافهة لم يعتق واحد منهم إلا أن يخبره بكلام مشافهة بذلك الخبر.
قال: وإذا قال أي غلام لي حدثني، فهذا على المشافهة، لا يعتق واحد منهم.
الثالثة - قوله تعالى: (وعملوا الصالحات) رد على من يقول: إن الايمان بمجرده يقتضي الطاعات، لانه لو كان ذلك ما أعادها، فالجنة تنال بالايمان والعمل الصالح.
وقيل: الجنة تنال بالايمان، والدرجات تستحق بالاعمال الصالحات.
والله أعلم.

(1/238)


(أن لهم) في موضع نصب ب " - بشر " والمعنى وبشر الذين آمنوا بأن لهم، أو لان لهم، فلما سقط الخافض عمل الفعل.
وقال الكسائي وجماعة من البصريين: " أن " في موضع خفض بإضمار الباء.
(جنات) في موضع نصب اسم " أن "، " وأن وما عملت فيه في موضع المفعول الثاني.
والجنات: البساتين، وإنما سميت جنات لانها تجن من فيها أي تستره بشجرها، ومنه: المجن والجنين والجنة.
(تجرى) في موضع النعت لجنات وهو مرفوع، لانه فعل مستقبل فحذفت الضمة من الياء لثقلها معها.
(من تحتها) أي من تحت أشجارها، ولم يجر لها ذكر، لان الجنات دالة عليها.
(الانهار) أي ماء الانهار، فنسب الجري إلى الانهار توسعا، وإنما يجري الماء وحده فحذف اختصارا، كما قال تعالى: " واسئل القرية (1) " [ يوسف: 82 ] أي أهلها.
وقال الشاعر: (2) نبئت أن النار بعدك أوقدت * واستب بعدك يا كليب المجلس أراد: أهل المجلس، فحذف.
والنهر: مأخوذ من أنهرت، أي وسعت، ومنه قول قيس
ابن الخطيم: ملكت (3) بها كفي فأنهرت فتقها * يرى قائم من دونها ما وراءها أي وسعتها، يصف طعنة.
ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: (ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوه).
معناه: ما وسع الذبح حتى يجري الدم كالنهر.
وجمع النهر: نهر وأنهار.
ونهر نهر: كثير الماء، قال أبو ذؤيب: أقامت به فابتنت خيمة * على قصب وفرات نهر (4)
__________
(1) راجع ج 9 ص 246 (2) هو مهلهل أخو كليب.
(3) ملكت: أي شددت وقويت.
(4) قال الاصمعي: (قصب البطحاء مياه تجري إلى عيون الركايا (الآبار).
يقول: أقامت بين قصب أي ركايا وماء عذب، وكل فرات فهو عذب).
(عن اللسان وشرح الديوان).
(*)

(1/239)


وروي: أن أنهار الجنة ليست في أخاديد، إنما تجري على سطح الجنة منضبطة بالقدرة حيث شاء أهلها.
والوقف على " الانهار " حسن وليس بتام، لان قوله: (كلما رزقوا منها من ثمرة) من وصف الجنات.
(رزقا) مصدره، وقد تقدم القول في الرزق (1).
ومعنى (من قبل) يعني في الدنيا، وفيه وجهان: أحدهما - أنهم قالوا هذا الذي وعدنا به في الدنيا.
والثاني - هذا الذي رزقنا الدنيا، لان لونها يشبه لون ثمار الدنيا، فإذا أكلوا وجدوا طعمه غير ذلك وقيل: " من قبل " يعني في الجنة لانهم يرزقون ثم يرزقون، فإذا أتوا بطعام وثمار في أول النهار فأكلوا منها، ثم أتوا منها في آخر النهار قالوا: هذا الذي رزقنا من قبل، يعني أطعمنا في أول النهار، لان لونه يشبه ذلك، فإذا أكلوا منها وجدوا لها طعما غير طعم الاول.
(وأتوا) فعلوا من أتيت.
وقرأه الجماعة بضم الهمزة والتاء.
وقرأ هارون الاعور " وأتوا " بفتح الهمزة والتاء.
فالضمير في القراءة الاولى لاهل الجنة، وفي الثانية للخدام.
(به متشابها) حال من الضمير في " به "، أي يشبه بعضه بعضا في المنظر ويختلف
في الطعم.
قاله ابن عباس ومجاهد والحسن وغيرهم.
وقال عكرمة: يشبه ثمر الدنيا ويباينه في جل الصفات.
ابن عباس: هذا على وجه التعجب، وليس في الدنيا شئ مما في الجنة سوى الاسماء، فكأنهم تعجبوا لما رأوه من حسن الثمرة وعظم خلقها.
وقال قتادة: خيارا لا رذل فيه، كقوله تعالى: " كتابا متشابها " [ الزمر: 23 ] وليس كثمار الدنيا التي لا تتشابه، لان فيها خيارا وغير خيار.
(ولهم فيها أزواج) ابتداء وخبر.
وأزواج: جمع زوج.
والمرأة: زوج الرجل.
والرجل زوج المرأة.
قال الاصمعي: ولا تكاد العرب تقول زوجة.
وحكى الفراء أنه يقال: زوجة، وأنشد الفرزدق: وإن الذي يسعى ليفسد زوجتي * كساع إلى أسد الشرى يستبيلها (2)
__________
(1) راجع ص 177 من هذا الجزء.
(2) الشرى: مأسدة جانب الفرات يضرب بها المثل.
يتبيلها ؟: أي يأخذ بولها في يده.
(*)

(1/240)


وقال عمار بن ياسر في شأن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها: والله إني لاعلم أنها زوجته في الدنيا والآخرة، ولكن الله ابتلاكم.
ذكره البخاري، واختاره الكسائي.
(مطهرة) نعت للازواج.
ومطهرة في اللغة أجمع من طاهرة وأبلغ، ومعنى هذه الطهارة من الحيض والبصاق وسائر أقذار الآدميات.
ذكر عبد الرازق قال أخبرني الثوري عن ابن أبى نجيح عن مجاهد: " مطهرة " قال: لا يبلن ولا يتغوطن ولا يلدن ولا يحضن ولا يمنين ولا يبصقن.
وقد أتينا على هذا كله في وصف أهل الجنة وصفة الجنة ونعيمها من كتاب التذكرة.
والحمد لله.
(وهم فيها خالدون) " هم " مبتدأ.
" خالدون " خبره، والظرف ملغى.
ويجوز في غير القرآن نصب خالدين على الحال.
والخلود: البقاء ومنه جنة الخلد.
وقد تستعمل مجازا فيما يطول، ومنه قولهم في الدعاء: خلد الله ملكه أي طوله.
قال زهير:
ألا لا أرى على الحوادث باقيا * ولا خالدا إلا الجبال الرواسيا وأما الذي في الآية فهو أبدي حقيقة.
قوله تعالى: إن الله لا يستحي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلا يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به إلا الفاسقين (26) قوله تعالى: (إن الله لا يستحي أن يضرب مثلا) قال ابن عباس في رواية أبي صالح: لما ضرب الله سبحانه هذين المثلين للمنافقين: يعني " مثلهم كمثل الذي استوقد نارا " [ البقرة: 17 ] وقوله: " أو كصيب من السماء " [ البقرة: 19 ] قالوا: الله أجل وأعلى من أن يضرب الامثال، فأنزل الله هذه الآية.
وفي رواية عطاء عن ابن عباس قال: لما ذكر الله آلهة المشركين فقال: " وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه (1) منه " [ الحج: 73 ] وذكر كيد الآلهة
__________
(1) راجع ج 12 ص 97 (*)

(1/241)


فجعله كبيت العنكبوت، قالوا: أرأيت حيث ذكر الله الذباب والعنكبوت فيما أنزل من القرآن على محمد، أي شئ يصنع ؟ فأنزل الله الآية.
وقال الحسن وقتادة: لما ذكر الله الذباب والعنكبوت في كتابه وضرب للمشركين به المثل، ضحكت اليهود وقالوا: ما يشبه هذا كلام الله، فأنزل الله الآية.
و " ويستحيي " أصله يستحيي، عينه ولامه حرفا علة، أعلت اللام منه بأن استثقلت الضمة على الياء فسكنت.
واسم الفاعل في هذا: مستحي، والجمع مستحيون ومستحيين.
وقرأ ابن محيصن " يستحي " بكسر الحاء وياء واحدة ساكنة، وروى عن ابن كثير، وهي لغة تميم وبكر ابن وائل، نقلت فيها حركة الياء الاولى إلى الحاء فسكنت، ثم استثقلت الضمة على الثانية فسكنت، فحذفت إحداهما للالتقاء، واسم الفاعل مستح، والجمع مستحون ومستحين.
قاله الجوهري.
واختلف المتأولون في معنى " يستحيي " في هذه الآية فقيل: لا يخشى، ورجحه الطبري، وفي التنزيل: " وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه (1) " [ الاحزاب: 37 ] بمعنى تستحي.
وقال غيره: لا يترك.
وقيل: لا يمتنع.
وأصل الاستحياء الانقباض عن الشئ والامتناع منه خوفا من مواقعة القبيح، وهذا محال على الله تعالى.
وفي صحيح مسلم عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: جاءت أم سليم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، إن الله لا يستحيي من الحق.
المعنى لا يأمر بالحياء فيه، ولا يمتنع من ذكره.
قوله تعالى: " أن يضرب مثلا ما " " يضرب " معناه يبين، و " أن " مع الفعل في موضع نصب بتقدير حذف من.
" مثلا " منصوب بيضرب " بعوضة " في نصبها أربعة أوجه: الاول - تكون " ما " زائدة، و " بعوضة " بدلا من " مثلا ".
الثاني - تكون " ما " نكرة في موضع نصب على البدل من قوله: " مثلا ".
و " بعوضة " نعت لما، فوصفت " ما " بالجنس المنكر لابهامها لانها بمعنى قليل، قاله الفراء والزجاج وثعلب.
__________
(1) راجع ج 14 ص 190 (*)

(1/242)


الثالث - نصبت على تقدير إسقاط الجار، المعنى أن يضرب مثلا ما بين بعوضة، فحذفت " بين " وأعربت بعوضة بإعرابها، والفاء بمعنى إلى، أي إلى ما فوقها.
وهذا قول الكسائي والفراء أيضا، وأنشد أبو العباس: يا أحسن الناس ما قرنا إلى قدم * ولا حبال محب واصل تصل أراد ما بين قرن، فلما أسقط " بين " نصب.
الرابع - أن يكون " يضرب " بمعنى يجعل، فتكون " بعوضة " المفعول الثاني.
وقرأ الضحاك وإبراهيم بن أبي عبلة ورؤبة بن العجاج " بعوضة " بالرفع، وهي لغة تميم.
قال أبو الفتح: ووجه ذلك أن " ما " اسم بمنزلة الذي، و " بعوضة " رفع على إضمار
المبتدأ، التقدير: لا يستحيي أن يضرب الذي هو بعوضة مثلا، فحذف العائد على الموصول وهو مبتدأ.
ومثله قراءة بعضهم: " تماما على الذي أحسن " أي على الذي هو أحسن.
وحكى سيبويه: ما أنا بالذي قائل لك شيئا، أي هو قائل.
قال النحاس: والحذف في " ما " أقبح منه في " الذي "، لان " الذي " إنما له وجه واحد والاسم معه أطول.
ويقال: إن معنى ضربت له مثلا، مثلت له مثلا.
وهذه الابنية على ضرب واحد، وعلى مثال واحد ونوع واحد والضرب النوع.
والبعوضة: فعولة من بعض إذا قطع اللحم، يقال: بضع وبعض بمعنى، وقد بعضته تبعيضا، أي جزأته فتبعض.
والبعوض: البق، الواحدة بعوضة، سميت بذلك لصغرها.
قاله الجوهري وغيره.
قوله تعالى: (فما فوقها) قد تقدم أن الفاء بمعنى إلى، ومن جعل " ما " الاولى صلة زائدة ف " - ما " الثانية عطف عليها.
وقال الكسائي وأبو عبيدة وغيرهما: معنى " فما فوقها " - والله أعلم - ما دونها، أي إنها فوقها في الصغر.
قال الكسائي: وهذا كقولك في الكلام: أتراه قصيرا ؟ فيقول القائل: أو فوق ذلك، أي هو أقصر مما ترى.
وقال قتادة وابن جريج: المعنى في الكبر.
والضمير في " أنه " عائد على المثل أي أن المثل حق.
__________
(1) قال الدميري: (هو وهم).
وذكر البعوض بأوصافها.
ويدل على أن البعوض غير البق ما ورد عنه صلى الله عليه وسلم: (لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة.." الحديث.
(*)

(1/243)


والحق خلاف الباطل.
والحق: واحد الحقوق.
والحقة (بفتح الحاء) أخص منه، يقال: هذه حقتي، أي حقي.
قوله تعالى: (وأما الذين كفروا) لغة بني تميم وبني عامر في " أما " أيما، يبدلون من إحدى الميمين ياء كراهية التضعيف، وعلى هذا ينشد بيت عمر بن أبي ربيعة: رأت رجلا أيما إذا الشمس عارضت * فيضحى وأيما بالعشي فيخصر (1) قوله تعالى: (فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلا) اختلف النحويون في " ماذا "،
فقيل: هي بمنزلة اسم واحد بمعنى أي شئ أراد الله، فيكون في موضع نصب ب " - أراد ".
قال ابن كيسان: وهو الجيد.
وقيل: " ما " اسم تام في موضع رفع بالابتداء، و " ذا " بمعنى الذي وهو خبر الابتداء، ويكون التقدير: ما الذي أراده الله بهذا مثلا، ومعنى كلامهم هذا: الانكار بلفظ الاستفهام.
و " مثلا " منصوب على القطع، التقدير: أراد مثلا، قاله ثعلب.
وقال ابن كيسان: هو منصوب على التمييز الذي وقع موقع الحال.
قوله تعالى: (يضل به كثيرا ويهدى به كثيرا) قيل: هو من قول الكافرين، أي ما مراد الله بهذا المثل الذي يفرق به الناس إلى ضلالة وإلى هدى.
وقيل: بل هو خبر من الله عزوجل، وهو أشبه، لانهم يقرون بالهدى أنه من عنده، فالمعنى: قل يضل الله به كثيرا ويهدي به كثيرا، أي يوفق ويخذل، وعليه فيكون فيه رد على من تقدم ذكرهم من المعتزلة وغيرهم في قولهم: إن الله لا يخلق الضلال ولا الهدى.
قالوا: ومعنى " يضل به كثيرا " التسمية هنا، أي يسميه ضالا، كما يقال: فسقت فلانا، يعني سميته فاسقا، لان الله تعالى لا يضل أحدا.
هذا طريقهم في الاضلال، وهو خلاف أقاويل المفسرين، وهو غير محتمل في اللغة، لانه يقال: ضلله إذا سماه ضالا، ولا يقال: أضله إذا سماه ضالا، ولكن معناه ما ذكره المفسرون أهل التأويل من الحق أنه يخذل به كثيرا من الناس مجازاة لكفرهم.
ولا خلاف أن قوله:
__________
(1) الخصر (بالتحريك): البرد.
(*)

(1/244)


" وما يضل به إلا الفاسقين " أنه من قول الله تعالى.
و " الفاسقين " نصب بوقوع الفعل عليهم، والتقدير: وما يضل به أحدا إلا الفاسقين الذين سبق في علمه أنه لا يهديهم.
ولا يجوز أن تنصبهم على الاستثناء لان الاستثناء لا يكون إلا بعد تمام الكلام.
وقال نوف البكالي: قال عزير فيما يناجي ربه عزوجل: إلهي تخلق خلقا فتضل من تشاء وتهدي من تشاء.
قال فقيل: يا عزير أعرض عن هذا ! لتعرضن (1) عن هذا أو لامحونك من النبوة،
إني لا أسأل عما أفعل وهم يسألون.
والضلال أصله الهلاك، يقال منه: ضل الماء في اللبن إذا استهلك، ومنه قوله تعالى: " أئذا ضللنا في الارض (2) " [ السجدة: 10 ] وقد تقدم في الفاتحة (3).
والفسق أصله في كلام العرب الخروج عن الشئ، يقال: فسقت الرطبة إذا خرجت عن قشرها، والفأرة من جحرها.
والفويسقة: الفأرة، وفي الحديث: (خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم الحية والغراب الابقع والفأرة والكلب العقور والحديا).
روته عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم، أخرجه مسلم.
وفي رواية (العقرب) مكان (الحية).
فأطلق صلى الله عليه وسلم عليها اسم الفسق لاذيتها، على ما يأتي بيانه في هذا الكتاب إن شاء الله تعالى.
وفسق الرجل يفسق ويفسق أيضا - عن الاخفش - فسقا وفسوقا، أي فجر.
فأما قوله تعالى: " ففسق عن أمر ربه " فمعناه خرج.
وزعم ابن الاعرابي أنه لم يسمع قط في كلام الجاهلية ولا في شعرهم (4) فاسق.
قال: وهذا عجب، وهو كلام عربي حكاه عنه ابن فارس والجوهري.
قلت: قد ذكر أبو بكر الانباري في كتاب " الزاهر " له لما تكلم على معنى الفسق قول الشاعر: يذهبن في نجد وغورا (5) غائرا * فواسقا عن قصدها جوائرا
__________
(1) في نسخة من الاصل: أعرض عن هذا وإلا محوتك من النبوة.
(2) راجع ج 14 ص 91 (3) راجع ص 150 (4) أي بمعنى الخارج من طاعة الله، وهو بهذا المعنى حقيقة شرعية.
(5) غورا، منصوب بفعل محذوف، أي ويسلكن.
(راجع كتاب سيبويه ج 1 ص 49 طبع بولاق).
(*)

(1/245)


والفسيق: الدائم الفسق.
ويقال في النداء: يا فسق ويا خبث، يريد: يأيها الفاسق، ويأيها الخبيث.
والفسق في عرف الاستعمال الشرعي: الخروج من طاعة الله عزوجل، فقد يقع على من خرج بكفر وعلى من خرج بعصيان.
قوله تعالى: الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون
ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الارض أولئك هم الخاسرون (27) فيه سبع مسائل: الاولى - قوله تعالى: (الذين) " الذين " في موضع نصب على النعت للفاسقين، وإن شئت جعلته في موضع رفع على أنه خبر ابتدا محذوف، أي هم الذين.
وقد تقدم (1).
الثانية - قوله تعالى: (ينقضون) النقض: إفساد ما أبرمته من بناء أو حبل أو عهد.
والنقاضة.
ما نقض من حبل الشعر.
والمناقضة في القول: أن تتكلم بما تناقض معناه.
والنقيضة في الشعر: ما ينقض به.
والنقض: المنقوض.
واختلف الناس في تعيين هذا العهد، فقيل: هو الذي أخذه الله على بني آدم حين استخرجهم من ظهره.
وقيل: هو وصية الله تعالى إلى خلقه، وأمره إياهم بما أمرهم به من طاعته، ونهيه إياهم عما نهاهم عنه من معصيته في كتبه على ألسنة رسله، ونقضهم ذلك ترك العمل به.
وقيل: بل نصب الادلة على وحدانيته بالسموات والارض وسائر الصنعة هو بمنزلة العهد، ونقضهم ترك النظر في ذلك.
وقيل: هو ما عهده إلى من أوتي الكتاب أن يبينوا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ولا يكتموا أمره.
فالآية على هذا في أهل الكتاب.
قال أبو إسحاق الزجاج: عهده عزوجل ما أخذه على النبيين ومن اتبعهم ألا يكفروا بالنبي صلى الله عليه وسلم.
ودليل ذلك: " وإذ أخذ الله ميثاق (2) النبيين " [ آل عمران: 81 ] إلى قوله تعالى: " وأخذتم على ذلكم إصري " [ آل عمران: 81 ] أي عهدي.
قلت: وظاهر ما قبل وما بعد يدل على أنها في الكفار.
فهذه خمسة أقوال، والقول الثاني يجمعها.
__________
(1) راجع ص 162 من هذا الجزء.
(2) راجع ج 4 ص 124 (*)

(1/246)


الثالثة - قوله تعالى: (من بعد ميثاقه) الميثاق: العهد المؤكد باليمين، مفعال من الوثاقة والمعاهدة، وهي الشدة في العقد والربط ونحوه.
والجمع المواثيق على الاصل، لان أصل ميثاق موثاق، صارت الواو ياء لانكسار ما قبلها - والمياثق والمياثيق أيضا، وأنشد
ابن الاعرابي: حمى لا يحل الدهر إلا بإذننا * ولا نسأل الاقوام عهد (1) المياثق والموثق: الميثاق.
والمواثقة: المعاهدة، ومنه قوله تعالى: " وميثاقه الذي واثقكم به ".
الرابعة - قوله تعالى: (ويقطعون) القطع معروف، والمصدر - في الرحم - القطيعة، يقال: قطع رحمه قطيعة فهو رجل قطع وقطعة، مثال همزة.
وقطعت الحبل قطعا.
وقطعت النهر قطوعا.
وقطعت الطير قطوعا وقطاعا وقطاعا إذا خرجت من بلد إلى بلد.
وأصاب الناس قطعة: إذا قلت مياههم.
ورجل به قطع: أي انبهار (2).
الخامسة - قوله تعالى: (ما أمر الله به أن يوصل) " ما " في موضع نصب ب " - يقطعون ".
و " أن " إن شئت كانت بدلا من " ما " وإن شئت من الهاء في " به " وهو أحسن.
ويجوز أن يكون لئلا يوصل، أي كراهة أن يوصل.
واختلف ما الشئ الذي أمر بوصله ؟ فقيل: صلة الارحام.
وقيل: أمر أن يوصل القول بالعمل، فقطعوا بينهما بأن قالوا ولم يعملوا.
وقيل: أمر أن يوصل التصديق بجميع أنبيائه، فقطعوه بتصديق بعضهم وتكذيب بعضهم.
وقيل: الاشارة إلى دين الله وعبادته في الارض، وإقامة شرائعه وحفظ حدوده.
فهي عامة في كل ما أمر الله تعالى به أن يوصل.
هذا قول الجمهور، والرحم جزء من هذا.
السادسة - قوله تعالى: (ويفسدون في الارض) أي يعبدون غير الله تعالى ويجورون في الافعال، إذ هي بحسب شهواتهم، وهذا غاية الفساد.
__________
(1) في اللسان وشرح القاموس مادة (وثق): (عقد الميثاق) والبيت لعياض بن درة الطائي.
(2) البهر (بالضم): تتابع النفس من الاعياء.
وقيل انقطاعه.
(*)

(1/247)


(أولئك هم الخاسرون) ابتداء وخبر.
و " هم " زائدة، ويجوز أن تكون " هم " ابتداء ثان، " الخاسرون " خبره، والثاني وخبره خبر الاول كما تقدم (1).
والخاسر: الذي نقص
نفسه حظها من الفلاح والفوز.
والخسران: النقصان، كان في ميزان أو غيره، قال جرير: إن سليطا في الخسار إنه * أولاد قوم خلقوا أقنه (2) يعني بالخسار ما ينقص من حظوظهم وشرفهم.
قال الجوهري: وخسرت الشئ (بالفتح) وأخسرته نقصته.
والخسار والخسارة والخيسرى: الضلال والهلاك.
فقيل للهالك: خاسر، لانه خسر نفسه وأهله يوم القيامة ومنع منزله من الجنة.
السابعة - في هذه الآية دليل على أن الوفاء بالعهد والتزامه وكل عهد جائز ألزمه المرء نفسه فلا يحل له نقضه سواء أكان بين مسلم أم غيره، لذم الله تعالى من نقض عهده.
وقد قال: " أوفوا (3) بالعقود " [ المائدة: 1 ] وقد قال لنبيه عليه السلام: " وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء " [ الانفال: 58 ] فنهاه عن الغدر، وذلك لا يكون إلا بنقض العهد على ما يأتي بيانه في موضعه (4) إن شاء الله تعالى.
قوله تعالى: كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون (28) " كيف " سؤال عن الحال، وهي اسم في موضع نصب ب " - تكفرون "، وهي مبنية على الفتح وكان سبيلها أن تكون ساكنة، لان فيها معنى الاستفهام الذي معناه التعجب فأشبهت الحروف، واختير لها الفتح لخفته، أي هؤلاء ممن يجب أن يتعجب منهم حين كفروا وقد ثبتت عليهم الحجة.
فإن قيل: كيف يجوز أن يكون هذا الخطاب لاهل الكتاب وهم لم يكفروا بالله ؟ فالجواب ما سبق من أنهم لما لم يثبتوا أمر محمد عليه السلام ولم يصدقوه فيما جاء به فقد
__________
(1) راجع ص 181 من هذا الجزء.
(2) سليط.
أبو قبيلة والقن: الذي ملك هو وأبواه.
(3) راجع ج 6 ص 32 (4) راجع ج 8 ص 31 (*)

(1/248)


أشركوا، لانهم لم يقروا بأن القرآن من عند الله.
ومن زعم أن القرآن كلام البشر فقد أشرك
بالله وصار ناقضا للعهد.
وقيل: " كيف " لفظه لفظ الاستفهام وليس به، بل هو تقرير وتوبيخ، أي كيف تكفرون نعمه عليكم وقدرته هذه ! قال الواسطي: وبخهم بهذا غاية التوبيخ، لان الموات والجماد لا ينازع صانعه في شئ، وإنما المنازعة من الهياكل الروحانية.
قوله تعالى: (وكنتم أمواتا) هذه الواو واو الحال، وقد مضمرة.
قال الزجاج: التقدير وقد كنتم، ثم حذفت قد.
وقال الفراء: " أمواتا " خبر " كنتم ".
" فأحياكم ثم يميتكم " هذا وقف التمام، كذا قال أبو حاتم.
ثم قال: " ثم يحييكم " واختلف أهل التأويل في ترتيب هاتين الموتتين والحياتين، وكم من موتة وحياة للانسان ؟ فقال ابن عباس وابن مسعود: أي كنتم أمواتا معدومين قبل أن تخلقوا فأحياكم - أي خلقكم - ثم يميتكم عند انقضاء آجالكم، ثم يحييكم يوم القيامة.
قال ابن عطية: وهذا القول هو المراد بالآية، وهو الذي لا محيد للكفار عنه لاقرارهم بهما، وإذا أذعنت نفوس الكفار لكونهم أمواتا معدومين، ثم للاحياء في الدنيا، ثم للاماتة فيها قوي عليهم لزوم الاحياء الآخر وجاء جحدهم له دعوى لا حجة عليها.
قال غيره: والحياة التي تكون في القبر على هذا التأويل في حكم حياة الدنيا.
وقيل: لم يعتد بها كما لم يعتد بموت من أماته في الدنيا ثم أحياه في الدنيا.
وقيل: كنتم أمواتا في ظهر آدم، ثم أخرجكم من ظهره كالذر، ثم يميتكم موت الدنيا ثم يبعثكم.
وقيل: كنتم أمواتا - أي نطفا - في أصلاب الرجال وأرحام النساء، ثم نقلكم من الارحام فأحياكم، ثم يميتكم بعد هذه الحياة، ثم يحييكم في القبر للمسألة، ثم يميتكم في القبر، ثم يحييكم حياة النشر إلى الحشر، وهي الحياة التي ليس بعدها موت.
قلت: فعلى هذا التأويل هي ثلاث موتات، وثلاث إحياءات.
وكونهم موتى في ظهر آدم، وإخراجهم من ظهره والشهادة عليهم غير كونهم نطفا في أصلاب الرجال وأرحام النساء، فعلى هذا تجئ أربع موتات وأربع إحياءات.
وقد قيل: إن الله تعالى أوجدهم قبل خلق آدم عليه السلام كالهباء ثم أماتهم، فيكون على هذا خمس موتات، وخمس إحياءات.
وموتة سادسة

(1/249)


للعصاة من أمة محمد صلى الله عليه وسلم إذا دخلوا النار، لحديث أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أما أهل النار الذي هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون ولكن ناس أصابتهم النار بذنوبهم - أو قال بخطاياهم - فأماتهم الله إماتة حتى إذا كانوا فحما أذن في الشفاعة فجئ بهم ضبائر ضبائر فبثوا على أنهار الجنة ثم قيل يأهل الجنة أفيضوا عليهم فينبتون نبات الحبة تكون في حميل السيل).
فقال رجل من القوم: كأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كان يرعى بالبادية (1).
أخرجه مسلم.
قلت: فقوله (فأماتهم الله) حقيقة في الموت، لانه أكده بالمصدر، وذلك تكريما لهم.
وقيل: يجوز أن يكون (أماتهم) عبارة عن تغييبهم عن آلامها بالنوم، ولا يكون ذلك موتا على الحقيقة، والاول أصح.
وقد أجمع النحويون على أنك إذا أكدت الفعل بالمصدر لم يكن مجازا، وإنما هو على الحقيقة، ومثله: " وكلم الله موسى تكليما " [ النساء: 164 ] على ما يأتي بيانه (2) إن شاء الله تعالى.
وقيل: المعنى وكنتم أمواتا بالخمول فأحياكم بأن ذكرتم وشرفتم بهذا الدين والنبي الذي جاءكم، ثم يميتكم فيموت ذكركم، ثم يحييكم للبعث.
قوله تعالى: (ثم إليه ترجعون) أي إلى عذابه مرجعكم لكفركم.
وقيل: إلى الحياة وإلى المسألة، كما قال تعالى: " كما بدأنا أول خلق نعيده (3) " [ الانبياء: 104 ] فإعادتهم كابتدائهم، فهو رجوع.
و " ترجعون " قراءة الجماعة.
ويحيى بن يعمر وابن أبي إسحاق ومجاهد وابن محيصن وسلام ابن يعقوب يفتحون حرف المضارعة ويكسرون الجيم حيث وقعت.
قوله تعالى: هو الذي خلق لكم ما في الارض جميعا ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سموات وهو بكل شئ عليم (29)
__________
(1) الذي في صحيح مسلم: (..قد كان بالبادية).
والضبائر: هم الجماعات في تفرقة، واحدتها ضبارة، مثل عمارة وعمائر، وكل مجتمع ضبارة.
والحبة (بالكسر): بذور البقل.
وقيل هو نبت صغير ينبت في الحشيش، فأما الحبة (بالفتح) فهي الحنطة والشعير ونحوهما.
وحميل السيل: هو ما يجئ به السيل من الغثاء.
(2) راجع ج 6 ص 18 (3) راجع ج 11 ص 348 (*)

(1/250)


قوله تعالى: (هو الذي خلق لكم ما في الارض جميعا) فيه عشر مسائل: الاولى: " خلق " معناه اخترع وأوجد بعد العدم.
وقد يقال في الانسان: " خلق " عند إنشائه شيئا، ومنه قول الشاعر: من كان يخلق ما يقو * ل فحيلتي فيه قليله وقد تقدم (1) هذا المعنى.
وقال ابن كيسان: " خلق لكم " أي من أجلكم.
وقيل: المعنى أن جميع ما في الارض منعم به عليكم فهو لكم.
وقيل: إنه دليل على التوحيد والاعتبار.
قلت: وهذا هو الصحيح على ما نبينه.
ويجوز أن يكون عني به ما هم إليه محتاجون من جميع الاشياء.
الثانية - استدل من قال إن أصل الاشياء التي ينتفع بها الاباحة بهذه الآية وما كان مثلها - كقوله: " وسخر لكم ما في السموات وما في الارض جميعا منه (2) " [ الجاثية: 13 ] الآية - حتى يقوم الدليل على الحظر.
وعضدوا هذا بأن قالوا: إن المآكل الشهية خلقت مع إمكان ألا تخلق فلم تخلق عبثا، فلا بد لها من منفعة.
وتلك المنفعة لا يصح رجوعها إلى الله تعالى لاستغنائه بذاته، فهي راجعة إلينا.
ومنفعتنا إما في نيل لذتها، أو في اجتنابها لنختبر بذلك، أو في اعتبارنا بها.
ولا يحصل شئ من تلك الامور إلا بذوقها، فلزم أن تكون مباحة.
وهذا فاسد، لانا لا نسلم لزوم العبث من خلقها إلا لمنفعة، بل خلقها كذلك لانه لا يجب عليه أصل المنفعة، بل هو الموجب.
ولا نسلم حصر المنفعة فيما ذكروه، ولا حصول بعض تلك المنافع إلا بالذوق، بل قد يستدل على الطعوم بأمور أخر كما هو معروف عند الطبائعيين.
ثم هو معارض بما يخاف أن تكون سموما مهلكة، ومعارضون بشبهات أصحاب الحظر.
وتوقف آخرون وقالوا: ما من فعل لا ندرك منه حسنا ولا قبحا إلا ويمكن أن يكون حسنا في نفسه، ولا معين قبل ورود الشرع، فتعين الوقف إلى ورود الشرع.
وهذه الاقاويل الثلاثة للمعتزلة.
وقد أطلق الشيخ أبو الحسن وأصحابه وأكثر المالكية والصيرفي في هذه
__________
(1) راجع ص 226 من هذا الجزء.
(2) راجع ج 16 ص 160 (*)

(1/251)


المسألة القول بالوقف.
ومعناه عندهم أن لا حكم فيها في تلك الحال، وأن للشرع إذا جاء أن يحكم بما شاء، وأن العقل لا يحكم بوجوب ولا غيره وإنما حظه تعرف الامور على ما هي عليه.
قال ابن عطية: وحكى ابن فورك عن ابن الصائغ أنه قال: لم يخل العقل قط من السمع، ولا نازلة إلا وفيها سمع، أو لها تعلق به، أو لها حال تستصحب.
قال: فينبغي أن يعتمد على هذا، ويغني عن النظر في حظر وإباحة ووقف.
الثالثة - الصحيح في معنى قوله تعالى: " خلق لكم ما في الارض " الاعتبار.
يدل عليه ما قبله وما بعده من نصب العبر: الاحياء والاماتة والخلق والاستواء إلى السماء وتسويتها، أي الذي قدر على إحيائكم وخلقكم وخلق السموات والارض، لا تبعد منه القدرة على الاعادة.
فإن قيل: إن معنى " لكم " الانتفاع، أي لتنتفعوا بجميع ذلك، قلنا المراد بالانتفاع الاعتبار لما ذكرنا.
فان قيل: وأي اعتبار في العقارب والحيات، قلنا: قد يتذكر الانسان ببعض ما يرى من المؤذيات ما أعد الله للكفار في النار من العقوبات فيكون سببا للايمان وترك المعاصي، وذلك أعظم الاعتبار.
قال ابن العربي: وليس في الاخبار بهذه القدرة عن هذه الجملة ما يقتضي حظرا ولا إباحة ولا وقفا، وإنما جاء ذكر هذه الآية في معرض الدلالة والتنبيه ليستدل بها على وحدانيته.
وقال أرباب المعاني في قوله: " خلق لكم ما في الارض جميعا " لتتقووا به على طاعته، لا لتصرفوه في وجوه معصيته.
وقال أبو عثمان: وهب لك الكل وسخره لك لتستدل به على سعة جوده، وتسكن إلى ما ضمن لك من جزيل عطائه في المعاد، ولا تستكثر كثير بره على قليل عملك، فقد ابتدأك بعظيم النعم قبل العمل وهو التوحيد.
الرابعة - روى زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أن رجلا
أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله أن يعطيه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما عندي شئ ولكن ابتع علي فإذا جاء شئ قضينا) فقال له عمر: هذا أعطيت إذا كان

(1/252)


عندك فما كلفك الله ما لا تقدر.
فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم قول عمر، فقال رجل من الانصار: يا رسول الله، * أنفق ولا تخش من ذي العرش إقلالا * فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعرف السرور في وجهه لقول الانصاري.
ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بذلك أمرت).
قال علماؤنا رحمة الله عليهم: فخوف الاقلال من سوء الظن بالله، لان الله تعالى خلق الارض بما فيها لولد آدم، وقال في تنزيله: " خلق لكم ما في الارض جميعا " " وسخر لكم ما في السموات وما في الارض جميعا منه " [ الجاثية: 13 ].
فهذه الاشياء كلها مسخرة للآدمي قطعا لعذره وحجة عليه، ليكون له عبدا كما خلقه عبدا، فإذا كان العبد حسن الظن بالله لم يخف الاقلال لانه يخلف عليه، كما قال تعالى: " وما أنفقتم من شئ فهو يخلقه وهو خير الرازقين (1) " [ سبأ: 39 ] وقال: " فإن ربي (2) غني كريم " [ النمل: 40 ]، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى: " سبقت رحمتي غضبي يا بن آدم أنفق أنفق عليك يمين الله ملاى (3) سحا لا يغيضها شئ الليل والنهار).
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من يوم يصبح العباد فيه إلا وملكان ينزلان فيقول أحدهما اللهم أعط منفقا خلفا ويقول الآخر اللهم أعط ممسكا تلفا).
وكذا في المساء عند الغروب يناديان أيضا، وهذا كله صحيح رواه الائمة والحمد لله.
فمن استنار صدره، وعلم غنى ربه وكرمه أنفق ولم يخف الاقلال، وكذلك من ماتت شهواته عن الدنيا واجتزأ باليسير من القوت المقيم لمهجته، وانقطعت مشيئته لنفسه، فهذا يعطي من يسره وعسره ولا يخاف إقلالا.
وإنما يخاف الاقلال من له مشيئة في الاشياء، فإذا أعطي اليوم وله غدا مشيئة في شئ خاف ألا يصيب غدا، فيضيق عليه الامر في نفقة اليوم لمخافة إقلاله.
روى مسلم عن أسماء بنت أبي بكر قالت قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم (انفحي أو انضحي (4) أو أنفقي ولا تحصى
فيحصى الله عليك ولا توعى (5) فيوعى عليك).
وروى النسائي عن عائشة قالت: دخل علي
__________
(1) راجع ج 14 ص 307 (2) راجع ج 13 ص 206 (3) أي دائمة الصب والهطل بالعطاء.
(4) قال النووي: (والنفح والنضح العطاء، ويطلق النضح أيضا على الصب فلعله المراد هنا ويكون أبلغ من النفح).
(5) الايعاء: جعل الشئ في الوعاء، أي لا ؟ تجمعي وتشحى بالنفقة فيشح عليك.
(*)

(1/253)


سائل مرة وعندي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمرت له بشئ ثم دعوت به فنظرت إليه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما تريدين ألا يدخل بيتك شئ ولا يخرج إلا بعلمك) قلت: نعم، قال: (مهلا يا عائشة لا تحصي فيحصي الله عزوجل عليك).
الخامسة: قوله تعالى: " ثم استوى " " ثم " لترتيب الاخبار لا لترتيب الامر في نفسه.
والاستواء في اللغة: الارتفاع والعلو على الشئ، قال الله تعالى: " فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك " [ المؤمنون: 28 ]، وقال " لتستووا على ظهوره " [ الزخرف: 13 ]، وقال الشاعر: فأوردتهم ماء بفيفاء قفرة * وقد حلق النجم اليماني فاستوى أي ارتفع وعلا، واستوت الشمس على رأسي واستوت الطير على قمة رأسي، بمعنى علا.
وهذه الآية من المشكلات، والناس فيها وفيما شاكلها على ثلاثة أوجه قال بعضهم: نقرؤها ونؤمن بها ولا نفسرها، وذهب إليه كثير من الائمة، وهذا كما روى عن مالك رحمه الله أن رجلا سأله عن قوله تعالى: " الرحمن على العرش (1) استوى " [ طه: 5 ] قال مالك: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والايمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وأراك رجل سوء ! أخرجوه.
وقال بعضهم: نقرؤها ونفسرها على ما يحتمله ظاهر اللغة.
وهذا قول المشبهة.
وقال بعضهم: نقرؤها ونتأولها ونحيل حملها على ظاهرها.
وقال الفراء في قوله عزوجل: " ثم استوى إلى السماء فسواهن " قال: الاستواء في كلام العرب على وجهين، أحدهما: أن يستوي الرجل وينتهي شبابه وقوته، أو يستوي عن اعوجاج.
فهذان وجهان.
ووجه ثالث أن تقول: كان (2) فلان مقبلا على فلان ثم استوى علي وإلي يشاتمني.
على معنى أقبل
إلي وعلي.
فهذا معنى قوله: " ثم استوى إلى السماء " والله أعلم.
قال وقد قال ابن عباس: ثم استوى إلى السماء صعد.
وهذا كقولك: كان قاعدا فاستوى قائما، وكان قائما فاستوى قاعدا، وكل ذلك في كلام العرب جائز.
وقال البيهقي أبو بكر أحمد بن علي بن الحسين: قوله:
__________
(1) راجع ج 11 ص 169 (2) عبارة الاصول: (...كان مقبلا على يشاتمني وإلي سواء، على معنى..الخ) وبها لا يستقيم المعنى.
والتصويب عن اللسان وشرح القاموس وتفسير الطبري.
(*)

(1/254)


" استوى " بمعنى أقبل صحيح، لان الاقبال هو القصد إلى خلق السماء، والقصد هو الارادة، وذلك جائز في صفات الله تعالى.
ولفظة " ثم " تتعلق بالخلق لا بالارادة.
وأما ما حكى عن ابن عباس فإنما أخذه عن تفسير الكلبي، والكلبي ضعيف.
وقال سفيان بن عيينة وابن كيسان في قوله " ثم استوى إلى السماء ": قصد إليها، أي بخلقه واختراعه، فهذا قول.
وقيل: على دون تكييف ولا تحديد، واختاره الطبري.
ويذكر عن أبي العالية الرياحي في هذه الآية أنه يقال: استوى بمعنى أنه ارتفع.
قال البيهقي: ومراده من ذلك - والله أعلم - ارتفاع أمره، وهو بخار الماء الذي وقع منه خلق السماء.
وقيل: إن المستوى الدخان.
وقال ابن عطية: وهذا يأباه وصف الكلام.
وقيل: المعنى استولى، كما قال الشاعر: (1) قد استوى بشر على العراق * من غير سيف ودم مهراق قال ابن عطية: وهذا إنما يجئ في قوله تعالى: " الرحمن على العرش استوى " [ طه: 5 ].
قلت: قد تقدم في قول الفراء علي وإلي بمعنى.
وسيأتي لهذا الباب مزيد بيان في سورة " الاعراف (2) " إن شاء الله تعالى.
والقاعدة في هذه الآية ونحوها منع الحركة والنقلة.
السادسة - يظهر من هذه الآية أنه سبحانه خلق الارض قبل السماء، وكذلك في " حم السجدة (3) ".
وقال في النازعات: " أأنتم أشد خلقا أم السماء بناها (4) " [ النازعات: 27 ] فوصف خلقها، ثم قال: " والارض بعد ذلك دحاها " [ النازعات: 30 ].
فكأن السماء على هذا خلقت قبل الارض، وقال تعالى " الحمد لله الذي خلق السموات والارض (5) " [ الانعام: 1 ] وهذا قول قتادة: إن السماء
خلقت أولا، حكاه عنه الطبري.
وقال مجاهد وغيره من المفسرين: إنه تعالى أيبس الماء الذي كان عرشه عليه فجعله أرضا وثار منه دخان فارتقع، فجعله سماء فصار خلق الارض قبل خلق السماء، ثم قصد أمره إلى السماء فسواهن سبع سموات، ثم دحا (6) الارض بعد ذلك، وكانت إذ خلقها غير مدحوة.
__________
(1) هو الاخطل كما في شرح القاموس.
(2) راجع ج 7 ص 219.
(3) راجع ج 15 ص 343.
(4) راجع ج 19 ص 201.
(5) راجع ج 6 ص 384.
(6) دحا الشئ: بسطه.
(*)

(1/255)


قلت: وقول قتادة يخرج على وجه صحيح إن شاء الله تعالى، وهو أن الله تعالى خلق أولا دخان السماء ثم خلق الارض، ثم استوى إلى السماء وهي دخان فسواها، ثم دحا الارض بعد ذلك.
ومما (1) يدل على أن الدخان خلق أولا قبل الارض ما رواه السدي عن أبي مالك، وعن أبي صالح عن ابن عباس، وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله عزوجل: " هو الذي خلق لكم ما في الارض جميعا ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سموات " [ البقرة: 29 ] قال: إن الله تبارك وتعالى كان عرشه على الماء ولم يخلق شيئا قبل الماء، فلما أراد أن يخلق الخلق أخرج من الماء دخانا فارتفع فوق الماء، فسما عليه، فسماه سماء، ثم أيبس الماء فجعله أرضا واحدة، ثم فتقها فجعلها سبع أرضين في يومين، في الاحد والاثنين.
فجعل الارض على حوت - والحوت هو النون الذي ذكر الله تبارك وتعالى في القرآن بقوله: " ن والقلم (2) " [ القلم: 1 ] والحوت في الماء و [ الماء (3) ] على صفاة (4)، والصفاة على ظهر ملك، والملك على الصخرة، والصخرة في الريح - وهي الصخرة التي ذكر لقمان: ليست في السماء ولا في الارض - فتحرك الحوت فاضطرب، فتزلزلت الارض، فأرسل عليها الجبال فقرت، فالجبال تفخر على الارض، وذلك قوله تعالى: " وألقى في الارض رواسي أن تميد بكم (5) " [ النحل: 15 ] وخلق الجبال فيها، وأقوات أهلها وشجرها، وما ينبغي لها
في يومين، في الثلاثاء والاربعاء، وذلك حين يقول: " قل أإنكم لتكفرون بالذي خلق الارض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين.
وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين (6) " [ فصلت: 9، 10 ] يقول: من سأل فهكذا الامر، " ثم استوى إلى السماء وهي دخان " وكان ذلك الدخان من تنفس الماء حين تنفس، فجعلها سماء واحدة، ثم فتقها فجعلها سبع سموات في يومين، في الخميس والجمعة، وإنما سمي يوم الجمعة لانه جمع
__________
(1) يلاحظ أن المؤلف رحمه الله خرج عما سنه في مقدمته لهذا الكتاب من إضرابه عن هذا القصص وأمثاله مما ملئت به كتب التفسير الاخرى والذي لا يتمشى مع روح الدين الاسلامي، فجل من له العصمة.
(2) راجع ج 18 ص 223.
(3) تكملة عن تفسير الطبري وتاريخه.
(4) الصفاة: العريض من الحجارة الاملس.
(5) راجع ج 10 ص 90.
(6) راجع ج 15 ص 342.
(*)

(1/256)


فيه خلق السموات والارض، " وأوحى في كل سماء أمرها " [ فصلت: 12 ] قال: خلق في كل سماء خلقها من الملائكة والخلق الذي فيها من البحار وجبال البرد وما لا يعلم، ثم زين السماء الدنيا بالكواكب، فجعلها زينة وحفظا تحفظ من الشياطين.
فلما فرغ من خلق ما أحب استوى على العرش، قال فذلك حين يقول: " خلق السموات والارض في ستة أيام " [ الحديد: 4 ] ويقول: " كانتا رتقا ففتقناهما (1) " [ الانبياء: 30 ] وذكر القصة في خلق آدم عليه السلام، على ما يأتي بيانه في هذه السورة إن شاء الله تعالى.
وروى وكيع عن الاعمش عن أبي ظبيان عن ابن عباس قال: إن أول ما خلق الله عزوجل من شئ " القلم " فقال له اكتب.
فقال: يا رب وما اكتب ؟ قال: اكتب القدر.
فجرى بما هو كائن من ذلك اليوم إلى قيام الساعة.
قال: ثم خلق النون فدحا الارض عليها، فارتفع بخار الماء ففتق منه السموات، واضطرب النون فمادت الارض فأثبتت بالجبال، فإن الجبال تفخر على الارض إلى يوم القيامة.
ففي هذه الرواية خلق الارض قبل ارتفاع بخار الماء الذي هو الدخان، خلاف الرواية الاولى.
والرواية
الاولى عنه وعن غيره أولى، لقوله تعالى: " والارض بعد ذلك دحاها (2) " [ النازعات: 30 ] والله أعلم بما فعل، فقد اختلفت فيه الاقاويل، وليس للاجتهاد فيه مدخل.
وذكر أبو نعيم عن كعب الاحبار أن إبليس تغلغل إلى الحوت الذي على ظهره الارض كلها، فألقى في قلبه، فقال: هل تدري ما على ظهرك يا لوثيا من الامم والشجر والدواب والناس والجبال ! لو نفضتهم ألقيتهم عن ظهرك أجمع.
قال: فهم لوثيا بفعل ذلك، فبعث الله دابة فدخلت في منخره، فعج إلى الله منها فخرجت.
قال كعب: والذي نفسي بيده، إنه لينظر إليها بين يديه وتنظر إليه إن هم بشئ من ذلك عادت حيث كانت.
السابعة - أصل خلق الاشياء كلها من الماء لما رواه ابن ماجه في سننه، وأبو حاتم البستي في صحيح مسنده عن أبى هريرة قال قلت: يا رسول الله، إذا رأيتك طابت نفسي وقرت عيني، أنبئني عن كل شئ.
قال: (كل شئ خلق من الماء) فقلت: أخبرني عن
__________
(1) راجع ج 11 ص 282 (2) راجع ج 19 ص 202 (*)

(1/257)


شئ إذا عملت به دخلت الجنة.
قال: (أطعم الطعام وأفش السلام وصل الارحام وقم الليل والناس نيام تدخل الجنة بسلام).
قال أبو حاتم قول أبي هريرة: " أنبئني عن كل شئ " أراد به عن كل شئ خلق من الماء.
والدليل على صحة هذا جواب المصطفى عليه السلام إياه حيث قال: (كل شئ خلق من الماء) وإن لم يكن مخلوقا.
وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه كان يحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن أول شئ خلقه الله القلم وأمره فكتب كل شئ يكون) ويروى ذلك أيضا عن عبادة بن الصامت مرفوعا.
قال البيهقي: وإنما أراد - والله أعلم - أول شئ خلقه بعد خلق الماء والريح والعرش " القلم ".
وذلك بين في حديث عمران بن حصين، ثم خلق السموات والارض.
وذكر عبد الرزاق بن عمر بن حبيب المكي عن حميد بن قيس الاعرج عن طاوس قال: جاء رجل إلى عبد الله بن عمرو بن العاص فسأله: مم خلق الخلق ؟ قال: من الماء والنور والظلمة
والريح والتراب.
قال الرجل: فمم خلق هؤلاء ؟ قال: لا أدري.
قال: ثم أتى الرجل عبد الله بن الزبير فسأله، فقال مثل قول عبد الله بن عمرو.
قال: فأتى الرجل عبد الله بن عباس فسأله، فقال: مم خلق الخلق ؟ قال: من الماء والنور والظلمة والريح والتراب.
قال الرجل: فمم خلق هؤلاء ؟ فتلا عبد الله بن عباس: " وسخر لكم ما في السموات وما في الارض جميعا منه (1) " [ الجاثية: 13 ] فقال الرجل: ما كان ليأتي بهذا إلا رجل من أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم.
قال البيهقي: أراد أن مصدر الجميع منه، أي من خلقه وإبداعه واختراعه.
خلق الماء أولا، أو الماء وما شاء من خلقه لا عن أصل ولا على مثال سبق، ثم جعله أصلا لما خلق بعد، فهو المبدع وهو البارئ لا إله غيره ولا خالق سواه، سبحانه عزوجل.
الثامنة - قوله تعالى: " فسواهن سبع سموات " ذكر تعالى أن السموات سبع.
ولم يأت للارض في التنزيل عدد صريح لا يحتمل التأويل إلا قوله تعالى: " ومن الارض مثلهن (2) " [ الطلاق: 12 ] وقد اختلف فيه، فقيل: ومن الارض مثلهن أي في العدد، لان الكيفية والصفة مختلفة بالمشاهدة والاخبار، فتعين العدد.
وقيل: " ومن الارض مثلهن " أي في غلظهن
__________
(1) راجع ج 16 ص 160 (2) راجع ج 18 ص 174 (*)

(1/258)


وما بينهن.
وقيل: هي سبع إلا أنه لم يفتق بعضها من بعض، قال الداودي.
والصحيح الاول، وأنها سبع كالسموات سبع.
روى مسلم عن سعيد بن زيد قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من أخذ شبرا من الارض ظلما طوقه إلى سبع أرضين).
وعن عائشة رضي الله عنها مثله، إلا أن فيه " من " بدل " إلى ".
ومن حديث أبي هريرة: (لا يأخذ أحد شبرا من الارض بغير حقه إلا طوقه الله إلى سبع أرضين [ يوم القيامة (1) ] ".
وروى النسائي عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (قال موسى عليه السلام يا رب علمني شيئا أذكرك به وأدعوك به قال يا موسى قل لا إله إلا الله قال موسى يا رب كل عبادك يقول هذا قال قل لا إله إلا الله قال لا إله إلا أنت إنما أريد شيئا تخصني به
قال يا موسى لو أن السموات السبع وعامرهن غيري والارضين السبع في كفة ولا إله إلا الله في كفة مالت بهن لا إله إلا الله).
وروى الترمذي عن أبي هريرة قال: بينما نبي الله صلى الله عليه وسلم جالس وأصحابه إذ أتى عليهم سحاب، فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم: (هل تدرون ما هذا) فقالوا: الله ورسوله أعلم، قال: (هذا العنان هذه روايا الارض يسوقه الله إلى قوم لا يشكرونه ولا يدعونه - قال - هل تدرون ما فوقكم) قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: (فإنها الرقيع (2) سقف محفوظ وموج مكفوف - ثم قال - هل تدرون كم بينكم وبينها) قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: (بينكم وبينها [ مسيرة (3) ] خمسمائة عام - ثم قال: - هل تدرون ما فوق ذلك) قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ([ فإن فوق (3) ذلك ] سماءين بعد ما بينهما [ مسيرة (3) ] خمسمائة سنة) ثم قال كذلك حتى عد سبع سموات ما بين كل سماءين ما بين السماء والارض.
ثم قال: (هل تدرون ما فوق ذلك) قالوا: الله ورسوله أعلم، قال (فإن فوق ذلك العرش وبينه وبين السماء بعد ما بين السماءين - ثم قال: - هل تدرون ما الذي تحتكم) قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: (فإنها الارض - ثم قال: - هل تدرون ما تحت ذلك) قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: (فإن تحتها الارض الاخرى
__________
(1) الزيادة من صحيح مسلم.
(2) الرقيع: اسم سماء الدنيا.
(3) زيادة عن صحيح الترمذي.
(*)

(1/259)


بينهما مسيرة خمسمائة سنة) حتى عد سبع أرضين، بين كل أرضين مسيرة خمسمائة سنة، ثم قال: (والذي نفس محمد بيده لو أنكم دليتم بحبل إلى الارض السفلى لهبط على الله - ثم قرأ - هو الاول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شئ عليم).
قال أبو عيسى: قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم الآية تدل على أنه أراد: لهبط على علم الله وقدرته وسلطانه، [ علم الله وقدرته وسلطانه (1) ] في كل مكان وهو على عرشه كما وصف نفسه في كتابه.
قال: هذا حديث غريب، والحسن لم يسمع من أبي هريرة.
والآثار بأن الارضين سبع كثيرة، وفيما ذكرنا كفاية.
وقد روى أبو الضحى - واسمه مسلم - عن ابن عباس أنه قال:
" الله الذي خلق سبع سموات ومن الارض مثلهن " [ الطلاق: 12 ] قال: سبع أرضين في كل أرض نبي كنبيكم، وآدم كآدم، ونوح كنوح، وإبراهيم كإبراهيم، وعيسى كعيسى.
قال البيهقي: إسناد هذا عن ابن عباس صحيح، وهو شاذ بمرة لا أعلم لابي الضحى عليه دليلا (2)، والله أعلم.
التاسعة - قوله تعالى: " هو الذي خلق لكم ما في الارض " ابتداء وخبر.
" ما " في موضع نصب.
" جميعا " عند سيبويه نصب على الحال " ثم استوى " أهل نجد يميلون ليدلوا على أنه من ذوات الياء، وأهل الحجاز يفخمون.
" سبع " منصوب على البدل من الهاء والنون، أي فسوى سبع سموات.
ويجوز أن يكون مفعولا على تقدير يسوي بينهن سبع سموات، كما قال الله عزوجل: " واختار موسى قومه سبعين رجلا " [ الاعراف: 155 ] أي من قومه، قال النحاس.
وقال الاخفش: انتصب على الحال.
" وهو بكل شئ عليم " ابتداء وخبر.
والاصل في " هو " تحريك الهاء، والاسكان استخفاف.
والسماء تكون واحدة مؤنثة، مثل عنان، وتذكيرها شاذ، وتكون جمعا لسماوة في قول الاخفش، وسماءة في قول الزجاج، وجمع الجمع سماوات وسماءات.
فجاء " سواهن " إما على أن السماء جمع وإما على أنها مفرد اسم جنس.
ومعنى سواهن سوى سطوحهن بالاملاس.
وقيل: جعلهن سواء.
__________
(1) زيادة عن صحيح الترمذي.
(2) في نسخة من الاصل: (متابعا).
(*)

(1/260)


العاشرة - قوله تعالى: (وهو بكل شئ عليم) أي بما خلق وهو خالق كل شئ، فوجب أن يكون عالما بكل شئ، وقد قال: " ألا يعلم من خلق (1) " [ الملك: 14 ] فهو العالم والعليم بجميع المعلومات بعلم قديم أزلي واحد قائم بذاته، ووافقنا المعتزلة على العالمية دون العلمية.
وقالت الجهمية: عالم بعلم قائم لا في محل، تعالى الله عن قول أهل الزيغ والضلالات، والرد على هؤلاء في كتب الديانات.
وقد وصف نفسه سبحانه بالعلم فقال: " أنزله بعلمه والملائكة يشهدون (2) " [ النساء: 166 ]، وقال: " فاعلموا أنما أنزل بعلم الله " [ هود: 14 ]، وقال: " فلنقصن عليهم بعلم " [ الاعراف: 7 ]،
وقال: " وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه " [ فاطر: 11 ]، وقال: " وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو " [ الانعام: 59 ] الآية.
وسندل على ثبوت علمه وسائر صفاته في هذه السورة عند قوله: " يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر (4) " [ البقرة: 185 ] إن شاء الله تعالى.
وقرأ الكسائي وقالون عن نافع بإسكان الهاء من: هو وهي، إذا كان قبلها فاء أو واو أو لام أو ثم، وكذلك فعل أبو عمرو إلا مع ثم.
وزاد أبو عون عن الحلواني عن قالون إسكان الهاء من " أن يمل هو " والباقون بالتحريك.
قوله تعالى: وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الارض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون (30) قوله تعالى: (وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الارض خليفة) فيه سبع عشرة مسألة: الاولى: قوله تعالى " وإذ قال ربك للملائكة " إذ وإذا حرفا توقيت، فإذ للماضي، وإذا للمستقبل، وقد توضع إحداهما موضع الاخرى.
وقال المبرد: إذا جاء " إذ " مع مستقبل كان معناه ماضيا، نحو قوله: " وإذ يمكر بك " [ الانفال: 30 ] " وإذ تقول للذي أنعم الله عليه " [ الاحزاب: 37 ] معناه إذ مكروا، وإذ قلت.
وإذا جاء " إذا " مع الماضي كان معناه مستقبلا، كقوله تعالى: " فإذا جاءت الطامة " [ النازعات: 34 ] " فإذا جاءت الصاخة " [ عبس: 33 ] و " إذا جاء نصر الله " [ النصر: 1 ]
__________
(1) راجع ج 18 ص 214 (2) راجع ج 6 ص 19 (3) راجع ج 7 ص 1 (4) راجع ج 2 ص 301 (*)

(1/261)


أي يجئ.
وقال معمر بن المثنى أبو عبيدة: " إذ " زائدة، والتقدير: وقال ربك، واستشهد بقول الاسود بن يعفر: فإذ (1) وذلك لا مهاة لذكره * والدهر يعقب صالحا بفساد وأنكر هذا القول الزجاج والنحاس وجميع المفسرين.
قال النحاس: وهذا خطأ، لان " إذ " اسم وهي ظرف زمان ليس مما تزاد.
وقال الزجاج: هذا اجترام من أبي عبيدة، ذكر الله
عزوجل خلق الناس وغيرهم، فالتقدير وابتدأ خلقكم إذ قال، فكان هذا من المحذوف الذي دل عليه الكلام، كما قال: فإن المنية من يخشها * فسوف تصادفه أينما يريد أينما ذهب.
ويحتمل أن تكون متعلقة بفعل مقدر تقديره واذكر إذ قال.
وقيل: هو مردود إلى قوله تعالى: " اعبدوا ربكم الذي خلقكم " [ البقرة: 21 ] فالمعنى الذي خلقكم إذ قال ربك للملائكة.
وقول الله تعالى وخطابه للملائكة متقرر قديم في الازل بشرط وجودهم وفهمهم.
وهكذا الباب كله في أوامر الله تعالى ونواهيه ومخاطباته.
وهذا مذهب الشيخ أبي الحسن الاشعري، وهو الذي ارتضاه أبو المعالي.
وقد أتينا عليه في كتاب الاسنى في شرح أسماء الله الحسنى وصفات الله العلى.
والرب: المالك والسيد والمصلح والجابر، وقد تقدم (2) بيانه.
الثانية: قوله تعالى " للملائكة " الملائكة واحدها ملك.
قال ابن كيسان وغيره: وزن ملك فعل من الملك.
وقال أبو عبيدة، هو مفعل من لاك إذا أرسل.
والالوكة والمألكة والمألكة: الرسالة، قال لبيد: وغلام أرسلته أمه * بألوك فبذلنا ما سأل وقال آخر (3): أبلغ النعمان عني مالكا * إنني قد طال حبسي وانتظاري
__________
(1) يلاحظ أن رواية البيت: (فإذا) ولا يستقيم الوزن إلا به.
(2) راجع المسألة الثامنة وما بعدها ص 136 من هذا الجزء.
(3) هو عدى بن زيد، كما في اللسان مادة (ألك).
ويروي (إنه) بدل: (إنني) (*)

(1/262)


ويقال: ألكني أي أرسلني، فأصله على هذا مالك، الهمزة فاء الفعل فإنهم قلبوها إلى عينه فقالوا: ملاك، ثم سهلوه فقالوا ملك.
وقيل أصله ملاك من ملك يملك، نحو شمال من شمل، فالهمزة زائدة عن ابن كيسان أيضا، وقد تأتي في الشعر على الاصل،
قال الشاعر: فلست لانسي ولكن لملاك * تنزل من جو السماء يصوب وقال النضر بن شميل.
لا اشتقاق للملك عند العرب.
والهاء في الملائكة تأكيد لتأنيث الجمع، ومثله الصلادمة.
والصلادم: الخيل الشداد، واحدها صلدم.
وقيل: هي للمبالغة، كعلامة ونسابة.
وقال أرباب المعاني: خاطب الله الملائكة لا للمشورة ولكن لاستخراج ما فيهم من رؤية الحركات والعبادة والتسبيح والتقديس، ثم ردهم إلى قيمتهم، فقال عزوجل: " اسجدوا لآدم " [ البقرة: 34 ].
الثالثة: قوله تعالى: " إني جاعل في الارض خليفة " " جاعل " هنا بمعنى خالق، ذكره الطبري عن أبي روق، ويقضي بذلك تعديها إلى مفعول واحد، وقد تقدم.
والارض قيل إنها مكة.
روى ابن سابط عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (دحيت الارض من مكة) ولذلك سميت أم القرى، قال: وقبر نوح وهود وصالح وشعيب بين زمزم والركن والمقام.
و " خليفة " يكون بمعنى فاعل، أي يخلف من كان قبله من الملائكة في الارض، أو من كان قبله من غير الملائكة على ما روى.
ويجوز أن يكون " خليفة " بمعنى مفعول أي مخلف، كما يقال: ذبيحة بمعنى مفعولة.
والخلف (بالتحريك) من الصالحين، وبتسكينها من الطالحين، هذا هو المعروف، وسيأتي له مزيد بيان في " الاعراف (1) " إن شاء الله.
و " خليفة " بالفاء قراءة الجماعة، إلا ما روي عن زيد بن علي فإنه قرأ " خليقة " بالقاف.
والمعنى بالخليفة هنا - في قول ابن مسعود وابن عباس وجميع أهل التأويل - آدم عليه السلام، وهو خليفة الله في إمضاء أحكامه وأوامره، لانه أول رسول إلى الارض، كما في حديث أبي ذر، قال قلت: يا رسول الله أنبيا كان مرسلا ؟ قال: (نعم) الحديث ويقال: لمن كان رسولا ولم يكن
__________
(1) راجع ج 7 ص 310 (*)

(1/263)


في الارض أحد ؟ فيقال: كان رسولا إلى ولده، وكانوا أربعين ولدا في عشرين بطنا في كل
بطن ذكر وأنثى، وتوالدوا حتى كثروا، كما قال الله تعالى: " خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء (1) " [ النساء: 1 ].
وأنزل عليهم تحريم الميتة والدم ولحم الخنزير.
وعاش تسعمائة وثلاثين سنة، هكذا ذكر أهل التوراة.
وروي عن وهب بن منبه أنه عاش ألف سنة، والله أعلم.
الرابعة - هذه الآية أصل في نصب إمام وخليفة يسمع له ويطاع، لتجتمع به الكلمة، وتنفذ به أحكام الخليفة.
ولا خلاف في وجوب ذلك بين الامة ولا بين الائمة إلا ما روي عن الاصم (2) حيث كان عن الشريعة أصم، وكذلك كل من قال بقوله واتبعه على رأيه ومذهبه، قال: إنها غير واجبة في الدين بل يسوغ ذلك، وأن الامة متى أقاموا حجهم وجهادهم، وتناصفوا فيما بينهم، وبذلوا الحق من أنفسهم، وقسموا الغنائم والفئ والصدقات على أهلها، وأقاموا الحدود على من وجبت عليه، أجزأهم ذلك، ولا يجب عليهم أن ينصبوا إماما يتولى ذلك.
ودليلنا قول الله تعالى: " إني جاعل في الارض خليفة " [ البقرة: 30 ]، وقوله تعالى: " يا داود إنا جعلناك خليفة في الارض " [ ص: 26 ]، وقال: " وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الارض " [ النور: 55 ] أي يجعل منهم خلفاء، إلى غير ذلك من الآي.
وأجمعت الصحابة على تقديم الصديق بعد اختلاف وقع بين المهاجرين والانصار في سقيفة بني ساعدة في التعيين، حتى قالت الانصار: منا أمير ومنكم أمير، فدفعهم أبو بكر وعمر والمهاجرون عن ذلك، وقالوا لهم: إن العرب لا تدين إلا لهذا الحي من قريش، ورووا لهم الخبر في ذلك، فرجعوا وأطاعوا لقريش.
فلو كان فرض الامامة غير واجب لا في قريش ولا في غيرهم لما ساغت هذه المناظرة والمحاورة عليها، ولقال قائل: إنها ليست بواجبة لا في قريش ولا في غيرهم، فما لتنازعكم وجه ولا فائدة في أمر ليس بواجب ثم إن الصديق رضي الله عنه لما حضرته الوفاة عهد إلى عمر في الامامة، ولم يقل له أحد هذا أمر غير
__________
(1) راجع ج 4 ص 2 (2) الاصم: من كبار المعتزلة واسمه أبو بكر.
(*)

(1/264)


واجب علينا ولا عليك، فدل على وجوبها وأنها ركن من أركان الدين الذي به قوام المسلمين، والحمد لله رب العالمين.
وقالت الرافضة: يجب نصبه عقلا، وإن السمع إنما ورد على جهة التأكيد لقضية العقل، فأما معرفة الامام فإن ذلك مدرك من جهة السمع دون العقل.
وهذا فاسد، لان العقل لا يوجب ولا يحظر ولا يقبح ولا يحسن، وإذا كان كذلك ثبت أنها واجبة من جهة الشرع لا من جهة العقل، وهذا واضح.
فإن قيل وهي: الخامسة - إذا سلم أن طريق وجوب الامامة السمع، فحبرونا هل يجب من جهة السمع بالنص على الامام من جهة الرسول صلى الله عليه وسلم، أم من جهه اختيار أهل الحل والعقد له، أم بكمال خصال الائمة فيه، ودعاؤه مع ذلك إلى نفسه كاف فيه ؟.
فالجواب أن يقال: اختلف الناس في هذا الباب، فذهبت الامامية وغيرها إلى أن الطريق الذي يعرف به الامام هو النص من الرسول عليه السلام ولا مدخل للاختيار فيه.
وعندنا: النظر طريق إلى معرفة الامام، وإجماع أهل الاجتهاد طريق أيضا إليه، وهؤلاء الذين قالوا لا طريق إليه إلا النص بنوه على أصلهم أن القياس والرأي والاجتهاد باطل لا يعرف به شئ أصلا، وأبطلوا القياس أصلا وفرعا.
ثم اختلفوا على ثلاث فرق: فرقة تدعي النص على أبي بكر، وفرقة تدعي النص على العباس، وفرقة تدعي النص على علي بن أبى طالب رضي الله عنهم.
والدليل على فقد النص وعدمه على إمام بعينه هو أنه صلى الله عليه وسلم لو فرض على الامة طاعة إمام بعينه بحيث لا يجوز العدول عنه إلى غيره لعلم ذلك، لاستحالة تكليف الامة بأسرها طاعة الله في غير معين، ولا سبيل لهم إلى العلم بذلك التكليف، وإذا وجب العلم به لم يخل ذلك العلم من أن يكون طريقه أدلة العقول أو الخبر، وليس في العقل ما يدل على ثبوت الامامة لشخص معين، وكذلك ليس في الحبر ما يوجب العلم بثبوت إمام معين، لان ذلك الخبر إما أن يكون تواترا أوجب العلم ضرورة أو استدلالا، أو يكون من أخبار الآحاد، ولا يجوز أن يكون

(1/265)


طريقه التواتر الموجب للعلم ضرورة أو دلالة، إذ لو كان كذلك لكان كل مكلف يجد من نفسه العلم بوجوب الطاعة لذلك المعين وأن ذلك من دين الله عليه، كما أن كل مكلف علم أن من دين الله الواجب عليه خمس صلوات، وصوم رمضان، وحج البيت ونحوها، ولا أحد يعلم ذلك من نفسه ضرورة، فبطلت هذه الدعوى، وبطل أن يكون معلوما بأخبار الآحاد لاستحالة وقوع العلم به.
وأيضا فإنه لو وجب المصير إلى نقل النص على الامام بأي وجه كان، وجب إثبات إمامة أبي بكر والعباس، لان لكل واحد منهما قوما ينقلون النص صريحا في إمامته، وإذا بطل إثبات الثلاثة بالنص في وقت واحد - على ما يأتي بيانه - كذلك الواحد، إذ ليس أحد الفرق أولى بالنص من الآخر.
وإذا بطل ثبوت النص لعدم الطريق الموصل إليه ثبت الاختيار والاجتهاد.
فإن تعسف متعسف وادعى التواتر والعلم الضروري بالنص فينبغي أن يقابلوا على الفور بنقيض دعواهم في النص على أبي بكر وبأخبار في ذلك كثيرة تقوم أيضا في جملتها مقام النص، ثم لا شك في تصميم من عدا الامامية على نفي النص، وهم الخلق الكثير والجم الغفير.
والعلم الضروري لا يجتمع على نفيه من ينحط عن معشار أعداد مخالفي الامامية، ولو جاز رد الضروري في ذلك لجاز أن ينكر طائفة بغداد والصين الاقصى وغيرهما.
السادسة - في رد الاحاديث التي احتج بها الامامية في النص على علي رضي الله عنه، وأن الامة كفرت بهذا النص وارتدت، وخالفت أمر الرسول عنادا، منها قوله عليه السلام: (من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه).
قالوا: والمولى في اللغة بمعنى أولى، فلما قال: (فعلي مولاه) بفاء التعقيب علم أن المراد بقوله " مولى " أنه أحق وأولى.
فوجب أن يكون أراد بذلك الامامة وأنه مفترض الطاعة، وقوله عليه السلام لعلي: (أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي).
قالوا: ومنزلة هارون معروفة، وهو أنه كان مشاركا له في النبوة ولم يكن ذلك لعلي، وكان أخا له ولم يكن ذلك لعلي، وكان
خليفة، فعلم أن المراد به الخلافة، إلى غير ذلك مما احتجوا به على ما يأتي ذكره في هذا الكتاب إن شاء الله تعالى.

(1/266)


والجواب عن الحديث الاول: أنه ليس بمتواتر، وقد اختلف في صحته، وقد طعن فيه أبو داود السجستاني وأبو حاتم الرازي، واستدلا على بطلانه بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مزينة وجهينة وغفار وأسلم موالي دون الناس كلهم ليس لهم مولى دون الله ورسوله).
قالوا: فلو كان قد قال: (من كنت مولاه فعلي مولاه) لكان أحد الخبرين كذبا.
جواب ثان - وهو أن الخبر وإن كان صحيحا رواه ثقة عن ثقة فليس فيه ما يدل على إمامته، وإنما يدل على فضيلته، وذلك أن المولى بمعنى الولي، فيكون معنى الخبر: من كنت وليه فعلي وليه، قال الله تعالى: " فإن الله هو مولاه " [ التحريم: 4 ] أي وليه.
وكان المقصود من الخبر أن يعلم الناس أن ظاهر علي كباطنه، وذلك فضيلة عظيمة لعلي.
جواب ثالث - وهو أن هذا الخبر ورد على سبب، وذلك أن أسامة وعليا اختصما، فقال علي لاسامة: أنت مولاي.
فقال: لست مولاك، بل أنا مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال: (من كنت مولاه فعلي مولاه).
جواب رابع: وهو أن عليا عليه السلام لما قال للنبي صلى الله عليه وسلم في قصة الافك في عائشة رضي الله عنها: النساء سواها كثير.
شق ذلك عليها، فوجد أهل النفاق مجالا فطعنوا عليه وأظهروا البراءة منه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم هذا المقال ردا لقولهم، وتكذيبا لهم فيما قدموا عليه من البراءة منه والطعن فيه، ولهذا ما روي عن جماعة من الصحابة أنهم قالوا: ما كنا نعرف المنافقين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا ببغضهم لعلي عليه السلام.
وأما الحديث الثاني فلا خلاف أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرد بمنزلة هارون من موسى الخلافة بعده، ولا خلاف أن هارون مات قبل موسى عليهما السلام - على ما يأتي من بيان وفاتيهما في سورة " المائدة (1) " - وما كان خليفة بعده وإنما كان الخليفة يوشع بن
نون، فلو أراد بقوله: (أنت مني بمنزلة هارون من موسى) الخلافة لقال: أنت مني بمنزلة يوشع من موسى، فلما لم يقل هذا دل على أنه لم يرد هذا، وإنما أراد أني استخلفتك على أهلي في حياتي وغيبوبتي عن أهلي، كما كان هارون خليفة موسى على قومه لما خرج إلى مناجاة
__________
(1) راجع ج 6 ص 131 (*)

(1/267)


ربه.
وقد قيل: إن هذا الحديث خرج على سبب، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم لما خرج إلى غزوة تبوك استخلف عليا عليه السلام في المدينة على أهله وقومه، فأرجف به أهل النفاق وقالوا: إنما خلفه بغضا وقلى له، فخرج علي فلحق بالنبي صلى الله عليه وسلم وقال له: إن المنافقين قالوا كذا وكذا ! فقال: (كذبوا بل خلفتك كما خلف موسى هارون).
وقال: (أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى).
وإذا ثبت أنه أراد الاستخلاف على زعمهم فقد شارك عليا في هذه الفضيلة غيره، لان النبي صلى الله عليه وسلم استخلف في كل غزاة غزاها رجلا من أصحابه، منهم: ابن أم مكتوم، ومحمد بن مسلمة وغيرهما من أصحابه، على أن مدار هذا الخبر على سعد بن أبي وقاص وهو خبر واحد.
وروي في مقابلته لابي بكر وعمر ما هو أولى منه.
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أنفذ معاذ بن جبل إلى اليمن قيل له: ألا تنفذ أبا بكر وعمر ؟ فقال: (إنهما لا غنى بي عنهما إن منزلتهما مني بمنزلة السمع والبصر من الرأس).
وقال: (هما وزيراي في أهل الارض).
وروي عنه عليه السلام أنه قال: (أبو بكر وعمر بمنزلة هارون من موسى).
وهذا الخبر ورد ابتداء، وخبر علي ورد على سبب، فوجب أن يكون أبو بكر أولى منه بالامامة، والله أعلم.
السابعة: واختلف فيما يكون به الامام إماما وذلك في ثلاث طرق، أحدها: النص، وقد تقدم الخلاف فيه، وقال به أيضا الحنابلة وجماعة من أصحاب الحديث والحسن البصري وبكر ابن أخت عبد الواحد وأصحابه وطائفة من الخوارج.
وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم نص على أبي بكر بالاشارة، وأبو بكر على عمر.
فإذا نص المستخلف على واحد معين كما فعل
الصديق، أو على جماعة كما فعل عمر، وهو الطريق الثاني، ويكون التخيير إليهم في تعيين واحد منهم كما فعل الصحابة رضي الله عنهم [ في تعيين (1) عثمان بن عفان رضي الله عنه ].
الطريق الثالث: إجماع أهل الحل والعقد، وذلك أن الجماعة في مصر من أمصار المسلمين إذا مات إمامهم ولم يكن لهم إمام ولا استخلف فأقام أهل ذلك المصر الذي هو حضرة الامام وموضعه إماما لانفسهم اجتمعوا عليه ورضوه فإن كل من خلفهم وأمامهم من المسلمين في الآفاق يلزمهم الدخول في طاعة ذلك الامام، إذا لم يكن الامام معلنا بالفسق والفساد، لانها دعوة
__________
(1) الزيادة في تفسير العلامي نقلا عن القرطبي.
(*)

(1/268)


محيطة بهم تجب إجابتها ولا يسع أحد التخلف عنها لما في إقامة إمامين من اختلاف الكلمة وفساد ذات البين، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ثلاث لا يغل (1) عليهن قلب مؤمن إخلاص العمل لله ولزوم الجماعة ومناصحة ولاة الامر فإن دعوة المسلمين من ورائهم محيطة).
الثامنة: فإن عقدها واحد من أهل الحل والعقد فذلك ثابت ويلزم الغير فعله، خلافا لبعض الناس حيث قال: لا تنعقد إلا بجماعة من أهل الحل والعقد ودليلنا أن عمر رضي الله عنه عقد البيعة لابي بكر ولم ينكر أحد من الصحابة ذلك، ولانه عقد فوجب ألا يفتقر إلى عدد يعقدونه كسائر العقود.
قال الامام أبو المعالي: من انعقدت له الامامة بعقد واحد فقد لزمت، ولا يجوز خلعه من غير حدث وتغير أمر، قال: وهذا مجمع عليه.
التاسعة: فإن تغلب من له أهلية الامامة وأخذها بالقهر والغلبة فقد قيل إن ذلك يكون طريقا رابعا، وقد سئل سهل بن عبد الله التستري: ما يجب علينا لمن غلب على بلادنا وهو إمام ؟ قال: تجيبه وتؤدي إليه ما يطالبك من حقه، ولا تنكر فعاله ولا تفر منه، وإذا ائتمنك على سر من أمر الدين لم تفشه.
وقال ابن خويز منداد: ولو وثب على الامر من يصلح له من غير مشورة ولا اختيار وبايع له الناس تمت له البيعة، والله أعلم.
العاشرة: واختلف في الشهادة على عقد الامامة، فقال بعض أصحابنا: إنه لا يفتقر
إلى الشهود، لان الشهادة لا تثبت إلا بسمع قاطع، وليس ها هنا سمع قاطع يدل على إثبات الشهادة.
ومنهم من قال: يفتقر إلى شهود، فمن قال بهذا احتج بأن قال: لو لم تعقد فيه الشهادة أدى إلى أن يدعى كل مدع (2) أنه عقد له سرا، وتؤدي إلى الهرج والفتنة، فوجب أن تكون الشهادة معتبرة ويكفي فيها شاهدان، خلافا للجبائي حيث قال باعتبار أربعة شهود وعاقد ومعقود له، لان عمر حيث جعلها شورى (3) في ستة دل على ذلك.
ودليلنا أنه لا خلاف بيننا
__________
(1) روى (لا يغل) بضم الياء وكسر الغين، أي لا يكون معها في قلبه غش ودغل ونفاق.
وروى (لا يغل) بفتح الياء، أي لا يدخله حقد يزيله عن الحق.
(2) في تفسير العلامي: (مبتدع).
(3) الستة: هم الذين نصح عمر - رضي الله عنه - للمسليمن أن يختاروا واحدا منهم لولاية الامر بعده حين طلب إليه أن يعهد عهدا.
وهم: علي وعثمان وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص والزبير بن العوام وطلحة ابن عبيدالله.
راجع قصة الشورى في تاريخ ابن الاثير (ج 3 ص 50) طبع أوروبا.
(*)

(1/269)


وبينه أن شهادة الاثنين معتبرة، وما زاد مختلف فيه ولم يدل عليه الدليل فيجب ألا يعتبر.
الحادية عشرة: في شرائط الامام، وهي أحد عشر: الاول: أن يكون من صميم قريش، لقوله صلى الله عليه وسلم: (الائمة من قريش).
وقد اختلف في هذا الثاني: أن يكون ممن يصلح أن يكون قاضيا من قضاة المسلمين مجتهدا لا يحتاج إلى غيره في الاستفتاء في الحوادث، وهذا متفق عليه.
الثالث: أن يكون ذا خبرة ورأي حصيف بأمر الحرب وتدبير الجيوش وسد الثغور وحماية البيضة (1) وردع الامة والانتقام من الظالم والاخذ للمظلوم.
الرابع: أن يكون ممن لا تلحقه رقة في إقامة الحدود ولا فزع من ضرب الرقاب ولا قطع الابشار.
والدليل على هذا كله إجماع الصحابة رضي الله عنهم، لانه لا خلاف
بينهم أنه لا بد من أن يكون ذلك كله مجتمعا فيه، ولانه هو الذي يولي القضاة والحكام، وله أن يباشر الفصل والحكم، ويتفحص أمور خلفائه وقضاته، ولن يصلح لذلك كله إلا من كان عالما بذلك كله قيما به.
والله أعلم.
الخامس: أن يكون حرا، ولا خفاء باشتراط حرية الامام وإسلامه وهو السادس.
السابع: أن يكون ذكرا، سليم الاعضاء وهو الثامن.
وأجمعوا على أن المراة لا يجوز أن تكون إماما وإن اختلفوا في جواز كونها قاضية فيما تجوز شهادتها فيه.
التاسع والعاشر: أن يكون بالغا عاقلا، ولا خلاف في ذلك.
الحادي عشر: أن يكون عدلا، لانه لا خلاف بين الامة أنه لا يجوز أن تعقد الامامة لفاسق، ويجب أن يكون من أفضلهم في العلم، لقوله عليه السلام: (أئمتكم شفعاؤكم فانظروا
__________
(1) بيضة الاسلام: جماعتهم.
(*)

(1/270)


بمن تستشفعون).
وفي التنزيل في وصف طالوت: " إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم (1) " [ البقرة: 247 ] فبدأ بالعلم ثم ذكر ما يدل على القوة وسلامة الاعضاء.
وقوله: " اصطفاه " معناه اختاره، وهذا يدل على شرط النسب.
وليس من شرطه أن يكون معصوما من الزلل والخطأ، ولا عالما بالغيب، ولا أفرس الامة ولا أشجعهم، ولا أن يكون من بني هاشم فقط دون غيرهم من قريش، فإن الاجماع قد انعقد على إمامة أبي بكر وعثمان وليسوا من بني هاشم.
الثانية عشرة: يجوز نصب المفضول مع وجود الفاضل خوف الفتنة وألا يستقيم أمر الامة، وذلك أن الامام إنما نصب لدفع العدو وحماية البيضة وسد الخلل واستخراج الحقوق وإقامة الحدود وجباية الاموال لبيت المال وقسمتها على أهلها.
فإذا خيف بإقامة الافضل الهرج والفساد وتعطيل الامور التي لاجلها ينصب الامام كان ذلك عذرا ظاهرا في العدول عن الفاضل إلى المفضول، ويدل على ذلك أيضا علم عمر وسائر الامة وقت الشورى بأن الستة فيهم فاضل ومفضول، وقد أجاز العقد لكل واحد منهم إذا أدى المصلحة إلى ذلك واجتمعت
كلمتهم عليه من غير إنكار أحد عليهم، والله أعلم.
الثالثة عشر: الامام إذا نصب ثم فسق بعد انبرام العقد فقال الجمهور: إنه تنفسخ إمامته ويخلع بالفسق الظاهر المعلوم، لانه قد ثبت أن الامام إنما يقام لاقامة الحدود واستيفاء الحقوق وحفظ أموال الايتام والمجانين والنظر في أمورهم إلى غير ذلك مما تقدم ذكره، وما فيه من الفسق يقعده عن القيام بهذه الامور والنهوض بها.
فلو جوزنا أن يكون فاسقا أدى إلى إبطال ما أقيم لاجله، ألا ترى في الابتداء إنما لم يجز أن يعقد للفاسق لاجل أنه يؤدي إلى إبطال ما أقيم له، وكذلك هذا مثله.
وقال آخرون: لا ينخلع إلا بالكفر أو بترك إقامة الصلاة أو الترك إلى دعائها أو شئ من الشريعة، لقوله عليه السلام في حديث عبادة: (وألا ننازع الامر أهله [ قال (2) ] إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم من الله فيه برهان).
__________
(1) راجع ج 3 ص 246 (2) الزيادة عن صحيح مسلم (ج 6 ص 17) طبع الآستانة.
و (بواحا) أي جهارا، من باح بالشئ يبوح به إذا أعلته.
(*)

(1/271)


وفي حديث عوف بن مالك: (لا ما أقاموا فيكم الصلاة) الحديث.
أخرجهما مسلم.
وعن أم سلمه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنه يستعمل عليكم أمراء فتعرفون وتنكرون فمن كره فقد برئ ومن أنكر فقد سلم ولكن من رضي وتابع - قالوا: يا رسول الله ألا نقاتلهم ؟ قال: - لا ما صلوا).
أي من كره بقلبه وأنكر بقلبه.
أخرجه أيضا مسلم.
الرابعة عشرة: ويجب عليه أن يخلع نفسه إذا وجد في نفسه نقصا يؤثر في الامامة.
فأما إذا لم يجد نقصا فهل له أن يعزل نفسه ويعقد لغيره ؟ اختلف الناس فيه، فمنهم من قال: ليس له أن يفعل ذلك وإن فعل لم تنخلع إمامته.
ومنهم من قال: له أن يفعل ذلك.
والدليل على أن الامام إذا عزل نفسه انعزل قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه: أقيلوني أقيلوني.
وقول الصحابة: لا نقيلك ولا نستقيلك، قدمك رسول الله صلى الله عليه وسلم لديننا فمن ذا يؤخرك ! رضيك رسول الله صلى الله عليه وسلم لديننا فلا نرضاك ! فلو لم يكن له
أن يفعل ذلك لانكرت الصحابة ذلك عليه ولقالت له: ليس لك أن تقول هذا، وليس لك أن تفعله.
فلما أقرته الصحابة على ذلك علم أن للامام أن يفعل ذلك، ولان الامام ناظر للغيب (1) فيجب أن يكون حكمه حكم الحاكم، والوكيل إذا عزل نفسه.
فإن الامام هو وكيل الامة ونائب عنها، ولما اتفق على أن الوكيل والحاكم وجميع من ناب عن غيره في شئ له أن يعزل نفسه، وكذلك الامام يجب أن يكون مثله.
والله أعلم.
الخامسة عشرة: إذا انعقدت الامامة باتفاق أهل الحل والعقد أو بواحد على ما تقدم وجب على الناس كافة مبايعته على السمع والطاعة، وإقامة كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
ومن تأبى عن البيعة لعذر عذر، ومن تأبى لغير عذر جبر وقهر، لئلا تفترق كلمة المسلمين.
وإذا بويع لخليفتين فالخليفة الاول وقتل الآخر، واختلف في قتله هل هو محسوس أو معنى فيكون عزله قتله وموته.
والاول أظهر، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما).
رواه أبو سعيد الخدري أخرجه مسلم.
__________
(1) في بعض الاصول: (للغير).
(*)

(1/272)


وفي حديث عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سمعه يقول: (ومن بايع إماما فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه أن استطاع فإن جاء آخر ينازعه فاضربوه عنق الآخر).
رواه مسلم أيضا، ومن حديث عرفجة: (فاضربوه بالسيف كائنا من كان).
وهذا أدل دليل على منع إقامة إمامين، ولان ذلك يؤدي إلى النفاق والمخالفة والشقاق وحدوث الفتن وزوال النعم، لكن إن تباعدت الاقطار وتباينت كالاندلس وخراسان جاز ذلك، على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
السادسة عشرة: لو خرج خارجي على إمام معروف العدالة وجب على الناس جهاده، فإن كان الامام فاسقا والخارجي مظهر للعدل لم ينبغ للناس أن يسرعوا إلى نصرة الخارجي حتى يتبين أمره فيما يظهر من العدل، أو تتفق كلمة الجماعة على خلع الاول، وذلك أن كل
من طلب مثل هذا الامر أظهر من نفسه الصلاح حتى إذا تمكن رجع إلى عادته من خلاف ما أظهر.
السابعة عشرة: فأما إقامة إمامين أو ثلاثة في عصر واحد وبلد واحد فلا يجوز إجماعا لما ذكرنا.
قال الامام أبو المعالي: ذهب أصحابنا إلى منع عقد الامامة لشخصين في طرفي العالم، ثم قالوا: لو اتفق عقد الامامة لشخصين نزل ذلك منزلة تزويج وليين امرأة واحدة من زوجين من غير أن يشعر أحدهما بعقد الآخر.
قال: والذي عندي فيه أن عقد الامامة لشخصين في صقع واحد متضايق الخطط والمخاليف (1) غير جائز وقد حصل الاجماع عليه.
فأما إذا بعد المدى وتخلل بين الامامين شسوع النوى فللاحتمال في ذلك مجال وهو خارج عن القواطع.
وكان الاستاذ أبو إسحاق يجوز ذلك في إقليمين متباعدين غاية التباعد لئلا تتعطل حقوق الناس وأحكامهم.
وذهبت الكرامية إلى جواز نصب إمامين من غير تفصيل، ويلزمهم إجازة ذلك في بلد واحد، وصاروا إلى أن عليا ومعاوية كانا إمامين.
قالوا: وإذا كانا اثنين في بلدين أو ناحيتين كان كل واحد منهما أقوم بما في يديه وأضبط لما يليه، ولانه
__________
(1) المخاليف: الاطراف والنواحي.
(*)

(1/273)


لما جاز بعثة نبيين في عصر واحد ولم يؤد ذلك إلى إبطال النبوة كانت الامامة أولى، ولا تؤدي ذلك إلى إبطال الامامة.
والجواب أن ذلك جائز لولا منع الشرع منه، لقوله: (فاقتلوا الآخر منهما) ولان الامة عليه.
وأما معاوية فلم يدع الامامة لنفسه وإنما ادعى ولاية الشام بتولية من قبله من الائمة.
ومما يدل على هذا إجماع الامة في عصرهما على أن الامام أحدهما، ولا قال أحدهما إني إمام ومخالفي إمام.
فإن قالوا: العقل لا يحيل ذلك وليس في السمع ما يمنع منه.
وقلنا: أقوى السمع الاجماع، وقد وجد على المنع.
قوله تعالى: (قالوا اتجعل فيها من يفسد فيها) قد علمنا قطعا أن الملائكة لا تعلم إلا ما أعلمت ولا تسبق بالقول، وذلك عام في جميع الملائكة، لان قوله: " لا يسبقونه بالقول "
خرج على جهة المدح لهم، فكيف قالوا: " أتجعل فيها من يفسد فيها " ؟ فقيل: المعنى أنهم لما سمعوا لفظ خليفة فهموا أن في بني آدم من يفسد، إذ الخليفة المقصود منه الاصلاح وترك الفساد، لكن عمموا الحكم على الجميع بالمعصية، فبين الرب تعالى أن فيهم من يفسد ومن لا يفسد فقال تطييبا لقلوبهم: " إني أعلم " وحقق ذلك بأن علم آدم الاسماء، وكشف لهم عن مكنون علمه.
وقيل: إن الملائكة قد رأت وعلمت ما كان من إفساد الجن وسفكهم الدماء.
وذلك لان الارض كان فيها الجن قبل خلق آدم فأفسدوا وسفكوا الدماء، فبعث الله إليهم إبليس في جند من الملائكة فقتلهم وألحقهم بالبحار ورؤوس الجبال، فمن حينئذ دخلته العزة.
فجاء قولهم: " أتجعل فيها " على جهة الاستفهام المحض: هل هذا الخليفة على طريقة من تقدم من الجن أم لا ؟ قال أحمد بن يحيى ثعلب.
وقال ابن زيد وغيره.
إن الله تعالى أعلمهم أن الخليفة سيكون من ذريته قوم يفسدون في الارض ويسفكون الدماء، فقالوا لذلك هذه المقالة، إما على طريق التعجب من استخلاف الله من يعصيه أو من عصيان الله من يستخلفه في أرضه وينعم عليه بذلك، وإما على طريق الاستعظام والاكبار للفصلين جميعا: الاستخلاف والعصيان.
وقال قتادة: كان الله أعلمهم أنه إذا جعل في الارض خلقا أفسدوا وسفكوا الدماء، فسألوا حين قال تعالى: " إني جاعل في الارض خليفة " أهو الذي أعلمهم أم غيره.

(1/274)


وهذا قول حسن، رواه عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن قتادة في قوله " أتجعل فيها من يفسد فيها " قال: كان الله أعلمهم أنه إذا كان في الارض خلق أفسدوا فيها وسفكوا الدماء، فلذلك قالوا: " أتجعل فيها من يفسد فيها ".
وفي الكلام حذف على مذهبه، والمعنى إني جاعل في الارض خليفة يفعل كذا ويفعل كذا، فقالوا: أتجعل فيها الذي أعلمتناه أم غيره ؟ والقول الاول أيضا حسن جدا، لان فيه استخراج العلم واستنباطه من مقتضى الالفاظ وذلك لا يكون إلا من العلماء، وما بين القولين حسن، فتأمله.
وقد قيل: إن سؤاله تعالى للملائكة بقوله: (كيف تركتم عبادي) - على ما ثبت في صحيح مسلم وغيره - إنما هو على جهة التوبيخ
لمن قال: أتجعل فيها، وإظهار لما سبق في معلومه إذ قال لهم: " إني أعلم ما لا تعلمون ".
قوله: " من يفسد فيها " " من " في موضع نصب على المفعول بتجعل والمفعول الثاني يقوم مقامه " فيها ".
" يفسد " على اللفظ، ويجوز في غير القرآن يفسدون على المعنى.
وفي التنزيل: " ومنهم من يستمع إليك " [ الانعام: 25 ] على اللفظ، " ومنهم من يستمعون " على المعنى.
(ويسفك) عطف عليه، ويجوز فيه الوجهان.
وروى أسيد عن الاعرج أنه قرأ: " ويسفك الدماء " بالنصب، يجعله جواب الاستفهام بالواو كما قال (1): ألم أك جاركم وتكون بيني * وبينكم المودة والاخاء والسفك: الصب.
سفكت الدم أسفكه سفكا: صببته، وكذلك الدمع، حكاه ابن فارس والجوهري.
والسفاك: السفاح، وهو القادر على الكلام.
قال المهدوي: ولا يستعمل السفك إلا في الدم، وقد يستعمل في نثر الكلام يقال سفك الكلام إذا نثره.
وواحد الدماء دم، محذوف اللام.
وقيل: أصله دمي.
وقيل: دمي، ولا يكون اسم على حرفين إلا وقد حذف منه، والمحذوف منه ياء وقد نطق به على الاصل، قال الشاعر: فلو أنا على حجر ذبحنا * جرى الدميان بالخبر اليقين
__________
(1) القائل هو الحطيئة.
(*)

(1/275)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية