صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : تفسير القرطبي
مصدر الكتاب : الإنترنت
[ ترقيم الكتاب موافق للمطبوع والكتاب مذيل بالحواشي ]

تفسير القرطبي - القرطبي ج 1
تفسير القرطبي
القرطبي ج 1

(1/)


الجامع لاحكام القرآن لابي عبد الله محمد بن أحمد الانصاري القرطبي الجزء الاول أعاد طبعه دار احياء التراث العربي بيروت - لبنان 1405 ه - 1985 م

(1/1)


بسم الله الرحمن الرحيم مقدمة الطبعة الثانية لعلنا في غير حاجة إلى تعريف القراء بهذ التفسير العظيم، بعد ان عرفوه في طبعته الاولى فأقبلوا عليه إقبالا منقطع النظير.
إذ لم يكد يخرح منه جزء حتى تهافت عليه الجمهور، ممن عرفوا فضل القرطبي وعلمه وادبه، ودقته في تأويل كتاب الله تعالى، وعرض اقوال الائمة من جهابذة المحققين، وأولي البصر بكتاب الله من أعلام المجتهدين.
ولقد رأى القراء حين طلع عليهم تفسير القرطبي مبلغ ما بذله مؤلفه من جهد كبير، وعناية فائقة، يدلان على عمقه في البحث، ومقدرته على فهم كتاب الله، وإلمامه بأصول علوم الشريعة وفروعها، من لغة وأدب وبلاغة.
يتجلى كل أولئك في استنباطه الاحكام الشرعية من نصوص الايات الكريمة، حتى ليكاد يستغني به القارئ عن دراسة كتب الفقه، ثم في استشهاده بكثير من النصوص الادبية من لغة العرب شعرها ونثرها، مما يشهد له بطول البع وسعة الافق.
وإن أخذ عليه شئ فليس إلا هنات يسيرة، لا تنقص من مقداره، ولا تغض من قيمته، فقد ينبو الحسام، وقد يكبد الجواد.
فمن ذلك أنه خالف أحيانا ما اشترطه على نفسه في مقدمة كتابه إذ يقول: "...وأضرب عن كثير من قصص المفسرين وأخبار المؤرخين، إلا ما لا بد منه، ولا غنى عنه للتبيين..."

(1/2)


فليس مما لا بد منه أو لا غنى عنه ما ينقله عن كعب الاحبار: " أن إبليس تغلغل إلى الحوت الذي على ظهره الارض كلها، فألقى في قلبه فقال: هل تدري ما على ظهرك يا لوثيا (1) من الامم والشجر والدواب والناس والجبال ! لو نفضتهم ألقيتهم عن ظهرك أجمع.
قال: فهم لوثيا بفعل ذلك، فبعث الله دابة فدخلت في منخره، فعج الى الله منها فخرجت (2)...".
وليس مما لا بد منه: " أن الحية كانت خادم آدم عليه السلام في الجنة فخانته بأن مكنت عدو الله من نفسهاوأظهرت له العداوة هناك، فلما هبطوا تأكدت العداوة وجعل رزقها التراب (3) ".
وليس مما لا بد منه ما يرويه عن ابن عباس قال: " سألت اليهود النبي صلى الله عليه وسلم عن الرعد ما هو ؟ قال: ملك من الملائكة معه مخاريق من نار يسوق بها السحاب حيث شاء الله (4) ".
وليس مما لا بد منه ما ذكره عن كلب اصحاب الكهف والاختلاف في لونه وفي اسمه (5).
ولا ما يرويه عن الزهري في قوله تعالى " جاعل الملائكة رسلا أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع ": أن جبريل عليه السلام قال له: يا محمد لو رأيت إسرافيل إن له لاثنى عشر ألف جناح، منها جناح بالمشرق، وجناح بالمغرب، وإن العرش لعلى كاهله، وإنه في الاحايين ليتضاءل لعظمة الله حتى يعود مثل الوصع (6)...".
ولا ما ذكره في قوله تعالى: " ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية ": أن فوق السماء السابعة ثمانية أوعال (7) بين أظلافهن وركبهن مثل ما بين سماء إلى سماء، وفوق ظهورهن العرش (8) ".
__________
(1) اسم الحوت.
(2) راجع ج 1 ص 257.
(3) ج 1 ص 313.
(4) ج 1 ص 327.
(5) راجع ج 10 ص 370.
(6) ج 14 ص 320 والوصع: عصفور صغير.
(7) الاوعال: جمع وعل، وهو التيس الجبلي.
(8) ج 18 ص 267.
(*)

(1/3)


إلى غير ذلك من الامثلة التي ترد في مناسبات مختلفة، جارى فيها من سبقه من المفسرين الذين ينقلون عن الاسرائيليات ولا يتحرون الدقة في المعلومات الكونية، خصوصا في الكلام على خلق السموات والارض، وتأويل الايات التي تتعرض للظواهر الطبيعية، أو تشير إلى المسائل العلمية.
وللمؤلف في ذلك كثير من العذر، لانه - رحمه الله - تابع فيه ثقافة عصره، وما تجري به ألسنة العلماء في ذلك الزمان.
وقد رأت الدار - بعد أن تحققت حاجة الناس إلى هذا الكتاب، ورغبة الكثير من العلماء في الاقطار الاسلامية في ذيوعه - أن تقرر إعادة طبعها تعميما للفائدة.
هذا وسيرى القارئ أننا حرصنا على أن تكون هذه الطبعة موافقة لسابقتها في أجزائها وصفحاتها وأرقامها، إلا في تفاوت يسير، يستطيع القارئ أن يدركه في الصفحة التالية أو السابقة.
كما أننا نبهنا في هذه الطبعة إلى أمر لم يكن في سابقتها، فعندما يذكر المؤلف عبارة: (على ما يأتي بيانه) نوضح ذلك في الهامش، مبينين موضعه من الكتاب حتى يسهل على القارئ متابعة الدراسة، وربط الكلام بعضه ببعض، دون جهد أو عناء.
ولا يفوتني أن أنوه بفضل حضرات الزملاء الذين اشتركوا معي في تصحيح هذا الكتاب في طبعته الاولى بعد جزئه الرابع، وهم السادة: الشيخ إبراهيم اطفيش، والشيخ بشندي خلف الله، والشيخ محمد محمد حسنين.
والله المسئول أن ينفع بهذا التفسير الجليل، وأن يجزي مؤلفه خير الجزاء، وأن يعين القائمين بنشر التراث الاسلامي من أمثال هذا الكتاب العظيم.
وأن يوفق " الدار " في تأدية رسالتها حتى تنهض بهذا العبء الكبير، وتقدم للعالم أجمع خير تراث تركه الاقدمون.
وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد، وعلى آله وصخابته أجمعين.
مصححه أحمد عبد العليم البردوني 16 من المحرم سنة 1372 (6 من أكتوبر سنة 1952).

(1/4)


ترجمة أبي عبد الله القرطبي مؤلف هذا التفسير (1) أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح (بإسكان الراء وبالحاء المهملة)، الانصاري الخزرجي الاندلسي القرطبي المفسر، كام من عباد الله الصالحين، والعلماء العارفين، الورعين الزاهدين في الدنيا، المشغولين بما يعنيهم من أمور الاخرة.
أوقاته معمورة ما بين توجه وعبادة وتصنيف.
مؤلفاته - جمع في تفسير القرآن كتابا كبيرا في اثني عشر مجلدا، سماه كتاب " الجامع لاحكام القرآن، والمبين لما تضمنه من السنة وآي الفرقان " وهو من أجل التفاسير وأعظمها نفعا، أسقط منه القصص والتواريخ، وأثبت عوضها أحكام القرآن، واستنباط الادلة، وذكر القراءات والاعراب والناسخ والمنسوخ (وهو هذا التفسير).
وله كتاب " الاسنى، في شرح أسماء الله الحسنى ".
وكتاب " التذكار، في أفصل الاذكار ".
وضعه على طريقة التبيان للنووي، لكن هذا أتم منه وأكثر علما.
وكتاب " التذكرة، بأمور الاخرة ".
وكتاب " شرح التقصي ".
وكتاب " قمع الحرص بالزهد والقناعة، ورد ذل السؤال بالكتب والشفاعة ".
قال ابن فرحون: لم أقف على تأليف أحسن منه في بابه.
وله " أرجوزة جمع فيها أسماء النبي صلى الله عليه وسلم ".
وله تواليف وتعاليق مفيدة غير هذا.
وكان مطرحا للتكلف، يمشي بثوب واحد وعلى رأسه طاقية.
قال صاحب نفح الطيب: إنه من الراحلين
من الاندلس.
__________
(1) عن الديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب (مذهب مالك) لابن فرحون، ونفح الطيب للمقري.
(*)

(1/5)


شيوخه - سمع من الشيخ أبي العباس أحمد بن عمر القرطبي بعض شرحه " المفهم، لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم ".
وحدث عن الحافظ أبي علي الحسن بن محمد بن محمد البكري، وحدث أيضا عن الحافظ أبي الحسن علي بن محمد بن علي بن حفص اليحصبي وغيرهما.
وكان مستقرا بمنية ابن خصيب، وتوفي ودفن بها في ليلة الاثنين التاسع من شوال سنة 671، رحمه الله ورضي عنه.

(1/6)


بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما.
قال الشيخ الفقيه الامام العالم العامل العلامة المحدث أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبى بكر فرح الانصاري الخزرجي الاندلسي ثم القرطبى، رضى الله عنه: الحمد لله المبتدئ بحمد نفسه قبل ان يحمده حامد، واشهد أن لاإله إلا الله وحده لاشريكه له، الرب الصمد الواحد، الحى القيوم الذى لا يموت، ذو الجلال والاكرام، والمواهب العظام، والمتكلم بالقرآن، والخالق للانسان، و المنعم عليه بالايمان، والمرسل رسوله بالبيان، محمدا صلى الله عليه وسلم ما اختلف الملوان (1)، وتعاقب الجديدان، ارسله بكتابه المبين، الفارق بين الشك واليقين، الذى اعجزت الفصحاء معارضته، وأعيت الألباء مناقضته، وأخرست البلغاء مشاكلته، فلا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا.
جعل أمثاله عبرا لمن تدبرها، وأ.
امره هدى لمن استبصرها، وشرح فيه واجبات الأحكام، وفرق فيه بين الحلال والحرام، وكرر فيه المواعظ والقصص للافهام، وضرب فيه الأمثال، وقص فيه غيب الأخبار، فقال تعالى " ما فرطنا في الكتاب من شئ (12) ".
وخاطب به أولياءه ففهموا، وبين لهم فيه مراده
فعلموا.
فقرءة القرآن حمله سر الله المكنون، وحفظة علمه المخزون، وخلفاء أنبيائه وأمناؤه، وهم أهله وخاصته وخيرته وأصفياؤه، قال رسول الله صلى اله عليه وسلم: " إن لله أهلين منا (3) " قالوا: يارسول الله، من هم ؟ قال: " هم أهل القرآن أهل الله وخاصته " أخرجه ابن ماجه في سننه، وأبو بكر البزار في مسنده.
فما أحق من علم كتاب الله أن يزدجر بنواهيه، ويتذكر
__________
(1) المللون: الليل والنهار.
(2) آيه 38 سورة الأنعام.
(3) في سنن ابن ماجه: " من الناس ".
(*)

(1/1)


ما شرح له فيه، ويخشى الله ويتقيه، ويراقبه ويستحييه.
فانه حمل أعباء الرسل، وصار شهيدا في القيامة على من خالف من أهل الملل، قال الله تعالى: " وكذلك جعلناكم أمه وسطا لتكونوا شهداء على الناس (1) ".
ألا وإن الحجه على من علمه فأغفله، أوكد منها على من قصر عنه وجهله.
ومن أوتى علم القرآن فلم ينتفع، وزجرته نواهيه فلم يرتدع، وارتكب من المآثم قبيحا، ومن الجرائم فضوحا، كان القرآن حجه عليه، وخصما لديه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " القرآن حجه لك أو عليك " خرجه مسلم.
فالواجب على من خصه الله بحفظ كتابه أن يتلوه حق تلاوته، ويتدبر حقائق عبارته، ويتفهم عجائبه، ويتبين غرائبه، قال الله تعالى: " كتاب انزلناه اليك مبارك ليدبروا آياته (2) ".
وقال الله تعالى: " افلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها (3) ".
جعلنا الله ممن يرعاه حق رعايته، ويتدبره حق تدبره، ويقوم بقسطه، ويفى بشرطه، ولا يلتمس الهدى في غيره، وهدانا لأعلامه الظاهره، وأحكامه القاطعة الباهرة، وجمع لنا به خير الدنيا والآخرة، فانه أهل التقوى وأهل المغفرة.
ثم جعل إلى رسوله صلى الله عليه وسلم بيان ما كان منه مجملا، وتفسير ما كان منه مشكلا، وتحقيق ما كان منه محتملا، ليكون له مع تبليغ الرسالة ظهور الاختصاص به، ومنزلة التفويض إليه، قال اله تعالى: " وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم (4) ".
ثم جعل إلى العلماء بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم استنباط مانبه على معانيه، وأشار إلى أصوله ليتوصلوا باجتهاد فيه إلى علم المراد، فيمتازوا بذلك عن غيرهم، ويختصوا بثواب اجتهادهم، قال الله تعالى: " يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات (5) ".
فصار الكتاب أصلا والسنة له بيانا، واستنباط العلماء له إيضاحا وتبيانا.
فالحمد لله الذي جعل صدورنا أوعية كتابه، وآذاننا موارد سنن نبيه، وهممنا مصروفة إلى تعلمهما والبحث عن معانيهما وغرائبهما، طالبين بذلك رضا رب العالمين، ومتدرجين به إلى علم الملة والدين.
(وبعد * فلما كان كتاب الله هو الكفيل بجمع علوم الشرع، الذي استقل بالسنة والفرض، ونزل به أمين السماء الى أمين الأرض، رأيت أن أشتغل به مدى عمري، وأستفرغ
__________
(1) آية 143 سورة البقرة.
(2) آية 29 سورة ص.
(3) آية 24 سورة القتال.
(4) آية 44 سورة النحل.
(5) آية 11 سورة المجادلة.
(*)

(1/2)


فيه منتى (1)، بأن أكتب تعليقا وجيزا، يتضمن نكتا من التفسير واللغات، والاعراب والقراءات، والرد على أهل الزيغ والضلالات، وأحاديث كثيرة شاهدة لما نذكره من الأحكام ونزول الآيات، جامعا بين معانيهما، ومبينا ما أشكل منهما، بأقاويل السلف، ومن تبعهم من الخلف.
وعملته تذكرة لنفسي، وذخيرة ليوم رمسي، وعملا صالحا بعد موتي.
قال الله تعالى: " ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر (2) ".
وقال تعالى: " علمت نفس ما قدمت وأخرت (3) ".
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له ".
وشرطي في هذا الكتاب: إضافة الأقوال الى قائليها، والأحاديث الى مصنفيها، فإنه يقال:
من بركة العلم أن يضاف القول الى قائله.
وگثيرا ما يجئ الحديث في كتب الفقه والتفسير مبهما، لايعرف من أخرجه إلا من اطلع على كتب الحديث، فيبقى من لاخبرة له بذلك حائرا، لايعرف الصحيح من السقيم، ومعرفة ذلك علم جسيم، فلا يقبل منه الاحتجاج به، ولا الاستدلال حتى يضيفه الى من خرجه من الأئمة الأعلام، والثقات المشاهير من علماء الإسلام.
ونحن نشير الى جمل من ذلك في هذا الكتاب، والله الموفق للصواب.
وأضرب عن كثير من قصص المفسرين، وأخبار المؤرخين، إلا مالا بد منه ولا غنى عنه للتبيين، واعتضت من ذلك تبيين آي الاحكام، بمسائل تفسير عن معناها، وترشد الطالب الى مقتضاها، فضمنت كل آية لتضمن حكما أو حكمين فما زاد، مسائل نبين فيها ما تحتوي عليه من أسباب النزول والتفسير الغريب والحكم، فإن لم تتضمن حكما ذكرت ما فيها من التفسير والتأويل، هكذا الى آخر الكتاب.
وسميته ب (الجامع لأحكام القرآن، والمبين لما تضمنه من السنة وآي الفرقان)، جعله الله خالصا لوجهه، وأن ينفعني به ووالدي ومن أراده بمنه، إنه سميع الدعاء، قريب مجيب، آمين.
__________
(1) المنة (بالضم): القوة.
(2) آية 13 سورة القيامة.
(3) آية 5 سورة الانفطار.
(*)

(1/3)


باب ذكر جمل من فضائل القرآن، والترغيب فيه، وفضل طالبه وقارئه ومستمعه والعامل به اعلم أن هذا الباب واسع كبير، ألف فيه العلماء كتبا كثيرة، نذكر من ذلك نكتا تدل على فضله، وما أعده الله لأهله، إذا أخلصوا الطلب لوجهه.
وعملوا به.
فأول ذلك أن يستشعر المؤمن من فضل القرآن أنه كلام رب العالمين، غير مخلوق، كلام من ليس كمثله شئ، وصفة
من ليس له شبيه ولا ند، فهو من نور ذاته جل وعز، وأن القراءة أصوات القراء ونغماتهم، وهي أكسابهم التي يؤمرون بها في حال إيجابا في بعض العبادات، وندبا في كثير من الأوقات، ويزجرون (1) عنها إذا أجنبوا، ويثابون عليها ويعاقبون على تركها.
وهذا مما أجمع عليه المسلمون أهل الحق، ونطقت به الآثار، ودل عليها المستفيض من الأخبار، ويتعلق الثواب والعقاب إلا بما هو من أكتساب العباد، على ما يأتي بيانه.
ولولا أنه - سبحانه - جعل في قلوب عباده من القوة على حمله ما جعله، ليتدبروه وليعتبروا به، وليتذكروا ما فيه من طاعته وعبادته، يقول - تعالى جده - وقوله الحق: " لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله (2) ".
فأين قوت القلوب من قوة الجبال ! ولكن الله تعالى رزق عباده من القوة على حمله ما شاء أن يرزقهم، فضلا منه ورحمة.
وأما ما جاء من الآثار في هذا الباب - فأول ذلك ما خرجه الترمذي عن أبي سعيد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يقول الرب تبارك وتعالى من شغله القرآن وذكري عن مسألتي أعطيته ما أعطي السائلين - قال: - وفضل كلام الله على سائر الكلام كفضل الله على خلقه ".
قال: هذا حديث حسن غريب.
وروى أبو محمد الدارمي السمرقندي في مسنده عن عبد الله قال: السبع الطول مثل التوراة، والمئون مثل الإنجيل، والمثاني مثل الزبور، وسائر القرآن بعد فضل.
وأسند عن الحارث
__________
(1) في نسخة: ويؤجرون عنها إذا أجيبوا.
(2) آية 21 سورة الحشر.
(*)

(1/4)


عن على رضي الله عنه وخرجه الترمذي قال: سمعت (1) رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " ستكون فتن كقطع الليل المظلم.
قلت يارسول الله وما المخرج منها ؟ قال: كتاب الله تبارك وتعالى فيه نبأ من قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم هو الفصل ليس بالهزل من تركه من جبار قصمه الله ومن ابتغى الهدى في غيره أصله الله هو حبل الله المتين ونوره المبين والذكر
الحكيم وهو الصراط المستقيم وهو الذي لا تزيغ به الأهواء ولا تلتبس به الألسنة ولا تتشعب معه الآراء ولا يشبع من العلماء ولا يمله الأتقياء ولا يخلق على كثرة الرد ولا تنقضي عجائبه وهو الذي لم تنته الجن إذ سمعته أن قالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا من علم علمه سبق ومن قال به صدق ومن حكم به عدل ومن عمل به أجر ومن دعا إليه هدى إلى صراط مستقيم خذها إليك يا أعور (2) ".
" الحارث " رماه الشعبي بالكذب وليس بشئ، ولم يبن من الحارث كذب، وإنما نقم عليه إفراطه في حب على وتفضيله له على غيره.
ومن هاهنا - والله أعلم - كذبه الشعبي، لأن الشعبي يذهب إلى تفضيل أبي بكر، وإلى أنه أول من أسلم.
قال أبو عمر عبد البر: وأظن الشعبي عوقب لقوله في الحارث الهمداني: حدثني الحارث وكان أد الكذابين.
وأسند أبو بكر محمد بن القاسم بن بشار بن محمد الأنباري النحوي اللغوي في كتاب " الرد على من خالف مصحف عثمان " عن عبد الله بن مسعود قال قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن هذا القرآن مأدبة الله فتعلموا من مأدبته ما استطعتم إن هذا القرآن حبل اللع وهو النور المبين والشفاء النافع عصمة من تمسك به ونجاة من اتبعه لايعوج فيقوم ولا يزيغ فيستعيب ولا تنقضي عجائبه ولا يخلق عن كثرة الرد فاتلوه فإن الله يأجركم على تلاوته بكل حرف عشرة حسنات أما إني لاأقول الم حرف ولا ألفين أحدكم واضعا إحدى رجليه يدع أن يقرأ سورة البقرة فإن الشيطان يفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة وإن أصفر البيوت من الخير البيت الصفر من كتاب الله ".
وقال أبو عبيد في غريبة عن عبد الله قال: إن هذا القرآن مأدبة
__________
(1) ورد هذا الحديث في صحيح الترمذي (ج 2 ص 149 طبع بولاق) مع اختلاف في بعض كلماته.
زيادة ونقص.
(2) قوله: يا أعور: لقب الحارث بن عبد اله المذكور ف يسند هذا الحديث (*)

(1/5)


الله فمن دخل فيه فهو آمن.
قال: وتأويل الحديث أنه مثل، شبه القرآن بصنيع صنعه الله عزوجل للناس، لهم فيه الخير ومنافع، ثم دعاهم إليه.
يقال: مأدبة ومأدبة، فمن قال:
مأدبة، أراد الصنيع يصنعه الإنسان فيدعو إليه الناس.
ومن قال: مأدبة، فأنه يذهب به إلى الأدب، يجعله مفعلة من الأدب، ويحتج بحديثه الآخر: " إن هذا القرآن مأدبة الله عزوجل فتعلموا من مأدبته ".
وكان الأحمر يجعلها لغتين بمعنى واحد، ولم أسمع أحدا يقول هذا غيره.
[ قال: ] والتفسير الأول أعجب إلى.
وروى البخاري عن عثمان بن عفان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " خيركم من تعلم القرآن وعلمه ".
وروى مسلم عن أبي موسى قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " مثل امؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأترجة ريحها طيب وطعمها طيب ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن مثل التمرة لاريح لهاا وطعمها حلو ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن مثل الريحانة ريحها طيب وطعمها مر ومثل المنافق الذي لايقرأ القرآن كمثل الحنظلة لا يرح لها وطعمها مر ".
وفي رواية: " مثل الفاجر " بدل المنافق ".
وقال البخاري: " مثل المؤمن الذى يقرأ القرآن كمثل الأترجة طعمها طيب وريحها طيب ومثل المؤمن الذي لايقرأ القرآن كمثل التمرة..." وذكر الحديث.
وذكر أبو بكر الأنباري: وقد أخبرنا أحمد بن يحيى الحلواني حدثنا يحيى بن عبد الحميد حدثنا هشيم (1)، ح.
وأنبأنا إدريس حدثنا خلف حدثنا هشيم عن العوام بن حوشب: أن أبا عبد الرحمن
__________
(1) جرت العادة بالاقتصار على الرمز في حدثنا وأخبرنا، واستمر الاصطلاح عليه من قديم الأعصار الى زماننا، واشتهر ذلك بحيث لا يخفى، فيكتبون من حدثنا " ثنا " وهي الثاء والنون والألف، وربما حذفوا الثاء.
ويكتبون من أخبرنا " أنا " ولا تحسن زيادة الباء قبل " نا "، وإذا كان للحديث إسنادان أو أكثر كتبوا عند الانتقال من إسناد الى إسناد " ح " وهي حاء مهملة، والمختار أنها.
مأخوذة من التحول، لتحوله من إسناد الى إسناد، وأنه يقول القارئ إذا انتهى إليها: " ح " ويستمر في قراءة ما بعدها.
وقيل: إنها من حال بين الشيئين إذا حجز، لكونها حالت بين الاسنادين وأنه لا يلفظ عند الانتهاء إليها بشئ، بل وليست من الرواية.
وقيل: إنها رمز الى قوله: " الحديث ".
وأن أهل المغرب كلهم يقولون إذا وصلوا إليها: الحديث.
ثم هذه الحاء توجد في كتب المتأخرين كثيرا، وهي كثيرة في صحيح مسلم، قليلة في صحيح البخاري.
(عن مقدمة النووي على صحيح مسلم).
(*)

(1/6)


السلمى كان إذا ختم عليه الخاتم القرآن أجلسه بين يديه ووضع يده على رأسه وقال له: يا هذا، اتق الله ! فما أعرف أحدا خيرا منك إن عملت بالذي علمت.
وروى الدارمي عن وهب الذماري قال: من آتاه الله القرآن فقام به آناء الليل وآناء النهار، وعمل بما فيه ومات على طاعة، بعثه الله يوم القيامة مع السفرة والأحكام.
قال سعيد (2 1): السفرة الملائكة، والأحكام (2) الأنبياء.
وروى مسلم عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران ".
التتعتع: التردد في الكلام عيا وصعوبة، وإنما كان له أجران من حيث التلاوة ومن حيث المشقة، ودرجات الماهر فوق ذلك كله، لأنه قد كان القرآن متعتعا عليه، ثم ترقى عن ذلك إلى أن شبه بالملائكة.
والله أعلم.
وروى الترمذي عن عبد الله بن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من قرأ حرفا من كتاب الله فله به حسنة والحسنة بعشر أمثالها لا أقول آلم حرف ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف ".
قال: حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه، وقد روى موقوفا.
وروى مسلم عن عقبة بن عامر قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن في الصفة، فقال: " أيكم يحب أن بغدو كل يوم إلى بطحان أو إلى العقيق فيأتي منه بناقتين كوماوين (3) في غير إثم ولاقطع رحم " فقلنا: يارسول الله، كلنا نحب ذلك، قال: " أفلا يغدو أحدكم إلى المسجد فيعلم (4) أو يقرأ آيتين من كتاب الله عزوجل خير له من ناقتين وثلاث خير له من ثلاث وأربع خير له من أربع ومن أعدادهن من الإبل ".
وعن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من نفس عن مسلم كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة ومن يسر على معسر يسر الله عليه
__________
(1) سعيد هذا، هو سعيد بن عبد العزيز بن أبي يحيى التنوخي، أحد رجال سند هذا الحديث.
وفي الأصول: " سعد " وهو تحريف.
(2) هكذا في نسخ الأصل وسنن الدارمي.
ولعل الغرض وذوو الأحكام، أو هو جمع
حكيم كشريف وأشرف أو حكم كبطل وأبطال.
(3) " كوماوين " تثنية كوماء، أي مشرفة السنام عاليته.
(4) قوله: فيعلم.
ضبط بنصب الفعل ورفعه وبتشديد اللام من التعلم، وبتخفيفها من العلم (*)

(1/7)


في الدنيا والآخرة ومن ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه ومن سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له شريقا إلى الجنة وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده ومن أبطأ به علمه لم يسره به نسبه ".
وروى أبو داود والنسائي والدارمي والترمذي عن عقبة بن عامر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " الجاهر بالقرآن كالجاهر بالصدقة والمسر بالقرآن كالمسر بالصدقة ".
قال الترمذي: حديث حسن غريب.
وروى الترمذي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " يجئ القرآن (1) يوم القيامة فيقول يا رب حله فيلبس تارج الكرامة ثم يقول يا رب زده فيلبس حلة الكرامة ثم يقول يا رب ارض عنه فيرضى عنه فيقال له اقرأ وارق ويزاد بكل آية حسنة ".
قال: حديث صحيح.
وروى أبو داود عن عبد الله بن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يقال لصاحب القرآن اقرأ وارتق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها ".
وأخرجه ابن ماجه في سننه عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يقال لصاحب القرآن إذا دخل الجنة اقرأ واصعد فيقرأ ويصعد بكل آية درجة حتى يقرأ آخر شئ معه ".
وأسند أبو بكر الأنباري عن أبي أمامة الحمصي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من أعطى ثلث القرآن فقد أعطى ثلث النبوة ومن أعطى ثلثي القرآن أعطى ثلثي النبوة ومن قرأ القرآن كله فقد أعطى النبوة كلها غير أنه لا يوحى إليه ويقال له يوم القيامة اقرأ وارق فيقرأ آية ويصعد درجة حتى ينجز ما معه من القرآن ثم يقال له اقبض فيقبض ثم يقال له اتدري ما في يديك فإذا في يده اليمنى الخلد وفي اليسرى النعين ".
حدثنا إدريس بن خلف حدثنا إسماعيل بن عياش عن تمام عن الحسن قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من أخذ ثلث القرآن وعمل به فقد أخذ ثلث النبوة ومن أخذ *
__________
(1) الذي في نسخ الأصل: " يجئ صاحب القرآن ".
والتصويب عن سنن الترمذي.
(*)

(1/8)


نصف القرآن وعمل به فقد أخذ نصف النبوة ومن أخذ القرآن كله فقد أخذ النبوة كلها.
قال: وحدثنا محمد بن يحيى المروزي أنبأنا محمد وهو ابن سعدان حدثنا الحسن بن محمد عن حفص عن كثير بن زياد عن عاصم بن ضمرة عن علي رضى الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من قرأ القرآن وتلاه وحفظه أدخله الله الجنة وشفعه في عشرة من أهل بيته كل قد وجبت له النار ".
وقالت أو الدرداء: دخلت على عائشة رضى الله عنه فقلت لها: ما فضل من قرأ القرآن على من لم يقرأه ممن دخل الجنة ؟ فقالت عائشة رضى الله عنه: إن عدد اي القرآن على عدد درج الجنة، فليس أحد دخل الجنة أفضل ممن قرأ القرآن.
ذكره أبو محمد مكي.
وقال ابن عباس: من قرأ القرآن واتبع ما فيه هداه الله من الضلالة، ووقاه يوم القيامة سوء الحساب، وذلك بأن الله تبارك وتعالى يقول " فمن اتبع هداى فلا يضل ولا يشقى (1) ".
قال ابن عباس: فضمن الله لمن اتبع القرآن ألايضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة وذكره مكي أيضا.
وقال الليث يقال ماالرحمة إلى أحد بأسرع منها إلى مستمع القرآن، لقول الله جل ذكره: " وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون (2) ".
و " لعل " من الله واجبة.
وفي مسند أبي داود الطيالسي - وهو مستند ألف في الإسلام - عن عبد الله بن عمرو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من قام بعشر آيات لم يكتب من الغافلين ومن قالم بمائة آية كتب من القانتين ومن قام بألف آية كتب من المقنطرين " والآثار في معنى هذ الباب كثيرة، وفيما ذكرنا كفاية، والله الموفق للهداية.
__________
(1) آية 123 سورة طه.
(2) آية 204 سورة الاعراف.
(3) قوله: " وهو أول مسند " الخ.
قال صاحب الظنون: " والذي حمل قائل هذا القول تقدم عصره على أعصار من صنف المسانيد، وظن أنه هو الذي صنفه وليس كذلك، فانه ليس من تصنيف أبي داود، وإنما بعض الحفاظ الخراسانيين جمع فيه ما رواه يوسف بن حبيب خاصة عن أبي داود.
ولأبي داود من الأحاديث التي لم تدخل هذا المسند قدره أو أكثر، كما ذكره البقاعي في حاشية الألفية ".
وقد توفي الطيالسي سنة 204 ه.
(*)

(1/9)


باب كيفية التلاوة لكتاب الله تعالى، وما يكره منها وما يحرم، واختلاف الناس في ذلك روى البخاري عن قتادة قال: سألت رسول الله صلى عليه وسلم فقال: كان يمد مدا [ إذا ] قرأ بسم الله الرحمن الرحيم، يمد بسم الله، ويمد بالرحمن، ويمد بالرحيم.
وروى الترمذي عن أم سلمة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقطع قراءته يقول: " الحمد لله رب العالمين " ثم يقف " الرحمن الرحيم " ثم يقف، وكان يقرؤها " ملك يوم الدين ".
قال: حديث غريب.
وأخرجه أبو داود بنحوه.
وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " أحسن الناس صوتا من إذا قرأ رأيته (1) يخشى الله تعالى ".
وروى عن زياد النميري أنه جاء مع القراء ألى أنس بن مالك فقيل له: اقرأ.
فرقع صوته وطرب، وكان رفيع الصوت، فكشف أنس عن وجهه، وكان على وجهه خرقة سوداء فقلا: يا هذا، ما هكذا كانوا يفعلون ! وكان إذا رأى شيئا ينكره كشف الخرقة عن وجهه.
وروى عن قيس بن عبادة أنه قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يكرهون رفع الصوت عند الذكر.
وممن روى عنه كراهة رفع الصوت عند قراءة القرآن سعيد ين المسيب وسعيد بن جبير والقاسم بن محمد والحسن وابن سيرين والنخعي وغيرهم، وكرهه مالك بن أنس وأحمد بن حنبل، كلهم كره رفع الص.
ت بالقرآن والتطريب فيه.
روى عن سعيد بن المسيب أنه سمع عمر بن عبد العزيز ئ م الناس فطرب في قراءته، فأرسل إليه
سعيد يقول: أصلحك الله ! إن الأئمة لا تقرأ هكذا.
فترك عمر التطريب بعد.
وروى عن القاسم بن محمد: أن رجلا قرأ في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم فطرب، فأنكر ذلك القاسم وقال يقول الله عزوجل: " وإنه لكتاب عزيز.
لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه (2) " الآية.
وروى عن مالك أنه سئل عن النبر في قراءة القرآن في الصلاة، فأنكر وكرهه كراهة شديدة، وأنكر رفع الصوت به.
وروى ابن القاسم عنه أنه سئل عن الألحان في الصلاة
__________
(1) رأي هنا بمعنى علم، وفي بعض النسخ: " رأيته " بالبناء للمجهول، ومعناه الظن.
(2) آية 41، 42 سورة فصلت (*)

(1/10)


فقال: لا يعجبني، وقال: إنما هو غناء يتغنون به ليأخذوا عليه الدراهم.
وأجازت طائفة رفع الصوت بالقرآن والتطريب به، وذلك لأنه إذا حسن الصوت به كان أوقع في النف.
س وأسمع في القلوب، واحتجوا بقوله عليه السلام: " زينوا القرآن بأصواتكم " رواه البراء بن عازب.
أخرجه أبو داود والنسائي.
وبقوله عليه السالم: " ليس منا من لم يتغن بالقرآن " أخرجه مسلم.
وبقول أبي موسى للنبي صلى الله عليه وسلم: لو أعلم أنك تستمع لقراؤتي لحبرته لك تحبيرا.
وبما رواه عبد الله بن مغفل قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح في مسير له سورة " الفتح " على راحلته فرجع في قراءته.
وممن ذهب إلى هذا أبو حنيفة وأصحابه والشافعي وابن المبارك والنظر بن شميل، وهو اختيار أبي جعفر الطبري وأبي الحسن بن بطال والقاضي أبي بكر بن العربي وغيرهم.
قلت: القول الأول أصح لما ذكرناه ويأتي.
وأما ما احتجو به من الحديث الأول فليس على ظاهره وإنما هو من باب المقلوب، أي زينوا أصواتكم بالقرآن.
قال الخطابي: وكذا فسره غير واحد من أئمة الحديث: زينوا أصواتكم بالقرآن، وقالوا هو من باب المقلوب، كما قالوا: عرضت الحوض على الناقة، وإنما هو عرضت الناقة على الحوض.
قال: ورواه معمر عن منصور عن طلحة، فقدم الأصوات على القرآن، وهو صحيح.
قال الخطابي: ورواه طلحة عن عبد الرحمن بن عوسجة عن البراء أن رسول الله صلى الله
عليه وسلم قال: " زينوا القرآن بأصواتكم " أي الهجوا بقراءته واشغلوا به أصواتكم.
اتخذوه شعارا وزينة، وقيل: معناه الحض على قراءة القرآن والدءوب عليه.
وقد روى عن أبي هريرة رضى الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " زينوا أصواتكم بالقرآن ".
وروى عن عمر أنه قال: " حسنوا أصولتكم بالقرآن ".
قلت: وإلى هذا المعنى يرجع قوله عيله السلام: " وليس منا من لم يتغن بالقرآن " أي ليس منا من لم يحسن صوته بالقرآن، كذلك تأوله عبد الله بن أبي مليكة.
قال عبد الجبار ابن الورد: سمعت ابن أبي مليكة يقول: قال عبد الله بن أبي يزيد: مر بنا أبو لبابة فاتبعناه

(1/11)


حتى دخل بيته، فإذا رجل رث الهيئة، فسمعته يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول، " ليس منا من لم يتغن بالقرآن ".
قال فقلت لابن أبي مليكة: يا أبا محمد، أرأيت إذا لم يكن حسن الصوت ؟ قال: يحسنه ما استطاع.
ذكره أبو داود، وإليه يرجع أيضا قول أبي موسى للنبي صلى الله عليه وسلم: إني لو علمت أنك تستمع لقراءتي لحسنت صوتي بالقرآن، وزينته ورتلته.
وهذا يدل [ على ] أنه كان يهذ (1) في قراءته مع حسن الصوت الذي جبل عليه.
والتحبير: التزيين والتحسين، فلو علم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسمعه لمد في قراءته ورتلها، كما كان يقرأ على النبي صلى الله عليه وسلم، فيكون ذلك زيادة في حسن صوته بالقراءة.
ومعاذ الله أن يتأول على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول: إن القرآن يزين بالأصوات أو بغيرها، فمن تأول هذا فقد واقع أمرا عظيما أن يحوج القرآن إلى من يزينه، وهو النور والضياء والزين الأعلى لمن ألبس بهجته واستنار بضيائه.
وقد قيل: إن الامر بالتزيين اكتساب القراءات وتزيينها بأصواتنا وتقدير ذلك، أي زينو القراءة بأصواتكم، فيكون القرآن بمعنى القراءة، كما قال تعال " وقران الفجر (2) " أي قراءة الفجر، وقوله: " فإذا قرأناه فاتبع قرآنه (3) " أي قراءته.
وكما جاء في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو قال: إن في البحر شياطين مسجونه أوثقها سليمان عليه السلام، ويوشك أن تخرج فتقرأ على الناس قرآنا، أي قراءة.
وقال الشاعر (4) في عثمان رضى الله عنه:
ضحوا بأشمط (5) عنوان السجود به * يقطع الليل تسبيحا وقرآنا أي قراءة فيكون معناه على هذا التأويل صحيحا إلا أن يخرج القراءة التي هي التلاوة عن حدها - على ما نبينه - فيمتنع.
وقد قيل: إن معنى يتغنى به، يستغنى به من الاستغناء الذي هو ضد الافتقار، لا من الغناء، يقال: تغنيت وتغانيت بنعنى استغنيت.
وفي الصحاح: تغنى
__________
(1) الهذ والهذذ: سزعة القطع وسرعة القراءة.
(2) آية 78 سورة الإسراء.
(3) آية 18 سورة القيامة.
(4) هو حسان بن ثابت رضى الله عنه.
(5) الشمط بالتحريك: بياض شعر الرأس يخالطه سواده.
وقيل: الشمط في الرجل شيب اللحية.
(*)

(1/12)


الرجل بمعنى استغنى، واغناه الله.
وتغانوا أي استغنى بعضهم عن بعض.
قال المغيرة بن حبناء التميمي: كلانا غنى عن أخيه حياته * ونحن إذا متنا أشد تغانيا وإلى هذا التأويل ذهب سفيان بن عيينة ووكيع بن الجراح، ورواه سفيان عن سعد بن أبى وقاص.
وقد روى عن سفيان أيضا وجه آخر ذكره إسحاق بن راهويه، أي يستغني به عما سواه من الاحاديث.
والى هذا التأويل ذهب البخاري محمد بن إسماعيل لإتباعه الترجمة بقوله تعالى " أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم (1) ".
والمراد الاسستغناء بالقرآن عن علم أخبار الأمم، قاله أهل التأويل.
وقيل: إن معنى يتغنى به، يتحزن به، أي يظهر على قارئه الحزن الذي هو ضد السرور عند قراءته وتلاوته، وليس من الغنية، لأنه لو كان من الغنية لقال: يتغانى به، ولم يقل يتغنى به ذهب إلى هذا جماعة من العلماء: منهم الإمام أبو محمد ابن حبان البستي، واحتجوا بما رواه مطرف بن عبد الله بن الشخير عن أبيه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلى ولصدره أزيز كأزيز المرجل من البكاء.
الأزيز (بزايين): صوت الرعد وغليان القدر.
قالوا: ففي هذا الخبر بيان واضح على أن المراد بالحديث التحزن، وعضدوا هذا أيضا بما رواه الأئمة عن عبد الله قال قال النبي صلى الله عليه وسلم: " اقرأ على "
فقرأت عليه سورة " النساء " حتى إذا بلغت " فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هولاء شهيدا " فنظرت إليه فإذا عيناه تدمعان.
فهذه أربع تأويلات، ليس فيها ما يدل على القراءة بالألحان والترجيع فيها.
وقال أبو سعيد بن الأعرابي في قوله صلى الله عليه وسلم: " ليس منا من لم يتغن بالقرآن " قال: كانت العرب تولع بالغناء والنشيد في أكثر أقوالها، فلما نزل القرآن أحبوا أن يكون القرآن هجيراهم (3) مكان الغناء، فقلا: " ليس منا من لم يتغت بالقرآن ".
التأويل الخامس - ما تأوله من استدل به على الترجيع والتطريب، فذكر عمر بن شبة قال: ذكرت لأبي عاصم النبيل تأول ابن عيينة في قوله: " يتغن " يستغنى، فقال:
__________
(1) آية 51 سورة العنكبوت.
(2) آية 41 سورة النساء.
(3) هجيراهم: دأبهم وعادتهم.
(*)

(1/13)


لم يضع ابن عيينة شيئا.
وسئل الشافعي عن تأويل ابن عيينة فقال: نحن أعلم بهذا، ولو أراد النبي صلى الله عليه وسلم الاستغناء لقال: من لم يستغن، ولكن قال " يتغن " علمنا أنه أراد التغني.
قال الطبري: المعروف عندنا في كلام العرب أن التغني إنما هو الغناء الذي هو حسن الصوت بالترجيع.
وقال الشاعر: تغن بالشعر مهما كنت قائله * إن الغناء بهذا الشعر مضمار قال: وأما ادعاء الزاعم أن تغنيت بمعنى استغنيت فيس في كلام العرب وأشعارها، ولا نعلم أحد من أهل العلم قاله، وأما احتجاجه بقول الاعشى: وكنت امرأ زمنا بالعراق * عفيف المناخ طويل التغن وزعم أنه أراد الاستغناء فإنه غلط منه، وإنما عنى الأعشى في هذا الموضع الإقامة، من قول العرب: غني فلان بمكان كذا أي أقام، ومنه قوله تعالى: " كأن لم يغنوا فيه (1) " وأما
استشهاده بقوله: * ونحن إذا متنا أشد تغانيا * فإنه إغفال منه، وذلك أن التغاني تفاعل من نفسين إذا استغنى كل واحد منهما عن صاحبه، كما يقال: تضلرب الرجلان، إذا ضرب كل واحد منهما صاحبه.
ومن قال هذا في فعل الاثنين لم يجز أن يقول مثله في الواحد، فغير جائز أن يقال: تغانى زيد وتضارب عمرو، وكذلك غير جائز أن يقال: تغنى بمعنى استغنى.
قلت: ما ادعاه الطبري من أنه لم يرد في كلام العرب تغنى بمعنى استغنى، فقد ذكره الجوهري كما ذكرنا، وذكره الهروي أيضا.
وأما قوله: إن صيغة فاعل إنما تكون من اثنين فقد جاءت من واحد في ماضيع كثيرة، منها قول ابن عمر: وأنا يومئذ قد ناهزت الاحتلام.
وتقول العرب: طارقت النعل وعاقبت اللص وداويت العليل، وهو كثير، فيكون تغاني منها.
وإذا احتمل قوله عليه الصلاة والسلام: " يتغن " الغناء والاستغناء فليس حمله على أحدهاما بأولى من الآخر، بل حمله على الاستغناء أولى لو لم يكن لنا تأويل غيره، لأنه مروي عن
__________
(1) آية 92 سورة الأعراف.
(*)

(1/14)


صحابي كبير كما ذكر سفيان.
وقد قال ابن وهب في حق سفيان: ما رأيت أعلم بتأويل الأحاديث من سفيان بن عيينة، ومعلوم أنه رأى الشافعي وعاصره.
وتأويل سادس - وهو ما جاء من الزيادة في صحيح مسلم عن أبي هريرة حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به ".
قال الطبري ولو كان كما قال ابن عيينة لم يكن لذكر حسن الصوت والجهر به معنى.
قلنا قوله: " يجهر به " لا يخلو أن يكون من قول النبي صلى الله عليه وسلم، أو من قول أبي هريرة أو غيره، فإن كان الأول وفيه بعد، فهو دليل على عدم التطريب والترجيع، لأنه لم يقل: يطرب به، وإنما قال: يجهر به: أي يسمع نفسه ومن يليه، بدليل قوله عليه السلام للذي سمعه وقد رفع صوته بالتهليل: " أيها الناس اربعوا على أنفسكم فإنكم لستم تدعون أصم ولا غائبا..." الحديث، وسيأتي.
وكذلك إن كان من صحابي أو غيره
فلا حجة فيه على ما راموه، وقد اختار هذا التأويل بعض علمائنا فقال: وهذا أشبه، لأن العرب تسمي كل من رفع صوته ووالى به غانبا، وفعله ذلك غناء وإن لم يلحنه بتلحين الغناء.
قال: وعلى هذا فسره الصحابي، وهو أعلم بالمقال وأقعد بالحال.
وقد احتج أبو الحسن لمذهب الشافعي فقال: وقد رفع الإشكال في هذه المسألة ما رواه ابن أبي شيبة قال حدثنا زيد بن الحباب قال حدثنا موسى بن علي بن رباح عن أبيه عن عقبة بن عامر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " تعلموا القرآن وغنوا به واكتبوه فو الذي نفسي بيده لهو أشد تفصيا (3) من المخاض من العقل ".
قال علمائنا: وهذا الحديث وإن صح سنده فيرده ما يعلم على القطع والبتات من أقراءة القرآن بلغتنا متواترة عن كافة المشايخ، جبيلا فجيلا إلى العصر الكريم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس فيها تلحين
__________
(1) قوله: ما أذن...الخ قال المناوي: يعني ما رضى الله من المسموعات شيئا هو أرضى عنده ولا أحب إليه من قول نبي يتغنى بالقرآن، أي يجهر به ويحسن صوته بالقراءة بخشوع وتحزن، وأراد بالقران ما يقرأ من الكتب المنزلة.
(2) قوله: " اربعوا " أي كفوا وارفقوا.
(3) التفصي: التقلب والخروج.
(*)

(1/15)


ولاتطريب، نع كثرة المتعمقين في مخارج الحروف وفئ المد والإدغام والإظهار وغير ذلك من كيفية القراءات.
ثم إن في الترجيع والتطريب همز ما ليس بمهموز ومد ما ليس بممدود، فترجيع الألف الواحدة ألفات والواو الواحدة واوات والشبة (1) الواحدة شبهات، فيؤدي ذلك إلى زيادة في القرآن وذلك ممنوع، وإن وافق ذلك موضع نبر وهمز صيروها نبرات وهمزات، والنبرة حيثما وقعت من الحروف فإنما هي همزة واحدة لاغير، إما ممدودة وإما مقصورة.
فإن قيل: فقد روى عبد الله بن مغفل قال: قرأ رسوئل الله صلى الله عليه وسلم في مسير له سورة " الفتح " على راحلته فرجع في قراءته، وذكره البخاري وقال في صفة الترجيع: آء آء آء،
ثلاث مرات.
قلنا: ذلك محمول على إشباع المد فئ موضعه، ويحتمل أن يكون صوته عند هز الراحلة، كما يعتري رافع صوته إذا كان راكبا من اضغاط صوته وتقطيعه لأجل هز المركوب، وإذا احتمل هذا فلاحجة فيه.
وقد خرج أبو محمد عبد الغني بن سعيد الحافظ من حديث قتادة عبد الرحمن بن أبي بكر عن أبيه قال: كانت قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم المد ليس فيها ترجيع وروى ابن جريح عن عطاء عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مؤذن يطرب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الأذان سهل سمح فإذا كان أذانك سمحا سهلا وإلا فلا تؤذن ".
أخرجه الدارقطنئ في سننه فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد منع ذلك في الأذان فأحرى ألا يجوزه في القرآن الذي حفظه الرحمن، فقال وقوله الحق: " إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون (2) ".
وقال تعالى: " لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد (3) ".
قلت: وهذا الخلاف إنما هو ما لم يفهم معنى القرآن بترديد الأصوات وكثرة الترجيعات، فإن زاد الأمر على ذلك لا يفهم معناه فذلك حرام باتفاق، كما يفعل القراء بالديار المصرية الذين يقرءون أمام الملوك والجنائز، ويأخذون على ذلك الأجور والجوائز، ضل سعيهم، وخاب *
__________
(1) سيذكر المؤلف في باب (ذكر معنى الصورة والآية) الخ: أن الشبهات هي الحروف، ولم أر هذا التعبير لغيره.
(2) آية 9 سورة الحجر.
(3) آية 42 سورة فصلت.
(*)

(1/16)


عملهم، فسيحتلون بذلك تغيير كتاب الله، ويهونون على أنفسهم الاجتراء على الله بأن يزيدوا في تنزيله ما ليس فيه، جهلا بدينهم، ومروقا عن سنة نبيهم، ورفضا لسير الصالحين فيه من سلفهم، ونزوعا إلى ما يزين لهم الشيطان من أعمالهم، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، فهم في غيهم يترددون، وبكتاب الله يتلاعبون، فإنا لله وإنا إليه راجعون ! لكن أخبر الصادق أن ذلك يكون، فكان كما أخبر صلى الله عليه وسلم.
ذكر الامام الحافظ أبو الحسين رزين وأبو عبد الله الترمذي الحكيم في " نوادر الأصول " من حديث حذيفة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " اقرءوا القرآن بلحون العرب وأصواتها وإياكم ولحون أهل العشق ولحون أهل الكتابين وسيجئ بعدي قوم يرجعون بالفرآن ترجيع الغناء والنوح لا يجاوز جناجرهم مفتونة قلوبهم وقلوب الذين يعجبهم شأنهم ".
اللحون: جمع لحن، وهو التطريب وترجيع الصوت وتحسينه بالقراءة والشعر والغناء.
قال علمائنا: ويشبه أن يكون هذا الذي يفعله قراء زماننا بين يدي الوعاظ وفي المجالس من اللحون الأعجمية التي يقرءون بها، ما نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
والترجيع في القراءة: ترديد الحرف كقراءة النصارى.
والترتيل في القراءة هو التأني فيها والتمهل وتبيين الحروف والحركات تشبيها بالثغر المرتل، وهو المشبه بنور الاقحوان، وهو المطلوب في قراءة القرآن، قال الله تعالى: " ورتل القرآن ترتيلا (1) ".
وسئلت أم سلمة عن قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم وصلاته، فقالت: مالكم وصلاته ! [ كان يصلي ثم ينام قدر ما صلى، ثم يصلي قدر ما نام، ثم ينام قدر ما صلى حتى يصبح (2)، ثم نعتت قراءته، فإذا هي تنعت قراءة مفسرة حرفا حرفا.
أخرجه النسائي وأبو دائد والترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب.
باب تحير أهل القرآن والعلم من الرياء وغيره قال الله تعالى: " واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا (4) ".
روى مسلم عن أبي هريرة
__________
(1) آية 4 سورة المزمل.
(2) الزيادة عن سنن الترمذي وأبي داود.
(3) آية 36 سورة النساء.
(4) آية 110 سورة الكهف.
(*)

(1/17)


قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إن أول الناس يقضى عليه يوم القيامة رجل استشهد فأتى به فعرفه نعمه فعرفها قال فما عملت فيها قال قاتلت فيك حتى استشهدت قال كذبت ولكنك قاتلت لأن يقال جرئ فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي
في النار ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن فأتى به فعرفه نعمه فعرفها قال فما عملت فيها قال تعلمت العلم وعلمته وقرأت فيك القرآن قال كذبت ولكنك تعلمت العلم ليقال علام وقرأت القرآن ليقال هو قارئ فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار ورجل وسع الله عليه وأعطاه من أنصاف المال كله فأتى به فعرفه نعمه فعرفها قال فما عملت فيها قال ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك قال كذبت ولكنك فعلت ليقال هو جواد فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه ثم ألقي في النار ".
ئقال الترمذي في هذا الحديث: ثم ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم على ركبتي فقال: " يا أبا هريرة أولئك الثلاثة أول خلق الله تسعر بهم النار يوم القيامة ".
أبو هريرة اسمه عبد الله، وقيل: عبد الرحمن، وقال: كنيت أبا هريرة لأني حملت هرة في كمي، فرآني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " ما هذه " ؟ قلت: هرة، فقال: " يا أبا هريرة ".
قال ابن عبد البر: وهذا الحديث فيمن لم يرد بعمله وعلمه وجه الله تعالى.
وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " من طلب العلم لغير الله أو أراد به غير الله فليتبوأ مقعده من النار ".
وخرج ابن المبارك في رقائقه عن العباس بن عبد المطلب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يهظر هذا الدين حتى يجاوز البحار وحتى نحاض ابحار بالخيل في سبيل الله تبارك وتعالى ثم يأتي أقوام يقرءون القرآن فإذا قرءوه قالوا من أقرأ منا من أعلم منا " ثم التفت إلى أصحابه فقال: " هل ترون في أولئكم من خير " قالوا: لا.
قال: " أولئك منكم وأولئك من هذه الأمة وأولئك هم وقود النار ".
وروى أبو داود والترمذي عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من تعلم علما مما يبتغي به وجه لله لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضا من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة ".
يعني ريحها.
قال الترمذي: حديث

(1/18)


حسن.
وروى عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " تعوذوا بالله من جب الحزن " قالوا: يارسول الله وما جب الحزن ؟ قال: " واد في جهنم تتعوذ منه جهنم
في كل يوم مائة مرة " قيل: يارسول الله ومن يدخله ؟ قال: " القراء المراءون بأعملهم " قال: هذا حديث غريب.
وفي كتاب أسد بن موسى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن في جهنم لواديا إن جهنم لتتعوذ من ذلك الوادي كل يوم سبع مرات وإن في ذلك الوادي لجبا إن جهنم وذلك الوادي ليتعوذون بالله من شر ذلك الجب وإن فط الجب لحية وإن جهنم والوادي والجب ليتعوذون بالله من شر تلك الحية سبع مرات أعدها الله للاشقياء من حملة القرآن الذين يعصون الله ".
فيجب على حامل القرآن وطالب العلم أن يتقي الله في نفسه ويخلص العمل لله، فإن كان تقدم له شئ مما يكره فليبادر التوبة التوبة والإنابة، وليبتدئ الإخلاص في الطلب.
عمله.
فالذي يلزم حامل القرآن من التحفظ أكثر مما يلزم غيره، كما أن له من الأجر ما ليس لغيره.
وروى الترمذي عن أبي الدرداء قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أنزل اله في بعض الكتب - أوأوحى - إلى بعض الأنبياء قل للذين يتفقهون لغير الدين ويتعلمون لغير العمل ويطلبون الدنيا بعمل الآخر يلبسون للناس مسوك (1) الكباش وقلوبهم كقلوب الذئاب ألسنتهم أحلى من العسل وقلوبهم أمر من الصبر إياي يخادعون وبي يستهزئون لأتيحن لهم فتنة تذر الحليم فيهم حيران ".
وخرج الطبري في كتاب آداب النفوس: حدثنا أبو كريب محمد بن العلاء جدثنا المحاربي عن عمرو بن عامر البجلي عن ابن صدقة عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أو من حدثه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا تخادع الله فإنه من يخادع الله يخدعه الله ونفسه يخدع لو يشعر ".
قالوا يارسول الله، وكيف يخادع الله ؟ قال: " تعمل بما أمرك الله به وتطلب به غيره واتقوا الرياء فإنه الشرك وإن المرائي يدعى يوم القيامة على رءوس الأشهاد بأربعة أسماء ينسب إليها يا كافر يا خاسر يا غادر يا فاجر ضل عملك وبطل
__________
(1) المسوك (جمع مسك، بفتح ثم سكون): الجلد.

(1/19)


أجرك فلا خلاق لك اليوم فالتمس أجرك ممن كنت تعمل له يا مخادع.
وروى علقمة عن
عبد الله بن مسعود قال: كيف أنتم ! لبستكم فتنة يربو فيها الصغير، ويهرم الكبير، وتتخذ سنة مبتدعة يجري عليها الناس فإذا غير منها شئ قيل: غيرت السنة.
قيل: متى ذلك يا أبا عبد الرحمن ؟ قال: إذا كثر قراؤكم.
قل فقهائكم، وكثر أمراؤكم، وقل أمناؤكم، والتمست الدنيا بعمل الآخرة، وتفقه لغير الدين.
وقال سفيان بن عيينة: بلغنا عن ابن عباس أنه قال: لو إن حملة القرآن أخذوه بحقه وما ينبغي لأحبهم الله، ولكن ي لبوا به الدنيا فأبغضهم الله، وهانوا على الناس.
وروى عن أبي جعفر محمد بن علي في قول الله تعالى: " فكبكبوا (1) فيها هم والغاوون " قال: قوم وصفوا الحق والعدل بألسنتهم، وخالفوه إلى غيره..سيأتي لهذا الباب مزيد بيان في أثناء الكتاب إن شاء الله تعالى.
باب ما ينبغي لصاحب القرآن إن يأخذ نفسه به ولا يغفل عنه فأول ذلك أن يخلص في طلبه لله عزوجل كما ذكرنا، وأن يأخذ نفسه بقراءة القرآن في ليله ونهاره، في الصلاة أو في غير الصلاة لئلا ينساه.
وروى مسلم عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إنما مثل صاحب القرآن كمثل صاحب الإبل المعقلة إن عاهد عليها أمسكها وإن أطلقها ذهبت وإذا قام صاحب القرآن فقرأه بالليل والنهار ذكره وإذا لم يقم به نسيه وينبغي له أن يكون لله حامدا، ولنعمه شاكرا، وله ذاكرا، وعليه متوكلا، وبه مستعينا وإليه راغبا، وبه معتصما، وللموت مستعدا.
وينبغي له أن يكون خائفا من ذنبه، راجيا عفو ربه، ويكون الخوف في صحته أغلب عليه، إذا لا يعلم بما يختم له، ويكون الرجاء عند حضور أجله أقوى في نفسه، لحسن الظن بالله، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن بالله الظن ".
أي أنه يرحمه ويغفر له.
وينبغي له أن يكون عالما بأهل زمانه، متحفظا من سلطانه، ساعيا في خلاص نفسه، ونجاة مهجته، مقدما بين يديه ما يقدر عليه من عرض دنياه، مجاهدا لنفسه في ذلك ما استطاع.
وينبغي له أن يكون أهم أموره عنده الورع في دينه، واستعمال تقوق الله ومراقبته فيما أمره به ونهاه عنه.
__________
(1) آية 94 سورة الشعراء.
(*)

(1/20)


وقال ابن مسعود: يبنغي لقارئ القرآن أن يعرف بليله إذا الناس نائمون، وبنهاره إذا الناس مستيقضون، وببكائه إذ الناس يضحكون، وبصمته إذا الناس يخوضون، وبخضوعه إذا الناس يختالون، وبحزنه إذا الناس يفرحون.
وقال عبد الله بن عمرو: لا ينبغي لحامل القرآن أن يخوض مع من يخوض، ولا يجهل مع من يجهل، ولكن يعفو ويصفح لحق القرآن، لأن في جوفه كلام الله تعالى.
وينبغي له أن يأخذ نفسه بالتصاون عن طرق الشبهات، ويقل الضحك والكلام في مجالس القرآن وغيرها بما لا فائدة فيه، ويأخذ نفسه بالحلم والوقار.
وينبغي له أن يتواضع للفقراء، ويتجنب التكبر والإعجاب، ويتجافى عن الدنيا وأبنائها إن خاف على نفسه الفتنة، ويترك الجدال والمراء، ويأخذ نفسه بالرفق والأدب.
وينبغي له أن يكون ممن يؤن شره، ويرجى خيره ويسلم من ضره، وألايسمع ممن نم عنده، ويصاحب من يعاونه على الخير ويدله على الصدق ومكارم الأخلاق ويزينه ولا يشينه، وينبغي له أن يتعلم أحكام القرآن، فيفهم عن الله مراده وما فرض عليه، فينتفع بما يقرأ ويعمل بما يتلو، فكيف يعمل بما لا يفهم معناه، وما أقبح أن يسأل عن فقه ما يتلوه ولايدريه، فما مثل من هذه حالته إلا كمثل الحمار يحمل أسفارا.
وينبغي له أن يعرف المكي من المدني ليفرق بذلك بين ما خاي ب الله به عباده في أول الإسلام، وماندبهم إليه في آخر الإسلام، وما افترض الله في أول الإسلام، وما زاد عليه من الفرائض في آخره.
فالمدني هو الناسخ للمكي في أكثر القرآن، ولا يمكن أن ينسخ المكي المدني، لأن المنسوخ هو المتقدم في النزول قبل الناسخ له.
ومن كماله أن يعرف الإعراب والغريب، فذلك مما يسهل عليه معرفة ما يقرأ، ويزيل عنه الشك فيما يتلو.
وقد قال أبو جعفر الطبيري سمعت الجرمي يقول: أنا منذ ثلاثين سنة أفتي الناس في الفقه من كتاب سيبويه.
قال محمد بن يزيد: وذلك أن أبا عمر الجرمي كان صاحب حديث، فلما علم كتاب سيبويه تفقه في الحديث، إذ كان كتاب سيبويه يتعلم منه النظر والتفسير.
ثم في السنن المأثورة الثابته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم،

(1/21)


فيما يصل إلى مراد الله عزوجل في كتابه وهي تفتح له أحكام القرآن فتحا، وقد قال الضحاك في قوله تعالى: " ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب (1) ".
قال: حق على كل من تعلم القرآن أن يكون فقيها.
وذكر ابن أبي الجوزي قال: أتينا فضيل بن عياض سنة خمس وثمانين ومائة ونحن جماعة، فوقفنا على الباب فلم يأذن لنا بالدخول، فقال بعض القوم: إن كان خارجا لشئ فسيخرج لتلاوة القرآن، فأمرنا قارئا فقرأ فاطلع علينا من كوة، فقلنا: السلام عليك ورحمة الله، فقال وعليكم السلام، فقلنا: كيف أنت يا أبا علي، وكيف حالك ؟ فقال: أنا من الله في عافية ومنكم في أذى، وإن ما أنتم فيه حديث في الإسلام، فإنا لله وإنا إليه راجعون ! ما هكذا كنا نطلب العلم، ولكنا كنا نأتي المشيخة فلا نرى أنفسنا أهلا للجلوس معهم، فنجلس دونهم ونسترق السمع، فإذا مر الحديث سألناهم إعادته وقيدناه، وأنتم تطلبون العلم بالجهل، وقد ضيعتم كتاب الله، ولو طلبتم كتاب الله لوجدتم فيه شفاء لما تريدون، قال: قلنا قد تعلمنا القرآن، قال: إن في تعلمكم القرآن شغلا لأعماركم وأعمار أولادكم، قلنا: كيف يا أبا علي ؟ قال: لن تعلموا القرآن حتى تعرف.
ا إعرابه، ومحكمه من متشابهه، وناسخه من منسوخه، إذا عرفتم ذلك استغنيتم عن كلام فضيل وابن عيينة،، ثم قال: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم " يأيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ئرحمة للمؤمنين.
قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون (2) ".
قلت: فإذا حصلت هذه المراتب لقارئ القرآن كان ماهرا بالقرآن، وعالما بالفرقان، وهو قريب على من قربه عليه، ولا ينتفع بشئ مما ذكرنا حتى يخلص النية فيه لله جل ذكره عند طلبه أو بعد طلبه كما تقدم.
فقد يبتدئ الطالب للعلم يريد به المباهاة والشرف في الدنيا، فلا يزال به فهم العلم حتى يتبين أنه على خطأ في اعتقاده فيتوب من ذلك ويخلص النية لله تعالى
فينتفع بذلك ويحسن حاله.
قال الحسن: كنا نطلب العلم للدنيا فجرنا إلى الآخرة.
وقاله سفيان الثوري.
وقال بن أبي ثابت: طلبنا هذا الأمر وليس لنا فيه نية ثم جاءت النية بعد.
__________
(1) آية 79 سورة آل عمران.
(2) ايتا 57، 58 سورة يونس.
(*)

(1/22)


باب ما جاء في إعراب القرآن وتعليمه والحث عليه، وثواب من قرأ القرآن معربا قال أبو بكر الأنباري: جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن اصحابه وتابعيهم رضوان الله عليهم - من تفضيل إعراب القرآن، والحصن على تعليمه، وذم اللحن وكراهيته - ما وجب به على قراء القرآن أن يأخذوا أنفسهم بالاجتهاد في تعلمه.
من ذلك ما حدثنا يحيى بن سليمان الضبي قال حدثنا محمد - يعني ابن سعيد - قال حدثنا أبو معاوية عن عبد الله بن سعيد المقبري عن أبيه عن جده عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " أعربوا القرآن والتمسوا غرائبه ".
حدثني أبي قال حدثنا إبراهيم ابن الهيثم قال حدثنا آدم - يعني ابن إياس - قال حدثنا أبو الطيب المروزي قال حدثنا عبد الغزيز بن أبي رواد عن نافع عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من قرأ القرآن فلم يعربه وكل به ملك يكتب له كما أنزل بكل حرف عشر حسنات فإن أعرب بعضه وكل به ملكان يكتبان له بكل حرف عشرين حسنة فإن أعربه وكل به أربعة أملاك يكتبون له بكل حرف سبعين حسنة ".
وروى جويبر عن الضحاك قال قال عبد الله ابن مسعود: جودوا القرآن وزينوه بأحسن الأصوات، واعربوه فإنه عربي، والله يحب ان يعرب به.
وعن مجاهد عن ابن عمر قال: أعربوا القرآن.
وعن محمد بن عبد الرحمن ابن زيد قال قال أبو بكر وعمر رضى الله عنهما: لبعض إعراب القرآن أحب إلينا من حفظ حروفه.
وعن الشعبي قال قال عمر رحمه الله: من قرأ القرآن فأعربه كان له عند الله
اجر شهيد.
وقال مكحول: بلغني أن من قرأ بإعراب كان له من الأجر ضعفان ممن قرأ بغير إعراب.
وروى ابن جريح عن عطاء عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أحبوا العرب لثلاث لأني عربي والقرآن عربي وكلام أهل الجنة عربي ".
وروى شفيان عن أبي حمزة قال قيل للحسين في قوم يتعلمون العربية قال: أحسنوا، يتعلموا لغة نبيهم صلى الله عليه وسلم.
وقيل للحسن: إن لنا أماما يلحن، قال: أخروه.

(1/23)


وعن ابن أبي مليكه قال: قدم أعرابي في زمان عمر بن الخطاب رضى الله عنه فقال: من يقرئني مما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم ؟ قال: فأقرأه رجل " براءة "، فقال: " إن الله برئ من المشركين ورسوله ".
بالجر فقال الأعرابي: أوقد برئ الله من رسوله ؟ فإن يكن الله برئ من رس.
له فأنا أبرأ منه، فبلغ عمر مقالة الأعرابي: فدعاه فقال: يا أعرابي أتبرأ من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال يا أمير المؤمنين، إني قدمت المدينة ولاعلم لي بالقرآن، فسألت من يقرئني، فاقرأني هذا سورة " براءة " فقال: " إن الله برئ من المشركين ورسوله "، فقلت أو قد برئ الله من رسوله، أن يكن الله برئ من رسوله فأنا إبرأ منه، فقال عمر: ليس هكذا يا أعرابي، قال: فكيف هي يا أمير المؤمنين ؟ قال " أن الله برئ من المشركين ورسوله " فقال الأعرابي: وأنا أبرأ مما برئ الله ورسوله منه، فأمر عمر ابن الخطاب رضى الله عنه ألايقرئ الناس إلا عالم باللغة، وأمر أبا الاسود (1) فوضع النحو.
وعن علي بن الجعد قال سمعت شعبة يقول: مثل صاحب الحديث الذي لا يعرف العربية مثل الحمار عليه مخلاة لاعلف فيها.
وقال حماد بن سلمة: من طلب الحديث ولم يعلم النحو - أو قال العربية - فهو كمثل الحمار تعلق عليه مخلاة ليس فيها شعير.
قال ابن عطية: إعراب القرآن أصل في الشريعة، لأن بذلك تقوم معانيه التي هي الشرع.
قال ابن الأنباري: وجاء عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وتابعيهم رضوان الله عليهم، من الاحتجاج على غريب القرآن ومشكله باللغة والشعر ما بين صحة مذهب النحويين في ذلك،
وأوضح فساد مذهب من أنكر ذلك عليهم.
من ذلك ما حدثنا عبيد بن عبد الواحد بن شريك البزتز قال حدثنا ابن أبي مريم قال: أنبأنا ابن فروخ قال أخبرني أسامة قال أخبرني عكرمة أن ابن عباس قال: إذا سألتموني عن غريب القرآن فالتمسوه في الشعر، فإن الشعر ديوان العرب.
وحدثنا إدريس بن عبد الكريم قال حدثنا خلف قال حدثنا حماد بن زيد عن علي بن زيد بن جدعان قال سمعت سعيد بن جبير ويوسف بن مهران يقولان: سمعنا ابن عباس يسال عن الشئ بالقرآن، فيقول فيه هكذا وهكذا، أما سمعتم الشاعر يقول كذا وكذا.
وعن عكرمة
__________
(1) يجوز أن يكون أمر أبي الأسود بوضع النحو تكرر من عمر ومن علي.
(*)

(1/24)


عن ابن عباس، وسأله رجل عن قول الله عزوجل: " وثيابك فطهر (1) " قال: لا تلبس ثيابك على غدر، وتمثل بقول غيلان الثقفي: فإني بحمد الله لاثوب غادر * لبست ولامن سوءة اتقنع (2) وسأل رجل عكرمة عن الزنيم قال: هو ولد الزنى، وتمثل ببيت شعر: زنيم ليس يعرف من أبوه * بغى الأم ذو حسب لئيم وعنه أيضا الزنيم: الداعي الفاحش اللئيم، ثم قال: زنيم تداعاه الرجال زيادة * كما زيد في عرض الأديم الأكارع (3).
وعنه في قوله تعالى: " ذواتا أفنان (4) " قال: ذواتا ظل وأغصان، ألم تسمع إلى قول الشاعر: ما هاج شوقك من هديل حمامة * تدعو على فنن الغصون حماما - تدعو أبا فرخين صادف طائرا * ذا مخلبين من الصقور قطاما وعن عكرمة عن ابن عباس في قوله تعالى: " فإذا هم بالساهرة (5) " قال: الأرض، قاله ابن عباس.
وقال أمية بن أبي الصلت، " عندهم (6) لحم بحر ولحم ساهرة ".
قال ابن الأنباري: والرواة يروون هذا البيت: وفيها لحم ساهرة وبحر * وما فاهوا به لهم مقيم
وقال نافع بن الأزرق لابن عباس: أخبرني عن قول الله عزوجل: " لا تأخذه سننة ولانوم " ما السنة ؟ قال: النعاس، قال زهير بن أبي سلمى: لاسنة في طول الليل تأخذه * ولا ينام ولا في أمره فند (7)
__________
(1) آية 4 سورة المدثر.
(2) أورد المؤلف في تفسيز سورة المدثر ج 19 ص 62 هذا البيت برواية أخرى هكذا: فاني بحمد الله لاثوب فاجر * لبست ولامن غدرة أتقنع.
(3) كذا في اللسان والكامل للمبرد.
وفي الأصول: أكارعه ".
(4) آية 48 سورة الرحمن.
(5) آية 14 سورة النازعات.
(6) كذا في الأصول، ولعل ابن عباس يريد ما تضمنه البيت الذي قاله أمية والذي ذكره ابن الأنباري فيما يلي، وسيأتي للمصنف في تفسير سورة النازعات ج 19 ص 197 هذا البيت.
(7) الفند (بالتحريك): ضعف الرأي من الكبر، وقد يستعمل في غير الكبر.
(*)

(1/25)


باب ما جاء في فضل تفسير القرآن وأهله قال علماؤنا رحمة الله عليهم: وأما ما جاء في فضل التفسير عن الصحابة والتابعين، فمن ذلك: أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ذكر جابر بن عبد الله ووصفه بالعلم، فقال له رجل: جعلت فداءك ! تصف جابر بالعلم وأنت أنت ! فقال: إنه كان يعرف تفسير قوله تعالى " إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد (1) ".
وقال مجاهد: أحب الخلق إلى الله تعالى أعلمهم بما أنزل.
وقال الحسن: والله ما أنزل الله آية إلا أحب أن يعلم فيما أنزلت وما يعني بها.
وقال الشهبي: رحل مسروق إلى البصرة في تفسير آية، فقيل له: إن الذي يفسرها رحل إلى الشام: فتجهز ورحل إلى الشام حتى علم تفسيرها.
وقال عكرمة في قوله عزوجل: " ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله (2) " طلبت اسم هذا الرجل [ الذي
خرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله (3) ] أربع عشرة سنة حتى وجدته.
وقال ابن عبد البر: هو ضمرة بن حبيب، وسيأتي.
وقال ابن عباس: مكثت سنتين أريد أن أسأل عمر عن المرأتين اللتين تظاهرتا على رسول الله صلى اله عليه وسلم، ما يمنعني إلا مهابته، فسألته فقال: هي حفصة وعائشة.
وقال أياس بن معاوية: مثل الذين يقرءون القرآن وهم لا يعلمون تفسيره، كمثل قوم جاءهم كتاب من ملكهم ليلا وليس عندهم مصباح، فتداخلتهم روعة ولا يدرون ما في الكتاب، ومثل الذي يعرف التفسير كمثل رجل جاءهم بمصباح فقرءوا ما في الكتاب.
باب ما جاء في حامل القرآن ومن هو، وفيمن عاداه قال أبو عمر: روى من وجوه فيها لين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " من تعظيم جلال الله إكرام ثلاثة: الإمام المقسط وذي الشيبة وحامل القرآن غير الغالي فيه ولا الجافي عنه ".
وقال أبو عمر: وحملة القرآن هم العلمون بأحكامه، وحلاله وحرامه، والعاملون بما فيه.
وروى أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " القرآن أفضل من كل شئ فمن وقر القرآن فقد وقر الله ومن استخف بالقرآن استخف بحق الله تعالى حملة القرآن هم المحفوفون برحمة الله المعظمون كلام الله الملبسون نور الله فمن والهم فقد والى اللع ومن عاداهم فقد استخف بحق الله تعالى ".
__________
(1) آية 85 سورة القصص.
(2) آية 100 سورة النساء.
(3) الزيادة من تفسير قطب الدين الشيرازي.
(*)

(1/26)


باب ما يلزم قارئ القرآن وحامله من تعظيم القرآن وحرمته قال الترمذي الحكيم أبو عبد الله في نوادر الأصول: " فمن حرمة القرآن ألا يمسه إلاطاهرا.
ومن حرمتة أن يقرأه على طهارة.
ومن حرمته أن يستاك ويتحلل فيطيب فاه، إذ هو طريقه.
- قال يزيد بن أبي مالك: إن أفواهكم طرق من طرق القرآن، فطهروها ونظفوها
ما استطعتم.
- ومن حرمته أن يتلبس (1) كما يتلبس للدخول على الأمير لأنه مناج.
ومن حرمته أن يستقبل القبلة لقراءته.
- وكان أبو العالية إذا قرأ اعتم ولبس وآرتدى واستقبل القبلة.
- ومن حرمته أن يتمضمض كلما تنخع (2).
روى شعبة عن أبي حمزة عن ابن عباس: أنه كان يكون بين يديه تور (3) إذا تنخع مضمض، ثم أخذ في الذكر، وكان كلما تنخع مضمض.
ومن حرمته إذا تثائب أن يمسك عن القراءة لأنه أذا قرأ فهو مخاطب ربه ومناج، والتثاؤب من الشيطان.
- قال مجاهد: إذا تثاءبت وأنت تقرأ القرآن فأمسك عن القرآن تعظيما حتى يذهب تثاؤبك.
وقاله عكرمة.
يريد أن في ذلك الفعل إجلالا للقرآن -.
ومن حرمته أن يستعيذ بالله عند ابتدائه للقراءة من الشيطان الرجيم، ويقرأ بسم الله الرحمن الرحيم إن كان ابتدأ قراءته من أول السورة أو من حيث بلغ.
ومن حرمته إذا أخذ في القرءة لم يقطعها ساعة فساعة بكلام الآدميين من غير ضرورة.
ومن حرمته أن يخلو بقراءته حتى لا يقطع عليه أحد بكلام فيخلطه بجوابه، لأنه إذا فعل ذلك زال عنه سلطان الاستعاذة الذي استعاذ في البدء.
ومن حرمته أن يرأه على تؤدة وترسيل وترتيل.
ومن حرمته أن يستعمل فيه ذهنه وفهمه حتى يعقل مايخاطب به.
ومن حرمته أن يقف على آية الوعد فيرغب إلى الله تعالى ويسأله من فضله، وأن يقف على آية الوعيد فيستجير بالله منه.
ومن حرمته أن يقف على أمثاله فيتمثلها.
ومن حرمته أن يلتمس غرائبه (4).
ومن حرمته أن يؤدي لكل حرف حقه من الأداء حتى يبرز الكلام باللفظ تماما، فإن بكل حرف عشر حسنات.
ومن حرمته إذا انتهت قراءته أن يصدق ربه، ويشهد بالبلاغ
__________
(1) يقال: تلبس بالثوب بمعنى لبسه.
(2) تنخع كتنخم وزنا ومعنى.
(3) التور، إناء يشرب فيه.
(4) في نوادر الأصول: " إعرابه ".
وكلاهما مروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد روى أبو هريرة عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: " أعربوا القرآن والتمسوا غرائبه " رواه الحاكم والبيهقي.
(*)

(1/27)


لرسوله صلى الله عليه وسلم، ويشهد على ذلك أنه حق، فيقول: صدقت ربن وبلغت رسلك، ونحن على ذلك من الشاهدين، اللهم اجعلنا من شهداء الحق، القائمين بالقسط، ثم يدعو بدعوات.
ومن حرمته إذا قرأه ألا يلتقظ الآي من كل سورة فيقرأها، فإنه روى لنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه مر ببلال وهو يقرأ من كل سورة شيئا، فأمره أن يقرأ السورة كلها أو كما قال عليه السلام.
ومن حرمته إذا وضع المصحف الايتركه منشورا، وألايضع فوقه شيئا من الكتب حتى يكون أبدا عاليا لسائر الكتب، علما كان أو غيره.
ومن حرمته أن يضعه في حجره إذا قرأه أو على شئ بين يديه ولا يضعه بالارض.
ومن حرمته ألا يمحوه من اللوح بالبصاق ولكن يغسله بالماء.
ومن حرمته إذا غسل بالماء أن يتوقى النجاسات من المواضع، والماقع التي توطأ، فإن لتلك الغسالة حرمة، وكان من قبلنا من السلف منهم من يستشفى بغسالته.
ومن حرمته ألا يتخذ الصحيفة إذا بليت ودرست وقاية للكتب، فإن ذلك جفاء عظيم، ولكن يمحوها بالماء.
ومن حرمته ألا يخلى يوما من أيامه من النظر في المصحف مرة، وكان أبو موسى يقول: إني لأستحيى ألا أنظر كل يوم في عهد ربي مرة.
ومن حرمته أن يعطي عينيه حظهما من، فإن العين نؤدي إلى النفس، وبين النفس والصدر حجاب، والقرآن في الصدر، فإذا قرأه عن ظهر قلب فانما يسمع أذنه فتؤدى إلى النفس، فأذا نظر في الخط كانت العين والاذن قد اشتركتا في الأداء وذلك أوفر للأداء، وكان قد أخذت العين حظها كاالأذن.
روى زيد ابن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أعطوا أعينكم حظها من العبادة " قالوا: يارسول الله وما حظها من العبادة ؟ قال: " النظر في المصحف والتفكر فيه والاعتبار عند عجائبه ".
وروى مكحول عن عبادة بن الصامت قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أفضل عبادة أمتي قراءة القرآن نطرا ".
ومن حرمته ألا يتأوله عندما يعرض له شئ من أمر ادنيا.
- حدثنا عمرو بن زياد الحنظلي قال حدثنا هشيم بن بشير عن المغيرة عن إبراهيم قال: كان يكره أن يتأول شي من القرآن عند ما يعرض له شئ من أمر الدنيا، - والتأويل مثل قولك للرجل إذا جاءك: جئت على قدر

(1/28)


يا موسى، ومثل قوله تعالى: " كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية (1) " هذا عند حضور الطعام وأشباه هذا.
وومن حرمته الايقال: سورة كذا، كقولك: سورة النحل وسورة البقرة والنساء، ولكن يقال: السورة التي يذكر فيها كذا.
- قلت: هذا يعارضه قوله صلى الله عليه وسلم: " الآيتان من آخر سورة البقرة من قرأ بهما في ليلة كفتاه " خرجه البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن مسعود.
- و.
من حرمته ألايتلى منكوسا كفعل معلمي الصبيان، يلتمس أحدهم بذلك أن يرى الحذق من نفسه والمهارة، فإن تلك مخالفة.
ومن حرمته ألا يقعر في قراءته كفعل هؤلاء الهمزيين المبتدعين المتنطعين في إبراز الكلام من تلك الأفواه المنتنة تكلفا، فإن ذلك محدث ألقاه إليهم الشيطان فقبلوه عنه.
ومن حرمته ألا يقرأه بألحان الغناء إلحون أهل الفسق، ولابترجيع النصارى ولانوح الرهبانية، فإن ذلك كله زيغ وقد تقدم.
ومن حرمته أن يجلل تخطيطه إذا خطه.
وعن أبي حكيمة أنه كان يكتب المصاحف بالكوفة، فمر علي رضى الله عنه فنظر إلى كتابته فقال له: أجل قلمك، فأخذت القلم فقططته من طرفه قطا، ثم كتبت وعلي رضى الله قائم ينظر إلى كتابني، فقال: هكذا، نوره كما نوره الله عزوجل.
ومن حرمته ألايجهر بعض على بعض في القراءة فيفسد عليه حتى يبغض إليه ما يسمع ويكون كهيئة المغالبة.
ومن حرمته ألايمارى ولا يجادل فيه في القراءات، ولا يقول لصتحبه: ليس هكذل هو، ولعله أن تكون تلك القراءة صحيحة جائزة من القرآن، فيكون قد جحد كتاب الله.
ومن حرمته ألا يقرأ في الأسواق ولا في مواطن اللغط واللغو ومجمع السفهاء، ألا ترى أن الله تعالى ذكر عباد الرحمن وأثنى عليهم بأنهم إذا مروا باللغو مروا كراما، هذا لمروره بنفسه، فكيف إذا مر بالقرآن الكريم تلاوة بين ظهراني أهل اللغو ومجمع السفهاء.
ومن حرمته ألا يتوسد المصحف ولا يعتمد عليه، ولايرمي به ألى صاحبه إذا أراد أن يناوله.
ومن حرمته ألا يصغر المصحف، روى الأعمش عن إبراهيم عن علي رضى الله عنه قال: لا يصغر المصحف.
قلت: وروى عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه أنه رأى مصحفا في يد رجل فقال: من كتبه ؟ قال: أنا، فضربه بالدرة، وقال: عظموا القرآن.
وروى عن رسول * 0 هامش) * (1) اية 24 سورة الحاقة.
(*)

(1/29)


الله صلى الله عليه وسلم أنه نهى أن يقال: مسيجد أو مصيحف.
- ومن حرمته ألا يخلي فيه مليس منه.
ومن حرمته ألا يحلى بالذهب ولا يكتب بالذهب فتخلط به زينة الدنيه: وروى مغيرة عن إبراهيم: أنه كان يكره أن يحلى المصحف أو يكتب بالذهب أو يعلم عند رئوس الآى أو يصغر.
وعن أبي الدرداء قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذا زخرفتم مساجدكم وحليتم مصاحفكم فالدبار (1) عليكم ".
وقال ابن عباس وقد رأى مصحفا زين بفضة: تغرون به السارق وزينته في جوفه.
ومن حرمته ألا يكتب على الأرض ولا على حائط كما يفعل به في المساجد المحدثة.
حدثنا محمد بن علي الشقبقي عن أبيه عن عبد الله بن المبارك عن سفيان عن محمد بن الزبير قال: سمعت عمر بن عبد العزيز يحدث قال: مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بكتاب في أرض، فقال لشاب من أهل هذيل: " ماهذا: قال: من كتاب الله كتبه يهودي، فقال: " لعن الله من فعل هذا لا تضعوا كتاب الله إلا موضعه ".
قال محمد بن الزبير: رأى عمر بن عبد العزيز ابنا له يكتب القرآن على حائط فضربه.
ومن حرمته أنه إذا اغتسل بكتابته مستشفيا من سقم ألا يصبه على كناسة، ولا في موضع نجاسة، ولا على موضع يوطأ، ولكن ناحية من الأرض في بقعة لايطؤه الناس، أو يحفر حفيرة في موضع طاهر حتى ينصب من جسده في تلك الحفيرة ثم يكبسها، أو في نهر كبير يختلط بمائه فيجري.
ومن حزمته أن يفتتحه كلما ختمه حتى لا يكون كهيئة المهجور، ولذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ختم يقرأ من أول القرآن قدر خمس آيات، لئلا يكون في هيئة المهجور.
وروى ابن عباس قال جاء رجل فقال: يارسول الله، أي العمل أفضل ؟ قال: " عليك بالحال المرتحل " قال: وما الحال المرتحل ؟ قال: " صاحب القرآن يضرب من
أوله حتى يبلغ آخره ثم يضرب في أوله كلما حل ار تحل ".
- قلت: ويستحب له إذا ختم القرآن أن يجمع أهله.
وذكر أبو بكر لأنباري أنبأنا إدريس حدثنا حلف حدثنا وكع عم معسر عن قتادة: أن أنس بن مالك كان إذا ختم القرآن جمع.
__________
(1) الدبار: الهلاك.
وفي نوادر الأصول: " فالدمار " بالميم بدل الباء الموحد.
(*)

(1/30)


اهله ودعا.
واخبرنا ادريس حدثنا جرير عن منصور عن الحكم قال: كان مجاهد وعبدة بن لبابة وقوم يعرضون المصاحف، فإذا ارادوا ان يختموا وجهوا الينا: احضرونا، فإن الرحمة تنزل عند ختم القران.
واخبرنا ادريس حدثنا خلف حدثنا هشيم عن العوام عن ابراهيم التيمي قال: من ختم القران اول النهار صلت عليه الملائكة حتى يمسى ومن ختم اول الليل صلت عليه الملائكة حتى يصبح، قال: فكانوا يستحبون ان يختموا اول الليل واول النهار.
- ومن حرمته الا يكتب التعاويذ منه ثم يدخل به في الخلاء الا ان يكون في غلاف من ادم أو فضة أو غيره، فيكون كأنه في صدرك ومن حرمته إذا كتبه وشربه سمى الله على كل نفس وعظم النية فيه فان الله يؤتيه على قدر نيته.
روى ليث عن مجاهد قال: لا بأس ان تكتب القرآن ثم تسقيه المريض.
وعن ابي جعفر قال: من وجد في قلبه قساوة فليكتب " يس " في جام بزعفران ثم يشربه.
قلت: ومن حرمته الا يقال: سورة صغيرة وكره أبو العالية ان يقال: سورة صغيرة أو كبيرة وقال لمن سمعه قالها: انت اصغر منها، واما القران فكله عظيم، ذكره مكى رحمه الله.
قلت: وقد روى أبو داود ما يعارض هذا من حديث عمر بن شعيب عن ابيه عن جده انه قال: مامن المفصل سورة صغيرة ولا كبيرة الا قد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤم بها الناس في الصلاة.
باب ما جاء من الوعيد في تفسير القران بالرأى، والجرأة على ذلك، ومراتب المفسرين
روى عن عائشة رضى الله عنها قالت: ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفسر من كتاب الله الا ايا بعدد: علمه اياهن جبريل.
قال ابن عطية: ومعنى هذا الحديث في مغيبات القران، وتفسير مجمله ونحوا هذا، مما لا سبيل إليه الا بتوفيق من الله تعالى، ومن جملة مغيباته ما لم يعلم الله به، كوقت قيام الساعة ونحوها مما يستقرى من الفاظه، كعدد

(1/31)


النفخات في الصور، وكربتة خلق خلق السموات والارض.
روى الترمذي عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: اتقوا الحديث على الا ما علمتم فمن كذب على متعمدا فليتبوأ مقعده من النار ومن قال في القران برأيه فليتبوأ مقعده من النار.
وروى ايضا عن جندب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من قال في القران برأيه فأصاب فقد اخطأ.
قال: هذا حديث غريب.
واخرجه أبو داود وتكلم في احد رواته.
(1) وزاد رزين: ومن قال برأيه فأخطأ فقد كفر.
قال أبو بكر محمد بن القاسم بن بشار بن محمد الانباري النحوي اللغوي في كتاب الرد: فسر حديث ابن عباس تفسيرين، احدهما - من قال في مشكل القران بما لا يعرف من مذهب الاوائل من الصحابة والتابعين فهو متعرض لسخط الله.
والجواب الاخر - وهو اثبت القولين واصحهما معنى -: من قال القران قولا يعلم ان الحق غيره فليتبوأ مقعده من النار.
ومعنى يتبوأ: ينزل ويحل، قال الشاعر: وبوئت في صميم معشرها * فتم في قومها مبوؤها (2) وقال في حديث جندب: فحمل بعض اهل العلم هذا الحديث على ان الرأى معنى به الهوى، من قال في القران قولا يوافق هواه، لم يأخذه عن ائمة السلف فأصاب فقد اخطأ، لحكمه على القران بما لا يعرف اصله، ولا يقف على مذهب اهل الأثر والنقل فيه.
وقال ابن عطية: " ومعنى هذا ان يسأل الرجل عن معنى في كتاب الله عزوجل فيتسور عليه برأيه دون نظر فيما قال العلماء، واقتضته قوانين العلم كالنحو والاصول، وليس يدخل في هذا الحديث ان يفسر اللغويون لغته والنحويون نحوه والفقهاء معانيه، ويقول كل واحد باجتهاده
المبنى على قوانين علم ونظر، فإن القائل على هذه الصفة ليس قائلا بمجرد رأيه ".
__________
(1) قوله: احد رواته.
هو سهيل بن ابي حزم واسمه مهران ويقال: عبد الله.
(2) جاء في لسان العرب مادة بوأ تفسيرا لهذا البيت: " اي نزلت من الكرم في صميم النسب ".
(3) قوله: فيتسور عليه.
تسور الحائط.
هجم مثل اللص.
ويغنى به هنا التهجم والاقدام بغير بصيرة ولا تدبر.
(*)

(1/32)


قلت: هذا صحيح وهو الذي اختاره غير واحد من العلماء، فإن من قال فيه بما سنح في وهمه وخطر على باله من غير استدلال عليه بالاصول فهو مخطئ، وان من استنبط معناه بحمله على الاصول المحكمة المتفق على معناها فهو ممدوح.
وقال بعض العلماء: ان التفسير موقوف على السماع، لقوله تعالى: " فإن تنازعتم في شئ فردوه الى الله والرسول " (1) وهذا فاسد لأن النهي عن تفسير القران لا يخلو: اما ان يكون المراد به الاقتصار على النقل والمسموع وترك الاستنباط، أو المراد به امرا اخر.
وباطل ان يكون المراد به الا يتلكم احد في القران الا بما سمعه، فإن الصحابة رضى الله عنهم قد قرءوا القران واختلفوا في تفسيره على وجوه، وليس كل ما قالوه سمعوه من النبي صلى الله عليه وسلم، فان كان التأويل مسموعا كالتنزيل فما فائدة تخصيصه بذلك ! وهذا بين لا اشكال فيه، وسيأتي لهذا مزيد بيان في سورة " النساء " ان شاء الله تعالى، وانما النهي يحمل على احد وجهين: احدهما - ان يكون له في الشئ رأي، واليه ميل من طبعه وهواه، فيتأول القران على وفق رأيه وهواه، ليحتج على تصحيح غرضه، ولو لم يكن له ذلك الرأى والهوى لكان لا يلوح له من القران ذلك المعنى.
وهذا النوع يكون تارة مع العلم كالذي يحتج ببعض آيات القران على تصحيح بدعته، وهو يعلم ان ليس المراد بالاية ذلك، ولكن مقصوده ان يلبس على خصمه، وتارة يكون مع الجهل، وذلك إذا كانت الاية محتملة فيميل فهمه الى الوجه الذي يوافق غرضه، ويرجح ذلك الجانب برأيه وهواه، فيكون قد فسر برأيه اي رأيه حمله
على ذلك التفسير، ولولا رأيه لما كان يترجح عنده ذلك الوجه.
وتارة يكون له غرض صحيح فيطلب له دليلا من القران ويستدل عليه بما يعلم انه ما اريد به، كمن يدعو الى مجاهدة القلب القاسي فيقول قال الله تعالى: " اذهب الى فرعون انه طغى " (2) ويشير الى قلبه، ويومئ الى انه المراد بفرعون، هذا الجنس قد يستعمله بعض الوعاظ في المقاصد الصحيحة تحسينا للكلام وترغيبا للمستمع، وهو ممنوع لانه قياس في اللغة، وذلك غير جائز.
وقد تستعمله
__________
(1) اية 59 سورة النساء.
(2) اية 24 سورة طه.
(*)

(1/33)


الباطنية في المقاصد الفاسدة لتغرير الناس ودعوتهم الى مذاهبهم الباطلة، فينزلون القران على وفق رأيهم ومذهبهم على أمور يعلمون قطعا انها غير مرادة.
فهذه الفنون احد وجهى المنع من التفسير بالرأى.
الوجه الثاني - ان يتسارع الى تفسير القران بظاهر العربية، من غير استظهار بالسماع والنقل فيما يتعلق بغرائب القران وما فيه من الالفاظ المبهمة والمبدلة (1)، وما فيه من الاختصار والحذف والاضمار والتقديم والتأخير، فمن لم يحكم ظاهر التفسير وبادر الى استنباط المعاني بمجرد فهم العربية كثر غلطه، ودخل في زمرة من فسر القران بالرأى، والنقل والسماع لا بدله منه في ظاهر التفسير اولا ليتقى به مواضع الغلط، ثم بعد ذلك يتسع الفهم والاستنباط.
والغرائب التي لا تفهم الا بالسماع كثيرة، ولا مطمع في الوصل الى الباطن قبل احكام الظاهر، الا ترى ان قوله تعالى: " واتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها " (2) معناه آية مبصرة فظلموا انفسهم بقتلها، فالناظر الى ظاهر العربية يظن ان المراد به ان الناقة كانت مبصرة، ولا يدري بماذا ظلموا، وانهم ظلموا غيرهم وانفسهم، فهذا من الحذف والاضمار، وامثال هذا في القران كثير، وما عدا هذين الوجهين فلا يتطرق النهى إليه.
والله اعلم.
قال ابن عطية: " وكان جلة من السلف الصالح كسعيد بن المسيب وعامر الشعبي
وغيرهما يعظمون تفسير القران ويتوقفون عنه تورعا واحتياطا لانفسهم مع ادراكهم وتقدمهم ".
قال أبو بكر الانباري: وقد كان الائمة من السلف الماضي يتورعون عن تفسير المشكل من القران، فبعض يقدر ان الذي يفسره لا يوافق مراد الله عزوجل فيحجم عن القول.
وبعض يشفق من ان يجعل في التفسير اماما يبني على مذهبه ويقتفى طريقه.
فلعل متأخرا ان يفسر حرفا برأيه ويخطئ فيه ويقول: امامى في تفسير القران رضي الله عنه عن تفسير حرف من القران فقال: اي سماء تظلني، واي ارض تقلني ! وأين أذهب ! كيف أصنع ! إذا قلت في حرف من كتاب الله بغير ما اراد تبارك وتعالى.
__________
(1) هكذا في كل النسخ التي بأيدينا.
(2) آية 59 سورة الاسراء.
(*)

(1/34)


قال ابن عطية " وكان جلة من السلف كثير عددهم يفسرون القران وهم ابقوا (1) على المسلمين في ذلك رضي الله عنهم، فأما صدر المفسرين والمؤيد فيهم فعلي بن ابي طالب رضي الله عنه، ويتلوه عبد الله بن عباس وهو تجرد للامر وكمله، وتبعه العلماء عليه كمجاهد وسعيد بن جبير وغيرهما، والمحفوظ عنه في ذلك اكثر من المحفوظ على على ".
وقال ابن عباس: ما اخذت من تفسير القران لعن على بن ابي طالب.
وكان على رضي الله عنه يثني على تفسير ابن عباس ويحض على الاخذ عنه، وكان ابن عباس يقول: نعم ترجمان القران عبد الله بن عباس.
وقال عنه على رضي الله عنه: ابن عباس كأنما ينظر الى الغيب من ستر رقيق.
ويتلوه عبد الله ابن مسعود وابي بن كعب وزيد بن ثابت وعبد الله بن عمرو بن العاص.
وكل ما اخذ عن الصحابة فحسن مقدم لشهودهم التنزيل ونزوله بلغتهم.
وعن عامر بن واثلة قال: شهدت على بن ابي طالب رضي الله عنه يخطب فسمعته يقول في خطبته: سلوني، فوالله لا تسألوني عن شئ يكون الى يوم القيامة الا حدثتكم به، سلوني عن كتاب الله، فوالله ما من آية الا انا اعلم أبليل نزلت اما بنهار، ام في سهل نزلت ام في جبل، فقام إليه ابن الكواء (2) فقال:
يا امير المؤمنين، ما الذاريات ذروا ؟ وذكر الحديث.
وعن المنهال بن عمرو قال قال عبد الله ابن مسعود: لو اعلم احدا اعلم بكتاب الله منى تبلغه المطى لأتيته، فقال له الرجل: اما لقيت علي بن ابي طالب ؟ فقال: بلى، قد لقيته.
وعن مسروق قال: وجدت اصحاب محمد صلى الله عليه وسلم مثل الاخاذ يروى الواحد والاخاذ يروى الاثنين، والاخاذ لو ورد عليه الناس اجمعون لاصدرهم، وان عبد الله بن مسعود من تلك الاخاذ (3).
ذكر هذه المناقب أبو بكر الانباري في كتاب الرد، وقال: الاخاذ عند العرب: الموضع الذي يحبس الماء كالغدير.
قال أبو بكر: حدثنا احمد بن الهيثم بن خالد حدثنا احمد بن عبد الله بن يونس حدثنا سلام عن
__________
(1) من قولهم: ابقيت على فلان إذا اشفقت عليه روحمته.
(2) اسمه عبد الله بن ابي أو في اليشكري كما في تاريخ الطبري في عدة مواضع.
(3) قوله: من تلك الآخاذ.
يعني ان فيهم والكبير، والعالم والاعلم.
(*)

(1/35)


زيد العمى (1) عن ابي الصديق الناجي عن ابي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ارحم امتي بها أبو بكر واقواهم في دين الله عمر واصدقهم حياء عثمان واقضاهم علي وافرضهم زيد واقرؤوهم لكتاب الله عزوجل ابي بن كعب واعلمهم بالحلال والحرام معاذ ابن جبل وامين هذه الامة أبو عبيدة بن الجرح وابو هريرة وعاء من العلم وسلمان بحر من علم لا يدرك وما اظلت الخضراء ولا اقلت الغبراء - أو قال البطحاء - من ذي لهجة اصدق من ابي ذر ".
قال ابن عطية: " ومن المبرزين في التابعين الحسن البصري ومجاهد وسعيد بن جبير وعلقمة.
قرأ مجاهد على ابن عباس قراءة تفهم ووقوف عند كل آية، ويتلوهم عكرمة والضحاك وان كان لم يلق ابن عباس، وانما اخذ عن ابن جبير، واما السدى فكان عامر الشعبي يطعن عليه وعلى ابى صالح، لانه يراهما مقصرين في النظر ".
قلت: وقال يحيى بن معين: الكلبي ليس بشئ.
وعن يحيى بن سعيد القطان عن سفيان قال قال الكلبي قال أبو صالح: كل ما حدثتك كذب.
وقال حبيب بن ابي ثابت:
كنا نسميه الدروغ زن (2) - يعني ابا صالح مولى ام هانئ - والدروغ زن: هو الكذاب بلغة الفرس.
ثم حمل تفسير كتاب الله تعالى عدول كل خلف، كما قال صلى الله عليه وسلم: " يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين ".
خرجه أبو عمر وغيره.
قال الخطيب أبو بكر احمد بن على البغدادي: وهذه شهادة من رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنهم اعلام الدين وائمة المسلمين لحفظهم الشريعة من التحريف، والانتحال للباطل، ورد تأويل الابله الجاهل، وانه يجب الرجوع إليهم، والمعول في امر الدين عليهم، رضي الله عنهم.
__________
(1) جاء في حاشية بهامش الاصل: انه سمى زيدا العمى لانه كان ينادى من رآه بياعم.
وجاء في تهذيب التهذيب عند الكلام على اسم زيد المذكور: انه زيد بن الحوارى أبو الحوارى العمى، وهو مولى زياد بن ابيه ولقب بذلك لأنه كان إذا سئل عن الشئ يقول: حتى اسأل عمي.
(2) اسمه باذام، وقيل: باذان، بمعجمة بين الفين.
يروي عن علي وابن عباس ومولاته ام هاني، كما في تهذيب التهذيب.
(*)

(1/36)


قال ابن عطية: " وألف الناس فيه كعبد الرزاق والمفضل وعلي بن ابي طلحة والبخاري وغيرهم.
ثم ان محمد بن جرير - رحمه الله - جمع على الناس اشتات التفسير، وقرب البعيد منها وشفى في الاسناد ومن المبرزين من المتأخرين أبو اسحاق الزجاج وابو علي الفارسي، واما أبو بكر النقاش وابو جعفر النحاس فكثير ما استدرك الناس عليهما.
وعلى سننهما مكى بن ابي طالب رضي الله عنه.
وابو العباس المهدوي متقن التأليف، وكلهم مجتهد مأجور رحمهم الله، ونضر وجوههم ".
باب تبيين الكتاب بالسنة، وما جاء في ذلك قال الله تعالى: " وانزلنا اليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم " (1).
وقال تعالى: " فليحذر الذين يخلفون عن امره ان تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب اليم " (2).
وقال تعالى:
" وانك لتهدى الى صراط مستقيم " (3) وفرض طاعته في غير آية من كتابه وقرنها بطاعته عزوجل، وقال تعالى: " وما اتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا " (4) ذكر ابن عبد البر في كتاب العلم له عن عبد الرحمن بن زيد: انه رأى محرما عليه ثيابه فنهى المحرم، فقال: ايتني بآية من كتاب الله تنزع ثيابي، قال: فقرأ عليه " وما اتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ".
وعن هشام بن حجير قال: كان طاوس يصلى ركعتين بعد العصر، فقال ابن عباس: اتركهما، فقال: انما نهى عنهما ان تتخذا سنة، فقال ابن عباس: قد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صلاة بعد العصر، فلا ادري اتعذب عليهما ام تؤجر، لان الله تعالى قال: " وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله امرا ان يكون لهم الخيرة من امرهم " (5).
وروى أبو داود عن المقدام بن معد يكرب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال: " الا واني قد اوتيت الكتاب ومثله معه الا يوشك رجل شعبان على اريكته يقول عليكم بهذا القران فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه وما وجدتم فيه من حرام فحرموه
__________
(1) اية 44 سورة النحل.
(2) آية 63 سورة النور.
(3) آية 52 سورة الشورى.
(4) آية 7 سورة الحشر.
(5) آية 36 سورة الاحزاب.
(*)

(1/37)


الا يحل لكم الحمار الاهلى ولا كل ذي ناب من السباع ولا لقطة معاهد الا ان يستغني عنها صاحبها ومن نزل بقوم فعليهم ان يقروه فإن لم يقروه فله ان يعقبهم بمثل قراه ".
قال الخطابي: قوله " اوتيت الكتاب ومثله معه " يحتمل وجهين من التأويل: احدهما - ان معناه انه اوتى من الوحى الباطن غير المتلو، مثل ما اعطى من الظاهر المتلو.
والثاني - انه اوتى الكتاب وحيا يتلى، واوتى من البيان مثله، اي اذن له ان يبين ما في الكتاب فيعم
ويخص ويزيد عليه ويشرع ما في الكتاب، فيكون في وجوب العمل به ولزوم قبوله كالظاهر المتلو من القران.
وقوله: " يوشك رجل شبعان " الحديث.
يحذر بهذا القول من مخالفة السنن التي سنها مما ليس له في القران ذكر على ما ذهبت إليه الخوارج والروافض، فانهم تعلقوا بظاهر القران وتركوا السنن التي قد ضمنت بيان الكتاب، قال: فتحيروا وضلوا، قال والاريكة: السرير، ويقال: انه لا يسمى اريكة حتى يكون في حجلة (1)، قال: وانما اراد بالاريكة اصحاب الترفه والدعة الذين لزموا البيوت لم يطلبوا العلم من مظانه.
وقوله: " الا ان يستغنى عنها صاحبها " معناه ان يتركها صاحبها لمن اخذها استغناء عنها، كقوله: " فكفروا وتولوا واستغنى الله (2) معناه تركهم الله استغناء عنهم.
وقوله: " فله ان يعقبهم بمثل قراه هذا في حال المضطر الذي لا يجد طعاما ويخاف التلف على نفسه، فله ان يأخذ من مالهم بقدر قراه عوض ما حرموه من قراه.
" ويعقبهم " يروى مشددا ومخففا من المعاقبة، ومنه قوله تعالى: " وان عاقبتم " (3) اي فكانت الغلبة لكم فغنتم منهم، وكذلك لهذا ان يغنم من اموالهم بقدر قراه.
قال: وفي الحديث دلالة على انه لا حاجة بالحديث الى ان يعرض على الكتاب، فانه مهما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان حجة بنفسه، قال: فأما ما رواه بعضهم انه قال: " إذا جاءكم الحديث فاعرضوه على كتاب الله فان وافقه فخذوه وان لم يوافقه فردوه " فانه حديث لا اصل له.
ثم البيان منه صلى الله عليه وسلم على ضربين: بيان لمجمل في الكتاب، كبيانه للصلوات الخمس في مواقيتها وسجودها وركوعها وسائر احكامها، وكبيانه لمقدار الزكاة ووقتها وما الذي
__________
(1) الحجلة: مثل القبة.
(2) آية 6 سورة التغابن.
(3) آية 126 سورة النحل.

(1/38)


تؤخذ منه من الاموال، وبيانه لمناسك الحج، قال صلى الله عليه وسلم إذ حج بالناس: " خذوا
عنى مناسككم ".
وقال: " صلوا كما رأيتموني اصلي ".
اخرجه البخاري.
وروى ابن المبارك عن عمران بن حصين انه قال لرجل احمق، اتجد الظهر في الكتاب الله اربعا لا يجهر فيها بالقراءة ! ثم عدد عليه الصلاة الزكاة ونحو هذا، ثم قال: اتجد هذا في كتاب الله مفسرا ! ان كتاب الله تعالى ابهم هذا، وان السنة تفسر هذا.
وروى الاوزاعي عن حسان بن عطية قال: كان الوحي ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحضره جبريل بالسنة التي تفسر ذلك.
وروى سعيد بن منصور: حدثنا عيسى ابن يونس عن الاوزاعي عن مكحول قال: القران احوج الى السنة من السنة الى القران.
وبه عن الاوزاعي قال قال يحيى بن ابي كثير: السنة قاضية على الكتاب، وليس الكتاب بقاض على السنة.
قال الفضل بن زياد: سمعت ابا عبد الله - يعني احمد بن حنبل - وسئل عن هذا الحديث الذي روى ان السنة قاضية على الكتاب فقال: ما اجسر على هذا ان اقوله، ولكني اقول: ان السنة تفسر الكتاب وتبينه.
وبيان اخر وهو زيادة على حكم الكتاب كتحريم نكاح المرأة على عمتها وخالتها، وتحريم الحمر الاهلية وكل ذي ناب من السباع، والقضاء باليمين مع الشاهد وغير ذلك، على ما يأتي بيانه ان شاء الله تعالى.
باب كيفية التعلم والفقه لكتاب الله تعالى، وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وما جاء انه سهل على من تقدم العمل به دون حفظه ذكر أبو عمرو الداني في كتاب البيان له بإسناده عن عثمان وابن مسعود وابى: ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرئهم العشر فلا يجاوزونها الى عشر اخرى حتى يتعلموا ما فيها من العمل، فيعلمنا القران والعمل جميعا.
وذكر عبد الرزاق عن معمر عن عطاء ابن السائب عن ابي عبد الرحمن السلمى قال: كنا إذا تعلمنا عشر آيات من القران لم نتعلم العشر التي بعدها حتى نعرف حلالها وحرامها وامرها ونهيها.
وفى موطإ مالك: انه بلغه ان عبد الله

(1/39)


ابن عمر مكث على سورة البقرة ثماني سنين يتعلمها.
وذكر أبو بكر احمد بن علي بن ثابت الحافظ في كتابه المسمى (1) " اسماء من روى عن مالك ": عن مرداس بن محمد ابى بلال الاشعري قال: حدثنا مالك عن نافع عن ابن عمر قال: تعلم عمر البقرة في اثنتي عشرة سنة، فلما ختمها نحر جزورا.
وذكر أبو بكر الانباري: حدثني محمد بن شهريار حدثنا حسين بن الاسود حدثنا عبيد الله بن موسى عن زياد بن ابي مسلم ابي عمرو عن زياد بن مخراق قال قال عبد الله بن مسعود: انا صعب علينا حفظ الفاظ القران، وسهل علينا العمل به، وان من بعدنا يسهل عليهم حفظ القران، ويصعب عليهم العمل به.
حدثنا ابراهيم بن موسى حدثنا يوسف بن موسى حدثنا الفضل بن دكين حدثنا اسماعيل ابن ابراهيم بن المهاجر عن ابيه عن مجاهد عن ابن عمر قال: كان الفضل من اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في صدر هذه الامة لا يحفظ من القران الا السورة أو نحوها، ورزقوا العمل بالقران، وان اخر هذه الامة يقرءون القران منهم الصبي والاعمى ولا يرزقون العمل به.
حدثنى حسن بن عبد الوهاب أبو محمد بن ابي العنبر حدثنا أبو بكر بن حماد المقرئ قال: سمعت خلف بن هشام البزار يقول: ما اظن القران الا عارية في ايدينا، وذلك انا روينا ان عمر بن الخطاب حفظ البقرة في بضع عشرة سنة، فلما حفظها نحر جزورا شكرا لله، وان الغلام في دهرنا هذا يجلس بين يدي فيقرأ ثلث القران لا يسقط منه حرفا، فما احسب القران الا عارية في ايدينا.
وقال اهل العلم بالحديث: لا ينبغي لطالب الحديث ان يقتصر على سماع الحديث وكتبه، دون معرفته وفهمه، فيكون قد اتعب نفسه من غير ان يظفر بطائل، ولكن تحفظه للحديث على التدريج قليلا قليلا مع الليالي والايام.
وممن ورد عنه ذلك من حفاظ الحديث شعبة وابن علية ومعمر، قال معمر: سمعت الزهري يقول: من طلب العلم جملة فاته جملة، وانما يدرك العلم حديثا وجديثين، والله اعلم.
وقال معاذ بن جبل: اعلموا ما شئتم ان تعلموا فلن يأجركم بعلمه حتى تعلموا.
وقال ابن عبد البر: وروى النبي صلى الله عليه وسلم
__________
(1) في الاصول: " المسمي في ذكر اسماء...الخ ".
(*)

(1/40)


مثل قول معاذ من رواية عباد بن عبد الصمد، وفيه زيادة: ان العلماء همتهم الدراية، وان السفهاء همتهم الرواية.
وروى موقوفا وهو اولى من رواية من رواه مرفوعا، وعباد بن عبد الصمد ليس ممن يحتج به.
ولقد احسن القائل في نظمه في فضل العلم وشرف الكتاب العزيز والسنة والغراء: ان العلوم وان جلت محاسنها * فتاجها ما به الايمان قد وجبا هو الكتاب العزيز الله يحفظه * وبعد ذلك علم فرج الكربا فذاك فاعلم حديث المصطفى فبه * نور النبوة سن الشرع والادبا وبعد هذا علوم لا انتهاء لها * فاختر لنفسك يامن آثر الطلبا والعلم كنز نجده في معادنه * يأيها الطالب ابحث وانظر الكتبا واتل بفهم كتاب الله فيه اتت * كل العلوم تدبره تر العجبا واقرأ هديت حديث المصطفى وسلن * مولاك ما تشتهى يقضى لك الاربا من ذاق طعما لعلم الدين سربه * إذا تزيد منه قال واطربا باب معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: " ان هذا القران انزل على سبعة احرف فاقرءوا ما تيسر منه " روى مسلم عن ابي بن كعب: ان النبي صلى الله عليه وسلم كان عند اضاة (1) بني غفار، فأتاه جبريل عليه السلام فقال: ان الله يأمرك ان تقرأ امتك القران على حرف، فقال: " اسأل الله معافاته ومغفرته وان امتي لا تطيق ذلك ".
ثم اتاه الثانية فقال: ان الله يأمرك ان تقرأ امتك القران على حرفين، فقال: " اسأل الله معافاته ومغفرته وان امتي لا تطيق ذلك ".
ثم جاءه الثالثة فقال: ان الله يأمرك ان تقرأ القران على ثلاثة احرف، فقال: " اسأل الله معفاته ومغفرته وان امتي لا تطيق ذلك ".
ثم جاءه الرابعة فقال: ان الله يأمرك
__________
(1) الاضاء (كحضاة): غدير صغير وقيل: هو مسيل الماء الغدير وهو موضع قريب من مكة فوق سرف.
وغفار: قبيلة من كنانة.
(*)

(1/41)


ان تقرأ امتك القران على سبعة احرف فأيما حرف قرءوا عليه فقد اصابوا.
وروى الترمذي عنه فقال: لقى رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل فقال: " يا جبريل بعثت الى امة امية منهم العجوز والشيخ والكبير والغلام والجارية والرجل الذي لا يقرأ كتابا قط فقال لي يا محمد ان القران انزل على سبعة احرف ".
قال هذا: حديث صحيح.
وثبت في الامهات: البخاري ومسلم والموطإ وابي داود والنسائي وغيرها من المصنفات والمسندات قصة عمر مع هشام بن حكيم، وسيأتي بكماله في اخر الباب مبينا ان شاء الله تعالى.
وقد اختلف العلماء في المراد بالاحرف السبعة على خمسة وثلاثين قولا ذكرها أبو حاتم محمد بن حبان البستي، نذكر منها في هذا الكتاب خمسة اقوال: الاول - وهو الذي عليه اكثر اهل العلم كسفيان بن عيينة وعبد الله بن وهب والطبري والطحاوي وغيرهم: ان المراد سبعة اوجه من المعاني المتقاربة بألفاظ مختلفة، نحو اقبل وتعال وهلم.
قال الطحاوي: وابين ما ذكر في ذلك حديث ابي بكرة قال: جاء جبريل الى النبي صلى الله عليه وسلم فقال اقرأ على حرف، فقال ميكائيل: استرده، فقال: اقرأ على حرفين، فقال ميكائيل: استرده، حتى بلغ الى سبعة احرف، فقال: اقرأ فكل شاف كاف الا ان تخلط اية رحمة بآية عذاب، أو آية عذاب بآية رحمة، على نحو هلم وتعال واقبل واذهب واسرع وعجل.
وروى ورقاء عن ابن ابي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس عن ابي بن كعب ان كان يقرأ " للذين امنوا انظرونا " (1): للذين آمنوا امهلونا، للذين آمنوا اخرونا، للذين آمنوا ارقبونا.
وبهذا الاسناد عن ابي انه كان يقرأ " كلما اضاء لهم مشوا فيه " (2): مروا فيه، سعوا فيه.
وفي البخاري ومسلم قال الزهري: انما هذه الاحرف في الامر الواحد ليس يختلف في حلال ولا حرام.
قال الطحاوي: انما كانت السعة للناس في الحروف لعجزهم عن اخذ القران على غير
لغاتهم، لانهم كانوا اميين لا يكتب الا القليل منهم، فلما كان يشق على كل ذي لغة ان يتحول الى غيرها من اللغات، ولو رام ذلك لم يتهيأ له الا بمشقة عظيمة، فوسع لهم
__________
(1) آية 13 سورة الحديد.
(2) آية 20 سورة البقرة.
(*)

(1/42)


في اختلاف الالفاظ إذ كان المعنى متفقا، فكانوا كذلك حتى كثر منهم من يكتب وعادت لغاتهم الى لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقدروا بذلك على تحفظ الفاظه، فلم يسعهم حينئذ ان يقرءوا بخلافها.
قال ابن عبد البر: فبان بهذا ان تلك السبعة الاحرف انما كان في وقت خاص لضرورة دعت الى ذلك، ثم ارتفعت تلك الضرورة فارتفع حكم هذه السبعة الاحرف، وعاد ما يقرأ به القران على حرف واحد.
روى أبو داود عن ابي قال قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يا ابي اني اقرئت القران فقيل لي على حرف أو حرفين فقال الملك الذي معي قل على حرفين فقيل لي على حرفين أو ثلاثة فقال الملك الذي معي قل على ثلاثة حتى بلغ سبعة احرف ثم قال ليس منها الاشاف كاف ان قلت سميعا عليما عزيزا حكيما ما لم تخلط آية عذاب برحمة أو آية رحمة بعذاب ".
واسند ثابت بن قاسم نحو هذا الحديث عن ابي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وذكر من كلام ابن مسعود نحوه.
قال القاضي ابن الطيب (1): وإذا ثبت هذه الرواية - يريد حديث ابي - حمل على ان هذه كان مطلقا ثم نسخ، فلا يجوز للناس ان يبدلوا اسما الله تعالى في موضع بغيره مما يوافق معناه أو يخالف.
القول الثاني - قال قوم: هي سبع لغات في القران على لغات العرب كلها، يمنها ونزارها، لان رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يجهل شيئا منها، وكان قد اوتى جوامع الكلم، وليس معناه ان يكون في الحرف الواحد سبعة اوجه، ولكن هذه اللغات السبع متفرقة في القران، فبعضه بلغة قريش، وبعضه بلغة هذيل، وبعضه بلغة هوازن، وبعضه بلغة
اليمن.
قال الخطابي: على ان في القران ما قد قرئ بسبعة اوجه، وهو قوله: " وعبد الطاغوت " (2).
وقوله: " ارسله معنا غدا يرتع ويلعب " (3) وذكر وجوها، كأنه يذهب الى ان بعضه انزل على سبعة احرف لا كله.
والى هذا القول - بأن القران انزل على سبعة احرف، على سبع لغات - ذهب أبو عبيد القاسم بن سلام واختاره ابن عطية.
قال أبو عبيد: وبعض الاحياء
__________
(1) هو محمد بن الطيب بن محمد بن جعفر بن القاضي أبو بكر الباقلاني.
(2) آية 60 سورة المائدة.
(3) آية 12 سورة يوسف.
(*)

(1/43)


اسعد واكثر حظا فيها من بعض، وذكر حديث ابن شهاب عن انس ان عثمان قال لهم حين امرهم ان يكتبوا المصاحف: ما اختلفتم وزيد فاكتبوه بلغة قريش، فانه نزل بلغتهم.
ذكره البخاري وذكر حديث ابن عباس قال: نزل القران بلغة الكعبين، كعب قريش وكعب خزاعة.
قيل: وكيف ذلك ؟ قال: لأن الدار واحدة.
قال أبو عبيد: يعني ان خزاعة جيران قريش فأخذوا بلغتهم.
قال القاضي ابن الطيب رضي الله عنه: معنى قول عثمان نزل بلسان قريش، يريد معظمه واكثره، ولم تقم دلالة قاطعة على ان القران بأسره منزل بلغة قريش فقط، إذ فيه كلمات وحروف هي خلاف لغة قريش، وقد قال الله تعالى: " انا جعلناه قرانا عربيا " (1) ولم يقل قرشيا، هذا يدل على انه منزل بجميع لسان العرب، وليس لاحد ان يقول: انه اراد قريشا من العرب دون غيرها، كما انه ليس له ان يقول: اراد لغة عدنان دون قحطان، أو ربيعة دون مضر، لان اسم العرب يتناول جميع هذه القبائل تناولا واحدا.
وقال ابن عبد البر: قول من قال ان القران نزل بلغة قريش معناه عندي في الاغلب والله اعلم، لان غير لغة قريش موجودة في صحيح القراءات من تحقيق الهمزات ونحوها، وقريش لا تهمز.
وقال ابن عطية: معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم " انزل القران على
سبعة احرف " اي فيه عبارة سبع قبائل بلغة جملتها نزل القران، فيعبر عن المعنى فيه مرة بعبارة قريش، ومرة بعبارة هذيل، ومرة بغير ذلك بحسب الافصح والاوجز في اللفظ، الا ترى ان " فطر " معناه عند غير قريش: ابتدأ (خلق الشئ وعمله) (2) فجاءت في القران فلم تتجه لابن عباس، حتى اختصم إليه اعرابيان في بئر فقال احدهما: انا فطرتها، قال ابن عباس: ففهمت حينئذ موضع قوله تعالى " فاطر السموات والارض ".
وقال ايضا: ما كنت ادري معنى حينئذ موضع قوله تعالى " ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق) (3) حتى سمعت بنت ذي يزن تقول لزوجها: " تعال افاتحك، اي احاكمك.
وكذلك قال عمر بن الخطاب وكان لا يفهم معنى قوله تعالى " أو يأخذهم على تخوف " (4) اي على تنقص لهم.
وكذلك اتفق لقطبة بن مالك إذ
__________
(1) آية 3 سورة الزخرف.
(2) زيادة عن ابن عطية.
(3) آية 89 سورة الاعراف.
(4) آية 47 سورة النحل.
(*)

(1/44)


سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في الصلاة: " والنخل باسقات " (1) ذكره مسلم في باب (القراءة في صلاة الفجر) الى غير ذلك من الامثلة.
القول الثالث: ان هذه اللغات السبع انما تكون في مضر، قاله قوم، واحتجوا بقول عثمان: نزل القران بلغة مضر، وقالوا: جائز ان يكون منها لقريش، ومنها لكنانة، ومنها لاسد، ومنها لهذيل، ومنها لتيم، ومنها لضبة، ومنها لقيس، قالوا: هذه قبائل مصر تستوعب سبع لغات على هذه المراتب، وقد كان ابن مسعود يحب ان يكون الذين يكتبون المصاحف من مضر.
وانكر اخرون ان تكون كلها من مضر، وقالوا: في مضر شواذ لا يجوز ان يقرأ القرأن بها، مثل كشكشة قيس وتمتمة تميم، فأما كشكشة قيس فانهم يجعلون كاف المؤنث شينا فيقولون في " جعل ربك تحتك سريا " (2): جعل ربش تحتش سريا، واما تمتمة تميم
فيقولون في الناس: النات، وفي اكياس.
قالوا: هذه لغات يرغب عن القران بها، ولا يحفظ عن السلف فيها شئ.
وقال آخرون: اما ابدال الهمزة عينا وابدال حروف الحلق بعضها من بعض فمشهور عن الفصحاء، وقد قرأ به الجلة، واحتجوا بقراءة ابن مسعود: ليسجننه عتى حين، ذكرها أبو داود، وبقول ذي الرمة: فعناك عيناها وجيدك جيدها * ولونك الا عنها غير طائل يريد الا انها.
القول الرابع: ما حكاه صاحب الدلائل عن بعض العلماء، وحكى نحوه القاضي ابن الطيب قال: تدبرت وجوه الاختلاف في القراءة فوجدتها سبعا: منها ما تتغير حركته، ولا يزول معناه ولا صورته، مثل: " هن اطهر لكم " واطهر، " ويضيق صدري " ويضيق.
ومنها مالا تتغير صورته ويتغير معناه بالاعراب، مثل: " ربنا باعد بين اسفارنا " وباعد.
ومنها ما تبقى صورته ويتغير معناه باختلاف الحروف، مثل قوله: " ننشزها " وننشرها.
ومنها ما تتغير صورته ويبقى معناه: " كالعهن المنفوش " وكالصوف المنفوش.
__________
(1) آية 10 سورة ق.
(2) آية 24 سورة مريم.
(*)

(1/45)


ومنها ما تتغير صورته ومعناه، مثل: " وطلح منضود " وطلع منضود.
ومنها بالتقديم والتأخير كقوله: " وجاءت سكرة الموت بالحق " وجاءت (سكرة الحق) الحق بالموت.
ومنها بالزيادة والنقصان، مثل قوله: تسع وتسعون نعجة انثى، وقوله: واما الغلام فكان كافرا وكان ابواه مؤمنين، وقوله: فان الله من بعد اكراههن لهن غفور رحيم.
القول الخامس: ان المراد بالاحرف السبعة معاني كتاب الله تعالى، وهي امر ونهي ووعد ووعيد وقصص ومجادلة وامثال.
قال ابن عطية وهذا ضعيف لان هذا لا يسمى
احرفا، وايضا فالاجماع على ان التوسعة لم تقع في تحليل حلال ولا في تغير شئ من المعاني.
وذكر القاضي ابن الطيب في هذا المعنى حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال: ولكن ليست هذه هي التي اجاز لهم القراءة بها، وانما الحرف في هذه بمعنى الجهة والطريقة، منه قوله تعالى: " ومن الناس من يعبد الله على حرف " (1) فكذلك معنى هذا الحديث على سبع طرائق من تحليل وتحريم وغير ذلك.
وقد قيل: ان المراد بقوله عليه السلام " انزل القران على سبعة احرف " القراءات السبع التي قرأ بها القراء السبعة، لانها كلها صحت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا ليس بشئ لظهور بطلانه على ما يأتي.
(فصل) قال كثير من علمائنا كالداودي وابن ابي صفرة وغيرهما: هذه القراءات السبع التي تنسب لهؤلاء القراء السبعة، ليست هي الاحرف السبعة التي اتسعت الصحابة في القراءة بها، وانما هي راجعة الى حرف واحد من تلك السبعة، وهو الذي جمع عليه عثمان المصحف، ذكره ابن النحاس وغيره.
وهذه القراءات المشهورة هي اختيارات اولئك الائمة القراء، وذلك ان كل واحد منهم اختار فيما روى وعلم وجهه من القراءات ما هو الاحسن عنده والاولى، فالتزمه طريقة ورواه واقرأ به واشتهر عنه، وعرف به ونسب إليه، فقيل: حرف نافع، وحرف ابن كثير، ولم يمنع واحد منهم اختار الاخر ولا انكره بل سوغه وجوزه، وكل واحد من هؤلاء السبعة روى عنه اختار ان أو اكثر، وكل صحيح.
وقد اجمع المسلمون في هذه الاعصار على الاعتماد على ما صح عن هؤلاء الائمة مما رووه ورأوه من القراءات وكتبوا
__________
(1) آية 11 سورة الحج.
(*)

(1/46)


في ذلك مصفنات، فاستمر الاجماع على الصواب، وحصل ما وعد الله به من حفظ الكتاب، وعلى هذا الائمة المتقدمون والفضلاء المحققون كالقاضي ابي بكر بن الطيب والطبري وغيرهما.
قال ابن عطية: ومضت الاعصار والامصار على قراءة السبعة وبها يصلى لانها ثبتت بالاجماع، واما شاذ القراءات فلا يصلى له لانه لم يجمع الناس عليه، اما ان المروى منه عن الصحابة
رضى الله عنهم وعن علماء التابعين فلا يعتقد فيه الا انهم رووه، واما ما يؤثر عن ابي السمال (1) ومن قارنه فانه لا يوثق به.
قال غيره: اما شاذ القراءة عن المصاحف المتواترة فليست بقران، ولا يعمل بها على انها منه، واحسن محاملها ان تكون بيان تأويل مذهب من نسبت إليه كقراءة ابن مسعود: فصيام ثلاثة ايام متتابعات.
فأما لو صرح الراوي بسماعها من رسول الله صلى الله عليه وسلم فاختلف العلماء في العمل بذلك على قولين: النفي والاثبات، وجه النفي ان الراوي لم يروه في معرض الخبر بل في معرض القران، ولم يثبت فلا يثبت.
والوجه الثاني انه وان لم يثبت كونه قرانا فقد ثبت كونه سنة، وذلك يوجب العمل كسائر اخبار الاحاد.
فصل في ذكر معنى حديث عمر وهشام.
قال ابن عطية: اباح الله تعالى لنبيه عليه السلام هذه الحروف السبعة، وعارضه بها جبريل عليه السلام في عرضاته على الوجه الذي فيه الاعجاز وجودة الرصف، ولم تقع الاباحة في قوله عليه السلام: " فأقرءوا ما تيسر منه " بأن يكون كل واحد من الصحابة إذا اراد ان يبدل اللفظة من بعض هذه اللغات جعلها من تلقاء نفسه، ولو كان هذا لذهب اعجاز القران، وكان معرضا ان يبدل هذا وهذا حتى يكون غير الذي نزل من عند الله، وانما وقعت الاباحة في الحروف السبعة للنبي صلى الله عليه وسلم ليوسع بها على امته، فأقرأ مرة لابي بما عارضه به جبريل، ومرة لابن مسعود بما عارضه به ايضا، وعلى هذا تجئ قراءة عمر بن الخطاب لسورة " الفرقان " وقراءة
__________
(1) أبو السمال (بفتح السين وتشديد الميم وباللام): هو قعنب بن ابي قعنب العدوى البصري، له اختيار في القراءات شاذ عن العامة.
وقد ذكر في الطبعة الاولى في هذا الموضع وفي ص 368 محرفا، والتصويب عن طبقات القراء.
(*)

(1/47)


هشام بن حكيم لها، والا فكيف يستقيم ان يقول النبي صلى الله عليه وسلم في كل قراءة منهما وقد اختلفا: " هكذا اقرأني جبريل " هل ذلك الا انه اقرأه مرة بهذه ومرة بهذه، وعلى هذا يحمل قول انس حين قرأ: " ان ناشئة الليل هي اشد وطأ واصوب قيلا " فقيل له:
انما نقرأ " واقوم قيلا ".
فقال انس: واصوب قيلا، واقوم قيلا وأهيأ، واحد، فإنما معنى هذا انها مروية عن النبي صلى الله عليه وسلم، والا فلو كان هذا لاحد من الناس ان يضعه لبطل معنى قوله تعالى: " انا نحن نزلنا الذكر وانا له لحافظون " (1).
روى البخاري ومسلم وغيرهما عن عمر بن الخطاب: قال سمعت هشام بن حكيم يقرأ سورة " الفرقان " على غير ما اقرؤها، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أقرأنيها، فكدت ان اعجل عليه، ثم امهلته حتى انصرف ثم لببته (2) بردائه، فجئت به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت يا رسول الله، اني سمعت هذا يقرأ سورة " الفرقان " على غير ما اقرأتنيها ! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ارسله اقرأ " (3) فقرأ القراءة التي سمعته يقرأ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " هكذا انزلت " ثم قال لي: " اقرأ " فقرأت فقال: " هكذا انزلت ان هذا القران انزل على سبعة احرف فاقرءوا ما تيسر منه ".
قلت: وفى معنى حديث عمر هذا، ما رواه مسلم عن ابي بن كعب قال: كنت في المسجد فدخل رجل يصلى، قراءة انكرتها عليه، ثم دخل اخر فقرأ قراءة سوى قراءة صاحبه، فلما قضينا الصلاة دخلنا جميعا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: ان هذا قرأ قراءة انكرتها عليه، ودخل اخر فقرأ سوى قراءة صاحبه، فأمرهما النبي صلى الله عليه وسلم فقرأ، فحسن النبي صلى الله عليه وسلم شأنهما، فسقط في نفسي من الكذيب ولا إذ كنت في الجاهلية، فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم ما قد غشيني، ضرب في صدري ففضت عرقا، وكأنما انظر الى الله تعالى فرقا، فقال لي: " يا ابي ارسل الى ان اقرأ القران على حرف فرددت إليه ان هون على امتي فرد الى الثانية اقرأه على حرفين فرددت إليه ان هون على امتي
__________
(1) اية 9 سورة الحجر.
(2) قوله: لببته بردائه.
اي جمعت ثيابه عند صدره ونحره ثم جررته.
(3) ارسل الشئ: اطلقه.
(*)

(1/48)


فرد الى الثالثة اقرأه على سبعة احرف فلك بكل ردة رددتكها مسألة فقلت اللهم اغفر لامتي اللهم اغفر لامتي واخرت الثالثة ليوم يرغب الى فيه الخلق كلهم حتى ابراهيم عليه السلام ".
قول ابي رضي الله عنه: " فسقط في نفسي " معناه اعترتني حيرة ودهشة، اي اصابته نزعة من الشيطان ليشوش عليه حاله، ويكدر عليه وقته، فأنه عظم عليه من اختلاف القراءات ما ليس عظيما في نفسه، والا فأي شئ يلزم من المحال والتكذيب من اختلاف القراءات ولم يلزم ذلك والحمد لله في النسخ الذي هو اعظم، فكيف بالقراءة ! ولما رأى النبي صلى الله عليه وسلم ما اصابه من ذلك الخاطر نبهه بأن ضربه في صدره، فأعقب ذلك بأن نشرح صدره وتنور باطنه، حتى آل به الكشف والشرح الى حالة المعاينة، ولما ظهر له قبح ذلك الخاطر من الله تعالى وفاض بالعرق استحياء من الله تعالى، فكان هذا الخاطر من قبيل ما قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم - حين سألوه: انا نجد في انفسنا ما يتعاظم احدنا ان يتكلم به - قال: " وقد وجدتموه " ؟: نعم، قال: " ذلك صريح الايمان ".
اخرجه مسلم من حديث ابي هريرة.
وسيأتي الكلام عليه في سورة " الاعراف " ان شاء الله تعالى.
باب ذكر جمع القران، وسبب كتب عثمان المصاحف واحراقه ما سواها، وذكر من حفظ القران من الصحابة رضي الله عنهم في زمن النبي صلى الله عليه وسلم كان القران في مدة النبي صلى الله عليه وسلم متفرقا في صدور الرجال، وقد كتب الناس منه في صحف وفي جريد وفي لحاف وظرر وفي خزف وغير ذلك - قال الاصمعي: اللخاف: حجارة بيض رقاق، واحدتها.
والظرر: حجر له حد كحد السكين، والجمع ظرار، مثل رطب ورطاب، وربع ورباع، وظران ايضا مثل صرد وصردان - فلما استحتر (1) القتل
__________
(1) قوله: استحر، اي اشتد وكثر.

(1/49)


بالقراءة يوم اليمامة في زمن الصديق رضي الله عنه، وقتل منهم في ذلك اليوم فيما قيل سبعمائة، اشار عمر بن الخطاب على ابي بكر الصديق رضي الله عنهما بجمع القران مخافة ان يموت اشياخ القراء، كابي وابن مسعود وزيد، فندبا زيد بن ثابت الى ذلك، فجمعه غير مرتب السور، بعد تعب شديد، رضي الله عنه.
روى البخاري عن زيد بن ثابت قال: ارسل الى أبو بكر مقتل اهل اليمامة وعنده عمر، فقال أبو بكر: ان عمر اتاني فقال ان القتل قد استحر يوم اليمامة بالناس، وانى اخشى ان يستحر القتل بالقراء في المواطن، فيذهب كثير من القران الا ان تجمعوه، واني لأرى ان تجمع القران، قال أبو بكر: فقلت لعمر كيف افعل شيئا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال: هو والله خير، فلم يزل يراجعني حتى شرح الله لذلك صدري، ورأيت الذي رأى عمر.
قال زيد: وعنده عمر جالس لا يتكلم، فقال لي أبو بكر: انك رجل شاب عاقل ولا نتهمك، كنت تكتب الوحى لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فتتبع القران، فاجمعه، فو الله لو كلفني نقل جبل من الجبال ما كان اثقل على مما امرني به من جمع القران، قلت: كيف تفعلان شيئا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال أبو بكر: هو الله خير، فلم ازل اراجعه حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر ابي بكر وعمر، فقمت فتتبعت القران اجمعه من الرقاع والاكتاف (1) والعسب (2) وصدور الرجال، حتى وجدت من سورة " التوبة " آيتين مع خزيمة الانصاري لم اجدهما مع غيره " لقد جاءكم رسول من انفسكم " الى اخرها.
فكانت الصحف التي جمع فيها القران عند ابي بكر حتى توفاه الله ثم عند عمر حتى توفاه الله ثم عند حفصة بن عمر.
وقال الليث حدثني عبد الرحمن ابن غالب عن ابن شهاب وقال: مع ابي خزيمة الانصاري.
وقال أبو ثابت حدثنا ابراهيم وقال: مع خزيمة أو ابي خزيمة " فإن تولوا فقل حسبي الله لا اله الا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم ".
__________
(1) الاكتاف: جمع كتف وهو عظم عريض يكون في اصل كتف الحيوان كانوا يكشبون فيه لقلة القراطيس
عندهم.
(2) العسب: جمع عسيب وهو جريد النخل إذا نزع منه خوصه.
(*)

(1/50)


وقال الترمذي في حديثه عنه: فوجدت آخر سورة براءة مع خزيمة بن ثابت " لقد جاءكم رسول من انفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم.
فإن تولوا فقل حسبي الله لا اله الا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم ".
قال: حديث حسن صحيح.
وفي البخاري عن زيد بن ثابت قال: لما نسخنا الصحف في المصاحف فقدت آية من سورة " الاحزاب " كنت اسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرؤها، لم اجدها مع احد الا مع خزيمة الانصاري (1) - الذي جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم شهادته بشهادة رجلين - " رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه ".
وقال الترمذي عنه: فقدت آية من سورة " الاحزاب " كنت اسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرؤها " من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر " فالتمستها فوجدتها عند خزيمة بن ثابت أو أبى خزيمة، فألحقتها في سورتها.
قلت: فسقطت الاية الاولى من اخر " براءة " في الجمع الاول، على ما قاله البخاري والترمذي، وفي الجمع الثاني فقدت آية من سورة " الاحزاب ".
وحكى الطبري: ان آية " براءة " سقطت في الجمع الاخير، والاول اصح والله اعلم.
فإن قيل: فما وجه جمع عثمان الناس على مصحفه، وقد سبقه أبو بكر الى ذلك وفرغ منه، قيل له: ان عثمان رضي الله عنه لم يقصد بما صنع جمع الناس على تأليف المصحف، الا ترى كيف ارسل الى حفصة: ان ارسلي الينا بالصحف ننسخها في المصاحف ثم نردها اليك، على ما يأتي.
وانما فعل ذلك عثمان لان الناس اختلفوا في القراءات بسبب تفرق الصحابة في البلدان واشتد الامر في ذلك وعظم اختلافهم وتشبثهم، ووقع بين اهل الشام والعراق ما ذكره حذيفة رضي الله عنه.
وذلك انهم اجتمعوا في غزوة ارمينية فقرأت كل طائفة بما روى لها، فاختلفوا وتنازعوا
واظهر بعضهم اكفار بعض والبراءة منه وتلاعنوا، فأشفق حذيفة مما رأى منهم، فلما قدم حذيفة المدينة - فيما ذكر البخاري والترمذي - دخل الى عثمان قبل ان يدخل الى بيته، فقال: ادرك هذه الامة قبل ان تهلك ! قال: فيماذا ؟ قال: في كتاب الله، اني حضرت
__________
(1) خزيمة ذو الشهادتين غير ابي خزيمة بالكنية (القسطلاني).
(*)

(1/51)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية