صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : جامع البيان في تأويل القرآن
المؤلف : محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري،
[ 224 - 310 هـ ]
المحقق : أحمد محمد شاكر
الناشر : مؤسسة الرسالة
الطبعة : الأولى ، 1420 هـ - 2000 م
عدد الأجزاء : 24
مصدر الكتاب : موقع مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
www.qurancomplex.com
[ ترقيم الكتاب موافق للمطبوع ، والصفحات مذيلة بحواشي أحمد ومحمود شاكر ]

لعدوهم =(يغلبوا مئتين)، من عدوهم ويقهروهم =(وإن يكن منكم مئة)، عند ذلك(يغلبوا)، منهم(ألفا) =(بأنهم قوم لا يفقهون) ، يقول: من أجل أن المشركين قوم يقاتلون على غير رجاء ثواب، ولا لطلب أجر ولا احتساب، لأنهم لم يفقهوا أن الله موجب لمن قاتل احتسابا، وطلب موعود الله في الميعاد، ما وعد المجاهدين في سبيله، فهم لا يثبتون إذا صدقوا في اللقاء، خشية أن يقتلوا فتذهب دنياهم. (1) ثم خفف تعالى ذكره عن المؤمنين، إذ علم ضعفهم فقال لهم:(الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا)، يعني: أن في الواحد منهم عن لقاء العشرة من عدوهم ضعفا =(فإن يكن منكم مئة صابرة)، عند لقائهم للثبات لهم =(يغلبوا مئتين) منهم =(وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين) منهم =(بإذن الله) يعني: بتخلية الله إياهم لغلبتهم، ومعونته إياهم (2) =(والله مع الصابرين)، لعدوهم وعدو الله، احتسابا في صبره، وطلبا لجزيل الثواب من ربه، بالعون منه له، والنصر عليه.
* * *
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
16269- حدثنا محمد بن بشار قال. حدثنا محمد بن محبب قال، حدثنا سفيان، عن ليث، عن عطاء في قوله:(إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مئتين)، قال: كان الواحد لعشرة، ثم جعل الواحد باثنين; لا ينبغي له أن يفر منهما. (3)
16270- حدثنا سعيد بن يحيى قال، حدثنا أبي قال، حدثنا ابن جريج،
__________
(1) انظر تفسير " فقه " فيما سلف 13 : 278 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .
(2) انظر تفسير " الإذن " فيما سلف 11 : 215 ، تعليق : 2 . والمراجع هناك .
(3) الأثر : 16269 - " محمد بن محبب بن إسحاق القرشي " ، ثقة ، مضى برقم : 6320 .

(14/51)


عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس قال: جعل على المسلمين على الرجل عشر من الكفار، فقال:(إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مئتين)، فخفف ذلك عنهم، فجعل على الرجل رجلان. قال ابن عباس: فما أحب أن يعلم الناس تخفيف ذلك عنهم.
16271- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال: قال محمد بن إسحاق، حدثني عبد الله بن أبي نجيح المكي، عن عطاء بن أبي رباح، عن عبد الله بن عباس، قال: لما نزلت هذه الآية، ثقلت على المسلمين، وأعظموا أن يقاتل عشرون مئتين، ومئة ألفا، فخفف الله عنهم. فنسخها بالآية الأخرى فقال:(الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مئة صابرة يغلبوا مئتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين)، قال: وكانوا إذا كانوا على الشطر من عدوهم لم ينبغ لهم أن يفروا منهم. وإن كانوا دون ذلك، لم يجب عليهم أن يقاتلوا، وجاز لهم أن يتحوزوا عنهم. (1)
16272- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله:(إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مئتين)، قال: كان لكل رجل من المسلمين عشرة لا ينبغي له أن يفر منهم. فكانوا كذلك حتى أنزل الله:(الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مئة صابرة يغلبوا مئتين)، فعبأ لكل رجل من المسلمين رجلين من المشركين، فنسخ الأمر الأول =وقال مرة أخرى في قوله:(إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مئتين)، فأمر الله الرجل من المؤمنين أن يقاتل عشرة من الكفار، فشق ذلك على المؤمنين، ورحمهم الله، فقال:(إن يكن منكم مئة صابرة يغلبوا مئتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله والله مع الصابرين)،
__________
(1) الأثر : 16271 - سيرة ابن هشام 2 : 331 ، وهو تابع الأثر التالي رقم : 16285 ، قدم الطبري وأخر في هذا الموضع ، فاختلف ترتيب نقله من تفسير ابن إسحاق في سيرته .

(14/52)


فأمر الله الرجل من المؤمنين أن يقاتل رجلين من الكفار.
16273- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله:(يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال)، إلى قوله:(بأنهم قوم لا يفقهون)، وذلك أنه كان جعل على كل رجل من المسلمين عشرة من العدو يؤشبهم =يعني: يغريهم (1) = بذلك، ليوطنوا أنفسهم على الغزو، وأن الله ناصرهم على العدو، ولم يكن أمرا عزمه الله عليهم ولا أوجبه، ولكن كان تحريضا ووصية أمر الله بها نبيه، ثم خفف عنهم فقال:(الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا)، فجعل على كل رجل رجلين بعد ذلك، تخفيفا، ليعلم المؤمنون أن الله بهم رحيم، فتوكلوا على الله وصبروا وصدقوا، ولو كان عليهم واجبا كفروا إذن كل رجل من المسلمين [نكل] عمن لقي من الكفار إذا كانوا أكثر منهم فلم يقاتلوهم. (2) فلا يغرنك قول رجال ! فإني قد سمعت رجالا يقولون: إنه لا يصلح لرجل من المسلمين أن يقاتل حتى يكون على كل رجل رجلان، وحتى يكون على كل رجلين أربعة، ثم بحساب ذلك، وزعموا أنهم يعصون الله إن قاتلوا حتى يبلغوا عدة ذلك، وإنه لا حرج عليهم أن لا يقاتلوا حتى يبلغوا عدة أن يكون على كل رجل رجلان، وعلى كل رجلين أربعة، وقد قال الله:( ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله والله رءوف بالعباد ) [سورة البقرة: 207]، وقال الله:( فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك وحرض المؤمنين ) [سورة النساء: 84]، فهو التحريض الذي أنزل الله
__________
(1) " التأشيب " التحريش بين القوم بالشر ، ومثله " التأشيب " بمعنى الإغراء بالعدو ، انظر كما سلف في التعليق على رقم : 16059 ، ج 13 : 531 ، تعليق رقم : 2 ، وكتب اللغة مقصرة في بيان معنى هذا الحرف من العربية .
(2) في المطبوعة : " ولو كان عليهم واجبا الغزو إذا بعد كل رجل من المسلمين عمن لقي من الكفار " ، جاء بكلام لا معنى له . وكان في المخطوطة : " ولو كان عليهم واجبا كفروا إذا كل رجل من المسلمين عمن لقي من الكفار " ، وصواب الجملة ما أثبت ، ولكن الناسخ أسقط ، والله أعلم ، [ نكل ] التي وضعها بين القوسين . و " نكل عن عدوه " ، نكص .

(14/53)


عليهم في "الأنفال"، فلا تعجزن، قاتل، قد سقطت بين ظهري أناس كما شاء الله أن يكونوا. (1)
16274- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح، عن الحصين، عن زيد، عن عكرمة والحسن قالا قال في "سورة الأنفال" =(إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مئتين وإن يكن منكم مئة يغلبوا ألفا من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون)، ثم نسخ فقال:(الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا)، إلى قوله:(والله مع الصابرين).
16275- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن مغيرة، عن عكرمة، في قوله:(إن يكن منكم عشرون صابرون)، قال: واحد من المسلمين وعشرة من المشركين. ثم خفف عنهم فجعل عليهم أن لا يفر رجل من رجلين.
16276- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله:(إن يكن منكم عشرون صابرون)، إلى قوله:(وإن يكن منكم مئة)، قال: هذا لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم يوم بدر، جعل على الرجل منهم عشرة من الكفار، (2) فضجوا من ذلك، فجعل على الرجل قتال رجلين، تخفيفا من الله.
16277- حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا إبراهيم بن يزيد، عن عمرو بن دينار، وأبي معبد عن ابن عباس قال: إنما أمر الرجل أن يصبر نفسه لعشرة، والعشرة لمئة إذ المسلمون قليل، فلما كثر
__________
(1) في المطبوعة : " فلا يعجزك قائل قد سقطت " ، وهو بلا معنى ، صوابه ما في المخطوطة كما أثبته ، وهو فيها غير منقوط ، وهذا صواب قراءة . وقوله : " فلا تعجزن " ، يعني لا تقعد عن القتال عجزا ، ولكن قاتل ، فإنك قد وقعت بين عدد من العدو ، كما شاء الله أن يكون عددهم ، قلوا أو كثروا .
(2) في المطبوعة في الموضعين حذف " قتال " ، لأنها في المخطوطة : " فقال " ، وصواب قراءتها ما أثبت .

(14/54)


المسلمون، خفف الله عنهم. فأمر الرجل أن يصبر لرجلين، والعشرة للعشرين، والمئة للمئتين.
16278- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن ابن أبي نجيح:(إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مئتين)، قال: كان فرض عليهم إذا لقي عشرون مئتين أن لا يفروا، فإنهم إن لم يفروا غلبوا، ثم خفف الله عنهم وقال:(إن يكن منكم مئة صابرة يغلبوا مئتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين)، فيقول: لا ينبغي أن يفر ألف من ألفين، فإنهم إن صبروا لهم غلبوهم.
16279- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:(الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا إن يكن منكم مئة صابرة يغلبوا مئتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين)، جعل الله على كل رجل رجلين، بعد ما كان على كل رجل عشرة = وهذا الحديث عن ابن عباس.
16280- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يزيد بن هارون، عن جرير بن حازم، عن الزبير بن الخريت، عن عكرمة، عن ابن عباس: كان فرض على المؤمنين أن يقاتل الرجل منهم عشرة من المشركين. قوله:(إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مئتين وإن يكن منكم مئة يغلبوا ألفا)، فشق ذلك عليهم، فأنزل الله التخفيف، فجعل على الرجل أن يقاتل الرجلين، قوله:(إن يكن منكم مئة صابرة يغلبوا مئتين)، فخفف الله عنهم، ونقصوا من الصبر بقدر ذلك. (1)
16281- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:(إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مئتين)، يقول: يقاتلوا مئتين، فكانوا أضعف من ذلك، فنسخها الله عنهم. فخفف
__________
(1) في المطبوعة : " ونقصوا من الصبر " ، زاد " واوا " ، وغير " النصر " ، فأفسد الكلام . غفر الله له .

(14/55)


فقال:(فإن يكن منكم مئة صابرة يغلبوا مئتين)، فجعل أول مرة الرجل لعشرة، ثم جعل الرجل لاثنين.
16282- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله:(إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مئتين)، قال: كان فرض عليهم إذا لقي عشرون مئتين أن لا يفروا، فإنهم إن لم يفروا غلبوا. ثم خفف الله عنهم فقال:(إن يكن منكم مئة صابرة يغلبوا مئتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله)، فيقول: لا ينبغي أن يفر ألف من ألفين، فإنهم إن صبروا لهم غلبوهم.
16283- حدثنا الحسن قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري، عن جويبر، عن الضحاك قال: كان هذا واجبا أن لا يفر واحد من عشرة.
16284- وبه قال: أخبرنا الثوري، عن الليث، عن عطاء، مثل ذلك.
* * *
وأما قوله:(بأنهم قوم لا يفقهون)، فقد بينا تأويله. (1)
* * *
وكان ابن إسحاق يقول في ذلك ما:-
16285- حدثنا به ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق:(بأنهم قوم لا يفقهون)، أي لا يقاتلون على نية ولا حق فيه، ولا معرفة بخير ولا شر. (2)
* * *
قال أبو جعفر: وهذه الآية =أعني قوله:(إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مئتين)، = وإن كان مخرجها مخرج الخبر، فإن معناها الأمر. يدل على
__________
(1) انظر ما سلف ص : 51 .
(2) الأثر : 16285 - سيرة ابن هشام 2 : 331 ، وهو تابع الأثر السالف رقم : 16257 ، وقد أخره أبو جعفر عن موضعه إلى هذا الموضع ، وقدم عليه الخبر رقم : 16271 ، وهو تال له في تفسير السورة في سيرة ابن هشام .
كان في المطبوعة . " ولا معرفة لخير " ، وأثبت ما في المخطوطة والسيرة .

(14/56)


ذلك قوله:(الآن خفف الله عنكم)، فلم يكن التخفيف إلا بعد التثقيل. ولو كان ثبوت العشرة منهم للمئة من عدوهم كان غير فرض عليهم قبل التخفيف، وكان ندبا، لم يكن للتخفيف وجه، لأن التخفيف إنما هو ترخيص في ترك الواحد من المسلمين الثبوت للعشرة من العدو. وإذا لم يكن التشديد قد كان له متقدما، لم يكن للترخيص وجه، إذ كان المفهوم من الترخيص إنما هو بعد التشديد. وإذ كان ذلك كذلك، فمعلوم أن حكم قوله:(الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا)، ناسخ لحكم قوله:(إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مئتين وإن يكن منكم مئة يغلبوا ألفا من الذين كفروا). وقد بينا في كتابنا "البيان عن أصول الأحكام"، (1) أن كل خبر من الله وعد فيه عباده على عمل ثوابا وجزاء، وعلى تركه عقابا وعذابا، وإن لم يكن خارجا ظاهره مخرج الأمر، ففي معنى الأمر= بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.
* * *
واختلفت القرأة في قراءة قوله:(وعلم أن فيكم ضعفا).
فقرأه بعض المدنيين وبعض البصريين:(وعلم أن فيكم ضعفا)، بضم "الضاد" في جميع القرآن، وتنوين "الضعف" على المصدر من: "ضعف الرجل ضعفا".
* * *
وقرأ ذلك عامة قرأة الكوفيين:( وعلم أن فيكم ضعفا )، بفتح "الضاد"، على المصدر أيضا من "ضعف".
* * *
وقرأه بعض المدنيين:(ضعفاء)، على تقدير "فعلاء"، جمع "ضعيف" على "ضعفاء"، كما يجمع "الشريك"، "شركاء"، و"الرحيم"، "رحماء".
* * *
قال أبو جعفر: وأولى القراءات في ذلك بالصواب، قراءة من قرأه:( وعلم
__________
(1) في المطبوعة : " كتاب لطيف البيان " ، وأثبت ما في المخطوطة ، والكتاب هو هو .

(14/57)


ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم (67)

أن فيكم ضعفا )، و(ضعفا)، بفتح الضاد أو ضمها، لأنهما القراءتان المعروفتان، وهما لغتان مشهورتان في كلام العرب فصيحتان بمعنى واحد، فبأيتهما قرأ القارئ فهو مصيب الصواب.
* * *
فأما قراءة من قرأ ذلك: "ضعفاء"، فإنها عن قراءة القرأة شاذة، وإن كان لها في الصحة مخرج، فلا أحب لقارئ القراءة بها.
* * *
القول في تأويل قوله : { ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم (67) }
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ما كان لنبي أن يحتبس كافرا قدر عليه وصار في يده من عبدة الأوثان للفداء أو للمن.
* * *
و"الأسر" في كلام العرب: الحبس، يقال منه: "مأسور"، يراد به: محبوس. ومسموع منهم: "أباله الله أسرا". (1)
* * *
وإنما قال الله جل ثناؤه [ذلك] لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم، يعرفه أن قتل المشركين الذين أسرهم صلى الله عليه وسلم يوم بدر ثم فادى بهم، كان أولى بالصواب من أخذ الفدية منهم وإطلاقهم.
* * *
__________
(1) انظر تفسير " الأسير " فيما سلف 2 : 311 ، 312 .
وأما قوله : " أباله الله أسرا " ، فإن " الأسر " " بضم الألف وسكون السين " ، وهو احتباس البول ، يقال : " أخذه الأسر " . وهذه الجملة كانت في المخطوطة : " أبي الله أسرا " ، وفي لسان العرب ، كما في المطبوعة " أناله بالنون " ، وفي أساس البلاغة : " وفي أدعيتهم : أبي لك الله أسرا " .
والذي في المخطوطة وأساس البلاغة يرجح صواب ما قرأته بالباء .

(14/58)


وقوله:(حتى يثخن في الأرض)، يقول: حتى يبالغ في قتل المشركين فيها، ويقهرهم غلبة وقسرا.
* * *
يقال منه: "أثخن فلان في هذا الأمر"، إذا بالغ فيه. وحكي: "أثخنته معرفة"، بمعنى: قتلته معرفة.
* * *
=(تريدون)، يقول للمؤمنين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم:(تريدون)، أيها المؤمنون،(عرض الدنيا)، بأسركم المشركين =وهو ما عرض للمرء منها من مال ومتاع. (1) يقول: تريدون بأخذكم الفداء من المشركين متاع الدنيا وطعمها =(والله يريد الآخرة)، يقول: والله يريد لكم زينة الآخرة وما أعد للمؤمنين وأهل ولايته في جناته، بقتلكم إياهم وإثخانكم في الأرض. يقول لهم: فاطلبوا ما يريد الله لكم وله اعملوا، (2) لا ما تدعوكم إليه أهواء أنفسكم من الرغبة في الدنيا وأسبابها =(والله عزيز)، يقول: إن أنتم أردتم الآخرة، لم يغلبكم عدو لكم، لأن الله عزيز لا يقهر ولا يغلب = وأنه(حكيم) (3) في تدبيره أمر خلقه.
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
16286- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله:(ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض)، وذلك يوم بدر والمسلمون يومئذ قليل، فلما كثروا واشتد سلطانهم، أنزل الله تبارك وتعالى بعد هذا في الأسارى:( فإما منا بعد وإما فداء )، [سورة محمد: 4]، فجعل الله النبي والمؤمنين في أمر الأسارى بالخيار، إن
__________
(1) انظر تفسير " العرض " فيما سلف 9 : 71 \ 13 : 211 .
(2) في المطبوعة والمخطوطة : " واطلبوا " ، والسياق للفاء لا للواو .
(3) انظر تفسير " عزيز " و " حكيم " فيما سلف من فهارس اللغة ( عزز ) ، ( حكم ) .

(14/59)


شاءوا قتلوهم، وإن شاءوا استعبدوهم، وإن شاءوا فادوهم.
16287- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:(ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا)، الآية، قال: أراد أصحاب نبي الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر الفداء، ففادوهم بأربعة آلاف أربعة آلاف. (1) ولعمري ما كان أثخن رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ! وكان أول قتال قاتله المشركين.
16288- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن فضيل، عن حبيب بن أبي عمرة، عن مجاهد قال: "الإثخان"، القتل. (2)
16289- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا شريك، عن الأعمش، عن سعيد بن جبير في قوله:(ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض)، قال: إذا أسرتموهم فلا تفادوهم حتى تثخنوا فيهم القتل.
16290-... قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا إسرائيل، عن خصيف، عن مجاهد:(ما كان لنبي أن يكون له أسرى)، الآية، نزلت الرخصة بعد، إن شئت فمن، وإن شئت ففاد.
16291- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله:(ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض)، يعني: الذين أسروا ببدر.
16292- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق:(ما كان لنبي أن يكون له أسرى)، من عدوه =(حتى يثخن في الأرض)، أي:
__________
(1) في المطبوعة حذف " أربعة آلاف " ، الثانية ، كأنها لم تعجبه ، غفر الله له ! ! .
(2) الأثر : 16288 - " حبيب بن أبي عمرة " ، القصاب ، أو : اللحام ، " أبو عبد الله الحماني " ، ثقة قليل الحديث سلف برقم : 10224 .

(14/60)


يثخن عدوه حتى ينفيهم من الأرض =(تريدون عرض الدنيا)، أي: المتاع والفداء بأخذ الرجال =(والله يريد الآخرة)، بقتلهم، لظهور الدين الذي يريدون إطفاءه، الذي به تدرك الآخرة. (1)
16293- حدثني أبو السائب قال، حدثنا أبو معاوية قال، حدثنا الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن أبي عبيدة، عن عبد الله قال: لما كان يوم بدر وجيء بالأسرى، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما تقولون في هؤلاء الأسرى؟ فقال أبو بكر: يا رسول الله، قومك وأهلك، استبقهم واستأنهم، (2) لعل الله أن يتوب عليهم. وقال عمر: يا رسول الله، كذبوك وأخرجوك، قدمهم فاضرب أعناقهم! وقال عبد الله بن رواحة: يا رسول الله، انظر واديا كثير الحطب فأدخلهم فيه، ثم أضرمه عليهم نارا. قال: فقال له العباس: قطعت رحمك! قال: فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يجبهم، ثم دخل. فقال ناس: يأخذ بقول أبي بكر. وقال ناس: يأخذ بقول عمر. وقال ناس: يأخذ بقول عبد الله بن رواحة. ثم خرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "إن الله ليلين قلوب رجال حتى تكون ألين من اللبن، وإن الله ليشدد قلوب رجال حتى تكون أشد من الحجارة! وإن مثلك يا أبا بكر مثل إبراهيم، قال:( فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم ) [سورة إبراهيم: 36]، ومثلك يا أبا بكر مثل عيسى قال:( إن تعذبهم فإنهم عبادك )، الآية [سورة المائدة: 118].
__________
(1) الأثر : 16292 - سيرة ابن هشام 2 : 332 ، وهو تابع الأثر السالف رقم : 16271 . وفي لفظ سيرة ابن هشام بعض الاختلاف ، وأشك في قوله هناك : " أي : قتلهم لظهور الدين الذي يريد إظهاره ، والذي تدرك به الآخرة " .
(2) كان في المطبوعة : " واستأن بهم " ، وهو نص الخبر في مسند أحمد وغيره ، من " الأناة " . يقال : " استأنى بالشيء " ، ترفق به ، وأخره وانتظر به ، وتربص به . ونقل صاحب أساس البلاغة : " واستأنيت فلانا " : لم أعجله ، وأنشد لابن مقبل : وقوم بأيديهم رماح ردينة ... شوارع تستأني دما أو تسلف
قال : " تنظره أو تتعجله " .
ورواية " واستأنهم " هذه هي الثابتة في تاريخ أبي جعفر ، في رواية هذا الخبر .

(14/61)


ومثلك يا عمر مثل نوح، قال:( رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا ) [سورة نوح: 26] ، ومثلك كمثل موسى قال: (1) ( ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم ) [سورة يونس: 88]. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنتم اليوم عالة، (2) فلا ينفلتن أحد منهم إلا بفداء أو ضرب عنق. قال عبد الله بن مسعود: إلا سهيل بن بيضاء، فإني سمعته يذكر الإسلام! فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فما رأيتني في يوم أخوف أن تقع علي الحجارة من السماء، مني في ذلك اليوم، حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إلا سهيل بن بيضاء. قال: فأنزل الله:(ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض)، إلى آخر الثلاث الآيات. (3)
16294- حدثنا ابن بشار قال، [حدثنا عمر بن يونس اليمامي] قال، حدثنا عكرمة بن عمار قال، حدثنا أبو زميل قال، حدثني عبد الله بن عباس قال: لما أسروا الأسارى، يعني يوم بدر، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أين أبو بكر وعمر وعلي؟ قال: ما ترون في الأسارى؟ فقال أبو بكر: يا رسول الله، هم بنو العم والعشيرة، وأرى أن تأخذ منهم فدية تكون لنا قوة على الكفار، وعسى الله أن يهديهم للإسلام! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما ترى يا ابن الخطاب؟ فقال: لا والذي لا إله إلا هو، ما أرى الذي رأى أبو بكر، يا نبي الله، ولكن أرى أن تمكننا منهم، فتمكن عليا من عقيل فيضرب عنقه، وتمكن حمزة من العباس فيضرب عنقه، وتمكنني من فلان - نسيب لعمر - فأضرب عنقه، فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديدها. فهوي رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال أبو بكر ولم يهو ما قلت. (4) قال عمر: فلما كان من الغد، جئت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا هو وأبو بكر قاعدان يبكيان، فقلت: يا رسول الله، أخبرني من أي شيء تبكي أنت وصاحبك، فإن وجدت بكاء بكيت، وإن لم أجد بكاء تباكيت! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أبكي للذي عرض لأصحابي من أخذهم الفداء، ولقد عرض علي عذابكم أدنى من هذه الشجرة! لشجرة قريبة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله عز وجل:(ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض)، إلى قوله:(حلالا طيبا)، وأحل الله الغنيمة لهم. (5)
* * *
__________
(1) في المطبوعة : " ومثلك يا بن أبي رواحة كمثل موسى " ، زاد من عنده ما ليس في المخطوطة ، وهو اجتراء قبيح بلا علم ، فإن الحديث ليس فيه هذه الزيادة ، والقول فيه موجه إلى عمر ، ولم يذكر فيه عن ابن رواحة مثل ، كما في جميع المراجع ، بل في بعضها : " وإن مثلك يا عمر كمثل موسى " . فهذه زيادة لا تحل لأحد .
وإنما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرب مثل لعبد الله بن رواحة ، والله أعلم ، لما في مشورته من النكال الشديد ، فإنه لا يعذب بالنار إلا رب النار سبحانه وتعالى ، وأعاذنا من عذاب جهنم بفضله ورحمته ومنه على كل عاص من عباده .
(2) " العالة " : الفقراء ذوي الفاقة ، جمع " عائل " . و " عال الرجل " ، احتاج وافتقر.
(3) الأثر: 16293 - إسناده منقطع ، لأن "أبا عبيدة بن عبد الله بن مسعود"، لم يسمع من أبيه.
وهذا الخبر رواه أحمد في مسنده من هذه الطريق نفسها رقم: 3632 - 3634،
ورواه الحاكم في المستدرك 3 : 21 ، 22 ، من طريق جرير بن عبد الحميد ، عن الأعمش ، وقال : " هذا حديث صحيح الإسناد ، ولم يخرجاه " ، وقال الذهبي : " صحيح ، سمعه جرير بن عبد الحميد " .
ورواه الطبري في تاريخه 2 : 259 ، بلفظه وإسناده .
ورواه الهيثمي في مجمع الزوائد 6 : 86 ، 87 ، وفصل الكلام فيه ، وقال : " رواه أحمد . . . ورواه الطبراني ، وفيه أبو عبيدة ، ولم يسمع من أبيه ، ولكن رجاله ثقات " .
ورواه الواحدي في أسباب النزول : 178 .
وأما قوله : " إلا سهيل بن بيضاء " ، فهو خطأ من بعض الرواة ، وإنما هو " سهل بن بيضاء " أخو " سهيل " لأبيه وأمه ، قال ابن سعد : " أسلم بمكة وكتم إسلامه ، فأخرجته قريش معها في نفير بدر ، فشهد بدرا مع المشركين ، فأسر يومئذ . فشهد له عبد الله بن مسعود أنه رآه يصلي بمكة ، فخلى عنه . والذي روى القصة في سهيل بن بيضاء قد أخطأ ، سهيل بن بيضاء أسلم قبل عبد الله بن مسعود ، ولم يستخف بإسلامه ، وهاجر إلى المدينة ، وشهد بدرا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مسلما ، لا شك فيه . فخلط من روى ذلك الحديث ما بينه وبين أخيه ، لأن سهيلا أشهر من أخيه سهل ، والقصة في سهل " ، ابن سعد 4 \ 1 \ 156 .
(4) هذا الخبر عن ابن عباس ، عن عمر رضي الله عنه ، كما سترى في التخريج .
(5) الأثر : 16294 - " أبو زميل " ، هو " سماك بن الوليد الحنفي " ، سلف أخيرا برقم : 15734 ، 1600 ، وسائر رجال الإسناد قد مضوا جميعا .
وكان في المطبوعة والمخطوطة : " حدثنا ابن بشار قال حدثنا عكرمة بن عمار " ، وهو إسناد مختل ، والظاهر أن الناسخ كتب " ابن بشار " في آخر الصفحة ، كما هو في مخطوطتنا ، ثم لما انتقل إلى أول الصفحة التالية كتب : " حدثنا عكرمة بن عمار " ، فأسقط من الإسناد ما أثبته بين القوسين ، واستظهرته من رواية صدر هذا الخبر نفسه في الترمذي ، في كتاب التفسير ، حيث رواه مختصرا ، قال : " حدثنا محمد بن بشار ، حدثنا عمر بن يونس اليمامي ، حدثنا عكرمة بن عمار ، حدثنا أبو زميل ، حدثني عبد الله بن عباس ، حدثني عمر بن الخطاب " .
وقد مضى مختصرا كما في الترمذي ، برقم : 15734 ، وقد بينت تخريج الخبر هناك .
وهذا الخبر مطولا رواه أحمد في مسنده رقم : 208 ، 221 ، من طريق أبي نوح قراد ، عن عكرمة بن عمار .
ورواه مسلم في صحيحه مطولا 12 : 84 - 87 ، من طريق هناد بن السري ، عن ابن المبارك ، عن عكرمة ، ثم من طريق زهير بن حرب ، عن عمر بن يونس الحنفي ( اليمامي ) ، عن عكرمة .
ورواه أبو جعفر في التاريخ 2 : 294 ، مطولا ، من طريق أحمد بن منصور ، عن عاصم بن علي ، عن عكرمة .
ورواه الواحدي في أسباب النزول : 179 .
وهو حديث صحيح ، لا يعرف إلا من طريق عكرمة بن عمار ، كما سلف .
وخرجه ابن كثير في تفسير 45 : 18 ، 19 .

(14/62)


لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم (68)

القول في تأويل قوله : { لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم (68) }
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لأهل بدر الذين غنموا وأخذوا من الأسرى الفداء:(لولا كتاب من الله سبق)، يقول: لولا قضاء من الله سبق لكم أهل بدر في اللوح المحفوظ، بأن الله محل لكم الغنيمة، وأن الله قضى فيما قضى أنه لا يضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون، (1) وأنه لا يعذب أحدا شهد المشهد الذي شهدتموه ببدر مع رسولا الله صلى الله عليه وسلم ناصرا دين الله = لنالكم من الله، بأخذكم الغنيمة والفداء، عذاب عظيم. (2)
* * *
__________
(1) انظر تفسير " كتاب" فيما سلف من فهارس اللغة ( كتب ).
(2) انظر تفسير " المس " فيما سلف 13 : 333 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .

(14/64)


وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
16295- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا ابن أبي عدي قال، حدثنا عوف، عن الحسن في قوله:(لولا كتاب من الله سبق) الآية، قال: إن الله كان مطعم هذه الأمة الغنيمة، وإنهم أخذوا الفداء من أسارى بدر قبل أن يؤمروا به. قال: فعاب الله ذلك عليهم، ثم أحله الله.
16296- حدثنا محمد بن عبد الله بن بزيع قال، حدثنا بشر بن المفضل عن عوف، عن الحسن في قول الله:(لولا كتاب من الله سبق) الآية، وذلك يوم بدر، وأخذ أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم المغانم والأسارى قبل أن يؤمروا به، وكان الله تبارك وتعالى قد كتب في أم الكتاب: "المغانم والأسارى حلال لمحمد وأمته"، ولم يكن أحله لأمة قبلهم، وأخذوا المغانم وأسروا الأسارى قبل أن ينزل إليهم في ذلك، قال الله:(لولا كتاب من الله سبق)، يعني في الكتاب الأول. أن المغانم والأسارى حلال لكم =(لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم) .
16297- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله:(لولا كتاب من الله سبق) الآية، وكانت الغنائم قبل أن يبعث النبي صلى الله عليه وسلم في الأمم، إذا أصابوا مغنما جعلوه للقربان، وحرم الله عليهم أن يأكلوا منه قليلا أو كثيرا. حرم ذلك على كل نبي وعلى أمته، فكانوا لا يأكلون منه، ولا يغلون منه، ولا يأخذون منه قليلا ولا كثيرا إلا عذبهم الله عليه. وكان الله حرمه عليهم تحريما شديدا، فلم يحله لنبي إلا لمحمد صلى الله عليه وسلم . وكان قد سبق من الله في قضائه أن المغنم له ولأمته حلال، فذلك قوله يوم بدر، في أخذ الفداء من الأسارى:(لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم) .
16298- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو أسامة، عن عروة، عن

(14/65)


الحسن:(لولا كتاب من الله سبق) قال: إن الله كان معطي هذه الأمة الغنيمة، وفعلوا الذي فعلوا قبل أن تحل الغنيمة.
16299- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر قال، قال الأعمش في قوله:(لولا كتاب من الله سبق)، قال: سبق من الله أن أحل لهم الغنيمة.
16300- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن بشير بن ميمون قال: سمعت سعيدا يحدث، عن أبي هريرة، قال: قرأ هذه الآية:(لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم)، قال: يعني: لولا أنه سبق في علمي أني سأحل الغنائم، لمسكم فيما أخذتم من الأسارى عذاب عظيم. (1)
16301- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا جابر بن نوح، وأبو معاوية بنحوه، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أحلت الغنائم لأحد سود الرؤوس من قبلكم، كانت تنزل نار من السماء وتأكلها، حتى كان يوم بدر، فوقع الناس في الغنائم، فأنزل الله:(لولا كتاب من الله سبق لمسكم)، حتى بلغ،(حلالا طيبا).
16302- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، بنحوه = قال: فلما كان يوم بدر أسرع الناس في الغنائم. (2)
__________
(1) الأثر : 16300 - " بشير بن ميمون الخراساني الواسطي " ، أبو صيفي ، ضعيف ، منكر الحديث ، متهم بالوضع . وقال أبو حاتم : " ضعيف الحديث ، وعامة روايته مناكير " . وأجمعوا على طرح حديثه ، مترجم في التهذيب ، والكبير 1 \ 2 \ 105 ، وابن أبي حاتم 1 \ 1 \ 379 ، وميزان الاعتدال 1 : 153 ، 154 .
و " سعيد " هو " سعيد بن أبي سعيد المقبري " .
(2) الأثران : 16301 ، 16302 - حديث صحيح الإسناد ، إلا ما كان من أمر " جابر بن نوح الحماني " ، ليس حديثه بشيء ، ضعيف ، قال يحيى بن معين : " جابر بن نوح ، إمام مسجد بني حمان ، ولم يكن بثقة ، كان ضعيفا " . مترجم في التهذيب ، والكبير 1 \ 2 \ 210 ، وابن أبي حاتم 1 \ 1 \ 500 ، وميزان الاعتدال 1 : 176 ، وأبو كريب رواه عن جابر ، وعن أبي معاوية ، فحديث أبي معاوية هو الصحيح .
وهذا الخبر رواه الترمذي في كتاب التفسير من طريق عبد بن حميد ، عن معاوية بن عمرو ، عن زائدة ، عن الأعمش ، وقال : " هذا حديث حسن صحيح " .
ورواه البيهقي في السنن 6 : 290 من طريق محاضر ، عن الأعمش ، ومن طريق أبي معاوية ، عن الأعمش .
وخرجه السيوطي في الدر المنثور 3 : 203 ، وزاد نسبته إلى النسائي ، وابن أبي شيبة في المصنف ، وابن أبي حاتم ، وأبي الشيخ ، وابن مردويه .

(14/66)


16303- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن فضيل، عن أشعث بن سوار، عن ابن سيرين، عن عبيدة، قال: أسر المسلمون من المشركين سبعين وقتلوا سبعين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اختاروا أن تأخذوا منهم الفداء فتقووا به على عدوكم، وإن قبلتموه قتل منكم سبعون = أو تقتلوهم! فقالوا: بل نأخذ الفدية منهم، وقتل منهم سبعون، قال عبيدة، وطلبوا الخيرتين كلتيهما. (1)
16304- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن فضيل، عن أشعث، عن عبيدة قال: كان فداء أسارى بدر مئة أوقية، و"الأوقية" أربعون درهما، ومن الدنانير ستة دنانير. (2)
16305- حدثنا أبو كريب ويعقوب بن إبراهيم قالا حدثنا ابن علية قال، حدثنا ابن عون، عن ابن سيرين، عن عبيدة: أنه قال في أسارى بدر: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن شئتم قتلتموهم، وإن شئتم فاديتموهم واستشهد منكم بعدتهم! فقالوا: بلى، (3) نأخذ الفداء فنستمتع به، ويستشهد منا بعدتهم.
__________
(1) " الخيرة " ( بكسر الخاء وسكون الياء ، أو فتح الياء ) ، هو ما يختار ويصطفى من الخير .
(2) انظر تقدير " الأوقية " فيما سلف في الأثر رقم : 16058 .
(3) انظر مجيء " بلى " في غير جحد ، فيما سلف في الأثر رقم : 781 ج 1 : 554 \ ثم 2 : 280 ، 510 \ 10 : 98 ، تعليق : 4 \ ثم 10 : 253 ، تعليق : 3 \ ثم 12 : 174 ، تعليق : 3 .

(14/67)


16306- حدثني أحمد بن محمد الطوسي قال، حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث قال، حدثنا همام بن يحيى قال، حدثنا عطاء بن السائب، عن أبي وائل، عن عبد الله بن مسعود قال: أمر عمر رحمه الله عنه بقتل الأسارى، فأنزل الله:(لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذت عذاب عظيم). (1)
16307- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله:(لولا كتاب من الله سبق)، قال: كان المغنم محرما على كل نبي وأمته، وكانوا إذا غنموا يجعلون المغنم لله قربانا تأكله النار. وكان سبق في قضاء الله وعلمه أن يحل المغنم لهذه الأمة، يأكلون في بطونهم.
16308- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن عطاء في قول الله:(لولا كتاب من الله سبق لمسكم)، قال: كان في علم الله أن تحل لهم الغنائم، فقال:(لولا كتاب من الله سبق)، بأنه أحل لكم الغنائم =(لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم).
* * *
وقال آخرون: معنى ذلك: لولا كتاب من الله سبق لأهل بدر، أن لا يعذبهم، لمسهم عذاب عظيم.
* ذكر من قال ذلك:
16309- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو أحمد الزبيري، عن شريك، عن سالم، عن سعيد:(لولا كتاب من الله سبق)، قال: لأهل بدر، من السعادة.
16310- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن نمير، عن ورقاء، عن ابن
__________
(1) الأثر : 16306 - " همام بن يحيى بن دينار الأزدي " ، ثقة ، مضى برقم : 10190 ، 11725 .
وهذا خبر صحيح إسناده .

(14/68)


أبي نجيح، عن مجاهد:(لولا كتاب من الله سبق)، لأهل بدر مشهدهم.
16311- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الحسن:(لولا كتاب من الله سبق)، قال: سبق من الله خير لأهل بدر.
16312- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:(لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم)، كان سبق لهم من الله خير، وأحل لهم الغنائم.
16313- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا عبد الوارث بن سعيد، عن عمرو بن عبيد، عن الحسن:(لولا كتاب من الله سبق)، قال:(سبق)، أن لا يعذب أحدا من أهل بدر.
16314- حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:(لولا كتاب من الله سبق)، لأهل بدر، ومشهدهم إياه.
16315- حدثني يونس قال، أخبرني ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:(لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم)، لمسكم فيما أخذتم من الغنائم يوم بدر قبل أن أحلها لكم. فقال: سبق من الله العفو عنهم والرحمة لهم، سبق أنه لا يعذب المؤمنين، لأنه لا يعذب رسوله ومن آمن به وهاجر معه ونصره.
* * *
وقال آخرون: معنى ذلك:(لولا كتاب من الله سبق)، أن لا يؤاخذ أحدا بفعل أتاه على جهالة =(لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم).
* ذكر من قال ذلك:
16316- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن

(14/69)


ابن جريج، عن مجاهد قوله:(لولا كتاب من الله سبق)، لأهل بدر ومشهدهم إياه، قال: كتاب سبق لقوله:( وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون ) [سورة التوبة: 115]، سبق ذلك، وسبق أن لا يؤاخذ قوما فعلوا شيئا بجهالة =(لمسكم فيما أخذتم)، قال ابن جريج، قال ابن عباس:(فيما أخذتم)، مما أسرتم. ثم قال بعد:(فكلوا مما غنمتم).
16317- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال: عاتبه في الأسارى وأخذ الغنائم، ولم يكن أحد قبله من الأنبياء يأكل مغنما من عدو له. (1)
16318- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن محمد قال، حدثني أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نصرت بالرعب، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، وأعطيت جوامع الكلم، وأحلت لي المغانم، ولم تحل لنبي كان قبلي، وأعطيت الشفاعة، خمس لم يؤتهن نبي كان قبلي = قال محمد (2) فقال:(ما كان لنبي)، أي: قبلك =(أن يكون له أسرى) إلى قوله:(لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم)، أي: من الأسارى والمغانم =(عذاب عظيم)، أي: لولا أنه سبق مني أن لا أعذب إلا بعد النهي، ولم أكن نهيتكم، لعذبتكم فيما صنعتم. ثم أحلها له ولهم رحمة ونعمة وعائدة من الرحمن الرحيم. (3)
* * *
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، ما قد بيناه قبل. وذلك أن قوله:(لولا كتاب من الله سبق)، خبر عام غير محصور على معنى دون
__________
(1) الأثر : 16317 - سيرة ابن هشام 2 : 331 ، وهو سابق الأثر السالف رقم : 16292 في ترتيب السيرة .
(2) قوله : " محمد " ، يعني محمد بن إسحاق ، لا " محمد بن علي " .
(3) الأثر : 16318 - سيرة ابن هشام 2 : 332 ، وصدره تابع الأثر السالف رقم : 16317 ، وسابق للأثر رقم : 16292 ، ثم روى صدرا من الأثر رقم : 16292 ، وأتبعه بما يليه في السيرة .

(14/70)


فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا واتقوا الله إن الله غفور رحيم (69)

معنى، وكل هذه المعاني التي ذكرتها عمن ذكرت، مما قد سبق في كتاب الله أنه لا يؤاخذ بشيء منها هذه الأمة، وذلك: ما عملوا من عمل بجهالة، و إحلال الغنيمة، والمغفرة لأهل بدر، وكل ذلك مما كتب لهم. وإذ كان ذلك كذلك، فلا وجه لأن يخص من ذلك معنى دون معنى، وقد عم الله الخبر بكل ذلك، بغير دلالة توجب صحة القول بخصوصه.
16319- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: لم يكن من المؤمنين أحد ممن نصر إلا أحب الغنائم، إلا عمر بن الخطاب، جعل لا يلقى أسيرا إلا ضرب عنقه، وقال: يا رسول الله، ما لنا وللغنائم، نحن قوم نجاهد في دين الله حتى يعبد الله! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لو عذبنا في هذا الأمر يا عمر ما نجا غيرك! قال الله: لا تعودوا تستحلون قبل أن أحل لكم.
16320- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، قال ابن إسحاق: لما نزلت:(لولا كتاب من الله سبق)، الآية، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لو نزل عذاب من السماء لم ينج منه إلا سعد بن معاذ، لقوله: يا نبي الله، كان الإثخان في القتل أحب إلي من استبقاء الرجال. (1)
* * *
القول في تأويل قوله : { فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا واتقوا الله إن الله غفور رحيم (69) }
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره للمؤمنين من أهل بدر:(فكلوا)، أيها المؤمنون =(مما غنمتم)، من أموال المشركين =(حلالا)، بإحلاله لكم =(طيبا واتقوا الله)، يقول: وخافوا الله أن تعودوا، أن تفعلوا في دينكم شيئا بعد هذه
__________
(1) الأثر : 16320 - لم أجد هذا الخبر في سيرة ابن هشام ، فيما أقدر .

(14/71)


من قبل أن يعهد فيه إليكم، كما فعلتم في أخذ الفداء وأكل الغنيمة، وأخذتموهما من قبل أن يحلا لكم =(إن الله غفور رحيم). (1)
* * *
وهذا من المؤخر الذي معناه التقديم، وتأويل الكلام:(فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا)،(إن الله غفور رحيم)،(واتقوا الله).
* * *
ويعني بقوله:(إن الله غفور)، لذنوب أهل الإيمان من عباده =(رحيم)، بهم، أن يعاقبهم بعد توبتهم منها.
* * *
__________
(1) انظر تفسير ألفاظ الآية فيما سلف من فهارس اللغة .

(14/72)


يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى إن يعلم الله في قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا مما أخذ منكم ويغفر لكم والله غفور رحيم (70)

القول في تأويل قوله : { يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى إن يعلم الله في قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا مما أخذ منكم ويغفر لكم والله غفور رحيم (70) }
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: يا أيها النبي، قل لمن في يديك وفي يدي أصحابك من أسرى المشركين الذين أخذ منهم من الفداء ما أخذ:(إن يعلم الله في قلوبكم خيرا)، يقول: إن يعلم الله في قلوبكم إسلاما =(يؤتكم خيرا مما أخذ منكم)، من الفداء =(ويغفر لكم)، يقول: ويصفح لكم عن عقوبة جرمكم الذي اجترمتموه بقتالكم نبي الله وأصحابه وكفركم بالله =(والله غفور)، لذنوب عباده إذا تابوا =(رحيم)، بهم، أن يعاقبهم عليها بعد التوبة. (1)
* * *
__________
(1) انظر تفسير ألفاظ هذه الآية فيما سلف من فهارس اللغة .

(14/72)


وذكر أن العباس بن عبد المطلب كان يقول: في نزلت هذه الآية.
* ذكر من قال ذلك:
16321- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن إدريس، عن ابن إسحاق، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: قال العباس: في نزلت:(ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض)، فأخبرت النبي صلى الله عليه وسلم بإسلامي، وسألته أن يحاسبني بالعشرين الأوقية التي أخذ مني فأبى، فأبدلني الله بها عشرين عبدا، كلهم تاجر، مالي في يديه. (1)
* * *
وقد:-
16322- حدثنا بهذا الحديث ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، قال محمد، حدثني الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، عن جابر بن عبد الله بن رئاب قال: كان العباس بن عبد المطلب يقول: في والله نزلت، حين ذكرت لرسول الله صلى الله عليه وسلم إسلامي = ثم ذكر نحو حديث ابن وكيع. (2)
16323- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:(قل لمن في أيديكم من الأسرى) الآية، قال: ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم لما قدم عليه مال البحرين ثمانون ألفا، وقد توضأ لصلاة الظهر،
__________
(1) الأثر : 16321 - في المطبوعة : " أبي إسحاق " ، والصواب من المخطوطة ، وانظر التعليق التالي .
(2) الأثر : 16322 - هذا الخبر والذي قبله ، ذكرهما الهيثمي في مجمع الزوائد 7 : 8 ، مطولا ، وقال : " رواه الطبراني في الأوسط والكبير باختصار ، ورجال الأوسط رجال الصحيح ، غير ابن إسحاق ، وقد صرح بالسماع " .
وظاهر أنه يعني إسنادا غير هذين الإسنادين ، فإن الأول لم يصرح فيه السماع ، والثاني فيه " الكلبي " .
وذكره الواحدي في أسباب النزول ، عن الكلبي ، مطولا : 180 ، 181 .
وكان في المطبوعة والمخطوطة : " جابر بن عبد الله بن رباب " ، وهو خطأ ، صوابه ما أثبت .

(14/73)


فما أعطى يومئذ شاكيا ولا حرم سائلا وما صلى يومئذ حتى فرقه، وأمر العباس أن يأخذ منه ويحتثي، فأخذ. قال: وكان العباس يقول: هذا خير مما أخذ منا، وأرجو المغفرة.
16324- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله:(يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى) الآية، وكان العباس أسر يوم بدر، فافتدى نفسه بأربعين أوقية من ذهب، فقال العباس حين نزلت هذه الآية: لقد أعطاني الله خصلتين، ما أحب أن لي بهما الدنيا: أني أسرت يوم بدر ففديت نفسي بأربعين أوقية، فآتاني أربعين عبدا، وأنا أرجو المغفرة التي وعدنا الله.
16325- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله:(يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى) إلى قوله:(والله غفور رحيم)، يعني بذلك: من أسر يوم بدر. يقول: إن عملتم بطاعتي ونصحتم لرسولي، آتيتكم خيرا مما أخذ منكم، وغفرت لكم.
16326- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء الخراساني. عن ابن عباس:(يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى)، عباس وأصحابه، قال: قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: آمنا بما جئت به، ونشهد إنك لرسول الله، لننصحن لك على قومنا. فنزل:(إن يعلم الله في قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا مما أخذ منكم)، إيمانا وتصديقا، يخلف لكم خيرا مما أصيب منكم =(ويغفر لكم)، الشرك الذي كنتم عليه. قال: فكان العباس يقول: ما أحب أن هذه الآية لم تنزل فينا، وأن لي الدنيا، لقد قال:(يؤتكم خيرا مما أخذ منكم) فقد أعطاني خيرا مما أخذ مني مئة ضعف، وقال:(ويغفر لكم)، وأرجو أن يكون قد غفر لي.

(14/74)


وإن يريدوا خيانتك فقد خانوا الله من قبل فأمكن منهم والله عليم حكيم (71)

16327- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله:(يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى) الآية، يعني العباس وأصحابه، أسروا يوم بدر. يقول الله: إن عملتم بطاعتي ونصحتم لي ولرسولي، أعطيتكم خيرا مما أخذ منكم وغفرت لكم. وكان العباس بن عبد المطلب يقول: لقد أعطانا الله خصلتين، ما شيء هو أفضل منهما: عشرين عبدا. وأما الثانية: فنحن في موعود الصادق ننتظر المغفرة من الله سبحانه.
* * *
القول في تأويل قوله : { وإن يريدوا خيانتك فقد خانوا الله من قبل فأمكن منهم والله عليم حكيم (71) }
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه: وإن يرد هؤلاء الأسارى الذين في أيديكم =(خيانتك)، أي الغدر بك والمكر والخداع، بإظهارهم لك بالقول خلاف ما في نفوسهم (1) =(فقد خانوا الله من قبل)، يقول: فقد خالفوا أمر الله من قبل وقعة بدر، وأمكن منهم ببدر المؤمنين (2) =(والله عليم)، بما يقولون بألسنتهم ويضمرونه في نفوسهم =(حكيم)، في تدبيرهم وتدبير أمور خلقه سواهم. (3)
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
16328- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا حجاج، عن
__________
(1) انظر تفسير " الخيانة " فيما سلف ص : 25 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .
(2) انظر تفسير " أمكن " فيما سلف 11 : 263 \ 12 : 315 .
(3) انظر تفسير " عليم " و " حكيم " فيما سلف من فهارس اللغة ( علم ) ، ( حكم ) .

(14/75)


ابن جريج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس:(وإن يريدوا خيانتك)، يعني: العباس وأصحابه في قولهم: آمنا بما جئت به، ونشهد أنك رسول الله، لننصحن لك على قومنا"، يقول: إن كان قولهم خيانة =(فقد خانوا الله من قبل فأمكن منهم)، يقول: قد كفروا وقاتلوك، فأمكنك الله منهم.
16329- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:(وإن يريدوا خيانتك) الآية، قال: ذكر لنا أن رجلا كتب لنبي الله صلى الله عليه وسلم ، ثم عمد فنافق، فلحق بالمشركين بمكة، ثم قال: "ما كان محمد يكتب إلا ما شئت!" فلما سمع ذلك رجل من الأنصار، نذر لئن أمكنه الله منه ليضربنه بالسيف. فلما كان يوم الفتح، أمن رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس إلا عبد الله بن سعد بن أبي سرح، ومقيس بن صبابة، (1) وابن خطل، وامرأة كانت تدعو على النبي صلى الله عليه وسلم كل صباح. فجاء عثمان بابن أبي سرح، وكان رضيعه = أو: أخاه من الرضاعة = فقال: يا رسول الله، هذا فلان أقبل تائبا نادما! فأعرض نبي الله صلى الله عليه وسلم . فلما سمع به الأنصاري أقبل متقلدا سيفه، فأطاف به، (2) وجعل ينظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجاء أن يومئ إليه. ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم يده فبايعه، فقال: أما والله لقد تلومتك فيه لتوفي نذرك! (3) فقال: يا نبي الله إني هبتك، فلولا أومضت إلي! (4) فقال: إنه لا ينبغي لنبي أن يومض. (5)
16330- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال،
__________
(1) في المطبوعة : " بن ضبابة " ، وهو خطأ محض .
(2) يقال : " طاف بالقوم ، وأطاف بهم " ، إذا استدار ، وجاء من نواحيهم وهو يحوم حولهم .
(3) " تلوم في الأمر " و " تلوم به " ، انتظر وتلبث وتأنى ، وتعدية مثل هذا الفعل من صريح العربية .
(4) " أومض إليه " ، أشار إشارة خفية ، من " إيماض البرق " ، إذا لمع لمعا خفيا ، ثم يخفى .
(5) الأثر : 16329 - انظر مسند أحمد 3 : 151 ، حديث أنس ، بغير هذا اللفظ .

(14/76)


إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق والله بما تعملون بصير (72)

حدثنا أسباط، عن السدي:(وإن يريدوا خيانتك فقد خانوا الله من قبل فأمكن منهم)، يقول: قد كفروا بالله ونقضوا عهده، فأمكن منهم ببدر.
* * *
القول في تأويل قوله : { إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض }
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: إن الذين صدقوا الله ورسوله = "وهاجروا"، يعني: هجروا قومهم وعشيرتهم ودورهم، يعني: تركوهم وخرجوا عنهم، وهجرهم قومهم وعشيرتهم (1) =(وجاهدوا في سبيل الله)، يقول: بالغوا في إتعاب نفوسهم وإنصابها في حرب أعداء الله من الكفار (2) =(في سبيل الله)، يقول: في دين الله الذي جعله طريقا إلى رحمته والنجاة من عذابه (3) =(والذين آووا ونصروا)، يقول: والذين آووا رسول الله والمهاجرين معه، يعني: أنهم جعلوا لهم مأوى يأوون إليه، وهو المثوى والمسكن، يقول: أسكنوهم، وجعلوا لهم من منازلهم مساكن إذ أخرجهم قومهم من منازلهم (4) =(ونصروا)، يقول: ونصروهم على أعدائهم وأعداء الله من المشركين =(أولئك بعضهم أولياء بعض)، يقول: هاتان الفرقتان، يعني المهاجرين والأنصار، بعضهم أنصار بعض، وأعوان على من سواهم من
__________
(1) انظر تفسير " المهاجرة " فيما سلف 4 : 317 ، 318 \ 7 : 490 \ 9 : 100 ، 122 .
(2) انظر تفسير " المجاهدة " فيما سلف 4 : 318 \ 10 : 292 ، 423 .
(3) انظر تفسير " سبيل الله " فيما سلف من فهارس اللغة ( سبل ) .
(4) انظر تفسير " آوى " ، و " المأوى " فيما سلف 13 : 477 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .

(14/77)


المشركين، وأيديهم واحدة على من كفر بالله، وبعضهم إخوان لبعض دون أقربائهم الكفار. (1)
* * *
وقد قيل: إنما عنى بذلك أن بعضهم أولى بميراث بعض، وأن الله ورث بعضهم من بعض بالهجرة والنصرة، دون القرابة والأرحام، وأن الله نسخ ذلك بعد بقوله:( وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله )، [سورة الأنفال: 75 \ وسورة الأحزاب: 6].
* ذكر من قال ذلك:
16331- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله:(إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض)، يعني: في الميراث، جعل الميراث للمهاجرين والأنصار دون ذوي الأرحام، قال الله:( والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا )، يقول: ما لكم من ميراثهم من شيء، وكانوا يعملون بذلك حتى أنزل الله هذه الآية:( وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله ) [سورة الأنفال: 75 \ وسورة الأحزاب: 6] ، في الميراث، فنسخت التي قلبها، وصار الميراث لذوي الأرحام.
16332- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله:(إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله)، يقول: لا هجرة بعد الفتح، إنما هو الشهادة بعد ذلك =(والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض)، إلى قوله:(حتى يهاجروا). وذلك أن المؤمنين كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم على ثلاث منازل: منهم المؤمن المهاجر المباين لقومه في الهجرة، خرج إلى
__________
(1) انظر تفسير " الولي " فيما سلف من فهارس اللغة ( ولي ) .

(14/78)


قوم مؤمنين في ديارهم وعقارهم وأموالهم = و(آووا ونصروا)، (1) وأعلنوا ما أعلن أهل الهجرة، وشهروا السيوف على من كذب وجحد، فهذان مؤمنان، جعل الله بعضهم أولياء بعض، فكانوا يتوارثون بينهم، إذا توفي المؤمن المهاجر ورثه الأنصاري بالولاية في الدين. وكان الذي آمن ولم يهاجر لا يرث من أجل أنه لم يهاجر ولم ينصر. فبرأ الله المؤمنين المهاجرين من ميراثهم، وهي الولاية التي قال الله:(ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا). وكان حقا على المؤمنين الذين آووا ونصروا إذا استنصروهم في الدين أن ينصروهم إن قاتلوا، إلا أن يستنصروا على قوم بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم ميثاق، فلا نصر لهم عليهم، إلا على العدو الذين لا ميثاق لهم. ثم أنزل الله بعد ذلك أن ألحق كل ذي رحم برحمه من المؤمنين الذين هاجروا والذين آمنوا ولم يهاجروا. فجعل لكل إنسان من المؤمنين نصيبا مفروضا بقوله:( وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله إن الله بكل شيء عليم ) [سورة الأنفال: 75] ، وبقوله:( والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض ) [سورة التوبة: 71] .
16333- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: الثلاث الآيات خواتيم الأنفال، فيهن ذكر ما كان والى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين مهاجري المسلمين وبين الأنصار في الميراث. ثم نسخ ذلك آخرها:( وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله إن الله بكل شيء عليم ).
16334- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن عبد الله بن كثير قوله:(إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا)، إلى قوله:(بما تعملون بصير)، قال: بلغنا أنها كانت في الميراث، لا يتوارث المؤمنون الذين هاجروا، والمؤمنون الذين لم يهاجروا. قال: ثم نزل بعد:( وأولو
__________
(1) في المطبوعة : " وفي قوله : آووا ونصروا " . زاد ما ليس في المطبوعة .

(14/79)


الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله إن الله بكل شيء عليم )، فتوارثوا ولم يهاجروا = قال ابن جريج، قال مجاهد: خواتيم "الأنفال" الثلاث الآيات، فيهن ذكر ما كان والي رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين المسلمين وبين الأنصار في الميراث، ثم نسخ ذلك آخرها:( وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله ).
16335- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة:(والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين آووا ونصروا)، إلى قوله:(ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا)، قال: لبث المسلمون زمانا يتوارثون بالهجرة، والأعرابي المسلم لا يرث من المهاجر شيئا، فنسخ ذلك بعد ذلك، فألحق الله (1) ( وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا )، [سورة الأحزاب: 6]، أي: من أهل الشرك، فأجيزت الوصية، (2) ولا ميراث لهم، وصارت المواريث بالملل، والمسلمون يرث بعضهم بعضا من المهاجرين والمؤمنين، ولا يرث أهل ملتين.
16336- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح، عن الحسن، عن يزيد، عن عكرمة والحسن قالا(إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله)، إلى قوله:(ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا)، كان الأعرابي لا يرث المهاجر، ولا يرثه المهاجر، فنسخها فقال:( وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله إن الله بكل شيء عليم ).
16337- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال،
__________
(1) في المطبوعة : " قول الله " ، مكان " فألحق الله " ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو الصواب .
(2) في المخطوطة : " حرت الوصية " ، هكذا غير منقوط ، وكأن الصواب ما في المطبوعة .
ولو قرئت : " خيرت الوصية " ( بالبناء للمجهول ) ، لكان وجها .

(14/80)


حدثنا أسباط، عن السدي:(إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعهم أولياء بعض)، في الميراث =(والذين آمنوا ولم يهاجروا)، وهؤلاء الأعراب =(ما لكم من ولايتهم من شيء)، في الميراث =(وإن استنصروكم في الدين) يقول: بأنهم مسلمون =(فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق والذين كفروا بعضهم أولياء بعض)، في الميراث =(والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم)، ثم نسختها الفرائض والمواريث، = "وأولوا الأرحام". الذين توارثوا على الهجرة =(بعضهم أولى ببعض في كتاب الله)، فتوارث الأعراب والمهاجرون. (1)
* * *
القول في تأويل قوله : { والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق والله بما تعملون بصير }
قال أبو جعفر: يعني بقوله تعالى ذكره:(والذين آمنوا). الذين صدقوا بالله ورسوله =(ولم يهاجروا). قومهم الكفار، ولم يفارقوا دار الكفر إلى دار الإسلام =(ما لكم)، أيها المؤمنون بالله ورسوله. المهاجرون قومهم المشركين وأرض الحرب (2) =(من ولايتهم)، يعني: من نصرتهم وميراثهم.
* * *
__________
(1) كانت هذه الجملة في المطبوعة : " فأولئك منكم ، والذين توارثوا على الهجرة في كتاب الله ، ثم نسختها الفرائض والمواريث ، فتوارث الأعراب والمهاجرون " قدم وأخر فيما كان في المخطوطة ، وهو : " فأولئك منكم ، ثم نسختها الفرائض والمواريث " الذي توارثوا على الهجرة في كتاب الله ، فتوارث الأعراب والمهاجرون . واستظهرت الصواب .
(2) انظر تفسير " الهجرة " فيما سلف ص 77 ، تعليق : ، والمراجع هناك .

(14/81)


وقد ذكرت قول بعض من قال: "معنى الولاية، ههنا الميراث"، وسأذكر إن شاء الله من حضرني ذكره بعد.
* * *
=(من شيء حتى يهاجروا)، قومهم ودورهم من دار الحرب إلى دار الإسلام =(وإن استنصروكم في الدين)، يقول: إن استنصركم هؤلاء الذين آمنوا ولم يهاجروا =(في الدين)، يعني: بأنهم من أهل دينكم على أعدائكم وأعدائهم من المشركين، "فعليكم"، أيها المؤمنون من المهاجرين والأنصار،(النصر) =(إلا) أن يستنصروكم =(على قوم بينكم وبينهم ميثاق)، يعني: عهد قد وثق به بعضكم على بعض أن لا يحاربه (1) =(والله بما تعملون بصير)، يقول: والله بما تعملون فيما أمركم ونهاكم من ولاية بعضكم بعضا، أيها المهاجرون والأنصار، وترك ولاية من آمن ولم يهاجر ونصرتكم إياهم عند استنصاركم في الدين، وغير ذلك من فرائض الله التي فرضها عليكم =(بصير)، يراه ويبصره، فلا يخفى عليه من ذلك ولا من غيره شيء. (2)
16338- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة:(ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا)، قال: كان المسلمون يتوارثون بالهجرة، وآخى النبي صلى الله عليه وسلم بينهم، فكانوا يتوارثون بالإسلام والهجرة. وكان الرجل يسلم ولا يهاجر، لا يرث أخاه، فنسخ ذلك قوله:( وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين ) [سورة الأحزاب: 6].
16339- حدثنا محمد قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الزهري: أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ على رجل دخل في الإسلام فقال:
__________
(1) انظر تفسير " الميثاق " فيما سلف 13 ، 315 ، تعليق : والمراجع هناك .
(2) انظر تفسير " بصير " فيما سلف من فهارس اللغة ( بصر ) .

(14/82)


تقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتحج البيت، وتصوم رمضان، وأنك لا ترى نار مشرك إلا وأنت حرب. (1)
16340- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله:(وإن استنصروكم في الدين)، يعني: إن استنصركم الأعراب المسلمون، أيها المهاجرون والأنصار، على عدوهم، فعليكم أن تنصروهم، إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق.
16341- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قال ابن عباس: ترك النبي صلى الله عليه وسلم الناس يوم توفي على أربع منازل: مؤمن مهاجر، والأنصار، وأعرابي مؤمن لم يهاجر; إن استنصره النبي صلى الله عليه وسلم نصره، وإن تركه فهو إذنه، (2) وإن استنصر النبي صلى الله عليه وسلم في الدين كان حقا عليه أن ينصره، فذلك قوله:(وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر) = والرابعة: التابعون بإحسان.
16342- حدثت عن الحسين بن الفرج قال: سمعت أبا معاذ قال، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله:(إن الذين آمنوا وهاجروا)، إلى آخر السورة، قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم توفي وترك الناس على أربع منازل (3) مؤمن مهاجر. ومسلم أعرابي، والذين آووا ونصروا، والتابعون بإحسان.
* * *
__________
(1) يعني بذلك : أن يبعد منزله عن منزل المشرك " حتى لا يرى ناره " نهى منه صلى الله عليه وسلم عن جوار لمشرك .
(2) في المطبوعة : " فهو إذن له " ثبت ما في المخطوطة .
(3) في المطبوعة : " قال رسول الله " وذلك أن كاتب المخطوطة وصل لام "قال" بألف "إن" ، ووصل ألف "إن" بنونها .

(14/83)


والذين كفروا بعضهم أولياء بعض إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير (73)

القول في تأويل قوله : { والذين كفروا بعضهم أولياء بعض إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير (73) }
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره:(والذين كفروا)، بالله ورسوله =(بعضهم أولياء بعض)، يقول: بعضهم أعوان بعض وأنصاره، وأحق به من المؤمنين بالله ورسوله. (1)
* * *
وقد ذكرنا قول من قال: "عنى بذلك أن بعضهم أحق بميراث بعض من قرابتهم من المؤمنين"، (2) وسنذكر بقية من حضرنا ذكره.
16343- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن السدي، عن أبي مالك قال، قال رجل: نورث أرحامنا من المشركين! فنزلت:(والذين كفروا بعضهم أولياء بعض)، الآية.
16344- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله:(والذين كفروا بعضهم أولياء بعض إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير)، نزلت في مواريث مشركي أهل العهد.
16345- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:(والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا)، إلى قوله:(وفساد كبير)، قال: كان المؤمن المهاجر والمؤمن الذي ليس بمهاجر، لا يتوارثان وإن كانا أخوين مؤمنين. قال: وذلك لأن هذا الدين كان بهذا البلد
__________
(1) انظر تفسير " ولي " فيما سلف من فهارس اللغة ( ولي )
(2) في المطبوعة : " عنى بيان أن بعضهم " ، وهو سياق فاسد . وفي المخطوطة : " عنى بيان بعضهم " ، غير منقوط ، مضطرب أيضا فاسد . والصواب ما أثبت .

(14/84)


قليلا حتى كان يوم الفتح، فلما كان يوم الفتح، وانقطعت الهجرة توارثوا حيثما كانوا بالأرحام. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا هجرة بعد الفتح"، وقرأ:( وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله ).
* * *
وقال آخرون: معنى ذلك: إن الكفار بعضهم أنصار بعض = وإنه لا يكون مؤمنا من كان مقيما بدار الحرب لم يهاجر. (1)
* ذكر من قال ذلك:
16346- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:(والذين كفروا بعضهم أولياء بعض)، قال: كان ينزل الرجل بين المسلمين والمشركين، فيقول: إن ظهر هؤلاء كنت معهم، وإن ظهر هؤلاء كنت معهم! فأبى الله عليهم ذلك، وأنزل الله في ذلك، فلا تراءى نار مسلم ونار مشرك، (2) إلا صاحب جزية مقر بالخراج.
16347- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال: حض الله المؤمنين على التواصل، فجعل المهاجرين والأنصار أهل ولاية في الدين دون سواهم، وجعل الكفار بعضهم أولياء بعض. (3)
* * *
وأما قوله:(إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير)، فإن أهل التأويل اختلفوا في تأويله.
فقال بعضهم: معناه: إلا تفعلوا، أيها المؤمنون، ما أمرتم به من موارثة المهاجرين منكم بعضهم من بعض بالهجرة، والأنصار بالإيمان، دون أقربائهم من أعراب المسلمين ودون الكفار =(تكن فتنة)، يقول: يحدث بلاء في الأرض
__________
(1) في المطبوعة : " ولم " بزيادة الواو .
(2) قوله : " لا تراءى نار مسلم ومشرك " ، أسند الترائي إلى النار ، كناية عن الجوار ، وانظر التعليق السالف ص : 83 ، رقم : 1 .
(3) الأثر : 16347 - سيرة ابن هشام 2 : 332 ، وهو تابع الأثر السالف رقم : 16318 .

(14/85)


بسبب ذلك (1) =(وفساد كبير)، يعني: ومعاص لله. (2)
* ذكر من قال ذلك:
16348- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:(إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير)، إلا تفعلوا هذا، تتركوهم يتوارثون كما كانوا يتوارثون =(تكن فتنة في الأرض وفساد كبير). قال: ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل الإيمان إلا بالهجرة، ولا يجعلونهم منهم إلا بالهجرة. (3)
16349- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس،قوله:(والذين كفروا بعضهم أولياء بعض)، يعني في الميراث =(إلا تفعلوه)، يقول: إلا تأخذوا في الميراث بما أمرتكم به =(تكن فتنة في الأرض وفساد كبير)،
* * *
وقال آخرون: معنى ذلك: إلا تناصروا، أيها المؤمنون، في الدين، تكن فتنة في الأرض وفساد كبير.
* ذكر من قال ذلك:
16350- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: جعل المهاجرين والأنصار أهل ولاية في الدين دون من سواهم، وجعل الكفار بعضهم أولياء بعض، ثم قال:(إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير)، إلا يوال المؤمن المؤمن من دون الكافر، وإن كان ذا رحم به =(تكن فتنة في الأرض وفساد كبير)، أي: شبهة في الحق والباطل، وظهور الفساد في الأرض، بتولي
__________
(1) انظر تفسير " الفتنة " فيما سلف 13 : 537 ، تعليق : 3 ، والمراجع هناك .
(2) انظر تفسير " الفساد " فيما سلف 13 : 36 ، تعليق : 3 ، والمراجع هناك .
(3) في المخطوطة : " ولا يجعلونهم مقيم " ، والصواب ما في المطبوعة .

(14/86)


المؤمن الكافر دون المؤمن. (1) ثم رد المواريث إلى الأرحام. (2)
16351- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج قوله:(إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير)، قال: إلا تعاونوا وتناصروا في الدين =(تكن فتنة في الأرض وفساد كبير).
* * *
قال أبو جعفر: وأولى التأويلين بتأويل قوله:(والذين كفروا بعضهم أولياء بعض)، قول من قال: معناه: أن بعضهم أنصار بعض دون المؤمنين، وأنه دلالة على تحريم الله على المؤمن المقام في دار الحرب وترك الهجرة، لأن المعروف في كلام العرب من معنى "الولي"، أنه النصير والمعين، أو: ابن العم والنسيب. (3) فأما الوارث فغير معروف ذلك من معانيه، إلا بمعنى أنه يليه في القيام بإرثه من بعده. وذلك معنى بعيد، وإن كان قد يحتمله الكلام. وتوجيه معنى كلام الله إلى الأظهر الأشهر، أولى من توجيهه إلى خلاف ذلك.
وإذ كان ذلك كذلك، فبين أن أولى التأويلين بقوله:(إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير)، تأويل من قال: إلا تفعلوا ما أمرتكم به من التعاون والنصرة على الدين، تكن فتنة في الأرض = إذ كان مبتدأ الآية من قوله:(إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله). بالحث على الموالاة على الدين والتناصر جاء، فكذلك (4) الواجب أن يكون خاتمتها به.
* * *
__________
(1) كان في المطبوعة بعد قوله " فساد كبير " ما نصه : " إن يتول المؤمن الكافر دون المؤمن ، ثم رد المواريث إلى الأرحام " ، ومثلها في المخطوطة إلا أنه كتب " إن يتولى " . وهو كلام مضطرب ، سببه أن " المؤمن " ذكر في الكلام مرات ، فأسقط ما بين " المؤمن " في قوله " إلا يوال المؤمن المؤمن " ، إلى قوله بعد : " بتولي المؤمن الكافر " ، فاضطراب الكلام ، وسقته على الصواب من سيرة ابن هشام .
(2) الأثر : 16350 - سيرة ابن هشام 2 : 332 ، 333 ، وهو تابع الأثر السالف رقم : 16347 ، وفيه جزء منه .
(3) انظر تفسير " الولي " فيما سلف من فهارس اللغة ( ولي ) .
(4) في المطبوعة والمخطوطة " وكذلك " بالواو ، والفاء حق السياق .

(14/87)


والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك هم المؤمنون حقا لهم مغفرة ورزق كريم (74)

القول في تأويل قوله : { والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك هم المؤمنون حقا لهم مغفرة ورزق كريم (74) }
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره:(والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين آووا ونصروا)، آووا رسول الله صلى الله عليه وسلم والمهاجرين معه ونصروهم، ونصروا دين الله، أولئك هم أهل الإيمان بالله ورسوله حقا، لا من آمن ولم يهاجر دار الشرك، وأقام بين أظهر أهل الشرك، ولم يغز مع المسلمين عدوهم (1) =(لهم مغفرة)، يقول: لهم ستر من الله على ذنوبهم، بعفوه لهم عنها (2) =(ورزق كريم)، يقول: لهم في الجنة مطعم ومشرب هني كريم، (3) لا يتغير في أجوافهم فيصير نجوا، (4) ولكنه يصير رشحا كرشح المسك (5)
* * *
وهذه الآية تنبئ عن صحة ما قلنا: أن معنى قول الله:(بعضهم أولياء بعض) في هذه الآية، وقوله:(ما لكم من ولايتهم من شيء)، إنما هو النصرة والمعونة، دون الميراث. لأنه جل ثناؤه عقب ذلك بالثناء على المهاجرين والأنصار والخبر عما لهم عنده، دون من لم يهاجر بقوله:(والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا
__________
(1) انظر تفسير " هاجر " و " جاهد " ، و " آوى " فيما سلف قريبا ص 77 ، تعليق : 1 - 4 ، والمراجع هناك .
(2) انظر تفسير " المغفرة " فيما سلف من فهارس اللغة " غفر " .
(3) انظر تفسير " رزق كريم " فيما سلف وكان في المطبوعة هنا " طعم ومشرب " ، والصواب من المخطوطة .
(4) " النجو " ، ما يخرج من البطن .
(5) روى مسلم وأبو داود من حديث جابر : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن أهل الجنة يأكلون فيها ويشربون ، ولا يتفلون ولا يبولون ولا يتغوطون ولا يمتخطون . قيل : فما بال الطعام ؟ قال : جشاء ورشح كرشح المسك ، يلهمون التسبيح والتحميد كما تلهمون النفس "
( صحيح مسلم 17 : 173 ) .

(14/88)


والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله إن الله بكل شيء عليم (75)

في سبيل الله والذين آووا ونصروا)، الآية، ولو كان مرادا بالآيات قبل ذلك، الدلالة على حكم ميراثهم، لم يكن عقيب ذلك إلا الحث على إمضاء الميراث على ما أمر. (1) وفي صحة ذلك كذلك، الدليل الواضح على أن لا ناسخ في هذه الآيات لشيء، ولا منسوخ.
* * *
القول في تأويل قوله : { والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم }
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: "والذين آمنوا"، بالله ورسوله، من بعد تبياني ما بينت من ولاية المهاجرين والأنصار بعضهم بعضا، وانقطاع ولايتهم ممن آمن ولم يهاجر حتى يهاجر =(وهاجروا)، دار الكفر إلى دار الإسلام =(وجاهدوا معكم)، أيها المؤمنون =(فأولئك منكم)، في الولاية، يجب عليكم لهم من الحق والنصرة في الدين والموارثة، مثل الذي يجب لكم عليهم، ولبعضكم على بعض، (2) كما:-
16352- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: ثم رد المواريث إلى الأرحام ممن أسلم بعد الولاية من المهاجرين والأنصار دونهم، إلى الأرحام التي بينهم، (3) فقال:(والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله)، أي: بالميراث (4) =(إن الله بكل شيء عليم). (5)
* * *
__________
(1) في المطبوعة : " إلا الحث على مضى " ، وفي المخطوطة: "على أمضى" ، وصواب قراءتها ما أثبت .
(2) انظر تفسير " هاجر " ، و " جاهد " فيما سلف ص : 88 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .
(3) في المطبوعة والمخطوطة : " ثم المواريث إلى الأرحام التي بينهم " ، أسقط من الكلام تمام الكلام الذي أثبته من سيرة ابن هشام ، وسبب ذلك كما فعل في رقم : 16350 ، هو ذكر " الأرحام " مرتين ، فاختلط عليه بصره فنقل ما نقل .
(4) في المطبوعة : " أي : في الميراث " ، وهو خطأ ، صوابه في المخطوطة والسيرة .
(5) الأثر : 16352 - سيرة ابن هشام 2 : 333 ، وهو تابع الأثر السالف رقم : 16350 .

(14/89)


القول في تأويل قوله : { وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله إن الله بكل شيء عليم (75) }
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: والمتناسبون بالأرحام =(بعضهم أولى ببعض)، في الميراث، إذا كانوا ممن قسم الله له منه نصيبا وحظا، من الحليف والولي =(في كتاب الله)، يقول: في حكم الله الذي كتبه في اللوح المحفوظ والسابق من القضاء (1) =(إن الله بكل شيء عليم)، يقول: إن الله عالم بما يصلح عباده، في توريثه بعضهم من بعض في القرابة والنسب، دون الحلف بالعقد، وبغير ذلك من الأمور كلها، لا يخفى عليه شيء منها. (2)
* * *
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
16353- حدثنا أحمد بن المقدام قال، حدثنا المعتمر بن سليمان قال، حدثنا أبي، قال، حدثنا قتادة أنه قال: كان لا يرث الأعرابي المهاجر، حتى أنزل الله:(وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله).
16354- حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا معاذ بن معاذ قال، حدثنا ابن عون، عن عيسى بن الحارث: أن أخاه شريح بن الحارث كانت له سرية، فولدت منه جارية، فلما شبت الجارية زوجت، فولدت غلاما، ثم ماتت السرية، واختصم شريح بن الحارث والغلام إلى شريح القاضي في ميراثها، فجعل شريح بن الحارث يقول: ليس له ميراث في كتاب الله! قال: فقضى شريح بالميراث للغلام. قال:(وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله)، فركب ميسرة بن يزيد إلى ابن الزبير، فأخبره بقضاء شريح وقوله، فكتب ابن
__________
(1) انظر تفسير " كتاب " فيما سلف ص : 64 ، تعليق 1 ، والمراجع هناك .
(2) انظر تفسير " عليم " فيما سلف من فهارس اللغة ( علم ) .

(14/90)


الزبير إلى شريح: "إن ميسرة أخبرني أنك قضيت بكذا وكذا"، وقلت:(وأولوا الأرحام بعضهم أؤلى ببعض في كتاب الله)، وإنه ليس كذلك، إنما نزلت هذه الآية: أن الرجل كان يعاقد الرجل يقول: "ترثني وأرثك"، فنزلت:(وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله) . فجاء بالكتاب إلى شريح، فقال شريح: أعتقها حيتان بطنها! (1) وأبى أن يرجع عن قضائه. (2)
16355- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية، عن ابن عون قال، حدثني عيسى بن الحارث قال: كانت لشريح بن الحارث سرية، فذكر نحوه = إلا إنه قال في حديثه: كان الرجل يعاقد الرجل يقول: "ترثني وأرثك"، فلما نزلت ترك ذلك. (3)
آخر تفسير "سورة الأنفال"
والحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد وآله.
__________
(1) في المطبوعة : " جنين " ، غير ما في المخطوطة . وفي أخبار القضاة لوكيع " جنان بطنها " ، والذي هنا ، وفي أخبار القضاة ، مشكل ، فأثبته حتى أعرف صوابه ، أو يعرفه غيري .
(2) الأثر : 16354 ، 16355 - رواه وكيع في أخبار القضاة 2 : 320 ، 321 ، من طريق عمرو بن بشر ، عن حسن بن عيسى ، عن عبد الله ، عن ابن عون ، بنحوه .
(3) الأثر : 16354 ، 16355 - رواه وكيع في أخبار القضاة 2 : 320 ، 321 ، من طريق عمرو بن بشر ، عن حسن بن عيسى ، عن عبد الله ، عن ابن عون ، بنحوه .

(14/91)


براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين (1) فسيحوا في الأرض أربعة أشهر واعلموا أنكم غير معجزي الله وأن الله مخزي الكافرين (2)

(القول في تفسير السورة التي يذكر فيها التوبة)
* * *
القول في تأويل قوله : { براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين (1) فسيحوا في الأرض أربعة أشهر واعلموا أنكم غير معجزي الله وأن الله مخزي الكافرين (2) }
قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه:(براءة من الله ورسوله)، هذه براءة من الله ورسوله.
فـ "براءة"، مرفوعة بمحذوف، وهو "هذه"، كما قوله:( سورة أنزلناها )، [سورة النور: 1]، مرفوعة بمحذوف هو "هذه". ولو قال قائل: "براءة" مرفوعة بالعائد من ذكرها في قوله:(إلى الذين عاهدتم)، وجعلها كالمعرفة ترفع ما بعدها، إذ كانت قد صارت بصلتها وهي قوله:(من الله ورسوله)، كالمعرفة، وصار معنى الكلام: البراءة من الله ورسوله، إلى الذين عاهدتم من المشركين (1) = كان مذهبا غير مدفوعة صحته، وإن كان القول الأول أعجب إلي، لأن من شأن العرب أن يضمروا لكل معاين نكرة كان أو معرفة ذلك المعاين، "هذا" و"هذه"، فيقولون عند معاينتهم الشيء الحسن: "حسن والله"، والقبيح: "قبيح والله"، يريدون: هذا حسن والله، وهذا قبيح والله، فلذلك اخترت القول الأول.
__________
(1) في المطبوعة والمخطوطة : " براءة " مكان " البراءة " ، والسياق يقتضي ما أثبت إن شاء الله .

(14/93)


وقال:(براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم)، والمعنى: إلى الذين عاهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من المشركين، لأن العهود بين المسلمين والمشركين عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، لم يكن يتولى عقدها إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم أو من يعقدها بأمره، ولكنه خاطب المؤمنين بذلك لعلمهم بمعناه، وأن عقود النبي صلى الله عليه وسلم على أمته كانت عقودهم، لأنهم كانوا لكل أفعاله فيهم راضين، ولعقوده عليهم مسلمين، فصار عقده عليهم كعقودهم على أنفسهم، فلذلك قال:(إلى الذين عاهدتم من المشركين)، لما كان من عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعهده.
* * *
وقد اختلف أهل التأويل فيمن برئ الله ورسوله إليه من العهد الذي كان بينه وبين رسول الله من المشركين، فأذن له في السياحة في الأرض أربعة أشهر.
فقال بعضهم: هم صنفان من المشركين: أحدهما كانت مدة العهد بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم أقل من أربعة أشهر، وأمهل بالسياحة أربعة أشهر = والآخر منهما: كانت مدة عهده بغير أجل محدود، فقصر به على أربعة أشهر ليرتاد لنفسه، ثم هو حرب بعد ذلك لله ولرسوله وللمؤمنين، يقتل حيثما أدرك ويؤسر، إلا أن يتوب.
* ذكر من قال ذلك:
16356- حدثنا ابن حميد قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال، بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر الصديق رضى الله عنه أميرا على الحاج من سنة تسع، ليقيم للناس حجهم، والناس من أهل الشرك على منازلهم من حجهم. فخرج أبو بكر ومن معه من المسلمين، ونزلت "سورة براءة" في نقض ما بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين المشركين من العهد الذي كانوا عليه فيما بينه وبينهم: أن لا يصد عن البيت أحد جاءه، وأن لا يخاف أحد في الشهر الحرام. وكان ذلك عهدا عاما بينه وبين الناس من أهل الشرك. وكانت بين

(14/96)


ذلك عهود بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين قبائل من العرب خصائص إلى أجل مسمى، (1) فنزلت فيه وفيمن تخلف عنه من المنافقين في تبوك، وفي قول من قال منهم، فكشف الله فيها سرائر أقوام كانوا يستخفون بغير ما يظهرون، منهم من سمي لنا، ومنهم من لم يسم لنا، فقال:(براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين)، أي: لأهل العهد العام من أهل الشرك من العرب =(فسيحوا في الأرض أربعة أشهر)، إلى قوله:(أن الله بريء من المشركين ورسوله)، أي: بعد هذه الحجة. (2)
* * *
وقال آخرون: بل كان إمهال الله عز وجل بسياحة أربعة أشهر، من كان من المشركين بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد، فأما من لم يكن له من رسول الله عهد، فإنما كان أجله خمسين ليلة، وذلك عشرون من ذي الحجة والمحرم كله. قالوا: وإنما كان ذلك كذلك، لأن أجل الذين لا عهد لهم كان إلى انسلاخ الأشهر الحرم، كما قال الله:( فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم )، الآية [سورة التوبة: 5]. قالوا: والنداء ببراءة، كان يوم الحج الأكبر، وذلك يوم النحر في قول قوم، وفي قول آخرين يوم عرفة، وذلك خمسون يوما. قالوا: وأما تأجيل الأشهر الأربعة، فإنما كان لأهل العهد بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم من يوم نزلت "براءة". قالوا: ونزلت في أول شوال، فكان انقضاء مدة أجلهم، انسلاخ الأشهر الحرم. وقد كان بعض من يقول هذه المقالة يقول: ابتداء التأجيل كان للفريقين واحدا = أعني الذي له العهد، والذي لا عهد له = غير أن أجل الذي كان له عهد كان أربعة أشهر، والذي لا عهد له انسلاخ الأشهر الحرم، وذلك انقضاء المحرم.
* ذكر من قال ذلك:
__________
(1) " خصائص " يعني لأنها لهم خاصة دون غيرهم .
(2) الأثر : 16356 - سيرة ابن هشام 4 : 188 .

(14/97)


16357- حدثنا المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس في قوله:(براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين فسيحوا في الأرض أربعة أشهر)، قال: حد الله للذين عاهدوا رسوله أربعة أشهر، يسيحون فيها حيثما شاؤوا، وحد أجل من ليس له عهد، انسلاخ الأشهر الحرم من يوم النحر إلى انسلاخ المحرم، فذلك خمسون ليلة. فإذا انسلخ الأشهر الحرم، أمره بأن يضع السيف فيمن عاهد.
16358- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: لما نزلت(براءة من الله)، إلى:(وأن الله مخزي الكافرين)، يقول: براءة من المشركين الذين كان لهم عهد يوم نزلت "براءة"، فجعل مدة من كان له عهد قبل أن تنزل "براءة"، أربعة أشهر، وأمرهم أن يسيحوا في الأرض أربعة أشهر. وجعل مدة المشركين الذين لم يكن لهم عهد قبل أن تنزل "براءة"، انسلاخ الأشهر الحرم، وانسلاخ الأشهر الحرم من يوم أذن ببراءة إلى انسلاخ المحرم، وهي خمسون ليلة: عشرون من ذي الحجة، وثلاثون من المحرم =(فإذا انسلخ الأشهر الحرم) إلى قوله:(واقعدوا لهم كل مرصد)، يقول: لم يبق لأحد من المشركين عهد ولا ذمة منذ نزلت "براءة" وانسلخ الأشهر الحرم، ومدة من كان له عهد من المشركين قبل أن تنزل "براءة"، أربعة أشهر من يوم أذن ببراءة، إلى عشر من أول ربيع الآخر، فذلك أربعة أشهر.
16359- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله:(براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين). قبل أن تنزل "براءة"، عاهد ناسا من المشركين من أهل مكة وغيرهم، فنزلت: براءة من الله إلى كل أحد ممن كان عاهدك من المشركين، فإني أنقض العهد الذي بينك وبينهم، فأؤجلهم أربعة أشهر يسيحون

(14/98)


حيث شاؤوا من الأرض آمنين. وأجل من لم يكن بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم عهد انسلاخ الأشهر الحرم، من يوم أذن ببراءة، وأذن بها يوم النحر، فكان عشرين من ذي الحجة والمحرم ثلاثين، فذلك خمسون ليلة. فأمر الله نبيه إذا انسلخ المحرم أن يضع السيف فيمن لم يكن بينه وبين نبي الله صلى الله عليه وسلم عهد، يقتلهم حتى يدخلوا في الإسلام. وأمر بمن كان له عهد إذا انسلخ أربعة من يوم النحر، أن يضع فيهم السيف أيضا، يقتلهم حتى يدخلوا في الإسلام. فكانت مدة من لا عهد بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسين ليلة من يوم النحر، ومدة من كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد، أربعة أشهر: من يوم النحر، إلى عشر يخلون من شهر ربيع الآخر.
16360- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:(براءة من الله ورسوله)، إلى قوله:(وبشر الذين كفروا بعذاب أليم)، قال: ذكر لنا أن عليا نادى بالأذان، وأمر على الحاج أبو بكر رحمة الله عليهما. وكان العام الذي حج فيه المسلمون والمشركون، ولم يحج المشركون بعد ذلك العام = قوله:(الذين عاهدتم من المشركين)، إلى قوله:(إلى مدتهم)، قال: هم مشركو قريش، الذين عاهدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم زمن الحديبية، وكان بقي من مدتهم أربعة أشهر بعد يوم النحر، وأمر الله نبيه أن يوفي بعهدهم إلى مدتهم، ومن لا عهد له انسلاخ المحرم، ونبذ إلى كل ذي عهد عهده، وأمر بقتالهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ولا يقبل منهم إلا ذلك.
* * *
وقال آخرون: كان ابتداء تأخير المشركين أربعة أشهر وانقضاء ذلك لجميعهم، وقتا واحدا. قالوا: وكان ابتداؤه يوم الحج الأكبر، وانقضاؤه انقضاء عشر من ربيع الآخر.
* ذكر من قال ذلك:
16361- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:(براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين)،

(14/99)


قال: لما نزلت هذه الآية. برئ من عهد كل مشرك، ولم يعاهد بعدها إلا من كان عاهد، وأجرى لكل مدتهم =(فسيحوا في الأرض أربعة أشهر)، لمن دخل عهده فيها، من عشر ذي الحجة والمحرم، وصفر، وشهر ربيع الأول، وعشر من ربيع الآخر.
16362- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا أبو معشر قال، حدثنا محمد بن كعب القرظي وغيره قالوا: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر أميرا على الموسم سنة تسع، وبعث علي بن أبي طالب، رضي الله عنهما، بثلاثين أو أربعين آية من "براءة"، فقرأها على الناس، يؤجل المشركين أربعة أشهر يسيحون في الأرض، فقرأ عليهم "براءة" يوم عرفة، أجل المشركين عشرين من ذي الحجة، والمحرم، وصفر، وشهر ربيع الأول، وعشرا من ربيع الآخر، وقرأها عليهم في منازلهم، وقال: لا يحجن بعد عامنا هذا مشرك، ولا يطوفن بالبيت عريان.
16363- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة:(فسيحوا في الأرض أربعة أشهر)، عشرون من ذي الحجة، والمحرم، وصفر، وربيع الأول، وعشر من ربيع الآخر. كان ذلك عهدهم الذي بينهم.
16364- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:(براءة من الله ورسوله)، إلى أهل العهد: خزاعة، ومدلج، ومن كان له عهد منهم أو غيرهم. (1) أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم من تبوك حين فرغ، فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم الحج، ثم قال: إنه يحضر المشركون فيطوفون عراة، فلا أحب أن أحج حتى لا يكون ذلك. فأرسل أبا بكر وعليا رحمة الله عليهما فطافا بالناس بذي المجاز، وبأمكنتهم التي كانوا يتبايعون بها، وبالمواسم كلها، فآذنوا أصحاب العهد بأن يأمنوا أربعة أشهر، فهي الأشهر المتواليات: عشرون من آخر ذي الحجة إلى عشر يخلون
__________
(1) في المخطوطة : " ومن كان له أو غيرهم " ، والذي في المطبوعة : " ومن كان له عهد من غيرهم " ، وصححتها كما ترى .

(14/100)


من شهر ربيع الآخر، ثم لا عهد لهم. وآذن الناس كلها بالقتال إلا أن يؤمنوا.
16365- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد قوله:(براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين)، قال: أهل العهد: مدلج، والعرب الذين عاهدهم، ومن كان له عهد. قال: أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم من تبوك حين فرغ منها وأراد الحج، ثم قال: إنه يحضر البيت مشركون يطوفون عراة فلا أحب أن أحج حتى لا يكون ذلك. فأرسل أبا بكر وعليا رحمة الله عليهما، فطافا بالناس بذي المجاز، وبأمكنتهم التي كانوا يتبايعون بها، وبالموسم كله، وآذنوا أصحاب العهد بأن يأمنوا أربعة أشهر، فهي الأشهر الحرم المنسلخات المتواليات: عشرون من آخر ذي الحجة إلى عشر يخلون من شهر ربيع الآخر، ثم لا عهد لهم. وآذن الناس كلهم بالقتال إلا أن يؤمنوا. فآمن الناس أجمعون حينئذ، ولم يسح أحد. وقال: حين رجع من الطائف، مضى من فوره ذلك، فغزا تبوك، بعد إذ جاء إلى المدينة.
* * *
وقال آخرون ممن قال: "ابتداء الأجل لجميع المشركين وانقضاؤه كان واحدا". كان ابتداؤه يوم نزلت "براءة"، وانقضاء الأشهر الحرم، وذلك انقضاء المحرم.
* ذكر من قال ذلك:
16366- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الزهري:(فسيحوا في الأرض أربعة أشهر)، قال: نزلت في شوال، فهذه الأربعة الأشهر: شوال، وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم.
* * *
وقال آخرون: إنما كان تأجيل الله الأشهر الأربعة المشركين في السياحة، لمن كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد مدته أقل من أربعة أشهر. أما من كان له عهد مدته أكثر من أربعة أشهر، فإنه أمر صلى الله عليه وسلم أن يتم له عهده إلى مدته.

(14/101)


* ذكر من قال ذلك:
16367- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر قال: قال الكلبي: إنما كان الأربعة الأشهر لمن كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد دون الأربعة الأشهر، فأتم له الأربعة. ومن كان له عهد أكثر من أربعة أشهر، فهو الذي أمر أن يتم له عهده، وقال:( فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم )، [سورة التوبة: 4].
* * *
قال أبو جعفر رحمه الله: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، قول من قال: الأجل الذي جعله الله لأهل العهد من المشركين، وأذن لهم بالسياحة فيه بقوله:(فسيحوا في الأرض أربعة أشهر)، إنما هو لأهل العهد الذين ظاهروا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونقضوا عهدهم قبل انقضاء مدته. فأما الذين لم ينقضوا عهدهم ولم يظاهروا عليه، فإن الله جل ثناؤه أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بإتمام العهد بينه وبينهم إلى مدته بقوله:( إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب المتقين )، [سورة التوبة: 4]
فإن ظن ظان أن قول الله تعالى ذكره:( فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم )، [سورة التوبة: 5]، يدل على خلاف ما قلنا في ذلك، إذ كان ذلك ينبئ على أن الفرض على المؤمنين كان بعد انقضاء الأشهر الحرم، (1) قتل كل مشرك، فإن الأمر في ذلك بخلاف ما ظن، وذلك أن الآية التي تتلو ذلك تبين عن صحة ما قلنا، (2) وفساد ما ظنه من ظن أن انسلاخ الأشهر
__________
(1) في المطبوعة : " ينبئ عن أن . . . " ، وقد سلف مرارا أن استعمل أبو جعفر " على " مع " ينبئ " ، فأثبتها كما في المخطوطة ، وهي جائزة لتضمنها معنى " يدل " .
(2) في المطبوعة : " تنبئ عن صحة " ، وأثبت ما في المخطوطة .

(14/102)


الحرم كان يبيح قتل كل مشرك، كان له عهد من رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو لم يكن له منه عهد، وذلك قوله:( كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم إن الله يحب المتقين )، [سورة التوبة: 7]، فهؤلاء مشركون، وقد أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بالاستقامة لهم في عهدهم، ما استقاموا لهم بترك نقض صلحهم، وترك مظاهرة عدوهم عليهم.
وبعد، ففي الأخبار المتظاهرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه حين بعث عليا رحمة الله عليه ببراءة إلى أهل العهود بينه وبينهم، أمره فيما أمره أن ينادي به فيهم: "ومن كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فعهده إلى مدته"، أوضح الدليل على صحة ما قلنا. وذلك أن الله لم يأمر نبيه صلى الله عليه وسلم بنقض عهد قوم كان عاهدهم إلى أجل فاستقاموا على عهدهم بترك نقضه، وأنه إنما أجل أربعة أشهر من كان قد نقض عهده قبل التأجيل، أو من كان له عهد إلى أجل غير محدود. فأما من كان أجل عهده محدودا، ولم يجعل بنقضه على نفسه سبيلا فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان بإتمام عهده إلى غاية أجله مأمورا. وبذلك بعث مناديه ينادي به في أهل الموسم من العرب.
16368- حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا قيس، عن مغيرة، عن الشعبي قال، حدثني محرر بن أبي هريرة، عن أبي هريرة قال: كنت مع علي رحمة الله عليه، حين بعثه النبي صلى الله عليه وسلم ينادي. فكان إذا صحل صوته ناديت، (1) قلت: بأي شيء كنتم تنادون؟ قال: بأربع: لا يطف بالكعبة عريان، ومن كان له عند رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد
__________
(1) " صحل صوته " ، هو البحح . وله معنى آخر شبيه به في حديث أم معبد ، في صفة رسول الله ، بأبي هو وأمي ، صلى الله عليه وسلم قالت : " وفي صوته صحل " ، ( بفتحتين ) ، وهو مثل البحة في الصوت . فلا يكون حادا رفيعا .

(14/103)


فعهده إلى مدته، ولا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، ولا يحج بعد عامنا هذا مشرك. (1)
16369- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا عفان قال، حدثنا قيس بن الربيع قال، حدثنا الشيباني، عن الشعبي قال: أخبرنا المحرر بن أبي هريرة، عن أبيه قال: كنت مع علي رضي الله عنه، فذكر نحوه = إلا أنه قال: ومن كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فعهده إلى أجله. (2)
* * *
قال أبو جعفر: وقد حدث بهذا الحديث شعبة، فخالف قيسا في الأجل.
16370- فحدثني يعقوب بن إبراهيم ومحمد بن المثنى قالا حدثنا عثمان بن عمر قال، حدثنا شعبة، عن المغيرة، عن الشعبي، عن المحرر بن أبي هريرة، عن أبيه قال: كنت مع علي حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم ببراءة إلى أهل مكة، فكنت أنادي حتى صحل صوتي. فقلت: بأي شيء كنت تنادي؟ قال: أمرنا أن ننادي: أنه لا يدخل الجنة إلا مؤمن، ومن كان بينه وبين رسول
__________
(1) الأثر : 16368 - رواه أبو جعفر بثلاثة أسانيد ، وسيأتي تخريجه فيما بعد . " قيس " ، هو : " قيس بن الربيع الأسدي " ، لينه أحمد وغيره ، وقد سلف مرارا آخرها رقم: 12802 . و"مغيرة" هو: "مغيرة بن مقسم الضبي"، ثقة، روى له الجماعة. سلف مرارا، آخرها رقم : 11340 . و " محرر بن أبي هريرة " ، تابعي ثقة ، قليل الحديث ، سلف برقم : 2863 . وهذا خبر ضعيف إسناده ، لضعف " قيس بن الربيع " .
(2) الأثر : 16369 - هذا الإسناد الثاني من حديث المحرر بن أبي هريرة . " عفان " ، هو : " عفان بن مسلم بن عبد الله الصفار " ، روى له الجماعة ، كان يروي عن قيس بن الربيع ، ويقع فيه . مضت ترجمته برقم : 5392 . و " الشيباني " هو " أبو إسحاق الشيباني " ، " سليمان بن أبي سليمان " ، الإمام ، مضى مرارا ، من آخرها رقم : 12489 . وعلة إسناده ضعف " قيس بن الربيع " . ولكن رواه الحاكم في المستدرك 2 : 331 من طريق شعبة ، عن سليمان الشيباني ، وقال : " هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه " ، ووافقه الذهبي . انظر التعليق التالي .

(14/104)


الله صلى الله عليه وسلم عهد فأجله إلى أربعة أشهر، فإذا حل الأجل فإن الله بريء من المشركين ورسوله، ولا يطف بالبيت عريان، ولا يحج بعد العام مشرك. (1)
* * *
قال أبو جعفر : وأخشى أن يكون هذا الخبر وهما من ناقله في الأجل، لأن الأخبار متظاهرة في الأجل بخلافه، مع خلاف قيس شعبة في نفس هذا الحديث على ما بينته.
16371- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن أبي إسحاق، عن الحارث الأعور، عن علي رحمة الله عليه قال: أمرت بأربع: أمرت أن لا يقرب البيت بعد هذا العام مشرك، ولا يطف رجل بالبيت عريانا، ولا يدخل الجنة إلا كل نفس مسلمة، وأن يتم إلى كل ذي عهد عهده. (2)
__________
(1) الأثر : 16370 - هذا هو الإسناد الثالث : " عثمان بن عمر بن فارس العبدي " ، ثقة روى له الجماعة ، مضى مرارا . منها رقم : 5458 ، وغيره . وهذا الخبر من طريق شعبة ، عن المغيرة ، رواه أحمد في مسنده رقم : 7964 ، ورواه النسائي في سننه 5 : 234 . ورواه الحاكم في المستدرك 2 : 331 من طريق أخرى ، عن النضر بن شميل ، عن شعبة ، عن سليمان الشيباني وقال : " هذا حديث صحيح الإسناد ، ولم يخرجاه " ، ووافقه الذهبي . انظر التعليق السالف . واستوفى الكلام فيه ابن كثير في تفسيره 4 : 111 ، وفي التاريخ 5 : 38 ، وقال في التاريخ : " وهذا إسناد جيد ، ولكن فيه نكارة من جهة قول الراوي : إن من كان له عهد فأجله إلى أربعة أشهر . وقد ذهب إلى هذا ذاهبون ، ولكن الصحيح : أن من كان له عهد فأجله إلى أمده بالغا ما بلغ ، ولو زاد على أربعة أشهر . ومن ليس له أمد بالكلية ، فله تأجيل أربعة أشهر . بقى قسم ثالث ، وهو : من له أمد يتناهى إلى أقل من أربعة أشهر من يوم التأجيل ، وهذا يحتمل أن يلتحق بالأول ، فيكون أجله إلى مدته وإن قل . ويحتمل أن يقال إنه يؤجل إلى أربعة أشهر ، لأنه أولى ممن ليس له عهد بالكلية " . وانظر شرح الخبر في مسند أحمد .
(2) الأثر : 16371 - " الحارث الأعور " ، هو " الحارث بن عبد الله الهمداني " ، ضعيف جدا ، سلف مرارا ، انظر رقم : 174 . فإسناده ضعيف . وسيأتي بإسناد آخر رقم : 16374 .

(14/105)


16372- حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن زيد بن يثيع قال: نزلت "براءة"، فبعث بها رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر، ثم أرسل عليا فأخذها منه. فلما رجع أبو بكر قال: هل نزل في شيء؟ قال: لا ولكني أمرت أن أبلغها أنا أو رجل من أهل بيتي. فانطلق إلى مكة، (1) فقام فيهم بأربع: أن لا يدخل مكة مشرك بعد عامه هذا، ولا يطف بالكعبة عريان، ولا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة، ومن كان بينه وبين رسول الله عهد فعهده إلى مدته. (2)
16373- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو أسامة، عن زكريا، عن أبي إسحاق، عن زيد بن يثيع، عن علي قال: بعثني النبي صلى الله عليه وسلم حين أنزلت: "براءة" بأربع: أن لا يطف بالبيت عريان، ولا يقرب المسجد الحرام مشرك بعد عامهم هذا، ومن كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فهو إلى مدته، ولا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة. (3)
16374- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن عبد الأعلى، عن معمر،
__________
(1) قوله : " فانطلق " ، يعني عليا رحمه الله .
(2) الأثران : 16372 ، 16373 - حديث زيد بن يثيع ، سيرويه من ثلاث طرق ، هذا ، والذي يليه ، ثم رقم : 16379 . و " زيد بن يثيع " ، أو " أثيع " بالتصغير فيهما ، تابعي ثقة قليل الحديث ، مضى برقم : 15737 . وهذا الخبر رواه أحمد في مسنده رقم : 594 ، من طريق سفيان ، عن أبي إسحاق السبيعي ، وإسناده صحيح . ورواه الترمذي في كتاب الحج ، باب ما جاء في كراهية الطواف عريانا ، وقال : " وفي الباب عن أبي هريرة ، قال أبو عيسى : حديث على حسن " . ويعني بحديث أبي هريرة ما سلف رقم : 16368 - 16370 . ثم رواه أيضا في كتاب التفسير وقال : " هذا حديث حسن صحيح " . وروى أحمد في مسند أبي بكر رقم : 4 ، نحو هذا الحديث مطولا ، من حديث زيد بن يثيع ، عن أبي بكر .
(3) الأثران : 16372 ، 16373 - حديث زيد بن يثيع ، سيرويه من ثلاث طرق ، هذا ، والذي يليه ، ثم رقم : 16379 . و " زيد بن يثيع " ، أو " أثيع " بالتصغير فيهما ، تابعي ثقة قليل الحديث ، مضى برقم : 15737 . وهذا الخبر رواه أحمد في مسنده رقم : 594 ، من طريق سفيان ، عن أبي إسحاق السبيعي ، وإسناده صحيح . ورواه الترمذي في كتاب الحج ، باب ما جاء في كراهية الطواف عريانا ، وقال : " وفي الباب عن أبي هريرة ، قال أبو عيسى : حديث على حسن " . ويعني بحديث أبي هريرة ما سلف رقم : 16368 - 16370 . ثم رواه أيضا في كتاب التفسير وقال : " هذا حديث حسن صحيح " . وروى أحمد في مسند أبي بكر رقم : 4 ، نحو هذا الحديث مطولا ، من حديث زيد بن يثيع ، عن أبي بكر .

(14/106)


عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي رحمة الله عليه، قال: بعثت إلى أهل مكة بأربع، ثم ذكر الحديث. (1)
16375- حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري قال، حدثنا حسين بن محمد قال، حدثنا سليمان بن قرم، عن الأعمش، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أبا بكر ببراءة، ثم أتبعه عليا، فأخذها منه، فقال أبو بكر: يا رسول الله حدث في شيء؟ قال: "لا أنت صاحبي في الغار وعلى الحوض، ولا يؤدي عني إلا أنا أو علي! وكان الذي بعث به عليا أربعا: لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة، ولا يحج بعد العام مشرك، ولا يطف بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فهو إلى مدته. (2)
16376- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن ابن أبي خالد، عن عامر قال: بعث النبي صلى الله عليه وسلم عليا رحمة الله عليه، فنادى: ألا لا يحجن بعد العام مشرك، ولا يطف بالبيت عريان، ولا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة، ومن كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فأجله إلى مدته، والله بريء من المشركين ورسوله.
16377- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثنا محمد بن إسحاق، عن حكيم بن حكيم بن عباد بن حنيف، عن أبي جعفر محمد بن علي بن حسين
__________
(1) الأثر : 16374 - انظر التعليق على الأثر رقم : 16371 .
(2) الأثر : 16375 - " حسين بن محمد المروزي " ، روى له الجماعة ، مضى مرارا ، آخرها رقم: 15338. و"سليمان بن قرم بن معاذ التيمي"، ثقة، غمزوه بالغلو في التشيع. مضى برقم: 9163. و " الحكم " هو " الحكم بن عتيبة " ، مضى مرارا . وهذا الخبر رواه الترمذي في كتاب التفسير ، من طريق أخرى ، من طريق عباد بن العوام ، عن سفيان بن الحسين ، عن الحكم بن عتيبة ، بنحوه ، وقال : " هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه ، من حديث ابن عباس " .

(14/107)


بن علي قال: لما نزلت براءة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد كان بعث أبا بكر الصديق رحمة الله عليه ليقيم الحج للناس; قيل له: يا رسول الله، لو بعثت إلى أبي بكر! فقال: لا يؤدي عني إلا رجل من أهل بيتي! ثم دعا علي بن أبي طالب رحمة الله عليه، فقال: اخرج بهذه القصة من صدر "براءة"، وأذن في الناس يوم النحر إذا اجتمعوا بمنى: أنه لا يدخل الجنة كافر، ولا يحج بعد العام مشرك، ولا يطف بالبيت عريان، ومن كان له عند رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فهو إلى مدته. فخرج علي بن أبي طالب رحمة الله عليه على ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم العضباء، حتى أدرك أبا بكر الصديق بالطريق. فلما رآه أبو بكر قال: أمير أو مأمور؟ قال: مأمور، ثم مضيا رحمة الله عليهما، فأقام أبو بكر للناس الحج، والعرب إذ ذاك في تلك السنة على منازلهم من الحج التي كانوا عليها في الجاهلية. حتى إذا كان يوم النحر، قام علي بن أبي طالب رحمة الله عليه، فأذن في الناس بالذي أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا أيها الناس، لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة، ولا يحج بعد العام مشرك، ولا يطف بالبيت عريان، ومن كان له عهد عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو له إلى مدته. فلم يحج بعد ذلك العام مشرك، ولم يطف بالبيت عريان. ثم قدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكان هذا من "براءة"، فيمن كان من أهل الشرك من أهل العهد العام، وأهل المدة إلى الأجل المسمى. (1)
16378- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: لما نزلت هذه الآيات إلى رأس أربعين آية، بعث بهن رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أبي بكر وأمره على الحج. فلما سار فبلغ
__________
(1) الأثر : 16377 - سيرة ابن هشام 4 : 190 ، 191 . " حكيم بن حكيم بن عباد بن حنيف الأنصاري " ، ثقة ، تكلموا فيه ، حتى قال ابن سعد : " كان قليل الحديث ، ولا يحتجون بحديثه " ، مضى برقم : 11741 .

(14/108)


الشجرة من ذي الحليفة، أتبعه بعلي فأخذها منه. فرجع أبو بكر إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، أنزل في شأني شيء؟ قال: لا ولكن لا يبلغ عني غيري، أو رجل مني، أما ترضى يا أبا بكر أنك كنت معي في الغار، وأنك صاحبي على الحوض؟ قال: بلى، يا رسول الله! فسار أبو بكر على الحاج، وعلي يؤذن ببراءة، فقام يوم الأضحى فقال: لا يقربن المسجد الحرام مشرك بعد عامه هذا، ولا يطوفن بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فله عهده إلى مدته، وإن هذه أيام أكل وشرب، وإن الله لا يدخل الجنة إلا من كان مسلما. فقالوا: نحن نبرأ من عهدك وعهد ابن عمك إلا من الطعن والضرب! فرجع المشركون، فلام بعضهم بعضا وقالوا: ما تصنعون، وقد أسلمت قريش؟ فأسلموا.
16379- حدثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر، عن أبي إسحاق، عن زيد بن يثيع، عن علي قال: أمرت بأربع: أن لا يقرب البيت بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ولا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة، وأن يتم إلى كل ذي عهد عهده = قال معمر: وقاله قتادة. (1)
* * *
قال أبو جعفر: فقد أنبأت هذه الأخبار ونظائرها عن صحة ما قلنا، وأن أجل الأشهر الأربعة إنما كان لمن وصفنا. فأما من كان عهده إلى مدة معلومة، فلم يجعل لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين لنقضه ومظاهرة أعدائهم عليهم سبيلا فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد وفى له بعهده إلى مدته، عن أمر الله إياه بذلك. وعلى ذلك دل ظاهر التنزيل، وتظاهرت به الأخبار عن الرسول صلى الله عليه وسلم.
وأما الأشهر الأربعة، فإنها كانت أجل من ذكرنا. وكان ابتداؤها يوم
__________
(1) الأثر : 16379 - انظر التعليق على الأثرين رقم : 16372 ، 16373 .

(14/109)


الحج الأكبر، وانقضاؤها انقضاء عشر من ربيع الآخر، فذلك أربعة أشهر متتابعة، جعل لأهل العهد الذين وصفنا أمرهم، فيها، السياحة في الأرض، يذهبون حيث شاؤوا، لا يعرض لهم فيها من المسلمين أحد بحرب ولا قتل ولا سلب.
* * *
فإن قال قائل: فإذا كان الأمر في ذلك كما وصفت، فما وجه قوله:( فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم )، [سورة التوبة: 5]. وقد علمت أن انسلاخها انسلاخ المحرم، وقد زعمت أن تأجيل القوم من الله ومن رسوله كان أربعة أشهر، وإنما بين يوم الحج الأكبر وانسلاخ الأشهر الحرم خمسون يوما أكثره، فأين الخمسون يوما من الأشهر الأربعة؟
قيل: إن انسلاخ الأشهر الحرم، إنما كان أجل من لا عهد له من المشركين من رسول الله صلى الله عليه وسلم، والأشهر الأربعة لمن له عهد، إما إلى أجل غير محدود، وإما إلى أجل محدود قد نقضه، فصار بنقضه إياه بمعنى من خيف خيانته، فاستحق النبذ إليه على سواء، غير أنه جعل له الاستعداد لنفسه والارتياد لها من الأجل الأربعة الأشهر. ألا ترى الله يقول لأصحاب الأشهر الأربعة، ويصفهم بأنهم أهل عهد:(براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين فسيحوا في الأرض أربعة أشهر واعلموا أنكم غير معجزي الله)، ووصف المجعول لهم انسلاخ الأشهر الحرم أجلا بأنهم أهل شرك لا أهل عهد فقال:(وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله بريء من المشركين ورسوله) الآية =(إلا الذين عاهدتم من المشركين) الآية؟ ثم قال:(فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم)، فأمر بقتل المشركين الذين لا عهد لهم بعد انسلاخ الأشهر الحرم، وبإتمام عهد الذين لهم عهد. إذا لم يكونوا نقضوا عهدهم بالمظاهرة على المؤمنين، وإدخال النقص فيه عليهم.
فإن قال قائل: وما الدليل على أن ابتداء التأجيل كان يوم الحج الأكبر،

(14/110)


دون أن يكون كان من شوال على ما قاله قائلو ذلك؟
قيل له: إن قائلي ذلك زعموا أن التأجيل كان من وقت نزول "براءة"، وذلك غير جائز أن يكون صحيحا، لأن المجعول له أجل السياحة إلى وقت محدود. إذا لم يعلم ما جعل له، ولا سيما مع عهد له قد تقدم قبل ذلك بخلافه، فكمن لم يجعل له ذلك، لأنه إذا لم يعلم ما له في الأجل الذي جعل له وما عليه بعد انقضائه، فهو كهيئته قبل الذي جعل له من الأجل. ومعلوم أن القوم لم يعلموا بما جعل لهم من ذلك، إلا حين نودي فيهم بالموسم. و إذا كان ذلك كذلك. صح أن ابتداءه ما قلنا، وانقضاءه كان ما وصفنا.
وأما قوله:(فسيحوا في الأرض أربعة أشهر)، فإنه يعني: فسيروا فيها مقبلين ومدبرين، آمنين غير خائفين من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأتباعه.
* * *
يقال منه: "ساح فلان في الأرض يسيح، سياحة. وسيوحا. وسيحانا.
* * *
وأما قوله:(واعلموا أنكم غير معجزي الله)، فإنه يقول لأهل العهد من الذين كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد قبل نزول هذه الآية: اعلموا، أيها المشركون، أنكم إن سحتم في الأرض، واخترتم ذلك مع كفركم بالله. على الإقرار بتوحيد وتصديق رسوله =(غير معجزي الله)، يقول: غير مفيتيه بأنفسكم، لأنكم حيث ذهبتم وأين كنتم من الأرض، ففي قبضته وسلطانه، لا يمنعكم منه وزير، ولا يحول بينكم وبينه إذا أرادكم بعذاب معقل ولا موئل. (1) إلا الإيمان به وبرسوله. والتوبة من معصيته. يقول: فبادروا عقوبته بتوبة، ودعوا السياحة التي لا تنفعكم.
__________
(1) انظر تفسير " الإعجاز" فيما سلف 12: 128 / 13: 31 .

(14/111)


وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله بريء من المشركين ورسوله فإن تبتم فهو خير لكم وإن توليتم فاعلموا أنكم غير معجزي الله وبشر الذين كفروا بعذاب أليم (3)

وأما قوله:(وأن الله مخزي الكافرين)، يقول: واعلموا أن الله مذل الكافرين، ومورثهم العار في الدنيا، والنار في الآخرة. (1)
* * *
القول في تأويل قوله : { وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله بريء من المشركين ورسوله }
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وإعلام من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر.
* * *
وقد بينا معنى "الأذان"، فيما مضى من كتابنا هذا بشواهده. (2)
* * *
وكان سليمان بن موسى يقول في ذلك ما:-
16380- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا حجاج، عن ابن جريج قال: زعم سليمان بن موسى الشامي أن قوله:(وأذان من الله ورسوله)، قال: "الأذان"، القصص، فاتحة "براءة" حتى تختم:( وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله )، [سورة التوبة : 28] فذلك ثمان وعشرون آية. (3)
16381- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله:(وأذان من الله ورسوله)، قال: إعلام من الله ورسوله.
* * *
ورفع قوله:(وأذان من الله)، عطفا على قوله:(براءة من الله)، كأنه قال: هذه براءة من الله ورسوله، وأذان من الله.
* * *
__________
(1) انظر تفسير " الخزي " فيما سلف 10 : 318 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .
(2) انظر تفسير " الأذان " فيما سلف . . . تعليق : . . . والمراجع هناك .
(3) الأثر : 16380 - " سليمان بن موسى الأموي الدمشقي " ، الأشدق ، فقيه أهل الشأم في زمانه . مضى برقم : 15654 ، 15655 .

(14/112)


وأما قوله:(يوم الحج الأكبر)، فإنه فيه اختلافا بين أهل العلم.
فقال بعضهم: هو يوم عرفة.
* ذكر من قال ذلك:
16382- حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم قال، أخبرنا أبو زرعة وهب الله بن راشد قال، أخبرنا حيوة بن شريح قال، أخبرنا أبو صخر: أنه سمع أبا معاوية البجلي من أهل الكوفة يقول: سمعت أبا الصهباء البكري وهو يقول: سألت علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن "يوم الحج الأكبر" فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أبا بكر بن أبي قحافة رضي الله عنه يقيم للناس الحج، وبعثني معه بأربعين آية من براءة، حتى أتى عرفة فخطب الناس يوم عرفة، فلما قضى خطبته التفت إلي، فقال: قم، يا علي وأد رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم ! فقمت فقرأت عليهم أربعين آية من "براءة"، ثم صدرنا، (1) حتى أتينا منى، فرميت الجمرة ونحرت البدنة، ثم حلقت رأسي، وعلمت أن أهل الجمع لم يكونوا حضروا خطبة أبي بكر يوم عرفة، فطفقت أتتبع بها الفساطيط أقرؤها عليهم. (2) فمن ثم إخال حسبتم أنه يوم النحر، ألا وهو يوم عرفة. (3)
__________
(1) " صدر عن الماء والبلاد " ، رجع . و " الصدر " ، ( بفتحتين ) ليلة رجوع الناس من عرفة إلى منى . و " صدار البيت " ( بضم الصاد وتشديد الدال ) : الحجاج الراجعون من حجهم .
(2) " الفساطيط " جمع " فسطاط " ، مثل السرادق ، وهو أصغر منه ، يتخذه المسافرون .
(3) الأثر : 16382 - سبق شرح هذا الإسناد برقم : 5386 . " أبو زرعة " ، " وهب الله بن راشد المصري " ، مضى مرارا ، آخرها برقم : 11510 ، ومراجعه هناك . وكان في المطبوعة هنا : " أبو زرعة وهبة الله بن راشد قالا " ، جعله رجلين ! ومثله في المخطوطة مثله ، إلا أنه كتب " قال " بالإفراد ، قدم الكنية على الاسم . والصواب ما أثبت . و " حيوة بن شريح " ، مضى مرارا ، آخرها : 11510 . و " أبو صخر " ، هو " حميد بن زياد الخراط " ، قال أحمد : " ليس به بأس " ، أخرج له مسلم . مضى برقم 4325 ، وغيرها كثير . و " أبو معاوية البجلي " ، هو " عمار بن معاوية الدهني " ، كما صرح به الطبري في رقم : 4325 ، وهو ثقة . مضى في مواضع . و" أبو الصهباء البكري " ، سلف بيانه برقم : 5386 . وهو إسناد صحيح .

(14/113)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية