صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : جامع البيان في تأويل القرآن
المؤلف : محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري،
[ 224 - 310 هـ ]
المحقق : أحمد محمد شاكر
الناشر : مؤسسة الرسالة
الطبعة : الأولى ، 1420 هـ - 2000 م
عدد الأجزاء : 24
مصدر الكتاب : موقع مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
www.qurancomplex.com
[ ترقيم الكتاب موافق للمطبوع ، والصفحات مذيلة بحواشي أحمد ومحمود شاكر ]

16145 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: ذكر منازل القوم والعير فقال: "إذ أنتم بالعدوة الدنيا وهم بالعدوة القصوى"، والركب: هو أبو سفيان (1) = "أسفل منكم"، على شاطئ البحر.
* * *
واختلفت القرأة في قراءة قوله: "إذ أنتم بالعدوة" .
فقرأ ذلك عامة قرأة المدنيين والكوفيين:( بالعدوة )، بضم العين.
* * *
وقرأه بعض المكيين والبصريين:( بالعدوة)، بكسر العين.
* * *
قال أبو جعفر: وهما لغتان مشهورتان بمعنى واحد، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب، ينشد بيت الراعي:
وعينان حمر مآقيهما كما نظر العدوة الجؤذر (2)
بكسر العين من "العدوة"، وكذلك ينشد بيت أوس بن حجر:
وفارس لو تحل الخيل عدوته ولوا سراعا، وما هموا بإقبال (3)
* * *
القول في تأويل قوله : { ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد ولكن ليقضي الله أمرا كان مفعولا }
قال أبو جعفر: يعنى تعالى ذكره: ولو كان اجتماعكم في الموضع الذي اجتمعتم فيه، أنتم أيها المؤمنون وعدوكم من المشركين، عن ميعاد منكم ومنهم، = "لاختلفتم في الميعاد"، لكثرة عدد عدوكم، وقلة عددكم، ولكن الله جمعكم
__________
(1) في المطبوعة : " أبو سفيان وعيره " ، زاد ما ليس في المخطوطة .
(2) لم أجد البيت في مكان آخر ، وللراعي أبيات كثيرة مفرقة على هذا الوزن ، كأنه منها .
(3) من قصيدته في رثاء فضالة بن كلدة الأسدي ، والبيت في منتهى الطلب ، وليس في ديوانه ، يقول قبله : أم ملعادية تردي ململمة ... كأنها عارض في هضب أوعال
لها لما رأوك على نهد مراكله ... يسعى ببز كمي غير معزال
وفارس لا يحل القوم عدوته ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وهذه أجود من روايته " لو تحل " ، فالنفي هنا حق الكلام .

(13/565)


على غير ميعاد بينكم وبينهم (1) = "ليقضي الله أمرا كان مفعولا"، وذلك القضاء من الله، (2) كان نصره أولياءه من المؤمنين بالله ورسوله، وهلاك أعدائه وأعدائهم ببدر بالقتل والأسر، كما:-
16146 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: "ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد" ، ولو كان ذلك عن ميعاد منكم ومنهم، ثم بلغكم كثرة عددهم وقلة عددكم، ما لقيتموهم= "ولكن ليقضي الله أمرا كان مفعولا" ، أي: ليقضي الله ما أراد بقدرته، من إعزاز الإسلام وأهله، وإذلال الشرك وأهله، عن غير ملأ منكم، (3) ففعل ما أراد من ذلك بلطفه. (4)
16147 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد:،أخبرني يونس بن شهاب قال، أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك: أن عبد الله بن كعب قال: سمعت كعب بن مالك يقول في غزوة بدر: إنما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون يريدون عير قريش،
__________
(1) انظر تفسير " الميعاد " فيما سلف 6 : 222
(2) انظر تفسير " القضاء " فيما سلف 11 : 267 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .
(3) في المطبوعة : " عن غير بلاء " ، وفي سيرة ابن هشام ، في أصل المطبوعة مثله ، وهو كلام فاسد جدا . وفي مخطوطة الطبري ، ومخطوطات ابن هشام ومطبوعة أوربا ، : " عن غير ملأ " ، كما أثبتها .
يقال : " ما كان هذا الأمر عن ملأ منا " ، أي : عن تشاور واجتماع . وفي حديث عمر حين طعن : " أكان هذا عن ملأ منكم ؟ " ، أي : عن مشاورة من أشرافكم وجماعتكم .
ثم غير ناشر المطبوعة الكلمة التي بعدها ، كتب " فعل " ، مكان " ففعل " . وكل هذا عبث وذهاب ورع .
(4) الأثر : 16146 - سيرة ابن هشام 2 : 328 ، وهو تابع الأثر السالف رقم : 16141.

(13/566)


حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد. (1)
16148 - حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية، عن ابن عون، عن عمير بن إسحاق قال: أقبل أبو سفيان في الركب من الشام، وخرج أبو جهل ليمنعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فالتقوا ببدر، ولا يشعر هؤلاء بهؤلاء، ولا هؤلاء بهؤلاء، حتى التقت السقاة. قال: ونهد الناس بعضهم لبعض. (2)
* * *
__________
(1) الأثر : 16147 - " " عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك الأنصاري " ، ثقة ، روى عن أبيه . وروى عنه الزهري . كان أعلم قومه وأوعاهم . مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 2 \ 2 \ 249 .
و " عبد الله بن كعب بن مالك الأنصاري " ، ثقة ، كان قائد أبيه حين عمى ، روى عن أبيه . روى . روى عنه ابنه عبد الرحمن ، وروى عنه الزهري . مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 2 \ 2 \ 142 .
وكان في المخطوطة : " إنما يخرج رسول الله " ، وهو جيد عربي . ولكنه في المراجع " إنما خرج " ، فأثبته كما في المطبوعة .
وهذا الخبر جزء من خبر كعب بن مالك ، الطويل في امر غزوة تبوك ، وما كان من تخلفه حتى تاب الله عليه .
ورواه أحمد في مسنده 3 : 456 ، 457 ، 459 \ 6 : 387 .
ورواه البخاري في صحيحه ( الفتح 8 : 86 ) .
ورواه مسلم في صحيحه من هذه الطريق 17 : 87 .
(2) الأثر : 16148 - " ابن عون " ، هو " عبد الله بن عون المزني " ، مضى مرارا .
و " عمير بن إسحاق القرشي " ، لم يرو عنه غير ابن عون ، متكلم فيه . مضى برقم : 7776 .
وكان في المطبوعة : " عمر بن إسحاق " ، لم يحسن قراءة المخطوطة .
وقوله : " نهد الناس بعضهم لبعض " ، نهضوا إلى القتال . يقال : " نهد القوم إلى عدوهم ، ولعدوهم " ، أي : صمدوا له وشرعوا في قتاله . و " نهدوا يسألونه " ، أي : شرعوا ونهضوا .
وكأن ناشر المطبوعة لم يفهمها أو لم يحسن قراءتها ، فكتب مكان " نهد " : " نظر الناس ... " ، وهذا من طول عبثه بهذا النص الجليل ، حتى ألف العبث واستمر عليه واستمرأه .

(13/567)


القول في تأويل قوله : { ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة وإن الله لسميع عليم (42) }
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ولكن الله جمعهم هنالك، ليقضي أمرا كان مفعولا= "ليهلك من هلك عن بينة" .
* * *
وهذه اللام في قوله: "ليهلك" مكررة على "اللام" في قوله: "ليقضي" ، كأنه قال: ولكن ليهلك من هلك عن بينة، جمعكم.
* * *
ويعني بقوله: "ليهلك من هلك عن بينة" ، ليموت من مات من خلقه، (1) عن حجة لله قد أثبتت له وقطعت عذره، وعبرة قد عاينها ورآها (2) = "ويحيا من حي عن بينة" ، يقول: وليعيش من عاش منهم عن حجة لله قد أثبتت له وظهرت لعينه فعلمها، جمعنا بينكم وبين عدوكم هنالك.
* * *
وقال ابن إسحاق في ذلك بما:-
16149 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: "ليهلك من هلك عن بينة" ، [ أي ليكفر من كفر بعد الحجة]، (3) لما رأى من الآية والعبرة، (4) ويؤمن من آمن على مثل ذلك. (5)
* * *
__________
(1) انظر تفسير " هلك " فيما سلف ص : 149 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .
(2) انظر تفسير " بينة " فيما سلف من فهارس اللغة ( بين ) .
(3) هذه الزيادة بين القوسين لا بد منها ، أضفتها من سيرة ابن هشام .
(4) في المطبوعة : " من الآيات والعبر " ، وفي المخطوطة : " من الآيات والعبرة " ، وأثبت الصواب من سيرة ابن هشام .
(5) الأثر : 16149 - سيرة ابن هشام 2 : 328 ، وهو تابع الأثر السالف رقم : 16146 .

(13/568)


إذ يريكهم الله في منامك قليلا ولو أراكهم كثيرا لفشلتم ولتنازعتم في الأمر ولكن الله سلم إنه عليم بذات الصدور (43)

وأما قوله: "وإن الله لسميع عليم" ، فإن معناه: "وإن الله"، أيها المؤمنون، = "لسميع" ، لقولكم وقول غيركم، حين يري الله نبيه في منامه ويريكم، عدوكم في أعينكم قليلا وهم كثير، ويراكم عدوكم في أعينهم قليلا= "عليم"، بما تضمره نفوسكم، وتنطوي عليه قلوبكم، حينئذ وفي كل حال. (1)
يقول جل ثناؤه لهم ولعباده: فاتقوا ربكم، (2) أيها الناس، في منطقكم: أن تنطقوا بغير حق، وفي قلوبكم: أن تعتقدوا فيها غير الرشد، فإن الله لا يخفى عليه خافية من ظاهر أو باطن.
* * *
القول في تأويل قوله : { إذ يريكهم الله في منامك قليلا ولو أراكهم كثيرا لفشلتم ولتنازعتم في الأمر ولكن الله سلم إنه عليم بذات الصدور (43) }
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وإن الله، يا محمد، سميع لما يقول أصحابك، عليم بما يضمرونه، إذ يريك الله عدوك وعدوهم "في منامك قليلا"، يقول: يريكهم في نومك قليلا فتخبرهم بذلك، حتى قويت قلوبهم، واجترأوا على حرب عدوهم= ولو أراك ربك عدوك وعدوهم كثيرا، لفشل أصحابك، فجبنوا وخاموا، (3) ولم يقدروا على حرب القوم، (4) ولتنازعوا في ذلك، (5) ولكن الله
__________
(1) انظر تفسير " سميع " و " عليم " فيما سلف من فهارس اللغة ( سمع ) ، ( علم ) .
(2) في المطبوعة والمخطوطة : " واتقوا " بالواو ، و " والفاء " ، هنا حق الكلام .
(3) في المطبوعة : " فجبنوا وخافوا " ، غير ما في المخطوطة . يقال : " خام في القتال " ، إذا جبن ، فنكل ونكص وتراجع .
(4) انظر تفسير " فشل " فيما سلف 7 : 168 ، 289 .
(5) انظر تفسير " التنازع " فيما سلف 7 : 289 \ 8 : 504 .

(13/569)


سلمهم من ذلك بما أراك في منامك من الرؤيا، إنه عليم بما تجنه الصدور، (1) لا يخفى عليه شيء مما تضمره القلوب. (2)
* * *
وقد زعم بعضهم أن معنى قوله: "إذ يريكهم الله في منامك قليلا" ، أي: في عينك التي تنام بها= فصير "المنام"، هو العين، كأنه أراد: إذ يريكهم الله في عينك قليلا. (3)
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
16150 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: "إذ يريكهم الله في منامك قليلا"، قال: أراه الله إياهم في منامه قليلا فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بذلك، فكان تثبيتا لهم.
16151- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، بنحوه.
16152- ....وقال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
16153 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: "إذ يريكهم الله في منامك قليلا" ، الآية، فكان أول ما أراه من ذلك نعمة من نعمه عليهم، شجعهم بها على عدوهم، وكف بها ما تخوف عليهم من
__________
(1) في المطبوعة : " بما تخفيه الصدور " ، غير ما في المخطوطة بلا طائل ، وهما بمعنى .
(2) انظر تفسير " ذات الصدور " فيما سلف 7 : 155 ، 325 \ 10 : 94 .
(3) هو أبو عبيدة في مجاز القرآن 1 : 247 .

(13/570)


ضعفهم، (1) لعلمه بما فيهم. (2)
* * *
واختلف أهل التأويل في تأويل قوله: "ولكن الله سلم".
فقال بعضهم: معناه: ولكن الله سلم للمؤمنين أمرهم، حتى أظهرهم على عدوهم.
* ذكر من قال ذلك:
16154 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: "ولكن الله سلم"، يقول: سلم الله لهم أمرهم حتى أظهرهم على عدوهم.
* * *
وقال آخرون: بل معنى ذلك: ولكن الله سلم أمره فيهم.
* ذكر من قال ذلك:
16155 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور قال، حدثنا معمر، عن قتادة: "ولكن الله سلم"، قال: سلم أمره فيهم.
* * *
قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك بالصواب عندي ما قاله ابن عباس، وهو أن الله سلم القوم = بما أرى نبيه صلى الله عليه وسلم في منامه = من الفشل
__________
(1) في المطبوعة : و " كفاهم بها ما تخوف ... " ، وفي المخطوطة : " وكعها عنهم ما تخوف " ، وصل الكلام ، وأثبت نص ابن هشام . وضبطه الخشني بالبناء للمجهول .
وفي السيرة ، بعد تمام الكلام ، : " قال ابن هشام : ( تخوف ) ، مبدلة من كلمة ذكرها ابن إسحاق ، ولم أذكرها " . فجاء أبو ذر الخشني في تعليقه على السيرة فقال : " يقال الكلمة : ( تخوف ) ، بفتح التاء والخاء والواو ، وقيل : كانت ( تخوفت ) وأصلح ذلك ابن هشام ، لشناعة اللفظ في حق الله عز وجل " .
وهذا لا يقال ، لأن ابن هشام يصرح بأنه نسيها ولم يذكرها ، فأبدل منها غيرها ، فهو لم يغير ذلك إلا علة النسيان .
(2) الأثر : 16153 - سيرة ابن هشام 2 : 328 ، وهو تابع الأثر السالف رقم : 16149.

(13/571)


وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا ويقللكم في أعينهم ليقضي الله أمرا كان مفعولا وإلى الله ترجع الأمور (44)

والتنازع، حتى قويت قلوبهم، واجترأوا على حرب عدوهم. وذلك أن قوله: "ولكن الله سلم" عقيب قوله: "ولو أراكهم كثيرا لفشلتم ولتنازعتم في الأمر" ، فالذي هو أولى بالخبر عنه، أنه سلمهم منه جل ثناؤه، ما كان مخوفا منه لو لم ير نبيه صلى الله عليه وسلم من قلة القوم في منامه.
* * *
القول في تأويل قوله : { وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا ويقللكم في أعينهم ليقضي الله أمرا كان مفعولا وإلى الله ترجع الأمور (44) }
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: "وإن الله لسميع عليم" = إذ يري الله نبيه في منامه المشركين قليلا وإذ يريهم الله المؤمنين إذ لقوهم في أعينهم قليلا وهم كثير عددهم، ويقلل المؤمنين في أعينهم، ليتركوا الاستعداد لهم، فتهون على المؤمنين شوكتهم، كما:-
16156 - حدثني ابن بزيع البغدادي قال، حدثنا إسحاق بن منصور، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن عبد الله قال: لقد قللوا في أعيننا يوم بدر، حتى قلت لرجل إلى جنبي: تراهم سبعين؟ قال: أراهم مئة قال: فأسرنا رجلا منهم فقلنا: كم هم؟ قال: ألفا. (1)
16157- حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا إسرائيل، عن أبى إسحاق، عن أبي عبيدة، عن عبد الله بنحوه.
__________
(1) الأثر : 16156 - " ابن بزيع البغدادي " ، هو " محمد بن عبد الله بن بزيع البغدادي " ، من شيوخ مسلم ، مضى برقم : 2451 ، 3130 ، 10239 .
وكان في المطبوعة : " كنا ألفا "، زاد " كنا " ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو صواب محض .

(13/572)


16158 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قوله: "وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا"، قال ابن مسعود: قللوا في أعيننا، حتى قلت لرجل: أتراهم يكونون مئة؟
16159 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: قال ناس من المشركين: إن العير قد انصرفت فارجعوا. فقال أبو جهل: الآن إذ برز لكم محمد وأصحابه! فلا ترجعوا حتى تستأصلوهم. وقال: يا قوم لا تقتلوهم بالسلاح، ولكن خذوهم أخذا، فاربطوهم بالحبال! = يقوله من القدرة في نفسه.
* * *
وقوله: "ليقضي الله أمرا كان مفعولا" ، يقول جل ثناؤه: قللتكم أيها المؤمنون، في أعين المشركين، وأريتكموهم في أعينكم قليلا حتى يقضي الله بينكم ما قضى من قتال بعضكم بعضا، وإظهاركم، أيها المؤمنون، على أعدائكم من المشركين والظفر بهم، لتكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا السفلى. وذلك أمر كان الله فاعله وبالغا فيه أمره، كما:-
16160 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: "ليقضي الله أمرا كان مفعولا"، أي: ليؤلف بينهم على الحرب، للنقمة ممن أراد الانتقام منه، والإنعام على من أراد إتمام النعمة عليه من أهل ولايته. (1)
* * *
= "وإلى الله ترجع الأمور" ، يقول جل ثناؤه: مصير الأمور كلها إليه في الآخرة، فيجازي أهلها على قدر استحقاقهم المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته.
* * *
__________
(1) الأثر : 16160 - سيرة ابن هشام 2 : 328 ، وهو تابع الأثر السالف رقم : 16153 .

(13/573)


يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون (45)

القول في تأويل قوله : { يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون (45) }
قال أبو جعفر: وهذا تعريف من الله جل ثناؤه أهل الإيمان به، السيرة في حرب أعدائه من أهل الكفر به، والأفعال التي يرجى لهم باستعمالها عند لقائهم النصرة عليهم والظفر بهم. ثم يقول لهم جل ثناؤه: "يا أيها الذين آمنوا"، صدقوا الله ورسوله = إذا لقيتم جماعة من أهل الكفر بالله للحرب والقتال، (1) فاثبتوا لقتالهم، ولا تنهزموا عنهم ولا تولوهم الأدبار هاربين، إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة منكم= "واذكروا الله كثيرا"، يقول: وادعوا الله بالنصر عليهم والظفر بهم، وأشعروا قلوبكم وألسنتكم ذكره= "لعلكم تفلحون"، يقول: كيما تنجحوا فتظفروا بعدوكم، ويرزقكم الله النصر والظفر عليهم، (2) كما:-
16161 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: "يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون" ، افترض الله ذكره عند أشغل ما تكونون، عند الضراب بالسيوف.
16162 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة عن ابن إسحاق: "يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة"، يقاتلونكم في سبيل الله= "فاثبتوا واذكروا الله كثيرا"، اذكروا الله الذي بذلتم له أنفسكم والوفاء بما أعطيتموه من بيعتكم= "لعلكم تفلحون" . (3)
* * *
__________
(1) انظر تفسير " فئة " فيما سلف ص : 455 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .
(2) انظر تفسير " الفلاح " فيما سلف ص : 169 ، تعليق 2 ، والمراجع هناك .
(3) الأثر : 16162 - سيرة ابن هشام 2 : 329 ، وهو تابع الأثر السالف رقم : 1616 .

(13/574)


وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين (46)

القول في تأويل قوله : { وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين (46) }
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره للمؤمنين به: أطيعوا، أيها المؤمنون، ربكم ورسوله فيما أمركم به ونهاكم عنه، ولا تخالفوهما في شيء = "ولا تنازعوا فتفشلوا"، يقول: ولا تختلفوا فتفرقوا وتختلف قلوبكم (1) = "فتفشلوا"، يقول: فتضعفوا وتجبنوا، (2) = "وتذهب ريحكم" .
* * *
وهذا مثل. يقال للرجل إذا كان مقبلا ما يحبه ويسر به (3) "الريح مقبلة عليه"، يعني بذلك: ما يحبه، ومن ذلك قول عبيد بن الأبرص:
كما حميناك يوم النعف من شطب والفضل للقوم من ريح ومن عدد (4)
__________
(1) انظر تفسير " التنازع " فيما سلف ص : 569 ، تعليق : 5 ، والمراجع هناك .
(2) انظر تفسير " الفشل " ص : 569 ، تعليق : 4 ، والمراجع هناك .
(3) في المطبوعة : " مقبلا عليه ما يحبه " ، زاد " عليه " ، وليست في المخطوطة .
(4) ديوانه : 49 ، من أبيات قبله ، يقول : دعا معاشر فاستكت مسامعهم ... يا لهف نفسي لو تدعو بني أسد
لا يدعون إذا خام الكماة ولا ... إذا السيوف بأيدي القوم كالوقد
لو هم حماتك بالمحمى حموك ولم ... تترك ليوم أقام الناس في كبد
كما حميناك . . . . . . . . . . ... . . . . . . . . . . . . . . .. . . . .
والبيت الثاني من هذه الأبيات جاء في مخطوطة الديوان : " لا يدعوا إذا حام الكماة ولا إذا .. " ، فصححه الناشر المستشرق " تدعوا إذن حامي الكماة لا كسلا " ، فجاء بالغثاثة كلها في شطر واحد . فيصحح كما أثبته . ويعني بقوله : " لا يدعون إذا خام الكماة " ، أي : لا يتنادون بترك الفرار ، و " خام " نكص ، كما قال الآخر : تنادوا : يا آل عمرو لا تفروا! ... فقلنا : لا فرار ولا صدودا
و " النعف " ، ما انحدر من حزونة الجبل . و " شطب " جبل في ديار بني أسد .

(13/575)


يعني: من البأس والكثرة. (1)
* * *
وإنما يراد به في هذا الموضع: وتذهب قوتكم وبأسكم، فتضعفوا ويدخلكم الوهن والخلل.
* * *
="واصبروا" ، يقول: اصبروا مع نبي الله صلى الله عليه وسلم عند لقاء عدوكم، ولا تنهزموا عنه وتتركوه = "إن الله مع الصابرين" ، يقول: اصبروا فإني معكم. (2)
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
16163- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله: "وتذهب ريحكم" ، قال: نصركم. قال: وذهبت ريح أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، (3) حين نازعوه يوم أحد.
16164- حدثنا ابن نمير، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: "وتذهب ريحكم" ، فذكر نحوه.
16165- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، نحوه= إلا أنه قال: ريح أصحاب محمد حين تركوه يوم أحد.
16166 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: "ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم" ، قال:
__________
(1) في المخطوطة : " من الناس " ، والصواب ما في المطبوعة .
(2) انظر تفسير " مع " فيما سلف ص : 455 ، تعليق : 4 ، المراجع هناك .
(3) في المطبوعة : " أصحاب رسول الله " ، وأثبت ما في المخطوطة .

(13/576)


حدكم وجدكم. (1)
16167 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: "وتذهب ريحكم" ، قال: ريح الحرب.
16168 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: "وتذهب ريحكم" ، قال: "الريح"، النصر، لم يكن نصر قط إلا بريح يبعثها الله تضرب وجوه العدو، فإذا كان ذلك لم يكن لهم قوام.
16169 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: "ولا تنازعوا فتفشلوا" ، أي: لا تختلفوا فيتفرق أمركم= "وتذهب ريحكم" ، فيذهب حدكم (2) = "واصبروا إن الله مع الصابرين" ، أي: إني معكم إذا فعلتم ذلك. (3)
16170 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد، في قوله: "ولا تنازعوا فتفشلوا"، قال: الفشل، الضعف عن جهاد عدوه والانكسار لهم، فذلك "الفشل".
__________
(1) في المطبوعة : " حربكم وجدكم " ، وهي في المخطوطة توشك أن تقرأ كما قرأها ، ولكن الكتابة تدل على أنه أراد " حدكم " ، و " الحد " بأس الرجل ونفاذه في نجدته . يقال : " فلان ذو حد " ، أي بأس ونجدة . ولو قرئت : " وحدتكم " ، كان صوابا ، " الحد " ، و " الحدة " ( بكسر الحاء ) ، واحد . وانظر التعليق التالي .
(2) في المطبوعة : " جدكم "، بالجيم ، والصواب ما في سيرة ابن هشام ، وفيها " حدتكم " ، وفي مخطوطاتها " حدكم " ، وهما بمعنى ، كما أسلفت في التعليق قبله .
(3) الأثر : 16169 - سيرة ابن هشام 2 : 329 ، وهو تابع الأثر السالف رقم : 16162.

(13/577)


ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرا ورئاء الناس ويصدون عن سبيل الله والله بما يعملون محيط (47)

* * *
القول في تأويل قوله : { ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرا ورئاء الناس ويصدون عن سبيل الله والله بما يعملون محيط (47) }
قال أبو جعفر: وهذا تقدم من الله جل ثناؤه إلى المؤمنين به وبرسوله، أن لا يعملوا عملا إلا لله خاصة، وطلب ما عنده، لا رئاء الناس، كما فعل القوم من المشركين في مسيرهم إلى بدر طلب رئاء الناس. وذلك أنهم أخبروا بفوت العير رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، (1) وقيل لهم: "انصرفوا فقد سلمت العير التي جئتم لنصرتها!"، فأبوا وقالوا: "نأتي بدرا فنشرب بها الخمر، وتعزف علينا القيان، وتتحدث بنا العرب فيها"، (2) فسقوا مكان الخمر كؤوس المنايا، كما-
16171 - حدثنا عبد الوارث بن عبد الصمد قال، حدثني أبي قال، حدثنا أبان قال، حدثنا هشام بن عروة، عن عروة قال: كانت قريش قبل أن يلقاهم النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر، قد جاءهم راكب من أبي سفيان والركب الذين معه: إنا قد أجزنا القوم، وأن ارجعوا. (3) فجاء الركب الذين بعثهم أبو سفيان الذين يأمرون قريشا بالرجعة بالجحفة، فقالوا: "والله لا نرجع حتى ننزل بدرا، فنقيم فيه ثلاث ليال، ويرانا من غشينا من أهل الحجاز، فإنه لن يرانا أحد من العرب وما جمعنا فيقاتلنا". وهم الذين قال الله: "الذين خرجوا من ديارهم بطرا ورئاء الناس"، والتقوا هم والنبي صلى الله عليه وسلم ، ففتح الله على رسوله، وأخزى أئمة الكفر،
__________
(1) في المخطوطة : " بقرب العير " ، والصواب ما في المطبوعة .
(2) في المطبوعة : " وتتحدث بنا العرب لمكاننا فيها " ، زاد ما ليس في المخطوطة .
(3) في المطبوعة : " فارجعوا " ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو مطابق لما في التاريخ.

(13/578)


وشفى صدور المؤمنين منهم. (1)
16172 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثني ابن إسحاق = في حديث ذكره = قال، حدثني محمد بن مسلم، وعاصم بن عمر، (2) وعبد الله بن أبي بكر، ويزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير وغيره من علمائنا، عن ابن عباس قال: لما رأى أبو سفيان أنه أحرز عيره، أرسل إلى قريش: إنكم إنما خرجتم لتمنعوا عيركم ورجالكم وأموالكم، فقد نجاها الله ، فارجعوا! فقال أبو جهل بن هشام: والله لا نرجع حتى نرد بدرا = وكان "بدر" موسما من مواسم العرب، يجتمع لهم بها سوق كل عام = فنقيم عليه ثلاثا، وننحر الجزر، ونطعم الطعام، ونسقي الخمور، وتعزف علينا القيان، وتسمع بنا العرب، فلا يزالون يهابوننا أبدا، فامضوا. (3)
16173 - قال ابن حميد حدثنا سلمة قال، قال ابن إسحاق: "ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرا ورئاء الناس" ، أي: لا تكونوا كأبي جهل وأصحابه الذين قالوا: "لا نرجع حتى نأتي بدرا، وننحر الجزر، ونسقي بها الخمر، وتعزف علينا القيان، وتسمع بنا العرب، فلا يزالون يهابوننا"، أي: لا يكونن أمركم رياء ولا سمعة، ولا التماس ما عند الناس، وأخلصوا لله النية والحسبة في نصر دينكم، وموازرة نبيكم، أي: لا تعملوا إلا لله ، ولا تطلبوا غيره. (4)
16174 - حدثني محمد بن عمارة الأسدي قال، حدثنا عبيد الله بن موسى قال، أخبرنا إسرائيل= وحدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال،
__________
(1) الأثر : 16171 - هذا من كتاب عروة بن الزبير إلى عبد الملك بن مروان ، الذي خرجته آنفا من تاريخ الطبري مجموعا برقم : 16083 . وهذا القسم في تاريخ الطبري 2 : 269 .
(2) في المطبوعة والمخطوطة : " عاصم بن عمرو " ، وهو خطأ ، إنما هو " عاصم بن عمر بن قتادة ) ، سلف مرارا ، وانظر سيرة ابن هشام 2 : 257 .
(3) الأثر : 16172 - سيرة ابن هشام 2 : 270 ، وتاريخ الطبري 2 : 276 ، من أثر طويل .
(4) الأثر : 16173 - سيرة ابن هشام 2 : 329 ، وهو تابع الأثر السالف رقم : 16169 . وفي لفظه اختلاف يسير .

(13/579)


حدثنا إسرائيل= عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: "الذين خرجوا من ديارهم بطرا ورئاء الناس" ، قال: أصحاب بدر.
16175- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله: "بطرا ورئاء الناس"، قال: أبو جهل وأصحابه يوم بدر.
16176- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد مثله= قال ابن جريج، وقال عبد الله بن كثير: هم مشركو قريش، وذلك خروجهم إلى بدر.
16177 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: "ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرا ورئاء الناس" ، يعني: المشركين الذي قاتلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر.
16178 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: "خرجوا من ديارهم بطرا ورئاء الناس"، قال: هم قريش وأبو جهل وأصحابه، الذين خرجوا يوم بدر.
16179 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: "ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرا ورئاء الناس ويصدون عن سبيل الله والله بما يعملون محيط" ، قال: كان مشركو قريش الذين قاتلوا نبي الله يوم بدر، خرجوا ولهم بغي وفخر. وقد قيل لهم يومئذ: "ارجعوا، فقد انطلقت عيركم، وقد ظفرتم". قالوا: "لا والله ، حتى يتحدث أهل الحجاز بمسيرنا وعددنا!". قال: وذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال يومئذ: "اللهم إن قريشا أقبلت بفخرها وخيلائها لتحادك ورسولك"!
16180 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال،

(13/580)


حدثنا أسباط، عن السدي قال: ذكر المشركين وما يطعمون على المياه فقال: "ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرا ورئاء الناس ويصدون عن سبيل الله" .
16181 - حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ الفضل بن خالد قال، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: "الذين خرجوا من ديارهم بطرا" ، قال: هم المشركون، خرجوا إلى بدر أشرا وبطرا.
16182 - حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا أبو معشر، عن محمد بن كعب القرظي قال: لما خرجت قريش من مكة إلى بدر، خرجوا بالقيان والدفوف، فأنزل الله: "ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرا ورئاء الناس ويصدون عن سبيل الله والله بما يعملون محيط" .
* * *
قال أبو جعفر: فتأويل الكلام إذا: ولا تكونوا، أيها المؤمنون بالله ورسوله، في العمل بالرياء والسمعة، وترك إخلاص العمل لله، واحتساب الأجر فيه، كالجيش من أهل الكفر بالله ورسوله الذين خرجوا من منازلهم بطرا ومراءاة الناس بزيهم وأموالهم وكثرة عددهم وشدة بطانتهم (1) = "ويصدون عن سبيل الله"، يقول: ويمنعون الناس من دين الله والدخول في الإسلام، بقتالهم إياهم، وتعذيبهم من قدروا عليه من أهل الإيمان بالله (2) = "والله بما يعملون"، من الرياء والصد عن سبيل الله ، وغير ذلك من أفعالهم= "محيط"، يقول: عالم بجميع ذلك، لا يخفى عليه منه شيء، وذلك أن الأشياء كلها له متجلية، لا يعزب عنه منها شيء، فهو لهم بها معاقب، وعليها معذب. (3)
__________
(1) انظر تفسير " الرئاء " فيما سلف 5 : 521 ، 522 8 : 356 / 9 : 331.
(2) انظر تفسير " الصد " فيما سلف ص : 529 ، تعليق 2 ، والمراجع هناك .
وتفسير " سبيل الله " فيما سلف من فهارس اللغة ( سبل ) .
(3) انظر تفسير " محيط " فيما سلف 9 : 252 ، تعليق : 3 ، والمراجع هناك .

(13/581)


وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه وقال إني بريء منكم إني أرى ما لا ترون إني أخاف الله والله شديد العقاب (48)

القول في تأويل قوله : { وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه وقال إني بريء منكم إني أرى ما لا ترون إني أخاف الله والله شديد العقاب (48) }
قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله:(وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم)، وحين زين لهم الشيطان أعمالهم، وكان تزيينه ذلك لهم، (1) كما:-
16183- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قال: جاء إبليس يوم بدر في جند من الشياطين، معه رايته، في صورة رجل من بني مدلج، والشيطان في صورة سراقة بن مالك بن جعشم، (2) فقال الشيطان للمشركين:( لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم ). فلما اصطف الناس، أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم قبضة من التراب فرمى بها في وجوه المشركين، فولوا مدبرين. وأقبل جبريل إلى إبليس، فلما رآه، وكانت يده في يد رجل من المشركين، انتزع. إبليس يده فولى مدبرا هو وشيعته، فقال الرجل: يا سراقة، تزعم أنك لنا جار؟ قال:( إني أرى ما لا ترون إني أخاف الله والله شديد العقاب)، وذلك حين رأى الملائكة.
__________
(1) انظر تفسير " زين " فيما سلف 12 : 136 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .
(2) في المطبوعة ، حذف قوله : " والشيطان " ، وساق الكلام سياقا واحدا .

(13/7)


16184- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا، أحمد بن المفضل قال: حدثنا أسباط، عن السدي قال: أتى المشركين إبليس في صورة سراقة بن مالك بن جعشم الكناني الشاعر، ثم المدلجي، فجاء على فرس، فقال للمشركين:(لا غالب لكم اليوم من الناس) ! فقالوا: ومن أنت؟ قال: أنا جاركم سراقة، وهؤلاء كنانة قد أتوكم!
16185- حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة قال، قال ابن إسحاق، حدثني يزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير قال: لما أجمعت قريش المسير، ذكرت الذي بينها وبين بني بكر =يعني من الحرب= فكاد ذلك أن يثنيهم، (1) فتبدى لهم إبليس في صورة سراقة [بن مالك] بن جعشم المدلجي، وكان من أشراف بني كنانة، فقال: "أنا جار لكم من أن تأتيكم كنانة [من خلفكم بشيء] تكرهونه"! فخرجوا سراعا. (2)
16186- حدثنا ابن حميد قال: حدثنا سلمة قال، قال ابن إسحاق في قوله:(وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم)، فذكر استدراج إبليس إياهم، وتشبهه بسراقة بن مالك بن جعشم لهم، (3) حين ذكروا ما بينهم وبين بني بكر بن عبد مناة بن كنانة في الحرب التي كانت بينهم، (4) يقول الله:(فلما تراءت الفئتان)، ونظر عدو الله إلى جنود الله من الملائكة قد أيد الله بهم رسوله والمؤمنين على عدوهم =(نكص على عقبيه وقال إني بريء منكم إني أرى ما لا ترون)، وصدق عدو الله، إنه رأى ما لا يرون= وقال:(إني أخاف الله والله شديد العقاب) ، فأوردهم ثم أسلمهم.
__________
(1) في المطبوعة : " أن يثبطهم " ، غير ما في المخطوطة ، وهو مطابق لما في السيرة .
(2) الأثر : 16185 - سيرة ابن هشام 2 : 263 ، والزيادة بين الأقواس منها .
(3) في المطبوعة ، حذف " لهم " ، وهي ثابتة في المخطوطة وسيرة ابن هشام .
(4) في المطبوعة : " من الحرب " ، غير ما في المخطوطة ، وهو مطابق لما في سيرة ابن هشام . والناشر كما تعلم وترى ، كثير العبث بكلام أهل العلم .

(13/8)


قال: فذكر لي أنهم كانوا يرونه في كل منزل في صورة سراقة بن مالك بن جعشم لا ينكرونه. حتى إذا كان يوم بدر والتقى الجمعان، كان الذي رآه حين نكص: "الحارث بن هشام" أو: "عمير بن وهب الجمحي"، فذكر أحدهما، فقال: أين، أي سراق!" ، (1) ومثل عدو الله فذهب. (2)
16187- حدثنا بشر بن معاذ قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:(وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم)، إلى قوله:(شديد العقاب)، قال: ذكر لنا أنه رأى جبريل تنزل معه الملائكة، فزعم عدو الله أنه لا يدي له بالملائكة، وقال:(إني أرى ما لا ترون إني أخاف الله)، وكذب والله عدو الله، ما به مخافة الله، ولكن علم أن لا قوة له ولا منعة له، وتلك عادة عدو الله لمن أطاعه واستقاد له، (3) حتى إذا التقى الحق والباطل أسلمهم شر مسلم، (4) وتبرأ منهم عند ذلك.
16188- حدثني القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قال ابن عباس:(وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم) الآية، قال: لما كان يوم بدر، سار إبليس برايته وجنوده مع المشركين، وألقى في قلوب المشركين: أن أحدا لن يغلبكم، وإني جار لكم! فلما التقوا، ونظر الشيطان إلى أمداد الملائكة، نكص على عقبيه =قال: رجع مدبرا= وقال:(إني أرى ما لا ترون)، الآية.
16189- حدثنا أحمد بن الفرج قال، حدثنا عبد الملك بن عبد العزيز
__________
(1) هذه الجملة والتي تليها غيرها الناشر كل التغير ، فكتب : " فقال : أين سراقة ! أسلمنا عدو الله وذهب " . والذي في المخطوطة مطابق لما في سيرة ابن هشام " . وقوله : " مثل " ، أي : انتصب ونهض .
(2) الأثر : 16186 - سيرة ابن هشام 2 : 318 ، 319 ، وأخر صدر الخبر فجعله في آخره . وهذا الخبر لم يروه ابن هشام في سياق تفسير هذه الآيات في سيرته 2 : 329 ، تابعا للأثر السالف رقم : 16173 ، بل ذكر الآية ثم قال : " وقد مضى تفسير هذه الآية " .
(3) في المطبوعة : " واستعاذ به " ، غير ما في المخطوطة بسوء أمانته ورأيه . و " استقاد له " ، انقاد له وأطاعه .
(4) " مسلم " ( بضم فسكون ففتح ) مصدر ميمي ، بمعنى " الإسلام " .

(13/9)


بن الماجشون قال، حدثنا مالك، عن إبراهيم بن أبي عبلة، عن طلحة بن عبيد الله بن كريز: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ما رؤي إبليس يوما هو فيه أصغر، ولا أحقر، ولا أدحر، ولا أغيظ من يوم عرفة، وذلك مما يرى من تنزيل الرحمة والعفو عن الذنوب، إلا ما رأى يوم بدر! قالوا: يا رسول الله، وما رأى يوم بدر؟ قال: "أما إنه رأى جبريل يزع الملائكة. (1)
16190- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال: حدثنا سليمان بن المغيرة، عن حميد بن هلال، عن الحسن في قوله:(إني أرى ما لا ترون) قال: رأى جبريل معتجرا ببرد، (2) يمشي بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم ، وفي يده اللجام، ما ركب.
16191- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا هاشم بن القاسم قال، حدثنا سليمان بن المغيرة، عن حميد بن هلال قال: قال الحسن، وتلا هذه الآية:(وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم) الآية، قال: سار إبليس مع المشركين ببدر برايته وجنوده، وألقى في قلوب المشركين أن أحدا لن يغلبكم وأنتم تقاتلون على دين
__________
(1) الأثر : 16189 - رواه مالك في الموطأ : 422 ، بنحو هذا اللفظ ، وانظر التقصي لابن عبد البر : 12 ، 13 .
" أحمد بن الفرج بن سليمان الحمصي " ، شيخ الطبري ، مضى برقم : 6899 ، 15377 . و " عبد الملك بن عبد العزيز بن الماجشون التيمي " ، فقيه المدينة ومفتيها في زمانه ، وهو فقيه ابن فقيه ، وهو ضعيف الحديث . مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 2 \ 2 \ 358 .
و " إبراهيم بن أبي عبلة الرملي " ، مضى برقم : 11014 .
و " طلحة بن عبيد الله بن كريز بن جابر الكعبي " ، كان قليل الحديث ، مضى برقم : 15585 .
هذا خبر مرسل .
وقوله : " يزع الملائكة " ، أي : يرتبهم ويسويهم ، ويصفهم للحرب ، فكأنه يكفهم عن التفرق والانتشار ، و " الوازع " ، هو المقدم على الجيش ، الموكل بالصفوف وتدبير أمرهم ، وترتيبهم في قتال العدو . من قولهم : " وزعه " ، أي : كفه وحبسه عن فعل أو غيره .
(2) " الاعتجار " ، هو لف العمامة على استدارة الرأس ، من غير إدارة تحت الحنك . وإدارتها تحت الحنك هو " التلحي " ( بتشديد الحاء ) .

(13/10)


آبائكم، (1) ولن تغلبوا كثرة! فلما التقوا نكص على عقبيه =يقول: رجع مدبرا= وقال:(إني بريء منكم إني أرى ما لا ترون)، يعني الملائكة.
16192- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا أبو معشر، عن محمد بن كعب قال: لما أجمعت قريش على السير قالوا: إنما نتخوف من بني بكر! فقال لهم إبليس، في صورة سراقة بن مالك بن جعشم: أنا جار لكم من بني بكر، ولا غالب لكم اليوم من الناس.
* * *
قال أبو جعفر: فتأويل الكلام:(وإن الله لسميع عليم)، في هذه الأحوال =وحين زين لهم الشيطان خروجهم إليكم، أيها المؤمنون، لحربكم وقتالكم وحسن ذلك لهم وحثهم عليكم، وقال لهم: لا غالب لكم اليوم من بني آدم، فاطمئنوا وأبشروا =(وإني جار لكم) ، من كنانة أن تأتيكم من ورائكم فمعيذكم، (2) أجيركم وأمنعكم منهم، فلا تخافوهم، واجعلوا حدكم وبأسكم على محمد وأصحابه (3) =(فلما تراءت الفئتان)، يقول: فلما تزاحفت جنود الله من المؤمنين وجنود الشيطان من المشركين، ونظر بعضهم إلى بعض=(نكص على عقبيه)، يقول: رجع القهقري على قفاه هاربا. (4)
* * *
يقال منه: "نكص ينكص وينكص نكوصا"، ومنه قول زهير:
هم يضربون حبيك البيض إذ لحقوا لا ينكصون، إذا ما استلحموا وحموا (5)
__________
(1) في المطبوعة : " لن يغلبكم " ، وأثبت ما في المخطوطة .
(2) في المطبوعة : " فيغيركم " ، ومثلها في المخطوطة غير منقوطة ، وهذا صواب قراءتها بعد إصلاح فسادها .
(3) في المطبوعة : " جدكم " بالجيم ، وانظر ما سلف ج 13 ص : 577 ، تعليق : 1 .
(4) انظر تفسير " العقب " فيما سلف 3 : 163 \ 11 : 450 .
(5) ديوانه : 159 ، من قصيدته في هرم بن سنان ، وهي من جياد شعره . و " حبيك البيض " ، طرائق حديده . و " البيض " جمع " بيضة " ، هي الخوذة من سلاح المحارب ، على شكل بيضة النعام ، يلبسها الفارس على رأسه لتقيه ضرب السيوف والرماح . و " استلحم الرجل " ( بالبناء للمجهول ) : إذا نشب في ملحمة القتال ، فلم يجد مخلصا . وقوله : " وحموا " ، من قولهم : " حمى من الشيء حمية ومحمية " ، إذا فارت نفسه وغلت ، وأنف أن يقبل ما يراد به من ضيم ، ومنه : " أنف حمى " .

(13/11)


إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض غر هؤلاء دينهم ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم (49)

وقال للمشركين:(إني بريء منكم إني أرى ما لا ترون)، يعني أنه يرى الملائكة الذين بعثهم الله مددا للمؤمنين، والمشركون لا يرونهم (1) = إني أخاف عقاب الله، وكذب عدو الله=(والله شديد العقاب) . (2)
القول في تأويل قوله : { إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض غر هؤلاء دينهم ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم (49) }
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره:(وإن الله لسميع عليم)، في هذه الأحوال =(وإذ يقول المنافقون)، وكر بقوله:(إذ يقول المنافقون)، على قوله:(إذ يريكهم الله في منامك قليلا) =(والذين في قلوبهم مرض)، يعني: شك في الإسلام، لم يصح يقينهم، ولم تشرح بالإيمان صدورهم (3) =(غر هؤلاء دينهم)، يقول: غر هؤلاء الذين يقاتلون المشركين من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم من أنفسهم، دينهم (4) = وذلك الإسلام.
* * *
وذكر أن الذين قالوا هذا القول، كانوا نفرا ممن كان قد تكلم بالإسلام من مشركي قريش، ولم يستحكم الإسلام في قلوبهم.
__________
(1) انظر تفسير " بريء " فيما سلف من فهارس اللغة ( برأ ) .
(2) انظر تفسير " شديد العقاب " فيما سلف من فهارس اللغة ( عقب ) .
(3) انظر تفسير " مرض " فيما سلف 1 : 278 - 281 \ 10 : 404 .
(4) انظر تفسير " الغرور " فيما سلف 12 : 475 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .

(13/12)


* ذكر من قال ذلك:
16193- حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا داود، عن عامر في هذه الآية:(إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض غر هؤلاء دينهم)، قال: كان ناس من أهل مكة تكلموا بالإسلام، فخرجوا مع المشركين يوم بدر، فلما رأوا قلة المسلمين قالوا:(غر هؤلاء دينهم).
16194- حدثني إسحاق بن شاهين قال، حدثنا خالد، عن داود، عن عامر، مثله. (1)
16195- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا يحيى بن زكريا، عن ابن جريج، عن مجاهد في قوله:(إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض غر هؤلاء دينهم)، قال: فئة من قريش: أبو قيس بن الوليد بن المغيرة، (2) وأبو قيس بن الفاكه بن المغيرة، والحارث بن زمعة بن الأسود بن المطلب، وعلي بن أمية بن خلف، والعاصي بن منبه بن الحجاج; خرجوا مع قريش من مكة وهم على الارتياب، فحبسهم ارتيابهم. فلما رأوا قلة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا:(غر هؤلاء دينهم)، حتى قدموا على ما قدموا عليه، مع قلة عددهم وكثرة عدوهم، فشرد بهم من خلفهم. (3)
16196- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن
__________
(1) الأثر : 16194 - " إسحاق بن شاهين الواسطي " ، شيخ الطبري مضى برقم : 7211 ، 9788 . وكان في المخطوطة " أبو إسحاق بن شاهين " ، وهو خطأ ، صوابه ما في المطبوعة . وكنيته " أبو بشر " .
(2) مكان " أبو قيس بن " ، بياض في المخطوطة ، وفوق البياض حرف ( ط ) دلالة على الخطأ ، وبعدها " الوليد بن المغيرة " ، فكتب ناشر المطبوعة : " قيس بن الوليد بن المغيرة " ، وأخطأ ، إنما هو " أبو قيس بن الوليد " ، وهو الذي شهد بدرا ، وقتله حمزة بن عبد المطلب . فأثبته . والظاهر أن البياض لا يراد به إلا هذا الذي أثبته ، لا زيادة عليه .
(3) في المطبوعة ، حذف " فشرد بهم من خلفهم " ، وهي ثابتة في المخطوطة .

(13/13)


معمر، عن الحسن:(إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض غر هؤلاء دينهم)، قال: هم قوم لم يشهدوا القتال يوم بدر، فسموا "منافقين" =قال معمر: وقال بعضهم: قوم كانوا أقروا بالإسلام وهم بمكة، فخرجوا مع المشركين يوم بدر، فلما رأوا قلة المسلمين قالوا:(غر هؤلاء دينهم).
16197- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:(إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض) إلى قوله:(فإن الله عزيز حكيم)، قال: رأوا عصابة من المؤمنين تشردت لأمر الله. (1) وذكر لنا أن أبا جهل عدو الله لما أشرف على محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه قال: "والله لا يعبد الله بعد اليوم!" ، قسوة وعتوا.
16198- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج في قوله:(إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض)، قال: ناس كانوا من المنافقين بمكة، قالوه يوم بدر، وهم يومئذ ثلاث مئة وبضعة عشر رجلا.
16199- ... قال حدثني حجاج، عن ابن جريج في قوله:(إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض)، قال: لما دنا القوم بعضهم من بعض، فقلل الله المسلمين في أعين المشركين، وقلل المشركين في أعين المسلمين، فقال المشركون:(غر هؤلاء دينهم)، وإنما قالوا ذلك من قلتهم في أعينهم، وظنوا أنهم سيهزمونهم لا يشكون في ذلك، فقال الله:(ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم).
* * *
وأما قوله:(ومن يتوكل على الله)، فإن معناه: ومن يسلم أمره إلى الله،
__________
(1) في المطبوعة : " تشددت " ، وفي المخطوطة : " تسردت " ، وكأن صواب قراءتها ما أثبت ، " تشرد في الأرض " هرب ونفر ، وكأنه يعني هجرتهم إلى الله ورسوله . هكذا اجتهدت ، والله أعلم .

(13/14)


ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم وذوقوا عذاب الحريق (50)

ويثق به، ويرض بقضائه، فإن الله حافظه وناصره (1) =لأنه "عزيز"، لا يغلبه شيء، ولا يقهره أحد، فجاره منيع، ومن يتوكل عليه مكفي. (2)
وهذا أمر من الله جل ثناؤه المؤمنين به من أصحاب رسول الله وغيرهم، أن يفوضوا أمرهم إليه، ويسلموا لقضائه، كيما يكفيهم أعداءهم، ولا يستذلهم من ناوأهم، لأنه "عزيز" غير مغلوب، فجاره غير مقهور = "حكيم"، يقول: هو فيما يدبر من أمر خلقه حكيم، لا يدخل تدبيره خلل. (3)
القول في تأويل قوله : { ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم وذوقوا عذاب الحريق (50) }
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ولو تعاين، يا محمد، حين يتوفى الملائكة أرواح الكفار، فتنزعها من أجسادهم، تضرب الوجوه منهم والأستاه، ويقولون لهم: ذوقوا عذاب النار التي تحرقكم يوم ورودكم جهنم. (4)
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
__________
(1) انظر تفسير " التوكل " فيما سلف 13 : 385 ، تعليق : 3 ، والمراجع هناك .
(2) في المطبوعة : " . . . عليه يكفه " ، غير ما في المخطوطة ، وهو محض الصواب .
(3) انظر تفسير " عزيز " ، و " حكيم " فيما سلف من فهارس اللغة ( عزز ) ، ( حكم ) .
(4) انظر تفسير " التوفي " فيما سلف 13 : 35 ، تعليق 5 ، والمراجع هناك .
وتفسير " الأدبار " فيما سلف 13 : 435 ، تعليق 2 ، والمراجع هناك .
وتفسير " الذوق " فيما سلف 13 : 528 ، تعليق 2 ، والمراجع هناك .
وتفسير " الحريق " فيما سلف 7 : 446 ، 447 .

(13/15)


16200- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله:(إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم)، قال: يوم بدر.
16201- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن سليم، عن إسماعيل بن كثير، عن مجاهد:(يضربون وجوههم وأدبارهم)، قال: وأستاههم، ولكن الله كريم يكني. (1)
16202- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، حدثنا سفيان، عن أبي هاشم، عن مجاهد، في قوله:(يضربون وجوههم وأدبارهم)، قال: وأستاههم، ولكنه كريم يكني. (2)
16203- حدثني محمد بن المثنى قال، حدثنا وهب بن جرير قال، أخبرنا شعبة، عن يعلى بن مسلم، عن سعيد بن جبير في قوله:(يضربون وجوههم وأدبارهم)، قال: إن الله كنى، ولو شاء لقال: "أستاههم"، وإنما عنى ب "أدبارهم"، أستاههم.
16204- حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد قال: أستاههم، يوم بدر =قال ابن جريج، قال ابن عباس: إذا أقبل المشركون بوجوههم إلى المسلمين، ضربوا وجوههم بالسيوف. وإذا ولوا، أدركتهم الملائكة فضربوا أدبارهم.
16205- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا عباد بن راشد، عن الحسن قال: قال رجل: يا رسول الله، إني رأيت بظهر
__________
(1) الأثر : 16201 - " يحيى بن سليم الطائفي " ، ثقة ، مضى برقم : 4894 ، 9788 ، وكان في المطبوعة : " يحيى بن أسلم " ، وهو خطأ محض ، والمخطوطة مضطربة الكتابة . و " إسماعيل بن كثير الحجازي " ، ثقة ، مضى برقم : 8929 .
(2) في المطبوعة : " ولكن الله " ، وأثبت ما في المخطوطة .

(13/16)


ذلك بما قدمت أيديكم وأن الله ليس بظلام للعبيد (51)

أبي جهل مثل الشراك! (1) قال: ما ذاك؟ قال: ضرب الملائكة.
16206- حدثنا محمد قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا إسرائيل، عن منصور، عن مجاهد: أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إني حملت على رجل من المشركين فذهبت لأضربه، (2) فندر رأسه؟ (3) فقال: سبقك إليه الملك.
16207- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال: حدثني حرملة: أنه سمع عمر مولى غفرة يقول: إذا سمعت الله يقول:(يضربون وجوههم وأدبارهم)، فإنما يريد: أستاههم. (4)
* * *
قال أبو جعفر: وفي الكلام محذوف، استغني بدلالة الظاهر عليه من ذكره، وهو قوله: "ويقولون"،(ذوقوا عذاب الحريق)، حذفت "يقولون"، كما حذفت من قوله:( ولو ترى إذ المجرمون ناكسو رءوسهم عند ربهم ربنا أبصرنا وسمعنا ) [سورة السجدة: 21]، بمعنى: يقولون: ربنا أبصرنا. (5)
* * *
القول في تأويل قوله : { ذلك بما قدمت أيديكم وأن الله ليس بظلام للعبيد (51) }
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل الملائكة لهؤلاء المشركين الذين قتلوا ببدر، أنهم يقولون لهم وهم يضربون وجوههم وأدبارهم: "ذوقوا عذاب
__________
(1) " الشراك " ، سير النعل الذي يكون على ظهرها .
(2) انظر ما أسلفت في تفسير " ذهب يفعل " ، فيما سلف 11 : 128 ، تعليق : 1 ، ثم 11 : 250 ، 251 ، وص 250 تعليق : 1 .
(3) " ندر الشيء " سقط . يقال : " ضرب يده بالسيف فأندرها " ، أي قطعها فسقطت .
(4) الأثر : 16207 - " حرملة بن عمران التجيبي " ، ثقة ، مضى برقم : 6890 ، 13240 . و " عمر ، مولى غفرة " ، هو " عمر بن عبد الله المدني " ، أبو حفص ، ليس به بأس ، كان صاحب مرسلات ورقائق . مترجم في التهذيب وابن أبي حاتم 3 \ 1 \ 119 .
(5) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 413 .

(13/17)


كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كفروا بآيات الله فأخذهم الله بذنوبهم إن الله قوي شديد العقاب (52)

الله الذي يحرقكم"، هذا العذاب لكم =(بما قدمت أيديكم)، أي: بما كسبت أيديكم من الآثام والأوزار، واجترحتم من معاصي الله أيام حياتكم، (1) فذوقوا اليوم العذاب، وفي معادكم عذاب الحريق; وذلك لكم بأن الله(ليس بظلام للعبيد)، لا يعاقب أحدا من خلقه إلا بجرم اجترمه، ولا يعذبه إلا بمعصيته إياه، لأن الظلم لا يجوز أن يكون منه.
وفي فتح "أن" من قوله:(وأن الله)، وجهان من الإعراب:
أحدهما: النصب، وهو للعطف على "ما" التي في قوله:(بما قدمت)، بمعنى:(ذلك بما قدمت أيديكم)، وبأن الله ليس بظلام للعبيد، في قول بعضهم، والخفض، في قول بعض.
والآخر: الرفع، على(ذلك بما قدمت)، وذلك أن الله. (2)
* * *
القول في تأويل قوله : { كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كفروا بآيات الله فأخذهم الله بذنوبهم إن الله قوي شديد العقاب (52) }
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: فعل هؤلاء المشركون من قريش الذين قتلوا ببدر، كعادة قوم فرعون وصنيعهم وفعلهم وفعل من كذب بحجج الله ورسله من الأمم الخالية قبلهم، (3) ففعلنا بهم كفعلنا بأولئك.
__________
(1) انظر تفسير " قدمت أيديكم " فيما سلف 2 : 368 \ 7 : 447 \ 8 : 514 \ 10 : 497 .
(2) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 413 .
(3) انظر تفسير " آل " فيما سلف 2 : 37 \ 6 : 326 .

(13/18)


وقد بينا فيما مضى أن "الدأب"، هو الشأن والعادة، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. (1)
* * *
16208- حدثني الحارث قال، حدثني عبد العزيز قال، حدثنا شيبان، عن جابر، عن عامر ومجاهد وعطاء:(كدأب آل فرعون) كفعل آل فرعون، كسنن آل فرعون.
* * *
وقوله:(فأخذهم الله بذننوبهم)، يقول: فعاقبهم الله بتكذيبهم حججه ورسله، ومعصيتهم ربهم، كما عاقب أشكالهم والأمم الذين قبلهم =(إن الله قوي)، لا يغلبه غالب، ولا يرد قضاءه راد، ينفذ أمره، ويمضي قضاءه في خلقه =شديد عقابه لمن كفر بآياته وجحد حججه.
* * *
__________
(1) انظر تفسير " الدأب " فيما سلف 6 : 223 - 225 .

(13/19)


ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وأن الله سميع عليم (53)

القول في تأويل قوله : { ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وأن الله سميع عليم (53) }
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وأخذنا هؤلاء الذين كفروا بآياتنا من مشركي قريش ببدر بذنوبهم، (1) وفعلنا ذلك بهم، بأنهم غيروا ما أنعم الله عليهم به من ابتعاثه رسوله منهم وبين أظهرهم، بإخراجهم إياه من بينهم، وتكذيبهم له، وحربهم إياه، فغيرنا نعمتنا عليهم بإهلاكنا إياهم، كفعلنا ذلك في الماضين قبلهم ممن طغى علينا وعصى أمرنا.
* * *
__________
(1) انظر تفسير " الأخذ " فيما سلف من فهارس اللغة ( أخذ ) .

(14/19)


كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآيات ربهم فأهلكناهم بذنوبهم وأغرقنا آل فرعون وكل كانوا ظالمين (54)

وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
16209- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:(ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم)، يقول: "نعمة الله"، محمد صلى الله عليه وسلم ، أنعم به على قريش، وكفروا، فنقله إلى الأنصار.
* * *
وقوله:(وأن الله سميع عليم)، يقول: لا يخفى عليه شيء من كلام خلقه، يسمع كلام كل ناطق منهم بخير نطق أو بشر =(عليم)، بما تضمره صدورهم، وهو مجازيهم ومثيبهم على ما يقولون ويعملون، إن خيرا فخيرا، وإن شرا فشرا. (1)
* * *
القول في تأويل قوله : { كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآيات ربهم فأهلكناهم بذنوبهم وأغرقنا آل فرعون وكل كانوا ظالمين (54) }
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: غير هؤلاء المشركون بالله، المقتولون ببدر، نعمة ربهم التي أنعم بها عليهم، بابتعاثه محمدا منهم وبين أظهرهم، داعيا لهم إلى الهدى، بتكذيبهم إياه، وحربهم له =(كدأب آل فرعون)، كسنة آل فرعون وعادتهم وفعلهم بموسى نبي الله، (2) في تكذيبهم إياه، وقصدهم لحربه، (3) وعادة
__________
(1) انظر تفسير " سميع " و " عليم " فيما سلف من فهارس اللغة ( سمع ) ، ( علم ) .
(2) انظر تفسير " الدأب " فيما سلف ص : 19 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .
وتفسير " آل " فيما سلف ص : 18 ، تعليق 3 ، والمراجع هناك .
(3) في المطبوعة : " وتصديهم لحربه " ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو صواب محض .

(14/20)


إن شر الدواب عند الله الذين كفروا فهم لا يؤمنون (55) الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في كل مرة وهم لا يتقون (56)

من قبلهم من الأمم المكذبة رسلها وصنيعهم =(فأهلكناهم بذنوبهم)، بعضا بالرجفة، وبعضا بالخسف، وبعضا بالريح =(وأغرقنا آل فرعون)، في اليم =(وكل كانوا ظالمين)، يقول: كل هؤلاء الأمم التي أهلكناها كانوا فاعلين ما لم يكن لهم فعله، من تكذيبهم رسل الله والجحود لآياته، فكذلك أهلكنا هؤلاء الذين أهلكناهم ببدر، إذ غيروا نعمة الله عندهم، بالقتل بالسيف، وأذللنا بعضهم بالإسار والسباء.
* * *
القول في تأويل قوله : { إن شر الدواب عند الله الذين كفروا فهم لا يؤمنون (55) }
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: إن شر ما دب على الأرض عند الله، (1) الذين كفروا بربهم، فجحدوا وحدانيته، وعبدوا غيره =(فهم لا يؤمنون)، يقول: فهم لا يصدقون رسل الله، ولا يقرون بوحيه وتنزيله.
* * *
القول في تأويل قوله : { الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في كل مرة وهم لا يتقون (56) }
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره:(إن شر الدواب عند الله الذين كفروا)،(الذين عاهدت منهم)، يا محمد، يقول: أخذت عهودهم ومواثيقهم أن لا يحاربوك، (2) ولا يظاهروا عليك محاربا لك، كقريظة ونظرائهم ممن كان بينك وبينهم عهد
__________
(1) انظر تفسير " الداية " فيما سلف 3 : 274 ، 275 \ 11 : 344 \ 13 : 459 .
(2) انظر تفسير " العهد " فيما سلف 13 : 72 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .

(14/21)


فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم لعلهم يذكرون (57)

وعقد =(ثم ينقضون)، عهودهم ومواثيقهم كلما عاهدوك وواثقوك، (1) حاربوك وظاهروا عليك، (2) وهم لا يتقون الله، ولا يخافون في فعلهم ذلك أن يوقع بهم وقعة تجتاحهم وتهلكهم، كالذي:-
16210- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله:(الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم)، قال: قريظة مالأوا على محمد يوم الخندق أعداءه.
16211- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، نحوه.
* * *
القول في تأويل قوله : { فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم لعلهم يذكرون (57) }
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: فإما تلقين في الحرب هؤلاء الذين عاهدتهم فنقضوا عهدك مرة بعد مرة من قريظة، فتأسرهم، (3) =(فشرد بهم من خلفهم)، يقول: فافعل بهم فعلا يكون مشردا من خلفهم من نظرائهم، ممن بينك وبينه عهد وعقد.
* * *
و"التشريد"، التطريد والتبديد والتفريق.
* * *
وإنما أمر بذلك نبي الله صلى الله عليه وسلم أن يفعل بالناقض العهد بينه
__________
(1) في المطبوعة : " كلما عاهدوا دافعوك وحاربوك " ، وفي المخطوطة : " كلما عاهدوا دافعوك وحاربوك " ، وكأن الصواب ما أثبت .
(2) انظر تفسير " النقض " فيما سلف 9 : 363 \ 10 : 125 .
(3) انظر تفسير " ثقف " فيما سلف 3 : 564 \ 7 : 110 .

(14/22)


وبينهم إذا قدر عليهم فعلا يكون إخافة لمن وراءهم، ممن كان بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبينه عهد، حتى لا يجترئوا على مثل الذي اجترأ عليه هؤلاء الذين وصف الله صفتهم في هذه الآية من نقض العهد.
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
16212- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي، عن ابن عباس قوله:(فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم)، يعني: نكل بهم من بعدهم.
16213- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس:(فشرد بهم من خلفهم)، يقول: نكل بهم من وراءهم.
16214- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:(فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم)، يقول: عظ بهم من سواهم من الناس.
16215- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال: حدثنا أسباط، عن السدي:(فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم)، يقول: نكل بهم من خلفهم، من بعدهم من العدو، لعلهم يحذرون أن ينكثوا فتصنع بهم مثل ذلك.
16216- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن أيوب، عن سعيد بن جبير:(فشرد بهم من خلفهم)، قال: أنذر بهم من خلفهم.
16217- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج،

(14/23)


عن ابن جريج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس قال: نكل بهم من خلفهم، من بعدهم =قال ابن جريج، قال عبد الله بن كثير: نكل بهم من وراءهم.
16218- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق:(فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم لعلهم يذكرون)، أي: نكل بهم من وراءهم لعلهم يعقلون. (1)
16219- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك بن مزاحم يقول في قوله:(فشرد بهم من خلفهم)، يقول: نكل بهم من بعدهم.
16220- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قول الله:(فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم)، قال: أخفهم بما تصنع بهؤلاء. وقرأ:( وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم ) (2) [الأنفال: 60]
* * *
وأما قوله:(لعلهم يذكرون)، فإن معناه: كي يتعظوا بما فعلت بهؤلاء الذين وصفت صفتهم، (3) فيحذروا نقض العهد الذي بينك وبينهم خوف أن ينزل بهم منك ما نزل بهؤلاء إذا هم نقضوه.
* * *
__________
(1) الأثر : 16218 - سيرة ابن هشام 2 : 329 ، وهو تابع الأثر السالف رقم : 16173 ، ثم هو في الحقيقة تابع الأثر السالف رقم : 16186 ، سيرة ابن هشام 2 : 318 ، 319 .
(2) الأثر : 16220 - انظر الأثر التالي رقم : 16242 ، والتعليق عليه .
(3) انظر تفسير " التذكر " فيما سلف من فهارس اللغة ( ذكر ) .

(14/24)


وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين (58)

القول في تأويل قوله : { وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين (58) }
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره:(وإما تخافن)، يا محمد، من عدو لك بينك وبينه عهد وعقد، أن ينكث عهد. وينقض عقده، ويغدر بك =وذلك هو "الخيانة" والغدر (1) =(فانبذ إليهم على سواء)، يقول: فناجزهم بالحرب، وأعلمهم قبل حربك إياهم أنك قد فسخت العهد بينك وبينهم، بما كان منهم من ظهور أمار الغدر والخيانة منهم، (2) حتى تصير أنت وهم على سواء في العلم بأنك لهم محارب، فيأخذوا للحرب آلتها، وتبرأ من الغدر =(إن الله لا يحب الخائنين)، الغادرين بمن كان منه في أمان وعهد بينه وبينه أن يغدر به فيحاربه، قبل إعلامه إياه أنه له حرب، وأنه قد فاسخه العقد.
* * *
فإن قال قائل: وكيف يجوز نقض العهد بخوف الخيانة، و"الخوف" ظن = لا يقين؟ (3)
قيل: إن الأمر بخلاف ما إليه ذهبت، وإنما معناه: إذا ظهرت أمار الخيانة من عدوك، (4) وخفت وقوعهم بك، فألق إليهم مقاليد السلم وآذنهم بالحرب. (5) وذلك كالذي كان من بني قريظة إذ أجابوا أبا سفيان ومن معه من
__________
(1) انظر تفسير " الخيانة " فيما سلف 13 : 480 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .
(2) انظر تفسير " النبذ " فيما سلف 2 : 401 ، 402 \ 7 : 459 . وفي المطبوعة : " آثار الغدر " ، وأثبت ما في المخطوطة ، و " الأمار " و " الأمارة " ، العلامة ، ويقال : " أمار " جمع " أمارة " .
(3) انظر تفسير " الخوف " فيما سلف 11 : 373 ، تعليق : 5 ، والمراجع هناك .
(4) في المطبوعة : " آثار الخيانة " ، وأثبت ما في المخطوطة ، وانظر التعليق السالف رقم : 2 .
(5) في المخطوطة : " وأد " ، وبعدها بياض ، صوابه ما في المطبوعة .

(14/25)


المشركين إلى مظاهرتهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم ومحاربتهم معهم، (1) بعد العهد الذي كانوا عاهدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على المسالمة، ولن يقاتلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم . (2) فكانت إجابتهم إياه إلى ذلك، موجبا لرسول الله صلى الله عليه وسلم خوف الغدر به وبأصحابه منهم. فكذلك حكم كل قوم أهل موادعة للمؤمنين، ظهر لإمام المسلمين منهم من دلائل الغدر مثل الذي ظهر لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه من قريظة منها، فحق على إمام المسلمين أن ينبذ إليهم على سواء، ويؤذنهم بالحرب.
* * *
ومعنى قوله:(على سواء)، أي: حتى يستوي علمك وعلمهم بأن كل فريق منكم حرب لصاحبه لا سلم. (3)
* * *
وقيل: نزلت الآية في قريظة.
* ذكر من قال ذلك:
16221- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال: حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:(فانبذ إليهم على سواء)، قال: قريظة.
* * *
وقد كان بعضهم يقول: "السواء"، في هذا الموضع، المهل. (4)
* ذكر من قال ذلك:
16222- حدثني علي بن سهل قال، حدثنا الوليد بن مسلم قال: إنه مما تبين لنا أن قوله:(فانبذ إليهم على سواء)، أنه: على مهل =كما حدثنا بكير، عن مقاتل بن حيان في قول الله:( براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم
__________
(1) في المطبوعة : " ومحاربتهم معه " ، وأثبت ما في المخطوطة .
(2) في المخطوطة : " ولم يقاتلوا " ، وما في المطبوعة شبيه بالصواب .
(3) انظر تفسير " السواء " فيما سلف 10 : 488 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .
(4) في المطبوعة : " وقد قال بعضهم " ، غير الجملة كلها بلا شيء .

(14/26)


من المشركين فسيحوا في الأرض أربعة أشهر )، [التوبة: 1-2]
* * *
وأما أهل العلم بكلام العرب، فإنهم في معناه مختلفون.
فكان بعضهم يقول: معناه: فانبذ إليهم على عدل =يعني: حتى يعتدل علمك وعلمهم بما عليه بعضكما لبعض من المحاربة، واستشهدوا لقولهم ذلك بقول الراجز: (1)
واضرب وجوه الغدر الأعداء حتى يجيبوك إلى السواء (2)
يعني: إلى العدل.
* * *
وكان آخرون يقولون: معناه: الوسط، من قول حسان:
يا ويح أنصار الرسول ورهطه بعد المغيب في سواء الملحد (3)
بمعنى: في وسط اللحد.
* * *
وكذلك هذه المعاني متقاربة، لأن "العدل"، وسط لا يعلو فوق الحق ولا يقصر عنه، وكذلك "الوسط" عدل، واستواء علم الفريقين فيما عليه بعضهم لبعض بعد المهادنة، (4) عدل من الفعل ووسط. وأما الذي قاله الوليد بن مسلم من أن معناه: "المهل"، فما لا أعلم له وجها في كلام العرب.
* * *
__________
(1) لم أعرف قائله .
(2) كان في المطبوعة : " الغدر للأعداء " . وهو خطأ ، صوابه من المخطوطة و " الغدر " ( بضمتين ) ، جمع " غدور " ، مثل " صبور " ، وهو الغادر المستمرئ للغدر .
(3) سلف البيت وتخريجه وشرحه فيما مضى 2 : 496 ، تعليق 2 .
(4) في المطبوعة : " واستواء الفريقين " ، وفي المخطوطة " واستواء على الفريقين " . وصواب قراءتها ما أثبت ، وهو حق المعنى .

(14/27)


ولا يحسبن الذين كفروا سبقوا إنهم لا يعجزون (59)

القول في تأويل قوله : { ولا يحسبن الذين كفروا سبقوا إنهم لا يعجزون (59) }
قال أبو جعفر: اختلفت القرأة في قراءة ذلك.
فقرأ ذلك عامة قرأة الحجاز والعراق: " ولا تحسبن الذين كفروا سبقوا إنهم " بكسر الألف من "إنهم"، وبالتاء في "تحسبن" =بمعنى: ولا تحسبن، يا محمد، الذين كفروا سبقونا ففاتونا بأنفسهم. ثم ابتدئ الخبر عن قدرة الله عليهم فقيل: إن هؤلاء الكفرة لا يعجزون ربهم، إذا طلبهم وأراد تعذيبهم وإهلاكهم، بأنفسهم فيفوتوه بها.
* * *
وقرأ ذلك بعض قرأة المدينة والكوفة:( ولا يحسبن الذين كفروا )، بالياء في "يحسبن"، وكسر الألف من(إنهم) .
* * *
وهي قراءة غير حميدة، لمعنيين، (1) أحدهما خروجها من قراءة القرأة وشذوذها عنها =والآخر: بعدها من فصيح كلام العرب. وذلك أن "يحسب" يطلب في كلام العرب منصوبا وخبره، كقوله: "عبد الله يحسب أخاك قائما" و"يقوم" و"قام". فقارئ هذه القراءة أصحب "يحسب" خبرا لغير مخبر عنه مذكور. وإنما كان مراده، ظني: (2) ولا يحسبن الذين كفروا سبقوا إنهم لا يعجزوننا =فلم يفكر في صواب مخرج الكلام وسقمه، واستعمل في قراءته ذلك كذلك، ما ظهر له من مفهوم الكلام. وأحسب أن الذي دعاه إلى ذلك، الاعتبار بقراءة عبد الله. وذلك أنه فيما ذكر في مصحف عبد الله: " ولا يحسبن الذين كفروا
__________
(1) هذه القراءة التي ردها أبو جعفر ، هي قراءتنا اليوم .
(2) في المطبوعة : " وإنما كان مراد بطي ولا يحسبن " ، فأتى بعجب لا معنى له . وقول الطبري : " ظني " ، يقول كما نقول اليوم : " فيما أظن " .

(14/28)


أنهم سبقوا إنهم لا يعجزون "، وهذا فصيح صحيح، إذا أدخلت "أنهم" في الكلام، لأن "يحسبن" عاملة في "أنهم"، وإذا لم يكن في الكلام "أنهم" كانت خالية من اسم تعمل فيه.
وللذي قرأ من ذلك من القرأة وجهان في كلام العرب، وإن كانا بعيدين من فصيح كلامهم:
أحدهما: أن يكون أريد به: ولا يحسبن الذين كفروا أن سبقوا، أو: أنهم سبقوا =ثم حذف "أن" و"أنهم"، كما قال جل ثناؤه:( ومن آياته يريكم البرق خوفا وطمعا )، [الروم: 24]. بمعنى: أن يريكم، وقد ينشد في نحو ذلك بيت لذي الرمة:
أظن ابن طرثوث عتيبة ذاهبا بعاديتي تكذابه وجعائله (1)
__________
(1) ديوانه 473 ، من قصيدة ذكر فيها " المهاجر بن عبد الله الكلابي " والي اليمامة ، وكان للمهاجر عريف من السعاة بالبادية يقال له : " رومي " ، فاختلف ذو الرمة ، وعتيبة بن طرثوث في بئر عادية ، فخاصم ذو الرمة إلى رومي ، فقضى رومي لابن طرثوث قبل فصل الخصومة ، وكتب له بذلك سجلا ، فقال ذو الرمة من قصيدته تلك ، برواية ديوانه : أقول لنفسي ، لا أعاتب غيرها ... وذو اللب مهما كان ، للنفس قائله
لعل ابن طرثوث عتيبة ذاهب ... بعاديتي تكذابه وجعائله
بقاع ، منعناه ثمانين حجة ... وبضعا ، لنا أحراجه ومسايله
ثم ذكر المهاجر بالذكر الجميل ، ثم قال : يعز ، ابن عبد الله ، من أنت ناصر ... ولا ينصر الرحمن من أنت خاذله
إذا خاف قلبي جور ساع وظلمه ... ذكرتك أخرى فاطمأنت بلابله
ترى الله لا تخفى عليه سريرة ... لعبد ، ولا أسباب أمر يحاوله
لقد خط رومي، ولا زعماته، ... لعتبة خطا لم تطبق مفاصله
بغير كتاب واضح من مهاجر ... ولا مقعد مني بخصم أجادله
هذه قصة حية . وكان في المطبوعة : " عيينة " ، والصواب من الديوان ، ومما يدل عليه الشعر السالف إذ سماه " عتبة " ، ثم صغره . و " العادية " ، البئر القديمة ، كأنها من زمن " عاد " . و " التكذاب " ، مصدر مثل " الكذب " . و " الجعائل " ، الرشي ، تجعل للعامل المرتشي .

(14/29)


بمعنى: أظن ابن طرثوث أن يذهب بعاديتي تكذابه وجعائله؟ وكذلك قراءة من قرأ ذلك بالياء، يوجه "سبقوا" إلى "سابقين" على هذا المعنى. (1)
والوجه الثاني على أنه أراد إضمار منصوب بـ "يحسب"، كأنه قال: ولا يحسب الذين كفروا أنهم سبقوا =ثم حذف "أنهم" وأضمر. (2)
وقد وجه بعضهم معنى قوله:( إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه )، [سورة آل عمران: 175]: إنما ذلكم الشيطان يخوف المؤمن من أوليائه، وأن ذكر المؤمن مضمر في قوله: "يخوف"، إذ كان الشيطان عنده لا يخوف أولياءه. (3)
* * *
وقرأ ذلك بعض أهل الشأم: "ولا تحسبن الذين كفروا " بالتاء من "تحسبن" =( سبقوا أنهم لا يعجزون)، بفتح الألف من "أنهم"، بمعنى: ولا تحسبن الذين كفروا أنهم لا يعجزون.
* * *
قال أبو جعفر: ولا وجه لهذه القراءة يعقل، إلا أن يكون أراد القارئ بـ "لا" التي في "يعجزون"، "لا" التي تدخل في الكلام حشوا وصلة، (4) فيكون معنى الكلام حينئذ: ولا تحسبن الذين كفروا سبقوا أنهم يعجزون =ولا وجه لتوجيه حرف في كتاب الله إلى التطويل، (5) بغير حجة يجب التسليم لها، وله في الصحة مخرج.
* * *
قال أبو جعفر: والصواب من القراءة في ذلك عندي، قراءة من قرأ:
__________
(1) انظر هذا في معاني القرآن للفراء 1 : 414 - 416 .
(2) كان في المطبوعة : " ثم حذف الهمز وأضمر " ، وهو كلام لا تفلته الخساسة . وصواب قراءة المخطوطة : " أنهم " كما أثبتها ، وهو واضح جدا .
(3) انظر ما سلف 7 : 417 ، تفسير هذه الآية .
(4) " الصلة " ، الزيادة ، كما سلف مرارا ، انظر فهارس المصطلحات فيما سلف .
(5) " التطويل " ، الزيادة أيضا . انظر ما سلف 1 : 118 ، 224 ، 405 ، 406 ، 440 ، 441 ، وهو هناك " التطول " .

(14/30)


وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف إليكم وأنتم لا تظلمون (60)

(لا تحسبن)، بالتاء( الذين كفروا سبقوا إنهم )، بكسر الألف من "إنهم"،( لا يعجزون)، بمعنى: ولا تحسبن أنت، يا محمد، الذين جحدوا حجج الله وكذبوا بها، سبقونا بأنفسهم ففاتونا، إنهم لا يعجزوننا =أي: يفوتوننا بأنفسهم، ولا يقدرون على الهرب منا، (1) كما:-
16223- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:(ولا يحسبن الذين كفروا سبقوا إنهم لا يعجزون)، يقول: لا يفوتون.
* * *
القول في تأويل قوله : { وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم (60) }
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره:(وأعدوا)، لهؤلاء الذين كفروا بربهم، الذين بينكم وبينهم عهد، إذا خفتم خيانتهم وغدرهم، أيها المؤمنون بالله ورسوله =(ما استطعتم من قوة)، يقول: ما أطقتم أن تعدوه لهم من الآلات التي تكون قوة لكم عليهم، (2) من السلاح والخيل=(ترهبون به عدو الله وعدوكم)، يقول: تخيفون بإعدادكم ذلك عدو الله وعدوكم من المشركين.
* * *
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
16224- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس قال، سمعت أسامة بن زيد، عن صالح بن كيسان، عن رجل من جهينة، يرفع الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم:(وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة)، ألا إن الرمي هو القوة، ألا إن الرمي هو القوة. (3)
__________
(1) انظر تفسير " أعجز " فيما سلف 12 : 128 .
(2) انظر تفسير " الاستطاعة " ، فيما سلف 4 : 315 \ 9 : 284 .
(3) الأثر : 16224 - " ابن إدريس " ، وهو " عبد الله بن إدريس الأودي " الإمام ، مضى مرارا . وكان في المطبوعة والمخطوطة : " أبو إدريس " وهو خطأ صرف .
و " أسامة بن زيد الليثي " ، ثقة ، مضى برقم : 2867 ، 3354 .
و " صالح بن كيسان المدني " ، روى له الجماعة ، مضى برقم : 1020 ، 5321 .
وسيأتي هذا الخبر من طرق أخرى رقم : 16226 - 16228 ، وسأذكرها عند كل واحد منها ، وانظر تخريج الخبر التالي .

(14/31)


16225- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا سعيد بن شرحبيل قال، حدثنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، وعبد الكريم بن الحارث، عن أبي علي الهمداني: أنه سمع عقبة بن عامر على المنبر يقول: قال الله:(وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل)، ألا وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول على المنبر: قال الله:(وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة)، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي، ثلاثا. (1)
__________
(1) الأثر : 16225 - " سعيد بن شرحبيل الكندي " ، روى عنه البخاري ، وروى له النسائي وابن ماجه بالواسطة . ثقة . مترجم في التهذيب ، والكبير 2 \ 1 \ 442 ، وابن أبي حاتم 2 \ 1 \ 33 .
و " ابن لهيعة " ، مضى مرارا ، ومضى الكلام في أمر توثيقه .
و " يزيد بن أبي حبيب الأزدي المصري " ، ثقة ، روى له الجماعة ، مضى مرارا آخرها : 11871 .
و " عبد الكريم بن الحارث بن يزيد الحضرمي المصري " ، ثقة ، مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 3 \ 1 \ 60 .
و " أبو علي الهمداني " ، هو " ثمامة بن شفي الهمداني " المصري ، ثقة ، مترجم في التهذيب ، والكبير 1 \ 2 \ 177 ، وابن أبي حاتم 1 \ 1 \ 466 .
وهذا إسناد فيه ضعف لمن ضعف ابن لهيعة ، والطبري نفسه سيقول في ص : 37 ، تعليق : 2 ، أنه سند فيه وهاء " .
بيد أن هذا الخبر روي من طرق صحيحة جدا :
رواه مسلم في صحيحه 13 : 64 ، من طريق هارون بن معروف ، عن ابن وهب ، عن عمرو بن الحارث ، عن أبي علي ثمامة بن شفي ، بمثله .
ورواه أبو داود في سننه 3 : 20 ، رقم : 2514 ، من طريق سعيد بن منصور ، عن ابن وهب ، بمثله .
ورواه ابن ماجه في سننه : 940 رقم : 2813 ، من طريق يونس بن عبد الأعلى ، عن ابن وهب بمثله .
ورواه الحاكم في المستدرك 2 : 328 ، من طريق سعيد بن ابي أيوب ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن أبي الخير ، عن عقبة ، وقال : " هذا حديث صحيح على شرط الشيخين . ولك يخرجه البخاري ، لأن صالح بن كيسان أوقفه " ووافقه الذهبي .

(14/32)


16226- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا محبوب، وجعفر بن عون، ووكيع، وأبو أسامة، وأبو نعيم=، عن أسامة بن زيد، عن صالح بن كيسان، عن رجل، عن عقبة بن عامر الجهني قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر:(وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل)، فقال: "ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة، الرمي" ثلاث مرات. (1)
16227- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن أسامة بن زيد، عن صالح بن كيسان، عن رجل، عن عقبة بن عامر: أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية على المنبر، فذكر نحوه. (2)
16228- حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا أسامة بن زيد، عن صالح بن كيسان، عن عقبة بن عامر، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، نحوه. (3)
16229- حدثنا أحمد بن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح قال، حدثنا موسى بن عبيدة، عن أخيه، محمد بن عبيدة، عن أخيه عبد الله بن عبيدة، عن عقبة بن عامر، عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله:(وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة)، "ألا إن القوة الرمي. (4)
__________
(1) الأثر : 16226 - " محبوب " ، هو " محبوب بن محرز القواريري " ، وثقه ابن حبان ، وضعفه الدارقطني . مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 4 \ 1 \ 388 .
و " جعفر بن عون المخزومي " ، ثقة ، أخرج له الجماعة ، مضى برقم : 9506 .
وهذا الخبر رواه الترمذي من طريق وكيع عن أسامة بن زيد ، ثم قال : " وقد روى بعضهم هذا الحديث عن أسامة بن زيد ، عن صالح بن كيسان ، عن عقبة بن عامر ، وحديث وكيع أصح ، وصالح بن كيسان لم يدرك عقبة بن عامر ، وأدرك ابن عمر " . وانظر الخبر رقم : 16228 .
(2) الأثر: 16227 - هو مكرر الأثر السالف ، وانظر تخريجه ، رواه من هذه الطريق ، الترمذي في سننه ، كما سلف.
(3) الأثر : 16228 - هذا هو الحديث الذي أشار إليه الترمذي ، وقال فيه : " صالح بن كيسان ، لم يدرك عقبة بن عامر " . انظر ما سلف : 16226 .
(4) الأثر : 16229 - " موسى بن عبيدة بن نشيط الربذي " ، ضعيف بمرة ، لا تحل الرواية عنه . سلف مرارا ، آخرها رقم : 11811 ، 14045 ، روى عن أخويه " عبد الله " و " محمد " وأخوه " محمد بن عبيدة بن نشيط الربذي " ، لم أجد له ترجمة ، وهو مذكور في ترجمة أخيه " موسى " ، وترجمة أخيه " عبد الله " ، وأنه روى عنه . وكان أكبر من أخيه موسى بثمانين سنة . وأخوه " عبد الله بن عبيدة بن نشيط الربذي " ، روى عن جماعة من الصحابة ، وثقه بعضهم ، وضعفه آخرون ، وقال أحمد : " موسى بن عبيدة وأخوه ، لا يشتغل بهما " . مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 2 \ 2 \ 101 .

(14/33)


16230- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن شعبة بن دينار، عن عكرمة في قوله:(وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة)، قال: الحصون =(ومن رباط الخيل)، قال: الإناث. (1)
16231- حدثنا علي بن سهل قال، حدثنا ضمرة بن ربيعة، عن رجاء بن أبي سلمة قال: لقي رجل مجاهدا بمكة، ومع مجاهد جوالق،، (2) قال: فقال مجاهد: هذا من القوة! =ومجاهد يتجهز للغزو.
16232- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:(وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة)، من سلاح.
* * *
وأما قوله:(ترهبون به عدو الله وعدوكم)=
= فقال ابن وكيع:
16233- حدثنا أبي، عن إسرائيل، عن عثمان بن المغيرة الثقفي، عن مجاهد، عن ابن عباس:(ترهبون به عدو الله وعدوكم)، قال: تخزون به عدو الله وعدوكم.
16234- حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا إسرائيل، عن عثمان، عن مجاهد، عن ابن عباس، مثله.
16235- حدثني الحارث قال: حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا إسرائيل، عن خصيف، عن عكرمة وسعيد بن جبير، عن ابن عباس:(ترهبون به عدو الله
__________
(1) الأثر : 16230 - " شعبة بن دينار الكوفي " ، روى عن مكرمة ، وأبي بردة بن أبي موسى الأشعري ، ثقة . مترجم في التهذيب ، والكبير 2 \ 2 \ 245 ، وابن أبي حاتم 2 \ 1 \ 368 .
(2) " الجوالق " ( بضم الجيم ، وفتح اللام أو كسرها ) ، وعاء من الأوعية ، هو الذي نسميه اليوم في مصر محرفا " الشوال " .

(14/34)


وعدوكم)، قال: تخزون به عدو الله وعدوكم. وكذا كان يقرؤها:(تخزون). (1)
16237- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا إسرائيل، عن عثمان بن المغيرة، وخصيف، عن مجاهد، عن ابن عباس:(ترهبون به)، تخزون به. (2)
16238- حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا إسرائيل، عن خصيف، عن عكرمة، عن ابن عباس، مثله.
* * *
يقال منه: "أرهبت العدو، ورهبته، فأنا أرهبه وأرهبه، إرهابا وترهيبا، وهو الرهب والرهب"، ومنه قول طفيل الغنوي:
ويل أم حي دفعتم في نحورهم بني كلاب غداة الرعب والرهب (3)
* * *
القول في تأويل قوله : { وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم }
قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في هؤلاء "الآخرين"، من هم، وما هم؟
فقال بعضهم: هم بنو قريظة.
*ذكر من قال ذلك:
__________
(1) في المطبوعة والمخطوطة : " وكذا كان يقرؤها : ترهبون " ، والصواب الذي لا شك فيه هنا ، هو " تخزون " ، كما أثبتها ، وقد ذكر قراءة ابن عباس هذه ، ابن خالويه في القراءات الشاذة : 50 ( وفي المطبوعة خطأ ، كتب : يجرون به عدو الله ، والصواب ما أثبت ) ، وقال أبو حيان في تفسيره 4 : 512 : " وقرأ ابن عباس ، وعكرمة ، ومجاهد : " تخزون به " ، مكان : ترهبون به = وذكرها الطبري على وجه التفسير لا على وجه القراءة ، وهو الذي ينبغي ، لأنه مخالف لسواد المصحف " .
قلت : وقد رأيت بعد أن الطبري ذكرها أيضا على جهة القراءة ، ولا يستقيم نصه إلا بما أثبت .
(2) سقط من الترقيم : 16236 ، سهوا .
(3) ديوانه : 56 ، ومجاز القرآن لأبي عبيدة 1 : 249 يمدح بها بني جعفر بن كلاب ، من أبيات ثلاثة ، مفردة .

(14/35)


16239- حدثت عن عمار بن الحسن قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:(وآخرين من دونهم)، يعني: من بني قريظة.
16240- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:(وآخرين من دونهم)، قال: قريظة.
* * *
وقال آخرون: من فارس.
* ذكر من قال ذلك:
16241- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:(وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم)، هؤلاء أهل فارس.
* * *
وقال آخرون: هم كل عدو للمسلمين، غير الذي أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يشرد بهم من خلفهم. قالوا: وهم المنافقون.
* ذكر من قال ذلك:
16242- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قول الله:(فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم)، قال: أخفهم بهم، لما تصنع بهؤلاء. وقرأ:(وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم). (1)
16243- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد، في قوله:(وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم)، قال: هؤلاء المنافقون، لا تعلمونهم لأنهم معكم، يقولون: لا إله إلا الله، ويغزون معكم.
* * *
__________
(1) الأثر : 16242 - هذا مكرر الأثر السالف رقم 16220 ، ولا أدري فيم جاء به هنا مفردا ، وأما الأثر الذي عناه ، فهو الذي يليه ، والظاهر أنه خطأ من الطبري نفسه في النقل . ولفظ هذا الخبر ، يخالف لفظ الخبر السالف قليلا .

(14/36)


وقال آخرون: هم قوم من الجن.
* * *
قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله أمر المؤمنين بإعداد الجهاد وآلة الحرب وما يتقوون به على جهاد عدوه وعدوهم من المشركين، من السلاح والرمي وغير ذلك، ورباط الخيل =ولا وجه لأن يقال: عني بـ "القوة"، معنى دون معنى من معاني "القوة"، وقد عم الله الأمر بها.
فإن قال قائل: فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بين أن ذلك مراد به الخصوص بقوله: "ألا إن القوة الرمي"؟ (1)
قيل له: إن الخبر، وإن كان قد جاء بذلك، فليس في الخبر ما يدل على أنه مراد بها الرمي خاصة، دون سائر معاني القوة عليهم، فإن الرمي أحد معاني القوة، لأنه إنما قيل في الخبر: "ألا إن القوة الرمي"، ولم يقل: "دون غيرها"، ومن "القوة" أيضا السيف والرمح والحربة، وكل ما كان معونة على قتال المشركين، كمعونة الرمي أو أبلغ من الرمي فيهم وفي النكاية منهم. هذا مع وهاء سند الخبر بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . (2)
* * *
وأما قوله:(وآخرين من دونهم لا تعلمونهم)، فإن قول من قال: عنى به الجن، أقرب وأشبه بالصواب، لأنه جل ثناؤه قد أدخل بقوله:(ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم)، الأمر بارتباط الخيل لإرهاب كل عدو لله وللمؤمنين يعلمونهم، ولا شك أن المؤمنين كانوا عالمين بعداوة قريظة وفارس لهم، لعلمهم بأنهم مشركون، وأنهم لهم حرب. ولا معنى لأن يقال: وهم يعلمونهم لهم
__________
(1) انظر الآثار السالفة رقم : 16224 - 16229 .
(2) هذه مرة أخرى تختلف فيها كتابة المخطوطة ، فههنا : " وهاء " ، كما أثبتها ، وكان في المطبوعة : " وهي " ، وانظر ما كتبته ما سلف 9 : 531 ، تعليق : 2 .
ثم انظر ما قلته في تخريج الخبر السالف رقم : 16225 ، وما ذكرته من الطريق الصحيحة في رواية هذا الخبر .

(14/37)


أعداء:(وآخرين من دونهم لا تعلمونهم)، ولكن معنى ذلك إن شاء الله: ترهبون بارتباطكم، أيها المؤمنون، الخيل عدو الله وأعداءكم من بني آدم الذين قد علمتم عداوتهم لكم، لكفرهم بالله ورسوله، وترهبون بذلك جنسا آخر من غير بني آدم، لا تعلمون أماكنهم وأحوالهم، الله يعلمهم دونكم، لأن بني آدم لا يرونهم. وقيل: إن صهيل الخيل يرهب الجن، وأن الجن لا تقرب دارا فيها فرس. (1)
* * *
فإن قال قائل: فإن المؤمنين كانوا لا يعلمون ما عليه المنافقون، فما تنكر أن يكون عني بذلك المنافقون؟
قيل: فإن المنافقين لم يكن تروعهم خيل المسلمين ولا سلاحهم، وإنما كان يروعهم أن يظهر المسلمون على سرائرهم التي كانوا يستسرون من الكفر، وإنما أمر المؤمنون بإعداد القوة لإرهاب العدو، فأما من لم يرهبه ذلك، فغير داخل في معنى من أمر بإعداد ذلك له المؤمنون. وقيل: "لا تعلمونهم"، فاكتفي لـ "العلم"، بمنصوب واحد في هذا الموضع، لأنه أريد: لا تعرفونهم، كما قال الشاعر: (2)
__________
(1) ذكر ابن كثير في تفسيره خبرين ، أحدهما رواه ابن أبي حاتم ، عن زيد بن عبد الله بن عريب ، عن أبيه عن جده : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: هم الجن، في هذه الآية ثم قال رواه الطبراني ، وزاد : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "لا يخبل بيت فيه عتيق الخيل " ، ( انظر الإصابة : ترجمة عريب ) ، ثم قال ابن كثير : " هذا الحديث منكر ، لا يصح إسناده ولا متنه " . وانظر القرطبي 8 : 38 .
وهذا الذي قاله الطبري ، رده العلماء من قوله ، وحق لهم . وقد رجح ابن كثير وأبو حبان ( 4 : 513 ) ، أن المعنى بذلك هم المنافقون ، وهو القول الذي رده أبو جعفر فيما يلي ، ورد أبي جعفر رد محكم .
فإن كان لنا أن نختار ، فإني أختار أن يكون عني بذلك ، من خفي على المؤمنين أمره من أهل الشرك ، كنصارى الشأم وغيرهم ، ممن لم ينظر المؤمنون عدواتهم بعد ، وهي آتية سوف يرونها عيانا بعد قليل . وفي الكلام فضل بحث ليس هذا مكانه ، والآية عامة لا أدري كيف يخصصها أبو جعفر ، بخبر لا حجة فيه .
(2) هو النمر بن تولب العكلي .

(14/38)


فإن الله يعلمني ووهبا وأنا سوف يلقاه كلانا (1)
* * *
القول في تأويل قوله : { وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف إليكم وأنتم لا تظلمون (60) }
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وما أنفقتم، أيها المؤمنون، من نفقة في شراء آلة حرب من سلاح أو حراب أو كراع أو غير ذلك من النفقات، (2) في جهاد أعداء الله من المشركين يخلفه الله عليكم في الدنيا، ويدخر لكم أجوركم على ذلك عنده، حتى يوفيكموها يوم القيامة (3) (وأنتم لا تظلمون)، يقول: يفعل ذلك بكم ربكم، فلا يضيع أجوركم عليه.
* * *
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
__________
(1) الاقتضاب : 303 ، المفصل الزمخشري : 88 . وكان النمر بن تولب ، نازع رجلا يقال له " وهب " ، من قومه ، في بئر تدعى " الدحول " ( بالحاء المهملة ) ، في أرض عكل ، نميرة الماء ، يقول فيها من هذه الأبيات : ولكن الدحول إذا أتاها ... عجاف المال تتركه سمانا
وكان النمر سقاه منها ، فلم يشكر له ، وخان الأمانة ونازعه فيها فقال : يريد خيانتي وهب ، وأرجو ... من الله البراءة والأمانا
فإن الله يعلمني ووهبا ... ويعلم أن سيلقاه كلانا
وإن بني ربيعة بعد وهب ... كراعي البيت يحفظه فخانا
وكان البيت في المطبوعة والمخطوطة : فإن الله يعلمني ... وأنا سوف يلقاه كلانا
(2) انظر تفسير " النفقة " فيما سلف من فهارس اللغة ( نفق ) .
(3) انظر تفسير " وفي " فيما سلف 12 : 224 ، تعليق : 3 ، والمراجع هناك .

(14/39)


وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله إنه هو السميع العليم (61)

16244- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق،(وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف إليكم وأنتم لا تظلمون)، أي لا يضيع لكم عند الله أجره في الآخرة، وعاجل خلفه في الدنيا. (1)
* * *
القول في تأويل قوله : { وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله إنه هو السميع العليم (61) }
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: وإما تخافن من قوم خيانة وغدرا، فانبذ إليهم على سواء وآذنهم بالحرب =(وإن جنحوا للسلم فاجنح لها)، وإن مالوا إلى مسالمتك ومتاركتك الحرب، إما بالدخول في الإسلام، وإما بإعطاء الجزية، وإما بموادعة، ونحو ذلك من أسباب السلم والصلح (2) =(فاجنح لها)، يقول: فمل إليها، وابذل لهم ما مالوا إليه من ذلك وسألوكه.
* * *
يقال منه: "جنح الرجل إلى كذا يجنح إليه جنوحا"، وهي لتميم وقيس، فيما ذكر عنها، تقول: "يجنح"، بضم النون، وآخرون: يقولون: "يجنح" بكسر النون، وذلك إذا مال، ومنه قول نابغة بني ذبيان:
جوانح قد أيقن أن قبيله إذا ما التقى الجمعان أول غالب (3)
جوانح: موائل.
* * *
__________
(1) الأثر : 16244 - سيرة ابن هشام 2 : 329 ، 330 ، وهو تابع الأثر السالف رقم : 16218 .
(2) انظر تفسير " السلم " فيما سلف 4 : 251 - 255 .
(3) ديوانه : 43 ، من شعره المشهور في عمرو بن الحارث الأعرج ، حين هرب إلى الشأم ، من النعمان بن المنذر في خبر المتجردة ، وقبله ، ذكر فيها غارة جيشه ، والنسور التي تتبع الجيش : إذا ما غزوا بالجيش ، حلق فوقهم ... عصائب طير تهتدي بعصائب
يصاحبنهم حتى يغرن مغارهم ... من الضاريات بالدماء الدوارب
تراهن خلف القوم خزرا عيونها ... جلوس الشيوخ في ثياب المرانب
جوانح قد أيقن . . . . . . . ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وهذا من جيد الشعر وخالصه .

(14/40)


وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
16245- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة:(وإن جنحوا للسلم) قال: للصلح، ونسخها قوله:( فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ) [سورة التوبة: 5]
16246- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله:(وإن جنحوا للسلم)، إلى الصلح=(فاجنح لها)، قال: وكانت هذه قبل "براءة"، وكان نبي الله صلى الله عليه وسلم يوادع القوم إلى أجل، فإما أن يسلموا، وإما أن يقاتلهم، ثم نسخ ذلك بعد في "براءة" فقال:( فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم )، وقال:(قاتلوا المشركين كافة)، [سورة التوبة: 36]، ونبذ إلى كل ذي عهد عهده، وأمره بقتالهم حتى يقولوا "لا إله إلا الله" ويسلموا، وأن لا يقبل منهم إلا ذلك. وكل عهد كان في هذه السورة وفي غيرها، وكل صلح يصالح به المسلمون المشركين يتوادعون به، فإن "براءة" جاءت بنسخ ذلك، فأمر بقتالهم على كل حال حتى يقولوا: "لا إله إلا الله".
16247- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح، عن الحسين، عن يزيد، عن عكرمة والحسن البصري قالا(وإن جنحوا للسلم فاجنح لها)، نسختها الآية التي في "براءة" قوله:( قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر )، إلى قوله:( وهم صاغرون ) [سورة التوبة: 29]

(14/41)


16248- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:(وإن جنحوا للسلم فاجنح لها)، يقول: وإن أرادوا الصلح فأرده.
16249- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق،(وإن جنحوا للسلم فاجنح لها)، أي: إن دعوك إلى السلم =إلى الإسلام= فصالحهم عليه. (1)
16250- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:(وإن جنحوا للسلم فاجنح لها)، قال: فصالحهم. قال: وهذا قد نسخه الجهاد.
* * *
قال أبو جعفر: فأما ما قاله قتادة ومن قال مثل قوله، من أن هذه الآية منسوخة، فقول لا دلالة عليه من كتاب ولا سنة ولا فطرة عقل.
وقد دللنا في غير موضع من كتابنا هذا وغيره على أن الناسخ لا يكون إلا ما نفى حكم المنسوخ من كل وجه. فأما ما كان بخلاف ذلك، فغير كائن ناسخا. (2)
وقول الله في براءة:( فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم )، غير ناف حكمه حكم قوله.(وإن جنحوا للسلم فاجنح لها)، لأن قوله:(وإن جنحوا للسلم)، إنما عني به بنو قريظة، وكانوا يهودا أهل كتاب، وقد أذن الله جل ثناؤه للمؤمنين بصلح أهل الكتاب ومتاركتهم الحرب على أخذ الجزية منهم.
وأما قوله:( فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ) فإنما عني به مشركو العرب من عبدة الأوثان، الذين لا يجوز قبول الجزية منهم. فليس في إحدى
__________
(1) الأثر : 16249 - سيرة ابن هشام 2 : 330 ، وهو تابع الأثر السالف رقم : 16244 ، وفي السيرة : " إلى السلم على الإسلام " .
(2) انظر مقالته في " النسخ " فيما سلف 11 : 209 ، وما بعده وما قبله في فهارس الكتاب ، وفي فهارس العربية والنحو وغيرها .

(14/42)


الآيتين نفي حكم الأخرى، بل كل واحدة منهما محكمة فيما أنزلت فيه.
16251- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:(وإن جنحوا للسلم)، قال: قريظة.
* * *
وأما قوله:(وتوكل على الله)، يقول: فوض إلى الله، يا محمد، أمرك، واستكفه، واثقا به أنه يكفيك (1) كالذي:-
16252- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق:(وتوكل على الله)، إن الله كافيك. (2)
* * *
وقوله:(إنه هو السميع العليم)، يعني بذلك: إن الله الذي تتوكل عليه، "سميع"، لما تقول أنت ومن تسالمه وتتاركه الحرب من أعداء الله وأعدائك عند عقد السلم بينك وبينه، وما يشترط كل فريق منكم على صاحبه من الشروط (3) ="العليم"، بما يضمره كل فريق منكم للفريق الآخر من الوفاء بما عاقده عليه، ومن المضمر ذلك منكم في قلبه، والمنطوي على خلافه لصاحبه. (4)
* * *
__________
(1) انظر تفسير " التوكل " فيما سلف ص : 15 تعليق : 1 ، والمراجع هناك .
(2) الأثر : 16252 - سيرة ابن هشام 2 : 330 ، وهو تابع الأثر السالف رقم : 16249 .
(3) في المطبوعة : " ويشرط كل فريق . . . " ، وفي المخطوطة : " ويشترط . . . " ، والصواب بينهما ما أثبت .
(4) انظر تفسير " سميع " و " عليم " فيما سلف من فهارس اللغة ( سمع ) ، ( علم ) .

(14/43)


وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين (62)

القول في تأويل قوله : { وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين (62) }
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وإن يرد، يا محمد، هؤلاء الذين أمرتك بأن تنبذ إليهم على سواء إن خفت منهم خيانة، وبمسالمتهم إن جنحوا للسلم، خداعك والمكر بك (1) =(فإن حسبك الله)، يقول: فإن الله كافيكهم وكافيك خداعهم إياك، (2) لأنه متكفل بإظهار دينك على الأديان، ومتضمن أن يجعل كلمته العليا وكلمة أعدائه السفلى =(هو الذي أيدك بنصره)، يقول: الله الذي قواك بنصره إياك على أعدائه (3) =(وبالمؤمنين)، يعني بالأنصار.
* * *
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
16253- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد،(وإن يريدوا أن يخدعوك)، قال: قريظة.
16254- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق:(وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله)، هو من وراء ذلك. (4)
16255- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:(هو الذي أيدك بنصره)، قال: بالأنصار.
__________
(1) انظر تفسير " الخداع " فيما سلف 1 : 273 - 277 ، 302 \ 9 : 329 .
(2) انظر تفسير " حسبك " فيما سلف 11 : 137 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .
(3) انظر تفسير " أيد " فيما سلف 13 : 377 ، تعليق : 3 ، والمراجع هناك .
(4) الأثر : 16254 - سيرة ابن هشام ، 2 : 331 ، وهو تابع الأثر السالف رقم : 16252 .

(14/44)


وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم (63)

القول في تأويل قوله : { وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم (63) }
قال أبو جعفر: يريد جل ثناؤه بقوله:(وألف بين قلوبهم)، وجمع بين قلوب المؤمنين من الأوس والخزرج، بعد التفرق والتشتت، على دينه الحق، فصيرهم به جميعا بعد أن كانوا أشتاتا، وإخوانا بعد أن كانوا أعداء.
وقوله:(لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم)، يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: لو أنفقت، يا محمد، ما في الأرض جميعا من ذهب وورق وعرض، ما جمعت أنت بين قلوبهم بحيلك، (1) ولكن الله جمعها على الهدى فأتلفت واجتمعت، تقوية من الله لك وتأييدا منه ومعونة على عدوك. يقول جل ثناؤه: والذي فعل ذلك وسببه لك حتى صاروا لك أعوانا وأنصارا ويدا واحدة على من بغاك سوءا هو الذي إن رام عدو منك مراما يكفيك كيده وينصرك عليه، فثق به وامض لأمره، وتوكل عليه.
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
16256- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:(وألف بين قلوبهم)، قال: هؤلاء الأنصار، ألف بين قلوبهم من بعد حرب، فيما كان بينهم. (2)
__________
(1) " الحيل " ( بفتح فسكون ) ، القوة ، مثل " الحول " ، يقال : " إنه لشديد الحيل " ، وفي الحديث : " اللهم ذا الحيل الشديد " . وهو لا يزال يستعمل كذلك في عامية مصر .
(2) ما بين " من بعد حرب " و " فيما كان بينهم " ، بياض في المخطوطة ، فيه معقوفة بالحمرة ، لا أدري أهو بياض تركه لسقط ، أم هو سهو من الناسخ ملأه بالحمرة .

(14/45)


16257- حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن بشير بن ثابت، رجل من الأنصار: أنه قال في هذه الآية:(لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم)، يعني: الأنصار (1)
16258- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق:(وألف بين قلوبهم)، على الهدى الذي بعثك به إليهم =(لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم)، بدينه الذي جمعهم عليه =يعني الأوس والخزرج. (2)
16259- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن يمان، عن إبراهيم الخوزي، عن الوليد بن أبي مغيث، عن مجاهد قال: إذا التقى المسلمان فتصافحا غفر لهما. قال قلت لمجاهد: بمصافحة يغفر لهما؟ (3) فقال مجاهد: أما سمعته يقول:(لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم) ؟ فقال الوليد لمجاهد: أنت أعلم مني. (4)
16260- حدثنا عبد الكريم بن أبي عمير قال، حدثني الوليد، عن أبي عمرو قال، حدثني عبدة بن أبي لبابة، عن مجاهد، ولقيته وأخذ بيدي فقال: إذا تراءى المتحابان في الله، (5) فأخذ أحدهما بيد صاحبه وضحك إليه، تحاتت
__________
(1) الأثر : 16257 - " بشير بن ثابت الأنصاري " ، مولى النعمان " بن بشير " ، ذكره ابن حبان في الثقات . روى عنه شعبة . مترجم في التهذيب ، والكبير 1 \ 2 \ 97 ، وابن أبي حاتم 1 \ 1 \ 372 .
(2) الأثر : 16258 - سيرة ابن هشام 2 : 331 ، وهو تابع الأثر السالف رقم : 16254 .
(3) في المخطوطة : " يغفر الله له " والذي في المطبوعة أجود .
(4) الأثر : 16259 - " إبراهيم الخوزي " ، هو : " إبراهيم بن يزيد الخوزي الأموي " ، مولى عمر بن عبد العزيز ، ضعيف ، مضى برقم : 7484 ، وكان في المطبوعة والمخطوطة : " إبراهيم الجزري " ، وهو خطأ محض .
و " الوليد بن أبي مغيث " ، نسب إلى جده ، ولم أجده منسوبا إليه في غير هذا المكان ، وإنما هو : " الوليد بن عبد الله بن أبي مغيث " ، مولى بني عبد الدار ، ثقة . روى عن يوسف بن ماهك ، ومحمد بن الحنفية . مترجم في التهذيب ، والكبير 4 \ 2 \ 146 ، وابن أبي حاتم 4 \ 2 \ 9 .
(5) " تراءى الرجلان " ، رأى أحدهما الآخر .

(14/46)


خطاياهما كما يتحات ورق الشجر. (1) قال عبدة: فقلت له: إن هذا ليسير! قال: لا تقل ذلك، فإن الله يقول:(لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم)! قال عبدة: فعرفت أنه أفقه مني. (2)
16261- حدثني محمد بن خلف قال، حدثنا عبيد الله بن موسى قال، حدثنا فضيل بن غزوان قال، أتيت أبا إسحاق فسلمت عليه فقلت (3) أتعرفني؟ فقال فضيل: نعم! لولا الحياء منك لقبلتك = حدثني أبو الأحوص، عن عبد الله، قال: نزلت هذه الآية في المتحابين في الله:(لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم). (4)
16262- حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية قال، أخبرنا ابن عون،
__________
(1) " تحات ورق الشجر " ، تساقط من غصنه إذا ذبل ، ثم انتثر .
(2) الأثر : 16260 - " عبد الكريم بن أبي عمير " ، شيخ الطبري ، سلف برقم : 7578 ، 11368 ، 12867 .
و " الوليد " ، هو " الوليد بن مسلم " ، سلف مرارا .
و " أبو عمرو " ، هو الأوزاعي الإمام .
و " عبدة بن أبي لبابة الأسدي " ، مضى برقم : 5859 .
وانظر الخبر الآتي رقم : 16263 .
(3) في المستدرك : " لقيت أبا إسحاق بعد ما ذهب بصره " .
(4) الأثر : 16261 - " أبو إسحاق " هو : السبيعي .
و " أبو الأحوص " ، هو " عوف بن مالك بن نضلة " ، تابعي ثقة ، مضى مرارا .
و " عبد الله " ، هو " عبد الله بن مسعود " .
وهذا الخبر رواه الحاكم في المستدرك 2 : 329 ، من طريق يعلي بن عبيد ، عن فضيل ، وقال : " هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه " ، ووافقه الذهبي .
ورواه الهيثمي في مجمع الزوائد 7 : 27 ، 28 ، من طريق أخرى ، وقال : " رواه البزار ، ورجاله رجال الصحيح ، غير جنادة بن مسلم ، وهو ثقة " .
وخرجه السيوطي في الدر المنثور 3 : 199 ، وزاد نسبته إلى ابن المبارك ، وابن أبي شيبة ، وابن أبي الدنيا في كتاب الإخوان ، والنسائي ، وابن أبي حاتم ، وأبي الشيخ ، وابن مردويه ، والبيهقي في شعب الإيمان .
وسيأتي من طريق أخرى رقم : 16264 .

(14/47)


يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين (64)

عن عمير بن إسحاق قال: كنا نحدث أن أول ما يرفع من الناس =أو قال: عن الناس= الألفة. (1)
16263- حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم قال، حدثنا أيوب بن سويد، عن الأوزاعي قال، حدثني عبدة بن أبى لبابة، عن مجاهد =ثم ذكر نحو حديث عبد الكريم، عن الوليد. (2)
16264- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو أسامة، وابن نمير، وحفص بن غياث=، عن فضيل بن غزوان، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص قال: سمعت عبد الله يقول:(لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم)، الآية، قال: هم المتحابون في الله. (3)
* * *
وقوله:(إنه عزيز حكيم)، يقول: إن الله الذي ألف بين قلوب الأوس والخزرج بعد تشتت كلمتهما وتعاديهما، وجعلهم لك أنصارا =(عزيز)، لا يقهره شيء، ولا يرد قضاءه راد، ولكنه ينفذ في خلقه حكمه. يقول: فعليه فتوكل، وبه فثق=(حكيم)، في تدبير خلقه. (4)
* * *
القول في تأويل قوله : { يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين (64) }
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم:(يا أيها النبي حسبك الله)، وحسب من اتبعك من المؤمنين، الله. يقول لهم جل ثناؤه: ناهضوا
__________
(1) الأثر : 16262 - " عمير بن إسحاق " ، مضى قريبا برقم : 16148 .
(2) الأثر : 16263 - انظر ما سلف رقم : 16260 ، والتعليق عليه .
(3) الأثر : 16264 - طريق أخرى للأثر السالف رقم : 16261 .
(4) انظر تفسير " عزيز " و " حكيم " فيما سلف من فهارس اللغة ( عزز ) ، ( حكم ) .

(14/48)


عدوكم، فإن الله كافيكم أمرهم، ولا يهولنكم كثرة عددهم وقلة عددكم، فإن الله مؤيدكم بنصره. (1)
* * *
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
16265- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا مؤمل بن إسماعيل قال، حدثنا سفيان، عن شوذب أبي معاذ، عن الشعبي في قوله:(يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين)، قال: حسبك الله وحسب من اتبعك من المؤمنين، الله. (2)
16266- حدثني أحمد بن عثمان بن حكيم الأودي قال، حدثنا عبيد الله بن موسى قال، أخبرنا سفيان، عن شوذب، عن الشعبي في قوله:(يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين)، قال: حسبك الله، وحسب من معك.
16267- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبيد الله، عن سفيان، عن شوذب، عن عامر، بنحوه =إلا أنه قال: حسبك الله، وحسب من شهد معك.
16268- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب، عن ابن زيد في قوله:(يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين)، قال: يا أيها النبي حسبك الله، وحسب من اتبعك من المؤمنين، إن حسبك أنت وهم، الله.
* * *
فـ "من" قوله:(ومن اتبعك من المؤمنين)، على هذا التأويل الذي
__________
(1) انظر تفسير " حسب " فيما سلف ص : 44 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .
(2) الأثر : 16265 - " شوذب ، أبو معاذ " ، ويقال : " أبو عثمان " ، مولى البراء بن عازب . قال سفيان ، عن شوذب : " كنت تياسا ، فنهاني البراء بن عازب عن عسب الفحل " روى عنه سفيان الثوري ، وشعبة . مترجم في الكبير 2 \ 2 \ 261 ، وابن أبي حاتم 2 \ 1 \ 377 ، وكان في المطبوعة: "شوذب بن معاذ" وهو خطأ، صوابه في المخطوطة.
وسيأتي في الإسنادين التاليين .

(14/49)


يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مئة يغلبوا ألفا من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون (65) الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مئة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله والله مع الصابرين (66)

ذكرناه عن الشعبي، نصب، عطفا على معنى "الكاف" في قوله:(حسبك الله) لا على لفظه، لأنها في محل خفض في الظاهر، وفي محل نصب في المعنى، لأن معنى الكلام: يكفيك الله، ويكفي من اتبعك من المؤمنين.
* * *
وقد قال بعض أهل العربية في "من"، أنها في موضع رفع على العطف على اسم "الله"، كأنه قال: حسبك الله ومتبعوك إلى جهاد العدو من المؤمنين، دون القاعدين عنك منهم. واستشهد على صحة قوله ذلك بقوله:(حرض المؤمنين على القتال) . (1)
* * *
القول في تأويل قوله : { يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون (65) الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله والله مع الصابرين (66) }
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم:(يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال)، حث متبعيك ومصدقيك على ما جئتهم به من الحق، على قتال من أدبر وتولى عن الحق من المشركين (2) =(إن يكن منكم عشرون) رجلا=(صابرون)، عند لقاء العدو، ويحتسبون أنفسهم ويثبتون
__________
(1) هو الفراء في معاني القرآن 1 : 417 .
(2) انظر تفسير " التحريض " فيما سلف 8 : 579 .

(14/50)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية