صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : جامع البيان في تأويل القرآن
المؤلف : محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري،
[ 224 - 310 هـ ]
المحقق : أحمد محمد شاكر
الناشر : مؤسسة الرسالة
الطبعة : الأولى ، 1420 هـ - 2000 م
عدد الأجزاء : 24
مصدر الكتاب : موقع مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
www.qurancomplex.com
[ ترقيم الكتاب موافق للمطبوع ، والصفحات مذيلة بحواشي أحمد ومحمود شاكر ]

أيمانكم"، قال: ذوات الأزواج من المسلمين والمشركين. وقال علي: ذوات الأزواج من المشركين.
9005 - حدثني المثنى قال، حدثنا الحماني قال، حدثنا شريك، عن سالم، عن سعيد، عن ابن عباس في قوله:"والمحصنات من النساء"، قال: كل ذات زوج عليكم حرام.
9006 - حدثني المثنى قال، حدثنا الحماني قال، حدثنا شريك، عن عبد الكريم، عن مكحول نحوه.
9007 - حدثني المثنى قال، حدثنا الحماني قال، حدثنا شريك، عن الصلت بن بهرام، عن إبراهيم نحوه. (1)
9008 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله:"والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم" إلى"وأحل لكم ما وراء ذلكم"، يعني ذوات الأزواج من النساء، لا يحل نكاحهن. يقول: لا تخبب ولا تعد، فتنشز على زوجها. (2) وكل امرأة لا تنكح إلا ببينة ومهر فهي من المحصنات التي حرم الله ="إلا ما ملكت أيمانكم"، يعني التي أحل الله من النساء، وهو ما أحل من حرائر النساء مثنى وثلاث ورباع. (3)
* * *
__________
(1) الأثر: 9007 -"الصلت بن بهرام التميمي" مضى برقم: 4223.
(2) في المطبوعة: "لا تخلب" ، وهو كأنه من"الخب" ، وهو من قولهم: "خلب المرأة عقلها" ، سلبها إياه بحلو حديثه وخداعه. وفي المخطوطة: "تحلب" غير منقوطة ، وكذلك في الدر المنثور 2: 138 ، ولكني آثرت قراءتها"تخبب" ، لأنه هو اللفظ المستعمل في إفساد النساء على أزواجهن. يقال: "خبب عليه امرأته أو عبده أو صديقه": أفسده عليه بمكره وغشه وخداعه ، قال الفرزدق ، في قوم اتهمهم بإفساد زوجته النوار عليه: وإن امرأ أمسى يخبب زوجتي ... كماش إلى أسد الشرى يستبيلها
ومن دون أبوال الأسود بسالة ... وبسطة أيد يمنع الضيم طولها
(3) الأثر: 9008 - خرجه السيوطي في الدر المنثور 2: 138 ، ونسبه لابن جرير ، وابن أبي حاتم. وانظر التعليق على الأثر: 9002 ، في إشكال معنى"بينة" هنا. وانظر أيضا ص: 158 تعليق: 1 ، والتعليق على الأثر: 8991.

(8/162)


وقال آخرون: بل هن نساء أهل الكتاب.
*ذكر من قال ذلك:
9009 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح قال، حدثنا عيسى بن عبيد، عن أيوب بن أبي العوجاء، عن أبي مجلز في قوله:"والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم"، قال: نساء أهل الكتاب. (1) .
* * *
وقال آخرون: بل هن الحرائر.
*ذكر من قال ذلك:
9010 - حدثنا ابن بشار قال، حدثني حماد بن مسعدة قال، حدثنا سليمان، عن عزرة في قوله:"والمحصنات من النساء"، قال: الحرائر. (2)
* * *
__________
(1) الأثر: 9009 -"يحيى بن واضح الأنصاري ، أبو تميلة" ، سلفت ترجمته مرارا منها: 392 ، 461. و"عيسى بن عبيد بن مالك المروزي - الكندي" ، يروي عن أبي مجلز ، ولكنه روى عنه هنا بواسطة أيوب بن أبي العوجاء. روى عنه أبي تميلة يحيى بن واضح. وذكره ابن حبان في الثقات. مترجم في التهذيب.
و"أيوب بن العوجاء القرشي" ، روى عن عكرمة ، وعلباء بن أحمر. روى عنه الحسين بن واقد ، والمبارك بن مجاهد ، وعيسى بن عبيد المروزي ، وأيوب. يعد في الخراسانيين ، وهو مروزي. مترجم في الكبير 1 / 1 / 421 ، وابن أبي حاتم 1 / 1 / 254. وكان في المخطوطة والمطبوعة: "أيوب عن أبي العوجاء" ، وهو خطأ ، صوابه ما أثبت. و"أبو مجلز" هو"لاحق بن حميد" سلفت ترجمته في رقم: 2634.
(2) الأثر: 9010 -"حماد بن مسعدة البصري" ، ثقة ، من شيوخ أحمد. مضى برقم: 3056.
و"سليمان": هو: سليمان التيمي.
و"عزرة" هو: عزرة بن عبد الرحمن بن زرارة الخزاعي ، مضى برقم: 2752 ، 2753 ، وفي هذه الأخيرة خطأ (عروة) والصواب"عزرة" فليصحح.
وكان في المطبوعة: "سليمان بن عرعرة" ، ولا أدري من أين جاء بها الطابع ، وإن كان"سليمان بن عرعرة بن البرند" مترجما في ابن أبي حاتم 2 / 1 / 134 ، وكان في المخطوطة"سليمان بن عزرة" ، وليس في الرواة"سليمان بن عزرة" ، فظاهر أنه"سليمان بن عزرة" وعزرة ، يروي عن سليمان التيمي وقتادة.

(8/163)


وقال آخرون:"المحصنات" هن العفائف وذوات الأزواج، وحرام كل من الصنفين إلا بنكاح أو ملك يمين.
*ذكر من قال ذلك:
9011 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني الليث قال، حدثني عقيل، عن ابن شهاب، وسئل عن قول الله:"والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم" الآية، قال: نرى أنه حرم في هذه الآية المحصنات من النساء ذوات الأزواج أن ينكحن مع أزواجهن = والمحصنات، العفائف = ولا يحللن إلا بنكاح أو ملك يمين. والإحصان إحصانان: إحصان تزويج، وإحصان عفاف، في الحرائر والمملوكات. كل ذلك حرم الله، إلا بنكاح أو ملك يمين.
* * *
وقال آخرون: نزلت هذه الآية في نساء كن يهاجرن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولهن أزواج، فيتزوجهن بعض المسلمين، ثم يقدم أزواجهن مهاجرين، فنهى المسلمون عن نكاحهن.
*ذكر من قال ذلك:
9012 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، حدثني حبيب بن أبي ثابت، عن أبي سعيد الخدري قال: كان النساء يأتيننا ثم يهاجر أزواجهن، فمنعناهن = يعني قوله:"والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم". (1)
* * *
__________
(1) الأثر: 9012 -"حبيب بن أبي ثابت" هو: "حبيب بن قيس بن دينار" ، ويقال: "حبيب بن قيس بن هند" ، ويقال"حبيب بن هند". روى عن ابن عمر ، وابن عباس ، وأنس بن مالك ، وزيد بن أرقم ، ومجاهد ، وعطاء ، وطاوس. وذكره أبو جعفر الطبري في طبقات الفقهاء. لم يذكر له رواية عن أبي سعيد الخدري. وهو ثقة. مترجم في التهذيب ، والكبير 1 / 2 / 311 ، وابن أبي حاتم 1 / 2 / 107. والأثر خرجه السيوطي في الدر المنثور 2: 138 ، ولم ينسبه إلا لابن جرير.

(8/164)


وقد ذكر ابن عباس وجماعة غيره أنه كان ملتبسا عليهم تأويل ذلك.
9013 - حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن عمرو بن مرة قال، قال رجل لسعيد بن جبير: أما رأيت ابن عباس حين سئل عن هذه الآية:"والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم"، فلم يقل فيها شيئا؟ قال فقال: كان لا يعلمها.
9014 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا عبد الرحمن بن يحيى، عن مجاهد قال: لو أعلم من يفسر لي هذه الآية، لضربت إليه أكباد الإبل، قوله:"والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم" إلى قوله:"فما استمتعتم به منهن"، إلى آخر الآية. (1)
* * *
قال أبو جعفر: فأما"المحصنات"، فإنهن جمع"محصنة"، وهي التي قد منع فرجها بزوج. يقال منه:"أحصن الرجل امرأته فهو يحصنها إحصانا"،"وحصنت هي فهي تحصن حصانة"، إذا عفت ="وهي حاصن من النساء"، عفيفة، كما قال العجاج:
وحاصن من حاصنات ملس... عن الأذى وعن قراف الوقس (2)
__________
(1) الأثر: 9014 -"عبد الرحمن بن يحيى" ، لم أعرف من يكون؟
وهذا الأثر خرجه السيوطي في الدر المنثور 2: 139 ، لم ينسبه لغير ابن جرير.
(2) ديوانه: 79 ، واللسان (حصن) (قنس) و (وقس). وقد سلف من هذه القصيدة أبيات في 3: 403 ، يذكر فيها أبا العباس السفاح وخلافته ، وهذا الشعر في ديوانه ملفق غير متصل ، فلذلك لم أستطع أن أميز الآن ، من على بقوله: "وحاصن" ، وكأنه عنى أم أبي العباس.
وقوله: "ملس" جمع"ملساء" وأراد بها البراءة من كل عيب يذم ، كالشيء الأملس وهو البريء من الخشونة والعيوب والابن ، ويقول المتلمس ، وصدق العربي الحر: فلا تقبلن ضيما مخافة ميتة، ... وموتن بها حرا وجلدك أملس
ويعني بقوله: "الأذى" العيب. ويروى"من الأذى" ، وهو جيد أيضا. و"القراف" المخالطة ، مصدر"قارف الشيء مقارفة وقرافا" داناه وخالطه. فقالوا منه: "قارف الجرب البعير" ، داناه شيء منه ، وهو المراد هنا ، أي ملابسة الداء و"الوقس" ، الجرب. وضرب الجرب مثلا للفاحشة والعيب.

(8/165)


ويقال أيضا، إذا هي عفت وحفظت فرجها من الفجور:"قد أحصنت فرجها فهي محصنة"، كما قال جل ثناؤه:( ومريم ابنت عمران التي أحصنت فرجها ) [سورة التحريم: 12]، بمعنى: حفظته من الريبة، ومنعته من الفجور. وإنما قيل لحصون المدائن والقرى:"حصون"، لمنعها من أرادها وأهلها، وحفظها ما وراءها ممن بغاها من أعدائها. ولذلك قيل للدرع:"درع حصينة".
* * *
فإذا كان أصل"الإحصان" ما ذكرنا من المنع والحفظ، فبين أن معنى قوله:"والمحصنات من النساء"، والممنوعات من النساء حرام عليكم إلا ما ملكت أيمانكم.
وإذ كان ذلك معناه، وكان الإحصان قد يكون بالحرية، كما قال جل ثناؤه:( والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ) [سورة المائدة: 5] = ويكون بالإسلام، كما قال تعالى ذكره:( فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب ) [سورة النساء: 25] = ويكون بالعفة، كما قال جل ثناؤه:( والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء ) [سورة النور: 4] = ويكون بالزوج = (1) ولم يكن تبارك وتعالى خص محصنة دون محصنة في قوله:"والمحصنات من النساء" = (2) فواجب أن تكون كل محصنة بأي معاني الإحصان كان إحصانها، حراما علينا سفاحا أو نكاحا إلا ما ملكته أيماننا منهن بشراء، كما أباحه لنا كتاب الله جل ثناؤه، أو نكاح على ما أطلقه لنا تنزيل الله.
__________
(1) هذه عطوف متتابعة ، والسياق: وإذ كان ذلك معناه ، وكان الإحصان قد يكون بالحرية... ويكون بالإسلام... ويكون بالعفة... ويكون بالزوج...
= ثم عطف مرة أخرى على أول الكلام فكان سياقه: وإذ كان ذلك معناه... ولم يكن تبارك وتعالى خص محصنة دون محصنة.
(2) هذا جواب"إذ" ، والسياق: وإذ كان ذلك معناه... فواجب أن تكون كل محصنة.

(8/166)


فالذي أباحه الله تبارك وتعالى لنا نكاحا من الحرائر: الأربع، سوى اللواتي حرمن علينا بالنسب والصهر = ومن الإماء: ما سبينا من العدو، سوى اللواتي وافق معناهن معنى ما حرم علينا من الحرائر بالنسب والصهر، فإنهن والحرائر فيما يحل ويحرم بذلك المعنى، متفقات المعاني = وسوى اللواتي سبيناهن من أهل الكتابين ولهن أزواج، فإن السباء يحلهن لمن سباهن بعد الاستبراء، وبعد إخراج حق الله تبارك وتعالى الذي جعله لأهل الخمس منهن. فأما السفاح، فإن الله تبارك وتعالى حرمه من جميعهن، فلم يحله من حرة ولا أمة، ولا مسلمة، ولا كافرة مشركة.
وأما الأمة التي لها زوج، فإنها لا تحل لمالكها إلا بعد طلاق زوجها إياها، أو وفاته وانقضاء عدتها منه. فأما بيع سيدها إياها، فغير موجب بينها وبين زوجها فراقا ولا تحليلا لمشتريها، لصحة الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (1) أنه خير بريرة إذ أعتقتها عائشة، بين المقام مع زوجها الذي كان سادتها زوجوها منه في حال رقها، وبين فراقه = ولم يجعل صلى الله عليه وسلم عتق عائشة إياها لها طلاقا. ولو كان عتقها وزوال ملك عائشة إياها لها طلاقا، لم يكن لتخيير النبي صلى الله عليه وسلم إياها بين المقام مع زوجها والفراق، معنى = ولوجب بالعتق الفراق، (2) وبزوال ملك عائشة عنها الطلاق. فلما خيرها النبي صلى الله عليه وسلم بين الذي ذكرنا وبين المقام مع زوجها والفراق، كان معلوما أنه لم يخير بين ذلك إلا والنكاح عقده ثابت كما كان قبل زوال ملك عائشة عنها. فكان نظيرا للعتق = الذي هو زوال ملك مالك المملوكة ذات الزوج عنها = البيع، الذي هو زوال ملك مالكها عنها، إذ كان أحدهما زوالا ببيع، والآخر بعتق = في أن الفرقة لا تجب بينها وبين زوجها بهما ولا بواحد منهما، [ولا يجب بهما ولا بواحد منهما
__________
(1) خبر بريرة ، في مسلم 10: 139-148 ، وأخرجه البخاري أيضا في مواضع من صحيحه.
(2) في المخطوطة: "وقد وجب بالعتق الفراق" ، وهو خطأ بين ، والصواب ما في المطبوعة.

(8/167)


طلاق]، (1) وإن اختلفا في معان أخر: من أن لها في العتق الخيار في المقام مع زوجها والفراق، لعلة مفارقة معنى البيع، وليس ذلك لها في البيع.
* * *
قال أبو جعفر: فإن قال قائل: وكيف يكون معنيا بالاستثناء من قوله:"والمحصنات من النساء"، ما وراء الأربع، من الخمس إلى ما فوقهن بالنكاح، والمنكوحات به غير مملوكات؟.
قيل له: إن الله تعالى لم يخص بقوله:"إلا ما ملكت أيمانكم"، المملوكات الرقاب، دون المملوك عليها بعقد النكاح أمرها، بل عم بقوله:"إلا ما ملكت أيمانكم"، كلا المعنيين = أعني ملك الرقبة، وملك الاستمتاع بالنكاح = لأن جميع ذلك ملكته أيماننا. أما هذه فملك استمتاع، وأما هذه فملك استخدام واستمتاع وتصريف فيما أبيح لمالكها منها. ومن ادعى أن الله تبارك وتعالى عني بقوله:"والمحصنات من النساء" محصنة وغير محصنة سوى من ذكرنا أولا بالاستثناء بقوله:"إلا ما ملكت أيمانكم"، (2) بعض أملاك أيماننا دون بعض غير الذي دللنا على أنه غير معني به = سئل البرهان على دعواه من أصل أو نظير. (3) فلن يقول في ذلك قولا إلا ألزم في الآخر مثله.
* * *
__________
(1) في المطبوعة: "في أن الفرقة لا يجب بها بينهما وبين زوجها بهما ولا بواحد منهما طلاق" وهو كلام فاسد مختل ، غير ما في المخطوطة إذ كان ما فيها خطأ ، وزاد"بها" في قوله"لا يجب بها" ، ولا أدري ما أراد بذلك!!
وفي المخطوطة: "في أن الفرقة لا تجب بينها وبين زوجها بهما ، ولا بواحد منها وطلاق". والجملة الأولى مستقيمة ، وأما "وطلاق" فإن الناسخ فيما أرجح قد اختلط عليه إعادة الجملة كما أثبتها ، فكتب ما كتب. والصواب إن شاء الله هو ما أثبته بين القوسين ، وهو استظهار من سياق الحجة السالفة كما ترى.
هذا ، وجملة أبي جعفر من أول الفقرة ، شديدة التركيب ، ولذلك وضعت لها الخطوط الفواصل ، لتفصل التفسير عن سياق الكلام ، وسياقه كما يلي: "فكان نظيرا للعتق... البيع... في أن الفرقة..." ، يعني أن البيع نظير العتق ، ثم فسر في خلال ذلك معنى"العتق" ومعنى"البيع".
(2) قوله: "بعض" منصوب مفعول به لقوله"عنى بقوله".
(3) السياق: "ومن ادعى... سئل البرهان".

(8/168)


فإن اعتل معتل منهم بحديث أبي سعيد الخدري أن هذه الآية نزلت في سبايا أوطاس =
= قيل له: إن سبايا أوطاس لم يوطأن بالملك والسباء دون الإسلام. وذلك أنهن كن مشركات من عبدة الأوثان، وقد قامت الحجة بأن نساء عبدة الأوثان لا يحللن بالملك دون الإسلام، وأنهن إذا أسلمن فرق الإسلام بينهن وبين الأزواج، سبايا كن أو مهاجرات. غير أنهن إذا كن سبايا، حللن إذا هن أسلمن بالاستبراء. فلا حجة لمحتج في أن المحصنات اللاتي عناهن بقوله:"والمحصنات من النساء"، ذوات الأزواج من السبايا دون غيرهن، بخبر أبي سعيد الخدري أن ذلك نزل في سبايا أوطاس. لأنه وإن كان فيهن نزل، فلم ينزل في إباحة وطئهن بالسباء خاصة، دون غيره من المعاني التي ذكرنا. مع أن الآية تنزل في معنى، فتعم ما نزلت به فيه وغيره، فيلزم حكمها جميع ما عمته، لما قد بينا من القول في العموم والخصوص في كتابنا"كتاب البيان عن أصول الأحكام".
* * *
القول في تأويل قوله : { كتاب الله عليكم }
قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره: كتابا من الله عليكم، فأخرج"الكتاب" مصدرا من غير لفظه. (1) وإنما جاز ذلك لأن قوله تعالى:"حرمت عليكم أمهاتكم"، إلى قوله:"كتاب الله عليكم"، بمعنى: كتب الله تحريم ما حرم من ذلك وتحليل ما حلل من ذلك عليكم، كتابا. (2)
* * *
__________
(1) "المصدر" (بضم الميم وفتح الصاد ودال مشدودة مفتوحة) ، أي مفعولا مطلقا ، من"التصدير" - وهو الإخراج على معنى المفعول المطلق. وانظر ما سلف 1: 117 ، تعليق: 1 ثم ص 138 ، تعليق: 2 / 2 : 292 تعليق: 1 ، ص: 500.
(2) انظر ما سلف 7: 261.

(8/169)


وبما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
*ذكر من قال ذلك:
9015 - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم قال:"كتاب الله عليكم"، قال: ما حرم عليكم.
9016 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال: سألت عطاء عنها فقال:"كتاب الله عليكم"، قال: هو الذي كتب عليكم الأربع، أن لا تزيدوا.
9017 - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية، عن ابن عون، عن محمد بن سيرين قال: قلت لعبيدة:"والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم كتاب الله عليكم"، وأشار ابن عون بأصابعه الأربع.
9018 - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا هشام، عن ابن سيرين قال: سألت عبيدة عن قوله:"كتاب الله عليكم"، قال: أربع.
9019 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"كتاب الله عليكم"، الأربع.
9020 - حدثني يونس قال أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"كتاب الله عليكم"، قال: هذا أمر الله عليكم. قال: يريد ما حرم عليهم من هؤلاء وما أحل لهم. وقرأ:"وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم"، إلى أخر الآية. قال:"كتاب الله عليكم"، الذي كتبه، وأمره الذي أمركم به."كتاب الله عليكم"، أمر الله. (1)
* * *
وقد كان بعض أهل العربية يزعم أن قوله:"كتاب الله عليكم"، منصوب على وجه الإغراء، بمعنى: عليكم كتاب الله، الزموا كتاب الله.
__________
(1) انظر تفسير"كتاب" فيما سلف 3: 364 ، 365 ، 409 ، 508 / 4 : 297 / 5: 300. ومعنى"الكتاب" الفرض والحكم والقضاء.

(8/170)


= والذي قال من ذلك غير مستفيض في كلام العرب. وذلك أنها لا [تكاد] تنصب بالحرف الذي تغري به، [إذا أخرت الإغراء، وقدمت المغرى به]. (1) لا تكاد تقول:"أخاك عليك، وأباك دونك"، وإن كان جائزا. (2)
والذي هو أولى بكتاب الله: أن يكون محمولا على المعروف من لسان من نزل بلسانه. هذا، مع ما ذكرنا من تأويل أهل التأويل ذلك بمعنى ما قلنا، وخلاف ما وجهه إليه من زعم أنه نصب على وجه الإغراء.
* * *
القول في تأويل قوله : { وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم }
قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.
فقال بعضهم: معنى ذلك: وأحل لكم ما دون الخمس، أن تبتغوا بأموالكم على وجه النكاح.
*ذكر من قال ذلك:
9021 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"وأحل لكم ما وراء ذلكم"، ما دون الأربع ="أن تبتغوا أموالكم".
9022 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن هشام،
__________
(1) هذه الجملة التي بين القوسين ، لا بد منها لصحة هذا القول ، وقوله: "تكاد" قبلها بين القوسين ، ضرورة زيادتها أيضا ، وإلا لم يكن لقوله بعد: "وإن كان ذلك جائزا" معنى ، فإنه يكون قد نفى بمرة واحدة ، أن تنصب العرب بالحرف الذي تغرى به ، إذا أخرته. وهو تناقض. واستظهرت الجملة الثانية مما سلف من كلامه في 1: 120 ، في الإغراء أيضا.
(2) وانظر أيضا معاني القرآن للفراء 1: 260.

(8/171)


عن ابن سيرين، عن عبيدة السلماني:"وأحل لكم ما وراء ذلكم"، يعني: ما دون الأربع.
* * *
وقال آخرون: بل معنى ذلك: وأحل لكم ما وراء ذلكم: من سمى لكم تحريمه من أقاربكم.
*ذكر من قال ذلك:
9023 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا حجاج، عن ابن جريج قال: سألت عطاء عنها فقال:"وأحل لكم ما وراء ذلكم"، قال: ما وراء ذات القرابة ="أن تبتغوا بأموالكم"، الآية.
* * *
وقال آخرون: بل معنى ذلك:"وأحل لكم ما وراء ذلكم: عدد ما أحل لكم من المحصنات من النساء الحرائر ومن الإماء.
*ذكر من قال ذلك:
9024 - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا سعيد، عن قتادة في قوله:"وأحل لكم ما وراء ذلكم"، قال: ما ملكت أيمانكم.
* * *
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، ما نحن مبينوه. وهو أن الله جل ثناؤه بين لعباده المحرمات بالنسب والصهر، ثم المحرمات من المحصنات من النساء، ثم أخبرهم جل ثناؤه أنه قد أحل لهم ما عدا هؤلاء المحرمات المبينات في هاتين الآيتين، أن نبتغيه بأموالنا نكاحا وملك يمين، لا سفاحا.
* * *
فإن قال قائل: عرفنا المحللات اللواتي هن وراء المحرمات بالأنساب والأصهار، فما المحللات من المحصنات والمحرمات منهن؟
قيل: هو ما دون الخمس من واحدة إلى أربع - على ما ذكرنا عن عبيدة

(8/172)


والسدي - من الحرائر. فأما ما عدا ذوات الأزواج، فغير عدد محصور بملك اليمين. وإنما قلنا إن ذلك كذلك، لأن قوله:"وأحل لكم ما وراء ذلكم"، عام في كل محلل لنا من النساء أن نبتغيها بأموالنا. فليس توجيه معنى ذلك إلى بعض منهن بأولى من بعض، إلا أن تقوم بأن ذلك كذلك حجة يجب التسليم لها. ولا حجة بأن ذلك كذلك.
* * *
واختلف القرأة في قراءة قوله:"وأحل لكم ما وراء ذلكم".
فقرأ ذلك بعضهم:"وأحل لكم" بفتح"الألف" من"أحل" بمعنى: كتب الله عليكم، وأحل لكم ما وراء ذلكم.
وقرأه آخرون:( وأحل لكم ما وراء ذلكم ) ، اعتبارا بقوله:( حرمت عليكم أمهاتكم ) ،"وأحل لكم ما وراء ذلكم".
* * *
قال أبو جعفر: والذي نقول في ذلك، أنهما قراءتان معروفتان مستفيضتان في قرأة الإسلام، غير مختلفتي المعنى، فبأي ذلك قرأ القارئ فمصيب الحق.
* * *
وأما معنى قوله:"ما وراء ذلكم"، فإنه يعني: ما عدا هؤلاء اللواتي حرمتهن عليكم ="أن تبتغوا بأموالكم" يقول: أن تطلبوا وتلتمسوا بأموالكم، (1) إما شراء بها، وإما نكاحا بصداق معلوم، كما قال جل ثناؤه:( ويكفرون بما وراءه ) [سورة البقرة: 91]، يعني: بما عداه وبما سواه. (2)
* * *
__________
(1) انظر تفسير: "ابتغى" فيما سلف 3: 508 / 4 : 163 / 6: 196 ، 564 ، 570 / 7 : 53.
(2) انظر تفسير: "وراء" فيما سلف 2: 348 ، 349 ، ومعاني القرآن للفراء 1: 60 ، 261.

(8/173)


وأما موضع:"أن" من قوله:"أن تبتغوا بأموالكم" فرفع، ترجمة عن"ما" التي في قوله: (1) "وأحل لكم ما وراء ذلكم" في قراءة من قرأ"وأحل" بضم"الألف" = ونصب على ذلك في قراءة من قرأ ذلك:"وأحل" بفتح"الألف".
وقد يحتمل النصب في ذلك في القراءتين، على معنى: وأحل لكم ما وراء ذلكم لأن تبتغوا. فلما حذفت"اللام" الخافضة، اتصلت بالفعل قبلها فنصبت. (2) وقد يحتمل أن تكون في موضع خفض، بهذا المعنى، (3) إذ كانت"اللام" في هذا الموضع معلوما أن بالكلام إليها الحاجة.
* * *
القول في تأويل قوله : { محصنين غير مسافحين }
قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه:"محصنين"، أعفاء بابتغائكم ما وراء ما حرم عليكم من النساء بأموالكم (4) ="غير مسافحين"، يقول: غير مزانين، كما:-
9025 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله:"محصنين"، قال: متناكحين ="غير مسافحين"، قال: زانين بكل زانية.
9026 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال:"محصنين" متناكحين ="غير مسافحين"، السفاح الزنا.
__________
(1) "الترجمة" هنا هي"التفسير" ، كما ذكره الفراء في معاني القرآن 1: 261.
(2) انظر معاني القرآن للفراء 1: 261.
(3) في المخطوطة والمطبوعة: "فهذا المعنى" ، وهو خطأ شديد الفساد.
(4) انظر تفسير"الإحصان" فيما سلف قريبا: 165 ، 166.

(8/174)


9027 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"محصنين غير مسافحين"، يقول: محصنين غير زناة.
* * *
القول في تأويل قوله : { فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة }
قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل قوله:"فما استمتعتم به منهن". فقال بعضهم: معناه: فما نكحتم منهن فجامعتموهن - يعني: من النساء ="فآتوهن أجورهن فريضة" يعني: صدقاتهن، فريضة معلومة. (1)
*ذكر من قال ذلك:
9028 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله:"فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة"، يقول: إذا تزوج الرجل منكم المرأة، ثم نكحها مرة واحدة، فقد وجب صداقها كله = و"الاستمتاع" هو النكاح، وهو قوله:( وآتوا النساء صدقاتهن نحلة ) [سورة النساء: 4].
9029 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن الحسن في قوله:"فما استمتعتم به منهن"، قال: هو النكاح.
9030 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"فما استمتعتم به منهن"، النكاح.
__________
(1) انظر تفسير"الاستمتاع" في"متع" ، و"الإيتاء" في"أتى" و"الفريضة" في"فرض" من فهارس اللغة ، في الأجزاء السالفة.

(8/175)


9031 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد قوله:"فما استمتعتم به منهن"، قال: النكاح أراد.
9032 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة" الآية، قال: هذا النكاح، وما في القرآن إلا نكاح. إذا أخذتها واستمتعت بها، فأعطها أجرها الصداق. فإن وضعت لك منه شيئا، فهو لك سائغ. فرض الله عليها العدة، وفرض لها الميراث. قال: والاستمتاع هو النكاح ههنا، إذا دخل بها.
* * *
وقال آخرون: بل معنى ذلك: فما تمتعتم به منهن بأجر تمتع اللذة، لا بنكاح مطلق على وجه النكاح الذي يكون بولي وشهود ومهر.
*ذكر من قال ذلك:
9033 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى فآتوهن أجورهن فريضة ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة"، (1) فهذه المتعة: الرجل ينكح المرأة بشرط إلى أجل مسمى، ويشهد شاهدين، وينكح بإذن وليها، وإذا انقضت المدة فليس له عليها سبيل، وهي منه برية، وعليها أن تستبرئ ما في رحمها، وليس بينهما ميراث، ليس يرث واحد منهما صاحبه.
9034 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"فما استمتعتم به منهن"، قال: يعني نكاح المتعة.
9035 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا يحيى بن عيسى قال، حدثنا نصير بن أبي الأشعث قال، حدثني ابن حبيب بن أبي ثابت، عن أبيه قال:
__________
(1) قوله في الآية"إلى أجل مسمى" ، هو في هذا الأثر من سياق الآية عن السدي ، وانظر الآثار التالية: 9035 - 9043 ، وانظر رد الطبري هذه القراءة في آخر تفسير الآية.

(8/176)


أعطاني ابن عباس مصحفا فقال: هذا على قراءة أبي = قال أبو كريب (1) قال يحيى: فرأيت المصحف عند نصير، فيه:( فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى ) . (2)
9036 - حدثنا حميد بن مسعدة قال، حدثنا بشر بن المفضل قال، حدثنا داود، عن أبي نضرة قال، سألت ابن عباس عن متعة النساء. قال: أما تقرأ"سورة النساء"؟ قال قلت: بلى! قال: فما تقرأ فيها:( فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى ) ؟ قلت: لا! لو قرأتها هكذا ما سألتك! قال: فإنها كذا.
9037 - حدثنا ابن المثنى قال، حدثني عبد الأعلى قال، حدثني داود، عن أبي نضرة قال: سألت ابن عباس عن المتعة، فذكر نحوه.
9038 - حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن أبي سلمة، عن أبي نضرة قال: قرأت هذه الآية على ابن عباس:"فما استمتعتم به منهن". قال ابن عباس:"إلى أجل مسمى". قال قلت: ما أقرؤها كذلك! قال: والله لأنزلها الله كذلك! ثلاث مرات.
9039 - حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا أبو داود قال، حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن عمير: أن ابن عباس قرأ:( فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى ) .
__________
(1) في المخطوطة والمطبوعة: "أبو بكر" ، مكان"أبو كريب" ، وهو سهو من الناسخ كما ترى.
(2) الأثر: 9035 -"يحيى بن عيسى الرملي" ، شيخ أبي كريب ، مضت ترجمته رقم: 6317 ، ثم 7418."نصير بن أبي الأشعث"- ويقال: ابن الأشعث -العرادي الأسدي ، روى عن أبي إسحاق السبيعي وغيره. مترجم في التهذيب.
و"ابن حبيب بن أبي ثابت" ، لم أستطع أن أثبت أيهم هو ، وهم"عبد الله بن حبيب" و"عبيد الله بن حبيب" ، و"عبد السلام بن حبيب" ، ذكرهم الداراقطني وقال: "بنو حبيب بن أبي ثابت وكلهم ثقات". وكان في المطبوعة: "حبيب بن أبي ثابت" أسقط"ابن" ، وهي ثابتة في المخطوطة.
وأبوه: "حبيب بن أبي ثابت" ، روى عن ابن عباس ، سلفت ترجمته قريبا ، رقم: 9012.

(8/177)


9040 - حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا ابن أبي عدي، عن شعبة = وحدثنا خلاد بن أسلم قال، أخبرنا النضر قال، أخبرنا شعبة = عن أبي إسحاق، عن ابن عباس بنحوه.
9041 - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الأعلى قال: حدثنا سعيد، عن قتادة قال: في قراءة أبي بن كعب:( فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى ) .
9042 - حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن الحكم قال: سألته عن هذه الآية:"والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم" إلى هذا الموضع:"فما استمتعتم به منهن"، أمنسوخة هي؟ قال: لا = قال الحكم: وقال علي رضي الله عنه: لولا أن عمر رضي الله عنه نهى عن المتعة ما زنى إلا شقي.
9043 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا عيسى بن عمر القارئ الأسدي، عن عمرو بن مرة: أنه سمع سعيد بن جبير يقرأ:( فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى فآتوهن أجورهن ) .
* * *
قال أبو جعفر: وأولى التأويلين في ذلك بالصواب، تأويل من تأوله: فما نكحتموه منهن فجامعتموه، فآتوهن أجورهن = لقيام الحجة بتحريم الله متعة النساء على غير وجه النكاح الصحيح أو الملك الصحيح على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم.
9044 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز قال، حدثني الربيع بن سبرة الجهني، عن أبيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: استمتعوا من هذه النساء = والاستمتاع عندنا يومئذ التزويج. (1)
* * *
__________
(1) الحديث: 9044 - اختصر الطبري رحمه الله ، أو شيخه سفيان بن وكيع - لفظ الحديث! فأوهم شيئا آخر غير ما يدل عليه سياقه كاملا. وابن وكيع - شيخ الطبري -: هو سفيان بن وكيع. وهو ضعيف ، كما بينا فيما مضى: 142. والحديث رواه الإمام أحمد في المسند ، كاملا: 15415 (ج3 ص405-406 حلبي) وشتان بين أحمد وابن وكيع. فرواه عن وكيع ، بهذا الإسناد ، وفيه: "قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: استمتعوا من هذه النساء. قال: والاستمتاع عندنا يومئذ التزويج ، قال: فعرضنا ذلك على النساء ، فأبين إلا أن نضرب بيننا وبينهن أجلا. قال: فذكرنا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: افعلوا" - ثم ذكر القصة في تمتعه بامرأة لعشرة أيام ، وأنه بات عندها ليلة: "ثم أصبحت غاديا إلى المسجد. فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الباب والحجر ، يخطب الناس يقول: ألا أيها الناس ، قد كنت أذنت لكم في الاستمتاع من هذه النساء ، ألا وإن الله تبارك وتعالى قد حرم ذلك إلى يوم القيامة" - إلى آخر الحديث.
ورواه البيهقي 7: 203 ، بنحوه من طريق أبي نعيم ، عن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز ، به.
وروى أحمد في المسند حديث سبرة بن معبد في تحريم المتعة ، مطولا ومختصرا ، من أوجه كثيرة (3: 404-405).
وكذلك رواه مسلم 1: 395-396 ، مطولا ومختصرا.
وقصة سبرة بن معبد هذه كانت في حجة الوداع ، أو في غزوة الفتح - على اختلاف الرواية عنه في ذلك. وقال الحافظ في الفتح 9: 147"والرواية عنه بأنها في الفتح أصح وأشهر". وعلى كل حال فالنهي فيها هو الناسخ الأخير ، وقد أفاض الحافظ في بيان النسخ مفصلا 9: 143-151.
وانظر المحلى 9: 519-520 ، والسنن الكبرى للبيهقي 7: 200-207.

(8/178)


وقد دللنا على أن المتعة على غير النكاح الصحيح حرام، في غير هذا الموضع من كتبنا، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.
* * *
وأما ما روي عن أبي بن كعب وابن عباس من قراءتهما:( فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى ) ، فقراءة بخلاف ما جاءت به مصاحف المسلمين. وغير جائز لأحد أن يلحق في كتاب الله تعالى شيئا لم يأت به الخبر القاطع العذر عمن لا يجوز خلافه.
* * *

(8/179)


القول في تأويل قوله : { ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة إن الله كان عليما حكيما (24) }
قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.
فقال بعضهم: معنى ذلك لا حرج عليكم، (1) أيها الأزواج، إن أدركتكم عسرة بعد أن فرضتم لنسائكم أجورهن فريضة، فيما تراضيتم به من حط وبراءة، بعد الفرض الذي سلف منكم لهن ما كنتم فرضتم.
*ذكر من قال ذلك:
9045 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه قال: زعم حضرمي: أن رجالا كانوا يفرضون المهر، ثم عسى أن تدرك أحدهم العسرة، فقال الله:"ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة".
وقال آخرون: معنى ذلك: ولا جناح عليكم، أيها الناس، فيما تراضيتم أنتم والنساء اللواتي استمتعتم بهن إلى أجل مسمى، إذا انقضى الأجل الذي أجلتموه بينكم وبينهن في الفراق، أن يزدنكم في الأجل، وتزيدوا من الأجر والفريضة، (2) قبل أن يستبرئن أرحامهن.
*ذكر من قال ذلك:
9046 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة"، إن شاء أرضاها من بعد الفريضة الأولى - يعني الأجرة التي أعطاها على تمتعه بها - قبل
__________
(1) انظر تفسير"الجناح" فيما سلف: 149 ، تعليق: 1 ، والمراجع هناك.
(2) في المخطوطة: "أن يزيدوكم في الأجل ، وتزيدون من الأجر" ، والذي في المطبوعة أجود الكلامين.

(8/180)


انقضاء الأجل بينهما، فقال:"أتمتع منك أيضا بكذا وكذا"، فازداد قبل أن يستبرئ رحمها، ثم تنقضي المدة. وهو قوله:"فيما تراضيتم به من بعد الفريضة"،
* * *
وقال آخرون: معنى ذلك: ولا جناح عليكم، أيها الناس، فيما تراضيتم به أنتم ونساؤكم بعد أن تؤتوهن أجورهن على استمتاعكم بهن من مقام وفراق.
*ذكر من قال ذلك:
9047 - حدثنا المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله:"ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة"، والتراضي: أن يوفيها صداقها ثم يخيرها.
* * *
وقال آخرون: بل معنى ذلك ولا جناح عليكم فيما وضعت عنكم نساؤكم من صدقاتهن من بعد الفريضة.
*ذكر من قال ذلك:
9048 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قوله:"ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة"، قال: إن وضعت لك منه شيئا فهو لك سائغ.
* * *
قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بالصواب، قول من قال: معنى ذلك: ولا حرج عليكم، أيها الناس، فيما تراضيتم به أنتم ونساؤكم من بعد إعطائهن أجورهن على النكاح الذي جرى بينكم وبينهن، من حط ما وجب لهن عليكم، أو إبراء، أو تأخير ووضع. وذلك نظير قوله جل ثناؤه:( وآتوا النساء صدقاتهن نحلة فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا ) [سورة النساء: 4].
فأما الذي قاله السدي: فقول لا معنى له، لفساد القول بإحلال جماع

(8/181)


ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات والله أعلم بإيمانكم بعضكم من بعض فانكحوهن بإذن أهلهن وآتوهن أجورهن بالمعروف محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب ذلك لمن خشي العنت منكم وأن تصبروا خير لكم والله غفور رحيم (25)

امرأة بغير نكاح ولا ملك يمين.
* * *
وأما قوله:"إن الله كان عليما حكيما"، فإنه يعني: إن الله كان ذا علم بما يصلحكم، أيها الناس، في مناكحكم وغيرها من أموركم وأمور سائر خلقه، ="حكيما" فيما يدبر لكم ولهم من التدبير، وفيما يأمركم وينهاكم، لا يدخل حكمته خلل ولا زلل. (1)
* * *
القول في تأويل قوله : { ومن لم يستطع منكم طولا }
قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في معنى:"الطول" الذي ذكره الله تعالى في هذه الآية.
فقال بعضهم: هو الفضل والمال والسعة.
*ذكر من قال ذلك:
9049- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله:"ومن لم يستطع منكم طولا"، قال: الغنى.
9050 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.
9051 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله:"ومن لم يستطع منكم طولا"، يقول: من لم يكن له سعة.
9052 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:"ومن لم يستطع منكم طولا"، يقول: من لم يستطع منكم سعة.
9053 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا هشيم قال،
__________
(1) انظر تفسير"عليم" و"حكيم" في فهارس اللغة فيما سلف.

(8/182)


حدثنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير قوله:"ومن لم يستطع منكم طولا"، قال: الطول الغنى.
9054 - حدثني المثنى قال، حدثنا حبان بن موسى قال، أخبرنا ابن المبارك قال، أخبرنا هشيم، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير في قوله:"ومن لم يستطع منكم طولا"، قال: الطول السعة. (1)
9055 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"ومن لم يستطع منكم طولا"، أما قوله:"طولا"، فسعة من المال.
9056 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"ومن لم يستطع منكم طولا"، الآية، قال:"طولا"، لا يجد ما ينكح به حرة.
* * *
وقال آخرون: معنى"الطول"، في هذا الموضع: الهوى.
*ذكر من قال ذلك:
9057 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، حدثني عبد الجبار بن عمر، عن ربيعة: أنه قال في قوله الله:"ومن لم يستطع منكم طولا" قال: الطول الهوى. قال: ينكح الأمة إذا كان هواه فيها. (2)
9058 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: كان ربيعة يلين فيه بعض التليين، كان يقول: إذا خشي على نفسه إذا أحبها - أي الأمة - وإن كان يقدر على نكاح غيرها، فإني أرى أن ينكحها.
__________
(1) الأثر: 9054 - في المطبوعة: "حدثنا ابن المثنى" بزيادة"ابن" ، وليست في المخطوطة ، وهو الصواب ، وقد مضت رواية"المثنى" عن"حبان بن موسى" ، في مئات من المواضع مثل: 4498 ، 4528 ، 4548 ، وما سيأتي قريبا رقم: 9059 ، 9061.
(2) الأثر: 9057 -"عبد الجبار بن عمر الأيلي" مضت ترجمته برقم: 4068. وكان في المطبوعة: "عبد الجبار بن عمرو" وهو خطأ.

(8/183)


9059 - حدثني المثنى قال، حدثنا حبان بن موسى قال، أخبرنا ابن المبارك قال، أخبرنا حماد بن سلمة، عن أبي الزبير، عن جابر: أنه سئل عن الحر يتزوج الأمة، فقال: إن كان ذا طول فلا. قيل: إن وقع حب الأمة في نفسه؟ قال: إن خشي العنت فليتزوجها.
9060 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن منصور، عن عبيدة، عن الشعبي قال: لا يتزوج الحر الأمة، إلا أن لا يجد = وكان إبراهيم يقول: لا بأس به.
9061 - حدثني المثنى قال، حدثنا حبان بن موسى قال، أخبرنا ابن المبارك قال، أخبرنا ابن جريج قال: سمعت عطاء يقول: لا نكره أن ينكح ذو اليسار اليوم الأمة، إذا خشي أن يشقى بها. (1)
* * *
قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك بالصواب، قول من قال: معنى"الطول" في هذا الموضع، السعة والغنى من المال، لإجماع الجميع على أن الله تبارك وتعالى لم يحرم شيئا من الأشياء = سوى نكاح الإماء لواجد الطول إلى الحرة = فأحل ما حرم من ذلك عند غلبة المحرم عليه له، لقضاء لذة. (2) فإذ كان ذلك إجماعا من الجميع فيما عدا نكاح الإماء لواجد الطول، فمثله في التحريم نكاح الإماء لواجد الطول: لا يحل له من أجل غلبة هوى عنده فيها، (3) لأن ذلك مع وجوده
__________
(1) في المطبوعة: "أن يسعى بها" ، هكذا قرأ ما في المخطوطة ، وصواب قراءتها ما أثبت. وعنى بذلك ما مضى في الآثار السالفة من قوله: "إن خشي العنت".
(2) استشكل معنى هذه الجملة والتي بعدها على الناشر الأول. والمعنى ، أن الله تعالى لم يحرم شيئا ، ثم أحله من أجل غلبة الهوى أو قضاء اللذة. بل أحل المحرم ، للضرورة التي يخاف معها المضطر هلاك نفسه. فإذ كان ذلك إجماعا من الجميع في كل شيء حرمه ، فنكاح الإماء مثله ، لا يمكن إحلاله من أجل غلبة الهوى.
(3) في المطبوعة: "من أجل غلبة هوى سره فيها" ، وفي المخطوطة: "من أجل غلبة الهوى غيره فيها" ، وكأن صواب قراءتها ما أثبت. ولولا أن معنى"عنده" جائز صحيح ، لآثرت أن تكون"عليه".

(8/184)


الطول إلى الحرة منه قضاء لذة وشهوة، وليس بموضع ضرورة ترفع برخصة، (1) كالميتة للمضطر الذي يخاف هلاك نفسه، فيترخص في أكلها ليحيي بها نفسه، وما أشبه ذلك من المحرمات اللواتي رخص الله لعباده في حال الضرورة والخوف على أنفسهم الهلاك منه، ما حرم عليهم منها في غيرها من الأحوال. (2) ولم يرخص الله تبارك وتعالى لعبد في حرام لقضاء لذة. وفي إجماع الجميع على أن رجلا لو غلبه هوى امرأة حرة أو أمة، أنها لا تحل له إلا بنكاح أو شراء على ما أذن الله به، ما يوضح فساد قول من قال:"معنى الطول، في هذا الموضع: الهوى"، وأجاز لواجد الطول لحرة نكاح الإماء.
* * *
فتأويل الآية = إذ كان الأمر على ما وصفنا =: ومن لم يجد منكم سعة من مال لنكاح الحرائر، فلينكح مما ملكت أيمانكم.
* * *
وأصل"الطول" الإفضال: يقال منه:"طال عليه يطول طولا"، في الإفضال = و"طال يطول طولا" في الطول الذي هو خلاف القصر.
* * *
القول في تأويل قوله : { أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات }
قال أبو جعفر: يعني بذلك: ومن لم يستطع منكم، أيها الناس، طولا = يعني من الأحرار ="أن ينكح المحصنات"، وهن الحرائر (3) = "المؤمنات" اللواتي قد
__________
(1) في المطبوعة: "وليس بموضع ضرورة تدفع ترخصه" ، وليس صوابا في العبارة ، وفي المخطوطة: "ترفع برخصة" غير منقوطة ، وصواب قراءتها ما أثبت.
(2) جملة قوله: "ما حرم عليهم منها" مفعول لقوله: "رخص الله لعباده".
(3) انظر تفسير"المحصنات" فيما سلف قريبا: 151-169.

(8/185)


صدقن بتوحيد الله وبما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحق.
* * *
وبنحو ما قلنا في"المحصنات" قال أهل التأويل.
*ذكر من قال ذلك:
9062 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله:"أن ينكح المحصنات"، يقول: أن ينكح الحرائر، فلينكح من إماء المؤمنين.
9063 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله:"أن ينكح المحصنات المؤمنات فمما ملكت أيمانكم" قال:"المحصنات" الحرائر، فلينكح الأمة المؤمنة.
9064 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.
9065 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: أما"فتياتكم"، فإماؤكم.
9066 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، أخبرنا هشيم قال، أخبرنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير:"أن ينكح المحصنات المؤمنات فمما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات"، قال: أما من لم يجد ما ينكح الحرة، تزوج الأمة. (1)
9067 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"أن ينكح المحصنات المؤمنات فمما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات"، قال: لا يجد ما ينكح به حرة، (2) فينكح هذه الأمة، فيتعفف بها، ويكفيه أهلها
__________
(1) في المطبوعة: "فيتزوج الأمة" ، وأثبت ما في المخطوطة.
(2) في المطبوعة: "من لم يجد ما ينكح..." ، وأثبت ما في المخطوطة ، فهو صواب محض.

(8/186)


مؤونتها. ولم يحل الله ذلك لأحد، إلا أن لا يجد ما ينكح به حرة فينفق عليها، ولم يحل له حتى يخشى العنت. (1)
9068 - حدثنا المثنى قال، حدثنا حبان بن موسى قال، أخبرنا ابن المبارك قال، أخبرنا سفيان، عن هشام الدستوائي، عن عامر الأحول، عن الحسن: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن تنكح الأمة على الحرة، وتنكح الحرة على الأمة، ومن وجد طولا لحرة فلا ينكح أمة.
* * *
قال أبو جعفر: واختلفت القرأة في قراءة ذلك. فقرأته جماعة من قرأة الكوفيين والمكيين:( أن ينكح المحصنات ) بكسر"الصاد" مع سائر ما في القرآن من نظائر ذلك، سوى قوله:"والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم" [سورة النساء: 24]، فإنهم فتحوا"الصاد" منها، ووجهوا تأويله إلى أنهن محصنات بأزواجهن، وأن أزواجهن هم أحصنوهن. وأما سائر ما في القرآن، فإنهم تأولوا في كسرهم"الصاد" منه، إلى أن النساء هن أحصن أنفسهن بالعفة.
* * *
وقرأت عامة قرأة المدينة والعراق ذلك كله بالفتح، بمعنى أن بعضهن أحصنهن أزواجهن، وبعضهن أحصنهن حريتهن أو إسلامهن.
* * *
وقرأ بعض المتقدمين كل ذلك بالكسر، بمعنى أنهن عففن وأحصن أنفسهن. وذكرت هذه القراءة - أعني بكسر الجميع - عن علقمة، على الاختلاف في الرواية عنه. (2)
* * *
__________
(1) في المطبوعة: "... إلا لمن لا يجد ما ينكح به حرة ، وينفق عليها" ، وأثبت ما في المخطوطة ، فهو الصواب الجيد.
(2) لم يشر أبو جعفر في تفسير آية النساء: 24 فيما سلف ، إلى هذه القراءة ، ولم يذكر هذا الاختلاف في قراءة"المحصنات" ، وذلك من الأدلة على اختصاره التفسير ، كما أسلفت مرارا.

(8/187)


قال أبو جعفر: والصواب عندنا من القول في ذلك، أنهما قراءتان مستفيضتان في قرأة الأمصار، مع اتفاق ذلك في المعنى، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب الصواب، إلا في الحرف الأول[من سورة النساء: 24] وهو قوله:"والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم"، فإني لا أستجيز الكسر في صاده، لاتفاق قراءة الأمصار على فتحها. (1) ولو كانت القراءة بكسرها مستفيضة استفاضتها بفتحها، كان صوابا القراءة بها كذلك، لما ذكرنا من تصرف"الإحصان" في المعاني التي بيناها، فيكون معنى ذلك لو كسر: والعفائف من النساء حرام عليكم، إلا ما ملكت أيمانكم، بمعنى أنهن أحصن أنفسهن بالعفة. (2)
* * *
وأما"الفتيات"، فإنهن جمع"فتاة"، وهن الشواب من النساء. ثم يقال لكل مملوكة ذات سن أو شابة:"فتاة"، والعبد:"فتى".
* * *
ثم اختلف أهل العلم في نكاح الفتيات غير المؤمنات، وهل عنى الله بقوله:"من فتياتكم المؤمنات"، تحريم ما عدا المؤمنات منهن، أم ذلك من الله تأديب للمؤمنين؟
فقال بعضهم: ذلك من الله تعالى ذكره دلالة على تحريم نكاح إماء المشركين.
*ذكر من قال ذلك:
9069 - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، أخبرنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"من فتياتكم المؤمنات"، قال: لا ينبغي أن يتزوج مملوكة نصرانية.
9070 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"من فتياتكم المؤمنات"، قال: لا ينبغي للحر المسلم أن ينكح المملوكة من أهل الكتاب.
__________
(1) هذا كله لم يذكر في تفسير آية النساء الأولى ، وبيان معنى"الإحصان" قد سلف قريبا: 165 ، 166.
(2) هذا كله لم يذكر في تفسير آية النساء الأولى ، وبيان معنى"الإحصان" قد سلف قريبا: 165 ، 166.

(8/188)


9071 - حدثنا علي بن سهل قال، حدثنا الوليد بن مسلم قال، سمعت أبا عمرو، وسعيد بن عبد العزيز، ومالك بن أنس، وأبو بكر بن عبد الله بن أبي مريم، يقولون: لا يحل لحر مسلم ولا لعبد مسلم، الأمة النصرانية، لأن الله يقول:"من فتياتكم المؤمنات"، يعني بالنكاح. (1)
* * *
وقال آخرون: ذلك من الله على الإرشاد والندب، لا على التحريم. وممن قال ذلك جماعة من أهل العراق.
*ذكر من قال ذلك:
9072 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن منصور، عن مغيرة قال، قال أبو ميسرة: أما أهل الكتاب بمنزلة الحرائر.
* * *
= ومنهم أبو حنيفة وأصحابه، (2) واعتلوا لقولهم بقول الله:( أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من
__________
(1) الأثر: 9071 -"الوليد بن مسلم الدمشقي" ، سلفت ترجمته برقم: 2184 ، 6611 و"أبو عمرو" ، هو الأوزاعي ، وكان في المطبوعة والمخطوطة"أبو عمرو سعيد" كأنه واحد ، أو "أبو عمر" و"سعيد" ، والصواب ما أثبت.
و"سعيد بن عبد العزيز التنوخي" أبو محمد ، مضت ترجمته برقم: 8966.
وأما "أبو بكر بن عبد الله بن أبي مريم الغساني" ، كان من العباد المجتهدين ، وكان كثير الحديث ضعيفا. قال أبو حاتم: "ضعيف الحديث ، طرقه لصوص فأخذوا متاعه ، فاختلط" ، مات سنة 156 ، وفي تهذيب التهذيب خطأ في سنة وفاته ، كتب: "سنة ست وخمسين ومئتين" ، والصواب ، ومئة. وقد ترجمه ابن سعد في طبقاته 7 / 2 / 170 في الطبعة الخامسة من أهل الشام ، التي منها"سعيد بن عبد العزيز التنوخي".
هذا ، وقد كان في المطبوعة والمخطوطة: "ومالك بن عبد الله بن أبي مريم" ، وليس في الرواة من يسمى بهذا الاسم ، وصوابه ما أثبت ، وأبو بكر بن أبي مريم ، قد روى عنه الوليد بن مسلم ، كما روى عن سائر من ذكر قبله.
(2) قوله: "ومنهم أبو حنيفة وأصحابه" معطوف على قوله قبل الأثر: "وممن قال ذلك جماعة من أهل العراق...".

(8/189)


قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن ) [سورة المائدة: 5]. قالوا: فقد أحل الله محصنات أهل الكتاب عاما، فليس لأحد أن يخص منهن أمة ولا حرة. قالوا: ومعنى قوله:"فتياتكم المؤمنات"، غير المشركات من عبدة الأوثان.
* * *
قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك بالصواب، قول من قال: هو دلالة على تحريم نكاح إماء أهل الكتاب، فإنهن لا يحللن إلا بملك اليمين. وذلك أن الله جل ثناؤه أحل نكاح الإماء بشروط، فما لم تجتمع الشروط التي سماهن فيهن، (1) فغير جائز لمسلم نكاحهن.
* * *
فإن قال قائل: فإن الآية التي في"المائدة" تدل على إباحتهن بالنكاح؟
قيل: إن التي في"المائدة"، قد أبان أن حكمها في خاص من محصناتهم، وأنها معني بها حرائرهم دون إمائهم، قوله:"من فتياتكم المؤمنات". وليست إحدى الآيتين دافعا حكمها حكم الأخرى، (2) بل إحداهما مبينة حكم الأخرى، وإنما تكون إحداهما دافعة حكم الأخرى، لو لم يكن جائزا اجتماع حكميهما على صحة. (3) فغير جائز أن يحكم لإحداهما بأنها دافعة حكم الأخرى، إلا بحجة التسليم لها من خبر أو قياس. ولا خبر بذلك ولا قياس. والآية محتملة ما قلنا: والمحصنات من حرائر الذين أوتوا الكتاب من قبلكم دون إمائهم.
* * *
__________
(1) في المطبوعة: "التي سماها فيهن" ، وأثبت ما في المخطوطة ، فهو صواب جيد.
(2) في المطبوعة: "دافعة حكمها..." والصواب ما أثبت في المخطوطة ، وإن كان كاتبها قد أساء الكتابة ، فقرأها الناشر على غير وجهها الصحيح.
(3) في المطبوعة والمخطوطة هنا: "حكمهما" على الإفراد ، والصواب ما أثبت ، على التثنية.

(8/190)


القول في تأويل قوله تعالى { والله أعلم بإيمانكم بعضكم من بعض }
قال أبو جعفر: وهذا من المؤخر الذي معناه التقديم.
* * *
وتأويل ذلك:"ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات"، فلينكح بعضكم من بعض = بمعنى: فلينكح هذا فتاة هذا.
* * *
ف"البعض" مرفوع بتأويل الكلام، ومعناه، إذ كان قوله:"فمما ملكت أيمانكم"، في تأويل: فلينكح مما ملكت أيمانكم، ثم رد"بعضكم" على ذلك المعنى، فرفع.
* * *
ثم قال جل ثناؤه:"والله أعلم بإيمانكم"، (1) أي: والله أعلم بإيمان من آمن منكم بالله ورسوله وما جاء به من عند الله، فصدق بذلك كله = منكم. (2)
* * *
يقول: فلينكح من لم يستطع منكم طولا لحرة من فتياتكم المؤمنات. لينكح هذا المقتر الذي لا يجد طولا لحرة، من هذا الموسر، فتاته المؤمنة التي قد أبدت الإيمان فأظهرته، وكلوا سرائرهن إلى الله، فإن علم ذلك إلى الله دونكم، والله أعلم بسرائركم وسرائرهن.
* * *
__________
(1) في المخطوطة أتم الآية هنا: "بعضكم من بعض" ، وقد أحسن الناشر الأول إذ حذف هذه الزيادة هنا ، لأن سياق التفسير على أن قوله: "والله أعلم بإيمانكم" من المقدم على قوله: "بعضكم من بعض".
(2) السياق: "والله أعلم...منكم".

(8/191)


القول في تأويل قوله : { فانكحوهن بإذن أهلهن وآتوهن أجورهن بالمعروف }
قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه:"فانكحوهن"، فتزوجوهن (1) وبقوله:"بإذن أهلهن"، بإذن أربابهن وأمرهم إياكم بنكاحهن ورضاهم (2) = ويعني بقوله:"وآتوهن أجورهن"، وأعطوهن مهورهن، (3) كما:-
9073 - حدثنا يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد:"وآتوهن أجورهن" قال: الصداق.
* * *
ويعني بقوله:"بالمعروف" على ما تراضيتم به، مما أحل الله لكم، وأباحه لكم أن تجعلوه مهورا لهن. (4)
* * *
__________
(1) انظر تفسير"النكاح" فيما سلف 7: 574.
(2) انظر تفسير"الإذن" فيما سلف 2: 449 ، 450 / 4: 286 ، 371 / 5: 352 ، 355 ، 395 / 7: 288 ، 377.
(3) انظر تفسير"الإيتاء" فيما سلف في فهارس اللغة ، وتفسير"الأجور" فيما سلف قريبا: 175.
(4) انظر تفسير"المعروف" فيما سلف: 121 ، تعليق: 1 ، والمراجع هناك.

(8/192)


القول في تأويل قوله : { محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان }
قال أبو جعفر: يعني بقوله:"محصنات"، (1) عفيفات ="غير مسافحات"، غير مزانيات (2) ="ولا متخذات أخدان"، يقول: ولا متخذات أصدقاء على السفاح.
* * *
وذكر أن ذلك قيل كذلك، (3) لأن"الزواني" كن في الجاهلية، في العرب: المعلنات بالزنا، و"المتخذات الأخدان": اللواتي قد حبسن أنفسهن على الخليل والصديق، للفجور بها سرا دون الإعلان بذلك.
*ذكر من قال ذلك:
9074 - حدثنا المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله:"محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان"، يعني: تنكحوهن عفائف غير زواني في سر ولا علانية ="ولا متخذات أخدان"، يعني: أخلاء.
9075 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله:"غير مسافحات"، المسافحات المعالنات بالزنا ="ولا متخذات أخدان"، ذات الخليل الواحد = قال: كان أهل الجاهلية يحرمون ما ظهر من الزنا، ويستحلون ما خفي، يقولون:"أما ما ظهر منه فهو لؤم، وأما ما خفي فلا بأس بذلك"، فأنزل الله تبارك وتعالى:( ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ) [سورة الأنعام: 51].
__________
(1) انظر تفسير"محصنات" فيما سلف قريبا: 151 ، 168 ، 185.
(2) انظر تفسير: "السفاح" فيما سلف قريبا: 174.
(3) في المطبوعة: "وقد ذكر..." بزيادة"قد" ، وأثبت ما في المخطوطة.

(8/193)


9076 - حدثني محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا معتمر قال، سمعت داود يحدث، عن عامر قال: الزنا زناءان: تزني بالخدن ولا تزني بغيره، وتكون المرأة سوما، (1) ثم قرأ:"محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان".
9077 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: أما"المحصنات" فالعفائف، فلتنكح الأمة بإذن أهلها محصنة = و"المحصنات" العفائف = غير مسافحة =، و"المسافحة"، المعالنة بالزنا = ولا متخذة صديقا.
9078 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله:"ولا متخذات أخدان"، قال: الخليلة يتخذها الرجل، والمرأة تتخذ الخليل.
9079 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.
9080- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة:"محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان"،"المسافحة": البغي التي تؤاجر نفسها من عرض لها. و"ذات الخدن": ذات الخليل الواحد. فنهاهم الله عن نكاحهما جميعا.
9081 - حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول: حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك بن مزاحم يقول في قوله:"محصنات
__________
(1) في المطبوعة: "وتكون المرأة شؤما" ، وهو كلام لا معنى له هنا ، وهي في المخطوطة: "سوما" غير منقوطة ، وهي الصواب. و"السوم" العرض ، يقال: "عرض علي سوم عالة" ، أي عرض ذلك علي عرضا غير مبالغ فيه ، كما يعرض الماء على الإبل شربت مرة بعد مرة. ويضرب مثلا لمن يعرض عليك ما أنت عنه غني ، كالرجل يعلم أنك نزلت دار رجل ضيفا ، فيعرض عليك القرى. ومنه"السوم" وهو عرض السلعة على البيع. وذلك بمعنى ما سيأتي في الأثر رقم: 9080: "البغي التي تؤاجر نفسها من عرض لها". هذا ، ولم يذكر هذا اللفظ مشروحا في كتب اللغة ، فقيده هناك.

(8/194)


غير مسافحات ولا متخذات أخدان"، أما"المحصنات"، فهن الحرائر، يقول: تزوج حرة. وأما"المسافحات"، فهن المعالنات بغير مهر. (1) وأما"متخذات أخدان"، فذات الخليل الواحد المستسرة به. (2) نهى الله عن ذلك.
9082 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا إسماعيل بن سالم، عن الشعبي قال: الزنا وجهان قبيحان، أحدهما أخبث من الآخر. فأما الذي هو أخبثهما: فالمسافحة، التي تفجر بمن أتاها. وأما الآخر: فذات الخدن.
9083 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان"، قال:"المسافح" الذي يلقى المرأة فيفجر بها ثم يذهب وتذهب. و"المخادن"، الذي يقيم معها على معصية الله وتقيم معه، فذاك"الأخدان".
* * *
القول في تأويل قوله : { فإذا أحصن }
قال أبو جعفر: اختلفت القرأة في قراءة ذلك.
فقرأه بعضهم:( فإذا أحصن ) بفتح"الألف"، بمعنى: إذا أسلمن، فصرن ممنوعات الفروج من الحرام بالإسلام.
* * *
وقرأه آخرون:( فإذا أحصن ) بمعنى: فإذا تزوجن، فصرن ممنوعات الفروج من الحرام بالأزواج.
__________
(1) في المطبوعة: "فهن المعلنات" ، وفي المخطوطة: "فهي المعالنة" ، ورجحت أن يكون الصواب ما أثبت.
(2) المستسرة: المستخفية ، من"السر".

(8/195)


قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندي، أنهما قراءتان معروفتان مستفيضتان في أمصار الإسلام، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب في قراءته الصواب.
* * *
فإن ظن ظان أن ما قلنا في ذلك غير جائز، إذ كانتا مختلفتي المعنى، وإنما تجوز القراءة بالوجهين فيما اتفقت عليه المعاني = فقد أغفل (1)
وذلك أن معنيي ذلك وإن اختلفا، فغير دافع أحدهما صاحبه. لأن الله قد أوجب على الأمة ذات الإسلام وغير ذات الإسلام على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، الحد.
9084 - فقال صلى الله عليه وسلم:"إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها، كتاب الله، ولا يثرب عليها. ثم إن عادت فليضربها، كتاب الله، ولا يثرب عليها. ثم إن عادت فليضربها، كتاب الله، ولا يثرب عليها. ثم إن زنت الرابعة فليضربها، كتاب الله، وليبعها ولو بحبل من شعر". (2)
__________
(1) قوله: "فقد أغفل" ، جواب الشرط في قوله: "فإن ظن ظان...". وقوله: "أغفل" فعل لازم غير متعد ، أي: دخل في الغفلة ، وانظر تفسير مثله فيما سلف 1: 151 ، تعليق: 1 / 5: 52 ، تعليق: 4 = ثم: 160 ، تعليق: 1.
(2) الأثر: 9084 - حديث صحيح ، رواه من غير إسناد ، وكأنه من مسند أبي هريرة ، رواه البخاري بغير هذا اللفظ (الفتح 4: 350 / 12: 143-147) ومسلم 12: 211 / وأحمد في مسنده رقم: 7389 ، والبيهقي في السنن الكبرى 8: 242-244 ، من طرق.
وقوله: "كتاب الله" على النصب ، وفي رواية للنسائي"بكتاب الله".
وقوله صلى الله عليه وسلم: "ولا يثرب عليها" ، أي: لا يعيرها بالزنا ، ولا يبكتها بما أتت ، ولا يعنف عليها باللوم. وهذا أدب نبي الله صلى الله عليه وسلم لأمته: أن لا تعير مرتكبا بما ارتكب ، وأن ترفق به ، وتعرض عن تذكيره بالفاحشة ، لئلا تمتلئ نفسه كمدا وغيظا وحقدا على الناس. ولكنك ترى أهل زماننا ، يستطيلون على كل من أتى جرما ، فتمتلئ الصحافة بالسب والتعريض ، وقبيح الصفات لكل من أتى جرما ، كأن أحدهم قد أخذ عهدا على أيامه البواقي أن لا يتورط في إثم أو جريمة. ومن يدري ، فلعل أطولهم لسانا في ذلك ، أكثرهم استخفاء بما هو أشد من ذلك الجرم الذي ارتكبه المرتكب.

(8/196)


9085 - وقال صلى الله عليه وسلم:"أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم" . (1)
* * *
=فلم يخصص بذلك ذات زوج منهن ولا غير ذات زوج. فالحدود واجبة على موالي الإماء إقامتها عليهن، إذا فجرن، بكتاب الله وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم.
* * *
فإن قال قائل: فما أنت قائل فيما حدثكم به:-
9086 - ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا مالك بن أنس، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن أبي هريرة وزيد بن خالد: أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الأمة تزني ولم تحصن. قال: اجلدها، فإن زنت فاجلدها، فإن زنت فاجلدها، فإن زنت = فقال في الثالثة أو الرابعة = فبعها ولو بضفير = و"الضفير": الشعر.
9087 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن عيينة، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن أبي هريرة وزيد بن خالد: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل = فذكر نحوه. (2)
=فقد بين أن الحد الذي وجب إقامته بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإماء، هو ما كان قبل إحصانهن. فأما ما وجب من ذلك عليهن بالكتاب، فبعد إحصانهن؟
قيل له: قد بينا أن أحد معاني"الإحصان" الإسلام، وأن الآخر منه:
__________
(1) الأثر: 9085 - رواه أحمد في مسنده رقم: 736 ، 1137 ، 1142 ، 1230 / والسنن الكبرى للبيهقي 8: 243. وانظر تخريجه في تفسير ابن كثير 2: 406.
(2) الأثران: 9086 ، 9087 - الإسناد الأول ، رواه مالك في الموطأ ص: 826 ، 827 ، مع خلاف في اللفظ يسير ، وقال في آخره: "والضفير ، الحبل" ، وهما سواء في المعنى. وأخرجه البخاري (الفتح 4: 350 / 12: 143-145) ، ومسلم 12: 212 ، 213 ، من طرق.

(8/197)


التزويج، وأن"الإحصان" كلمة تشتمل على معان شتى. (1) وليس في رواية من روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل"عن الأمة تزني قبل أن تحصن"، بيان أن التي سئل عنها النبي صلى الله عليه وسلم هي التي تزني قبل التزويج، فيكون ذلك حجة لمحتج في أن"الإحصان" الذي سن صلى الله عليه وسلم حد الإماء في الزنا، هو الإسلام دون التزويج، ولا أنه هو التزويج دون الإسلام.
وإذ كان لا بيان في ذلك، فالصواب من القول: أن كل مملوكة زنت فواجب على مولاها إقامة الحد عليها، متزوجة كانت أو غير متزوجة، لظاهر كتاب الله، والثابت من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا من أخرجه من وجوب الحد عليه منهن بما يجب التسليم له.
وإذ كان ذلك كذلك، تبين به صحة ما اخترنا من القراءة في قوله:"فإذا أحصن".
* * *
قال أبو جعفر: فإن ظن ظان أن في قول الله تعالى ذكره:"ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات"، دلالة على أن قوله:"فإذا أحصن"، معناه: تزوجن، إذ كان ذكر ذلك بعد وصفهن بالإيمان بقوله:"من فتياتكم المؤمنات" = (2) وحسب أن ذلك لا يحتمل معنى غير معنى التزويج، مع ما تقدم ذلك من وصفهن بالإيمان = فقد ظن خطأ. (3)
وذلك أنه غير مستحيل في الكلام أن يكون معنى ذلك:"ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات"،
__________
(1) انظر ما سلف قريبا ص: 151-196.
(2) قوله: "وحسب" معطوف على قوله: "فإن ظن ظان".
(3) قوله: "فقد ظن خطأ" جواب الشرط في قوله: "فإن ظن ظان".

(8/198)


فإذا هن آمن"فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب"، فيكون الخبر مبتدأ عما يجب عليهن من الحد إذا أتين بفاحشة بعد إيمانهن، (1) بعد البيان عما لا يجوز لناكحهن من المؤمنين من نكاحهن، وعمن يجوز نكاحه له منهن.
فإذ كان ذلك غير مستحيل في الكلام، فغير جائز لأحد صرف معناه إلى أنه التزويج دون الإسلام، من أجل ما تقدم من وصف الله إياهن بالإيمان.
* * *
غير أن الذي نختار لمن قرأ:( محصنات غير مسافحات ) بفتح"الصاد" في هذا الموضع، أن يقرأ:( فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة ) بضم"الألف".
ولمن قرأ:"محصنات" بكسر"الصاد" فيه، أن يقرأ:( فإذا أحصن ) بفتح"الألف"، لتأتلف قراءة القارئ على معنى واحد وسياق واحد، لقرب قوله:"محصنات" من قوله:"فإذا أحصن". ولو خالف من ذلك، لم يكن لحنا، غير أن وجه القراءة ما وصفت.
* * *
وقد اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، نظير اختلاف القرأة في قراءته. فقال بعضهم: معنى قوله:"فإذا أحصن"، فإذا أسلمن.
*ذكر من قال ذلك:
9088 - حدثني محمد بن عبد الله بن بزيع قال، حدثنا بشر بن المفضل، عن سعيد، عن أبي معشر، عن إبراهيم: أن ابن مسعود قال: إسلامها إحصانها. (2)
__________
(1) في المطبوعة: "فيكون الخبر بيانا عما يجب عليهن من الحد" ، غير ما في المخطوطة بسوء تصرف ، والصواب ما أثبته من المخطوطة. هذا ، ولم يرد بذكر"الخبر" و"مبتدأ" المعنى المصطلح عليه في النحو ، بل أراد إخبار الله تعالى ، وأنه ابتداء غير متصل بما قبله.
(2) الأثر: 9088 -"سعيد" هو: سعيد بن أبي عروبة = و"أبو معشر" ، هو زياد بن كليب ، وكان في المطبوعة والمخطوطة: "سعيد بن أبي معشر" ، وهو خطأ محض.

(8/199)


9089 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرني جرير بن حازم: أن سليمان بن مهران حدثه، عن إبراهيم بن يزيد، عن همام بن الحارث: أن النعمان بن عبد الله بن مقرن، سأل عبد الله بن مسعود فقال: أمتي زنت؟ فقال: اجلدها خمسين جلدة. قال: إنها لم تحصن! فقال ابن مسعود: إحصانها إسلامها.
9090 - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن حماد، عن إبراهيم: أن النعمان بن مقرن سأل ابن مسعود عن أمة زنت وليس لها زوج، فقال: إسلامها إحصانها. (1)
9091 - حدثني ابن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن حماد، عن إبراهيم: أن النعمان قال: قلت لابن مسعود: أمتي زنت؟ قال: اجلدها. قلت: فإنها لم تحصن! قال: إحصانها إسلامها.
9092 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن مغيرة، عن إبراهيم، عن علقمة قال، كان عبد الله يقول: إحصانها إسلامها.
9093 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا إسماعيل بن سالم، عن الشعبي أنه تلا هذه الآية:"فإذا أحصن" قال، يقول: إذا أسلمن.
9094 - حدثنا أبو هشام الرفاعي قال، حدثنا يحيى بن أبي زائدة، عن
__________
(1) الأثران 9089 -9090 - في الإسناد الأول: "إبراهيم بن يزيد" هو: إبراهيم النخعي. و"همام بن الحارث النخعي" ، ثقة ، كان من العباد ، وكان لا ينام إلا قاعدا. روى عن ابن مسعود.
وذكر في الإسناد الأول : "النعمان بن عبد الله بن مقرن" ، هكذا في المخطوطة والمطبوعة ، ولم أجد لهذا الاسم ذكرا في الكتب ، وسيأتي في الأثر الذي يليه: "النعمان بن مقرن" ، وقد اختلف في"النعمان بن مقرن" فقيل: "النعمان بن عمرو بن مقرن" ، وقيل هما رجلان ، وذلك مفصل في كتب الرجال ، ولم يذكر أحد منهم"النعمان بن عبد الله بن مقرن".
هذا ، وقد روى هذا الأثر ، البيهقي في السنن الكبرى 8: 243 ، وزاد الأمر إشكالا ، فرواه من حديث إبراهيم النخعي ، عن همام بن الحارث ، عن عمرو بن شرحييل: أن معقل بن مقرن أتى عبد الله بن مسعود = ولم أستطع أن أقطع بشيء في هذا الاضطراب.

(8/200)


أشعث، عن الشعبي قال، قال عبد الله: الأمة إحصانها إسلامها.
9095 - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، مغيرة، أخبرنا عن إبراهيم أنه كان يقول:"فإذا أحصن"، يقول: إذا أسلمن.
9096 - حدثنا أبو هشام قال، حدثنا يحيى بن أبي زائدة، عن أشعث، عن الشعبي قال، الإحصان الإسلام.
9097 - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية، عن برد بن سنان، عن الزهري قال: جلد عمر رضي الله عنه ولائد أبكارا من ولائد الإمارة في الزنا. (1)
9098 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"فإذا أحصن"، يقول: إذا أسلمن.
9099 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن إسرائيل، عن جابر، عن سالم والقاسم قالا إحصانها إسلامها وعفافها في قوله:"فإذا أحصن".
* * *
وقال آخرون: معنى قوله:"فإذا أحصن"، فإذا تزوجن.
*ذكر من قال ذلك:
9100 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله:"فإذا أحصن"، يعني: إذا تزوجن حرا.
9101 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا هشيم قال،
__________
(1) الأثر: 9097 -"برد بن سنان الشامي ، مولى قريش" صاحب مكحول. روى عن عطاء بن أبي رباح ، والزهري ، ونافع مولى ابن عمر ، وغيرهم. كان صدوقا في الحديث. مترجم في التهذيب.
وقوله: "من ولائد الإمارة" ، في المخطوطة كتب"الإمارة" في الهامش ، وكان قد ضرب على الكلمة في صلب الكلام. ولعله يعني: ولائد من السبي.

(8/201)


أخبرنا حصين، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه كان يقرأ:( فإذا أحصن ) . يقول: إذا تزوجن.
9102 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير، عن مغيرة، عن عكرمة: أن ابن عباس كان يقرأ:"فإذا أحصن"، يقول: تزوجن.
9103 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس قال، سمعت ليثا، عن مجاهد قال: إحصان الأمة أن ينكحها الحر، وإحصان العبد أن ينكح الحرة.
9104 - حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن عمرو بن مرة: أنه سمع سعيد بن جبير يقول: لا تضرب الأمة إذا زنت، ما لم تتزوج.
9105 - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: عن الحسن في قوله:"فإذا أحصن". قال: أحصنتهن البعولة.
9106 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة:"فإذا أحصن"، قال: أحصنتهن البعولة.
9107 - حدثنا يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرني عياض بن عبد الله، عن أبي الزناد: أن الشعبي أخبره، أن ابن عباس أخبره: أنه أصاب جارية له قد كانت زنت، وقال: أحصنتها. (1)
* * *
قال أبو جعفر وهذا التأويل على قراءة من قرأ:( فإذا أحصن ) بضم"الألف"، وعلى تأويل من قرأ:( فإذا أحصن ) بفتحها. وقد بينا الصواب من القول والقراءة في ذلك عندنا. (2)
* * *
__________
(1) في المخطوطة: "قال: حصنتها".
(2) انظر ما سلف: 195 ، 196 / ثم: 199.

(8/202)


القول في تأويل قوله : { فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب }
قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله:"فإن أتين بفاحشة"، فإن أتت فتياتكم - وهن إماؤكم - بعد ما أحصن بإسلام، أو أحصن بنكاح (1) ="بفاحشة"، وهي الزنا (2) ="فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب"، يقول: فعليهن نصف ما على الحرائر من الحد، إذا هن زنين قبل الإحصان بالأزواج.
* * *
و"العذاب" الذي ذكره الله تبارك وتعالى في هذا الموضع، هو الحد، وذلك النصف الذي جعله الله عذابا لمن أتى بالفاحشة من الإماء إذا هن أحصن: خمسون جلدة، ونفي ستة أشهر، وذلك نصف عام. لأن الواجب على الحرة إذا هي أتت بفاحشة قبل الإحصان بالزوج، جلد مئة ونفي حول. فالنصف من ذلك خمسون جلدة، ونفي نصف سنة. وذلك الذي جعله الله عذابا للإماء المحصنات إذا هن أتين بفاحشة، كما:-
9108 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس:"فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب" ........... (3)
__________
(1) انظر تفسير"أتى بالفاحشة" فيما سلف: 73 ، 81.
(2) انظر تفسير"الفاحشة" فيما سلف: 3: 303 / 5: 571 / 7: 218 / 8: 73 ، 115 ، 116.
(3) الأثر: 9108 - هذا الأثر مبتور في المخطوطة والمطبوعة ، وإن كان قد ساقه كأنه غير مبتور ، فلذلك وضعت هذه النقط للدلالة على الخرم. ولم أجده في مكان آخر.

(8/203)


9109 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:"فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب"، خمسون جلدة، ولا نفي ولا رجم.
* * *
فإن قال قائل: وكيف [قيل] (1) "فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب"؟. وهل يكون الجلد على أحد؟
قيل: إن معنى ذلك: فلازم أبدانهن أن تجلد نصف ما يلزم أبدان المحصنات، كما يقال:"علي صلاة يوم"، بمعنى: لازم علي أن أصلي صلاة يوم (2) = و"علي الحج والصيام"، مثل ذلك. وكذلك:"عليه الحد"، بمعنى لازم له إمكان نفسه من الحد ليقام عليه.
* * *
القول في تأويل قوله : { ذلك لمن خشي العنت منكم }
قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله:"ذلك"، هذا الذي أبحت = أيها الناس، (3) من نكاح فتياتكم المؤمنات لمن لا يستطيع منكم طولا لنكاح المحصنات المؤمنات = أبحته لمن خشي العنت منكم، دون غيره ممن لا يخشى العنت.
* * *
واختلف أهل التأويل في هذا الموضع.
فقال بعضهم: هو الزنا.
*ذكر من قال ذلك:
__________
(1) الزيادة بين القوسين ، لا بد منها ، وليست في المخطوطة ولا المطبوعة.
(2) في المخطوطة: "لازم إلى أن أصلي" ، والصواب ما في المطبوعة.
(3) انظر تفسير"ذلك" بمعنى"هذا" فيما سلف 1: 225-227 / 3: 335 / 6: 466.

(8/204)


9110 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس قال، سمعت ليثا، عن مجاهد قوله:"لمن خشي العنت منكم"، قال: الزنا.
9111 - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم، عن العوام، عمن حدثه، عن ابن عباس أنه قال: ما ازلحف ناكح الأمة عن الزنا إلا قليلا. (1)
9112 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قال: العنت الزنا.
9113 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبيد بن يحيى قال، حدثنا شريك، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: العنت الزنا.
9114 - حدثني يعقوب قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير قال: ما ازلحف ناكح الأمة عن الزنا إلا قليلا"ذلك لمن خشي العنت منكم".
9115 - حدثنا أبو سلمة قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير نحوه. (2)
9116 - حدثني المثنى قال، حدثنا حبان بن موسى قال، أخبرنا ابن المبارك قال، أخبرنا فضيل بن مرزوق، عن عطية في قوله:"ذلك لمن خشي العنت منكم"، قال: الزنا.
9117 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي حماد قال، حدثنا فضيل، عن عطية العوفي مثله.
__________
(1) الأثر: 9111 - ذكر هذا الأثر صاحب اللسان في (زحلف) و (زلحف) ، وقال في: "ازحلف" إنه على القلب من"ازلحف" على وزن"اقشعر" وقراءتهما بسكون الزاي ، وفتح اللام والحاء ، والفاء المشددة. وقوله: "ازلحف" أي: تنحى وتباعد ، شيئا قليلا. وتمام الأثر في اللسان: "لأن الله عز وجل يقول: وأن تصبروا خير لكم". وانظر الأثر التالي رقم: 9114.
(2) الأثر: 9115 -"أبو سلمة" ، لم أعرف من يكون في شيوخ أبي جعفر.

(8/205)


9118 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك في قوله:"لمن خشي العنت منكم"، قال: الزنا.
119 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا عبيدة، عن الشعبي = وجويبر، عن الضحاك = قالا العنت الزنا.
9120 - حدثنا أحمد بن حازم قال، حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا فضيل بن مرزوق، عن عطية:"ذلك لمن خشي العنت منكم"، قال: العنت الزنا.
* * *
وقال آخرون: معنى ذلك: العقوبة التي تعنته، وهي الحد.
* * *
قال أبو جعفر: والصواب من القول في قوله:"ذلك لمن خشي العنت منكم"، ذلك لمن خاف منكم ضررا في دينه وبدنه.
* * *
قال أبو جعفر: وذلك أن"العنت" هو ما ضر الرجل. يقال منه:"قد عنت فلان فهو يعنت عنتا"، إذا أتى ما يضره في دين أو دنيا، ومنه قول الله تبارك وتعالى:( ودوا ما عنتم ) [سورة آل عمران: 118]. ويقال:"قد أعنتني فلان فهو يعنتني"، إذا نالني بمضرة. وقد قيل:"العنت"، الهلاك. (1)
* * *
=فالذين وجهوا تأويل ذلك إلى الزنا، قالوا: الزنا ضرر في الدين، وهو من العنت.
=والذين وجهوه إلي الإثم، قالوا: الآثام كلها ضرر في الدين، وهي من العنت.
= والذين وجهوه إلى العقوبة التي تعنته في بدنه من الحد، فإنهم قالوا: الحد مضرة على بدن المحدود في دنياه، وهو من العنت.
__________
(1) انظر تفسير العنت فيما سلف 4: 360 / 7: 140.

(8/206)


وقد عم الله بقوله:"لمن خشي العنت منكم"، جميع معاني العنت. ويجمع جميع ذلك الزنا، لأنه يوجب العقوبة على صاحبه في الدنيا بما يعنت بدنه، ويكتسب به إثما ومضرة في دينه ودنياه. وقد اتفق أهل التأويل الذي هم أهله، على أن ذلك معناه. فهو وإن كان في عينه لذة وقضاء شهوة، فإنه بأدائه إلى العنت، منسوب إليه موصوف به، إن كان للعنت سببا. (1)
* * *
القول في تأويل قوله : { وأن تصبروا خير لكم والله غفور رحيم (25) }
قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بذلك:"وأن تصبروا"، أيها الناس، عن نكاح الإماء ="خير لكم" ="والله غفور" لكم نكاح الإماء أن تنكحوهن على ما أحل لكم وأذن لكم به، وما سلف منكم في ذلك، إن أصلحتم أمور أنفسكم فيما بينكم وبين الله ="رحيم" بكم، إذ أذن لكم في نكاحهن عند الافتقار وعدم الطول للحرة.
* * *
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
*ذكر من قال ذلك:
9121 - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير:"وأن تصبروا خير لكم"، قال: عن نكاح الأمة.
9122 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس قال، سمعت ليثا،
__________
(1) في المطبوعة: "أن كان للعنت" ، وهو صواب ، ولكن أثبت ما في المخطوطة.

(8/207)


عن مجاهد:"وأن تصبروا خير لكم"، قال: عن نكاح الإماء.
9123 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"وأن تصبروا خير لكم"، يقول: وأن تصبر ولا تنكح الأمة فيكون ولدك مملوكين، فهو خير لك.
9124 - حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"وأن تصبروا خير لكم"، يقول: وأن تصبروا عن نكاح الإماء، خير لكم، وهو حل.
9125 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتاده:"وأن تصبروا خير لكم"، يقول: وأن تصبروا عن نكاحهن = يعني نكاح الإماء= خير لكم.
9126 - حدثني المثنى قال، حدثنا حبان بن موسى قال، أخبرنا ابن المبارك قال، أخبرنا فضيل بن مرزوق، عن عطية في قوله:"وأن تصبروا خير لكم"، قال: أن تصبروا عن نكاح الإماء، خير لكم.
9127 - حدثني المثنى قال، حدثنا حبان قال، حدثنا ابن المبارك قال، أخبرنا ابن جريج قال، أخبرنا ابن طاوس، عن أبيه:"وأن تصبروا خير لكم"، قال: أن تصبروا عن نكاح الأمة خير لكم.
9128 - حدثني علي بن داود قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس:"وأن تصبروا خير لكم"، قال: وأن تصبروا عن الأمة، خير لكم.
* * *
و"أن" في قوله:"وأن تصبروا" في موضع رفع ب"خير"، بمعنى: والصبر عن نكاح الإماء خير لكم.
* * *

(8/208)


يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم (26)

القول في تأويل قوله : { يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم (26) }
قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله:"يريد الله ليبين لكم"، حلاله وحرامه ="ويهديكم سنن الذين من قبلكم"، يقول: وليسددكم (1) ="سنن الذين من قبلكم"، يعني: سبل من قبلكم من أهل الإيمان بالله وأنبيائه، ومناهجهم فيما حرم عليكم من نكاح الأمهات والبنات والأخوات وسائر ما حرم عليكم في الآيتين اللتين بين فيهما ما حرم من النساء (2) ="ويتوب عليكم"، يقول: يريد الله أن يرجع بكم إلى طاعته في ذلك، مما كنتم عليه من معصيته في فعلكم ذلك قبل الإسلام، وقبل أن يوحي ما أوحى إلى نبيه من ذلك ="عليكم"، ليتجاوز لكم بتوبتكم عما سلف منكم من قبيح ذلك قبل إنابتكم وتوبتكم ="والله عليم"، يقول: والله ذو علم بما يصلح عباده في أديانهم ودنياهم وغير ذلك من أمورهم، وبما يأتون ويذرون مما أحل أو حرم عليهم، حافظ ذلك كله عليهم ="حكيم" بتدبيره فيهم، في تصريفهم فيما صرفهم فيه. (3)
* * *
واختلف أهل العربية في معنى قوله:"يريد الله ليبين لكم".
فقال بعضهم: معنى ذلك: يريد الله هذا من أجل أن يبين لكم. وقال: ذلك كما قال:( وأمرت لأعدل بينكم ) [سورة الشورى: 15] بكسر"اللام"، لأن معناه: أمرت بهذا من أجل ذلك.
* * *
__________
(1) انظر تفسير"الهدى" فيما سلف من فهارس اللغة.
(2) انظر تفسير"السنة" فيما سلف 7: 230 ، 231 ، وانظر مجاز القرآن لأبي عبيدة 1: 124.
(3) انظر تفسير سائر ألفاظ الآية فيما سلف ، في فهارس اللغة.

(8/209)


وقال آخرون: معنى ذلك: يريد الله أن يبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم. وقالوا: من شأن العرب التعقيب بين"كي" و"لام كي" و"أن"، ووضع كل واحدة منهن موضع كل واحدة من أختها مع"أردت" و"أمرت". فيقولون:"أمرتك أن تذهب، ولتذهب"، و"أردت أن تذهب ولتذهب"، كما قال الله جل ثناؤه:( وأمرنا لنسلم لرب العالمين ) [سورة الأنعام: 71]، وقال في موضع آخر:( قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم ) [سورة الأنعام: 14]، (1) وكما قال:( يريدون ليطفئوا نور الله ) [سورة الصف: 8]، ثم قال في موضع آخر،( يريدون أن يطفئوا ) [سورة التوبة: 32]. واعتلوا في توجيههم"أن" مع"أمرت" و"أردت" إلى معنى"كي"، وتوجيه"كي" مع ذلك إلى معنى"أن"، لطلب"أردت" و"أمرت" الاستقبال، وأنها لا يصلح معها الماضي، (2) لا يقال:"أمرتك أن قمت"، ولا"أردت أن قمت". قالوا: فلما كانت"أن" قد تكون مع الماضي في غير"أردت" و"أمرت"، وكدوا لها معنى الاستقبال بما لا يكون معه ماض من الأفعال بحال، (3) من"كي" و"اللام" التي في معنى"كي". قالوا: وكذلك جمعت العرب بينهن أحيانا في الحرف الواحد، فقال قائلهم في الجمع: (4)
أردت لكيما أن تطير بقربتي... فتتركها شنا ببيداء بلقع (5)
__________
(1) في المخطوطة والمطبوعة: "وأمرت أن أكون" ، وهو سهو من الناسخ ، وأثبت نص التلاوة.
(2) في المطبوعة: "وأيهما" ، وهي في المخطوطة غير منقوطة ، وكأنها خطأ مطبعي.
(3) في المطبوعة: "ذكروا لها معنى الاستقبال..." ، وهو كلام لا معنى له ، صوابه ما أثبته من المخطوطة ، والظاهر أن الناشر استنكر عبارة أبي جعفر فغيرها. وعبارة الفراء في معاني القرآن: "استوثقوا لمعنى الاستقبال".
(4) لا يعرف قائله.
(5) معاني القرآن للفراء 1: 262 ، الإنصاف: 242 ، الخزانة 3: 585 ، والعيني (هامش الخزانة) 4: 405 ، وغيرها ، كما قال صاحب الخزانة: "وهذا بيت قلما خلا منه كتاب نحوي".
"الشن": الخلق البالي: و"البيداء": المفازة المهلكة ، و"البلقع": الأرض القفر التي لا شيء بها. يقول: إنما أردت بذلك هلاكي وضياعي في قفرة مهلكة.

(8/210)


فجمع بينهن، لاتفاق معانيهن واختلاف ألفاظهن، كما قال الآخر: (1)
قد يكسب المال الهدان الجافي... بغير لا عصف ولا اصطراف (2)
فجمع بين"غير" و"لا"، توكيدا للنفي. قالوا: إنما يجوز أن يجعل"أن" مكان"كي"، و"كي" مكان"أن"، في الأماكن التي لا يصحب جالب ذلك ماض من الأفعال أو غير المستقبل. فأما ما صحبه ماض من الأفعال وغير المستقبل، فلا يجوز ذلك. لا يجوز عندهم أن يقال:"طننت ليقوم"، ولا"أظن ليقوم"، بمعنى: أظن أن يقوم = لأن ["أن"]، (3) التي تدخل مع الظن
__________
(1) ينسب إلى العجاج ، وإلى رؤبة ، وليس في ديوانه ، وانظر التعليق التالي.
(2) ديوان العجاج: 40 ، 82 ، معاني القرآن للفراء 1: 262 ، الإنصاف: 242. واللسان (صرف) (عصف) (هدن) ، والبيت التالي ، هو الوارد في شعر العجاج: قال الذي جمعت لي صوافي ... من غير لا عصف ولا اصطراف
وهو من قصيدة يعاتب فيها ولده رؤبة ، فرد عليه ولده رؤبة بقصيدة في ديوانه: 99. فظاهر أن هذا هو سبب الخلط في نسبة هذا الشعر ، والصواب أنه للعجاج ، لأنه من معنى عتابه ولده حين كبر وأرعش ، وظن أن ابنه طمع في ماله ورجا هلاكه ، وختم قصيدته بقوله: ليس كذاكم ولد الأشراف ... أعجلني الموت ولم يكاف
سوف يجازيك مليك واف ... بالأخذ إن جازاك، أو يعافي
و"الهدان": الجبان ، أو الوخم الثقيل النوام الذي لا يبكر في حاجة. و"عصف يعصف" و"اعتصف": طلب وكسب واحتال. و"العصف": الكسب والاحتيال. و"صرفت الرجل في أمري ، فتصرف واصطرف": أي احتال في طلب الكسب.
(3) الزيادة بين القوسين لا بد منها ، استظهرتها من السياق ، ومن معاني القرآن للفراء.

(8/211)


تكون مع الماضي من الفعل، يقال:"أظن أن قد قام زيد"، ومع المستقبل، ومع الأسماء. (1)
* * *
قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك بالصواب عندي، قول من قال: إن"اللام" في قوله:"يريد الله ليبين لكم"، بمعنى: يريد الله أن يبين لكم، لما ذكرت من علة من قال إن ذلك كذلك.
* * *
__________
(1) ومثالهما عند الفراء 1: 263 ما نصه"ومع المستقبل ، فتقول: أظن أن سيقوم زيد = ومع الأسماء فتقول: أظن أنك قائم"
وهذا الذي مضى هو مختصر مقالة الفراء في معاني القرآن 1: 261-263.

(8/212)


والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما (27)

القول في تأويل قوله عز وجل : { والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما (27) }
قال أبو جعفر: يعني بذلك تعالى ذكره: والله يريد أن يراجع بكم طاعته والإنابة إليه، ليعفو لكم عما سلف من آثامكم، ويتجاوز لكم عما كان منكم في جاهليتكم، من استحلالكم ما هو حرام عليكم من نكاح حلائل آبائكم وأبنائكم وغير ذلك مما كنتم تستحلونه وتأتونه، مما كان غير جائز لكم إتيانه من معاصي الله =="ويريد الذين يتبعون الشهوات"، يقول: ويريد الذين يطلبون لذات الدنيا وشهوات أنفسهم فيها ="أن تميلوا" عن أمر الله تبارك وتعالى، فتجوروا عنه بإتيانكم ما حرم عليكم وركوبكم معاصيه ="ميلا عظيما"، جورا وعدولا عنه شديدا.
* * *

(8/212)


واختلف أهل التأويل في الذين وصفهم الله بأنهم"يتبعون الشهوات".
فقال بعضهم: هم الزناة.
*ذكر من قال ذلك:
9129 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله:"ويريد الذين يتبعون الشهوات"، قال: الزنا ="أن تميلوا ميلا عظيما"، قال: يريدون أن تزنوا.
9130 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما"، أن تكونوا مثلهم، تزنون كما يزنون.
9131 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد:"ويريد الذين يتبعون الشهوات"، قال: الزنا ="أن تميلوا ميلا عظيما"، قال: يزني أهل الإسلام كما يزنون. قال: هي كهيئة:( ودوا لو تدهن فيدهنون ) [سورة القلم: 9].
9132 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا يحيى بن أبي زائدة، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"ويريد الذين يتبعون الشهوات"، قال: الزنا ="أن تميلوا"، قال: أن تزنوا.
* * *
وقال آخرون، بل هم اليهود والنصارى.
*ذكر من قال ذلك:
9133 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"ويريد الذين يتبعون الشهوات"، قال: هم اليهود والنصارى ="أن تميلوا ميلا عظيما".
* * *

(8/213)


وقال آخرون: بل هم اليهود خاصة، وكانت إرادتهم من المسلمين اتباع شهواتهم في نكاح الأخوات من الأب. وذلك أنهم يحلون نكاحهن، فقال الله تبارك وتعالى للمؤمنين: ويريد الذين يحللون نكاح الأخوات من الأب، أن تميلوا عن الحق فتستحلوهن كما استحلوا.
* * *
وقال آخرون. معنى ذلك: كل متبع شهوة في دينه لغير الذي أبيح له.
*ذكر من قال ذلك:
9134 - حدثني يونس بن عبد الأعلى قال: أخبرنا ابن وهب قال، سمعت ابن زيد يقول في قوله:"ويريد الذين يتبعون الشهوات" الآية، قال: يريد أهل الباطل وأهل الشهوات في دينهم، أن تميلوا في دينكم ميلا عظيما، تتبعون أمر دينهم، وتتركون أمر الله وأمر دينكم.
* * *
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، قول من قال: معنى ذلك: ويريد الذين يتبعون شهوات أنفسهم من أهل الباطل وطلاب الزنا ونكاح الأخوات من الآباء، وغير ذلك مما حرمه الله ="أن تميلوا" عن الحق، (1) وعما أذن الله لكم فيه، فتجوروا عن طاعته إلى معصيته، وتكونوا أمثالهم في اتباع شهوات أنفسكم فيما حرم الله، وترك طاعته ="ميلا عظيما".
وإنما قلنا، ذلك أولى بالصواب، لأن الله عز وجل عم بقوله:"ويريد الذين يتبعون الشهوات"، فوصفهم باتباع شهوات أنفسهم المذمومة، وعمهم بوصفهم بذلك، من غير وصفهم باتباع بعض الشهوات المذمومة. فإذ كان ذلك كذلك، فأولى المعاني بالآية ما دل عليه ظاهرها، دون باطنها الذي لا شاهد عليه من أصل
__________
(1) كان في المخطوطة والمطبوعة: "أن تميلوا ميلا عظيما عن الحق..." ، ولكني استظهرت من ذكره في آخر الفقرة: "ميلا عظيما" ، أن قوله هنا"ميلا عظيما" سبق قلم من الناسخ ، جرت تتمة الآية على لسانه فأثبتها ، ولو صح ذلك ، لكانت هذه الأخيرة في آخر الفقرة لا مكان لها.

(8/214)


يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا (28)

أو قياس. وإذ كان ذلك كذلك كان داخلا في"الذين يتبعون الشهوات" اليهود، والنصارى، والزناة، وكل متبع باطلا. لأن كل متبع ما نهاه الله عنه، فمتبع شهوة نفسه. فإذ كان ذلك بتأويل الآية أولى، وجبت صحة ما اخترنا من القول في تأويل ذلك.
* * *
القول في تأويل قوله : { يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا (28) }
قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله:"يريد الله أن يخفف عنكم"، يريد الله أن ييسر عليكم، (1) بإذنه لكم في نكاح الفتيات المؤمنات إذا لم تستطيعوا طولا لحرة ="وخلق الإنسان ضعيفا"، يقول: يسر ذلك عليكم إذا كنتم غير مستطيعي الطول للحرائر، لأنكم خلقتم ضعفاء عجزة عن ترك جماع النساء، قليلي الصبر عنه، فأذن لكم في نكاح فتياتكم المؤمنات عند خوفكم العنت على أنفسكم، ولم تجدوا طولا لحرة، لئلا تزنوا، لقلة صبركم على ترك جماع النساء.
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
*ذكر من قال ذلك:
9135 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"يريد الله أن يخفف عنكم" في نكاح الأمة، وفي كل شيء فيه يسر.
9136 - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا أبو أحمد الزبيري قال، حدثنا
__________
(1) انظر تفسير"التخفيف" فيما سلف 6: 577.

(8/215)


يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما (29)

سفيان، عن ابن طاوس، عن أبيه:"وخلق الإنسان ضعيفا"، قال: في أمر الجماع.
9137 - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا سفيان، عن ابن طاوس، عن أبيه:"وخلق الإنسان ضعيفا"، قال: في أمر النساء.
9138 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه:"وخلق الإنسان ضعيفا"، قال: في أمور النساء. ليس يكون الإنسان في شيء أضعف منه في النساء.
9139 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"يريد الله أن يخفف عنكم"، قال: رخص لكم في نكاح هؤلاء الإماء، حين اضطروا إليهن ="وخلق الإنسان ضعيفا"، قال: لو لم يرخص له فيها، لم يكن إلا الأمر الأول، إذا لم يجد حرة.
* * *
القول في تأويل قوله : { يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم }
قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: (1) "يا أيها الذين آمنوا"، صدقوا الله ورسوله ="لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل"، يقول: لا يأكل بعضكم أموال بعض بما حرم عليه، من الربا والقمار وغير ذلك من الأمور التي نهاكم الله عنها (2) ="إلا أن تكون تجارة" . كما:-
9140 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا
__________
(1) في المخطوطة والمطبوعة: "يعني بذلك جل ثناؤه" ، والسياق يقتضي ما أثبت.
(2) انظر تفسير"أكل الأموال بالباطل" فيما سلف 3: 548 ، 549 / 7: 528 ، 578

(8/216)


أسباط، عن السدي:"يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم"، أما"أكلهم أموالهم بينهم بالباطل"، فبالربا والقمار والبخس والظلم (1) ="إلا أن تكون تجارة"، ليربح في الدرهم ألفا إن استطاع.
9141 - حدثني محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن الفضل أبو النعمان قال، حدثنا خالد الطحان، قال، أخبرنا داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله تعالى:"لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل"، قال: الرجل يشتري السلعة فيردها ويرد معها درهما. (2)
9142 - حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا عبد الوهاب قال، حدثنا داود، عن عكرمة، عن ابن عباس = في الرجل يشتري من الرجل الثوب فيقول:"إن رضيته أخذته وإلا رددته ورددت معه درهما"، قال: هو الذي قال الله:"لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل".
* * *
وقال آخرون: بل نزلت هذه الآية بالنهي عن أن يأكل بعضهم طعام بعض إلا بشراء. فأما قرى، فإنه كان محظورا بهذه الآية، حتى نسخ ذلك بقوله في"سورة النور":( ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم ) الآية [سورة النور: 61].
__________
(1) في المطبوعة: "نهى عن أكلهم أموالهم بينهم بالباطل وبالربا..." ، ولا أدري لم غير ما في المخطوطة!! وهو مطابق لما في الدر المنثور 2: 143.
(2) الأثر: 9141 -"محمد بن الفضل أبو النعمان" ، هو"عارم" ، سلفت ترجمته برقم: 3387.
وكان في المخطوطة: "محمد بن المفضل". وأما المطبوعة ، فقد أساء الناشر غاية الإساءة ، وخالف الأمانة ، فكتب"أحمد بن المفضل" ، وحذف"أبو النعمان" ، وهذا أسوأ ما يكون من ترك الأمانة. وأما "خالد الطحان" ، فهو: "خالد بن عبد الله بن عبد الرحمن الواسطي" سلفت ترجمته برقم: 4433 ، 5434.

(8/217)


*ذكر من قال ذلك:
9143 - حدثني محمد بن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح، عن الحسن بن واقد، عن يزيد النحوي، عن عكرمة والحسن البصري قالا في قوله:"لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم" الآية، فكان الرجل يتحرج أن يأكل عند أحد من الناس بعد ما نزلت هذه الآية، فنسخ ذلك بالآية التي في"سورة النور"، فقال:( ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبائكم أو بيوت أمهاتكم ) إلى قوله:( جميعا أو أشتاتا ) (1) فكان الرجل الغني يدعو الرجل من أهله إلى الطعام، فيقول:"إني لأتجنح"! = و"التجنح" التحرج (2) = ويقول:"المساكين أحق به مني"! (3) فأحل من ذلك أن يأكلوا مما ذكر اسم الله عليه، وأحل طعام أهل الكتاب. (4)
* * *
قال أبو جعفر: وأولى هذين القولين بالصواب في ذلك، قول السدي. وذلك أن الله تعالى ذكره حرم أكل أموالنا بيننا بالباطل، ولا خلاف بين المسلمين أن أكل ذلك حرام علينا، فإن الله لم يحل قط أكل الأموال بالباطل.
وإذ كان ذلك كذلك، فلا معنى لقول من قال:"كان ذلك نهيا عن
__________
(1) من أعجب العجب ، أن تكون آية سورة النور قد ذكرت قبل أسطر على الصحة ، ثم تتفق المخطوطة والمطبوعة على أن تسوق الآية على الخطأ ، فيكتب: "ليس عليكم جناح أن تأكلوا من بيوتكم..." وهذا من السهو الشديد ، أعاذنا الله وإياك من مثله ، والله وحده المستعان.
(2) "التجنح": التحرج ، هذا معنى جيد عريق في العربية ، لم تثبته كتب اللغة ، فأثبته هناك.
(3) في المطبوعة: "أحق مني به" ، على التأخير ، وأثبت ما في المخطوطة.
(4) كأن هذا الأثر فيه بعض النقص ، وقد اختصره السيوطي في الدر المنثور 2: 143 ، 144 ، اختصارا شديدا.

(8/218)


أكل الرجل طعام أخيه قرى [على وجه ما أذن له]، ثم نسخ ذلك، (1) لنقل علماء الأمة جميعا وجهالها: أن قرى الضيف وإطعام الطعام كان من حميد أفعال أهل الشرك والإسلام التي حمد الله أهلها عليها وندبهم إليها، وأن الله لم يحرم ذلك في عصر من العصور، بل ندب الله عباده وحثهم عليه.
وإذ كان ذلك كذلك، فهو من معنى الأكل بالباطل خارج، ومن أن يكون ناسخا أو منسوخا بمعزل. لأن النسخ إنما يكون لمنسوخ، ولم يثبت النهي عنه، فيجوز أن يكون منسوخا بالإباحة.
وإذ كان ذلك كذلك، صح القول الذي قلناه: من أن الباطل الذي نهى الله عن أكل الأموال به، هو ما وصفنا مما حرمه على عباده في تنزيله أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم - وشذ ما خالفه. (2)
واختلفت القرأة في قراءة قوله:"إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم".
فقرأها بعضهم:( إلا أن تكون تجارة ) رفعا، بمعنى: إلا أن توجد تجارة، أو: تقع تجارة، عن تراض منكم، فيحل لكم أكلها حينئذ بذلك المعنى. ومذهب من قرأ ذلك على هذا الوجه:"ألا أن تكون" تامة ههنا، (3) لا حاجة بها إلى خبر، على ما وصفت. وبهذه القراءة قرأ أكثر أهل الحجاز وأهل البصرة.
* * *
وقرأ ذلك آخرون، وهم عامة قرأة الكوفيين:( إلا أن تكون تجارة ) ، نصبا، بمعنى: إلا أن تكون الأموال التي تأكلونها بينكم، تجارة عن تراض
__________
(1) هذه العبارة التي بين القوسين ، محرفة لا شك في تحريفها ، ولم أجد لها وجها أرتضيه ، فوضعتها بين القوسين ، ولو أسقطها مسقط من الكلام لاستقام على صحة.
(2) قوله: "وشذ ما خالفه" معطوف على قوله: "صح القول الذي قلناه".
(3) في المطبوعة: "... على هذا الوجه أن تكون تامة..." ، ورددتها إلى ما كان في المخطوطة ، فهي صحيحة في سياقه.

(8/219)


منكم، فيحل لكم هنالك أكلها. فتكون"الأموال" مضمرة في قوله:"إلا أن تكون"، و"التجارة" منصوبة على الخبر. (1)
* * *
قال أبو جعفر: وكلتا القراءتين عندنا صواب جائزة القراءة بهما، لاستفاضتهما في قرأة الأمصار، مع تقارب معانيهما. غير أن الأمر وإن كان كذلك، فإن قراءة ذلك بالنصب، أعجب إلي من قراءته بالرفع، لقوة النصب من وجهين:
أحدهما: أن في"تكون" ذكر من الأموال. والآخر: أنه لو لم يجعل فيها ذكر منها، ثم أفردت بـ "التجارة"، وهي نكرة، كان فصيحا في كلام العرب النصب، إذ كانت مبنية على اسم وخبر. فإذا لم يظهر معها إلا نكرة واحدة، نصبوا ورفعوا، كما قال الشاعر:
إذا كان طعنا بينهم وعناقا (2)
قال أبو جعفر: ففي هذه الآية إبانة من الله تعالى ذكره عن تكذيب قول الجهلة من المتصوفة المنكرين طلب الأقوات بالتجارات والصناعات، والله تعالى يقول:"يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم"، اكتسابا منا ذلك بها، (3) كما:-
9144 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن
__________
(1) انظر تفصيل القول في هاتين القراءتين ، في نظيرة هذه الآية من سورة البقرة: 282 في 6: 80-82 ، وإن اختلف وجه التأويل في الآيتين ، كما يظهر من مراجعة ذلك في آية سورة البقرة.
(2) سلف البيت بتمامه في 6: 80 ، ولم أشر إلى مكانه هنا في الموضع السالف ، لأني لم أقف عليه أثناء تخريج شعر التفسير ، لإدماجه في صلب الكلام.
(3) في المطبوعة: "اكتسابا أحل ذلك لها" ، غير ما في المخطوطة ، إذ لم يحسن قراءته. وهو كما أثبته ، إلا أن الناسخ أخطأ فكتب"لها" ، والصواب: "بها" ، أي: بالتجارات والصناعات.

(8/220)


قتادة قوله:"يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم"، قال: التجارة رزق من رزق الله، وحلال من حلال الله، لمن طلبها بصدقها وبرها. وقد كنا نحدث: أن التاجر الأمين الصدوق مع السبعة في ظل العرش يوم القيامة. (1) .
* * *
وأما قوله:"عن تراض"، فإن معناه كما:-
9145 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله تبارك وتعالى:"عن تراض منكم"، في تجارة أو بيع، أو عطاء يعطيه أحد أحدا.
9146 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"عن تراض منكم" في تجارة، أو بيع، أو عطاء يعطيه أحد أحدا.
9147 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن القاسم، عن سليمان الجعفي، عن أبيه، عن ميمون بن مهران قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: البيع عن تراض، والخيار بعد الصفقة، ولا يحل لمسلم أن يغش مسلما. (2)
__________
(1) يعني الحديث الصحيح: "سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل ، وشاب نشأ في عبادة الله ، ورجل قلبه معلق بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود إليه ، ورجلان تحابا في الله فاجتمعا على ذلك وافترقا ، ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه ، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله رب العالمين ، ورجل تصدق بصدقة ، فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه". رواه الترمذي من حديث أبي هريرة وصححه: 345.
(2) الأثر: 9147 - هذا حديث مرسل ، خرجه ابن كثير في تفسيره 2: 413 والسيوطي في الدر المنثور 2: 144 ، ولم ينسبه لغير ابن جرير.

(8/221)


9148 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج. قال: قلت لعطاء: المماسحة، بيع هي؟ (1) قال: لا حتى يخيره، التخيير بعد ما يجب البيع، إن شاء أخذ، وإن شاء ترك.
* * *
واختلف أهل العلم في معنى"التراضي" في التجارة. فقال بعضهم: هو أن يخير كل واحد من المتبايعين بعد عقدهما البيع بينهما فيما تبايعا فيه، من إمضاء البيع أو نقضه، أو يتفرقا عن مجلسهما الذي تواجبا فيه البيع بأبدانهما، عن تراض منهما بالعقد الذي تعاقداه بينهما قبل التفاسخ.
*ذكر من قال ذلك:
9149 - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا معاذ بن هشام قال، حدثني أبي، عن قتادة، عن محمد بن سيرين، عن شريح قال: اختصم رجلان باع أحدهما من الآخر برنسا، فقال: إني بعت من هذا برنسا، فاسترضيته فلم يرضني!! فقال: أرضه كما أرضاك. قال: إني قد أعطيته دراهم ولم يرض! قال: أرضه كما أرضاك. قال: قد أرضيته فلم يرض! فقال: البيعان بالخيار ما لم يتفرقا. (2)
9150 - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا مؤمل قال، حدثنا سفيان، عن عبد الله بن أبي السفر، عن الشعبي، عن شريح قال: البيعان بالخيار ما لم يتفرقا. (3)
9151 - حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن الحكم، عن شريح مثله.
__________
(1) "تماسح الرجلان": إذا تبايعا فتصافقا ، ومسح أحدهما على يد صاحبه ، وذلك من صور بيعهم في الجاهلية.
(2) "البيع" (بفتح الباء وتشديد الياء المكسورة) ، البائع أو المشتري ، والبيعان: المتبايعان.
(3) الأثر: 9150 -"عبد الله بن أبي السفر الهمداني الثوري" ، واسم"أبي السفر": سعيد بن يحمد. وروى عبد الله عن أبيه ، وعن الشعبي وغيرهما. ثقة ، ليس بكثير الحديث. مترجم في التهذيب.

(8/222)


9152 - حدثنا ابن المثنى قال حدثنا محمد قال، حدثنا شعبة، عن جابر قال، حدثني أبو الضحى، عن شريح أنه قال: البيعان بالخيار ما لم يتفرقا = قال قال أبو الضحى: كان شريح يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحوه. (1)
9153 - وحدثني الحسين بن يزيد الطحان قال، حدثنا إسحاق بن منصور، عن عبد السلام، عن رجل، عن أبي حوشب، عن ميمون قال: اشتريت من ابن سيرين سابريا، فسام علي سومه، فقلت: أحسن! فقال: إما أن تأخذ وإما أن تدع. فأخذت منه، فلما وزنت الثمن وضع الدراهم فقال: اختر، إما الدراهم، وإما المتاع. فاخترت المتاع فأخذته. (2)
9154 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا هشيم، عن إسماعيل بن سالم، عن الشعبي أنه كان يقول في البيعين: إنهما بالخيار ما لم يتفرقا، فإذا تصادرا فقد وجب البيع. (3)
9155 - حدثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي قال، حدثنا محمد بن عبيد قال، حدثنا سفيان بن دينار، عن ظبية قال: كنت في السوق وعلي رضي الله عنه في السوق، فجاءت جارية إلى بيع فاكهة بدرهم، فقالت: أعطني هذا. فأعطاها إياه، فقالت: لا أريده، أعطني درهمي! فأبى، فأخذه منه علي فأعطاها إياه. (4)
__________
(1) حديث: "البيعان بالخيار..." ، حديث صحيح رواه البخاري ومسلم وغيرهما ، وانظر السنن الكبرى للبيهقي 5: 268-272.
(2) الأثر: 9153 -"الحسين بن يزيد الطحان" ، وقد مضى قبل بنسبته"السبيعي" ، انظر ما سلف رقم: 2892 ، 7863. وكان في المطبوعة والمخطوطة هنا"الحسن بن يزيد" وهو خطأ.
وأما "أبو حوشب" ، فلم أجد من الرواة من هذا كنيته ، وفي الإسناد تصحيف لا شك فيه.
(3) "تصادرا" انصرف هذا ، وانصرف الآخر ، يقال: "صدر الرجل فهو صادر" ، رجع أو انصرف.
(4) الأثر: 9155 -"محمد بن إسماعيل الأحمسي" مضت ترجمته برقم: 405 ، 718."محمد بن عبيد الطنافسي" مضت ترجمته برقم: 405.
و"ظبية" ، هكذا اجتهدت قراءتها من المخطوطة ، ولم أعرف من تكون؟ وكان في المطبوعة: "طيسلة" أخطأ قراءة المخطوطة خطأ عظيما. ولم أجد هذا الأثر في مكان آخر.

(8/223)


9156 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن مغيرة، عن الشعبي: أنه أتى في رجل اشترى من رجل برذونا ووجب له، ثم إن المبتاع رده قبل أن يتفرقا، فقضى أنه قد وجب عليه، فشهد عنده أبو الضحى: أن شريحا قضى في مثله أن يرده على صاحبه. فرجع الشعبي إلى قضاء شريح.
9157- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، حدثنا هشام، عن ابن سيرين، عن شريح، أنه كان يقول في البيعين: إذا ادعى المشتري، أنه قد أوجب له البيع، وقال البائع: لم أوجب له = قال: شاهدان عدلان أنكما افترقتما عن تراض بعد بيع أو تخاير، وإلا فيمين البائع: أنكما [ما] افترقتما عن بيع ولا تخاير. (1)
9158 - حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية، عن أيوب، عن محمد. قال: كان شريح يقول: شاهدان ذوا عدل أنكما افترقتما عن تراض بعد بيع وتخاير، وإلا فيمينه بالله: ما تفرقتما عن تراض بعد بيع أو تخاير.
9159 - حدثنا حميد بن مسعدة قال، حدثنا بشر بن المفضل قال، حدثنا ابن عون، عن محمد بن سيرين، عن شريح أنه كان يقول: شاهدان ذوا عدل أنهما تفرقا عن تراض بعد بيع أو تخاير.
* * *
وعلة من قال هذه المقالة، ما:-
9160 - حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا يحيى بن سعيد، عن عبيد الله قال، أخبرني نافع، عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: كل بيعين فلا بيع بينهما حتى يتفرقا، إلا أن يكون خيارا. (2)
__________
(1) الزيادة ما بين القوسين لا بد منهما للسياق ، وانظر الأثر الذي يليه.
(2) الحديث: 9160 - يحيى بن سعيد: هو القطان. عبيد الله: هو ابن عمر بن حفص بن عاصم العمري. ووقع في المطبوعة (والمخطوطة)"عبد الله" بالتكبير. وهو أخو"عبيد الله". وهو محتمل أن يكون كذلك. ولكني أرى الصواب"عبيد الله" بالتصغير ، أولا: لأن الحديث معروف من روايته. وثانيا: لأن الحافظ المزي لم يذكر في تهذيب الكمال رواية ليحيى القطان عن"عبد الله" ، لا في ترجمة يحيى ، ولا في ترجمة"عبد الله". وهو من عادته أن يتتبع ذلك ويستقصيه استقصاء تاما.
والحديث رواه أحمد في المسند: 5158 ، عن يحيى - وهو القطان ، عن عبيد الله ، به ، نحوه.
ورواه أحمد أيضا: 6193 ، عن الفضل بن دكين ، عن الثوري ، عن عبد الله بن دينار ، عن ابن عمر. ورواه البخاري 4: 280 (فتح) ، من رواية عبد الله بن دينار ، عن ابن عمر. وكذلك رواه مسلم 1: 447 ، من هذا الوجه.
ورواه أحمد أيضا: 4566 ، بنحوه ، عن ابن عيينة ، عن عبد الله بن دينار.
وسيأتي أيضا: 9164 ، من رواية أيوب ، عن نافع ، بمعناه.
وقد خرجناه في مواضع كثيرة في المسند. وهو حديث معروف مشهور.

(8/224)


9161 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا مروان بن معاوية قال، حدثني يحيى بن أيوب قال، كان أبو زرعة إذا بايع رجلا يقول له: خيرني! ثم يقول: قال أبو هريرة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لا يفترق إلا عن رضى". (1)
9162 - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية قال، حدثنا أيوب، عن أبي قلابة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أهل البقيع! فسمعوا صوته، ثم قال: يا أهل البقيع! فاشرأبوا ينظرون، حتى عرفوا أنه صوته، ثم قال: يا أهل البقيع! لا يتفرقن بيعان إلا عن رضى. (2)
__________
(1) الحديث: 9161 - يحيى بن أيوب بن أبي زرعة بن عمرو بن جرير البجلي: ثقة. قال ابن معين: "ليس به بأس". ونقل بعضهم عن ابن معين تضعيفه ، وترجمه البخاري في الكبير 4 / 2 / 260 ، فلم يذكر فيه جرحا ، وترجمه ابن أبي حاتم 4 / 2 / 137.
وهو يروي هنا عن جده"أبي زرعة بن عمرو بن جرير" - وهو تابعي ثقة.
والحديث رواه أبو داود: 3485 ، عن محمد بن حاتم الجرجرائي ، عن مروان ، وهو ابن معاوية الفزاري - بهذا الإسناد.
ورواه البيهقي في السنن الكبرى 5: 271 ، من طريق أبي داود. وذكره السيوطي 1: 144 ولم ينسبه لغير الطبري.
(2) الحديث: 9162 - هذا إسناد مرسل ، لأن أبا قلابة تابعي. فلا أدري أهو هكذا في الطبري ، أم كان موصولا فسقط اسم الصحابي من الناسخين؟
فقد رواه البيهقي في السنن الكبرى 5: 271 ، من طريق الحسن بن مكرم ، عن علي بن عاصم ، عن خالد الحذاء ، عن أبي قلابة ، عن أنس ، بنحوه. وهذا إسناد جيد.
ولكن السيوطي ذكر رواية الطبري هذه 1: 144 ، عن أبي قلابة ، مرسلا.

(8/225)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية