صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : جامع البيان في تأويل القرآن
المؤلف : محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري،
[ 224 - 310 هـ ]
المحقق : أحمد محمد شاكر
الناشر : مؤسسة الرسالة
الطبعة : الأولى ، 1420 هـ - 2000 م
عدد الأجزاء : 24
مصدر الكتاب : موقع مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
www.qurancomplex.com
[ ترقيم الكتاب موافق للمطبوع ، والصفحات مذيلة بحواشي أحمد ومحمود شاكر ]

وقد قالوا إن"الصفا" واحد، وأنه يثنى"صفوان"، ويجمع"أصفاء" و"صفيا، وصفيا"، واستشهدوا على ذلك بقول الراجز (1)
كأن متنيه من النفي... مواقع الطير على الصفي (2)
وقالوا: هو نظير"عصا وعصي [وعصي، وأعصاء]، ورحا ورحي [ورحي] وأرحاء". (3)
* * *
وأما"المروة"، فإنها الحصاة الصغيرة، (4) يجمع قليلها"مروات"، وكثيرها"المرو"، مثل"تمرة وتمرات وتمر"، قال الأعشى ميمون بن قيس:
__________
(1) هو الأخيل الطائي .
(2) سيأتي في التفسير 6 : 142 والجمهرة 3 : 135 ، والمخصص 10 : 90 ، ومجالس ثعلب : 249 ، والحيوان 2 : 339 ، والقالي 2 : 8 ، واللسان (صفا) و (نفا) وكلهم رواه"متنيه" إلا ابن دريد فإنه أنشده : كأن متني من النفي ... من طول إشرافي على الطوي
والنفي : ما تطاير من دلو المستقى . ومن روى"متني" فكأنه عنى أن الأخيل يصف نفسه . وأما من روى"متنيه" ، فإنه عنى غيره . وهو الأصح فيما أرجح ، وقد قال الأزهري : "هذا ساق كان أسود الجلدة ، استقى من بئر ملح ، فكان يبيض نفي الماء على ظهره إذا ترشش . لأنه كان ملحا" . فإذا صح ذلك ، كانت رواية البيت الذي يليه"من طول إشراف" بغير ياء الإضافة ، ومعنى الشعر أشبه بما قال الأزهري ، لتشبيهه في البيت الثالث . و"الطوي" البئر المطوية بالحجارة .
(3) الزيادة بين الأقواس لا بد منها ، ليستقيم تمثيل المتمثل بهذه الجموع ، على نظيرها . وهو قوله آنفا : صفا وأصفاء وصفى وصفى .
(4) بيان الطبري عن معنى"المرو" ليس بجيد ، والأجود ما قاله أصحاب اللغة : المرو ، حجارة بيض براقة ، تكون فيها النار ، وتقدح منها النار ، ويتخذ أداة كالسكين يذبح بها ، وهي صلبة .

(3/225)


وترى بالأرض خفا زائلا... فإذا ما صادف المرو رضح (1)
يعني ب"المرو": الصخر الصغار، ومن ذلك قول أبي ذؤيب الهذلي:
حتى كأني للحوادث مروة... بصفا المشرق كل يوم تقرع (2)
ويقال"المشقر".
* * *
وإنما عنى الله تعالى ذكره بقوله:"إن الصفا والمروة"، في هذا الموضع: الجبلين المسميين بهذين الاسمين اللذين في حرمه، دون سائر الصفا والمرو. ولذلك أدخل فيهما"الألف واللام"، ليعلم عباده أنه عنى بذلك الجبلين المعروفين بهذين الاسمين، دون سائر الأصفاء والمرو.
* * *
وأما قوله:"من شعائر الله"، فإنه يعني: من معالم الله التي جعلها تعالى ذكره لعباده معلما ومشعرا يعبدونه عندها، إما بالدعاء، وإما بالذكر، وإما بأداء ما فرض عليهم من العمل عندها. ومنه قول الكميت:
نقتلهم جيلا فجيلا تراهم... شعائر قربان بهم يتقرب (3)
__________
(1) ديوانه : 161 ، وفي الشطر الأول تصحيف لم أتبين صوابه ، ورواية الديوان : وتولي الأرض خفا مجمرا
وهو يصف ناقته وشدتها ونشاطها ، والخف المجمر : هو الوقاح الصلب الشديد المجتمع ، نكبته الحجارة فصلب . رضح الحصا والنوى رضحا : دقه فكسره . يعني من شدة الخف وصلابته ، وذلك محمود في الإبل .
(2) ديوانه : 3 ، والمفضليات : 587 ، من قصيدة البارعة في رثاء أولاده ، يقول عن المصائب المتتابعة تركته كهذه الصخرة التي وصف . والمشرق : المصلي بمنى . قال ابن الأنباري : "وإنما خص المشرق ، لكثرة مرور الناس به" . ثم قال : "ورواها أبو عبيدة : "المشقر" : يعني سوق الطائف . يقول : كأني مروة في السوق يمر الناس بها ، يقرعها واحد بعد واحد" .
(3) الهاشميات : 21 ، واللسان (شعر) ، وغيرهما . والضمير في قوله : "نقتلهم" ، إلى الخوارج الذين عدد أسماءهم في بيتين قبل : علام إذا زرنا الزبير ونافعا ... بغارتنا، بعد المقانب مقنب
وشاط على أرماحنا بادعائها ... وتحويلها عنكم شبيب وقعنب
والجيل : الأمة ، أو الصنف من الناس . وفي المطبوعة واللسان : "تراهم" بالتاء ، وهو خطأ . والشعائر هنا جمع شعيرة : وهي البدنة المهداة إلى البيت ، وسميت بذلك لأنه يؤثر فيها بالعلامات . وإشعار البدن : إدماؤها بطعن أو رمي أو حديدة حتى تدمي .

(3/226)


وكان مجاهد يقول في الشعائر بما:-
2332- حدثني به محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"إن الصفا والمروة من شعائر الله" قال، من الخبر الذي أخبركم عنه. (1)
2333- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.
* * *
فكأن مجاهدا كان يرى أن الشعائر، إنما هو جمع"شعيرة"، من إشعار الله عباده أمر الصفا والمروة، وما عليهم في الطواف بهما. فمعناه: إعلامهم ذلك.
وذلك تأويل من المفهوم بعيد. وإنما أعلم الله تعالى ذكره بقوله:"إن الصفا والمروة من شعائر الله" عباده المؤمنين أن السعي بينهما من مشاعر الحج التي سنها لهم، وأمر بها خليله إبراهيم صلى الله عليه وسلم، إذ سأله أن يريه مناسك الحج. وذلك وإن كان مخرجه مخرج الخبر، فإنه مراد به الأمر. لأن الله تعالى ذكره قد أمر نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم باتباع ملة إبراهيم عليه السلام، فقال له:( ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا ) [سورة النحل: 123]، وجعل تعالى ذكره إبراهيم إماما لمن بعده. فإذ كان صحيحا أن الطواف والسعي بين الصفا والمروة من شعائر الله ومن مناسك الحج، فمعلوم أن إبراهيم صلى الله
__________
(1) في المطبوعة : "من الخير" بالياء المثناة التحتية ، وليس يستقيم ، والصواب ما أثبت ، وكلام الطبري في تعليقه على قول مجاهد ، دال على الصواب من ذلك أنها من الإشعار ، وهو الإخبار .

(3/227)


عليه وسلم قد عمل به وسنه لمن بعده، وقد أمر نبينا صلى الله عليه وسلم وأمته باتباعه، فعليهم العمل بذلك، على ما بينه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { فمن حج البيت أو اعتمر }
قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره:"فمن حج البيت"، فمن أتاه عائدا إليه بعد بدء. وكذلك كل من أكثر الاختلاف إلى شيء فهو"حاج إليه"، ومنه قول الشاعر: (1)
لأشهد من عوف حلولا كثيرة... يحجون سب الزبرقان المزعفرا (2)
__________
(1) هو المخبل السعدي ، وهو مخضرم .
(2) المعاني الكبير : 478 ، والاشتقاق لابن دريد : 77 ، 156 ، وتهذيب الألفاظ : 563 ، وإصلاح المنطق : 411 ، والبيان والتبيين 3 : 97 ، وشرح أدب الكاتب للجواليقي : 313 ، وللبطليوسي : 405 ، واللسان (سبب) (حجج) ، (قهر) (زبرق) ، والجمرة لابن دريد : 1 : 31 ، 49/3 : 434 ، وسمط اللآلي : 191 ، والخزانة 3 : 427 . وفي المطبوعة : "بيت الزبرقان" والصواب ما أثبت .
وقد ذهب الطبري في تفسير البيت ، كما ذهب ابن دريد وابن قتيبة والجاحظ وغيرهم إلى أن"السب" هاهنا العمامة ، وأن سادات العرب كانوا يصبغون عمائمهم بالزعفران ، ومنهم حصين بن بدر ، وهو الزبرقان ، وسمي بذلك لصفرة عمامته وسيادته . وذهب أبو عبيدة وقطرب إلى أنه"السب" هنا هي الاست ، وكان مقروفا ، وزعموا أن قول قطرب قول شاذ ، والصواب عندي أن أبا عبيدة وقطرب قد أصابا ، وأنهم أخطأوا في ردهم ما قالا . فقد كان المخبل بذيء اللسان ، حتى نسب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : "إنما هو عذاب يصبه الله على من يشاء من عباده" (النقائض : 1048) قال أبو عبيدة في النقائض : "كان المخبل القريعي أهجى العرب . . . ثم كان بعده حسان بن ثابت ، ثم الحطيئة ، والفرزدق ، وجرير ، والأخطل . هؤلاء الستة الغاية في الهجاء وغيره ، ولم يكن في الجاهلية ولا في الإسلام لهم نظير" . هذا وقد كان من أمر المخبل والزبرقان بن بدر ما كان في ضيافة الحطيئة (انظر طبقات فحول الشعراء : 96-100) ، وهجاؤه له ، ثم ما استشرى من هجاء المخبل له ، لما خطب إليه أخته خليدة ، فأبى الزبرقان أن يزوجها له ، وذمه . فهجاء وهجا أخته مقذعا ، وحط منه حتى قال له : يا زبرقان أخابني خلف ... ما أنت ويب أبيك والفخر
ما أنت إلا في بني خلف ... كالإسكتين علاهما البظر
وكل شعره في الزبرقان وأخته مقذع . وهذا البيت الذي استشهد به الطبري من قذعه . وقبل البيت : ألم تعلمي يا أم عمرة أنني ... تخاطأني ريب الزمان لأكبرا
لأشهد من عوف حلولا كثيرة ... يحجون سب الزبرقان المزعفرا
تمنى حصين أن يسود جذاعه ... فأمسى حصين قد أذل وأقهرا
وفي سيرة ابن هشام 2 : 275-276 قول عتبة بن ربيعة في أبي جهل : "سيعلم مصفراسته من انتفخ سحره ، أنا أم هو!" فرماه بمثل ذلك من القبيح ، الذي قاله المخبل السعدي . ومن زعم أن المخبل يقول إنه : "كره أن يعيش ويعمر حتى يرى الزبرقان من الجلالة والعظمة بحيث يحج بنو عوف عصابته" ، فقد أخطأ ، وقد نقض عليه البيت الثالث ما زعم ، فإنه يصفه بأنه تمنى السيادة ، ولكن ذلك لم يزده إلا ذلا وقهرا ، فكيف يتأتى أن يقول ما زعم هذا أنه أراده؟ بل أراد المخبل أن يسخر به ويتهكم ، كما فعل في سائر هجائه له .
وقوله : "وأشهد" منصوب ، عطفا على قوله : "لأكبرا" .

(3/228)


يعني بقوله:"يحجون"، يكثرون التردد إليه لسودده ورياسته. وإنما قيل للحاج"حاج"، لأنه يأتي البيت قبل التعريف، ثم يعود إليه لطواف يوم النحر بعد التعريف، ثم ينصرف عنه إلى منى، ثم يعود إليه لطواف الصدر. (1) فلتكراره العود إليه مرة بعد أخرى قيل له:"حاج".
* * *
وأما"المعتمر"، فإنما قيل له:"معتمر"، لأنه إذا طاف به انصرف عنه بعد زيارته إياه. وإنما يعني تعالى ذكره بقوله:"أو اعتمر"، أو اعتمر البيت، ويعني ب"الاعتمار" الزيارة. فكل قاصد لشيء فهو له"معتمر"، ومنه قول العجاج:
لقد سما ابن معمر حين اعتمر... غزى بعيدا من بعيد وضبر (2)
يعني بقوله:"حين اعتمر"، حين قصده وأمه.
* * *
__________
(1) عرف يعرف تعريفا : وقف بعرفات . و"طواف الصدر" من قولهم : صدر الناس من حجهم ، أي رجعوا بعد أن يقضوا نسكهم .
(2) ديوانه : 19 من قصيدة مدح بها عمر بن عبيد الله بن معمر التميمي ، مضى منها في 1 : 190 ، 2 : 157 . وقوله"مغزى" ، أي غزوا . وضبر : جمع قوائمه ليثب ثم وثب . وهو يصف بعده جيش عمر بن عبيد الله ، وكان فتح الفتوح الكثيرة ، وعظم أمره في قتال الخوارج .

(3/229)


القول في تأويل قوله تعالى : { فلا جناح عليه أن يطوف بهما }
قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله:"فلا جناح عليه أن يطوف بهما"، يقول: فلا حرج عليه ولا مأثم في طوافه بهما.
* * *
فإن قال قائل: وما وجه هذا الكلام، وقد قلت لنا، إن قوله:"إن الصفا والمروة من شعائر الله"، وإن كان ظاهره ظاهر الخبر، فإنه في معنى الأمر بالطواف بهما؟ فكيف يكون أمرا بالطواف، ثم يقال: لا جناح على من حج البيت أو اعتمر في الطواف بهما؟ وإنما يوضع الجناح عمن أتى ما عليه بإتيانه الجناح والحرج؟ والأمر بالطواف بهما، والترخيص في الطواف بهما، غير جائز اجتماعهما في حال واحدة؟
قيل: إن ذلك بخلاف ما إليه ذهبت. (1) وإنما معنى ذلك عند أقوام: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما اعتمر عمرة القضية، تخوف أقوام كانوا يطوفون بهما في الجاهلية قبل الإسلام لصنمين كانا عليهما تعظيما منهم لهما، فقالوا: وكيف نطوف بهما، وقد علمنا أن تعظيم الأصنام وجميع ما كان يعبد من ذلك من دون الله، شرك؟ ففي طوافنا بهذين الحجرين أحرج ذلك، (2) لأن الطواف بهما في الجاهلية إنما كان للصنمين اللذين كانا عليهما، وقد جاء الله بالإسلام اليوم، ولا سبيل إلى تعظيم شيء مع الله بمعنى العبادة له!
فأنزل الله تعالى ذكره في ذلك من أمرهم :"إن الصفا والمروة من شعائر الله"،
__________
(1) في المطبوعة : "إليه ذهب" ، والصواب ما أثبت ، لأن الطبري ساق قول القائل ، على أنه خطاب له إذ قال للطبري : "وقد قلت لنا" . فالصواب أن يصرف الرد عليه خطابا له كما خاطبه .
(2) في المطبوعة : "أحد ذلك" ، ولا معنى له ، وفيه تحريف لا شك فيه . فإنهم لم يذكروا متعددا من الآثام حتى يجعلوا له"أحدا" . وإنما أرادوا : أكبر الإثم والشرك . و"ذلك" ، إشارة إلى الشرك . ولو قرئت أيضا : "أخوف ذلك" لكاتب صوابا ، لأنه سيذكر أنهم كانوا يتخوفون الطواف بهما . ويعني : أخوف الشرك .

(3/230)


يعني: إن الطواف بهما، فترك ذكر"الطواف بهما"، اكتفاء بذكرهما عنه. وإذ كان معلوما عند المخاطبين به أن معناه: من معالم الله التي جعلها علما لعباده يعبدونه عندهما بالطواف بينهما، ويذكرونه عليهما وعندهما بما هو له أهل من الذكر،"فمن حج البيت أو اعتمر" فلا يتخوفن الطواف بهما، من أجل ما كان أهل الجاهلية يطوفون بهما من أجل الصنمين اللذين كانا عليهما، فإن أهل الشرك كانوا يطوفون بهما كفرا، وأنتم تطوفون بهما إيمانا، وتصديقا لرسولي، وطاعة لأمري، فلا جناح عليكم في الطواف بهما.
* * *
و"الجناح"، الإثم، كما:-
2334- حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"فلا جناح عليه أن يطوف بهما"، يقول: ليس عليه إثم، ولكن له أجر.
* * *
وبمثل الذي قلنا في ذلك تظاهرت الرواية عن السلف من الصحابة والتابعين.
ذكر الأخبار التي رويت بذلك:
2335- حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا داود، عن الشعبي: أن وثنا كان في الجاهلية على الصفا يسمى"إسافا"، (1) ووثنا على المروة يسمى"نائلة"، فكان أهل الجاهلية إذا طافوا بالبيت مسحوا الوثنين. فلما جاء الإسلام وكسرت الأوثان، قال المسلمون: إن الصفا والمروة إنما كان يطاف بهما من أجل الوثنين، وليس الطواف بهما من الشعائر! قال: فأنزل الله: إنهما من الشعائر،"فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما".
2336- حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا عبد الوهاب قال، حدثنا داود، عن عامر قال : كان صنم بالصفا يدعى"إسافا"، (2) ووثن بالمروة يدعى"نائلة"،
__________
(1) في المطبوعة : "إساف" ، والصواب ما أثبت ، فهو غير ممنوع من الصرف .
(2) في المطبوعة : "إساف" ، والصواب ما أثبت ، فهو غير ممنوع من الصرف .

(3/231)


ثم ذكر نحو حديث ابن أبي الشوارب - وزاد فيه، قال: فذكر الصفا من أجل الوثن الذي كان عليه، وأنت المروة من أجل الوثن الذي كان عليه مؤنثا. (1)
2337- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي، وذكر نحو حديث ابن أبي الشوارب عن يزيد، وزاد فيه - قال: فجعله الله تطوع خير.
2338- حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن أبي زائدة قال، أخبرني عاصم الأحول قال، قلت لأنس بن مالك: أكنتم تكرهون الطواف بين الصفا والمروة حتى نزلت هذه الآية؟ فقال: نعم كنا نكره الطواف بينهما لأنهما من شعائر الجاهلية، حتى نزلت هذه الآية:"إن الصفا والمروة من شعائر الله". (2)
2339- حدثني علي بن سهل الرملي قال، حدثنا مؤمل بن إسماعيل قال، حدثنا سفيان، عن عاصم قال، سألت أنسا عن الصفا والمروة، فقال: كانتا من مشاعر الجاهلية، فلما كان الإسلام أمسكوا عنهما، فنزلت:"إن الصفا والمروة من شعائر الله". (3)
__________
(1) الأثر : 2336- هكذا جاء هذا الأثر في الدر المنثور 1 : 160 ، وصواب عبارته فيما أرجح ، أن يحذف"مؤنثا" ، أو أن يقال : "من أجل أن الوثن الذي كان عليه كان مذكرا ، وأنث المروة من أجل أن الوثن الذي كان عليه كان مؤنثا" .
(2) الحديث : 2338- يعقوب : هو ابن إبراهيم الدورقي . ابن أبي زائدة : هو يحيى بن زكريا بن أبي زائدة الهمداني الوادعي ، وهو حافظ ثقة ، يقرن بابن المبارك . يقولون : إنه أول من صنف الكتب بالكوفة ، مات سنة 183 . مترجم في التهذيب ، والكبير 4/2/273-274 . والصغير ، ص : 206 ، وابن سعد : 6 : 274 ، وابن أبي حاتم 4/2/144-145 ، وتذكرة الحفاظ 1 : 226-247 .
عاصم : هو ابن سليمان الأحول ، مضى في : 184 ، وهو من صغار التابعين . وعده سفيان الثوري أحفظ ثلاثة في البصرة . مترجم في التهذيب ، وابن سعد 7/2/20-65 ، وابن أبي حاتم 3/1/343-344 .
والحديث رواه البخاري 3 : 402 (فتح) ، من طريق عبد الله ، وهو ابن المبارك ، عن عاصم الأحول ، بنحوه . ورواه أيضا مسلم ، والترمذي ، والنسائي . كما في القسطلاني 3 : 153-154 .
(3) الحديث : 2339- سفيان : هو الثوري . والحديث مختصر ما قبله . ورواه البخاري مختصرا 8 : 132 (فتح) ، عن محمد بن يوسف ، عن سفيان . ورواه الحاكم 2 : 270 ، من طريق حسين بن حفص ، عن سفيان . وقال : "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه" . ووافقه الذهبي . وأخطأ الحاكم في استدراكه ، فقد رواه البخاري . كما ذكرنا قبل .
وسيأتي بعض معناه مختصرا : 2346 ، 2347 ، من رواية جرير ، عن عاصم ، عن أنس .

(3/232)


2340- حدثني عبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث قال، حدثني أبو الحسين المعلم قال، حدثنا شيبان أبو معاوية، عن جابر الجعفي، عن عمرو بن حبشي قال، قلت لابن عمر:"إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما" قال، انطلق إلى ابن عباس فاسأله، فإنه أعلم من بقي بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم. فأتيته فسألته، فقال: إنه كان عندهما أصنام، فلما حرمن أمسكوا عن الطواف بينهما، حتى أنزلت:"إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما" (1) .
__________
(1) الحديث : 2340- عبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث بن سعيد العنبري : ثقة ، من شيوخ مسلم والترمذي والنسائي وأبي حاتم وغيرهم . مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 3/1/76 .
حسين المعلم : هو حسين بن محمد بن بهرام التميمي المروذي ، المؤدب ، كما لقب بذلك في التهذيب ، وهو"المعلم" أيضا ، كما لقبه بذلك البخاري وابن أبي حاتم ، وهو ثقة من شيوخ أحمد ويحيى والأئمة . مترجم في التهذيب ، والكبير 1/2/386-387 ، وابن سعد 7/2/79 ، وابن أبي حاتم 1/2/64 . وتاريخ بغداد 8 : 88-90 ، وكان معروفا برواية"تفسير شيبان النحوي" . فروى ابن أبي حاتم عن أبيه قال ، "أتيته مرارا بعد فراغه من تفسير شيبان ، وسألته أن يعيد على بعض المجلس ، فقال : بكر ، بكر . ولم أسمع منه شيئا" .
ومما يوقع في الوهم ، الاشتباه بين"عبد الوارث بن عبد الصمد" . وشيخه"حسين المعلم" هذا - وبين"عبد الوارث بن سعيد" ، وشيخه"حسين المعلم" أيضا .
ف"عبد الوارث" -شيخ الطبري- هو الذي ترجمنا له هنا . وشيخه"حسين بن محمد المروذي" . و"عبد الوارث بن سعيد" - هو جد"عبد الوارث" هذا . و"حسين المعلم" هو"حسين بن ذكوان المعلم" ، وهو قديم ، يروي عن التابعين .
شيبان أبو معاوية : "هو شيبان بن عبد الرحمن التميمي النحوي؛ وهو إمام حجة حافظ ، حدث عند أبو حنيفة ، وهو من أقرانه . وروى عنه الأئمة : الطيالسي ، وابن مهدي ، وغيرهما . مترجم في التهذيب . والكبير 2/2/255 ، وابن سعد 6 : 262 ، و 7/2/67-68 وابن أبي حاتم 1/1/355-356 ، وتاريخ بغداد 9 : 271-274 ، وتذكرة الحفاظ 1 : 202-203 .
ووقع في المطبوعة غلط في اسمه واسم الراوي عنه : فذكر"أبو الحسين المعلم"! وهو تخليط ، وذكر"سنان أبو معاوية"! وهو فوق ذلك تصحيف .
جابر الجعفي ، بضم الجيم وسكون العين المهملة : وهو جابر بن يزيد بن الحارث ، وهو ضعيف جدا ، رمي بالكذب . مترجم في التهذيب ، والكبير 1/2/210 ، والضعفاء للبخاري ، ص : 7 . والنسائي ، ص : 7 ، وابن أبي حاتم 1/1/497-498 ، والمجروحين لابن حبان ، رقم : 175 ، ص 140-141 . والميزان 1 : 176-178 .
عمرو بن حبشي ، بضم الحاء المهملة وسكون الباء الموحدة وكسر الشين المعجمة : تابعي ثقة ، مترجم في التهذيب . وابن أبي حاتم 3/1/226 .
وهذا الحديث -الضعيف الإسناد- لم أجده إلا في هذا الموضع . وذكره السيوطي 1 : 159 ، ولم ينسبه إلا إلى الطبري .

(3/233)


2341- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله:"إن الصفا والمروة من شعائر الله"، وذلك أن ناسا كانوا يتحرجون أن يطوفوا بين الصفا والمروة، فأخبر الله أنهما من شعائره، والطواف بينهما أحب إليه، فمضت السنة بالطواف بينهما.
2342- حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما" قال، زعم أبو مالك، عن ابن عباس: أنه كان في الجاهلية شياطين تعزف الليل أجمع بين الصفا والمروة، وكانت بينهما آلهة، فلما جاء الإسلام وظهر، قال المسلمون: يا رسول الله، لا نطوف بين الصفا والمروة، فإنه شرك كنا نفعله في الجاهلية! فأنزل الله:"فلا جناح عليه أن يطوف بهما". (1)
__________
(1) الحديث : 2342- هذا الإسناد ، هو من أسانيد تفسير السدي الثلاثة ، وقد فصلنا القول فيها ، في : 168 .
والحديث رواه أبو بكر بن أبي داود في كتاب المصاحف ، ص : 100-101 ، عن الحسين بن علي بن مهران ، عن عامر بن الفرات ، عن أسباط ، بهذا الإسناد ، نحوه .
وفي إسناد ابن أبي داود فائدة جديدة : أن هناك راويا لتفسير السدي ، غير"عمرو بن طلحة القناد" راويه عن أسباط بن نصر . فها هو ذا عامر بن الفرات يروي شيئا منه عن أسباط أيضا . و"عامر بن الفرات" : لم أجد له ترجمة أصلا . ومن عجب أن يذكره ابن أبي حاتم ، في ترجمة"الحسين بن علي بن مهران" 1/2/56 - شيخا له ، ثم لا يترجم له في بابه!
ورواه أيضا الحاكم 2 : 271 ، من طريق عمرو بن طلحة القناد ، عن أسباط . بهذا الإسناد نحوه . وزاد في آخره : "يقول : عليه إثم ولكن له أجر" . وقال الحاكم : "هذا حديث صحيح على شرط مسلم ، ولم يخرجاه" . ووافقه الذهبي .
ولنا على الحاكم والذهبي في هذا استدراك ، هو : أن أبا مالك -التابعي راويه عن ابن عباس - وهو"غزوان الغفاري" : لم يرو له مسلم في صحيحه أصلا . فلا يكون الحديث على شرط مسلم ، في اصطلاح الحاكم!
وفي رواية الحاكم -هذه- فائدة أيضا : أنا ظننا عند الكلام على أسانيد تفسير السدي الثلاثة ، أن الحاكم اختار منها إسنادين فقط ، ولكن أظهرنا هذا الإسناد على أنه صحح الثلاثة الأسانيد .
والحديث ذكره السيوطي 1 : 159 ، وزاد نسبته لابن أبي حاتم أيضا .

(3/234)


2343- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله:"إن الصفا والمروة من شعائر الله" قال، قالت الأنصار: إن السعي بين هذين الحجرين من أمر الجاهلية! فأنزل الله تعالى ذكره:"إن الصفا والمروة من شعائر الله"
2344- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن أبن أبي نجيح، عن مجاهد نحوه.
2345- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"فلا جناح عليه أن يطوف بهما" قال، كان أهل الجاهلية قد وضعوا على كل واحد منهما صنما يعظمونهما، فلما أسلم المسلمون كرهوا الطواف بالصفا والمروة لمكان الصنمين، فقال الله تعالى:"إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما"، وقرأ:( ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب ) [سورة الحج: 32]، وسن رسول الله صلى الله عليه وسلم الطواف بهما.
2346- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن عاصم قال، قلت لأنس: الصفا والمروة، أكنتم تكرهون أن تطوفوا بهما مع الأصنام التي نهيتم عنها؟ قال: نعم، حتى نزلت:"إن الصفا والمروة من شعائر الله".
2347- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير قال، أخبرنا عاصم قال، سمعت أنس بن مالك يقول: إن الصفا والمروة من مشاعر قريش في الجاهلية،

(3/235)


فلما كان الإسلام تركناهما. (1)
* * *
وقال آخرون: بل أنزل الله تعالى ذكره هذه الآية، في سبب قوم كانوا في الجاهلية لا يسعون بينهما، فلما جاء الإسلام تخوفوا السعي بينهما كما كانوا يتخوفونه في الجاهلية.
* ذكر من قال ذلك:
2348- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد، عن سعيد، عن قتادة، قوله:"إن الصفا والمروة من شعائر الله" الآية، فكان حي من تهامة في الجاهلية لا يسعون بينهما، فأخبرهم الله أن الصفا والمروة من شعائر الله، وكان من سنة إبراهيم وإسماعيل الطواف بينهما.
2349- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة قال، كان ناس من أهل تهامة لا يطوفون بين الصفا والمروة، فأنزل الله:"إن الصفا والمروة من شعائر الله".
2350- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني الليث قال، حدثني عقيل، عن ابن شهاب قال، حدثني عروة بن الزبير قال، سألت عائشة فقلت لها: أرأيت قول الله:"إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما"؟ وقلت لعائشة: والله ما على أحد جناح أن لا يطوف بالصفا والمروة؟ فقالت عائشة: بئس ما قلت يا ابن أختي، إن هذه الآية لو كانت كما أولتها كانت: لا جناح عليه أن لا يطوف بهما، ولكنها إنما أنزلت في الأنصار: كانوا قبل أن يسلموا يهلون لمناة، الطاغية التي كانوا يعبدون بالمشلل، وكان من أهل لها يتحرج أن يطوف بين
__________
(1) الحديثنان : 2346-2347- جرير : هو ابن عبد الحميد الضبي ، وهو ثقة حجة حافظ . مترجم في التهذيب ، والكبير 1/2/214 ، وابن سعد 7/2/110 ، وابن أبي حاتم 1/1/505-507 . وتاريخ بغداد 7 : 253-261 ، وتذكرة الحفاظ 1 : 250 .
والحديثان مضى معناهما ، من رواية عاصم عن أنس : 2338 ، 2339 .

(3/236)


الصفا والمروة، فلما سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك - فقالوا: يا رسول الله إذا كنا نتحرج أن نطوف بين الصفا والمروة - أنزل الله تعالى ذكره:"إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما". قالت عائشة: ثم قد سن رسول الله صلى الله عليه وسلم الطواف بينهما، فليس لأحد أن يترك الطواف بينهما. (1)
2351- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: كان رجال من الأنصار ممن يهل لمناة في الجاهلية -و"مناة" صنم بين مكة والمدينة- قالوا: يا نبي الله، إنا كنا لا نطوف بين الصفا والمروة تعظيما لمناة، فهل علينا من حرج أن نطوف بهما؟ فأنزل الله تعالى ذكره :"إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما". قال عروة: فقلت لعائشة: ما أبالي أن لا أطوف بين الصفا والمروة! قال الله:"فلا جناح عليه". قالت: يا ابن أختي، ألا ترى أنه يقول:"إن الصفا والمروة من شعائر الله"! قال الزهري: فذكرت ذلك لأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام فقال: هذا العلم! قال أبو بكر: ولقد سمعت رجالا من أهل العلم يقولون: لما أنزل الله الطواف بالبيت ولم ينزل الطواف بين الصفا والمروة، قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: إنا كنا نطوف في الجاهلية بين الصفا والمروة، وإن الله قد ذكر الطواف بالبيت ولم يذكر الطواف بين الصفا والمروة، فهل علينا من حرج أن لا نطوف بهما؟ فأنزل الله تعالى ذكره:"إن الصفا والمروة من شعائر الله" الآية كلها، قال أبو بكر: فأسمع أن هذه الآية نزلت في الفريقين كليهما، فيمن طاف وفيمن لم يطف. (2)
__________
(1) الحديث : 2350- عقيل- بضم العين : هو ابن خالد الأيلي ، وهو ثقة ثبت حجة ، قال ابن معين : "أثبت من روى عن الزهري : مالك ، ثم معمر ، ثم عقيل" . مترجم في التهذيب ، والكبير 4/1/94 ، وابن أبي حاتم 3/2/43 .
عروة بن الزبير بن العوام : تابعي ثقة فقيه عالم ثبت مأمون ، قال أبو الزناد : "كان فقهاء أهل المدينة أربعة : سعيد بن المسيب ، وعروة بن الزبير ، وقبيصة بن ذؤيب ، وعبد الملك بن مروان" . وأمه أسماء ذات النطاقين بنت أبي بكر الصديق ، وعائشة أم المؤمنين خالته ، رضي الله عنهم . مترجم في التهذيب ، والكبير 4/1/31-32 ، وابن سعد 2/2/134-135 ، و 5 : 132-135 ، وابن أبي حاتم 3/1/395-396 ، وتذكرة الحفاظ 1 : 58-59 ، وتاريخ الإسلام 3 : 31-34 .
والحديث -من هذا الوجه- رواه مسلم 1 : 362 ، من طريق عقيل ، عن ابن شهاب ، وهو الزهري ولم يذكر لفظه كله ، إحالة على روايات قبله .
ورواه البخاري 3 : 397-401 ، مطولا ، من طريق شعيب ، عن الزهري ، باللفظ الذي هنا ، إلا خلافا في أحرف يسيرة : "فلما سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقالوا . . . أنزل الله . . . " ففي البخاري : "فلما أسلموا سألوا . . . قالوا . . . فأنزل الله . . . " . ولكن زاد البخاري في آخره قول الزهري أنه ذكر ذلك لأبي بكر بن عبد الرحمن - الذي سيأتي في الرواية التالية لهذه ، بنحو معناه .
وثبت من أوجه كثيرة ، عن الزهري ، عن عروة ، مطولا ومختصرا :
فرواه مالك في الموطأ ، ص : 373 ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه . ورواه البخاري 8 : 132 . وابن أبي داود في المصاحف ، ص 100 -ولم يذكر لفظه- كلاهما من طريق مالك .
ورواه أحمد في المسند 6 : 144 ، 227 (حلبي) ، من طريق إبراهيم بن سعد ، عن الزهري . وكذلك رواه ابن أبي داود ، ص : 100 -ولم يذكر لفظه- من طريق إبراهيم بن سعد .
ورواه مسلم مطولا 1 : 361-362 ، من طريق سفيان بن عيينة ، عن الزهري . وكذلك رواه البخاري 8 : 472 ، من طريق سفيان . ولكنه اختصره جدا .
ورواه مسلم وابن أبي داود - قبل ذلك وبعده : من أوجه كثيرة .
وذكره السيوطي 1 : 159 ، وزاد نسبته إلى أبي داود ، والنسائي ، وابن ماجه ، وابن الأنباري في المصاحف ، وابن أبي حاتم ، والبيهقي في السنن .
وانظر الحديث التالي لهذا .
قوله"يهلون لمناة" : أي يحجون . ومناة ، بفتح الميم والنون الخفيفة : صنم كان في الجاهلية . وقال ابن الكلبي : كانت صخرة نصبها عمرو بن لحي لهذيل ، وكانوا يعبدونها . والطاغية : صفة لها إسلامية . قاله الحافظ في الفتح .
"المشلل" : بضم الميم وفتح الشين المعجمة ولامين ، الأولى مفتوحة مثقلة ، هي الثنية المشرفة على قديد ، وقديد ، بضم القاف ودالين مهملتين ، مصغرا : قرية جامعة بين مكة والمدينة ، كثيرة المياه . عن الفتح .
(2) الحديث : 2351- هو تكرار للحديث السابق بمعناه ، من وجه آخر صحيح ، عن الزهري . وفيه زيادة قول الزهري أنه ذكر ذلك لأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ، إلخ . وهذه الزيادة ذكرها البخاري ، في روايته من طريق شعيب عن الزهري ، كما قلنا آنفا .
ورواية معمر عن الزهري - هذه : ذكر البخاري بعضها تعليقا 8 : 472 ، فقال : "قال معمر عن الزهري . . . " . وقال الحافظ : "وصله الطبري ، عن الحسن بن يحيى ، عن عبد الرزاق ، مطولا" . فهذه إشارة إلى الرواية التي هنا ، وأشار إليها في الفتح 3 : 399 ، وذكر أنه وصلها أحمد وغيره .
وقد رواها أيضا ابن أبي داود في المصاحف ، ص : 100 ، عن"خشيش بن أصرم ، والحسن بن أبي الربيع ، أن عبد الرزاق أخبرهم عن معمر . . . " . ولم يسق لفظ الحديث ، إحالة على ما قبله . و"خشيش" : بضم الخاء وفتح الشين وآخره شين ، معجمات كلها . و"الحسن بن أبي الربيع" : هو"الحسن بن يحيى" شيخ الطبري ، كنية أبيه"أبو الربيع" . وخلط المستشرق طابع كتاب المصاحف : فكتب"حشيش" بالحاء المهملة! وكتب"الحسن بن أبي الربيع بن عبد الرزاق"!!
و"أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام" المخزومي القرشي المدني : من كبار التابعين الأئمة ، ومن سادات قريش . وهو أحد الفقهاء السبعة . مترجم في التهذيب ، والكنى للبخاري ، رقم : 51 ، وابن سعد 2/2/133 ، و 5 : 153-154 ، وتذكرة الحفاظ 1 : 59-60 ، وتاريخ الإسلام 4 : 72-73 .
وقول أبي بكر بن عبد الرحمن"فأسمع أن هذه الآية نزلت . . . " - إلخ : هو في رواية البخاري أيضا 3 : 401 ، وقال الحافظ : "كذا في معظم الروايات ، بإثبات الهمزة وضم العين ، بصيغة المضارعة للمتكلم . وضبطه الدمياطي في نسخته [يعني من صحيح البخاري] بالوصل وسكون العين . بصيغة الأمر ، والأول أصوب ، فقد وقع في رواية سفيان المذكورة : فأراها نزلت . وهو بضم الهمزة ، أي أظنها" .
وانظر كثيرا من طرق هذا الحديث أيضا ، في السنن الكبرى للبيهقي 5 : 96-97 .

(3/237)


2352- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة قال: كان ناس من أهل تهامة لا يطوفون بين الصفا والمروة، فأنزل الله :"إن الصفا والمروة من شعائر الله". (1)
* * *
قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال: إن الله تعالى ذكره قد جعل الطواف بين الصفا والمروة من شعائر الله، كما جعل الطواف بالبيت من شعائره.
فأما قوله:"فلا جناح عليه أن يطوف بهما"، فجائز أن يكون قيل لكلا الفريقين اللذين تخوف بعضهم الطواف بهما من أجل الصنمين اللذين ذكرهما الشعبي، وبعضهم من أجل ما كان من كراهتهم الطواف بهما في الجاهلية، على ما روي عن عائشة.
__________
(1) الأثر : 2352- كان في المطبوعة : "حدثنا الحسن بن يحيى ، قال أخبرنا معمر" بإسقاط"أخبرنا عبد الرزاق قال" ، وهو إسناد دائر في التفسير ، وهو مكرر رقم : 2349 بنصه ، وأخشى أن يكون زيادة ناسخ سها .

(3/239)


وأي الأمرين كان من ذلك، فليس في قول الله تعالى ذكره:"فلا جناح عليه أن يطوف بهما"، الآية، دلالة على أنه عنى به وضع الحرج عمن طاف بهما، من أجل أن الطواف بهما كان غير جائز بحظر الله ذلك، ثم جعل الطواف بهما رخصة، لإجماع الجميع على أن الله تعالى ذكره لم يحظر ذلك في وقت، ثم رخص فيه بقوله:"فلا جناح عليه أن يطوف بهما".
* * *
وإنما الاختلاف في ذلك بين أهل العلم على أوجه. فرأى بعضهم أن تارك الطواف بينهما تارك من مناسك حجه ما لا يجزيه منه غير قضائه بعينه، كما لا يجزى تارك الطواف -الذي هو طواف الإفاضة- إلا قضاؤه بعينه. وقالوا: هما طوافان: أمر الله بأحدهما بالبيت، والآخر بين الصفا والمروة.
* * *
ورأى بعضهم أن تارك الطواف بهما يجزيه من تركه فدية، ورأوا أن حكم الطواف بهما حكم رمي بعض الجمرات، والوقوف بالمشعر، وطواف الصدر وما أشبه ذلك، مما يجزى تاركه من تركه فدية، ولا يلزمه العود لقضائه بعينه.
* * *
ورأى آخرون أن الطواف بهما تطوع، إن فعله صاحبه كان محسنا، وإن تركه تارك لم يلزمه بتركه شيء. (1)
* * *
ذكر من قال: إن السعي بين الصفا والمروة واجب ولا يجزي منه فدية، ومن تركه فعليه العود. (2)
__________
(1) في المطبوعة : "لم يلزمه بتركه شيء والله تعالى أعلم" ، وهذه لا شك زيادة من ناسخ .
(2) في المطبوعة : "فعليه العودة" ، والأجود ما أثبت ، وهو أشبه بعبارة الطبري وأقرانه من فقهاء عصره . وسيأتي كذلك بعد مرات في عبارته الآتية ، وكأن هذه من تصرف ناسخ أو طابع .

(3/240)


2353- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: لعمري ما حج من لم يسع بين الصفا والمروة، لأن الله قال:"إن الصفا والمروة من شعائر الله".
2353م- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال مالك بن أنس: من نسي السعي بين الصفا والمروة حتى يستبعد من مكة، فليرجع فليسع، وإن كان قد أصاب النساء فعليه العمرة والهدي. (1)
* * *
وكان الشافعي يقول: على من ترك السعي بين الصفا والمروة حتى رجع إلى بلده، العود إلى مكة حتى يطوف بينهما، لا يجزيه غير ذلك. (2)
2354- حدثنا بذلك عنه الربيع.
* * *
ذكر من قال: يجزي منه دم، وليس عليه عود لقضائه.
قال الثوري بما:-
2355- حدثني به علي بن سهل، عن زيد بن أبي الزرقاء، عنه، وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد: إن عاد تارك الطواف بينهما لقضائه فحسن، وإن لم يعد فعليه دم.
* * *
ذكر من قال: الطواف بينهما تطوع، ولا شيء على من تركه، ومن كان يقرأ:( فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما )
2356- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا ابن جريج قال، قال عطاء: لو أن حاجا أفاض بعدما رمى جمرة العقبة، فطاف بالبيت ولم يسع، فأصابها -يعني: امرأته- لم يكن عليه شيء، لا حج ولا عمرة، من أجل قول الله في مصحف ابن مسعود:"فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما". فعاودته بعد ذلك فقلت: إنه قد ترك سنة النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ألا تسمعه يقول:"فمن تطوع خيرا"، فأبى أن يجعل عليه شيئا؟
2357- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا عبد الملك،
__________
(1) انظر لفظ مالك في الموطأ : 374-375 .
(2) انظر لفظ الشافعي في الأم 2 : 178 .

(3/241)


عن عطاء، عن ابن عباس أنه كان يقرأ:"إن الصفا والمروة من شعائر الله" الآية"فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما".
2358- حدثني علي بن سهل قال، حدثنا مؤمل قال، حدثنا سفيان، عن عاصم قال: سمعت أنسا يقول: الطواف بينهما تطوع.
2359- حدثني المثنى قال، حدثنا حجاج قال، حدثنا حماد قال، أخبرنا عاصم الأحول قال، قال أنس بن مالك: هما تطوع.
2360- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد نحوه.
2361- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما" قال، فلم يحرج من لم يطف بهما.
2362- حدثنا المثنى قال، حدثنا حجاج قال، حدثنا أحمد، عن عيسى بن قيس، عن عطاء، عن عبد الله بن الزبير قال: هما تطوع. (1)
__________
(1) الخبر : 2362- عيسى بن قيس ، الراوي عن عطاء : لم أستطع اليقين به . ففي ابن أبي حاتم 3/1/284 ترجمتان : "عيسى بن قيس" ، روى عن سعيد بن المسيب ، وروى عنه الليث . و"عيسى بن قيس السلمي" ، روى عنه هشيم . ولم يذكر عنهما شيئا آخر . إلا أن الأول مجهول . فمن المحتمل أن يكون الراوي هنا أحدهما . فإن عطاء بن أبي رباح مات سنة 114 ، فالراوي عن سعيد بن المسيب -المتوفي سنة 73- محتمل جدا أن يروي عن عطاء . والليث وهشيم متقاربا الطبقة ، مات الليث سنة 175 ، وهشيم سنة 183 . وأما"أحمد" الراوي هنا عن"عيسى بن قيس" - فلم أستطع معرفته .
ثم ترجح عندي أن"حجاجا" - في هذا الإسناد : هو"حجاج بن الشاعر" . وهو : حجاج بن يوسف بن حجاج الثقفي البغدادي ، عرف بابن الشاعر ، لأن أباه يوسف كان شاعرا صحب أبا نواس ، وحجاج هذا : ثقة ، من شيوخ مسلم وأبي داود وغيرهما ، قال ابن أبي حاتم : "كان من الحفاظ ، ممن يحسن الحديث ويحفظه . مترجم في التهذيب ، وابن أبي جاتم 1/2/168 ، وتاريخ بغداد 8 : 240-241 ، وتذكرة الحفاظ 2 : 117-118 .
وأن شيخه"أحمد" : هو أحمد بن عبد الله بن يونس ، وهو ثقة متقن حافظ ، من شيوخ البخاري ومسلم ، سماه الإمام أحمد"شيخ الإسلام" . وقد مضت الإشارة إليه : 2144 .
فإن يكن الإسناد هكذا ، على ما رجحنا ، يكن"عيسى بن قيس" محرفا ، صوابه"عمر بن قيس" ، وهو المكي المعروف بـ "سندل" - بفتح السين والدال المهملتين بينهما نون ساكنة . وهو ضعيف جدا ، منكر الحديث كما قال البخاري . وقال ابن عدي : "هو ضعيف بإجماع ، لم يشك أحد فيه ، وقد كذبه مالك" . وهو مترجم في التهذيب . والصغير للبخاري ، ص : 190 ، والضعفاء له ، ص : 25 ، والنسائي ص : 24 ، وابن سعد 5 : 358 ، وابن أبي حاتم 3/1/129-130 .
وأنا أرجح أن يكون هذا الإسناد على هذا النحو ، ولكني لا أستطيع الجزم بذلك ، ولا تغيير اسم"عيسى بن قيس" - حتى أستبين بدليل آخر .

(3/242)


2364- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن عاصم قال: قلت لأنس بن مالك: السعي بين الصفا والمروة تطوع؟ قال: تطوع.
* * *
والصواب من القول في ذلك عندنا أن الطواف بهما فرض واجب، وأن على من تركه العود لقضائه، ناسيا كان، أو عامدا. لأنه لا يجزيه غير ذلك، لتظاهر الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه حج بالناس، فكان مما علمهم من مناسك حجهم الطواف بهما.
* * *
ذكر الرواية عنه بذلك:
2365- حدثني يوسف بن سلمان قال، حدثنا حاتم بن إسماعيل قال، حدثنا جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر قال: لما دنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من الصفا في حجه قال:"إن الصفا والمروة من شعائر الله"، ابدؤوا بما بدأ الله بذكره. فبدأ بالصفا فرقي عليه. (1) .
2366- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا محمود بن ميمون أبو الحسن، عن أبي بكر بن عياش، عن ابن عطاء، عن أبيه، عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إن الصفا والمروة من شعائر الله"، فأتى الصفا فبدأ بها، فقام عليها، ثم أتى المروة فقام عليها، وطاف وسعى. (2)
* * *
__________
(1) الحديث : 2365- هو قطعة من حديث جابر - الطويل ، في صفة حجة الوداع . وقد مضت قطعة منه ، بهذا الإسناد : 2003 . وأخرى من رواية يحيى القطان ، عن جعفر الصادق : 1989 .
(2) الحديث : 2366- محمود بن ميمون أبو الحسن : لا أدري من هو ، ولا ما شأنه . لم أجد له ترجمة ولا ذكرا .
ابن عطاء ، عن أبيه : هو يعقوب بن عطاء بن أبي رباح ، وهو ثقة ، بينا ذلك في المسند : 1809 . مترجم في التهذيب والكبير 4/2/298 ، وابن أبي حاتم 4/2/211 .
وهذا الحديث لم أجده في شيء من المراجع . وإن كان لابن عباس أحاديث أخر في شأن الصفا والمروة والسعي بينهما . من ذلك الحديث الماضي : 2342 . وحديث في المستدرك 2 : 270-271 ، وصححه الحاكم والذهبي .

(3/243)


فإذ كان صحيحا بإجماع الجميع من الأمة - أن الطواف بهما على تعليم رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته في مناسكهم، وعمله في حجه وعمرته = وكان بيانه صلى الله عليه وسلم لأمته جمل ما نص الله في كتابه، وفرضه في تنزيله، وأمر به مما لم يدرك علمه إلا ببيانه، لازما العمل به أمته، كما قد بينا في كتابنا"كتاب البيان عن أصول الأحكام" - إذا اختلفت الأمة في وجوبه، (1) ثم كان مختلفا في الطواف بينهما: هل هو واحب أو غير واجب = كان بينا وجوب فرضه على من حج أو اعتمر، (2) لما وصفنا.
وكذلك وجوب العود لقضاء الطواف بين الصفا والمروة - لما كان مختلفا فيما على من تركه، مع إجماع جميعهم على أن ذلك مما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلمه أمته في حجهم وعمرتهم إذ علمهم مناسك حجهم - كما طاف بالبيت وعلمه أمته في حجهم وعمرتهم، إذ علمهم مناسك حجهم وعمرتهم - وأجمع الجميع على أن الطواف بالبيت لا تجزي منه فدية ولا بدل، ولا يجزي تاركه إلا العود لقضائه = كان نظيرا له الطواف بالصفا والمروة، ولا تجزي منه فدية ولا جزاء، ولا يجزي تاركه إلا العود لقضائه، إذ كانا كلاهما طوافين: أحدهما بالبيت، والآخر بالصفا والمروة.
__________
(1) كان في المطبوعة : "لما قد بينا" ، وهو خطأ يختل به الكلام . وقوله : "وكان بيانه . . . " إلى قوله : "إذا اختلفت الأمة في وجوبه" جملة فاصلة معطوفة على التي قبلها وسياقها وسياق معناها : وكان بيانه لأمته جمل ما نص الله في كتابه . . -مما لا يدرك علمه إلا ببيانه- لازما العمل به أمته . . . إذا اختلفت الأمة في وجوبه .
(2) وهذه الجملة من تمام قوله ومن سياقها : "وإذا كان صحيحا بإجماع الأمة . . . كان بينا وجوب فرضه على من حج أو اعتمر" .

(3/244)


ومن فرق بين حكمهما عكس عليه القول فيه، ثم سئل البرهان على التفرقة بينهما.
فإن اعتل بقراءة من قرأ:"فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما".
قيل: ذلك خلاف ما في مصاحف المسلمين، غير جائز لأحد أن يزيد في مصاحفهم ما ليس فيها. وسواء قرأ ذلك كذلك قارئ، أو قرأ قارئ:( ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق ) [سورة الحج: 29]،"فلا جناح عليهم أن لا يطوفوا به". (1) فإن جازت إحدى الزيادتين اللتين ليستا في المصحف، (2) كانت الأخرى نظيرتها، وإلا كان مجيز إحداهما - إذا منع الأخرى - متحكما، والتحكم لا يعجز عنه أحد.
وقد روي إنكار هذه القراءة، وأن يكون التنزيل بها، عن عائشة.
2367- حدثني يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرني مالك بن أنس، عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: قلت لعائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، وأنا يومئذ حديث السن: أرأيت قول الله عز وجل:"إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما"، فما نرى على أحد شيئا أن لا يطوف بهما! فقالت عائشة: كلا! لو كانت كما تقول، كانت:"فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما"، إنما أنزلت هذه الآية في الأنصار، كانوا يهلون لمناة -وكانت مناة حذو قديد-، وكانوا يتحرجون أن يطوفوا بين الصفا والمروة. فلما جاء الإسلام، سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فأنزل الله:"إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج
__________
(1) كان في المطبوعة : "فلا جناح عليه" ، وهو خطأ بين . ويعني : أن يجعل القارئ قوله : "فلا جناح عليهم أن لا يطوفوا بهما" من تمام آية سورة الحج السالفة ، فيزيد في القرآن ما ليس فيه .
(2) في المطبوعة : "فإن جاءت إحدى الزيادتين" تصحيف ، والصواب ما أثبت .

(3/245)


البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما".
* * *
قال أبو جعفر: وقد يحتمل قراءة من قرأ:"فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما"، أن تكون"لا" التي مع"أن"، صلة في الكلام، (1) إذ كان قد تقدمها جحد في الكلام قبلها، وهو قوله:( فلا جناح عليه ) ، فيكون نظير قول الله تعالى ذكره:( قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك ) [سورة الأعراف: 12]، بمعنى ما منعك أن تسجد، وكما قال الشاعر: (2)
ما كان يرضى رسول الله فعلهما... والطيبان أبو بكر ولا عمر (3)
ولو كان رسم المصحف كذلك، لم يكن فيه لمحتج حجة، مع احتمال الكلام ما وصفنا. لما بينا أن ذلك مما علم رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته في مناسكهم، على ما ذكرنا، ولدلالة القياس على صحته، فكيف وهو خلاف رسوم مصاحف المسلمين، ومما لو قرأه اليوم قارئ كان مستحقا العقوبة لزيادته في كتاب الله عز وجل ما ليس منه؟
* * *
__________
(1) قوله : "صلة" ، أي زيادة ملغاة ، وانظر ما سلف 1 : 190 ، 405 وفهرس المصطلحات ، وانظر أيضا معاني القرآن للفراء 1 : 95 ، فقد ذكر هذا الوجه .
(2) هو جرير .
(3) سلف تخريجه في 1 : 191-192 .

(3/246)


القول في تأويل قوله تعالى : { ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم (158) }
قال أبو جعفر: اختلف القرأء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء أهل المدينة والبصرة:"ومن تطوع خيرا" على لفظ المضي ب"التاء" وفتح"العين". وقرأته عامة قراء الكوفيين:"ومن يطوع خيرا" ب"الياء" وجزم"العين" وتشديد"الطاء"، بمعنى: ومن يتطوع. وذكر أنها في قراءة عبد الله:"ومن يتطوع"، فقرأ ذلك قراء أهل الكوفة، على ما وصفنا، اعتبارا بالذي ذكرنا من قراءة عبد الله -سوى عاصم، فإنه وافق المدنيين- فشددوا"الطاء" طلبا لإدغام"التاء" في"الطاء". وكلتا القراءتين معروفة صحيحة، متفق معنياهما غير مختلفين - لأن الماضي من الفعل مع حروف الجزاء بمعنى المستقبل. فبأي القراءتين قرأ ذلك قارئ فمصيب.
* * *
(1) [والصواب عندنا في ذلك، أن] معنى ذلك: ومن تطوع بالحج والعمرة بعد قضاء حجته الواجبة عليه، فإن الله شاكر له على تطوعه له بما تطوع به من ذلك ابتغاء وجهه، فمجازيه به، عليم بما قصد وأراد بتطوعه بما تطوع به.
وإنما قلنا إن الصواب في معنى قوله:"فمن تطوع خيرا" هو ما وصفنا، دون قول من زعم أنه معني به: فمن تطوع بالسعي والطواف بين الصفا والمروة، لأن الساعي بينهما لا يكون متطوعا بالسعي بينهما، إلا في حج تطوع أو عمرة تطوع، لما وصفنا قبل. وإذ كان ذلك كذلك كان معلوما أنه إنما عنى بالتطوع بذلك، التطوع بما يعمل ذلك فيه من حج أو عمرة.
* * *
__________
(1) زدت ما بين القوسين ، استظهارا من قوله بعد : "وإنما قلنا إن الصواب في معنى قوله . . . " والظاهر أنها مما سقط من ناسخ .

(3/247)


وأما الذين زعموا أن الطواف بهما تطوع لا واجب، فإن الصواب أن يكون تأويل ذلك على قولهم: فمن تطوع بالطواف بهما، فإن الله شاكر =لأن للحاج والمعتمر على قولهم الطواف بهما إن شاء، وترك الطواف. فيكون معنى الكلام على تأويلهم: فمن تطوع بالطواف بالصفا والمروة، فإن الله شاكر تطوعه ذلك= عليم بما أراد ونوى الطائف بهما كذلك، كما:-
2368- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم" قال، من تطوع خيرا فهو خير له، تطوع رسول الله صلى الله عليه وسلم فكانت من السنن.
* * *
وقال آخرون: معنى ذلك: ومن تطوع خيرا فاعتمر.
* ذكر من قال ذلك:
2369- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم"، من تطوع خيرا فاعتمر فإن الله شاكر عليم. قال: فالحج فريضة، والعمرة تطوع، ليست العمرة واجبة على أحد من الناس.
* * *

(3/248)


إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون (159)

القول في تأويل قوله تعالى : { إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب }
قال أبو جعفر: يعني بقوله: (1) "إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات"، علماء اليهود وأحبارها، وعلماء النصارى، لكتمانهم الناس أمر محمد صلى الله عليه وسلم، وتركهم اتباعه وهم يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل.
* * *
و"البينات" التي أنزلها الله: (2) ما بين من أمر نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ومبعثه وصفته، في الكتابين اللذين أخبر الله تعالى ذكره أن أهلهما يجدون صفته فيهما.
* * *
ويعني تعالى ذكره ب"الهدى" ما أوضح لهم من أمره في الكتب التي أنزلها على أنبيائهم، فقال تعالى ذكره: إن الذين يكتمون الناس الذي أنزلنا في كتبهم من البيان من أمر محمد صلى الله عليه وسلم ونبوته، وصحة الملة التي أرسلته بها وحقيتها، فلا يخبرونهم به، ولا يعلنون من تبييني ذلك للناس وإيضاحيه لهم، (3) في الكتاب الذي أنزلته إلى أنبيائهم،"أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون إلا الذين تابوا" الآية. كما:-
2370- حدثنا أبو كريب قال، وحدثنا يونس بن بكير -وحدثنا ابن
__________
(1) في المطبوعة : يقول : "إن الذين يكتمون . . . " ، وهو خطأ ناسخ ، صوابه ما أثبت .
(2) في المطبوعة : "من البينات" ، كأنه متصل بالكلام قبله ، وهو لا يستقيم ، وكأن الصواب ما أثبت .
(3) كان في المطبوعة"ولا يعلمون من تبييني ذلك للناس وإيضاحي لهم" ، وهي عبارة لا تستقيم وسياق معنى الآية يقتضي ما أثبت ، من جعل"يعلمون""يعلنونه" ، وزيادة"بعد" ، وجعل"إيضاحي""إيضاحيه" .

(3/249)


حميد قال، حدثنا سلمة- قالا جميعا، حدثنا محمد بن إسحاق قال، حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت قال، حدثني سعيد بن جبير، أو عكرمة، عن ابن عباس قال: سأل معاذ بن جبل أخو بنى سلمة، وسعد بن معاذ أخو بني عبد الأشهل، وخارجة بن زيد أخو بني الحارث بن الخزرج، نفرا من أحبار يهود - قال أبو كريب: عما في التوراة، وقال ابن حميد: عن بعض ما في التوراة - فكتموهم إياه، وأبوا أن يخبروهم عنه، فأنزل الله تعالى ذكره فيهم:"إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون". (1)
2371- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله:"إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى" قال، هم أهل الكتاب.
2372- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.
2373- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه عن الربيع في قوله:"إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى" قال، كتموا محمدا صلى الله عليه وسلم، وهم يجدونه مكتوبا عندهم، فكتموه حسدا وبغيا.
__________
(1) الأثر رقم : 2370- في سيرة ابن هشام 2 : 200 كما في رواية ابن حميد .

(3/250)


2374- حدثنا بشر بن معاذ: قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة:"إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب"، أولئك أهل الكتاب، كتموا الإسلام وهو دين الله، وكتموا محمدا صلى الله عليه وسلم، وهم يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل.
2374م- حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب"، زعموا أن رجلا من اليهود كان له صديق من الأنصار يقال له ثعلبة بن غنمة، (1) قال له: هل تجدون محمدا عندكم؟ قال: لا! = قال: محمد:"البينات". (2)
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { من بعد ما بيناه للناس في الكتاب }
[قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله:"من بعد ما بيناه للناس"]، (3) بعض الناس، لأن العلم بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم وصفته ومبعثه لم يكن إلا عند أهل الكتاب دون غيرهم، وإياهم عنى تعالى ذكره بقوله:"للناس في الكتاب"، ويعني بذلك: التوراة والإنجيل.
* * *
وهذه الآية وإن كانت نزلت في خاص من الناس، فإنها معني بها كل كاتم علما فرض الله تعالى بيانه للناس.
وذلك نظير الخبر الذي روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال
__________
(1) في سيرة ابن هشام ، وغيرها بالغين المعجمة غير مضبوط باللفظ ، ولكن ابن حجر ضبطه في الإصابة ، وقال : "بفتح المهملة والنون" ، ولم يذكر شكا ولا اختلافا في ضبطه بالغين المعجمة .
(2) قوله : "قال : محمد البينات" من تفسير السدي ، ليس من الخطاب بين ثعلبة بن غنمة واليهودي . ويعني أن البينات التي يكتمونها هي محمد صلى الله عليه وسلم ، أي صفته ونعته في كتابهم .
(3) الزيادة بين القوسين لا بد منها ، وقد استظهرتها من نهج أبي جعفر في جميع تفسيره . وهذا سقط من الناسخ بلا ريب .

(3/251)


2375- من سئل عن علم يعلمه فكتمه، ألجم يوم القيامة بلجام من نار." (1)
* * *
وكان أبو هريرة يقول ما:-
2376- حدثنا به نصر بن علي الجهضمي قال، حدثنا حاتم بن وردان قال، حدثنا أيوب السختياني، عن أبي هريرة قال، لولا آية من كتاب الله ما حدثتكم! وتلا"إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون"، (2)
2377- حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم قال، حدثنا أبو زرعة وهب الله بن راشد، عن يونس قال، قال ابن شهاب، قال ابن المسيب: قال أبو هريرة: لولا آيتان أنزلهما الله في كتابه ما حدثت شيئا:( إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات ) إلى آخر الآية، والآية الأخرى:( وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ) إلى آخر الآية [سورة آل عمران: 178]. (3)
* * *
__________
(1) الحديث : 2375- هذا حديث صحيح . ذكره الطبري هنا معلقا دون إسناد . وقد رواه أحمد في المسند : 7561 ، من حديث أبي هريرة . وخرجناه في شرح المسند ، وفي صحيح ابن حبان بتحقيقنا ، رقم : 95 .
(2) الحديث : 2376- نصر بن علي بن نصر بن علي الجهضمي : ثقة ، من شيوخ أصحاب الكتب الستة . مترجم في التهذيب ، والكبير 4/2/106 ، وابن أبي حاتم 4/1/471 .
حاتم بن وردان السعدي : ثقة ، روى له الشيخان . مترجم في التهذيب ، والكبير 2/1/72 ، وابن أبي حاتم 1/2/260 .
أيوب السختياني : مضى في : 2039 . ولكن روايته هنا عن أبي هريرة منقطعة ، فإنه ولد سنة 66 ، وأبو هريرة مات سنة 59 أو نحوها . ومعنى الحديث صحيح ثابت عن أبي هريرة ، بروايات أخر متصلة ، كما سنذكر في الحديث بعده .
(3) الحديث : 2377- محمد بن عبد الله بن عبد الحكم : الإمام الحافظ المصري ، فقيه عصره ، قال ابن خزيمة : "ما رأيت في فقهاء الإسلام أعرف بأقاويل الصحابة والتابعين - منه" . مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 3/2/300-301 ، وتذكرة الحفاظ 2 : 115-116 .
أبو زرعة وهب الله بن راشد المصري ، مؤذن الفسطاط : ثقة ، قال أبو حاتم : "محله الصدق" . ترجمه ابن أبي حاتم 4/2/27 ، وقال : "روى عنه عبد الرحمن ، ومحمد ، وسعد ، بنو عبد الله بن عبد الحكم" . وترجم أيضا في لسان الميزان 6 : 235 ، ونقل عن ابن يونس ، أنه مات في ربيع الأول سنة 211"وكانت القضاة تقبله" ، وروى عنه عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم . في فتوح مصر مرارا ، منها في ص : 182 س 3-4 : "حدثنا وهب الله بن راشد ، أخبرنا يونس بن يزيد ، عن ابن شهاب . . . " . وهذا الإسناد ثابت في تاريخ ولاة مصر للكندي ، ص 33 ، عن علي بن قديد ، عن عبد الرحمن : "حدثنا أبو زرعة وهب الله بن راشد" . وذكره الدولابي في الكنى والأسماء 1 : 182 ، وروى : "حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم ، والربيع بن سليمان الجيزى ، قالا : حدثنا أبو زرعة وهب الله بن راشد ، إلخ" . ورواية الربيع الجيزى عنه ، ثابتة في كتاب الولاة ، ص 313 ، أيضا .
وهذا الاسم"وهب الله" : من نادر الأسماء ، لم أره -فيما رأيت- إلا لهذا الشيخ ، ولم يذكره أصحاب المشتبه ، بل لم يذكره الزبيدي في شرح القاموس ، على سعة اطلاعه . واشتبه أمره على ناسخي الطبري أو طابعيه ، فثبت في المطبوعة هكذا : "ثنا أبو زرعة وعبد الله بن راشد"؛ فحرفوا"وهب الله" إلى"وعبد الله" - فجعلوه راويين!
يونس : هو ابن يزيد الأيلي ، وهو ثقة ، عرف بالراوية عن الزهري وملازمته . قال أحمد بن صالح : "نحن لا نقدم في الزهري أحدا على يونس" ، وقال : "كان الزهري إذا قدم أيلة نزل على يونس ، وإذا سار إلى المدينة زامله يونس" . مترجم في التهذيب ، والكبير 4/2/406 ، وابن أبي حاتم 4/2/247-249 ، وابن سعد 7/2/206 .
وهذا الحديث جزء من حديث مطول ، رواه مسلم 2 : 261-262 ، من طريق ابن وهب ، عن يونس ، عن ابن شهاب -فذكر حديثا عن عائشة- ثم : "قال ابن شهاب : وقال ابن المسيب : إن أبا هريرة قال . . . " .
ورواه عبد الرزاق في تفسيره ، ص 14-15 ، عن معمر ، عن الزهري ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة ، بنحوه مطولا . ورواه أحمد في المسند : 7691 ، عن عبد الرزاق .
ورواه البخاري 5 : 21 (فتح) ، بنحوه ، من رواية إبراهيم بن سعد ، عن الزهري ، عن الأعرج . ورواه البخاري أيضا 1 : 190-191 (فتح) من رواية مالك ، عن الزهري ، عن الأعرج وكذلك رواه ابن سعد 2/2/118 ، وأحمد في المسند : 7274- كلاهما من طريق مالك .
وروى الحاكم في المستدرك 2 : 271 ، نحوه مختصرا ، من طريق أبي أسامة ، عن طلحة بن عمرو ، عن عطاء بن أبي رباح ، عن أبي هريرة ، وقال : "هذا حديث صحيح الإسناد ، ولم يخرجاه" . ووافقه الذهبي .

(3/252)


القول في تأويل قوله تعالى : { أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون (159) }
قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله:"أولئك يلعنهم الله"، هؤلاء الذين يكتمون ما أنزله الله من أمر محمد صلى الله عليه وسلم وصفته وأمر دينه، أنه

(3/253)


الحق -من بعد ما بينه الله لهم في كتبهم- يلعنهم بكتمانهم ذلك، وتركهم تبيينه للناس.
* * *
و"اللعنة""الفعلة"، من"لعنه الله" بمعنى أقصاه وأبعده وأسحقه. وأصل"اللعن": الطرد، (1) كما قال الشماخ بن ضرار، وذكر ماء ورد عليه:
ذعرت به القطا ونفيت عنه... مقام الذئب كالرجل اللعين (2)
يعني: مقام الذئب الطريد. و"اللعين" من نعت"الذئب"، وإنما أراد: مقام الذئب الطريد واللعين كالرجل. (3)
* * *
فمعنى الآية إذا: أولئك يبعدهم الله منه ومن رحمته، ويسأل ربهم اللاعنون أن يلعنهم، لأن لعنة بني آدم وسائر خلق الله ما لعنوا أن يقولوا:"اللهم العنه" إذ كان معنى"اللعن" هو ما وصفنا من الإقصاء والإبعاد.
وإنما قلنا إن لعنة اللاعنين هي ما وصفنا: من مسألتهم ربهم أن يلعنهم، وقولهم:"لعنه الله" أو"عليه لعنة الله"، لأن:-
2378- محمد بن خالد بن خداش ويعقوب بن إبراهيم حدثاني قالا حدثنا إسماعيل بن علية، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله:"أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون"، البهائم، قال: إذا أسنتت السنة، (4) قالت البهائم: هذا من أجل عصاة بني آدم، لعن الله عصاة بني آدم!
* * *
ثم اختلف أهل التأويل فيمن عنى الله تعالى ذكره ب"اللاعنين". فقال بعضهم: عنى بذلك دواب الأرض وهوامها.
__________
(1) انظر ما سلف 2 : 328 .
(2) سلف تخريجه وشرحه في 2 : 328 . وفي التعليق هناك خطأ صوابه"مجاز القرآن : 46" .
(3) كان في المطبوعة : "الطريد واللعين" ، والصواب طرح الواو .
(4) أسنتت الأرض والسنة : أجدبت ، وعام مسنت مجدب . والسنة : القحط والجدب . وكان في المطبوعة : "أسنت" ، والصواب ما أثبت . وفي الدر المنثور 1 : 162 : "إذا اشتدت السنة" .

(3/254)


* ذكر من قال ذلك:
2379- حدثنا محمد بن حميد قال، حدثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد قال: تلعنهم دواب الأرض، وما شاء الله من الخنافس والعقارب تقول: نمنع القطر بذنوبهم.
2380- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد:"أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون" قال، دواب الأرض، العقارب والخنافس، يقولون: منعنا القطر بخطايا بني آدم.
2381- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن عمرو، عن منصور، عن مجاهد:"ويلعنهم اللاعنون" قال، تلعنهم الهوام ودواب الأرض، تقول: أمسك القطر عنا بخطايا بني آدم.
2382- حدثنا مشرف بن أبان الحطاب البغدادي قال، حدثنا وكيع، عن سفيان، عن خصيف، عن عكرمة في قوله:"أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون" قال، يلعنهم كل شيء حتى الخنافس والعقارب، يقولون: منعنا القطر بذنوب بني آدم. (1)
2383- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"ويلعنهم اللاعنون" قال، اللاعنون: البهائم.
2383م- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله:"ويلعنهم اللاعنون"، البهائم، تلعن عصاة بني آدم حين أمسك الله عنهم بذنوب بني آدم المطر، فتخرج البهائم فتلعنهم.
2384- حدثني يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرني مسلم بن خالد، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله:"أولئك يلعنهم الله
__________
(1) الخبر : 2382- مشرف بن أبان الحطاب البغدادي : ثبت هنا على الصواب ، كما ظهر في : 1951 . وقد مضى ذلك مغلوطا"بشر بن أبان" : 1383 .

(3/255)


ويلعنهم اللاعنون"، البهائم: الإبل والبقر والغنم، فتلعن عصاة بني آدم إذا أجدبت الأرض.
* * *
فإن قال لنا قائل: وما وجه الذين وجهوا تأويل قوله:"ويلعنهم اللاعنون"، إلى أن اللاعنين هم الخنافس والعقارب ونحو ذلك من هوام الأرض، وقد علمت أنها إذا جمعت ما كان من نوع البهائم وغير بني آدم، (1) فإنما تجمعه بغير"الياء والنون" وغير"الواو والنون"، وإنما تجمعه ب"التاء"، وما خالف ما ذكرنا، فتقول:"اللاعنات" ونحو ذلك؟
قيل: الأمر وإن كان كذلك، فإن من شأن العرب إذا وصفت شيئا من البهائم أو غيرها - مما حكم جمعه أن يكون ب"التاء" وبغير صورة جمع ذكران بني آدم - بما هو من صفة الآدميين، أن يجمعوه جمع ذكورهم، كما قال تعالى ذكره:( وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا ) [سورة فصلت: 21]، فأخرج خطابهم على مثال خطاب بني آدم، إذ كلمتهم وكلموها، وكما قال:( يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم ) [سورة النمل: 18]، وكما قال:( والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين ) [سورة يوسف: 4].
* * *
وقال آخرون: عنى الله تعالى ذكره بقوله:"ويلعنهم اللاعنون"، الملائكة والمؤمنين.
* ذكر من قال ذلك:
2385- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد، عن قتادة:"ويلعنهم اللاعنون"، قال، يقول: اللاعنون من ملائكة الله ومن المؤمنين. (2)
__________
(1) الضمير في قوله : "أنها إذا جمعت" ، للعرب ، وإن لم يجر لها ذكر في الكلام .
(2) في المطبوعة : "يزيد بن زريع عن قتادة" بإسقاط"قال حدثنا سعيد" ، والصواب ما أثبته ، وهو إسناد دائر في التفسير أقربه رقم : 2374 .

(3/256)


2386- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله:"ويلعنهم اللاعنون"، الملائكة.
2387- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس قال:"اللاعنون"، من ملائكة الله والمؤمنين.
* * *
وقال آخرون: يعني ب"اللاعنين"، كل ما عدا بني آدم والجن.
* ذكر من قال ذلك:
2388- حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"ويلعنهم اللاعنون" قال، قال البراء بن عازب: إن الكافر إذا وضع في قبره أتته دابة كأن عينيها قدران من نحاس، معها عمود من حديد، فتضربه ضربة بين كتفيه، فيصيح، فلا يسمع أحد صوته إلا لعنه، ولا يبقى شيء إلا سمع صوته، إلا الثقلين الجن والإنس.
2389- حدثنا المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك في قوله:"أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون" قال، الكافر إذا وضع في حفرته، ضرب ضربة بمطرق (1) فيصيح صيحة، يسمع صوته كل شيء إلا الثقلين الجن والإنس، فلا يسمع صيحته شيء إلا لعنه.
* * *
قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بالصحة عندنا قول من قال:"اللاعنون"، الملائكة والمؤمنون. لأن الله تعالى ذكره قد وصف الكفار بأن اللعنة التي تحل بهم إنما هي من الله والملائكة والناس أجمعين، فقال تعالى ذكره:( إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ) ، (2) فكذلك
__________
(1) المطرق والمطرقة : وهي أداة الحداد التي يضرب بها الحديد .
(2) هي الآية رقم : 161 ، تأتي بعد قليل .

(3/257)


اللعنة التي أخبر الله تعالى ذكره أنها حالة بالفريق الآخر: الذين يكتمون ما أنزل الله من البينات والهدى من بعد ما بينه للناس، (1) هي لعنة الله، ولعنة الذين أخبر أن لعنتهم حالة بالذين كفروا وماتوا وهم كفار، (2) وهم"اللاعنون"، لأن الفريقين جميعا أهل كفر.
* * *
وأما قول من قال إن"اللاعنين" هم الخنافس والعقارب وما أشبه ذلك من دبيب الأرض وهوامها، (3) فإنه قول لا تدرك حقيقته إلا بخبر عن الله أن ذلك من فعلها تقوم به الحجة، ولا خبر بذلك عن نبي الله صلى الله عليه وسلم، فيجوز أن يقال إن ذلك كذلك.
وإذ كان ذلك كذلك، فالصواب من القول فيما قالوه أن يقال: إن الدليل من ظاهر كتاب الله موجود بخلاف [قول] أهل التأويل، (4) وهو ما وصفنا. فإن كان جائزا أن تكون البهائم وسائر خلق الله، تلعن الذين يكتمون ما أنزل الله في كتابه من صفة محمد صلى الله عليه وسلم ونعته ونبوته، بعد علمهم به، وتلعن معهم جميع الظلمة - فغير جائز قطع الشهادة في أن الله عنى ب"اللاعنين" البهائم والهوام ودبيب الأرض، إلا بخبر للعذر قاطع. ولا خبر بذلك، وظاهر كتابا لله الذي ذكرناه دال على خلافه. (5)
* * *
__________
(1) في المطبوعة : "من بعد ما بيناه للناس" ، وهو سهو ناسخ .
(2) في المطبوعة : "هي لعنة الله التي أخبر أن لعنتهم حالة . . . " ، والصواب ما أثبت .
(3) كل ماش على وجه الأرض يقال له : دابة ودبيب .
(4) ما بين القوسين زيادة ، أخشى أن تكون سقطت من ناسخ .
(5) في المطبوعة : "وكتاب الله الذي ذكرناه" ، وهو كلام لا يقال . والصواب ما أثبت . والذي ذكره آنفا : "إن الدليل من ظاهر كتاب الله . . . " .
هذا ، ورد قول هؤلاء القائلين بما قالوه ، مبين لك عن نهج الطبري وتفسيره ، وكاشف لك عن طريقته في رد الأخبار التي رواها عن التابعين ، في كل ما يحتاج إلى خبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قاطع بالبيان عما ذكروه . والطبري قد يذكر مثل هذه الأخبار ، ثم لا يذكر حجته في ردها ، لأنه كره إعادة القول وتريده فيما جعله أصلا في التفسير ، كما بين ذلك في"رسالة التفسير" ، ثم في تفسيره بعد ، ورد أشباهه في مواضع متفرقة منه . أما إذا كان في شيء من ذلك خبر قاطع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإنه لا يدع ذكره ، فإذا لم يذكر -فيما أشبه ذلك- خبرا عن رسول الله ، فاعلم أنه يدع لقارئ كتابه علم الوجه الذي يرد به هذا القول .

(3/258)


إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم (160)

القول في تأويل قوله تعالى : { إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم (160) }
قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: أن الله واللاعنين يلعنون الكاتمين الناس ما علموا من أمر نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وصفته ونعته في الكتاب الذي أنزله الله وبينه للناس، إلا من أناب من كتمانه ذلك منهم؛ وراجع التوبة بالإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، والإقرار به وبنبوته، وتصديقه فيما جاء به من عند الله، وبيان ما أنزل الله في كتبه التي أنزل إلى أنبيائه، من الأمر باتباعه؛ وأصلح حال نفسه بالتقرب إلى الله من صالح الأعمال بما يرضيه عنه؛ وبين الذي علم من وحي الله الذي أنزله إلى أنبيائه وعهد إليهم في كتبه فلم يكتمه، وأظهره فلم يخفه ="فأولئك"، يعني: هؤلاء الذين فعلوا هذا الذي وصفت منهم، هم الذين أتوب عليهم، فأجعلهم من أهل الإياب إلى طاعتي، والإنابة إلى مرضاتي.
ثم قال تعالى ذكره:"وأنا التواب الرحيم"، يقول: وأنا الذي أرجع بقلوب عبيدي المنصرفة عنى إلي، والرادها بعد إدبارها عن طاعتي إلى طلب محبتي، والرحيم بالمقبلين بعد إقبالهم إلي، أتغمدهم مني بعفو، وأصفح عن عظيم ما كانوا اجترموا فيما بيني وبينهم، بفضل رحمتي لهم.
* * *
فإن قال قائل: وكيف يتاب على من تاب؟ وما وجه قوله:"إلا الذين تابوا فأولئك أتوب عليهم"؟ وهل يكون تائب إلا وهو متوب عليه، أو متوب عليه إلا وهو تائب؟
قيل: ذلك مما لا يكون أحدهما إلا والآخر معه، فسواء قيل: إلا الذين تيب عليهم فتابوا - أو قيل: إلا الذين تابوا فإني أتوب عليهم. وقد بينا وجه ذلك

(3/259)


فيما جاء من الكلام هذا المجيء، في نظيره فيما مضى من كتابنا هذا، فكرهنا إعادته في هذا الموضع. (1)
* * *
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
2390- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة في قوله:"إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا"، يقول: أصلحوا فيما بينهم وبين الله، وبينوا الذي جاءهم من الله، فلم يكتموه ولم يجحدوا به: أولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم.
2391- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا" قال، بينوا ما في كتاب الله للمؤمنين، وما سألوهم عنه من أمر النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا كله في يهود.
* * *
قال أبو جعفر: وقد زعم بعضهم أن معنى قوله:"وبينوا"، إنما هو: وبينوا التوبة بإخلاص العمل. ودليل ظاهر الكتاب والتنزيل بخلافه. لأن القوم إنما عوتبوا قبل هذه الآية، (2) على كتمانهم ما أنزل الله تعالى ذكره وبينه في كتابه، في أمر محمد صلى الله عليه وسلم ودينه، ثم استثنى منهم تعالى ذكره الذين يبينون أمر محمد صلى الله عليه وسلم ودينه، فيتوبون مما كانوا عليه من الجحود والكتمان، فأخرجهم من عداد من يلعنه الله ويلعنه اللاعنون (3) = ولم يكن العتاب على تركهم تبيين التوبة بإخلاص العمل.
والذين استثنى الله من الذين يكتمون ما أنزل الله من البينات والهدى من بعد
__________
(1) انظر ما سلف 2 : 549 .
(2) في المطبوعة : "في مثل هذه الآية" ، وهو خطأ ، والصواب ما أثبت .
(3) في المطبوعة : "فأخرجهم من عذاب من يلعنه الله" ، وهو تصحيف ، صوابه ما أثبت .

(3/260)


إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين (161)

ما بينه للناس في الكتاب، (1) عبد الله بن سلام وذووه من أهل الكتاب، (2) الذين أسلموا فحسن إسلامهم، واتبعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين (161) }
قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله:"إن الذين كفروا"، إن الذين جحدوا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وكذبوا به = من اليهود والنصارى وسائر أهل الملل، والمشركين من عبدة الأوثان ="وماتوا وهم كفار"، يعني: وماتوا وهم على جحودهم ذلك وتكذيبهم محمدا صلى الله عليه وسلم،"أولئك عليهم لعنة الله والملائكة"، يعني: فأولئك الذين كفروا وماتوا وهم كفار عليهم لعنة الله، يقول: أبعدهم الله وأسحقهم من رحمته،"والملائكة"، يعني ولعنهم الملائكة والناس أجمعون. ولعنة الملائكة والناس إياهم قولهم:"عليهم لعنة الله".
* * *
وقد بينا معنى"اللعنة" فيما مضى قبل بما أغنى عن إعادته. (3)
* * *
فإن قال قائل: وكيف تكون على الذي يموت كافرا بمحمد صلى الله عليه وسلم [لعنة الناس أجمعين] من أصناف الأمم، (4) وأكثرهم ممن لا يؤمن به ويصدقه؟
__________
(1) في المطبوعة : "من بعد ما بيناه للناس" ، وهو خطأ وسهو .
(2) قوله : "وذووه" ، أي أصحابه وأهل ملته ، بإضافة"ذو" إلى الضمير ، وللنحاة فيه قول كثير ، وزعموا أن ذلك يكون في ضرورة الشعر ، وليس كذلك ، بل هو آت في النثر قديما ، بمثل ما استعمله الطبري .
(3) انظر ما سلف في هذا الجزء 3 : 254 ، والتعليق : 1 ، ومراجعه .
(4) الزيادة التي بين القوسين لا بد منها ، وإلا اختل الكلام والسؤال ، ولم يكن لهما معنى محدود مفهوم ، واستظهرت الزيادة من جواب هذا السؤال .

(3/261)


قيل: إن معنى ذلك على خلاف ما ذهبت إليه. وقد اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك. فقال بعضهم: عنى الله بقوله:"والناس أجمعين"، أهل الإيمان به وبرسوله خاصة، دون سائر البشر.
* ذكر من قال ذلك:
2392- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:"والناس أجمعين"، يعني: ب"الناس أجمعين"، المؤمنين.
2393- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع:"والناس أجمعين"، يعني بـ "الناس أجمعين"، المؤمنين.
* * *
وقال آخرون: بل ذلك يوم القيامة، يوقف على رءوس الأشهاد الكافر فيلعنه الناس كلهم.
* ذكر من قال ذلك:
2394- حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، عن أبي العالية: أن الكافر يوقف يوم القيامة فيلعنه الله، ثم تلعنه الملائكة، ثم يلعنه الناس أجمعون.
* * *
وقال آخرون: بل ذلك قول القائل كائنا من كان:"لعن الله الظالم"، فيلحق ذلك كل كافر، لأنه من الظلمة.
* ذكر من قال ذلك:
2395- حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي قوله:"أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين"، فإنه لا يتلاعن اثنان مؤمنان ولا كافران فيقول أحدهما:"لعن الله الظالم"، إلا وجبت تلك اللعنة على الكافر، لأنه ظالم، فكل أحد من الخلق يلعنه.
* * *

(3/262)


خالدين فيها لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون (162)

قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بالصواب عندنا قول من قال: عنى الله بذلك جميع الناس، بمعنى لعنهم إياهم بقولهم:"لعن الله الظالم - أو الظالمين".
فإن كل أحد من بني آدم لا يمتنع من قيل ذلك كائنا من كان، (1) ومن أي أهل ملة كان، فيدخل بذلك في لعنته كل كافر كائنا من كان. وذلك بمعنى ما قاله أبو العالية. لأن الله تعالى ذكره أخبر عمن شهدهم يوم القيامة أنهم يلعنونهم فقال:( ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أولئك يعرضون على ربهم ويقول الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين ) [هود: 18]
وأما ما قاله قتادة، من أنه عنى به بعض الناس، فقول ظاهر التنزيل بخلافه، ولا برهان على حقيقته من خبر ولا نظر. فإن كان ظن أن المعني به المؤمنون، من أجل أن الكفار لا يلعنون أنفسهم ولا أولياءهم، فإن الله تعالى ذكره قد أخبر أنهم يلعنونهم في الآخرة. ومعلوم منهم أنهم يلعنون الظلمة، وداخل في الظلمة كل كافر، بظلمه نفسه، وجحوده نعمة ربه، ومخالفته أمره.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { خالدين فيها لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون (162) }
* * *
قال أبو جعفر: إن قال لنا قائل: ما الذي نصب"خالدين فيها"؟
قيل: نصب على الحال من"الهاء والميم" اللتين في"عليهم". وذلك أن معنى قوله:"أولئك عليهم لعنة الله"، أولئك يلعنهم الله والملائكة والناس أجمعون خالدين فيها. ولذلك قرأ ذلك:"أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعون"
__________
(1) في المطبوعة : "لا يمنع من قيل ذلك" ، والصواب ما أثبت .

(3/263)


من قرأه كذلك، (1) توجيها منه إلى المعنى الذي وصفت. وذلك وإن كان جائزا في العربية، فغير جائزة القراءة به، لأنه خلاف لمصاحف المسلمين، وما جاء به المسلمون من القراءة مستفيضا فيهم. فغير جائز الاعتراض بالشاذ من القول، على ما قد ثبتت حجته بالنقل المستفيض.
* * *
وأما"الهاء والألف" اللتان في قوله:"فيها"، فإنهما عائدتان على"اللعنة"، والمراد بالكلام: ما صار إليه الكافر باللعنة من الله ومن ملائكته ومن الناس. والذي صار إليه بها، نار جهنم. وأجرى الكلام على"اللعنة"، والمراد بها ما صار إليه الكافر، كما قد بينا من نظائر ذلك فيما مضى قبل، كما:-
2396- حدثت عن عمار قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، عن أبي العالية:"خالدين فيها"، يقول: خالدين في جهنم، في اللعنة.
* * *
وأما قوله:"لا يخفف عنهم العذاب"، فإنه خبر من الله تعالى ذكره عن دوام العذاب أبدا من غير توقيت ولا تخفيف، كما قال تعالى ذكره:( والذين كفروا لهم نار جهنم لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها ) [سورة فاطر: 36]، وكما قال:( كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ) [سورة النساء: 56]
* * *
وأما قوله:"ولا هم ينظرون"، فإنه يعني: ولا هم ينظرون بمعذرة يعتذرون، كما:-
2397- حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، عن أبي العالية:"ولا هم ينظرون"، يقول: لا ينظرون فيعتذرون،
__________
(1) في المطبوعة : "والناس أجميعن" ، وهو خطأ ، والصواب ما أثبت ، برفع"الملائكة والناس أجمعون" ، وهي قراءة الحسن . وانظر معاني القرآن للفراء 1 : 96-97 ، وتفسير هذه الآية في سائر كتب التفسير .

(3/264)


وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم (163)

كقوله:( هذا يوم لا ينطقون ولا يؤذن لهم فيعتذرون ) . [سورة المرسلات: 35-36]
* * *
القول في تأويل قوله عز وجل : { وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم (163) }
قال أبو جعفر: قد بينا فيما مضى معنى"الألوهية"، وأنها اعتباد الخلق. (1)
فمعنى قوله:"وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم": والذي يستحق عليكم أيها الناس الطاعة له، ويستوجب منكم العبادة، معبود واحد ورب واحد، فلا تعبدوا غيره، ولا تشركوا معه سواه، فإن من تشركونه معه في عبادتكم إياه، هو خلق من خلق إلهكم مثلكم، وإلهكم إله واحد، لا مثل له ولا نظير.
* * *
واختلف في معنى وحدانيته تعالى ذكره،
فقال بعضهم: معنى وحدانية الله، معنى نفي الأشباه والأمثال عنه، كما يقال:"فلان واحد الناس - وهو واحد قومه"، يعني بذلك أنه ليس له في الناس مثل، ولا له في قومه شبيه ولا نظير. فكذلك معنى قول:"الله واحد"، يعني به: الله لا مثل له ولا نظير.
فزعموا أن الذي دلهم على صحة تأويلهم ذلك، أن قول القائل:"واحد" يفهم لمعان أربعة. أحدها: أن يكون"واحدا" من جنس، كالإنسان"الواحد" من الإنس. والآخر: أن يكون غير متفرق، كالجزء الذي لا ينقسم. (2) والثالث:
__________
(1) انظر ما سلف 1 : 122-126 .
(2) في المطبوعة : "غير متصرف" ، وهو تصحيف ، والصواب ما أثبت .

(3/265)


أن يكون معنيا به: المثل والاتفاق، كقول القائل:"هذان الشيئان واحد"، يراد بذلك: أنهما متشابهان، حتى صارا لاشتباههما في المعاني كالشيء الواحد.
والرابع: أن يكون مرادا به نفي النظير عنه والشبيه.
قالوا: فلما كانت المعاني الثلاثة من معاني"الواحد" منتفية عنه، صح المعنى الرابع الذي وصفناه.
* * *
وقال آخرون: معنى"وحدانيته" تعالى ذكره، معنى انفراده من الأشياء، وانفراد الأشياء منه. قالوا: وإنما كان منفردا وحده، لأنه غير داخل في شيء ولا داخل فيه شيء. قالوا: ولا صحة لقول القائل:"واحد"، من جميع الأشياء إلا ذلك. وأنكر قائلو هذه المقالة المعاني الأربعة التي قالها الآخرون.
* * *
وأما قوله:"لا إله إلا هو"، فإنه خبر منه تعالى ذكره أنه لا رب للعالمين غيره، ولا يستوجب على العباد العبادة سواه، وأن كل ما سواه فهم خلقه، والواجب على جميعهم طاعته والانقياد لأمره، وترك عبادة ما سواه من الأنداد والآلهة، وهجر الأوثان والأصنام. لأن جميع ذلك خلقه، وعلى جميعهم الدينونة له بالوحدانية والألوهة، ولا تنبغي الألوهة إلا له، إذ كان ما بهم من نعمة في الدنيا فمنه، دون ما يعبدونه من الأوثان ويشركون معه من الأشراك؛ (1) وما يصيرون إليه من نعمة في الآخرة فمنه، وأن ما أشركوا معه من الأشراك لا يضر ولا ينفع في عاجل ولا في آجل، ولا في دنيا ولا في آخرة.
وهذا تنبيه من الله تعالى ذكره أهل الشرك به على ضلالهم، ودعاء منه لهم إلى الأوبة من كفرهم، والإنابة من شركهم.
__________
(1) الأشراك جمع شريك ، كما يقال : شريف وأشراف ، ونصير وأنصار ، ويجمع أيضا على"شركاء" .

(3/266)


ثم عرفهم تعالى ذكره بالآية التي تتلوها، موضع استدلال ذوي الألباب منهم على حقيقة ما نبههم عليه من توحيده وحججه الواضحة القاطعة عذرهم، فقال تعالى ذكره: أيها المشركون، إن جهلتم أو شككتم في حقيقة ما أخبرتكم من الخبر: من أن إلهكم إله واحد، دون ما تدعون ألوهيته من الأنداد والأوثان، فتدبروا حججي وفكروا فيها، فإن من حججي خلق السموات والأرض، واختلاف الليل والنهار، والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس، وما أنزلت من السماء من ماء فأحييت به الأرض بعد موتها، وما بثثت فيها من كل دابة، والسحاب الذي سخرته بين السماء والأرض. فإن كان ما تعبدونه من الأوثان والآلهة والأنداد وسائر ما تشركون به، إذا اجتمع جميعه فتظاهر أو انفرد بعضه دون بعض، يقدر على أن يخلق نظير شيء من خلقي الذي سميت لكم، فلكم بعبادتكم ما تعبدون من دوني حينئذ عذر، وإلا فلا عذر لكم في اتخاذ إله سواي، ولا إله لكم ولما تعبدون غيري. فليتدبر أولو الألباب إيجاز الله احتجاجه على جميع أهل الكفر به والملحدين في توحيده، في هذه الآية وفي التي بعدها، بأوجز كلام، وأبلغ حجة وألطف معنى يشرف بهم على معرفة فضل حكمة الله وبيانه.
* * *

(3/267)


إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون (164)

القول في المعنى الذي من أجله أنزل الله على نبيه صلى الله عليه وسلم قوله: { إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار }
* * *
قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في السبب الذي من أجله أنزل الله تعالى ذكره هذه الآية على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم.
* * *

(3/267)


فقال بعضهم: أنزلها عليه احتجاجا له على أهل الشرك به من عبدة الأوثان. وذلك أن الله تعالى ذكره لما أنزل على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم:"وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم" فتلا ذلك على أصحابه، وسمع به المشركون من عبدة الأوثان، قال المشركون: وما الحجة والبرهان على أن ذلك كذلك؟ ونحن ننكر ذلك، ونحن نزعم أن لنا آلهة كثيرة؟ فأنزل الله عند ذلك:"إن في خلق السموات والأرض"، احتجاجا لنبيه صلى الله عليه وسلم على الذين قالوا ما ذكرنا عنهم.
* ذكر من قال ذلك:
2398- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن عطاء، قال: نزل على النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة:"وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم"، فقال كفار قريش بمكة: كيف يسع الناس إله واحد؟ فأنزل الله تعالى ذكره:"إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار"، إلى قوله:"لآيات لقوم يعقلون"، فبهذا تعلمون أنه إله واحد، وأنه إله كل شيء، وخالق كل شيء.
* * *
وقال آخرون: بل نزلت هذه الآية على النبي صلى الله عليه وسلم، من أجل أن أهل الشرك سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم [آية]، (1) فأنزل الله هذه الآية، يعلمهم فيها أن لهم في خلق السموات والأرض وسائر ما ذكر مع ذلك، آية بينة على وحدانية الله، وأنه لا شريك له في ملكه، لمن عقل وتدبر ذلك بفهم صحيح.
* ذكر من قال ذلك:
2399- حدثنا سفيان بن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن أبيه،
__________
(1) الزيادة بين القوسين لا يتم الكلام إلا بها ، ويدل عليها ما سيأتي في الآثار بعد .

(3/268)


عن أبي الضحى قال: لما نزلت"وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم"، قال المشركون: إن كان هذا هكذا فليأتنا بآية! فأنزل الله تعالى ذكره:"إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار"، الآية.
2400- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق بن الحجاج قال حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، قال حدثني سعيد بن مسروق، عن أبي الضحى قال: لما نزلت:"وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم"، قال المشركون: إن كان هذا هكذا فليأتنا بآية، فأنزل الله تعالى ذكره:"إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار"، الآية.
2401- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق بن الحجاج قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، قال، حدثني سعيد بن مسروق، عن أبي الضحى قال: لما نزلت هذه الآية، جعل المشركون يعجبون ويقولون: تقول إلهكم إله واحد، فلتأتنا بآية إن كنت من الصادقين! فأنزل الله:"إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار"، الآية.
2402- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا حجاج، عن ابن جريج عن عطاء بن أبى رباح أن المشركين قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: أرنا آية! فنزلت هذه الآية:"إن في خلق السموات والأرض".
2403- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يعقوب القمي، عن جعفر، عن سعيد قال: سألت قريش اليهود فقالوا: حدثونا عما جاءكم به موسى من الآيات! فحدثوهم بالعصا وبيده البيضاء للناظرين. وسألوا النصارى عما جاءهم به عيسى من الآيات، فأخبروهم أنه كان يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله. فقالت قريش عند ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم: ادع الله أن يجعل لنا الصفا ذهبا، فنزداد يقينا، ونتقوى به على عدونا. فسأل النبي صلى الله عليه وسلم ربه، فأوحى إليه:

(3/269)


إني معطيهم، فأجعل لهم الصفا ذهبا، ولكن إن كذبوا عذبتهم عذابا لم أعذبه أحدا من العالمين.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ذرني وقومي فأدعوهم يوما بيوم. فأنزل الله عليه:"إن في خلق السموات والأرض"، الآية: إن في ذلك لآية لهم، إن كانوا إنما يريدون أن أجعل لهم الصفا ذهبا، فخلق الله السموات والأرض واختلاف الليل والنهار، أعظم من أن أجعل لهم الصفا ذهبا ليزدادوا يقينا.
2404- حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار"، فقال المشركون للنبي صلى الله عليه وسلم: (1) غير لنا الصفا ذهبا إن كنت صادقا أنه منه! فقال الله: إن في هذه الآيات لآيات لقوم يعقلون. وقال: قد سأل الآيات قوم قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين.
* * *
قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك، أن الله تعالى ذكره نبه عباده = على الدلالة على وحدانيته وتفرده بالألوهية، دون كل ما سواه من الأشياء = بهذه الآية. وجائز أن تكون نزلت فيما قاله عطاء، وجائز أن تكون فيما قاله سعيد بن جبير وأبو الضحى، ولا خبر عندنا بتصحيح قول أحد الفريقين يقطع العذر، فيجوز أن يقضي أحد لأحد الفريقين بصحة قول على الآخر. وأي القولين كان صحيحا، فالمراد من الآية ما قلت.
* * *
__________
(1) في المطبوعة : "فقال المشركون للنبي . . . " ، والصواب طرح هذه الفاء .

(3/270)


القول في تأويل قوله تعالى : { إن في خلق السماوات والأرض }
قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله:"إن في خلق السموات والأرض"، إن في إنشاء السموات والأرض وابتداعهما.
* * *
ومعنى"خلق" الله الأشياء: ابتداعه وإيجاده إياها، بعد أن لم تكن موجودة.
وقد دللنا فيما مضى على المعنى الذي من أجله قيل:"الأرض"، ولم تجمع كما جمعت السموات، فأغنى ذلك عن إعادته (1)
* * *
فإن قال لنا قائل: وهل للسموات والأرض خلق هو غيرها فيقال:"إن في خلق السموات والأرض"؟
قيل: قد اختلف في ذلك. فقال بعض الناس: لها خلق هو غيرها. واعتلوا في ذلك بهذه الآية، وبالتي في سورة: الكهف:( ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم ) [سورة الكهف: 51] وقالوا: لم يخلق الله شيئا إلا والله له مريد. قالوا: فالأشياء كانت بإرادة الله، والإرادة خلق لها.
* * *
__________
(1) انظر ما سلف 1 : 431-437 .

(3/271)


وقال آخرون: خلق الشيء صفة له، لا هي هو، ولا غيره. قالوا: لو كان غيره لوجب أن يكون مثله موصوفا. قالوا: ولو جاز أن يكون خلقه غيره، وأن يكون موصوفا، لوجب أن تكون له صفة هي له خلق. ولو وجب ذلك كذلك، لم يكن لذلك نهاية. قالوا: فكان معلوما بذلك أنه صفة للشيء. قالوا: فخلق السموات والأرض صفة لهما، على ما وصفنا. واعتلوا أيضا -بأن للشيء خلقا ليس هو به- من كتاب الله بنحو الذي اعتل به الأولون.
* * *
وقال آخرون: خلق السموات والأرض، وخلق كل مخلوق، هو ذلك الشيء بعينه لا غيره.
فمعنى قوله:"إن في خلق السموات والأرض": إن في السموات والأرض. (1)
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { واختلاف الليل والنهار }
قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله:"واختلاف الليل والنهار"، وتعاقب الليل والنهار عليكم أيها الناس.
* * *
وإنما"الاختلاف" في هذا الموضع"الافتعال" من"خلوف" كل واحد منهما الآخر، (2) كما قال تعالى ذكره:( وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا ) [سورة الفرقان: 62].
بمعنى: أن كل واحد منهما يخلف مكان صاحبه، إذا ذهب الليل جاء النهار بعده، وإذا ذهب النهار جاء الليل خلفه. ومن ذلك قيل:"خلف فلان فلانا في أهله بسوء"، ومنه قول زهير:
بها العين والآرام يمشين خلفة... وأطلاؤها ينهضن من كل مجثم (3)
* * *
__________
(1) لم يتبع أبو جعفر في هذا الموضع ما درج عليه من ترجيح القول الذي يختاره . وهذا مما يدل على ما ذهبنا إليه ، أنه كان يختصر كلامه أحيانا ، مخافة الإطالة . هذا إذا لم يكن في المخطوطات خرم أو اختصار من ناسخ أو كاتب .
(2) "خلوف" مصدر"خلف" ، ولم أجده في كتب اللغة ، ولكنه عربي معرق في قياسه .
(3) ديوانه : من معلقته العتيقة . والهاء في"بها" إلى"ديار أم أوفى" صاحبته . والعين جمع عيناء : وهي بقر الوحش ، واسعة العيون جميلتها . والآرام جمع رئم : وهي الظباء الخوالص البياض ، تسكن الرمل . "خلفة" إذا جاء منها فوج ذهب آخر يخلفه مكانه . يصف مجيئها وذهوبها في براح هذه الرملة . والأطلاء جمع طلا : وهو ولد البقرة والظبية الصغير . ويصف الصغار من أولاد البقر والظباء في هذه الرملة ، وقد نهض هذا وذاك منها من موضع جثومه . يصف اختلاف الحركة في هذه الفقرة المهجورة التي فارقتها أم أوفى ، وقد وقف بها من بعد عشرين حجة - ، كما ذكر .

(3/272)


وأما"الليل". فإنه جمع"ليلة"، نظير"التمر" الذي هو جمع"تمرة". وقد يجمع"ليال"، فيزيدون في جمعها ما لم يكن في واحدتها. وزيادتهم"الياء" في ذلك نظير زيادتهم إياها في"رباعية وثمانية وكراهية".
* * *
وأما"النهار"، فإن العرب لا تكاد تجمعه، لأنه بمنزلة الضوء. وقد سمع في جمعه"النهر"، قال الشاعر:
لولا الثريدان هلكنا بالضمر... ثريد ليل وثريد بالنهر (1)
ءولو قيل في جمع قليله"أنهرة" كان قياسا.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس }
قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره: إن في الفلك التي تجري في البحر.
* * *
و"الفلك" هو السفن، واحده وجمعه بلفظ واحد، ويذكر ويؤنث، كما قال تعالى ذكره في تذكيره في آية أخرى:( وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون ) [سورة يس: 41]، فذكره.
* * *
وقد قال في هذه الآية:"والفلك التي تجري في البحر"، وهي مجراة، لأنها
__________
(1) تهذيب الألفاظ : 422 ، والمخصص 9 : 51 ، واللسان (نهر) ، والأزمنة والأمكنة 1 : 77 ، 155 وغيرها . ورواية اللسان والمخصص"لمتنا بالضمر" . والضمر (بضم الميم وسكونها) مثل العسر والعسر : الهزال ولحاق البطن من الجوع وغيره . والثريد : خبز يهشم ويبل بماء القدر ويغمس فيه حتى يلين .

(3/273)


إذا أجريت فهي"الجارية"، فأضيف إليها من الصفة ما هو لها. (1)
* * *
وأما قوله:"بما ينفع الناس"، فإن معناه: ينفع الناس في البحر.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها }
قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله:"وما أنزل الله من السماء من ماء"، وفيما أنزله الله من السماء من ماء، وهو المطر الذي ينزله الله من السماء.
وقوله:"فأحيا به الأرض بعد موتها"، وإحياؤها: عمارتها، وإخراج نباتها. و"الهاء" التي في"به" عائدة على"الماء" و"الهاء والألف" في قوله:"بعد موتها" على الأرض.
و"موت الأرض"، خرابها، ودثور عمارتها، وانقطاع نباتها، الذي هو للعباد أقوات، وللأنام أرزاق.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { وبث فيها من كل دابة }
قال أبو جعفر: بعني تعالى ذكره بقوله:"وبث فيها من كل دابة"، وإن فيما بث في الأرض من دابة.
* * *
__________
(1) انظر ما سلف 1 : 196 .

(3/274)


ومعنى قوله:"وبث فيها"، وفرق فيها، من قول القائل:"بث الأمير سراياه"، يعنى: فرق.
و"الهاء والألف" في قوله:"فيها"، عائدتان على"الأرض".
* * *
"والدابة""الفاعلة"، من قول القائل:"دبت الدابة تدب دبيبا فهي دابة"."والدابة"، اسم لكل ذي روح كان غير طائر بجناحيه، لدبيبه على الأرض.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { وتصريف الرياح }
قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله:"وتصريف الرياح"، وفي تصريفه الرياح، فأسقط ذكر الفاعل وأضاف الفعل إلى المفعول، كما تقول: (1) "يعجبني إكرام أخيك"، تريد: إكرامك أخاك.
* * *
"وتصريف" الله إياها، أن يرسلها مرة لواقح، ومرة يجعلها عقيما، ويبعثها عذابا تدمر كل شيء بأمر ربها، كما:-
2405- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:"وتصريف الرياح والسحاب المسخر" قال، قادر والله ربنا على ذلك، إذا شاء [جعلها رحمة لواقح للسحاب ونشرا بين يدي رحمته، وإذا شاء] جعلها عذابا ريحا عقيما لا تلقح، إنما هي عذاب على من أرسلت عليه. (2)
* * *
__________
(1) في المطبوعة : "كما قال : يعجبني . . يريد" ، والصواب ما أثبت .
(2) الزيادة بين القوسين من نص الدر المنثور 1 : 164 ، من نص تفسير قتادة الذي أخرجه الطبري .

(3/275)


وزعم بعض أهل العربية أن معنى قوله:"وتصريف الرياح"، أنها تأتي مرة جنوبا وشمالا وقبولا ودبورا. ثم قال: وذلك تصريفها. (1) وهذه الصفة التي وصف الرياح بها، صفة تصرفها لا صفة تصريفها، لأن"تصريفها" تصريف الله لها،"وتصرفها" اختلاف هبوبها.
وقد يجوز أن يكون معنى قوله:"وتصريف الرياح"، تصريف الله تعالى ذكره هبوب الريح باختلاف مهابها.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون (164) }
قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله:"والسحاب المسخر"، وفي السحاب، جمع"سحابة". يدل على ذلك قوله تعالى ذكره:( وينشئ السحاب الثقال ) [سورة الرعد: 12] فوحد المسخر وذكره، كما قالوا:"هذه تمرة وهذا تمر كثير". في جمعه،"وهذه نخلة وهذا نخل". (2)
وإنما قيل للسحاب"سحاب" إن شاء الله، لجر بعضه بعضا وسحبه إياه، من قول القائل:"مر فلان يجر ذيله"، يعني:"يسحبه".
* * *
فأما معنى قوله:"لآيات"، فإنه علامات ودلالات على أن خالق ذلك كله ومنشئه، إله واحد. (3)
* * *
__________
(1) هذه مقالة الفراء في معاني القرآن 1 : 97 .
(2) في المطبوعة : "كما قال : هذه ثمرة . . . " ، والصواب ما أثبته .
(3) انظر معنى"آية" فيما سلف 1 : 106 ، وفهارس اللغة . وقد ترك الطبري تفسيره"المسخر" ، وكأن في الأصول اختصارا من ناسخ أو كاتب ، إن لم يكن من الطبري نفسه ، كما أشرت إليه فيما مضى .

(3/276)


"لقوم يعقلون"، لمن عقل مواضع الحجج، وفهم عن الله أدلته على وحدانيته. فأعلم تعالى ذكره عباده، بأن الأدلة والحجج إنما وضعت معتبرا لذوي العقول والتمييز، دون غيرهم من الخلق، إذ كانوا هم المخصوصين بالأمر والنهي، والمكلفين بالطاعة والعبادة، ولهم الثواب، وعليهم العقاب.
* * *
فإن قال قائل: وكيف احتج على أهل الكفر بقوله:"إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار" الآية، في توحيد الله؟ وقد علمت أن أصنافا من أصناف الكفرة تدفع أن تكون السموات والأرض وسائر ما ذكر في هذه الآية مخلوقة؟
قيل: إن إنكار من أنكر ذلك غير دافع أن يكون جميع ما ذكر تعالى ذكره في هذه الآية، دليلا على خالقه وصانعه، وأن له مدبرا لا يشبهه [شيء]، وبارئا لا مثل له. (1) وذلك وإن كان كذلك، فإن الله إنما حاج بذلك قوما كانوا مقرين بأن الله خالقهم، غير أنهم يشركون في عبادته عبادة الأصنام والأوثان. (2) فحاجهم تعالى ذكره فقال -إذ أنكروا قوله:"وإلهكم إله واحد"، وزعموا أن له شركاء من الآلهة-: [إن إلهكم الذي خلق السموات وأجرى فيها الشمس والقمر لكم بأرزاقكم دائبين في سيرهما. وذلك هو معنى اختلاف الليل والنهار في الشمس والقمر] (3) وذلك هو معنى قوله:"والفلك التي تجري في البحر بما
__________
(1) الزيادة بين القوسين لا بد منها هنا .
(2) انظر ما سلف في 1 : 371 ، والرد على من ظن أن العرب كانت غير مقرة بالوحدانية .
(3) هذه الجملة قد سقط منها شيء كثير ، فاختلت واضطربت ، وكأن صوابها ما يأتي : [إن إلهكم الذي خلق لكم السموات والأرض ، فخلق الأرض وقدر لكم فيها أرزاقكم وأقواتكم ، وخلق السموات وأجرى فيها الشمس والقمر دائبين في سيرهما - وذلك هو معنى : (واختلاف الليل والنهار) -وخلق الرياح التي تسوق السفن التي تحملكم فتجريها في البحر لتبتغوا من فضله] -

(3/277)


ينفع الناس" - وأنزل إليكم الغيث من السماء، فأخصب به جنابكم بعد جدوبه، وأمرعه بعد دثوره، فنعشكم به بعد قنوطكم (1) -، وذلك هو معنى قوله:"وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها" - وسخر لكم الأنعام فيها لكم مطاعم ومآكل، ومنها جمال ومراكب، ومنها أثاث وملابس - وذلك هو معنى قوله:"وبث فيها من كل دابة" - وأرسل لكم الرياح لواقح لأشجار ثماركم وغذائكم وأقواتكم، وسير لكم السحاب الذي بودقه حياتكم وحياة نعمكم ومواشيكم - وذلك هو معنى قوله:"وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض".
فأخبرهم أن إلههم هو الله الذي أنعم عليهم بهذه النعم، وتفرد لهم بها. ثم قال: هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء، فتشركوه في عبادتكم إياي، وتجعلوه لي ندا وعدلا؟ فإن لم يكن من شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء، ففي الذي عددت عليكم من نعمتي، وتفردت لكم بأيادي، دلالات لكم إن كنتم تعقلون مواقع الحق والباطل، والجور والإنصاف. وذلك أنى لكم بالإحسان إليكم متفرد دون غيري، وأنتم تجعلون لي في عبادتكم إياي أندادا. فهذا هو معنى الآية.
* * *
والذين ذكروا بهذه الآية واحتج عليهم بها، هم القوم الذين وصفت صفتهم، دون المعطلة والدهرية، وإن كان في أصغر ما عد الله في هذه الآية، من الحجج البالغة، المقنع لجميع الأنام، تركنا البيان عنه، كراهة إطالة الكتاب بذكره.
__________
(1) أمرع الأرض : صيرها خصبة بعد الجدب . والدثور : الدروس ، يريد خرابها وانمحاء آثار عمارتها من النبات وغيره . وكان في المطبوعة : "فينعثكم" ، والصواب ما أثبت . ونعشه الله ينعشه : رفعه وتداركه برحمته .

(3/278)


ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعا وأن الله شديد العذاب (165)

القول في تأويل قوله تعالى : { ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله }
قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: أن من الناس من يتخذ من دون الله أندادا له =
وقد بينا فيما مضى أن"الند"، العدل، بما يدل على ذلك من الشواهد، فكرهنا إعادته. (1)
* * *
= وأن الذين اتخذوا هذه"الأنداد" من دون الله، يحبون أندادهم كحب المؤمنين الله. ثم أخبرهم أن المؤمنين أشد حبا لله، من متخذي هذه الأنداد لأندادهم.
* * *
واختلف أهل التأويل في"الأنداد" التي كان القوم اتخذوها. وما هي؟
* * *
فقال بعضهم: هي آلهتهم التي كانوا يعبدونها من دون الله.
* ذكر من قال ذلك.
2406- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد، عن سعيد، عن قتادة قوله:"ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله"، من الكفار لأوثانهم.
2407- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله تعالى ذكره:"يحبونهم كحب الله"، مباهاة ومضاهاة للحق بالأنداد،"والذين آمنوا أشد حبا لله"، من الكفار لأوثانهم.
2408- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.
__________
(1) انظر ما سلف 1 : 368-370 .

(3/279)


2409- حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قوله:"ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله" قال، هي الآلهة التي تعبد من دون الله، يقول: يحبون أوثانهم كحب الله،"والذين آمنوا أشد حبا لله"، أي من الكفار لأوثانهم.
2410- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله" قال، هؤلاء المشركون. أندادهم: آلهتهم التي عبدوا مع الله، يحبونهم كما يحب الذين آمنوا الله، والذين آمنوا أشد حبا لله من حبهم هم آلهتهم.
* * *
وقال آخرون: بل"الأنداد" في هذا الموضع، إنما هم سادتهم الذين كانوا يطيعونهم في معصية الله تعالى ذكره.
* ذكر من قال ذلك:
2411- حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله" قال، الأنداد من الرجال، يطيعونهم كما يطيعون الله، إذا أمروهم أطاعوهم وعصوا الله. (1)
* * *
فإن قال قائل: وكيف قيل:"كحب الله"؟ وهل يحب الله الأنداد؟ وهل كان متخذو الأنداد يحبون الله، فيقال:"يحيونهم كحب الله"؟
قيل: إن معنى ذلك بخلاف ما ذهبت إليه، وإنما ذلك نظير قول القائل: (2) "بعت غلامي كبيع غلامك"، بمعنى: بعته كما بيع غلامك، وكبيعك
__________
(1) الأثر : 2411- في المطبوعة : "حدثني موسى قال حدثنا أسباط" ، أسقط منه"قال حدثنا عمرو" ، وهو إسناد دائر في التفسير ، أقر به رقم : 2404 . ثم انظر ص : 288 س : 11 فسيأتي تأويله وبيانه عن قول السدي .
(2) في المطبوعة : "وإنما نظير ذلك" ، وأثبت أولى العبارتين بالسياق والمعنى .

(3/280)


غلامك،"واستوفيت حقي منه استيفاء حقك"، بمعنى: استيفائك حقك، فتحذف من الثاني كناية اسم المخاطب، اكتفاء بكنايته في"الغلام" و"الحق"، كما قال الشاعر:
فلست مسلما ما دمت حيا... على زيد بتسليم الأمير (1)
يعنى بذلك: كما يسلم على الأمير.
* * *
فمعنى الكلام إذا: ومن الناس من يتخذ، أيها المؤمنون، من دون الله أندادا يحبونهم كحبكم الله. (2)
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعا وأن الله شديد العذاب (165) }
قال أبو جعفر: اختلفت القرأة في قراءة ذلك. فقرأه عامة أهل المدينة والشأم:"ولو ترى الذين ظلموا" بالتاء"إذ يرون العذاب" بالياء"أن القوة لله جميعا وأن الله شديد العذاب" بفتح"أن" و"أن" كلتيهما - بمعنى: ولو ترى يا محمد
__________
(1) لم أعرف قائله . وسيأتي في هذا الجزء 3 : 311 ، وهو من أبيات أربعة في البيان والتبيين 4 : 51 ، ومعاني القرآن للفراء 1 : 100 ، وأمالي الشريف 1 : 215 . وبعد البيت : أمير يأكل الفالوذ سرا ... ويطعم ضيفه خبز الشعير!
أتذكر إذ قباؤك جلد شاة ... وإذ نعلاك من جلد البعير?
فسبحان الذي أعطاك ملكا ... وعلمك الجلوس على السرير!!
(2) في المطبوعة : "كحب الله" ، وليس هذا تفسيرا على سياق كلامه وتفسيره ، بل هو نص الآية ، والصواب ما أثبت .

(3/281)


الذين كفروا وظلموا أنفسهم، حين يرون عذاب الله ويعاينونه"أن القوة لله جميعا وأن الله شديد العذاب".
ثم في نصب"أن" و"أن" في هذه القراءة وجهان: أحدهما أن تفتح بالمحذوف من الكلام الذي هو مطلوب فيه، فيكون تأويل الكلام حينئذ: ولو ترى يا محمد الذين ظلموا إذ يرون عذاب الله، لأقروا -ومعنى ترى: تبصر- أن القوة لله جميعا، وأن الله شديد العذاب. ويكون الجواب حينئذ -إذا فتحت"أن" على هذا الوجه- متروكا، قد اكتفى بدلالة الكلام عليه، ويكون المعنى ما وصفت. فهذا أحد وجهي فتح"أن"، على قراءة من قرأ:"ولو ترى" ب"التاء".
والوجه الآخر في الفتح: أن يكون معناه: ولو ترى، يا محمد، إذ

(3/282)


يرى الذين ظلموا عذاب الله، لأن القوة لله جميعا، وأن الله شديد العذاب، لعلمت مبلغ عذاب الله. ثم تحذف"اللام"، فتفتح بذلك المعنى، لدلالة الكلام عليها.
* * *
وقرأ ذلك آخرون من سلف القراء:"ولو ترى الذين ظلموا إذ يرون العذاب إن القوة لله جميعا وإن الله شديد العذاب". بمعنى: ولو ترى، يا محمد، الذين ظلموا حين يعاينون عذاب الله، لعلمت الحال التي يصيرون إليها. ثم أخبر تعالى ذكره خبرا مبتدأ عن قدرته وسلطانه، بعد تمام الخبر الأول فقال:"إن القوة لله جميعا" في الدنيا والآخرة، دون من سواه من الأنداد والآلهة،"وإن الله شديد العذاب" لمن أشرك به، وادعى معه شركاء، وجعل له ندا.
* * *
وقد يحتمل وجها آخر في قراءة من كسر"إن" في"ترى" بالتاء. وهو أن يكون معناه: ولو ترى، يا محمد الذين ظلموا إذ يرون العذاب يقولون: إن القوة لله جميعا وإن الله شديد العذاب. ثم تحذف"القول" وتكتفي منه بالمقول.
* * *
وقرأ ذلك آخرون:"ولو يرى الذين ظلموا" بالياء"إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعا وأن الله شديد العذاب" بفتح"الألف" من"أن""وأن"، بمعنى: ولو يرى الذين ظلموا عذاب الله الذي أعد لهم في جهنم، لعلموا حين يرونه فيعاينونه أن القوة لله جميعا وأن الله شديد العذاب، إذ يرون العذاب. فتكون"أن" الأولى منصوبة لتعلقها بجواب"لو" المحذوف، ويكون الجواب متروكا، وتكون الثانية معطوفة على الأولى. وهذه قراءة عامة القراء الكوفيين والبصريين وأهل مكة.
* * *
وقد زعم بعض نحويي البصرة أن تأويل قراءة من قرأ:"ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعا وأن الله شديد العذاب" بالياء في"يرى" وفتح"الألفين" في"أن""وأن"-: ولو يعلمون، (1) لأنهم لم يكونوا علموا قدر ما يعاينون من العذاب. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم علم، فإذا قال:"ولو ترى"، فإنما يخاطب النبي صلى الله عليه وسلم.
ولو كسر"إن" على الابتداء، إذا قال:"ولو يرى" جاز، لأن"لو يرى"، لو يعلم.
وقد تكون"لو" في معنى لا يحتاج معها إلى شيء. (2) تقول للرجل:"أما والله لو يعلم، ولو تعلم" (3) كما قال الشاعر: (4)
إن يكن طبك الدلال، فلو في... سالف الدهر والسنين الخوالي! (5)
__________
(1) يريد أن"يرى" بمعنى : يعلم . وقاله أبو عبيدة في مجاز القرآن : 62 .
(2) في المطبوعة : "وقد تكون"لو يعلم" في معنى لا يحتاج . . . " ، والصواب حذف"يعلم" فإنه أراد"لو" وحدها ، وذلك ظاهر في استدلاله بعد .
(3) في المطبوعة : "لو يعلم" في الموضعين ، والصواب جعل إحداهما بالياء . والأخرى بالتاء .
(4) هو عبيد بن الأبرص .
(5) ديوانه : 37 ، من قصيدة جيدة يعاتب امرأته وقد عزمت على فراقه ، وقبله : تلك عرسي تروم قدما زيالي ... ألبين تريد أم لدلال?
والزيال : المفارقة . وقوله : "طبك" ، أي شهوتك وإرادتك وبغيتك . يقول لها : إن كنت الدلال على تبغين وترومين ، فقد مضى حين ذلك ، أيام كنا شبابا في سالف دهرنا وليالينا الخوالي! إذ- : أنت بيضاء كالمهاة، وإذا ... آتيك نشوان مرخيا أذيالي

(3/283)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية